Полный текст (3 713 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.
стр. 1471
إلَى أَخْذِهِ حَنِثَ. ابْنُ يُونُسَ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ تَرَكَ ذَلِكَ نِسْيَانًا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ وَإِنَّمَا رَأَى ذَلِكَ لَا يُعَدُّ بِهِ سَاكِنًا لِخِفَّتِهِ. وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ ذَكَرَ ابْنُ رُشْدٍ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَبِاسْتِحْقَاقِ بَعْضِهِ أَوْ عَيْبِهِ بَعْدَ الْأَجَلِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَقَضَاهُ إيَّاهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهِ صَاحِبُ الْحَقِّ دِرْهَمًا نُحَاسًا أَوْ رَصَاصًا أَوْ نَاقِصًا بَيِّنَ النَّقْصِ أَوْ مَا لَا يَجُوزُ أَوْ اسْتَحَقَّتْ مِنْ يَدِهِ فَقَامَ عَلَيْهِ بَعْدَ الْأَجَلِ فَهُوَ حَانِثٌ. اللَّخْمِيِّ: قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَحْنَثُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ. وَهَذَا عَلَى مُرَاعَاةِ الْأَلْفَاظِ، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ قَصْدَهُ أَنْ لَا يَلِدَ فَلَمْ يَلِدْ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبَرِيءَ
стр. 1472
فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ ".
(وَبَيْعٍ فَاسِدٍ فَاتَ قَبْلَهُ إنْ لَمْ تَفِ كَأَنْ لَمْ تَفُتْ عَلَى الْمُخْتَارِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَأَعْطَاهُ قَضَاءً مِنْهُ عَرْضًا يُسَاوِي مَا عَلَيْهِ لَوْ بِيعَ بَرَّ. ثُمَّ اسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ أَعْجَبُ إلَيَّ. اللَّخْمِيِّ: فَإِنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا فَاسِدًا وَالْأَجَلُ قَائِمٌ، فَإِنْ فَاتَ وَقِيمَتُهُ كَالدَّيْنِ بَرَّ مُطْلَقًا وَأَقَلُّ بَرَّ إنْ قَضَاهُ تَمَامَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ وَإِلَّا حَنِثَ. وَإِنْ مَضَى الْأَجَلُ وَهُوَ قَائِمٌ فَقَالَ سَحْنُونَ: يَحْنَثُ. وَأَشْهَبُ: لَا يَحْنَثُ. وَأَرَى بِرَّهُ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ، وَلَوْ عَلِمَ الْفَسَادَ إنْ قَصَدَ الْبَيْعَ وَإِنْ أَرَادَ لِيَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَبَرَّ.
(وَبِهِبَتِهِ لَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ لَك غَرِيمُك لَيَقْضِيَنَّكَ حَقَّك رَأْسَ الشَّهْرِ فَوَهَبْت لَهُ حَقَّك أَوْ وَضَعْت مِنْهُ صَدَقَةً أَوْ صِلَةً لَمْ يَبَرَّ. ابْنُ بَشِيرٍ: وَعَلَى مُرَاعَاةِ الْمَقَاصِدِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ.
(أَوْ دَفْعِ قَرِيبٍ عَنْهُ وَإِنْ مِنْ مَالِهِ) . ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ غَابَ الْحَالِفُ لِغَرِيمِهِ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَرَادَ بَعْضُ أَهْلِهِ أَنْ يَقْضِيَ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَذَلِكَ يُبْرِئُ الْحَالِفَ مِنْ الْحَقِّ وَلَا يُنَجِّيهِ مِنْ الْحِنْثِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فَيَرْضَى بِذَلِكَ. وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَهُ وَكِيلٌ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ وَالتَّقَاضِي يَبَرُّ بِقَضَائِهِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِذَلِكَ.
(أَوْ بِشَهَادَةِ بَيِّنَةٍ بِالْقَضَاءِ إلَّا بِدَفْعِهِ ثُمَّ أَخْذِهِ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا تَعَلَّقَ بِرَجُلٍ فِي حَقٍّ لَهُ فَقَالَ لَهُ: قَدْ قَضَيْتُك فَقَالَ صَاحِبُ الْحَقِّ: مَا قَضَيْتنِي فَقَالَ: الْمَطْلُوبُ إذَا أَنْكَرْت أَنَا آتِيك بِحَقِّك غَدًا وَحَلَفَ لَهُ بِالطَّلَاقِ، ثُمَّ نَظَرَ صَاحِبُ الْحَقِّ فِي كِتَابٍ تُقَاضِيهِ أَوْ ذَكَرَ أَنَّهُ تَقَاضَاهُ مِنْهُ فَقَالَ: اذْهَبْ لَيْسَ لِي عَلَيْك شَيْءٌ قَدْ وَجَدْت مَا ادَّعَيْت عَلَيْك بَاطِلًا: إنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ وَإِلَّا حَنِثَ، ثُمَّ يَرُدُّهُ عَلَيْهِ. قُلْت: فَإِنْ قَامَتْ لِلْحَالِفِ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ قَضَاهُ ذَلِكَ الْحَقَّ قَالَ: لَوْ شَهِدَ لَهُ
стр. 1473
أَبُو شُرَيْحٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الْحَقَّ ثُمَّ يَرُدَّهُ إلَيْهِ. ابْنُ عَرَفَةَ: رَعْيُ الْمَقْصِدِ يُوجِبُ بِرَّهُ بِذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ: حَمَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَلَمْ يُرَاعِ فِي شَيْءٍ مِنْهَا الْمَعْنَى الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْحَالِفَ قَصَدَ إلَيْهِ فِي يَمِينِهِ.
(لَا إنْ جُنَّ وَدَفَعَ الْحَاكِمُ وَإِنْ لَمْ يَدْفَعْ فَقَوْلَانِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي الْحِنْثِ بِتَعَذُّرِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ بِجُنُونِ الْحَالِفِ خِلَافٌ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: لَوْ حَلَفَ لَأَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى أَجَلٍ فَجُنَّ الْحَالِفُ عِنْدَ الْأَجَلِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَقْضِي عَنْهُ وَيَبَرُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى الْأَجَلُ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ حَلَفَ حِينَئِذٍ لَمْ يَلْزَمْهُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ حَانِثٌ وَالْأَوَّلُ أَحَبُّ إلَيَّ.
(وَبِعَدَمِ قَضَاءٍ فِي غَدٍ فِي لَأَقْضِيَنَّكَ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ هُوَ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ غَدًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ: إنْ لَمْ يَقْضِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ يَوْمَ الْخَمِيسِ حَنِثَ لِأَنَّ يَمِينَهُ كَانَتْ عَلَى الْخَمِيسِ حِينَ قَالَ: غَدًا فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى غَدٍ. قِيلَ لَهُ: فَإِنْ قَالَ: يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَدًا فَإِذَا هُوَ يَوْمُ الْخَمِيسِ؟ قَالَ: هَذَا ضَلَالٌ أَهْلُ الْعِرَاقِ يَقُولُونَ إذَا قَدَّمَ أَوْ أَخَّرَ. وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ ذَلِكَ كُلَّهُ وَاحِدًا. ابْنُ رُشْدٍ: يَدُلُّ قَوْلُهُ: " وَرَأَى ابْنُ الْقَاسِمِ " إلَى آخِرِهِ عَلَى أَنَّ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ لِمَالِكٍ. وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا أَيْضًا قَوْلُهُ: " هَذَا ضَلَالٌ " لِأَنَّهُ يُعْرَفُ مِنْ مَذْهَبِهِ الطَّعْنُ عَلَيْهِمْ. وَأَمَّا ابْنُ الْقَاسِمِ فَكَثِيرًا مَا يَمِيلُ إلَى مَذْهَبِهِمْ فِي مَسَائِلِهِ وَيُرَاعِي أَقْوَالَهُمْ. وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَحِيحٌ. وَانْظُرْ قَبْلَ قَوْلِهِ: " وَبِدَوَامِ رُكُوبِهِ ".
(لَا إنْ قَضَى قَبْلَهُ بِخِلَافِ لَآكُلَنَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ فَقَدْ بَرَّ، وَلَوْ حَلَفَ لَيَأْكُلَنَّ هَذَا الطَّعَامَ غَدًا فَأَكَلَهُ الْيَوْمَ حَنِثَ إذْ الطَّعَامُ قَدْ يَخُصُّ بِهِ الْيَوْمَ، وَالْغَرِيمُ إنَّمَا الْقَصْدُ فِيهِ الْقَضَاءُ. قَالَ أَشْهَبُ: إنْ سُئِلَ فِي أَكْلِهِ الْيَوْمَ فَقَالَ: دَعَوْنِي الْيَوْمَ فَأَنَا وَاَللَّهِ آكُلُهُ غَدًا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ إذَا أَكَلَهُ الْيَوْمَ لِأَنَّ قَصْدَهُ الْأَكْلُ لَا تَعْيِينُ الْيَوْمِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ حَنِثَ.
(وَلَا إنْ بَاعَهُ بِهِ عَرْضًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ دَنَانِيرَك وَلَمْ يَقُلْ حَقَّك فَذَلِكَ سَوَاءٌ وَيَبَرُّ إنْ دَفَعَ إلَيْك عَرْضًا سِوَى دَنَانِيرِك إذَا كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى وَجْهِ الْقَضَاءِ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى أَعْيَانِ الدَّنَانِيرِ، وَلَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى أَعْيَانِ الدَّنَانِيرِ لَمْ يَبَرَّ إلَّا
стр. 1474
بِدَفْعِهَا، وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ. اُنْظُرْ تَمَامَ هَذَا الْفَرْعِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَبِالْإِقَالَةِ ".
(وَبَرَّ إنْ غَابَ بِقَضَاءِ وَكِيلِ تَقَاضٍ أَوْ مُفَوَّضٍ) . ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ غَرِيمَهُ حَقَّهُ فَغَابَ الْغَرِيمُ بَرَّ بِقَضَاءِ وَكِيلِهِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَكِيلٌ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ فَالْحَاكِمُ الْعَدْلُ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ دَفَعَ إلَى حَاكِمٍ غَيْرِ عَدْلٍ بَرِيءَ مِنْ الْحِنْثِ وَلَمْ يَبَرَّ مِنْ الدَّيْنِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَضَاءُ وَكِيلِ رَبِّهِ نَصًّا أَوْ تَفْوِيضًا لِغَيْبَتِهِ كَقَضَائِهِ، فَلَوْ عَدِمَا وَخَافَ الْحِنْثَ فَالرِّوَايَاتُ يَبَرُّ بِقَضَاءِ السُّلْطَانِ. ابْنُ رُشْدٍ عَنْ الْمَذْهَبِ: وَيَبْرَأُ.
(وَهَلْ ثُمَّ وَكِيلُ ضَيْعَةٍ أَوْ إنْ عَدِمَ الْحَاكِمُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ يُرِيدُ بِطَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ فَغَابَ فُلَانٌ، فَلْيَقْضِ وَكِيلُهُ أَوْ السُّلْطَانُ وَيُخْرِجُهُ ذَلِكَ مِنْ يَمِينِهِ، وَإِنْ احْتَجَبَ عَنْهُ السُّلْطَانُ فَلَمْ يَجِدْهُ أَوْ كَانَ بِقَرْيَةٍ لَا سُلْطَانَ فِيهَا وَخَافَ إنْ خَرَجَ إلَى السُّلْطَانِ حَلَّ الْأَجَلُ قَبْلَ بُلُوغِهِ، فَإِنْ جَاءَ بِالْحَقِّ عَلَى شَرْطِهِ إلَى عُدُولٍ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِهِ بِعِلْمِهِمْ فَلَمْ يَجِدْهُ لِتَغَيُّبٍ أَوْ سَفَرٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ شَهِدُوا لَهُ بِذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَضَى وَكِيلًا فِي ضَيْعَتِهِ وَلَمْ يُوَكِّلْهُ رَبُّ الْحَقِّ بِتَقَاضِي دَيْنِهِ أَجْزَأَهُ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إذَا لَمْ يَجِدْ وَكِيلًا عَلَى الْحَقِّ وَلَا سُلْطَانًا مَأْمُونًا وَدَفَعَ إلَى ثِقَةٍ مِنْ أَهْلِ الطَّالِبِ أَوْ وَكِيلِ ضَيْعَتِهِ أَوْ إلَى أَجْنَبِيٍّ بَرَّ وَلَكِنَّهُ يَضْمَنُهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى رَبِّهِ. انْتَهَى مِنْ ابْنِ يُونُسَ. عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: " وَإِنْ قَضَى وَكِيلًا فِي ضَيْعَتِهِ أَجْزَأَهُ " ظَاهِرُهُ كَانَ بِالْبَلَدِ سُلْطَانٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَعَلَى هَذَا اخْتَصَرَهَا بَعْضُهُمْ، وَاخْتَصَرَهَا آخَرُونَ أَنَّهُ لَا يَبَرُّ بِدَفْعِهِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ عَدَمِ السُّلْطَانِ أَوْ الْوُصُولِ إلَيْهِ.
(وَبَرِيءَ فِي الْحَاكِمِ إنْ لَمْ يُحَقِّقْ جَوْرَهُ وَإِلَّا ضَرَّ) تَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ إنْ دَفَعَ إلَى حَاكِمٍ عَدْلٍ مِنْ الْحِنْثِ وَلَمْ يَبْرَأْ مِنْ الدَّيْنِ. ابْنُ يُونُسَ قَالَ مَالِكٌ: إنْ دَفَعَ إلَى الْإِمَامِ غَيْرِ عَدْلٍ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ ضَمِنَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا: وَإِنَّمَا بَرَّ بِدَفْعِهِ إلَى السُّلْطَانِ وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ لَا يَقْبِضُ دِينًا لِغَائِبٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَفْقُودًا لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لِلْحَالِفِ لِبِرِّهِ فِي يَمِينِهِ وَبَرَاءَةِ ذِمَّتِهِ (كَجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ يُشْهِدُهُمْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ جَاءَ بِالْحَقِّ إلَى عُدُولٍ فَأَشْهَدَهُمْ
стр. 1475
فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَتَقَدَّمَتْ عِبَارَةُ ابْنِ بَشِيرٍ فَالْحَاكِمُ فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ فَجَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ.
(وَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ فِي رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ رَأْسَ الشَّهْرِ أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ الشَّهْرُ فَلَهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ، وَإِنْ قَالَ: إلَى اسْتِهْلَالِ الشَّهْرِ أَوْ إلَى رَمَضَانَ فَإِذَا انْسَلَخَ شَعْبَانُ وَاسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَكَذَا كُلُّ مَا ذُكِرَ فِيهِ " إلَى " فَهُوَ حَانِثٌ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ مِنْ آخِرِ شَهْرٍ هُوَ فِيهِ كَقَوْلِهِ إلَى الْهِلَالِ أَوْ إلَى مَجِيئِهِ أَوْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ إلَى رُؤْيَتِهِ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ " إلَى " وَذَكَرَ " اللَّامَ " أَوْ " عِنْدَ " أَوْ " إذَا " فَلَهُ لَيْلَةَ يُهِلُّ الْهِلَالُ وَيَوْمُهَا كَقَوْلِهِ: لِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ لِدُخُولِهِ لِاسْتِهْلَالِهِ أَوْ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ أَوْ إذَا اسْتَهَلَّ أَوْ إذَا دَخَلَ وَنَحْوُهُ (وَإِلَى رَمَضَانَ أَوْ لِاسْتِهْلَالِهِ شَعْبَانَ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ إلَى رَمَضَانَ أَوْ إلَى اسْتِهْلَالِ الشَّهْرِ، فَإِنْ اسْتَهَلَّ رَمَضَانُ وَلَمْ يَقْضِهِ حَنِثَ. يَبْقَى النَّظَرُ إذَا قَالَ: لِاسْتِهْلَالِهِ؛ تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ الْفَرْقُ بَيْنَ " اللَّازِمِ " وَ " إلَى "، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ غَدًا فَقَضَاهُ الْيَوْمَ بَرَّ.
(وَبِجَعْلِ ثَوْبٍ قَبَاءً أَوْ عِمَامَةً فِي لَا أَلْبَسُهُ لَا إنْ كَرِهَهُ لِضِيقِهِ وَلَا وَضَعَهُ عَلَى فَرْجِهِ) مِنْ
стр. 1476
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ فَقَطَعَهُ قَبَاءً أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ جُبَّةً فَلَبِسَهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَكُونَ كَرِهَ الْأَوَّلَ لِضِيقِهِ أَوْ لِسُوءِ عَمَلِهِ فَحَوَّلَهُ فَلَا يَحْنَثُ. وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَلْبَسَ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ قَمِيصٌ أَوْ مِلْحَفَةٌ فَاِتَّزَرَ بِهِ أَوْ لَفَّ فِيهِ رَأْسَهُ أَوْ طَرَحَهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَنِثَ، وَلَوْ أَصَابَهُ مِنْ اللَّيْلِ هِرَاقَةُ بَوْلٍ فَجَعَلَهُ عَلَى فَرْجِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ لَمْ يَحْنَثْ، وَلَيْسَ هَذَا لُبْسًا وَلَوْ أَدَارَهُ عَلَيْهِ فَهُوَ لُبْسٌ وَيَحْنَثُ وَقَالَهُ مَالِكٌ.
(وَبِدُخُولِهِ مِنْ بَابٍ غُيِّرَ فِي لَا أَدْخُلُهُ إنْ لَمْ يَكْرَهْ ضِيقِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ مِنْ بَابِ هَذِهِ الدَّارِ أَوْ مِنْ هَذَا الْبَابِ فَحُوِّلَ الْبَابُ عَنْ حَالِهِ وَأُغْلِقَ وَفُتِحَ غَيْرُهُ، فَإِنْ دَخَلَ مِنْهُ حَنِثَ إلَّا أَنْ يُكْرَهَ الْبَابُ دُونَ الدَّارِ، إمَّا لِضِيقِهِ أَوْ لِجِوَارِ أَحَدٍ فَلَا يَحْنَثُ.
(وَبِقِيَامٍ عَلَى ظَهْرِهِ وَبِمُكْتَرًى فِي لَا أَدْخُلُ لِفُلَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ فُلَانٍ فَعَلَا عَلَى
стр. 1477
ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْهَا حَنِثَ إنْ دَخَلَ بَيْتًا يَسْكُنُهَا وَفُلَانٌ بِكِرَاءٍ حَنِثَ وَهِيَ كَمِلْكِهِ.
(وَبِأَكْلٍ مِنْ وَلَدٍ دَفَعَ لَهُ مَحْلُوفٌ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ إنْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ عَلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ لِرَجُلٍ طَعَامًا فَدَخَلَ وَلَدُ الْحَالِفِ عَلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَأَطْعَمَهُ خُبْزًا فَخَرَجَ بِهِ الصَّبِيُّ فَأَكَلَ مِنْهُ أَبُوهُ وَلَمْ يَعْلَمْ حَنِثَ.
قَالَ سَحْنُونَ: أَمَّا أَنَا فَتَبَيَّنَ لِي أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِأَنَّ الِابْنَ قَدْ مَلَكَ الطَّعَامَ. عَبْدُ الْحَقِّ: قَيَّدَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ الْمُدَوَّنَةَ بِكَوْنِ الْأَبِ قَادِرًا عَلَى عَدَمِ قَبُولِهِ لِابْنِهِ لِكَوْنِ الطَّعَامِ يَسِيرًا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِأَكْلِهِ فِي الْوَقْتِ كَالْكِسْرَةِ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ يَقُولُ: نَفَقَةُ ابْنِي عَلَيَّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْتَمِلَ عَنِّي مِنْهَا شَيْئًا. فَهَذَا إنْ أَكَلَ مِمَّا أَعْطَى الصَّبِيَّ حَنِثَ وَيُعَدُّ ذَلِكَ قَبُولًا مِنْهُ لِخُبْزِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْدِمًا حَتَّى لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِهِ فَلَا يَحْنَثُ، وَابْنُهُ وَعَبْدُهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، وَلَهُ رَدُّ هِبَةٍ لِعَبْدِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَدِينًا. التُّونِسِيُّ: وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا لَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْنَثَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى رَدِّهِ فَمَا أَكَلَهُ إلَّا فِي مِلْكِ ابْنِهِ.
(وَبِالْكَلَامِ أَبَدًا فِي لَا أُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ أَوْ الشُّهُورَ) اللَّخْمِيِّ: إنْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُهُ الْأَيَّامَ لَمْ يُكَلِّمْهُ الْأَبَدَ لِقَوْلِهِ سُبْحَانَهُ: ﴿بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأَيَّامِ الْخَالِيَةِ﴾ [الحاقة: ٢٤] فَلَوْ قَالَ: الشُّهُورُ فَفِي كَوْنِهِ سَنَةً لِقَوْلِهِ : ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦] أَوْ الْأَبَدُ قَوْلَانِ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَرَفَةَ غَيْرَ هَذَا.
(وَثَلَاثَةً فِي كَأَيَّامٍ) اللَّخْمِيِّ: لَوْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُهُ شُهُورًا أَوْ أَيَّامًا أَوْ سِنِينَ فَثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسَمَّى. ابْنُ بَشِيرٍ: بِنَاءً عَلَى أَنَّ الذِّمَّةَ تَعْمُرُ بِإِلَّا وَهُوَ الْمَشْهُورُ (وَهَلْ كَذَلِكَ لَأَهْجُرَنَّهُ أَوْ شَهْرًا قَوْلَانِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ إذَا حَلَفَ لَيَهْجُرَنَّهُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَبَرُّ بِهِ، فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: يَهْجُرُهُ شَهْرًا.
وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْوَاضِحَةِ: يُجْزِئُهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ» وَاسْتَحَبَّ
стр. 1478
سَحْنُونَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهَا. وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ الْأَبَدُ. وَقِيلَ: بِمُضِيِّ مُدَّةُ عَادَتُهُمَا الِاجْتِمَاعُ فِيمَا دُونَهُ. وَقِيلَ: سَنَةٌ. وَقِيلَ: ثَمَانِيَةُ أَشْهُرٍ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ: وَلَيْسَ فِي " لَيَهْجُرَنَّهُ " وَصْلُ الْهَجْرِ إنْ بِيَمِينِهِ بِخِلَافِ " لَا أُكَلِّمُهُ "، وَهَلْ يَبَرُّ بِمُجَرَّدِ السَّلَامِ مَعَ الْكَفِّ عَنْ كَلَامِهِ؟ قَوْلَانِ عَلَى رَعْيِ اللَّفْظِ وَالْمَقْصِدِ. رَاجِعْ ابْنَ عَرَفَةَ.
(وَسَنَةٌ فِي حِينٍ وَزَمَنٍ وَعَصْرٍ وَدَهْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: وَاَللَّهِ لَأَقْضِيَنَّكَ حَقَّك إلَى حِينٍ أَوْ زَمَنٍ أَوْ دَهْرٍ فَذَلِكَ كُلُّهُ سَنَةٌ. اللَّخْمِيِّ: وَعَصْرًا أَوْ زَمَانًا سَنَةٌ.
(وَبِمَا يُفْسَخُ أَوْ بِغَيْرِ نِسَائِهِ فِي لَأَتَزَوَّجَنَّ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ عَلَى امْرَأَتِهِ بَرَّ بِبِنَائِهِ بِحُرَّةٍ مِنْ مُنَاكَحَةٍ بِنِكَاحٍ صَحِيحٍ اتِّفَاقًا. ابْنُ عَرَفَةَ: ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ تَزَوُّجُهُ بِمُجَرَّدِ بِرِّهِ. ابْنُ رُشْدٍ: قِيلَ: لَا يَبَرُّ إذَا تَزَوَّجَهَا لَيَبَرُّ فِي يَمِينِهِ وَلَا يُمْسِكُهَا وَإِنَّمَا يَبَرُّ إنْ تَزَوَّجَهَا بِنِكَاحِ رَغْبَةٍ وَالرِّوَايَاتُ لَا يَبَرُّ بِالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ. ذَكَرَهُ اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ. قَالَ: وَالْقِيَاسُ بِرُّهُ مُطْلَقًا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إنْ تَزَوَّجَ مَنْ لَيْسَتْ مِنْ مُنَاكِحِهِ لَمْ يَبَرَّ. وَسَهَّلَ فِيهِ ابْنُ الْقَاسِمِ. وَسَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ ثُمَّ مَاتَتْ أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَمَسَّهَا قَالَ: هُوَ حَانِثٌ سَاعَةَ مَلَكَ عُقْدَتَهَا، مَسَّ أَوْ لَمْ يَمَسَّ. وَلَوْ كَانَ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَزَوَّجَ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ يَمِينِهِ حَتَّى يَمَسَّهَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ عَلَى أُصُولِهِمْ فِي أَنَّ الْحِنْثَ يَقَعُ بِأَقَلِّ الْوُجُوهِ وَالْبِرُّ لَا يَكُونُ إلَّا بِأَكْمَلِ الْوُجُوهِ، وَلَا يَبَرُّ بِالدُّخُولِ أَيْضًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الَّتِي تَزَوَّجَ مِمَّنْ يُشْبِهُ مُنَاكِحِهِ. وَاخْتَلَفُوا هَلْ يُحِلُّهَا هَذَا النِّكَاحُ لِزَوْجٍ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَا يُحِلُّهَا، كَانَتْ تُشْبِهُ مُنَاكِحَهُ أَوْ لَا تُشْبِهُ. وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ عَلَى قِيَاسِ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ.
(وَبِضَمَانِ الْوَجْهِ فِي لَا أَتَكَفَّلُ إنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَدَمَ الْغُرْمِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ بِمَالٍ أَبَدًا فَتَكَفَّلَ بِنَفْسِ رَجُلٍ حَنِثَ، لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالنَّفْسِ كَالْكَفَالَةِ بِالْمَالِ إلَّا أَنْ يُشْتَرَطَ وَجْهُهُ بِلَا مَالٍ فَلَا يَحْنَثُ.
(وَبِهِ لِوَكِيلٍ فِي لَا أَضْمَنُ لَهُ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَهَلْ إنْ عَلِمَ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَفَّلَ لِفُلَانٍ بِكَفَالَةٍ فَتَكَفَّلَ لِوَكِيلٍ لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْوَكِيلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ. ابْنُ الْمَوَّازِ: إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ وُكَلَائِهِ أَوْ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ عَلِمَ بِذَلِكَ حَنِثَ. عِيَاضٌ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مَتَى كَانَ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يُرَاعَ عَلِمَ الْحَالِفُ بِهِ.
وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ خِلَافُهُ. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وِفَاقٌ لِمَا فِي الْمُدَوَّنَةِ. اُنْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ " فَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ وِفَاقٌ فَانْظُرْهُ.
(وَبِقَوْلِهِ مَا ظَنَنْته قَالَهُ لِغَيْرِي لِمُخْبِرٍ فِي لَيُسِرَّنَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ أَسَرَّ إلَيْهِ رَجُلٌ سِرًّا فَأَحْلَفَهُ لَيَكْتُمَنَّهُ ثُمَّ أَسَرَّهُ الْمُسِرُّ لِآخَرَ فَذَكَرَهُ الْآخَرُ لِلْحَالِفِ فَقَالَ لَهُ الْحَالِفُ مَا ظَنَنْتُ أَنَّهُ أَسَرَّهُ لِغَيْرِي
стр. 1479
حَنِثَ.
(وَبِاذْهَبِي الْآنَ إثْرَ لَا كَلَّمْتُكِ حَتَّى تَفْعَلِي وَلَيْسَ قَوْلُهُ لَا أُبَالِي بَدْءًا لِقَوْلٍ آخَرَ فِي لَا أُكَلِّمُك حَتَّى تَبْدَأَنِي) سُئِلَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتنِي حَتَّى تَقُولِي إنِّي أُحِبُّك فَأَنْتِ طَالِقٌ فَقَالَتْ لَهُ: غَفَرَ اللَّهُ لَكَ نَعَمْ أَنَا أُحِبُّك فَقَالَ: هُوَ حَانِثٌ حِينَ قَالَتْ: غَفَرَ اللَّهُ لَك قَبْلَ أَنْ تَقُولَ أَنَا أُحِبُّك.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَقَدْ اخْتَصَمْت أَنَا وَابْنُ كِنَانَةَ إلَى مَالِكٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: إنْ كَلَّمْتُك حَتَّى تَفْعَلِي كَذَا وَكَذَا ثُمَّ قَالَ لَهَا فِي ذَلِكَ النَّسَقِ بَعْدَ الطَّلَاقِ فَاذْهَبِي الْآنَ كَالْقَائِلِ إنْ شِئْت فَافْعَلِي وَإِنْ شِئْت فَدَعِي. فَقُلْت أَنَا: قَدْ حَنِثَ حِينَ قَالَ لَهَا: اذْهَبِي. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: لَمْ يَحْنَثْ. فَدَخَلْنَا عَلَى مَالِكٍ فَقَضَى لِي عَلَيْهِ وَرَآهُ حَانِثًا، فَمَسْأَلَتُك أَبْيَنُ مِنْ هَذَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَقَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ أَصْوَبُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي أَخَوَيْنِ حَلَفَ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ إنْ كَلَّمْتُك أَبَدًا حَتَّى تَبْدَأَنِي ثُمَّ حَلَفَ الْآخَرُ إنْ كَلَّمْتُك أَبَدًا حَتَّى تَبْدَأَنِي: إنَّ الْأَيْمَانَ عَلَيْهِمَا عَلَى مَا حَلَفَا عَلَيْهِ مَنْ بَدَأَ مِنْهُمَا صَاحِبُهُ فَهُوَ حَانِثٌ، وَحَلْفَةُ الثَّانِي حِينَ حَلَفَ لَيْسَتْ بِتَبْدِئَةٍ تَسْقُطُ بِهَا الْأَيْمَانُ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ فِي رَجُلٍ قَالَ لِصَاحِبِهِ: امْرَأَتُهُ طَالِقٌ إنْ كَلَّمْتُك حَتَّى تَبْدَأنِي بِالْكَلَامِ فَقَالَ صَاحِبُهُ إذَنْ وَاَللَّهِ لَا أُبَالِي: لَيْسَتْ هَذِهِ تَبْدِئَةٌ. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ ابْنِ كِنَانَةَ الَّذِي صَوَّبَهُ أَصْبَغُ أَخَذَ بِهِ، وَمَا أَلْزَمَ أَصْبَغُ ابْنَ الْقَاسِمِ مِنْ الِاضْطِرَابِ لَازِمٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَهُوَ اخْتِلَافٌ مِنْ قَوْلِهِ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْحِنْثَ لَا يَقَعُ بِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ مَا كَانَا فِيهِ فَلَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ وَإِنَّمَا وَقَّعْت عَلَى اسْتِئْنَافِ كَلَامٍ بَعْدَهُ. وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْحِنْثَ بِهَذَا مَنْ اعْتَبَرَ مُجَرَّدَ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى مَعَانِيهَا، وَتُوجَدُ فِي الْمَذْهَبِ مَسَائِلُ لَيْسَتْ عَلَى أُصُولِهِ تَنْحُو إلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْعِرَاقِ.
(وَبِالْإِقَالَةِ فِي لَا تَرَكَ مِنْ حَقِّهِ شَيْئًا إنْ لَمْ يَفِ) رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ لَا وَضَعَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا لَا يَقْبَلُ مِنْهُ رَبُّ إقَالَةٍ أَحْسَنَ مِنْ وَضَيْعَةٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ: يُرِيدُ إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمَبِيعِ يَوْمَئِذٍ أَقَلُّ مِنْ ثَمَنِهِ. وَسَمِعَهُ مِنْهُ عِيسَى وَأَصْبَغُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا صَحِيحٌ بَيِّنٌ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يَحْلِفُ لَيَقْضِيَنَّ رَجُلًا دَنَانِيرَ. أَوْ حَقَّهُ فَقَضَاهُ عَرْضًا أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ فِيهِ وَفَاءٌ لِحَقِّهِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا اسْتَثْقَلَهُ. وَكَذَلِكَ مَسْأَلَةُ الْإِقَالَةِ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ الْمَالُ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ فِي الْإِقَالَةِ فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْقَمْحِ أَوْ السِّلْعَةِ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ (لَا إنْ أَخَّرَ الثَّمَنَ عَلَى الْمُخْتَارِ) لِمَا ذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ مَسْأَلَةَ مَنْ حَلَفَ لَا وَضَعَ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ شَيْئًا فَأَقَالَ مِنْهُ قَالَ مَا نَصُّهُ: وَفِي الْمَجْمُوعَةِ قِيلَ: فَإِنْ أَخَّرَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رُبَّ نَظْرَةٍ خَيْرٌ مِنْ وَضَيْعَةٍ، يَكُونُ لِلْعَشْرَةِ أَحَدَ عَشَرَ. قِيلَ: فَمَا حَدُّهُ؟ قَالَ: قَدْرُ تَقَاضِيهِ الْيَوْمُ وَالْيَوْمَانِ. وَالتُّونِسِيُّ قَالَ مَالِكٌ: يَحْنَثُ بِتَأْخِيرِهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَحْنَثُ. اللَّخْمِيِّ: عَدَمُ
стр. 1480
الْحِنْثِ أَبْيَنُ. التُّونِسِيُّ: الْحِنْثُ أَصْوَبُ.
(وَلَا إنْ دَفَنَ مَالًا فَلَمْ يَجِدْهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَكَانَهُ فِي أَخَذْتِيهِ) سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ دَفَنَ دَرَاهِمَ لَهُ فِي بَيْتِهِ فَالْتَمَسَهَا بَيْنَ فُرُشِهِ فِي بَيْتِهِ فَلَمْ يَجِدْهَا فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَيْنَ الدَّرَاهِمُ فَقَالَتْ: مَا رَأَيْتهَا فَقَالَ لَهَا: هِيَ طَالِقٌ إنْ أَخَذَهَا أَحَدٌ غَيْرَهَا ثُمَّ وَجَدَ تَحْتَ مُصَلًّى كَانَ لَهُ وَذَكَرَ أَنَّهُ جَعَلَهَا ثُمَّ وَنَسِيَهَا قَالَ: أَرَى أَنَّهَا طَلُقَتْ عَلَيْهِ أَلْبَتَّةَ. ابْنُ بَشِيرٍ: يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَنَّهُ أَرَادَ إنْ كَانَتْ أَخَذَتْ. وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا حِنْثَ عَلَيْهِ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فَسُئِلَ عَنْهَا عَامَّةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي مَسْأَلَةِ السَّوْطِ خِلَافُ قَوْلِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْبِضَاعَةِ. اُنْظُرْ رَسْمَ طَلَّقَ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
(وَبِتَرْكِهَا عَالِمًا فِي لَا خَرَجْتِ إلَّا بِإِذْنِي
стр. 1481
لَا إنْ أَذِنَ لِأَمْرٍ فَزَادَتْ بِلَا عِلْمٍ)
اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: وَدَارُ جَارِهِ فِي الْحَالِفِ أَنْ لَا يَأْذَنَ لِامْرَأَتِهِ فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجْت بِغَيْرِ إذْنِهِ فَعَلِمَ. جَعَلَ تَرْكَهُ لَهَا بَعْدَ عِلْمِهِ بِخُرُوجِهَا كَابْتِدَاءِ إذْنٍ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ لَا خَرَجَتْ امْرَأَتُهُ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا حِينَ لَا تَسْمَع وَأَشْهَد بِذَلِكَ فَخَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنه قَبْل عِلْمهَا بِهِ حَنِثَ. عِبَارَة اللَّخْمِيِّ: وَلَوْ حَلَفَ لَا خَرَجَتْ إلَّا بِإِذْنِهِ فَأَذِنَ لَهَا وَلَمْ تَسْمَعْ ثُمَّ خَرَجَتْ حَنِثَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَة أَيْضًا يَحْنَث مِنْ حَلَفَ لَا أَذِنَ لِزَوْجَتِهِ فِي خُرُوج بِسُكُوتِهِ عَنْهَا بَعْد عِلْمه بِخُرُوجِهَا. زَادَ ابْن حَبِيب عَنْ ابْن الْقَاسِم وَغَيْره: إلَّا أَنْ يَحْلِف عَلَى التَّأَثُّم وَالتَّحَرُّج عَنْ الْإِذْن لَهَا وَيَتْرُكهَا عَلَى السَّخْطَة وَغَيْر رِضَا فَلَا يَحْنَث. وَمِنْ الْمُدَوَّنَة قَالَ ابْن الْقَاسِم: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْذَن لِزَوْجَتِهِ إلَّا فِي عِيَادَة مَرِيض فَخَرَجَتْ فِي الْعِيَادَة بِإِذْنِهِ ثُمَّ مَضَتْ بَعْد ذَلِكَ إلَى حَاجَة أُخْرَى لَمْ يَحْنَث، لِأَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنه وَهِيَ كُلَّمَا خَرَجَتْ بِغَيْرِ إذْنه مِنْ حَمَّام أَوْ غَيْره لَا يَحْنَث إلَّا أَنْ يَتْرُكهَا بَعْد عِلْمه فَيَصِير ذَلِكَ كَابْتِدَاءِ إذْن، وَإِنْ هُوَ حِين عِلْم بِذَلِكَ لَمْ يَتْرُكهَا فَلَا يَحْنَث، وَإِنْ لَمْ يَعْلَم بِذَلِكَ حَتَّى رَجَعَتْ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، فَانْظُرْ هَذِهِ الْفُرُوع مَعَ عِبَارَة خَلِيل.
(وَبِعَوْدِهِ لَهَا بَعْدُ بِمِلْكٍ آخَرَ فِي لَا أَسْكُنُ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ دَارَ فُلَانٍ هَذِهِ إنْ لَمْ يَنْوِ مَا دَامَتْ لَهُ لَا دَارَ فُلَانٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَسْكُنَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ قَالَ دَارُ فُلَانٍ هَذِهِ فَبَاعَهَا فُلَانٌ فَسَكَنَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ حَنِثَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَلَوْ قَالَ: دَارُ فُلَانٍ وَلَمْ يَقُلْ هَذِهِ فَبَاعَهَا فُلَانٌ فَسَكَنَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ لَمْ يَحْنَثْ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى أَنْ لَا يَسْكُنَهَا أَبَدًا. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ إذَا قَالَ: هَذِهِ الدَّارُ فَكَأَنَّهُ إنَّمَا كَرِهَ سُكْنَى تِلْكَ الدَّارِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْيَمِينُ انْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَا دَامَتْ فِي مِلْكِ فُلَانٍ، وَإِذَا قَالَ: دَارُ فُلَانٍ فَبِالْبَيْعِ قَدْ صَارَتْ
стр. 1482
غَيْرَ دَارِ فُلَانٍ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَحْنَثَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ عَيْنَ الدَّارِ.
(وَلَا إنْ خَرِبَتْ وَصَارَتْ طَرِيقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ هَذِهِ الدَّارَ فَهُدِمَتْ أَوْ خَرَجَتْ حَتَّى صَارَتْ طَرِيقًا فَدَخَلَهَا لَمْ يَحْنَثْ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ مِنْ أَجْلِ صَاحِبِهَا أَوْ كَرَاهِيَةِ فِيهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْمُرُورِ، وَإِنْ كَانَتْ كَرَاهِيَتُهُ فِي الدَّارِ خَاصَّةً فَلَا يَمُرُّ بِهَا. قَالَ فِيهِ: وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ بُنِيَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا يَدْخُلُهَا.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: فَإِنْ دَخَلَهَا حَنِثَ وَإِنْ حُوِّلَتْ مَسْجِدًا لَمْ يَحْنَثْ بِدُخُولِهِ (إنْ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ) لَمْ أَجِدْ هَذَا
стр. 1483
الْفَرْعَ.
(وَفِي لَا بَاعَ مِنْهُ أَوْ لَهُ بِالْوَكِيلِ إنْ كَانَ مِنْ نَاحِيَتِهِ وَإِنْ قَالَ حِينَ الْبَيْعِ أَنَا حَلَفْت فَقَالَ هُوَ لِي ثُمَّ صَحَّ أَنَّهُ ابْتَاعَ لَهُ حَنِثَ وَلَزِمَ الْبَيْعُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ لِفُلَانٍ شَيْئًا فَدَفَعَ فُلَانٌ ثَوْبًا لِرَجُلٍ فَأَعْطَاهُ الرَّجُلُ لِلْحَالِفِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ ثَوْبُ فُلَانٍ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ مِثْلَ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ وَنَحْوِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ. وَكَذَلِكَ إنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَبِيعَ مِنْهُ فَبَاعَهُ مِمَّنْ اشْتَرَى لَهُ وَلَمْ يَعْلَمْ، فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ سَبَبِ فُلَانٍ وَنَاحِيَتِهِ حَنِثَ وَإِلَّا لَمْ يَحْنَثْ. وَلَوْ قَالَ لَهُ عِنْدَ الْبَيْعِ: أَنَا حَلَفْت أَنْ لَا أَبِيعَ فُلَانًا فَقَالَ لَهُ: إنَّمَا ابْتَاعَ لِنَفْسِي ثُمَّ صَحَّ بَعْدَ الْبَيْعِ أَنَّهُ إنَّمَا ابْتَاعَ لِفُلَانٍ، لَزِمَ الْحَالِفُ الْبَيْعَ وَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ وَحَنِثَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي مِنْ نَاحِيَةِ فُلَانٍ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: إذَا كَانَ
стр. 1484
الْمُشْتَرِي مِنْ نَاحِيَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ أَوْ رَسُولُهُ وَقَدْ عَرَفَ ذَلِكَ الْبَائِعُ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِنْ سَبَبِهِ لَمْ يَحْنَثْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
وَقَالَهُ أَشْهَبُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا وِفَاقٌ لِلْمُدَوَّنَةِ.
(وَأَجْزَأَ تَأْخِيرُ الْوَارِثِ فِي إلَّا أَنْ تُؤَخِّرَنِي لَا فِي دُخُولِ دَارٍ وَتَأْخِيرِ وَصِيٍّ بِالنَّظَرِ وَلَا دَيْنَ وَتَأْخِيرُ غَرِيمٍ إنْ أَحَاطَ وَأَبْرَأَ) اُنْظُرْ قَوْلَهُ بِالنَّظَرِ.
стр. 1485
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَأْخِيرُ الْوَصِيِّ عَلَى غَيْرِ النَّظَرِ يُبْرِئُهُ وَالْوَصِيُّ ظَالِمٌ. قَالَهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ لَأَقْضِيَنَّك حَقَّك إلَى أَجَلٍ إلَّا أَنْ تَشَاءَ أَنْ تُؤَخِّرَنِي فَمَاتَ الطَّالِبُ، أَنَّهُ يُجْزِئُهُ تَأْخِيرُ وَرَثَتِهِ إنْ كَانُوا كِبَارًا أَوْ وَصِيِّهِ إنْ كَانَ أَوْلَادُهُ صِغَارًا وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَكُنْ لِوَصِيٍّ وَلَا وَارِثٍ تَأْخِيرٌ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُجْزِئُهُ تَأْخِيرُ الْغُرَمَاءِ إنْ أَحَاطَ دَيْنُهُمْ بِمَالِهِ عَلَى أَنْ يُبْرِئُوا ذِمَّةَ الْمَيِّتِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ حَلَفَ بِطَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارَ زَيْدٍ أَوْ لَا يُعْطِيَ فُلَانًا حَقَّهُ إلَّا بِإِذْنِ فُلَانٍ فَمَاتَ فُلَانٌ لَمْ يُجْزِهِ إذْنُ وَرَثَتِهِ إذْ لَيْسَ بِحَقٍّ يُورَثُ، وَإِنْ دَخَلَ وَقَضَى حَنِثَ.
(وَفِي بِرِّهِ فِي لَأَطَأَنَّهَا فَوَطِئَهَا حَائِضًا فِي لَتَأْكُلَنَّهَا فَخَطَفَتْهَا هِرَّةٌ فَشَقَّ جَوْفَهَا وَأَكَلَتْ أَوْ بَعْدَ فَسَادِهَا قَوْلَانِ إلَّا أَنْ تَتَوَانَى) فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ
стр. 1486
يَطَأَ امْرَأَتَهُ فَوَطِئَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ نَهَارًا فَلَا يَبَرُّ. وَمَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ فَوَطِئَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نَهَارًا فِي رَمَضَانَ فَقَدْ حَنِثَ. ابْنُ رُشْدٍ: تَفْرِقَتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ إنَّمَا يُفَرَّقُ فِي مَعْنَى الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ. وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ تَزُولُ يَمِينُهُ بِذَلِكَ الْوَطْءِ وَيَأْثَمُ وَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ أَنْ يَبَرَّ بِهَذَا الْوَطْءِ كَمَا يَحْنَثُ بِهِ أَوْ أَنْ لَا يَحْنَثَ بِهِ كَمَا لَا يَبَرُّ بِهِ
وَسَمِعَ أَبُو زَيْدٍ ابْنَ الْقَاسِمِ قَالَ فِي رَجُلٍ تَغَذَّى مَعَ أَهْلِهِ فَجَعَلَ بَيْنَ يَدَيْ امْرَأَتِهِ بِضْعَةَ لَحْمٍ فَرَدَّتْهَا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهَا: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تَأْكُلِيهَا فَجَاءَتْ هِرَّةٌ فَذَهَبَتْ بِهَا فَأَكَلَتْهَا فَأَخَذَتْ الْمَرْأَةُ الْهِرَّةَ فَذَبَحَتْهَا فَأَخْرَجَتْ الْبِضْعَةَ فَأَكَلَتْهَا الْمَرْأَةُ: لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ يَمِينِهِ فِي شَيْءٍ يَحْنَثُ فِي مِثْلِهِ، فَإِنْ كَانَ سَاعَةَ حَلَفَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَمِينِهِ وَبَيْنَ أَخْذِ الْهِرَّةِ الْبِضْعَةَ قَدْرُ مَا تَتَنَاوَلُهَا الْمَرْأَةُ وَتَحُوزُهَا دُونَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَوَانَتْ قَدْرَ مَا لَوْ أَرَادَتْ أَنْ تَأْخُذَهَا وَتَحُوزَهَا دُونَهَا فَعَلَتْ فَهُوَ حَانِثٌ. ابْنُ رُشْدٍ: مِثْلُ هَذَا لِمُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَقَاصِدِ الَّتِي تَظْهَرُ مِنْ الْحَالِفِينَ بِهَا وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ مُقْتَضَى أَلْفَاظِهِمْ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ فِي وَقْتِ يَمِينِهِ أَنْ تَأْكُلَهَا إلَّا وَهِيَ عَلَى حَالِهَا مُسْتَسَاغَةً لَا عَلَى أَنَّهَا مَأْكُولَةٌ تُعَافُ وَتُسْتَكْرَهُ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إنْ اسْتَخْرَجَتْهَا مِنْ بَطْنِ الْهِرَّةِ قَبْلَ أَنْ يَنْحَلَّ فِي جَوْفِهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَأَكَلَتْهَا فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ. وَهَذَا يَأْتِي عَلَى مُرَاعَاةِ مَا يَقْتَضِيهِ مُجَرَّدُ الْأَلْفَاظِ فِي الْأَيْمَانِ دُونَ اعْتِبَارِ الْمَقَاصِدِ فِيهَا، وَهُوَ أَصْلٌ اخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْمَعْنَى وَبَيْنَ الَّذِي يَحْلِفُ لَيَأْكُلَنَّ الطَّعَامَ فَلَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَفْسُدَ، وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي ذَلِكَ.
(وَفِيهَا الْحِنْثُ بِأَحَدِهِمَا فِي لَا كِسْوَتُهُمَا وَنِيَّتُهُ الْجَمْعُ وَاسْتَشْكَلَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَأْكُلَ خُبْزًا وَزَيْتًا حَنِثَ بِأَكْلِ أَحَدِهِمَا إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمِيعَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا: مَنْ حَلَفَ لَا كَسَا امْرَأَتَهُ هَذَيْنِ الثَّوْبَيْنِ وَنِيَّتُهُ لَا كَسَاهَا إيَّاهُمَا جَمِيعًا فَكَسَاهَا أَحَدُهُمَا حَنِثَ يَعْنِي إنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَنْ لَا يَكْسُوَهُمَا إيَّاهَا مُجْتَمِعَتَيْنِ وَلَا مُفْتَرِقَيْنِ. انْتَهَى نَصُّ ابْنِ يُونُسَ وَنَحْوُهُ لِلَّخْمِيِّ وَزَادَ مَا نَصُّهُ: وَإِنْ نَوَى أَنْ لَا يَجْمَعَهُمَا لَهَا لَمْ يَحْنَثْ إنْ كَسَاهَا وَاحِدًا. ابْنُ عَرَفَةَ قَالَ الشَّيْخُ: فَارَقَ جَوَابَهُ فِي تَنْوِيَتِهِ فِي لَا آكُلُ خُبْزًا وَزَيْتًا لِأَنَّ الْعُرْفَ جَمَعَهُمَا بِخِلَافِ الثَّوْبَيْنِ لَيْسَ الْعُرْفُ جَمَعَهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ: اتَّفَقَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى حِنْثِ مَنْ حَلَفَ لَأَفْعَلُ فِعْلَيْنِ بِأَحَدِهِمَا وَلَا فَعَلَ فِعْلًا بِبَعْضِهِ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ جَمَعَهُمَا فَلَا يَحْنَثُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إذَا قَالَ لِامْرَأَتَيْهِ: إنْ
стр. 1487
دَخَلْتُمَا الدَّارَ فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ أَوْ يَقُولَ لَهُمَا: إنْ مَسَسْتُكُمَا فَأَنْتُمَا طَالِقَتَانِ. اُنْظُرْ رَسْمَ إنْ أَمْكَنْتنِي وَذَكَرَ فِيهِ كَاَلَّذِي يَقُولُ لِعَبْدَيْهِ: إنْ شِئْتُمَا الْحُرِّيَّةَ فَأَنْتُمَا حُرَّانِ، فَشَاءَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَشَأْ الْآخَرُ كَاَلَّذِي يَتَصَدَّقُ عَلَى الرَّجُلَيْنِ بِعَبْدٍ وَيَقُولُ: إنْ قَبِلْتُمَاهُ فَقَبِلَهُ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبَلْ الْآخَرُ. وَانْظُرْ فِي ثَالِثِ تَرْجَمَةٍ مِنْ الْأَيْمَانِ بِالطَّلَاقِ فِي الْقَائِلِ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ وَدَارَ فُلَانٍ فَدَخَلْت إحْدَاهُمَا أَنَّهُ حَانِثٌ، ثُمَّ إنْ دَخَلْت الثَّانِيَةَ لَمْ تَطْلُقْ ثَانِيَةً. وَانْظُرْ فِي التَّرْجَمَةِ نَفْسَهَا إنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَخَالَعَهَا فَدَخَلَتْهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ ثُمَّ رَدَّهَا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ. ابْنُ شَاسٍ.
стр. 1488
[فَصْلٌ النَّذْرُ] [ أَرْكَانُ النَّذْرِ وَأَحْكَامُهُ]
ُ وَالنَّظَرُ فِي أَرْكَانِ النُّذُورِ وَأَحْكَامِهِ أَمَّا أَرْكَانُهُ فَهِيَ: الْمُلْتَزِمُ وَالْمُلْتَزَمُ وَصِيغَةُ الِالْتِزَامِ. وَأَمَّا أَحْكَامُهُ فَالْمُلْتَزَمَاتُ أَنْوَاعٌ الصَّوْمُ وَالْحَجُّ وَإِتْيَانُ الْمَسَاجِدِ وَالضَّحَايَا وَالْهَدَايَا (النَّذْرُ الْتِزَامُ) . ابْنُ شَاسٍ: النَّذْرُ عِبَارَةٌ عَنْ الِالْتِزَامِ وَالْإِيجَابِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ اللَّازِمُ هُوَ أَنْ يُوجِبَ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ فِعْلَ مَا فَعَلَهُ قُرْبَةً لِلَّهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّ الطَّاعَةَ الْوَاجِبَةَ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْمَعْصِيَةِ الْمُحَرَّمَةِ لَا تَأْثِيرَ لِلنَّذْرِ فِيهِ لِوُجُوبِ تَرْكِ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِالشَّرْعِ دُونَ النَّظَرِ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُ مِنْ التَّرْكِ بِالنَّذْرِ التَّرْكُ الْمُسْتَحَبُّ، مِثْلُ أَنْ يَنْذِرَ الرَّجُلُ أَنْ لَا يُكَلِّمَ أَحَدًا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ.
[شُرُوطُ النَّذْرِ]
(مُسْلِمٍ كُلِّفَ) ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ النَّذْرِ التَّكْلِيفُ وَالْإِسْلَامُ. ابْنُ رُشْدٍ: أَدَاءُ مُلْتَزِمِهِ كَافِرًا بَعْدَ إسْلَامِهِ عِنْدَنَا نَدْبٌ.
(وَلَوْ غَضْبَانَ) ابْنُ رُشْدٍ: نَذْرُ الْغَضَبِ لَازِمٌ اتِّفَاقًا كَيَمِينِهِ. وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْتِزَامَ كُلِّ الطَّاعَاتِ يَلْزَمُ عِنْدَنَا، كَانَ عَلَى وَجْهِ الرِّضَا أَوْ عَلَى سَبِيلِ اللَّجَاجِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَقَدْ حَكَى الْأَشْيَاخُ أَنَّهُمْ وَقَفُوا عَلَى قَوْلَةٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَّقْت أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ هَذَا الْقَبِيل عَلَى سَبِيلِ اللَّجَاجِ وَالْحَرَجِ يَكْفِي فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَهَذَا هُوَ أَحَدُ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ. وَكَانَ مَنْ لَقِينَاهُ مِنْ الشُّيُوخِ يَمِيلُ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ وَيَعُدُّونَهُ نَذْرًا فِي مَعْصِيَةٍ فَلَا
стр. 1489
يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ انْتَهَى.
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الصِّيَامِ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ شَيْخِ الشُّيُوخِ ابْنِ لُبٍّ وَأَنَّ كَفَّارَةَ ذَلِكَ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَرَشَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَائِلًا: الْحَالِفُ بِالطَّاعَةِ عِنْدَ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ عَنْ قَصْدِ الْعِبَادَةِ بِمَعْزِلٍ.
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لِلْقَائِلِ لِنَاقَتِهِ أَنْتِ بَدَنَةٌ أَزَجْرَهَا قَصَدْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْك.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْقُرْبَةَ. وَكَمَا قَالُوا فِيمَنْ بَنَى مَسْجِدًا ضِرَارًا إنَّ نَفَقَتَهُ تَرْجِعُ إلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ قُرْبَةً.
قَالَ ابْنُ الْحَاجِّ: وَمِنْ هَذَا الصَّدَقَةُ عَلَى اللَّجَاجَةِ الَّتِي فِي سَمَاعِ يَحْيَى فِي رَسْمِ الْأَقْضِيَةِ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا فِي أَوَّلِ كِتَابِ الْعِتْقِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ إنْ قُمْتُ بِجَائِحَةٍ فَعَلَيَّ لِلْمَرْضَى كَذَا، إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ وَلَا يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلِلْمَازِرِيِّ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّ الْحَالِفَ بِالْمَشْيِ يُكَفِّرُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ لَا يُنَاقِضُ الْمَشْهُورَ بَلْ يَبْقَى مَطْلُوبًا بِالْمَشْيِ إذَا وَجَدَ سَبِيلًا.
وَعِبَارَةُ اللَّخْمِيِّ إنْ أَحَبَّ أَنْ يُكَفِّرَ حَتَّى يَجِدَ لِلْمَشْيِ سَبِيلًا كَانَ حَسَنًا. وَنَحْوُهُ لِلسُّيُورِيِّ وَلِلْمَازِرِيِّ أَيْضًا الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ كِلَاهُمَا إذَا حَنِثَ بِصَوْمِ الْعَامِ يُؤْمَرُ بِذَلِكَ وَلَا يُجْبَرُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ لَمْ تَخْرُجْ بِقَصْدِ النَّذْرِ فَتَمْضِي بِحُكْمِ الْأَوَامِرِ الْوَارِدَةِ.
انْتَهَى مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ. حَمَلَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا قَوْلَهُ ﷺ : «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» عَلَى نَذْرِ اللَّجَاجِ كَمَا يَقُولُ: إنْ كَلَّمْتُ زَيْدًا فَعَلَيَّ حَجَّةٌ فَيُكَلِّمُهُ، فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَيْنَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ وَبَيْنَ مَا الْتَزَمَهُ.
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِنَا. وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: خَافَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ كَلَّفَ ابْنَهُ الْمَشْيَ إلَى مَكَّةَ فَلَا يَفْعَلُ فَيَسْتَهِينُ بِمَسْأَلَةٍ مِنْ الدِّينِ فَيَكُونُ ذَلِكَ طَرِيقًا إلَى غَيْرِهَا فَيَسْتَهِينُ أَيْضًا بِهَا. ثُمَّ قَالَ: وَجُزْءٌ مِنْ
стр. 1490
الْفَتْوَى عَظِيمٌ أَنْ يَرْكَبَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْمُخْتَلَفِ فِيهِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: عَلَى قُوَّةِ الْخِلَافِ تَقْوَى مُرَاعَاتُهُ.
(وَإِنْ قَالَ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ أَرَى خَيْرًا مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ
стр. 1491
إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي أَوْ إلَّا أَنْ أَرَى خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ وَلَا يَنْفَعُهُ اسْتِثْنَاؤُهُ، يُرِيدُ إلَّا أَنْ يُضَمِّنَ يَمِينَهُ بِفِعْلٍ فَيَنْفَعَهُ قَوْلُهُ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي فِي الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْيَمِينِ بِالْعَتَاقِ وَالطَّلَاقِ. اُنْظُرْ ابْنَ يُونُسَ فَإِنَّهُ رَشَّحَ أَنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنْ يَبْدُوَ لِي كَقَوْلِهِ: إلَّا أَنْ يَشَاءَ فُلَانٌ، وَهَذَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ فَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَشَأْ هُوَ (بِخِلَافِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَبِمَشِيئَتِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا ثُنْيَا فِي طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ وَلَا صَدَقَةٍ وَلَا مَشْيٍ، وَلَوْ قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ شَاءَ فُلَانٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَشَاءَ فُلَانٌ، وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ (وَإِنَّمَا يَلْزَمُ بِهِ مَا نُدِبَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ شَاسٍ بِهَذَا أَوَّلَ
стр. 1492
الْبَابِ (كَلِلَّهِ عَلَيَّ) إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ طَلَاقُ زَوْجَتِي وَعِتْقُ أَمَتِي فَفَعَلَ بَيْنَ الْأَمَةِ وَالزَّوْجَةِ فَرْقٌ. نَقَلَ هَذَا عَنْ الْبُرْزُلِيُّ أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ وَيُؤْمَرُ بِعِتْقِ الْأَمَةِ وَلَا يُجْبَرُ. نَقَلَ ذَلِكَ مِنْ النَّوَادِرِ وَسَمَاعِ عِيسَى وَقَدْ تَقَدَّمَ لِي نَحْوُ هَذَا. وَمِمَّا جَمَعْته أَيْضًا مِمَّا تَقَدَّمَ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَوْ فَعَلَيَّ فَرْقٌ، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَعَلَيَّ عِتْقُ أَمَتِي أَوْ عِتْقُ أَمَةٍ فَرْقٌ نَظِيرُ أَمَةِ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ انْتَهَى.
[النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ]
ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ الَّذِي يُوجِبُهُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى مَا أَنْعَمَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، وَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ كَذَا وَكَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ أَفْعَلَ كَذَا أَوْ نَذْرٌ أَنْ لَا أَفْعَلَ أَوْ لَا يَلْفِظُ بِذِكْرِ النَّذْرِ فَيَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا أَوْ أَفْعَلُ كَذَا شُكْرًا لِلَّهِ، الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ.
وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا وَلَمْ يَقُلْ نَذْرٌ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ بِكَذِبٍ، وَقَوْلُ مَالِكٍ أَصَحُّ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا إنْ أَرَادَ بِهِ الْإِخْبَارَ فَلَا خِلَافَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ، وَإِنْ أَرَادَ بِذَلِكَ النَّذْرَ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْإِخْبَارِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ كَانَ حَمْلُهُ عَلَى النَّذْرِ الَّذِي لَهُ فَائِدَةٌ وَفِيهِ طَاعَةٌ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْكَذِبِ الَّذِي لَا فَائِدَةَ فِيهِ بَلْ هُوَ مَعْصِيَةٌ (أَوْ عَلَيَّ ضَحِيَّةٌ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ شَاسٍ مِنْ الْمُلْتَزَمَاتِ أَنْوَاعٌ مِنْهَا الضَّحَايَا، فَإِذَا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُضَحِّيَ بِبَدَنَةٍ لَمْ تَقُمْ مَقَامَهَا بَقَرَةٌ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا، وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ فَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
وَكَذَلِكَ فِي إجْزَاءِ سَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ عِنْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْبَقَرَةِ وَمَذْهَبُ الْكِتَابِ الْإِجْزَاءُ فِيهِمَا (وَنُدِبَ الْمُطْلَقُ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُسْتَحَبُّ هُوَ الْمُطْلَقُ (وَكُرِهَ الْمُكَرَّرُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ نَذَرَ صَوْمَ كُلِّ خَمِيسٍ يَأْتِي لَزِمَهُ، فَإِنْ أَفْطَرَ مِنْهُ خَمِيسًا مُتَعَمِّدًا قَضَاهُ، وَكَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَنْذِرَ صَوْمَ يَوْمٍ بِوَقْتِهِ (وَفِي كُرْهِ الْمُعَلَّقِ تَرَدُّدٌ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ النَّذْرِ، وَأَمَّا حَدِيثُ النَّهْيِ عَنْهُ وَأَنَّهُ يَسْتَخْرِجُ بِهِ مِنْ الْبَخِيلِ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنْ يَنْذِرَ لِمَعْنًى مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، مِثْلُ
стр. 1493
أَنْ يَقُولَ: إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي أَوْ نَجَّانِي اللَّهُ مِنْ أَمْرِ كَذَا فَإِنِّي أَصُومُ يَوْمَيْنِ أَوْ أُصَلِّي صَلَاةً أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهَذَا الْمَكْرُوهُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ، وَإِنَّمَا كَانَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِعْلُهُ ذَلِكَ لِلَّهِ رَجَاءَ ثَوَابِهِ وَأَنْ يَكُونَ نَذْرُهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ دُونَ تَعَلُّقِ نَذْرِهِ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَعَرَضِهَا.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: النَّذْرُ الْمُبَاحُ هُوَ الْمُقَيَّدُ بِشَرْطٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: عَلَيَّ كَذَا إنْ شَفَانِي اللَّهُ مِنْ مَرَضِي أَوْ قَدِمَ غَائِبِي وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَكُونُ الشَّرْطُ مِنْ فِعْلِهِ، فَإِنْ قَيَّدَ مَا أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطٍ مِنْ فِعْلِهِ وَيَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَذَا فَعَلَيَّ كَذَا وَكَذَا فَلَيْسَ بِنَذْرٍ وَإِنَّمَا هِيَ يَمِينٌ مَكْرُوهَةٌ لِحَدِيثِ: «مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ» إلَّا أَنَّهَا لَازِمَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ فِيمَا يَلْزَمُ فِيهِ النَّذْرُ مِنْ الطَّاعَاتِ وَفِي الطَّلَاقِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ بِالطَّلَاقِ مُطَلِّقٌ عَلَى صِفَةٍ وَيُقْضَى بِهِ عَلَيْهِ وَبِالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ بِخِلَافِ مَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ الْمَشْيِ وَالصَّدَقَةِ لِمُعَيَّنٍ أَوْ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ وَالْعِتْقِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعَيَّنٍ إلَّا أَنْ يَخْرُجَ ذَلِكَ مِنْ تَقْيِيدِهِ مَخْرَجَ النَّذْرِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: إنْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْهُ
стр. 1494
فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا وَكَذَا، فَلَا يَلْزَمُهُ فِي الطَّلَاقِ إذْ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ طَاعَةٌ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ دُونَ أَنْ يُقْضَى عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عِتْقًا بِعَيْنِهِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَقْضِ عَلَيْهِ بِالنَّذْرِ وَإِنْ كَانَ لِمُعَيَّنٍ لِأَنَّهُ لَا وَفَاءَ فِيهِ إلَّا مَعَ النِّيَّةِ، وَمَتَى قَضَى عَلَيْهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لَمْ تَصِحَّ لَهُ نِيَّةٌ فَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَفَاءٌ. وَهَذَا إذَا سَمَّى النَّذْرَ، وَأَمَّا إنْ لَمْ يُسَمِّهِ وَإِنَّمَا قَالَ: عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا فَهُوَ كَالْحَالِفِ بِاَللَّهِ، سَوَاءٌ فِي اللَّغْوِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَفِي جَمِيعِ وُجُوهِهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ إنْ فَعَلَ اللَّهُ فِي كَذَا وَكَذَا فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. ابْنُ يُونُسَ: مَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ عِتْقُ عَبِيدِي هَؤُلَاءِ يَأْمُرُ بِعِتْقِهِمْ وَلَمْ يُجْبَرْ وَلَمْ يُعْتَقُوا فِي ثُلُثٍ وَلَا غَيْرِهِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ غَدًا فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِهِ. وَمُقْتَضَى نَقْلِ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَصْبَغَ: أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِمَشْيٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى فِعْلِهِمَا.
قَالَ اللَّخْمِيِّ: وَهَذَا خِلَافُ مَعْرُوفِ الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ وَهُوَ فِي الْمَشْيِ أَبْيَنُ أَنْ لَا يُجْبَرَ لِأَنَّهُ حَقٌّ لِلَّهِ لَا لِآدَمِيٍّ كَقَوْلِهِ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَعَلَيَّ صَلَاةٌ أَوْ صَوْمٌ فَإِنَّهُ لَا يُجْبَرُ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَيْسَ فِي قَوْلِ أَصْبَغَ فِي النَّوَادِرِ لَفْظُ الْجَبْرِ إنَّمَا فِيهِ لَفْظُ اللُّزُومِ وَاللُّزُومُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْجَبْرَ.
(وَلَزِمَ الْبَدَنَةُ بِنَذْرِهَا فَإِنْ عَجَزَ فَبَقَرَةٌ ثُمَّ سَبْعُ شِيَاهٍ لَا غَيْرُ وَصَامَ) لَوْ قَالَ: " وَصَامَ إنْ أَحَبَّ " لِتَنْزِلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً فَلْيَنْحَرْ بَعِيرًا لِأَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَعِيرًا فَبَقَرَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَقَرَةً فَسَبْعٌ مِنْ الْغَنَمِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَجِدْ الْغَنَمَ لِضِيقٍ وَجَدَهُ فَلَا أَعْرِفُ فِي هَذَا صَوْمًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ الصَّوْمَ فَلْيَصُمْ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ أَيْسَرَ يَوْمًا كَانَ عَلَيْهِ مَا نَذَرَ.
(وَصِيَامٌ بِثَغْرٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ بِمَوْضِعٍ يَتَقَرَّبُ بِإِتْيَانِهِ إلَى اللَّهِ كَعَسْقَلَانَ وَإِسْكَنْدَرِيَّةَ لَزِمَهُ ذَلِكَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ
стр. 1495
مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ.
(وَثُلُثُهُ حِينَ يَمِينِهِ إلَّا أَنْ يَنْقُصَ فَمَا بَقِيَ بِمَالِي فِي كَسَبِيلِ اللَّهِ) الرِّسَالَةُ: مَنْ جَعَلَ مَالَهُ
стр. 1496
صَدَقَةً أَوْ هَدْيًا أَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ.
قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: لَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِجَمِيعِ مَالِهِ فَلَا يَلْزَمُهُ جَمِيعُهُ، وَاخْتُلِفَ مَا الْقَدْرُ اللَّازِمُ لَهُ مِنْهُ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ الثُّلُثُ. وَإِذَا حَلَفَ وَمَالُهُ لَهُ مِقْدَارٌ فَزَادَ بَيْنَ الْحِنْثِ وَالْيَمِينِ أَخْرَجَ ثُلُثَ الْمِقْدَارِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ نَقَصَ فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ تَكُونَ يَمِينُهُ عَلَى بِرٍّ أَوْ حِنْثٍ، فَإِنْ كَانَ عَلَى بِرٍّ كَقَوْلِهِ: لَا فَعَلْت أَخْرَجَ ثُلُثَ مَا عِنْدَهُ يَوْمَ الْحِنْثِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حِنْثٍ كَقَوْلِهِ: لَأَفْعَلَنَّ أَوْ إنْ لَمْ أَفْعَلْ فَقَوْلَانِ (وَهُوَ الْجِهَادُ وَالرِّبَاطُ بِمَحَلٍّ خَفِيفٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ مَالًا أَوْ غَيْرَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَسُبُلُ اللَّهِ كَثِيرَةٌ وَلَكِنْ إنَّمَا يُعْطَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِ الْجِهَادِ وَالرِّبَاطِ مِنْ السَّوَاحِلِ وَالثُّغُورِ، وَلَيْسَ جُدَّةُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ فِيهَا الْخَوْفُ وَنُزُولُ الْعَدُوِّ بِهَا مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمْ يَرَهَا مِثْلَ السَّوَاحِلِ (وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ
стр. 1497
مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ قَالَ: مَالِي هَدْيٌ قَالَ: يُهْدِي ثُلُثَهُ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ حَتَّى يُبَلِّغَهُ مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ صَدَقَةُ ثُلُثِ مَالِهِ وَهُوَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ مَسَاكِينُ فَلْيُكْرِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ. وَقِيلَ: إنَّ النَّفَقَةَ مِنْ الثُّلُثِ. ابْنُ يُونُسَ: وَجْهُ هَذَا الْقِيَاسُ عَلَى الزَّكَاةِ إذَا نُقِلَتْ النَّفَقَةُ عَلَيْهَا مِنْهَا. (إلَّا لِمُتَصَدِّقٍ بِهِ عَلَى مُعَيَّنٍ فَالْجَمِيعُ) لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا الْفَرْعَ هُنَا هُوَ مَوْضِعُهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ النَّذْرِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ
стр. 1498
هُنَا ابْنُ الْحَاجِبِ: وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ. وَاَلَّذِي لِابْنِ عَرَفَةَ الْهِبَةُ لِمُعَيَّنٍ دُونَ يَمِينٍ وَلَا تَعْلِيقٍ يَقْضِي بِهَا. ابْنُ رُشْدٍ: اتِّفَاقًا وَعَلَى مُعَيَّنٍ فِي يَمِينٍ أَوْ تَعْلِيقٍ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا يَقْضِي بِهَا. اُنْظُرْ آخِرَ الْهِبَاتِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ وَانْظُرْهُ فِي الْهِبَاتِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَإِنْ قَالَ دَارِي صَدَقَةٌ ".
(وَكَرَّرَ إنْ أَخْرَجَ وَإِلَّا فَقَوْلَانِ) ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ بِصَدَقَةِ الْمَالِ فَإِنْ أَخْرَجَ مَا يَلْزَمُهُ إخْرَاجُهُ عَنْ الْيَمِينِ الْأُولَى ثُمَّ حَلَفَ أَخْرَجَ عَنْ الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ.
وَهَكَذَا كُلَّمَا تَكَرَّرَتْ الْيَمِينُ فَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ حَتَّى وَقَعَ يَمِينٌ ثَانٍ وَثَالِثٌ أَوْ أَكْثَرُ فَهَلْ يُجْزِئُهُ ثُلُثٌ وَاحِدٌ أَوْ يُخْرِجُ ثُلُثَ مَا بَقِيَ بَعْدَ أَنْ يُخْرِجَ ثُلُثَ الْيَمِينِ الْأُولَى؟ وَهَكَذَا عَلَى هَذَا الْحِسَابِ فِيهِ قَوْلَانِ (وَمَا سَمَّى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ قَالَ: نِصْفُ مَالِي أَوْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ صَدَقَةٌ أَوْ أَكْثَرُ فَلْيُخْرِجْ جَمِيعَ مَا سَمَّى مَا لَمْ يَقُلْ مَالِي كُلُّهُ.
وَفِي الْوَاضِحَةِ: وَلَوْ قَالَ مَالِي كُلُّهُ صَدَقَةٌ إلَّا دِرْهَمًا فَإِنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَكَذَلِكَ فِي جُزْءٍ مِنْهُ (وَإِنْ مُعَيَّنًا أَتَى عَلَى الْجَمِيعِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ سَمَّى شَيْئًا مِنْ مَالِهِ
стр. 1499
فَقَالَ: دَارِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ ثَوْبِي صَدَقَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ مَا سَمَّى فَحَنِثَ فَلْيُخْرِجْ كُلَّ مَا سَمَّى وَلَا يُجْزِئُهُ مِنْهُ الثُّلُثُ (وَبَعْثُ فَرَسٍ وَسِلَاحٍ لِمَحَلِّهِ وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِيعَ وَعُوِّضَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ عَبْدَهُ صَدَقَةً أَوْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهُ فَفِي الصَّدَقَةِ يَبِيعُهُ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهِ، وَفِي السَّبِيلِ يَدْفَعُ ثَمَنَهُ إلَى مَنْ يَغْزُو عَنْهُ مِنْ مَوْضِعِهِ إنْ وُجِدَ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ.
وَإِنْ كَانَ فَرَسًا أَوْ سِلَاحًا أَوْ شَيْئًا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ جَعَلَهُ فِي السَّبِيلِ فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ فَلْيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ فَيُجْعَلُ فِي مِثْلِ الْمَبِيعِ مِنْ كُرَاعٍ أَوْ سِلَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ بِخِلَافِ الْبَقَرِ الْهَدْيِ تُبَاعُ إذَا لَمْ تَبْلُغْ فَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِثَمَنِهَا إبِلًا لِأَنَّ تِلْكَ كُلُّهَا لِلْأَكْلِ وَهَذَا تَخْتَلِفُ مَنَافِعُهُ.
وَإِنْ جَعَلَ جَمِيعَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ صَدَقَةً فِي يَمِينٍ فَحَنِثَ أَوْ فِي غَيْرِ يَمِينٍ بَاعَ ذَلِكَ وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ، وَكَذَلِكَ إنْ جَعَلَهُ هَدْيًا فَلْيَبِعْهُ وَيُهْدِي ثَمَنَهُ. (كَهَدْيٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَغَنَمِي أَوْ إبِلِي أَوْ بَقَرِي هَدْيٌ فَحَنِثَ فَلْيَبْعَثْ بِهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إنْ كَانَتْ تَصِلُ. وَتُقَلَّدُ الْإِبِلُ وَتُشْعَرُ وَالْبَقَرُ لَا تَصِلُ مِنْ مِصْرَ.
فَإِذَا خَافَ عَلَى هَذِهِ الْهَدَايَا أَنْ لَا تَبْلُغَ لِبُعْدِ سَفَرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ بَاعَهَا وَابْتَاعَ بِثَمَنِ الْغَنَمِ غَنَمًا وَبِثَمَنِ الْإِبِلِ إبِلًا وَبِثَمَنِ الْبَقَرِ بَقَرًا، وَجَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا لِأَنَّهَا لَمَّا بِيعَتْ صَارَتْ كَالْعَيْنِ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا حَتَّى تَقْصُرَ عَنْ ثَمَنِ بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ (وَلَوْ مَعِيبًا) أَشْهَبُ: مَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ بَدَنَةً
стр. 1500
عَوْرَاءَ وَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا كَالْجَذَعِ مِنْ الْمَعْزِ.
فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَلْيُهْدِهِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَلْيُهْدِ مَا يَجُوزُ، كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يُهْدِيَ ابْنَهُ فَإِنَّهُ يُهْدِي مَكَانَهُ مَا يَجُوزُ فِي الْهَدْيِ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: الْمَعِيبُ الْمُعَيَّنُ يُهْدِي قِيمَتَهُ أَوْ بَعِيرًا سَالِمًا. التُّونِسِيُّ: وَالْأَشْبَهُ فِي الْمَعِيبِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ سُقُوطُهُ كَنَذْرِ صَلَاةٍ فِي وَقْتٍ لَا تَحِلُّ. اللَّخْمِيِّ: الْمُعَيَّنُ وَالْمُبْهَمُ سَوَاءٌ لَيْسَ عَلَى الْجَاهِلِ إلَّا مَا نَذَرَ يَبِيعُ الْمُعَيَّنَ وَيُخْرِجُ قِيمَةَ الْمُبْهَمِ (عَلَى الْأَصَحِّ وَلَهُ فِيهِ إذَا بِيعَ الْإِبْدَالُ بِالْأَفْضَلِ) تَقَدَّمَ قَوْلُ الْمُدَوَّنَةُ: جَائِزٌ أَنْ يَبْتَاعَ بِثَمَنِ الْبَقَرِ إبِلًا وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهَا غَنَمًا.
(وَإِنْ كَانَ كَثَوْبٍ بِيعَ وَكُرِهَ بَعْثُهُ وَأُهْدِيَ بِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: دَارِي أَوْ عَبْدِي أَوْ دَابَّتِي أَوْ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ مِمَّا لَا يُهْدَى هُوَ هَدْيٌ أَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحِنْثٌ فَلْيَبِعْهُ وَيَبْعَثْ بِثَمَنِهِ وَمَا أُهْدِيَ مِنْ الْعَيْنِ فَيَبْتَاعُ بِهِ هَدْيًا. ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَبِعْهُ وَبَعَثَ بِهِ بِعَيْنِهِ لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ وَيُبَاعُ هُنَالِكَ فَيَشْتَرِي بِهِ هَدْيًا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ أَوْ فَضَلَ مِنْهُ مَا لَا يَبْلُغُ ذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: يَبْعَثُهُ إلَى خَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُنْفَقُ عَلَيْهَا.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ تَحْتَجْ إلَيْهِ الْكَعْبَةُ تَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ حَيْثُ شَاءَ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَكْسُو الْكَعْبَةَ بِأَجَلِهِ بَدَنَةً، فَلَمَّا كُسِيَتْ تَصَدَّقَ بِهَا.
وَقَالَ أَصْبَغُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ خَاصَّةً.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ: أَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ فِي الْخَزَنَةِ أَحَدٌ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ إذْ دَفَعَ الْمَفَاتِيحَ لِعُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ (وَهَلْ اُخْتُلِفَ هَلْ يُقَوِّمُهُ أَوْ لَا أَوْ لَا نَدْبًا أَوْ التَّقْوِيمُ إنْ كَانَ بِيَمِينٍ تَأْوِيلَاتٌ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ شَيْئًا مِنْ مَالِهِ هَدْيًا وَهُوَ مِمَّا لَا يُهْدَى إنْ شَاءَ بَاعَهُ وَأَخْرَجَ ثَمَنَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ.
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: وَقَوْلُهُمْ فِي الصَّدَقَةِ لَا يَحْبِسُهُ وَيُخْرِجُ قِيمَتَهُ وَذَلِكَ مَكْرُوهٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ أَنَّهُ لَا يَقْصِدُ فِي هَدْيِ مَتَاعِهِ إلَّا إلَى عِوَضِهِ وَفِي صَدَقَةِ مَتَاعِهِ يُحْسِنُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ بِعَيْنِهِ فَكَأَنَّهُ تَصَدَّقَ بِعَيْنِهِ. ابْنُ يُونُسَ عَنْ بَعْضِهِمْ: مَنْ تَصَدَّقَ بِعَرَضٍ تَطَوُّعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ
стр. 1501
حَبْسُهُ وَإِخْرَاجُ قِيمَتِهِ، وَلَوْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَحَنِثَ أَجْزَأَهُ إخْرَاجُ قِيمَتِهِ لِأَنَّ الْحَالِفَ غَيْرُ قَاصِدٍ لِلْقُرْبَةِ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي حَدِيثِ الْعَائِدِ فِي صَدَقَتِهِ، وَالْمُتَطَوِّعُ قَاصِدٌ لِلْقُرْبَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ فَأَمْرُ ذَلِكَ مُفْتَرَقٌ.
ابْنُ يُونُسَ: هُمَا سَوَاءٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ أَيْضًا إنَّمَا قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنَا أَتَصَدَّقُ بِكَذَا فَهُوَ عَقَدَ عَلَى نَفْسِهِ الْقُرْبَةَ بِالصَّدَقَةِ إنْ فَعَلَ كَذَا.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَعَلَى إخْرَاجِ الْقِيمَةِ لَا يُكْتَفَى بِتَقْوِيمِ الْعُدُولِ بَلْ يُنَادَى عَلَيْهِ، فَإِذَا بَلَغَ فِيمَا خُيِّرَ فِيهِ وَمِثْلُهُ طَلَبُ الْوَرَثَةِ إخْرَاجَ الثُّلُثِ دُونَ بَيْعٍ لِرَغْبَتِهِمْ فِي الْمَتْرُوكِ أَوْ خَوْفًا مِنْ الْوُلَاةِ عَلَيْهِ، فَرَأَيْت بَعْضَ الشُّيُوخِ يُمَكِّنُهُمْ مِنْ ذَلِكَ بِشَرْطِ الزِّيَادَةِ عَلَى الْقِيمَةِ بِالِاجْتِهَادِ (فَإِنْ عَجَزَ عُوِّضَ الْأَدْنَى ثُمَّ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ يُصْرَفُ فِيهَا إنْ احْتَاجَتْ وَإِلَّا تُصُدِّقَ بِهِ وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَهُمْ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْهُ ﷺ ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ ثَمَنَ هَدْيٍ وَأَدْنَاهُ شَاةٌ بَعَثَ
стр. 1502
ذَلِكَ لِخَزَنَةِ الْكَعْبَةِ.
قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: فَإِنْ لَمْ يَحْتَجْ لَهُ تَصَدَّقَ بِهِ، وَأَعْظَمَ مَالِكٌ أَنْ يُشْرَكَ مَعَ الْحَجَبَةِ غَيْرُهُمْ لِأَنَّهَا وِلَايَةٌ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ .
(وَالْمَشْيِ لِمَسْجِدِ مَكَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ قَالَ: إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى بَيْتِ اللَّهِ فَحَنِثَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجَّةِ أَوْ فِي عُمْرَةٍ، وَإِحْرَامُهُ فِي ذَلِكَ مِنْ مِيقَاتِهِ لَا مِنْ مَوْضِعِهِ. (وَلَوْ لِصَلَاةٍ) لَمْ يَحْكِ ابْنُ يُونُسَ هَذَا الْقَوْلَ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُورَ، وَانْظُرْهُ فِي الْإِكْمَالِ. وَاَلَّذِي يَجِبُ أَنْ تَكُونَ بِهِ الْفُتْيَا مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ إنْ شَاءَ فِي حَجٍّ وَإِنْ شَاءَ فِي عُمْرَةٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَسْجِدِ إيلِيَاءَ أَوْ إلَى مَسْجِدِهِ ﷺ يَأْتِيهِمَا رَاكِبًا لَا مَاشِيًا، لِأَنَّ الْمُبْتَغَى فِيهِمَا الصَّلَاةُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ الْمَشْيُ إذْ لَا طَاعَةَ فِيهِ. وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ
стр. 1503
عَلَى نَفْسِهِ الْمَشْيَ إلَى مَسْجِدِ مَكَّةَ يُرِيدُ الصَّلَاةَ فِيهِ دُونَ الْإِحْرَامِ لَكَانَ كَذَلِكَ وَيَرْكَبُ إنْ شَاءَ، وَإِنَّمَا يَمْشِي مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ قَالَ إسْمَاعِيلُ: لِأَنَّ الَّذِي قَالَ عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ وَالْمَشْيُ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَاعَةٌ. انْتَهَى مَا لِابْنِ يُونُسَ.
(وَخَرَجَ مَنْ بِهَا وَأَتَى بِعُمْرَةٍ) مُحَمَّدٌ: لَوْ حَلَفَ بِمَكَّةَ مَشَى مِنْ الْحِلِّ بِعُمْرَةٍ (لِمَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ) لَا غَيْرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَلْزَمُ الْمَشْيُ فِي قَوْلٍ إلَّا لِمَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ أَوْ لِبَيْتِ اللَّهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْكَعْبَةِ أَوْ الْحِجْرِ.
ابْنُ الْقَاسِمِ: أَوْ الرُّكْنِ فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ كَقَوْلِهِ: إلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَوْ مِنًى أَوْ عَرَفَةَ أَوْ الْمُزْدَلِفَةَ أَوْ ذِي طُوًى أَوْ الْحَرَمِ أَوْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ جِبَالِ الْحَرَمِ فَلَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ.
وَإِنَّمَا لَزِمَ مَنْ قَالَ إلَى مَكَّةَ أَوْ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْتَوِي عَلَى الْبَيْتِ وَالْبَيْتُ لَا يُؤْتَى إلَيْهِ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى الْحِجْرِ وَإِلَى الْحَطِيمِ أَوْ زَمْزَمَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ (إنْ لَمْ يَنْوِ نُسُكًا) فِي الْمُوَطَّأِ: لَا يَكُونُ مَشْيٌ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
الْبَاجِيُّ: فَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى غَيْرِ مَكَّةَ لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ لَا إلَى الْمَدِينَةِ وَلَا إلَى غَيْرِهَا إذْ لَيْسَ هُنَاكَ حَجٌّ وَلَا عُمْرَةٌ. وَإِنْ نَذَرَ مَشْيًا إلَى مَكَّةَ فَإِنْ قَيَّدَ نِيَّتَهُ بِالنُّسُكِ أَوْ أَطْلَقَهَا لَزِمَهُ الْمَشْيُ وَالنُّسُكُ لِأَنَّ ظَاهِرَ نَذْرِهِ الْقُرْبَةُ وَإِنَّمَا هِيَ فِي النُّسُكِ، وَأَمَّا إنْ قَيَّدَ نَذْرَهُ بِالْمَشْيِ خَاصَّةً فَلَمْ أَرَ فِيهِ نَصًّا (مِنْ حَيْثُ نَوَى وَإِلَّا حَيْثُ حَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَيَمْشِي الْحَالِفُ مِنْ حَيْثُ حَلَفَ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا يَمْشِي مِنْهُ فَلَهُ نِيَّتُهُ وَإِنْ لَمْ
стр. 1504
يُحَرِّكْ بِذَلِكَ لِسَانَهُ.
ابْنُ الْمَوَّازِ: فَلَوْ حَلَفَ بِمِصْرَ وَحَنِثَ بِالْمَدِينَةِ فَلْيَرْجِعْ إلَى مِصْرَ حَتَّى يَمْشِيَ مِنْهَا (أَوْ مِثْلِهِ إنْ حَنِثَ بِهِ) اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ انْتَقَلَ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ آخَرَ وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَسَافَةِ مَشَى مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ إلَى الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْأَجْرَ فِي ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى قَدْرِ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ وَكَثْرَةِ الْخُطَا وَلَا مَزِيَّةَ فِي هَذَا لِلْأَرَاضِيِ (وَتَعَيَّنَ مَحَلٌّ اُعْتِيدَ) ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْحَالِفِ نِيَّةٌ فَإِنْ كَانَ مَوْضِعُ يَمِينِهِ هُوَ مَوْضِعُ حِنْثِهِ مَشَى مِنْ حَيْثُ حَلَفَ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى لَفْظِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ عُرْفٌ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ.
(وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ وَلِحَاجَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إلَى بَيْتِ اللَّهِ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ، وَلَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ.
فَإِنْ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَإِنْ رَكِبَ بَعْدَ سَعْيِهِ وَقَبْلَ أَنْ يَحْلِقَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ جَعَلَهُ فِي حَجَّةٍ مَشَى حَتَّى يَقْضِيَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، فَإِذَا قَضَاهُ فَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي رُجُوعِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى وَفِي رَمْيِ الْجِمَارِ بِمِنًى، وَإِنْ أَخَّرَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ حَتَّى يَرْجِعَ مِنْ مِنًى فَلَا يَرْكَبُ فِي رَمْيِ الْجِمَارِ وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ، كَمَا لَهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَدِينَةِ أَوْ إلَى الْمَنَاهِلِ مَاشِيًا أَنْ يَرْكَبَ فِي حَوَائِجِهِ أَوْ تَذَكَّرَ فِي طَرِيقِهِ وَهُوَ سَائِرٌ حَاجَةً نَسِيَهَا فَلْيَرْجِعْ وَرَاءَهَا رَاكِبًا (كَطَرِيقِ قُرْبَى اُعْتِيدَتْ) رَوَى مُحَمَّدٌ: لَهُ مَشْيُ أَقْصَرِ طَرِيقٍ.
ابْنُ عَرَفَةَ: فَقَبِلَهُ الشَّيْخُ وَقَيَّدَهُ. الْبَاجِيُّ: بِأَنْ كَانَ مُعْتَادًا. ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ نَذْرُ التَّحْلِيقِ فِي الْمَشْيِ (وَبَحْرٍ اُضْطُرَّ لَهُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: فِي جَوَازِ رُكُوبِ الْبَحْرِ الْمُعْتَادَ وَتَخْصِيصُهُ بِمَوْضِعِ الِاضْطِرَارِ قَوْلَانِ (لَا اُعْتِيدَ عَلَى الْأَرْجَحِ) ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ إلَى مَكَّةَ وَهُوَ بِصِقِلِّيَةَ فَحَنِثَ هَلْ يَمْشِي مِنْ أَقْرَبِ بَرٍّ لَهَا أَوْ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة قَالَ: إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِمْ إذَا أَرَادُوا الْحَجَّ إنَّمَا يَنْزِلُونَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ.
وَقَالَ أَبُو عِمْرَانَ: بَلْ يَلْزَمُهُ الْمَشْيُ مِنْ إفْرِيقِيَّةَ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ بَرٍّ إلَيْهَا. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا أَبْيَنُ (لِتَمَامِ الْإِفَاضَةِ وَسَعْيِهَا) لَوْ قَالَ: وَسَعْيِ الْعُمْرَةِ لَكَانَ أَبْيَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ: آخِرُ مَشْيِ الْعُمْرَةِ السَّعْيُ وَآخِرُ مَشْيِ الْحَجِّ الْإِفَاضَةُ. اُنْظُرْ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَكِبَ فِي الْمَنْهَلِ " (وَرَجَعَ وَأَهْدَى إنْ رَكِبَ كَثِيرًا بِحَسَبِ مَسَافَتِهِ أَوْ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ نَحْوَ الْمِصْرِيِّ قَابِلًا) أَمَّا إنْ رَكِبَ كَثِيرًا فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ: إنْ رَكِبَ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ لِعَجْزٍ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ إنْ كَانَ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ وَإِلَّا فَلَا دَمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَسَاوَى رُكُوبُهُ وَمَشْيُهُ أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا كَثِيرًا وَالْآخَرُ أَكْثَرَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرْجِعَ فَيَمْشِيَ مَا رَكِبَ وَيَرْكَبَ الْمَوَاضِعَ الَّتِي مَشَى فِيهَا وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ بَعِيدًا جِدًّا، فَإِنْ عَجَزَ فِي الثَّانِي لَمْ يُكَلَّفْ الْعَوْدَةَ ثَالِثَةً.
وَأَمَّا إنْ رَكِبَ فِي الْمَنَاسِكِ وَالْإِفَاضَةِ فَفِي
стр. 1505
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ مَشَى حَجَّهُ كُلَّهُ وَرَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا مَرِضَ فِي طَرِيقِهِ يَرْكَبُ الْأَمْيَالَ أَوْ الْبَرِيدَ أَوْ الْيَوْمَ. ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: أَوْ الْيَوْمَيْنِ وَمَشَى الْبَقِيَّةَ لَمْ يُعِدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ مَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى عَرَفَاتٍ وَشَهِدَ الْمَنَاسِكَ وَالْإِفَاضَةَ رَاكِبًا رَجَعَ قَابِلًا رَاكِبًا فَرَكِبَ مَا مَشَى وَمَشَى مَا رَكِبَ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّهُ رَكِبَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ الرَّمْيِ وَفِي الْإِفَاضَةِ، وَهَذَا كَثِيرٌ لِأَنَّ رُكُوبَهُ وَقَعَ فِي مَوَاضِعَ فِي أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَهَذَا أَشَدُّ مِمَّنْ رَكِبَ فِي الطَّرِيقِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ فَلِذَلِكَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الرُّجُوعَ.
وَالصَّوَابُ أَنْ لَا رُجُوعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ بِوُصُولِهِ إلَى مَكَّةَ بَرَّ وَإِلَيْهَا كَانَتْ الْيَمِينُ. قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ: وَيُهْدِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ غَيْرِ إيجَابٍ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ، مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ عَجْزًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعَوْدَةَ فِيهِ أَمْ لَا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " نَحْوَ الْمِصْرِيِّ " فَاَلَّذِي فِي الرِّسَالَةِ: إنْ عَجَزَ عَنْ الْمَشْيِ رَكِبَ ثُمَّ رَجَعَ ثَانِيَةً إنْ قَدَرَ فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى، وَنَحْوُ هَذَا فِي الْمُدَوَّنَةِ.
(فَيَمْشِي مَا رَكِبَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ لَزِمَهُ الْمَشْيُ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجَ مَاشِيًا فَعَجَزَ فِي مَشْيِهِ فَلْيَرْكَبْ فِيمَا عَجَزَ.
فَإِذَا اسْتَرَاحَ نَزَلَ وَعَرَفَ أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ يَعُودُ ثَانِيَةً فَيَمْشِي أَمَاكِنَ رُكُوبِهِ، وَلَا يُجْزِئُهُ أَنْ يَمْشِيَ عِدَّةَ أَيَّامِ رُكُوبِهِ إذْ قَدْ يَرْكَبُ مَوَاضِعَ رُكُوبِهِ أَوَّلًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي رُجُوعِهِ ثَانِيَةً إنْ كَانَ قَوِيًّا أَنْ يَمْشِيَ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَكِنْ يَمْشِي مَا رَكِبَ فَقَطْ وَيُهْرِقُ دَمًا لِتَفْرِيقِ مَشْيِهِ (فِي مِثْلِ الْمُعَيَّنِ) مِنْ
стр. 1506
الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ نَذَرَ الْمَشْيَ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ، وَإِنْ نَذَرَ الْأَوَّلَ فِي عُمْرَةٍ فَلَا يَجْعَلُ الثَّانِيَ فِي حَجَّةٍ (وَإِلَّا فَلَهُ الْمُخَالَفَةُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لِمَنْ أَبْهَمَ مَشْيَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ فَعَجَزَ وَرَكِبَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّانِيَةَ فِي حَجَّةٍ أَوْ عُمْرَةٍ.
قَالَ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: وَكَذَلِكَ لَوْ جَعَلَ مَشْيَهُ الْأَوَّلَ فِي حَجٍّ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَشْيَهُ الثَّانِيَ فِي عُمْرَةٍ. الشَّيْخُ: يُرِيدُ إنْ كَانَ مَشْيُهُ فِي غَيْرِ الْمَنَاسِكِ (إنْ ظَنَّ أَوَّلًا الْقُدْرَةَ وَإِلَّا مَشَى مَقْدُورَهُ وَرَكِبَ وَأَهْدَى فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ عَلِمَ فِي الثَّانِيَةِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَمَامِ الْمَشْيِ قَعَدَ وَأَهْدَى، كَانَتْ حَجَّةً أَوْ عُمْرَةً. وَلَوْ عَلِمَ أَوَّلَ خُرُوجِهِ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْشِيَ كُلَّ الطَّرِيقِ، فِي تَرْدَادِهِ إلَى مَكَّةَ مَرَّتَيْنِ لِضَعْفِهِ أَوْ بُعْدِ بَلَدِهِ أَوْ كَانَ شَيْخًا زَمِنًا أَوْ امْرَأَةً ضَعِيفَةً أَوْ مَرِيضًا أَيِسَ مِنْ الْبُرْءِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَوْ كَانَ رَاكِبًا يَمْشِي وَلَوْ نِصْفَ مِيلٍ ثُمَّ يَرْكَبَ وَيُصَلِّي وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (كَأَنْ قَلَّ) . ابْنُ عَرَفَةَ: رُكُوبُ يَسِيرٍ لِعُذْرٍ لَا يَعُودُ لَهُ فِي نُسُكٍ آخَرَ. وَتَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ بَشِيرٍ: وَلَا دَمَ عَلَيْهِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّكُوبِ مِقْدَارٌ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ لُزُومُ الْهَدْيِ مُطْلَقًا (وَلَوْ قَادِرًا) . ابْنُ يُونُسَ: ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ رَكِبَ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (كَالْإِفَاضَةِ فَقَطْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ إنْ رَكِبَ فِي الْإِفَاضَةِ فَقَطْ لَمْ يَعُدْ ثَانِيَةً وَأَهْدَى.
(وَكَعَامٍ عُيِّنَ) اللَّخْمِيِّ: مَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ فِي عَامٍ بِعَيْنِهِ فَمَرِضَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِيَ مَا مَرِضَ فِيهِ، وَإِذَا حَضَرَ خُرُوجُ الْحَاجِّ وَهُوَ مَرِيضٌ خَرَجَ عَلَى حَالِهِ رَاكِبًا فَإِنْ صَحَّ فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ مَشَى، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ أَجْزَأَ عَنْهُ وَأَهْدَى، وَإِنْ كَانَ مَضْمُونًا أُمْهِلَ لِعَامٍ آخَرَ (وَلْيَقْضِهِ) اُنْظُرْ مَا نَقَصَ هُنَا، وَاَلَّذِي لِابْنِ الْحَاجِبِ إذَا لَمْ يَمْشِ عَلَى الْمُعْتَادِ فَطُولُ الْقِيَامِ فِي أَثْنَائِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا فَفَاتَهُ أَثِمَ وَعَلَيْهِ قَضَاؤُهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: لَا أَعْرِفُ مُقَابِلَ الْمَعْرُوفِ (أَوْ لَمْ يَقْدِرْ) تَقَدَّمَ نَصُّ الرِّسَالَةِ إنْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ قَعَدَ وَأَهْدَى. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَدْيٌ وَاحِدٌ يُجْزِئُهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ (وَكَإِفْرِيقِيٍّ وَكَأَنْ فَرَّقَهُ وَلَوْ بِلَا عُذْرٍ) .
ابْنُ عَرَفَةَ: اتِّصَالُ زَمَنِ مَشْيِهِ الْمُعْتَادِ مَطْلُوبٌ وَتَفْرِيقُهُ لِعُذْرٍ عَفْوٌ وَلِغَيْرِ عُذْرٍ فِيهِ طُرُقٌ. اللَّخْمِيِّ: رَوَى مُحَمَّدٌ: إنْ مَشَى مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَأَقَامَ بِمِصْرَ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ بِالْمَدِينَةِ شَهْرًا ثُمَّ أَتَمَّ عُمْرَتَهُ أَجْزَأَهُ، يُرِيدُ وَكَذَا فِي نَذْرِ مَشْيَ الْحَجِّ مُعَيَّنًا
стр. 1507
وَمَضْمُونًا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ بَعْدَ لُزُومِ تَتَابُعِ نَذْرِ صَوْمِ سَنَةٍ خِلَافًا لِابْنِ حَبِيبٍ (وَفِي لُزُومِ الْجَمِيعِ بِمَشْيِ عَقَبَةٍ وَرُكُوبِ أُخْرَى تَأْوِيلَانِ) .
ابْنُ الْمَوَّازِ: مَنْ كَثُرَ رُكُوبُهُ فَكَانَ يَمْشِي عَقَبَةً وَيَرْكَبُ عَقَبَةً فَلْيَرْجِعْ وَيَمْشِ الطَّرِيقَ كُلَّهُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ. قَالَهُ مَالِكٌ انْتَهَى.
وَلَمْ يُقَيِّدْ ابْنُ يُونُسَ وَلَا ابْنُ رُشْدٍ وَلَا اللَّخْمِيِّ هَذَا بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ بُطْلَانَهُ يَعْنِي بُطْلَانَ الْمَشْيِ الْأَوَّلِ لِعَدَمِ ضَبْطِ مَحَلِّ رُكُوبِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيمَا يَضْبِطُهُ.
وَقَالَ بَهْرَامَ مَا نَصَّهُ الشَّيْخُ: قَدْ يُقَالُ مَا فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَيْسَ بِخِلَافٍ ثُمَّ نَقَلَ مَا قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ، فَحَصَلَ أَنَّ أَحَدَ التَّأْوِيلَيْنِ لِابْنِ عَرَفَةَ وَالشَّيْخِ بَهْرَامُ (وَالْهَدْيُ وَاجِبٌ إلَّا لِمَنْ شَهِدَ الْمَنَاسِكَ فَنَدْبٌ) تَقَدَّمَ نَصُّ مَالِكٍ: يُصَلِّي أَحَبُّ إلَيَّ وَلَمْ يَرَهُ فِي الْهَدْيِ مِثْلُ مَنْ عَجَزَ فِي الطَّرِيقِ.
اُنْظُرْهُ قَبْلَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَرَجَعَ وَأَهْدَى " (وَلَوْ مَشَى الْجَمِيعَ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ مَشَى الطَّرِيقَ كُلَّهُ فِي عَوْدَتِهِ فَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ مَشْيَهُ. انْتَهَى نَقْلُ ابْنِ يُونُسَ.
ابْنُ بَشِيرٍ: تَعَقَّبَ هَذَا الْأَشْيَاخُ وَقَالُوا: كَيْفَ يَسْقُطُ مَا تَقَرَّرَ مِنْ الْهَدْيِ فِي ذِمَّتِهِ بِمَشْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ عَلَيْهِ؟ وَمَثَّلُوهُ بِمَنْ صَلَّى صَلَاةً فَسَهَا فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِ سُجُودٌ فَأَعَادَهَا ثَانِيَةً وَلَمْ يَسْجُدْ، أَنَّ السُّجُودَ يَتَقَرَّرُ فِي ذِمَّتِهِ. وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ.
وَفِي الْمَذْهَبِ فِيمَنْ قَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ ثُمَّ عَادَ سَاهِيًا قَوْلَانِ: هَلْ يَكُونُ سُجُودُهُ قَبْلُ أَوْ بَعْدُ؟ وَمَسْأَلَةُ مَنْ مَشَى كُلَّ الطَّرِيقِ الثَّانِي تُشْبِهُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ، فَمَنْ رَأَى تَرْتِيبَ السُّجُودِ فِي ذِمَّتِهِ جَعَلَ سُجُودَهُ قَبْلُ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فَيَكُونُ عَلَى هَذَا دَمٌ لِتَرَتُّبِهِ فِي ذِمَّتِهِ، فَانْظُرْ اخْتِصَارَ خَلِيلٍ عَلَى خِلَافِ النَّصِّ مَعَ أَنَّ ابْنَ بَشِيرٍ إنَّمَا تَرَدَّدَ فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَمْ يَرْتَهِنْ فِيهَا.
اُنْظُرْ ابْنَ عَرَفَةَ تَعَقَّبَ تَخْرِيجَ ابْنِ بَشِيرٍ (وَلَوْ أَفْسَدَ أَتَمَّهُ وَمَشَى فِي قَضَائِهِ مِنْ الْمِيقَاتِ) ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مَشْيٌ فَمَشَى فِي حَجِّهِ فَأَفْسَدَهَا بِوَطْءٍ بِعَرَفَةَ فَإِنَّهُ يُتِمُّ حَجَّهُ وَيَقْضِي وَيُعِيدُ الْمَشْيَ مِنْ الْمِيقَاتِ وَيَرْكَبُ مَا قَبْلَهُ، لِأَنَّ الْمَشْيَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الْوَطْءُ يُجْزِئُهُ وَلَا يُعِيدُهُ
стр. 1508
وَعَلَيْهِ هَدْيٌ لِلْفَسَادِ وَهَدْيٌ لِتَبْعِيضِ الْمَشْيِ (وَإِنْ فَاتَهُ جَعَلَهُ فِي عُمْرَةٍ وَرَكِبَ فِي قَضَائِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَلَفَ بِالْمَشْيِ فَمَشَى فِي حَجٍّ فَفَاتَهُ أَجْزَأَهُ مَا مَشَى وَجَعَلَهَا عُمْرَةً وَمَشَى حَتَّى يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَيَقْضِي الْحَجَّ قَابِلًا رَاكِبًا وَيُهْدِي لِفَوَاتِ الْحَجِّ.
(وَإِنْ حَجَّ نَاوِيًا نَذْرَهُ وَفَرْضَهُ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَجْزَأَهُ عَنْ النَّذْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ نَذَرَ مَشْيًا فَحَجَّ مَاشِيًا وَهُوَ صَرُورَةً يَنْوِي فِي ذَلِكَ فَرْدِيَّتَهُ وَنَذْرَهُ أَنَّهَا تُجْزِئُهُ لِنَذْرِهِ وَلَا تُجْزِئُهُ لِفَرِيضَتِهِ وَعَلَيْهِ قَضَاءٌ لِفَرِيضَتِهِ قَابِلًا. ابْنُ الْمَوَّازِ: وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا وَلَا عُمْرَةً وَأَمَّا إنْ كَانَتْ يَمِينُهُ بِحَجَّةٍ فَحَنِثَ فَمَشَى فِي حَجٍّ نَوَى بِهِ فَرْضَهُ وَنَذْرَهُ فَهَذَا لَا يُجْزِئُهُ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. ابْنُ يُونُسَ: ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الْمَوَّازِ هَذَا خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَنَصُّ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُحْرِمَ بِحَجٍّ لِنَذْرِهِ وَلِفَرْضِهِ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا الْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ (وَهَلْ إنْ لَمْ يَنْذِرْ حَجًّا تَأْوِيلَانِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ الْمَوَّازِ: هَذَا إنْ لَمْ يَنْوِ لِنَذْرِهِ حِينَ نَذَرَ حَجًّا
стр. 1509
وَحِكَايَةُ ابْنِ يُونُسَ أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ خِلَافُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ (وَعَلَى الصَّرُورَةِ جَعْلُهُ فِي عُمْرَةٍ ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ مَكَّةَ عَلَى الْفَوْرِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ جَعَلَ مَشْيَهُ فِي عُمْرَةٍ فَحَلَّ مِنْهَا فَلَهُ أَنْ يَحُجَّ الْفَرِيضَةَ مِنْ مَكَّةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَكُونُ مُتَمَتِّعًا إنْ كَانَتْ عُمْرَتُهُ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ (وَعَجَّلَ الْإِحْرَامَ فِي أَنَا مُحْرِمٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِحَجَّةٍ، فَإِنْ حَنِثَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ نَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا حَتَّى تَأْتِيَ أَشْهُرُ الْحَجِّ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ أَنَّهُ يُحْرِمُ مِنْ يَوْمِ حَنِثَ فَيَلْزَمُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ.
(أَوْ أَحْرَمَ إنْ قَيَّدَ بِيَوْمِ كَذَا) . ابْنُ بَشِيرٍ: إذَا عَيَّنَ النَّاذِرُ أَوْ الْحَالِفُ وَقْتًا لِإِحْرَامِهِ لَزِمَهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ يُكْرَهُ الْإِحْرَامُ بِالْحَجِّ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَقَبْلَ مِيقَاتِهِ لَكِنْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَزِمَهُ، فَكَذَلِكَ هَذَا إنْ عَيَّنَ مَكَانًا
стр. 1510
أَوْ زَمَانًا لَزِمَهُ. وَعِبَارَةُ الْمُدَوَّنَةِ إنْ قَالَ أَنَا مُحْرِمٌ يَوْمَ أُكَلِّمُ فُلَانًا فَإِنَّهُ يَوْمَ يُكَلِّمُهُ مُحْرِمٌ. (كَالْعُمْرَةِ مُطْلَقًا إنْ لَمْ يَعْدَمْ صَحَابَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ: إنْ كَلَّمْت فُلَانًا فَأَنَا مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يُحْرِمَ لَهَا وَقْتَ حِنْثِهِ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ صَحَابَةً وَيَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ فَلْيُؤَخِّرْ حَتَّى يَجِدَ فَيُحْرِمَ حِينَئِذٍ (لَا الْحَجِّ
следующие страницы →