Полный текст (2 984 стр.). Показаны 2976–2984 · переход к 2981.
стр. 2976
الْإِكْثَارُ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى: " اللَّهُ ".
وَأَنَّ الْمُلْهَمَةَ: الَّتِي أُلْهِمَتْ فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا مَقَامُهَا مَقَامُ الْأَسْرَارِ، صَاحِبُهَا نَشْوَانُ، يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمَحَبَّةُ وَالْهَيَمَانُ وَالتَّوَاضُعُ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ الْخَلْقِ وَالتَّعَلُّقُ بِالْحَقِّ، يُنَاسِبُهُ كَثْرَةُ اسْتِعْمَالِ اسْمِهِ تَعَالَى " هُوَ " بِالْمَدِّ؛ لِتَخَلُّصٍ مِنْ وَرْطَتِهَا وَأَنَّ الرَّاضِيَةَ كَثِيرَةُ الرِّضَا بِالْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمِ مَقَامُهَا مَقَامُ الْوِصَالِ صَاحِبُهَا غَرِيقٌ فِي السُّكْرِ يُنَاسِبُهُ الْخَلْوَةُ وَكَثْرَةُ ذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى: " الْحَيُّ " لِيُحْيِيَ بِهِ نَفْسَهُ. وَأَنَّ النَّفْسَ الْمَرَضِيَّةَ صَاحِبُهَا لَا يَرَى صُدُورَ الْأَفْعَالِ إلَّا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ مَقَامَهَا مَقَامُ تَجَلِّيَاتِ الْأَفْعَالِ، فَلَا يُمْكِنُهُ الِاعْتِرَاضُ عَلَى أَحَدٍ، حَسَنُ الْخُلُقِ، يَتَلَذَّذُ بِالْحَيْرَةِ، كَمَا قِيلَ:
زِدْنِي بِفَرْطِ الْحُبِّ فِيك تَحَيُّرًا ... وَارْحَمْ حَشَا بِلَظَى هَوَاك تَسَعُّرَا
وَيُنَاسِبُهُ كَثْرَةُ ذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى: " قَيُّومٌ ". وَأَنَّ النَّفْسَ الْكَامِلَةَ مَقَامُهَا مَقَامُ تَجَلِّيَاتِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ يُنَاسِبُهَا كَثْرَةُ ذِكْرِ اسْمِهِ تَعَالَى: " قَهَّارٌ " لِيَحْصُلَ لَهَا تَمَامُ الْقَهْرِ وَيَزُولَ عَنْهَا بَقَايَا النَّقْصِ وَحَالُهَا الْبَقَاءُ بِاَللَّهِ، تَسِيرُ بِاَللَّهِ إلَى اللَّهِ، وَتَرْجِعُ مِنْ اللَّهِ إلَى اللَّهِ، لَيْسَ لَهَا مَأْوَى سِوَاهُ عُلُومُهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ اللَّهِ كَمَا قِيلَ: وَبَعْدَ الْفَنَا بِاَللَّهِ كُنَّ كَيْفَمَا تَشَاءُ فَعِلْمُك لَا جَهْلٌ وَفِعْلُك لَا وِزْرُ
ــ
[حاشية الصاوي]
وَإِنْ كَانَ يَكْرَهُهَا فَلِذَلِكَ كَانَ كَثِيرَ التَّوْبَةِ وَيُسَمَّى تَوَّابًا وَهُوَ مَمْدُوحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ﴾ [القيامة: ٢] .
قَوْلُهُ: [الْإِكْثَارُ مِنْ اسْمِهِ تَعَالَى اللَّهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ الِاسْمُ الْجَامِعُ وَإِنَّمَا طَلَبَ الْإِكْثَارَ مِنْهُ مُجَرَّدًا؛ لِأَنَّ ظُلْمَةَ الشِّرْكِ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ قَدْ أُزِيلَتْ عَنْ قَلْبِهِ.
قَوْلُهُ: [وَأَنَّ الْمُلْهَمَةَ] : أَيْ الَّتِي مَدَحَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩] أَيْ طَهَّرَهَا مِنْ الذُّنُوبِ وَشَهَوَاتِهَا وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ١٠] مَعْنَاهُ دَسَّهَا بِالْمَعَاصِي وَأَلْبَسَهَا بِهَا.
قَوْلُهُ: [يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْمَحَبَّةُ] إلَخْ: تَفْسِيرٌ لِنَشْوَانَ.
قَوْلُهُ: [مَقَامُ الْوِصَالِ] : أَيْ الْحُضُورُ مَعَ رَبِّهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا قِيلَ زِدْنِي] إلَخْ: الْقَائِلُ لَهُ سَيِّدِي عُمَرُ بْنُ الْفَارِضِ.
قَوْلُهُ: [كَمَا قِيلَ وَبَعْدَ الْفَنَا] إلَخْ: الْقَائِلُ لَهُ سَيِّدِي مُحَمَّدُ بْنُ وَفَا.
стр. 2977
(اهـ بِاخْتِصَارٍ وَتَصَرُّفٍ) .
وَهَذَا لَا يُنَافِي قَوْلَ مَنْ قَالَ: الْمُحَقِّقُونَ عَلَى أَنَّ النَّفْسَ وَاحِدَةٌ تَخْتَلِفُ بِالصِّفَاتِ، قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ سَيِّدِي الشَّيْخُ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ: وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَغْلَطُ فَيَقُولُ: إنَّ اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ السَّبْعَةِ مِنْ خُصُوصِ طَرِيقِ الْخَلْوَتِيَّةِ، كَيْفَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٨٠] : وَقَالَ الْمُصَنِّفُ ﵁ فِيهَا: وَاعْلَمْ أَنَّ طَرِيقَ أَهْلِ الْحَقِّ مَدَارُهَا عَلَى الصِّدْقِ وَرَأْسُ مَالِهَا الذُّلُّ وَنِهَايَتُهَا الْفَرْقُ، وَقَالَ الْعَارِفُونَ: حُكْمُ الْقُدُّوسِ أَنْ لَا يَدْخُلَ حَضْرَتَهُ أَرْبَابُ النُّفُوسِ كَثْرَةُ الْكَلَامِ تُوجِبُ عَدَمَ الِاحْتِرَامِ، كَثْرَةُ مُصَاحَبَةِ النَّاسِ تُوجِبُ الْإِفْلَاسَ، لَا يَتَطَهَّرُ مِنْ الرَّعُونَاتِ إلَّا مَنْ خَالَفَ نَفْسَهُ فِي الشَّهَوَاتِ، وَذَكَرَ اللَّهَ فِي جَمِيعِ الْحَالَاتِ،
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [اهـ بِاخْتِصَارٍ وَتَصَرُّفٍ] : أَمَّا الِاخْتِصَارُ فَقَدْ حَذَفَ جُمْلَةً مِنْ الْكَلَامِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى بَعْضِهَا وَأَمَّا التَّصَرُّفُ فَبِالتَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي بَعْضِ الْعِبَارَاتِ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِنَقْلِهَا.
قَوْلُهُ: [وَهَذَا لَا يُنَافِي] : أَيْ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ لِأَنَّ الْأَقْسَامَ الْمَذْكُورَةَ لِصِفَاتِهَا لَا لَهَا.
قَوْلُهُ: [الْمُحَقِّقُونَ] إلَخْ: مَقُولُ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: [قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ] إلَخْ: الْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ طَرِيقَ الْخَلْوَتِيَّةِ فَتْحُهَا مَقْصُورٌ عَلَى تِلْكَ الْأَسْمَاءِ وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْأَسْمَاءُ مَقْصُورَةً عَلَيْهِمْ، وَقَدْ أَجَابَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْمَذْكُورُ بِهَذَا الْجَوَابِ فُسُوقُ بَحْثِهِ مِنْ غَيْرِ جَوَابٍ غَيْرُ مُنَاسِبٍ.
قَوْلُهُ: [فِيهَا] : أَيْ التُّحْفَةِ.
قَوْلُهُ: [وَنِهَايَتُهَا الْفَرْقُ] : أَيْ وَالْجَمْعُ فَمَعْنَى الْفَرْقِ شُهُودُ الْعَبْدِ لِصُنْعِهِ تَعَالَى، وَمَعْنَى الْجَمْعِ شُهُودُهُ لِرَبِّهِ وَيُسَمَّى بِمَقَامِ الْبَقَاءِ وَمَقَامِ الْكَمَالِ.
قَوْلُهُ: [حُكْمُ الْقُدُّوسِ] إلَخْ: أَيْ أَخْذًا مِنْ الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ فِي مُنَاجَاةِ دَاوُد ﵇: " قَالَ كَيْفَ الْوُصُولُ إلَيْك يَا رَبِّ؟ قَالَ خَلِّ نَفْسَك وَتَعَالَ ".
قَوْلُهُ: [تُوجِبُ الْإِفْلَاسَ] : أَيْ كَمَا قَالَ الْعَارِفُ الْبَكْرِيُّ:
فَإِنَّ مِنْ عَلَامَةِ الْإِفْلَاسِ ... كَوْنُ الْفَتَى يَأْلَفُ قُرْبَ النَّاسِ
فَإِنَّ جَمْعَهُمْ يَضُرُّ بِالْوَلِيِّ ... فَكَيْفَ مَنْ يَحْجُبُهُ جَهْلًا مَلِيِّ
قَوْلُهُ: [مِنْ الرَّعُونَاتِ] : أَيْ الطَّبَائِعِ الشَّهْوَانِيَّةُ.
стр. 2978
مَنْ لَمْ يُحْرِقْ الْبِدَايَةَ لَمْ تُشْرِقْ لَهُ نِهَايَةٌ، مَنْ لَمْ يُخَالِفْ النَّفْسَ وَالشَّيْطَانَ لَمْ يَتَحَقَّقْ بِصِفَاتِ أَهْلِ الْعِرْفَانِ، مَنْ لَمْ يَكُنْ عَبْدًا لِلرَّحْمَنِ فَهُوَ عَبْدٌ لِلشَّيْطَانِ، فَانْظُرْ أَيَّهُمَا يَسْتَحِقُّ الْعِبَادَةَ (اهـ بِاخْتِصَارٍ) . وَقَصَدْت بِنَقْلِ ذَلِكَ التَّبَرُّكَ، لَعَلَّ الْجَوَادَ الْكَرِيمَ يَنْفَحُنَا بِحُبِّهِمْ. ﴿ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾ [الفجر: ٢٨] لِرُؤْيَتِهِ تَعَالَى وَمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ مِمَّا لَا يَتَنَاهَى مِنْ الْإِكْرَامِ، وَقِيلَ: إلَى صَاحِبِك وَهُوَ الْجَسَدُ عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ عِنْدَ الْبَعْثِ. ﴿رَاضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٨] بِمَا أَعْطَاك رَبُّك. ﴿مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: ٢٨] رَضِيَ رَبُّك عَلَيْك.
﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] الصَّالِحِينَ الْمُصْطَفَيْنَ. ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] . فِي الْحَدِيثِ: «أَوَّلُ مَنْ يُدْعَى إلَى دُخُولِ الْجَنَّةِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [مَنْ لَمْ يَحْرُقْ الْبِدَايَةَ] : أَيْ إذَا لَمْ يُجَاهِدْ فِي بِدَايَتِهِ فَيَخْرُجُ عَنْ كُلِّ هَوًى لَمْ تَظْهَرْ لَهُ أَنْوَارٌ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ صَاحِبِ الْحِكَمِ ادْفِنْ وُجُودَك فِي أَرْضِ الْخُمُولِ فَمَا نَبَتَ مِمَّا لَمْ يُدْفَنْ لَمْ يَتِمَّ نِتَاجُهُ.
قَوْلُهُ: [عَلَى أَنَّ النِّدَاءَ عِنْدَ الْبَعْثِ] : أَيْ وَأَمَّا عَلَى التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ فَعَلَى أَنَّ النِّدَاءَ عِنْدَ الْمَوْتِ أَوْ الْبَعْثِ.
قَوْلُهُ: ﴿رَاضِيَةً﴾ [الفجر: ٢٨] إلَخْ: أَيْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: ٨] .
قَوْلِهِ: ﴿فَادْخُلِي فِي عِبَادِي﴾ [الفجر: ٢٩] : أَيْ وَقْتَ الْبَعْثِ وَالْحَشْرِ؛ لِأَنَّ مَنْ أَحَبَّ قَوْمًا حُشِرَ مَعَهُمْ قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ [الأنبياء: ١٠١] الْآيَاتُ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا عِبَادِ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [الزخرف: ٦٨] وَالْإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ وَإِلَّا فَالْكُلُّ عِبَادُهُ.
قَوْلُهُ: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٣٠] : أَيْ مَعَ الصَّالِحِينَ وَلِأَهْلِ الْإِشَارَاتِ تَفَاسِيرُ مِنْهَا أَنَّ اللَّهَ يُنَادِيهَا فِي الدُّنْيَا بِهَذَا النِّدَاءِ حَيْثُ اتَّصَفَتْ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ يَقُولُ لَهَا يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلَى رَبِّك بِفَنَائِك عَمَّا سِوَاهُ، رَاضِيَةً بِأَحْكَامِهِ، مَرْضِيَّةً لَهُ بِأَوْصَافِك، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي الصَّالِحِينَ أَيْ فَكُونِي مَعْدُودَةً فِيهِمْ
стр. 2979
الْحَامِدُونَ عَلَى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» . (دَارُ السَّلَامِ) : السَّلَامَةِ مِنْ كُلِّ مَخُوفٍ مَصْحُوبَةٍ (بِسَلَامٍ) أَمْنٍ مِنْ كُلِّ مُكَدِّرٍ. ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] أَيْ كَلَامُهُمْ أَوْ دُعَاؤُهُمْ فِي الْجَنَّةِ وَالتَّسْبِيحُ تَنْزِيهٌ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ يَتَلَذَّذُ بِهِ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ: «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ» وَوَرَدَ: «إذَا أَرَادُوا طَعَامًا قَالُوا سُبْحَانَك اللَّهُمَّ فَيُحْمَلُ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ عَلَى الْمَوَائِدِ، كُلُّ مَائِدَةٍ مِيلٌ فِي مِيلٍ، عَلَى كُلِّ مَائِدَةٍ سَبْعُونَ أَلْفَ صَحْفَةً فِي كُلِّ صَفْحَةٍ لَوْنٌ
ــ
[حاشية الصاوي]
وَمَحْسُوبَةً مِنْهُمْ، وَادْخُلِي جَنَّتِي شُهُودِي فِي الدُّنْيَا مَا دُمْت فِيهَا وَهِيَ الْجَنَّةُ الْمُعَجَّلَةُ، وَيُقَالُ لَهَا عِنْدَ الْبَعْثِ ذَلِكَ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمُتَقَدِّمِ وَيُرَادُ جَنَّةُ الْخُلُودِ وَفَسَّرُوا بِذَلِكَ
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦] أَيْ جَنَّةُ الشُّهُودِ فِي الدُّنْيَا الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ الْفَارِضِ:
أَنِلْنَا مَعَ الْأَحْبَابِ رُؤْيَتَك الَّتِي ... إلَيْهَا قُلُوبُ الْأَوْلِيَاءِ تُسَارِعُ
وَجَنَّةُ الْخُلْدِ فِي الْعُقْبَى وَهَذَا النِّدَاءُ الْوَاقِعُ فِي الدُّنْيَا يَسْمَعُهُ الْعَارِفُونَ إمَّا فِي الْمَنَامِ أَوْ بِالْإِلْهَامِ.
قَوْلُهُ: [دَارُ السَّلَامِ] إلَخْ: قَالَ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ دَارُ السَّلامِ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَهُوَ وَلِيُّهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٧] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] فَالْحُسْنَى هِيَ الْجَنَّةُ وَالزِّيَادَةُ هِيَ رُؤْيَةُ وَجْهِ اللَّهِ الْكَرِيمِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ دُعَاؤُهُمْ فِي الْجَنَّةِ] : أَيْ طَلَبُهُمْ لِمَا يَشْتَهُونَهُ مِنْ الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ فِي الْجَنَّةِ.
قَوْلُهُ: [وَفِي الْحَدِيثِ: «يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ» ] : أَيْ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ كَمَا فِي أَصْلِ الرِّوَايَةِ.
قَوْلُهُ: [وَوَرَدَ إذَا أَرَادُوا طَعَامًا] إلَخْ: الْمُنَاسِبُ التَّفْرِيعُ بِالْفَاءِ؛ لِأَنَّهُ مَعْنَى الْآيَةِ.
قَوْلُهُ: [فَيُحْمَلُ لَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ] : أَيْ يُوضَعُ لَهُمْ عَلَى الْمَوَائِدِ.
قَوْلُهُ: [فِي كُلِّ صَحْفَةٍ لَوْنٌ] : أَيْ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهَا لَوْنَ الْآخَرِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَك اللَّهُمَّ اشْتِغَالُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِالتَّسْبِيحِ
стр. 2980
فَإِذَا فَرَغُوا قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ»
. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي كُلِّ يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ حُطَّتْ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» . وَفِي الْعَيَّاشِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «مَنْ قَالَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرَّةٍ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مِائَةَ أَلْفِ ذَنْبٍ وَلِوَالِدِيهِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ ذَنْبٍ» . ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] يُحَيِّيهِمْ اللَّهُ وَالْمَلَائِكَةُ وَبَعْضُهُمْ بَعْضًا قَالَ تَعَالَى ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] ﴿لا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلا تَأْثِيمًا﴾ [الواقعة: ٢٥] ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ - سَلامٌ عَلَيْكُمْ﴾ [الرعد: ٢٣ - ٢٤] .
ــ
[حاشية الصاوي]
وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّقْدِيسِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، وَفِي هَذَا الذِّكْرِ سُرُورُهُمْ وَابْتِهَاجُهُمْ وَكَمَالُ لَذَّاتِهِمْ وَهَذَا أَوْلَى. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «أَهْلُ الْجَنَّةِ يَأْكُلُونَ فِيهَا وَيَشْرَبُونَ وَلَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَلَا يَمْتَخِطُونَ قَالُوا فَمَا بَالُ الطَّعَامِ؟ قَالَ جُشَاءٌ وَرَشْحٌ كَرَشْحِ الْمِسْكِ يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ وَالتَّحْمِيدَ كَمَا يُلْهَمُونَ النَّفَسَ» (اهـ خَطِيبٌ)
قَوْلُهُ: [فَإِذَا فَرَغُوا قَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ "] : أَيْ قَالُوا: " الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ " وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] فَتُرْفَعُ حِينَئِذٍ.
قَوْلُهُ: [وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ] : كِنَايَةٌ عَنْ كَثْرَتِهَا أَيْ تُغْفَرُ وَلَوْ كَثُرَتْ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَوْ كَانَتْ كَبَائِرَ لَكِنْ قَيَّدَهُ الْعُلَمَاءُ بِغَيْرِ الْكَبَائِرِ لِأَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ.
قَوْلُهُ: قَالَ تَعَالَى ﴿سَلامٌ قَوْلا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨] : دَلِيلٌ لِسَلَامِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.
وَقَوْلُهُ: ﴿إِلا قِيلا سَلامًا سَلامًا﴾ [الواقعة: ٢٦] : دَلِيلٌ لِسَلَامِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ﴾ [الرعد: ٢٣] إلَخْ: دَلِيلٌ لِسَلَامِ الْمَلَائِكَةِ فَهُوَ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُلَخْبَطٌ وَقَدْ وَرَدَ: " إنَّ الْمَلَائِكَةَ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْقُصُورِ بِهَدَايَا مِنْ التُّحَفِ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ "
стр. 2981
﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] وَقَدْ وَرَدَ: «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَفْتَتِحُونَ كَلَامَهُمْ بِالتَّسْبِيحِ وَيَخْتِمُونَهُ بِالتَّحْمِيدِ» . (وَأَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَنْفَعَ بِهِ) : عَلَامَةُ قَبُولِهِ ظَاهِرَةٌ فَقَدْ حَصَلَتْ ثَمَرَةُ التَّأْلِيفِ عَاجِلًا بِحُصُولِ النَّفْعِ وَكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ بِهِ وَبِإِخْلَاصِ مُؤَلِّفِهِ تَتَحَقَّقُ الثَّمَرَةُ آجِلًا فِي رَفْعِ دَرَجَاتِهِ، وَخَتَمَ كِتَابَهُ بِالسُّؤَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشْعَارِ بِالِاحْتِيَاجِ لِلْغَنِيِّ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ (كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ) وَاشْتِهَارُ النَّفْعِ بِمُخْتَصَرِ الْعَلَّامَةِ خَلِيلٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَخْفَى (كُلُّ مَنْ قَرَأَهُ) بِحِفْظٍ أَوْ غَيْرِهِ (أَوْ شَرَحَهُ أَوْ حَصَّلَهُ) بِشِرَاءٍ أَوْ كِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ (أَوْ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْهُ) عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ
ــ
[حاشية الصاوي]
[خَاتِمَة الْكتاب]
قَوْلُهُ: [يَفْتَتِحُونَ كَلَامَهُمْ] : أَيْ فِي سَائِرِ مَطْلُوبَاتِهِمْ وَخِطَابَاتِهِمْ. قَوْلُهُ: [وَأَسْأَلُ اللَّهَ] إلَخْ: لَفْظُ الْجَلَالَةِ مَنْصُوبٌ عَلَى التَّعْظِيمِ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ لِأَسْأَلَ، وَأَنَّ وَمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ فِي تَأْوِيلِ مَصْدَرِ مَفْعُولِهِ الثَّانِي، وَالنَّفْعُ ضِدُّ الضَّرَرِ وَهُوَ إيصَالُ الْخَيْرِ لِلْغَيْرِ وَسَأَلَهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ إيصَالَ النَّفْعِ لَا يَكُونُ إلَّا مِنْ اللَّهِ وَلَيْسَ فِي طَاقَةِ أَحَدٍ ذَلِكَ كَإِيصَالِ الضُّرِّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: ١٠٧] .
قَوْلُهُ: [وَكَثْرَةِ الِاشْتِغَالِ بِهِ] : عَطْفُ سَبَبٍ عَلَى مُسَبِّبٍ.
وَقَوْلُهُ: [وَبِإِخْلَاصِ] : مُؤَلِّفِهِ مُتَعَلِّقٌ بِمَا بَعْدَهُ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ تَتَحَقَّقُ الثَّمَرَةُ آجِلًا.
وَقَوْلُهُ: [وَخَتَمَ كِتَابَهُ] : رَاجِعٌ لِأَصْلِ الْمَتْنِ وَفِي التَّرْكِيبِ رَكَّةٌ لَا تَخْفَى.
قَوْلُهُ: [كَمَا نَفَعَ بِأَصْلِهِ] : أَيْ خَلِيلٌ وَمَا مَصْدَرِيَّةٌ تُسْبَكُ مَعَ مَا بَعْدَهَا بِمَصْدَرٍ مَجْرُورٍ بِالْكَافِ الَّتِي بِمَعْنَى مِثْلُ وَهُوَ صِفَةٌ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ نَفْعًا مِثْلَ نَفْعِهِ بِأَصْلِهِ.
وَقَوْلُهُ: [كُلُّ مَنْ قَرَأَهُ] : مَعْمُولٌ لِقَوْلِهِ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِهِ] : أَيْ كَالْمُطَالَعَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ شَرَحَهُ] : صَادِقٌ بِالتَّحْشِيَةِ.
قَوْلُهُ: [أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ] : أَيْ كَمَا إذَا وَهَبَ كَذَا وَوَقَفَ عَلَيْهِ.
قَوْلُهُ: [عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ] : أَيْ بِأَنْ يُقَالَ سَعَى فِي شَيْءٍ مِنْ قِرَاءَتِهِ
стр. 2982
أَبْلَغُ مِنْ عَوْدِهِ لِجُمْلَتِهِ (إنَّهُ جَوَادٌ) كَثِيرُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ وَالْإِنْعَامِ (كَرِيمٌ) يُعْطِي بِلَا عِوَضٍ وَلَا غَرَضٍ (رَءُوفٌ) كَثِيرُ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ (رَحِيمٌ) مُنْعِمٌ بِالْقَلِيلِ كَمَا هُوَ مُنْعِمٌ بِالْكَثِيرِ فَلَا تَأْثِيرَ لِغَيْرِهِ تَعَالَى. (وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ) خَتَمَ بِهَا كَمَا ابْتَدَأَ بِهَا رَجَاءَ قَبُولِ مَا بَيْنَهُمَا وَعَبَّرَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ وَاقِعٌ.
ــ
[حاشية الصاوي]
كَمَا إذَا قَرَأَ الْبَعْضُ فَقَطْ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ شَرْحِهِ كَأَنْ شَرَحَ الْبَعْضُ أَوْ فِي شَيْءٍ مِنْ تَحْصِيلِهِ كَأَنْ اشْتَرَى الْبَعْضُ أَوْ كَتَبَهُ أَوْ وَهَبَ لَهُ.
قَوْلُهُ: [أَبْلَغُ مِنْ عَوْدِهِ لِجُمْلَتِهِ] : أَيْ لِأَنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ قُصُورٌ عَلَى تَحْصِيلِ الْبَعْضِ بِشِرَاءٍ وَنَحْوٍ.
قَوْلُهُ: [إنَّهُ جَوَادٌ] : بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ سَأَلْته؛ لِأَنَّهُ جَوَادٌ، وَالْجَوَادُ بِالتَّخْفِيفِ ذُو الْجُودِ وَالْمَدَدِ وَالْعَطَايَا الَّتِي لَا تَنْفَدُ.
قَوْلُهُ: [كَرِيمٌ] : أَيْ وَهُوَ الْمَوْصُوفُ بِنُعُوتِ الْجَمَالِ ذُو النَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ.
قَوْلُهُ: [بِلَا عِوَضٍ وَلَا غَرَضٍ] : أَيْ لِاسْتِغْنَائِهِ وَتَنَزُّهِهِ عَنْ ذَلِكَ وَلِذَلِكَ يُدِيمُ الْإِحْسَانَ عَلَى الْمُصِرِّ عَلَى الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي.
قَوْلُهُ: [رَءُوفٌ] : أَيْ ذُو رَأْفَةٍ وَهِيَ شِدَّةُ الرَّحْمَةِ.
قَوْلُهُ: [مُنْعِمٌ بِالْقَلِيلِ] : إنَّمَا فَسَّرَهُ بِذَلِكَ لِقَوْلِهِمْ الرَّحِيمُ الْمُنْعِمُ بِدَقَائِقِ النِّعَمِ وَالرَّحْمَنُ الْمُنْعِمُ بِجَلَائِلِهَا أَيْ فَجَمِيعُ النِّعَمِ نَاشِئَةٌ مِنْهُ بِوَصْفِ كَوْنِهِ رَحْمَانًا رَحِيمًا، وَفِي هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْمُنَاسَبَةِ بِالْمَطْلُوبِ مَا لَا يَخْفَى، وَفِيهَا حِكْمَةٌ وَهُوَ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُخَاطِبُ رَبَّهُ بِالِاسْمِ الْمُنَاسِبِ لِمَطْلُوبِهِ كَدُعَاءِ أَيُّوبَ ﵇ حَيْثُ قَالَ: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣] وَدُعَاءِ يُونُسَ حَيْثُ قَالَ: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧] وَدُعَاءِ زَكَرِيَّا حَيْثُ قَالَ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٩] وَدُعَاءِ سُلَيْمَانَ حَيْثُ قَالَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [ص: ٣٥] وَبِالْجُمْلَةِ كُلُّ مَقَامٍ لَهُ مَقَالٌ.
قَوْلُهُ: [لِأَنَّ الْمَطْلُوبَ وَاقِعٌ] : ظَاهِرُهُ أَنَّهَا خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا وَمَعْنًى وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هِيَ خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى؛ لِأَنَّ الْمُخْبِرَ بِالصَّلَاةِ لَيْسَ مُصَلِّيًا عَلَى التَّحْقِيقِ فَالْمُنَاسِبُ أَنْ يَقُولَ عَبَّرَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ فِي اللَّفْظِ لِتَحَقُّقِ الْمَطْلُوبِ.
стр. 2983
وَفِي الْعَيَّاشِيِّ عَنْ السُّهَيْلِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قَالَ: «كُنْت مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ ﷺ ﵇ وَأَطْلَقَ وَجْهَهُ وَأَجْلَسَهُ إلَى جَنْبِهِ فَلَمَّا قَضَى حَاجَتَهُ وَنَهَضَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا الرَّجُلُ يُرْفَعُ لَهُ كُلَّ يَوْمٍ كَعَمَلِ أَهْلِ الْأَرْضِ قُلْت: وَلِمَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ إنَّهُ كُلَّمَا أَصْبَحَ وَأَمْسَى صَلَّى عَلَيَّ كَصَلَاةِ الْخَلْقِ أَجْمَعَ يَقُولُ عَشْرَ مَرَّاتٍ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَدَدَ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ مِنْ خَلْقِك وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ كَمَا أَمَرْتنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ وَصَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ كَمَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ عَلَيْهِ.» وَلَمَّا كَانَ الْمَطْلُوبُ التَّعْمِيمَ قَالَ ﵁ (وَعَلَى جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِمْ وَصَحْبِهِمْ أَجْمَعِينَ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) يَقُولُ نَاقِلُ تَكْمِيلِ الشَّرْحِ الْفَقِيرُ مُصْطَفَى الْعُقْبَاوِيُّ سَامَحَهُ اللَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ مِنْ جَمِيعِ الْمَسَاوِئِ: الْحَامِلُ لِي عَلَى ذَلِكَ امْتِثَالُ أَمْرِ وَلِيِّ اللَّهِ خَلِيقَةً شَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ الشَّيْخِ
ــ
[حاشية الصاوي]
قَوْلُهُ: [وَفِي الْعَيَّاشِيِّ] إلَخْ: مِثْلُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا تُحْمَلُ عَلَى الْمُبَالَغَةِ لِلتَّرْغِيبِ وَإِلَّا فَقَوَاعِدُ الشَّرْعِ تَأْبَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ: [وَالْمُرْسَلِينَ] : عَطْفٌ خَاصٌّ.
قَوْلُهُ: [وَصَحْبِهِمْ] : بَيْنَ الْآلِ وَالصَّحْبِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ إنْ أُرِيدَ بِالْآلِ بِالْأَقَارِبِ وَإِنْ أُرِيدَ بِهِمْ مُطْلَقُ الْأَتْبَاعِ كَمَا هُوَ الْأَوْلَى لِلتَّعْمِيمِ كَانَ عَطْفُ الْأَصْحَابِ خَاصًّا وَخَصَّهُمْ لِمَزِيدِ فَضْلِهِمْ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ.
قَوْلُهُ: [أَجْمَعِينَ] : تَأْكِيدٌ.
قَوْلُهُ: [وَسَلَّمَ] : مَعْطُوفٌ عَلَى صَلَّى وَهُوَ مُسَلَّطٌ عَلَى جَمِيعِ مَنْ تَقَدَّمَ وَتَسْلِيمًا مَصْدَرٌ مُؤَكِّدٌ لِعَامِلِهِ وَكَثِيرًا صِفَةٌ لَهُ.
قَوْلُهُ: [وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ] : عَطْفٌ عَلَى وَصَلَّى اللَّهُ وَبَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ كَمَالُ الِاتِّصَالِ؛ لِأَنَّ كُلًّا خَبَرِيَّةٌ لَفْظًا إنْشَائِيَّةٌ مَعْنًى عَلَى التَّحْقِيقِ.
قَوْلُهُ: [الْحَامِلُ لِي عَلَى ذَلِكَ] إلَخْ: مَقُولُ الْقَوْلِ.
قَوْلُهُ: [وَلِيِّ اللَّهِ] : قَدْ صَدَقَ فِي ذَلِكَ فَإِنِّي صَحِبْته نَحْوَ الثَّلَاثِينَ سَنَةً مَا رَأَيْته فَعَلَ حَرَامًا وَلَا مَكْرُوهًا وَلَا مَدَحَ الدُّنْيَا وَلَا ذَمَّهَا وَمَا رَأَيْت أَحَدًا مِنْ جَمَاعَةِ
стр. 2984
صَالِحٍ السِّبَاعِيِّ نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ فِي الدَّارَيْنِ هَذَا وَمَا وَجَدْته مِنْ صَوَابٍ فَمِنْ فَيْضِ شَيْخِنَا الْقُطْبِ الْمُصَنِّفِ وَإِمْدَادَاتِ خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ مِنَحِ الْعِلْمِ الظَّاهِرِيِّ وَالْبَاطِنِيِّ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ سَيِّدِي الشَّيْخِ مُحَمَّدٍ الْأَمِيرِ وَأَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنَّا وَيَرْحَمَنَا وَوَالِدَيْنَا وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا بِالْإِيمَانِ الْكَامِلِ، وَصَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَى وَاسِطَةِ عِقْدِ الْمُرْسَلِينَ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ. وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ تَبْيِيضِهِ غُرَّةَ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ١٢٢٠ هـ، وَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يُفَرِّجَ كُرَبَ آلِ بَيْتِ نَبِيِّنَا وَالْمُؤْمِنِينَ إنَّهُ لَطِيفٌ كَرِيمٌ حَلِيمٌ بِجَاهِ جَدِّهِمْ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيمِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.
ــ
[حاشية الصاوي]
شَيْخِنَا الْمُصَنِّفِ جَاهَدَ نَفْسَهُ مِثْلَهُ ﵁ وَعَنَّا بِهِ.
قَوْلُهُ: [وَإِمْدَادَاتِ] : مَعْطُوفٌ عَلَى فَيْضٍ.
قَوْلُهُ: [خَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ] : هَذَا الْوَصْفُ فِيهِ كَالشَّمْسِ فِي رَابِعَةِ النَّهَارِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ حَقِيقٌ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
حَلَفَ الزَّمَانُ لَيَأْتِيَنَّ بِمِثْلِهِ ... حَنِثَتْ يَمِينُك يَا زَمَانُ فَكَفِّرْ
وَبِقَوْلِهِ أَيْضًا:
لَمْ تَرَ الْعَيْنُ بَعْدَهُ فِي صِفَاتٍ ... لَا وَحَقِّ الشَّفِيعِ يَوْمَ الْحِسَابِ
قَوْلُهُ: [مِنْ مِنَحِ] إلَخْ: نَعْتٌ لِخَاتِمَةِ الْمُحَقِّقِينَ وَقَوْلُهُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ. وَهَذَا آخِرُ مَا أَجْرَاهُ اللَّهُ عَلَى يَدِ الْفَقِيرِ الْحَقِيرِ فِي خِدْمَةِ أَقْرَبِ الْمَسَالِكِ وَشَرْحِهِ. وَأَسْأَلُ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ يَجْعَلَهَا وَصْلَةً لَنَا بِمُؤَلِّفِهِ فِي دَارِ السَّلَامِ بِسَلَامٍ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ سَيِّدِ الْأَنَامِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ. الْبَرَرَةِ الْكِرَامِ وَأَتْبَاعِهِ إلَى مُنْتَهَى الْإِسْلَامِ. وَكَانَ الْفَرَاغُ مِنْ تَعْلِيقِهَا صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْمُبَارَكِ رَابِعِ يَوْمٍ مَضَى مِنْ شَهْرِ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ١٢٢٣ هـ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَأَلْفٍ مِنْ هِجْرَتِهِ ﵊ -