Полный текст (5 685 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
الطَّرِيقُ السَّابِعُ: هَلْ يَلِيهِ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ النَّاظِرُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهِيَ طَرِيقَتُهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ.
الطَّرِيقُ الثَّامِنُ: طَرِيقَتُهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَهِيَ: هَلْ يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، إنْ كَانَ هُوَ الْمُقَدَّمَ، أَوْ الْحَاكِمُ؟ حَكَاهُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ. فِيهِ قَوْلَانِ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَاظِرٌ خَاصٌّ، فَهَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ. وَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ؟ وَذَكَرَهُ نَصُّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي كِتَابِ الْوَقْفِ. وَإِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ، وَاخْتَارَهُ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
الطَّرِيقُ التَّاسِعُ: هَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمُقَدَّمُ أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفُرُوعِ.
الطَّرِيقُ الْعَاشِرُ: يَلِيهِ النَّاظِرُ الْخَاصُّ، إنْ كَانَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ. فَهَلْ يَلِيهِ الْحَاكِمُ، أَوْ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، إنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ مُطْلَقَيْنِ. وَهِيَ طَرِيقَةُ صَاحِبِ الْفَائِقِ. فَهَذِهِ اثْنَتَا عَشْرَةَ طَرِيقَةً. ثِنْتَانِ فِيمَا هُوَ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ وَنَحْوِهِ. وَعَشْرَةٌ فِي غَيْرِهِ. الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: إذَا بِيعَ الْوَقْفُ وَاشْتُرِيَ بَدَلُهُ. فَهَلْ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، أَمْ لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ وَقْفِيَّةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. ذَكَرَهُمَا ابْنُ رَجَبٍ فِي قَوَاعِدِهِ عَنْ بَعْضِهِمْ، فِيمَا إذَا أَتْلَفَ الْوَقْفَ مُتْلِفٌ وَأُخِذَتْ قِيمَتُهُ. فَاشْتُرِيَ بِهَا بَدَلُهُ. وَأَطْلَقَهُمَا.
أَحَدُهُمَا: يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ عِنْدَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ فِي وَطْءِ الْأَمَةِ الْمَوْقُوفَةِ " إذَا أَوْلَدَهَا، فَعَلَيْهِ. الْقِيمَةُ يُشْتَرَى بِهَا مِثْلُهَا: يَكُونُ وَقْفًا " ظَاهِرُهُ: أَنَّ الْبَدَلَ يَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الشِّرَاءِ. انْتَهَى.
стр. 3152
قُلْت: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ هُنَا. لِاقْتِصَارِهِمْ عَلَى بَيْعِهِ وَشِرَاءِ بَدَلِهِ. وَصَرَّحَ بِهِ فِي التَّلْخِيصِ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ: وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ. وَيَصِيرُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ. وَصَرَّحَ بِهِ أَيْضًا فِي الرِّعَايَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ، فَقَالَ: فَلِنَاظِرِهِ الْخَاصِّ بَيْعُهُ وَصَرْفُ ثَمَنِهِ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ. وَيَكُونُ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي أَثْنَاءِ الْوَقْفِ فَإِنْ وَطِئَ فَلَا حَدَّ، وَلَا مَهْرَ. ثُمَّ قَالَ: وَفِي أُمِّ وَلَدِهِ تَعْتِقُ بِمَوْتِهِ. وَتُؤْخَذُ قِيمَتُهَا مِنْ تَرِكَتِهِ. يُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ. يَكُونُ بِالشِّرَاءِ وَقْفًا مَكَانَهَا. وَهَذَا صَرِيحٌ بِلَا شَكَّ. وَقَالَ الْحَلْوَانِيُّ فِي كِفَايَةِ الْمُبْتَدِئِ: وَإِذَا تَخَرَّبَ الْوَقْفُ، وَانْعَدَمَتْ مَنْفَعَتُهُ: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ. كَانَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ. وَقَالَ فِي الْمُبْهِجِ: وَيُشْتَرَى بِثَمَنِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا. قَالَ شَيْخُنَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ قُنْدُسٍ الْبَعْلِيُّ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى الْمُحَرَّرِ الَّذِي يَظْهَرُ: أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الشِّرَاءُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَلَزِمَ الْعَقْدُ: أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا. لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ، وَالْوَكِيلُ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ. فَكَذَا هَذَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا. وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا. انْتَهَى. وَهُوَ الصَّوَابُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا بُدَّ مِنْ تَجْدِيدِ الْوَقْفِيَّةِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ. فَإِنَّهُ قَالَ: وَإِذَا خَرِبَ الْوَقْفُ وَلَمْ يَرُدَّ شَيْئًا: بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ وَجُعِلَ وَقْفًا كَالْأَوَّلِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُجَرَّدِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ قَالَ: بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا إلَى شِرَاءِ دَارٍ. وَتُجْعَلُ وَقْفًا مَكَانَهَا. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَبِهِ أَقُولُ. لِأَنَّ الشِّرَاءَ لَا يَصْلُحُ سَبَبًا لِإِفَادَةِ الْوَقْفِ. فَلَا بُدَّ لِلْوَقْفِ مِنْ سَبَبٍ يُفِيدُهُ. انْتَهَى.
стр. 3153
وَأَمَّا الزَّرْكَشِيُّ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ. بَلْ لَا بُدَّ مِنْ إيقَافِ النَّاظِرِ لَهُ. وَلَمْ أَرَ الْمَسْأَلَةَ مُصَرَّحًا بِهَا. وَقِيلَ: إنَّ فِيهَا وَجْهَيْنِ. انْتَهَى. الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَالزَّرْكَشِيُّ، وَجَمَاعَةٌ، عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ جِنْسِ الْوَقْفِ الَّذِي بِيعَ، بَلْ أَيَّ شَيْءٍ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ مِمَّا يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ الْوَقْفِ: جَازَ. وَاَلَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ: أَنَّهُ يَصْرِفُهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ. فَقَالَ: وَيَصْرِفُهُ فِي مِثْلِهِ، أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ. قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀. وَقَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ وَغَيْرِهِ، كَجِهَتِهِ. وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ. كَمَا قَالَ فِي الْكِتَابِ، وَمَنْ غَدَاهُ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَنَقَلَ أَبُو دَاوُد فِي الْحَبِيسِ: يُشْتَرَى مِثْلُهُ، أَوْ يُنْفَقُ ثَمَنُهُ عَلَى الدَّوَابِّ الْحَبِيسِ.
الْخَامِسَةُ: إذَا بِيعَ الْمَسْجِدُ وَاشْتُرِيَ بِهِ مَكَانًا يُجْعَلُ مَسْجِدًا. فَالْحُكْمُ لِلْمَسْجِدِ الثَّانِي. وَيَبْطُلُ حُكْمُ الْأَوَّلِ.
السَّادِسَةُ: لَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَسْجِدِ مَعَ إمْكَانِ عِمَارَتِهِ دُونَ الْعِمَارَةِ الْأُولَى. قَالَهُ فِي الْفُنُونِ. وَقَالَ: أَفْتَى جَمَاعَةٌ بِخِلَافِهِ، وَغَلَّطَهُمْ.
السَّابِعَةُ: يَجُوزُ رَفْعُ الْمَسْجِدِ إذَا أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ ذَلِكَ، وَجَعْلُ تَحْتَ أَسْفَلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ. فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَأَخَذَ بِهِ الْقَاضِي. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَأَطْلَقَ وَجْهَيْنِ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ مَسْجِدٍ رَفْعَهُ عَنْ الْأَرْضِ، وَجَعْلَ سُفْلِهِ سِقَايَةً وَحَوَانِيتَ: رُوعِيَ أَكْثَرُهُمْ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: هَذَا فِي مَسْجِدٍ أَرَادَ أَهْلُهُ إنْشَاءَهُ كَذَلِكَ. وَهُوَ أَوْلَى. انْتَهَى.
стр. 3154
وَاخْتَارَ هَذَا ابْنُ حَامِدٍ. وَأَوَّلَ كَلَامَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ. وَصَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ. وَرَدَّ هَذَا التَّأْوِيلَ بَعْضُ مُحَقِّقِي الْأَصْحَابِ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. قَوْلُهُ (وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصْرِهِ وَزَيْتِهِ عَنْ حَاجَتِهِ: جَازَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَغَيْرِهِ. وَعَنْهُ: يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي مِثْلِهِ دُونَ الصَّدَقَةِ بِهِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ أَيْضًا: يَجُوزُ صَرْفُهُ فِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ، وَبِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ. قَالَ: وَإِنْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ عَنْهُ دَائِمًا: وَجَبَ صَرْفُهُ. وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَمَا فَضَلَ مِنْ حُصُرِ الْمَسْجِدِ أَوْ زَيْتِهِ: سَاغَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ عَلَى جِيرَانِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: عَلَى الْفُقَرَاءِ. وَحَكَى الْقَاضِي فِي صَرْفِهِ وَمَنْعِهِ رِوَايَتَيْنِ. وَكَذَا الْفَاضِلُ مِنْ جَمِيعِ رِيعِهِ وَيُصْرَفُ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ: وَهُوَ أَصَحُّ.
فَائِدَةٌ:
قَالَ الْحَارِثِيُّ: فَضْلَةُ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ: يَتَعَيَّنُ إرْصَادُهَا. ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ.
стр. 3155
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى فِيمَا إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُقَدَّرًا. وَهُوَ وَاضِحٌ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي الْمَسْجِدِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَغَيْرِهِمْ. وَذَكَرَ فِي الْإِرْشَادِ، وَالْمُبْهِجِ: أَنَّهُ يُكْرَهُ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: إنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ: قُلِعَتْ إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَيَحْرُمُ غَرْسُهَا مُطْلَقًا. وَقِيلَ: إنْ ضَيَّقَتْ حَرُمَ وَإِلَّا كُرِهَ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: تُقْلَعُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَإِنْ غُرِسَتْ بَعْدَ وَقْفِهِ قُلِعَتْ. وَقِيلَ: إنْ ضَيَّقَتْ مَوْضِعَ الصَّلَاةِ وَإِلَّا فَلَا. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. وَعَلَى الْمَذْهَبِ أَيْضًا: يَكُونُ ثَمَرُهَا لِمَسَاكِينِ أَهْلِ الْمَسْجِدِ. قَالَ فِي الْإِرْشَادِ، قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ: وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَيْضًا. وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: هِيَ لِمَالِكِ الْأَرْضِ الْمَغْرُوسِ بِهَا غَصْبًا. انْتَهَى. قَوْلُهُ (فَإِنْ كَانَتْ مَغْرُوسَةً فِيهِ: جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا) . يَعْنِي إذَا كَانَتْ مَغْرُوسَةً قَبْلَ بِنَائِهِ، أَوْ وَقْفُهَا مَعَهُ. فَإِذَا وَقَفَهَا مَعَهُ وَعَيَّنَ مَصْرِفَهَا: عُمِلَ بِهِ. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا: كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ.
стр. 3156
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: جَازَ الْأَكْلُ مِنْهَا. وَهَذَا مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَالَ فِي الْهِدَايَةِ بَعْدَ أَنْ قَدَّمَ الْمَنْصُوصَ وَعِنْدِي: أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِالْمَسْجِدِ حَاجَةٌ إلَى ثَمَنِ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْجِيرَانَ يَعْمُرُونَهُ وَيَكْسُونَهُ. وَقَطَعَ بِمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْفَائِقِ. وَاعْلَمْ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْأَصْحَابِ قَالُوا: يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِهِ. وَإِنْ اسْتَغْنَى عَنْهَا فَلِجَارِهِ أَكْلُ ثَمَرِهِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ: إذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا الْمَسْجِدُ فَلِجَارِهِ، وَلِغَيْرِهِ الْأَكْلُ مِنْهَا وَقِيلَ: يَجُوزُ الْأَكْلُ لِلْجَارِ الْفَقِيرِ. وَقِيلَ. يَجُوزُ لِلْفَقِيرِ مُطْلَقًا. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. فَقَالَ: وَثَمَرُهَا لِفُقَرَاءِ الدَّرْبِ. وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ الِاعْتِكَافِ: هَلْ يَجُوزُ الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ يَحْرُمُ؟ وَهَلْ يَصِحُّ أَوْ لَا؟ . فَائِدَةٌ:
يَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ فِي الْمَسْجِدِ. فَإِنْ فُعِلَ طُمَّ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ لَمْ يَكْرَهْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ حَفْرَهَا فِيهِ. ثُمَّ قَالَ قُلْت: بَلَى، إنْ كُرِهَ الْوُضُوءُ فِيهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ فِي الْغَصْبِ: وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي الْمَسْجِدِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ: فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا تَلِفَ بِهَا. لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ. إذْ الْمَنْفَعَةُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ. فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ.
стр. 3157
وَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَالْحَفْرِ فِي السَّابِلَةِ. لِاشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا. فَالْحَفْرُ فِي إحْدَاهُمَا كَالْحَفْرِ فِي الْأُخْرَى. فَتَجْرِي فِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ ثَوَابٍ بِعَدَمِ الضَّمَانِ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ:
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ بَنَى أَوْ غَرَسَ نَاظِرٌ فِي وَقْفٍ: تَوَجَّهَ أَنَّهُ لَهُ إنْ أَشْهَدَ وَإِلَّا لِلْوَقْفِ. وَيَتَوَجَّهُ فِي أَجْنَبِيٍّ بَنَى أَوْ غَرَسَ: أَنَّهُ لِلْوَقْفِ بِنِيَّتِهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: يَدُ الْوَاقِفِ ثَابِتَةٌ عَلَى الْمُتَّصِلِ بِهِ، مَا لَمْ تَأْتِ حُجَّةٌ تَدْفَعُ مُوجِبَهَا، كَمَعْرِفَةِ كَوْنِ الْغَارِسِ غَرَسَهُ بِمَا لَهُ بِحُكْمِ إجَارَةٍ أَوْ إعَارَةٍ أَوْ غَصْبٍ. وَيَدُ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنْفَعَةِ. فَلَيْسَ لَهُ دَعْوَى الْبِنَاءِ بِلَا حُجَّةٍ. وَيَدُ أَهْلِ الْعَرْصَةِ الْمُشْتَرَكَةِ ثَابِتَةٌ عَلَى مَا فِيهَا بِحُكْمِ الِاشْتِرَاكِ، إلَّا مَعَ بَيِّنَةٍ بِاخْتِصَاصِهِ بِبِنَاءٍ وَنَحْوِهِ.
стр. 3158
[بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ]
ِ قَوْلُهُ (وَهِيَ تَمْلِيكٌ فِي حَيَاتِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقِيلَ: الْهِبَةُ تَقْتَضِي عِوَضًا. وَقِيلَ: مَا عُرِفَ. فَلَوْ أَعْطَاهُ لِيُعَاوِضَهُ، أَوْ لِيَقْضِيَ لَهُ بِهِ حَاجَةً، فَلَمْ يَفِ: فَكَالشَّرْطِ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَوْلُهُ (فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا عِوَضًا مَعْلُومًا: صَارَتْ بَيْعًا) . حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَيْعِ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ، وَالشُّفْعَةِ وَغَيْرِهِمَا. هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: قَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَنْهُ، وَلَا عَنْ مُتَقَدِّمِي أَصْحَابِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَتَجْرِيدِ الْعِنَايَةِ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْهِدَايَةِ. وَقِيلَ: هِيَ بَيْعٌ مَعَ التَّقَابُضِ.
(وَعَنْهُ يُغَلَّبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ) . ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَهُوَ مَتِينٌ جِدًّا. وَقَالَ عَنْ الْأَوَّلِ: هُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا. انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَتْ بَيْعًا. وَإِنَّمَا الْهِبَةُ تَارَةً تَكُونُ تَبَرُّعًا، وَتَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ. وَلَا يَخْرُجَانِ عَنْ مَوْضُوعِهِمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَإِنْ شَرَطَهُ، كَانَ مَعْلُومًا: صَحَّتْ كَالْعَارِيَّةِ. وَقِيلَ: بِقِيمَتِهَا بَيْعًا. وَعَنْهُ: هِبَةٌ. انْتَهَى.
стр. 3159
تَنْبِيهٌ:
أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ ﵀ صِحَّةَ شَرْطِ الْعِوَضِ فِيهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ مُطْلَقًا.
قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ ثَوَابًا مَجْهُولًا: لَمْ تَصِحَّ) يَعْنِي الْهِبَةَ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ: الْقَاضِي، وَابْنُ الْبَنَّا، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمُصَنِّفُ. قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ.
وَعَنْهُ: أَنَّهُ قَالَ: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ فَيَصِحُّ. وَذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْحَكَمِ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ. وَإِلَيْهِ مَيْلُ أَبِي الْخَطَّابِ. وَصَحَّحَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى. فَقَالَ: فَإِنْ شَرَطَهُ مَجْهُولًا: صَحَّتْ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَهُوَ أَوْلَى. فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: يُرْضِيهِ. فَإِنْ لَمْ يَرْضَ: فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا. فَيَرُدُّهَا بِزِيَادَةٍ وَنَقْصٍ. نَصَّ عَلَيْهِ. (فَإِنْ تَلِفَتْ) فَقِيمَتُهَا يَوْمَ التَّلَفِ. وَهَذَا الْبِنَاءُ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هُوَ الصَّحِيحُ. صَحَّحَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ. وَقِيلَ: يُرْضِيهِ بِقِيمَةِ مَا وَهَبَهُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَيَحْتَمِلُ وَجْهًا بِالْبِنَاءِ. وَهُوَ مَا يُعَدُّ ثَوَابًا لِمِثْلِهِ عَادَةً.
стр. 3160
فَائِدَةٌ: لَوْ ادَّعَى شَرْطَ الْعِوَضِ، فَأَنْكَرَ الْمُتَّهَبُ، أَوْ قَالَ: وَهَبْتنِي هَذَا. قَالَ: بَلْ بِعْتُكَهُ. فَفِي أَيِّهِمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؟ وَجْهَانِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى.
أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُتَّهَبِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى. وَقَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: حَكَاهُ فِي الْكَافِي، وَغَيْرُ وَاحِدٍ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى.
قَوْلُهُ (وَتَحْصُلُ الْهِبَةُ بِمَا يَتَعَارَفُهُ النَّاسُ هِبَةً، مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْمُعَاطَاةِ الْمُقْتَرِنَةِ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) . هَذَا الْمَذْهَبُ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَغَيْرُهُمَا. حَتَّى إنَّ ابْنَ عَقِيلٍ، وَغَيْرَهُ: صَحَّحُوا الْهِبَةَ بِالْمُعَاطَاةِ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهَا الْخِلَافَ الَّذِي فِي بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الشَّرْحِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي التَّلْخِيصِ: وَهَلْ يَقُومُ الْفِعْلُ مَقَامَ اللَّفْظِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَةِ فِي الْبَيْعِ بِالْمُعَاطَاةِ، وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ.
قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَتَنْعَقِدُ بِالْمُعَاطَاةِ. وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَالْمُغْنِي فِي الصَّدَاقِ: لَا تَصِحُّ إلَّا بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " وَ " الْعَفْوِ " وَ " التَّمْلِيكِ " وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَفِي " الْعَفْوِ " وَجْهَانِ. وَقَالَ فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ: وَأَلْفَاظُهَا " وَهَبْت، وَأَعْطَيْت، وَمَلَّكْت ". وَالْقَبُولُ " قَبِلْت " أَوْ " تَمَلَّكْت " أَوْ " اتَّهَبْت ".
стр. 3161
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ إيجَابٌ، وَلَا قَبُولٌ، بَلْ إعْطَاءٌ، وَأَخْذٌ: كَانَتْ هَدِيَّةً، أَوْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ عَلَى مِقْدَارِ الْعُرْفِ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي غِذَاءِ الْمَسَاكِينِ فِي الظِّهَارِ: أَطْعَمْتُكَهُ كَوَهَبْتُكَهُ. وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْفَرَجِ الشِّيرَازِيُّ: أَنَّ الْهِبَةَ وَالْعَطِيَّةَ لَا بُدَّ فِيهِمَا مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ. وَلَا تَصِحُّ بِدُونِهِ. سَوَاءٌ وُجِدَ الْقَبْضُ أَوْ لَمْ يُوجَدْ. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَهُوَ ضَعِيفٌ. وَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِالْمُعَاطَاةِ. وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ الْبَيْعِ.
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: لَوْ تَرَاخَى الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ: صَحَّ، مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهُ. قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفَائِقِ وَقَالَ فِي الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَتَنْعَقِدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ عُرْفًا.
وَقَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَوْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ: فَفِي صِحَّةِ الْهِبَةِ رِوَايَتَانِ. انْتَهَى.
قُلْت: هِيَ مُشَابِهَةٌ لِلْبَيْعِ. فَيَأْتِي هُنَا مَا فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ وَجَدْت الْحَارِثِيَّ صَرَّحَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا. وَكَذَلِكَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ أَنْ يَهَبَهُ شَيْئًا، وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً. وَبِذَلِكَ أَجَابَ الْمُصَنِّفُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّانِيَةِ وَالثَّلَاثِينَ.
قَوْلُهُ (وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ) . يَعْنِي: وَلَا تَلْزَمُ قَبْلَهُ. وَهَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَالْقَاضِي.
стр. 3162
قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا أَصَحُّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالنَّظْمِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الْكُبْرَى: تَلْزَمُ الْهِبَةُ وَتُمْلَكُ بِالْقَبْضِ إنْ اُعْتُبِرَ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَغَيْرِهِ.
وَعَنْهُ: تَلْزَمُ فِي غَيْرِ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ، بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ. قَالَ الشَّارِحُ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: الْمَعْدُودُ وَالْمَذْرُوعُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَنْهُ تَلْزَمُ فِي مُتَمَيِّزٍ بِالْعَقْدِ. اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَالْحَارِثِيُّ: اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: لَا يَفْتَقِرُ الْمُعَيَّنُ إلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْقَاضِي، وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْكَافِي، وَالشَّرْحِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْهِدَايَةِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَعَنْهُ: لَا تَلْزَمُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ فِي الْقَبْضِ
تَنْبِيهَانِ: أَحَدُهُمَا: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: صِحَّةُ الْهِبَةِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَطَائِفَةٍ: أَنَّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ لَا يَصِحُّ إلَّا مَقْبُوضًا. قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَا تَصِحُّ الْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ، فِيمَا يُكَالُ وَيُوزَنُ، إلَّا بِقَبْضِهِ. قَالَ فِي الِانْتِصَارِ، فِي الْبَيْعِ بِالصِّفَةِ: الْقَبْضُ رُكْنٌ فِي غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ، لَا يَلْزَمُ الْعَقْدُ بِدُونِهِ. نَقَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ. وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ. وَيَأْتِي كَلَامُ ابْنِ عَقِيلٍ قَرِيبًا. الثَّانِيَةُ: قَوْلُهُ (فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ لَا تَلْزَمُ فِيهِ إلَّا بِالْقَبْضِ) مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ فِي كُلِّ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ.
стр. 3163
قَالَ الشَّارِحُ، وَالْمُصَنِّفُ: وَخَصَّهُ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ بِمَا لَيْسَ بِمُتَعَيِّنٍ فِيهِ. كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَةٍ. قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الْبَيْعِ، وَرَجَّحْنَا الْعُمُومَ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَمَا تَقَدَّمَ. وَعَنْهُ: تَلْزَمُ فِي مُتَمَيِّزٍ بِالْعَقْدِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هِبَةُ غَيْرِ الْمُتَعَيِّنِ كَقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، وَرِطْلٍ مِنْ زُبْرَةٍ تَفْتَقِرُ إلَى الْقَبْضِ بِلَا نِزَاعٍ.
فَائِدَةٌ: تُمْلَكُ الْهِبَةُ بِالْعَقْدِ أَيْضًا. قَالَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ تَابَعَهُ. وَنَقَلَهُ فِي التَّلْخِيصِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ فِي مَوْضِعٍ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: قَالَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ. وَمِنْهُمْ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ، وَصَاحِبُ الْمُغْنِي، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمْ. وَقِيلَ: يَتَوَقَّفُ الْمِلْكُ عَلَى الْقَبْضِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ.
قَالَ فِي الْكَافِي: لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ إلَّا بِقَبْضِهِ. وَفِيمَا عَدَاهُمَا رِوَايَتَانِ.
وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: مَذْهَبُنَا أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ: إذَا دَخَلَ وَقْتُ الْغُرُوبِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ، وَالْعَبْدُ مَوْهُوبٌ: لَمْ يُقْبَضْ. ثُمَّ قَبَضَ وَقُلْنَا: يُعْتَبَرُ فِي هِبَتِهِ الْقَبْضُ فَفُطْرَتُهُ عَلَى الْوَاهِبِ. وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ. كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا. وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا. قَالَ ذَلِكَ فِي الْقَاعِدَةِ التَّاسِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
وَقِيلَ: يَقَعُ الْمِلْكُ مُرَاعًى. فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ: تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَبُولِهِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ.
стр. 3164
وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ حَامِدٍ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ حُكْمَ الْفِطْرَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الِانْتِصَارِ فِي نَقْلِ الْمِلْكِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَعَلَيْهِمَا يُخَرَّجُ النَّمَاءُ. وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إنْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ) يَعْنِي إذَا قُلْنَا: إنَّ الْهِبَةَ لَا تَلْزَمُ إلَّا بِالْقَبْضِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ بِشَرْطِهِ الْآتِي. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَطَعُوا بِهِ.
وَقَالَ فِي التَّرْغِيبِ، وَالْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ: وَفِي صِحَّةِ قَبْضِهِ بِدُونِ إذْنِهِ رِوَايَتَانِ وَالْإِذْنُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ. بَلْ الْمُنَاوَلَةُ وَالتَّخْلِيَةُ إذْنٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي: اعْتِبَارُ اللَّفْظِ فِيهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَعَنْهُ يَصِحُّ الْقَبْضُ بِغَيْرِ إذْنِهِ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَوْلُهُ (إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ. فَيَكْفِي مُضِيُّ زَمَنٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ) . هَذَا إحْدَى الرِّوَايَاتِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَالسَّامِرِيُّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْبُلْغَةِ، وَالتَّلْخِيصِ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا فِي شَرْحِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَنْهُ: مَا كَانَ فِي يَدِ الْمُتَّهِبِ يَلْزَمُ بِالْعَقْدِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. قَالَ الشَّارِحُ: هَذَا الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالنَّظْمِ، وَابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: وَهُوَ أَوْلَى. كَذَا قَالَ الْحَارِثِيُّ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهِ أَيْضًا. وَيَمْضِيَ زَمَنٌ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهِ.
стр. 3165
جَزَمَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَيْضًا. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: وَمَنْ اتَّهَبَ شَيْئًا فِي يَدِهِ يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ فَقَبِلَهُ: اُعْتُبِرَ إذْنُ الْوَاهِبِ فِيهِ عَلَى الْأَشْهَرِ. ثُمَّ مُضِيُّ زَمَنٍ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهِ لِيَمْلِكَهُ. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ مُضِيُّ الزَّمَنِ دُونَ إذْنِهِ. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ. وَأَطْلَقَ الثَّانِيَةَ، وَالثَّالِثَةَ فِي الْكَافِي.
تَنْبِيهٌ: الِاسْتِثْنَاءُ الثَّانِي فِي كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: مِنْ قَوْلِهِ " وَتَلْزَمُ بِالْقَبْضِ " لَا مِنْ قَوْلِهِ " وَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ إلَّا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ ".
فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: صِفَةُ الْقَبْضِ هُنَا: كَقَبْضِ الْمَبِيعِ. وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا. فَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا: فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ نَقْلِهِ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا: فَبِمُضِيِّ مُدَّةٍ يُمْكِنُ اكْتِيَالُهُ وَاتِّزَانُهُ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ: فَبِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّخْلِيَةِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا: لَمْ يَصِرْ مَقْبُوضًا حَتَّى يُوَافِيَهُ، هُوَ، أَوْ وَكِيلُهُ. ثُمَّ تَمْضِيَ مُدَّةٌ يُمْكِنُ قَبْضُهُ فِيهَا. ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ، فِي بَابِ الرَّهْنِ. وَكَذَا حُكْمُ قَبْضِ الرَّهْنِ. الثَّانِيَةُ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِذْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ. وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي نَفْسِ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ فِيهِمَا. وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهِمَا
. قَوْلُهُ (وَإِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ: قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي الْإِذْنِ وَالرُّجُوعِ)
стр. 3166
هَذَا الْمَذْهَبُ. جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يَبْطُلُ عَقْدُ الْهِبَةِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْفُصُولِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الرَّابِعَةِ وَالْأَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَاخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى. وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ فِي الْهِبَةِ فِي الصِّحَّةِ. وَأَمَّا فِي الْمَرَضِ إذَا مَاتَ قَبْلَ إقْبَاضِهَا فَجَعَلَا الْوَرَثَةَ بِالْخِيَارِ لِشَبَهِهَا بِالْوَصِيَّةِ. انْتَهَى.
[فَائِدَةٌ وَهَبَ الْغَائِبُ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ]
فَائِدَةٌ: لَوْ وَهَبَ الْغَائِبُ هِبَةً، وَأَنْفَذَهَا مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ وَكِيلِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، أَوْ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا: لَزِمَ حُكْمُهَا. وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. لِأَنَّ قَبْضَ الرَّسُولِ وَالْوَكِيلِ كَقَبْضِهِ. وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِ نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ مَاتَ الْمُوهَبُ لَهُ: بَطَلَتْ. وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ وَلِوَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ. وَكَذَلِكَ الْحَكَمُ فِي الْهَدِيَّةِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: أَفَادَنَا الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ " قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ " أَنَّ إذْنَ الْوَاهِبِ يَبْطُلُ بِمَوْتِهِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَكَذَلِكَ يَبْطُلُ إذْنُهُ بِمَوْتِ الْمُتَّهَبِ.
فَوَائِدُ الْأُولَى: لَوْ مَاتَ الْمُتَّهَبُ قَبْلَ قَبُولِهِ: بَطَلَ الْعَقْدُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَقِيلَ: لَا يَبْطُلُ.
стр. 3167
الثَّانِيَةُ: يَقْبِضُ الْأَبُ لِلطِّفْلِ مِنْ نَفْسِهِ بِلَا نِزَاعٍ. وَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبُولٍ مِنْ نَفْسِهِ. الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَيُكْتَفَى بِقَوْلِهِ " وَهَبْته. وَقَبَضْته لَهُ " وَقَالَ الْقَاضِي: لَا بُدَّ فِي هِبَةِ الْوَلَدِ أَنْ يَقُولَ " قَبِلْته ". وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْقَبُولِ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا. وَالْمُذْهَبُ خِلَافُهُ. وَقَالَ بَعْضُ الْأَصْحَابِ: يُكْتَفَى بِأَحَدِ لَفْظَيْنِ، إمَّا أَنْ يَقُولَ " قَدْ قَبِلْتُهُ " أَوْ " قَبَضْتُهُ ".
وَإِنْ وَهَبَ وَلِيُّ غَيْرِ الْأَبِ، فَقَالَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ: لَا بُدَّ أَنْ يُوَكِّلَ الْوَاهِبُ مَنْ يَقْبَلُ لِلصَّبِيِّ وَيَقْبِضُ لَهُ. لِيَكُونَ الْإِيجَابُ مِنْ الْوَلِيِّ، وَالْقَبُولُ وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. بِخِلَافِ الْأَبِ. فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوجِبَ وَيَقْبَلَ وَيَقْبِضَ. قَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالصَّحِيحُ عِنْدِي: أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَفِي قَبْضِ وَلِيِّ غَيْرِ الْأَبِ مِنْ نَفْسِهِ: رِوَايَتَا شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ.
الثَّالِثَةُ: لَا يَصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ وَالْمَجْنُونِ لِنَفْسِهِ وَلَا قَبُولُهُ. وَوَلِيُّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهِمَا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَبٌ فَوَصِيُّهُ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالْحَاكِمُ الْأَمِينُ، أَوْ مَنْ يُقِيمُوهُ مَقَامَهُمْ. وَلَا يَقُومُ غَيْرُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ مَقَامَهُمْ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ الْقَبُولُ وَالْقَبْضُ مِنْ غَيْرِهِمْ عِنْدَ عَدَمِهِمْ.
الرَّابِعَةُ: لَا يَصِحُّ مِنْ الْمُمَيِّزِ قَبْضُ الْهِبَةِ وَلَا قَبُولُهَا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ.
وَقَالَ فِي الْقَوَاعِدِ الْأُصُولِيَّةِ تَبَعًا لِلْحَارِثِيِّ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ. وَعَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ.
وَعَنْهُ: يَصِحُّ قَبْضُهُ وَقَبُولُهُ. اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْمُغْنِي، وَالْحَارِثِيُّ.
стр. 3168
وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقِفَ صِحَّةُ قَبْضِهِ عَلَى إذْنِ وَلِيِّهِ دُونَ الْقَبُولِ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا. وَتَقَدَّمَ فِي الْحَجْرِ: هَلْ تَصِحُّ هِبَتُهُ؟ وَالسَّفِيهُ كَالْمُمَيِّزِ فِي ذَلِكَ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ. وَالْوَصِيَّةُ كَالْهِبَةِ فِي ذَلِكَ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ: يُعْتَبَرُ لِقَبْضِ الْمُشَاعِ إذْنُ الشَّرِيكِ فِيهِ. فَيَكُونُ نِصْفُهُ مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا، وَنِصْفُ الشَّرِيكِ أَمَانَةٌ بِيَدِهِ. انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ: فِي الْمُجَرَّدِ وَالْفُصُولِ: يَكُونُ نِصْفُ الشَّرِيكِ وَدِيعَةً عِنْدَهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ: يَكُونُ قَبْضُ نِصْفِ الشَّرِيكِ عَارِيَّةً مَضْمُونَةً. انْتَهَى.
قُلْت: لَوْ قِيلَ: إنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ، وَتَصَرَّفَ: كَانَ عَارِيَّةً. وَإِنْ لَمْ يَتَصَرَّفْ: فَوَدِيعَةً لَكَانَ مُتَّجِهًا. ثُمَّ وَجَدْته فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ حَكَى كَلَامَهُ فِي الْفُنُونِ، فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي فُنُونِهِ: هُوَ عَارِيَّةٌ، حَيْثُ قَبَضَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ بِلَا عِوَضٍ. قَالَ صَاحِبُ الْقَوَاعِدِ: وَهُوَ صَحِيحٌ إنْ كَانَ أَذِنَ لَهُ فِي الِانْتِفَاعِ مَجَّانًا. أَمَّا إنْ طَلَبَ مِنْهُ أُجْرَةً: فَهِيَ إجَارَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِي الِانْتِفَاعِ بَلْ فِي الْحِفْظِ: فَوَدِيعَةٌ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ.
السَّادِسَةُ: لَوْ قَالَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ لِلْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ: أَنْتَ حَبِيسٌ عَلَى آخِرِنَا مَوْتًا: لَمْ يَعْتِقْ بِمَوْتِ الْأَوَّلِ مِنْهُمَا. وَيَكُونُ فِي يَدِ الثَّانِي عَارِيَّةً. فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ. ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمُجَرَّدِ. وَذَكَرَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْأَرْبَعِينَ.
стр. 3169
قَوْلُهُ (وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمُ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ) . وَكَذَا إنْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ، أَوْ تَرَكَهُ لَهُ، أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ، أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ، أَوْ عَفَا عَنْهُ: بَرِئَتْ ذِمَّتُهُ (وَإِنْ رَدَّ ذَلِكَ وَلَمْ يَقْبَلْهُ) .
اعْلَمْ أَنَّهُ إذَا أَبْرَأَهُ مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ وَهَبَهُ لَهُ، أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَكَانَ الْمُبَرِّئُ وَالْمُبَرَّأُ يَعْلَمَانِ الدَّيْنَ صَحَّ ذَلِكَ، وَبَرِئَ وَإِنْ رَدَّهُ وَلَمْ يَقْبَلْهُ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَفِي الْمُغْنِي: فِي إبْرَائِهَا لَهُ مِنْ الْمَهْرِ: هَلْ هُوَ إسْقَاطٌ، أَوْ تَمْلِيكٌ؟ فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ احْتِمَالٌ: لَا يَصِحُّ بِهِ. وَإِنْ صَحَّ اُعْتُبِرَ قَبُولُهُ وَفِي الْمُوجَزِ، وَالْإِيضَاحِ: لَا تَصِحُّ هِبَةٌ فِي عَيْنٍ. وَقَالَ فِي الْمُغْنِي: إنْ حَلَفَ لَا يَهَبُهُ، فَأَبْرَأَهُ: لَمْ يَحْنَثْ. لِأَنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: تَصِحُّ بِلَفْظِ " الْهِبَةِ " وَ " الْعَطِيَّةِ " مَعَ اقْتِضَائِهِمَا وُجُودَ مُعَيَّنٍ. وَهُوَ مُنْتَفٍ. لِإِفَادَتِهِمَا لِمَعْنَى الْإِسْقَاطِ هُنَا. قَالَ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقَةً: لَمْ يَصِحَّ. لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ، وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ. وَمِنْ هُنَا: امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ، لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ. انْتَهَى.
وَقَالَ فِي الِانْتِصَارِ: إنْ أَبْرَأَ مَرِيضٌ مِنْ دَيْنِهِ وَهُوَ كُلُّ مَالِهِ فَفِي بَرَاءَتِهِ مِنْ ثُلُثِهِ، قَبْلَ دَفْعِ ثُلُثَيْهِ: مَنْعٌ وَتَسْلِيمٌ. انْتَهَى. وَأَمَّا إنْ عَلِمَهُ الْمُبَرَّأُ بِفَتْحِ الرَّاءِ أَوْ جَهِلَهُ. وَكَانَ الْمُبَرِّئُ بِكَسْرِهَا يَجْهَلُهُ: صَحَّ، سَوَاءٌ جُهِلَ قَدْرُهُ، أَوْ وَصْفُهُ، أَوْ هُمَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ.
стр. 3170
جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ النَّاظِمُ.
قَالَ فِي الْقَوَاعِدِ: هَذَا أَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ. وَعَنْهُ: يَصِحُّ مَعَ جَهْلِ الْمُبَرَّأِ بِفَتْحِ الرَّاءِ دُونَ عِلْمِهِ. وَأَطْلَقَ فِيمَا إذَا عَرَفَهُ الْمَدْيُونُ فِيهِ الرِّوَايَتَيْنِ، فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ وَعَنْهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ جَهِلَاهُ، إلَّا إذَا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ.
وَقَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَصِحَّ بِكُلِّ حَالٍ، إلَّا إذَا عَرَفَهُ الْمُبَرَّأُ، وَظَنَّ الْمُبَرِّئُ جَهْلَهُ بِهِ: فَلَا يَصِحُّ. انْتَهَى. وَعَنْهُ: لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْمَجْهُولِ، كَالْبَرَاءَةِ مِنْ الْعَيْبِ. ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْوَفَاءِ. كَمَا لَوْ كَتَمَهُ الْمُبَرَّأُ خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَهُ الْمُبَرِّئُ: لَمْ يُبَرِّئْهُ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ: فَأَمَّا إنْ كَانَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ يَعْلَمُهُ وَيَكْتُمُهُ الْمُسْتَحِقُّ، خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ إذَا عَلِمَهُ لَمْ يَسْمَحْ بِإِبْرَائِهِ مِنْهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ فِيهِ. لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا بِالْمُبَرِّئِ وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ. انْتَهَيَا. وَتَابَعَهُمَا الْحَارِثِيُّ. وَقَالَ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي الْخَطَّابِ: الصِّحَّةُ مُطْلَقًا. قَالَ: وَهَذَا أَقْرَبُ.
[فَوَائِدُ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ]
فَوَائِدُ الْأُولَى: مِنْ صُوَرِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْمَجْهُولِ: لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا، أَوْ أَبْرَأَهُ أَحَدُهُمَا. قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَالْحَارِثِيُّ. وَقَالَا: يَصِحُّ، وَيُؤْخَذُ بِالْبَيَانِ كَطَلَاقِهِ إحْدَاهُمَا وَعِتْقِهِ أَحَدَهُمَا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: يَعْنِي ثُمَّ يُقْرِعُ. عَلَى الْمَذْهَبِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ الْمُصَنِّفُ وَغَيْرُهُ، قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ مِائَةٍ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنْ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَانَ لَهُ عَلَيْهِ مِائَةٌ فَفِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ وَجْهَانِ.
стр. 3171
صَحَّحَ النَّاظِمُ: أَنَّ الْبَرَاءَةَ لَا تَصِحُّ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهَذَا أَظْهَرُ. أَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. أَصْلُهُمَا: لَوْ بَاعَ مَالًا لِمَوْرُوثِهِ، يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَيٌّ وَكَانَ قَدْ مَاتَ وَانْتَقَلَ مِلْكُهُ إلَيْهِ فَهَلْ يَصِحُّ الْبَيْعُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَتَقَدَّمَ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا فِي كِتَابِ الْبَيْعِ، بَعْدَ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ. فَكَذَا هُنَا. وَقَالَ الْقَاضِي: أَصْلُ الْوَجْهَيْنِ: مَنْ وَاجَهَ امْرَأَةً بِالطَّلَاقِ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً، فَبَانَتْ امْرَأَتَهُ، أَوْ وَاجَهَ بِالْعِتْقِ مَنْ يَعْتَقِدُهَا حَرَّةً فَبَانَتْ أَمَتَهُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ فِي آخِرِ بَابِ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ.
الثَّالِثَةُ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَيَحْتَمِلُ الصِّحَّةَ كَالْأَعْيَانِ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَمَنْ بَعْدَهُ. قَالَ فِي الْفَائِقِ: وَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ أَصَحُّ. وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ فَذَكَرَهُ إنْ اتَّصَلَ الْقَبْضُ بِهِ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ هِبَةِ دَيْنِ السَّلَمِ فِي بَابِهِ مُحَرَّرًا. فَلْيُعَاوَدْ.
الرَّابِعَةُ: لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ بِشَرْطٍ. نَصَّ عَلَيْهِ، فِيمَنْ قَالَ " إنْ مِتَّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " فَإِنْ ضَمَّ التَّاءَ. فَقَالَ " إنَّ مِتُّ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ " فَهُوَ وَصِيَّةٌ. وَجَعَلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَجُلًا فِي حِلٍّ مِنْ غَيْبَتِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعُودَ. وَقَالَ: مَا أَحْسَنَ الشَّرْطَ. فَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ فِيهِمَا رِوَايَتَانِ. وَأَخَذَ صَاحِبُ النَّوَادِرِ مِنْ شَرْطِهِ " أَنْ لَا يَعُودَ " رِوَايَةً فِي صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ: صِحَّةَ الْإِبْرَاءِ بِشَرْطٍ. وَاحْتَجَّ بِنَصِّهِ الْمَذْكُورِ هُنَا أَنَّهُ وَصِيَّةٌ.
стр. 3172
وَأَنَّ ابْنَ شِهَابٍ، وَالْقَاضِيَ، قَالَا: لَا يَصِحُّ عَلَى غَيْرِ مَوْتِ الْمُبَرِّئِ. وَأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَحُّ. لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ. وَقَدَّمَ الْحَارِثِيُّ مَا قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ، وَقَالَ: إنَّهُ أَصَحُّ.
الْخَامِسَةُ: لَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ. ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ. نَقَلَهُ الْحَلْوَانِيُّ عَنْهُ. وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ: بِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ. وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ إسْقَاطٌ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْإِسْقَاطِ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ: فَكَأَنَّهُ مَلَّكَهُ إيَّاهُ، ثُمَّ سَقَطَ. وَمَنَعَ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ. وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ: فَلِأَنَّهُ لَيْسَ مَالًا بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ. وَقَالَ: الْعَفْوُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ تَمْلِيكٌ أَيْضًا.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنَّ أَبَا الْيَسْرِ الصَّحَابِيَّ ﵁ قَالَ لِغَرِيمِهِ: إذَا وَجَدْت قَضَاءً فَاقْضِ. وَإِلَّا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ ".
وَأَعْلَمَ بِهِ الْوَلِيدَ بْنَ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁، وَابْنَهُ، وَهُمَا تَابِعِيَّانِ. فَلَمْ يُنْكِرَاهُ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهَذَا مُتَّجِهٌ. وَاخْتَارَهُ شَيْخُنَا.
السَّادِسَةُ: لَوْ تَبَارَآ. وَكَانَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ دَيْنٌ مَكْتُوبٌ. فَادَّعَى اسْتِثْنَاءَهُ بِقَلْبِهِ، وَلَمْ يُبَرِّئْهُ مِنْهُ: قُبِلَ قَوْلُهُ. وَلِخَصْمِهِ تَحْلِيفُهُ. ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَتَوَجَّهُ الرِّوَايَتَانِ فِي مُخَالَفَةِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ بِأَيِّهِمَا يُعْمَلُ.
السَّابِعَةُ: قَالَ الْقَاضِي مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ: عِنْدَنَا صَحِيحٌ. لَكِنْ هَلْ هُوَ عَامٌّ فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ، أَوْ خَاصٌّ بِالْأَمْوَالِ؟ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ عَامٌّ.
стр. 3173
قُلْت: صَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ فِي آخِرِ الْقَذْفِ. وَقَدَّمَهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ فِي الْغُنْيَةِ لَا يَكْفِي الِاسْتِحْلَالُ الْمُبْهَمُ. وَيَأْتِي ذَلِكَ مُحَرَّرًا هُنَاكَ.
قَوْلُهُ (وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَقْطُوعُ بِهِ، عِنْدَ الْأَصْحَابِ قَاطِبَةً. وَفِي طَرِيقِ بَعْضِ الْأَصْحَابِ: وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِنْ عَدَمِ إجَارَةِ الْمُشَاعِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ رَهْنُهُ وَلَا هِبَتُهُ. وَقَوْلُهُ (وَكُلُّ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) . يَعْنِي: تَصِحُّ هِبَتُهُ. وَهَذَا صَحِيحٌ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. وَمَفْهُومُهُ: أَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا تَجُوزُ هِبَتُهُ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي. وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَةُ مَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ. جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ. وَتَصِحُّ هِبَةُ الْكَلْبِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَالْكَافِي، وَالشَّرْحِ. وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ: وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ. لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ، كَالْوَصِيَّةِ. وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. انْتَهَى. نَقَلَ حَنْبَلٌ فِيمَنْ أَهْدَى إلَى رَجُلٍ كَلْبَ صَيْدٍ تَرَى أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: هَذَا خِلَافُ الثَّمَنِ. هَذَا عِوَضٌ مِنْ شَيْءٍ. فَأَمَّا الثَّمَنُ: فَلَا. وَأَطْلَقَ فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَجْهَيْنِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ. وَقِيلَ: وَتَصِحُّ أَيْضًا هِبَةُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَيَظْهَرُ لِي صِحَّةُ هِبَةِ الصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ قَوْلًا وَاحِدًا.
стр. 3174
تَنْبِيهٌ: مَفْهُومُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا: أَنَّهُ لَا تَصِحُّ هِبَةُ أُمِّ الْوَلَدِ. إنْ قُلْنَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: يَصِحُّ هُنَا، مَعَ الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِهَا. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْفَائِقِ.
قُلْت: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْقَوْلُ بِالصِّحَّةِ. بِأَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْإِمَاءِ فِي الْخِدْمَةِ وَنَحْوِهَا، إلَى أَنْ يَمُوتَ الْوَاهِبُ، فَتَعْتِقَ. وَتَخْرُجَ مِنْ الْهِبَةِ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ) . اعْلَمْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ الْمَجْهُولَ: تَارَةً يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ. وَتَارَةً لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ. فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الصُّلْحِ عَلَى الْمَجْهُولِ الْمُتَعَذِّرِ عِلْمُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ. وَهُوَ الصِّحَّةُ. قَطَعَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْمُنَوِّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَهُوَ ظَاهِرُ مَا جَزَمَ بِهِ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ، وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. لِإِطْلَاقِهِمْ عَدَمَ الصِّحَّةِ فِي هِبَةِ الْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ. وَهُوَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَحَرْبٍ الْآتِيَتَيْنِ. وَإِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ: فَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ، وَأَكْثَرُهُمْ قَطَعَ بِهِ. نَقَلَ حَرْبٌ: لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ.
وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ أَيْضًا: إذَا قَالَ " شَاةً مِنْ غَنَمِي " يَعْنِي وَهَبْتهَا لَهُ لَمْ يَجُزْ.
وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَهْلَ إذَا كَانَ مِنْ الْوَاهِبِ: مَنَعَ الصِّحَّةَ. وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ: لَمْ يَمْنَعْهَا.
стр. 3175
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُولِ. كَقَوْلِهِ " مَا أَخَذْت مِنْ مَالِي فَهُوَ لَك " أَوْ " مَنْ وَجَدَ شَيْئًا مِنْ مَالِي: فَهُوَ لَهُ ". وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ: صِحَّةَ هِبَةِ الْمَجْهُولِ.
فَائِدَةٌ:
لَوْ قَالَ " خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْت " كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا فِيهِ جَمِيعًا. وَلَوْ قَالَ " خُذْ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا شِئْت " لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا كُلَّهَا. إذْ الْكِيسُ ظَرْفًا. فَإِذَا أَخَذَ الْمَظْرُوفَ: حَسُنَ أَنْ " يَقُولَ أَخَذْت مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ " وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ " أَخَذْت مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلَّهَا " نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ نَوَادِرِ ابْنِ الصَّيْرَفِيِّ.
قَوْلُهُ (وَلَا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) . يَعْنِي لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ. وَقِيلَ: تَصِحُّ هِبَتُهُ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ: جَوَازُ هِبَةِ الْمَعْدُومِ وَغَيْرِهِ. قُلْت: اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: صِحَّةَ هِبَةِ الْمَعْدُومِ. كَالثَّمَرِ وَاللَّبَنِ بِالسَّنَةِ. قَالَ: وَاشْتِرَاطُ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ هُنَا: فِيهِ نَظَرٌ، بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهَا عَلَى شَرْطٍ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ. وَقَطَعَ بِهِ أَكْثَرُهُمْ. وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ جَوَازَ تَعْلِيقِهَا عَلَى شَرْطٍ. قُلْت: وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. ذَكَرَهُ عَنْهُ فِي الْفَائِقِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (وَلَا شَرَطَ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا، نَحْوَ: أَنْ لَا يَبِيعَهَا، وَلَا يَهَبَهَا) . هَذَا الشَّرْطُ بَاطِلٌ بِلَا نِزَاعٍ.
стр. 3176
لَكِنْ هَلْ تَصِحُّ الْهِبَةُ أَمْ لَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ. بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: الصِّحَّةُ.
قَوْلُهُ (وَلَا تَوْقِيتُهَا. كَقَوْلِهِ. وَهَبْتُك هَذَا سَنَةً) هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. إلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الْمُصَنِّفُ. وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ الْجَوَازَ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. قَوْلُهُ (إلَّا فِي الْعُمْرَى، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ، أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا، أَوْ جَعَلْتهَا لَك عُمُرَك، أَوْ حَيَاتَك) . وَكَذَا قَوْلُهُ (أَعْطَيْتُكَهَا) أَوْ " جَعَلْتهَا لَك عُمْرَى، أَوْ رُقْبَى أَوْ مَا بَقِيت " فَإِنَّهُ يَصِحُّ، وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ (وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) . هَذِهِ " الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى " وَهِيَ صَحِيحَةٌ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْأَصْحَابُ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: " الْعُمْرَى " الْمَشْرُوعَةُ، أَنْ يَقُولَ: هِيَ لَك وَلِعَقِبِك مِنْ بَعْدِك لَا غَيْرُ. وَنَقَلَ يَعْقُوبُ، وَابْنُ هَانِئٍ: مَنْ يُعْمَرُ الْجَارِيَةَ، هَلْ يَطَؤُهَا؟ قَالَ: لَا أَرَاهُ. وَحَمَلَهُ الْقَاضِي عَلَى الْوَرَعِ. لِأَنَّ بَعْضَهُمْ جَعَلَهَا تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ. قَالَ فِي الْقَاعِدَةِ الْخَامِسَةِ وَالثَّلَاثِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ: وَهُوَ بَعِيدٌ. وَالصَّوَابُ تَحْرِيمُهُ، وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى قَاصِرٌ.
فَائِدَةٌ: لَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَرَثَةٌ كَانَ لِبَيْتِ الْمَالِ. قَوْلُهُ (وَإِنْ شَرَطَ رُجُوعَهَا إلَى الْمُعَمِّرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ عِنْدَ مَوْتِهِ، أَوْ قَالَ: هِيَ لِآخِرِنَا مَوْتًا) (صَحَّ الشَّرْطُ) .
стр. 3177
هَذَا إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالرِّعَايَةِ الصُّغْرَى، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الشَّرْطُ. وَتَكُونُ لِلْمُعَمَّرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ فِي الْفَائِقِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. أَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ، وَالشَّرْحِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ عَنْ الرِّوَايَةِ الْأُولَى: هُوَ الْمَذْهَبُ. وَقَالَ عَنْ الثَّانِيَةِ لَا تَصِحُّ الرِّوَايَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ بِصِحَّةِ الشَّرْطِ
تَنْبِيهٌ: مِنْ لَازِمِ صِحَّةِ الشَّرْطِ: صِحَّةُ الْعَقْدِ، وَلَا عَكْسَ. وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ جَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ الْعَقْدُ أَيْضًا.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ، وَغَيْرُهُ: وَجْهًا بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ. لِبُطْلَانِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ. وَلَا يَصِحُّ. انْتَهَى.
فَائِدَةٌ: لَا يَصِحُّ إعْمَارُهُ الْمَنْفَعَةَ، وَلَا إرْقَابُهَا. فَلَوْ قَالَ " سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَك عُمُرَك " أَوْ " غَلَّةُ هَذَا الْبُسْتَانِ " أَوْ " خِدْمَةُ
стр. 3178
هَذَا الْعَبْدِ لَك عُمُرَك " أَوْ " مَنَحْتُكَهُ عُمُرَك " أَوْ " هُوَ لَك عُمُرَك " فَذَلِكَ عَارِيَّةٌ. لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ فِي حَيَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ. نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: إذَا قَالَ " هُوَ وَقْفٌ عَلَى فُلَانٍ. فَإِذَا مَاتَ فَلِوَلَدِي، أَوْ لِفُلَانٍ " فَكَمَا لَوْ قَالَ " إذَا مَاتَ فَهُوَ لِوَلَدِهِ، أَوْ لِمَنْ أَوْصَى لَهُ الْوَاقِفُ " لَيْسَ يَمْلِكُ مِنْهُ شَيْئًا. إنَّمَا هُوَ لِمَنْ وَقَفَهُ. يَضَعُهُ حَيْثُ شَاءَ. مِثْلُ السُّكْنَى، وَالسُّكْنَى مَتَى شَاءَ رَجَعَ فِيهِ وَنَقَلَ حَنْبَلٌ فِي الرُّقْبَى وَالْوَقْفِ إذَا مَاتَ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ، بِخِلَافِ السُّكْنَى. وَنَقَلَ حَنْبَلٌ أَيْضًا: الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى وَالْوَقْفُ مَعْنًى وَاحِدٌ، إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَرْطٌ: لَمْ يَرْجِعْ إلَى وَرَثَةِ الْمُعَمِّرِ. وَإِنْ شَرَطَ فِي وَقْفِهِ أَنَّهُ لَهُ حَيَاتَهُ: رَجَعَ. وَإِنْ جَعَلَهُ لَهُ حَيَاتَهُ وَبَعْدَ مَوْتِهِ فَهُوَ: لِوَرَثَةِ الَّذِي أَعْمَرَهُ، وَإِلَّا رَجَعَ إلَى وَرَثَةِ الْأَوَّلِ. وَتَقَدَّمَ حُكْمُ الْوَقْفِ الْمُؤَقَّتِ.
قَوْلُهُ (وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ: الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ مِيرَاثِهِمْ) هَذَا الْمَذْهَبُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَحَرْبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ، وَالْمَرُّوذِيِّ، وَالْكَوْسَجِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ الْقَاسِمِ، وَسِنْدِيٍّ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالْوَجِيزِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالزَّرْكَشِيِّ. وَقَدَّمَهُ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالْحَارِثِيِّ، وَغَيْرِهِمْ. وَعَنْهُ: الْمَشْرُوعُ أَنْ يَكُونَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى كَمَا فِي النَّفَقَةِ. اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ، وَالْحَارِثِيُّ. وَفِي الْوَاضِحِ وَجْهٌ: تُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَبٍ وَأُمٍّ، وَأَخٍ وَأُخْتٍ.
стр. 3179
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَلَا غَيْرِهِ. كَأَنْ يُقَالَ " يَعْدِلُ بَيْنَهُمْ فِي الْقُبَلِ ". قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرُ وَقْفٍ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الذِّمَّةِ.
تَنْبِيهَاتٌ: الْأَوَّلُ: يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ " فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ " دُخُولَ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ. يُقَوِّيهِ قَوْلُهُ " الْقِسْمَةُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ إرْثِهِمْ " فَقَدْ يَكُونُ فِي وَلَدِ الْوَلَدِ مَنْ يَرِثُ. وَهَذَا الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مَخْصُوصٌ بِأَوْلَادِهِ لِصُلْبِهِ. وَهُوَ وَجْهٌ. وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ: لَا وَلَدُ بَنِيهِ وَبَنَاتِهِ. الثَّانِي: قُوَّةُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: تُعْطِي أَنَّ فِعْلَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ. وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي الْوَاضِحِ.
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ. وَلَا يَأْبَاهُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ هُنَا. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالنَّظْمِ، وَالْوَجِيزِ، وَالْفَائِقِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالْحَارِثِيُّ. وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀. وَقَالَ: هُوَ الْمَذْهَبُ. الثَّالِثُ: مَفْهُومُ قَوْلِهِ " وَالْمَشْرُوعُ فِي عَطِيَّةِ الْأَوْلَادِ " أَنَّ الْأَقَارِبَ الْوَارِثِينَ غَيْرُ الْأَوْلَادِ: لَيْسَ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ. وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ، وَالشَّارِحِ.
стр. 3180
قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَهُوَ أَصَحُّ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْوَجِيزِ. فَإِنَّهُ قَالَ: يَجِبُ التَّعْدِيلُ فِي عَطِيَّةِ أَوْلَادِهِ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: هُوَ الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ الْمُتَقَدِّمُونَ، كَالْخِرَقِيِّ، وَأَبِي بَكْرٍ، وَابْنِ أَبِي مُوسَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ سَهْوٌ. انْتَهَى. وَالصَّحِيحُ: أَنَّ حُكْمَ الْأَقَارِبِ الْوُرَّاثِ فِي الْعَطِيَّةِ كَالْأَوْلَادِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِمْ. وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَالْفُرُوعِ. وَقَالَ: اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ. وَأَمَّا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ: فَلَا يَدْخُلَانِ فِي لَفْظِ الْأَوْلَادِ وَالْأَقَارِبِ. بِلَا نِزَاعٍ بَيْنَ الْأَصْحَابِ. فَهُمْ خَارِجُونَ مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ. صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّعَايَةِ، وَغَيْرِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْبَاقِينَ.
الرَّابِعُ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْوِيَةِ فِي الْإِعْطَاءِ. سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ كَانُوا كُلُّهُمْ فُقَرَاءَ أَوْ بَعْضُهُمْ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵀ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ الشَّيْءِ التَّافِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ: يُعْفَى عَنْ الشَّيْءِ الْيَسِيرِ. وَعَنْهُ: يَجِبُ التَّسْوِيَةُ أَيْضًا فِيهِ، إذَا تَسَاوَوْا فِي الْفَقْرِ أَوْ الْغِنَى.
قَوْلُهُ (فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ، أَوْ فَضَّلَهُ: فَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِالرُّجُوعِ، أَوْ إعْطَاءِ الْآخَرِ حَتَّى يَسْتَوُوا) . هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ.
стр. 3181
وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَغَيْرِهِمْ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ. انْتَهَى.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ ظَاهِرُ إيرَادِ الْكِتَابِ، وَنَصَرَهُ. وَتَحْرِيمُ فِعْلِ ذَلِكَ فِي الْأَوْلَادِ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْأَقَارِبِ: مِنْ الْمُفْرَدَاتِ. وَقِيلَ: إنْ أَعْطَاهُ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ، أَوْ زَمَانَةٍ، أَوْ عَمًى، أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ، أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ. أَوْ مَنَعَ بَعْضَ وَلَدِهِ لِفِسْقِهِ، أَوْ بِدْعَتِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ يَعْصِي اللَّهَ بِمَا يَأْخُذُهُ وَنَحْوِهِ جَازَ التَّخْصِيصُ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ رَزِينٍ فِي شَرْحِهِ. إلَّا أَنْ تَكُونَ النُّسْخَةُ مَغْلُوطَةً. وَقَطَعَ بِهِ النَّاظِمُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ. وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ. قُلْت: قَدْ رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. فَإِنَّهُ قَالَ فِي تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِالْوَقْفِ: لَا بَأْسَ إذَا كَانَ لِحَاجَةٍ. وَأَكْرَهُهُ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْأَثَرَةِ، وَالْعَطِيَّةُ، فِي مَعْنَى الْوَقْفِ. قُلْت: وَهَذَا قَوِيٌّ جِدًّا.
قَوْلُهُ (فَعَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ بِالرُّجُوعِ أَوْ إعْطَاءِ الْآخَرِ) . هَذَا الْمَذْهَبُ. أَعْنِي أَنَّ التَّسْوِيَةَ: إمَّا بِالرُّجُوعِ، وَإِمَّا بِالْإِعْطَاءِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذَا الْأَشْهَرُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ، وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَغَيْرِهِمْ. وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِمَامُ أَحْمَدَ ﵀ فِي رِوَايَةٍ إلَّا " الرُّجُوعَ " فَقَطْ. وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ.
стр. 3182
قَالَ الْحَارِثِيُّ، وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمَنْقُولَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ لَيْسَ قَوْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، إنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ حَالَيْنِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ قَوْلِهِ " أَوْ إعْطَاءُ الْآخَرِ " وَلَوْ كَانَ إعْطَاؤُهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَصَحَّحَهُ فِي الْفَائِقِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: أَوْلَى الْقَوْلَيْنِ: الْجَوَازُ. وَاخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَعَنْهُ: لَا يُعْطَى فِي مَرَضِهِ. وَهُوَ قَوْلٌ قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ: لَا يَصِحُّ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ، وَيُوسُفَ بْنِ مُوسَى، وَالْفَضْلِ بْنِ زِيَادٍ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ، وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ. وَنَقَل الْمَيْمُونِيُّ وَغَيْرُهُ: لَا يَنْفُذُ. وَقَالَ أَبُو الْفَرَجِ وَغَيْرُهُ: يُؤْمَرُ بِرَدِّهِ. فَائِدَتَانِ: إحْدَاهُمَا: يَجُوزُ التَّخْصِيصُ بِإِذْنِ الْبَاقِي. ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ. وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْفُرُوعِ. الثَّانِيَةُ: يَجُوزُ لِلْأَبِ تَمَلُّكُهُ بِلَا حِيلَةٍ. قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ. وَتَابَعَهُ فِي الْفُرُوعِ وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا.
قَوْلُهُ (فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ ذَلِكَ) (ثَبَتَ لِلْمُعْطَى) .
هَذَا الْمَذْهَبُ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. مِنْهُمْ الْخَلَّالُ، وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْخِرَقِيُّ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالْقَاضِي، وَأَصْحَابُهُ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ. قَالَهُ الْحَارِثِيُّ قَالَ ابْنُ مُنَجَّا: هَذَا الْمَذْهَبُ.
стр. 3183
قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ: لَمْ يَرْجِعْ الْبَاقُونَ عَلَى الْأَصَحِّ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُنَوِّرِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَشَرْحِ ابْنِ رَزِينٍ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْحَارِثِيُّ، وَغَيْرُهُمْ. وَعَنْهُ: لَا يَثْبُتُ. وَلِلْبَاقِينَ الرُّجُوعُ. اخْتَارَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ بَطَّةَ، وَصَاحِبُهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُكْبَرِيَّانِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَصَاحِبُ الْفَائِقِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالْخُلَاصَةِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: وَأَمَّا الْوَلَدُ الْمُفَضَّلُ: فَيَنْبَغِي لَهُ الرَّدُّ بَعْدَ الْمَوْتِ قَوْلًا وَاحِدًا. قَالَ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ: يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْطَى أَنْ يُسَاوِيَ أَخَاهُ فِي عَطِيَّتِهِ. وَحُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ بُطْلَانُ الْعَطِيَّةِ. وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ. وَذَكَرَ: أَنَّ بَعْضَهُمْ نَقَلَهُ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الصِّحَّةِ رِوَايَتَيْنِ.
[فَوَائِدُ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ]
فَوَائِدُ: إحْدَاهَا: قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: حُكْمُ مَا إذَا وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ: حُكْمُ مَوْتِهِ قَبْلَ التَّعْدِيلِ الْمَذْكُورِ بِالْإِعْطَاءِ أَوْ الرُّجُوعِ. وَاخْتَارَ الْحَارِثِيُّ هُنَا عَدَمَ الْوُجُوبِ. وَقَالَ: إنْ حَدَثَ بَعْدَ الْمَوْتِ فَلَا رُجُوعَ لِلْحَادِثِ عَلَى إخْوَتِهِ. وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ أَيْضًا. وَفِي الْمُغْنِي: تُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ.
الثَّانِيَةُ: مَحَلُّ مَا تَقَدَّمَ: إذَا فَعَلَهُ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ. فَأَمَّا إنْ فَعَلَهُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ: فَإِنَّهُمْ يَرْجِعُونَ.
стр. 3184
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ: فَلَهُمْ الرُّجُوعُ فِيهِ. الثَّالِثَةُ: لَا تَجُوزُ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ، لَا تَحَمُّلًا وَلَا أَدَاءً. قَالَهُ فِي الْفَائِقِ وَغَيْرِهِ.
قَالَ الْحَارِثِيُّ: قَالَهُ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إنْ عَلِمَ الشُّهُودُ جَوْرَهُ وَكَذِبَهُ: لَمْ يَتَحَمَّلُوا الشَّهَادَةَ. وَإِنْ تَحَمَّلُوهَا ثُمَّ عَلِمُوا: لَمْ يُؤَدُّوهَا فِي حَيَاتِهِ، وَلَا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَلَا إثْمَ عَلَيْهِمْ بِعَدَمِ الْأَدَاءِ. وَكَذَا إنْ جَهِلُوا أَنَّ لَهُ وَلَدًا آخَرَ. ثُمَّ عَلِمُوهُ.
قُلْت: بَلَى. إنْ قُلْنَا: قَدْ ثَبَتَ الْمَوْهُوبُ لِمَنْ وُهِبَ لَهُ. وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْعِلْمُ بِالتَّفْضِيلِ أَوْ التَّخْصِيصِ يَمْنَعُ تَحَمُّلَ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءَهَا مُطْلَقًا. حَكَاهُ الْأَصْحَابُ. وَنَصَّ عَلَيْهِ.
الرَّابِعَةُ: لَا يُكْرَهُ لِلْحَيِّ قَسْمُ مَالِهِ بَيْنَ أَوْلَادِهِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. وَقَالَ: نَقَلَهُ الْأَكْثَرُ. وَعَنْهُ: يُكْرَهُ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: يُكْرَهُ أَنْ يَقْسِمَ أَحَدٌ مَالَهُ فِي حَيَاتِهِ بَيْنَ وَرَثَتِهِ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ. وَقَطَعَ بِهِ. وَأَطْلَقَهُمَا الْحَارِثِيُّ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا يُعْجِبُنِي فَلَوْ حَدَثَ لَهُ وَلَدٌ سَوَّى بَيْنَهُمْ نَدْبًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَقَدَّمَهُ بَعْضُهُمْ. وَقِيلَ: وُجُوبًا.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: أَعْجَبُ إلَيَّ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ. وَاقْتَصَرَ عَلَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ. قُلْت: يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُمْ.
стр. 3185
قَوْلُهُ (وَإِنْ سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْفِ، أَوْ وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ) (جَازَ. نَصَّ عَلَيْهِ) ذَكَرَ الْمُصَنِّفُ ﵀ هُنَا مَسْأَلَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: إذَا سَوَّى بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْفِ: جَازَ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ، وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالنَّظْمِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْفُرُوعِ، وَالْفَائِقِ، وَغَيْرِهِمْ. وَصَحَّحَهُ فِي الْخُلَاصَةِ، وَغَيْرِهِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَذْهَبُ الْجَوَازُ. قَالَ الْقَاضِي: لَا بَأْسَ بِهِ. وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: لَا بَأْسَ. قِيلَ: فَإِنْ فَضَّلَ؟ قَالَ: لَا يُعْجِبُنِي عَلَى وَجْهِ الْأَثَرَةِ. إلَّا لِعِيَالٍ بِقَدْرِهِمْ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي الِانْتِصَارِ، وَالْمُصَنِّفُ، وَالْحَارِثِيُّ. وَقِيلَ: إنْ قُلْنَا إنَّهُ مِلْكُ مَنْ وُقِفَ عَلَيْهِ: بَطَلَ. وَإِلَّا صَحَّ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: يُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ أَيْضًا. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَالتَّلْخِيصِ، وَقَالَ: هَذَا الْمَذْهَبُ. وَقِيلَ: الْمُسْتَحَبُّ الْقِسْمَةُ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ، كَالْعَطِيَّةِ
стр. 3186
اخْتَارَهُ الْمُصَنِّفُ، وَالشَّارِحُ، وَقَالَا: مَا قَالَهُ الْقَاضِي لَا أَصْلَ لَهُ. وَهُوَ مُلْغًى بِالْمِيرَاثِ وَالْعَطِيَّةِ.
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: إذَا وَقَفَ ثُلُثَهُ فِي مَرَضِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ. وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِوَقْفِ ثُلُثِهِ عَلَى بَعْضِهِمْ: جَازَ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ أَشْهَرُ. قَالَ ابْنُ مُنَجَّا، وَالْحَارِثِيُّ فِي شَرْحِهِمَا: هَذَا الْمَذْهَبُ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ، وَأَنَصُّهُمَا. وَاخْتِيَارُ الْقَاضِي فِي التَّعْلِيقِ، وَغَيْرِهِ. وَأَكْثَرِ الْأَصْحَابِ. انْتَهَى. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَنَاظِمُ الْمُفْرَدَاتِ. وَهُوَ مِنْهَا. وَقَدَّمَهُ فِي الْفَائِقِ، وَغَيْرِهِ، وَالرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالْمُحَرَّرِ. قَالَ الْمُصَنِّفُ هُنَا: وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ. فَاخْتَارَ عَدَمَ الْجَوَازِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ
قَالَ الْقَاضِي فِيهَا وَجَدْته مُعَلَّقًا عَنْهُ بِقَلَمِ الزَّرْكَشِيّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ أَيْضًا. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَعَنْهُ كَهِبَةٍ. فَيَصِحُّ بِالْإِجَازَةِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ بِالْإِجَازَةِ، إنْ قُلْنَا: إنَّ الْإِجَازَةَ ابْتِدَاءُ هِبَةٍ. انْتَهَى. وَقَالَ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى: إنْ وَقَفَ الثُّلُثَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَارِثٍ، أَوْ أَوْصَى أَنْ يُوقَفَ عَلَيْهِ: صَحَّ، وَلَزِمَ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ. وَعَنْهُ: إنْ أُجِيزَ صَحَّ. وَإِلَّا بَطَلَ كَالزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ. تَمَّ قَالَ: قُلْت: إنْ قُلْنَا " هُوَ لِلَّهِ " صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: يَجُوزُ لِدَيْنٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ حَاجَةٍ. انْتَهَى.
стр. 3187
فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ سَوَّى بَيْنَ ابْنِهِ وَابْنَتِهِ فِي دَارٍ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَرْدًا. فَثُلُثُهَا بَيْنَهُمَا وَقْفٌ بِالسَّوِيَّةِ، وَثُلُثَاهَا مِيرَاثٌ. وَإِنْ رَدَّ ابْنُهُ وَحْدَهُ: فَلَهُ ثُلُثَا الثُّلُثَيْنِ إرْثًا. وَلِبِنْتِهِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا. وَإِنْ رَدَّتْ ابْنَتُهُ وَحْدَهَا: فَلَهَا ثُلُثُ الثُّلُثَيْنِ إرْثًا. وَلِابْنِهِ نِصْفُهُمَا وَقْفًا، وَسُدُسُهُمَا إرْثًا. لِرَدِّ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ. ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَالْمُحَرَّرِ، وَالْفُرُوعِ.
قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَكَذَا لَهُ إنْ رَدَّ هُوَ الْوَقْفَ إلَى قَدْرِ الثُّلُثِ. وَلِلْبِنْتِ ثُلُثُهُمَا وَقْفًا وَقِيلَ: لَهَا رُبُعُهُمَا وَقْفًا، وَنِصْفُ سُدُسِهِمَا إرْثًا. وَهُوَ لِأَبِي الْخَطَّابِ. قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَهُوَ سَهْوٌ. وَرَدَّهُ شَارِحُهُ. وَهُوَ كَمَا قَالَ. وَقِيلَ: نِصْفُ الدَّارِ وَقْفٌ عَلَيْهِ، وَرُبُعُهَا وَقْفٌ عَلَيْهَا، وَالْبَاقِي إرْثٌ لَهُمَا أَثْلَاثًا. انْتَهَى. وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عَمَلُك فِي الدَّارِ كَثُلُثَيْهَا عَلَى الثَّالِثَةِ.
فَائِدَةٌ: لَوْ وَقَفَ عَلَى أَجْنَبِيٍّ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ: لَمْ يَصِحَّ وَقْفُ الزَّائِدِ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمُذَهَّبِ. جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ: وَأَطْلَقَ بَعْضُهُمْ وَجْهَيْنِ. قُلْت: قَالَ فِي الرِّعَايَتَيْنِ، وَالْحَاوِي الصَّغِيرِ: وَإِنْ وَقَفَ ثُلُثَهُ عَلَى أَجْنَبِيٍّ: صَحَّ. وَفِيمَا زَادَ وَجْهَانِ.
قَوْلُهُ (وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، إلَّا الْأَبَ) هَذَا الْمَذْهَبُ. نَصَّ عَلَيْهِ. وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ. وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: هَذَا الْمَشْهُورُ. وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ. قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَتَيْنِ.
стр. 3188
وَعَنْهُ: لَهُ الرُّجُوعُ، إلَّا أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حَقٌّ، أَوْ رَغْبَةٌ. نَحْوُ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْوَلَدُ أَوْ يُفْلِسَ. وَكَذَا لَوْ فَعَلَ الْوَلَدُ مَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا. وَجَزَمَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي الْوَجِيزِ. وَاخْتَارَهُ الشَّارِحُ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَابْنُ الْبَنَّا، وَالْمُصَنِّفُ ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. وَقَالَ: يَرْجِعُ فِيمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدَّيْنِ، أَوْ الرَّغْبَةِ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُذْهَبِ، وَمَسْبُوكِ الذَّهَبِ. وَأَطْلَقَ الْأُولَى وَالثَّالِثَةَ: فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالشَّرْحِ، وَالنَّظْمِ. وَقِيلَ: إنْ وَهَبَ وَلَدَيْهِ شَيْئًا، فَاشْتَرَى أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ نَصِيبَهُ: فَفِي رُجُوعِهِ فِي الْكُلِّ وَجْهَانِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀: لَيْسَ لِلْأَبِ الْكَافِرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي عَطِيَّتِهِ، إذَا كَانَ وَهَبَهُ فِي حَالِ الْكُفْرِ، وَأَسْلَمَ الْوَلَدُ. فَأَمَّا إذَا وَهَبَهُ حَالَ إسْلَامِ الْوَلَدِ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: الْجَوَازُ. وَلَا يُقَرُّ فِي يَدِهِ. وَفِيهِ نَظَرٌ. انْتَهَى. وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ الْعُكْبَرِيُّ: تَحْصِيلُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهُ يَرْجِعُ فِيمَا وَهَبَ لِابْنِهِ. وَلَا يَرْجِعُ فِيمَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الصَّدَقَةِ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى. وَقَدْ صَرَّحَ الْقَاضِي، وَالْمُصَنِّفُ، وَغَيْرُهُمَا: بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. انْتَهَى.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ (أَوْ يُفْلِسَ) . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مَانِعٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ كَمَا فِي الرَّهْنِ، وَنَحْوِهِ. وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ، وَغَيْرُهُمَا. انْتَهَى.
стр. 3189
وَعَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀ فِي الْمَرْأَةِ تَهَبُ زَوْجَهَا مَهْرَهَا إنْ كَانَ سَأَلَهَا ذَلِكَ رَدَّهُ إلَيْهَا، رَضِيَتْ أَوْ كَرِهَتْ. لِأَنَّهَا لَا تَهَبُ إلَّا مَخَافَةَ غَضَبِهِ أَوْ إضْرَارِهِ بِهَا بِأَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنَوِّرِ، وَمُنْتَخَبِ الْأَدَمِيِّ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى: وَتَرْجِعُ الْمَرْأَةُ فِيمَا وَهَبَتْ لِزَوْجِهَا بِمَسْأَلَتِهِ. عَلَى الْأَصَحِّ. وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدُوسٍ فِي تَذْكِرَتِهِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْقَوَاعِدِ الْفِقْهِيَّةِ، فِي الْقَاعِدَةِ الْخَمْسِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ. فَالْمُصَنِّفُ قَدَّمَ هُنَا عَدَمَ رُجُوعِهَا إذَا سَأَلَهَا. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَصْحَابِ. جَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي، وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو الْخَطَّابِ. وَاخْتَارَهُ الْحَارِثِيُّ. وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِ. وَقَدَّمَهُ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ، وَالنَّظْمِ، وَفُصُولِ ابْنِ عَقِيلٍ.
قُلْت: الصَّوَابُ عَدَمُ الرُّجُوعِ إنْ لَمْ يَحْصُلْ فِيهِ ضَرَرٌ، مِنْ طَلَاقٍ وَغَيْرِهِ، وَإِلَّا فَلَهَا الرُّجُوعُ. وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالْمُحَرَّرِ، وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى، وَالْفُرُوعِ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ: أَنَّهَا لَا تَرْجِعُ إذَا وَهَبَتْهُ مِنْ غَيْرِ سُؤَالٍ مِنْهُ. وَهُوَ صَحِيحٌ. وَهُوَ الْمَذْهَبُ. وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَغَيْرِهِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ. وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ. وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي كِتَابِ الْوَجْهَيْنِ، وَصَاحِبُ التَّلْخِيصِ، وَغَيْرُهُمَا.
стр. 3190
وَقِيلَ: لَهَا الرُّجُوعُ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀. أَطْلَقَهُمَا فِي الْمُغْنِي، وَالشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ الْكُبْرَى. وَقِيلَ: إنْ وَهَبَتْهُ لِدَفْعِ ضَرَرٍ فَلَمْ يَنْدَفِعْ، أَوْ عِوَضٍ، أَوْ شَرْطٍ، فَلَمْ يَحْصُلْ: رَجَعَتْ وَإِلَّا فَلَا.
[فَوَائِدُ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُبَرِّئِينِي]
فَوَائِدُ إحْدَاهَا: ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ﵀ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهَا " أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُبَرِّئِينِي " فَأَبْرَأَتْهُ صَحَّ. وَهَلْ تَرْجِعُ؟ فِيهِ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ. ثَالِثُهَا: تَرْجِعُ إنْ طَلَّقَهَا، وَإِلَّا فَلَا. انْتَهَى. قُلْت: هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ دَاخِلَةٌ فِي الْأَحْكَامِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَلَكِنْ هُنَا آكَدُ فِي الرُّجُوعِ.
الثَّانِيَةُ: يَحْصُلُ رُجُوعُ الْأَبِ بِقَوْلِهِ، عَلِمَ الْوَلَدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ. عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ. وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ﵀: لَا يَجُوزُ عِتْقُهَا حَتَّى يَرْجِعَ فِيهَا. أَوْ يَرُدَّهَا إلَيْهِ. فَإِذَا قَبَضَهَا أَعْتَقَهَا حِينَئِذٍ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَظَاهِرُهُ اعْتِبَارُ قَبْضِهِ، وَأَنَّهُ يَكْفِي. وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَصْحَابِ: فِي قَبْضِهِ مَعَ قَرِينَةٍ وَجْهَانِ. الثَّالِثَةُ: لَوْ أَسْقَطَ الْأَبُ حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ، فَفِي سُقُوطِهِ احْتِمَالَانِ فِي الِانْتِصَارِ. قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ أَظْهَرُهُمَا: لَا يَسْقُطُ. لِثُبُوتِهِ لَهُ بِالشَّرْعِ كَإِسْقَاطِ الْوَلِيِّ حَقَّهُ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ. وَقَدْ يَتَرَجَّحُ سُقُوطُهُ لِأَنَّ الْحَقَّ فِيهِ مُجَرَّدُ حَقِّهِ، بِخِلَافِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ. فَإِنَّهُ حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِلْمَرْأَةِ. فَلِهَذَا يَأْثَمُ بِعَضْلِهِ. وَهَذَا أَوْجَهُ. انْتَهَى.
следующие страницы →