Полный текст (5 685 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.
стр. 1541
وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ: لَا ضَمَانَ عَلَى دَالٍّ فِي حِلٍّ. بَلْ عَلَى الْمَدْلُولِ وَحْدِهِ كَحَلَالٍ دَلَّ مُحْرِمًا. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي أَوَّلِ بَابِ صَيْدِ الْحَرَمِ.
قَوْلُهُ (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَأَكْلُ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ) يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ كُلِّ صَيْدٍ صَادَهُ أَوْ ذَبَحَهُ إجْمَاعًا، وَكَذَا إنْ دَلَّ مُحْرِمٌ حَلَالًا عَلَيْهِ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَعَانَهُ، أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ إنْ أَكَلَهُ. وَإِنْ أَكَلَ بَعْضَهُ ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ مِنْ اللَّحْمِ. وَفِي الِانْتِصَارِ: احْتِمَالٌ بِجَوَازِ أَكْلِ مَا صِيدَ لِأَجْلِهِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِدَلَالَةٍ أَوْ إعَانَةٍ أَوْ صِيدَ لَهُ لَا يَحْرُمُ عَلَى مُحْرِمٍ غَيْرِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ.
الثَّانِيَةُ: لَوْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا ثُمَّ أَكَلَهُ. ضَمِنَهُ لِقَتْلِهِ لَا لِأَكْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إنْ حَرُمَ عَلَيْهِ بِالدَّلَالَةِ وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهِ أَوْ الْإِشَارَةِ، فَأَكَلَ مِنْهُ: لَمْ يَضْمَنْ لِلْأَكْلِ؛ لِأَنَّهُ صَيْدٌ مَضْمُونٌ بِالْجَزَاءِ مَرَّةً، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ جَزَاءٌ ثَانٍ كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ فِي الْغُنْيَةِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
تَنْبِيهٌ: دَخَلَ فِي قَوْلِهِ (وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْأَكْلُ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ) . لَوْ ذَبَحَ مُحِلٌّ صَيْدًا لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَذْبُوحِ لَهُ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْمُحْرِمِينَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ وَقِيلَ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ الْمِائَةِ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ أَوْ نَقَلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ فَفَسَدَ. فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ) . إذَا أَتْلَفَ بَيْضَ صَيْدٍ بِفِعْلِهِ، أَوْ بِنَقْلٍ وَنَحْوِهِ: فَحُكْمُهُ حُكْمُ الصَّيْدِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
стр. 1542
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ بِقِيمَتِهِ " أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ. كَالْمَذَرِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ فِيهِ فَرْخٌ مَيِّتٌ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ الْمَذَرِ بَيْضُ النَّعَامِ، فَإِنَّ الْأَصْحَابَ قَالُوا: لِقِشْرِ بَيْضِهِ قِيمَةٌ، وَعَنْهُ لَا شَيْءَ فِي قِشْرِهِ أَيْضًا. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي الْمُوجِزِ: إنْ تُصَوِّرَ وَتُخُلِّقَ الْفَرْخُ فِي بَيْضَتِهِ: فَفِيهِ مَا فِي جَنِينِ صَيْدٍ سَقَطَ بِالضَّرْبَةِ مَيِّتًا. انْتَهَى. وَإِنْ كَسَرَ بَيْضَهُ فَخَرَجَ مِنْهَا فَرْخٌ فَعَاشَ، فَلَا شَيْءَ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَضْمَنَهُ إلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ مِنْ الْخَارِجِ إلَى أَنْ يَنْهَضَ فَيَطِيرَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَضْمَنَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ غَيْرَ مُمْتَنِعٍ بَعْدَ أَنْ كَانَ مُمْتَنِعًا. بَلْ تَرَكَهُ عَلَى صِفَتِهِ. انْتَهَى. وَيَأْتِي إذَا قَتَلَ حَامِلًا فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا مَيِّتًا فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ بِغَيْرِ الْإِرْثِ) لَا يُمْلَكُ الصَّيْدُ ابْتِدَاءً بِشِرَاءٍ، وَلَا بِاتِّهَابٍ، وَلَا بِاصْطِيَادٍ، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَلَا يَمْلِكُ صَيْدًا بِاصْطِيَادِهِ بِحَالٍ وَلَا بِشِرَاءٍ، وَلَا بِاتِّهَابٍ فِي الْأَصَحِّ فِيهِمَا، فَحَكَى وَجْهًا بِصِحَّةِ الْمِلْكِ بِالشِّرَاءِ وَالِاتِّهَابِ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي الرِّعَايَةِ يُمْلَكُ بِشِرَاءٍ أَوْ اتِّهَابٍ، وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ سَقَطَ لَفْظُ " قَوْلُ "، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ قَبَضَهُ ثُمَّ تَلِفَ. فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ، وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمُعَيَّنِ لِمَالِكِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا شَيْءَ لِوَاهِبِهِ. انْتَهَى.
стр. 1543
وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ قَبَضَهُ رَهْنًا فَتَلِفَ، فَعَلَيْهِ جَزَاؤُهُ فَقَطْ، وَإِنْ لَمْ يَتْلَفْ فَعَلَيْهِ رَدُّهُ، فَإِنْ أَرْسَلَهُ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لِمَالِكِهِ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَيَرُدُّ الْمَبِيعَ وَلَا يُرْسِلُهُ، قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ إرْسَالُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَيَرُدُّ الْمَوْهُوبَ عَلَى وَاهِبِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْمَبِيعِ، فَإِنْ تَلِفَ بَعْدَ رَدِّهِ فَهَدَرٌ، وَقَبْلَ الرَّدِّ مِنْ ضَمَانِهِ، وَلَا يَتَوَكَّلُ لِمُحْرِمٍ خَرَجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ فِي بَيْعِ الصَّيْدِ وَلَا شِرَائِهِ، فَلَوْ خَالَفَ لَمْ يَصِحَّ عَقْدُهُ. وَلَا يَسْتَرِدُّ الْمُحْرِمُ الصَّيْدَ الَّذِي بَاعَهُ وَهُوَ حَلَالٌ بِخِيَارٍ وَلَا عَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ابْتِدَاءُ مِلْكٍ، وَإِنْ رَدَّهُ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِخِيَارٍ أَوْ عَيْبٍ فَلَهُ ذَلِكَ، وَيَلْزَمُ الْمُحْرِمَ إرْسَالُهُ، وَأَمَّا مِلْكُهُ بِالْإِرْثِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ بِهِ أَيْضًا عَلَيْهِ يَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، فَيَمْلِكُهُ إذَا حَلَّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ [وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهِمْ] .
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَمْسَكَ صَيْدًا حَتَّى تَحَلَّلَ، ثُمَّ تَلِفَ، أَوْ ذَبَحَهُ: ضَمِنَهُ وَكَانَ مَيْتَةً) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، إلَّا أَبَا الْخَطَّابِ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَهُ أَكْلُهُ، وَيَضْمَنُ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُحَرَّرِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ أَمْسَكَ صَيْدَ الْحَرَمِ وَخَرَجَ بِهِ إلَى الْحِلِّ. الثَّانِيَةُ: لَوْ جَلَبَ الصَّيْدَ بَعْدَ إخْرَاجِهِ إلَى الْحِلِّ، أَوْ بَعْدَ حِلِّهِ: ضَمِنَهُ
стр. 1544
بِقِيمَتِهِ، وَهَلْ يَحْرُمُ أَمْ لَا؟ لِأَنَّ تَحْرِيمَ الصَّيْدِ لِعَارِضٍ، فَفِيهِ احْتِمَالَانِ فِي الْفُنُونِ. قُلْت: الْأَوْلَى تَحْرِيمُهُ. كَأَصْلِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلَهُ بَيْضُهُ. الثَّالِثَةُ: لَوْ ذَبَحَ الْمُحْرِمُ صَيْدًا، أَوْ قَتَلَهُ: فَهُوَ مَيْتَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، فَيَحْرُمُ أَكْلُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَالْحَلَالِ.
الرَّابِعَةُ: لَوْ ذَبَحَ مُحِلٌّ صَيْدَ حَرَمٍ فَكَالْمُحْرِمِ. وَيَأْتِي إذَا اُضْطُرَّا إلَى أَكْلِ صَيْدٍ فَذَبَحَهُ: هَلْ هُوَ مَيْتَةٌ، أَوْ يَحِلُّ بِذَبْحِهِ؟ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ " وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الصَّيْدِ فَلَهُ أَكْلُهُ ".
الْخَامِسَةُ: لَوْ كَسَرَ مُحْرِمٌ بَيْضَ صَيْدٍ: حَرُمَ عَلَيْهِ أَكْلُهُ. وَيُبَاحُ أَكْلُهُ لِلْحَلَالِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ؛ لِأَنَّ حِلَّهُ لَهُ لَا يَقِفُ عَلَى كَسْرِهِ. وَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ أَهْلِيَّتُهُ، فَلَوْ كَسَرَهُ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ: حَلَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْرُمُ عَلَى الْحَلَالِ أَيْضًا كَالصَّيْدِ؛ لِأَنَّ كَسْرَهُ جَرَى مَجْرَى الذَّبْحِ. بِدَلِيلِ حِلِّهِ لِلْمُحْرِمِ يَكْسِرُ الْحَلَالُ لَهُ، وَتَحْرِيمُهُ عَلَيْهِ بِكَسْرِ الْمُحْرِمِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا كَسَرَهُ، وَقِيلَ: وَعَلَى حَلَالٍ وَمُحْرِمٍ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ: لَزِمَهُ إزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ دُونَ الْحُكْمِيَّةِ عَنْهُ) . إذَا أَحْرَمَ وَفِي يَدِهِ صَيْدٌ: لَزِمَهُ إزَالَةُ يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ، مِثْلَ مَا إذَا كَانَ فِي قَبْضَتِهِ أَوْ خَيْمَتِهِ، أَوْ رَحْلِهِ، أَوْ قَفَصِهِ، أَوْ مَرْبُوطًا بِحَبْلٍ مَعَهُ وَنَحْوِهِ. وَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ فَيَرُدُّهُ مَنْ أَخَذَهُ، وَيَضْمَنُهُ مَنْ قَتَلَهُ. دُونَ الْحُكْمِيَّةِ. مِثْلُ أَنْ يَكُونَ فِي بَيْتِهِ، أَوْ بَلَدِهِ، أَوْ فِي يَدِ نَائِبٍ لَهُ، أَوْ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، وَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ أَيْضًا. وَلَا يَضْمَنُهُ إنْ تَلِفَ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَغَيْرِهِمَا، وَمَنْ غَصَبَهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ فِيهِمَا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ لَا يَصِحُّ نَقْلُ مِلْكِهِ عَمَّا بِيَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ. قَالَ: فِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى.
стр. 1545
قُلْت: لَمْ أَجِدْ ذَلِكَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، بَلْ صَرَّحَ فِي الْكُبْرَى بِالْجَوَازِ، فَقَالَ: وَمَنْ أَحْرَمَ، أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ، وَلَهُ صَيْدٌ، أَوْ مَلَكَهُ بَعْدُ: لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ. وَإِنْ كَانَ بِيَدِهِ ابْتِدَاءً، أَوْ دَوَامًا، أَوْ مَعَهُ فِي قَفَصٍ أَوْ حَبْلٍ: أَرْسَلَهُ، وَمِلْكُهُ فِيهِ بَاقٍ، وَلَهُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ بِشَرْطِهِمَا. انْتَهَى. وَقَالَ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إنْ أَحْرَمَ، وَعِنْدَهُ صَيْدٌ: زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ مِلْكِهِ، وَالنِّكَاحُ يُرَادُ لِلِاسْتِدَامَةِ وَالْبَقَاءِ، فَلِهَذَا لَا يَزُولُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَأَمَّا إذَا دَخَلَ الْحَرَمَ بِصَيْدٍ، فَالْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إزَالَةُ يَدِهِ عَنْهُ وَإِرْسَالُهُ، فَإِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ ضَمِنَهُ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ كَصَيْدِ الْحِلِّ فِي الْحَرَمِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ، وَلَهُ ذَبْحُهُ وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ إنَّمَا نَهَى عَنْ تَنْفِيرِ صَيْدِ مَكَّةَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِثْلَ هَذَا الْحُكْمِ الْخَفِيِّ مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِهِ، وَالصَّحَابَةُ مُخْتَلِفُونَ. وَقِيَاسُهُ عَلَى الْإِحْرَامِ فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ آكَدُ لِتَحْرِيمِهِ مَا لَا يُحَرِّمُهُ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ) . إذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ، وَهُوَ فِي يَدِهِ الْمُشَاهَدَةِ: لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى تَلِفَ، فَجَزَمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّهُ يَضْمَنُ مُطْلَقًا، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ تَخْرِيجٌ لِابْنِ عَقِيلٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ النَّاظِمُ. كَالْمُصَنِّفِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إنْ أَمْكَنَهُ إرْسَالُهُ فَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى تَلِفَ ضَمِنَهُ. وَإِلَّا فَلَا، لِعَدَمِ تَفْرِيطِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْيَدَيْنِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا أَيْضًا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَأَمَّا إذَا مَلَكَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ، وَدَخَلَ بِهِ فِي الْحَرَمِ، وَلَمْ يُرْسِلْهُ حَتَّى أَتْلَفَهُ،
стр. 1546
أَوْ تَلِفَ فِي يَدِهِ: فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ قَوْلًا وَاحِدًا عِنْدَ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. كَمَا تَقَدَّمَ.
فَائِدَةٌ: لَوْ أَمْسَكَ صَيْدًا فِي الْإِحْرَامِ: لَزِمَهُ إرْسَالُهُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ إرْسَالِهِ ضَمِنَهُ مُطْلَقًا قَوْلًا وَاحِدًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَرْسَلَهُ إنْسَانٌ مِنْ يَدِهِ قَهْرًا، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْسِلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُحْتَرَمٌ. فَلَا يَبْطُلُ بِإِحْرَامِهِ، وَقَوَّى أَدِلَّتَهُ، وَمَالَ إلَيْهَا، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ مُتَوَجِّهٌ.
قُلْت: قَطَعَ بِذَلِكَ فِي الْمُبْهِجِ، فَقَالَ فِي فَصْلِ جَزَاءِ الصَّيْدِ: فَإِنْ كَانَ فِي يَدِهِ صَيْدٌ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ أَحْرَمَ، فَأَرْسَلَهُ مِنْ يَدِهِ غَيْرُهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ: لَزِمَهُ ضَمَانُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُرْسِلُ حَلَالًا أَوْ مُحْرِمًا. انْتَهَى. وَنَقَلَ هَذَا فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةِ وَالتِّسْعِينَ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرْسِلُ حَاكِمًا أَوْ وَلِيَّ صَبِيٍّ، فَلَا ضَمَانَ لِلْوِلَايَةِ. ثُمَّ قَالَ: هَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا: يَجِبُ إرْسَالُهُ وَإِلْحَاقُهُ بِالْوَحْشِيِّ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ. أَمَّا إنْ قُلْنَا: يَجُوزُ لَهُ نَقْلُ يَدِهِ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ بِإِعَارَةٍ أَوْ إيدَاعٍ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي بَابِ الْعَارِيَّةِ فَالضَّمَانُ وَاجِبٌ بِغَيْرِ إشْكَالٍ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَوْ أَمْسَكَهُ حَتَّى حَلَّ فَمِلْكُهُ بَاقٍ عَلَيْهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَقَالَ فِي الْكَافِي: يُرْسِلُهُ بَعْدَ حِلِّهِ كَمَا لَوْ صَادَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ قَتَلَ صَيْدًا صَائِلًا عَلَيْهِ، دَفْعًا عَنْ نَفْسِهِ: لَمْ يَضْمَنْهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ الْقَاضِي. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ
стр. 1547
وَقِيَاسُ قَوْلِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَغَيْرِهِمْ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَخْشَى مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ مَضَرَّةً، كَجُرْحِهِ أَوْ إتْلَافَ مَالِهِ، أَوْ بَعْضِ حَيَوَانِهِ، قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ.
قَوْلُهُ (أَوْ بِتَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ، أَوْ شَبَكَةٍ لِيُطْلِقَهُ: لَمْ يَضْمَنْهُ إذَا تَلِفَ) . يَعْنِي: إذَا فَكَّهُ بِسَبَبِ تَخْلِيصِهِ مِنْ سَبُعٍ أَوْ شَبَكَةٍ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ [وَغَيْرِهِ] وَقَالَ: فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُهُ. وَيَأْتِي فِي بَابِ الْغَصْبِ: إذَا حَالَ حَيَوَانٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ وَقَتَلَهُ هَلْ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا؟ وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: إذَا أَتْلَفَ بَعْضَ الصَّيْدِ أَوْ جَرَحَهُ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَأْثِيرَ لِلْحَرَمِ وَلَا لِلْإِحْرَامِ فِي تَحْرِيمِ حَيَوَانِ إنْسِيٍّ وَلَا مُحَرَّمِ الْأَكْلِ) . ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ هُنَا شَيْئَيْنِ: أَحَدَهُمَا: الْحَيَوَانَ الْإِنْسِيَّ. وَالثَّانِيَ: الْحَيَوَانَ الْمُحَرَّمَ أَكْلُهُ، فَأَمَّا الْحَيَوَانُ الْإِنْسِيُّ: فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ، وَلَا فِي الْحَرَمِ إجْمَاعًا، لَكِنْ الِاعْتِبَارُ فِي الْوَحْشِيِّ وَالْأَهْلِيِّ بِأَصْلِهِ، فَالْحَمَامُ الْوَحْشِيُّ وَإِنْ تَأَهَّلَ نَصَّ عَلَيْهِ: فَفِيهِ الْجَزَاءُ كَالْمُتَوَحِّشِ. قَطَعَ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْبَطَّ كَالْحَمَامِ، فَهُوَ وَحْشِيٌّ، وَإِنْ تَأَهَّلَ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ، قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: الْمُصَحَّحُ وُجُوبُ الْجَزَاءِ، وَعَنْهُ لَا يَضْمَنُهُ إذَا كَانَ أَهْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ مَأْلُوفٌ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالُوا، وَأَطْلَقَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ فِي الدَّجَاجِ رِوَايَتَيْنِ، وَخَصَّهُمَا ابْنُ أَبِي مُوسَى وَمَنْ
стр. 1548
تَابَعَهُ فِي دَجَاجِ السِّنْدِيِّ، وَصَحَّحَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ الدَّجَاجَ السِّنْدِيَّ وَحْشِيٌّ كَالْحَمَامِ، وَأَطْلَقَ فِي الْفَائِقِ فِي دَجَاجِ السِّنْدِيِّ وَالْبَطِّ الرِّوَايَتَيْنِ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: أَنَّ فِي الدَّجَاجِ الْأَهْلِيِّ الْجَزَاءَ.
قُلْت: هَذَا مُشْكِلٌ جِدًّا، وَرُبَّمَا كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ وَالِاعْتِبَارُ فِي الْأَهْلِيِّ بِأَصْلِهِ، فَلَوْ تَوَحَّشَ بَقَرٌ أَوْ غَيْرُهُ فَهُوَ أَهْلِيٌّ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي بَقَرَةٍ تَوَحَّشَتْ لَا شَيْءَ فِيهَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجَوَامِيسَ أَهْلِيَّةٌ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَمَا تَوَحَّشَ مِنْ إنْسِيٍّ أَوْ تَأَنَّسَ مِنْ وَحْشِيٍّ فَلَيْسَ صَيْدًا، وَقِيلَ: مَا تَوَحَّشَ مِنْ إنْسِيٍّ، فَهُوَ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِرَبِّهِ وَلِغَيْرِهِ، وَمَا تَأَنَّسَ مِنْ وَحْشِيٍّ: فَكَمَا لَوْ لَمْ يَسْتَأْنِسْ، وَقِيلَ: مَا تَلِفَ مِنْ وَحْشِيٍّ لَمْ يَحِلَّ، وَفِيهِ الْجَزَاءُ، وَلَوْ تَوَحَّشَ إنْسِيٌّ لَمْ يَحْرُمْ. انْتَهَى. وَأَمَّا مُحَرَّمُ الْأَكْلِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا جَزَاءَ فِي قَتْلِهِ إلَّا مَا سَبَقَ مِنْ الْمُتَوَلِّدِ، وَمَا يَأْتِي فِي الْقَمْلِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَا فِدْيَةَ فِي الضُّفْدَعِ، وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: فِيهِ حُكُومَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَنَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا أَعْرِفُ لَهُ وَجْهًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِي الْقَمْلَةِ لُقْمَةٌ، أَوْ تَمْرَةٌ إذَا لَمْ تُؤْذِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَيَتَخَرَّجُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي النَّحْلَةِ، وَفِي أُمِّ حُسَيْنٍ وَجْهٌ يَضْمَنُهَا بِجَدْيٍ، اخْتَارَهُ بَعْضُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: وَهُوَ خِلَافُ الْقِيَاسِ. وَأُمُّ حُسَيْنٍ: هِيَ الْحِرْبَاءُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ دَابَّةٌ مَعْرُوفَةٌ. مِثْلَ: أُمِّ عُرْسٍ، وَابْنِ آوَى.
стр. 1549
قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: هِيَ دَابَّةٌ مُنْتَفِخَةُ الْبَطْنِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ لَمْ يُؤْمَرْ بِقَتْلِهِ. انْتَهَى. وَفِي السِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ وَجْهٌ: أَنَّ فِيهِ الْجَزَاءَ. وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْأَهْلِيِّ وَالْهُدْهُدِ وَالْقِرْدِ وَنَحْوِهَا فِي بَابِ جَزَاءِ الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ (إلَّا الْقَمْلَ فِي رِوَايَةٍ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ) . اعْلَمْ أَنَّ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْقَمْلِ وَصِئْبَانِهِ لِلْمُحْرِمِ رِوَايَتَيْنِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالْهَادِي، وَالْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. إحْدَاهُمَا: يُبَاحُ قَتْلُهَا. كَالْبَرَاغِيثِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ وَالْمُنْتَخَبِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ قَتْلُهَا. كَالْبَرَاغِيثِ، وَهِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَهِيَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ أَنْصَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. وَاخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْمُحَرَّرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: هَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِي قَتْلِهَا جَزَاءٌ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْكَافِي. إحْدَاهُمَا: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْعُمْدَةِ: لَا شَيْءَ فِيمَا حَرُمَ أَكْلُهُ إلَّا الْمُتَوَلِّدُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَابْنِ رَزِينٍ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ، فَلَا تَفْرِيعَ عَلَيْهَا. وَالثَّانِيَةُ: عَلَيْهِ جَزَاءٌ، وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: إنْ حَرُمَ قَتْلُهُ: فَفِيهِ الْفِدْيَةُ، وَإِلَّا فَلَا [وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ وَغَيْرِهِمْ] فَعَلَيْهَا: أَيُّ شَيْءٍ تَصَدَّقَ بِهِ كَانَ خَيْرًا مِنْهُ، جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ
стр. 1550
فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيِّ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ وَغَيْرِهِمْ. [وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: إذَا قُلْنَا: لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ فِي رَأْسِهِ زِئْبَقًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ ثُمَّ يَقَعُ، فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ صَيْدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ] .
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِ الْقَمْلِ لَا فَرْقَ فِيهِمَا بَيْنَ قَتْلِهِ وَرَمْيِهِ، أَوْ قَتْلِهِ بِالزِّئْبَقِ وَنَحْوِهِ مِنْ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ، وَثَوْبِهِ ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ [وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ رَزِينٍ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَغَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ] ، وَقِيلَ: رَمْيُهُ مِنْ غَيْرِ ظَاهِرِ ثَوْبِهِ كَقَتْلِهِ، وَقَالَ فِي الْمَذْهَبِ: إذَا قُلْنَا: لَا يُبَاحُ قَتْلُهُ وَكَانَ قَدْ جَعَلَ فِي رَأْسِهِ زِئْبَقًا قَبْلَ الْإِحْرَامِ، فَتَلِفَ الْإِحْرَامُ: لَمْ يَضْمَنْ. انْتَهَى.
قُلْت: هَذَا يُفْتِي مَنْ نَصَبَ الْأُحْبُولَةَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ يَقَعُ فِيهَا بَعْدَ الْإِحْرَامِ صَيْدٌ، مَا تَقَدَّمَ [وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ] ، وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ: إنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِيمَا إذَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ وَبَدَنِهِ وَبَاطِنِ ثَوْبِهِ، وَيَجُوزُ مِنْ ظَاهِرِهِ. نَقَلَهُ عَنْهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَحَكَى الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا أَزَالَهُ مِنْ شَعْرِهِ. أَمَّا مَا أَلْقَاهُ مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ فَلَا شَيْءَ فِيهِ، رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ. انْتَهَيَا.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: قَالَ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ: وَمَوْضِعُ الرِّوَايَتَيْنِ: إذَا أَلْقَاهَا مِنْ شَعْرِ رَأْسِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ لَحْمِهِ. أَمَّا إنْ أَلْقَاهَا مِنْ ظَاهِرِ بَدَنِهِ، أَوْ ثِيَابِهِ، أَوْ بَدَنِ مُحِلٍّ، أَوْ مُحْرِمٍ غَيْرِهِ: فَهُوَ جَائِزٌ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ.
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ قَتْلُ الْبَرَاغِيثِ مُطْلَقًا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ تَعْلِيقِ الْقَاضِي: أَنَّ الْبَرَاغِيثَ كَالْقَمْلِ. قَالَ: وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ، وَجَزَمَ فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعٍ: لَا يَقْتُلُ الْبَرَاغِيثَ، وَلَا الْبَعُوضَ. وَذَكَرَهُ
стр. 1551
فِي مَوْضِعٍ آخَرَ قَوْلًا، وَزَادَ: وَلَا قُرَادًا. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إنْ قَرَصَهُ ذَلِكَ. قَتَلَهُ مَجَّانًا، وَإِلَّا فَلَا يَقْتُلُهُ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " إلَّا الْقَمْلَ إذَا قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ " أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ قَتْلُهُ فِي الْحَرَمِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، فَيُبَاحُ بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ.
فَوَائِدُ. يُسْتَحَبُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ مِنْ حَيَوَانٍ، وَطَيْرٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: هُوَ مُرَادُ مَنْ أَبَاحَهُ. انْتَهَى. فَمِنْهُ الْفَوَاسِقُ الْخَمْسَةُ، وَهِيَ الْغُرَابُ الْأَسْوَدُ، وَالْأَبْقَعُ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ: الْأَبْقَعُ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْعَقْرَبُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ، وَالْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ، وَفِي مُسْلِمٍ " وَالْحَيَّةُ " أَيْضًا، وَفِيهِ «يُقْتَلْنَ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ» وَفِيهِ «أَنَّهُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ فِي مِنًى» فَنَصَّ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ عَلَى أَدْنَاهُ تَنْبِيهًا. وَالتَّنْبِيهُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ إنْ كَانَ. وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ " يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الذِّئْبَ ". نَقَلَ حَنْبَلٌ " يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْكَلْبَ الْعَقُورَ، وَالذِّئْبَ، وَالسَّبُعَ. وَكُلَّ مَا عَدَا مِنْ السِّبَاعِ "، وَنَقَلَ أَبُو الْحَارِثِ " يَقْتُلُ السَّبُعَ عَدَا أَوْ لَمْ يَعْدُ " انْتَهَى. وَمِمَّا يُقْتَلُ أَيْضًا: النَّمِرُ، وَالْفَهْدُ، وَكُلُّ جَارِحٍ: كَنَسْرٍ، وَبَازِي، وَصَقْرٍ، وَبَاشِقٍ، وَشَاهِينَ، وَعُقَابٍ، وَنَحْوِهَا، وَذُبَابٍ، وَوَزَغٍ، وَعَلَقٍ، وَطُبُوعٍ، وَبَقٍّ، وَبَعُوضٍ. ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَغَيْرُهُمْ. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُقْتَلُ الْقِرْدُ، وَالنِّسْرُ، وَالْعُقَابُ. إذَا وَثَبَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَقَالَ قَوْمٌ: لَا يُبَاحُ مِثْلُ غُرَابِ الْبَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ الْمُسْتَوْعِبِ، فَإِنَّهُ مَثَّلَ بِالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ فَقَطْ.
стр. 1552
فَإِنْ قَتَلَ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْدُوَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ. وَمَا لَا يُؤْذِي بِطَبْعِهِ لَا جَزَاءَ فِيهِ. كَالرَّخَمِ، وَالْبُومِ وَنَحْوِهِمَا. قَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: وَيَجُوزُ قَتْلُهُ. مِنْهُمْ النَّاظِمُ، وَقِيلَ: يُكْرَهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ. نَقَلَ أَبُو دَاوُد: وَيَقْتُلُ كُلَّ مَا يُؤْذِيهِ، وَلِلْأَصْحَابِ وَجْهَانِ فِي نَمْلٍ وَنَحْوِهِ. وَجَزَمَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ قَتْلُهُ مِنْ غَيْرِ أَذًى، وَذَكَرَ مِنْهَا الذُّبَابَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالتَّحْرِيمُ أَظْهَرُ لِلنَّهْيِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا بَأْسَ بِقَتْلِ الذَّرِّ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: وَيَقْتُلُ النَّمْلَةَ إذَا عَضَّتْهُ، وَالنَّحْلَةَ إذَا آذَتْهُ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ قَتْلُ نَحْلٍ، وَلَوْ بِأَخْذِ كُلِّ عَسَلِهِ، وَقَالَ هُوَ وَغَيْرُهُ: إنْ لَمْ يَنْدَفِعْ نَحْلٌ إلَّا بِقَتْلِهِ. جَازَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يُدَخِّنُ لِلزَّنَابِيرِ إذَا خَشِيَ أَذَاهُمْ. هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ تَحْرِيقِهَا، وَالنَّمْلُ إذَا آذَاهُ يَقْتُلُهُ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَلَا يَحْرُمُ صَيْدُ الْبَحْرِ عَلَى الْمُحْرِمِ) . هَذَا إجْمَاعٌ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَحْرَ الْمِلْحَ وَالْأَنْهَارَ وَالْعُيُونَ سَوَاءٌ، وَالثَّانِيَةُ: مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ: كَالسُّلَحْفَاةِ وَالسَّرَطَانِ وَنَحْوِهِمَا كَالسَّمَكِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَنَّ مَا يَعِيشُ فِي الْبَرِّ لَهُ حُكْمُهُ، وَمَا يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ لَهُ حُكْمُهُ، وَأَمَّا طَيْرُ الْمَاءِ: فَبَرِّيٌّ بِلَا نِزَاعٍ؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّخُ وَيَبِيضُ فِي الْبَرِّ.
стр. 1553
قَوْلُهُ (وَفِي إبَاحَتِهِ فِي الْحَرَمِ رِوَايَتَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْهَادِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا فِي أَحْكَامِ صَيْدِ الْمَدِينَةِ وَفِي صَيْدِ السَّمَكِ فِي الْحَرَمَيْنِ رِوَايَتَانِ. وَقَدْ سَبَقَتَا. إحْدَاهُمَا: لَا يُبَاحُ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالشَّرْحِ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي مَنْسَكِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي [وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ] ، قَالَ فِي الْوَجِيزِ: وَيَحْرُمُ صَيْدُ الْحَرَمِ مُطْلَقًا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَهُوَ اخْتِيَارِي، وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ.
قَوْلُهُ (وَيُضْمَنُ الْجَرَادُ بِقِيمَتِهِ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْجَرَادَ إذَا قُتِلَ يُضْمَنُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّى: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي تَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ: يُضْمَنُ عَلَى الْأَظْهَرِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْكَافِي، وَالْمُبْهِجِ، وَصَحَّحَهُ فِي النَّظْمِ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ. وَعَنْهُ لَا يُضْمَنُ الْجَرَادُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي نِهَايَةِ ابْنِ رَزِينٍ وَنَظْمِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْفُصُولِ، وَالْمُذْهَبِ. وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ، وَالشَّرْحِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَضْمَنُهُ بِقِيمَتِهِ، كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالشَّرْحِ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ، وَغَيْرُهُمْ.
стр. 1554
وَعَنْهُ يَتَصَدَّقُ بِتَمْرَةٍ عَنْ كُلِّ جَرَادَةٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُصُولِ. قَالَ الْقَاضِي: هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَقْوِيمٌ لَا تَقْدِيرٌ، فَتَكُونُ الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةً وَاحِدَةً.
قَوْلُهُ (فَإِنْ انْفَرَشَ فِي طَرِيقِهِ، فَقَتَلَهُ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ: فَفِي الْجَزَاءِ وَجْهَانِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى. أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْجَزَاءُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالثَّانِي: لَا جَزَاءَ عَلَيْهِ. قَالَ النَّاظِمُ: وَيُفْدَى جَرَادٌ فِي الْأَصَحِّ بِقِيمَةٍ وَلَوْ فِي طَرِيقٍ دُسْتَهُ بِمُبْعَدٍ قَالَ فِي الْفُصُولِ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَقَدَّمَهُ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ.
فَائِدَةٌ: حُكْمُ بَيْضِ الطَّيْرِ إذَا أَتْلَفَهُ لِحَاجَةٍ كَالْمَشْيِ عَلَيْهِ حُكْمُ الْجَرَادِ إذَا افْتَرَشَ فِي طَرِيقِهِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا.
قَوْلُهُ (وَمَنْ اُضْطُرَّ إلَى أَكْلِ الصَّيْدِ فَلَهُ أَكْلُهُ) وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ. لَكِنْ إذَا ذَبَحَهُ فَهُوَ كَالْمَيْتَةِ. لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا لِمَنْ يَجُوزُ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ. أَوْ يَحِلُّ بِالذَّبْحِ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ مَيْتَةٌ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَحْمَدَ: كُلُّ مَا اصْطَادَهُ الْمُحْرِمُ وَقَتَلَهُ فَإِنَّمَا هُوَ قَبْلَ قَتْلِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ الْقَاضِي. قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ حِلُّهُ لِحِلِّ أَكْلِهِ. انْتَهَى.
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَقِيلَ: لَا فِدَاءَ عَلَيْهِ وَالْحَالَةُ هَذِهِ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
стр. 1555
تَنْبِيهٌ: يَأْتِي فِي آخِرِ كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ، فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ " لَوْ اُضْطُرَّ لِلْأَكْلِ وَوَجَدَ مَيْتَةً وَصَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ، أَوْ فِي الْحَرَمِ "، وَأَمَّا إذَا احْتَاجَ إلَى فِعْلِ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَحْظُورَاتِ مِثْلُ: أَنْ احْتَاجَ إلَى حَلْقِ شَعْرِهِ لِمَرَضٍ، أَوْ قَمْلٍ، أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ إلَى تَغْطِيَةِ رَأْسِهِ، أَوْ لُبْسِ الْمَخِيطِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفَعَلَهُ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ. بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ، وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْفِدْيَةِ بَعْدَ وُجُودِ الْعُذْرِ، وَقَبْلَ فِعْلِ الْمَحْظُورِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ كَانَ بِالْمُحْرِمِ شَيْءٌ لَا يَجِبُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ أَحَدٌ: جَازَ لَهُ اللُّبْسُ، وَعَلَيْهِ الْفِدَاءُ نَصَّ عَلَيْهِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا، وَتَقَدَّمَ إذَا دَلَّ عَلَى طِيبٍ أَوْ لِبَاسٍ عِنْدَ عَقْدِ الدَّلَالَةِ عَلَى الصَّيْدِ.
قَوْلُهُ (السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكَاحِ. لَا يَصِحُّ مِنْهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَسَوَاءٌ زَوَّجَ غَيْرَهُ، أَوْ تَزَوَّجَ مُحْرِمَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَلِيًّا كَانَ أَوْ وَكِيلًا، وَعَنْهُ إنْ زَوَّجَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ صَحَّ، سَوَاءٌ كَانَ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. كَمَا لَوْ حَلَقَ الْمُحْرِمُ رَأْسَ حَلَالٍ. قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: الِاعْتِبَارُ بِحَالَةِ الْعَقْدِ، فَلَوْ وَكَّلَ مُحْرِمٌ حَلَالًا، فَعَقَدَهُ بَعْدَ حِلِّهِ: صَحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَلَوْ وَكَّلَ حَلَالٌ حَلَالًا. فَعَقَدَهُ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ: لَمْ يَصِحَّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ. وَلَوْ وَكَّلَهُ ثُمَّ أَحْرَمَ: لَمْ يَنْعَزِلْ وَكِيلُهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَنْعَزِلُ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ حَلَّ الْمُوَكِّلُ كَانَ لِوَكِيلِهِ عَقْدُهُ فِي الْأَقْيَسِ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ.
стр. 1556
فَلَوْ قَالَ: عَقَدَهُ قَبْلَ إحْرَامِي: قُبِلَ قَوْلُهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَقَدَهُ بَعْدَ إحْرَامِي؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ فَسْخَهُ، فَيَمْلِكُ إقْرَارَهُ، وَلَكِنْ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الْمَهْرِ، وَيَصِحُّ الْعَقْدُ مَعَ جَهْلِهِمَا وُقُوعَهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ تَعَاطِي الصَّحِيحِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ قَالَ الزَّوْجُ: تَزَوَّجْتُك بَعْدَ أَنْ أَحْلَلْت، فَقَالَتْ: بَلْ وَأَنَا مُحْرِمَةٌ صُدِّقَ الزَّوْجُ، وَتُصَدَّقُ هِيَ فِي نَظِيرَتِهَا فِي الْعِدَّةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤْتَمَنَةٌ. ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ. الثَّانِيَةُ: لَوْ أَحْرَمَ الْإِمَامُ مُنِعَ مِنْ التَّزْوِيجِ لِنَفْسِهِ وَتَزْوِيجِ أَقَارِبِهِ، وَأَمَّا بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ: فَقَالَ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ: لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُزَوِّجَ، وَإِنَّمَا يُزَوِّجُ خُلَفَاؤُهُ، ثُمَّ سَلَّمَهُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ بِوِلَايَةِ الْحُكْمِ مَا لَا يَجُوزُ بِوِلَايَةِ النَّسَبِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ احْتِمَالَيْنِ فِي عَدَمِ تَزْوِيجِهِ وَجَوَازِهِ لِلْحَرَجِ؛ لِأَنَّ الْحُكَّامَ إنَّمَا يُزَوِّجُونَ بِإِذْنِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَاخْتَارَ الْجَوَازَ لِحِلِّهِ حَالَ وِلَايَتِهِ. وَالِاسْتِدَامَةُ أَقْوَى؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ لَا تَبْطُلُ بِفِسْقٍ طَرَأَ، وَاقْتَصَرَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ عَلَى حِكَايَةِ كَلَامِ ابْنِ عَقِيلٍ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: أَنَّ نَائِبَهُ إذَا أَحْرَمَ مِثْلُ الْإِمَامِ. قُلْت: قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ وَنَائِبِهِ أَنْ يُزَوِّجَ وَهُوَ مُحْرِمٌ بِالْوِلَايَةِ الْعَامَّةِ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. انْتَهَى. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: عَدَمُ الصِّحَّةِ مِنْهُمَا.
قَوْلُهُ (وَفِي الرَّجْعَةِ رِوَايَتَانِ) . يَعْنِي فِي إبَاحَتِهَا وَصِحَّتِهَا، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرْشَادِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُبْهِجِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ ذَكَرَهُ فِي بَابِ الرَّجْعَةِ وَالْحَاوِيَيْنِ، وَنَاظِمِ الْمُفْرَدَاتِ [وَالْمُحَرَّرِ] .
стр. 1557
إحْدَاهُمَا: تُبَاحُ، وَتَصِحُّ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَالْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ هُنَا، وَالتَّلْخِيصِ [وَالْبُلْغَةِ] وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالتَّصْحِيحِ [وَتَصْحِيحِ الْمُحَرَّرِ] وَالْفَائِقِ قَالَ نَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ: عَلَيْهَا الْجُمْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ، وَعَدَمُ الصِّحَّةِ. نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ عَنْ أَحْمَدَ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا تَصِحَّ عَلَى الْمَشْهُورِ. قَالَ فِي الْإِيضَاحِ: وَهِيَ أَصَحُّ، وَنَصَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِيَ الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: تُكْرَهُ خِطْبَةُ الْمُحْرِمِ كَخِطْبَةِ الْعَقْدِ وَشُهُودِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَحْرُمُ ذَلِكَ لِتَحْرِيمِ دَوَاعِي الْجِمَاعِ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: تَحْرِيمَ الْخِطْبَةِ. الثَّانِيَةُ: تُكْرَهُ الشَّهَادَةُ فِيهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: تَحْرُمُ، وَقَدَّمَهُ الْقَاضِي، وَاحْتَجَّ بِنَقْلِ حَنْبَلٍ " لَا يَخْطُبُ " قَالَ: وَمَعْنَاهُ لَا يَشْهَدُ النِّكَاحَ. ثُمَّ سَلَّمَهُ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُكْرَهُ لِمُحِلٍّ خِطْبَةُ مُحْرِمَةٍ. وَإِنَّ فِي كَرَاهَةِ شَهَادَتِهِ فِيهِ وَجْهَيْنِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ.
الثَّالِثَةُ: يَصِحُّ شِرَاءُ الْأَمَةِ لِلْوَطْءِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ اخْتِيَارُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ لِبَعْضِهِنَّ، فِي حَالِ إحْرَامِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ، وَابْنُ رَزِينٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَخْتَارُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي بَابِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ فَإِنَّهُ مَحَلُّهُ.
стр. 1558
قَوْلُهُ (الثَّامِنُ: الْجِمَاعُ فِي الْفَرْجِ، قُبُلًا كَانَ أَوْ دُبُرًا، مِنْ آدَمِيٍّ أَوْ غَيْرِهِ، فَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ فَسَدَ نُسُكُهُ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. قَوْلًا وَاحِدًا، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ خَرَّجَ عَدَمَ الْفَسَادِ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ مِنْ عَدَمِ الْحَدِّ بِوَطْئِهَا. وَأَطْلَقَ الْحَلْوَانِيُّ وَجْهَيْنِ. أَحَدَهُمَا: لَا يَفْسُدُ. وَعَلَيْهِ شَاةٌ، وَأَطْلَقَ فِي مَسْبُوكِ الذَّهَبِ فِي فَسَادِ النُّسُكِ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ: وَجْهَيْنِ، وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ: وَإِذَا وَطِئَ بَهِيمَةً فَكَالْوَطْءِ فِي غَيْرِهَا، فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ. وَتَقَدَّمَ إذَا أَحْرَمَ حَالَ وَطْئِهِ فِي أَوَّلِ بَابِ الْإِحْرَامِ.
قَوْلُهُ (عَامِدًا كَانَ أَوْ سَاهِيًا) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ: أَنَّ السَّاهِيَ فِي فِعْلِ ذَلِكَ كَالْعَامِدِ، وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. كَذَا الْجَاهِلُ وَالْمُكْرَهُ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ فِي الْجَاهِلِ. وَذَكَرَ فِي الْفُصُولِ رِوَايَةً: لَا يَفْسُدُ حَجُّ النَّاسِي، وَالْجَاهِلِ، وَالْمُكْرَهِ، وَنَحْوِهِمْ وَخَرَّجَهَا الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَمَالَ إلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: هَذَا مُتَّجَهٌ، وَرَدَّ أَدِلَّةَ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ: فِيهِ نَظَرٌ. وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ: الْمُكْرَهَةُ لَا يَفْسُدُ حَجُّهَا، وَعَلَيْهَا بَدَنَةٌ. وَيَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ، فِي آخِرِ الضَّرْبِ الثَّانِي، وَبَعْدَهُ " إذَا وَطِئَ عَامِدًا أَوْ مُخْطِئًا ".
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِمَا الْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ) . حُكْمُهُ حُكْمُ الْإِحْرَامِ الصَّحِيحِ. نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إبْرَاهِيمَ. أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ التَّنْعِيمِ يَعْنِي: يَجْعَلَ الْحَجَّ عُمْرَةً وَلَا يُقِيمَ عَلَى حَجَّةٍ فَاسِدَةٍ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
стр. 1559
قَوْلُهُ (وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، إنْ كَانَ مَا أَفْسَدَهُ حَجًّا وَاجِبًا) . بِلَا نِزَاعٍ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ، وَتُجْزِئُهُ الْحَجَّةُ مِنْ قَابِلٍ، وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ تَطَوُّعًا: فَالْمَنْصُوصُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ: وُجُوبُ الْقَضَاءِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ وُجُوبُ إتْمَامِهِ، لَا وُجُوبُهُ فِي نَفْسِهِ. لِقَوْلِهِمْ: إنْ تَطَوَّعَ فَيُثَابُ عَلَيْهِ ثَوَابَ نَفْلٍ. وَفِي الْهِدَايَةِ، وَالِانْتِصَارِ، وَعُيُونِ الْمَسَائِلِ رِوَايَةٌ: لَا يَلْزَمُ الْقَضَاءُ. قَالَ الْمَجْدُ: لَا أَحْسَبُهَا إلَّا سَهْوًا.
قَوْلُهُ (وَالْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ مِنْ حَيْثُ أَحْرَمَا أَوَّلًا) . إنْ كَانَا أَحْرَمَا قَبْلَ الْمِيقَاتِ، أَوْ مِنْ الْمِيقَاتِ: أَحْرَمَا فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَحْرَمَا مِنْهُ أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَا أَحْرَمَا مِنْ دُونِ الْمِيقَاتِ: أَحْرَمَا مِنْ الْمِيقَاتِ، وَهَذَا بِلَا نِزَاعٍ، وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْمِيقَاتِ مُطْلَقًا، وَمَالَ إلَيْهِ.
قَوْلُهُ (وَنَفَقَةُ الْمَرْأَةِ فِي الْقَضَاءِ عَلَيْهَا، إنْ طَاوَعَتْ) . بِلَا نِزَاعٍ (وَإِنْ أُكْرِهَتْ: فَعَلَى الزَّوْجِ) وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَلَوْ طَلَّقَهَا. نَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَى الزَّوْجِ حَمْلُهَا، وَلَوْ طَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَتْ بِغَيْرِهِ، وَيُجْبَرُ الزَّوْجُ الثَّانِي عَلَى إرْسَالِهَا إنْ امْتَنَعَ. وَيَأْتِي فِي بَابِ الْفِدْيَةِ فِي آخِرِ الضَّرْبِ الثَّانِي " وُجُوبُ فِدْيَةِ الْوَطْءِ عَلَى الْمَرْأَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ".
قَوْلُهُ (وَيَتَفَرَّقَانِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَصَابَهَا فِيهِ إلَى أَنْ يَحِلَّا) . هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ.
стр. 1560
وَعَنْهُ: يَتَفَرَّقَانِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي يُحْرِمَانِ مِنْهُ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ هُوَ وَاجِبٌ، أَوْ مُسْتَحَبٌّ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْهَادِي، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى.
أَحَدُهُمَا: يُسْتَحَبُّ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ أَوْلَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ، جَزَمَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: مَعْنَى التَّفَرُّقِ: أَنْ لَا يَرْكَبَ مَعَهَا فِي مَحْمَلٍ، وَلَا يَنْزِلَ مَعَهَا فِي فُسْطَاطٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَتَفَرَّقَانِ فِي النُّزُولِ وَالْفُسْطَاطِ وَالْمَحْمَلِ، وَلَكِنْ يَكُونُ بِقُرْبِهَا. انْتَهَى. وَذَلِكَ لِيُرَاعِيَ أَحْوَالَهَا، فَإِنَّهُ مَحْرَمُهَا.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ زَوْجَهَا الَّذِي وَطِئَهَا يَجُوزُ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَحْرَمًا لَهَا فِي حَجَّةِ الْقَضَاءِ. وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: يَكُونُ بِقُرْبِهَا لِيُرَاعِيَ أَحْوَالَهَا؛ لِأَنَّهُ مَحْرَمُهَا، وَنَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ: يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا مَحْرَمٌ غَيْرُ الزَّوْجِ. قُلْت: فَيُعَايَى بِهَا.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: حُكْمُ الْعُمْرَةِ حُكْمُ الْحَجِّ فِي فَسَادِهَا بِالْوَطْءِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ السَّعْيِ وَوُجُوبِ الْمُضِيِّ فِي فَسَادِهَا، وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ مَكِّيًّا، أَوْ حَصَلَ بِهَا مُجَاوِرًا: أَحْرَمَ لِلْقَضَاءِ مِنْ الْحِلِّ، سَوَاءٌ أَحْرَمَ بِهَا مِنْهُ أَوْ مِنْ الْحَرَمِ.
стр. 1561
وَإِنْ أَفْسَدَ الْمُتَمَتِّعُ عُمْرَتَهُ، وَمَضَى فِيهَا وَأَتَمَّهَا، فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: يَخْرُجُ إلَى الْمِيقَاتِ فَيُحْرِمُ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ، فَإِنْ خَافَ فَوْتَ الْحَجِّ أَحْرَمَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ. وَعَلَيْهِ دَمٌ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْحَجِّ: أَحْرَمَ مِنْ الْمِيقَاتِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ الَّتِي أَفْسَدَهَا، وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِمَا أَفْسَدَ مِنْ عُمْرَتِهِ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ، وَالْمَيْمُونِيُّ: فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ بِعُمْرَةٍ مَكَانَ مَا أَفْسَدَ. قَالَ الْقَاضِي، وَمَنْ تَبِعَهُ تَفْرِيعًا عَلَى رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ إنَّ دَمَ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ يَسْقُطُ بِالْإِفْسَادِ، فَقَالَ: إنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ لِلْقَضَاءِ فَهَلْ هُوَ مُتَمَتِّعٌ؟ إنْ أَنْشَأَ سَفَرَ قَصْرٍ: فَمُتَمَتِّعٌ، وَإِلَّا فَلَا عَلَى ظَاهِرِ نَقْلِ ابْنِ إبْرَاهِيمَ: إذَا أَنْشَأَ سَفَرَ قَصْرٍ فَمُتَمَتِّعٌ. وَنَقَلَ ابْنُ إبْرَاهِيمَ رِوَايَةً أُخْرَى: تَقْتَضِي إنْ بَلَغَ الْمِيقَاتَ: فَمُتَمَتِّعٌ، فَقَالَ: لَا تَكُونُ مُتْعَةً حَتَّى يَخْرُجَ إلَى مِيقَاتِهِ.
الثَّانِيَةُ: قَضَاءُ الْعَبْدِ كَنَذْرِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَصِحُّ فِي حَالِ رِقِّهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَبَ عَلَيْهِ بِإِيجَابِهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا أَشْهَرُ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ [وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ فِي أَحْكَامِ الْعَبْدِ] وَإِنْ كَانَ الَّذِي أَفْسَدَهُ مَأْذُونًا فِيهِ: قَضَى مَتَى قَدَرَ. نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ إذْنٌ فِي مُوجِبِهِ وَمُقْتَضَاهُ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَأْذُونٍ فِيهِ: مَلَكَ السَّيِّدُ مَنْعَهُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، لِتَفْوِيتِ حَقِّهِ. وَقِيلَ: لَا يَمْلِكُهُ لِوُجُوبِهِ [وَتَقَدَّمَ أَيْضًا هُنَاكَ] وَإِنْ أُعْتِقَ قَبْلَ الْقَضَاءِ: انْصَرَفَ إلَى حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: عِنْدِي لَا يَصِحُّ.
الثَّالِثَةُ: يَلْزَمُ الصَّبِيَّ الْقَضَاءُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ إذَا أَفْسَدَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ الْبَدَنَةُ، وَالْمُضِيُّ فِي فَاسِدِهِ، كَبَالِغٍ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ احْتِمَالًا.
стр. 1562
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يَكُونُ الْقَضَاءُ بَعْدَ بُلُوغِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَقِيلَ: يَصِحُّ قَبْلَ بُلُوغِهِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. الرَّابِعَةُ: يَكْفِي الْعَبْدَ وَالصَّبِيَّ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ وَالْقَضَاءُ. إنْ كَفَتْ أَوْ صَحَّتْ كَالْأُولَى، عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَخَالَفَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ أَحْكَامِ الْعَبْدِ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْحَجِّ فَلْيُعَاوَدْ. الْخَامِسَةُ: لَوْ أَفْسَدَ الْقَضَاءَ لَزِمَهُ قَضَاءُ الْوَاجِبِ الْأَوَّلِ لَا الْقَضَاءُ.
قَوْلُهُ (وَإِنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ لَمْ يَفْسُدُ حَجُّهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، سَوَاءٌ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّ حَجَّهُ يَفْسُدُ إنْ بَقِيَ إحْرَامُهُ، وَفَسَدَ بِوَطْئِهِ، وَذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ فِي التَّنْبِيهِ: أَنَّ مَنْ وَطِئَ فِي الْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ فَسَدَ حَجُّهُ. وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى مَا قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ. قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، عَنْ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: يُرِيدُ إذَا لَمْ يَكُنْ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ، فَلَا يَكُونُ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ: وَإِنْ جَامَعَ قَبْلَ تَحَلُّلِهِ الْأَوَّلِ، وَقِيلَ: قَبْلَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ. وَيَأْتِي فِي صِفَةِ الْحَجِّ: بِمَ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ.
فَائِدَةٌ: هَلْ يَكُونُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ مُحْرِمًا؟ ذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ يَكُونُ مُحْرِمًا؛ لِبَقَاءِ تَحْرِيمِ الْوَطْءِ الْمُنَافِي وُجُودُهُ صِحَّةَ الْإِحْرَامِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: لِإِطْلَاقِ " الْمُحْرِمِ " عَلَى مَنْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْكُلُّ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَبْطُلُ إحْرَامُهُ عَلَى احْتِمَالِ، وَقَالَ فِي مُفْرَدَاتِهِ: هُوَ مُحْرِمٌ لِوُجُوبِ الدَّمِ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي هُنَا وَتَبِعَهُ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ، وَقَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَا يُبَاحُ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ: نَمْنَعُ أَنَّهُ مُحْرِمٌ. وَإِنَّمَا نَنْفِي بَعْضَ أَحْكَامِ الْإِحْرَامِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ وَالْمَيْمُونِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ فِيمَنْ وَطِئَ بَعْدَ الرَّمْيِ
стр. 1563
يُنْتَقَضُ إحْرَامُهُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ وَطِئَ بَعْدَ الطَّوَافِ، وَقَبْلَ الرَّمْيِ: فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: أَنَّهُ كَالْأَوَّلِ، وَلِأَبِي مُحَمَّدٍ فِي مَوْضِعٍ فِي لُزُومِ الدَّمِ احْتِمَالَانِ، وَجَزَمَ فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ بِلُزُومِ الدَّمِ، تَبَعًا لِلْأَصْحَابِ.
قَوْلُهُ (وَيَمْضِي إلَى التَّنْعِيمِ، فَيُحْرِمُ لِيَطُوفَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) اعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ: أَنَّ الْوَطْءَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ يُفْسِدُ الْإِحْرَامَ. قَوْلًا وَاحِدًا، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ الْحِلِّ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ؛ لِيَطُوفَ فِي إحْرَامٍ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّهُ رُكْنُ الْحَجِّ. كَالْوُقُوفِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: سَوَاءٌ أَبَعُدَ أَوْ لَا. وَمَعْنَاهُ كَلَامُ غَيْرِهِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ وَمَنْ تَابَعَهُمَا وَالْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ يَعْتَمِرُ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى يَعْنِي مَا تَقَدَّمَ وَسَمَّاهُ عُمْرَةً؛ لِأَنَّ هَذَا أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ؛ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ عُمْرَةً حَقِيقَةً، فَيَلْزَمُ سَعْيٌ وَتَقْصِيرٌ. قَالُوا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَيْضًا: يَعْتَمِرُ مُطْلَقًا، وَعَلَيْهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ. وَابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِ أَسْبَابِ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمَنْهَجِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي رُءُوسِ الْمَسَائِلِ: يَأْتِي بِعَمَلِ عُمْرَةٍ، وَبِالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ، وَبَقِيَّةِ أَفْعَالِ الْحَجِّ.
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، أَوْ شَاةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. إحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ بَدَنَةٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَالْإِفَادَاتِ، [وَالْقَاضِي] وَالْمُوَفَّقُ فِي شَرْحِ مَنَاسِكِ الْمُقْنِعِ، وَنَصَرَهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفَائِقِ وَالنَّظْمِ.
стр. 1564
وَالرَّاوِيَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ شَاةٌ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. وَصَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ. قَالَ فِي عُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْخُلَاصَةِ: يَلْزَمُهُ دَمٌ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْكَافِي، وَالْعُمْدَةِ وَشَرْحِهَا، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَنَصَرَاهُ. وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الرِّوَايَتَيْنِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: لَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ وَلَمْ يَرْمِ ثُمَّ وَطِئَ، فَقَدَّمَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إحْرَامٌ مِنْ الْحِلِّ، وَلَا دَمَ عَلَيْهِ؛ لِوُجُودِ أَرْكَانِ الْحَجِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ كَمَا سَبَقَ. الثَّانِيَةُ: الْعُمْرَةُ كَالْحَجِّ فِيمَا تَقَدَّمَ، وَتَفْسُدُ قَبْلَ فَرَاغِ الطَّوَافِ، وَكَذَا قَبْلَ سَعْيِهَا. إنْ قُلْنَا: هُوَ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ، وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ: إنْ وَطِئَ قَبْلَ السَّعْيِ خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي كَوْنِهِ رُكْنًا أَوْ غَيْرَهُ. انْتَهَى. وَلَا تَفْسُدُ قَبْلَ الْحَلْقِ إنْ لَمْ يَجِبْ، وَكَذَا إنْ وَجَبَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيَلْزَمُهُ دَمٌ، وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّهَا تَفْسُدُ، وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: فِي فِدَاءٍ فِي مَحْظُورِهَا قَبْلَ الْحَلْقِ: الرِّوَايَتَانِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَعَنْهُ يَفْسُدُ الْحَجُّ فَقَطْ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. وَيَأْتِي فِي بَابِ الْفِدْيَةِ فِي آخِرِ الضَّرْبِ الثَّانِي مَا يَجِبُ بِالْوَطْءِ فِي الْعُمْرَةِ.
قَوْلُهُ (التَّاسِعُ: الْمُبَاشَرَةُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ بِشَهْوَةٍ) وَكَذَا إنْ قَبَّلَ أَوْ لَمَسَ بِشَهْوَةٍ (فَإِنْ فَعَلَ فَأَنْزَلَ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ فِي الْإِرْشَادِ: قَوْلًا وَاحِدًا، وَهُوَ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ، وَعَنْهُ عَلَيْهِ شَاةٌ إنْ لَمْ يَفْسُدْ. ذَكَرَهَا الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ فِي
стр. 1565
نِهَايَتِهِ: أَنَّ عَلَيْهِ شَاةً، وَجَزَمَ بِهِ نَاظِمُهَا، وَأَطْلَقَهُمَا الْحَلْوَانِيُّ. كَمَا لَوْ لَمْ يَفْسُدْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْقِيَاسَانِ ضَعِيفَانِ. وَيَأْتِي أَيْضًا فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ فِي الضَّرْبِ الثَّالِثِ فِي قَوْلِهِ " وَمَتَى أَنْزَلَ بِالْمُبَاشَرَةِ دُونَ الْفَرْجِ، فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ ".
قَوْلُهُ (وَهَلْ يَفْسُدُ نُسُكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْإِرْشَادِ، وَالْإِيضَاحِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ. إحْدَاهُمَا: لَا يَفْسُدُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ. صَحَّحَهَا فِي التَّصْحِيحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَاخْتَارَهَا الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ النَّاظِمُ.
الثَّانِيَةُ: يَفْسُدُ، نَصَرَهَا الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: فَسَدَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا. وَصَحَّحَهُ فِي الْبُلْغَةِ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ فِي الْوَطْءِ دُونَ الْفَرْجِ إذَا أَنْزَلَ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا أَشْهَرُهُمَا. وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ: إنْ أَمْنَى بِالْمُبَاشَرَةِ: فَسَدَ نُسُكُهُ دُونَ غَيْرِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ: لَمْ يَفْسُدْ) . قَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ، وَغَيْرُهُ: لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَسَبَقَ فِي الصَّوْمِ خِلَافٌ، وَمِثْلُهُ الْفِدْيَةُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْحَلْوَانِيِّ: أَنَّ فِيهِ خِلَافًا. وَيَأْتِي مَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ فِي بَابِ الْفِدْيَةِ.
قَوْلُهُ (وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا) . هَذَا بِلَا نِزَاعٍ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا تَغْطِيَتُهُ بِبُرْقُعٍ، أَوْ نِقَابٍ، أَوْ غَيْرِهِمَا. وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْدُلَ عَلَى وَجْهِهَا لِحَاجَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ جَوَازَ السَّدْلِ. وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: إنَّمَا لَهَا أَنْ تَسْدُلَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ فَوْقُ، وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَعَ الثَّوْبَ مِنْ أَسْفَلَ.
стр. 1566
قَالَ الْمُصَنِّفُ: كَأَنَّ أَحْمَدَ يَقْصِدُ أَنَّ النِّقَابَ مِنْ أَسْفَلَ عَلَى وَجْهِهَا، وَقَالَ الْقَاضِي، وَمَنْ تَبِعَهُ: تَسْدُلُ وَلَا يُصِيبُ الْبَشَرَةَ، فَإِنْ أَصَابَهَا، فَلَمْ تَرْفَعْهُ مَعَ الْقُدْرَةِ: فَدَتْ، لِاسْتِدَامَةِ السَّتْرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: لَيْسَ هَذَا الشَّرْطُ عَنْ أَحْمَدَ، وَلَا فِي الْخَبَرِ، وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ، فَإِنَّ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إصَابَةِ الْبَشَرَةِ، فَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَبَيَّنَهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَمَا قَالَهُ صَحِيحٌ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَوْ مَسَّ وَجْهَهَا: فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ؛ لِأَنَّ وَجْهَهَا كَيَدِ الرَّجُلِ.
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَغَيْرِهِ: أَنَّ غَيْرَ الْوَجْهِ لَا يَحْرُمُ تَغْطِيَتُهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ فِي الْإِيضَاحِ: وَالْمَرْأَةُ إحْرَامُهَا فِي وَجْهِهَا، وَكَفَّيْهَا. قَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَفِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: الْمَرْأَةُ أُبِيحَ لَهَا كَشْفُ الْوَجْهِ فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ.
فَائِدَةٌ: يَجْتَمِعُ فِي حَقِّ الْمُحْرِمَةِ: وُجُوبُ تَغْطِيَةِ الرَّأْسِ، وَتَحْرِيمُ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ، وَلَا يُمْكِنُهَا تَغْطِيَةُ كُلِّ الرَّأْسِ إلَّا بِتَغْطِيَةِ جُزْءٍ مِنْ الْوَجْهِ، وَلَا كَشْفُ جَمِيعِ الْوَجْهِ إلَّا بِكَشْفِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى سَتْرِ الرَّأْسِ كُلِّهِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ عَوْرَةٌ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْإِحْرَامِ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. قُلْت: لَعَلَّهُمْ أَرَادُوا بِذَلِكَ الِاسْتِحْبَابَ، وَإِلَّا حَيْثُ قُلْنَا: يَجِبُ كَشْفُ الْوَجْهِ، فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ مِنْهُ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يَجِبُ سَتْرُ الرَّأْسِ، فَيُعْفَى عَنْ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. كَمَا قُلْنَا فِي مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَوْلُهُ (وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ) . يَعْنِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُهُمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُمَا شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ. كَمَا يُعْمَلُ
стр. 1567
لِلْبُزَاةِ، وَفِيهِ الْفِدْيَةُ كَالرَّجُلِ، فَإِنَّهُ أَيْضًا يُمْنَعُ مِنْ لُبْسِهِمَا، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَغْطِيَتِهِمَا بِكُمِّهَا لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ: جَوَازُهُ بِهِمَا. بِدَلِيلِ تَغْطِيَةِ الرَّجُلِ قَدَمَيْهِ بِإِزَارِهِ لَا بِخُفٍّ، وَإِنَّمَا جَازَ تَغْطِيَةُ قَدَمِهَا بِكُلِّ شَيْءٍ؛ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، وَلَنَا فِي الْكَفَّيْنِ رِوَايَتَانِ. أَوْ الْكَفَّانِ يَتَعَلَّقُ بِهِمَا حُكْمُ التَّيَمُّمِ كَالْوَجْهِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ لَفَّتْ عَلَى يَدَيْهَا خِرَقًا أَوْ خِرْقَةً، وَشَدَّتَهَا عَلَى حِنَّاءٍ أَوَّلًا. كَشَدِّهِ عَلَى جَسَدِهِ شَيْئًا. ذَكَرَهُ فِي الْفُصُولِ عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا ذَلِكَ، وَاخْتَارَهُ فِي الْفَائِقِ، وَقَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: هُمَا: كَالْقُفَّازَيْنِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ.
قَوْلُهُ (وَالْخَلْخَالُ وَنَحْوُهُ) ، الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُبَاحُ لَهَا لُبْسُ الْخَلْخَالِ، وَالْحُلِيِّ وَنَحْوِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ وَغَيْرُهُمَا: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ.
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. لَكِنْ قَالَ فِي الْمَطْلَعِ عَنْ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ وَإِنَّمَا عَطَفَ الْخَلْخَالَ وَنَحْوَهُ عَلَى الْقُفَّازَيْنِ وَإِنْ كَانَ لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ مُحَرَّمًا، وَلُبْسُ الْخَلْخَالِ وَالْحُلِيِّ مُبَاحًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّ لُبْسَهُ مَكْرُوهٌ، فَفِيهِمَا اشْتِرَاكٌ فِي رُجْحَانِ التَّرْكِ. انْتَهَى. وَحَمَلَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُصَنِّفُ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَكَلَامِ الْخِرَقِيِّ. لَكِنْ ابْنُ مُنَجَّى شَرَحَ عَلَى أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، فَحَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَلَمْ يَحْكِ خِلَافًا.
فَائِدَةٌ: لَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لِبَاسُ زِينَةٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ، وَزَادَ: وَيُكْرَهُ، وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ. يَحْرُمُ لِبَاسُ زِينَةٍ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ كَحُلِيٍّ.
стр. 1568
قَوْلُهُ (وَلَا تَكْتَحِلُ بِالْإِثْمِدِ) . قَالَ الشَّارِحُ تَبَعًا لِلْمُصَنِّفِ فِي الْمُغْنِي: الْكُحْلُ بِالْإِثْمِدِ مَكْرُوهٌ لِلْمَرْأَةِ وَالرَّجُلِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا مَحَلُّ الزِّينَةِ، وَالْكَرَاهَةُ فِي حَقِّهَا أَكْثَرُ مِنْ الرَّجُلِ. انْتَهَى، وَقَدَّمَهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا. أَعْنِي: سَوَاءً كَانَ الْكُحْلُ لِلزِّينَةِ أَوْ غَيْرِهَا، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، وَغَيْرِهِمَا، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ إلَّا إذَا كَانَ لِلزِّينَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا تَكْتَحِلُ الْمَرْأَةُ بِالسَّوَادِ. فَظَاهِرُهُ: التَّخْصِيصُ بِالْمَرْأَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى. قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَحَمَلَ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ كَلَامَ صَاحِبِ الْإِرْشَادِ عَلَى الْكَرَاهَةِ، وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: التَّحْرِيمُ، وَقَدْ قَالَ: ظَاهِرُهُ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ. وَقَدْ أَقَرَّهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ: هُوَ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ، وَجَعَلَهُ الْمَجْدُ مَكْرُوهًا. كَذَا أَبُو مُحَمَّدٍ، وَلَمْ يُوجِبْ فِيهِ فِدْيَةً، وَسَوَّى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ.
قَوْلُهُ (وَيَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ وَالْكُحْلِيِّ) . يَجُوزُ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَقَلَهَا الْجَمَاعَةُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. سَوَاءٌ كَانَ اللَّابِسُ رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً، وَقَالَ فِي الْوَاضِحِ: يَجُوزُ لُبْسُ مَا لَمْ يُنْفَضْ عَلَيْهِ. وَيَأْتِي فِي آخِرِ بَابِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، فَفِيهِ أَوْلَى. أَمَّا الْكُحْلِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الصِّبَاغِ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَجُوزُ لُبْسُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: يُسَنُّ لُبْسُ ذَلِكَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ.
стр. 1569
قَوْلُهُ (وَالْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ) . يَعْنِي لَا بَأْسَ بِهِ لِلْمَرْأَةِ فِي إحْرَامِهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ، فَإِنَّهُمَا قَالَا: لَا بَأْسَ بِهِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ إنْ فَعَلَتْ: فَإِنْ شَدَّتْ يَدَهَا بِخِرْقَةٍ: فَدَتْ، وَإِلَّا فَلَا.
فَائِدَةٌ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ. قَالَهُ الْأَصْحَابُ وَيُسْتَحَبُّ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ لِمُتَزَوِّجَةٍ؛ لِأَنَّ فِيهِ زِينَةً وَتَحْبِيبًا لِلزَّوْجِ كَالطِّيبِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا: وَيُكْرَهُ لِأَيِّمٍ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ مَعَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يُسْتَحَبُّ لَهَا، وَقَالَ فِي مَكَان آخَرَ: كَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هُوَ بِلَا حَاجَةٍ، فَأَمَّا الْخِضَابُ لِلرَّجُلِ: فَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَجَمَاعَةٌ: لَا بَأْسَ بِهِ فِيمَا لَا تَشَبُّهَ فِيهِ بِالنِّسَاءِ، وَأَطْلَقَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَهَا الْخِضَابُ بِالْحِنَّاءِ. مُخْتَصٌّ بِالنِّسَاءِ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي: أَنَّهُ كَالْمَرْأَةِ فِي الْحِنَّاءِ؛ لِأَنَّ ذِكْرَ الْمَسْأَلَةِ وَاحِدَةٌ. انْتَهَى، وَيُبَاحُ لِحَاجَةٍ.
قَوْلُهُ (وَالنَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لَهُمَا جَمِيعًا) . يَعْنِي يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ النَّظَرُ فِي الْمِرْآةِ لِلْحَاجَةِ. كَمُدَاوَاةِ جُرْحٍ، وَإِزَالَةِ شَعْرٍ نَبَتَ فِي عَيْنِهِ. وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَهُوَ مُرَادُ الْمُصَنِّفِ، وَلِمَنْ كَانَ النَّظَرُ لِإِزَالَةِ شُعْثٍ، أَوْ تَسْوِيَةِ شَعْرٍ، أَوْ شَيْءٍ مِنْ الزِّينَةِ: كُرِهَ [ذَلِكَ] ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَفِي تَرْكِ الْأَوْلَى نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَأْتُوا شُعْثًا غُبْرًا، وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَبَعْضُ مَنْ أَطْلَقَ: قَيَّدَ فِي مَكَان آخَرَ بِالْحَاجَةِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ الْآجُرِّيُّ، وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَغَيْرُهُمَا: وَيَلْبَسُ الْخَاتَمَ.
стр. 1570
وَتَقَدَّمَ جَوَازُ لُبْسِهِ لِلزِّينَةِ فِيمَا يُبَاحُ مِنْ فِضَّةٍ لِلرِّجَالِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِذَا لَمْ يُكْرَهْ فِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ، فَيَتَوَجَّهُ فِي كَرَاهَتِهِ لِلْمُحْرِمِ لِزِينَةٍ مَا فِي كُحْلٍ وَنَظَرٍ فِي مِرْآةٍ.
فَائِدَةٌ: يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، مِمَّا فُسِّرَ بِهِ " الرَّفَثُ وَالْفُسُوقُ " وَهُوَ السِّبَابُ. وَقِيلَ: الْمَعَاصِي، وَالْجِدَالُ، وَالْمِرَاءُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ: الْمُحْرِمُ مَمْنُوعٌ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَتْ فِي الْفُصُولِ: يَجِبُ اجْتِنَابُ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ. قَالَ: وَهُوَ الْمُمَارَاةُ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَقَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْفُسُوقُ، وَهُوَ السِّبَابُ وَالْجِدَالُ، وَهُوَ الْمُمَارَاةُ فِيمَا لَا يَعْنِي، وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ كُلُّ جِدَالٍ وَمِرَاءٍ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ، وَكُلُّ سِبَابٍ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحِلِّ، بَلْ أَوْلَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَقَّى الْكَلَامَ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ وَالْجِدَالَ وَالْمُرَاءَاةَ وَاللَّغْوَ وَغَيْرَ ذَلِكَ، مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِ إلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ إلَّا فِيمَا يَنْفَعُ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ: يُكْرَهُ لَهُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ بِلَا نَفْعٍ. انْتَهَى. وَيَجُوزُ لَهُ التِّجَارَةُ وَعَمَلُ الصَّنْعَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ مُسْتَحَبٍّ أَوْ وَاجِبٍ.
[بَابُ الْفِدْيَةِ]
ِ. قَوْلُهُ (وَهِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ. أَحَدِهَا: مَا هُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ، وَهُوَ نَوْعَانِ. أَحَدُهُمَا: يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ صِيَامِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، أَوْ إطْعَامِ سِتَّةِ مَسَاكِينَ؛ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدُّ بُرٍّ، أَوْ نِصْفُ صَاعِ تَمْرٍ، أَوْ شَعِيرٍ، أَوْ ذَبْحِ شَاةٍ. وَهِيَ فِدْيَةُ حَلْقِ الرَّأْسِ، وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ، وَتَغْطِيَةِ الرَّأْسِ وَاللُّبْسِ، وَالطِّيبِ) هَذَا الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ [كُلِّهِ] مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ.
стр. 1571
وَأَمَّا [مِنْ حَيْثُ] التَّفْصِيلُ: فَإِنْ كَانَ بِالصِّيَامِ: فَيُجْزِئُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ، وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ، وَإِنْ كَانَ بِالْإِطْعَامِ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالرِّوَايَتَيْنِ: أَنَّهُ يُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدَّ بُرٍّ. كَمَا جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ هُنَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهِيَ أَشْهَرُ، وَعَنْهُ لَا يُجْزِئُهُ إلَّا نِصْفُ صَاعِ بُرٍّ لِكُلِّ مِسْكِينٍ كَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ.
تَنْبِيهَانِ. أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ الْخُبْزُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْإِجْزَاءَ. وَيَكُونُ رِطْلَيْنِ عِرَاقِيَّيْنِ، كَرِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَقَالَ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِأَدْمٍ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ مِنْ بُرٍّ وَشَعِيرٍ: فَهُوَ أَفْضَلُ.
الثَّانِي: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مَعْذُورًا، أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ. وَذِكْرُهُ الرِّوَايَةَ بَعْدَ ذَلِكَ: يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ. نَقَلَهُ جَعْفَرٌ وَغَيْرُهُ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ يَجِبُ الدَّمُ؛ إلَّا أَنْ يَفْعَلَهُ لِعُذْرٍ فَيُخَيَّرُ، جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ: اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يَتَعَيَّنُ الدَّمُ فَإِنْ عَدِمَهُ: أَطْعَمَ، فَإِنْ تَعَذَّرَ: صَامَ، فَيَكُونُ عَلَى التَّرْتِيبِ.
стр. 1572
فَائِدَةٌ: يَجُوزُ لَهُ تَقْدِيمُ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحَلْقِ. كَكَفَّارَةِ الْيَمِينِ.
قَوْلُهُ (الثَّانِي: جَزَاءُ الصَّيْدِ.، يُخَيَّرُ فِيهِ بَيْنَ الْمِثْلِ، أَوْ تَقْوِيمِهِ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ لَا مِثْلَ لَهُ: خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ) أَيْ: تَقْوِيمُ الْمِثْلِ بِدَرَاهِمَ يَشْتَرِي بِهَا طَعَامًا، فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا، أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ الْإِطْعَامِ وَالصِّيَامِ. اعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ كَفَّارَةَ جَزَاءِ الصَّيْدِ عَلَى التَّخْيِيرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ الْمَنْصُوصُ، وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمْ، وَعَنْهُ أَنَّ جَزَاءَ الصَّيْدِ عَلَى التَّرْتِيبِ فَيَجِبُ الْمِثْلُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ: لَزِمَهُ الْإِطْعَامُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ: صَامَ. نَقَلَهَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُخَيَّرُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ، وَهِيَ إخْرَاجُ الْمِثْلِ، أَوْ التَّقْوِيمُ بِطَعَامٍ، أَوْ الصِّيَامُ عَنْهُ، وَهَذَا الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ الْخِيَرَةُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، وَهِيَ إخْرَاجُ الْمِثْلِ، وَالصِّيَامُ، وَالْإِطْعَامُ فِيهَا. وَإِنَّمَا ذَكَرَ فِي الْآيَةِ لِيَعْدِلَ بِهِ الصِّيَامَ؛ لِأَنَّ مَنْ قَدَرَ عَلَى الْإِطْعَامِ قَدَرَ عَلَى الذَّبْحِ. نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: لَوْ أَرَادَ الْإِطْعَامَ، فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَوِّمَ الْمِثْلِيَّ. كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ " بِدَرَاهِمَ. وَيَشْتَرِيَ بِهَا طَعَامًا "، وَعَنْهُ لَا يُقَوِّمُ الْمِثْلِيَّ، وَإِنَّمَا يُقَوِّمُ الصَّيْدَ مَكَانَ إتْلَافِهِ أَوْ بِقُرْبِهِ، وَأَطْلَقَهُمَا
стр. 1573
فِي الْإِرْشَادِ، وَحَيْثُ قَوَّمَ الْمِثْلِيَّ أَوْ الصَّيْدَ: فَإِنَّهُ يَشْتَرِي بِهِ طَعَامًا لِلْمَسَاكِينِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ لَهُ الصَّدَقَةُ بِالدَّرَاهِمِ. وَلَيْسَتْ الْقِيمَةُ مِمَّا خَيَّرَ اللَّهُ [فِيهِ] . ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ وَهَلْ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ؟ فِيهِ احْتِمَالَانِ تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: التَّقْوِيمُ: يَكُونُ بِالْمَوْضِعِ الَّذِي أَتْلَفَهُ فِيهِ وَبِقُرْبِهِ. نَقَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ غَيْرُ وَاحِدٍ يُقَوِّمُهُ بِالْحَرَمِ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ذَبْحِهِ. وَتَقَدَّمَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ مَكَانَ إتْلَافِهِ أَوْ بِقُرْبِهِ.
الثَّانِي: الطَّعَامُ هُنَا: هُوَ الَّذِي يَخْرُجُ فِي الْفِطْرَةِ، وَفِدْيَةُ الْأَدْنَى عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ وَغَيْرِهِمْ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ أَيْضًا كُلُّ مَا يُسَمَّى طَعَامًا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، وَجَزَمَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ.
الثَّالِثُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " فَيُطْعِمُ كُلَّ مِسْكِينٍ مُدًّا " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْبُرِّ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَكَذَا هُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَأَجْرَاهُ ابْنُ مُنَجَّى عَلَى ظَاهِرِهِ، وَشَرَحَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ إلَى غَيْرِهِ، وَقَالَ الشَّارِحُ: وَالْأَوْلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ غَيْرِ الْبُرِّ أَقَلُّ مِنْ نِصْفِ صَاعٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ فِي مَوْضِعٍ بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فِي طُعْمَةِ الْمَسَاكِينِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَنْصُوصُ وَالْمَشْهُورُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُحَرَّرِ. قُلْت: وَهُوَ الْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ.
стр. 1574
الرَّابِعُ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَيْضًا " أَوْ يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا " أَنَّهُ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْبُرِّ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَيْضًا، وَتَابَعَهُ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَعُقُودِ ابْنِ الْبَنَّا، وَالْإِيضَاحِ، وَقَدَّمَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أَثْبَتَهَا بَعْضُ الْأَصْحَابِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ طَعَامِ كُلِّ مِسْكِينٍ يَوْمًا. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِيَيْنِ.
فَوَائِدُ. الْأُولَى: أَطْلَقَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، فَقَالَ " يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا " وَأَطْلَقَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى، فَقَالَ " يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا "، فَنَقَلَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهُ قَالَ: الْمَسْأَلَةُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَحَمَلَ رِوَايَةَ الْمُدِّ عَلَى الْبُرِّ، وَرِوَايَةَ الْمُدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي رِوَايَتَيْ الْقَاضِي: أَنَّ حَنْبَلًا وَابْنَ مَنْصُورٍ نَقَلَا عَنْهُ " أَنَّهُ يَصُومُ عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " وَأَنَّ الْأَثْرَمَ نَقَلَ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى " عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا، وَعَنْ نِصْفِ صَاعٍ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا يَوْمًا " قَالَ: وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخِرَقِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ. قَالَ: وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ " عَنْ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " عَلَى أَنَّ نِصْفَ الصَّاعِ مِنْ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ، لَا مِنْ الْبُرِّ. انْتَهَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَعَلَى هَذَا: فَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَقَةٌ، وَالْأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ. لَا أَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ مُطْلَقَتَيْنِ، وَإِذًا يَسْهُلُ الْحَمْلُ، وَلِذَلِكَ قَطَعَ أَبُو الْبَرَكَاتِ وَغَيْرُهُ إلَى أَنْ عَزَا ذَلِكَ إلَى الْخِرَقِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَأَقَرَّ بَعْضُ الْأَصْحَابِ النَّصَّيْنِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا، وَحَمَلَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ ذَلِكَ عَلَى مَا سَبَقَ يَعْنِي حَمَلَ رِوَايَةَ الْمُدِّ عَلَى الْبُرِّ، وَرِوَايَةَ الْمُدَّيْنِ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ: وَهُوَ أَظْهَرُ. انْتَهَى.
стр. 1575
الثَّانِيَةُ: لَوْ بَقِيَ مِنْ الطَّعَامِ مَا لَا يَعْدِلُ يَوْمًا: صَامَ عَنْهُ يَوْمًا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ. الثَّالِثَةُ: لَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي هَذَا الصِّيَامِ بِلَا نِزَاعٍ أَعْلَمُهُ لِلْآيَةِ. الرَّابِعَةُ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَصُومَ عَنْ بَعْضِ الْجَزَاءِ، وَيُطْعِمَ عَنْ بَعْضِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.
قَوْلُهُ (الضَّرْبُ الثَّانِي: عَلَى التَّرْتِيبِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ. أَحَدُهَا: دَمُ الْمُتْعَةِ، وَالْقِرَانِ، فَيَجِبُ الْهَدْيُ) ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَقْتُ وُجُوبِهِ، وَوَقْتُ ذَبْحِهِ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ، عِنْدَ قَوْلِهِ " وَيَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ وَالْمُتَمَتِّعِ دَمُ نُسُكٍ " (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ) يَعْنِي: فِي مَوْضِعِهِ، فَلَوْ وَجَدَهُ فِي بَلَدِهِ، أَوْ وَجَدَ مَنْ يُقْرِضُهُ: فَهُوَ كَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ، نَصَّ عَلَيْهِ. (فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ، وَالْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. مِنْهُمْ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَعَلَّلَ بِالْحَاجَةِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ الْأَفْضَلُ: أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ: يُقَدِّمُ الْإِحْرَامَ عَلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ، فَيُحْرِمُ يَوْمَ السَّابِعِ، وَعَلَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ: يُحْرِمُ يَوْمَ السَّادِسِ. قُلْت: فَيَكُونُ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِمْ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّعِ الَّذِي حَلَّ: الْإِحْرَامَ مِنْهُ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فَيُعَايَى بِهَا. فَوَائِدُ. الْأُولَى: يَجُوزُ تَقْدِيمُ صِيَامِ الثَّلَاثَةِ الْأَيَّامِ بِإِحْرَامِ الْعُمْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ
стр. 1576
مِنْ الْمَذْهَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَشْهَرُ، وَفِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ إيمَاءٌ إلَيْهِ، لِقَوْلِهِ " وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ آخِرُهَا يَوْمَ عَرَفَةَ "، وَعَنْهُ يَصُومُهَا إذَا حَلَّ مِنْ الْعُمْرَةِ. الثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ، وَعَنْهُ يَجُوزُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَالْمُرَادُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ، وَنَقَلَهُ الْأَثْرَمُ؛ لِيَكُونَ السَّبَبَ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَحَدُ نُسُكَيْ التَّمَتُّعِ، فَجَازَ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ. كَالْحَجِّ. قَالَ الْمُصَنِّفُ وَالشَّارِحُ، عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ: وَلَيْسَ بِشَيْءٍ. وَأَحْمَدُ مُنَزَّهٌ عَنْ هَذِهِ الْمُخَالَفَةِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ.
الثَّالِثَةُ: وَقْتُ وُجُوبِ صَوْمِ الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ: وَقْتُ وُجُوبِ الْهَدْيِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْإِحْرَامِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ لِأَنَّهُ بَدَلٌ كَسَائِرِ الْأَبْدَالِ، وَقَالَ الْقَاضِي: وَعِنْدَنَا يَجِبُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسِنْدِيٌّ عَنْ صِيَامِ الْمُتْعَةِ: مَتَى يَجِبُ؟ قَالَ: إذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ، وَقَالَ الْقَاضِي أَيْضًا: لَا خِلَافَ أَنَّ الصَّوْمَ يَتَعَيَّنُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ، بِحَيْثُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ إلَيْهِ، بِخِلَافِ الْهَدْيِ. انْتَهَى.
الرَّابِعَةُ: ذَكَرَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَصَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُمْ: إنْ أَخَّرَ صِيَامَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَالْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ إلَى يَوْمِ النَّحْرِ فَقَضَاءٌ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَنْعِ صِيَامِهِ، وَإِلَّا كَانَ أَدَاءً، وَلَعَلَّ كَلَامَ صَاحِبِ الْفُرُوعِ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ مَنْعِ صِيَامِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِزِيَادَةِ " عَدَمِ " وَبِهَا يَتَّضِحُ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ (وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ صَامَ قَبْلَ ذَلِكَ أَجْزَأَ) . يَعْنِي بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجِّ. لَكِنْ لَا يَجُوزُ صَوْمُهَا فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، نَصَّ
стр. 1577
عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِبَقَاءِ أَعْمَالِ الْحَجِّ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَيَجُوزُ صَوْمُهَا بَعْدَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ. يَعْنِي إذَا كَانَ قَدْ طَافَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ. قَالَهُ الْقَاضِي، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ [البقرة: ١٩٦] يَعْنِي: مِنْ عَمَلِ الْحَجِّ؛ لِأَنَّهُ الْمَذْكُورُ، وَالْمُعْتَبَرُ لِجَوَازِ الصَّوْمِ.
قَوْلُهُ (فَإِنْ لَمْ يَصُمْ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ) . يَعْنِي الْأَيَّامَ الثَّلَاثَةَ (صَامَ أَيَّامَ مِنًى) . قَالَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي بَابِ أَقْسَامِ النُّسُكِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ، وَعَنْهُ لَا يَصُومُهَا. وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ مَعَ زِيَادَةٍ حَسَنَةٍ فِي أَوَاخِرِ بَابِ صَوْمِ التَّطَوُّعِ، وَذَكَرَ مَنْ قَدَّمَ، وَأَطْلَقَ وَصَحَّحَ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ يَصُومُ أَيَّامَ مِنًى: لَوْ صَامَهَا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ. مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَصَاحِبُ الرِّعَايَةِ وَغَيْرُهُمْ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: لَعَلَّهُ مُرَادُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ، وَصَاحِبِ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِمْ: بِتَأْخِيرِ الصَّوْمِ عَنْ أَيَّامِ الْحَجِّ وَقَوْلُهُ (وَيَصُومُ بَعْدَ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ وَعَلَيْهِ دَمٌ) . يَعْنِي إذَا قُلْنَا لَا يَجُوزُ صَوْمُ أَيَّامِ مِنًى، وَكَذَا لَوْ قُلْنَا يَجُوزُ صَوْمُهَا، وَلَمْ يَصُمْهَا، فَقَدَّمَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: أَنَّ عَلَيْهِ دَمًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفَائِقِ وَعَنْهُ إنْ تَرَكَ الصَّوْمَ لِعُذْرٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ، وَإِنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ: فَعَلَيْهِ مَعَ فِعْلِهِ دَمٌ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالتَّلْخِيصِ، فِي الْمَعْذُورِ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدَّمَ ابْنُ مُنَجَّى فِي شَرْحِهِ: أَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ عَلَيْهِ دَمٌ، وَأَطْلَقَ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمَعْذُورِ، وَعَنْهُ لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ بِحَالٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ عَنْهُ. قَالَ
стр. 1578
الزَّرْكَشِيُّ: وَهِيَ الَّتِي نَصَّهَا الْقَاضِي فِي تَعْلِيقِهِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَالْفُرُوعِ، وَقَالَ: التَّرْجِيحُ مُخْتَلِفٌ. وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ: فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَأَمَّا تَأْخِيرُ الْهَدْيِ عَنْ أَيَّامِ النَّحْرِ: فَهَلْ يَلْزَمُهُ فِيهِ دَمٌ، أَمْ يَلْزَمُهُ مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ وَلَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعُذْرِ؟ فِيهِ الرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الدَّمِ، وَأَطْلَقَهُنَّ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. إحْدَاهُنَّ: يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ مُطْلَقًا. قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفَائِقِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ دَمٌ بِحَالٍ سِوَى الْهَدْيِ، وَقَدَّمَهُ فِي إدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَالثَّالِثَةُ: إنْ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ: لَمْ يَلْزَمْهُ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكُبْرَى، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ، وَإِدْرَاكِ الْغَايَةِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى فِي الْمَعْذُورِ دُونَ غَيْرِهِ. قُلْت: هَذَا الْمَذْهَبُ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَيْضًا: وُجُوبُ الدَّمِ عَلَى غَيْرِ الْمَعْذُورِ، وَأَطْلَقَ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ: فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَحَكَى جَمَاعَةٌ الْخِلَافَ فِي الْمَعْذُورِ وَجْهَيْنِ، وَفِي غَيْرِ الْمَعْذُورِ: رِوَايَتَيْنِ.
فَائِدَتَانِ. إحْدَاهُمَا: قَوْلُهُ (وَلَا يَجِبُ التَّتَابُعُ فِي الصِّيَامِ) . اعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَتَابُعٌ وَلَا تَفْرِيقٌ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ؛ لِإِطْلَاقِ الْأَمْرِ، وَلَا يَجِبُ التَّفْرِيقُ وَلَا التَّتَابُعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعَةِ إذَا قَضَى. كَسَائِرِ الصَّوْمِ.
стр. 1579
الثَّانِيَةُ: لَوْ مَاتَ قَبْلَ الصَّوْمِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ صَوْمِ رَمَضَانَ عَلَى مَا سَبَقَ يُمْكِنُ مِنْهُ أَوْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ. قَوْلُهُ (وَمَتَى وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَشَرَعَ فِيهِ. ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ لَمْ يَلْزَمْهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ) هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَفِي الْفُصُولِ وَغَيْرِهِ: تَخْرِيجٌ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ إلَيْهِ. وَخَرَّجُوهُ مِنْ اعْتِبَارِ الْأَغْلَظِ فِي الْكَفَّارَةِ، وَقَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي وَاضِحِهِ: إنْ قَرَعَهُ ثُمَّ قَدَرَ يَوْمَ النَّحْرِ عَلَيْهِ نَحَرَهُ إنْ وَجَبَ إذَنْ، وَأَنَّ دَمَ الْقِرَانِ يَجِبُ بِإِحْرَامٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ: لَوْ كَفَّرَ الْمُتَمَتِّعُ بِالصَّوْمِ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الْهَدْيِ وَقْتَ وُجُوبِهِ، فَصَرَّحَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي الْإِقْنَاعِ: بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الصَّوْمُ، وَإِطْلَاقُ الْأَكْثَرِينَ يُخَالِفُهُ. بَلْ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ تَصْرِيحٌ بِهِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ وَجَبَ وَلَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ. وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِيَيْنِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَشَرْحِ ابْنِ مُنَجَّى، وَالزَّرْكَشِيُّ وَغَيْرِهِمْ. إحْدَاهُمَا: لَا يَلْزَمُهُ، وَهِيَ الْمَذْهَبُ. قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ: هَذِهِ الْمَذْهَبُ. انْتَهَى. وَصَحَّحَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ. كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ. صَحَّحَهُ فِي التَّصْحِيحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْقَاضِي الْمُوَفَّقُ [فِي شَرْحِ الْمَنَاسِكِ] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْإِفَادَاتِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالْمُنَوِّرِ، وَالْمُنْتَخَبِ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا: لَا يَلْزَمُهُ الِانْتِقَالُ بَعْدَ
стр. 1580
الشُّرُوعِ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَمَبْنَى الْخِلَافِ: هَلْ الِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ، أَوْ بِأَغْلَظِ الْأَحْوَالِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى. قُلْت: الْمَذْهَبُ الِاعْتِبَارُ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ. كَمَا يَأْتِي فِي كَلَامِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ قَدَرَ عَلَى الشِّرَاءِ بِثَمَنٍ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ مُوسِرٌ فِي بَلَدِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ. بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ [وَالْيَمِينِ] وَغَيْرِهِمَا. قَالَهُ فِي الْقَوَاعِدِ.
فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، فِي الْقَاعِدَةِ السَّادِسَةَ عَشَرَ: إذَا عَدِمَ هَدْيَ الْمُتْعَةِ وَوَجَبَ الصِّيَامُ عَلَيْهِ. ثُمَّ وَجَدَ الْهَدْيَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِيهِ، فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ الِانْتِقَالُ أَمْ لَا؟ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي الْكَفَّارَاتِ بِحَالِ الْوُجُوبِ، أَوْ بِحَالِ الْفِعْلِ؟ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَقَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، فَإِنْ قُلْنَا بِحَالِ الْوُجُوبِ: صَارَ الصَّوْمُ أَصْلًا، لَا بَدَلًا. وَعَلَى هَذَا: فَهَلْ يُجْزِئُهُ فِعْلُ الْأَصْلِ، وَهُوَ الْهَدْيُ؟ الْمَشْهُورُ: أَنَّهُ يُجْزِئُهُ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ: أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. قُلْت: يَأْتِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي أَثْنَاءِ الظِّهَارِ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ، وَأَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ: الِاعْتِبَارُ بِحَالِ الْوُجُوبِ.
قَوْلُهُ (النَّوْعُ الثَّانِي: الْمُحْصَرُ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ ثُمَّ حَلَّ) اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أُحْصِرَ عَنْ الْبَيْتِ بِعَدُوٍّ، فَلَهُ التَّحَلُّلُ، بِأَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِنِيَّةِ التَّحَلُّلِ وُجُوبًا مَكَانَهُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَهُ فِي الْحِلِّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ يَنْحَرُهُ فِي الْحَرَمِ، وَعَنْهُ يَنْحَرُهُ الْمُفْرِدُ وَالْقَارِنُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ " وَدَمُ الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ "، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بِالنِّيَّةِ، ثُمَّ حَلَّ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ.
следующие страницы →