Полный текст (3 713 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
بِالشُّبَهِ.
(وَفَرَسًا وَحِمَارًا) اللَّخْمِيِّ: الْبَقَرُ وَالْخَيْلُ وَسَائِرُ الدَّوَابِّ بِحَيْثُ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ سَبُعٍ وَلَا غَيْرِهِ لَمْ تُؤْخَذْ وَإِلَّا أُخِذَتْ وَعُرِّفَتْ عَامًا. اُنْظُرْ هَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ مَنْ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ فِي سَفَرٍ آيِسًا مِنْهَا فَأَخَذَهَا مَنْ عَاشَتْ عِنْدَهُ وَمَنْ مَاتَتْ رَاحِلَتُهُ بِفَلَاةٍ فَأَسْلَمَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ رَجُلٌ وَمَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ مِنْ مَتَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
(وَرُدَّ بِمَعْرِفَةِ مَشْدُودٍ فِيهِ وَبِهِ وَبِعَدَدِهِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَأَتَى رَجُلٌ فَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا لَزِمَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ وَيُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى ذَلِكَ.
أَبُو عُمَرَ: أَجْمَعُوا أَنَّ
стр. 3222
الْعِفَاصَ الْخِرْقَةُ الْمَرْبُوطُ فِيهَا وَهِيَ لُغَةً مَا يُسَدُّ بِهِ فَمُ الْقَارُورَةِ، وَالْوِكَاءُ الْخَيْطُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ (بِلَا يَمِينٍ) الْبَاجِيُّ: هَلْ يَلْزَمُهُ يَمِينٌ إذَا وَصَفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَالْعَدَدَ؟ الْمَشْهُورُ أَنْ لَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُنَازِعُهُ فِيهَا وَلَا مَنْ يُنَازِعُ عَنْهُ (وَقُضِيَ لَهُ عَلَى ذِي الْعَدَدِ وَالْوَزْنِ) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ وَاحِدٌ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ وَوَصَفَ آخَرُ عَدَدَ الدَّنَانِيرِ وَوَزْنَهَا كَانَتْ لِمَنْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ. وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعَرِّفْ إلَّا الْعِفَاصَ وَحْدَهُ (وَإِنْ وَصَفَ ثَانٍ وَصْفَ أَوَّلٍ وَلَمْ يَبِنْ بِهَا حَلَفَا وَقُسِمَتْ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَفَعَهَا لِمَنْ عَرَّفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلُ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ، لَمْ يَضْمَنْهَا لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.
اللَّخْمِيِّ: وَإِنْ ادَّعَاهَا رَجُلَانِ وَاتَّفَقَتْ صِفَتُهُمَا اقْتَسَمَاهَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَهَا أَحَدُهُمَا بِالصِّفَةِ ثُمَّ أَتَى الْآخَرُ فَوَصَفَ مِثْلَ الْأَوَّلِ قَبْلَ أَنْ يَبِينَ بِهَا وَيَظْهَرَ أَمْرُهَا قُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ ظَهَرَ أَمْرُهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُ الثَّانِي (كَبَيِّنَتَيْنِ لَمْ تُؤَرَّخَا وَإِلَّا فَلِلْأَقْدَمِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ أَقَامَ الثَّانِي بَيِّنَةً اُنْتُزِعَتْ مِنْ الْأَوَّلِ إلَّا أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً فَيُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا، فَإِنْ تَكَافَأَتَا بَقِيَتْ لِلْأَوَّلِ بِالصِّفَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ: هَذَا فِي النَّوَادِرِ لِأَشْهَبَ وَزَادَ: هَذَا إنْ لَمْ تُؤَرَّخْ الْبَيِّنَتَانِ وَإِنْ أُرِّخَتَا كَانَتْ لِأَوَّلِهِمَا مِلْكًا بِالتَّارِيخِ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى دَافِعٍ بِوَصْفٍ وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِغَيْرِهِ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ لِأَنَّهُ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ يَجُوزُ لَهُ.
(وَاسْتُؤْنِيَ فِي الْوَاحِدَةِ إنْ جَهِلَ غَيْرَهَا) أَصْبَغُ: لَوْ عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَحْدَهُ وَادَّعَى الْجَهَالَةَ فِيمَا سِوَاهُ فَلْيَسْتَبْرِئْ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ أُعْطِيَهَا هَذَا كَمَا فِي شَرْطِ الْخَلِيطَيْنِ أَوْصَافًا تُجْزِئُ وَإِنْ انْخَرَمَ بَعْضُهَا (لَا غَلِطَ عَلَى الْأَظْهَرِ) ابْنُ رُشْدٍ: الْعِفَاصُ وَالْوِكَاءُ إذَا وَصَفَ أَحَدَهُمَا وَجَهِلَ الْآخَرَ أَوْ غَلِطَ فِيهِ فَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ، أَعْدَلُ الْأَقَاوِيلِ عِنْدِي أَنَّهُ إنْ ادَّعَى الْجَهَالَةَ اسْتَبْرَأَ أَمْرَهُ،
стр. 3223
وَإِنْ ادَّعَى الْغَلَطَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ (وَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ بِقَدْرِهَا) ابْنُ رُشْدٍ: أَمَّا جَهْلُهُ بِالْعَدَدِ فَلَا يَضُرُّهُ إذَا عَرَّفَ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، وَكَذَلِكَ غَلَطُهُ فِيهِ بِالزِّيَادَةِ لَا يَضُرُّهُ، وَاخْتُلِفَ فِي غَلَطِهِ بِالنُّقْصَانِ.
(وَوَجَبَ أَخْذُهُ لِخَوْفِ خَائِنٍ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِي حُكْمِ أَخْذِ اللُّقَطَةِ اضْطِرَابٌ. ابْنُ رُشْدٍ: يَلْزَمُ أَنْ يُؤْخَذَ اللَّقِيطُ وَلَا يُتْرَكُ لِأَنَّهُ إنْ تُرِكَ ضَاعَ وَهَلَكَ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي لُقَطَةِ الْمَالِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ.
وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ لَا يُخْشَى أَنْ يَأْخُذَهَا إنْ عَلِمَ بِهَا بَعْدَ تَعْرِيفِهِ إيَّاهَا، وَأَمَّا إنْ كَانَتْ اللُّقَطَةُ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ عَدْلٌ فَأَخْذُهَا عَلَيْهِ وَاجِبٌ قَوْلًا وَاحِدًا. وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ مُخَيَّرًا بَيْنَ أَخْذِهَا وَتَرْكِهَا، وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ مِنْ أَكْثَرِ الْخَوْفَيْنِ وَهُوَ أَيْضًا أَعْنِي هَذَا الِاخْتِلَافَ فِيمَا عَدَا لُقَطَةَ الْحَاجِّ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْهَا مَخَافَةَ أَنْ لَا يَجِدَ رَبَّهَا لِتَفَرُّقِ الْحَاجِّ إلَى بُلْدَانِهِمْ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا وَجَبَ عَلَيْهِ فِي تَعْرِيفِهَا مَا يَجِبُ فِي سِوَاهَا.
اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ غَيْرِ مَأْمُونِينَ كَانَ حِفْظُهَا وَاجِبًا لِأَنَّ حِفْظَ
стр. 3224
أَمْوَالِ النَّاسِ وَأَلَّا تَضِيعَ وَاجِبٌ (لَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ هُوَ فَيَحْرُمُ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ مَأْمُونٍ وَمَتَى أُنْشِدَتْ وَعُرِّفَتْ أَخَذَهَا مُنِعَ مَنْ وَجَدَهَا أَنْ يَعْرِضَ لَهَا، وَكَذَلِكَ إنْ اسْتَفْتَى عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمَأْمُونٍ وَيُخْشَى إنْ صَارَتْ إلَيْهِ أَنْ يَسْتَفِزَّهُ الشَّيْطَانُ بَعْدَ أَخْذِهَا فَيُقَالُ لَهُ لَا تَقْرَبْهَا (وَإِلَّا كُرِهَ عَلَى الْأَحْسَنِ) اللَّخْمِيِّ: إنْ كَانَ الْوَاجِدُ لَهَا مَأْمُونًا وَلَا يَخْشَى سُلْطَانَ الْمَوْضِعِ إنْ أَنْشَدَهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَهِيَ بَيْنَ نَاسٍ لَا بَأْسَ بِحَالِهِمْ وَلَهَا قَدْرٌ، كَانَ أَخْذُهَا وَتَعْرِيفُهَا مُسْتَحَبًّا، وَإِنْ كَانَتْ حَقِيرَةً كُرِهَ لَهُ أَخْذُهَا
стр. 3225
مُطْلَقًا، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: لَوْ كَانَتْ بَيْنَ قَوْمٍ مَأْمُونِينَ وَالْإِمَامُ غَيْرُ عَدْلٍ لَكَانَ الِاخْتِيَارُ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا قَوْلًا وَاحِدًا.
(وَتَعْرِيفُهُ سَنَةً) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ عَرْضًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَلْيُعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا أَخَذَهَا وَإِلَّا تَمَّ أَمْرُهُ بِأَكْلِهَا، كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ، دِرْهَمٌ فَصَاعِدًا إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إنْ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ ثَوَابُهَا أَوْ يَغْرَمَهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ (وَلَوْ كَالدَّلْوِ لَا تَافِهًا) سُمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لُقَطَةُ مِثْلِ الدَّلْوِ وَالْحَبْلِ وَالْمِخْلَاةِ وَشِبْهَ ذَلِكَ إنْ وُجِدَ بِطَرِيقٍ وَقَعَ بِأَقْرَبِ مَوْضِعٍ إلَيْهِ وَإِنْ بِمَدِينَةٍ عُرِّفَ وَانْتُفِعَ بِهِ، وَالصَّدَقَةُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ أَقْسَامِ اللُّقَطَةِ هُوَ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ إنْ تُرِكَ، وَيَبْقَى فِي يَدِ مُلْتَقِطِهِ إنْ الْتَقَطَهُ، فَإِنْ كَانَ يَسِيرًا جِدًّا لَا بَالَ لَهُ وَلَا قَدْرَ لَقِيمَتِهِ وَيُعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَطْلُبُهُ لِتَفَاهَتِهِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُعَرَّفُ وَهُوَ لِوَاجِدِهِ إنْ شَاءَ أَكَلَهُ وَإِنْ شَاءَ تَصَدَّقَ بِهِ.
أَصْلُهُ مَا رُوِيَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ بِتَمْرَةٍ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ: لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَأَكَلْتُهَا» . وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا تَعْرِيفًا. وَقَدْ قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الَّذِي يَجِدُ السَّوْطَ وَالْعَصَا أَنَّهُ يُعَرِّفَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَفِيفًا، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا إلَّا أَنَّ لَهُ قَدْرًا وَمَنْفَعَةً وَقَدْ يَشِحُّ بِهِ صَاحِبُهُ فَيَطْلُبُهُ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ تَعْرِيفِهِ. وَظَاهِرُ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي
стр. 3226
الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُعَرِّفُهُ سَنَةً.
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنَّمَا يُعَرِّفُهُ أَيَّامًا وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرِوَايَتُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ مَا لَا يَبْقَى مِنْ الطَّعَامِ فَأُحِبُّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ كَثُرَ أَوْ قَلَّ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: فَإِنْ أَكَلَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ لِرَبِّهِ كَالشَّاةِ يَجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ إلَّا أَنْ يَجِدَهُ فِي غَيْرِ فَيْفَاءَ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ وَيُعَرِّفُ بِهِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا دَفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ (بِمَظَانِّ طَلَبِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ حَيْثُ وَجَدَهَا وَعَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيُعَرِّفُ حَيْثُ يَعْلَمُ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ أَوْ خَبَرُهُ وَلَا يَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى أَمْرِ الْإِمَامِ. ابْنُ يُونُسَ: إنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الْإِنْسَانَ مَنْدُوبٌ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ وَالْعَوْنِ عَلَيْهِ فَهَذَا مِنْهُ.
(كَبَابِ الْمَسْجِدِ) سُمِعَ
стр. 3227
الْقَرِينَانِ: يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ: لَا أُحِبُّ رَفْعَ الصَّوْتِ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنَّمَا أَمَرَ عُمَرُ أَنْ تُعَرَّفَ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ. وَلَوْ مَشَى هَذَا الَّذِي وَجَدَهَا إلَى الْحِلَقِ فِي الْمَسْجِدِ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ لَمْ أَرَ بِهِ بَأْسًا (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ) رَوَى ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ: يَنْبَغِي لِلَّذِي يُعَرِّفُ اللُّقَطَةَ أَنْ لَا يُرِيَهَا أَحَدًا وَلَا يُسَمِّيَهَا بِعَيْنِهَا لِكَيْ يُعَمِّيَ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَأْتِيَ مُتَخَيِّلٌ فَيَصِفَهَا بِذَلِكَ بِصِفَةِ الْعُرْفِ فَيَأْخُذُهَا وَلَيْسَتْ لَهُ، وَيُعَرِّفُهَا فِي الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَدَعَ صَنْعَتَهُ وَيُعَرِّفَهَا (بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ أَوْ بِأُجْرَةٍ مِنْهَا إنْ لَمْ يُعَرِّفْ مِثْلُهُ) اللَّخْمِيِّ: هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعٍ: بَيْنَ أَنْ يُعَرِّفَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ يَدْفَعَهَا إلَى السُّلْطَانِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَكَانَ لَا يَتَشَاغَلُ عَنْ تَعْرِيفِهَا، أَوْ إلَى مَأْمُونٍ يَقُومُ مَقَامَهُ فِيهَا، أَوْ يَسْتَأْجِرَ عَلَيْهَا مَنْ يُعَرِّفُهَا.
وَأَجَازَ ابْنُ شَعْبَانَ أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْهَا عَلَيْهَا يُرِيدُ إذَا لَمْ يَلْتَزِمْ تَعْرِيفَهَا وَكَانَ مِثْلُهُ لَا يَلِي مِثْلَ ذَلِكَ. ابْنُ يُونُسَ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا دَفَعَ الْمُلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ إلَى غَيْرِهِ لِيُعَرِّفَ بِهَا فَضَاعَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ. وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَهَا إلَيْهِ لِيَعْمَلَ بِهَا مَا شَاءَ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ الَّتِي لَمْ يَرْضَ رَبُّهَا إلَّا أَمَانَتَهُ فَلَا يَدْفَعُهَا لِغَيْرِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ، وَذَكَرَ هَذَا عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ مَالِكٍ فِي فَرْقِهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا أَنَّ مَنْ أَثْبَتَ هَلَاكَ لُقَطَةٍ بَعْدَ السَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: هِيَ فِي ذِمَّتِهِ حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا.
وَأَمَّا قَبْلَ السَّنَةِ فَبَيْنَ الْحُرِّ وَالْعَبْدِ فَرْقٌ، هَذَا فِي ذِمَّتِهِ وَهَذَا فِي رَقَبَتِهِ وَالْجَمِيعُ اسْتِهْلَاكٌ (وَبِالْبَلَدَيْنِ إنْ وُجِدَتْ بَيْنَهُمَا) اللَّخْمِيِّ: إنْ وُجِدَتْ فِي طَرِيقٍ بَيْنَ مَدِينَتَيْنِ عَرَّفَهَا فِي تِينِك الْمَدِينَتَيْنِ وَكَذَلِكَ الْقَرْيَتَيْنِ أَوْ الْمَدِينَةِ وَالْقَرْيَةِ (وَلَا يُذْكَرُ جِنْسُهَا عَلَى الْمُخْتَارِ) اللَّخْمِيِّ: اُخْتُلِفَ عَنْ مَالِكٍ هَلْ يُسَمِّي جِنْسَ اللُّقَطَةِ إذَا أَنْشَدَهَا وَأَنْ لَا يُسَمِّيَ أَحْسَنُ. اُنْظُرْ نَقْلَ ابْنِ يُونُسَ عِنْدِ قَوْلِهِ " فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ ".
(وَدُفِعَتْ لِحَبْرٍ
стр. 3228
إنْ وُجِدَتْ بِقَرْيَةِ ذِمَّةٍ) ابْنُ يُونُسَ: رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي اللُّقَطَةِ تُوجَدُ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ قَالَ: تُدْفَعُ إلَى أَحْبَارِهِمْ. وَانْظُرْ بَعْدَ هَذَا عِنْدَ قَوْلِهِ " وَمَالُ الْكِتَابِيِّ لِأَهْلِ دِينِهِ ". وَانْظُرْ قَبْلَ هَذَا فِي الْجِزْيَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ " إلَّا أَنْ يَمُوتَ بِلَا وَارِثٍ فَلِلْمُسْلِمِينَ " وَرَأَيْت فُتْيَا لِابْنِ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ غَصَبَ يَهُودِيًّا ثُمَّ تَابَ وَجَهِلَهُ: إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصُّلْحِ وَهُمْ مَعْرُوفُونَ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَوْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَلَدِ فَلِبَيْتِ الْمَالِ، وَلَهُ هُوَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ.
وَفِي سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ: إذَا كَانَتْ الْفِدْيَةُ عَلَى الْجَمَاجِمِ فَالْعَاصِبُ بَيْتُ الْمَالِ اُنْظُرْهُ فِي الْوَصَايَا.
(وَلَهُ حَبْسُهَا بَعْدَهَا أَوْ التَّصَدُّقُ أَوْ التَّمَلُّكُ) الْجَلَّابُ: إنْ مَضَتْ السَّنَةُ وَلَمْ يَأْتِ طَالِبُهَا فَهُوَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْفَقَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا وَضَمِنَهَا أَوْ حَبَسَهَا لِيَأْتِيَ رَبُّهَا.
وَقَالَ اللَّخْمِيِّ: ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ «عَرِّفْهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» . وَفِي الصَّحِيحِ «فَإِنْ لَمْ تُعْرَفْ فَاسْتَنْفِقْهَا» وَفِي النَّسَائِيّ «فَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهُوَ مَالٌ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ» فَتَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا بَعْدَ الْحَوْلِ خِلَافُهُ قَبْلَهُ، وَلَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهَا لِنَفْسِهِ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا، غَنِيًّا كَانَ أَوْ فَقِيرًا.
وَقَالَ مَالِكٌ فِي الَّذِي اشْتَرَى كُبَّةَ الْخُيُوطِ مِنْ
стр. 3229
الْمَغْنَمِ بِدِرْهَمٍ فَوَجَدَ فِيهَا صَلِيبَ ذَهَبٍ فِيهِ سَبْعُونَ مِثْقَالًا أَنَّ لَهُ أَنْ يَحْبِسَهُ لِنَفْسِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنْهُ قِسْمَةُ ذَلِكَ عَلَى الْجَيْشِ لِافْتِرَاقِهِ صَارَ حُكْمُهُ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا فِي جَوَازِ أَكْلِهَا لِمُلْتَقِطِهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «فَشَأْنُك بِهَا» لِأَنَّ مَالِكًا اإنَّمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا بَعْدَ التَّعْرِيفِ مَخَافَةَ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهَا فَيَجِدَهُ عَدِيمًا لَا شَيْءَ لَهُ، وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَجِدُ صَاحِبَهَا أَبَدًا لَمَا كَرِهَ لَهُ أَكْلَهَا، وَافْتِرَاقُ الْجَيْشِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَالْيَأْسِ مِنْ وُجُودِ صَاحِبِهَا، وَهَذَا فِي الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ الْوَاجِبَةِ لِلْجَيْشِ، وَأَمَّا الْخُمُسُ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَضَعَهُ فِي مَوَاضِعِ الْخُمُسِ.
وَقَاسَ فِي نَوَازِلِهِ عَلَى هَذَا حُكْمَ مُسْتَغْرِقِ الذِّمَّةِ بِالْحَرَامِ يَتُوبُ وَمَا بِيَدِهِ لَيْسَ غَيْرَ الْمَغْصُوبِ وَأَرْبَابُ مَتَاعِهِ مَجْهُولُونَ قَالَ: حُكْمُ مَا بِيَدِهِ حُكْمُ اللُّقَطَةِ بَعْدَ التَّعْرِيفِ وَحُكْمُ كُبَّةِ الْخُيُوطِ قَالَ: بَلْ هَذَا فِي الْجَوَازِ أَحْرَى لِأَنَّ أَهْلَ تَبَاعَتِهِ حَقُّهُمْ فِي ذِمَّتِهِ لَا فِي عَيْنِ مَا بِيَدِهِ بِخِلَافِ اللُّقَطَةِ وَهَذَا الصَّوَابُ. رَاجِعْ النَّوَازِلَ (وَلَوْ بِمَكَّةَ) تَقَدَّمَ نَصُّ ابْنِ رُشْدٍ قَبْلَ قَوْلِهِ " وَلَا إنْ عَلِمَ خِيَانَتَهُ " وَقَالَ عِيَاضٌ: قَوْلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ لُقَطَةَ مَكَّةَ كَغَيْرِهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ
стр. 3230
الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْقَصَّارِ.
(ضَامِنًا فِيهِمَا كَنِيَّةِ أَخْذِهَا قَبْلَهَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: هِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبِ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا ضَاعَتْ اللُّقَطَةُ مِنْ الْمُلْتَقِطِ لَمْ يَضْمَنْ.
قَالَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا أَخَذْتهَا لِتَذْهَبَ بِهَا وَقَالَ هُوَ بَلْ لِأُعَرِّفَهَا صُدِّقَ الْمُلْتَقِطُ. قَالَ
стр. 3231
أَشْهَبُ: بِلَا يَمِينٍ.
(وَرَدِّهَا بَعْدَ أَخْذِهَا لِلْحِفْظِ إلَّا بِقُرْبٍ فَتَأْوِيلَانِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً بَعْدَ أَنْ حَازَهَا وَبَانَ بِهَا رَدَّهَا لِمَوْضِعِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ضَمِنَهَا، وَأَمَّا إنْ رَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا مَكَانَهُ فِي سَاعَتِهِ كَمَنْ مَرَّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ فَوَجَدَ شَيْئًا وَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَك فَيَقُولُ لَا فَيَتْرُكُهُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي وَاجِدِ الْكِسَاءِ فِي أَثَرِ رُفْقَةٍ فَأَخَذَهُ وَصَاحَ بِهِ أَهَذَا لَكُمْ فَقَالُوا لَا فَرَدَّهُ قَالَ: قَدْ أَحْسَنَ فِي رَدِّهِ وَلَا يَضْمَنُ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا إنْ رَدَّهُ بِالْقُرْبِ، وَأَمَّا إنْ رَدَّهُ بَعْدَ طُولٍ فَهُوَ ضَامِنٌ.
وَقَالَ عِيَاضٌ فِي مَسْأَلَةِ الْكِسَاءِ: إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ نِيَّةِ التَّعْرِيفِ. قَالَ: وَاخْتُلِفَ إذَا أَخَذَ اللُّقَطَةَ بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهَا بِالْقُرْبِ، وَاخْتَلَفَ تَأْوِيلُ الشُّيُوخِ عَلَى كَلَامِ ابْنِ الْقَاسِمِ؛ فَقِيلَ إنَّهُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ وَإِنَّهُ ضَامِنٌ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَهَا بِنِيَّةِ التَّعْرِيفِ فَلَزِمَهُ حِفْظُهَا، وَتَأَوَّلَ آخَرُونَ أَنَّ مَذْهَبَ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ إذَا رَدَّهَا بِالْقُرْبِ.
(وَذُو الرِّقِّ كَذَلِكَ وَقَبْلَ السَّنَةِ فِي رَقَبَتِهِ) اللَّخْمِيِّ: إذَا الْتَقَطَ الْعَبْدُ اللُّقَطَةَ عَرَّفَهَا وَلَيْسَ لِسَيِّدِهِ مَنْعُهُ.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ كَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ
стр. 3232
السَّنَةِ لَمْ تَكُنْ إلَّا فِي ذِمَّتِهِ. ابْنُ يُونُسَ: وَلَمْ يَكُنْ لِمَوْلَاهُ أَنْ يُسْقِطَهَا عَنْهُ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يُسَلِّطْ يَدَهُ عَلَيْهَا وَلَوْلَا الشُّبْهَةُ لَكَانَتْ فِي رَقَبَتِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا جَعَلَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فِي ذِمَّتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «عَرَّفَهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا فَشَأْنُك بِهَا» فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ " فَشَأْنُك بِهَا ".
(وَلَهُ أَكْلُ مَا يَفْسُدُ وَلَوْ بِقَرْيَةٍ وَشَاةٍ بِفَيْفَاءَ) تَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ رُشْدٍ عِنْدَ قَوْلِهِ: " لَا تَافِهًا " وَنَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ ضَالَّةً بِقُرْبِ الْعُمْرَانِ عَرَّفَ بِهَا فِي أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهِ وَلَا يَأْكُلُهَا، وَإِنْ كَانَتْ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ أَكَلَهَا وَلَا يُعَرِّفُ بِهَا وَلَا يَضْمَنُ لِرَبِّهَا شَيْئًا.
وَقَالَ سَحْنُونَ فِيمَنْ وَجَدَ شَاةً اخْتَلَطَتْ بِغَنَمِهِ فَهِيَ كَاللُّقَطَةِ يَتَصَدَّقُ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا، يُرِيدُ بَعْدَ السَّنَةِ، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا ضَمِنَهَا لَهُ وَلَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا وَهَذَا خَفِيفٌ لِأَنَّهُ يَرْعَاهَا وَيَتَفَقَّدُهَا.
وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ الْغَنَمَ فِي أَقْرَبِ الْعُمْرَانِ فَعَرَّفَهَا فَلَمْ يَأْتِ رَبُّهَا فَالصَّدَقَةُ بِثَمَنِهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ الصَّدَقَةِ بِهَا، وَكَذَلِكَ الِاسْتِينَاءُ بِثَمَنِهَا وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَنَسْلُهَا مِثْلُهَا. وَأَمَّا اللَّبَنُ وَالزُّبْدُ فَإِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لِذَلِكَ ثَمَنٌ فَلْيَبِعْ وَيَصْنَعْ بِثَمَنِهِ مَا يَصْنَعُ بِثَمَنِهَا، وَإِنْ
стр. 3233
كَانَ لَهُ قِيَامٌ وَعُلُوفَةٌ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، وَأَمَّا بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ فَلْيَأْكُلْهُ. وَأَمَّا الصُّوفُ وَالسَّمْنُ فَلْيَتَصَدَّقْ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا أَوْ بِثَمَنِهَا ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ بِخِلَافِ الْمَالِ. اهـ.
نَقَلَ ابْنُ يُونُسَ. وَلِابْنِ رُشْدٍ إثْرَ نَقْلِهِ كَلَامَ سَحْنُونٍ مَا نَصُّهُ: لَهُ شُرْبُ لَبَنِهَا قَدْرَ قِيَامِهِ بِهَا وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ كَلُقَطَةِ طَعَامٍ يُفَرَّقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ.
قَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَلَا فَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ نِتَاجِهَا. وَلِابْنِ رُشْدٍ أَيْضًا: خَفَّفَ مَالِكٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لَبَنِهَا بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ كَالْوَصِيِّ فِي مَالِ يَتِيمِهِ وَالزَّائِدُ عَلَى ذَلِكَ مَالَهُ قَدْرٌ يَشِحُّ بِهِ رَبُّهُ كَلُقَطَةٍ وَمَا لَا يَشِحُّ بِهِ لَهُ أَكْلُهُ.
(كَبَقَرٍ بِمَحَلِّ خَوْفٍ وَإِلَّا تُرِكَتْ كَإِبِلٍ فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ ثُمَّ تُرِكَتْ بِمَحَلِّهَا) وَمِنْ الْمُخْتَلِطَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَضَالَّةُ الْبَقَرِ إنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْغَنَمِ، وَإِنْ كَانَتْ لَا يُخَافُ عَلَيْهَا مِنْ السِّبَاعِ وَالذِّئَابِ فَهِيَ كَالْإِبِلِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وَجَدَ ضَالَّةَ الْإِبِلِ فِي الْفَلَاةِ تَرَكَهَا، فَإِنْ أَخَذَهَا عَرَّفَهَا سَنَةً وَلَيْسَ لَهُ أَكْلُهَا وَلَا بَيْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ رَبَّهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ.
(وَكِرَاءُ بَقَرٍ وَنَحْوِهَا فِي عَلَفِهَا كِرَاءً مَأْمُونًا) اللَّخْمِيِّ: ضَالَّةُ الْبَقَرَةِ وَالْخَيْلِ وَغَيْرِهَا مِنْ الدَّوَابِّ يُمْنَعُ مِنْ أَخْذِهَا إذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِ رَعْيٍ وَمَاءٍ
стр. 3234
لَا يُخَافُ عَلَيْهَا سِبَاعٌ وَلَا نَاسٌ، فَإِنْ انْخَرَمَ أَحَدُ هَذِهِ الْوُجُوهِ أُخِذَتْ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ صَبْرٌ عَنْ الْمَاءِ كَالْإِبِلِ، فَإِنْ أُخِذَتْ عُرِّفَتْ حَوْلًا وَإِذَا تَكَلَّفَ ذَلِكَ وَاجِدُهَا وَلَمْ يَلْحَقْ صَاحِبَهَا فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا تِلْكَ الْمُدَّةِ مَضَرَّةٌ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَى رَعْيِهَا فِي أَمْنٍ وَحِفْظٍ أَوْ يُؤَاجِرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُ مِنْ النَّفَقَةِ فَعَلَ ذَلِكَ، فَإِنْ خِيفَ خُرُوجُهَا إلَى الرَّعْيِ اُسْتُؤْجِرَتْ فِي مَأْمُونٍ مِنْ الْأَعْمَالِ بِقَدْرِ مَا تَحْتَاجُهُ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ لَمْ تُوَفِّ الْإِجَارَةُ بِعَلَفِهَا أَوْ قَالَ وَاجِدُهَا لَا أَتَكَلَّفُ الصَّبْرَ عَلَيْهَا بِيعَتْ، وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ يَتَوَلَّى الْبَيْعَ، رَاجِعْ اللَّخْمِيِّ.
(وَرُكُوبُ دَابَّةٍ لِمَوْضِعِهِ وَإِلَّا ضَمِنَ) مُطَرِّفٌ: لَوْ أَجَّرَ ضَالَّةَ الدَّوَابِّ لِرُكُوبِهَا إلَى مَوْضِعِهِ لَا فِي حَوَائِجِهِ فَإِنْ فَعَلَ ضَمِنَهَا.
(وَغَلَّتُهَا دُونَ نَسْلِهَا) الَّذِي لِمَالِكٍ: نِتَاجُ الضَّالَّةِ مِثْلُهَا وَلَبَنُهَا عَلَى أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ.
وَقَيَّدَهُ ابْنُ رُشْدٍ بِقَدْرِ قِيَامِهِ عَلَيْهَا وَالزَّائِدُ عَلَيْهِ لُقَطَةٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا قَبْلَ قَوْلِهِ " كَبَقَرٍ " فَانْظُرْهُ مَعَ لَفْظِ خَلِيلٍ.
(وَخُيِّرَ رَبُّهَا بَيْنَ فَكِّهَا بِالنَّفَقَةِ أَوْ إسْلَامِهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ وَجَدَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فَلْيُعَرِّفْهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا أَخَذَهَا. وَمَا أَنْفَقَ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ أَوْ أَنْفَقَ عَلَى مَا الْتَقَطَ مِنْ
стр. 3235
عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ عَلَى إبِلٍ قَدْ كَانَ رَبُّهَا أَسْلَمَهَا أَوْ عَلَى بَقَرٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ مَتَاعٍ أُكْرِيَ فَحَمَلَهُ مِنْ مَوْضِعٍ إلَى مَوْضِعٍ بِأَمْرِ سُلْطَانٍ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، فَلَيْسَ لِرَبِّ ذَلِكَ أَخْذُهُ حَتَّى يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ فَيَأْخُذَهُ إلَّا أَنْ يُسَلِّمَهَا إلَيْهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رُهُونِهَا الْمُنْفِقُ عَلَى الضَّالَّةِ أَحَقُّ بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ نَفَقَتَهُ.
(وَإِنْ بَاعَهَا بَعْدَهَا فَمَا لِرَبِّهَا إلَّا الثَّمَنُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ بِيعَتْ اللُّقَطَةُ بَعْدَ السَّنَةِ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إنْ جَاءَ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِنْ بِيعَتْ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ، وَلِرَبِّهَا أَخْذُ الثَّمَنِ مِمَّنْ قَبَضَهُ. وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ فِي الدَّوَابِّ إذَا بِيعَتْ. ابْنُ يُونُسَ: وَجَعَلَ أَشْهَبُ بَيْعَ الثِّيَابِ بَعْدَ السَّنَةِ دُونَ أَمْرِ الْإِمَامِ تَعَدِّيًا وَجَعَلَهُ يَنْقُضُ الْبَيْعَ فِي الدَّوَابِّ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ قَوْلُهُ ﵇ «فَشَأْنُك بِهَا» فَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هَذَا أَبْيَنُ.
(بِخِلَافِ لَوْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمِسْكِينِ أَوْ مُبْتَاعٍ مِنْهُ فَلَهُ أَخْذُهَا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا تَصَدَّقَ بِاللُّقَطَةِ بَعْدَ السَّنَةِ ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِيَدِ الْمِسْكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا، فَإِنْ أَكَلَهَا الْمَسَاكِينُ فَلَيْسَ لَهُ تَضْمِينُهُمْ لِأَنَّهُ قِيلَ فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا بِخِلَافِ الْمَوْهُوبِ يَأْكُلُ الْهِبَةَ ثُمَّ تُسْتَحَقُّ هَذَا لِرَبِّهِ أَنْ يُضَمِّنَهُ؛ ابْنُ يُونُسَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا بَعْدَ أَنْ الْتَزَمَ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا فَرَبُّهَا مُخَيَّرٌ. أَنْ يُلْزِمَهُ مَا الْتَزَمَ أَوْ يَأْخُذَهَا مِنْ يَدِ الْمَسَاكِينِ، وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهَا تَعَدِّيًا أَوْ عَنْ رَبِّهَا فَلَيْسَ لِرَبِّهَا إلَّا أَخْذُهَا، وَإِنْ فَاتَتْ فِي الْوَجْهَيْنِ لَزِمَ مُلْتَقِطَهَا قِيمَتُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ وُجِدَتْ بِيَدِ مَنْ ابْتَاعَهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ فَلَهُ أَخْذُهَا ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُبْتَاعُ عَلَى الْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ يُونُسَ: جَعَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّ لِرَبِّهَا نَقْضَ الْبَيْعِ الَّذِي بَاعَهُ الْمَسَاكِينُ لَهَا وَلَيْسَ لَهُ نَقْضُ بَيْعِ الْمُلْتَقِطِ لَهَا. وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُلْتَقِطَ بَاعَهَا خَوْفًا مِنْ ضَيَاعِهَا وَأَوْقَفَ لَهُ ثَمَنَهَا فَلَمْ يُنْقَضْ بَيْعُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ «فَشَأْنُك بِهَا» وَالْمَسَاكِينُ إنَّمَا بَاعُوهَا عَلَى أَنَّهَا مِلْكٌ لَهُمْ فَلِمُسْتَحِقِّهَا نَقْضُ بَيْعِهِمْ كَنَقْضِهِ بَيْعَ الْمُشْتَرِي فِي الِاسْتِحْقَاقِ، ابْنُ يُونُسَ: فَإِذَا أَخَذَهَا مِنْ الْمُبْتَاعِ رَجَعَ الْمُبْتَاعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْمَسَاكِينِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِأَيْدِيهِمْ كَمَا كَانَ لِرَبِّهَا أَنْ يَأْخُذَ عَيْنَهَا مِنْهُمْ، وَإِنْ أَكَلُوهُ فَالْأَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ الَّذِي سَلَّطَ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهَا كَمَا لَوْ أَكَلُوهَا، وَانْظُرْ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَظَائِرُ أَعْنِي فِي رُجُوعِ الْإِنْسَانِ فِي عَيْنِ مَالِهِ فَإِنْ فَاتَ فَلَا رُجُوعَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ: مَنْ أَثَابَ مِنْ صَدَقَةٍ فَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ، وَمَنْ رَدَّ مَا تَسَلَّفَهُ بِأَرْضِ الْحَرْبِ، وَمَنْ اشْتَرَى حَاجَةً لِغَيْرِهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ، أَوْ دَفَعَ ثَوْبًا أَرْفَعَ مِمَّا بَاعَ غَلَطًا أَوْ بَاعَ مُرَابَحَةً ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ غَلِطَ، وَمَا أَصَابَ الْخَوَارِجُ مِنْ الْأَمْوَالِ ثُمَّ تَابُوا، وَمَنْ دَفَعَ كَفَّارَةً أَوْ زَكَاةً لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا، وَمَنْ عَلَيْهِ نِصْفُ عُشْرٍ فَأَخْرَجَ الْعُشْرَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي عَيْنِ ذَلِكَ، وَلَا رُجُوعَ لَهُ إنْ تَلِفَ.
قَالَ الصَّائِغُ: وَإِنْ كَانَ لَهُ زَرْعٌ آخَرُ فَلَا يُحَاسِبُ بِقَدْرِ مَا زَادَ جَهْلًا (وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَيْهِ إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: لِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ يُونُسَ عَنْ أَشْهَبَ: إنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا مِنْ الْمَسَاكِينِ أَوْ قِيمَتِهَا مِنْ الْمُلْتَقِطِ ثُمَّ لَا يَرْجِعُ الْمُلْتَقِطُ عَلَى الْمَسَاكِينِ بِشَيْءٍ.
стр. 3236
(وَإِنْ نَقَصَتْ بَعْدَ نِيَّةِ تَمَلُّكِهَا فَلِرَبِّهَا أَخْذُهَا أَوْ قِيمَتُهَا) ابْنُ رُشْدٍ: إنْ وَجَدَهَا رَبُّهَا بِيَدِ مُلْتَقِطِهَا وَقَدْ نَقَصَهَا بِاسْتِعْمَالٍ فَلَهُ أَخْذُهَا وَمَا نَقَصَهَا، وَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا فَفِي تَخْيِيرِهِ فِي أَخْذِ قِيمَتِهَا أَوْ أَخْذِهَا وَلَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِهَا. ابْنُ شَاسٍ.
[كِتَابُ اللَّقِيطِ]
[بَابٌ فِي الِالْتِقَاطِ وَأَحْكَامِ اللَّقِيطِ]
كِتَابُ اللَّقِيطِ
وَفِيهِ بَابَانِ: الْأَوَّلُ فِي الِالْتِقَاطِ الثَّانِي فِي أَحْكَامِ اللَّقِيطِ (وَوَجَبَ لَقْطُ طِفْلٍ نُبِذَ كِفَايَةً) . ابْنُ شَاسٍ: كُلُّ صَبِيٍّ ضَائِعٍ لَا كَافِلَ لَهُ فَالْتِقَاطُهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ (وَحَضَانَتُهُ) . ابْنُ عَرَفَةَ: حَضَانَةُ اللَّقِيطِ عَلَى مُلْتَقِطِهِ اتِّفَاقًا.
(وَنَفَقَتُهُ إنْ لَمْ يُعْطَ مِنْ الْفَيْءِ إلَّا أَنْ يَمْلِكَ كَهِبَةٍ أَوْ يُوجَدَ مَعَهُ مَالٌ أَوْ مَدْفُونٌ تَحْتَهُ إنْ كَانَتْ مَعَهُ رُقْعَةٌ) . ابْنُ شَاسٍ نَفَقَةُ اللَّقِيطِ فِي مَالِهِ وَهُوَ مَا وُقِفَ عَلَى اللُّقَطَاءِ أَوْ وُهِبَ لَهُمْ أَوْ أُوصِيَ لَهُمْ بِهِ أَوْ مَا وُجِدَ تَحْتَ يَدِ اللَّقِيطِ عِنْدَ الْتِقَاطِهِ لِكَوْنِهِ مَلْفُوفًا عَلَيْهِ.
وَفِي الزَّاهِي: إنْ وَجَدَهَا عَلَى فِرَاشِهِ أَوْ ثَوْبٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ مَعَهُ مَالٌ مَشْدُودٌ أَوْ حُزِمَ عَلَى مَالٍ مَوْضُوعٍ مَشْدُودٍ فَهُوَ لَهُ.
ابْنُ شَاسٍ: وَأَمَّا مَا هُوَ مَدْفُونٌ فِي الْأَرْضِ تَحْتَهُ فَلَيْسَ هُوَ لَهُ إلَّا أَنْ تُوجَدَ مَعَهُ رُقْعَةٌ مَكْتُوبَةٌ بِأَنَّهَا لَهُ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَهُ ابْنُ عَرَفَةَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَقَالَ الْبَاجِيُّ: مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ يُنْفَقُ عَلَيْهِ مِنْهُ، فَرَوَى مُحَمَّدٌ عَلَى مُلْتَقِطِهِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَسْتَغْنِيَ وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَيْهِ وَإِنْ اسْتَأْذَنَ الْإِمَامَ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اللَّقِيطُ حُرٌّ
стр. 3237
وَنَفَقَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَكَذَلِكَ أَجْرُ رَضَاعِهِ وَرَضَاعُ مَنْ لَا مَالَ لَهُ مِنْ الْيَتَامَى (وَرُجُوعُهُ عَلَى أَبِيهِ إنْ طَرَحَهُ عَمْدًا) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا يُتْبَعُ اللَّقِيطُ بِشَيْءٍ مِمَّا أُنْفِقَ عَلَيْهِ. وَكَذَلِكَ الْيَتَامَى الَّذِينَ لَا مَالَ لَهُمْ.
قَالَ: وَمَنْ كَفَلَ يَتِيمًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَلِلْيَتِيمِ مَالٌ فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ أَشْهَدَ أَوْ لَمْ يُشْهِدْ إذَا قَالَ أَنْفَقْتُ عَلَيْهِ لَا رَجَعَ فِي مَالِهِ. وَقَالَ: وَلَوْ قَالَ مَنْ فِي حِجْرِهِ يَتِيمٌ أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَادَ مَالًا أَخَذْته مِنْهُ وَإِلَّا فَهُوَ فِي حِلٍّ فَذَلِكَ بَاطِلٌ، وَلَا يُتْبَعُ الْيَتِيمُ بِشَيْءٍ إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ أَمْوَالُ عُرُوضٍ فَيُسَلِّفُهُ حَتَّى يَبِيعَ عُرُوضَهُ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ قَصَّرَ الْمَالُ عَمَّا أَسْلَفَهُ لَمْ يُتْبِعْهُ بِالزَّائِدِ، وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ.
وَأَمَّا الْأَبُ إذَا أَنْفَقَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَهُ مَالُ عَيْنٍ أَوْ عَرْضٍ ثُمَّ قَالَ حَاسِبُوهُ حُوسِبَ بِذَلِكَ وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَرْضًا حُوسِبَ لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى بَقَاءَهُ إلَّا أَنْ يُبَاعَ، وَإِنْ كَانَ مَالُهُ عَيْنًا حَاضِرًا فَلَا يُحَاسَبُ لِأَنَّ تَرْكَ الْإِنْفَاقِ مِنْهُ وَذَلِكَ يُمْكِنُهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَمَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فَأَتَى رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ ابْنُهُ فَلْيُتْبِعْهُ بِمَا أَنْفَقَ إنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا حِينَ النَّفَقَةِ لِأَنَّهُ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ. هَذَا إنْ تَعَمَّدَ الْأَبُ طَرْحَهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ طَرَحَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا شَيْءَ عَلَى
стр. 3238
الْأَبِ بِحَالٍ لِأَنَّ الْمُنْفِقَ مُحْتَسِبٌ. اللَّخْمِيِّ: قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَبْيَنُ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَمْ أُنْفِقْ عَلَيْهِ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ فِي صَبِيٍّ ضَلَّ مِنْ وَالِدِهِ فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ رَجُلٌ: فَلَا يَتَّبِعُ أَبَاهُ بِشَيْءٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ اللَّقِيطُ الَّذِي لَمْ يَتَعَمَّدْ الْأَبُ طَرْحَهُ لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ.
وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى وَلَدِ غَائِبٍ وَهُمْ صِغَارٌ بِغَيْرِ أَمْرِهِ أَوْ أَنْفَقَتْ زَوْجَتُهُ عَلَى نَفْسِهَا فِي غِيبَتِهِ ثُمَّ قَدِمَ، فَلَهُمَا أَنْ يَرْجِعَا عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَا إنْ كَانَ مُوسِرًا فِي غِيبَتِهِ وَإِلَّا فَلَا. وَلَوْ غَابَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَأَمَرَ الْإِمَامُ رَجُلًا بِالنَّفَقَةِ عَلَى وَلَدِهِ الصَّغِيرِ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ إذَا أَنْفَقَ هُوَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ عَلَى وَجْهِ السَّلَفِ لَهُ لَاتَّبَعَهُ بِذَلِكَ إذَا حَلَفَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِمَعْنَى السَّلَفِ وَكَانَتْ لَهُ عَلَى النَّفَقَةِ بَيِّنَةٌ وَكَانَ الْأَبُ فِي حَالِ النَّفَقَةِ مُوسِرًا وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ نَفَقَةَ مِثْلِهِ، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَتَّبِعْهُ بِالزَّائِدِ، وَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُعْسِرًا فِي ذَلِكَ لَمْ يَتَّبِعْهُ بِشَيْءٍ، وَلَوْ أَيْسَرَ بَعْدَ عُسْرِهِ فَمَاتَ لَمْ يَتَّبِعْ بِشَيْءٍ (وَالْقَوْلُ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْفِقْ حِسْبَةً) هَكَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ.
قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَمُقْتَضَى الْمُدَوَّنَةِ خِلَافُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ وَتَرْشِيحُ اللَّخْمِيِّ بِقَوْلِهِ إنَّهُ يَقُولُ: لَوْ عَلِمْت لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مَا أَنْفَقْت عَلَيْهِ.
(وَهُوَ حُرٌّ وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: اللَّقِيطُ حُرٌّ.
قَالَ عُمَرُ ﵁: وَوَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَقْلُهُ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ (وَحُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فِي قُرَى الْمُسْلِمِينَ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا إلَّا بَيْتَانِ إنْ الْتَقَطَهُ مُسْلِمٌ وَفِي قُرَى الشِّرْكِ مُشْرِكٌ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قُلْت: مَنْ
стр. 3239
الْتَقَطَ لَقِيطًا فِي مَدِينَةِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي قَرْيَةِ الشِّرْكِ فِي أَرْضٍ أَوْ كَنِيسَةٍ أَوْ بِيعَةٍ وَعَلَيْهِ زِيُّ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ الْمُسْلِمِينَ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ مَا حَالُهُ؟ قَالَ: إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ فِي قُرَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُسْلِمٌ، وَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ وَأَهْلِ الذِّمَّةِ وَمَوَاضِعِهِمْ فَهُوَ مُشْرِكٌ، وَإِنْ وُجِدَ فِي قَرْيَةٍ لَيْسَ فِيهَا إلَّا اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ لِلنَّصَارَى، وَلَا يُعْرَضُ لَهُمْ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ هُنَاكَ مُسْلِمٌ فَيَجْعَلَهُ عَلَى دِينِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِ اللَّقِيطِ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ وَمَوَاضِعِهِمْ، فَإِنْ كَانَ فِي قُرَى الشِّرْكِ فَمُشْرِكٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَيْرُ بَيْتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمُشْرِكٌ إلَّا أَنْ يَلْتَقِطَهُ مُسْلِمٌ.
وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ كَحُرِّيَّتِهِ لِلِاحْتِمَالِ.
(وَلَمْ يُلْحَقْ بِمُلْتَقَطِهِ وَلَا غَيْرِهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِوَجْهٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَأَتَى رَجُلٌ فَادَّعَى أَنَّهُ وَلَدُهُ لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِدَعْوَاهُ وَجْهٌ كَرَجُلٍ عُرِفَ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ لَهُ وَلَدٌ فَزَعَمَ أَنَّهُ رَمَاهُ لِقَوْلِ النَّاسِ إذَا طُرِحَ عَاشَ وَنَحْوُهُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَإِنَّهُ يَلْحَقُ بِهِ وَإِلَّا لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُلْتَقِطُ؟ قَالَ: أَرَاهُ شَاهِدًا وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ وَاحِدٍ مَعَ الْيَمِينِ فِي النَّسَبِ.
ابْنُ يُونُسَ: خَالَفَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَصْلَهُ فِي الِاسْتِلْحَاقِ.
(وَلَا يَرُدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَدْفَعَهُ لِلْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ وَالْمَوْضِعُ مَطْرُوقٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَ أَشْهَبُ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَلَيْسَ لَهُ تَرْكُهُ إنْ أَخَذَهُ لِيُرَبِّيَهُ، وَإِنْ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ مِنْهُ فَلَا ضِيقَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهِ لِمَوْضِعِ أَخْذِهِ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ: مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهُ الْتَزَمَ ذَلِكَ، وَلَوْ قَالَ لَمْ أُرِدْ ذَلِكَ قُبِلَ قَوْلُهُ.
زَادَ ابْنُ شَاسٍ إثْرَ قَوْلِ أَشْهَبَ: قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ: مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مَوْضِعًا لَا يُخَافُ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ لِكَثْرَةِ النَّاسِ فِيهِ وَيُوقِنُ أَنَّهُ سَيُسَارِعُ النَّاسُ إلَى أَخْذِهِ.
(وَقُدِّمَ الْأَسْبَقُ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ ازْدَحَمَ
стр. 3240
اثْنَانِ عَلَى اللَّقِيطِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَهْلٌ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَإِنْ اسْتَوَيَا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ هُوَ أَصْلَحُ لِلصَّبِيِّ، فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي ذَلِكَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا (ثُمَّ الْأَوْلَى) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ الْتَقَطَ لَقِيطًا فَكَابَرَهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَنَزَعَهُ مِنْهُ فَرَفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ، نَظَرَ الْإِمَامُ إلَى الصَّبِيِّ فَأَيُّهُمْ كَانَ أَقْوَى عَلَى مُؤْنَتِهِ وَكَفَالَتِهِ وَكَانَ مُؤْمِنًا دَفَعَهُ إلَيْهِ (وَإِلَّا فَالْقُرْعَةُ) ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ اسْتَوَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
(وَيَنْبَغِي الْإِشْهَادُ) . ابْنُ شَاسٍ: مَنْ أَخَذَ لَقِيطًا فَلْيُشْهِدْ عَلَيْهِ خَوْفَ الِاسْتِرْقَاقِ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ.
(وَلَيْسَ لِمُكَاتَبٍ وَنَحْوِهِ الْتِقَاطٌ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ الْتَقَطَ الْعَبْدُ وَالْمُكَاتَبُ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ اُنْتُزِعَ مِنْ أَيْدِيهِمَا فَإِنَّ الْحَضَانَةَ تَبَرُّعٌ وَلَيْسَ لَهُمَا ذَلِكَ، فَإِنْ أَذِنَ السَّيِّدُ فَهُوَ لِلْمُلْتَقِطِ.
ابْنُ عَرَفَةَ: قَالَهُ الْغَزَالِيُّ. وَإِنْ كَانَ مَذْهَبُنَا يَقْتَضِيهِ لَكِنَّ الْحَقَّ أَنْ لَا يُنْقَلَ عَلَى أَنَّهُ نَصٌّ فِيهِ بَلْ عَلَى أَنَّهُ مُقْتَضَاهُ.
(وَنُزِعَ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ مِنْ غَيْرِهِ) ابْنُ عَرَفَةَ: فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا: اللَّقِيطُ فِي قُرَى الْإِسْلَامِ مُسْلِمٌ وَلَوْ الْتَقَطَهُ كَافِرٌ. مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ: إنْ الْتَقَطَهُ نَصْرَانِيٌّ نُزِعَ مِنْهُ لِئَلَّا يُنَصِّرَهُ أَوْ يَسْتَرِقَّهُ.
وَفِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ: إنْ الْتَقَطَتْ نَصْرَانِيَّةٌ صَبِيَّةً فَرَبَّتْهَا حَتَّى بَلَغَتْ عَلَى دِينِهَا رُدَّتْ لِلْإِسْلَامِ وَهِيَ حُرَّةٌ. وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ الْتَقَطَ كَافِرٌ لَقِيطًا بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ فَرَبَّاهُ عَلَى دَيْنِهِ لَمْ يُتْرَكْ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ إلَّا أَنْ يَبْلُغَ عَلَى ذَلِكَ فَيُخْتَلَفُ فِيهِ، هَلْ يُقَرُّ عَلَيْهِ.
(وَنُدِبَ أَخْذُ آبِقٍ لِمَنْ يَعْرِفُ وَإِلَّا فَلَا يَأْخُذُهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَأْخُذُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَرِيبِهِ أَوْ جَارِهِ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُهُ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَأْخُذَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَيْضًا فَهُوَ فِي سَعَةٍ (فَإِنْ أَخَذَهُ
стр. 3241
رُفِعَ لِلْإِمَامِ وَوُقِفَ سَنَةً ثُمَّ بِيعَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا رَفَعَهُ لِلْإِمَامِ فَوَقَفَهُ سَنَةً وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ كَالْأَجْنَبِيِّ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ وَحَبَسَ بَقِيَّةَ الثَّمَنِ لِرَبِّهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قَالَ سَحْنُونَ: لَا أَرَى أَنْ يُوقَفَ سَنَةً وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَتَبَيَّنُ أَمْرُهُ ثُمَّ يُبَاعُ وَيَكْتُبُ الْحَاكِمُ صِفَتَهُ عِنْدَهُ حَتَّى يَأْتِيَ طَالِبُهُ. ابْنُ يُونُسَ: وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ (وَلَا يُهْمَلُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: أَمَرَ مَالِكٌ بِبَيْعِ الْإِبَاقِ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِطْلَاقِهِمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ كَضَوَالِّ الْإِبِلِ لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ
стр. 3242
ثَانِيَةً (وَأَخَذَ نَفَقَتَهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: أَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ (وَمَضَى بَيْعُهُ وَإِنْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْتُهُ)
стр. 3243
مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: إذَا جَاءَ رَبُّ الْآبِقِ بَعْدَ أَنْ بَاعَهُ الْإِمَامُ بَعْدَ السَّنَةِ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ، وَلَا يُرَدُّ الْبَيْعُ لِأَنَّ الْإِمَامَ بَاعَهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَوْ قَالَ رَبُّهُ كُنْت أَعْتَقْتُهُ أَوْ دَبَّرْتُهُ بَعْدَ أَنْ أَبْقَ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَأْبِقَ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ.
(وَلَهُ عِتْقُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ وَتُقَامُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: يَجُوزُ لِسَيِّدِ الْآبِقِ عِتْقُهُ وَتَدْبِيرُهُ وَهِبَتُهُ لِغَيْرِ ثَوَابٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ لِثَوَابٍ، وَإِذَا زَنَى
стр. 3244
الْآبِقُ أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحُدُودُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
(وَضَمِنَهُ إنْ أَرْسَلَهُ لَا لِخَوْفٍ مِنْهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبْقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَ أَخْذِهِ ضَمِنَهُ.
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَلَوْ خَلَّاهُ بَعْدَ أَنْ أَخَذَهُ لِعُذْرٍ خَافَ أَنْ يَقْتُلَهُ أَوْ يَضْرِبَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ لِشِدَّةِ النَّفَقَةِ فَهُوَ ضَامِنٌ (كَمَنْ اسْتَأْجَرَهُ فِيمَا يَعْطَبُ فِيهِ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَنْ اسْتَأْجَرَ آبِقًا فَعَطِبَ فِي عَمَلِهِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ آبِقٌ ضَمِنَهُ لِرَبِّهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ آجَرَ عَبْدًا عَلَى تَبْلِيغِ كِتَابٍ إلَى بَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ عَبْدٌ فَعَطِبَ فِي الطَّرِيقِ: إنَّهُ يَضْمَنُهُ (لَا إنْ أَبَقَ مِنْهُ) تَقَدَّمَ نَصُّ الْمُدَوَّنَةِ: مَنْ أَخَذَ آبِقًا فَأَبَقَ مِنْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ مُرْتَهِنًا وَحَلَفَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ الرَّهْنُ لَمْ يَضْمَنْهُ الْمُرْتَهِنُ فِي إبَاقٍ وَصَدَّقَهُ وَلَا يَحْلِفُ وَكَانَ عَلَى حَقِّهِ.
وَفِي رِوَايَةِ الدَّبَّاغِ يَحْلِفُ.
(وَاسْتَحَقَّهُ سَيِّدُهُ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اعْتَرَفَ آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ أَشْهَدَ شَاهِدًا حَلَفَ مَعَهُ وَأَخَذَ الْعَبْدَ.
(وَأَخَذَهُ إنْ لَمْ تَكُنْ إلَّا دَعْوَاهُ إنْ صَدَّقَهُ) مِنْ
стр. 3245
الْمُدَوَّنَةِ: إنْ ادَّعَى أَنَّ هَذَا الِابْنَ عَبْدُهُ وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ فَإِنْ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ دُفِعَ إلَيْهِ، يُرِيدُ بَعْدَ التَّلَوُّمِ وَتَضْمِينِهِ إيَّاهُ.
قَالَ مَالِكٌ فِي مَتَاعٍ وُجِدَ مَعَ لُصُوصٍ يَدَّعِيه قَوْمٌ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ: إنَّ الْإِمَامَ يَتَلَوَّمُ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَأْتِ سِوَاهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ وَكَذَلِكَ الْآبِقُ.
قَالَ أَشْهَبُ: لِأَنَّ هَذَا أَكْثَرُ مَا يُوجَدُ.
(وَلْيُرْفَعْ لِلْإِمَامِ إذَا لَمْ يَعْرِفْ مُسْتَحِقَّهُ إنْ لَمْ يَخَفْ ظُلْمَهُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ: وَالْآبِقُ إذَا اعْتَرَفَهُ رَبُّهُ فِي يَدِك وَلَمْ تَعْرِفْهُ فَأَرَى أَنْ تَدْفَعَهُ إلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ تَخَفْ ظُلْمَهُ.
(وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ بِكِتَابِ قَاضٍ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي إنَّ صَاحِبَ كِتَابِي هَذَا فُلَانٌ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدُهُ وَوَصَفَهُ فَلْيُدْفَعْ إلَيْهِ بِذَلِكَ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ أَتَى رَجُلٌ إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ يَذْكُرُ فِيهِ أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي قَوْمٌ أَنَّ فُلَانًا صَاحِبُ كِتَابٍ إلَيْك قَدْ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ صِفَتُهُ كَذَا، فَحَلَّاهُ وَوَصَفَهُ فِي الْكِتَابِ وَعِنْدَ هَذَا الْقَاضِي آبِقٌ مَحْبُوسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ، فَلْيَقْبَلْ كِتَابَ الْقَاضِي وَالْبَيِّنَةَ الَّتِي شَهِدَتْ فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ وَيَدْفَعْ إلَيْهِ الْعَبْدَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ.
стр. 3246
[كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ] [ بَابٌ فِي تَوْلِيَةِ الْقَاضِي وَعَزْلِهِ]
وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ: الْأَوَّلُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْعَزْلِ. الْبَابُ الثَّانِي فِي جَامِعِ آدَابِ الْقَضَاءِ.
الثَّالِثُ فِي الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ وَيَتَعَلَّقُ بِالدَّعْوَى وَالْمُدَّعِي وَالْحَاكِمِ إلَى قَاضٍ آخَرَ وَالْمَحْكُومِ بِهِ وَالْمَحْكُومِ عَلَيْهِ (أَهْلُ الْقَضَاءِ عَدْلٌ ذَكَرٌ) ابْنُ رُشْدٍ: لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُشْتَرَطَةٌ فِي صِحَّةِ الْوِلَايَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا حُرًّا مُسْلِمًا بَالِغًا عَاقِلًا وَاحِدًا، فَهَذِهِ سِتَّةُ خِصَالٍ لَا يَصِحُّ أَنْ يُوَلَّى الْقَضَاءَ إلَّا مَنْ اجْتَمَعَتْ فِيهِ، فَأَوْلَى مَنْ لَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ لَمْ تَنْعَقِدْ لَهُ الْوِلَايَةُ، وَإِنْ انْخَرَمَ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ انْعِقَادِ الْوِلَايَةِ سَقَطَتْ الْوِلَايَةُ. ابْنُ رُشْدٍ: مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ أَيْضًا الْعَدَالَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِ الْفَاسِقِ مَرْدُودَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى الْخِصَالَ تَجْتَمِعُ الْيَوْمَ فِي أَحَدٍ فَإِنْ اجْتَمَعَ فِيهِ خَصْلَتَانِ الْعِلْمُ وَالْوَرَعُ رَأَيْتُ أَنْ يُوَلَّى.
قَالَ
стр. 3247
ابْنُ حَبِيبٍ: إنْ لَمْ يَكُنْ وَرِعًا عَالِمًا فَوَرِعٌ عَاقِلٌ فَبِالْعَقْلِ يَسْأَلُ وَبِالْوَرَعِ يَقِفُ. وَأَحْضَرَ الرَّشِيدُ رَجُلًا لِيُوَلِّيَهُ فَقَالَ: لَا أُحْسِنُ الْقَضَاءَ وَلَا أَنَا فَقِيهٌ. فَقَالَ الرَّشِيدُ: إنَّ فِيكَ ثَلَاثَ خِصَالٍ: لَكَ شَرَفٌ وَالشَّرَفُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الدَّنَاءَاتِ، وَلَكَ حِلْمٌ وَالْحِلْمُ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ الْعَجَلَةِ وَمَنْ لَمْ يَعْجَلْ قَلَّ خَطَؤُهُ، وَأَنْتَ رَجُلٌ تُشَاوِرُ فِي أُمُورِكَ وَمَنْ شَاوَرَ كَثُرَ صَوَابُهُ. وَأَمَّا الْفِقْهُ فَتَضُمُّ إلَيْكَ مَنْ يَفْقَهُ. اهـ مِنْ الطُّرْطُوشِيِّ.
стр. 3248
(فَطِنٌ) ابْنُ عَرَفَةَ: عَدَّ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ هَذَا الْقَسَمِ كَوْنَ الْقَاضِي فَطِنًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الطُّرْطُوشِيِّ: لَا يُكْتَفَى بِالْعَقْلِ التَّكْلِيفِيِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ بَيِّنَ الْفِطْنَةِ بَعِيدًا مِنْ الْغَفْلَةِ. وَعَدَّهُ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ غَيْرِ الْوَاجِبَةِ، وَالْحَقُّ أَنَّ مُطْلَقَ الْفِطْنَةِ الْمَانِعَ مِنْ كَثْرَةِ التَّغَفُّلِ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، أَوْ الْفِطْنَةَ الْمُوجِبَةَ لِلشُّهْرَةِ بِهَا غَيْرِ النَّادِرَةِ يَنْبَغِي كَوْنُهَا مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ، فَعَلَى هَذَا طَرِيقَةُ ابْنِ رُشْدٍ أَنْسَبُ لِأَنَّ فَطِنًا مِنْ أَبْنِيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَحَذِرٍ، وَالْمُبَالَغَةُ فِيهَا مُسْتَحَبَّةٌ لَا لَازِمَةٌ، فَطِنْتُ الشَّيْءَ، وَرَجُلٌ فَطِنٌ وَفَطُنٌ مِنْ الصِّحَاحِ، فَأَتَى بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ عَلَى فَعَلٌ وَفَعُلٍ مِنْهَا فَهِمْتُ الشَّيْءَ وَفُلَانٌ فَهِمَ الشَّيْءَ (مُجْتَهِدٌ إنْ وُجِدَ) الْبَاجِيُّ: لَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ كَوْنِ الْقَاضِي عَالِمًا مَعَ وُجُودِهِ، وَاَلَّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ الْعِلْمِ أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا.
عِيَاضٌ وَالْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ: يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ عَالِمًا مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا إنْ فُقِدَ
стр. 3249
الْمُجْتَهِدُ كَشَرْطِ كَوْنِهِ حُرًّا مُسْلِمًا. الْمَازِرِيُّ: وَزَمَانُنَا عَارٍ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي إقْلِيمِ الْمَغْرِبِ فَضْلًا عَنْ قُضَاتِهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: مَوَادُّ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا أَيْسَرُ مِنْهَا فِي زَمَنِ الْمُتَقَدِّمِينَ لَوْ أَرَادَ اللَّهُ بِنَا الْهِدَايَةَ (وَإِلَّا فَأَمْثَلُ مُقَلِّدٍ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: إنْ لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدٌ فَمُقَلِّدٌ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: يَنْبَغِي أَنْ يُخْتَارَ أَعْلَمُ الْمُقَلِّدِينَ. وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِ إمَامِهِ أَمْ لَا؟ الْأَصْلُ عَدَمُ اللُّزُومِ وَلِأَنَّ الْمُتَقَدِّمِينَ لَمْ يَكُونُوا يَحْجُرُونَ عَلَى الْعَوَامّ اتِّبَاعَ عَالِمٍ وَاحِدٍ، وَلَا يَأْمُرُونَ مَنْ سَأَلَ وَاحِدًا مِنْهُمْ عَنْ مَسْأَلَةٍ أَنْ لَا يَسْأَلَ غَيْرَهُ، لَكِنْ الْأَوْلَى فِي حَقِّ الْقَاضِي لُزُومُ طَرِيقَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهُ فَطِنٌ قَلَّدَ إمَامًا لَا يَعْدِلُ عَنْهُ لِغَيْرِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي لِتُهْمَتِهِ بِالْمَيْلِ، وَلِمَا جَاءَ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّةٍ بِحُكْمَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ (وَزِيدَ لِلْإِمَامِ الْأَعْظَمِ قُرَشِيٌّ) مَوْضُوعُ هَذَا الْفَرْعِ فِي كُتُبِ أُصُولِ الدِّينِ، اُنْظُرْهُ آخِرَ مَسْأَلَتَيْنِ مِنْ اللُّمَعِ وَالْإِرْشَادِ لِأَبِي الْمَعَالِي، وَانْظُرْ حُكْمَ الْمُتَغَلِّبِينَ فِي آخِرِ تَرْجَمَةٍ مِنْ تَرَاجِمِ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ ابْنِ يُونُسَ. وَانْظُرْ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْإِكْمَالِ، وَانْظُرْ مِنْهَاجَ الْمُحَدِّثِينَ لِلنَّوَوِيِّ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى قَوْلِهِ ﵇ «وَلَوْ كَانَ عَبْدًا» .
وَانْظُرْ
стр. 3250
الْقَبَسَ عِنْدَ تَكَلُّمِهِ عَلَى حَدِيثِ «بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ» .
وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ مَا نَصُّهُ: قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رِضًا أَوْ غَلَبَةٍ فَاشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ مِنْ بَرٍّ وَفَاجِرٍ فَلَا يُخْرَجُ عَلَيْهِ جَارَ أَوْ عَدَلَ وَيُغْزَى مَعَهُ الْعَدُوُّ وَيُحَجُّ الْبَيْتُ وَتُدْفَعُ إلَيْهِ الصَّدَقَةُ، وَهِيَ مُجْزِئَةٌ إذَا طَلَبُوهَا وَتُصَلَّى خَلْفَهُ الْجُمُعَةُ.
قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَدْفَعُ زَكَاةَ مَالِهِ إلَى كُلِّ مَنْ غَلَبَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَقَدْ صَلَّى خَلْفَ الْحَجَّاجِ.
(فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ) . ابْنُ الْحَاجِبِ: يَلْزَمُهُ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِ مُقَلَّدِهِ. وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ.
стр. 3251
(وَنَفَذَ حُكْمُ أَعْمَى وَأَبْكَمَ وَأَصَمَّ وَوَجَبَ عَزْلُهُ) ابْنُ رُشْدٍ: الْخِصَالُ الَّتِي لَيْسَتْ مُشْتَرَطَةً فِي صِحَّةِ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ إلَّا أَنَّ عَدَمَهَا يُوجِبُ فَسْخَ الْوِلَايَةِ هِيَ: أَنْ يَكُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا مُتَكَلِّمًا، فَإِنْ وَلِيَ مَنْ لَمْ
стр. 3252
تَجْتَمِعْ فِيهِ وَجَبَ عَزْلُهُ مَتَى عُثِرَ عَلَيْهِ وَيَكُونُ مَا مَضَى مِنْ أَحْكَامِهِ جَائِزًا.
(وَلَزِمَ الْمُتَعَيِّنَ أَوْ الْخَائِفَ فِتْنَةً إنْ لَمْ يَتَوَلَّ أَوْ ضَيَاعَ الْحَقِّ الْقَبُولُ وَالطَّلَبُ) . ابْنُ رُشْدٍ: يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ وَطَلَبَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ: قَبُولُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ إنْ كَانَ بِالْبَلَدِ عَدَدٌ يَصْلُحُونَ لِذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْ يَصْلُحُ لِذَلِكَ إلَّا وَاحِدٌ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ وَأُجْبِرَ عَلَى الدُّخُولِ فِيهِ.
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يَجِبُ عَلَى مَنْ هُوَ أَهْلُهُ السَّعْيُ فِي طَلَبِهِ إنْ عُلِمَ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَلِهِ ضَاعَتْ الْحُقُوقُ أَوْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يَحِلُّ أَنْ يُوَلَّى، وَكَذَا إنْ وَلِيَهُ مَنْ لَا تَحِلُّ وِلَايَتُهُ وَلَا سَبِيلَ لِعَزْلِهِ إلَّا بِطَلَبِهِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ لِوِلَايَةِ الْقَضَاءِ أَوْ لِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ (وَأُجْبِرَ وَإِنْ بِضَرْبٍ) أَبُو عُمَرَ: إنَّمَا يُجْبَرُ عَلَى الْقَضَاءِ مَنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ يُجْبَرُ بِالسِّجْنِ وَالضَّرْبِ عَرَّفَ عِيَاضٌ وَابْنُ مِسْكِينٍ: فَقَالَ: وَالْقَضَاءُ بَعْدَ إجْمَاعِ النَّاسِ عَلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ مَذْهَبِهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْأَغْلَبِ: أَتَدْرِي لِمَ بَعَثْتُهُ إلَيْكَ؟ قَالَ: لِأُشَاوِرَك فِي رَجُلٍ قَدْ أَجْمَعَ الْخَيْرَ قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أَوَّلِيهِ الْقَضَاءَ فَامْتَنَعَ.
قَالَ ابْنُ مِسْكِينٍ: تُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ: تَمَنَّعَ. قَالَ: يُحْبَسُ. قَالَ: قُمْ أَنْتَ هُوَ. قَالَ: إنَّنِي رَجُلٌ طَوِيلُ الصَّمْتِ قَلِيلُ الْكَلَامِ غَيْرُ نَشِيطٍ فِي أُمُورِي وَلَا أَعْرِفُ أَهْلَ الْبَلَدِ.
فَقَالَ الْأَمِيرُ: عِنْدِي مَوْلًى نَشِيطٌ تَدَرَّبَ فِي الْأَحْكَامِ أَنَا أَضُمُّهُ إلَيْكَ يَكُونُ لَكَ كَاتِبًا يُصْدِرُ عَنْكَ فِي الْقَوْلِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَمَا رَضِيتَ مِنْ قَوْلِهِ أَمْضَيْتَ وَمَا سَخِطْتَ رَدَدْتَ فَضَمَّ إلَيْهِ ابْنَ الْبَنَّاءِ، قَالَ الْمُخْبِرُ: فَكَثِيرًا مَا كُنْتُ آتِي مَجْلِسَهُ وَهُوَ صَامِتٌ لَا يَنْطِقُ، وَابْنُ الْبَنَّاءِ يَقْضِي فَقَالَ الْأَمِيرُ لِابْنِ الْبَنَّاءِ: بَلَغَنِي أَنَّكَ تَفْصِلُ بَيْنَ الْخُصُومِ وَهُوَ سَاكِتٌ مَا أَرَى إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْبَلْ الْقَضَاءَ، فَقَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: قَدْ قَبِلَ إلَّا أَنِّي أَكْفِيهِ. فَقَالَ: امْضِ لَا تُعْلِمْ أَحَدًا بِمَا بَيْنِي وَبَيْنِكَ وَافْصِلْ بَيْنَ خَصْمَيْنِ بِغَيْرِ مَذْهَبِهِ.
قَالَ ابْنُ الْبَنَّاءِ: فَفَعَلْتُ فَأَمَرَهُمَا ابْنُ مِسْكِينٍ فَدَارَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَفَصَلَ بِمَذْهَبِهِ فَأَخْبَرْتُ الْأَمِيرَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَشَكَرَهُ وَأَمَرَهُ (وَإِلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ) ابْنُ رُشْدٍ: الْهُرُوبُ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْهُ لَازِمٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ (وَإِنْ عُيِّنَ) ابْنُ شَاسٍ: لِلْإِمَامِ إجْبَارُهُ وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ.
стр. 3253
(وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ) الْمَازِرِيُّ: يَحْرُمُ الطَّلَبُ لِلْقَضَاءِ عَلَى فَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ (أَوْ قَاصِدِ دُنْيَا) تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ رُشْدٍ: يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ.
[بَاب آدَاب الْقَضَاء]
(وَنُدِبَ لِيُشْهَرَ عِلْمُهُ) الْمَازِرِيُّ: وَيُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمَنْ أَرَادَ إظْهَارَ عِلْمِهِ. اُنْظُرْ أَوَّلَ سِرَاجِ الْمَرِيدِينَ.
(كَوَرَعٍ غَنِيٍّ حَلِيمٍ نَزْهٍ نَسِيبٍ مُسْتَشِيرٍ بِلَا دَيْنٍ وَحُرٍّ) ابْنُ رُشْدٍ
стр. 3254
لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ وَيُسْتَحَبُّ لِعَدَمِهَا زِيَادَةُ عَزْلِهِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَرِعًا، غَنِيًّا، لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ وَلَا مِدْيَانٍ، مَعْرُوفَ النَّسَبِ، جَزْلًا نَافِذًا فَطِنًا غَيْرَ مَخْدُوعٍ لِغَفْلَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فِي زِنًا وَلَا قَذْفٍ وَلَا مَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ.
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَأَنْ يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ، يُرِيدُ أَنَّهُ يُدِيرُ الْحَقَّ عَلَى مَنْ دَارَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِمَنْ لَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، حَلِيمًا عَنْ الْخَصْمِ مُسْتَشِيرًا لِأُولِي الْعِلْمِ (وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ) الطُّرْطُوشِيُّ: لَيْسَ بِحَسَنٍ الزِّيَادَةُ فِي عَقْلِهِ الْمُفْضِيَةُ إلَى الدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ ﵁ زِيَادًا وَقَالَ: كَرِهْتُ أَنْ أَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى
стр. 3255
فَضْلِ عَقْلِكَ وَكَانَ مِنْ الدُّهَاةِ (وَبِطَانَةِ سُوءٍ) نَحْوَ هَذَا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ. قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: وَاَلَّذِي فِي الْمَعُونَةِ أَخُصُّ مِنْ هَذَا.
(وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ وَالْمُصَاحِبِينَ وَتَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَلَا الرَّاكِبَ مَعَهُ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَيُمْنَعُ أَهْلُ الرُّكُوبِ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا دَفْعِ مَظْلِمَةٍ وَلَا خُصُومَةٍ وَلَا يَتَقَدَّمُ إلَى أَعْوَانِهِ وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ أَعْوَانٌ إلَّا أَنْ يَضْطَرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَيُخَفِّفَ مِنْهُمْ مَا اسْتَطَاعَ.
(وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ رَجُلًا مِمَّنْ يَثِقُ بِهِمْ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ مَا يَنْقِمُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ قَبُولِ شَاهِدٍ وَيَفْحَصُ عَنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ عَمَّا يَجِبُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الْفَحْصِ عَنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لِنَفْسِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ.
(وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ) ابْنُ شَاسٍ: لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَيُعَاقِبَ مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَآذَاهُ بِأَنْ يَنْسُبَ إلَيْهِ الظُّلْمَ أَوْ الْجَوْرَ مُوَاجَهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ بِخِلَافِ مَا شُهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ لِأَنَّ مُوَاجَهَتَهُ مِنْ قِبَلِ الْإِقْرَارِ (إلَّا فِي مِثْلِ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي فَلْيَرْفُقْ بِهِ) ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إنْ قَالَ لِلْقَاضِي اتَّقِ اللَّهَ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَضِيقَ لِذَلِكَ وَلَا يَكْتَرِثَ عَلَيْهِ وَلْيَثْبُتْ وَيُجِيبُهُ جَوَابًا لَيِّنًا يَقُولُ لَهُ رَزَقَنِي اللَّهُ تَقْوَاهُ وَمَا أَمَرْتُ إلَّا بِخَيْرٍ وَمِنْ تَقْوَى اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ مِنْكَ الْحَقَّ إذَا بَانَ وَلَا يُظْهِرُ
стр. 3256
بِذَلِكَ غَضَبًا.
(وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ) الْمُتَيْطِيُّ: لَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ قَاضِيًا مَكَانَهُ يَنْظُرَ لِلنَّاسِ وَيُرِيحَ نَفْسَهُ إذَا كَانَ حَاضِرًا، وَلَا إنْ عَاقَهُ شُغْلٌ إلَّا بَعْدَ اسْتِئْذَانِ الْإِمَامِ أَوْ يَكُونَ تَقْدِيمُهُ أَوَّلًا انْعَقَدَ عَلَى ذَلِكَ.
وَأَمَّا إنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ فَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَكَانَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ وَيُنَفِّذُ أُمُورَهُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ مُتَعَدِّيًا عَلَى مَنْ اسْتَقْضَاهُ.
وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ فَلَا يُبَالِي كَانَ الْقَاضِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا، وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَحَدُهُمَا فَوْقَ الْآخَرِ.
وَقَالَهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ.
وَقَالَ سَحْنُونَ: لَا يَسْتَخْلِفُ إنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ عَجَزَ عَنْ الِانْفِرَادِ بِالنَّظَرِ وَكَثُرَ التَّشْغِيبُ عَلَيْهِ فَلَا يُقَدِّمُ مَنْ يَسْتَعِينُ بِهِ فِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
(فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) الْمُتَيْطِيُّ. إذَا كَانَ نَظَرُ الْقَاضِي وَاسِعًا وَأَقْطَارُ مِصْرِهِ مُتَبَايِنَةً فَلَا يَرْجِعُ الْخُصُومُ إلَى الْمِصْرِ
стр. 3257
إلَّا فِيمَا قَرُبَ مِنْ الْأَمْيَالِ الْقَرِيبَةِ لِأَنَّ مَا بَعُدَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ وَيُقَدِّمُ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ حُكَّامًا يَنْظُرُونَ لِلنَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ. هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ، وَمَنَعَ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ انْتَهَى.
اُنْظُرْ هَلْ هَذَا بِالنِّسْبَةِ لِكُلِّ إمَامٍ؟ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا لَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَارِزَ الْعَدُوَّ إلَّا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُبَارَزْ وَلْيُقَاتَلْ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ: هَذَا كَمَا قَالَ إنَّ الْإِمَامَ إذَا كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ لَمْ يَلْزَمْ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارِزَةٍ وَلَا قِتَالٍ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ أَوْ نَهَى عَنْهُ. ثُمَّ قَالَ: فَوَاجِبٌ عَلَى الرِّجَالِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ.
وَمِنْ الْمُدَوَّنَةِ: إنْ دَعَاكَ إمَامٌ جَائِرٌ إلَى قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ فِي سَرِقَةٍ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ صِحَّةَ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِ فَلَا تَجِبُ، إلَّا أَنْ تَعْلَمَ عَدَالَةَ الْبَيِّنَةِ فَعَلَيْك طَاعَتُهُ لِئَلَّا تَضِيعَ الْحُدُودُ. وَحَكَى الْبُرْزُلِيِّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي عِمْرَانَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الرَّجُلِ شَيْءٌ فِي ضَرْبِ مَنْ قِيلَ لَهُ إنْ لَمْ تَضْرِبْهُ خَمْسِينَ سَوْطًا ضَرَبْتُ عُنُقَكَ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَمِنْ هَذَا فُتْيَا ابْنِ عَرَفَةَ بِجَوَازِ الرَّفْعِ لِحُكَّامِ الْفَحْصِ فِي الرَّعْيِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ فِي الزَّجْرِ مِنْ الْقُضَاةِ، لَكِنَّ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ يَصِلُ إلَى حَقِّهِ بِسَطْوَةِ الْحَاكِمِ وَلَا يَظْلِمُ خَصْمَهُ.
اُنْظُرْ فِي الْمَدَارِكِ فِي رَسْمِ أَسَدِ بْنِ الْفُرَاتِ، وَانْظُرْ قَوْلَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ لِئَلَّا تَضِيعَ الْحُدُودُ فَهُوَ فَرْعٌ إنْ أَتَى الْإِنْسَانُ لِإِمَامٍ غَيْرِ عَدْلٍ
стр. 3258
فَانْظُرْهُ هُوَ مَا يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ " أَوْ قَاضِي مِصْرٍ ".
(إنْ عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ) ابْنُ الْحَاجِبِ: يُشْتَرَطُ عِلْمَهُ بِمَا يَسْتَخْلِفُ فِيهِ.
وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ: يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَةِ الْقَاضِي صِفَاتُ الْقُضَاةِ إلَّا إذَا لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ إلَّا سَمَاعُ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلِ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ.
(وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ مَاتَ الْقَاضِي وَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ سِرْ مَكَانِي وَنَفِّذْ مَا كُنْتُ صُدِّرْتُ فِيهِ لِلْقَضَاءِ وَاقْضِ، فَلَا قَضَاءَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ.
(هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ وَلَوْ الْخَلِيفَةَ) قَالَ أَصْبَغُ: لَا يُعْزَلُ الْقَاضِي بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ الْإِمَامِ أَوْ أَمِيرِهِ. الْمُتَيْطِيُّ: وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ قَاضِيًا مَكَانَهُ وَيُرِيحُ نَفْسَهُ إلَّا إنْ سَافَرَ أَوْ مَرِضَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِإِذْنِ الْإِمَامِ فَلَا نُبَالِي كَانَ الْقَاضِي غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا، وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَوْقَ صَاحِبِهِ ثُمَّ قَالَ: لِلْقَاضِي تَقْدِيمُ مُقَدَّمٍ عَلَى الْأَحْبَاسِ لِلنَّظَرِ فِيهَا وَإِصْلَاحِ مَا وَهِيَ مِنْهَا وَكِرَائِهَا وَقَبْضِ غَلَّاتِهَا وَتَصَرُّفِهِ فِي مَصَالِحِهَا، وَيَجُوزُ إفْعَالُ الْمُقَدَّمِ لِذَلِكَ مِمَّا يُوَافِقُ السَّدَادَ وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ طَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَإِذَا تُوُفِّيَ الْقَاضِي الْمُقَدِّمُ لَهُ أَوْ عُزِلَ فَتَقْدِيمُهُ تَامٌّ إذْ لَيْسَ يَنْفَسِخُ تَقْدِيمُ قَاضٍ بِمَوْتِهِ وَلَا عَزْلِهِ حَتَّى يَنْقُضَهُ الْوَالِي بَعْدَهُ ثُمَّ قَالَ: وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ وَقَدْ قَدَّمَ قُضَاةً وَحُكَّامًا وَوَلِيَ الْأَمْرَ غَيْرُهُ وَقَضَاءُ الْحُكَّامِ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْإِمَامُ الْمَيِّتُ وَالْقَاضِي يَقْضِيه بَيْنَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَقِيَامِ الثَّانِي أَوْ بَعْدَ قِيَامِهِ وَقَبْلَ أَنْ تَنْفُذَ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةُ وَيَمْضِي لَهُمْ الْحُكُومَةُ فِيمَا قَضَوْا بِهِ فِي الْفَتْرَةِ وَحَكَمُوا فِيهِ، فَأَقْضِيَتُهُمْ نَافِذَةٌ وَأَحْكَامُهُمْ جَائِزَةٌ وَسِجِلَّاتُهُمْ مَاضِيَةٌ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ وُلَاةِ الْأَيْتَامِ يُقَدِّمُهُمْ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْأَيْتَامِ ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاضِي أَوْ يُعْزَلُ، فَتَقْدِيمُهُ لَهُمْ مَاضٍ وَفِعْلُهُمْ جَائِزٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُمْضِيَهُ الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ اهـ.
اُنْظُرْ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ " وَإِنْ عُزِلَ بِمَوْتِهِ ".
(وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا) ابْنُ الْحَاجِبِ: لَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَضَيْتُ بِكَذَا أَوْ أَشْهَدُ أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا لَمْ يُقْبَلْ. ابْنُ عَرَفَةَ: وَمَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْلِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ. سَمِعَ أَصْبَغُ: ابْنَ الْقَاسِمِ: شَهَادَةُ الْقَاضِي بِقَضَاءٍ قَضَى بِهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ أَوْ غَيْرَ مَعْزُولٍ لَا يُقْبَلُ.
ابْنُ رُشْدٍ: فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنًى خَفِيٌّ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي قَبْلَ عَزْلِهِ قَضَيْتُ بِكَذَا لَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ كَتَخَاصُمِ رَجُلَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ فَيَحْتَجُّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ قَاضِي بَلَدِ كَذَا قَضَى لِي بِكَذَا أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَنِّي حَكَمْتُ لِفُلَانٍ أَوْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا فَهُوَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ، وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَكَ عَلَى فُلَانٍ أَوْ فِيمَا حَكَمْتَ لِي بِهِ عَلَيْهِ فَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ قُبِلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَنْفُذُ فِيمَا يُسَجِّلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَيَشْهَدُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا دَامَ فِي قَضَائِهِ.
اُنْظُرْ هَذَا
стр. 3259
بَعْدَ قَوْلِهِ " أَوْ شُهُودًا ".
(وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ أَوْ نَوْعٍ وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) ابْنُ عَرَفَةَ: يَجُوزُ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ عَلَى أَنْ يُخَصَّ كُلٌّ مِنْهُمَا بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَحْكُومِ فِيهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ يَصِحُّ فِيهَا التَّخْصِيصُ وَالتَّحْجِيرُ، وَلَوْ اسْتَثْنَى فِي وِلَايَتِهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ ذَلِكَ اهـ.
قَالَ الْبُرْزُلِيِّ: وَكَذَا فَعَلَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ حِينَ قَدِمَ الْقُسْطَنْطِينِيَّة جَعَلَ لَهُ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَيْهِ فِي مَدْرَسَتِهِ وَإِمَامَتِهِ وَمَا تَحْتَ يَدِهِ.
وَقَالَ أَصْبَغُ: إنْ مَنَعَ الْإِمَامُ قَاضِيهِ الْحُكْمَ بَيْنَ خَصْمَيْنِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ أَطَاعَهُ وَإِلَّا أَنْفَذَهُ إلَّا أَنْ يَعْزِلَهُ رَأْسًا.
قَالَ ابْنُ فَتْحُونَ: وَقَدْ تَنْفَرِدُ الْقُضَاةُ بِبَعْضِ الْبَلَدِ بِخُطَّةِ الْمُنَاكِحِ فَيُوَلَّاهَا عَلَى حِدَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ: كَمَا فِي بَلَدِنَا تُونِسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِأَحْكَامِ النِّكَاحِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْآخَرُ بِمَا سِوَى ذَلِكَ. قَالَ: وَكَذَا عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنُفُوذِ حُكْمِهِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ خَوْفَ تَنَازُعِ الْخُصُومِ فِيمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَمُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ جَوَازُهُ وَالتَّنَازُعُ يَرْتَفِعُ شَغَبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الطَّالِبِ (ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ وَإِلَّا أُقْرِعَ) الْمَازِرِيُّ: لَوْ فَرَضْنَا الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا طَالِبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ مِنْ الْقُضَاةِ، وَيَطْلُبُ الْآخَرُ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ.
وَإِنْ أَخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْدَأُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ أُوجِبَتْ لِلسَّابِقِ مِنْ رُسُلِ الْقَاضِيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبَقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا (كَالِادِّعَاءِ) ابْنُ شَاسٍ: لَوْ نُصِّبَ فِي بَلَدٍ قَاضِيَانِ ثُمَّ تَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الِاخْتِيَارِ أَوْ ازْدَحَمَ مُتَدَاعِيَانِ فَالْقُرْعَةُ.
стр. 3260
(وَتَحْكِيمُ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا
следующие страницы →