Полный текст (3 713 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
الدَّابَّةِ (وَإِلَّا فَالْكِرَاءُ) قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ زَادَ مَا لَا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ فَعَطِبَتْ فَلَهُ كِرَاءُ الزِّيَادَةِ فَقَطْ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ عَطَبَهَا لَيْسَ مِنْ أَجْلِ الزِّيَادَةِ وَذَلِكَ بِخِلَافِ مُجَاوَزَةِ الْمَسَافَةِ؛ لِأَنَّ مُجَاوَزَةَ الْمَسَافَةِ تَعَدٍّ كُلُّهُ فَيَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْحَمْلِ الْمُشْتَرَطِ اجْتَمَعَ فِيهِ إذْنٌ وَتَعَدٍّ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ لَا تَعْطَبُ فِي مِثْلِهَا عُلِمَ أَنَّ هَلَاكَهَا فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَصِفَةُ كِرَاءِ الزِّيَادَةِ فِي الْحَمْلِ الَّذِي وَجَبَ لِرَبِّهَا وَاخْتَارَهُ فِيمَا تَعْطَبُ فِيهِ أَنْ يُقَالَ؛ كَمْ يُسَاوِي كِرَاءُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ الْمُحَمَّلَةِ حَسْبَمَا تَعَدَّى عَلَيْهِ الْمُكْتَرِي؟ فَيَكُونُ ذَلِكَ لِرَبِّهَا مَعَ كِرَاءِ الْأَوَّلِ (كَأَنْ لَمْ تَعْطَبْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ رَدَّهَا بِحَالِهَا بَعْدَ أَنْ زَادَهَا الْمِيلَ وَالْأَمْيَالَ أَوْ بَعْدَ أَنْ حَبَسَهَا الْيَوْمَ وَنَحْوَهُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: أَوْ أَيَّامًا يَسِيرَةً لَمْ يَضْمَنْ إلَّا كِرَاءَ الزِّيَادَةِ (إلَّا أَنْ يَحْبِسَهَا كَثِيرًا فَلَهُ كِرَاءُ الزَّائِدِ أَوْ قِيمَتُهَا) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا إنْ كَثُرَتْ الزِّيَادَةُ أَوْ حَبَسَهَا أَيَّامًا أَوْ شَهْرًا وَرَدَّهَا بِحَالِهَا فَلِرَبِّهَا كِرَاؤُهُ الْأَوَّلُ وَالْخِيَارُ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، أَوْ كِرَاؤُهَا فِيمَا حَبَسَهُ فِيهِ مِنْ عَمَلٍ أَوْ حَبْسِهِ إيَّاهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ مَا بَلَغَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ تَتَغَيَّرْ. وَانْظُرْ مَسْأَلَةً نَزَلَتْ: اكْتَرَى مَا يَدْرُسُ بِهِ حَبًّا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ بِدِرْهَمٍ فَحَبَسَهُ سِنِينَ وَهُوَ لَا يُسَاوِي ثَلَاثَهُ دَرَاهِمَ.
(وَلَكَ فَسْخُ عَضُوضٍ أَوْ جَمُوحٍ أَوْ أَعْشَى أَوْ دَبِرَةٍ فَاحِشًا) مِنْ
стр. 3117
الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اكْتَرَيْت دَابَّةً أَوْ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ فَإِذَا هُوَ عَضُوضٌ أَوْ جَمُوحٌ أَوْ لَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ أَوْ دَبِرَتْ تَحْتَكَ دَبْرَةً فَاحِشَةً يُؤْذِيكَ رِيحُهَا، فَمَا أَضَرَّ مِنْ ذَلِكَ بِرَاكِبِهَا فَلَكَ فِيهَا الْفَسْخُ؛ لِأَنَّهَا عُيُوبٌ وَالْكِرَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ (كَأَنْ يَطْحَنَ لَكَ كُلَّ يَوْمٍ إرْدَبَّيْنِ بِدِرْهَمٍ فَوُجِدَ لَا يَطْحَنُ إلَّا إرْدَبًّا) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ بِهَذَا بِحَسَبِ الِانْجِرَارِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَهَلْ تَفْسُدُ إنْ جَمَعَهُمَا ".
(وَإِنْ زَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ الْكَيْلَ فَلَا لَكَ وَلَا عَلَيْكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِذَا حَمَلَ لَكَ رَجُلٌ طَعَامًا فَزَادَ أَوْ نَقَصَ مَا يُشْبِهُ زِيَادَةَ الْكَيْلِ وَنَقْصَهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ مِنْ ضَمَانٍ وَلَا حِصَّةِ كِرَاءٍ.
[فَصْلٌ فِي كِرَاءِ الْحَمَّامِ]
(فَصْلٌ) (جَازَ كِرَاءُ حَمَّامٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ الْحَمَّامَاتِ. اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانُوا يَدْخُلُونَ مُسْتَتِرِينَ. اُنْظُرْ فِي الْإِمَامَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ فَاسِقًا بِجَارِحَةٍ ".
(وَدَارٍ غَائِبَةٍ كَبَيْعِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ
стр. 3118
اكْتَرَى دَارًا بِإِفْرِيقِيَةَ وَهُوَ بِمِصْرَ جَازَ ذَلِكَ كَالشِّرَاءِ، وَلَا بَأْسَ بِالنَّقْدِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا مَأْمُونَةٌ، فَإِنْ قَدِمَ فَلَمْ يَرْضَهَا حِينَ رَآهَا.
وَقَالَ: هِيَ بَعِيدَةٌ مِنْ الْمَسْجِدِ فَالْكِرَاءُ لَا يَصْلُحُ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ رَأَى الدَّارَ وَعَرَفَ مَوْضِعَهَا أَوْ عَلَى صِفَةٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ.
(أَوْ نِصْفِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا بَأْسَ بِكِرَاءِ نِصْفِ دَارٍ أَوْ سُدُسِهَا أَوْ جُزْءٍ شَائِعٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ مِنْهَا كَالشِّرَاءِ. وَانْظُرْ عَلَى هَذَا الْفَرَّانَ يَكْتَرِي مِنْ رَبِّ الْفُرْنِ نِصْفَ فُرْنٍ شَهْرًا بِدِينَارٍ بِمَا يَمْنَعُ رَبَّ الْفُرْنِ أَوْ يُكْرِي بِذَلِكَ الدِّينَارِ وَقَّافًا يَخْدُمُ عَنْهُ بِالْفُرْنِ ذَلِكَ الشَّهْرَ وَمَا يَمْنَعُ الْمُكْتَرِي أَنْ يُوَلِّيَ الْفُرْنَ لِهَذَا الْوَقَّافِ.
(أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: تَجُوزُ إجَارَةُ نِصْفِ دَابَّةٍ أَوْ نِصْفِ عَبْدٍ يَكُونُ لِلْمُسْتَأْجِرِ يَوْمًا وَلِلَّذِي لَهُ النِّصْفُ الْآخَرُ يَوْمًا كَالْبَيْعِ، وَمَا جَازَ لَكَ بَيْعُهُ مِنْ ثَمَرِكَ جَازَ لَكَ الْإِجَارَةُ بِهِ.
(وَشَهْرًا عَلَى أَنْ يَسْكُنَ يَوْمًا لَزِمَ إنْ مَلَكَ الْبَقِيَّةَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ بَيْتًا شَهْرًا بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّهُ إنْ سَكَنَ مِنْهُ يَوْمًا وَاحِدًا فَالْكِرَاءُ لَهُ لَازِمٌ، جَازَ ذَلِكَ إذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ أَوْ يُكْرِيَهُ إذَا خَرَجَ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ فُقَهَائِنَا الْقَرَوِيِّينَ: ظَاهِرُ هَذَا الْعَقْدِ أَنَّهُ جَائِزٌ وَأَنَّهُ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَسْكُنْ، فَإِذَا سَكَنَ انْعَقَدَ الْكِرَاءُ فِي شَهْرٍ، فَإِنْ أَرَادَ إنْ سَكَنْت فَالْكِرَاءُ لِي لَازِمٌ فَلَيْسَ لِي إنْ أَكْرِيَ مِنْ غَيْرِي كَانَ هَذَا مِنْ بَيْعِ الشُّرُوطِ الَّتِي يَبِيعُ مِنْهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ وَلَا يَهَبَ، فَهَذَا إذَا أَسْقَطُوا الشَّرْطَ عَلَى
стр. 3119
أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ تَمَّ الْكِرَاءُ، وَأَمَّا إنْ شُرِطَ فَإِنْ خَرَجَتْ عَادَ الْمَسْكَنُ إلَى الْمُكْرِي وَعَلَيْهِ جُمْلَةُ الْكِرَاءِ فَهَذَا فَاسِدٌ لَا بُدَّ مِنْ فَسْخِهِ؛ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
(وَعَدَمُ بَيَانِ الِابْتِدَاءِ وَحُمِلَ مِنْ حِينِ الْعَقْدِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّ مَتَى يَسْكُنُ جَازَ، وَيَسْكُنُ أَوْ يُسْكِنُ غَيْرَهُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْتِ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرٌ بَيِّنٌ عَلَى الدَّارِ، يُرِيدُ ضَرَرًا فِي السُّكْنَى.
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ: وَإِنْ أَغْلَقَهَا الْمُكْتَرِي وَخَرَجَ فَذَلِكَ لَهُ لَيْسَ لِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَقُولَ: يُخَرِّبُهَا عَلَيَّ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالسَّنَةُ مَحْسُوبَةٌ مِنْ يَوْمِ التَّعَاقُدِ كَمَا لَوْ قَالَ هَذِهِ السَّنَةُ بِعَيْنِهَا.
(أَوْ مُشَاهَرَةً وَلَمْ يَلْزَمْ لَهُمَا إلَّا بِنَقْدٍ فَبِقَدْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ أَكْتَرِي مِنْكَ دَارَكَ أَوْ حَانُوتَكَ أَوْ أَرْضَكَ أَوْ غُلَامَكَ أَوْ دَابَّتَكَ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا أَوْ كُلِّ سَنَةٍ بِكَذَا أَوْ قَالَ فِي الشَّهْرِ أَوْ فِي السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ السَّنَةِ، فَلَا يَقَعُ الْكِرَاءُ عَلَى تَعْيِينٍ وَلَيْسَ بِعَقْدٍ لَازِمٍ، وَلِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يُخْرِجَهُ مَتَى شَاءَ، وَلِلْمُكْتَرِي أَنْ يَخْرُجَ مَتَى شَاءَ وَيَلْزَمُهُ فِيمَا سَكَنَ حِصَّتُهُ مِنْ الْكِرَاءِ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَأَنَّهُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ لَهُ: أُكْرِيكَ مِنْ حِسَابِ الشَّهْرِ أَوْ مِنْ حِسَابِ السَّنَةِ بِكَذَا.
هَذَا هُوَ مَوْضُوعُ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ إلَّا أَنْ يَنْقُدَهُ فِي ذَلِكَ كِرَاءَ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ فَيَلْزَمُهُ تَمَامُ ذَلِكَ (كَوَجِيبَةٍ بِشَهْرِ كَذَا وَهَذَا الشَّهْرُ أَوْ شَهْرًا أَوْ إلَى كَذَا) عِيَاضٌ: كِرَاءُ الدُّورِ مُشَاهَرَةً وَمُسَانَاةً لَا خِلَافَ إذَا نَصَّ عَلَى تَعْيِينِ السَّنَةِ أَوْ الشَّهْرِ أَوْ جَاءَ بِمَا يَقُومُ مَقَامَ التَّعْيِينِ أَنَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا وَذَلِكَ فِي خَمْسِ صُوَرٍ: إذَا قَالَ شَهْرَ كَذَا وَهَذَا الشَّهْرَ، أَوْ سَمَّى الْعَدَدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ فَقَالَ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، أَوْ ذَكَرَ الْأَجَلَ فَقَالَ أُكْرِيكَ إلَى شَهْرِ كَذَا، أَوْ أَنْقُدُ كِرَاءَ كَذَا شَهْرًا أَوْ أَكْثَرَ إنَّ هَذَا كُلَّهُ لَازِمٌ لَهُمَا الْمُدَّةَ الَّتِي ذَكَرَاهَا لَا خِيَارَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَ عِيَاضٍ: " وَسَمَّى الْعَدَدَ فِيمَا زَادَ عَلَى الْوَاحِدِ " فَلَعَلَّ لَفْظَ خَلِيلٍ كَانَ " أَوْ أَشْهُرٌ " فَأَسْقَطَ النَّاسِخُ الْأَلْفَ. وَانْظُرْ قَوْلَهُمْ: " شَهْرُ كَذَا " قَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَا يُضَافُ شَهْرٌ إلَّا إلَى رَمَضَانَ وَالرَّبِيعَيْنِ قَالَ: وَالشُّهُورُ كُلُّهَا تُذَكَّرُ إلَّا جُمَادَى. وَاَلَّذِي لِابْنِ يُونُسَ: وَإِنْ اكْتَرَى مِنْهُ سَنَةً بِعَيْنِهَا أَوْ شَهْرًا بِعَيْنِهِ فَلَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهُ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى ذَلِكَ جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: وَكَذَا لَوْ قَالَ: سِتَّةُ أَشْهُرٍ أَوْ هَذِهِ السَّنَةَ أَوْ إلَى سَنَةِ كَذَا، فَهَذَا كُلُّهُ وَجِيبَةٌ لَازِمَةٌ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ لِمَنْ شَاءَ فَيَلْزَمُهُمَا ذَلِكَ، وَلَا يَجُوزُ فِيهِ حِينَئِذٍ النَّقْدُ، وَيَجُوزُ فِي الْأَوَّلِ النَّقْدُ وَالتَّأْخِيرُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذَا مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ انْتَهَى. اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ إنْ شَاءَ " هَلْ يُؤْخَذُ مِنْهُ كِرَاءُ الْأَحْبَاسِ عَلَى قَبُولِ الزِّيَادَةِ وَأَظُنُّ سَيِّدِي ابْنَ سِرَاجٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ هَذَا.
(وَفِي سَنَةٍ بِكَذَا تَأْوِيلَانِ) . عِيَاضٌ: وَإِذَا قَالَ أُكْرِيَ مِنْكَ سَنَةً بِدِرْهَمٍ أَوْ شَهْرًا بِدِرْهَمٍ فَحَمَلَ أَكْثَرُهُمْ ظَاهِرَ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِهِ هَذِهِ السَّنَةُ تَلْزَمُهُمَا السَّنَةَ أَوْ الشَّهْرَ. ابْنُ عَرَفَةَ: فِي كَوْنِ كِرَاءِ الدَّارِ مُشَاهَرَةً مُنْحَلًّا مُطْلَقًا فِيمَا لَمْ يُسْكَنْ وَلُزُومُهُ فِي أَوَّلِ شَهْرٍ فَقَطْ ثَالِثُهَا لُزُومُ الشَّهْرِ بِسُكْنَى بَعْضِهِ أَوَّلًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
стр. 3120
لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَرِوَايَةُ ابْنِ أَبِي أُوَيْسٍ.
(وَأَرْضِ مَطَرٍ عَشْرًا إنْ لَمْ يَنْقُدْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا بَأْسَ بِكِرَاءِ أَرْضِ الْمُكْرِي عَشْرَ سِنِينَ إنْ لَمْ يَنْقُدْ، فَإِنْ شَرَطَ النَّقْدَ فَسَدَ الْكِرَاءُ، وَإِنْ اكْتَرَاهَا سِنِينَ وَقَدْ أَمْكَنَتْ لِلْحَرْثِ جَازَ نَقْدُ حِصَّةِ عَامِهِ هَذَا (وَإِنْ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَى أَرْضَ الْمَطَرِ سَنَةً قُرْبَ الْحَرْثِ أَوْ حِينَ تَوَقُّعِ الْغَيْثَ لَمْ يَجُزْ النَّقْدُ حَتَّى تُرْوَى وَتَمَكُّنَ مِنْ الْحَرْثِ.
(إلَّا الْمَأْمُونَةَ كَالنِّيلِ وَالْمُعَيَّنَةَ فَيَجُوزُ) . ابْنُ رُشْدٍ: عَقْدُ الْكِرَاءِ جَائِزٌ فِي الْأَرْضِينَ كُلِّهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ بَيْنَ السِّنِينَ الْكَثِيرَةِ، وَسَوَاءٌ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ كَانَتْ مَأْمُونَةً أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ. وَتَنْقَسِمُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ فِيهَا عَلَى قِسْمَيْنِ، فَمَا كَانَ مِنْهَا مَأْمُونًا كَأَرْضِ النِّيلِ وَأَرْضِ الْمَطَرِ الْمَأْمُونَةِ وَأَرْضِ السَّقْيِ بِالْأَنْهَارِ وَالْعُيُونِ الثَّابِتَةِ وَالْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ فَالنَّقْدُ فِيهَا لِلْأَعْوَامِ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ، وَمَا كَانَ مِنْهَا غَيْرَ مَأْمُونٍ فَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ فِيهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يُرْوَى وَيُمَكِّنَ مِنْ الْحَرْثِ كَانَتْ مِنْ أَرْضِ النِّيلِ أَوْ مِنْ أَرْضِ الْمَطَرِ أَوْ السَّقْيِ بِالْعُيُونِ وَالْآبَارِ (وَيَجِبُ فِي مَأْمُونَةِ النِّيلِ إذَا رُوِيَتْ) ابْنُ رُشْدٍ: وَتَنْقَسِمُ فِي وُجُوبِ النَّقْدِ عَلَى قِسْمَيْنِ: أَرْضِ النِّيلِ وَأَرْضِ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ. فَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ فَيَجِبُ النَّقْدُ فِيهَا إذَا رُوِيَتْ؛ لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ فِيمَا يُسْتَقْبَلُ فَبِالرَّيِّ يَكُونُ الْمُكْتَرِي قَابِضًا لِمَا اكْتَرَى، وَأَمَّا أَرْضُ السَّقْيِ وَالْمَطَرِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُكْتَرِي فِيهَا دَفْعُ الْكِرَاءِ حَتَّى يَتِمَّ الزَّرْعُ وَيَسْتَغْنِيَ عَنْ الْمَاءِ.
(وَقَدْرٍ مِنْ أَرْضِكَ إنْ عُيِّنَ أَوْ تَسَاوَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى مِائَةَ ذِرَاعٍ مِنْ أَرْضٍ مُعَيَّنَةٍ جَازَ إنْ تَسَاوَتْ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ حَتَّى
стр. 3121
يُعَيِّنَ مَوْضِعَهَا.
(وَعَلَى أَنْ يَحْرُثَهَا ثَلَاثًا أَوْ يُزَبِّلَهَا إنْ عُرِفَ) . ابْنُ عَرَفَةَ: شَرْطُ مَنْفَعَةٍ فِي الْأَرْضِ كَشَرْطِ نَقْدِ بَعْضِ كِرَائِهَا. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُحَرِّكَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَيَزْرَعَهَا فِي التَّحْرِيكِ الرَّابِعِ جَازَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ عَلَى أَنْ يُزَبِّلَهَا إنْ كَانَ الَّذِي يُزَبِّلَهَا بِهِ شَيْئًا مَعْرُوفًا. ابْنُ يُونُسَ: يُرِيدُ إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً لِأَنَّ زِيَادَةَ الْحِرَاثَاتِ وَالتَّزْبِيلِ مَنْفَعَةٌ تَبْقَى فِي الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهَا فَيَصِيرُ كَالنَّقْدِ اشْتَرَطَهُ فِي غَيْرِ الْمَأْمُونَةِ.
(وَأَرْضٍ سِنِينَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنَّ عَقْدَ الْكِرَاءِ فِي الْأَرْضِينَ لِلسِّنِينَ الْكَثِيرَةِ جَائِزٌ مَأْمُونَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ (لِذِي شَجَرٍ بِهَا مُسْتَقْبَلَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اكْتَرَيْت أَرْضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً فَغَرَسْت فِيهَا شَجَرًا فَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِيهَا شَجَرُكَ فَلَا بَأْسَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً. (وَإِنْ لِغَيْرِكَ) . اللَّخْمِيِّ: وَيَجُوزُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْ غَيْرِ الْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَيُقَالُ لِلْمُكْتَرِي أَرْضِ الْمُكْتَرِي الْآخَرَ أَوْ اقْلَعْ شَجَرَكَ. وَمِنْ ابْنِ يُونُسَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ اكْتَرَيْتهَا ثُمَّ أَكْرَيْتَهَا مِنْ غَيْرِك فَغَرَسَهَا ثُمَّ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْكِرَاءِ وَفِيهَا غَرْسُهُ فَلَكَ أَنْ تَكْتَرِيَهَا مِنْ رَبِّهَا سِنِينَ مُسْتَقْبَلَةً، فَإِنْ أَرْضَاكَ الْغَارِسُ وَإِلَّا قَلَعَ غَرْسَهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا جَازَ كِرَاؤُهَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُجْبِرَ الْغَارِسَ عَلَى قَلْعِ غَرْسِهِ بَعْدَ تَمَامِ كِرَائِهِ فَكَانَ الْمُكْتَرِي إنَّمَا دَخَلَ عَلَى أَنْ يَقْلَعَ عَنْهُ الْغَارِسُ غَرْسَهُ؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ مِنْ الْأَرْضِ مَا كَانَ رَبُّهَا يَمْلِكُهُ، وَلَا يَسْتَطِيعُ الْغَارِسُ مُخَالَفَتَهُ فَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ.
(لَا زَرْعٍ) . اللَّخْمِيِّ: إنْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَفِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَكُنْ لِلْمُكْتَرِي الْأَوَّلِ وَلَا لِغَيْرِهِ أَنْ يَكْتَرِيَ إلَّا مَا بَعْدَ هَذَا الزَّرْعِ بِخِلَافِ الْغَرْسِ، وَثَالِثُ الْأَقْوَالِ الزَّرْعُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَغْرَمُ فِيهِ كِرَاءَ الْمِثْلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُ الشَّجَرِ زَرْعًا أَخْضَرَ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يُكْرِيَهَا مَا دَامَ زَرْعُ هَذَا فِيهَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ إذَا انْقَضَتْ الْإِجَارَةُ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ أَرْضِهِ وَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ الشَّجَرَ فَافْتَرَقَا إلَّا أَنْ يُكْرِيَهَا مِنْكَ إلَى تَمَامِ الزَّرْعِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قَالَ سَحْنُونَ: وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مَأْمُونَةً يُرِيدُ فِي جَوَازِ النَّقْدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِذَا انْقَضَتْ السُّنُونَ وَلِلْمُكْتَرِي فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ لَمْ يَجُزْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاؤُهُ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُ زَرْعٍ أَخْضَرَ يُشْتَرَطُ مَعَ الْأَرْضِ فِي صَفْقَةٍ، وَكَذَلِكَ الْأُصُولُ بِثَمَرِهَا وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ الْمُبْتَاعُ كَانَ مَا أَبَّرَ مِنْ الثَّمَرَةِ أَوْ مَا ظَهَرَ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ لِلْبَائِعِ، وَإِذَا لَمْ تُؤَبَّرْ الثَّمَرَةُ وَلَمْ يَظْهَرْ الزَّرْعُ مِنْ الْأَرْضِ فَذَلِكَ لِلْمُبْتَاعِ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: الْأَشْبَهُ أَنْ يَجُوزَ لِرَبِّ الْأَرْضِ شِرَاءُ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ مِلْكٌ لَهُ فَصَارَ مَقْبُوضًا بِالْعَقْدِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ نَمَاءٍ إنَّمَا هُوَ فِي ضَمَانِ مُشْتَرِيهِ لِكَوْنِهِ فِي أَرْضِهِ وَإِنَّمَا مُنِعَ ﵊ مِنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا لِكَوْنِ ضَمَانِهَا مِنْ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أُصُولِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «أَرَأَيْت إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أَحَدُكُمْ مَالَ
стр. 3122
أَخِيهِ» . وَعَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ أَجَازَ عَبْدُ الْمَلِكِ شِرَاءَ جِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ بِقَمْحٍ أَوْ بِجِنَانٍ فِيهِ ثَمَرَةٌ تُخَالِفُهَا؛ لِأَنَّ كُلَّ ثَمَرَةٍ مَقْبُوضَةٌ فَكَانَا مُتَنَاجِزَيْنِ.
(وَشَرْطُ كَنْسِ مِرْحَاضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ حَمَّامًا وَاشْتَرَطَ كَنْسَ الْمَرَاحِيضِ وَالتُّرَابِ، وَغُسَالَةُ الْحَمَّامِ عَلَى الْمُكْتَرِي جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ. ابْنُ يُونُسَ: قِيلَ: مَعْنَى ذَلِكَ فِي كَنْسِ مَا يَكُونُ بَعْدَ عَقْدِ الْكِرَاءِ، وَأَمَّا مَا كَانَ يَوْمَ الْعَقْدِ فِي الْمَرَاحِيضِ فَهُوَ عَلَى الْمُكْتَرِي شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَمْ لَا كَمَا لَوْ كَانَ فِي أَحَدِ الْبُيُوتِ الْمُكْتَرَاةِ شَيْءٌ فَإِنَّ عَلَيْهِ إزَالَتَهُ وَتَفْرِيغَ الْبَيْتِ لِلْمُكْتَرِي لِذَلِكَ الْمِرْحَاضِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَعَلَى رَبِّهَا مَرَمَّتُهَا وَكَنْسُ مَرَاحِيضِهَا وَإِصْلَاحُ مَا وَهِيَ مِنْ الْجِدَارَاتِ وَالْبُيُوتِ. ابْنُ يُونُسَ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ فِي الْمَرَمَّةِ وَالْإِصْلَاحِ الْخَفِيفَ أَوْ يُرِيدُ أَنَّهُ عَلَيْهِ وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ بَعْدَ هَذَا: إذَا تَعَطَّلَ الْبَيْتُ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّ الدَّارِ عَلَى الطُّرُوِّ وَلِلْمُكْتَرِي الْخُرُوجُ فِي الضَّرَرِ الْبَيِّنِ إلَّا أَنْ يَطُرَّهَا رَبُّهَا فَكَذَلِكَ هَذَا. وَقَوْلُهُ هَاهُنَا: " وَعَلَى رَبِّهَا كَنْسُ الْمِرْحَاضِ " لَعَلَّهُ يُرِيدُ مَا كَانَ فِيهِ قَدِيمًا لِأَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى أَنَّ الْكَنْسَ عَلَى الْمُكْتَرِي إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى رَبِّ الدَّارِ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ أَوْ شَرْطٌ فَيُحْمَلَانِ عَلَيْهِ.
(وَمَرَمَّتِهِ وَتَطْيِينٍ مِنْ كِرَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ حَمَّامًا عَلَى أَنَّ مَا احْتَاجَا إلَيْهِ مِنْ مَرَمَّةٍ رَمَّهَا الْمُكْتَرِي، فَإِنْ شَرَطَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِرَاءِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ أَنَّ مَا عَجَزَ عَنْ الْكِرَاءِ أَنْفَقَهُ السَّاكِنُ مِنْ عِنْدِهِ لَمْ يَجُزْ (وَجَبَ) لَا إنْ لَمْ يَجِبْ. (أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُكْتَرِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اكْتَرَى دَارًا عَلَى أَنَّ مَا احْتَاجَتْ إلَيْهِ مِنْ يَسِيرِ مَرَمَّةٍ رَمَّهَا الْمُكْتَرِي لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ كِرَائِهَا.
(أَوْ حَمِيمِ أَهْلِ ذِي الْحَمَّامِ أَوْ نُورَتِهِمْ مُطْلَقًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى حَمَّامًا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ لِرَبِّهِ مَا احْتَاجَ أَهْلُهُ مِنْ نُورَةٍ أَوْ حَمِيمٍ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَشْتَرِطَ شَيْئًا مَعْرُوفًا.
قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا عَرَفَ نَاحِيَةَ عِيَالِ الرَّجُلِ مِنْ قِلَّةٍ وَكَثْرَةٍ وَعَلِمَ عِدَّتَهُمْ، وَقَدْ أَجَازَهُ مَالِكٌ وَأَجَازَ اسْتِئْجَارَ الْخَيَّاطِ عَلَى خِيَاطَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ الثِّيَابِ فِي السَّنَةِ، أَوْ الْفَرَّانِ عَلَى خَبْزِ مَا يَحْتَاجُ لَهُ مِنْ الْخُبْزِ سَنَةً أَوْ شَهْرًا إذَا عَرَفَ عِيَالَ الرَّجُلِ وَمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا مَعْرُوفٌ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَمِقْدَارُ أَكْلِ النَّاسِ مَعْرُوفٌ وَالْخِيَاطَةُ قَرِيبٌ مِنْهُ، وَأَمَّا دُخُولُ الْحَمَّامِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً، وَالنُّورَةُ يُمْكِنُ أَنْ تُعْمَلَ فِي الشَّهْرِ مَرَّةً أَوْ فِي الشَّهْرِ مَرَّتَيْنِ، فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى أَمْرٍ مَعْرُوفٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
(أَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَرْضِ بِنَاءً أَوْ غَرْسًا وَبَعْضُهُ أَضَرُّ وَلَا عُرْفَ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الْأَرْضِ بِنَاءً وَلَا غَرْسًا وَلَا زِرَاعَةً وَلَا غَيْرَهُ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ فَلَهُ مَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ فَسَدَ وَلَوْ سَمَّى صِنْفًا يَزْرَعُهُ جَازَ مِثْلُهُ وَدُونَهُ. مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا فَأَرَادَ أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا شَجَرًا فَذَلِكَ لَهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ الْأَرْضَ. اللَّخْمِيِّ: وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَأْجَرَهَا لِيَزْرَعَهَا
стр. 3123
شَعِيرًا وَأَحَبَّ أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً لَمْ يُمْنَعْ إذَا لَمْ يَضُرَّ.
(وَكِرَاءٌ وَكَيْلٌ بِمُحَابَاةٍ أَوْ بِعَرْضٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ وَكَّلَ رَجُلًا يُكْرِي دَارِهِ فَأَكْرَاهَا بِغَيْرِ الْعَيْنِ أَوْ حَابَى فِي الْكِرَاءِ فَهُوَ كَالْبَيْعِ لَا يَجُوزُ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَهُ فَسْخُ الْكِرَاءِ أَوْ إجَازَتُهُ إنْ لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالْمُحَابَاةِ قَالَ: وَلَوْ أَعَارَهَا أَوْ وَهَبَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ أَسْكَنَهَا أَوْ حَابَى فِي كِرَائِهَا رَجَعَ بِهَا عَلَى الْوَكِيلِ بِالْكِرَاءِ فِي مَالِهِ، ثُمَّ لَا رُجُوعَ عَلَى الْوَكِيلِ لِلسَّاكِنِ، وَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ عَدِيمًا رَجَعَ رَبُّهَا عَلَى السَّاكِنِ بِالْكِرَاءِ ثُمَّ لَا رُجُوعَ لِلسَّاكِنِ عَلَى الْوَكِيلِ.
(أَوْ أَرْضٍ مُدَّةً لِغَرْسٍ فَإِذَا انْقَضَتْ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَهُ نِصْفُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَكْرَى أَرْضًا عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا الْمُكْتَرِي شَجَرًا سَمَّاهَا عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ لِلْغَارِسِ فَإِذَا انْقَضَتْ الْمُدَّةُ فَالشَّجَرُ لِرَبِّ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ أَكْرَاهَا بِشَجَرٍ لَا يَدْرِي أَيُسْلَمُ الشَّجَرُ إلَيْهِ أَمْ لَا. اللَّخْمِيِّ: وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أُكْرِيكَ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنَّ نِصْفَ الشَّجَرِ لِي وَنِصْفَهُ لَكَ بَعْدَ الْعَشْرِ سِنِينَ، فَإِنْ قَالَ: عَلَى أَنَّ لَكَ نِصْفَهَا مِنْ الْآنِ جَازَ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَجُوزُ وَهُوَ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ اهـ اُنْظُرْ قَوْلَهُ: " وَقَالَ غَيْرُهُ " وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ كِتَابِ الْمُغَارَسَةِ وَلَمْ يَعْقِدْ لَهَا خَلِيلٌ فَصْلًا، وَعَقَدَ الْمُتَيْطِيُّ عَلَيْهَا كِتَابًا فَقَالَ: كِتَابُ الْمُغَارَسَةِ. ثُمَّ قَالَ: فَإِنْ كَانَتْ الْغُرُوسُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ فَلَا إشْكَالَ فِي جَوَازِهِ، سَمَّى لَهُ عَدَدَ مَا يَغْرِسُ فِي الْأَرْضِ أَوْ لَمْ يُسَمِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ النَّاسِ. أَمَّا إنْ كَانَتْ الْغُرُوسُ مِنْ عِنْدِ الْغَارِسِ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ كَمَا دَخَلَ مَسْأَلَةُ الَّذِي اسْتَأْجَرَ الْأَجِيرَ عَلَى أَنْ يَبْنِيَ لَهُ دَارًا عَلَى أَنَّ الْآجُرَّ وَالْجِصَّ مِنْ عِنْدِ الْبَنَّاءِ. رَاجِعْهُ فِيهِ.
(وَالسَّنَةُ فِي الْمَطَرِ بِالْحَصَادِ) وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا فَحَصَدَ زَرْعَهُ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ، فَأَمَّا أَرْضُ الْمَطَرِ فَمُجْمَلُ السَّنَةِ فِيهَا الْحَصَادُ وَيُقْضَى بِذَلِكَ فِيهَا (وَفِي السَّقْيِ بِالشُّهُورِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَمَّا ذَاتُ السَّقْيِ الَّتِي تُكْرَى عَلَى أَمَدِ الشُّهُورِ وَالسِّنِينَ فَلِلْمُكْتَرِي الْعَمَلُ إلَى تَمَامِ سَنَةٍ، فَإِنْ تَمَّتْ وَلَهُ فِيهَا زَرْعٌ أَخْضَرُ أَوْ بَقْلٌ فَلَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ قَلْعُهُ وَعَلَيْهِ تَرْكُهُ إلَى تَمَامِهِ وَلَهُ فِيمَا بَقِيَ كِرَاءُ مِثْلِهَا عَلَى حِسَابِ مَا اكْتَرَاهَا مِنْهُ. وَطَرَحَ سَحْنُونَ عَلَى حَسَبِ مَا أَكْرَى وَأَبْقَى كِرَاءَ الْمِثْلِ.
وَنَقَلَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ فِي مُخْتَصَرِهِ وَلَهُ فِيمَا بَقِيَ كِرَاءُ مِثْلِهِ لَا عَلَى مَا أَكْرَاهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَكَلَامُ ابْنِ الْقَاسِمِ جَيِّدٌ. اُنْظُرْ تَوْجِيهَهُ فِي تَرْجَمَةِ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا.
(وَفِي السَّقْيِ فَبِالشُّهُورِ فَإِنْ تَمَّتْ وَلَهُ زَرْعٌ أَخْضَرُ فَكِرَاءُ مِثْلِ الزَّائِدِ وَإِنْ انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي حَبٌّ فَنَبَتَ قَابِلًا فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَمَنْ جَرَّهُ السَّيْلُ إلَيْهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا انْتَثَرَ لِلْمُكْتَرِي حَبٌّ فِي الْأَرْضِ فِي حَصَادِهِ فِي
стр. 3124
الْأَرْضِ فَنَبَتَ قَابِلًا فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ مَنْ زَرَعَ زَرْعًا فَحَمَلَ السَّيْلُ زَرْعَهُ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ إلَى أَرْضِ غَيْرِهِ فَنَبَتَ فِيهَا قَالَ مَالِكٌ: وَالزَّرْعُ لِمَنْ جَرَّهُ السَّيْلُ إلَى أَرْضِهِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّارِعِ اهـ. وَانْظُرْ الْأَشْجَارَ هِيَ بِخِلَافِ هَذَا قَالَ سَحْنُونَ: لَوْ قَلَعَ السَّيْلُ مِنْ أَرْضٍ شَجَرَاتٍ فَصَيَّرَهَا إلَى أَرْضِ رَجُلٍ فَنَبَتَتْ فِيهَا فَلْيَنْظُرْ، فَإِنْ كَانَ إنْ قُلِعَتْ وَرُدَّتْ إلَى أَرْضِهِ نَبَتَتْ فَلَهُ قَلْعُهَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا يَقْلَعُهَا لِلْحَطَبِ لَا لِيَغْرِسَهَا فِي أَرْضِهِ فَهَذَا مُضَارٌّ وَلَهُ الْقِيمَةُ، وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرُ لَوْ قُلِعَتْ لَمْ تَنْبُتْ فِي أَرْضِ رَبِّهَا وَإِنَّمَا تَصِيرُ حَطَبًا فَهَذَا الَّذِي جَرَتْ فِي أَرْضِهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَأْذَنَ لِرَبِّهَا فِي قَلْعِهَا أَوْ يُعْطِيَهُ قِيمَتَهَا مَقْلُوعَةً. وَلَوْ نَقَلَ السَّيْلُ تُرَابَ أَرْضٍ إلَى أُخْرَى فَإِنْ أَرَادَ رَبُّهُ نَقْلَهُ إلَى أَرْضِهِ وَكَانَ مَعْرُوفًا فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَى يَنْقُلُهُ فَطَلَبَهُ مَنْ صَارَ فِي أَرْضِهِ بِتَنْحِيَتِهِ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُزْ شَيْئًا.
(وَلَزِمَ الْكِرَاءُ بِالتَّمَكُّنِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يُسْتَحَقُّ تَقْدِيمُ جُزْءٍ مِنْ الْإِجَارَةِ إلَّا بِالتَّمَكُّنِ مِنْ اسْتِيفَاءِ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَنْفَعَةِ اهـ. وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ لِابْنِ يُونُسَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا أَنْ يَنْقُدَ إلَّا بِقَدْرِ مَا رَكِبَ أَوْ سَكَنَ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ حَبَسَ الدَّابَّةَ أَوْ الثَّوْبَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ تَثْبُتُ الْأُجْرَةُ إذْ التَّمَكُّنُ كَالِاسْتِيفَاءِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ رَاجَعَهُ فِيهِ.
(وَإِنْ فَسَدَتْ بِجَائِحَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَوْ هَلَكَ الزَّرْعُ بِبَرْدِ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ جَائِحَةٍ فَالْكِرَاءُ عَلَيْهِ. (أَوْ غَرِقَ بَعْدَ وَقْتِ الْحَرْثِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ أَتَى مَطَرٌ فَغَرِقَ زَرْعُهُ فِي إبَّانٍ لَوْ انْكَشَفَ الْمَاءُ عَنْ الْأَرْضِ أَدْرَكَ زَرْعَهَا ثَانِيَةً فَلَمْ يَنْكَشِفْ حَتَّى فَاتَ الْإِبَّانُ فَذَلِكَ كَغَرَقِهَا فِي الْإِبَّانِ قَبْلَ أَنْ تُزْرَعَ حَتَّى فَاتَ الْحَرْثُ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَلَوْ انْكَشَفَ الْمَاءُ فِي إبَّانٍ يُدْرَكُ فِيهِ الْحَرْثُ لَزِمَهُ الْكِرَاءُ وَإِنْ لَمْ يَحْدُثْ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ أَيْضًا. إنْ أَتَى مَطَرٌ بَعْدَ الزَّرْعِ وَفَاتَ إبَّانُ الزِّرَاعَةِ فَغَرِقَ زَرْعُهُ حَتَّى هَلَكَ بِذَلِكَ فَهِيَ جَائِحَةٌ عَلَى الزَّارِعِ وَعَلَيْهِ جَمِيعُ الْكِرَاءِ بِخِلَافِ هَلَاكِهِ مِنْ الْقَحْطِ.
(أَوْ عَدَمِهِ بَذْرًا أَوْ سِجْنِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُنْقَضُ الْكِرَاءُ بِمَوْتِ الْمُتَكَارِيَيْنِ أَوْ أَحَدِهِمَا، وَكَذَلِكَ مَنْ اكْتَرَى دَارًا أَوْ أَرْضًا فَلَمْ يَجِدْ بَذْرًا أَوْ سَجَنَهُ السُّلْطَانُ بَاقِيَ الْمُدَّةِ فَالْكِرَاءُ يَلْزَمُهُ وَلَا يُعْذَرُ بِهَذَا وَلَكِنْ يُكْرِيهَا هُوَ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يَسْكُنَ الدَّارَ.
. (أَوْ انْهَدَمَتْ شُرُفَاتُ الْبَيْتِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا لَمْ
стр. 3125
يَكُنْ فِيمَا انْهَدَمَ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْتَرِي وَلَمْ يُبَيِّنْهُ رَبُّ الدَّارِ، لَزِمَ الْمُكْتَرِيَ السُّكْنَى بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ لِذَلِكَ، وَانْهِدَامُ الشُّرُفَاتِ لَا يَضُرُّ بِسُكْنَى الْمُكْتَرِي. وَإِنْ اتَّفَقَ فِيهَا كَانَ مُتَطَوِّعًا وَلَا شَيْءَ لَهُ يُرِيدُ إلَّا أَخْذَ النَّقْضِ فَلَهُ أَخْذُهُ إنْ كَانَ يَنْتَفِعُ بِهِ. (أَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ بَعْضَهُ) الَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ: إنْ اكْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ دَارًا هُوَ فِيهَا فَبَقِيَ فِي طَائِفَةٍ مِنْهَا لَمْ يَخْرُجْ وَسَكَنْت أَنْتَ طَائِفَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْكَ إلَّا حِصَّةُ مَا سَكَنْت، وَكَذَلِكَ لَوْ سَكَنَ أَجْنَبِيٌّ طَائِفَةً مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمْت بِهِ فَلَمْ تُخْرِجْهُ لَزِمَهُ كِرَاءُ مَا سَكَنَ. (لَا إنْ نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَإِنْ قَلَّ أَوْ انْهَدَمَ بَيْتٌ مِنْهَا أَوْ سَكَنَهُ مُكْرِيهِ أَوْ لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمِ لِلْأَعْلَى أَوْ عَطِشَ بَعْضُ الْأَرْضِ أَوْ غَرِقَ فَبِحِصَّتِهِ) أَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَإِنْ قَلَّ أَوْ انْهَدَمَ بَيْتٌ مِنْهَا فَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْهَدْمُ فِي الدَّارِ الْمُكْتَرَاةِ إنْ كَانَ يَسِيرًا فَهُوَ عَلَى ثَلَاثَةٍ: الْأَوَّلُ: مَا لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى السَّاكِنِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ كِرَاءِ الدَّارِ شَيْئًا كَالشُّرُفَاتِ وَنَحْوِهَا، فَلَا خِلَافَ أَنَّ الْكِرَاءَ لِلْمُكْتَرِي لَازِمٌ وَلَا يُحَطُّ عَنْهُ مِنْهُ شَيْءٌ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ لَا مَضَرَّةَ فِيهِ عَلَى السَّاكِنِ إلَّا أَنَّهُ يَنْقُصُ مِنْ قِيمَةِ كِرَاءِ الدَّارِ، فَهَذَا يَلْزَمُهُ السُّكْنَى وَيُحَطُّ عَنْهُ مَا حَطَّ ذَلِكَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ إنْ لَمْ يُصْلِحْهُ رَبُّ الدَّارِ وَلَا يَلْزَمُهُ إصْلَاحُهُ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِيهِ مَضَرَّةٌ عَلَى السَّاكِنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُبْطِلَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ شَيْئًا كَالْهَطْلِ وَشِبْهِهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إنَّ رَبَّ الدَّارِ لَا يَلْزَمُهُ الْإِصْلَاحُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ أَبَى كَانَ الْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ.
стр. 3126
وَأَمَّا إنْ كَانَ الْهَدْمُ. كَثِيرًا فَلَا يَلْزَمُ رَبَّ الدَّارِ الْإِصْلَاحُ بِإِجْمَاعٍ وَهُوَ أَيْضًا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ أَنْ يَعِيبَ السُّكْنَى وَيَنْقُصَ مِنْ قِيمَةِ الْكِرَاءِ وَلَا يُبْطِلَ شَيْئًا مِنْ الْمَنَافِعِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ الدَّارُ مُبَلَّطَةً مُجَصَّصَةً فَيَذْهَبُ تَبْلِيطُهَا وَتَجْصِيصُهَا، فَهَذَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ إلَّا أَنْ يُصْلِحَ ذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ، فَإِنْ سَكَتَ وَسَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ عَلَى مَذْهَبِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ.
الثَّانِي أَنْ يُبْطِلَ الْيَسِيرَ مِنْ مَنَافِعِ الدَّارِ كَالْبَيْتِ يَنْهَدِمُ مِنْهَا وَهِيَ ذَاتُ بُيُوتٍ فَهَذَا يَلْزَمُهُ السُّكْنَى يُحَطُّ مَا نَابَ الْبَيْتَ الْمُنْهَدِمَ مِنْ الْكِرَاءِ.
الثَّالِثُ أَنْ يُبْطِلَ أَكْثَرَ مَنَافِعِ الدَّارِ أَوْ مَنْفَعَةَ الْبَيْتِ الَّذِي هُوَ وَجْهُهَا أَوْ يَكْشِفُهَا بِانْهِدَامِ حَائِطِهَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَهَذَا يَكُونُ الْمُكْتَرِي فِيهِ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَسْكُنَ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ أَوْ يَخْرُجَ، فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَسْكُنَ عَلَى أَنْ يُحَطَّ عَنْهُ مَا يَنُوبُ مَا انْهَدَمَ مِنْ الْكِرَاءِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ رَبُّ الدَّارِ فَيَجْرِي جَوَازُهُ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الرَّجُلَيْنِ سِلْعَتَيْهِمَا فِي الْبَيْعِ انْتَهَى.
وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا سَكَنَهُ مُكْرِيهِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا سَكَنَ صَاحِبُ طَائِفَةٍ مِنْهَا فَقَالَ الْمُكْتَرِي: إنَّمَا أُعْطِيك حِصَّةً أَنَّ ذَلِكَ لَهُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِسُلَّمٍ لِلْأَعْلَى سَكَنَهُ مُكْرِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا سَكَنَ صَاحِبُ الدَّارِ طَائِفَةً مِنْهَا فَقَالَ الْمُكْتَرِي إنَّمَا أُعْطِيكَ حِصَّةً أَنَّ ذَلِكَ لَهُ. وَأَمَّا مَسْأَلَةُ الرُّجُوعِ بِالْحِصَّةِ لِعَطَشِ بَعْضِ الْأَرْضِ أَوْ غَرَقٍ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا فَغَرِقَ بَعْضُهَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ عَطِشَ، فَإِنْ كَانَ اكْتَرَاهَا رَدَّ جَمِيعَهَا، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا حُطَّ عَنْهُ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ مِنْ الْكِرَاءِ.
(وَخُيِّرَ فِي مُضِرٍّ كَهَطْلٍ فَإِنْ بَقِيَ فَالْكِرَاءُ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ فِي الْوَجْهِ الثَّالِثِ كَالْهَطْلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ، فَإِنْ سَكَنَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ.
(كَعَطَشِ أَرْضِ صُلْحٍ وَهَلْ مُطْلَقًا أَوْ إلَّا أَنْ يُصَالِحُوا عَلَى الْأَرْضِ تَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ الْخَرَاجِ بِكِرَاءٍ، مِثْلُ أَرْضِ مِصْرَ فَغَرِقَتْ أَوْ عَطِشَتْ قَبْلَ الْحَرْثِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إذَا لَمْ يَتِمَّ زَرْعُهَا مِنْ الْعَطَشِ. وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ الَّتِي صَالَحُوا عَلَيْهَا إذَا زَرَعُوا فَعَطِشَ زَرْعُهُمْ فَعَلَيْهِمْ خَرَاجُ أَرْضِهِمْ. قَالَ غَيْرُهُ: هَذَا إنْ كَانَ الصُّلْحُ وَظِيفَةً عَلَيْهِمْ، وَأَمَّا إنْ صَالَحُوا عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ خَرَاجًا مَعْرُوفًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ. ابْنُ يُونُسَ: وَأَمَّا أَرْضُ مِصْرَ إذَا عَطِشَتْ وُضِعَ الْكِرَاءُ عَنْ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّهَا أَرْضُ عَنْوَةٍ أَكْرَاهَا السُّلْطَانُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا أَرْضُ الصُّلْحِ فَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَالَحَهُمْ عَلَى أَنَّ عَلَى أَرْضِهِمْ خَرَاجًا فَالْأَمْرُ كَمَا لَوْ قَالَ الْغَيْرُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُخَالِفَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي هَذَا، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا صَالَحَهُمْ كَانَ عَلَى الْمُصَالَحِينَ خَرَاجًا لِمِلْكِهِمْ الْأَرْضَ كَمَا يُوصَفُ بِقَدْرِ أَكْسَابِهِمْ
стр. 3127
وَأَمْلَاكِهِمْ صَحَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. قَالَهُ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ.
(عَكْسُ تَلَفِ الزَّرْعِ لِكَثْرَةِ دُودِهَا أَوْ فَأْرِهَا أَوْ عَطَشٍ) اللَّخْمِيِّ: هَلَاكُ الزَّرْعِ إنْ كَانَ لِقَحْطِ الْمَطَرِ أَوْ تَعَذُّرِ مَاءِ الْبِئْرِ أَوْ الْعَيْنِ أَوْ لِكَثْرَةِ نُبُوعِ مَاءِ الْأَرْضِ أَوْ الدُّودِ أَوْ فَأْرٍ سَقَطَ كِرَاءُ الْأَرْضِ، كَانَ هَلَاكُهُ فِي الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ. وَإِنْ هَلَكَ لِطَيْرٍ أَوْ جَرَادٍ أَوْ جَلِيدٍ أَوْ بَرْدٍ أَوْ جَيْشٍ؛ أَوْ لِأَنَّ الزَّرِيعَةَ لَمْ تَنْبُتْ لَزِمَ الْكِرَاءُ هَلَكَ فِي الْإِبَّانِ أَوْ بَعْدَهُ. الْمُتَيْطِيُّ: وَمِثْلُ قَحْطِ الْمَطَرِ تَوَالِي الْأَمْطَارِ، وَكَذَلِكَ إذَا مَنَعَهُ مِنْ الِازْدِرَاعِ فِتْنَةٌ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " أَوْ غَرِقَ " اُنْظُرْ إنْ أَذْهَبَ السَّيْلُ وَجْهَ الْأَرْضِ. الرِّوَايَةُ: لُزُومُ الْكِرَاءِ. وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: لَا كِرَاءَ وَعُدَّ قَوْلُهُ قَوْلًا.
(أَوْ بَقِيَ الْقَلِيلُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ جَاءَهُ مِنْ الْمَاءِ مَا كَفَى بَعْضَهُ وَهَلَكَ بَعْضُهُ فَإِنْ حَصَلَ مَا لَهُ بَالٌ وَلَهُ فِيهِ نَفْعٌ فَعَلَيْهِ مِنْ الْكِرَاءِ بِقَدْرِهِ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ إنْ حَصَدَ مَا لَا بَالَ لَهُ وَلَا نَفْعَ لَهُ فِيهِ. قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ: مِثْلُ الْخَمْسَةِ فَدَادِينَ أَوْ السِّتَّةِ مِنْ الْمِائَةِ.
(وَلَمْ يُجْبَرْ آجِرٌ عَلَى إصْلَاحٍ مُطْلَقًا بِخِلَافِ سَاكِنٍ أَصْلَحَ لَهُ بَقِيَّةَ الْمُدَّةِ قَبْلَ خُرُوجِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اكْتَرَى بَيْتًا فَهَطَلَ عَلَيْهِ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّ الدَّارِ عَلَى الطُّرُوِّ وَلَا لِلْمُكْتَرِي أَنْ يَطُرَّ مِنْ كِرَائِهَا وَيَسْكُنَ، وَلَهُ الْخُرُوجُ فِي الضَّرَرِ الْبَيِّنِ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَطُرَّهَا رَبُّهَا فَلَا خُرُوجَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ كُلُّهَا أَوْ بَيْتٌ مِنْهَا أَوْ حَائِطٌ لَمْ يُجْبَرْ رَبُّهَا عَلَى الْبُنْيَانِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ، فَإِنْ انْهَدَمَ مِنْهَا مَا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُكْتَرِي قِيلَ لَهُ: إنْ شِئْت فَاسْكُنْ يُرِيدُ بِجَمِيعِ الْكِرَاءِ إنْ لَمْ يَكُنْ نَقْدٌ، أَوْ فَأُخْرِجَ وَنَاقَضَهُ الْكِرَاءُ. وَلَيْسَ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُصْلِحَ مِنْ كِرَائِهِ وَيَسْكُنَ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ بِذَلِكَ رَبُّهَا، فَإِنْ بَنَاهَا رَبُّهَا فِي بَقِيَّةٍ مِنْ وَقْتِ الْكِرَاءِ لَزِمَ الْمُكْتَرِيَ أَنْ يَسْكُنَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَنْقُضَ الْكِرَاءَ هَذَا إنْ بَنَاهَا رَبُّهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْمُكْتَرِي.
(وَإِنْ اكْتَرَيَا حَانُوتًا فَأَرَادَ كُلٌّ مُقَدَّمَهُ قُسِمَ إنْ أَمْكَنَ وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا) وَضَعَ اللَّخْمِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَابًا.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي قَصَّارٍ وَاحِدٍ إذَا اكْتَرَيَا حَانُوتًا ثُمَّ تَنَازَعَا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا أَكُونُ فِي الْمُقَدَّمِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ: فَإِنْ حَمَلَ الْقَسْمَ وَإِلَّا أُكْرِيَ عَلَيْهِمَا. قَالَ: وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْجَانِبَيْنِ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا أَفْضَلُ لَعَدَلَا فِي الْقِيمَةِ وَاقْتَرَعَا عَلَيْهَا. اُنْظُرْ أَنْتَ مُخْتَارَهُ فِي هَذَا الْبَابِ، وَانْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ فِي جَمْعِ السِّلْعَتَيْنِ فِي الْبَيْعِ مِنْ أَنَّ الشِّرَاءَ كَذَلِكَ.
(وَإِنْ غَارَتْ عَيْنُ مُكْتَرٍ سِنِينَ بَعْدَ زَرْعِهِ أُنْفِقَتْ حِصَّةُ سَنَةٍ فَقَطْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ
стр. 3128
مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ ثُمَّ تَهَوَّرَ بِئْرُهَا أَوْ انْقَطَعَتْ عَيْنُهَا فَأَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ صَاحِبَهَا، فَلَا يَقْسِمُ الْكِرَاءَ عَلَى السِّنِينَ سَوَاءً، وَلَكِنْ يَقْسِمُ عَلَى قَدْرِ نَفَاقِهَا وَتَشَاحِّ النَّاسِ فِيهَا، وَلَيْسَ كِرَاءُ الْأَرْضِ فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ وَاحِدًا، وَمَا لَا يَنْقُدُ فِيهِ كَاَلَّذِي يَسْتَأْخِرُ نَقْدُهُ، وَكَذَلِكَ يَحْسِبُ كِرَاءَ الدُّورِ فِي الْهَدْمِ وَلَا يَحْسِبُ عَلَى عَدَدِ الشُّهُورِ وَالْأَعْوَامِ، وَقَدْ تُكْتَرَى سَنَةً لَا شَهْرَ فِيهَا كَدُورٍ بِمِصْرَ وَبِمَكَّةَ تَكْثُرُ عِمَارَتُهَا فِي الْمَوْسِمِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى أَرْضًا ثَلَاثَ سِنِينَ فَزَرَعَهَا ثُمَّ غَارَتْ عَيْنُهَا أَوْ انْهَدَمَ بِئْرُهَا وَأَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا أَنَّ لِلْمُكْتَرِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهَا حِصَّةَ تِلْكَ السَّنَةِ خَاصَّةً مِنْ الْكِرَاءِ وَيَلْزَمُ ذَلِكَ رَبَّهَا، وَإِنْ زَادَ عَلَى كِرَاءِ سَنَةٍ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُكْتَرِيَ مَتَى تَرَكَ ذَلِكَ فَسَدَ زَرْعُهُ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ كَلَامٌ، إذْ لَوْ بَطَلَ زَرْعُ هَذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ كِرَاءٌ فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ أَمْرٍ يَنْتَفِعُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا ضَرَرَ عَلَيْهِ هُوَ فِيهِ.
(وَإِنْ تَزَوَّجَ ذَاتَ بَيْتٍ وَإِنْ بِكِرَاءٍ فَلَا كِرَاءَ، إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ نَكَحَ امْرَأَةً وَهِيَ فِي بَيْتٍ اكْتَرَتْهُ سَنَةً فَدَخَلَ بِهَا فِيهِ وَسَكَنَ بَاقِيَ السَّنَةِ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ لَهَا وَلَا لِرَبِّ الْبَيْتِ، وَهِيَ كَدَارٍ تَمْلِكُهَا هِيَ إلَّا أَنْ تُبَيِّنَ لَهُ أَنِّي بِالْكِرَاءِ فَإِمَّا أَدَّيْت أَوْ خَرَجْت. قَالَ بَعْضُ الْقَرَوِيِّينَ: يَنْبَغِي لَوْ كَانَتْ الدَّارُ لَهَا فَطَلَّقَهَا الزَّوْجُ فَقَامَتْ عَلَيْهِ بِكِرَاءِ الْعِدَّةِ أَنَّ ذَلِكَ لَهَا. اللَّخْمِيِّ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِيمَنْ بَنَى بِزَوْجَتِهِ فِي دَارِهَا ثُمَّ طَلَبَتْهُ بِالْكِرَاءِ عَلَى سُكْنَاهَا لَا شَيْءَ لَهَا، يُرِيدُ لِأَنَّ الْعَادَةَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْمُكَارَمَةِ، وَاخْتُلِفَ إذَا كَانَتْ فِيهِ بِكِرَاءٍ ثُمَّ قَالَ: وَكُلُّ هَذَا مِمَّا كَانَتْ الْعِصْمَةُ بَاقِيَةً، فَإِنْ طَلَّقَهَا زَالَ مَوْضِعُ الْمُكَارَمَةِ وَكَانَ لَهَا طَلَبُهُ بِكِرَاءِ الْعِدَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَسُكْنَاهُ بِهَا فِي مَسْكَنِ أَبِيهَا أَوْ أُمِّهَا كَسُكْنَاهُ بِمَسْكَنِهَا. وَأَمَّا الْأَخُ وَالْعَمُّ اُنْظُرْهُ فِي التَّبْصِرَةِ، وَانْظُرْ الِاضْطِرَابَ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ وَنَوَازِلِ ابْنِ الْحَاجِّ إذَا كَانَتْ مَحْجُورَةً.
(وَالْقَوْلُ لِلْأَجِيرِ أَنَّهُ وَصَّلَ كِتَابًا)
стр. 3129
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ آجَرْت رَجُلًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَةَ بِكَذَا فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْصَلْته وَأَكْذَبْته أَنْتَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ؛ لِأَنَّكَ ائْتَمَنْته عَلَيْهِ وَعَلَيْكَ دَفْعُ كِرَائِهِ إلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْحُمُولَةُ كُلُّهَا يَكْتَرِيهِ عَلَى تَوْصِيلِهِ إلَى بَلَدِ كَذَا فَيَدَّعِي بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ أَوْصَلَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي أَمَدٍ يَبْلُغُ فِي مِثْلِهِ.
(وَأَنَّهُ اُسْتُصْنِعَ وَقَالَ رَبُّهُ وَدِيعَةٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ ادَّعَى عَلَى صَبَّاغٍ أَوْ صَانِعٍ مَا قَدْ عَمِلَهُ أَنَّهُ أَوْدَعَهُ إيَّاهُ وَقَالَ الصَّانِعُ: بَلْ اسْتَعْمَلْتَنِي فِيهِ، فَالصَّانِعُ مُصَدَّقٌ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ فِي هَذَا وَلَوْ جَازَ هَذَا لَذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ.
(أَوْ خُولِفَ فِي الصِّفَةِ وَفِي الْأُجْرَةِ إنْ أَشْبَهَ وَجَازَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ قَالَ: أَلَسْت أَمَرْتنِي أَنْ أَلُتَّهُ بِعَشْرَةٍ فَفَعَلَتْ وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ أَمَرْتُكَ بِخَمْسَةٍ، فَاللَّاتُّ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ سَمْنٌ بِعَشَرَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ عَلَيْهِ الضَّمَانَ كَقَوْلِ مَالِكٍ فِي الصَّبَّاغِ إذَا صَبَغَ الثَّوْبَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ عُصْفُرًا وَقَالَ لِرَبِّهِ بِذَلِكَ أَمَرَتْنِي وَقَالَ رَبُّهُ: مَا أَمَرْتُك تَجْعَلُ فِيهِ إلَّا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ عُصْفُرًا أَنَّ الصَّبَّاغَ مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ فِيهِ بِعَشَرَةٍ، وَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ
стр. 3130
صُدِّقَ رَبُّ الثَّوْبِ مَعَ يَمِينِهِ، فَإِنْ أَتَيَا بِمَا لَا يُشْبِهُ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاللَّاتُّ مِثْلُهُ سَوَاءٌ. وَلَوْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ كَانَ لِي فِيهِ صَبْغٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ فِي السَّوِيقِ لُتَاتٌ مُتَقَدِّمٌ لَمْ يُصَدَّقْ. وَهَذَا فِي جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إذَا أَسْلَمَ إلَيْهِ السَّوِيقَ وَالثَّوْبَ، فَإِمَّا إنْ لَمْ يُسْلِمْ إلَيْهِ وَلَمْ يَغِبْ عَلَيْهِ فَرَبُّ السَّوِيقِ مُصَدَّقٌ إذَا لَمْ يَأْتَمِنْهُ.
(لَا كَبِنَاءٍ وَلَا فِي رَدِّهِ فَلِرَبِّهِ وَإِنْ بِلَا بَيِّنَةٍ) أَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْبِنَاءِ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: وَاخْتَلَفَ الصَّانِعُ وَرَبُّ الثَّوْبِ فِي قَدْرِ الْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ يَقُولُ: بَنَيْت هَذَا الْبِنَاءَ بِدِينَارٍ وَيَقُولُ رَبُّهُ بِأَقَلَّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ لِذَلِكَ إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مَا لَا يُشْبِهُ. اُنْظُرْ بَحْثَ ابْنِ عَرَفَةَ فِي هَذَا. وَأَمَّا أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ. وَإِذَا أَقَرَّ الصَّانِعُ بِقَبْضِ مَتَاعٍ وَقَالَ عَمِلْته وَرَدَدْته ضَمِنَ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً يَرُدُّهُ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إنَّ الصُّنَّاعَ مُصَدَّقُونَ فِي رَدِّ الْمَتَاعِ إلَى أَهْلِهِ مَعَ أَيْمَانِهِمْ إلَّا أَنْ يَأْخُذُوهُ بِبَيِّنَةٍ فَلَا يَبْرَءُوا إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَإِنْ ادَّعَاهُ وَقَالَ سُرِقَ مِنِّي وَأَرَادَ أَخْذَهُ دَفَعَ قِيمَةَ الصَّبْغِ بِيَمِينٍ إنْ زَادَتْ دَعْوَى الصَّانِعِ عَلَيْهَا وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَهُ فَإِنْ دَفَعَ الصَّانِعُ قِيمَتَهُ أَبْيَضَ فَلَا يَمِينَ وَإِلَّا حَلَفَا وَاشْتَرَكَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَالَ الصَّانِعُ: اسْتَعْمَلْتَنِي هَذَا الْمَتَاعَ وَقَالَ رَبُّهُ: بَلْ سَرَقْتَهُ مِنِّي تَحَالَفَا وَقِيلَ لِرَبِّهِ: ادْفَعْ إلَيْهِ أَجْرَ عَمَلِهِ وَخُذْهُ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ هَذَا
стр. 3131
بِقِيمَةِ ثَوْبِهِ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَهَذَا بِقِيمَةِ عَمَلِهِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْقَرَوِيِّينَ: إذَا قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: سُرِقَ مِنِّي وَقَالَ الصَّانِعُ: وَقَدْ صَبَغَهُ بَلْ اسْتَعْمَلْتنِي، لَا يَتَحَالَفَانِ حَتَّى يُقَالَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ مَا تُرِيدُ، فَإِنْ قَالَ أُرِيدُ أَخْذَ ثَوْبِي نُظِرَ إلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ دَعْوَى الصَّانِعِ فَأَكْثَرَ فَلَا أَيْمَانَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ لِرَبِّ الثَّوْبِ هَبْكَ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا قُلْت إنَّهُ سُرِقَ لَكَ وَإِنْ أَرَدْت أَخْذَهُ لَمْ تَقْدِرْ عَلَى أَخْذِهِ إلَّا بِدَفْعِ الْإِجَارَةِ الَّتِي قَالَ الصَّانِعُ إذَا كَانَتْ مِثْلَ قِيمَةِ الْإِجَارَةِ أَوْ أَقَلَّ وَلَا يَمِينَ هَاهُنَا. وَإِنْ كَانَ مَا ادَّعَاهُ الصَّانِعُ أَكْثَرَ، حَلَفَ الْمُسْتَحِقُّ وَحْدَهُ لِيَحُطَّ عَنْ نَفْسِهِ الزَّائِدَ عَلَى قِيمَةِ الْإِجَارَةِ مِنْ التَّسْمِيَةِ الَّتِي ادَّعَاهَا الصَّانِعُ. وَإِنْ قَالَ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَوَّلًا أُرِيدُ تَضْمِينَ الصَّانِعِ قِيلَ لَهُ: احْلِفْ أَنَّكَ مَا اسْتَعْمَلْته، فَإِنْ حَلَفَ قِيلَ لِلْآخَرِ: احْلِفْ لَقَدْ اسْتَعْمَلْتُكَ لِتَبْرَأَ مِنْ الضَّمَانِ، ثُمَّ قِيلَ لِرَبِّ الثَّوْبِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ الصَّبْغِ؛ لِأَنَّهُ بَرِئَ مِنْ الْمُسَمَّى بِيَمِينِهِ أَوَّلًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلْآخَرِ: ادْفَعْ إلَيْهِ قِيمَةَ ثَوْبِهِ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ الْجَوَابُ فِي قَوْلِهِ: " سُرِقَ مِنِّي ". وَأَمَّا قَوْلُهُ: " سَرَقْت أَنْتَ " فَهُوَ مُدَّعٍ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَضْمَنُ الثَّوْبَ بِتَعَدِّيهِ فَالْيَمِينُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا بَيْنَ فَيُوجِبُ أَحَدُهُمَا الضَّمَانَ وَيَبْرَأُ مِنْهُ الْآخَرُ.
(لَا إنْ تَخَالَفَا فِي لَتِّ السَّوِيقِ وَأَبَى مَنْ دَفَعَ مَا قَالَهُ اللَّاتُّ فَمِثْلُ سَوِيقِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَمَنْ لَتَّ سَوِيقًا بِسَمْنٍ وَقَالَ لِرَبِّهِ: أَمَرْتنِي أَنْ أَلُتَّهُ لَكَ بِعَشْرَةٍ وَقَالَ رَبُّهُ: لَمْ آمُرْكَ أَنْ تَلُتَّهُ بِشَيْءٍ، قِيلَ لِصَاحِبِ السَّوِيقِ: إنْ شِئْت فَاغْرَمْ لَهُ مَا قَالَ وَخُذْ السَّوِيقَ مَلْتُوتًا، فَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّاتِّ: اغْرَمْ لَهُ مِثْلَ سَوِيقِهِ غَيْرَ مَلْتُوتٍ وَإِلَّا فَأَسْلِمْهُ إلَيْهِ بِلُتَاتِهِ وَلَا شَيْءَ لَكَ وَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِي الطَّعَامِ لِوُجُودِ مِثْلِهِ.
(وَلَهُ
стр. 3132
وَلِلْجَمَّالِ بِيَمِينٍ فِي عَدَمِ قَبْضِ الْأُجْرَةِ وَإِنْ بَلَغَ الْغَايَةَ إلَّا لِطُولٍ فَلِمُكْرِيهِ بِيَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قَالَ الْمُكْتَرِي دَفَعْت الْكِرَاءَ وَأَكْذَبَهُ الْجَمَّالُ وَقَدْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ مَعَ يَمِينِهِ إنْ كَانَتْ الْحُمُولَةُ بِيَدِهِ أَوْ بَعْدَهُ إنْ أَسْلَمَهَا بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَمَا قَرُبَ وَعَلَى الْمُكْتَرِي الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فَالْمُكْتَرِي مُصَدَّقٌ مَعَ يَمِينِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ قِيَامُ الصُّنَّاعِ بِالْأَجْرِ بِحَدَثَانِ رَدِّ الْمَتَاعِ وَإِنْ قَبَضَ
стр. 3133
الْمَتَاعَ رَبُّهُ وَتَطَاوَلَ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْمَتَاعِ وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
(وَإِنْ قَالَ بِمِائَةٍ لِبُرْقَةِ وَقَالَ بَلْ لِإِفْرِيقِيَةَ حَلَفَا وَفُسِخَ إنْ عُدِمَ السَّيْرُ أَوْ قَلَّ وَإِنْ نَقَدَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا اخْتَلَفَ الْمُتَكَارِيَانِ قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ سَيْرٍ لَا ضَرَرَ فِي رُجُوعِهِ فَقَالَ الْمُكْرِي: اكْتَرَيْت إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةٍ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ لِإِفْرِيقِيَةَ بِمِائَةٍ، تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا، نَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْهُ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ أَنْ بَلَغَا بَرْقَةَ فَقَالَ الْمُكْتَرِي: إنَّمَا أَكْرَيْتُكَ إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُكْتَرِي إلَى إفْرِيقِيَّةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَإِنْ انْتَقَدَ الْكَرِيُّ فَهُوَ مُصَدَّقٌ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ كِرَاءُ النَّاسِ إلَى بُرْقَةَ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَحْلِفُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ إلَّا قَوْلَ الْمُكْتَرِي كَانَ لِلْجَمَّالِ حِصَّةُ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي بَعْدَ أَنْ يَتَحَالَفَا، وَلَا يَلْزَمُهُ التَّمَادِي وَلَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ وَأَشْبَهَ مَا قَالَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ تَحَالَفَا وَفُضَّ الْكِرَاءُ بِأَخْذِ الْجَمَّالِ حِصَّةَ مَسَافَةِ بُرْقَةَ، وَإِنْ لَمْ يَتَمَادَوْا، وَأَيُّهُمَا نَكَلَ قُضِيَ لِمَنْ حَلَفَ.
وَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً قَبْلَ الرُّكُوبِ أَوْ بَعْدَ أَنْ بَلَغَا بُرْقَةَ قُضِيَ بِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ، فَإِنْ رَكِبَ تَكَافَآ وَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ فُسِخَ الْكِرَاءُ كُلُّهُ. ابْنُ يُونُسَ: تَلْخِيصُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَبَيَانُهَا عَلَى أُصُولِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ تَنْظُرَ؛ فَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْكَرِيِّ خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، انْتَقَدَ أَوْ لَمْ يَنْتَقِدْ. وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْتَرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، نَقَدَ الْكِرَاءَ أَوْ لَمْ يَنْقُدْ. وَإِنْ أَشْبَهَا مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت؛ فَإِنْ انْتَقَدَ الْكِرَاءَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْكَرِيِّ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي، وَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي فَيَحْلِفُ وَيَكُونُ لَهُ جَمِيعُ الْكِرَاءِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُكْتَرِي حَلَفَ وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَى فَيَكُونَ لَهُ حِصَّةَ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَيُفْسَخُ عَنْهُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَكَانَ لَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى دَائِمًا وَأَيُّهُمَا نَكَلَ قَضَى لِمَنْ حَلَفَ (وَإِلَّا كَفَوْتِ الْمَبِيعِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: إنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ طُولِ السَّفَرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ وَقَوْلُ الْمُكْرِي فِي الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَنْقُدْ وَكَأَنَّهُمَا فِي الْقُرْبِ سِلْعَتُهُمَا بِأَيْدِيهِمَا لَمْ تَفُتْ، وَإِذَا فَاتَ ذَلِكَ لِبُعْدِ السَّفَرِ فَهُوَ كَقَبْضِ الْمُشْتَرِي وَفَوْتِ مَا بِيَدِهِ وَفَاتَ رَدُّ الْبَيْعِ وَصَارَ يُطْلَبُ بِالثَّمَنِ فَهُوَ مُدَّعًى عَلَيْهِ (وَلِلْمُكْرِي فِي الْمَسَافَةِ فَقَطْ إنْ أَشْبَهَ قَوْلُهُ فَقَطْ) .
ابْنُ يُونُسَ: إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. اُنْظُرْ قَبْلَ هَذَا (أَوْ أَشْبَهَا وَانْتُقِدَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنْ أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت فَإِذَا اُنْتُقِدَ الْكِرَاءُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْرِي (وَإِنْ لَمْ يُنْتَقَدْ حَلَفَ الْمُكْتَرِي وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَلَهُ حِصَّةُ الْمَسَافَةِ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَفُسِخَ الْبَاقِي وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَ وَفُسِخَ بِكِرَاءِ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ يُونُسَ إنْ أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا نَظَرْت. فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي وَحَلَفَ وَلَزِمَ الْجَمَّالَ مَا قَالَ إلَّا أَنْ يَحْلِفَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ فَتَكُونُ لَهُ حِصَّةُ مَسَافَةِ بُرْقَةَ عَلَى دَعْوَى الْمُكْتَرِي وَيُفْسَخُ عَنْهُ الْبَاقِي، وَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ
стр. 3134
وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا وَكَانَ لَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَشَى.
(وَإِنْ قَالَ أَكْرَيْتُكَ لِلْمَدِينَةِ بِمِائَةٍ وَبَلَغَاهَا وَقَالَ بَلْ لِمَكَّةَ بِأَقَلَّ فَإِنْ نَقَدَهُ فَالْقَوْلُ لِجَمَّالٍ فِيمَا يُشْبِهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ لِلْمُكْتَرِي أَكْرَيْتُكَ إلَى الْمَدِينَةِ بِمِائَتَيْنِ وَقَدْ بَلَغَاهَا وَقَالَ الْمُكْتَرِي بَلْ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ، فَإِنْ نَقَدَهُ الْمِائَةَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْجَمَّالِ فِيمَا يُشْبِهُ. ابْنُ يُونُسَ: مَعْنَاهُ إذَا أَشْبَهَ مَا قَالَا جَمِيعًا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي فِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ أَنَّهُ لَمْ يُكْرِ إلَى مَكَّةَ بِمِائَةٍ وَيَتَفَاسَخَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا وَيُفَضُّ الْكِرَاءُ عَلَى مَا يَدَّعِي الْمُكْتَرِي، فَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا، وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَا (وَحَلَفَا وَفُسِخَ) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَحْلِفُ لَهُ الْمُكْتَرِي وَيَحْلِفُ الْجَمَّالُ وَيُتَفَاسَخَانِ (وَإِنْ لَمْ يَنْقُدْهُ فَلِلْجَمَّالِ فِي الْمَسَافَةِ وَلِلْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِمَّا ذُكِرَ بَعْدَ يَمِينِهِمَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ لَمْ يَنْقُدْهُ صُدِّقَ الْجَمَّالُ فِي الْمَسَافَةِ وَصُدِّقَ الْمُكْتَرِي فِي حِصَّتِهَا مِنْ الْكِرَاءِ الَّذِي يُذْكَرُ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا (وَإِنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي فَقَطْ فَالْقَوْلُ لَهُ بِيَمِينٍ) . ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ: أَمَّا إنْ أَشْبَهَ قَوْلُ الْمُكْرِي خَاصَّةً فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَيَحْلِفُ عَلَى دَعْوَى الْمُكْرِي وَيَأْخُذُ الْمِائَتَيْنِ (وَإِنْ أَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِلَّا سَقَطَتَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ
стр. 3135
ابْنِ الْقَاسِمِ: إنْ أَقَامَا بَيِّنَةً قُضِيَ بِأَعْدَلِهِمَا وَإِنْ تَكَافَأَتَا سَقَطَتَا.
(وَإِنْ قَالَ أَكْرَيْتُ عَشْرًا بِخَمْسِينَ وَقَالَ قَائِلٌ خَمْسًا بِمِائَةٍ حَلَفَا وَفُسِخَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا قَالَ الْمُكْتَرِي اكْتَرَيْت الْأَرْضَ عَشْر سِنِينَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ خَمْسَ سِنِينَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَإِنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْكِرَاءِ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا (وَإِنْ زَرَعَ بَعْضًا وَلَمْ يَنْقُدْ فَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي إنْ أَشْبَهَ وَحَلَفَ) . ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ قَدْ زَرَعَ سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَلَمْ يَنْقُدْهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ وَلِرَبِّهَا مَا أَقَرَّ بِهِ الْمُكْتَرِي. ابْنُ يُونُسَ: وَهُوَ خَمْسَةٌ فِي كُلِّ سَنَةٍ إنْ أَشْبَهَ أَنْ يَتَغَابَنَ النَّاسُ بِمِثْلِهِ وَيَحْلِفُ (وَإِلَّا فَقَوْلُ رَبِّهَا إنْ أَشْبَهَ) . ابْنُ يُونُسَ: إنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ الزَّارِعِ قُبِلَ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ إنْ أَشْبَهَ وَهُوَ عِشْرُونَ فِي كُلِّ سَنَةٍ إذَا
стр. 3136
تَسَاوَتْ الشُّهُورُ (وَإِنْ لَمْ يُشْبِهَا حَلَفَا وَوَجَبَ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى وَفُسِخَ الْبَاقِي مُطْلَقًا وَإِنْ نَقَدَ فَتَرَدُّدٌ) . ابْنُ يُونُسَ: فَإِنْ لَمْ يُشْبِهْ قَوْلُ وَاحِدٍ فَلَهُ كِرَاءُ الْمِثْلِ فِيمَا مَضَى وَفُسِخَ بَاقِي الْمُدَّةِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَإِنَّمَا فُسِخَتْ بَقِيَّةُ الْخَمْسِ سِنِينَ وَإِنْ أَقَرَّ بِهَا رَبُّ الْأَرْضِ لِدَعْوَاهُ فِي كِرَائِهَا أَكْثَرَ مِنْ دَعْوَى الْمُكْتَرِي، وَهَذَا إذَا لَمْ يَنْقُدْ. وَمِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ مُصَدَّقٌ فِي الْغَايَةِ فِيمَا يُشْبِهُ وَإِنْ لَمْ يَنْتَقِدْ قَالَ غَيْرُهُ: وَإِنْ انْتَقَدَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّهَا مَعَ يَمِينِهِ. ابْنُ يُونُسَ: هَذَا الَّذِي ذَكَرَ الْغَيْرُ مُوَافِقٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ. اُنْظُرْهُ فِيهِ. ابْنُ شَاسٍ.
стр. 3137
[كِتَابُ الْجِعَالَةِ] [ فِي أَحْكَامِ الْجِعَالَةِ وَأَرْكَانِهَا]
(كِتَابُ الْجِعَالَةِ) وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهَا وَأَرْكَانِهَا. أَمَّا الْأَرْكَانُ فَالْمُتَعَاقِدَانِ وَالْعَمَلُ وَالْجُعْلُ. وَأَمَّا الْأَحْكَامُ فَأَرْبَعَةٌ.
(صِحَّةُ الْجُعْلِ بِالْتِزَامِ أَهْلِ الْإِجَارَةِ) . ابْنُ شَاسٍ: وَلَا يُشْتَرَطُ فِي مُتَعَاقِدَيْ الْجُعْلِ إلَّا أَهْلِيَّةُ الِاسْتِئْجَارِ وَالْعَمَلِ.
(جُعْلًا عُلِمَ) . ابْنُ شَاسٍ: شَرْطُ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا مُقَدَّرًا كَالْإِجَارَةِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنًا لِإِجَارَةٍ أَوْ جُعْلٍ. وَذَكَرَ ابْنُ لُبَابَةَ هَذَا فَقَالَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كُلُّ مَا جَازَ بَيْعُهُ جَازَ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَأَنْ يُجْعَلَ جُعْلًا. وَمَا لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ لَمْ يَجُزْ الِاسْتِئْجَارُ بِهِ وَلَا جَعْلُهُ جُعْلًا إلَّا خَصْلَتَانِ فِي الَّذِي يَجْعَلُ لِرَجُلٍ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ لَهُ أُصُولًا حَتَّى تَبْلُغَ حَدَّ كَذَا ثُمَّ هِيَ وَالْأَصْلُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ نِصْفَ هَذَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ. وَفِي الَّذِي يَقُولُ: اُلْقُطْ زَيْتُونِي فَمَا لَقَطْت مِنْ شَيْءٍ فَلَكَ نِصْفُهُ فَإِنَّ هَذَا يَجُوزُ. ابْنُ رُشْدٍ: يُرِيدُ وَبَيْعُهُ لَا يَجُوزُ.
قَالَ ابْنُ لُبَابَةَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ مِائَةُ دِينَارٍ فَيَقُولُ: مَا اقْتَضَيْت مِنْ شَيْءٍ مِنْ دَيْنِي فَلَكَ نِصْفُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَهُمَا سَوَاءٌ. ابْنُ رُشْدٍ: مَا هُمَا سَوَاءٌ وَالْأَظْهَرُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمُجَاعَلَةُ عَلَى لَقْطِ الزَّيْتُونِ بِالْجُزْءِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَهُ أَهْوَنُ مِنْ آخِرِهِ وَالْمُجَاعَلَةُ عَلَى اقْتِضَاءِ الدَّيْنِ بِالْجُزْءِ مِمَّا يَقْتَضِي، فَأَشْهَبُ
стр. 3138
لَا يُجِيزُهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ جَائِزٌ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَوَّلِهِ وَآخِرِهِ فِي الْعَنَاءِ فِي اقْتِضَائِهِ. وَأَمَّا الْحَصَادُ وَالْجِدَادُ فَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي جَوَازِ الْمُجَاعَلَةِ فِيهِ عَلَى الْجُزْءِ مِنْهُ بِأَنْ يَقُولَ لَهُ: جُدَّ مِنْ نَخْلِي مَا شِئْت أَوْ اُحْصُدْ مِنْ زَرْعِي مَا شِئْت عَلَى أَنَّ لَكَ مِنْ كُلِّ مَا تَحْصُدُ أَوْ تَجُدُّ جُزْءَ كَذَا لِجُزْءٍ يُسَمِّيهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا.
(يَسْتَحِقُّهُ السَّامِعُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ فِي عَبْدٍ لَهُ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ لِمَنْ جَاءَ بِهِ فَجَاءَ بِهِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِالْجُعْلِ، فَإِنْ كَانَ يَأْتِي بِالْآبِقِ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ إلَّا نَفَقَتُهُ. وَإِنْ جَاءَ بِهِ مَنْ سَمِعَهُ فَلَهُ الْعَشَرَةُ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يَأْخُذُ الْآبِقَ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ: إنَّ لَهُ الْجُعْلَ الْمُسَمَّى وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْجَاعِلَ إنَّمَا أَرَادَ بِقَوْلِهِ تَحْرِيضَ مَنْ سَمِعَ قَوْلَهُ عَلَى طَلَبِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَجِبَ مَا سَمَّى مِنْ الْجُعْلِ إلَّا لِمَنْ سَمِعَهُ فَطَلَبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ: جَعَلَ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ قَوْلَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ هُوَ الْمَذْهَبَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ. اُنْظُرْ هَذَا مَعَ مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَا تَعَيَّنَ " أَنَّهُ لَا جُعْلَ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ فَمَنْ وَجَدَ ضَالَّةً لَا جُعْلَ لَهُ.
(بِالتَّمَامِ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَالَ لِرَجُلٍ بِعْ ثَمَرَ حَائِطِي وَلَكَ كَذَا ثُمَّ جَاءَ صَاحِبُ الْحَائِطِ قُوِّمَ فَسَاوَمُوهُ حَتَّى بَاعَ مِنْهُمْ فَطَلَبَ الرَّجُلُ حَقَّهُ فَلَا شَيْءَ لَهُ، إنَّمَا جُعِلَ لَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَ وَيُمَاكِسَ فَهَذَا بَايَعَهُمْ وَمَاكِسُهُمْ لَيْسَ هُوَ.
(كَكِرَاءِ السُّفُنِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ كِرَاءِ السُّفُنِ اضْطِرَابٌ. قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ أَنَّهُ عَلَى الْبَلَاغِ كَالْجُعْلِ الَّذِي لَا يَتِمُّ إلَّا بِتَمَامِ الْعَمَلِ كَانَ عَلَى قَطْعِ الْمُوَسَّطَةِ أَوْ الرِّيفِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اكْتَرَى سَفِينَةً فَغَرِقَتْ فِي ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ وَغَرِقَ مَا فِيهَا مِنْ
стр. 3139
طَعَامٍ وَغَيْرِهِ فَلَا كِرَاءَ لِرَبِّهَا، وَأَرَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْبَلَاغِ.
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ عِمْرَانَ: كَانَ كِرَاؤُهُمْ عَلَى قَطْعِ الْبَحْرِ مِثْلَ السَّفَرِ مِنْ صِقِلِّيَةَ إلَى إفْرِيقِيَّةَ إلَى الْأَنْدَلُسِ فَلَا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ الْكِرَاءِ، وَإِنْ كَانَ كِرَاؤُهُمْ مِنْ الرِّيفِ مِثْلَ الْكِرَاءِ مِنْ مِصْرَ إلَى إفْرِيقِيَةَ وَشِبْهِهِ فَلَهُمْ بِحِسَابِ مَا سَارُوا، وَبِهَذَا كَانَ أَصْبَغُ يَقُولُ. وَتَرْجَمَ اللَّخْمِيِّ عَلَى كِرَاءِ السُّفُنِ فَقَالَ: إنَّهُ جُعْلٌ وَإِجَارَةٌ. اُنْظُرْهُ فِيهِ وَيَسْقُطُ بِتَرْكِهِ.
(إلَّا أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَى التَّمَامِ فَبِنَسَبِهِ الثَّانِي) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: وَالْجُعْلُ يَدَّعِيهِ الْعَامِلُ مَتَى شَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ يُرِيدُ إلَّا أَنْ يَنْتَفِعَ الْجَاعِلُ بِمَا عَمِلَ لَهُ الْمَجْعُولُ لَهُ مِثْلُ أَنْ يَجْعَلَ جُعْلًا عَلَى حَمْلِ خَشَبَةٍ إلَى مَوْضِعِ كَذَا فَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِ الطَّرِيقِ فَيَسْتَأْجِرُ رَبُّهَا مَنْ يَأْتِيهِ بِهَا، أَوْ يَعْجِزُ عَنْ حَفْرِ الْبِئْرِ بَعْدَ أَنْ ابْتَدَأَ فِيهَا ثُمَّ جَعَلَ صَاحِبُهُ الْآخَرَ فَأَتَمَّهَا، فَهَذَا يَكُونُ لِلثَّانِي جَمِيعُ إجَارَتِهِ الَّتِي عَاقَدَهُ عَلَيْهَا وَيَكُونُ لِلْأَوَّلِ بِقَدْرِ مَا انْتَفَعَ بِهِ الْجَاعِلُ مِمَّا حُطَّ عَلَيْهِ مِنْ جُعْلِ الثَّانِي أَوْ إجَارَتِهِ. وَقَدْ وَقَعَ فِي الْمُسْتَخْرَجَةِ لَوْ كَانَ جُعْلُ الْأَوَّلِ خَمْسَةً وَجُعْلُ الثَّانِي عَشَرَةً بَعْدَ أَنْ أَبْلَغَهَا الْأَوَّلُ نِصْفَ الطَّرِيقِ أَوْ نِصْفَ الْحَفْرِ فِي الْبِئْرِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ يَأْخُذُ عَشَرَةً؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَنُوبُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ فِي الْإِجَارَةِ مِنْ إجَارَةِ الثَّانِي لَمَّا اُسْتُؤْجِرَ نِصْفَ الطَّرِيقِ بِعَشَرَةٍ عَلَى أَنَّ قِيمَةَ إجَارَتِهِ يَوْمَ اُسْتُؤْجِرَ عِشْرُونَ، فَيَسْقُطُ عَنْ الْجَاعِلِ عَشَرَةٌ هِيَ الَّتِي يَغْرَمُهَا لِلْأَوَّلِ. ابْنُ يُونُسَ: اُنْظُرْ فِي الْأَوَّلِ قَدْ رَضِيَ أَنْ يَحْمِلَهَا جَمِيعَ الطَّرِيقِ بِخَمْسَةٍ فَكَانَ يَجِبُ أَنْ يُعْطِيَ لَهُ نِصْفَهَا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَهَا نِصْفَ الطَّرِيقِ، وَلِأَنَّ الْمُغَابَنَةَ جَائِزَةٌ فِي الْجُعْلِ وَغَيْرِهِ.
(وَإِنْ اُسْتُحِقَّ وَلَوْ بِحُرِّيَّةِ) . ابْنُ الْمَوَّازِ: وَمَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ فِي عَبْدٍ آبِقٍ لَهُ جُعْلًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ بِهِ إلَى رَبِّهِ فَصَارَ لَا يَسْوَى الْجُعْلَ أَوْ نَزَلَ بِهِ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَجِدَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ، فَلَهُ جُعْلُهُ كَامِلًا وَلَا يُنْظَرُ أَزَادَ الْعَبْدُ أَوْ نَقَصَ، وَقَالَهُ مَالِكٌ.
قَالَ:
стр. 3140
وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِهِ إلَى رَبِّهِ حَتَّى اسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ فَالْجُعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ لَيْسَ عَلَى مُسْتَحِقِّهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ اُسْتُحِقَّ بِالْحُرِّيَّةِ فَالْجَعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ.
قَالَ أَصْبَغُ: وَلَا عَلَى أَحَدٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَرْجِعَ الْجَاعِلُ عَلَى الْمُسْتَحِقِّ بِالْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ مِنْ جُعْلِ مِثْلِهِ.
стр. 3141
(بِخِلَافِ مَوْتِهِ) . ابْنُ عَرَفَةَ: مَوْتُ الْآبِقِ قَبْلَ إيصَالِهِ يُسْقِطُ جُعْلَهُ لِعَدَمِ تَمَامِ عَمَلِهِ.
قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ جَعَلَ عَلَى آبِقٍ جُعْلًا ثُمَّ أَعْتَقَ فَلَا شَيْءَ لِمَنْ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فَلَهُ جُعْلُهُ، فَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَذَلِكَ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ بِالْقَبْضِ وَجَبَ لَهُ الْجُعْلُ.
(بِلَا تَقْدِيرِ زَمَنٍ إلَّا بِشَرْطِ تَرْكٍ مَتَى شَاءَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: الْإِجَارَةُ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ وَلَا تَجُوزُ إلَّا بِأَجَلٍ وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا التَّرْكُ حَتَّى يَتِمَّ الْأَجَلُ بِخِلَافِ ذَلِكَ الْعَامِلِ مَتَى شَاءَ وَلَا يَكُونُ مُؤَجَّلًا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَوْ قَالَ: بِعْ هَذَا الثَّوْبَ وَلَكَ دِرْهَمٌ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَقَّتَ لَهُ فِي الثَّوْبِ ثَمَنًا أَمْ لَا، وَهُوَ جُعْلٌ. فَإِنْ قَالَ: الْيَوْمَ لَمْ يَصْلُحْ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ أَنْ يَتْرُكَ مَتَى شَاءَ.
(وَلَا نَقْدٍ) ابْنُ الْمَوَّازِ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَصْلُحُ الْأَجَلُ فِي
стр. 3142
الْجُعْلِ وَلَا النَّقْدُ فِيهِ (مُشْتَرَطٍ) قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَنَقْدُهُ كَالْخِيَارِ.
(فِي كُلِّ مَا جَازَ فِيهِ الْإِجَارَةُ بِلَا عَكْسٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: كُلُّ مَا جَازَ فِيهِ الْجُعْلُ جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ، وَلَيْسَ كُلَّمَا جَازَتْ فِيهِ الْإِجَارَةُ يَجُوزُ فِيهِ الْجُعْلُ. اُنْظُرْ بَسْطَ هَذِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: " جُعْلًا عُلِمَ ".
(وَلَوْ فِي الْكَثِيرِ إلَّا كَبَيْعِ سِلَعٍ) سَيَأْتِي مَعْنَى الْكَافِ عِنْدَ النَّصِّ بَعْدَ هَذَا. ابْنُ الْمَوَّازِ: يَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ الْجُعْلُ عَلَى الشِّرَاءِ فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ الْجُعْلُ فِي شِرَاءِ كَثِيرِ الثِّيَابِ بِخِلَافِ بَيْعِهَا (لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِالْجَمْعِ) . ابْنُ يُونُسَ: حُكِيَ لَنَا عَنْ بَعْضِ الْقَرَوِيِّينَ فِي مَنْعِ الْجُعْلِ عَلَى بَيْعِ كَثِيرِ السِّلَعِ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا أَنْ يَبِيعَ الْجَمِيعَ هَكَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ. وَأَمَّا إنْ كَانَ عَلَى أَنَّ مَا بَاعَ فَلَهُ قَدْرُهُ مِنْ الْإِجَارَةِ فَذَلِكَ جَائِزٌ. ابْنُ يُونُسَ: وَعَلَى أَنَّهُ إنْ شَاءَ تَرَكَ بَقِيَّةَ الثِّيَابِ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ الثِّيَابَ إلَيْهِ فَيَجُوزُ. قَالَ: وَقَوْلُهُ فِي الْجُعْلِ عَلَى شِرَاءِ كَثِيرِ السِّلَعِ أَنَّهُ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا اشْتَرَى أُخِذَ بِحِسَابِهِ هَكَذَا الْعُرْفُ عِنْدَهُمْ أَيْضًا. وَأَمَّا إنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا إلَّا بِشِرَاءِ الْجَمِيعِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَالْجُعْلُ عَلَى الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا.
(وَفِي شَرْطِ مَنْفَعَةٍ لِلْجَاعِلِ قَوْلَانِ) . ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ هَلْ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْجُعْلِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْجَاعِلِ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ انْتَهَى. وَلَمْ يَنْقُلْ ابْنُ يُونُسَ إلَّا مَا نَصُّهُ: قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: مَنْ جَعَلَ لِرَجُلٍ جُعْلًا عَلَى أَنْ يَرْقَى إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْجَبَلِ سَمَّاهُ لَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَلَا يَجُوزُ الْجُعْلُ إلَّا فِيمَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْجَاعِلُ، يُرِيدُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ. وَمِنْ ابْنِ عَاتٍ: لَا يَجُوزُ الْجُعْلُ عَلَى إخْرَاجِ الْجَانِّ مِنْ الرَّجُلِ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ حَقِيقَتُهُ وَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لِأَهْلِ الْوَرَعِ الدُّخُولُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْجُعْلُ عَلَى حَلِّ الْمَرْبُوطِ وَالْمَسْحُورِ. اُنْظُرْ الْإِكْمَالَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَنْفَعَ أَخَاهُ فَلْيَفْعَلْ» . وَانْظُرْ ابْنَ الْعَرَبِيِّ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى (وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلُ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ) تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلَافًا لِمَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ.
(كَحَلِفِهَا بَعْدَ تَخَالُفِهِمَا) . ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْجُعْلِ تَحَالَفَا وَوَجَبَ جُعْلُ الْمِثْلِ. ابْنُ عَرَفَةَ: تَبِعَ فِي هَذَا ابْنَ شَاسٍ وَالْأَظْهَرُ تَخْرِيجُ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلِهَا فِي الْقِرَاضِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ إنْ أَتَى بِمَا يُشْبِهُ.
(وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ) لَوْ قَالَ: " وَلِمَنْ لَمْ يَسْمَعْ جُعْلُ مِثْلِهِ إنْ اعْتَادَهُ وَإِلَّا فَالنَّفَقَةُ وَلِرَبِّهِ تَرْكُهُ " لَتَنَزَّلَ عَلَى مَا يَتَقَرَّرُ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ. وَمَنْ وَجَدَ آبِقًا فَطَلَبَ جُعْلًا عَلَى أَخْذِهِ فَقَالَ مَالِكٌ: إنْ لَمْ يَكُنْ شَأْنُهُ يَطْلُبُ الضَّوَالَّ فَلَا جُعْلَ لَهُ وَلَهُ نَفَقَتُهُ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: إلَّا أَنْ يَتْرُكَهُ رَبُّهُ فَلَا يُلْزِمَهُ أَنْ يُعْطِيَ نَفَقَتَهُ.
(فَإِنْ أَفْلَتَ فَجَاءَ بِهِ آخَرُ فَلِكُلٍّ نِسْبَتُهُ) سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: مَنْ جَعَلَ جُعْلًا لِرَجُلٍ عَلَى آبِقٍ فَانْقَلَبَ بِهِ فَأَفْلَتَ فَأَخَذَهُ آخَرُ فَأَتَى بِهِ: إنْ أَفْلَتَ
стр. 3143
بَعِيدًا مِنْ مَكَانِ سَيِّدِهِ فَكُلُّ الْجُعْلِ لِلثَّانِي وَلَا شَيْءَ فِيهِ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ أَفْلَتَ قَرِيبًا مِنْهُ فَالْجُعْلُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ شُخُوصِ كُلٍّ مِنْهُمَا. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا أَبْيَنُ؛ لِأَنَّ الْمَجْعُولَ لَهُ الثَّانِي هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِعَمَلِ الْأَوَّلِ إذَا أَفْلَتَ بِالْقُرْبِ بِخِلَافِ الْمُجَاعَلَةِ عَلَى حَفْرِ الْآبَارِ. وَانْظُرْ قَبْلُ قَوْلَهُ: " وَإِنْ اسْتَحَقَّ ".
(وَإِنْ جَاءَ بِهِ ذُو دِرْهَمٍ وَذُو أَقَلَّ اشْتَرَكَا فِيهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ جَعَلَ لِرَجُلَيْنِ فِي عَبْدٍ أَبَقَ مِنْهُ جُعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لِوَاحِدٍ إنْ أَتَى بِهِ عَشَرَةٌ، وَلِلْآخَرِ إنْ أَتَى بِهِ خَمْسَةٌ، فَأَتَيَا جَمِيعًا بِهِ فَالْعَشَرَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ. ابْنُ يُونُسَ: لِأَنَّ جُعْلَ أَحَدِهِمَا مِثْلُ جُعْلِ الْآخَرِ. وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ مَا جُعِلَ لَهُ.
(وَلِكِلَيْهِمَا الْفَسْخُ وَلَزِمَتْ الْجَاعِلَ بِالشُّرُوعِ) ابْنُ يُونُسَ: لِلْجَاعِلِ أَنْ يَفْسَخَ الْجِعَالَةَ إذَا لَمْ يَشْرَعْ الْمَجْعُولُ لَهُ فِي الْعَمَلِ. وَأَمَّا بَعْدَ الشُّرُوعِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. وَأَمَّا الْعَامِلُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَدَعَ الْجِعَالَةَ مَتَى شَاءَ وَلَا شَيْءَ لَهُ.
(وَفِي الْفَاسِدِ جُعْلُ الْمِثْلِ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ مُطْلَقًا فَأُجْرَتُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: فِي رَدِّ فَاسِدِ الْجُعْلِ لِحُكْمِ نَفْسِهِ فَيَجِبُ جُعْلُ مِثْلِهِ، إنْ تَمَّ عَمَلُهُ وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ لَهُ أَوْ لِلْإِجَارَةِ فَيَجِبُ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ ثَالِثُهَا لِلْأَوَّلِ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ، وَلِلثَّانِي فِي بَعْضٍ كَالْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ فِي الْقِرَاضِ.
[كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
[بَابٌ مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ]
[فَصْلٌ فِيمَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ]
(كِتَابُ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ) ابْنُ شَاسٍ: وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي مِلْكِ الْأَرْضِ بِالْإِحْيَاءِ وَفِيهِ فَصْلَانِ: مَا يُمْلَكُ مِنْ الْأَرْضِينَ وَكَيْفِيَّةُ الْإِحْيَاءِ. الْبَابُ الثَّانِي: فِي الْمَنَافِعِ الْمُشْتَرَكَةِ فِي الْبِقَاعِ كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِدِ. الْبَابُ الثَّالِثُ: فِي الْأَعْيَانِ الْمُسْتَفَادَةِ مِنْ الْأَرْضِ كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاهِ (مَوَاتُ الْأَرْضِ مَا سَلِمَ مِنْ الِاخْتِصَاصِ) رَوَى ابْنُ غَانِمٍ: مَوَاتُ الْأَرْضِ هِيَ الَّتِي لَا نَبَاتَ بِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [فاطر: ٩] فَلَا يَصِحُّ الْإِحْيَاءُ إلَّا فِي الْبُورِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْمَوَاتُ الْأَرْضُ الْمُنْفَكَّةُ عَنْ الِاخْتِصَاصِ اهـ وَانْظُرْ جَرْيَةَ الْوَادِي إذَا انْصَرَفَ الْوَادِي عَنْهَا إلَى نَاحِيَةٍ أُخْرَى أَوْ جَفَّ الْوَادِي أَوْ انْقَطَعَ هَلْ يَكُونُ مَوْضِعُ جَرْيَتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْمَوَاتِ؟ وَكَيْفَ لَوْ كَانَتْ فِي عُدْوَتَيْ النَّهْرِ أَرْضٌ لِقَوْمٍ. اُنْظُرْهُ فِي آخِرِ الْوَثَائِقِ الْمَجْمُوعَةِ
стр. 3144
وَاَلَّذِي أَفْتَى بِهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي نَوَازِلِهِ أَنَّهُ لِلَّذِينَ يَلُونَهُ مِنْ جِهَتِهِ وَلَا يَكُونُ مَوَاتًا. وَانْظُرْ سَمَاعَ عِيسَى مِنْ كِتَابِ السِّدَادِ وَالْأَنْهَارِ (بِعِمَارَةِ) ابْنُ شَاسٍ: الِاخْتِصَاصُ أَنْوَاعٌ: الْأَوَّلُ الْعِمَارَةُ فَلَا يَتَمَلَّكُ بِلَا إحْيَاءِ الْمَعْمُورِ (وَلَوْ انْدَرَسَتْ) الْبَاجِيُّ: مَنْ اشْتَرَى أَرْضًا لَمْ يَرْتَفِعْ مِلْكُهُ بِانْدِرَاسِهَا اتِّفَاقًا.
(إلَّا لِإِحْيَاءٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً ثُمَّ تَرَكَهَا حَتَّى دَثَرَتْ وَطَالَ زَمَانُهَا وَهَلَكَتْ أَشْجَارُهَا وَتَهَدَّمَتْ آبَارُهَا وَعَادَتْ كَأَوَّلِ مَرَّةٍ ثُمَّ أَحْيَاهَا غَيْرُهُ فَهِيَ لِمُحْيِيهَا آخِرًا. ابْنُ يُونُسَ: قِيَاسًا عَلَى الصَّيْدِ إذَا أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ وَطَالَ زَمَانُهُ فَهُوَ لِلثَّانِي.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا إذَا أَحْيَا فِي غَيْرِ أَصْلٍ كَانَ لَهُ، فَأَمَّا مَنْ مَلَكَ أَرْضًا بِهِبَةٍ أَوْ شِرَاءٍ ثُمَّ أَسْلَمَهَا فَهِيَ لَهُ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَهَا.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: مَنْ اشْتَرَى صَيْدًا ثُمَّ نَدَّ وَاسْتَوْحَشَ وَلَحِقَ بِالْوَحْشِ أَنَّهُ لِمَنْ صَادَهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ مَنْ اشْتَرَاهُ لِمَنْ صَادَهُ لِمَا وُجِدَ فِيهِ مِنْ التَّوَحُّشِ.
(وَبِحَرِيمِهَا) ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ الِاخْتِصَاصِ أَنْ يَكُونَ حَرِيمَ عِمَارَةٍ فَيَخْتَصُّ بِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ وَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ (كَمُحْتَطَبٍ وَمَرْعًى يَلْحَقُ غُدُوًّا وَرَوَاحًا لِبَلَدٍ) ابْنُ شَاسٍ: حَرِيمُ الْبَلْدَةِ مَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهَا تَلْحَقُهُ مَوَاشِيهَا فِي الرَّعْيِ فِي غُدُوِّهَا وَرَوَاحِهَا وَهُوَ لَهُمْ مَسْرَحٌ وَمُحْتَطَبٌ فَهُوَ
стр. 3145
حَرِيمُهَا وَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحْيَاؤُهُ. .
(وَمَا لَا يُضَيِّقُ عَلَى وَارِدٍ وَلَا يَضُرُّ بِمَاءِ بِئْرٍ) ابْنُ شَاسٍ: أَمَّا الْبِئْرُ فَلَيْسَ لَهَا حَرِيمٌ مَحْدُودٌ لِاخْتِلَافِ الْأَرْضِ بِالرَّخَاوَةِ وَالصَّلَابَةِ، وَلَكِنْ حَرِيمُهَا مَا لَا ضَرَرَ مَعَهُ عَلَيْهَا وَهُوَ مِقْدَارُ مَا لَا يَضُرُّ بِمَائِهَا وَلَا يُضَيِّقُ مُنَاخَ إبِلِهَا وَلَا مَرَابِضَ مَوَاشِيهَا عِنْدَ الْوُرُودِ، وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْفِرَ أَوْ يَبْنِيَ بِئْرًا فِي ذَلِكَ الْحَرِيمِ.
(وَمَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِكَنَخْلَةٍ) سَأَلَ ابْنُ غَانِمٍ مَالِكًا عَنْ حَرِيمِ النَّخْلَةِ فَقَالَ: قَدْرُ مَا يُرَى أَنَّ فِيهِ مَصْلَحَتَهَا وَيَتْرُكُ مَا أَضَرَّ بِهَا وَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ، وَقَدْ قَالُوا مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ ذِرَاعًا مِنْ نَوَاحِيهَا كُلِّهَا إلَى عَشْرَةِ أَذْرُعٍ وَذَلِكَ حَسَنٌ، وَيُسْأَلُ عَنْ الْكَرْمِ أَيْضًا وَعَنْ كُلِّ شَجَرَةٍ أَهْلُ الْعِلْمِ بِهِ فَيَكُونُ لِكُلِّ شَجَرَةٍ بِقَدْرِ مَصْلَحَتِهَا.
(وَمَطْرَحِ تُرَابٍ وَمَصَبِّ مِيزَابٍ لِدَارٍ) ابْنُ شَاسٍ: حَرِيمُ الدَّارِ الْمَحْفُوفَةِ بِالْمَوَاتِ مَا يُرْتَفَقُ بِهِ مِنْ مَطْرَحِ تُرَابٍ أَوْ مَصَبِّ مِيزَابٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: مَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَلَا تَخْتَصُّ مَحْفُوفَةٌ بِأَمْلَاكٍ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ مَا لَمْ يَضُرَّ. ابْنُ شَاسٍ: الْمَحْفُوفَةُ بِأَمْلَاكٍ لَا تَخْتَصُّ وَلِكُلٍّ الِانْتِفَاعُ بِمِلْكِهِ وَحَرِيمِهِ.
(وَبِإِقْطَاعٍ) ابْنُ شَاسٍ: النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ إذَا أَقْطَعَ الْإِمَامُ رَجُلًا أَرْضًا كَانَتْ مِلْكًا وَإِنْ لَمْ يَعْمُرْهَا وَلَا عَمِلَ فِيهَا شَيْئًا يَبِيعُ وَيَهَبُ وَيَتَصَرَّفُ وَتُورَثُ عَنْهُ، وَلَيْسَ هُوَ مِنْ الْإِحْيَاءِ بِسَبِيلٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَمْلِيكٌ مُجَرَّدٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْمَهَامِهِ أَوْ الْفَيَافِيِ أَوْ قَرِيبَةً مِنْ الْعُمْرَانِ.
(وَلَا بِقَطْعِ مَعْمُورِ الْعَنْوَةِ مِلْكًا) سَحْنُونَ: مَا كَانَ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ مِنْ مَوَاتٍ وَشَعَارِي لَمْ يُعْمَلْ وَلَا جَرَى فِيهَا مِلْكٌ لِأَحَدٍ فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا. الْبَاجِيُّ: لَا فَرْقَ بَيْنَ مَوَاتِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَغَيْرِهَا هِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: لَا يَجُوزُ شِرَاءُ أَرْضِ مِصْرَ وَلَا تُقْطَعُ لِأَحَدٍ. قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ: لِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً. ابْنُ رُشْدٍ: الْإِقْطَاعُ يَكُونُ فِي الْبَرَارِي وَالْمَعْمُورِ إلَّا مَعْمُورَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ الَّتِي حُكْمُهَا أَنْ تَكُونَ مَوْقُوفَةً. ابْنُ عَرَفَةَ: يُرِيدُ إقْطَاعَ تَمْلِيكٍ، وَأَمَّا إقْطَاعُهَا لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مُدَّةً فَجَائِزٌ. قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ وَغَيْرُهُ.
(وَبِحِمَى إمَامٍ مُحْتَاجًا إلَيْهِ قَلَّ مِنْ بَلَدٍ عَفَا لِكَغَزْوٍ) ابْنُ شَاسٍ:
стр. 3146
النَّوْعُ الْآخَرُ مِنْ أَنْوَاعِ الِاخْتِصَاصِ الْحِمَى. الْبَاجِيُّ: هُوَ أَنْ يَحْمِيَ مَوْضِعًا لَا يَقَعُ فِيهِ التَّضْيِيقُ عَلَى النَّاسِ لِلْحَاجَةِ الْعَامَّةِ لِذَلِكَ لِمَاشِيَةِ الصَّدَقَةِ وَالْخَيْلِ الَّتِي يُحْمَلُ عَلَيْهَا. ابْنُ عَرَفَةَ: يَقُومُ مِنْ هَذَا طُولُ تَأْخِيرِ صَرْفِ الزَّكَاةِ لِمَصْلَحَةٍ.
(وَافْتَقَرَ لِإِذْنٍ وَإِنْ مُسْلِمًا إنْ قَرُبَ) ابْنُ رُشْدٍ: الْمَشْهُورُ فِي الْقُرْبِ الَّذِي
стр. 3147
لَا ضَرَرَ فِي إحْيَائِهِ عَلَى أَحَدٍ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. اُنْظُرْ حُكْمَ الذِّمِّيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ: " وَلَوْ ذِمِّيًّا ".
(وَإِلَّا فَلِلْإِمَامِ إمْضَاؤُهُ أَوْ جَعْلُهُ مُتَعَدِّيًا) الْبَاجِيُّ: إذَا قُلْنَا لَا يُحْيِي مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَأَحْيَاهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَنْظُرُ فِيهِ الْإِمَامُ، فَإِنْ رَأَى إنْفَاذَهُ فَعَلَ وَإِلَّا أَزَالَهُ وَأَعْطَاهُ غَيْرَهُ أَوْ بَاعَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَرَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ.
(بِخِلَافِ الْبَعِيدِ) ابْنُ عَرَفَةَ: الْإِحْيَاءُ فِي بَعِيدِ الْمَوَاتِ فِي افْتِقَارِهِ لِإِذْنِ الْإِمَامِ طَرِيقَانِ. اللَّخْمِيِّ وَابْنُ رُشْدٍ: لَا يَفْتَقِرُ.
(وَلَوْ ذِمِّيًّا بِغَيْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ) الْبَاجِيُّ: إنْ أَحْيَا ذِمِّيٌّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَإِنَّمَا يُحْيِي الذِّمِّيُّ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ، وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ فَيُخْرَجُ عَنْهُ وَيُعْطَى قِيمَةَ مَا عَمَّرَ؛ لِأَنَّ مَا قَرُبَ بِمَنْزِلَةِ الْفَيْءِ وَلَا حَقَّ لِلذِّمِّيِّ فِي الْفَيْءِ، وَكَذَلِكَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَالْحِجَازَ كُلَّهُ وَالنُّجُودَ وَالْيَمَنَ.
قَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَفِيهِ نَظَرٌ. وَلَوْ قِيلَ إنَّ حُكْمَهُمْ فِي ذَلِكَ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَبْعُدْ كَمَا كَانَ لَهُمْ ذَلِكَ فِيمَا بَعُدَ. رَاجِعْ الْمُنْتَقَى.
[فَصْلٌ فِي كَيْفِيَّةِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
(وَالْإِحْيَاءُ بِتَفْجِيرِ مَاءٍ وَبِإِخْرَاجِهِ وَبِبِنَاءٍ وَبِغَرْسٍ وَبِحَرْثٍ وَتَحْرِيكِ أَرْضٍ وَبِقَطْعِ شَجَرٍ وَبِكَسْرِ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَتِهَا) الْبَاجِيُّ: أَمَّا صِفَةُ الْإِحْيَاءِ فَقَالَ
стр. 3148
مَالِكٌ: إحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحْفِرَ فِيهَا بِئْرًا أَوْ يُجْرِيَ عَيْنًا أَوْ يَغْرِسَ شَجَرًا أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَحْرُثَ مَا فَعَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ إحْيَاءٌ.
وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ. عِيَاضٌ: اُتُّفِقَ عَلَى سَبْعَةٍ: تَفْجِيرِ الْمَاءِ وَإِخْرَاجِهِ عَنْ غَامِرٍ هَابَهُ وَالْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ وَالْحَرْثِ وَمِثْلُهُ تَحْرِيكُ الْأَرْضِ بِالْحَفْرِ وَقَطْعِ شَجَرِهَا وَسَابِعُهَا كَسْرُ حَجَرِهَا وَتَسْوِيَةُ حُفَرِهَا وَتَعْدِيلُ أَرْضِهَا.
(لَا بِتَحْوِيطٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ التَّحْجِيرُ إحْيَاءً. قَالَ أَشْهَبُ: فَمَنْ حَجَّرَ أَرْضًا مَوَاتًا بَعِيدَةً فَلَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا حَتَّى يُعْلَمَ أَنَّهُ حَجَّرَهَا لِيَعْمَلَ فِيهَا إلَى أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ لَا يُمْكِنُهُ الْعَمَلُ لِيُبْسِ الْأَرْضِ وَإِخْلَاءِ الْأُجَرَاءِ وَنَحْوِهِ، فَأَمَّا مَنْ حَجَّرَ مَا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ فَلَهُ مِنْهُ مَا عَمَّرَ.
(وَرَعْيِ كَلَإٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: لَا يَكُونُ الرَّعْيُ إحْيَاءً. الْبَاجِيُّ: وَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ بَاقٍ فِي الْأَرْضِ.
(وَحَفْرُ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) الْبَاجِيُّ: لَيْسَ حَفْرُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إحْيَاءً. قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ.
[بَاب الْمَنَافِع الْمُشْتَرَكَة فِي الْبِقَاع كَالشَّوَارِعِ وَالْمَسَاجِد]
(وَجَازَ بِمَسْجِدٍ سُكْنَى لِرَجُلٍ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ) ابْنُ شَاسٍ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَّخَذَ الْمَسْجِدُ مَسْكَنًا إلَّا رَجُلٌ تَجَرَّدَ لِلْعِبَادَةِ فِيهِ بِقِيَامِ اللَّيْلِ وَإِحْيَائِهِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ فِيهِ دَائِمًا دَهْرَهُ إنْ قَوِيَ عَلَى ذَلِكَ.
(وَعَقْدُ نِكَاحٍ) تَقَدَّمَ فِي الِاعْتِكَافِ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَنْكِحَ بِمَجْلِسِهِ.
(وَقَضَاءُ دَيْنٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ خِفَّةَ كُتُبِ ذِكْرِ الْحَقِّ بِالْمَسْجِدِ مَا لَمْ يَطُلْ وَجَوَازَ قَضَاءِ الْحَقِّ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ التَّجْرِ وَالصَّرْفِ.
(وَقَتْلُ عَقْرَبٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَرَاهَةَ قَتْلِ الْقَمْلَةِ أَوْ دَفْنِهَا فِي الْمَسْجِدِ. ابْنُ رُشْدٍ: وَقَتْلُ الْبُرْغُوثِ أَخَفُّ عِنْدَهُ. اللَّخْمِيِّ: الْبُرْغُوثُ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ لَا بَأْسَ بِطَرْحِهِ بِهِ وَتُقْتَلُ بِالْمَسْجِدِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ.
(وَنَوْمٌ بِقَائِلَةٍ) ابْنُ شَاسٍ: خُفِّفَ فِي الْقَائِلَةِ النَّوْمُ فِي الْمَسْجِدِ نَهَارًا لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ.
(وَتَضْيِيفٌ بِمَسْجِدِ بَادِيَةٍ) سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْأَقْتَابِ بِكُلِّ مَسْجِدٍ لِضِيَافَةِ مَنْ أَتَى يُرِيدُ الْإِسْلَامَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ يَرَ مَالِكٌ بَأْسًا
стр. 3149
بِأَكْلِ الرُّطَبِ الَّتِي تُجْعَلُ فِي الْمَسَاجِدِ. ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْغُرَبَاءَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَأْوًى يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَأْوُوا إلَى الْمَسَاجِدِ وَيَبِيتُوا فِيهَا وَيَأْكُلُوا فِيهَا مَا أَشْبَهَ التَّمْرَ مِنْ الطَّعَامِ الْجَافِّ، وَقَدْ خَفَّفَ مَالِكٌ أَيْضًا لِلضِّيفَانِ الْمَبِيتَ وَالْأَكْلَ فِي مَسَاجِدِ الْقُرَى بِمَعْنَى أَنَّ الْبَانِيَ لَهَا لِلصَّلَاةِ فِيهَا يَعْلَمُ أَنَّ الضِّيفَانَ يَبِيتُونَ فِيهَا لِضَرُورَتِهِمْ إلَى ذَلِكَ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَدْ بَنَاهَا لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَصْلُ بِنَائِهِ لَهَا إنَّمَا هُوَ لِلصَّلَاةِ فِيهَا لَا لِمَا سِوَى ذَلِكَ مِنْ مَبِيتِ الضِّيفَانِ، وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْزِلٌ أَنْ يَبِيتَ فِي الْمَسْجِدِ.
(وَإِنَاءٌ لِبَوْلٍ إنْ خَافَ سَبُعًا) ابْنُ عَرَفَةَ: فَتْوَى ابْنِ رُشْدٍ بِسَعَةِ إدْخَالِ مَنْ لَا غِنَى لَهُ عَنْ مَبِيتِهِ بِالْمَسْجِدِ مِنْ سَدَنَتِهَا لِحِرَاسَتِهَا وَمَنْ اُضْطُرَّ لِلْمَبِيتِ بِهَا مِنْ شَيْخٍ ضَعِيفٍ وَزَمِنٍ وَمَرِيضٍ وَرَجُلٍ لَا يَسْتَطِيعُ الْخُرُوجَ لَيْلًا لِلْمَطَرِ وَالرِّيحِ وَالظُّلْمَةِ ظُرُوفٍ بِهَا لِلْبَوْلِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ مَا يُحْرَسُ بِهَا اتِّخَاذُهُ بِهَا غَيْرُ وَاجِبٍ وَصَوْنُهَا عَنْ ظُرُوفِ الْبَوْلِ وَاجِبٌ، وَلَا يُدْخَلُ فِي نَفْلٍ بِمَعْصِيَةٍ. رَوَى الْخَطَّابِيُّ جَوَازَ دُخُولِ الْجُنُبِ الْمَسْجِدَ عَابِرًا وَأَجَازَهُ ابْنُ مَسْلَمَةَ فَأَلْزَمهُ اللَّخْمِيِّ الْحَائِضَ. عِيَاضٌ: بَيْنَهُمَا فَرْقٌ لِلدَّمِ. ابْنُ عَرَفَةَ: لَعَلَّ ابْنَ مَسْلَمَةَ يُجِيزُهُ مَسْتُورًا دَمُهُ بَعْضُهُ. ذَكَرَ اللَّخْمِيِّ عَنْ أَحَدِ نَقْلَيْ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصِرِ.
(كَمَنْزِلٍ تَحْتَهُ وَمُنِعَ عَكْسُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَبَنَى فَوْقَهَا بَيْتًا فَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَسْكَنًا يُجَامِعُ فِيهِ وَيَأْكُلُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ الْبَيْتُ تَحْتَ الْمَسْجِدِ وَيُورَثُ الْبُنْيَانُ الَّتِي تَحْتَ
стр. 3150
الْمَسْجِدِ وَلَا يُورَثُ الْمَسْجِدُ إذَا كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ.
(كَإِخْرَاجِ رِيحٍ) ابْنُ رُشْدٍ: لَا يَجُوزُ بِالْمَسْجِدِ إحْدَاثُ الرِّيحِ.
(وَمُكْثٍ بِنَجِسٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي خُرُوجِ مَنْ رَأَى بِثَوْبِهِ كَثِيرَ دَمٍ سَاتِرَ نَجَاسَتِهِ بِبَعْضِهِ نَقْلًا اللَّخْمِيِّ عَنْ ابْنِ شَعْبَانَ وَغَيْرِهِ. ابْنُ الْقَاسِمِ: لَا بَأْسَ بِوُضُوءٍ طَاهِرٍ بِصَحْنِ الْمَسْجِدِ. ابْنُ رُشْدٍ: قَوْلُ سَحْنُونٍ لَا يَجُوزُ أَحْسَنُ لِمَا يَسْقُطُ مِنْ غُسَالَةِ الْأَعْضَاءِ، وَقَدْ كَرِهَ مَالِكٌ الْوُضُوءَ بِالْمَسْجِدِ وَإِنْ جَعَلَهُ فِي طَسْتٍ. عِيَاضٌ: قَرَأَ لُقْمَانُ بْنُ يُوسُفَ عَلَى أَصْحَابِ سَحْنُونٍ وَكَانَ حَافِظًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ مُفْتِيًا ثِقَةً صَالِحًا غَسَلَ رِجْلَيْهِ فِي يَوْمِ مَطَرٍ بِجَامِعِ تُونِسَ فَأَنْكَرَ إنْسَانٌ عَلَيْهِ فَقَالَ لُقْمَانُ: عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَتَوَضَّأُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَهَذَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَغْسِلَ رِجْلِي فِي جَامِعِ تُونِسَ. وَرَوَى الشَّيْخُ: يُكْرَهُ السِّوَاكُ فِي الْمَسْجِدِ.
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَلَا يَأْخُذُ الْمُعْتَكِفُ بِالْمَسْجِدِ مِنْ شَعْرِهِ وَأَظْفَارِهِ وَإِنْ جَمَعَهُ
стр. 3151
وَأَلْقَاهُ.
(وَكُرِهَ أَنْ يَبْصُقَ بِأَرْضِهِ وَيَحُكَّهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يَبْصُقُ أَحَدٌ بِحَصِيرِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي الصَّلَاةِ وَيُدَلِّكَ بِرِجْلِهِ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ تَحْتَ الْحَصِيرِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَسْجِدُ غَيْرَ مُحَصَّبٍ فَلَا يَبْصُقُ تَحْتَ قَدِمَهُ وَيَحُكَّهُ بِرَجُلِهِ لِمَنْزِلَةِ الْحَصِيرِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مُحَصَّبًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَنْ يَسَارِهِ وَتَحْتَ قَدَمِهِ وَيَدْفِنَهُ، وَيُكْرَهَ أَنْ يَبْصُقَ أَمَامَهُ فِي حَائِطِ الْقِبْلَةِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ رَجُلٌ وَعَنْ يَسَارِهِ رَجُلٌ فِي الصَّلَاةِ بَصَقَ أَمَامَهُ وَدَفَنَهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْنِهِ فَلَا يَبْصُقُ فِي الْمَسْجِدِ بِحَالٍ كَانَ مَعَ النَّاسِ أَوْ وَحْدَهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلَا يَبْصُقْ فِي الْقِبْلَةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَبْصُقْ فِي ثَوْبِهِ» وَقَالَ ﷺ : «إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا قَامَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُنَاجِي رَبَّهُ وَإِنَّ رَبَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِبْلَتِهِ فَلْيَبْصُقْ إذَا بَصَقَ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ» أَبُو عُمَرَ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ.
(وَتَعْلِيمُ صَبِيٍّ) ابْنُ عَرَفَةَ: أَمَّا تَعْلِيمُ الصِّبْيَانِ فِي الْمَسْجِدِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: إنْ بَلَغَ الصَّبِيُّ مَبْلَغَ الْأَدَبِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤْتَى بِهِ الْمَسْجِدَ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا لَا يَقِرُّ فِيهِ وَيَعْبَثُ فَلَا أُحِبُّ ذَلِكَ. وَرَوَى سَحْنُونَ: لَا يَجُوزُ تَعْلِيمُهُمْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتَحَفَّظُونَ مِنْ النَّجَاسَةِ.
(وَبَيْعٌ وَشِرَاءٌ) أَبُو عُمَرَ: قَالَ ﷺ : «إذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلَ يَبِيعُ وَيَشْتَرِي فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا أَرْبَحَ اللَّهُ تِجَارَتَكَ، وَإِذَا رَأَيْتُمْ الرَّجُلُ يَنْشُدُ ضَالَّةً فِي الْمَسْجِدِ فَقُولُوا لَا رَدَّهَا اللَّهُ عَلَيْكَ» وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَقْضِيَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي الْمَسْجِدِ ذَهَبًا. الْبَاجِيُّ: لَعَلَّهُ يُرِيدُ قَضَاءَ الْيَسِيرِ.
وَفِي الْمَبْسُوطِ قَالَ مَالِكٌ: لَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُظْهِرَ سِلْعَتَهُ بِالْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ، فَأَمَّا أَنْ يُسَاوِمَ رَجُلًا بِثَوْبٍ عَلَيْهِ أَوْ سِلْعَةٍ تَقَدَّمَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا فَيُرَاجِيهِ الْبَيْعَ فِيهَا فَلَا بَأْسَ بِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَيُنْهَى الْمَسَاكِينُ عَنْ السُّؤَالِ فِي الْمَسْجِدِ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَإِذَا سَأَلُوا فَلَا يُعْطَوْا شَيْئًا.
(وَسَلُّ سَيْفٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا تُسَلُّ بِالْمَسْجِدِ سُيُوفٌ. رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: لَا تَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ بِلَحْمٍ وَلَا تُنْفِذُ فِيهِ النَّبْلَ وَلَا تَمْنَعُ فِيهِ الْقَائِلَةَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُرِيدُ تَنْفِيذَ النَّبْلِ إذَا رَدَّتْهَا عَلَى الظُّفْرِ فَيُعْلَمُ
стр. 3152
مُسْتَقِيمُهَا مِنْ مُعْوَجِّهَا. ابْنُ حَبِيبٍ: وَإِنَّا لَنَكْرَهُ الْفَوَّارَةَ الَّتِي اُتُّخِذَتْ فِي مَسْجِدِنَا بِقُرْطُبَةَ كَرَاهَةً شَدِيدَةً.
(وَإِنْشَادُ ضَالَّةٍ وَهَتْفٌ بِمَيِّتٍ) اُنْظُرْ فِي الْجَنَائِزِ عِنْدَ قَوْلِهِ " وَنِدَاءٌ بِهِ بِمَسْجِدٍ " (وَرَفْعُ صَوْتٍ) قَالَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: رَفْعُ الصَّوْتِ مَمْنُوعٌ فِي الْمَسَاجِدِ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ كَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ وَالْخُصُومَةِ تَكُونُ مِنْ الْجَمَاعَةِ عِنْدَ السُّلْطَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مِثْلِ هَذَا، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى وَجْهٍ كَالْإِمَامِ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ أَوْ التَّنَفُّلِ بِاللَّيْلِ وَحْدَهُ، وَأَمَّا جَهْرُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقِرَاءَةِ فَمَمْنُوعٌ (كَرَفْعِهِ بِعِلْمٍ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: رَأَيْت مَالِكًا يَعِيبُ عَلَى أَصْحَابِهِ رَفْعَ أَصْوَاتِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالْمَسْجِدِ وَالْهَتْفُ بِالْجَنَائِزِ بِهِ وَكُلُّ مَا يُرْفَعُ فِيهِ الصَّوْتُ حَتَّى بِالْعِلْمِ، فَقَدْ كُنْت أَرَى بِالْمَدِينَةِ رَسُولَ أَمِيرِهَا يَقِفُ بِابْنِ الْمَاجِشُونِ فِي مَجْلِسِهِ إذَا اسْتَعْلَى كَلَامُهُ وَكَلَامُ أَهْلِ الْمَجْلِسِ فِي الْعِلْمِ فَيَقُولُ: أَبَا مَرْوَانَ اخْفِضْ مِنْ صَوْتِكَ وَأْمُرْ جُلَسَاءَكَ يَخْفِضُونَ أَصْوَاتَهُمْ.
(وَوَقِيدُ نَارٍ) ابْنُ وَهْبٍ: لَا تُوقَدُ نَارٌ بِمَسْجِدٍ.
(وَدُخُولُ كَخَيْلٍ لِنَقْلٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: رَوَى الشَّيْخُ: أَكْرَهُ إدْخَالَ الْمَسْجِدِ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ لِنَقْلِ مَا يُحْتَاجُ إلَى مَصَالِحِهِ وَلْيُنْقَلْ عَلَى الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ.
وَفِي سَمَاعِ أَشْهَبَ أَنَّ مَالِكًا وَسَّعَ فِي دُخُولِ
стр. 3153
النَّصَارَى الْمَسْجِدَ لِيَبْنُوا بِهِ قَالَ: وَلْيَدْخُلُوا مِنْ الْجِهَةِ الَّتِي تَلِي عَمَلَهُمْ.
(وَفَرْشٌ أَوْ مُتَّكَأٌ) رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَقَّى بَرْدَ الْأَرْضِ وَالْحَصْبِ بِالْحُصْرِ وَالْمُصَلَّيَاتِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَكُرِهَ أَنْ يَجْلِسَ فِيهَا عَلَى فِرَاشٍ أَوْ يَتَّكِئَ عَلَى وِسَادٍ. الْبَاجِيُّ: يُرِيدُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي التَّوَاضُعَ الْمَشْرُوعَ فِي
стр. 3154
الْمَسَاجِدِ.
[بَاب فِي الْأَعْيَان الْمُسْتَفَادَة مِنْ الْأَرْض كَالْمَعْدِنِ وَالْمِيَاه]
(وَلِذِي مَاجِلٍ وَبِئْرٍ وَمِرْسَالِ مَطَرٍ كَمَاءٍ يَمْلِكُهُ مَنْعُهُ وَبَيْعُهُ إلَّا مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ) ابْن رُشْد: مَا كَانَ مِنْ الْمَاءِ بِأَرْضٍ مُتَمَلَّكَةٍ وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُسْتَنْبَطَةً مِثْلَ بِئْرٍ يَحْفِرُهَا وَعَيْنٍ يَسْتَخْرِجُهَا أَوْ مَوَاجِلَ يَتَّخِذُهَا أَوْ غَيْرَ مُسْتَنْبَطَةٍ، مِثْلَ عَيْنٍ فِي أَرْضِهِ لَمْ يَسْتَخْرِجْهَا أَوْ غَدِيرٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، هُوَ أَحَقُّ بِهِ وَيَحِلُّ لَهُ بَيْعُهُ وَمَنْعُ النَّاسِ مِنْهُ إلَّا بِثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَرِدَ عَلَيْهِ قَوْمٌ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَيَخَافُ عَلَيْهِمْ الْهَلَاكَ إنْ مَنَعَهُمْ، وَيَحِقُّ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهُمْ، فَإِنْ مَنَعَهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، هَذَا قَوْلُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْمِلْ نَهْيَهُ ﵇ عَنْ مَنْعِ نَفْعِ الْبِئْرِ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ تَأَوَّلَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ؛ لِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لَا يَمْنَعَ الشُّرْبَ مِنْ الْعَيْنِ أَوْ الْغَدِيرِ يَكُونُ فِي أَرْضِهِ مِنْ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ يُحْكَمُ بِهِ عَلَيْهِ، وَلَهُ فِي وَاجِبِ الْحُكْمِ أَنْ يَمْنَعَ مَاءَهُ إذَا شَاءَ وَيُبِيحَهُ إذَا شَاءَ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَالْمَاءُ فِي آنِيَةٍ لِرَبِّهِ يَخْتَصُّ بِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمُؤَاسَاةِ.
(وَالْأَرْجَحُ بِالثَّمَنِ كَفَضْلِ بِئْرِ زَرْعٍ خِيفَ عَلَى زَرْعِ جَارِهِ بِهَدْمِ بِئْرِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا حَرَثَ جَارُكَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ فَلَكَ مَنْعُهُ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ الَّذِي فِي أَرْضِهِ إلَّا بِثَمَنٍ إنْ شِئْت، وَأَمَّا إنْ حَرَثَ وَلِأَرْضِهِ بِئْرٌ فَانْهَارَتْ فَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ فَإِنَّهُ يَقْضِي لَهُ عَلَيْكَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مَائِهِ فَضْلٌ فَلَا شَيْءَ لَهُ.
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالثَّمَنِ. ابْنُ يُونُسَ: وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ خَافَ عَلَى مُسْلِمٍ الْمَوْتَ أَنْ يُحْيِيَهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَيَجِبُ عَلَى أَصْحَابِ الْمَاءِ بَيْعُهُ مِنْ الْمُسَافِرِ بِمَا يَسْوَى وَلَا يَشْتَطُّوا عَلَيْهِمْ فِي ثَمَنِهِ، وَلَمْ يَرَ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنْ يَأْخُذُوهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَقَالَ فِي الَّذِي انْهَارَتْ بِئْرُهُ أَنَّهُ يَسْقِي بِمَاءِ جَارِهِ لِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَإِحْيَاءُ نَفْسِهِ أَعْظَمُ مِنْ إحْيَاءِ زَرْعِهِ، وَالْأَوْلَى فِي كِلَا الْأَمْرَيْنِ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ بِالثَّمَنِ كَمَا لَوْ مَاتَ جَمَلُهُ فِي الصَّحْرَاءِ لَكَانَ عَلَى بَقِيَّةِ الرُّفْقَةِ أَنْ يَكْرُوا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَافِرُونَ لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ وَجَبَ مُوَاسَاتُهُمْ لِلْخَوْفِ عَلَيْهِمْ وَلَا يُتْبَعُوا بِالثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَمْوَالٌ بِبَلَدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ الْيَوْمَ أَبْنَاءُ سَبِيلٍ يَجُوزُ لَهُمْ أَخْذُ الزَّكَاةِ لِوُجُوبِ مُوَاسَاتِهِمْ.
(وَأَخَذَ يُصْلِحُ) عَبْدُ الْوَهَّابِ: إنْ تَرَكَ التَّشَاغُلَ بِإِصْلَاحِ بِئْرِهِ اتِّكَالًا عَلَى بِئْرِ جَارِهِ لَمْ يَلْزَمْ جَارَهُ بَذْلُ الْمَاءِ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَمَنْ زَرَعَ ابْتِدَاءً عَلَى غَيْرِ مَاءٍ (وَأُجْبِرَ عَلَيْهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ: إنْ مَنَعَهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ مُجَاهَدَتُهُ، وَتَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ يَقْضِي عَلَيْكَ بِفَضْلِ مَاءِ بِئْرِكَ.
(كَفَضْلِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ حَفَرَ فِي غَيْرِ مِلْكِهِ بِئْرَ الْمَاشِيَةِ أَوْ شِبْهَهَا فَلَا يَمْنَعُ فَضْلَهَا مِنْ أَحَدٍ، وَإِنْ مَنَعَهَا حَلَّ قِتَالُهُ وَغَرِمَ دِيَةَ مَنْ مَنَعَهُ وَمَاتَ عَطَشًا.
(بِصَحْرَاءَ هَدَرًا إنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمِلْكِيَّةَ) سَمِعَ الْقَرِينَانِ: لَا تُبَاعُ مِيَاهُ
стр. 3155
الْمَوَاشِي وَلَا تُمْنَعُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا يَصْلُحُ فِيهَا إعْطَاءٌ. ابْنُ رُشْدٍ: مِيَاهُ الْمَوَاشِي هِيَ الْآبَارُ وَالْمَوَاجِلُ وَالْجِبَابُ يَصْنَعُهَا الرَّجُلُ فِي الْبَرَارِي لِلْمَاشِيَةِ هُوَ أَحَقُّ بِمَا يَحْتَاجُ لِمَاشِيَتِهِ وَيَدَعُ الْفَضْلَ لِلنَّاسِ، وَالْبِئْرُ وَالْمَاجِلُ وَالْجُبَبُ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، فَلَوْ أَشْهَدَ عِنْدَ حَفْرِهَا أَنَّهُ يَحْفِرُهَا لِنَفْسِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ بَيْعِ مَائِهَا وَاسْتَخَفَّهَا مَالِكٌ بِالْإِحْيَاءِ.
(وَبُدِئَ بِمُسَافِرٍ) ابْنُ رُشْدٍ: وَجْهُ التَّبْدِئَةِ بِالشُّرْبِ فِي مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إذَا كَانَ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ أَنْ يَبْدَأَ أَوَّلًا أَهْلُ الْمَاءِ فَيَأْخُذُوا لِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابُّ الْمَارَّةِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ دَوَابُّ أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ مَوَاشِي أَهْلِ الْمَاءِ حَتَّى يَرْوُوا، ثُمَّ الْفَضْلُ لِسَائِرِ مَوَاشِي النَّاسِ.
(وَلَهُ عَارِيَّةُ آلَةٍ) . ابْنُ عَرَفَةَ: لِابْنِ السَّبِيلِ عَارِيَّةُ الدَّلْوِ وَالرَّشَا وَالْحَوْضِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَدَاةً تُعِينُهُ، وَيُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّكِيَّةِ فَيَسْقِي. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: ظَاهِرُ إطْلَاقَاتِ أَهْلِ الْمَذْهَبِ وُجُوبُ عَارِيَّةِ هَذِهِ الْآلَةِ لِلْمَلِيءِ وَالْفَقِيرِ، وَلَعَلَّ هَذَا؛ لِأَنَّ مَالِكَهَا لَمْ يَتَّخِذْهَا لِكِرَاءٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: مُقْتَضَاهُ لَوْ اتَّخَذَهَا مَالِكُهَا لِلْكِرَاءِ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عَارِيَّتُهَا لِلْمُسَافِرِ وَمُقْتَضَى الرِّوَايَاتِ خِلَافُهُ (ثُمَّ حَاضِرٍ ثُمَّ دَابَّةِ رَبِّهَا بِجَمِيعِ الرِّيِّ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ بِهَذَا (وَإِلَّا فَنَفْسُ الْمَجْهُودِ) ابْنُ رُشْدٍ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَاءُ يَقُومُ بِالْجَمِيعِ وَتَبْدِئَةُ أَحَدِهِمْ تُجْهِدُ الْآخَرِينَ بُدِئَ بِمَنْ الْجَهْدُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَبْدِئَةِ صَاحِبِهِ. فَإِنْ اسْتَوَوْا فِي الْجَهْدِ فَقِيلَ يَتَسَاوُونَ، وَقِيلَ يَبْدَأُ أَهْلُ الْمَاءِ بِأَنْفُسِهِمْ وَدَوَابِّهِمْ. رَاجِعْ الْمُقَدِّمَاتِ.
(وَإِنْ سَالَ مَطَرٌ بِمُبَاحٍ سَقَى الْأَعْلَى إنْ تَقَدَّمَ لِلْكَعْبِ) رَوَى مَالِكٌ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ فِي سَيْلِ مَهْزُوزٍ وَمُذَيْنِبٍ: يُمْسِكُ الْأَعْلَى إلَى الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ» . أَبُو عُمَرَ: هُمَا وَادِيَانِ بِالْمَدِينَةِ يَسِيلَانِ بِالْمَطَرِ يَتَنَافَسُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فِي سَيْلِهِمَا. ابْنُ رُشْدٍ: وَهَذَا الْحُكْمُ فِي كُلِّ مَاءٍ غَيْرِ مُتَمَلَّكٍ يَجْرِي عَلَى قَوْمٍ إلَى قَوْمٍ دُونَهُمْ أَنَّ مَنْ دَخَلَ الْمَاءُ أَرْضَهُ أَوَّلًا فَهُوَ أَحَقُّ بِالسَّقْيِ بِهِ حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ فِي أَرْضِهِ إلَى الْكَعْبَيْنِ، وَاخْتُلِفَ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ إلَى الْكَعْبَيْنِ، هَلْ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ إلَى الْأَسْفَلِ أَوْ لَا يُرْسِلُ عَلَيْهِ إلَّا مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ؟ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ وَهْبٍ: يُرْسِلُ عَلَى الْأَسْفَلِ مَا زَادَ عَلَى الْكَعْبَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: بَلْ يُرْسِلُ جَمِيعَ الْمَاءِ وَلَا يُحْبَسُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: مَا لَا يُمْلَكُ كَالسُّيُولِ وَالْأَمْطَارِ إنْ كَانَ طَرِيقُهُ فِي أَرْضٍ لَا تُمْلَكُ كَشِعَابِ الْجِبَالِ وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ مِثْلُ مَهْزُوزٍ وَمُذَيْنِبٍ يَأْتِي حَتَّى يُحَاذِيَ مَجْرَى الْمَاءِ فِي جَانِبَيْهِ أَوْ أَحَدِهِمَا مَزَارِعَ وَحَدَائِقَ يَسْقُونَ بِهَا،
следующие страницы →