← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21613

حاشية ابن عابدين = رد المحتار - ط الحلبي

ابن عابدين

Полный текст (4 257 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

(فَالْأَمْرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى مَا فَسَّرَهُ (وَإِلَّا فَيَحُجُّ) عَنْهُ (مِنْ بَلَدِهِ) قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا فَلْيُحْفَظْ، فَلَوْ أَحَجَّ الْوَصِيُّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ (إنْ وَفَّى بِهِ) أَيْ بِالْحَجِّ مِنْ بَلَدِهِ (ثُلُثُهُ) وَإِنْ لَمْ يَفِ فَمِنْ حَيْثُ يُبَلِّغُ اسْتِحْسَانًا، وَلِوَصِيِّ الْمَيِّتِ وَوَارِثِهِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ مِنْ الْمَأْمُورِ مَا لَمْ يُحْرِمْ، ثُمَّ إنْ رَدَّهُ لِخِيَانَةٍ مِنْهُ فَنَفَقَةُ الرُّجُوعِ فِي مَالِهِ وَإِلَّا فَفِي مَالِ الْمَيِّتِ ــ [رد المحتار] فِي التَّجْنِيسِ. قَالَ الْكَمَالُ: وَهُوَ قَيْدٌ حَسَنٌ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ (قَوْلُهُ فَالْأَمْرُ عَلَيْهِ) أَيْ الشَّأْنُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا فَسَّرَهُ أَيْ عَيَّنَهُ، فَإِنْ فَسَّرَ الْمَالَ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ، وَإِنْ فَسَّرَ الْمَكَانَ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْهُ ح. قُلْت: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوصِيَ بِمَا يُبْلِغُ مِنْ بَلَدِهِ إنْ كَانَ فِي الثُّلُثِ سَعَةٌ، فَلَوْ أَوْصَى بِمَا دُونَ ذَلِكَ أَوْ عَيَّنَ مَكَانًا دُونَ بَلَدِهِ يَأْثَمُ لِمَا عَلِمْت أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ بَلَدٍ يَسْكُنُهُ (قَوْلُهُ مِنْ بَلَدِهِ) فَلَوْ كَانَ لَهُ أَوْطَانٌ فَمِنْ أَقْرَبِهَا إلَى مَكَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَطَنٌ فَمِنْ حَيْثُ مَاتَ؛ وَلَوْ أَوْصَى خُرَاسَانِيٌّ بِمَكَّةَ أَوْ مَكِّيٌّ بِالرَّيِّ يَحُجُّ عَنْهُمَا مِنْ وَطَنِهِمَا، وَلَوْ أَوْصَى الْمَكِّيُّ أَيْ الَّذِي مَاتَ بِالرَّيِّ أَنْ يُقْرِنَ عَنْهُ مِنْ الرَّيِّ لُبَابٌ: أَيْ لِأَنَّهُ لَا قِرَانَ لِمَنْ بِمَكَّةَ. مَطْلَبُ الْعَمَلِ عَلَى الْقِيَاسِ دُونَ الِاسْتِحْسَانِ هُنَا (قَوْلُهُ قِيَاسًا لَا اسْتِحْسَانًا) الْأَوَّلُ قَوْلُ الْإِمَامِ وَالثَّانِي قَوْلُهُمَا، وَأَخَّرَ دَلِيلَهُ فِي الْهِدَايَةِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُخْتَارٌ لَهُ، لِأَنَّ الْمَأْخُوذَ بِهِ فِي عَامَّةِ الصُّوَرِ الِاسْتِحْسَانُ عِنَايَةٌ، وَقَوَّاهُ فِي الْمِعْرَاجِ، لَكِنَّ الْمُتُونَ عَلَى الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ تَصْحِيحَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ فِي كِتَابِ الْوَصَايَا فَهُوَ مِمَّا قُدِّمَ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الِاسْتِحْسَانِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ فَلْيُحْفَظْ (قَوْلُهُ فَلَوْ أَحَجَّ الْوَصِيُّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ بَلَدِهِ فِيمَا إذَا وَجَبَ الْإِحْجَاجُ مِنْ بَلَدِهِ لَمْ يَصِحَّ وَيَضْمَنُ وَيَكُونُ الْحَجُّ لَهُ وَيَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ ثَانِيًا لِأَنَّهُ خَالَفَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَكَانُ قَرِيبًا مِنْ بَلَدِهِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ إلَيْهِ وَيَرْجِعُ إلَى الْوَطَنِ قَبْلَ اللَّيْلِ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَالْبَحْرِ (قَوْلُهُ ثُلُثُهُ) أَيْ ثُلُثُ مَالِ الْمُوصِي، فَإِنْ بَلَّغَ الثُّلُثُ الْإِحْجَاجَ رَاكِبًا فَأَحَجَّ مَاشِيًا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ لَمْ يُبَلِّغْ إلَّا مَاشِيًا مِنْ بَلَدِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ يَحُجُّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ بَلَّغَ رَاكِبًا. وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا. وَأَمَّا إنْ كَانَ الثُّلُثُ يَكْفِي لِأَكْثَرَ مِنْ حَجَّةٍ، فَإِنْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ حَجَّةً وَاحِدَةً فَالْفَاضِلُ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ أَطْلَقَ أَحَجَّ عَنْهُ فِي كُلِّ سَنَةٍ حَجَّةً وَاحِدَةً أَوْ أَحَجَّ فِي سَنَةٍ حِجَجًا وَهُوَ الْأَفْضَلُ تَعْجِيلًا لِتَنْفِيذِ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا يَهْلِكُ الْمَالُ، وَإِنْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ فِي كُلِّ سَنَةٍ حَجَّةً فَهُوَ كَالْإِطْلَاقِ؛ كَمَا لَوْ أَمَرَ الْوَصِيُّ رَجُلًا بِالْحَجِّ السَّنَةَ فَأَخَّرَهُ إلَيَّ الْقَابِلَةِ جَازَ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَا يَضْمَنُ، لِأَنَّ ذِكْرَ السَّنَةِ لِلِاسْتِعْجَالِ لَا لِلتَّقْيِيدِ بَحْرٌ. قُلْت: وَمِثْلُ الثُّلُثِ مَا لَوْ قَالَ أَحِجُّوا عَنِّي بِأَلْفٍ وَالْأَلْفُ يُبَلِّغُ حِجَجًا كَمَا فِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ (قَوْلُهُ وَإِنْ لَمْ يَفِ فَمِنْ حَيْثُ يُبَلِّغُ) لَكِنْ لَوْ أَحَجَّ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ يُبَلِّغُ وَفَضَلَ مِنْ الثُّلُثِ وَتَبَيَّنَ أَنَّهُ يُبَلِّغُ مِنْ مَوْضِعٍ أَبْعَدَ مِنْهُ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ وَيَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ حَيْثُ يُبَلِّغُ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْفَاضِلُ شَيْئًا يَسِيرًا مِنْ زَادٍ أَوْ كِسْوَةٍ فَلَا يَضْمَنُ شَرْحُ اللُّبَابِ، وَنَقَلَهُ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْبَدَائِعِ (قَوْلُهُ وَوَارِثُهُ) الْأَوْلَى الْعَطْفُ بِأَوْ كَمَا فَعَلَ فِي اللُّبَابِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَصِيٌّ فَلَا كَلَامَ لِلْوَارِثِ فِي الْوَصِيَّةِ، نَعَمْ لَوْ كَانَ الْمَيِّتُ هُوَ الَّذِي دَفَعَ لِلْمَأْمُورِ ثُمَّ مَاتَ كَانَ لِلْوَارِثِ اسْتِرْدَادُ مَا فِي يَدِ الْمَأْمُورِ وَإِنْ أَحْرَمَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفُرُوعِ: أَيْ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْوَصِيِّ لِأَنَّ الْبَاقِيَ صَارَ مِيرَاثًا لِكَوْنِ الْمَيِّتِ لَمْ يُوصِ بِهِ (قَوْلُهُ مَا لَمْ يُحْرِمْ) فَلَوْ أَحْرَمَ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِرْدَادُ، وَالْمُحْرِمُ يَمْضِي فِي إحْرَامِهِ وَبَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْحَجِّ لَيْسَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى أَهْلِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ حِينَ أَرَادَ الْأَخْذَ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ وَيَكُونُ إحْرَامُهُ تَطَوُّعًا عَنْ الْمَيِّتِ شَرْحُ اللُّبَابِ عَنْ خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ (قَوْلُهُ وَإِلَّا) يَعْنِي بِأَنْ رَدَّهُ لِعِلَّةٍ غَيْرِ الْخِيَانَةِ كَضَعْفِ رَأْيٍ فِيهِ أَوْ جَهْلٍ بِالْمَنَاسِكِ، أَمَّا لَوْ بِلَا عِلَّةٍ أَصْلًا فَالنَّفَقَةُ فِي مَالِ الدَّافِعِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: إنْ اُسْتُرِدَّ بِخِيَانَةٍ ظَهَرَتْ مِنْهُ: أَيْ مِنْ الْمَأْمُورِ فَالنَّفَقَةُ

стр. 1262

(أَوْصَى بِحَجٍّ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ لَمْ يَجْزِهِ) وَإِنْ أَمَرَهُ الْمَيِّتُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ وَهُوَ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ، لَكِنْ لَوْ حَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ جَازَ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ مَالِي، وَكَذَا لَوْ أَحَجَّ لَا لِيَرْجِعَ كَالدَّيْنِ إذَا قَضَاهُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ ــ [رد المحتار] فِي مَالِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ اُسْتُرِدَّ لَا بِخِيَانَةٍ وَلَا تُهْمَةٍ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْوَصِيِّ فِي مَالِهِ خَاصَّةً، وَإِنْ اُسْتُرِدَّ لِضَعْفِ رَأْيٍ فِيهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِأُمُورِ الْمَنَاسِكِ فَأَرَادَ الدَّفْعَ إلَى أَصْلَحَ مِنْهُ فَنَفَقَتُهُ فِي مَالِ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ اُسْتُرِدَّ لِمَنْفَعَةِ الْمَيِّتِ اهـ أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ أَوْصَى بِحَجِّ إلَخْ) قَيَّدَ بِالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَمْ يُوصِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ بِالْحَجِّ أَوْ الْإِحْجَاجِ يَصِحُّ كَمَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ: أَيْ يَصِحُّ عَنْ الْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَنَقَلَ ط عَنْ الْوَلْوَالِجيَّةِ أَنَّ التَّعْلِيقَ بِالْمَشِيئَةِ عَلَى الْقَبُولِ لَا عَلَى الْجَوَازِ، وَقَدَّمْنَا أَيْضًا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ أَنَّ الْوَارِثَ غَيْرُ قَيْدٍ، فَإِذَا لَمْ يُوصِ يُجْزِئُهُ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ وَالْأَجْنَبِيِّ عَنْهُ وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ) أَطْلَقَ الرَّجُلَ الْمُتَطَوِّعَ فَشَمَلَ الْوَارِثَ، وَبِهِ صَرَّحَ قَاضِي خَانْ بِقَوْلِهِ الْمَيِّتُ إذَا أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِمَالِهِ فَتَبَرَّعَ عَنْهُ الْوَارِثُ أَوْ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَجُوزُ. اهـ. قُلْت: يَعْنِي لَا يَجُوزُ عَنْ فَرْضِ الْمَيِّتِ وَإِلَّا فَلَهُ ثَوَابُ ذَلِكَ الْحَجِّ ح عَنْ الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ، وَلِهَذَا قَالَ الْمُصَنِّفُ لَمْ يَجْزِهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ، لَكِنْ سَيَأْتِي مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الثَّوَابَ إنَّمَا يَحْصُلُ لِلْمَيِّتِ إذَا جَعَلَهُ لَهُ الْحَاجُّ بَعْدَ الْأَدَاءِ (قَوْلُهُ وَإِنْ أَمَرَهُ الْمَيِّتُ) أَيْ أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا أَوْصَى بِالْإِحْجَاجِ عَنْهُ وَأَمَرَ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ زَيْدٌ فَحَجَّ عَنْهُ زَيْدٌ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَمْ يَجْزِ عَنْ الْمَيِّتِ لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ لَكِنْ لَوْ حَجَّ عَنْهُ ابْنُهُ) أَيْ مَثَلًا وَإِلَّا فَكَذَا حُكْمُ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ شَرْحُ اللُّبَابِ: قُلْت: بَلْ الْوَصِيُّ كَذَلِكَ كَمَا يُفِيدُهُ مَا يَأْتِي قَرِيبًا عَنْ عُمْدَةِ الْفَتَاوَى. ثُمَّ إنَّ هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى إطْلَاقِ الرَّجُلِ فِي قَوْلِهِ فَتَطَوَّعَ عَنْهُ رَجُلٌ بِأَنَّ الْوَارِثَ أَوْ الْوَصِيَّ يُخَالِفُ الْأَجْنَبِيَّ فِي أَنَّهُ لَوْ تَطَوَّعَ مِنْ وَجْهٍ بِأَنْ أَنْفَقَ مِنْ مَالِهِ لِيَرْجِعَ فِي التَّرِكَةِ جَازَ؛ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّ الْوَارِثَ خَلِيفَةٌ عَنْ الْمَيِّتِ، وَلِذَا لَوْ قَضَى الدَّيْنَ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ جَازَ، قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ حَجَّ عَلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُ الْمَيِّتِ وَهُوَ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ. اهـ. قُلْت: وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْوَارِثَ لَيْسَ لَهُ الْحَجُّ بِمَالِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ وَهُمْ كِبَارٌ، لِأَنَّ هَذَا مِثْلُ التَّبَرُّعِ بِالْمَالِ فَالظَّاهِرُ تَقْيِيدُ حَجِّ الْوَارِثِ هُنَا بِذَلِكَ أَيْضًا تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ إنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ مَالِي) فِي الْبَحْرِ عَنْ آخِرِ عُمْدَةِ الْفَتَاوَى لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ: لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِأَلْفٍ مِنْ مَالِهِ فَأَحَجَّ الْوَصِيُّ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِاللَّفْظِ فَيُعْتَبَرُ لَفْظُ الْمُوصِي وَهُوَ أَضَافَ الْمَالَ إلَى نَفْسِهِ فَلَا يُبَدَّلُ. اهـ. (قَوْلُهُ وَكَذَا لَوْ أَحَجَّ لَا لِيَرْجِعَ) أَيْ أَنَّهُ يَجُوزُ. وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ أَحَجَّ لِيَرْجِعَ أَنَّهُ يَجُوزُ بِالْأَوْلَى، وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِمَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: إذَا أَوْصَى الرَّجُلُ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ الْوَارِثُ رَجُلًا مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لِيَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ جَازَ، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي مَالِ الْمَيِّتِ، وَكَذَا الزَّكَاةُ وَالْكَفَّارَةُ، وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ الْأَجْنَبِيُّ لَا يَرْجِعُ؛ وَلَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَحَجَّ الْوَارِثُ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ لَا لِيَرْجِعَ عَلَيْهِ جَازَ لِلْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ. اهـ. قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ بَعْدَ نَقْلِهِ: وَفِيهِ بَحْثٌ لَا يَخْفَى اهـ أَيْ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ إذَا كَانَ بِوَصِيَّةٍ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ احْتِرَازًا عَنْ التَّبَرُّعِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ فَتَجْوِيزُهُ فِيمَا لَوْ أَحَجَّ مِنْ مَالِهِ لَا لِيَرْجِعَ مُخَالِفٌ لِذَلِكَ. وَلِذَا لَمْ يَجُزْ فِيمَا لَوْ حَجَّ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ لَا لِيَرْجِعَ، وَلَا يَظْهَرُ فَرْقٌ بَيْنَهُمَا لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ مَقْصُودَ الْمَيِّتِ بِالْوَصِيَّةِ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِيمَا لَوْ حَجَّ الْوَارِثُ أَوْ أَحَجَّ عَنْهُ لِيَرْجِعَ دُونَ مَا إذَا أَنْفَقَ لَا لِيَرْجِعَ فِيهِمَا. وَاسْتَشْكَلَ ذَلِكَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ أَيْضًا وَالتَّفْرِقَةُ بِأَنَّهُ فِي الْإِحْجَاجِ قَامَ الْوَارِثُ مَقَامَ الْمَيِّتِ فِي دَفْعِ الْمَالِ، فَكَأَنَّ الْمَأْمُورَ أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ الْوَارِثُ بِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ دَفْعُ الْمَالِ، بَلْ مَا حَصَلَ مِنْهُ إلَّا مُجَرَّدُ الْأَفْعَالِ، فَلَمْ يَجُزْ مَا لَمْ يَنْوِ الرُّجُوعَ فِي مَالِهِ، غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ حَجَّهُ بِنَفْسِهِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ أَيْضًا فَافْهَمْ

стр. 1263

(وَمَنْ حَجَّ عَنْ) كُلٍّ مِنْ (آمِرَيْهِ وَقَعَ عَنْهُ وَضَمِنَ مَالَهُمَا) لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا (وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ عَنْ أَحَدِهِمَا) لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَيَنْبَغِي صِحَّةُ التَّعْيِينِ لَوْ أَطْلَقَ الْإِحْرَامَ. وَلَوْ أَبْهَمَهُ، فَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ جَازَ، ــ [رد المحتار] قَوْلُهُ وَمَنْ حَجَّ) أَيْ أَهَلَّ بِحَجٍّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُخَالِفًا بِمُجَرَّدِ الْإِهْلَالِ بِلَا تَوَقُّفٍ عَلَى الْأَعْمَالِ أَفَادَهُ ح. قُلْت: أَيْ فِي صُورَةِ الْمَتْنِ وَإِلَّا فَقَدْ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا إلَّا بِالشُّرُوعِ كَمَا سَيَظْهَرُ لَك (قَوْلُهُ عَنْ آمِرَيْهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَا أَبَوَيْهِ أَوْ أَجْنَبِيَّيْنِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْفَتْحِ، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ شَمَلَ الْأَبَوَيْنِ وَسَيَأْتِي أَنَّ إخْرَاجَهُمَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْآتِيَ فِي الْإِحْرَامِ عَنْهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا، وَالْكَلَامُ هُنَا فِي الْإِحْرَامِ عَنْ الْآمِرَيْنِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَقَعَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا، وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ بَحْرٌ وَنَهْرٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ يَأْتِي قَرِيبًا (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ خَالَفَهُمَا) عِلَّةٌ لِوُقُوعِهِ عَنْهُ وَلِلضَّمَانِ: أَيْ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ إنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُخْلِصَ النَّفَقَةَ لَهُ، وَقَدْ صَرَفَهَا لِحَجِّ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إيقَاعُهُ عَنْ أَحَدِهِمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ (قَوْلُهُ وَيَنْبَغِي صِحَّةُ التَّعْيِينِ لَوْ أَطْلَقَ) أَيْ كَمَا لَوْ قَالَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَسَكَتَ. قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَإِنْ أَطْلَقَ، بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْمَحْجُوجِ عَنْهُ مُعَيِّنًا وَمُبْهِمًا، قَالَ فِي الْكَافِي لَا نَصَّ فِيهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ هُنَا إجْمَاعًا لِعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ أَيْ تَعْيِينُ أَحَدِ آمِرَيْهِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْوُقُوفِ كَمَا فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْهَامِ، وَقَوْلُهُ إجْمَاعًا. قَالَ شَيْخُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ خِلَافُ أَبِي يُوسُفَ الْآتِي فِي مَسْأَلَةِ الْإِبْهَامِ لِجَرَيَانِ عِلَّتِهِ الْآتِيَةِ هُنَا أَيْضًا. اهـ. ح (قَوْلُهُ وَلَوْ أَبْهَمَهُ) بِأَنْ قَالَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ عَنْ أَحَدِ آمِرَيَّ ح (قَوْلُهُ قَبْلَ الطَّوَافِ) الْمُرَادُ بِهِ طَوَافُ الْقُدُومِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، فَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ إحْرَامَيْنِ لِحَجَّتَيْنِ ثُمَّ شَرَعَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ارْتُفِضَتْ إحْدَاهُمَا فَإِنْ قُلْتَ: ذِكْرُ الْوُقُوفِ مُسْتَدْرَكٌ. قُلْتُ: يُمْكِنُ أَنْ لَا يَطُوفَ لِلْقُدُومِ فَيَكُونُ الْوُقُوفُ حِينَئِذٍ هُوَ الْمُعْتَبَرُ. اهـ. ح (قَوْلُهُ جَازَ) أَيْ عِنْدَهُمَا. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: بَلْ وَقَعَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِلَا تَوَقُّفٍ وَضَمِنَ نَفَقَتَهُمَا وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَمَرَهُ بِتَعْيِينِ الْحَجِّ لَهُ فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْ فَقَدْ خَالَفَ، وَجْهُ قَوْلِهِمَا وَهُوَ الِاسْتِحْسَانُ: أَنَّ هَذَا إبْهَامٌ فِي الْإِحْرَامِ وَالْإِحْرَامُ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ وَإِنَّمَا هُوَ وَسِيلَةٌ إلَى الْأَفْعَالِ، وَالْمُبْهَمُ يَصْلُحُ وَسِيلَةً بِوَاسِطَةِ التَّعْيِينِ فَاكْتُفِيَ بِهِ شَرْطًا ح عَنْ الزَّيْلَعِيِّ. قُلْت: وَالْحَاصِلُ أَنَّ صُوَرَ الْإِبْهَامِ أَرْبَعَةٌ: أَنْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ عَنْهُمَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْمَتْنِ، أَوْ عَنْ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ، أَوْ يُهِلَّ بِحَجَّةٍ وَيُطْلِقَ، وَالرَّابِعَةُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ أَحَدِهِمَا مُعَيِّنًا بِلَا تَعْيِينٍ لِمَا أَحْرَمَ بِهِ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ الشَّارِحُ الرَّابِعَةَ لِجَوَازِهَا بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الْفَتْحِ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ أَنَّ مَبْنَى الْجَوَابِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَقَعَ عَنْ نَفْسِ الْمَأْمُورِ لَا يَتَحَوَّلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ وَأَنَّهُ بَعْدَ مَا صَرَفَ نَفَقَةَ الْآمِرِ إلَى نَفْسِهِ ذَاهِبًا إلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخَذَ النَّفَقَةَ لَهُ لَا يَنْصَرِفُ الْإِحْرَامُ إلَى نَفْسِهِ إلَّا إذَا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ أَوْ عَجَزَ شَرْعًا عَنْ التَّعْيِينِ. فَفِي الصُّورَةِ الْأُولَى مِنْ الصُّوَرِ الْأَرْبَعِ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَالْعَجْزُ عَنْ التَّعْيِينِ، وَلَا تَرِدُ مَسْأَلَةُ الْأَبَوَيْنِ الْآتِيَةُ؛ لِأَنَّهَا بِدُونِ الْأَمْرِ كَمَا يَأْتِي، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُخَالَفَةُ فِي تَرْكِ التَّعْيِينِ، وَيُمْكِنُهُ التَّعْيِينُ فِي الِانْتِهَاءِ لِأَنَّ حَقِيقَتَهُ جَعْلُ الثَّوَابِ وَلِذَا لَوْ أَمَرَهُ أَبَوَاهُ بِالْحَجِّ كَانَ الْحُكْمُ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ. وَفِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْأَرْبَعِ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُخَالَفَةُ بِمُجَرَّدِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْأَعْمَالِ، وَلَا يُمْكِنُ صَرْفُ الْحَجَّةِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ فَلَا تَنْصَرِفُ إلَيْهِ إلَّا إذَا وُجِدَ تَحَقُّقُ الْمُخَالَفَةِ أَوْ الْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ

стр. 1264

بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ بِحَجٍّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِنْ الْأَجَانِبِ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَبَرِّعًا فَعَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ) ــ [رد المحتار] وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ التَّعْيِينُ إلَّا إذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ وَلَوْ شَوْطًا لِأَنَّ الْأَعْمَالَ لَا تَقَعُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ فَتَقَعُ عَنْهُ ثُمَّ لَا يُمْكِنُهُ تَحْوِيلُهَا إلَى غَيْرِهِ، وَإِنَّمَا لَهُ تَحْوِيلُ الثَّوَابِ فَقَطْ، وَلَوْلَا النَّصُّ لَمْ يَتَحَوَّلْ الثَّوَابُ أَيْضًا. وَفِي الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ لَا خَفَاءَ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ لِأَحَدِ الْآمِرَيْنِ وَلَا تَعَذُّرُ التَّعْيِينِ وَلَا تَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ فَأَظْهَرُ الْكُلِّ. اهـ مَا فِي الْفَتْحِ مُلَخَّصًا. وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ مَا قَرَّرَهُ فِي الصُّورَةِ الثَّانِيَةِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ إذَا شَرَعَ فِي الْأَعْمَالِ قَبْلَ تَعْيِينِ أَحَدِ الْآمِرَيْنِ وَقَعَتْ الْحَجَّةُ عَنْ نَفْسِهِ لِتَحَقُّقِ الْمُخَالَفَةِ وَالْعَجْزِ عَنْ التَّعْيِينِ، وَكَذَا تَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِالْأَوْلَى فِي الصُّورَةِ الْأُولَى. وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا تَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهَا تَصِحُّ بِالتَّعْيِينِ وَبِالْإِطْلَاقِ، بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى بِهَا النَّفَلَ وَالْمَأْمُورَ وَإِنْ كَانَ صَرَفَهَا عَنْ نَفْسِهِ بِجَعْلِهَا لِلْآمِرَيْنِ أَوْ لِأَحَدِهِمَا، لَكِنْ لَمَّا تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ بَطَلَ ذَلِكَ الصَّرْفُ وَإِلَّا لَمْ تَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ أَصْلًا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ؛ كَمَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ نَفْسِهِ ابْتِدَاءً وَلَمْ يَنْوِ النَّفَلَ فَتَقَعُ عَنْ حَجَّةِ، الْإِسْلَامِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَقَرَنَ مَعَهُ عُمْرَةً لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ وَيَضْمَنُ اتِّفَاقًا. ثُمَّ قَالَ: وَلَا تَقَعُ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ أَقَلَّ مَا تَقَعُ بِإِطْلَاقِ النِّيَّةِ وَهُوَ قَدْ صَرَفَهَا عَنْهُ فِي النِّيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ. اهـ كَلَامُهُ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَجْهَ النَّظَرِ مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَيْثُ تَحَقَّقَتْ الْمُخَالَفَةُ وَوَقَعَتْ عَنْ نَفْسِهِ بَطَلَ صَرْفُ النِّيَّةِ فَتَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَقَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ فِيمَا مَرَّ تَقَعُ عَنْ الْمَأْمُورِ نَفْلًا وَلَا تَجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ صَرَّحَ الْبَاقَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُلْتَقَى، وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَيْهِ أَيْضًا بِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، فَهَذَا مَا تَحَرَّرْ لِي فَافْهَمْ وَالسَّلَامُ. (قَوْلُهُ بِخِلَافِ مَا لَوْ أَهَلَّ إلَخْ) مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ وَمِنْ حَجَّ عَنْ آمِرَيْهِ، وَقَوْلُهُ جَازَ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِبَيَانِ جِهَةِ الْمُخَالَفَةِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ فِي الْأُولَى لَا يَجُوزُ وَالثَّانِيَةُ بِخِلَافِهَا، لَكِنَّ الْجَوَازَ هُنَا مَشْرُوطٌ بِمَا إذَا لَمْ يَأْمُرَاهُ بِالْحَجِّ، وَقَوْلُهُ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ غَيْرِهِمَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْأَبَوَيْنِ فِي الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ لَيْسَ بِقَيْدٍ احْتِرَازِيٍّ وَإِنَّمَا فَائِدَتُهُ الْإِشَارَةُ إلَى أَنَّ الْوَلَدَ يُنْدَبُ لَهُ ذَلِكَ جِدًّا كَمَا فِي النَّهْرِ، وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأَبَوَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْآمِرَيْنِ فِي الَّتِي قَبْلَهَا الْأَجْنَبِيَّانِ، بَلْ الْأَبَوَانِ إذَا أَمَرَاهُ فَحُكْمُهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ فَظَهَرَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَالْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ لِلْآمِرِ وَعَدَمِهِ أَيْ صَرِيحًا كَمَا يَظْهَرُ قَرِيبًا، فَإِذَا أَحْرَمَ بِحَجَّةٍ عَنْ اثْنَيْنِ أَمَرَهُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِأَنْ يَحُجَّ عَنْهُ وَقَعَ عَنْهُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى جَعْلِهِ لِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْهُمَا بِغَيْرِ أَمْرِهِمَا صَحَّ جَعْلُهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِكُلٍّ مِنْهُمَا، وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا مُبْهَمًا صَحَّ تَعْيِينُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَوْلَى كَمَا فِي الْفَتْحِ. قَالَ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو لِعَدَمِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ، وَإِنَّمَا يُجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابُ وَتَرَتُّبُهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ فَتَلْغُو نِيَّتُهُ قَبْلَهُ، فَيَصِحُّ جَعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا. وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَنَفِّلًا عَنْهُمَا، فَإِنْ كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَجُّ الْفَرْضِ وَأَوْصَى بِهِ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِتَبَرُّعِ الْوَارِثِ عَنْهُ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَإِنْ لَمْ يُوصِ بِهِ فَتَبَرَّعَ الْوَارِثُ عَنْهُ بِالْإِحْجَاجِ أَوْ الْحَجِّ بِنَفْسِهِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجْزِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى «لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْخَثْعَمِيَّةِ أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أَبِيك دَيْنٌ» الْحَدِيثُ انْتَهَى. وَبِهَذَا ظَهَرَ فَائِدَةٌ أُخْرَى لِلتَّقْيِيدِ بِالْأَبَوَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهِيَ سُقُوطُ الْفَرْضِ عَنْ الَّذِي عَيَّنَهُ لَهُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ لَوْ بِدُونِ وَصِيَّةٍ، لَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ إذَا لَغَتْ نِيَّتُهُ لَهُمَا لِعَدَمِ الْأَمْرِ وَوَقَعَتْ الْأَعْمَالُ عَنْهُ أَلْبَتَّةَ كَيْفَ يَصِحُّ تَحْوِيلُهَا إلَى أَحَدِهِمَا؟ وَقَدْ مَرَّ أَنَّ الْحَجَّ إذَا وَقَعَ عَنْ الْمَأْمُورِ لَا يُمْكِنُ تَحْوِيلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْآمِرِ، نَعَمْ يُمْكِنُ تَحْوِيلُ الثَّوَابِ فَقَطْ لِلنَّصِّ كَمَا مَرَّ، وَهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ مُتَنَفِّلًا عَنْهُمَا: أَيْ لِأَنَّ غَايَةَ حَالِ الْمُتَنَفِّلِ أَنْ يَجْعَلَ ثَوَابَ عَمَلِهِ لِغَيْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ. أَمَّا وُقُوعُ عَمَلِهِ عَنْ فَرْضِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ أَمْرِهِ فَهُوَ مُشْكِلٌ وَالْجَوَابُ مَا مَرَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ

стр. 1265

لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالثَّوَابِ فَلَهُ جَعْلُهُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لَهُمَا، ــ [رد المحتار] الْوَارِثَ إذَا حَجَّ أَوْ أَحَجَّ عَنْ مُوَرِّثِهِ جَازَ لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً: أَيْ فَكَأَنَّهُ مَأْمُورٌ مِنْ جِهَتِهِ بِذَلِكَ، وَعَلَيْهِ فَتَقَعُ الْأَعْمَالُ عَنْ الْمَيِّتِ لَا عَنْ الْعَامِلِ، فَقَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو إلَخْ مَخْصُوصٌ بِمَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا فَرْضٌ لَمْ يُوصِيَا بِهِ وَقَدَّمْنَا عَنْ الْبَدَائِعِ تَعْلِيلَهُ بِالنَّصِّ أَيْضًا وَهُوَ مَا عَلِمْته مِنْ حَدِيثِ الْخَثْعَمِيَّةِ وَبِهَذَا فَارَقَ الْوَارِثُ الْأَجْنَبِيَّ لَكِنْ قَدَّمْنَا عَنْ شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ الْكَرْمَانِيِّ وَالسَّرُوجِيِّ أَنَّ الْأَجْنَبِيَّ كَذَلِكَ، نَعَمْ هَذَا مُخَالِفٌ لِاشْتِرَاطِ الْأَمْرِ فِي الْحَجِّ عَنْ الْغَيْرِ وَالْأَجْنَبِيُّ غَيْرٌ مَأْمُورٌ لَا صَرِيحًا وَلَا دَلَالَةً، وَقَدَّمْنَا الْجَوَابَ بِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَةِ فِي هَذَا الشَّرْطِ وَالْمَشْهُورُ اشْتِرَاطُهُ، وَحَيْثُ عُلِمَ وُجُودُهُ فِي الْوَارِثِ دَلَالَةٌ ظَهَرَ لِاقْتِصَارِ الْكَنْزِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ فَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ دَلَالَةً لَيْسَ لَهُ حُكْمُ الْأَمْرِ حَقِيقَةً مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، لِمَا عَلِمْت مِنْ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَوْ أَمَرَاهُ حَقِيقَةً لَمْ يَصِحَّ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا بَعْدَ الْإِبْهَامِ كَمَا فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرَاهُ صَرِيحًا صَحَّ التَّعْيِينُ. وَلَوْ فَرَضُوا الْمَسْأَلَةَ ابْتِدَاءً فِي الْأَجْنَبِيَّيْنِ لَتُوُهِّمَ أَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يَصِحُّ تَعْيِينُ أَحَدِهِمَا لِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً فَفَرَضُوهَا فِي الْأَبَوَيْنِ لِإِفَادَةِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ وَإِنْ وُجِدَ الْأَمْرُ دَلَالَةً وَلِيُفِيدُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَمْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى الْأَمْرُ صَرِيحًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [تَنْبِيهٌ] الَّذِي تَحَصَّلَ لَنَا مِنْ مَجْمُوعِ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّ مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ عَنْ شَخْصَيْنِ، فَإِنْ أَمَرَاهُ بِالْحَجِّ وَقَعَ حَجُّهُ عَنْ نَفْسِهِ أَلْبَتَّةَ، وَإِنْ عَيَّنَ أَحَدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ. وَلَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ جَعْلُ ثَوَابِهِ لَهُمَا أَوْ لِأَحَدِهِمَا، وَإِنْ لَمْ يَأْمُرَاهُ فَكَذَلِكَ إلَّا إذَا كَانَ وَارِثًا وَكَانَ عَلَى الْمَيِّتِ حَجُّ الْفَرْضِ وَلَمْ يُوصِ بِهِ فَيَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ لِلْأَمْرِ دَلَالَةً وَلِلنَّصِّ، بِخِلَافِ مَا إذَا أَوْصَى بِهِ لِأَنَّ غَرَضَهُ ثَوَابُ الْإِنْفَاقِ مِنْ مَالِهِ، فَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْوَارِثِ عَنْهُ، وَبِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ مُطْلَقًا لِعَدَمِ الْأَمْرِ (قَوْلُهُ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِالثَّوَابِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ صِحَّةِ التَّعْيِينِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَبَوَيْنِ دُونَ مَسْأَلَةِ الْآمِرِ، وَهُوَ مَعْنَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْفَتْحِ: وَمَبْنَاهُ عَلَى أَنَّ نِيَّتَهُ لَهُمَا تَلْغُو لِعَدَمِ الْأَمْرِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ إلَخْ. قَالَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ قُلْت: وَتَعْلِيلُ الْمَسْأَلَةِ يُفِيدُ وُقُوعَ الْحَجِّ عَنْ الْفَاعِلِ، فَيَسْقُطُ بِهِ الْفَرْضُ عَنْهُ وَإِنْ جَعَلَ ثَوَابَهُ لِغَيْرِهِ، وَيُفِيدُ ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الَّتِي رَوَاهَا فِي الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ اعْلَمْ أَنَّ فِعْلَ الْوَلَدِ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ جِدًّا. لِمَا أَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - عَنْهُ ﷺ «لَمَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ أَوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الْأَبْرَارِ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ» وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إذَا حَجَّ الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ وَمِنْهُمَا وَاسْتَبْشَرَتْ أَرْوَاحُهُمَا وَكُتِبَ عِنْدَ اللَّهِ بَرًّا» ". اهـ. أَقُولُ: قَدْ عَلِمْتَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ إذَا حَجَّ الْوَارِثُ عَنْهُمَا وَعَلَى أَحَدِهِمَا فَرْضٌ لَمْ يُوصِ بِهِ يَقَعُ عَنْ الْمَيِّتِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْهُ بِذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَحِينَئِذٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى سُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ عَنْ الْفَاعِلِ أَيْضًا وَقَدْ صَرَفَهُ إلَى غَيْرِهِ وَأَجَزْنَا صَرْفَهُ، نَعَمْ يَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ عَلَى أَحَدِهِمَا فَرْضٌ أَوْصَى بِهِ أَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فَرْضٌ أَصْلًا، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا يُجْعَلُ لَهُمَا الثَّوَابُ وَتَرَتُّبُهُ بَعْدَ الْأَدَاءِ، وَمِثْلُهُ قَوْلُ قَاضِي خَانْ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ: وَإِنَّمَا يُجْعَلُ ثَوَابُ فِعْلِهِ لَهُمَا. وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَجَعْلُ ثَوَابِ حَجِّهِ لِغَيْرِهِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ أَدَاءِ الْحَجِّ، فَبَطَلَتْ نِيَّتُهُ فِي الْإِحْرَامِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَجْعَلَ الثَّوَابَ لِأَيِّهِمَا شَاءَ اهـ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ النِّيَّةَ لَمْ تَقَعْ لَهُمَا وَأَنَّ الْأَعْمَالَ وَقَعَتْ لَهُ فَلَهُ جَعْلُ ثَوَابِهَا لِمَنْ شَاءَ بَعْدَ الْأَدَاءِ، فَيُمْكِنُ ادِّعَاءُ سُقُوطِ الْفَرْضِ عَنْ الْفَاعِلِ بِذَلِكَ كَمَا حَرَّرْنَاهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحَجِّ عَنْ الْآمِرَيْنِ، وَبِهِ يُعْلَمُ جَوَازُ جَعْلِ الْإِنْسَانِ ثَوَابَ فَرْضِهِ لِغَيْرِهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلَ الْبَابِ. وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمَيِّتِ فَرْضٌ لَمْ يُوصِ بِهِ وَسَقَطَ بِهِ فَرْضُ الْمَيِّتِ يَلْزَمُ مِنْهُ وُقُوعُ النِّيَّةِ وَالْأَعْمَالِ لَهُ لَا لِلْفَاعِلِ

стр. 1266

وَفِي الْحَدِيثِ «مَنْ حَجَّ عَنْ أَبَوَيْهِ فَقَدْ قَضَى عَنْهُ حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ، وَبُعِثَ مِنْ الْأَبْرَارِ» . (وَدَمُ الْإِحْصَارِ) لَا غَيْرَ (عَلَى الْآمِرِ فِي مَالِهِ وَلَوْ مَيِّتًا) قِيلَ مِنْ الثُّلُثِ، وَقِيلَ مِنْ الْكُلِّ. ثُمَّ إنْ فَاتَهُ لِتَقْصِيرٍ مِنْهُ ضَمِنَ، وَإِنْ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَا. (وَدَمُ الْقِرَانِ) وَالتَّمَتُّعِ (وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَاجِّ) إنْ أَذِنَ لَهُ الْآمِرُ بِالْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَإِلَّا فَيَصِيرُ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ (وَضَمِنَ النَّفَقَةَ إنْ جَامَعَ قَبْلَ وُقُوفِهِ) فَيُعِيدُ بِمَالِ نَفْسِهِ (وَإِنْ بَعْدَهُ فَلَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ ــ [رد المحتار] إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْأَعْمَالَ تَقَعُ لِلْعَامِلِ هُنَا أَيْضًا كَمَا هُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ عِبَارَةِ الْفَتْحِ وَقَاضِي خَانْ وَغَيْرِهِمَا، وَلَكِنْ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ الْمَيِّتِ فَضْلًا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَمَلًا بِالنَّصِّ، وَهُوَ حَدِيثُ الْخَثْعَمِيَّةِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ، وَلِذَا عَلَّقَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْمَشِيئَةِ، وَيَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنْ الْفَاعِلِ أَيْضًا أَخْذًا مِنْ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ وَلِذَا كَانَ الْوَارِثُ مُخَالِفًا لِحُكْمِ الْأَجْنَبِيِّ فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قُلْت: مَا مَرَّ مِنْ تَعْلِيلِ جَوَازِ حَجِّ الْوَارِثِ بِوُجُودِ الْأَمْرِ دَلَالَةً يَقْتَضِي وُقُوعَ الْأَعْمَالِ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَرَهُ صَرِيحًا وَقَعَتْ عَنْهُ بِلَا شُبْهَةٍ، فَيُخَالِفُ مَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ. وَحِينَئِذٍ فَلَا يُمْكِنُ سُقُوطُ فَرْضِ الْعَامِلِ بِذَلِكَ أَيْضًا. قُلْتُ: قَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَمْرَ دَلَالَةً لَيْسَ كَالْأَمْرِ صَرِيحًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَلِذَا صَحَّ تَعْيِينُ أَحَدِ أَبَوَيْهِ بَعْدَ الْإِبْهَامِ، وَلَوْ أَمَرَهُ صَرِيحًا لَمْ يَصِحَّ كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ كَمَا قَدَّمْنَا؛ فَلَوْ اقْتَضَى الْأَمْرُ دَلَالَةً وُقُوعَ الْأَعْمَالِ عَنْ الْمَيِّتِ لَمْ يَصِحَّ التَّعْيِينُ فَقُلْنَا بِوُقُوعِ الْأَعْمَالِ لِلْعَامِلِ، فَيَسْقُطُ فَرْضُهُ بِهَا، وَكَذَا يَسْقُطُ فَرْضُ الْأَبِ أَوْ الْأُمِّ عَمَلًا بِالْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. هَذَا غَايَةُ مَا وَصَلَ إلَيْهِ فَهْمِي الْقَاصِرُ فِي تَحْرِيرِ هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْمُشْكِلَةِ الَّتِي لَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهَا هَذَا الْإِيضَاحَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (قَوْلُهُ وَفِي الْحَدِيثِ) كَلَامُهُ يُوهِمُ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَعَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ كَمَا عَلِمْت مَعَ تَغْيِيرِ بَعْضِ اللَّفْظِ بِنَاءً عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ جَوَازِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ بِالْمَعْنَى لِلْعَارِفِ اهـ ح (قَوْلُهُ لَا غَيْرَ) أَيْ لَا غَيْرَ دَمِ الْإِحْصَارِ مِنْ بَاقِي الدِّمَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَهُوَ دَمُ الشُّكْرِ فِي الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ وَدَمُ الْجِنَايَةِ (قَوْلُهُ عَلَى الْآمِرِ) هَذَا عِنْدَهُمَا وَعَلَيْهِ الْمُتُونُ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ عَلَى الْمَأْمُورِ (قَوْلُهُ قِيلَ مِنْ الثُّلُثِ) لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ بِالْحَجِّ تُنَفَّذُ مِنْ الثُّلُثِ، وَهَذَا مِنْ تَوَابِعِ الْوَصِيَّةِ وَقِيلَ مِنْ الْكُلِّ لِأَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ حَقًّا لِلْمَأْمُورِ عَلَى الْمَيِّتِ فَيُقْضَى مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ كَمَا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُبَاعَ عَبْدُهُ وَيُتَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ فَبَاعَهُ الْوَصِيُّ وَضَاعَ الثَّمَنُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرْجِعُ بِالثَّمَنِ عَلَى الْوَصِيِّ وَيَرْجِعُ الْوَصِيُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ الْأَخِيرِ فِي جَمِيعِ التَّرِكَةِ مِنْ شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ، وَاسْتَوْجَبَهُ ط الْأَوَّلُ وَالرَّحْمَتِيُّ الثَّانِي (قَوْلُهُ ثُمَّ إنْ فَاتَهُ إلَخْ) أَيْ فَاتَ الْمَأْمُورَ الْمَعْلُومَ مِنْ الْمَقَامِ، وَأَطْلَقَ الْفَوَاتَ فَشَمَلَ مَا يَكُونُ بِسَبَبِ الْإِحْصَارِ وَغَيْرِهِ فَإِنَّ الْإِحْصَارَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُ كَأَنْ تَنَاوَلَ دَوَاءً مُمْرِضًا قَصْدًا حَتَّى أَحْصَرَهُ أَفَادَهُ ح. هَذَا، وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ كَفَائِتِ الْحَجِّ كَمَا فِي الْبَحْرِ. ثُمَّ قَالَ: وَلَمْ يُصَرِّحُوا بِأَنَّهُ فِي الْإِحْصَارِ وَالْفَوَاتِ إذَا قَضَى الْحَجَّ هَلْ يَكُونُ عَنْ الْآمِرِ أَوْ يَقَعُ لِلْمَأْمُورِ، وَإِذَا كَانَ لِلْآمِرِ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ. اهـ. أَقُولُ: قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ يَصْنَعُ مَا يَصْنَعُهُ فَائِتُ الْحَجِّ بَعْدَ شُرُوعِهِ، وَلَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ لِأَنَّهُ فَاتَهُ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، وَعَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ لِأَنَّ الْحَجَّةَ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِالشُّرُوعِ فَلَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْحَجَّ عِنْدَهُ يَقَعُ عَنْ الْحَاجِّ اهـ وَنَقَلَهُ فِي النَّهْرِ عَنْ السِّرَاجِ. ثُمَّ قَالَ: وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ مِنْ أَنَّهُ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ عَنْ الْآمِرِ وَتَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ اهـ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي اللُّبَابِ بِأَنَّهُ إنْ فَاتَهُ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ لَمْ يَضْمَنْ وَيَسْتَأْنِفُ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ: أَيْ بِنَاءً عَلَى قَوْلِ غَيْرِ مُحَمَّدٍ. فَعُلِمَ أَنَّ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الْحَجُّ عَنْ نَفْسِهِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ عَنْ الْمَيِّتِ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ لَكِنْ فِي التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ الْمُنْتَقَى قَالَ مُحَمَّدٌ:

стр. 1267

(وَإِنْ مَاتَ) الْمَأْمُورُ (أَوْ سُرِقَتْ نَفَقَتُهُ فِي الطَّرِيقِ) قَبْلَ وُقُوفِهِ (حَجَّ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ) مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفِ فَمِنْ حَيْثُ يُبَلِّغْ فَإِنْ مَاتَ أَوْ سُرِقَتْ ثَانِيًا حَجَّ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَهَا، هَكَذَا مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مِنْ ثُلُثِهِ مَا يُبَلِّغُ الْحَجَّ، فَتَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ ــ [رد المحتار] يَحُجُّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ بَلَدِهِ إذَا بَلَّغَتْ النَّفَقَةُ وَإِلَّا فَمِنْ حَيْثُ تُبَلِّغُ، وَعَلَى الْمُحْرِمِ قَضَاءُ الْحَجِّ الَّذِي فَاتَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا أَنْفَقَ وَلَا نَفَقَهُ لَهُ بَعْدَ الْفَوْتِ. اهـ. فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ مِنْ مَالِهِ وَعَلَى الْمَأْمُورِ حَجٌّ آخَرُ قَضَاءً لِمَا شُرِعَ فِيهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ. وَيُخَالِفُهُ مَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة أَيْضًا عَنْ التَّهْذِيبِ. قَالَ أَبُو يُوسُفَ: إذَا فَسَدَ حَجُّهُ قَبْلَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ ضَمَانُ النَّفَقَةِ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ الَّذِي أَفْسَدَهُ وَعُمْرَةٌ وَحَجَّةٌ لِلْآمِرِ؛ وَلَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ وَحَجٌّ عَنْ الْآمِرِ. اهـ. فَإِنَّهُ قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ قَضَاءُ الْفَائِتِ إلَخْ يَقْتَضِي أَنَّ عَلَيْهِ الْحَجَّتَيْنِ مِنْ مَالِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَحُجَّ عَنْ الْآمِرِ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ أَيْ وَعَلَى الْوَرَثَةِ الْإِحْجَاجُ مِنْ مَالِهِ. ثُمَّ إنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا مِنْ مَقُولِ أَبِي يُوسُفَ، فَيُنَافِي مَا مَرَّ عَنْ النَّهْرِ فَلْيُتَأَمَّلْ وَسَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ وَالْجِنَايَةِ) أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ دَمَ الْجِمَاعِ وَدَمَ جَزَاءِ الصَّيْدِ وَالْحَلْقَ وَلُبْسَ الْمَخِيطِ وَالطِّيبَ وَالْمُجَاوَزَةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ عَلَى الْحَاجِّ) أَيْ الْمَأْمُورِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ وَجَبَ شُكْرًا عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ النُّسُكَيْنِ وَحَقِيقَةُ الْفِعْلِ مِنْهُ وَإِنْ كَانَ الْحَجُّ يَقَعُ عَنْ الْآمِرِ لِأَنَّهُ وُقُوعٌ شَرْعِيٌّ لَا حَقِيقِيٌّ. وَأَمَّا الثَّانِي فَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُ تَعَلَّقَ بِجِنَايَتِهِ، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ فَيَصِيرُ مُخَالِفًا) هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِسَفَرٍ يَصْرِفُهُ إلَى الْحَجِّ لَا غَيْرَ، فَقَدْ خَالَفَ أَمْرَ الْآمِرِ فَضَمِنَ بَدَائِعُ. زَادَ فِي الْمُحِيطِ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا تَقَعُ عَنْ الْآمِرِ لِأَنَّهُ مَا أَمَرَهُ بِهَا فَصَارَ كَأَنَّهُ حَجَّ عَنْهُ وَاعْتَمَرَ لِنَفْسِهِ فَيَصِيرُ مُخَالِفًا؟ وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْحَجِّ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِحَجٍّ مِيقَاتِيٍّ، وَلَوْ أَمَرَهُ بِالْعُمْرَةِ فَاعْتَمَرَ ثُمَّ حَجَّ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، بِخِلَافِ مَا إذَا حَجَّ أَوَّلًا ثُمَّ اعْتَمَرَ اهـ وَانْظُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ قَبْلَ بَابِ الْإِحْرَامِ (قَوْلُهُ وَضَمِنَ النَّفَقَةَ إلَخْ) أَمَّا الدَّمُ فَهُوَ عَلَى الْمَأْمُورِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَيُعِيدُ بِمَالِ نَفْسِهِ) لِأَنَّهُ إذَا أَفْسَدَهُ لَمْ يَقَعْ مَأْمُورًا بِهِ فَكَانَ وَاقِعًا عَنْ الْمَأْمُورِ فَيَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فِي حَجِّهِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إذَا قَضَى الْحَجَّ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لَا يَسْقُطُ الْحَجُّ عَنْ الْمَيِّتِ لِأَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ بِالْإِفْسَادِ صَارَ الْإِحْرَامُ وَاقِعًا عَنْهُ فَكَذَا الْحَجُّ الْمُؤَدَّى بِهِ صَارَ وَاقِعًا عَنْهُ ابْنُ كَمَالٍ وَعَلَيْهِ حَجَّةٌ أُخْرَى لِلْآمِرِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ التَّتَارْخَانِيَّة عَنْ التَّهْذِيبِ أَيْ سِوَى حَجِّ الْقَضَاءِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمِعْرَاجِ، وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ قَوْلِهِ وَإِذَا فَسَدَ حَجُّهُ لَزِمَهُ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ بِمَالِ نَفْسِهِ، وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّرَدُّدِ فِي وُقُوعِهِ عَنْ الْآمِرِ. اهـ. (قَوْلُهُ وَإِنْ مَاتَ إلَخْ) الْأَنْسَبُ ذِكْرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ الْمَارِّ خَرَجَ الْمُكَلَّفُ إلَخْ (قَوْلُهُ قَبْلَ وُقُوفِهِ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ بَعْدَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ جَازَ عَنْ الْآمِرِ لِأَنَّهُ أَدَّى الرُّكْنَ الْأَعْظَمَ خَانِيَّةٌ وَفَتْحٌ، وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ عَنْ التَّجْنِيسِ، فَمَا بَحَثَهُ فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّ أَعَظْمِيَّتَهُ لِلْأَمْنِ مِنْ الْإِفْسَادِ بَعْدَهُ لَا لِأَنَّهُ يَكْفِي فَيَجِبُ عَلَى الْآمِرِ الْإِحْجَاجُ اهـ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ؛ وَأَمَّا لَوْ بَقِيَ حَيًّا وَأَتَمَّ الْحَجَّ إلَّا طَوَافَ الزِّيَارَةِ فَرَجَعَ وَلَمْ يَطُفْهُ فَقَالَ فِي الْفَتْحِ: لَا يَضْمَنُ النَّفَقَةَ غَيْرَ أَنَّهُ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَيَعُودُ بِنَفَقَةِ نَفْسِهِ لِيَقْضِيَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ جَانٍ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ اهـ (قَوْلُهُ مِنْ مَنْزِلِ آمِرِهِ) أَيْ إنْ لَمْ يُعَيِّنْ مَنْزِلًا وَإِلَّا اتَّبَعَ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ فَإِنْ مَاتَ) أَيْ الْمَأْمُورُ الثَّانِي (قَوْلُهُ مِنْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ النَّفَقَةِ أَيْ ثُلُثِ الْبَاقِي بَعْدَ هَلَاكِهَا وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ فَافْهَمْ، وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ بِالْبَاقِي مِنْ الثُّلُثِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ بِمَا بَقِيَ مَعَ الْمَأْمُورِ.

стр. 1268

قُلْت: وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي تَرِكَةِ الْمَأْمُورِ، فَلْيُرَاجَعْ (لَا مِنْ حَيْثُ مَاتَ) خِلَافًا لَهُمَا، وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ. [فُرُوعٌ] يَصِيرُ مُخَالِفًا بِالْقِرَانِ أَوْ التَّمَتُّعِ كَمَا مَرَّ لَا بِالتَّأْخِيرِ عَنْ السَّنَةِ الْأُولَى وَإِنْ عُيِّنَتْ لِأَنَّهُ لِلِاسْتِعْجَالِ لَا لِلتَّقْيِيدِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ، ــ [رد المحتار] مِثَالُهُ: أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَمَاتَ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ فَدَفَعَ الْوَصِيُّ لِلْمَأْمُورِ أَلْفًا فَسُرِقَتْ، فَعِنْدَ الْإِمَامِ يُؤْخَذُ مَا يَكْفِي مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ التَّرِكَةِ وَهُوَ أَلْفٌ، فَإِنْ سُرِقَتْ يُؤْخَذُ مِنْ ثُلُثِ الْأَلْفَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ، وَهَكَذَا إلَى أَنْ لَا يَبْقَى مَا ثُلُثُهُ يَكْفِي الْحَجَّ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا سُرِقَ الْأَلْفُ الْأَوَّلُ لَمْ يَبْقَ مِنْ ثُلُثِ التَّرِكَةِ إلَّا ثَلَثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ وَثُلُثٌ فَتُدْفَعُ لَهُ إنْ كَفَّتْ، وَلَا تُؤْخَذُ مَرَّةً أُخْرَى. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ فَضَلَ مِنْ الْأَلْفِ الْأُولَى مَا يُبَلِّغُ الْحَجَّ حَجَّ بِهِ وَإِلَّا فَلَا، هَكَذَا ذَكَرَ الْخِلَافَ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ. وَبَعْضُهُمْ قَالُوا: هَذَا إنْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَلَمْ يَزِدْ، أَمَّا لَوْ أَوْصَى بِأَنْ يُحَجَّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَالِهِ فَقَوْلُ مُحَمَّدٍ كَقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، وَتَمَامُهُ فِي جَامِعِ قَاضِي خَانْ وَالْفَتْحِ، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا هَلَكَ فِي يَدِ الْمَأْمُورِ، فَلَوْ فِي يَدِ الْوَصِيِّ بَعْدَمَا قَاسَمَ الْوَرَثَةَ يُحَجُّ عَنْهُ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ اتِّفَاقًا كَمَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة. (قَوْلُهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي تَرِكَةِ الْمَأْمُورِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لِوَرَثَةِ الْآمِرِ فِي تَرِكَةِ الْمَأْمُورِ بِمَا بَقِيَ مَعَهُ فَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ مَا بَقِيَ مَعَ الْمَأْمُورِ لَا يَمْلِكُهُ، بَلْ لَوْ أَتَمَّ الْحَجَّ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْفَاضِلِ كَمَا يَأْتِي، فَيُصَدَّقُ عَلَى هَذَا الْبَاقِي أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْآمِرِ فَيُحْسَبُ مِنْ الثُّلُثِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقُهُسْتَانِيُّ حَيْثُ قَالَ بِثُلُثِ الْبَاقِي مِمَّا فِي أَيْدِي الْوَرَثَةِ، وَالْمَأْمُورُ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُمْ بِمَا أَنْفَقَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ أَوْ بِمَا سُرِقَ مِنْهُ فَهُوَ لَا شُبْهَةَ فِيهِ حَيْثُ لَمْ يُخَالِفْ كَمَا مَرَّ فِيمَا لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِغَيْرِ صُنْعِهِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَا رُجُوعَ فِي تَرِكَتِهِ بِمَا يُدْفَعُ لِلْمَأْمُورِ الثَّانِي، فَهَذَا هُوَ الْمُتَبَادِرُ مِنْ قَوْلِهِمْ بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِهِ أَيْ مَالِ الْآمِرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مُرَادُ الشَّارِحِ نَبَّهَ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَوْ فَاتَهُ الْحَجُّ بِلَا صُنْعِهِ وَلَزِمَهُ الْقَضَاءُ يَكُونُ عَنْ نَفْسِهِ اتِّفَاقًا خِلَافًا لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ وَأَنَّهُ عَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ يَكُونُ الْقَضَاءُ عَنْ الْآمِرِ وَتَلْزَمُ الْمَأْمُورَ نَفَقَتُهُ، فَإِنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ الْمَأْمُورَ إذَا مَاتَ فِي الطَّرِيقِ تَرْجِعُ وَرَثَةُ الْآمِرِ عَلَى تَرِكَتِهِ بِنَفَقَةِ الَّذِي يَأْمُرُونَهُ بِالْحَجِّ عَنْ مُوَرِّثِهِمْ، وَهَذَا خِلَافُ مَا قَرَّرَهُ الْفُقَهَاءُ هُنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْخِلَافِيَّةِ، حَيْثُ جَعَلُوا الْإِحْجَاجَ ثَانِيًا بِثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ جَمِيعِ مَالِ الْآمِرِ أَوْ الْبَاقِي مِنْ الثُّلُثِ أَوْ بِالْبَاقِي مَعَ الْمَأْمُورِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّهُ يَكُونُ مِنْ مَالِ الْمَأْمُورِ، فَيُنَافِي مَا تَقَدَّمَ بَحْثًا عَنْ الْبَدَائِعِ وَالسِّرَاجِ وَالنَّهْرِ، فَلِلَّهِ دَرُّ هَذَا الشَّارِحِ مَا أَبْعَدَ مَرْمَاهُ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فِيمَا يُدْفَعُ ثَانِيًا، وَفِي الْمَحَلِّ الَّذِي يَجِبُ الْإِحْجَاجُ مِنْهُ ثَانِيًا فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَقَوْلُهُمَا اسْتِحْسَانٌ) يَعْنِي قَوْلَهُمَا فِي الْمَحَلِّ، أَمَّا فِيمَا يُدْفَعُ ثَانِيًا فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ الِاسْتِحْسَانَ. وَفِي الْفَتْحِ: قَوْلُ الْإِمَامِ فِي الْأَوَّلِ: أَيْ فِيمَا يُدْفَعُ ثَانِيًا أَوْجَهُ وَقَوْلُهُمَا هُنَا أَوْجَهُ، وَقَدَّمْنَا مَا يُفِيدُ تَرْجِيحَهُ أَيْضًا عَنْ الْعِنَايَةِ وَالْمِعْرَاجِ، لَكِنْ قَدَّمْنَا أَيْضًا أَنَّ الْمُتُونَ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَنَقَلَ تَصْحِيحَهُ الْعَلَّامَةُ قَاسِمٌ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي قَوْلِهِ وَإِلَّا فَيَصِيرُ مُخَالِفًا فَيَضْمَنُ ح (قَوْلُهُ لَا لِلتَّقْيِيدِ) لِأَنَّ الْحَجَّ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ السِّنِينَ، فَفِي أَيِّ سَنَةٍ حَصَلَ فِيهَا وَقَعَ عَنْهُ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى إيقَاعُهُ فِي السَّنَةِ الْمُعَيَّنَةِ خَوْفًا مِنْ ذَهَابِ النَّفَقَةِ أَوْ تَعَطُّلِ الْحَجِّ ط (قَوْلُهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهِ) أَيْ إلَى مَنْزِلِ الْآمِرِ الْمَذْكُورِ فِي الْمَتْنِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَلَوْ أَحَجَّ رَجُلًا فَحَجَّ ثُمَّ أَقَامَ بِمَكَّةَ جَازَ لِأَنَّ الْفَرْضَ صَارَ مُؤَدًّى وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَحُجَّ ثُمَّ يَعُودَ إلَى أَهْلِهِ اهـ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَعَلَيْهِ رَدُّ مَا فَضَلَ مِنْ النَّفَقَةِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَأْمُورَ لَا يَكُونُ مَالِكًا لِمَا أَخَذَهُ مِنْ النَّفَقَةِ، بَلْ يَتَصَرَّفُ فِيهِ عَلَى مِلْكِ الْآمِرِ حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا مُعَيَّنًا كَانَ الْقَدْرُ أَوْ لَا، وَلَا يَحِلُّ لَهُ الْفَضْلُ إلَّا بِالشَّرْطِ الْآتِي سَوَاءٌ كَانَ الْفَضْلُ كَثِيرًا أَوْ يَسِيرًا كَيَسِيرٍ مِنْ الزَّادِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الظَّهِيرِيَّةِ اهـ.

стр. 1269

وَإِنْ شَرَطَهُ لَهُ فَالشَّرْطُ بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ بِهِبَةِ الْفَضْلِ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ يُوصِي الْمَيِّتُ بِهِ لِمُعَيَّنٍ، وَلِوَارِثِهِ أَنْ يَسْتَرِدَّ الْمَالَ مِنْ الْمَأْمُورِ مَا لَمْ يُحْرِمْ وَكَذَا إنْ أَحْرَمَ وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ وَصِيُّهُ فَأَحْرَمَ ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ. وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَأْمُرَهُ بِالدَّفْعِ أَوْ يَكُونَ وَارِثًا وَلَمْ تُجِزْ الْبَقِيَّةُ. وَلَوْ قَالَ: مُنِعْتُ وَكَذَّبُوهُ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا ظَاهِرًا؛ وَلَوْ قَالَ حَجَجْتُ وَكَذَّبُوهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ إلَّا إذَا كَانَ مَدْيُونَ الْمَيِّتِ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ؛ وَلَا تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْبَلَدِ إلَّا إذَا بَرْهَنَّا عَلَى إقْرَارِهِ أَنَّهُ لَمْ يَحُجَّ. ــ [رد المحتار] قُلْت: وَهَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاسْتِئْجَارَ عَلَى الْحَجِّ لَا يَصِحُّ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ كَمَا قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فَافْهَمْ (قَوْلُهُ إلَّا أَنْ يُوَكِّلَهُ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَا فَضَلَ لِلْمَأْمُورِ يَقُولُ لَهُ وَكَّلْتُك أَنْ تَهَبَ الْفَضْلَ مِنْ نَفْسِك وَتَقْبِضَهُ لِنَفْسِك، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَوْتٍ قَالَ وَالْبَاقِي مِنِّي لَك وَصِيَّةً. اهـ. زَادَ فِي اللُّبَابِ: وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ الْآمِرُ رَجُلًا يَقُولُ لِلْوَصِيِّ أَعْطِ مَا بَقِيَ مِنْ النَّفَقَةِ مَنْ شِئْت، وَإِنْ أَطْلَقَ فَقَالَ وَمَا يَبْقَى مِنْ النَّفَقَةِ فَهُوَ لِلْمَأْمُورِ فَالْوَصِيَّةُ بَاطِلَةٌ. اهـ. أَيْ لِأَنَّهَا لِمَجْهُولٍ (قَوْلُهُ وَلِوَارِثِهِ إلَخْ) هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ إنْ وَفَّى بِهِ ثُلُثُهُ، لَكِنْ ذُكِرَتْ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَوْضِعَيْنِ مَعَ زِيَادَةٍ، لَمْ تُوجَدْ فِي الْآخَرِ فَفِي الْأَوَّلِ زَادَ الْوَصِيَّ، وَالتَّفْصِيلَ فِي نَفَقَةِ الرُّجُوعِ وَفِي هَذَا زَادَ قَوْلَهُ كَذَا إنْ أَحْرَمَ إلَخْ وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْظِمَهُمَا فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ ح (قَوْلُهُ وَكَذَا إنْ أَحْرَمَ وَقَدْ دَفَعَ إلَيْهِ لِيَحُجَّ عَنْهُ وَصِيُّهُ إلَخْ) هَذَا التَّرْكِيبُ فَاسِدُ الْمَعْنَى. وَوُجِدَ فِي نُسْخَةٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ بِلَا وَصِيَّةٍ وَهِيَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ الْمَحْجُوجَ عَنْهُ إذَا لَمْ يُوصِ بِالْحَجِّ وَلَكِنَّهُ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ لِيَحُجَّ عَنْهُ ثُمَّ مَاتَ الدَّافِعُ فَلِلْوَرَثَةِ اسْتِرْدَادُ الْمَالِ الْبَاقِي مِنْ الرَّجُلِ، وَإِنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ. قَالَ فِي النَّهْرِ: وَقَيَّدْنَا بِكَوْنِ الْآمِرِ أَوْصَى بِالْحَجِّ عَنْهُ لِمَا فِي الْمُحِيطِ: لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَحُجَّ بِهِ عَنْهُ فَأَهَلَّ بِحَجَّةٍ ثُمَّ مَاتَ الْآمِرُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَأْخُذُوا مَا بَقِيَ مِنْ الْمَالِ مَعَهُ وَيُضَمِّنُونَهُ مَا أَنْفَقَ بَعْدَ مَوْتِهِ لِأَنَّ نَفَقَةَ الْحَجِّ كَنَفَقَةِ ذَوِي الْأَرْحَامِ تَبْطُلُ بِالْمَوْتِ اهـ (قَوْلُهُ وَلِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ إلَخْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ: وَلَا يَجُوزُ الِاسْتِئْجَارُ عَلَى الطَّاعَاتِ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا لَوْ أَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ كَانَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَحُجَّ عَنْهُ بِنَفْسِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا، أَوْ دَفَعَهُ لِوَارِثٍ لِيَحُجَّ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ تُجِيزَ الْوَرَثَةُ وَهُمْ كِبَارٌ، لِأَنَّ هَذَا كَالتَّبَرُّعِ بِالْمَالِ فَلَا يَصِحُّ لِلْوَارِثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْبَاقِينَ؛ وَلَوْ قَالَ الْمَيِّتُ لِلْوَصِيِّ ادْفَعْ الْمَالَ لِمَنْ يَحُجُّ عَنِّي لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَحُجَّ بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا. اهـ. (قَوْلُهُ وَلَوْ قَالَ مُنِعْتُ) أَيْ عَنْ الْحَجِّ وَكَذَّبُوهُ أَيْ الْوَرَثَةُ لَمْ يُصَدَّقْ وَيَضْمَنُ مَا أَنْفَقَهُ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمْرًا ظَاهِرًا يَشْهَدُ عَلَى صِدْقِهِ. لِأَنَّ سَبَبَ الضَّمَانِ قَدْ ظَهَرَ فَلَا يُصَدَّقُ فِي دَفْعِهِ إلَّا بِظَاهِرٍ يَدُلُّ عَلَى صِدْقِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ صُدِّقَ بِيَمِينِهِ) لِأَنَّهُ يَدَّعِي الْخُرُوجَ عَنْ عُهْدَةِ مَا هُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ إلَّا إلَخْ) أَيْ فَإِنَّهُ لَا يُصَدَّقُ إلَّا بِبَيِّنَةِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي قَضَاءَ الدَّيْنِ هَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْكُتُبِ وَعَلَيْهِ الْمُعَوَّلُ خِلَافًا لِمَا فِي خِزَانَةِ الْأَكْمَلِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَقَدْ أُمِرَ بِالْإِنْفَاقِ) أَيْ مِمَّا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ ط (قَوْلُهُ وَلَا تُقْبَلُ إلَخْ) لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى النَّفْيِ بَحْرٌ: أَيْ لِأَنَّ مَقْصُودَهُمْ نَفْيُ حَجِّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَةُ شَهَادَتِهِمْ إثْبَاتًا ح (قَوْلُهُ إلَّا إذَا بَرْهَنَّا إلَخْ) لِأَنَّ إقْرَارَهُ وَهُوَ تَلَفُّظُهُ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ إثْبَاتٌ ح، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَرْهَنُوا بِصِيغَةِ الْجَمْعِ: أَيْ الْوَرَثَةِ، وَهِيَ أَوْلَى. [تَتِمَّةٌ] فِي الْمُحِيطِ عَنْ الْمُنْتَقِي: أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَلْفٍ وَلِلْمَسَاكِينِ بِأَلْفٍ وَلِحَجَّةِ الْإِسْلَامِ بِأَلْفٍ وَالثُّلُثُ أَلْفَانِ يُقَسَّمُ الثُّلُثُ بَيْنَهُمْ أَثْلَاثًا ثُمَّ تُضَافُ حِصَّةُ الْمَسَاكِينِ إلَى الْحَجَّةِ، فَمَا فَضَلَ عَنْ الْحَجَّةِ فَلِلْمَسَاكِينِ لِأَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالْفَرْضِ أَهَمُّ؛ وَلَوْ عَلَيْهِ حَجَّةٌ وَزَكَاةٌ وَأَوْصَى لِإِنْسَانٍ يَتَحَاصُّونَ فِي الثُّلُثِ ثُمَّ يُنْظَرُ إلَى الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ فَيُبْدَأُ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمُوصِي؛ وَلَوْ فَرِيضَةٌ وَنَذْرٌ بُدِئَ بِالْفَرِيضَةِ، وَلَوْ تَطَوُّعٌ وَنَذْرٌ بُدِئَ بِالنَّذْرِ، وَلَوْ كُلُّهَا تَطَوُّعَاتٌ أَوْ فَرَائِضُ أَوْ وَاجِبَاتٌ بُدِئَ بِمَا بَدَأَ بِهِ الْمَيِّتُ. اهـ.

стр. 1270

بَابُ الْهَدْيِ (هُوَ) فِي اللُّغَةِ وَالشَّرْعِ (مَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ) مِنْ النَّعَمِ (لِيُتَقَرَّبَ بِهِ) فِيهِ (أَدْنَاهُ شَاةٌ، وَهُوَ إبِلٌ) ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ (وَبَقَرٌ) ابْنُ سَنَتَيْنِ (وَغَنَمٌ) ابْنُ سَنَةٍ (وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ) بَلْ يُنْدَبُ فِي دَمِ الشُّكْرِ (وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا جَازَ فِي الضَّحَايَا) كَمَا سَيَجِيءُ، ــ [رد المحتار] وَتَوْضِيحُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ سَيَأْتِي فِي الْوَصَايَا فَاحْفَظْهَا فَإِنَّهَا مُهِمَّةٌ كَثِيرَةُ الْوُقُوعِ، وَبَقِيَ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنْ هَذَا الْبَابِ تُعْلَمُ مِنْ الْفَتْحِ وَاللُّبَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الْهَدْيِ] ِ لَمَّا دَارَ ذِكْرُ الْهَدْيِ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمَسَائِلِ نُسُكًا وَجَزَاءً اُحْتِيجَ إلَى بَيَانِهِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ابْنُ كَمَالٍ، وَيُقَالُ فِيهِ هَدِيٌّ بِالتَّشْدِيدِ عَلَى فَعِيلٍ الْوَاحِدُ هَدِيَّةٌ كَمَطِيَّةٍ وَمَطِيٍّ وَمَطَايَا مُغْرِبٌ (قَوْلُهُ مَا يُهْدَى) مَأْخُوذٌ مِنْ الْهَدِيَّةِ الَّتِي هِيَ أَعَمُّ مِنْ الْهُدَى لَا مِنْ الْهَدْيِ، وَإِلَّا لَزِمَ ذِكْرُ الْمُعَرَّفِ فِي التَّعْرِيفِ، فَيَلْزَمُ تَعْرِيفُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ ح. قُلْت: لَوْ أُخِذَ مِنْ الْهَدْيِ يَكُونُ تَعْرِيفًا لَفْظِيًّا وَهُوَ سَائِغٌ ط. وَاحْتَرَزَ بِقَوْلِهِ إلَى الْحَرَمِ عَمَّا يُهْدَى إلَى غَيْرِهِ نَعَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَبِقَوْلِهِ مِنْ النَّعَمِ عَمَّا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ مِنْ غَيْرِ النَّعَمِ، فَإِطْلَاقُ الْفُقَهَاءِ فِي بَابِ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ وَالْهَدْيِ عَلَى غَيْرِهِ مَجَازٌ بَحْرٌ، وَبِقَوْلِهِ لِيُتَقَرَّبَ بِهِ أَيْ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فِيهِ: أَيْ فِي الْحَرَمِ عَمَّا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ هَدِيَّةً لِرَجُلٍ. وَأَفَادَ بِهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ أَيْ وَلَوْ دَلَالَةً. فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ: الْوَاحِدُ مِنْ النَّعَمِ يَكُونُ هَدْيًا بِجَعْلِهِ صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً، وَهِيَ إمَّا بِالنِّيَّةِ أَوْ بِسَوْقِ بَدَنَةٍ إلَى مَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ نِيَّةَ الْهَدْيِ ثَابِتَةٌ عُرْفًا لِأَنَّ سَوْقَ الْبَدَنَةِ إلَى مَكَّةَ فِي الْعُرْفِ يَكُونُ لِلْهَدْيِ لَا لِلرُّكُوبِ وَالتِّجَارَةِ، قَالَ: وَأَرَادَ السَّوْقَ بَعْدَ التَّقْلِيدِ لَا مُجَرَّدَ السَّوْقِ (قَوْلُهُ أَدْنَاهُ شَاةٌ) أَيْ وَأَعْلَاهُ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ، وَفِي حُكْمِ الْأَدْنَى سُبْعُ بَدَنَةٍ شَرْحُ اللُّبَابِ. وَأَفَادَ بِبَيَانِ الْأَدْنَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ وَلَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ شَاةٌ لِأَنَّهَا الْأَقَلُّ، وَإِنْ عَيَّنَ شَيْئًا لَزِمَهُ؛ وَلَوْ أَهْدَى قِيمَتَهَا جَازَ فِي رِوَايَةٍ، وَفِي أُخْرَى لَا وَهِيَ الْأَرْجَحُ، وَلَا كَلَامَ فِيمَا لَوْ كَانَ مِمَّا لَا يُرَاقُ دَمُهُ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ، فَلَوْ عَقَارًا تَصَدَّقَ بِقِيمَتِهِ فِي الْحَرَمِ أَوْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ مَجَازٌ عَنْ التَّصَدُّقِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ وَاللُّبَابِ (قَوْلُهُ ابْنُ خَمْسِ سِنِينَ إلَخْ) بَيَانٌ لِأَدْنَى السِّنِّ الْجَائِزِ فِي الْهَدْيِ وَهُوَ الثَّنِيُّ، وَهُوَ مِنْ الْإِبِلِ مَا لَهُ خَمْسٌ سِنِينَ وَطَعَنَ فِي السَّادِسَةِ، وَمِنْ الْبَقَرِ مَا طَعَنَ فِي الثَّالِثَةِ، وَمِنْ الْغَنَمِ مَا طَعَنَ فِي الثَّانِيَةِ لَكِنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الْغَنَمِ لَا يَجُوزُ. قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَلَا يُجَوِّزُونَ الثَّنِيَّ إلَّا الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ وَهُوَ مَا أَتَى عَلَيْهِ أَكْثَرُ السَّنَةِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ عَظِيمًا وَتَفْسِيرُهُ أَنَّهُ لَوْ خُلِطَ بِالثَّنَايَا اشْتَبَهَ عَلَى النَّاظِرِ أَنَّهُ مِنْهَا اهـ (قَوْلُهُ وَلَا يَجِبُ تَعْرِيفُهُ) أَيْ الذَّهَابُ بِهِ إلَى عَرَفَاتٍ أَوْ تَشْهِيرُهُ بِالتَّقْلِيدِ ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ بَلْ يُنْدَبُ) أَيْ التَّعْرِيفُ بِمَعْنَيَيْهِ ح، لَكِنَّ الشَّاةَ لَا يُنْدَبُ تَقْلِيدُهَا. وَفِي اللُّبَابِ: وَيُسَنُّ تَقْلِيدُ بُدْنِ الشُّكْرِ دُونَ بُدْنِ الْجَبْرِ، وَحَسُنَ الذَّهَابُ بِهَدْيِ الشُّكْرِ إلَى عَرَفَةَ. اهـ. فَعَبَّرَ فِي الْأَوَّلِ بِالْبُدْنِ لِيُخْرِجَ الشَّاةَ، وَفِي الثَّانِي بِالْهَدْيِ لِيُدْخِلَهَا فِيهِ. وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّ الْأَوَّلَ سُنَّةٌ وَالثَّانِيَ مَنْدُوبٌ، فَفِي كَلَامِ الشَّارِحِ إجْمَالٌ (قَوْلُهُ فِي دَمِ الشُّكْرِ) أَيْ الْقِرَانِ وَالتَّمَتُّعِ، وَكَذَا يُقَلَّدُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ وَالنَّذْرِ؛ وَلَوْ قُلِّدَ دَمُ الْإِحْصَارِ وَالْجِنَايَةِ جَازَ وَلَا بَأْسَ بِهِ كَمَا سَيَأْتِي (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ فِي الْهَدَايَا إلَّا مَا جَازَ فِي الضَّحَايَا) كَذَا عَبَّرَ فِي الْهِدَايَةِ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ قُرْبَةٌ تَعَلَّقَتْ بِإِرَاقَةِ الدَّمِ كَالْأُضْحِيَّةِ فَيَخْتَصَّانِ بِمَحَلٍّ وَاحِدٍ. اهـ. فَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ مُطَّرِدٌ مُنْعَكِسٌ فَيَجُوزُ هُنَا مَا يَجُوزُ ثَمَّةَ وَلَا يَجُوزُ هُنَا مَا لَا يَجُوزُ ثَمَّةَ.

стр. 1271

فَصَحَّ اشْتِرَاكُ سِتَّةٍ فِي بَدَنَةٍ شُرِيَتْ لِقُرْبَةٍ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا. (وَتَجُوزُ الشَّاةُ) فِي الْحَجِّ فِي كُلِّ شَيْءٍ (إلَّا فِي طَوَافِ الرُّكْنِ جُنُبًا) أَوْ حَائِضًا (وَوَطْءٍ بَعْدَ الْوُقُوفِ) قَبْلَ الْحَلْقِ كَمَا مَرَّ (وَيَجُوزُ أَكْلُهُ) بَلْ يُنْدَبُ كَالْأُضْحِيَّةِ (مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ) إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ (وَالْمُتْعَةَ وَالْقِرَانَ فَقَطْ) ــ [رد المحتار] وَلَا يَرِدُ عَلَى طَرْدِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ جَوَازِ إهْدَاءِ قِيمَةِ الْمَنْذُورِ فِي رِوَايَةٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْأُضْحِيَّةَ لِأَنَّ " مَا " وَاقِعَةٌ عَلَى الْحَيَوَانِ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ وَهُوَ إبِلٌ وَبَقَرٌ وَغَنَمٌ، وَلَوْ سُلِّمَ فَتِلْكَ الرِّوَايَةُ مَرْجُوحَةٌ عَلَى أَنَّ الْقِيمَةَ قَدْ تُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةَ كَمَا إذَا مَضَتْ أَيَّامُهَا وَلَمْ يُضَحِّ الْغَنِيُّ فَإِنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِقِيمَتِهَا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ فَصَحَّ اشْتِرَاكُ سِتَّةٍ) أَيْ لِأَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ فِي الضَّحَايَا فَيَجُوزُ هُنَا لِمَا عَلِمْته مِنْ الْقَاعِدَةِ، وَاشْتِرَاكُ افْتِعَالُ، مَصْدَرُ الرُّبَاعِيِّ الْمُتَعَدِّي كَالِاخْتِصَاصِ وَالِاكْتِسَابِ وَهُوَ مُضَافٌ إلَى مَفْعُولِهِ أَيْ اشْتِرَاكُ وَاحِدٍ سِتَّةٌ. قَالَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْأَصْلِ وَالْمَبْسُوطِ: فَإِنْ اشْتَرَى بَدَنَةً لِمُتْعَةٍ مَثَلًا ثُمَّ اشْتَرَكَ فِيهَا سِتَّةٌ بَعْدَ مَا أَوْجَبَهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً لَا يَسَعُهُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَهَا صَارَ الْكُلُّ وَاجِبًا بَعْضُهَا بِإِيجَابِ الشَّرْعِ وَبَعْضُهَا بِإِيجَابِهِ؛ فَإِنْ فَعَلَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ وَإِنْ نَوَى أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا سِتَّةً أَجْزَأَتْهُ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْكُلَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرَاءِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَلَكِنْ لَمْ يُوجِبْهَا حَتَّى شَرَكَ السِّتَّةَ جَازَ: وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الشِّرَاءِ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ أَحَدِهِمْ بِأَمْرِ الْبَاقِينَ حَتَّى تَثْبُتَ الشَّرِكَةُ فِي الِابْتِدَاءِ. اهـ. وَقَوْلُهُ لِأَنَّهُ مَا أَوْجَبَ الْكُلَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرَاءِ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى إيجَابِهَا لِنَفْسِهِ أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ أَوْ يَنْوِيَ بَعْدَهُ الْقُرْبَةَ، وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ أَيْ بِتَعْيِينِ النِّيَّةِ وَتَخْصِيصِهَا لَهُ. إذَا عَرَفْتَ ذَلِكَ فَالصُّوَرُ سِتَّةٌ: إمَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا لِنَفْسِهِ خَاصَّةً، أَوْ يَشْتَرِيَهَا بِلَا نِيَّةٍ ثُمَّ يُعَيِّنَهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ يَشْتَرِيَهَا بِلَا نِيَّةٍ وَلَمْ يُعَيِّنْهَا لِنَفْسِهِ، أَوْ يَشْتَرِيَهَا بِنِيَّةِ الشَّرِكَةِ أَوْ يَشْتَرِيَهَا مَعَ سِتَّةٍ، أَوْ يَشْتَرِيَهَا وَحْدَهُ بِأَمْرِهِمْ، فَقَوْلُ الشَّارِحِ شُرِيَتْ لِقُرْبَةٍ لَا يَصْلُحُ عَلَى إطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِمَا عَدَا الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا التَّفْصِيلُ مَحْمُولًا عَلَى الْفَقِيرِ لِأَنَّ الْغَنِيَّ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ بِالشِّرَاءِ بِدَلِيلِ مَا ذَكَرَهُ فِي أُضْحِيَّةِ الْبَدَائِعِ عَنْ الْأَصْلِ، مِنْ أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بَقَرَةً لِيُضَحِّيَ بِهَا عَنْ نَفْسِهِ فَأَشْرَكَ فِيهَا يُجْزِئُهُمْ وَالْأَحْسَنُ فِعْلُ ذَلِكَ قَبْلَ الشِّرَاءِ قَالَ: وَهَذَا: أَيْ قَوْلُهُ يُجْزِئُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَنِيِّ لِأَنَّهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ، أَمَّا الْفَقِيرُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرِكَ فِيهَا لِأَنَّهُ أَوْجَبَهَا عَلَى نَفْسِهِ بِالشِّرَاءِ لِلْأُضْحِيَّةِ فَتَعَيَّنَتْ اهـ. لَكِنْ سَوَّى فِي الْخَانِيَّةِ فِي مَسْأَلَةِ الْأُضْحِيَّةَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا) فِي الْفَتْحِ عَنْ الْأَصْلِ وَالْمَبْسُوطِ: كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَنَاسِكِ جَازَ أَنْ يُشَارِكَ سِتَّةَ نَفَرٍ قَدْ وَجَبَتْ الدِّمَاءُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْنَاسُهَا مِنْ دَمِ مُتْعَةٍ وَإِحْصَارٍ وَجَزَاءِ صَيْدٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ الْكُلُّ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ. اهـ. وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي الْبَحْرِ هُنَا، وَبِهِ يَظْهَرُ مَا فِي قَوْلِ الْبَحْرِ فِي الْقِرَانِ وَالْجِنَايَاتِ أَنَّ الِاشْتِرَاكَ لَا يَكْفِي فِي الْجِنَايَاتِ بِخِلَافِ دَمِ الشُّكْرِ وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ أَوَّلَ بَابِ الْجِنَايَاتِ (قَوْلُهُ فِي الْحَجِّ) أَيْ فِي كُلِّ دَمٍ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْحَجِّ كَدَمِ الشُّكْرِ وَالْجِنَايَةِ وَالْإِحْصَارِ وَالنَّفَلِ. قَالَ فِي النَّهْرِ: فَلَا يَرِدُ أَنَّ مَنْ نَذَرَ بَدَنَةً أَوْ جَزُورًا لَا تُجْزِئُهُ الشَّاةُ (قَوْلُهُ إلَّا إلَخْ) أَيْ فَتَجِبُ فِيهِمَا بَدَنَةٌ وَلَا ثَالِثَ لَهُمَا فِي الْحَجِّ لُبَابٌ. قَالَ شَارِحُهُ: وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ إذَا مَاتَ بَعْدَ الْوُقُوفِ وَأَوْصَى بِإِتْمَامِ الْحَجِّ تَجِبُ الْبَدَنَةُ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَجَازَ حَجُّهُ، وَكَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ تَجِبُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ثُمَّ قَوْلُهُ فِي الْحَجِّ احْتِرَازٌ عَنْ الْعُمْرَةِ حَيْثُ لَا تَجِبُ الْبَدَنَةُ بِالْجِمَاعِ قَبْلَ أَدَاءِ رُكْنِهَا مِنْ طَوَافِ الْعُمْرَةِ وَلَا أَدَاءُ طَوَافِهَا بِالْجَنَابَةِ أَوْ الْحَيْضِ أَوْ النِّفَاسِ اهـ (قَوْلُهُ قَبْلَ الْحَلْقِ) أَمَّا بَعْدَهُ فَفِي وُجُوبِهَا خِلَافٌ وَالرَّاجِحُ وُجُوبُ الشَّاةِ ط عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ كَمَا مَرَّ) أَيْ فِي الْجِنَايَاتِ ح (قَوْلُهُ كَالْأُضْحِيَّةِ) أَشَارَ بِهِ إلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالثُّلُثِ وَيُطْعِمَ الْأَغْنِيَاءَ الثُّلُثَ وَيَأْكُلَ وَيَدَّخِرَ الثُّلُثَ ح عَنْ الْبَحْرِ (قَوْلُهُ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ) قَيَّدَ بِهِ لِمَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّ حِلَّ الِانْتِفَاعِ بِهِ لِغَيْرِ الْفُقَرَاءِ مُقَيَّدٌ بِبُلُوغِهِ مَحَلَّهُ؛ وَأَفَادَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا

стр. 1272

وَلَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِهَا ضَمِنَ مَا أَكَلَ (وَيَتَعَيَّنُ يَوْمُ النَّحْرِ) أَيْ وَقْتُهُ وَهُوَ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ (لِذَبْحِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ) فَقَطْ، فَلَمْ يُجْزِ قَبْلَهُ بَلْ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ دَمٌ (وَ) يَتَعَيَّنُ (الْحَرَمُ) لَا مِنًى (لِلْكُلِّ لَا لِفَقِيرِهِ) لَكِنَّهُ أَفْضَلُ (وَيَتَصَدَّقُ بِجِلَالِهِ وَخِطَامِهِ) أَيْ زِمَامِهِ (وَلَمْ يُعْطَ أَجْرُ الْجَزَّارِ) أَيْ الذَّابِحِ (مِنْهُ) فَإِنْ أَعْطَاهُ ضَمِنَهُ، أَمَّا لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ جَازَ ــ [رد المحتار] الْقَيْدِ لِأَنَّهُ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَرَمَ لَيْسَ بِهَدْيٍ فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ لِيُحْتَاجَ إلَى إخْرَاجِهِ. قَالَ: وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَالْقُرْبَةُ فِيهِ بِالْإِرَاقَةِ وَقَدْ حَصَلَتْ فَالْأَكْلُ بَعْدَ حُصُولِهَا، وَإِذَا لَمْ يَبْلُغْ فَهِيَ بِالتَّصَدُّقِ وَالْأَكْلُ يُنَافِيهِ اهـ. وَنَظَرَ فِيهِ فِي النَّهْرِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَ النَّظَرِ، وَلَعَلَّ وَجْهَهُ مَنْعُ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَرَمَ، لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى - ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥]- يَدُلُّ عَلَى تَسْمِيَتِهِ هَدْيًا قَبْلَ بُلُوغِهِ، سَوَاءٌ قُدِّرَ بَالِغَ، صِفَةً أَوْ حَالًا مُقَدَّرَةً وَلِأَنَّ الْمُتَوَقِّفَ عَلَى بُلُوغِهِ الْحَرَمَ جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْهُ وَإِطْعَامُ الْغَنِيِّ دُونَ كَوْنِهِ هَدْيًا، وَلِذَا لَا يَرْكَبُهُ فِي الطَّرِيقِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَلَا يَحْلُبُهُ؛ وَلَوْ عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ قَبْلَهُ نَحَرَهُ وَضَرَبَ صَفْحَةَ سَنَامِهِ بِدَمِهِ لَيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ لِلْفُقَرَاءِ فَلَا يَأْكُلُهُ غَنِيٌّ كَمَا يَأْتِي فَافْهَمْ (قَوْلُهُ وَلَوْ أَكَلَ مِنْ غَيْرِهَا) أَيْ غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مِنْ بَقِيَّةِ الْهَدَايَا كَدِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ كُلِّهَا وَالنُّذُورِ وَهَدْيِ الْإِحْصَارِ وَالتَّطَوُّعِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ الْحَرَمَ، وَكَذَا لَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا، أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ ضَمِنَ مَا أَكَلَ) أَيْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ. وَفِي اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ: فَلَوْ اسْتَهْلَكَهُ بِنَفْسِهِ بِأَنْ بَاعَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ، بِأَنْ وَهَبَهُ لِغَنِيٍّ أَوْ أَتْلَفَهُ وَضَيَّعَهُ لَمْ يَجُزْ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ أَيْ ضَمَانُ قِيمَتِهِ لِلْفُقَرَاءِ إنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ التَّصَدُّقُ بِهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِهِ فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا. اهـ. وَفِيهِ كَلَامٌ يُعْلَمُ مِنْ الْبَحْرِ وَمِمَّا عَلَّقْنَاهُ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ أَيْ وَقْتُهُ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْيَوْمِ مُطْلَقُ الْوَقْتِ فَيَعُمُّ أَوْقَاتَ النَّحْرِ أَوْ هُوَ مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ ط (قَوْلُهُ فَقَطْ) أَيْ لَا يَتَعَيَّنُ غَيْرُهُمَا فِيهَا، وَمِنْهُ هَدْيُ التَّطَوُّعِ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ هُوَ الصَّحِيحُ وَإِنْ كَانَ ذَبْحُهُ يَوْمَ النَّحْرِ أَفْضَلَ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ خِلَافًا لِلْقُدُورِيِّ بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَلَمْ يُجْزِ) أَيْ بِالْإِجْمَاعِ وَهُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ الْإِجْزَاءِ (قَوْلُهُ بَلْ بَعْدَهُ) أَيْ بَلْ يُجْزِئُهُ بَعْدَهُ: أَيْ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ: أَيْ أَيَّامَهُ إلَّا أَنَّهُ تَارِكٌ لِلْوَاجِبِ عِنْدَ الْإِمَامِ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ لِلتَّأْخِيرِ؛ أَمَّا عِنْدَهُمَا فَعَدَمُ التَّأْخِيرِ سُنَّةٌ، حَتَّى لَوْ ذَبَحَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (قَوْلُهُ لَا مِنًى) أَيْ بَلْ يُسَنُّ لِمَا فِي الْمَبْسُوطِ مِنْ أَنَّ السُّنَّةَ فِي الْهَدَايَا أَيَّامَ النَّحْرِ مِنًى وَفِي غَيْرِ أَيَّامِ النَّحْرِ فَمَكَّةُ هِيَ الْأَوْلَى شَرْحُ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ لِلْكُلِّ) بَيَانٌ لِكَوْنِ الْهَدْيِ مُؤَقَّتًا بِالْمَكَانِ سَوَاءٌ كَانَ دَمَ شُكْرٍ أَوْ جِنَايَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى مِنْ النَّعَمِ إلَى الْحَرَمِ وَدَخَلَ فِيهِ الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ، بِخِلَافِ الْبَدَنَةِ الْمَنْذُورَةِ فَلَا تَتَقَيَّدُ بِالْحَرَمِ عِنْدَهُمَا. وَقَاسَهَا أَبُو يُوسُفَ عَلَى الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ (قَوْلُهُ لَا لِفَقِيرِهِ) الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفٌ تَعَلَّقَ بِهِ الْمَجْرُورُ وَالتَّقْدِيرُ لَا التَّصَدُّقُ لِفَقِيرِهِ وَاللَّامُ بِمَعْنَى عَلَى، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ ح الصَّوَابُ لَا فَقِيرُهُ بِالرَّفْعِ عَطْفًا عَلَى الْحَرَمِ ط (قَوْلُهُ فَإِنْ أَعْطَاهُ ضَمِنَهُ) أَيْ إنْ أَعْطَاهُ بِلَا شَرْطٍ، أَمَّا لَوْ شَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ كَمَا فِي اللُّبَابِ. قَالَ شَارِحُهُ: وَتَوْضِيحُ مَا قَالَهُ الطَّرَابُلُسِيُّ أَنَّهُ إذَا شَرَطَ إعْطَاءَهُ مِنْهُ يَبْقَى شَرِيكًا لَهُ فِيهِ فَلَا يَجُوزُ الْكُلُّ لِقَصْدِهِ اللَّحْمَ. اهـ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ صَيْرُورَتَهُ شَرِيكًا فَرْعُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ وَسَيَأْتِي فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ لِآخَرَ غَزْلًا لِيَنْسِجَهُ لَهُ بِنِصْفِهِ أَوْ اسْتَأْجَرَ بَغْلًا لِيَحْمِلَ طَعَامَهُ بِبَعْضِهِ أَوْ ثَوْرًا لِيَطْحَنَ بُرَّهُ بِبَعْضِ دَقِيقِهِ فَسَدَتْ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ بِجُزْءٍ مِنْ عَمَلِهِ، وَحَيْثُ فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ مِنْ الدَّرَاهِمِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَيْضًا، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَجِبَ لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ دَرَاهِمَ، وَلَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ اللَّحْمِ فَلَمْ يَصِرْ شَرِيكًا فِيهِ فَلْيُتَأَمَّلْ.

стр. 1273

(وَلَا يَرْكَبُهُ) مُطْلَقًا (بِلَا ضَرُورَةٍ) فَإِنْ اُضْطُرَّ إلَى الرُّكُوبِ ضَمِنَ مَا نَقَصَ بِرُكُوبِهِ وَحَمْلِ مَتَاعِهِ وَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ. فَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ غَنِيًّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ مَبْسُوطٌ. وَلَا يَحْلِبُهُ (وَيَنْضَحُ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ) لَوْ الْمَذْبَحُ قَرِيبًا وَإِلَّا حَلَبَهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ (أَوْ يُقِيمُ بَدَلَ هَدْيٍ وَجَبَ أَوْ عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ بِمَا يَمْنَعُ) الْأُضْحِيَّةَ (وَصَنَعَ بِالْمَعِيبِ مَا شَاءَ، وَلَوْ) كَانَ الْمَعِيبُ (تَطَوُّعًا نَحَرَهُ وَصَبَغَ قِلَادَتَهُ) بِدَمِهِ (وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَةَ سَنَامِهِ) لِيُعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ لِلْفُقَرَاءِ وَلَا يَطْعَمُ (وَلَا يُطْعِمُ مِنْهُ غَنِيًّا) لِعَدَمِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهِ ــ [رد المحتار] ثُمَّ رَأَيْت فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مَا نَصُّهُ: وَالْبِضْعَةُ الَّتِي جُعِلَتْ أُجْرَةً بِمَنْزِلَةِ قَفِيزِ الطَّحَّانِ لِأَنَّهَا مِنْ مَنَافِعِ عَمَلِهِ فَلَا تَكُونُ أُجْرَةً. اهـ. ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ عَلَيْهِ مِنْهَا جَازَ، ولَوْ أَعْطَاهُ شَيْئًا بِجِزَارَتِهِ ضَمِنَهُ. فَعُلِمَ أَنَّ كَلَامَهُ الْأَوَّلَ فِيمَا لَوْ شَرَطَ الْأُجْرَةَ مِنْهَا وَالْأَخِيرُ فِيمَا لَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلَا يَرْكَبُهُ مُطْلَقًا) أَيْ سَوَاءٌ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ مِنْهُ أَوْ لَا نَهْرٌ، قَالَ وَصَرَّحَ فِي الْمُحِيطِ بِحُرْمَتِهِ (قَوْلُهُ شُرُنْبُلَالِيَّةٌ) نَقَلَ ذَلِكَ فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الْجَوْهَرَةِ وَالْبُرْجُنْدِيِّ وَالْهِدَايَةِ وَكَافِي النَّسَفِيِّ وَكَافِي الْحَاكِمِ، وَمِثْلُهُ فِي اللُّبَابِ. فَمَا فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ مِنْ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ أَنَّهَا إنْ نَقَصَتْ بِرُكُوبِهِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ مُخَالِفٌ لِصَرِيحِ الْمَنْقُولِ (قَوْلُهُ فَإِنْ أَطْعَمَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا ضَمِنَهُ مِنْ النَّقْصِ، وَقَوْلُهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَصِحُّ عَلَى غَنِيٍّ. وَعِبَارَةُ الْبَحْرِ: لَوْ رَكِبَهَا أَوْ حَمَلَ عَلَيْهَا فَنَقَصَتْ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا نَقَصَ وَيَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ الْأَغْنِيَاءِ لِأَنَّ جَوَازَ الِانْتِفَاعِ بِهَا لِلْأَغْنِيَاءِ مُعَلَّقٌ بِبُلُوغِ الْمَحَلِّ (قَوْلُهُ وَيَنْضَحُ) أَيْ بِرَشٍّ بِفَتْحِ الضَّادِ وَكَسْرِهَا بَحْرٌ، وَفَائِدَتُهُ قَطْعُ اللَّبَنِ (قَوْلُهُ لَوْ الْمَذْبَحُ قَرِيبًا) مَفْعَلُ بِمَعْنَى الزَّمَانِ: أَيْ زَمَانِ الذَّبْحِ، لِقَوْلِهِمْ: هَذَا إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الذَّبْحِ ح وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ: لَوْ الذَّبْحُ بِدُونِ مِيمٍ، وَهَذَا أَوْلَى لِيَشْمَلَ. مَا قَرُبَ وَقْتُهُ وَمَكَانُهُ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يَدْخُلْ وَقْتُهُ وَهُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَقَدْ يَكُونُ فِي خَارِجِهِ وَدَخَلَ وَقْتُهُ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ كُلٌّ مِنْ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ فِي الْمَصْدَرِ الْمِيمِيِّ لِأَنَّ الْمُشْتَرَكَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَيَيْهِ، أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ وَتَصَدَّقَ بِهِ) أَيْ عَلَى الْفُقَرَاءِ، فَإِنْ صَرَفَهُ لِنَفْسِهِ أَوْ اسْتَهْلَكَهُ أَوْ دَفَعَهُ لِغَنِيٍّ ضَمِنَ قِيمَتَهُ أَيْ فَيَتَصَدَّقُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ شَرْحُ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَيُقِيمُ إلَخْ) لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِذِمَّتِهِ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُوسِرًا أَمَّا إذَا كَانَ مُعْسِرًا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ الْمَعِيبُ لِأَنَّ الْمُعْسِرَ لَمْ يَتَعَلَّقْ الْإِيجَابُ بِذِمَّتِهِ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَا عَيَّنَهُ سِرَاجٌ (قَوْلُهُ وَاجِبٌ) هَلْ يَدْخُلُ فِيهِ هُنَا مَا لَوْ نَذَرَ شَاةً مُعَيَّنَةً فَهَلَكَتْ فَيَلْزَمُهُ غَيْرُهَا أَوْ لَا لِكَوْنِ الْوَاجِبَةِ فِي الْعَيْنِ لَا فِي الذِّمَّةِ بَحْرٌ. وَالظَّاهِرُ الثَّانِي كَمَا يُفِيدُهُ مَا نَقَلْنَاهُ عَنْ السِّرَاجِ وَمَا نَنْقُلُهُ عَنْهُ قَرِيبًا (قَوْلُهُ عَطِبَ أَوْ تَعَيَّبَ) أَيْ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى مَحَلِّهِ مِنْ الْحَرَمِ أَوْ زَمَانِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ شَرْحُ اللُّبَابِ وَالْعَطَبُ الْهَلَاكُ وَبَابُهُ عَلِمَ. (قَوْلُهُ بِمَا يَمْنَعُ الْأُضْحِيَّةَ) كَالْعَرَجِ وَالْعَمَى ط عَنْ الْقُهُسْتَانِيِّ (قَوْلُهُ مَا شَاءَ) أَيْ مِنْ بَيْعٍ وَنَحْوِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ كَانَ الْمَعِيبُ) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مَا عَطِبَ لَا يُمْكِنُ ذَبْحُهُ وَلَمَّا فَرَضَ الْمَسْأَلَةَ فِي الْهِدَايَةِ فِي الْمَعْطُوبِ قَالَ فِي الْفَتْحِ الْمُرَادُ بِالْعَطَبِ الْأَوَّلِ حَقِيقَتُهُ وبِالثَّانِي الْقُرْبُ مِنْهُ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ وَهَذَا أَوْلَى لِأَنَّ مَا قَرُبَ مِنْ الْعَطَبِ لَا يُمْكِنُ وُصُولُهُ إلَى الْحَرَمِ فَيَنْحَرُهُ فِي الطَّرِيقِ، بِخِلَافِ الْمَعِيبِ الَّذِي لَمْ يَصِلْ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ فَإِنَّهُ إذَا أَمْكَنَ سَوْقُهُ لَا دَاعِي لِنَحْرِهِ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ بَلْ يَذْبَحُهُ فِيهِ، فَفِي التَّعْبِيرِ بِالْمَعِيبِ إبْهَامٌ (قَوْلُهُ نَحَرَهُ إلَخْ) أَيْ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَعَلِّقًا بِذِمَّتِهِ، كَمَنْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَأَشَارَ إلَى عَيْنِهَا فَتَلِفَتْ سَقَطَ الْوُجُوبُ وَلَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا سِرَاجٌ (قَوْلُهُ وَلَا يَطْعَمُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ بَابِ عَلِمَ أَيْ لَا يَأْكُلُ ح، فَإِنْ أَكَلَ أَوْ أَطْعَمَ غَنِيًّا ضَمِنَ لُبَابٌ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ بُلُوغِهِ مَحَلَّهُ) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِتَنَاوُلِهِ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحَلَّهُ، فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَحِلَّ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلًا إلَّا أَنَّ التَّصَدُّقَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ جُزُرًا لِلسِّبَاعِ. وَفِيهِ نَوْعُ تَقَرُّبٍ وَالتَّقَرُّبُ هُوَ

стр. 1274

(وَيُقَلِّدُ) نَدْبًا بَدَنَةَ (التَّطَوُّعِ) وَمِنْهُ النَّذْرُ (وَالْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَقَطْ) لِأَنَّ الِاشْتِهَارَ بِالْعِبَادَةِ أَلْيَقُ وَالسِّتْرُ بِغَيْرِهِمَا أَحَقُّ. (شَهِدُوا) بَعْدَ الْوُقُوفِ (بِوُقُوفِهِمْ بَعْدَ وَقْتِهِ لَا نَقْبَلُ) شَهَادَتَهُمْ وَالْوُقُوفُ صَحِيحٌ اسْتِحْسَانًا حَتَّى الشُّهُودُ لِلْحَرَجِ الشَّدِيدِ (وَقَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ وَقْتِهِ (قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ) لَيْلًا مَعَ أَكْثَرِهِمْ وَإِلَّا لَا (رَمَى فِي الْيَوْمِ الثَّانِي) ــ [رد المحتار] الْمَقْصُودُ (قَوْلُهُ بَدَنَةَ التَّطَوُّعِ) قَيَّدَ بِالْبَدَنَةِ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الشَّاةِ وَلَا تُقَلَّدُ عَادَةً بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَمِنْهُ النَّذْرُ) لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ بِإِيجَابِ الْعَبْدِ كَانَ تَطَوُّعًا أَيْ لَيْسَ بِإِيجَابِ الشَّارِعِ ابْتِدَاءً بَحْرٌ (قَوْلُهُ فَقَطْ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ دَمَ الْجِنَايَاتِ وَلَا دَمَ الْإِحْصَارِ لِأَنَّهُ جَابِرٌ فَيَلْحَقُ بِجِنْسِهَا كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، وَلَوْ قَلَّدَهُ لَا يَضُرُّ بَحْرٌ عَنْ الْمَبْسُوطِ. [فَرْعٌ] كُلُّ مَا يُقَلَّدُ يَخْرُجُ إلَى عَرَفَاتٍ، وَمَا لَا فَلَا، وَيُذْبَحُ فِي الْحَرَمِ؛ وَلَوْ تَرَكَ التَّعْرِيفَ بِمَا يُقَلَّدُ لَا بَأْسَ بِهِ سِرَاجٌ (قَوْلُهُ شَهِدُوا إلَخْ) بَيَانُهُ مَا فِي اللُّبَابِ إذَا الْتَبَسَ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ فَوَقَفُوا بَعْدَ إكْمَالِ ذِي الْقَعْدَةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ تَبَيَّنَ بِشَهَادَةٍ أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ فَوُقُوفُهُمْ صَحِيحٌ وَحَجُّهُمْ تَامٌّ، وَلَا تُقْبَلُ الشَّهَادَةُ. اهـ. (قَوْلُهُ حَتَّى الشُّهُودَ) أَيْ حَجُّهُمْ صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ النَّحْرِ؛ حَتَّى لَوْ وَقَفُوا عَلَى رُؤْيَتِهِمْ لَمْ يَجُزْ وُقُوفُهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الْوُقُوفَ مَعَ الْإِمَامِ، وَإِنْ لَمْ يُعِيدُوا فَقَدْ فَاتَهُمْ الْحَجُّ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُحِلُّوا بِالْعُمْرَةِ وَقَضَاءُ الْحَجِّ مِنْ قَابِلٍ كَمَا فِي اللُّبَابِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ لِلْحَرَجِ الشَّدِيدِ) بَيَانٌ لِوَجْهِ الِاسْتِحْسَانِ أَيْ لِأَنَّ فِيهِ بَلْوَى عَامَّةً لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ عَنْهُ وَالتَّدَارُكُ غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَفِي الْأَمْرِ بِالْإِعَادَةِ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ، بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لِأَنَّ التَّدَارُكَ مُمْكِنٌ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ هِدَايَةٌ (قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ شَهِدُوا بَعْدَ الْوُقُوفِ بِوُقُوفِهِمْ قَبْلَ وَقْتِهِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَقَوْلُهُ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا أَنَّ الْيَوْمَ الَّذِي وَقَفُوا فِيهِ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَلَا شَكَّ أَنَّ التَّدَارُكَ بِأَنْ يَقِفُوا يَوْمَ عَرَفَةَ مُمْكِنٌ كَمَا قَالَهُ ابْنُ كَمَالٍ. وَاعْتَرَضَ قَوْلَ الْهِدَايَةِ فِي الْجُمْلَةِ إلَخْ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ. قُلْت: لَكِنَّ اعْتِرَاضَهُ سَاقِطٌ لِأَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ بِأَنْ يَزُولَ الِاشْتِبَاهُ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُمْ إذَا شَهِدُوا يَوْمَ عَرَفَةَ وَزَالَ الِاشْتِبَاهُ بِشَهَادَتِهِمْ يُمْكِنُ تَدَارُكُ الْوُقُوفِ بِخِلَافِ مَا إذَا شَهِدُوا يَوْمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّدَارُكُ، فَلَمَّا أَمْكَنَ التَّدَارُكُ هُنَا فِي الْجُمْلَةِ أَيْ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ قُبِلَتْ الشَّهَادَةُ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّهُمْ وَقَفُوا بَعْدَ يَوْمِهِ فَإِنَّ التَّدَارُكَ غَيْرُ مُمْكِنٍ أَصْلًا فَلِذَا لَمْ تُقْبَلْ، وَمُقْتَضَى هَذَا الْفَرْقِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ أَنَّهُ إذَا شَهِدُوا بِالْوُقُوفِ قَبْلَ وَقْتِهِ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمْكَنَ التَّدَارُكُ فِي بَعْضِ صُوَرِهَا صَارَ لِقَبُولِهَا مَحَلٌّ فَقُبِلَتْ مُطْلَقًا، بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِالْوُقُوفِ بَعْدَ وَقْتِهِ فَإِنَّهُ حَيْثُ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ فِيهَا أَصْلًا لَمْ يَكُنْ لِقَبُولِهَا مَحَلٌّ. ثُمَّ رَأَيْت التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ لِقَاضِي خَانْ حَيْثُ قَالَ فِي تَوْجِيهِ الْقِيَاسِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى: وَلِهَذَا لَوْ تَبَيَّنَ أَنَّهُمْ وَقَفُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ لَا يُجْزِئُهُمْ إنْ لَمْ يَعْلَمُوا بِذَلِكَ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ. اهـ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْقِيَاسَ هُنَاكَ أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ وَلَا يَصِحُّ الْحَجُّ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ التَّدَارُكُ كَمَا فِي الْمَسْأَلَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِوُقُوفِهِمْ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ، فَهَذَا صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ. فَإِذَا عَلِمْت ذَلِكَ ظَهَرَ لَك أَنَّ قَوْلَ الْمُصَنِّفِ قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ غَيْرُ صَحِيحٍ بَلْ الشَّهَادَةُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَقْبُولَةٌ مُطْلَقًا، نَعَمْ ذَكَرُوا هَذَا التَّقْيِيدَ فِي مَسْأَلَةٍ ثَالِثَةٍ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَدْ بَقِيَ هُنَا مَسْأَلَةٌ ثَالِثَةٌ، وَهِيَ مَا إذَا شَهِدُوا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وَالنَّاسُ بِمِنًى أَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ يُنْظَرُ فَإِنْ أَمْكَنَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقِفَ مَعَ النَّاسِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ نَهَارًا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا لِلتَّمَكُّنِ مِنْ الْوُقُوفِ

стр. 1275

أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ (الْوُسْطَى وَالثَّالِثَةَ وَلَمْ يَرْمِ الْأُولَى؛ فَعِنْدَ الْقَضَاءِ إنْ رَمَى الْكُلَّ) بِالتَّرْتِيبِ (حَسَنٌ، وَإِنْ قَضَى الْأُولَى جَازَ) لِسُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ. (نَذَرَ) الْمُكَلَّفُ (حَجًّا مَاشِيًا مَشَى) مِنْ مَنْزِلِهِ وُجُوبًا فِي الْأَصَحِّ (حَتَّى يَطُوفَ الْفَرْضَ) لِانْتِهَاءِ الْأَرْكَانِ، وَلَوْ رَكِبَ فِي كُلِّهِ أَوْ أَكْثَرِهِ لَزِمَهُ دَمٌ، وَفِي أَقَلِّهِ بِحِسَابِهِ؛ وَلَوْ نَذَر الْمَشْيَ إلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (اشْتَرَى مُحْرِمَةً) وَلَوْ (بِالْإِذْنِ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا) بِلَا كَرَاهَةٍ لِعَدَمِ خُلْفِ وَعْدِهِ (بِقَصِّ شَعْرِهَا أَوْ بِقَلْمِ ظُفْرِهَا) أَوْ بِمَسِّ طَيِّبٍ (ثُمَّ يُجَامِعُ، وَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّحْلِيلِ بِجِمَاعٍ) وَكَذَا لَوْ نَكَحَ حُرَّةً مُحْرِمَةً بِنَفْلٍ بِخِلَافِ الْفَرْضِ إنْ لَهَا مَحْرَمٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُحْصَرَةٌ فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ. وَلَوْ أَذِنَ لِامْرَأَتِهِ بِنَفْلٍ لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ لِمِلْكِهَا مَنَافِعَهَا وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ، بِخِلَافِ الْأَمَةِ إلَّا إذَا أَذِنَ لِأَمَتِهِ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا. [فُرُوعٌ] حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ. ــ [رد المحتار] فَإِنْ لَمْ يَقِفُوا عَشِيَّةً فَاتَهُمْ الْحَجُّ، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَقِفَ مَعَهُمْ لَيْلًا لَا نَهَارًا فَكَذَلِكَ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَقِفَ لَيْلًا مَعَ أَكْثَرِهِمْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ وَيَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقِفُوا مِنْ الْغَدِ اسْتِحْسَانًا، وَالشُّهُودُ فِي هَذَا كَغَيْرِهِمْ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ: وَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْبَلَ فِي هَذَا شَهَادَةَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ اهـ. فَإِنْ قُلْت: فَهَلْ يُمْكِنُ حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَصْحِيحًا لِكَلَامِهِ. قُلْت: يُمْكِنُ بِتَكَلُّفٍ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُجْعَلَ قَوْلُهُ وَقَبْلَهُ ظَرْفًا لَشَهِدُوا لَا لِوُقُوفِهِمْ وَيُجْعَلَ الْمَشْهُودُ بِهِ مَحْذُوفًا، فَيَصِيرُ التَّقْدِيرُ: وَلَوْ شَهِدُوا قَبْلَ وُقُوفِهِمْ بِأَنَّ هَذَا الْيَوْمَ يَوْمُ عَرَفَةَ قُبِلَتْ إنْ أَمْكَنَ التَّدَارُكُ إلَخْ. وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى إمْكَانِ التَّدَارُكِ لَيْلًا لِأَنَّهُ عَلَى تَقْدِيرِ إمْكَانِهِ نَهَارًا يُفْهِمُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ بِالْأَوْلَى؛ فَافْهَمْ وَاغْتَنِمْ هَذَا التَّحْرِيرَ الْمُفْرَدَ. [تَتِمَّةٌ] قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَلَا عِبْرَةَ بِاخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ فَيَلْزَمُ بِرُؤْيَةِ أَهْلِ الْمَغْرِبِ أَهْلَ الْمَشْرِقِ؛ وَإِذَا ثَبَتَ فِي مِصْرٍ لَزِمَ سَائِرَ النَّاسِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَقِيلَ يُعْتَبَرُ فِي كُلِّ بَلَدٍ مَطْلَعُ بَلَدِهِمْ إذَا كَانَ بَيْنَهُمَا مَسَافَةٌ كَثِيرَةٌ وَقُدِّرَ الْكَثِيرُ بِالشَّهْرِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا تَمَامَ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الصَّوْمِ؛ وَقَدَّمْنَا هُنَاكَ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِهِمْ هُنَا اعْتِبَارُ اخْتِلَافِ الْمَطَالِعِ لِمَا عَلِمْته مِنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ تَأَمَّلْ (قَوْلُهُ أَوْ الثَّالِثِ أَوْ الرَّابِعِ) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْيَوْمَ الثَّانِيَ مِثَالٌ لِمَا يَتَكَرَّرُ فِيهِ الرَّمْيُ، فَهُوَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا رَمْيَ فِيهِ إلَّا جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (قَوْلُهُ حَسَنٌ) الْأَوْلَى فَحَسَنٌ بِالْفَاءِ: أَيْ هُوَ مَسْنُونٌ، لِقَوْلِهِ لِسُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ. ثُمَّ إنْ رَمَى فِي وَقْتِ الرَّمْيِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ أَخَّرَهُ إلَى الثَّانِي كَانَ عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ الْجَمْرَةِ الْوَاحِدَةِ سَبْعُ صَدَقَاتٍ لِأَنَّهَا أَقَلُّ رَمْيِ يَوْمِهَا، وَإِنْ أَخَّرَ الْكُلَّ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ حَصَاةً الَّتِي هِيَ أَكْثَرُ رَمْيِ الْيَوْمِ فَعَلَيْهِ دَمٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَلَا شَيْءَ بِالتَّأْخِيرِ عِنْدَهُمَا رَحْمَتِيٌّ فَافْهَمْ وَقَدَّمْنَا فِي بَحْثِ الرَّمْيِ أَنَّ رَمْيَ كُلِّ يَوْمٍ فِيهِ أَوْ فِي لَيْلَةٍ تَلِيهِ سِوَى الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَدَاءٌ، وَفِي الْيَوْمِ الَّذِي يَلِيهِ قَضَاءٌ فِيهِ الْجَزَاءُ، وَبِغُرُوبِ شَمْسِ الرَّابِعِ فَاتَ وَقْتُ الْأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَزِمَ الْجَزَاءُ (قَوْلُهُ لِسُنِّيَّةِ التَّرْتِيبِ) هُوَ الْمُخْتَارُ. وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ وَاجِبٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي بَحْثِ الرَّمْيِ (قَوْلُهُ وُجُوبًا) رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ مَشَى وَلِقَوْلِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْأَصَحِّ رَاجِعٌ لِلْوُجُوبِ فِيهِمَا، وَمُقَابِلُ الْأَوَّلِ رِوَايَةُ الْأَصْلِ: أَيْ الْمَبْسُوطِ لِمُحَمَّدٍ بِالتَّخْيِيرِ بَيْنَ الرُّكُوبِ وَالْمَشْيِ وَرِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الرُّكُوبَ أَفْضَلُ، وَمُقَابِلُ الثَّانِي الْقَوْلُ بِأَنَّ مَحَلَّ وُجُوبِ ابْتِدَاءِ الْمَشْيِ مِنْ الْمِيقَاتِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ مِنْ مَحَلٍّ يُحْرِمُ مِنْهُ لِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْحَجِّ الْإِحْرَامُ وَانْتِهَاءَهُ طَوَافُ الزِّيَارَةِ فَيَلْزَمُهُ بِقَدْرِ مَا الْتَزَمَ وَالْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ التَّصْحِيحُ الْأَوَّلُ، لِمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ أَنَّ بَغْدَادِيًّا قَالَ إنْ كَلَّمْتُ فُلَانًا فَعَلَيَّ أَنْ أَحُجَّ مَاشِيًا فَلَقِيَهُ بِالْكُوفَةِ فَكَلَّمَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْشِيَ مِنْ بَغْدَادَ، وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ وَالْبَحْرِ. [تَنْبِيهٌ] صَرِيحُ كَلَامِهِمْ هُنَا أَنَّ الْحَجَّ مَاشِيًا أَفْضَلُ مِنْهُ رَاكِبًا خِلَافًا لِمَا قَدَّمَهُ الشَّارِحُ أَوَّلَ كِتَابِ الْحَجِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ هُنَاكَ (قَوْلُهُ حَتَّى يَطُوفَ الْفَرْضَ) وَفِي النَّذْرِ بِالْعُمْرَةِ حَتَّى يَحْلِقَ لُبَابٌ. قَالَ شَارِحُهُ: وَقِيَاسُهُ فِي الْحَجِّ أَنْ يُقَيَّدَ بِحَلْقِهِ قَبْلَ الطَّوَافِ أَوْ بَعْدَهُ لِيَخْرُجَ عَنْ إحْرَامِهِ. اهـ. قُلْت: لَكِنَّ مُجَرَّدَ الطَّوَافِ فِي الْحَجِّ إحْلَالٌ عَنْ غَيْرِ النِّسَاءِ فَتَأَمَّلْ (قَوْلُهُ وَفِي أَقَلِّهِ بِحِسَابِهِ) أَيْ يَلْزَمُهُ التَّصَدُّقُ بِقَدْرِهِ مِنْ قِيمَةِ الشَّاةِ الْوَسَطِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِعَدَمِ الْعُرْفِ بِالْتِزَامِ النُّسُكِ بِهِ وَلِأَنَّ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ يَجُوزُ

стр. 1276

حَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ، ــ [رد المحتار] دُخُولُهُ بِلَا إحْرَامٍ فَلَمْ يَصِرْ بِهِ مُلْتَزِمًا لِلْإِحْرَامِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَغَيْرِهِ (قَوْلُهُ اشْتَرَى مُحْرِمَةً) وَكَذَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا مُحْرِمًا لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهُ بَحْرٌ (قَوْلُهُ وَلَوْ بِالْإِذْنِ) أَيْ وَلَوْ كَانَتْ مُحْرِمَةً بِإِذْنِ الْبَائِعِ (قَوْلُهُ لِعَدَمِ خُلْفِ وَعْدِهِ) أَيْ وَعْدِ الْمُشْتَرِي فَإِنَّهُ مَا وَعَدَهَا، بِخِلَافِ الْبَائِعِ لَوْ أَذِنَ لَهَا فَإِنَّهُ كَانَ يُكْرَهُ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ بِقَصِّ شَعْرِهَا إلَخْ) أَفَادَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ التَّحْلِيلُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتُكِ بَلْ بِفِعْلِهِ أَوْ بِفِعْلِهَا بِأَمْرِهِ كَالِامْتِشَاطِ بِأَمْرِهِ بَحْرٌ. قُلْت: وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَحْلِيلُهَا عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ، بَلْ تَخْرُجُ مِنْ الْإِحْرَامِ بِمُجَرَّدِ مَا هُوَ مِنْ الْمَحْظُورَاتِ. وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْإِحْرَامِ إلَّا بِالْأَفْعَالِ، وَيَلْزَمُهُ التَّحَلُّلُ بِهَا كَمَا تَوَهَّمَهُ الشُّرُنْبُلَالِيُّ فِي الْجِنَايَاتِ لِلْفَرْقِ الْوَاضِحِ بَيْنَ الْمَأْمُورِ بِالرَّفْضِ وَالْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجَّيْنِ لَزِمَهُ رَفْضُ أَحَدِهِمَا وَيَتَحَلَّلُ مِنْهُ بِالْحَلْقِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَفْعَالُهُ وَكَذَا الْمُحْصَرُ بِعَدُوٍّ أَوْ مَرَضٍ يَتَحَلَّلُ بِالْهَدْيِ فَكَذَا هُنَا فَإِنَّ الْأَمَةَ مَمْنُوعَةٌ عَنْ الْمُضِيِّ لِحَقِّ الْمَوْلَى وَمِثْلُهَا الزَّوْجَةُ، أَمَّا مَنْ فَسَدَ حَجُّهُ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْمُضِيِّ فِي فَاسِدِهِ كَمَا نَبَّهْنَا عَلَى ذَلِكَ فِي الْجِنَايَاتِ فَافْهَمْ. وَأَفَادَ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَتَوَقَّفُ تَحْلِيلُهُمَا عَلَى الْهَدْيِ وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِمَا بَعْدُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي اللُّبَابِ، فَعَلَيْهِمَا إرْسَالُ هَدْيٍ وَحَجٌّ وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ إحْرَامُهُمَا بِالْحَجِّ، وَعُمْرَةٌ إنْ كَانَ بِالْعُمْرَةِ وَذَلِكَ عَلَى الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلَ بَابِ الْإِحْصَارِ (قَوْلُهُ وَهُوَ أَوْلَى إلَخْ) لِأَنَّ الْجِمَاعَ أَعْظَمُ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ حَتَّى تَعَلَّقَ بِهِ الْفَسَادُ بَحْرٌ. وَذَكَرَ بَعْدَهُ أَنَّ جِمَاعَهَا تَحْلِيلٌ لَهَا إنْ عَلِمَ بِإِحْرَامِهَا وَإِلَّا فَلَا وَفَسَدَ حَجُّهَا (قَوْلُهُ وَكَذَا) أَيْ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا، وَلَا يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ إنْ لَهَا مَحْرَمٌ) فَإِنَّهَا اسْتَجْمَعَتْ حِينَئِذٍ شَرَائِطَ الْوُجُوبِ فَلَيْسَ لَهُ مَنْعُهَا ح (قَوْلُهُ وَإِلَّا) أَيْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ (قَوْلُهُ فَهِيَ مُحْصَرَةٌ) لِعَدَمِ الْمَحْرَمِ، فَلِلزَّوْجِ مَنْعُهَا لِعَدَمِ وُجُوبِ خُرُوجِهِ مَعَهَا فَكَانَتْ مُحْصَرَةً شَرْعًا (قَوْلُهُ فَلَا تَتَحَلَّلُ إلَّا بِالْهَدْيِ) أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَلِّلَهَا مِنْ سَاعَتِهِ كَمَا فِي حَجِّ النَّفْلِ، بَلْ يَتَأَخَّرُ تَحْلِيلُهُ إيَّاهَا إلَى ذَبْحِ الْهَدْيِ، وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْنِ وَعَزَاهُ فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ إلَى الْكَرْخِيِّ وَالْمَبْسُوطِ، وَعَزَا إلَى الْأَصْلِ أَنَّ لِلزَّوْجِ تَحْلِيلَهَا بِلَا هَدْيٍ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، فَعَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ لَا فَرْقَ بَيْنَ النَّفْلِ وَالْفَرْضِ (قَوْلُهُ وَكَذَا الْمُكَاتَبَةُ) لِأَنَّهَا حُرَّةٌ مِنْ وَجْهٍ ط (قَوْلُهُ بِخِلَافِ الْأَمَةِ) فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بَعْدَ الْإِذْنِ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَنَافِعَهَا وَهِيَ لَا تَمْلِكُ فَيَكُونُ الْأَمْرُ إلَيْهِ ط، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا أَذِنَ) اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ط (قَوْلُهُ فَلَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا) وَذَلِكَ لِأَنَّهَا فِي تَصَرُّفِ السَّيِّدِ بَعْدَ زَوَاجِهَا، فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَخْدِمَهَا وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْوِئَتُهَا ط. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ لَعَلَّ هَذَا إذَا لَمْ يُبَوِّئْهَا [فُرُوعٌ فِي الْحَجُّ] (قَوْلُهُ حَجُّ الْغَنِيِّ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ الْفَقِيرِ) لِأَنَّ الْفَقِيرَ يُؤَدِّي الْفَرْضَ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي ذَهَابِهِ وَفَضِيلَةُ الْفَرْضِ أَفْضَلُ مِنْ فَضِيلَةِ التَّطَوُّعِ ح عَنْ الْمِنَحِ. وَهَذَا إنَّمَا يَظْهَرُ فِي حَجِّ الْفَرْضِ كَمَا قَالَهُ ط وَفِيمَا إذَا أَحْرَمَا مِنْ الْمِيقَاتِ؛ أَمَّا لَوْ أَحْرَمَا مِنْ بَلَدِهِمَا فَقَدْ تَسَاوَيَا فِي وُجُوبِ الذَّهَابِ (قَوْلُهُ حَجُّ الْفَرْضِ أَوْلَى مِنْ طَاعَةِ الْوَالِدَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ لَكِنْ هَذَا إذَا لَمْ يَضِيعَا بِسَفَرِهِ لِمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْحَجِّ أَنَّهُ يُكْرَهُ بِلَا

стр. 1277

بِخِلَافِ النَّفْلِ. بِنَاءُ الرِّبَاطِ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّ النَّفْلِ. وَاخْتُلِفَ فِي الصَّدَقَةِ وَرَجَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَفْضَلِيَّةَ الْحَجِّ لِمَشَقَّتِهِ فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا، قَالَ: وَبِهِ أَفْتَى أَبُو حَنِيفَةَ حِينَ حَجَّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ. لِوَقْفَةِ الْجُمُعَةَ مَزِيَّةُ سَبْعِينَ حَجَّةٍ. وَيُغْفَرُ فِيهَا لِكُلِّ فَرْدٍ بِلَا وَاسِطَةٍ. ضَاقَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ يَدَعُ الصَّلَاةَ وَيَذْهَبُ لِعَرَفَةَ لِلْحَرَجِ. ــ [رد المحتار] إذْنٍ مِمَّنْ يَجِبُ اسْتِئْذَانُهُ أَيْ كَأَحَدِ الْأَبَوَيْنِ الْمُحْتَاجِ إلَى خِدْمَتِهِ، وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْأَجْدَادَ وَالْجَدَّاتِ كَالْأَبَوَيْنِ عِنْدَ فَقْدِهِمَا (قَوْلُهُ بِخِلَافِ النَّفْلِ) أَيْ فَإِنَّ طَاعَتَهُمَا أَوْلَى مِنْهُ مُطْلَقًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْبَحْرِ عَنْ الْمُلْتَقَطِ [مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ الْحَجِّ عَلَى الصَّدَقَةِ] ِ (قَوْلُهُ وَرَجَّحَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَفْضَلِيَّةَ الْحَجِّ) حَيْثُ قَالَ الصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْحَجِّ تَطَوُّعًا، كَذَا رُوِيَ عَنْ الْإِمَامِ لَكِنَّهُ لَمَّا حَجَّ وَعَرَفَ الْمَشَقَّةَ أَفْتَى بِأَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَوْ حَجَّ نَفْلًا وَأَنْفَقَ أَلْفًا فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهَذِهِ الْأَلْفِ عَلَى الْمَحَاوِيجِ فَهُوَ أَفْضَلُ لَا أَنْ يَكُونَ صَدَقَةً فَلَيْسَ أَفْضَلَ مِنْ إنْفَاقِ أَلْفٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْحَجِّ لَمَّا كَانَتْ عَائِدَةً إلَى الْمَالِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا فُضِّلَ فِي الْمُخْتَارِ عَلَى الصَّدَقَةِ. اهـ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: وَالْحَقُّ التَّفْصِيلُ، فَمَا كَانَتْ الْحَاجَةُ فِيهِ أَكْثَرَ وَالْمَنْفَعَةُ فِيهِ أَشْمَلَ فَهُوَ الْأَفْضَلُ كَمَا وَرَدَ «حَجَّةٌ أَفْضَلُ مِنْ عَشْرِ غَزَوَاتٍ» وَوَرَدَ عَكْسُهُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا كَانَ أَنْفَعَ، فَإِذَا كَانَ أَشْجَعَ وَأَنْفَعَ فِي الْحَرْبِ فَجِهَادُهُ أَفْضَلُ مِنْ حَجِّهِ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَحَجُّهُ أَفْضَلُ، وَكَذَا بِنَاءُ الرِّبَاطِ إنْ كَانَ مُحْتَاجًا إلَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ وَحَجِّ النَّفْلِ وَإِذَا كَانَ الْفَقِيرُ مُضْطَرًّا أَوْ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاحِ أَوْ مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ يَكُونُ إكْرَامُهُ أَفْضَلَ مِنْ حَجَّاتٍ وَعُمَرَ وَبِنَاءِ رُبُطٍ. كَمَا حَكَى فِي الْمُسَامَرَاتِ عَنْ رَجُلٍ أَرَادَ الْحَجَّ فَحَمَلَ أَلْفَ دِينَارٍ يَتَأَهَّبُ بِهَا فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فِي الطَّرِيقِ وَقَالَتْ لَهُ إنِّي مِنْ آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِي ضَرُورَةٌ فَأَفْرَغَ لَهَا مَا مَعَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ حُجَّاجُ بَلَدِهِ صَارَ كُلَّمَا لَقِيَ رَجُلًا مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك، فَتَعَجَّبَ مِنْ قَوْلِهِمْ، فَرَأَى النَّبِيَّ ﷺ فِي نَوْمِهِ وَقَالَ لَهُ: تَعَجَّبْت مِنْ قَوْلِهِمْ تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْك؟ قَالَ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ قَالَ: إنَّ اللَّهَ خَلَقَ مَلَكًا عَلَى صُورَتِك حَجَّ عَنْك؛ وَهُوَ يَحُجُّ عَنْك إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بِإِكْرَامِك لِامْرَأَةٍ مُضْطَرَّةٍ مِنْ آلِ بَيْتِي؛ فَانْظُرْ إلَى هَذَا الْإِكْرَامِ الَّذِي نَالَهُ لَمْ يَنَلْهُ بِحَجَّاتٍ وَلَا بِبِنَاءِ رُبُطٍ. [مَطْلَبٌ فِي فَضْلِ وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ] ِ (قَوْلُهُ لَوَقْفَةُ الْجُمُعَةِ إلَخْ) فِي الشُّرُنْبُلَالِيَّةِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ: «أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ إذَا وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةٍ فِي غَيْرِ جُمُعَةٍ» ؛ رَوَاهُ رَزِينُ بْنُ مُعَاوِيَةَ فِي تَجْرِيدِ الصِّحَاحِ اهـ لَكِنْ نَقَلَ الْمُنَاوِيُّ عَنْ بَعْضِ الْحُفَّاظِ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ. نَعَمْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ إذَا وَافَقَ يَوْمُ عَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ غُفِرَ لِكُلِّ أَهْلِ عَرَفَةَ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ يَوْمٍ فِي الدُّنْيَا؛ وَفِيهِ «حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ وَكَانَ وَاقِفًا إذْ نَزَلَ قَوْلُهُ - ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣]- فَقَالَ أَهْلُ الْكِتَابِ: لَوْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: عَلَيْنَا لَجَعَلْنَاهُ يَوْمَ عِيدٍ؛ فَقَالَ عُمَرُ ﵁: أَشْهَدُ لَقَدْ أُنْزِلَتْ فِي يَوْمِ عِيدَيْنِ اثْنَيْنِ: يَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ جُمُعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ» :. اهـ. (قَوْلُهُ بِلَا وَاسِطَةٍ) فِي الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ: فَإِنْ قِيلَ: قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ يُغْفَرُ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْوَقْفِ مُطْلَقًا فَمَا وَجْهُ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قِيلَ لِأَنَّهُ يَغْفِرُ

стр. 1278

هَلْ الْحَجُّ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ؟ قِيلَ نَعَمْ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ، وَقِيلَ غَيْرُ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْآدَمِيِّ كَذِمِّيٍّ أَسْلَمَ. وَقَالَ عِيَاضٌ: أَجْمَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ أَنَّ الْكَبَائِرَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ، وَلَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ وَلَوْ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى كَدَيْنِ صَلَاةٍ وَزَكَاةٍ، نَعَمْ إثْمُ الْمَطْلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا يَسْقُطُ، وَهَذَا مَعْنَى التَّكْفِيرِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَاجَهْ «أَنَّهُ ﵊ اُسْتُجِيبَ لَهُ حَتَّى فِي الدِّمَاءِ وَالْمَظَالِمِ» ــ [رد المحتار] يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَفِي غَيْرِهِ يَهَبُ قَوْمًا لِقَوْمِ، وَقِيلَ إنَّهُ يَغْفِرُ فِي وَقْفَةِ الْجُمُعَةِ لِلْحَاجِّ وَغَيْرِهِ وَفِي غَيْرِهِ لِلْحَاجِّ فَقَطْ. فَإِنْ قِيلَ: قَدْ يَكُونُ فِي الْمَوْقِفِ مَنْ لَا يُقْبَلُ حَجُّهُ فَكَيْفَ يَغْفِرُ لَهُ؟ قِيلَ يَحْتَمِلُ أَنْ تُغْفَرَ لَهُ الذُّنُوبُ وَلَا يُثَابُ ثَوَابَ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ، فَالْمَغْفِرَةُ غَيْرُ مُقَيَّدَةٍ بِالْقَبُولِ، وَاَلَّذِي يُوجِبُ هَذَا أَنَّ الْأَحَادِيثَ وَرَدَتْ بِالْمَغْفِرَةِ لِجَمِيعِ أَهْلِ الْمَوْقِفِ فَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا الْقَيْدِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. مَطْلَبٌ فِي الْحَجِّ الْأَكْبَرِ [تَتِمَّةٌ] قَالَ الْعَلَّامَةُ نُوحٌ فِي رِسَالَتِهِ الْمُصَنَّفَةِ فِي تَحْقِيقِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ: قِيلَ إنَّهُ الَّذِي حَجَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. وَقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَغَيْرُهُمْ، وَقِيلَ يَوْمُ النَّحْرِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيٌّ وَابْنُ أَبِي أَوْفَى وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَقِيلَ إنَّهُ أَيَّامُ مِنًى كُلُّهَا، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الْحَجُّ الْأَكْبَرُ الْقِرَانُ وَالْأَصْغَرُ الْإِفْرَادُ. وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ: الْأَكْبَرُ الْحَجُّ وَالْأَصْغَرُ الْعُمْرَةُ (قَوْلُهُ ضَاقَ وَقْتُ الْعِشَاءِ وَالْوُقُوفِ) بِأَنْ كَانَ لَوْ مَكَثَ لِيُصَلِّيَ الْعِشَاءَ فِي الطَّرِيقِ يَطْلُعُ الْفَجْرُ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَى عَرَفَةَ وَلَوْ ذَهَبَ وَوَقَفَ يَفُوتُ وَقْتُ الْعِشَاءِ (قَوْلُهُ يَدَعُ الصَّلَاةَ إلَخْ) مَشَى عَلَيْهِ فِي السِّرَاجِ وَاخْتَارَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَكْسَهُ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْوُقُوفِ لِعُذْرٍ مَعَ إمْكَانِ التَّدَارُكِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ جَائِزٌ، وَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ تَرْكُ فَرْضٍ حَاضِرٍ لِتَحْصِيلِ فَرْضٍ آخَرَ قَالَ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الْمُتَبَادِرُ مِنْ الْأَدِلَّةِ النَّقْلِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ، وَهُوَ مُخْتَارُ الرَّافِعِيِّ خِلَافًا لِلنَّوَوِيِّ مِنْ الْأَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ صَاحِبُ النُّخْبَةِ: يُصَلِّي مَاشِيًا مُومِيًا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَاهُ ثُمَّ يَقْضِيهِ احْتِيَاطًا، قَالَ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ وَجَمْعٌ مُسْتَحْسَنٌ. اهـ. . [مَطْلَبٌ فِي تَكْفِيرِ الْحَجِّ الْكَبَائِرَ] َ (قَوْلُهُ قِيلَ نَعَمْ إلَخْ) أَيْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ الْمَرْوِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ عَبَّاسِ بْنِ مِرْدَاسٍ أَنَّ أَبَاهُ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ دَعَا لِأُمَّتِهِ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَأُجِيبَ إنِّي قَدْ غَفَرْت لَهُمْ مَا خَلَا الْمَظَالِمَ فَإِنِّي آخُذُ لِلْمَظْلُومِ مِنْهُ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ إنْ شِئْت أَعْطَيْتَ الْمَظْلُومَ الْجَنَّةَ وَغَفَرْتَ لِلظَّالِمِ فَلَمْ يُجِبْ عَشِيَّةَ عَرَفَةَ فَلَمَّا أَصْبَحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ أَعَادَ الدُّعَاءَ فَأُجِيبَ إلَى مَا سَأَلَ» الْحَدِيثُ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إنَّ كِنَانَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُنْكَرَ الْحَدِيثِ وَكِلَاهُمَا سَاقِطُ الِاحْتِجَاجِ. وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هَذَا الْحَدِيثُ لَهُ شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ ذَكَرْنَاهَا فِي كِتَابِ الشُّعَبِ، فَإِنْ صَحَّ بِشَوَاهِدِهِ فَفِيهِ الْحُجَّةُ وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وَظُلْمُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا دُونَ الشِّرْكِ اهـ وَرَوَى ابْنُ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ وَضَمِنَ عَنْهُمْ التَّبَعَاتِ، فَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَلِمَنْ أَتَى مِنْ بَعْدِكُمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁ كَثُرَ خَيْرُ رَبِّنَا وَطَابَ» وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ، وَسَاقَ فِيهِ أَحَادِيثَ أُخَرَ.

стр. 1279

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [رد المحتار] وَالْحَاصِلُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ وَإِنْ ضُعِّفَ فَلَهُ شَوَاهِدُ تُصَحِّحُهُ وَالْآيَةُ أَيْضًا تُؤَيِّدُهُ، وَمِمَّا يَشْهَدُ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا «مَنْ حَجَّ وَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» وَحَدِيثُ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا «إنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا، وَإِنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ» " لَكِنْ ذَكَرَ الْأَكْمَلُ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَرْبِيَّ تَحْبَطُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ، حَتَّى لَوْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَأَحْرَزَهُ بِدَارِ الْحَرْبِ ثُمَّ أَسْلَمَ لَمْ يُؤَاخَذْ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْإِسْلَامُ كَافِيًا فِي تَحْصِيلِ مُرَادِهِ، وَلَكِنْ ذَكَرَ ﷺ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ تَأْكِيدًا فِي بِشَارَتِهِ وَتَرْغِيبًا فِي مُبَايَعَتِهِ فَإِنَّ الْهِجْرَةَ وَالْحَجَّ لَا يُكَفِّرَانِ الْمَظَالِمَ وَلَا يُقْطَعُ فِيهِمَا بِمَحْوِ الْكَبَائِرِ، وَإِنَّمَا يُكَفِّرَانِ الصَّغَائِرَ. وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ وَالْكَبَائِرُ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِ أَحَدٍ كَإِسْلَامِ الذِّمِّيِّ اهـ مُلَخَّصًا، وَكَذَا ذَكَرَ الْإِمَامُ الطِّيبِيِّ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ إنَّ الشَّارِحِينَ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ، وَهَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَمَشَى الطِّيبِيِّ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ الْكَبَائِرَ وَالْمَظَالِمَ، وَوَقَعَ مُنَازَعَةٌ غَرِيبَةٌ بَيْنَ أَمِيرِ بَادْشَاهْ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ حَيْثُ مَالَ إلَى قَوْلِ الطِّيبِيِّ وَبَيْنَ الشَّيْخِ ابْنِ حَجَرٍ الْمَكِّيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ مَالَ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَكَتَبْتُ رِسَالَةً فِي بَيَانِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ. اهـ. قُلْت: وَظَاهِرُ كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَيْلُ إلَى تَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، وَعَلَيْهِ مَشَى الْإِمَامُ وَالسَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِ السِّيَرِ الْكَبِيرِ وَقَاسَ عَلَيْهِ الشَّهِيدُ الصَّابِرُ الْمُحْتَسِبُ، وَعَزَاهُ أَيْضًا الْمُنَاوِيُّ إلَى الْقُرْطُبِيِّ فِي شَرْحِ حَدِيثِ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ» إلَخْ فَقَالَ: وَهُوَ يَشْمَلُ الْكَبَائِرَ وَالتَّبَعَاتِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقُرْطُبِيُّ. وَقَالَ عِيَاضٌ: هُوَ مَحْمُولٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَظَالِمِ عَلَى مَنْ تَابَ وَعَجَزَ عَنْ وَفَائِهَا. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَعَاصِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا الْعِبَادِ، وَلَا يَسْقُطُ الْحَقُّ نَفْسُهُ بَلْ مَنْ عَلَيْهِ صَلَاةٌ يَسْقُطُ عَنْهُ إثْمُ تَأْخِيرِهَا لَا نَفْسُهَا، فَلَوْ أَخَّرَهَا بَعْدُ تَجَدَّدَ إثْمٌ آخَرُ اهـ وَنَحْوُهُ فِي الْبَحْرِ، وَحَقَّقَ ذَلِكَ الْبُرْهَانُ اللَّقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْكَبِيرِ عَلَى جَوْهَرَةِ التَّوْحِيدِ بِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ» لَا يَتَنَاوَلُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى وَحُقُوقَ عِبَادِهِ لِأَنَّهَا فِي الذِّمَّةِ لَيْسَتْ ذَنْبًا وَإِنَّمَا الذَّنْبُ الْمَطْلُ فِيهَا، فَاَلَّذِي يَسْقُطُ إثْمُ مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى. اهـ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَأْخِيرُ الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ وَتَأْخِيرُ نَحْوِ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى، فَيَسْقُطُ إثْمُ التَّأْخِيرِ فَقَطْ عَمَّا مَضَى دُونَ الْأَصْلِ وَدُونَ التَّأْخِيرِ الْمُسْتَقْبَلِ. قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَيْسَ مَعْنَى التَّكْفِيرِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ الدَّيْنَ يَسْقُطُ عَنْهُ، وَكَذَا قَضَاءُ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالزَّكَاةِ إذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِذَلِكَ. اهـ. وَبِهَذَا ظَهَرَ أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ لِاقْتِضَائِهِ كَمَا قَالَ ح سُقُوطَ نَفْسِ الْحَقِّ وَلَا قَائِلَ بِهِ كَمَا عَلِمْتَهُ بَلْ هَذَا الْحُكْمُ يَخُصُّ الْحَرْبِيَّ كَمَا مَرَّ عَنْ الْأَكْمَلِ. قُلْتُ: قَدْ يُقَالُ بِسُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ إذَا مَاتَ قَبْلَ الْمَقْدِرَةِ عَلَى أَدَائِهِ سَوَاءٌ كَانَ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ حَقَّ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ فِي تَرِكَتِهِ مَا يَفِي بِهِ لِأَنَّهُ إذَا سَقَطَ إثْمُ التَّأْخِيرِ وَلَمْ يَتَحَقَّقْ مِنْهُ إثْمٌ بَعْدَهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ سُقُوطِ نَفْسِ الْحَقِّ، أَمَّا حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا حَقُّ الْعَبْدِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يُرْضِي خَصْمَهُ عَنْهُ كَمَا مَرَّ فِي الْحَدِيثِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مُرَادُ الْقَائِلِينَ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمْ يَبْقَ لِلْقَوْلِ بِتَكْفِيرِهَا مَحَلٌّ، عَلَى أَنَّ نَفْسَ مَطْلِ الدَّيْنِ حَقُّ عَبْدٍ أَيْضًا لِأَنَّ فِيهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ عَنْهُ، فَحَيْثُ قَالُوا بِسُقُوطِهِ فَلْيَسْقُطْ نَفْسُ الدَّيْنِ أَيْضًا عِنْدَ الْعَجْزِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ عِيَاضٍ، لَكِنَّ تَقْيِيدَ عِيَاضٍ بِالتَّوْبَةِ وَالْعَجْزِ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّوْبَةَ مُكَفِّرَةٌ بِنَفْسِهَا وَهِيَ إنَّمَا تُسْقِطُ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَا حَقَّ

стр. 1280

ضَعِيفٌ. يُنْدَبُ دُخُولُ الْبَيْتِ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى إيذَاءِ نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ، وَمَا يَقُولُهُ الْعَوَامُّ مِنْ الْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَالْمِسْمَارِ الَّذِي فِي وَسَطِهِ أَنَّهُ سُرَّةُ الدُّنْيَا لَا أَصْلَ لَهُ. وَلَا يَجُوزُ شِرَاءُ الْكِسْوَةِ مِنْ بَنِي شَيْبَةَ بَلْ مِنْ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ. وَلَوْ لَبِسَهَا وَلَوْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا. ــ [رد المحتار] الْعَبْدِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُ الْمُسْقِطِ هُوَ الْحَجَّ كَمَا اقْتَضَتْهُ الْأَحَادِيثُ الْمَارَّةُ؛ أَمَّا أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِسُقُوطِ الدَّيْنِ فَنَقُولُ: نَعَمْ ذَلِكَ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْحَجِّ. وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الشَّارِحَيْنِ الْمَارُّ. وَحِينَئِذٍ صَحَّ قَوْلُ الشَّارِحِ كَحَرْبِيٍّ أَسْلَمَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ فَافْهَمْ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ تَجْوِيزَهُمْ تَكْفِيرَ الْكَبَائِرِ بِالْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ مُنَافٍ لِنَقْلِ عِيَاضٍ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَكْفِيرِ الْمَظَالِمِ أَيْضًا، بَلْ الْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ إثْمِ الْمَطْلِ وَتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ يُنَافِيهِ لِأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَقَدْ كَفَّرَهَا الْحَجُّ بِلَا تَوْبَةٍ. وَكَذَا يُنَافِيهِ عُمُومُ قَوْله تَعَالَى - ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]- وَهُوَ اعْتِقَادُ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ كُلِّهَا سِوَى الْكُفْرِ فَإِنَّهُ قَدْ يُعْفَى عَنْهُ بِشَفَاعَةٍ أَوْ بِمَحْضِ الْفَضْلِ. وَالْحَاصِلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ ظَنِّيَّةٌ فَلَا يُقْطَعُ بِتَكْفِيرِ الْحَجِّ لِلْكَبَائِرِ مِنْ حُقُوقِهِ تَعَالَى فَضْلًا عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (قَوْلُهُ ضَعِيفٌ) أَيْ بِكِنَانَةَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فَإِنَّهُمَا سَاقِطَا الِاحْتِجَاجِ كَمَا مَرَّ لَا بِأَبِيهِ الْعَبَّاسِ بْن مِرْدَاسٍ كَمَا وَقَعَ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّهُ صَحَابِيٌّ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ عُدُولٌ كَمَا بُيِّنَ فِي مَحَلِّهِ فَافْهَمْ. [مَطْلَبٌ فِي دُخُولِ الْبَيْتِ] ِ (قَوْلُهُ يُنْدَبُ دُخُولُ الْبَيْتِ) وَيَنْبَغِي أَنْ يَقْصِدَ مُصَلَّاهُ ﷺ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا دَخَلَهُ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ. ثُمَّ يُصَلِّي يَتَوَخَّى مُصَلَّى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَيْسَتْ الْبَلَاطَةُ الْخَضْرَاءُ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ مُصَلَّاهُ ﵊ هـ، فَإِذَا صَلَّى إلَى الْجِدَارِ الْمَذْكُورِ يَضَعُ خَدَّهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَغْفِرُ وَيَحْمَدُ ثُمَّ يَأْتِي الْأَرْكَانَ فَيَحْمَدُ وَيُهَلِّلُ وَيُسَبِّحُ وَيُكَبِّرُ وَيَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى مَا شَاءَ وَيَلْزَمُ الْأَدَبَ مَا اسْتَطَاعَ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ فَتْحٌ (قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ إلَخْ) وَمِثْلُهُ فِيمَا يَظْهَرُ دَفْعُ الرِّشْوَةِ عَلَى دُخُولِهِ لِقَوْلِهِ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَيَحْرُمُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ مِمَّنْ يَدْخُلُ الْبَيْتَ أَوْ يَقْصِدُ زِيَارَةَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ ﵇ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ وَأَئِمَّةِ الْأَنَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. اهـ. وَقَدْ صَرَّحُوا بِأَنَّ مَا حَرُمَ أَخْذُهُ حَرُمَ دَفْعُهُ إلَّا لِضَرُورَةٍ هُنَا لِأَنَّ دُخُولَ الْبَيْتِ لَيْسَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ [مَطْلَبٌ فِي اسْتِعْمَالِ كِسْوَةِ الْكَعْبَةِ] ِ (قَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ إلَخْ) قِيلَ ذَكَرَ الْمُرْشِدِيُّ فِي تَذْكِرَتِهِ مَا نَصُّهُ: قَالَ الْعَلَّامَةُ قُطْبُ الدِّينِ الْحَنَفِيُّ: وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الْكِسْوَةَ إنْ كَانَتْ مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَأَمْرُهَا رَاجِعٌ إلَيْهِ يُعْطِيهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْ الشَّيْبِيِّينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَوْقَافِ السَّلَاطِينِ وَغَيْرِهِمْ فَأَمْرُهَا رَاجِعٌ إلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فِيهَا فَهِيَ لِمَنْ عَيَّنَهَا لَهُ. وَإِنْ جُهِلَ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِيهَا عُمِلَ فِيهَا بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَوَائِدُ السَّالِفَةُ كَمَا هُوَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَوْقَافِ، وَكِسْوَةُ الْكَعْبَةِ الشَّرِيفَةِ الْآنَ مِنْ أَوْقَافِ السَّلَاطِينِ وَلَمْ يُعْلَمْ شَرْطُ الْوَاقِفِ فِيهَا، وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ بَنِي شَيْبَةَ أَنَّهُمْ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ الْكِسْوَةَ الْعَتِيقَةَ بَعْدَ وُصُولِ الْكِسْوَةِ الْجَدِيدَةِ فَيَبْقُونَ عَلَى عَادَتِهِمْ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (قَوْلُهُ وَلَهُ لُبْسُهَا) أَيْ لِلشَّارِي إنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ كَانَ

стр. 1281

لَا يُقْتَلُ فِي الْحَرَمِ إلَّا إذَا قَتَلَ فِيهِ، وَلَوْ قَتَلَ فِي الْبَيْتِ لَا يُقْتَلُ فِيهِ. يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ لَا الِاغْتِسَالُ. ــ [رد المحتار] رَجُلًا وَكَانَتْ الْكِسْوَةُ مِنْ غَيْرِ الْحَرِيرِ كَمَا فِي شَرْحِ اللُّبَابِ، وَنَقَلَ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ عَنْ الْمَنْسَكِ الْكَبِيرِ لِلسِّنْدِيِّ تَقْيِيدَ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا كِتَابَةٌ لَا سِيَّمَا كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ [مَطْلَبٌ فِيمَنْ جَنَى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ ثُمَّ الْتَجَأَ إلَيْهِ] ِ (قَوْلُهُ إلَّا إذَا قَتَلَ فِيهِ) وَإِلَّا الْمُرْتَدُّ فَإِنَّهُ يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ، فَإِنْ أَسْلَمَ سَلِمَ وَإِلَّا قُتِلَ كَذَا فِي شَرْحِ الشَّيْخِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْمُنْتَقَى، لَكِنَّ عِبَارَةَ اللُّبَابِ هَكَذَا: مَنْ جَنَى فِي غَيْرِ الْحَرَمِ، بِأَنْ قَتَلَ أَوْ ارْتَدَّ أَوْ زَنَى أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ ثُمَّ لَاذَ إلَيْهِ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ مَا دَامَ فِي الْحَرَمِ، وَلَكِنْ لَا يُبَايَعُ وَلَا يُؤَاكَلُ وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُؤْوَى إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ فَيُقْتَصَّ مِنْهُ وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ، وَمَنْ دَخَلَ الْحَرَمَ مُقَاتِلًا قُتِلَ فِيهِ. اهـ. وَكَذَا سَيَأْتِي فِي الْمَتْنِ قُبَيْلَ بَابِ الْقَوَدِ مِنْ الْجِنَايَاتِ. مُبَاحُ الدَّمِ الْتَجَأَ إلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقْتَلْ فِيهِ وَلَمْ يُخْرَجْ عَنْهُ لِلْقَتْلِ إلَخْ زَادَ الشَّارِحُ هُنَاكَ: وَأَمَّا فِيمَا دُونَ النَّفْسِ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْحَرَمِ إجْمَاعًا. اهـ. وَنَقَلَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ عَنْ النُّتَفِ مِثْلَ مَا مَرَّ عَنْ الْمُنْتَقَى مِنْ التَّفْصِيلِ وَقَالَ إنَّهُ مُخَالِفٌ بِظَاهِرِهِ لِإِطْلَاقِهِمْ. ثُمَّ أَجَابَ بِتَقْيِيدِ إطْلَاقِهِمْ عَدَمَ قَتْلِهِ بِمَا إذَا لَمْ يَحْصُلْ إعْرَاضٌ وَإِبَاءٌ لِأَنَّ إبَاءَهُ عَنْ الْإِسْلَامِ جِنَايَةٌ فِي الْحَرَمِ، وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ الْخَانِيَّةِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي الْحَرَمِ خِلَافًا لَهُمَا. اهـ. قُلْت: وَتَمَامُ عِبَارَةِ الْخَانِيَّةِ: وَإِنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِ، فَأَفَادَ كَلَامُ الْخَانِيَّةِ وَكَلَامُ اللُّبَابِ الْمَارُّ أَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ فِي الْحَرَمِ عَلَى مَنْ جَنَى خَارِجَهُ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ، بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ، وَعَلَى هَذَا فَيُفَرَّقُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ بَيْنَ إقَامَةِ الْحَدِّ وَبَيْنَ الْقِصَاصِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْحَدَّ فِيهِ لَا يُقَامُ فِي الْحَرَمِ إلَّا إذَا كَانَتْ الْجِنَايَةُ فِيهِ بِخِلَافِ الْقِصَاصِ، وَلَعَلَّ وَجْهَ الْفَرْقِ مَا صَرَّحُوا بِهِ مِنْ أَنَّ الْأَطْرَافَ يُسْلَكُ بِهَا مَسْلَكَ الْأَمْوَالِ. وَمَنْ جَنَى عَلَى الْمَالِ إذَا لَجَأَ إلَى الْحَرَمِ يُؤْخَذُ مِنْهُ لِأَنَّهُ حَقُّ الْعَبْدِ فَكَذَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْأَطْرَافِ، بِخِلَافِ الْحَدِّ لِأَنَّهُ حَقُّ الرَّبِّ تَعَالَى وَبِخِلَافِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلَةِ الْمَالِ. وَأَمَّا مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «مِنْ قَطْعِهِ ﷺ عَامَ الْفَتْحِ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ بِمَكَّةَ» " فَلَا يُنَافِي مَا قُلْنَاهُ إلَّا إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا سَرَقَتْ خَارِجَ الْحَرَمِ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (قَوْلُهُ لَا يُقْتَلُ فِيهِ) لِأَنَّ فِيهِ تَقْدِيرَ الْبَيْتِ الشَّرِيفِ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِتَطْهِيرِهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْمَسَاجِدِ لِأَنَّهُ يَجِبُ تَطْهِيرُهُ عَنْ الْأَقْذَارِ رَحْمَتِيٌّ. قُلْت: إنْ كَانَتْ هَذِهِ هِيَ الْعِلَّةُ فَهِيَ شَامِلَةٌ لِكُلِّ مَسْجِدٍ. [مَطْلَبٌ فِي الِاسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ] مَطْلَبٌ فِي كَرَاهِيَةِ الِاسْتِنْجَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ (قَوْلُهُ يُكْرَهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِمَاءِ زَمْزَمَ) وَكَذَا إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مِنْ ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ، حَتَّى ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمَ ذَلِكَ. وَيُسْتَحَبُّ حَمْلُهُ إلَى الْبِلَادِ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ «عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُهُ وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَحْمِلُهُ» وَفِي غَيْرِ التِّرْمِذِيِّ «أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُهُ، وَكَانَ يَصُبُّهُ عَلَى الْمَرْضَى وَيَسْقِيهِمْ. وَأَنَّهُ حَنَّكَ بِهِ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ﵄» " مِنْ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ.

стр. 1282

لَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا وَمَكَّةُ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى الرَّاجِحِ إلَّا مَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ ﵊ فَإِنَّهُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا حَتَّى مِنْ الْكَعْبَةِ وَالْعَرْشِ وَالْكُرْسِيِّ. وَزِيَارَةُ قَبْرِهِ مَنْدُوبَةٌ، بَلْ قِيلَ وَاجِبَةٌ لِمَنْ لَهُ سَعَةٌ. ــ [رد المحتار] تَنْبِيهٌ] لَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِ التُّرَابِ وَالْأَحْجَارِ الَّتِي فِي الْحَرَمِ، وَكَذَا قِيلَ عَنْ تُرَابِ الْبَيْتِ الْمُعَظَّمِ إذَا كَانَ قَدْرًا يَسِيرًا لِلتَّبَرُّكِ بِهِ بِحَيْثُ لَا تَفُوتُ بِهِ عِمَارَةُ الْمَكَانِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ. وَصَوَّبَ ابْنُ وَهْبَانَ الْمَنْعَ عَنْ تُرَابِ الْبَيْتِ لِئَلَّا يَتَسَلَّطَ عَلَيْهِ الْجُهَّالُ فَيُفْضِي إلَى خَرَابِ الْبَيْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الْقَلِيلَ مِنْ الْكَثِيرِ كَثِيرٌ كَذَا فِي مُعِينِ الْمُفْتِي لِلْمُصَنِّفِ [حرم الْمَدِينَة وَمَكَّة] (قَوْلُهُ لَا حَرَمَ لِلْمَدِينَةِ عِنْدَنَا) أَيْ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. قَالَ فِي الْكَافِي: لِأَنَّا عَرَفْنَا حِلَّ الِاصْطِيَادِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ، فَلَا يَحْرُمُ إلَّا بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ وَلَمْ يُوجَدْ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَمَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ وَأَكْثَرُ مَنْ لَقِينَا مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ: لَا جَزَاءَ عَلَى قَاتِلِ صَيْدِهِ وَلَا عَلَى قَاطِعِ شَجَرِهِ. وَأَوْجَبَ الْجَزَاءَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ الْمَالِكِيِّ، وَهُوَ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ، وَتَمَامُهُ فِي الْمِعْرَاجِ (قَوْلُهُ عَلَى الرَّاجِحِ) يُوهِمُ أَنَّ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ، وَلَمْ أَرَهُ. مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ مَكَّةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَفِي آخِرِ اللُّبَابِ وَشَرْحِهِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ الْبِلَادِ مَكَّةُ وَالْمَدِينَةُ زَادَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى شَرَفًا وَتَعْظِيمًا. وَاخْتَلَفُوا أَيُّهُمَا أَفْضَلُ، فَقِيلَ مَكَّةُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ الْمَدِينَةُ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، قِيلَ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ. وَلَعَلَّ هَذَا مَخْصُوصٌ بِحَيَاتِهِ ﷺ أَوْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ مَكَّةَ، وَقِيلَ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا. وَهُوَ قَوْلٌ مَجْهُولٌ لَا مَنْقُولٌ وَلَا مَعْقُولٌ. مَطْلَبٌ فِي تَفْضِيلِ قَبْرِهِ الْمُكَرَّمِ ﷺ . (قَوْلُهُ إلَّا إلَخْ) قَالَ فِي اللُّبَابِ: وَالْخِلَافُ فِيمَا عَدَا مَوْضِعَ الْقَبْرِ الْمُقَدَّسِ، فَمَا ضَمَّ أَعْضَاءَهُ الشَّرِيفَةَ فَهُوَ أَفْضَلُ بِقَاعِ الْأَرْضِ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. قَالَ شَارِحُهُ: وَكَذَا أَيْ الْخِلَافُ فِي غَيْرِ الْبَيْتِ: فَإِنَّ الْكَعْبَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَدِينَةِ مَا عَدَا الضَّرِيحَ الْأَقْدَسَ وَكَذَا الضَّرِيحُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ. وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَفْضِيلِهِ حَتَّى عَلَى الْكَعْبَةِ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهُ. وَنُقِلَ عَنْ ابْنِ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيِّ أَنَّ تِلْكَ الْبُقْعَةَ أَفْضَلُ مِنْ الْعَرْشِ، وَقَدْ وَافَقَهُ السَّادَةُ الْبَكْرِيُّونَ عَلَى ذَلِكَ. وَقَدْ صَرَّحَ التَّاجُ الْفَاكِهِيُّ بِتَفْضِيلِ الْأَرْضِ عَلَى السَّمَوَاتِ لِحُلُولِهِ ﷺ بِهَا، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْأَكْثَرِينَ لِخَلْقِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهَا وَدَفْنِهِمْ فِيهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْجُمْهُورُ عَلَى تَفْضِيلِ السَّمَاءِ عَلَى الْأَرْضِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا مَوَاضِعُ ضَمِّ أَعْضَاءِ الْأَنْبِيَاءِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ (قَوْلُهُ مَنْدُوبَةٌ) أَيْ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا فِي اللُّبَابِ، وَمَا نُسِبَ إلَى الْحَافِظِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ الْحَنْبَلِيِّ مِنْ أَنَّهُ يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْهَا فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّهُ لَا أَصْلَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَقُولُ بِالنَّهْيِ عَنْ شَدِّ الرِّحَالِ إلَى غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثِ. أَمَّا نَفْسُ الزِّيَارَةِ فَلَا يُخَالِفُ فِيهَا كَزِيَارَةِ سَائِرِ الْقُبُورِ، وَمَعَ هَذَا فَقَدْ رَدَّ كَلَامَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلِلْإِمَامِ السُّبْكِيّ فِيهِ تَأْلِيفٌ مَنِيفٌ. قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَهَلْ تُسْتَحَبُّ زِيَارَةُ قَبْرِهِ ﷺ لِلنِّسَاءِ؛ الصَّحِيحُ نَعَمْ بِلَا كَرَاهَةٍ بِشُرُوطِهَا عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. أَمَّا عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ مَذْهَبِنَا وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنَّ الرُّخْصَةَ فِي زِيَارَةِ الْقُبُورِ ثَابِتَةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ جَمِيعًا فَلَا إشْكَالَ. وَأَمَّا عَلَى غَيْرِهِ فَكَذَلِكَ نَقُولُ بِالِاسْتِحْبَابِ لِإِطْلَاقِ الْأَصْحَابِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (قَوْلُهُ بَلْ قِيلَ وَاجِبَةٌ) ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ وَقَالَ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي [الدُّرَّةِ الْمُضِيئَةِ فِي الزِّيَارَةِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ] وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْخَيْرُ الرَّمْلِيُّ فِي حَاشِيَةِ الْمِنَحِ عَنْ ابْنِ حَجَرٍ وَقَالَ: وَانْتَصَرَ لَهُ، نَعَمْ عِبَارَةُ اللُّبَابِ وَالْفَتْحِ

стр. 1283

وَيَبْدَأُ بِالْحَجِّ لَوْ فَرْضًا، وَيُخَيَّرُ لَوْ نَفْلًا مَا لَمْ يَمُرَّ بِهِ فَيَبْدَأُ بِزِيَارَتِهِ لَا مَحَالَةَ وَلْيَنْوِ مَعَهُ زِيَارَةَ مَسْجِدِهِ، فَقَدْ أَخْبَرَ «أَنَّ صَلَاةً فِيهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ فِي غَيْرِهِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ» وَكَذَا بَقِيَّةُ الْقُرَبِ؛ ــ [رد المحتار] وَشَرْحِ الْمُخْتَارِ أَنَّهَا قَرِيبَةٌ مِنْ الْوُجُوبِ لِمَنْ لَهُ سَعَةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْفَتْحِ مَا وَرَدَ فِي فَضْلِ الزِّيَارَةِ وَذَكَرَ كَيْفِيَّتَهَا وَآدَابَهَا وَأَطَالَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُخْتَارِ وَاللُّبَابِ فَلْيُرَاجِعْ ذَلِكَ مَنْ أَرَادَهُ (قَوْلُهُ وَيَبْدَأُ إلَخْ) قَالَ فِي شَرْحِ اللُّبَابِ: وَقَدْ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْحَجُّ فَرْضًا فَالْأَحْسَنُ لِلْحَاجِّ أَنْ يَبْدَأَ بِالْحَجِّ ثُمَّ يُثَنِّي بِالزِّيَارَةِ، وَإِنْ بَدَأَ بِالزِّيَارَةِ جَازَ اهـ وَهُوَ ظَاهِرٌ إذْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ إذَا لَمْ يُخْشَ الْفَوْتُ بِالْإِجْمَاعِ. اهـ. (قَوْلُهُ مَا لَمْ يَمُرَّ بِهِ) أَيْ بِالْقَبْرِ الْمُكَرَّمِ أَيْ بِبَلَدِهِ، فَإِنْ مَرَّ بِالْمَدِينَةِ كَأَهْلِ الشَّامِ بَدَأَ بِالزِّيَارَةِ لَا مَحَالَةَ لِأَنَّ تَرْكَهَا مَعَ قُرْبِهَا يُعَدُّ مِنْ الْقَسَاوَةِ وَالشَّقَاوَةِ، وَتَكُونُ الزِّيَارَةُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْوَسِيلَةِ وَفِي مَرْتَبَةِ السُّنَّةِ الْقَبْلِيَّةِ لِلصَّلَاةِ شَرْحُ اللُّبَابِ (قَوْلُهُ وَلْيَنْوِ مَعَهُ إلَخْ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْأَوْلَى فِيمَا يَقَعُ عِنْدَ الْعَبْدِ الضَّعِيفِ تَجْرِيدُ النِّيَّةِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﵊، ثُمَّ يَحْصُلُ لَهُ إذَا قَدِمَ زِيَارَةَ الْمَسْجِدِ أَوْ يَسْتَمْنِحُ فَضْلَ اللَّهِ تَعَالَى فِي مَرَّةٍ أُخْرَى يَنْوِيهَا فِيهَا لِأَنَّ فِي ذَلِكَ زِيَادَةَ تَعْظِيمِهِ ﷺ وَإِجْلَالِهِ، وَيُوَافِقُهُ ظَاهِرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَاءَنِي زَائِرًا لَا تَحْمِلُهُ حَاجَةٌ إلَّا زِيَارَتِي كَانَ حَقًّا عَلَيَّ أَنْ أَكُونَ شَفِيعًا لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . اهـ. ح. وَنَقَلَ الرَّحْمَتِيُّ عَنْ الْعَارِفِ الْمُنْلَا جَامِيٍّ أَنَّهُ أَفْرَزَ الزِّيَارَةَ عَنْ الْحَجِّ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ مَقْصِدٌ غَيْرُهَا فِي سَفَرِهِ (قَوْلُهُ فَقَدْ أَخْبَرَ إلَخْ) أَيْ بِقَوْلِهِ ﷺ " «صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ إنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ أَهْلِ الْأَثَرِ شَرْحُ اللُّبَابِ، وَقَدَّمْنَا الْكَلَامَ عَلَى الْمُضَاعَفَةِ الْمَذْكُورَةِ قُبَيْلَ بَابِ الْقِرَانِ وَفِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا لِثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَمَسْجِدِي هَذَا وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى» " وَالْمَعْنَى كَمَا أَفَادَهُ فِي الْإِحْيَاءِ أَنَّهُ لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ لِمَسْجِدٍ مِنْ الْمَسَاجِدِ إلَّا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمُضَاعَفَةِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَسَاجِدِ فَإِنَّهَا مُتَسَاوِيَةٌ فِي ذَلِكَ، فَلَا يُرَدُّ أَنَّهُ قَدْ تُشَدُّ الرِّحَالُ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَصِلَةِ رَحِمٍ وَتَعَلُّمِ عِلْمٍ وَزِيَارَةِ الْمَشَاهِدِ كَقَبْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْرِ الْخَلِيلِ ﵇ وَسَائِرِ الْأَئِمَّةِ (قَوْلُهُ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْقُرَبِ) أَيْ كَالصَّوْمِ وَالِاعْتِكَافِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ. وَنَقَلَ الْبَاقَانِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ اخْتِصَاصَ هَذِهِ الْمُضَاعَفَةِ بِالْفَرَائِضِ، وَعَنْ غَيْرِهِ النَّوَافِلِ كَذَلِكَ. [مَطْلَبٌ فِي الْمُجَاوَرَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ] ِ (قَوْلُهُ وَلَا تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ إلَخْ) وَقِيلَ تُكْرَهُ كَمَكَّةَ، وَقِيلَ إنَّهَا عَلَى الْخِلَافِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَقَدَّمْنَاهُ قُبَيْلَ الْقِرَانِ وَاخْتَارَ فِي اللُّبَابِ أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِالْمَدِينَةِ أَفْضَلُ مِنْهَا بِمَكَّةَ وَأَيَّدَهُ بِوُجُوهٍ، وَبَحَثَ فِيهَا شَارِحُهُ الْقَارِي تَرْجِيحًا لِمَا اخْتَارَهُ فِي الْفَتْحِ حَيْثُ ذَكَرَ فَضْلَ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ، ثُمَّ قَالَ: لَكِنَّ الْفَائِزَ بِهَذَا مَعَ السَّلَامَةِ أَقَلُّ الْقَلِيلِ، فَلَا يُبْنَى الْفِقْهُ بِاعْتِبَارِهِمْ، وَلَا يُذْكَرُ حَالُهُمْ قَيْدًا فِي الْجَوَازِ لِأَنَّ شَأْنَ النُّفُوسِ الدَّعْوَى الْكَاذِبَةُ، وَإِنَّهَا لَأَكْذَبُ مَا تَكُونُ إذَا حَلَفَتْ فَكَيْفَ إذَا ادَّعَتْ. وَعَلَى هَذَا فَيَجِبُ كَوْنُ الْجِوَارِ بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ كَذَلِكَ، فَإِنَّ تَضَاعُفَ السَّيِّئَاتِ أَوْ تَعَاظُمَهَا إنْ فُقِدَ فِيهَا فَمَخَافَةُ السَّآمَةِ وَقِلَّةُ الْأَدَبِ الْمُفْضِي إلَى الْإِخْلَالِ بِوَاجِبِ التَّوْقِيرِ وَالْإِجْلَالِ قَائِمٌ اهـ. قَالَ ح: وَهُوَ وَجِيهٌ، فَكَانَ يَنْبَغِي لِلشَّارِحِ أَنْ يَنُصَّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَيَتْرُكَ التَّقَيُّدَ بِالْوُثُوقِ أَيْ اعْتِبَارًا لِلْغَالِبِ مِنْ حَالِ النَّاسِ لَا سِيَّمَا أَهْلُ هَذَا الزَّمَانِ، وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ. [خَاتِمَة فِي الْحَجّ] ١

стр. 1284

وَلَا تُكْرَهُ الْمُجَاوَرَةُ بِالْمَدِينَةِ وَكَذَا بِمَكَّةَ لِمَنْ يَثِقُ بِنَفْسِهِ. ــ [رد المحتار] خَاتِمَةٌ] يُسْتَحَبُّ لَهُ إذَا عَزَمَ عَلَى الرُّجُوعِ إلَى أَهْلِهِ أَنْ يُوَدِّعَ الْمَسْجِدَ بِصَلَاةٍ، وَيَدْعُوَ بَعْدَهَا بِمَا أَحَبَّ، وَأَنْ يَأْتِيَ الْقَبْرَ الْكَرِيمَ فَيُسَلِّمَ وَيَدْعُوَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُوصِلَهُ إلَى أَهْلِهِ سَالِمًا، وَيَقُولَ غَيْرُ مُوَدَّعٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَيَجْتَهِدَ فِي خُرُوجِ الدَّمْعِ فَإِنَّهُ مِنْ أَمَارَاتِ الْقَبُولِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ عَلَى جِيرَانِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَنْصَرِفَ مُتَبَاكِيًا مُتَحَسِّرًا عَلَى مُفَارَقَةِ الْحَضْرَةِ النَّبَوِيَّةِ كَمَا فِي الْفَتْحِ: وَفِيهِ: وَمِنْ سُنَنِ الرُّجُوعِ أَنْ يُكَبِّرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ وَيَقُولَ " آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ " وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَنْهُ ﵊. وَإِذَا أَشْرَفَ عَلَى بَلَدِهِ حَرَّكَ دَابَّتَهُ وَيَقُولَ آيِبُونَ إلَخْ، وَيُرْسِلَ إلَى أَهْلِهِ مَنْ يُخْبِرُهُمْ وَلَا يَبْغَتُهُمْ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ، وَإِذَا دَخَلَهَا بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ كَرَاهَةٍ ثُمَّ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ وَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ وَيَحْمَدُ لِلَّهِ وَيَشْكُرُهُ عَلَى مَا أَوْلَاهُ مِنْ إتْمَامِ الْعِبَادَةِ وَالرُّجُوعِ بِالسَّلَامَةِ، وَيُدِيمُ حَمْدَهُ وَشُكْرَهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، وَيَجْتَهِدُ فِي مُجَانَبَةِ مَا يُوجِبُ الْإِحْبَاطَ فِي بَاقِي عُمْرِهِ وَعَلَامَةُ الْحَجِّ الْمَبْرُورِ أَنْ يَعُودَ خَيْرًا مِمَّا كَانَ. وَهَذَا إتْمَامُ مَا يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى لِعَبْدِهِ الضَّعِيفِ مِنْ رُبْعِ الْعِبَادَاتِ، أَسْأَلُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ ذَا الْجُودِ الْعَمِيمِ أَنْ يُحَقِّقَ لِي فِيهِ الْإِخْلَاصَ، وَيَجْعَلَهُ نَافِعًا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ، وَأَنْ يُسَهِّلَ إكْمَالَ هَذَا الْكِتَابِ مَعَ الْإِخْلَاصِ وَالنَّفْعِ الْعَمِيمِ لِي وَلِعَامَّةِ الْعِبَادِ فِي أَكْثَرِ الْبِلَادِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ أَوَّلًا وَآخِرًا وَظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ. نُجِزَ عَلَى يَدِ أَفْقَرِ الْوَرَى جَامِعِهِ الْحَقِيرِ " مُحَمَّدُ عَابِدِينْ " غَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَالْمُسْلِمِينَ آمِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ جَاءَ سَنَةَ ١٢٤٢.

стр. 1285

كِتَابُ النِّكَاحِ لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ شُرِعَتْ مِنْ عَهْدِ آدَمَ إلَى الْآنَ ثُمَّ تَسْتَمِرُّ فِي الْجَنَّةِ إلَّا النِّكَاحَ وَالْإِيمَانَ. (هُوَ) عِنْدَ الْفُقَهَاءِ (عَقْدٌ يُفِيدُ مِلْكَ الْمُتْعَةِ) أَيْ حِلَّ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ - ــ [رد المحتار] [كِتَابُ النِّكَاحِ] ذَكَرَهُ عَقِبَ الْعِبَادَاتِ الْأَرْبَعِ أَرْكَانِ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهَا كَالْبَسِيطِ إلَى الْمُرَكَّبِ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مِنْ وَجْهٍ مُعَامَلَةٌ مِنْ وَجْهٍ. وَقَدَّمَهُ عَلَى الْجِهَادِ، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا سَبَبٌ لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ وَالْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ مَا يَحْصُلُ بِأَنْكِحَةِ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ أَضْعَافُ مَا يَحْصُلُ بِالْقِتَالِ، فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي الْجِهَادِ حُصُولُ الْقَتْلِ وَالذِّمَّةِ عَلَى أَنَّ فِي كَوْنِهِ سَبَبًا لِوُجُودِ الْمُسْلِمِ تَسَامُحًا نَظَرًا إلَى أَنَّ تَجَدُّدَ الصُّفَّةِ بِمَنْزِلَةِ تَجَدُّدِ الذَّاتِ، وَكَذَا عَلَى الْعِتْقِ وَالْوَقْفِ وَالْأُضْحِيَّةِ، وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَاتٍ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعِ، حَتَّى قَالُوا إنَّ الِاشْتِغَالَ بِهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِنَوَافِلِ الْعِبَادَاتِ أَيْ الِاشْتِغَالُ بِهِ، وَمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ الْقِيَامِ بِمَصَالِحِهِ، وَإِعْفَافِ النَّفْسِ عَنْ الْحَرَامِ وَتَرْبِيَةِ الْوَلَدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (قَوْلُهُ: لَيْسَ لَنَا عِبَادَةٌ إلَخْ) كَذَا فِي الْأَشْبَاهِ وَفِيهِ نَظَرٌ أَمَّا أَوَّلًا فَإِنَّ كَوْنَهُ عِبَادَةً فِي الدُّنْيَا إنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ سَبَبًا لِكَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْفَافِ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذَكَرْنَاهُ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِي الْجَنَّةِ، بَلْ وَرَدَ «إنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَا يَكُونُ لَهُمْ فِيهَا وَلَدٌ» لَكِنْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ «الْمُؤْمِنُ إذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنَّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنُّهُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا يَشْتَهِي» وَهَذَا أَوْلَى لِقَوْلِ التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ الذِّكْرَ وَالشُّكْرَ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُمَا فِي الدُّنْيَا؛ لِأَنَّ حَالَ الْعَبْدِ يَصِيرُ كَحَالِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتَرُونَ غَايَتُهُ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَادَةَ لَيْسَتْ بِتَكْلِيفٍ بَلْ هِيَ مُقْتَضَى الطَّبْعِ؛ لِأَنَّ خِدْمَةَ الْمُلُوكِ لَذَّةٌ وَشَرَفٌ، وَتَزْدَادُ بِالْقُرْبِ، وَتَمَامُهُ فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِيِّ عَلَى الْأَشْبَاهِ. (قَوْلُهُ: عَقْدٌ) الْعَقْدُ مَجْمُوعُ إيجَابِ أَحَدِ الْمُتَكَلِّمِينَ مَعَ قَبُولِ الْآخَرِ أَوْ كَلَامُ الْوَاحِدِ الْقَائِمِ مَقَامَهُمَا أَعْنِي مُتَوَلِّيَ الطَّرَفَيْنِ بَحْرٌ وَفِيهِ كَلَامٌ يَأْتِي. (قَوْلُهُ: أَيْ حَلَّ اسْتِمْتَاعُ الرَّجُلِ) أَيْ الْمُرَادُ أَنَّهُ عَقْدٌ يُفِيدُ حُكْمَهُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ الشَّرْعِيِّ. وَفِي الْبَدَائِعِ أَنَّ مِنْ أَحْكَامِهِ مِلْكَ الْمُتْعَةِ وَهُوَ اخْتِصَاصُ

стр. 1286

مِنْ امْرَأَةٍ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ فَخَرَجَ الذَّكَرُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ وَالْوَثَنِيَّةُ لِجَوَازِ ذُكُورَتِهِ ــ [رد المحتار] الزَّوْجِ بِمَنَافِعِ بُضْعِهَا وَسَائِرِ أَعْضَائِهَا اسْتِمْتَاعًا أَوْ مِلْكُ الذَّاتِ وَالنَّفْسِ فِي حَقِّ التَّمَتُّعِ عَلَى اخْتِلَافِ مَشَايِخِنَا فِي ذَلِكَ. اهـ. بَحْرٌ وَعَزَا الدَّبُوسِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ إلَى الشَّافِعِيِّ، لَكِنْ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ كَالْكَنْزِ صَرِيحٌ فِي اخْتِيَارِهِ عَلَى أَنَّ الظَّاهِرَ كَمَا فِي النَّهْرِ أَنَّ الْخِلَافَ لَفْظِيٌّ، لِقَوْلِ الدَّبُوسِيِّ إنَّ هَذَا الْمِلْكَ لَيْسَ حَقِيقِيًّا بَلْ فِي حُكْمِهِ فِي حَقِّ تَحْلِيلِ الْوَطْءِ دُونَ مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَتَّصِلُ بِحَقِّ الزَّوْجِيَّةِ. اهـ. فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي عَزَاهُ الدَّبُوسِيُّ إلَى أَصْحَابِنَا مِنْ أَنَّهُ مِلْكُ الذَّاتِ لَيْسَ مِلْكًا لِلذَّاتِ حَقِيقَةً بَلْ مِلْكُ التَّمَتُّعِ بِهَا: أَيْ اخْتِصَاصُ الزَّوْجِ بِهِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْبَدَائِعِ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مِلْكُ الْمُتْعَةِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ تَفْسِيرَ الْمِلْكِ هُنَا بِالِاخْتِصَاصِ كَمَا عَبَّرَ فِي الْبَدَائِعِ أَوْلَى مِنْ تَفْسِيرِهِ بِالْحِلِّ تَبَعًا لِلْبَحْرِ لِأَنَّ الِاخْتِصَاصَ أَقْرَبُ إلَى مَعْنَى الْمِلْكِ لِأَنَّ الْمِلْكَ نَوْعٌ مِنْهُ بِخِلَافِ الْحِلِّ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لِمِلْكِ الْمُتْعَةِ وَهُوَ لَازِمٌ لِاخْتِصَاصِهَا بِالزَّوْجِ شَرْعًا أَيْضًا عَلَى أَنَّ مِلْكَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ، فَمِلْكُ الزَّوْجِ الْمُتْعَةَ بِالْعَقْدِ مِلْكٌ شَرْعِيٌّ كَمِلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ الْمَنْفَعَةَ بِمَنْ اسْتَأْجَرَهُ لِلْخِدْمَةِ مَثَلًا وَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الْبَحْرِ: إنَّ الْمُرَادَ بِالْمِلْكِ الْحِلُّ لَا الْمَلِكُ الشَّرْعِيُّ لِأَنَّ الْمَنْكُوحَةَ لَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ فَمَهْرُهَا لَهَا وَلَوْ مَلَكَ الِانْتِفَاعَ بِبُضْعِهَا حَقِيقَةً لَكَانَ بَدَلُهُ لَهُ. اهـ. لِأَنَّ مِلْكَهُ الِانْتِفَاعَ بِالْبُضْعِ حَقِيقَةً لَا يَسْتَلْزِمُ مِلْكَهُ الْبَدَلَ، وَإِنَّمَا يَسْتَلْزِمُهُ مِلْكُ نَفْسِ الْبُضْعِ كَمَا لَوْ وُطِئَتْ أَمَتُهُ فَإِنَّ الْعَقْدَ لَهُ لِمِلْكِهِ نَفْسَ الْبُضْعِ بِخِلَافِ الزَّوْجِ فَافْهَمْ. [تَنْبِيهٌ] كَلَامُ الشَّارِحِ وَالْبَدَائِعِ يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْحَقَّ فِي التَّمَتُّعِ لِلرَّجُلِ لَا لِلْمَرْأَةِ كَمَا ذَكَرَهُ السَّيِّدُ أَبُو السُّعُودِ فِي حَوَاشِي مِسْكِينٍ قَالَ: يَتَفَرَّعُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ الْأَبْيَارِيُّ شَارِحُ الْكَنْزِ فِي شَرْحِهِ لِلْجَامِعِ الصَّغِيرِ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ ﵊ «احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك» مِنْ أَنَّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى فَرْجِ زَوْجَتِهِ وَحَلْقَةِ دُبُرِهَا، بِخِلَافِهَا حَيْثُ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِ إذَا مَنَعَهَا مِنْ النَّظَرِ. اهـ. وَنَقَلَهُ ط وَأَقَرَّهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ لَهَا إجْبَارٌ عَلَى ذَلِكَ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهَا إذَا مَنَعَهَا مِنْهُ؛ لِأَنَّ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ حِلِّ اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ، نَعَمْ لَهُ وَطْؤُهَا جَبْرًا إذَا امْتَنَعَتْ بِلَا مَانِعٍ شَرْعِيٍّ وَلَيْسَ لَهَا إجْبَارُهُ عَلَى الْوَطْءِ بَعْدَمَا وَطِئَهَا مَرَّةً، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ دِيَانَةً أَحْيَانًا عَلَى مَا سَيَأْتِي تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: مِنْ امْرَأَةٍ إلَخْ) مِنْ ابْتِدَائِيَّةٍ وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِامْرَأَةٍ وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُحَقَّقَةُ أُنُوثَتُهَا بِقَرِينَةِ الِاحْتِرَازِ بِهَا عَنْ بِالْخُنْثَى، وَهَذَا بَيَانٌ لِمَحَلِّيَّةِ الْعَقْدِ قَالَ فِي الْبَحْرِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ الْفَتْحِ: إنَّ مَحَلِّيَّتَهُ الْأُنْثَى وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّ مَحَلِّيَّتَهُ أُنْثَى مُحَقَّقَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ لَيْسَتْ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ وَفِي الْعِنَايَةِ مَحَلُّهُ امْرَأَةٌ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهَا مَانِعٌ شَرْعِيٌّ فَخَرَجَ الذَّكَرُ لِلذَّكَرِ وَالْخُنْثَى مُطْلَقًا وَالْجِنِّيَّةُ لِلْإِنْسِيِّ، ومَا كَانَ مِنْ النِّسَاءِ مُحَرَّمًا عَلَى التَّأْبِيدِ كَالْمَحَارِمِ. اهـ. وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَمْنَعْ مِنْ نِكَاحِهَا الْعَقْدُ لَا الْوَطْءُ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَحَلِّيَّةِ الْعَقْدِ، وَلِذَا احْتَرَزَ بِالْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ عَنْ الْمَحَارِمِ، فَالْمُرَادُ مِنْهُ الْمَحْرَمِيَّةُ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ كَالْمُصَاهَرَةِ وَالرَّضَاعِ، وَأَمَّا نَحْوُ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالْإِحْرَامِ وَالظِّهَارِ قَبْلَ التَّكْفِيرِ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ حِلِّ الْوَطْءِ لَا مِنْ مَحَلِّيَّةِ الْعَقْدِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: فَخَرَجَ الذَّكَرُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ) أَيْ أَنَّ إيرَادَ الْعَقْدِ عَلَيْهِمَا لَا يُفِيدُ مِلْكَ اسْتِمْتَاعِ الرَّجُلِ بِهِمَا لِعَدَمِ مَحَلِّيَّتِهِمَا لَهُ، وَكَذَا عَلَى الْخُنْثَى لِامْرَأَةٍ أَوْ لِمِثْلِهِ، فَفِي الْبَحْرِ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ فِي كِتَابِ الْخُنْثَى: لَوْ زَوَّجَهُ أَبُوهُ أَوْ مَوْلَاهُ امْرَأَةً أَوْ رَجُلًا لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ حَالُهُ أَنَّهُ رَجُلٌ أَوْ امْرَأَةٌ فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ خِلَافُ مَا زُوِّجَ بِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الْعَقْدَ كَانَ صَحِيحًا، وَإِلَّا فَبَاطِلٌ؛ لِعَدَمِ مُصَادَفَةِ الْمَحَلِّ وَكَذَا إذَا زَوَّجَ خُنْثَى مِنْ خُنْثَى آخَرَ لَا يُحْكَمُ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ حَتَّى يَظْهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا ذَكَرٌ وَالْآخَرُ أُنْثَى. اهـ. فَلَوْ قَالَ الشَّارِحُ وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلُ مُطْلَقًا لَشَمَلَ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ لَكِنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى إفَادَةِ بَعْضِ أَحْكَامِهِ وَلَيْسَ فِيهِ إجْمَالٌ، فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَالْوَثَنِيَّةُ) سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَوُجِدَ فِي بَعْضِهَا قَبْلَ قَوْلِهِ وَالْخُنْثَى وَالْأَوْلَى ذِكْرُهَا بَعْدَهُ لِخُرُوجِهَا بِالْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ وَعَبَّرَ بِهَا تَبَعًا لِتَعْبِيرِ الْمُصَنِّفِ فِي فَصْلِ الْمُحَرَّمَاتِ الْأَوْلَى التَّعْبِيرُ بِالْمُشْرِكَةِ كَمَا عَبَّرَ بِهِ الشَّارِحُ

стр. 1287

وَالْمَحَارِمُ وَالْجِنِّيَّةُ وَإِنْسَانُ الْمَاءِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَأَجَازَ الْحَسَنُ نِكَاحَ الْجِنِّيَّةِ بِشُهُودٍ قُنْيَةٌ (قَصْدًا) خَرَجَ مَا يُفِيدُ الْحِلَّ ضِمْنًا، كَشِرَاءِ أَمَةٍ لِلتَّسَرِّي (وَ) عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَاللُّغَةِ (هُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ) فَحَيْثُ جَاءَ فِي الْكِتَابِ أَوْ السُّنَّةِ مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ يُرَادُ بِهِ الْوَطْءُ كَمَا فِي - ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٢]- فَتَحْرُمُ مَزْنِيَّةُ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ بِخِلَافِ - ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]- ــ [رد المحتار] هُنَاكَ (قَوْلُهُ: وَالْمَحَارِمُ) هَذَا خَارِجٌ بِالْمَانِعِ الشَّرْعِيِّ أَيْضًا وَكَذَا قَوْلُهُ: وَالْجِنِّيَّةُ، وَإِنْسَانُ الْمَاءِ بِقَرِينَةِ التَّعْلِيلِ بِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ [النحل: ٧٢] بَيَّنَ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣] وَهُوَ الْأُنْثَى مِنْ بَنَاتِ آدَمَ فَلَا يَثْبُتُ حِلُّ غَيْرِهَا بِلَا دَلِيلٍ وَلِأَنَّ الْجِنَّ يَتَشَكَّلُونَ بِصُوَرٍ شَتَّى فَقَدْ يَكُونُ ذَكَرًا تَشَكَّلَ بِشَكْلِ أُنْثَى، وَمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ مَنْ سَأَلَ عَنْ جَوَازِ التَّزَوُّجِ بِهَا يُصْفَعُ لِجَهْلِهِ وَحَمَاقَتِهِ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ ذَلِكَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ التَّصَوُّرَ مُمْكِنٌ لِأَنَّ تَشَكُّلَهُمْ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ وَالْحِكَايَاتِ الْكَثِيرَةِ وَلِذَا ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ بَعْضِ الْحَيَّاتِ كَمَا مَرَّ فِي مَكْرُوهَاتِ الصَّلَاةِ عَلَى أَنَّ عَدَمَ تَصَوُّرِ ذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَمَاقَةِ السَّائِلِ كَمَا قَالَهُ فِي الْأَشْبَاهِ وَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ أَبَا اللَّيْثِ ذَكَرَ فِي فَتَاوِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ لَوْ تَتَرَّسُوا بِنَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ هَلْ يُرْمَى فَقَالَ يُسْأَلُ ذَلِكَ النَّبِيُّ وَلَا يُتَصَوَّرُ ذَلِكَ بَعْدَ رَسُولِنَا ﷺ وَلَكِنْ أَجَابَ عَلَى تَقْدِيرِ التَّصَوُّرِ كَذَا هَذَا. اهـ. وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي رِسَالَتِنَا الْمُسَمَّاةِ [سَلُّ الْحُسَامِ الْهِنْدِيِّ لِنُصْرَةِ سَيِّدِنَا خَالِدِ النَّقْشَبَنْدِيِّ] . [تَنْبِيهٌ] فِي الْأَشْبَاهِ عَنْ السِّرَاجِيَّةِ: لَا تَجُوزُ الْمُنَاكَحَةُ بَيْنَ بَنِي آدَمَ وَالْجِنِّ، وَإِنْسَانِ الْمَاءِ؛ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ. اهـ. وَمُفَادُ الْمُفَاعَلَةِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْجِنِّيِّ أَنْ يَتَزَوَّجَ إنْسِيَّةً أَيْضًا وَهُوَ مُفَادُ التَّعْلِيلِ أَيْضًا. (قَوْلُهُ: وَأَجَازَ الْحَسَنُ أَيْ الْبَصْرِيُّ ﵁) كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْأَوْلَى التَّقْيِيدُ بِهِ لِإِخْرَاجِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ تِلْمِيذِ الْإِمَامِ ﵁ لِأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ مِنْ إطْلَاقِهِ هُنَا أَنَّهُ رِوَايَةٌ فِي الْمَذْهَبِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ط لَكِنَّهُ نَقَلَ بَعْدَهُ عَنْ شَرْحِ الْمُنْتَقَى عَنْ زَوَاهِرِ الْجَوَاهِرِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ نِكَاحُ آدَمِيٍّ جِنِّيَّةً كَعَكْسِهِ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ فَكَانُوا كَبَقِيَّةِ الْحَيَوَانَاتِ. اهـ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُقَابِلَ الْأَصَحِّ قَوْلُ الْحَسَنِ الْمَذْكُورُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: قَصْدًا) حَالٌ مِنْ الضَّمِيرِ يُفِيدُ وُقُوعَ الْمَصْدَرِ حَالًا، وَإِنْ كَثُرَ سَمَاعِيٌّ ط (قَوْلُهُ: كَشِرَاءِ أَمَةٍ) فَإِنَّ الْمَقْصُودَ فِيهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ وَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ ضِمْنِيٌّ، وَلِذَا تَخَلَّفَ فِي شِرَاءِ الْمُحَرَّمَةِ نَسَبًا أَوْ رَضَاعًا أَوْ اشْتِرَاكًا ح (قَوْلُهُ: لِلتَّسَرِّي) خَصَّهُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَاهَا لَا لِلتَّسَرِّي كَانَ حِلُّ الِاسْتِمْتَاعِ ضِمْنِيًّا بِالْأَوْلَى وَلَوْ قَالَ وَلَوْ لِلتَّسَرِّي لَكَانَ أَظْهَرَ وَكَلَامُ الْبَحْرِ يَدُلُّ عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ: وَمِلْكُ الْمُتْعَةِ ثَابِتٌ ضِمْنًا، وَإِنْ قَصَدَهُ الْمُشْتَرِي. ح (قَوْلُهُ: وَعِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَاللُّغَةِ إلَخْ) حَاصِلُهُ: أَنَّ مَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ مَعْنًى عُرْفِيٌّ لِلْفُقَهَاءِ، وَمَا ذَكَرَهُ مَعْنَاهُ شَرْعًا وَلُغَةً؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْأُصُولِ يَبْحَثُونَ عَنْ مَعْنَى النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ، فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْمُصَنِّفِ قَالَ فِي الْبَحْرِ قَدْ تَسَاوَى فِي هَذَا الْمَعْنَى اللُّغَةُ وَالشَّرْعُ، أَفَادَهُ ط (قَوْلُهُ: مَجَازٌ فِي الْعَقْدِ) وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَنَسَبَهُ الْأُصُولِيُّونَ إلَى الشَّافِعِيِّ ﵁ وَقِيلَ مُشْتَرَكٌ لَفْظِيٌّ فِيهِمَا وَقِيلَ مَوْضِعٌ لِلضَّمِّ الصَّادِقِ بِالْعَقْدِ وَالْوَطْءِ، فَهُوَ مُشْتَرَكٌ مَعْنَوِيٌّ وَبِهِ صَرَّحَ مَشَايِخُنَا أَيْضًا بَحْرٌ. اهـ. ح وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّحْرِيرِ (قَوْلُهُ: مُجَرَّدًا عَنْ الْقَرَائِنِ) أَيْ مُحْتَمَلًا لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ بِلَا مُرَجِّحٍ خَارِجٍ وَقَوْلُهُ: يُرَادُ الْوَطْءُ أَيْ؛ لِأَنَّ الْمَجَازَ خَلَفٌ عَنْ الْحَقِيقَةِ فَتُرَجَّحُ عَلَيْهِ فِي نَفْسِهَا. (قَوْلُهُ: فَتَحْرُمُ مَزْنِيَّةُ الْأَبِ عَلَى الِابْنِ) أَيْ عَلَى فُرُوعِهِ فَتَكُونُ حُرْمَتُهَا عَلَيْهِمْ ثَابِتَةً بِالنَّصِّ، وَأَمَّا حُرْمَةُ الَّتِي عَقَدَ عَلَيْهَا عَقْدًا صَحِيحًا عَلَيْهِمْ فَبِالْإِجْمَاعِ وَلَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ إنْ نَكَحْتُك فَأَنْتِ طَالِقٌ تَعَلَّقَ بِالْوَطْءِ وَكَذَا لَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ الْوَطْءِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا تَطْلُقُ بِهِ لَا بِالْعَقْدِ بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيَّةِ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ وَطْأَهَا لَمَّا حَرُمَ عَلَيْهِ شَرْعًا كَانَتْ الْحَقِيقَةُ مَهْجُورَةً فَتَعَيَّنَ الْمَجَازُ كَذَا فِي الْبَحْرِ وَالتَّحْرِيرِ وَشَرْحِهِ. (قَوْلُهُ: بِخِلَافِ) حَالٌ مِنْ مَا الْمَوْصُولَةِ فِي قَوْلِهِ كَمَا وَقَالَ

стр. 1288

لِإِسْنَادِهِ إلَيْهَا وَالْمُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْعَقْدُ لَا الْوَطْءُ إلَّا مَجَازًا. (وَيَكُونُ وَاجِبًا عِنْدَ التَّوَقَانِ) فَإِنْ تَيَقَّنَ الزِّنَا إلَّا بِهِ فُرِضَ نِهَايَةٌ وَهَذَا إنْ مَلَكَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ، وَإِلَّا فَلَا إثْمَ بِتَرْكِهِ بَدَائِعُ ــ [رد المحتار] ح مِنْ وَلَا تَنْكِحُوا أَيْ حَالَ كَوْنِهِ مُخَالِفًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى تَنْكِحَ﴾ [البقرة: ٢٣٠] حَيْثُ لَمْ يُرَدْ بِهِ الْوَطْءُ بَلْ أُرِيدَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ تَجَرُّدِهِ عَنْ الْقَرَائِنِ بَلْ وُجِدَتْ فِيهِ قَرِينَةٌ، وَهِيَ اسْتِحَالَةُ الْوَطْءِ مِنْهَا؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ فِعْلٌ وَهِيَ مُنْفَعِلَةٌ لَا فَاعِلَةٌ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَالْمُتَصَوَّرُ إلَخْ (قَوْلُهُ:؛ لِإِسْنَادِهِ إلَيْهَا) عِلَّةٌ لِمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ الْمَقَامِ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ الْعَقْدُ، وَأَمَّا اشْتِرَاطُ وَطْءِ الْمَحَلِّ فَمَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثِ الْعُسَيْلَةِ ط (قَوْلُهُ: إلَّا مَجَازًا) قَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ لَا انْفِكَاكَ عَنْ الْمَجَازِ عَنْ التَّقْدِيرَيْنِ فَمَا الْمُرَجِّحُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ. اهـ. ح يَعْنِي أَنَّهُ إنْ أُرِيدَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ الْوَطْءُ كَانَ مَجَازًا عَقْلِيًّا؛ لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْفِعْلِ مِنْهَا، وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْدُ كَانَ مَجَازًا لُغَوِيًّا؛ لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ الْوَطْءِ فَحَمْلُ الْآيَةِ عَلَى أَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِلَا مُرَجِّحٍ بَلْ قَدْ يُقَالُ إنَّ حَمْلَهَا عَلَى الْوَطْءِ أَنْسَبُ بِالْوَاقِعِ، فَإِنَّ الْمُطَلِّقَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ بِدُونِ وَطْءِ الْمُحَلِّلِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَجِّحُ كَثْرَةُ الِاسْتِعْمَالِ ط. أَقُولُ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا مَانِعَ هُنَا مِنْ إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ النِّزَاعُ فِي أَنَّ النِّكَاحَ حَقِيقَةٌ فِي الْوَطْءِ أَوْ فِي الْعَقْدِ وَكَانَ الرَّاجِحُ عِنْدَنَا الْأَوَّلَ قَالُوا إنَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ بِمَعْنَى الْعَقْدِ؛ لِكَوْنِهِ أَصْرَحَ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَائِلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِيهِ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ فِي الْإِسْنَادِ لَصَحَّ أَيْضًا، كَمَا يَصِحُّ فِي قَوْلِك جَرَى النَّهْرُ أَنْ تَجْعَلَهُ مِنْ الْمَجَازِ فِي الْإِسْنَادِ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ مَجَازٌ لُغَوِيٌّ بِعَلَاقَةِ الْحَالِيَّةِ وَالْمَحَلِّيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَالْمُتَصَوَّرُ مِنْهَا الْعَقْدُ لَا الْوَطْءُ إلَّا مَجَازًا يُمْكِنُ حَمْلُهُ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ مَجَازٌ فِي الْإِسْنَادِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ لِإِسْنَادِهِ إلَيْهَا أَيْ أَنَّهُ مِنْ إسْنَادِ الشَّيْءِ إلَى غَيْرِ مَنْ هُوَ لَهُ وَقَوْلُهُ: وَالْمُتَصَوَّرُ إلَخْ بَيَانٌ؛ لِكَوْنِ إسْنَادِهِ إلَيْهَا غَيْرَ حَقِيقِيٍّ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: عِنْدَ التَّوَقَانِ) مَصْدَرُ تَاقَتْ نَفْسُهُ إلَى كَذَا إذَا اشْتَاقَتْ مِنْ بَابِ طَلَبَ بَحْرٌ عَنْ الْمُغْرِبِ وَهُوَ بِالْفَتَحَاتِ الثَّلَاثِ كَالْمَيَلَانِ وَالسَّيَلَانِ، وَالْمُرَادُ شِدَّةُ الِاشْتِيَاقِ كَمَا فِي الزَّيْلَعِيِّ: أَيْ بِحَيْثُ يَخَافُ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاشْتِيَاقِ إلَى الْجِمَاعِ الْخَوْفُ الْمَذْكُورُ بَحْرٌ. قُلْت: وَكَذَا فِيمَا يَظْهَرُ لَوْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ مَنْعُ نَفْسِهِ عَنْ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ أَوْ عَنْ الِاسْتِمْنَاءِ بِالْكَفِّ، فَيَجِبُ التَّزَوُّجُ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْوُقُوعَ فِي الزِّنَا (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَيَقَّنَ الزِّنَا إلَّا بِهِ فُرِضَ) أَيْ بِأَنْ كَانَ لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الزِّنَا إلَّا بِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُتَوَصَّلُ إلَى تَرْكِ الْحَرَامِ إلَّا بِهِ يَكُونُ فَرْضًا بَحْرٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ التَّرْكُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ النِّكَاحِ وَهُوَ التَّسَرِّي، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَلْزَمُ وُجُوبُهُ إلَّا لَوْ فَرَضْنَا الْمَسْأَلَةَ بِأَنَّهُ لَيْسَ قَادِرًا عَلَيْهِ نَهْرٌ لَكِنْ قَوْلُهُ: لَا يُمْكِنُهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ إلَّا بِهِ ظَاهِرٌ فِي فَرْضِ الْمَسْأَلَةِ فِي عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّسَرِّي وَكَذَا فِي عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَى الصَّوْمِ الْمَانِعِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا فَلَوْ قَدَرَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَبْقَ النِّكَاحُ فَرْضًا أَوْ وَاجِبًا عَيْنًا، بَلْ هُوَ أَوْ غَيْرُهُ مِمَّا يَمْنَعُهُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمِ (قَوْلُهُ: وَهَذَا إنْ مَلَكَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ) هَذَا الشَّرْطُ رَاجِعٌ إلَى الْقِسْمَيْنِ أَعْنِي الْوَاجِبَ وَالْفَرْضَ وَزَادَ فِي الْبَحْرِ شَرْطًا آخَرَ فِيهِمَا وَهُوَ عَدَمُ خَوْفِ الْجَوْرِ أَيْ الظُّلْمِ قَالَ: فَإِنْ تَعَارَضَ خَوْفُ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا لَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ وَخَوْفُ الْجَوْرِ لَوْ تَزَوَّجَ قَدَّمَ الثَّانِيَ فَلَا افْتِرَاضَ، بَلْ يُكْرَهُ أَفَادَهُ الْكَمَالُ فِي الْفَتْحِ وَلَعَلَّهُ؛ لِأَنَّ الْجَوْرَ مَعْصِيَةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْعِبَادِ، وَالْمَنْعُ مِنْ الزِّنَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ لِاحْتِيَاجِهِ وَغِنَى الْمَوْلَى تَعَالَى. اهـ. قُلْت: وَمُقْتَضَاهُ الْكَرَاهَةُ أَيْضًا عِنْدَ عَدَمِ مِلْكِ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ لِأَنَّهُمَا حَقُّ عَبْدٍ أَيْضًا، وَإِنْ خَافَ الزِّنَا لَكِنْ يَأْتِي أَنَّهُ يُنْدَبُ الِاسْتِدَانَةُ لَهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَإِنَّ اللَّهَ ضَامِنٌ لَهُ الْأَدَاءَ فَلَا يَخَافُ الْفَقْرَ إذَا كَانَ مِنْ نِيَّتِهِ التَّحْصِينُ وَالتَّعَفُّفُ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَجِبُ إذَا خَافَ الزِّنَا، وَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ الْمَهْرَ إذَا قَدَرَ عَلَى اسْتِدَانَتِهِ وَهَذَا مُنَافٍ لِلِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ إلَّا أَنْ

стр. 1289

(وَ) يَكُونُ (سُنَّةً) مُؤَكَّدَةً فِي الْأَصَحِّ فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ وَيُثَابُ إنْ نَوَى تَحْصِينًا وَوَلَدًا (حَالَ الِاعْتِدَالِ) أَيْ الْقُدْرَةِ عَلَى وَطْءٍ وَمَهْرٍ وَنَفَقَةٍ وَرَجَّحَ فِي النَّهْرِ وُجُوبَهُ لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ رَغِبَ عَنْهُ (، وَمَكْرُوهًا لِخَوْفِ الْجَوْرِ) فَإِنْ تَيَقَّنَهُ حَرُمَ ذَلِكَ ــ [رد المحتار] يُقَالُ الشَّرْطُ مِلْكُ كُلٍّ مِنْ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَلَوْ بِالِاسْتِدَانَةِ أَوْ يُقَالُ هَذَا فِي الْعَاجِزِ عَنْ الْكَسْبِ، وَمَنْ لَيْسَ لَهُ جِهَةُ وَفَاءٍ وَقَدَّمَ الشَّارِحُ فِي أَوَّلِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَحُجَّ حَتَّى أَتْلَفَ مَالَهُ وَسِعَهُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ وَيَحُجَّ وَلَوْ غَيْرَ قَادِرٍ عَلَى وَفَائِهِ، وَيُرْجَى أَنْ لَا يُؤَاخِذَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ أَيْ لَوْ نَاوِيًا وَفَاءَهُ لَوْ قَدَرَ كَمَا قَيَّدَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ. اهـ. وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ عَدَمُ قُدْرَتِهِ عَلَى الْوَفَاءِ فِي الْحَالِ مَعَ غَلَبَةِ ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ اجْتَهَدَ قَدَرَ، وَإِلَّا فَالْأَفْضَلُ عَدَمُهُ، وَيَنْبَغِي حَمْلُ مَا ذَكَرَ مِنْ نَدْبِ الِاسْتِدَانَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ ظَنِّهِ الْقُدْرَةَ عَلَى الْوَفَاءِ وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَتْ مَنْدُوبَةً عِنْدَ أَمْنِهِ مِنْ الْوُقُوعِ فِي الزِّنَا يَنْبَغِي وُجُوبُهَا عِنْدَ تَيَقُّنِ الزِّنَا بَلْ يَنْبَغِي وُجُوبُهَا حِينَئِذٍ، وَإِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ قُدْرَةُ الْوَفَاءِ تَأَمَّلْ. مَطْلَبٌ: كَثِيرًا مَا يَتَسَاهَلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ. (قَوْلُهُ: سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فِي الْأَصَحِّ) وَهُوَ مَحْمَلُ الْقَوْلِ بِالِاسْتِحْبَابِ وَكَثِيرًا مَا يَتَسَاهَلُ فِي إطْلَاقِ الْمُسْتَحَبِّ عَلَى السُّنَّةِ وَقِيلَ: فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَقِيلَ وَاجِبُ كِفَايَةٍ وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ، وَقِيلَ وَاجِبٌ عَيْنًا وَرَجَّحَهُ فِي النَّهْرِ كَمَا يَأْتِي قَالَ فِي الْبَحْرِ وَدَلِيلُ السُّنِّيَّةِ حَالَةُ الِاعْتِدَالِ الِاقْتِدَاءُ بِحَالِهِ ﷺ فِي نَفْسِهِ وَرَدُّهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ مِنْ أُمَّتِهِ التَّخَلِّيَ لِلْعِبَادَةِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ رَدًّا بَلِيغًا بِقَوْلِهِ «فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» كَمَا أَوْضَحَهُ فِي الْفَتْحِ. اهـ. وَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِتَعَلُّمٍ وَتَعْلِيمٍ كَمَا فِي دُرَرِ الْبِحَارِ وَقَدَّمْنَا أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ التَّخَلِّي لِلنَّوَافِلِ (قَوْلُهُ: فَيَأْثَمُ بِتَرْكِهِ) لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ تَرْكَ الْمُؤَكَّدَةِ مُؤَثِّمٌ كَمَا عُلِمَ فِي الصَّلَاةِ بَحْرٌ، وَقَدَّمْنَا فِي سُنَنِ الصَّلَاةِ أَنَّ اللَّاحِقَ بِتَرْكِهَا إثْمٌ يَسِيرٌ وَأَنَّ الْمُرَادَ التَّرْكُ مَعَ الْإِصْرَارِ وَبِهَذَا فَارَقَتْ الْمُؤَكَّدَةُ الْوَاجِبَ، وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْبَدَائِعِ فِي الْإِمَامَةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي الْعِبَارَةِ. (قَوْلُهُ: وَيُثَابُ إنْ نَوَى تَحْصِينَهَا) أَيْ مَنْعَ نَفْسِهِ وَنَفْسِهَا عَنْ الْحَرَامِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ الِاتِّبَاعِ وَامْتِثَالِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا لَوْ نَوَى مُجَرَّدَ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَاللَّذَّةِ (قَوْلُهُ: أَيْ الْقُدْرَةِ عَلَى وَطْءٍ) أَيْ الِاعْتِدَالُ فِي التَّوَقَانِ أَنْ لَا يَكُونَ بِالْمَعْنَى الْمَارِّ فِي الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ وَهُوَ شِدَّةُ الِاشْتِيَاقِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي غَايَةِ الْفُتُورِ كَالْعِنِّينِ وَلِذَا فَسَّرَهُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى بِأَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْفُتُورِ وَالشَّوْقِ وَزَادَ الْمَهْرَ وَالنَّفَقَةَ؛ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْهُمَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ فَيُسْقِطُ السُّنِّيَّةَ بِالْأَوْلَى، وَفِي الْبَحْرِ وَالْمُرَادُ حَالَةُ الْقُدْرَةِ عَلَى الْوَطْءِ، وَالْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ مَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ مِنْ الزِّنَا وَالْجَوْرِ وَتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَالسُّنَنِ، فَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْ الثَّلَاثَةِ أَوْ خَافَ وَاحِدًا مِنْ الثَّلَاثَةِ أَيْ الْأَخِيرَةِ فَلَيْسَ مُعْتَدِلًا فَلَا يَكُونُ سُنَّةً فِي حَقِّهِ كَمَا أَفَادَهُ فِي الْبَدَائِعِ. اهـ. (قَوْلُهُ: لِلْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ وَالْإِنْكَارِ إلَخْ) فَإِنَّ الْمُوَاظَبَةَ الْمُقْتَرِنَةَ بِالْإِنْكَارِ عَلَى التَّرْكِ دَلِيلُ الْوُجُوبِ؛ وَأَجَابَ الرَّحْمَتِيُّ بِأَنَّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ الْإِنْكَارُ عَلَى التَّارِكِ بَلْ عَلَى الرَّاغِبِ عَنْهُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّاغِبَ عَنْ السُّنَّةِ مَحَلُّ الْإِنْكَارِ (قَوْلُهُ: وَمَكْرُوهًا) أَيْ تَحْرِيمًا بَحْرٌ (قَوْلُهُ: فَإِنْ تَيَقَّنَهُ) أَيْ تَيَقَّنَ الْجَوْرَ حَرُمَ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ إنَّمَا شُرِعَ لِمَصْلَحَةِ تَحْصِينِ النَّفْسِ، وَتَحْصِيلِ الثَّوَابِ، وَبِالْجَوْرِ يَأْثَمُ وَيَرْتَكِبُ الْمُحَرَّمَاتِ فَتَنْعَدِمُ الْمَصَالِحُ لِرُجْحَانِ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ بَحْرٌ وَتَرَكَ الشَّارِحُ قِسْمًا سَادِسًا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُجْتَبَى وَهُوَ الْإِبَاحَةُ إنْ خَافَ الْعَجْزَ عَنْ الْإِيفَاءِ بِمُوجَبِهِ. اهـ. أَيْ خَوْفًا غَيْرَ رَاجِحٍ، وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّ عَدَمَ الْجَوْرِ مِنْ مَوَاجِبِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْصِدْ إقَامَةَ السُّنَّةِ بَلْ قَصَدَ مُجَرَّدَ التَّوَصُّلِ إلَى قَضَاءِ الشَّهْوَةِ وَلَمْ يَخَفْ شَيْئًا لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ إذْ لَا ثَوَابَ إلَّا بِالنِّيَّةِ فَيَكُونُ مُبَاحًا أَيْضًا كَالْوَطْءِ لِقَضَاءِ الشَّهْوَةِ لَكِنْ «لَمَّا قِيلَ لَهُ ﷺ إنَّ أَحَدَنَا يَقْضِي شَهْوَتَهُ فَكَيْفَ يُثَابُ فَقَالَ ﷺ مَا مَعْنَاهُ أَرَأَيْت لَوْ وَضَعَهَا فِي مُحَرَّمٍ أَمَا كَانَ يُعَاقَبُ» فَيُفِيدُ الثَّوَابَ

стр. 1290

وَيُنْدَبُ إعْلَانُهُ وَتَقْدِيمُ خُطْبَةٍ وَكَوْنُهُ فِي مَسْجِدِ يَوْمِ جُمُعَةٍ بِعَاقِدٍ رَشِيدٍ وَشُهُودٍ عُدُولٍ، وَالِاسْتِدَانَةُ لَهُ وَالنَّظَرُ إلَيْهَا قَبْلَهُ، وَكَوْنُهَا دُونَهُ سِنًّا وَحَسَبًا وَعِزًّا، وَمَالًا وَفَوْقَهُ خُلُقًا وَأَدَبًا ــ [رد المحتار] مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ قَضَاءُ الشَّهْوَةِ لِأَجْلِ تَحْصِينِ النَّفْسِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْأَشْبَاهِ بِأَنَّ النِّكَاحَ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ وَأَشَارَ بِالْفَاءِ إلَى تَوَقُّفِ كَوْنِهِ سُنَّةً عَلَى النِّيَّةِ ثُمَّ قَالَ: وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ فَتَخْتَلِفُ صِفَتُهَا بِاعْتِبَارِ مَا قُصِدَتْ لِأَجْلِهِ فَإِذَا قَصَدَ بِهَا التَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَاتِ أَوْ التَّوَصُّلَ إلَيْهَا كَانَتْ عِبَادَةً كَالْأَكْلِ وَالنَّوْمِ وَاكْتِسَابِ الْمَالِ وَالْوَطْءِ. اهـ. ثُمَّ رَأَيْت فِي الْفَتْحِ قَالَ: وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْتَرِنْ بِنِيَّةٍ كَانَ مُبَاحًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ حِينَئِذٍ مُجَرَّدُ قَضَاءِ الشَّهْوَةِ، وَمَبْنَى الْعِبَادَةِ عَلَى خِلَافِهِ. وَأَقُولُ: بَلْ فِيهِ فَضْلٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَضَائِهَا بِغَيْرِ الطَّرِيقِ الْمَشْرُوعِ فَالْعُدُولُ إلَيْهِ مَعَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَسْتَلْزِمُ أَثْقَالًا فِيهِ قَصْدُ تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَيُنْدَبُ إعْلَانُهُ) أَيْ إظْهَارُهُ وَالضَّمِيرُ رَاجِعٌ إلَى النِّكَاحِ بِمَعْنَى الْعَقْدِ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَاجْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفُوفِ» فَتْحٌ (قَوْلُهُ: وَتَقْدِيمُ خُطْبَةٍ) بِضَمِّ الْخَاءِ مَا يُذْكَرُ قَبْلَ إجْرَاءِ الْعَقْدِ مِنْ الْحَمْدِ وَالتَّشَهُّدِ، وَأَمَّا بِكَسْرِهَا فَهِيَ طَلَبُ التَّزَوُّجِ وَأَطْلَقَ الْخُطْبَةَ فَأَفَادَ أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ، وَإِنْ خَطَبَ بِمَا وَرَدَ فَهُوَ أَحْسَنُ، وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ ط عَنْ صَاحِبِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ مِنْ لَفْظِهِ ﵊ وَهُوَ «الْحَمْدُ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُ بِهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ [النساء: ١] إلَى ﴿رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا﴾ [الأحزاب: ٧٠] إلَى قَوْلِهِ ﴿عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] » . اهـ. (قَوْلُهُ: فِي مَسْجِدٍ) لِلْأَمْرِ بِهِ فِي الْحَدِيثِ ط (قَوْلُهُ: يَوْمَ جُمُعَةٍ) أَيْ وَكَوْنُهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَتْحٌ. [تَنْبِيهٌ] قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ: وَالْبِنَاءُ وَالنِّكَاحُ بَيْنَ الْعِيدَيْنِ جَائِزٌ وَكُرِهَ الزِّفَافُ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ «لِأَنَّهُ ﵊ تَزَوَّجَ بِالصِّدِّيقَةِ فِي شَوَّالٍ وَبَنَى بِهَا فِيهِ» وَتَأْوِيلُ قَوْلِهِ ﵊ «لَا نِكَاحَ بَيْنَ الْعِيدَيْنِ» إنْ صَحَّ أَنَّهُ ﵊ كَانَ رَجَعَ عَنْ صَلَاةِ الْعِيدِ فِي أَقْصَرِ أَيَّامِ الشِّتَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَهُ حَتَّى لَا يَفُوتُهُ الرَّوَاحُ فِي الْوَقْتِ الْأَفْضَلِ إلَى الْجُمُعَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: بِعَاقِدٍ رَشِيدٍ وَشُهُودٍ عُدُولٍ) فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْقِدَ مَعَ الْمَرْأَةِ بِلَا أَحَدٍ مِنْ عَصَبَتِهَا، وَلَا مَعَ عَصَبَةٍ فَاسِقٍ، وَلَا عِنْدَ شُهُودٍ غَيْرِ عُدُولٍ خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ (قَوْلُهُ: وَالِاسْتِدَانَةُ لَهُ) لِأَنَّ ضَمَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ «ثَلَاثٌ حَقٌّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى عَوْنُهُمْ: الْمُكَاتَبُ الَّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ، وَالنَّاكِحُ الَّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ، وَالْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى» ذَكَرَهُ بَعْضُ الْمُحَشِّينَ وَتَقَدَّمَ تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ. (قَوْلُهُ: وَالنَّظَرُ إلَيْهَا قَبْلَهُ) أَيْ، وَإِنْ خَافَ الشَّهْوَةَ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ وَهَذَا إذَا عَلِمَ أَنَّهُ يُجَابُ فِي نِكَاحِهَا. (قَوْلُهُ: دُونَهُ سِنًّا) لِئَلَّا يُسْرِعَ عُقْمُهَا فَلَا تَلِدَ. (قَوْلُهُ: وَحَسَبًا) هُوَ مَا تَعُدُّهُ مِنْ مَفَاخِرِ آبَائِك ح عَنْ الْقَامُوسِ أَيْ بِأَنْ يَكُونَ الْأُصُولُ أَصْحَابَ شَرَفٍ وَكَرْمٍ وَدِيَانَةٍ؛ لِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ دُونَهُ فِي ذَلِكَ، وَكَذَا فِي الْعِزِّ أَيْ الْجَاهِ وَالرِّفْعَةِ وَفِي الْمَالِ تَنْقَادُ لَهُ، وَلَا تَحْتَقِرُهُ، وَإِلَّا تَرَفَّعَتْ عَلَيْهِ وَفِي الْفَتْحِ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنْهُ ﷺ «مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إلَّا دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لَمْ يُرِدْ بِهَا إلَّا أَنْ يَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا وَبَارَكَ لَهَا فِيهِ» . [تَتِمَّةٌ] زَادَ فِي الْبَحْرِ: وَيَخْتَارُ أَيْسَرَ النِّسَاءِ خِطْبَةً، وَمُؤْنَةً وَنِكَاحُ الْبِكْرِ أَحْسَنُ لِلْحَدِيثِ «عَلَيْكُمْ بِالْأَبْكَارِ

стр. 1291

وَوَرَعًا وَجَمَالًا وَهَلْ يُكْرَهُ الزِّفَافُ الْمُخْتَارُ لَا إذَا لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى مُفْسِدَةٍ دِينِيَّةٍ. (وَيَنْعَقِدُ) مُتَلَبِّسًا (بِإِيجَابٍ) مِنْ أَحَدِهِمَا (وَقَبُولٍ) مِنْ الْآخِرِ (وَضْعًا لِلْمُضِيِّ) لِأَنَّ الْمَاضِيَ أَدَلُّ عَلَى التَّحْقِيقِ (كَزَوَّجْتُ) نَفْسِي أَوْ بِنْتِي أَوْ مُوَكِّلَتِي مِنْك ــ [رد المحتار] فَإِنَّهُنَّ أَعْذَبُ أَفْوَاهًا، وَأَنْقَى أَرْحَامًا، وَأَرْضَى بِالْيَسِيرِ» وَلَا يَتَزَوَّجُ طَوِيلَةً مَهْزُولَةً، وَلَا قَصِيرَةً دَمِيمَةً؛ وَلَا مُكْثِرَةً، وَلَا سَيِّئَةَ الْخُلُقِ، وَلَا ذَاتَ الْوَلَدِ، وَلَا مُسِنَّةً لِلْحَدِيثِ «سَوْدَاءُ وَلُودٌ خَيْرٌ مِنْ حَسْنَاءَ عَقِيمٍ» وَلَا يَتَزَوَّجُ الْأَمَةَ مَعَ طَوْلِ الْحُرَّةِ وَلَا زَانِيَةً، وَالْمَرْأَةُ تَخْتَارُ الزَّوْجَ الدَّيِّنَ الْحَسَنَ الْخُلُقِ الْجَوَادَ الْمُوسِرَ، وَلَا تَتَزَوَّجُ فَاسِقًا، وَلَا يُزَوِّجُ ابْنَتَهُ الشَّابَّةَ شَيْخًا كَبِيرًا وَلَا رَجُلًا دَمِيمًا وَيُزَوِّجُهَا كُفُؤًا، فَإِنْ خَطَبَهَا الْكُفْءُ لَا يُؤَخِّرُهَا وَهُوَ كُلُّ مُسْلِمٍ تَقِيٍّ وَتَحْلِيَةُ. الْبَنَاتِ بِالْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ لِيَرْغَبَ فِيهِنَّ الرِّجَالُ سُنَّةٌ وَلَا يَخْطُبُ مَخْطُوبَةَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ جَفَاءٌ وَخِيَانَةٌ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَهَلْ يُكْرَهُ الزِّفَافُ) هُوَ بِالْكَسْرِ كَكِتَابٍ إهْدَاءُ الْمَرْأَةِ إلَى زَوْجِهَا قَامُوسٌ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا اجْتِمَاعُ النِّسَاءِ لِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَازِمٌ لَهُ عُرْفًا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ (قَوْلُهُ: الْمُخْتَارُ لَا إلَخْ) هَذَا فِي الْفَتْحِ مُسْتَدِلًّا لَهُ بِمَا مَرَّ مِنْ حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ، وَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ «عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - قَالَتْ زَفَفْنَا امْرَأَةً إلَى رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ أَمَا يَكُونُ مَعَهُمْ لَهْوٌ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ يُعْجِبُهُمْ اللَّهْوُ» وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْهُ ﷺ «فَصْلُ مَا بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ الدُّفُّ وَالصَّوْتُ» وَقَالَ الْفُقَهَاءُ: الْمُرَادُ بِالدُّفِّ مَا لَا جَلَاجِلَ لَهُ. اهـ. وَفِي الْبَحْرِ عَنْ الذَّخِيرَةِ: ضَرْبُ الدُّفِّ فِي الْعُرْسِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَكَذَا اخْتَلَفُوا فِي الْغِنَاءِ فِي الْعُرْسِ وَالْوَلِيمَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِ كَرَاهَتِهِ كَضَرْبِ الدُّفِّ. (قَوْلُهُ: وَيَنْعَقِدُ) قَالَ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ: الْعَقْدُ رَبْطُ أَجْزَاءِ التَّصَرُّفِ أَيْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ شَرْعًا لَكِنْ هُنَا أُرِيدَ بِالْعَقْدِ الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ، وَهُوَ الِارْتِبَاطُ لَكِنْ النِّكَاحُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ مَعَ ذَلِكَ الِارْتِبَاطُ، إنَّمَا قُلْنَا هَذَا؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ يَعْتَبِرُ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ أَرْكَانَ عَقَدَ النِّكَاحِ لَا أُمُورًا خَارِجِيَّةً كَالشَّرَائِطِ، وَقَدْ ذَكَرْت فِي شَرْحِ التَّنْقِيحِ فِي فَصْلِ النَّهْيِ أَنَّ الشَّرْعَ يَحْكُمُ بِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ الْمَوْجُودَيْنِ حِسًّا يَرْتَبِطَانِ ارْتِبَاطًا حُكْمِيًّا، فَيَحْصُلُ مَعْنًى شَرْعِيٌّ يَكُونُ مِلْكُ الْمُشْتَرِي أَثَرًا لَهُ فَذَلِكَ الْمَعْنَى هُوَ الْبَيْعُ، فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمَعْنَى الْمَجْمُوعُ الْمُرَكَّبُ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مَعَ ذَلِكَ الِارْتِبَاطِ لِلشَّيْءِ لَا أَنَّ الْبَيْعَ مُجَرَّدُ ذَلِكَ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ وَالْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ آلَةٌ لَهُ كَمَا تَوَهَّمَ الْبَعْضُ؛ لِأَنَّ كَوْنَهُمَا أَرْكَانًا يُنَافِي ذَلِكَ. اهـ. أَيْ يُنَافِي كَوْنَهُمَا آلَةً، وَأَشَارَ الشَّارِحُ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ جَعَلَ الْبَاءَ لِلْمُلَابَسَةِ كَمَا فِي بَنَيْت الْبَيْتَ بِالْحَجَرِ لَا لِلِاسْتِعَانَةِ، كَمَا فِي كَتَبْت بِالْقَلَمِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّ النِّكَاحَ وَالْبَيْعَ وَنَحْوَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ تُوجَدُ حِسًّا بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، لَكِنْ وَصْفُهَا بِكَوْنِهَا عُقُودًا مَخْصُوصَةً بِأَرْكَانٍ وَشَرَائِطَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا أَحْكَامٌ، تَنْتَفِي تِلْكَ الْعُقُودُ بِانْتِفَائِهَا وُجُودٌ شَرْعِيٌّ زَائِدٌ عَلَى الْحِسِّيِّ، فَلَيْسَ الْعَقْدُ الشَّرْعِيُّ مُجَرَّدَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَلَا الِارْتِبَاطَ وَحْدَهُ بَلْ هُوَ مَجْمُوعُ الثَّلَاثَةِ وَعَلَيْهِ فَقَوْلُهُ: وَيَنْعَقِدُ أَيْ النِّكَاحُ أَيْ يَثْبُتُ وَيَحْصُلُ انْعِقَادُهُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ (قَوْلُهُ: مِنْ أَحَدِهِمَا) أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ مِنْ كَلَامِ الْعَاقِدِينَ إيجَابٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ كَلَامَ الزَّوْجِ، أَوْ كَلَامَ الزَّوْجَةِ وَالْمُتَأَخِّرَ قَبُولٌ ح عَنْ الْمِنَحِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَقْدِيمُ الْقَبُولِ، فَقَوْلُهُ: تَزَوَّجْت ابْنَتَك إيجَابٌ وَقَوْلُ الْآخَرِ زَوَّجْتُكهَا قَبُولٌ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ تَقْدِيمِ الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ وَتَمَامُ تَحْقِيقِهِ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْمَاضِيَ إلَخْ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَإِنَّمَا اُخْتِيرَ لَفْظُ الْمَاضِي؛ لِأَنَّ وَاضِعَ اللُّغَةِ لَمْ يَضَعْ لِلْإِنْشَاءِ لَفْظًا خَاصًّا، وَإِنَّمَا عُرِفَ الْإِنْشَاءُ بِالشَّرْعِ وَاخْتِيَارُ لَفْظِ الْمَاضِي لِدَلَالَتِهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَالثُّبُوتِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: عَلَى التَّحْقِيقِ أَيْ تَحْقِيقِ وُقُوعِ الْحَدَثِ (قَوْلُهُ: كَزَوَّجْتُ نَفْسِي إلَخْ) أَشَارَ إلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُوجِبُ أَصِيلًا أَوْ وَلِيًّا أَوْ وَكِيلًا وَقَوْلُهُ: مِنْكَ بِفَتْحِ الْكَافِ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ اسْتِقْصَاءَ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تَصْلُحُ لِلْإِيجَابِ، حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ أَنَّ مِثْلَ بِنْتِي ابْنِي، وَمِثْلُ مُوَكِّلَتِي مُوَكِّلِي، وَأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ مِنْك بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا أَوْ مِنْ مُوَلِّيَتِك أَوْ مِنْ

стр. 1292

(وَ) يَقُولُ الْآخَرُ (تَزَوَّجْت، وَ) يَنْعَقِدُ أَيْضًا (بِمَا) أَيْ بِلَفْظَيْنِ (وُضِعَ أَحَدُهُمَا لَهُ) لِلْمُضِيِّ (وَالْآخَرُ لِلِاسْتِقْبَالِ) أَوْ لِلْحَالِ، فَالْأَوَّلُ الْأَمْرُ (كَزَوِّجْنِي) أَوْ زَوِّجِينِي نَفْسَك أَوْ كُونِي امْرَأَتِي فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِيجَابٍ بَلْ هُوَ تَوْكِيلٌ ضِمْنِيٌّ (فَإِذَا قَالَ) فِي الْمَجْلِسِ (زَوَّجْت) أَوْ قَبِلْت أَوْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ بَزَّازِيَّةٌ قَامَ مَقَامَ الطَّرَفَيْنِ وَقِيلَ هُوَ إيجَابٌ ــ [رد المحتار] مُوَكَّلَتِك بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا لِيَعُمَّ الِاحْتِمَالَاتِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَيَقُولُ لِآخَرَ تَزَوَّجْت) أَيْ أَوْ قَبِلْت لِنَفْسِي أَوْ لِمُوَكِّلِي أَوْ ابْنِي، وَمُوَكِّلَتِي ط (قَوْلُهُ: فَالْأَوَّلُ) أَيْ الْمَوْضِعُ لِلِاسْتِقْبَالِ (قَوْلُهُ: نَفْسَك) بِكَسْرِ الْكَافِ مَفْعُولُ زَوِّجِينِي أَوْ بِفَتْحِهَا مَفْعُولُ زَوِّجْنِي فَفِيهِ حَذْفُ مَفْعُولِ أَحَدِ الْفِعْلَيْنِ وَلَوْ حَذَفَهُ لَشَمَلَ الْوَلِيَّ وَالْوَكِيلَ أَيْضًا أَفَادَهُ. ح (قَوْلُهُ: أَوْ كُونِي امْرَأَتِي) ، وَمِثْلُهُ كُونِي امْرَأَةَ ابْنِي أَوْ امْرَأَةَ مُوَكِّلِي وَكَذَا كُنْ زَوْجِي أَوْ كُنْ زَوْجَ بِنْتِي أَوْ زَوْجَ مُوَكِّلَتِي أَفَادَهُ ح (قَوْلُهُ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِإِيجَابٍ) الْفَاءُ فَصِيحَةٌ أَيْ إذَا عَرَفْت أَنَّ قَوْلَهُ بِمَا وُضِعَ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ وَعَرَفْت أَيْضًا أَنَّ الْعَطْفَ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ عَرَفْت أَنَّ لَفْظَ الْأَمْرِ لَيْسَ بِإِيجَابٍ، لَكِنْ هَذَا يَقْتَضِي أَنَّ قَوْلَ الْآخَرِ زَوَّجْت فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَيْسَ بِقَبُولٍ، وَهُوَ كَذَلِكَ أَيْ لَيْسَ بِقَبُولٍ مَحْضٍ بَلْ هُوَ لَفْظٌ قَامَ مَقَامَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ. وَيَرِدُ عَلَيْهِ أَنَّ عَطْفَ الْحَالِ عَلَى الِاسْتِقْبَالِ يَقْتَضِي أَنَّ نَحْوَ قَوْلِهِ أَتَزَوَّجُك لَيْسَ بِإِيجَابٍ وَأَنَّ قَوْلَهَا قَبِلْت مُجِيبَةً لَهُ لَيْسَ بِقَبُولٍ مَعَ أَنَّهُمَا إيجَابٌ وَقَبُولٌ قَطْعًا ح. (قَوْلُهُ: بَلْ هُوَ تَوْكِيلٌ ضِمْنِيٌّ) أَيْ أَنَّ قَوْلَهُ زَوِّجْنِي تَوْكِيلٌ بِالنِّكَاحِ لِلْمَأْمُورِ مَعْنًى، وَلَوْ صَرَّحَ بِالتَّوْكِيلِ وَقَالَ وَكَّلْتُك بِأَنْ تُزَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ زَوَّجْت صَحَّ النِّكَاحُ فَكَذَا هُنَا غَايَةُ الْبَيَانِ، وَأَشَارَ بِقَوْلِهِ ضِمْنِيٌّ إلَى الْجَوَابِ عَمَّا أَوْرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ كَانَ تَوْكِيلًا لَمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمَجْلِسِ، مَعَ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ. وَتَوْضِيحُ الْجَوَابِ كَمَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ: أَنَّ الْمُتَضَمَّنَ بِالْفَتْحِ لَا تُعْتَبَرُ شُرُوطُهُ بَلْ شُرُوطُ الْمُتَضَمِّنِ بِالْكَسْرِ وَالْأَمْرُ طَلَبٌ لِلنِّكَاحِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ شُرُوطُ النِّكَاحِ مِنْ اتِّحَادِ الْمَجْلِسِ فِي رُكْنَيْهِ لَا شُرُوطُ مَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ الْوَكَالَةِ كَمَا فِي أَعْتِقْ عَبْدَك عَنِّي بِأَلْفٍ لَمَّا كَانَ الْبَيْعُ فِيهِ ضِمْنِيًّا لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِهِمَا فِي الْعِتْقِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِي الْإِعْتَاقِ شَرْطٌ، وَهُوَ تَبَعٌ لِلْمُقْتَضَى وَهُوَ الْعِتْقُ إذْ الشُّرُوطُ اتِّبَاعٌ فَلِذَا ثَبَتَ الْبَيْعُ الْمُقْتَضَى بِالْفَتْحِ بِشُرُوطِ الْمُقْتَضِي بِالْكَسْرِ، وَهُوَ الْعِتْقُ لَا بِشُرُوطِ نَفْسِهِ إظْهَارًا لِلتَّبَعِيَّةِ فَسَقَطَ الْقَبُولُ الَّذِي هُوَ رُكْنُ الْبَيْعِ وَلَا يَثْبُتُ فِيهِ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ وَالْعَيْبِ وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمِنَحِ فِي آخِرِ نِكَاحِ الرَّقِيقِ (قَوْلُهُ: فَإِذَا قَالَ) أَيْ الْمَأْمُورُ بِالتَّزْوِيجِ (قَوْلُهُ: أَوْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَذْكُورُ أَيْ زَوَّجْت أَوْ قَبِلْت مُلْتَبِسًا بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِأَمْرِك وَلَا يَحْصُلُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَمْرِهِ إلَّا بِتَقْدِيرِ الْجَوَابِ مَاضِيًا مُرَادًا بِهِ الْإِنْشَاءُ لِيَتِمَّ شَرْطُ الْعَقْدِ بِكَوْنِ أَحَدِهِمَا لِلْمُضِيِّ (قَوْلُهُ: بَزَّازِيَّةٌ) نَصُّ عِبَارَتِهَا قَالَ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي فَقَالَتْ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ صَحَّ. اهـ. وَنَقَلَ هَذَا الْفَرْعَ فِي الْبَحْرِ عَنْ النَّوَازِلِ وَنَقَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الْخُلَاصَةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَقِيلَ هُوَ إيجَابٌ) مُقَابِلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ، وَمَشَى عَلَى الْأَوَّلِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمَجْمَعِ وَنَسَبَهُ فِي الْفَتْحِ إلَى الْمُحَقِّقِينَ، وَعَلَى الثَّانِي ظَاهِرُ الْكَنْزِ وَاعْتَرَضَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِكَلَامِهِمْ. وَأَجَابَ فِي الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ بِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْخَانِيَّةِ قَالَ فِي الْخَانِيَّةِ وَلَفْظُ الْأَمْرِ فِي النِّكَاحِ إيجَابٌ وَكَذَا فِي الْخُلْعِ وَالطَّلَاقِ وَالْكَفَالَةِ وَالْهِبَةِ. اهـ. قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ لَيْسَ إلَّا اللَّفْظَ الْمُفِيدَ قَصْدَ تَحَقُّقِ الْمَعْنَى أَوَّلًا، وَهُوَ صَادِقٌ عَلَى لَفْظِ الْأَمْرِ ثُمَّ قَالَ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ كَوْنِهِ تَوْكِيلًا،، وَإِلَّا بَقِيَ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالْبَيْعِ حَيْثُ لَا يَتِمُّ بِقَوْلِهِ بِعْنِيهِ بِكَذَا فَيَقُولُ بِعْت بِلَا جَوَابٍ لَكِنْ ذَكَرَ فِي الْبَحْرِ عَنْ بُيُوعِ الْفَتْحِ الْفَرْقَ بِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَدْخُلُهُ الْمُسَاوَمَةُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ مُقَدِّمَاتٍ، وَمُرَاجَعَاتٍ، فَكَانَ التَّحْقِيقُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ. وَأَوْرَدَ فِي الْبَحْرِ عَلَى كَوْنِهِ إيجَابًا مَا فِي الْخُلَاصَةِ: لَوْ قَالَ الْوَكِيلُ بِالنِّكَاحِ هَبْ ابْنَتَك لِفُلَانٍ فَقَالَ الْأَبُ: وَهَبْت

стр. 1293

وَرَجَّحَهُ فِي الْبَحْرِ وَالثَّانِي الْمُضَارِعُ الْمَبْدُوءُ بِهَمْزَةٍ أَوْ نُونٍ أَوْ تَاءٍ كَتُزَوِّجِينِي نَفْسَك إذَا لَمْ يَنْوِ الِاسْتِقْبَالَ، ــ [رد المحتار] لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ مَا لَمْ يَقُلْ الْوَكِيلُ بَعْدَهُ قَبِلْت؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ لَا يَمْلِكُ التَّوْكِيلَ، وَمَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ لَوْ قَالَ: هَبْ ابْنَتَك لِابْنِي فَقَالَ: وَهَبْت لَمْ يَصِحَّ مَا لَمْ يَقُلْ أَبُو الصَّبِيُّ قَبِلْت، ثُمَّ أَجَابَ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ لَا إيجَابٌ وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ ثَمَرَةُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لَكِنَّهُ مُتَوَقِّفٌ عَلَى النَّقْلِ، وَصَرَّحَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْأَمْرَ تَوْكِيلٌ يَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ بِالْمُجِيبِ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ إيجَابٌ يَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ قَائِمًا بِهِمَا. اهـ. أَيْ فَلَا يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ قَوْلُ الْآمِرِ قَبِلْت، فَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْجَوَابِ الْمَذْكُورِ، وَكَذَا يُخَالِفُهُ تَعْلِيلُ الْخُلَاصَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْوَكِيلِ أَنْ يُوَكِّلَ نَعَمْ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُؤَيِّدٌ لِلْجَوَابِ لَكِنْ قَالَ فِي النَّهْرِ إنَّ مَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ مُشْكِلٌ إذْ لَا يَصِحُّ تَفْرِيعُهُ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ إيجَابٌ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَلَا عَلَى أَنَّهُ تَوْكِيلٌ لِمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُوَكِّلَ بِنِكَاحِ ابْنِهِ الصَّغِيرِ إذْ بِتَقْدِيرِهِ يَكُونُ تَمَامُ الْعَقْدِ بِالْمُجِيبِ غَيْرَ مُتَوَقِّفٍ عَلَى قَبُولِ الْأَبِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ مُفَرَّعٌ عَلَى أَنَّهُ تَوْكِيلٌ. اهـ. . لَكِنْ قَالَ الْعَلَّامَةُ الْمَقْدِسِيَّ فِي شَرْحِهِ إنَّمَا تَوَقَّفَ الِانْعِقَادُ عَلَى الْقَبُولِ فِي قَوْلِ الْأَبِ أَوْ الْوَكِيلِ: هَبْ ابْنَتَك لِفُلَانٍ أَوْ لِابْنِي أَوْ أَعْطِهَا مَثَلًا؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي الطَّلَبِ وَأَنَّهُ مُسْتَقْبَلٌ لَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَاكِمُ وَالتَّحْقِيقُ، فَلَمْ يَتِمَّ بِهِ الْعَقْدُ بِخِلَافِ زَوِّجْنِي ابْنَتَك بِكَذَا بَعْدَ الْخُطْبَةِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ فِي التَّحَقُّقِ وَالْإِثْبَاتِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الْإِيجَابِ. اهـ فَتَأَمَّلْ هَذَا. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يُبْتَنَى عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ تَوْكِيلٌ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ سَمَاعُ الشَّاهِدَيْنِ لِلْأَمْرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْإِشْهَادُ عَلَى التَّوْكِيلِ، وَعَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ يُشْتَرَطُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْمِعْرَاجِ مَا يُفِيدُ الِاشْتِرَاطَ مُطْلَقًا وَهُوَ إنْ زَوَّجَنِي، وَإِنْ كَانَ تَوْكِيلًا لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْمَلْ زَوَّجْت بِدُونِهِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ شَرْطِ الْعَقْدِ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الظَّهِيرِيَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ، وَهُوَ مَا يَذْكُرُهُ الشَّارِحُ قَرِيبًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْعَقْدِ بِالْكِتَابَةِ وَيَأْتِي بَيَانُهُ. (قَوْلُهُ: وَالثَّانِي) أَيْ مَا وُضِعَ لِلْحَالِ الْمُضَارِعِ وَهُوَ الْأَصْلُ عِنْدَنَا، فَفِي قَوْلِهِ كُلُّ مَمْلُوكٍ أَمْلِكُهُ فَهُوَ حُرٌّ يَعْتِقُ مَا فِي مِلْكِهِ فِي الْحَالِ لَا مَا يَمْلِكُهُ بَعْدُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ حَقِيقَةٌ فِي الِاسْتِقْبَالِ فَقَوْلُهُ: أَتَزَوَّجُك يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْحَالَ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ، وَقَدْ أَرَادَ بِهِ التَّحْقِيقَ لَا الْمُسَاوَمَةَ بِدَلَالَةِ الْخُطْبَةِ وَالْمُقَدِّمَاتِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ كَمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الْحَالِ فَلَا كَلَامَ فِي صِحَّةِ الِانْعِقَادِ بِهِ، وَكَذَا إذَا كَانَ حَقِيقَةً فِي الِاسْتِقْبَالِ؛ لِقِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى إرَادَةِ الْحَالِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَوْ ادَّعَى إرَادَةَ الِاسْتِقْبَالِ وَالْوَعْدِ لَا يَصْدُقُ بَعْدَ تَمَامِ الْعَقْدِ بِالْقَبُولِ وَيَأْتِي قَرِيبًا مَا يُؤَيِّدُهُ. (قَوْلُهُ: الْمَبْدُوءُ بِهَمْزَةٍ) كَأَتَزَوَّجُك بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا ح (قَوْلُهُ: أَوْ نُونٍ) ذَكَرَهُ فِي النَّهْرِ بَحْثًا حَيْثُ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرُوا الْمُضَارِعَ الْمَبْدُوءَ بِالنُّونِ كَتَزَوُّجِك أَوْ نُزَوِّجُك مِنْ ابْنِي وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَتُزَوِّجِينِي) بِضَمِّ التَّاءِ وَنَفْسَك بِكَسْرِ الْكَافِ، وَمِثْلُهُ تُزَوِّجُنِي نَفْسَك بِضَمِّ التَّاءِ خِطَابًا لِلْمُذَكَّرِ فَالْكَافُ مَفْتُوحَةٌ. (قَوْلُهُ: إذَا لَمْ يَنْوِ الِاسْتِقْبَالَ) أَيْ الِاسْتِيعَادَ أَيْ طَلَبَ الْوَعْدِ وَهَذَا قَيْدٌ فِي الْأَخِيرِ فَقَطْ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ. وَعِبَارَةُ الْفَتْحِ لِمَا عَلِمْنَا أَنَّ الْمُلَاحَظَةَ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ فِي ثُبُوتِ الِانْعِقَادِ وَلُزُومِ حُكْمِهِ جَانِبَ الرِّضَا عَدَّيْنَا حُكْمَهُ إلَى كُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ ذَلِكَ بِلَا احْتِمَالٍ مُسَاوٍ لِلطَّرَفِ الْآخَرِ فَقُلْنَا لَوْ قَالَ بِالْمُضَارِعِ ذِي الْهَمْزَةِ أَتَزَوَّجُك فَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي انْعَقَدَ وَفِي الْمَبْدُوءِ بِالتَّاءِ تُزَوِّجُنِي بِنْتَك فَقَالَ فَعَلْت عِنْدَ عَدَمِ قَصْدِ الِاسْتِيعَادِ؛ لِأَنَّهُ يَتَحَقَّقُ فِيهِ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَخْبِرُ نَفْسَهُ عَنْ الْوَعْدِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَالنِّكَاحُ مِمَّا لَا يَجْرِي فِيهِ الْمُسَاوَمَةُ كَانَ لِلتَّحْقِيقِ فِي الْحَالِ فَانْعَقَدَ بِهِ لَا بِاعْتِبَارِ وَضْعِهِ لِلْإِنْشَاءِ، بَلْ بِاعْتِبَارِ اسْتِعْمَالِهِ فِي غَرَضِ تَحْقِيقِهِ، وَاسْتِفَادَةِ الرِّضَا مِنْهُ حَتَّى قُلْنَا: لَوْ صَرَّحَ بِالِاسْتِفْهَامِ اُعْتُبِرَ فَهْمُ الْحَالِ قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ: لَوْ قَالَ هَلْ أَعْطَيْتنِيهَا فَقَالَ أَعْطَيْت إنْ كَانَ الْمَجْلِسُ لِلْوَعْدِ فَوَعْدٌ، وَإِنْ كَانَ لِلْعَقْدِ فَنِكَاحٌ. اهـ. قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: فَعَلِمْنَا أَنَّ الْعِبْرَةَ لِمَا يَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِمَا لَا لِنِيَّتِهِمَا، أَلَا

стр. 1294

وَكَذَا أَنَا مُتَزَوِّجُك أَوْ جِئْتُك خَاطِبًا لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِي النِّكَاحِ أَوْ هَلْ أَعْطَيْتنِيهَا إنْ الْمَجْلِسُ لِلنِّكَاحِ، وَإِنْ لِلْوَعْدِ فَوَعْدٌ؛ وَلَوْ قَالَ لَهَا يَا عَرُوسِي فَقَالَتْ لَبَّيْكَ انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ (فَلَا يَنْعَقِدُ) بِقَبُولٍ بِالْفِعْلِ كَقَبْضِ مَهْرٍ وَلَا بِتَعَاطٍ وَلَا بِكِتَابَةِ حَاضِرٍ بَلْ غَائِبٌ بِشَرْطِ إعْلَامِ الشُّهُودِ بِمَا فِي الْكِتَابِ مَا لَمْ يَكُنْ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فَيَتَوَلَّى الطَّرَفَيْنِ فَتْحٌ ــ [رد المحتار] تَرَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مَعَ الْهَزْلِ وَالْهَازِلُ لَمْ يَنْوِ النِّكَاحَ، وَإِنَّمَا صَحَّتْ نِيَّةُ الِاسْتِقْبَالِ فِي الْمَبْدُوءِ بِالتَّاءِ لِأَنَّ تَقْدِيرَ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ فِيهِ شَائِعٌ كَثِيرٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ. اهـ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ الْمَبْدُوءَ بِالْهَمْزَةِ كَمَا لَا يَصِحُّ فِيهِ الِاسْتِيعَادُ لَا يَصِحُّ فِيهِ الْوَعْدُ بِالتَّزَوُّجِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ عِنْدَ قِيَامِ الْقَرِينَةِ عَلَى قَصْدِ التَّحْقِيقِ وَالرِّضَا كَمَا قُلْنَاهُ آنِفًا فَافْهَمْ (قَوْلُهُ: وَكَذَا أَنَا مُتَزَوِّجُك) ذَكَرَهُ فِي الْفَتْحِ بَحْثًا حَيْثُ قَالَ وَالِانْعِقَادُ بِقَوْلِهِ أَنَا مُتَزَوِّجُك يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُضَارِعِ الْمَبْدُوءِ بِالْهَمْزَةِ سَوَاءٌ. اهـ. قَالَ ح: لِأَنَّ مُتَزَوِّجٌ اسْمُ فَاعِلٍ وَهُوَ مَوْضُوعٌ لِذَاتٍ قَامَ بِهَا الْحَدَثُ وَتَحَقَّقَ فِي وَقْتِ التَّكَلُّمِ فَكَانَ دَالًّا عَلَى الْحَالِ، وَإِنْ كَانَتْ دَلَالَتُهُ عَلَيْهِ الْتِزَامِيَّةً. (قَوْلُهُ: أَوْ جِئْتُك خَاطِبًا) قَالَ فِي الْفَتْحِ: وَلَوْ قَالَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ كَجِئْتُك خَاطِبًا ابْنَتَك أَوْ لَتُزَوِّجنِي ابْنَتَك فَقَالَ الْأَبُ زَوَّجْتُك فَالنِّكَاحُ لَازِمٌ وَلَيْسَ لِلْخَاطِبِ أَنْ لَا يَقْبَلَ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِيهِ اهـ. قَالَ ح: فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ فِي هَذَا مَاضِيَانِ فَلَا مَعْنَى لِذِكْرِهِ هُنَا: قُلْت: الْمُعْتَبَرُ قَوْلُهُ: خَاطِبًا لَا قَوْلُهُ: جِئْتُك؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ وَلَا دَخْلَ لَهُ فِيهِ (قَوْلُهُ:؛ لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِي النِّكَاحِ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ الْبَيْعِ، فَلَوْ قَالَ أَنَا مُشْتَرٍ أَوْ جِئْتُك مُشْتَرِيًا لَا يَنْعَقِدُ الْبَيْعُ لِجَرَيَانِ الْمُسَاوَمَةِ فِيهِ ط (قَوْلُهُ: أَنَّ الْمَجْلِسَ لِلنِّكَاحِ) أَيْ لِإِنْشَاءِ عَقْدِهِ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ التَّحْقِيقُ فِي الْحَالِ فَإِذَا قَالَ الْآخَرُ أَعْطَيْتُكهَا أَوْ فَعَلْت لَزِمَ وَلَيْسَ لِلْأَوَّلِ أَنْ لَا يَقْبَلَ (قَوْلُهُ: انْعَقَدَ عَلَى الْمَذْهَبِ) صَوَابُهُ لَمْ يَنْعَقِدْ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ عَنْ الصَّيْرَفِيَّةِ بِأَنَّ الِانْعِقَادَ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، وَمِثْلُهُ فِي النَّهْرِ، وَكَذَا فِي شَرْحِ الْمَقْدِسِيَّ عَنْ فَوَائِدِ تَاجِ الشَّرِيعَةِ وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة قَالَ لِامْرَأَةٍ بِمَحْضَرٍ مِنْ الرِّجَالِ يَا عَرُوسِي قَالَتْ لَبَّيْكَ فَنِكَاحٌ قَالَ الْقَاضِي بَدِيعُ الدِّينِ إنَّهُ خِلَافُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ (قَوْلُهُ: فَلَا يَنْعَقِدُ إلَخْ) تَفْرِيعٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ انْعِقَادِهِ بِلَفْظِ إلَخْ ح (قَوْلُهُ: كَقَبْضِ مَهْرٍ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَهَلْ يَكُونُ الْقَبُولُ بِالْفِعْلِ كَالْقَبُولِ بِاللَّفْظِ كَمَا فِي الْبَيْعِ؟ قَالَ فِي الْبَزَّازِيَّةِ أَجَابَ صَاحِبُ الْبِدَايَةِ فِي امْرَأَةٍ زَوَّجَتْ نَفْسَهَا بِأَلْفٍ مِنْ رَجُلٍ عِنْدَ الشُّهُودِ، فَلَمْ يَقُلْ الزَّوْجُ شَيْئًا لَكِنْ أَعْطَاهَا الْمَهْرَ فِي الْمَجْلِسِ أَنَّهُ يَكُونُ قَبُولًا، وَأَنْكَرَهُ صَاحِبُ الْمُحِيطِ وَقَالَ الْإِمَامُ مَا لَمْ يَقُلْ بِلِسَانِهِ قَبِلْت بِخِلَافِ الْبَيْعِ لِأَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِالتَّعَاطِي وَالنِّكَاحُ لِخَطَرِهِ لَا يَنْعَقِدُ حَتَّى يَتَوَقَّفَ عَلَى الشُّهُودِ وَبِخِلَافِ إجَازَةِ نِكَاحِ الْفُضُولِيِّ بِالْفِعْلِ لِوُجُودِ الْقَوْلِ ثَمَّةَ. اهـ. ح (قَوْلُهُ: وَلَا يَتَعَاطَ) تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ بِالْفِعْلِ كَقَبْضِ مَهْرٍ وَكُلٌّ مِنْهُمَا تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِ الْمَتْنِ الْآتِي وَلَا بِتَعَاطٍ، فَإِنَّ مَسْأَلَةَ قَبْضِ الْمَهْرِ الَّتِي قَدَّمْنَا نَقْلَهَا عَنْ الْبَحْرِ بِعَيْنِهَا شَرَحَ بِهَا الْمُصَنِّفُ قَوْلَهُ وَلَا بِتَعَاطٍ ح. مَطْلَبُ التَّزَوُّجِ بِإِرْسَالِ كِتَابٍ (قَوْلُهُ: وَلَا بِكِتَابَةِ حَاضِرٍ) فَلَوْ كَتَبَ تَزَوَّجْتُك فَكَتَبَتْ قَبِلْت لَمْ يَنْعَقِدْ بَحْرٌ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يَقُولَ فَقَالَتْ قَبِلْت إلَخْ إذْ الْكِتَابَةُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بِلَا قَوْلٍ لَا تَكْفِي وَلَوْ فِي الْغَيْبَةِ، تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: بَلْ غَائِبٌ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْغَائِبُ عَنْ الْمَجْلِسِ، وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا فِي الْبَلَدِ ط (قَوْلُهُ: فَتْحٌ) فَإِنَّهُ قَالَ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْكِتَابِ كَمَا يَنْعَقِدُ بِالْخِطَابِ. وَصُورَتُهُ: أَنْ يَكْتُبَ إلَيْهَا يَخْطُبُهَا فَإِذَا بَلَغَهَا الْكِتَابُ أَحْضَرْت الشُّهُودَ وَقَرَأَتْهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَتْ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ أَوْ تَقُولُ إنَّ فُلَانًا كَتَبَ إلَيَّ يَخْطُبُنِي فَاشْهَدُوا أَنِّي زَوَّجْت نَفْسِي مِنْهُ، أَمَّا لَوْ لَمْ تَقُلْ بِحَضْرَتِهِمْ سِوَى زَوَّجْت نَفْسِي مِنْ فُلَانٍ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ سَمَاعَ الشَّطْرَيْنِ شَرْطُ صِحَّةِ النِّكَاحِ، وَبِإِسْمَاعِهِمْ الْكِتَابَ أَوْ التَّعْبِيرَ عَنْهُ مِنْهَا قَدْ سَمِعُوا الشَّطْرَيْنِ

стр. 1295

وَلَا (بِالْإِقْرَارِ عَلَى الْمُخْتَارِ) خُلَاصَةٌ كَقَوْلِهِ: هِيَ امْرَأَتِي لِأَنَّ الْإِقْرَارَ إظْهَارٌ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ، وَلَيْسَ بِإِنْشَاءٍ (وَقِيلَ إنْ) كَانَ (بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ صَحَّ) كَمَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْجُعْلِ (وَجَعَلَ) الْإِقْرَارَ (إنْشَاءً، وَهُوَ الْأَصَحُّ) ذَخِيرَةٌ (وَلَا يَنْعَقِدُ بِتَزَوَّجْتُ نِصْفَك عَلَى الْأَصَحِّ) احْتِيَاطًا خَانِيَةٌ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُضِيفَهُ إلَى كُلِّهَا أَوْ مَا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ، وَمِنْهُ الظَّهْرُ وَالْبَطْنُ عَلَى الْأَشْبَهِ ذَخِيرَةٌ وَرَجَّحُوا فِي الطَّلَاقِ خِلَافَهُ ــ [رد المحتار] بِخِلَافِ مَا إذَا انْتَفَيَا قَالَ فِي الْمُصَفَّى: هَذَا أَيْ إذَا كَانَ الْكِتَابُ بِلَفْظِ التَّزَوُّجِ، أَمَّا إذَا كَانَ بِلَفْظِ الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ زَوِّجِي نَفْسَك مِنِّي لَا يُشْتَرَطُ إعْلَامُهَا الشُّهُودَ بِمَا فِي الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهَا تَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ بِحُكْمِ الْوَكَالَةِ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْكَامِلِ، وَمَا نَقَلَهُ مِنْ نَفْيِ الْخِلَافِ فِي صُورَةِ الْأَمْرِ لَا شُبْهَةَ فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ وَالْمُحَقِّقِينَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَعَلَ لَفْظَةَ الْأَمْرِ إيجَابًا كَقَاضِي خَانْ عَلَى مَا نَقَلْنَاهُ عَنْهُ فَيَجِبُ إعْلَامُهَا إيَّاهُمْ مَا فِي الْكِتَابِ. اهـ. وَقَوْلُهُ: لَا شُبْهَةَ فِيهِ إلَخْ قَالَ الرَّحْمَتِيُّ: فِيهِ مُنَاقَشَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ تَوْكِيلٌ يَقُولُ تَوْكِيلٌ ضِمْنِيٌّ فَيَثْبُتُ بِشُرُوطِ مَا تَضَمَّنَهُ وَهُوَ الْإِيجَابُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ شُرُوطِهِ سَمَاعُ الشُّهُودِ فَيَنْبَغِي اشْتِرَاطُ السَّمَاعِ هُنَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ إلَّا أَنْ يُقَالَ قَدْ وُجِدَ النَّصُّ هُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ فَيَرْجِعُ إلَيْهِ. اهـ. [تَنْبِيهٌ] لَوْ جَاءَ الزَّوْجُ بِالْكِتَابِ إلَى الشُّهُودِ مَخْتُومًا فَقَالَ: هَذَا كِتَابِي إلَى فُلَانَةَ فَاشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ حَتَّى يَعْلَمَ الشُّهُودُ مَا فِيهِ وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ، وَفَائِدَةُ هَذَا الْخِلَافِ فِيمَا إذَا جَحَدَ الزَّوْجُ الْكِتَابَ بَعْدَ الْعَقْدِ فَشَهِدُوا بِأَنَّهُ كِتَابُهُ وَلَمْ يَشْهَدُوا بِمَا فِيهِ لَا تُقْبَلُ وَلَا يَقْضِي بِالنِّكَاحِ. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُقْبَلُ وَيُقْضَى بِهِ أَمَّا الْكِتَابُ فَصَحِيحٌ بِلَا إشْهَادٍ، وَإِنَّمَا الْإِشْهَادُ لِتَمَكُّنِ الْمَرْأَةِ مِنْ إثْبَاتِ الْكِتَابِ إذَا جَحَدَهُ الزَّوْجُ كَمَا فِي الْفَتْحِ عَنْ مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ (قَوْلُهُ: وَلَا بِالْإِقْرَارِ) لَا يُنَافِيهِ صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ النِّكَاحَ يَثْبُتُ بِالتَّصَادُقِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا أَنَّ الْإِقْرَارَ لَا يَكُونُ مِنْ صِيَغِ الْعَقْدِ، وَالْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِمْ إنَّهُ يَثْبُتُ بِالتَّصَادُقِ أَنَّ الْقَاضِيَ يُثْبِتُهُ بِهِ أَيْ بِالتَّصَادُقِ وَيَحْكُمُ بِهِ أَبُو السُّعُودِ عَنْ الْحَانُوتِيِّ (قَوْلُهُ: كَمَا يَصِحُّ بِلَفْظِ الْجَعْلِ) أَيْ بِأَنْ قَالَ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَقَالَا نَعَمْ فَيَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ يَنْعَقِدُ بِالْجَعْلِ، حَتَّى لَوْ قَالَتْ جَعَلْت نَفْسِي زَوْجَةً لَك فَقَبِلَ تَمَّ فَتْحٌ، وَمُقْتَضَى التَّشْبِيهِ فِي عِبَارَةِ الشَّارِحِ أَنَّ هَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرٌ (قَوْلُهُ: وَجُعِلَ) مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِلْمَجْهُولِ مَعْطُوفٌ عَلَى صَحَّ (قَوْلُهُ: ذَخِيرَةٌ) فَإِنَّهُ قَالَ ذَكَرَ فِي صُلْحِ الْأَصْلِ: ادَّعَى رَجُلٌ قِبَلَ امْرَأَةٍ نِكَاحًا فَجَحَدَتْ فَصَالَحَهَا عَلَى مِائَةٍ عَلَى أَنْ تُقِرَّ بِذَلِكَ فَأَقَرَّتْ فَهَذَا الْإِقْرَارُ مِنْهَا جَائِزٌ وَالْمَالُ لَازِمٌ، وَهَذَا الْإِقْرَارُ بِمَنْزِلَةِ إنْشَاءِ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ مَقْرُونٌ بِالْعِوَضِ، فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَمْلِيكٍ مُبْتَدَأٍ فِي الْحَالِ، فَإِنْ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الشُّهُودِ صَحَّ النِّكَاحُ، وَإِلَّا فَلَا فِي الْأَصَحِّ. اهـ. مُلَخَّصًا وَقَالَ فِي الْفَتْحِ قَالَ قَاضِي خَانْ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ أَقَرَّا بِعَقْدٍ مَاضٍ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ لَا يَكُونُ نِكَاحًا، وَإِنْ أَقَرَّ الرَّجُلُ أَنَّهُ زَوْجُهَا وَهِيَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ يَكُونُ إنْكَاحًا وَيَتَضَمَّنُ إقْرَارُهُمَا الْإِنْشَاءَ بِخِلَافِ إقْرَارِهِمَا بِمَاضٍ لِأَنَّهُ كَذِبٌ، وَهُوَ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَسْت لِي امْرَأَةً وَنَوَى بِهِ الطَّلَاقَ يَقَعُ كَأَنَّهُ قَالَ لِأَنِّي طَلَّقْتُك وَلَوْ قَالَ لَمْ أَكُنْ تَزَوَّجْتهَا وَنَوَى الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ لِأَنَّهُ كَذِبٌ مَحْضٌ. اهـ. يَعْنِي إذَا لَمْ تَقُلْ الشُّهُودُ جَعَلْتُمَا هَذَا نِكَاحًا فَالْحَقُّ هَذَا التَّفْصِيلُ لَهُ. (قَوْلُهُ: احْتِيَاطًا) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَوْلُهُمْ: إنَّ ذِكْرَ بَعْضَ مَا لَا يَتَجَزَّأُ كَذِكْرِ كُلِّهِ كَطَلَاقِ نِصْفِهَا يَقْتَضِي الصِّحَّةَ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي الْمَبْسُوطِ فِي مَوْضِعٍ جَوَازَهُ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ فِيهَا، فَلَا يَكْفِي ذِكْرُ الْبَعْضِ لِاجْتِمَاعِ مَا يُوجِبُ الْحِلَّ وَالْحُرْمَةَ فِي ذَاتٍ وَاحِدَةٍ فَتُرَجَّحُ الْحُرْمَةُ كَذَا فِي الْخَانِيَّةِ. اهـ. وَمَا صَحَّحَهُ فِي الْخَانِيَّةِ صَحَّحَهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ أَيْضًا وَنَصُّهُ: وَلَوْ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى نِصْفِ الْمَرْأَةِ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ. اهـ. ثُمَّ رَاجَعْت نُسْخَةً أُخْرَى مِنْ الظَّهِيرِيَّةِ فَرَأَيْتهَا كَذَا فَمَنْ قَالَ إنَّهُ فِي الظَّهِيرِيَّةِ صَحَّحَ الصِّحَّةَ فَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَتِهِ لَا الْبَاقِيَةِ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: أَوْ مَا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْكُلِّ) كَالرَّأْسِ وَالرَّقَبَةِ بَحْرٌ (قَوْلُهُ: وَرَجَّحُوا فِي الطَّلَاقِ خِلَافَهُ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: وَقَالُوا الْأَصَحُّ

стр. 1296

فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ. (وَإِذَا وَصَلَ الْإِيجَابَ بِالتَّسْمِيَةِ) لِلْمَهْرِ (كَانَ مِنْ تَمَامِهِ) أَيْ الْإِيجَابِ (فَلَوْ قَبِلَ الْآخَرُ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ) لِتَوَقُّفِ أَوَّلِ الْكَلَامِ عَلَى آخِرِهِ لَوْ فِيهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ. وَمِنْ شَرَائِطِ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ: اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ لَوْ حَاضِرَيْنِ، وَإِنْ طَالَ كَمُخَيَّرَةٍ، وَأَنْ لَا يُخَالِفَ الْإِيجَابُ الْقَبُولَ كَقَبِلْتُ النِّكَاحَ لَا الْمَهْرَ ــ [رد المحتار] أَنَّهُ لَوْ أَضَافَ الطَّلَاقَ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا لَا يَقَعُ وَكَذَا الْعِتْقُ، فَلَوْ أَضَافَ النِّكَاحَ إلَى ظَهْرِهَا وَبَطْنِهَا ذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ قَالَ مَشَايِخُنَا الْأَشْبَهُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ، وَذَكَرَ رُكْنُ الْإِسْلَامِ وَالسَّرَخْسِيُّ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. اهـ. أَقُول: وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ أَيْضًا فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، وَإِنْ قَالَ ظَهْرُك طَالِقٌ أَوْ بَطْنُك قَالَ السَّرَخْسِيُّ فِي شَرْحِهِ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَقَعُ، وَاسْتَدَلَّ بِمَسْأَلَةٍ ذَكَرَهَا فِي الْأَصْلِ إذَا قَالَ ظَهْرُك عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ بَطْنُك عَلَيَّ كَبَطْنِ أُمِّي أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُظَاهِرًا، وَذَكَرَ الْحَلْوَانِيُّ فِي شَرْحِهِ الْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَقَعُ الطَّلَاقُ قَالَ: وَهُوَ نَظِيرُ مَا قَالَ مَشَايِخُنَا فِيمَا إذَا أُضِيفَ عَقْدُ النِّكَاحِ إلَى ظَهْرِ الْمَرْأَةِ أَوْ إلَى بَطْنِهَا أَنَّ الْأَشْبَهَ بِمَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ. اهـ. (قَوْلُهُ: فَيَحْتَاجُ لِلْفَرْقِ) كَذَا قَالَ فِي النَّهْرِ لَكِنْ قَدْ عَلِمْت مِمَّا نَقَلْنَاهُ عَنْ الذَّخِيرَةِ أَوَّلًا وَثَانِيًا أَنَّ الْحَلْوَانِيَّ الَّذِي صَحَّحَ انْعِقَادَ النِّكَاحِ صَحَّحَ وُقُوعَ الطَّلَاقِ، وَأَنَّ السَّرَخْسِيَّ الَّذِي لَمْ يُصَحِّحْ الِانْعِقَادَ لَمْ يُصَحِّحْ الْوُقُوعَ بَلْ صَحَّحَ عَدَمَهُ عَلَى هَذَا فَلَا حَاجَةَ لِلْفَرْقِ، وَبِهِ ظَهَرَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي الْبَحْرِ وَتَبِعَهُ الشَّارِحُ قَوْلٌ ثَالِثٌ مُلَفَّقٌ عَنْ الْقَوْلَيْنِ وَلَا يَظْهَرُ وَجْهُهُ (قَوْلُهُ: كَانَ) أَيْ التَّسْمِيَةُ وَكَذَا ضَمِيرُ قَبْلَهُ ح أَيْ وَتَذْكِيرُ الضَّمِيرِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ أَوْ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّسْمِيَةِ الْمُسَمَّى أَيْ الْمَهْرُ (قَوْلُهُ: فَلَوْ قَبِلَ إلَخْ) قَالَ فِي الْفَتْحِ: كَامْرَأَةٍ قَالَتْ لِرَجُلٍ زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك بِمِائَةِ دِينَارٍ فَقَبِلَ أَنْ تَقُولَ بِمِائَةِ دِينَارٍ قَبْلَ الزَّوْجِ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ الْكَلَامِ يَتَوَقَّفُ عَلَى آخِرِهِ إذَا كَانَ فِي آخِرِهِ مَا يُغَيِّرُ أَوَّلَهُ وَهُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّ مُجَرَّدَ زَوَّجْت يَنْعَقِدُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَذَكَرَ الْمُسَمَّى مَعَهُ يُغَيِّرُ ذَلِكَ إلَى تَعْيِينِ الْمَذْكُورِ فَلَا يَعْمَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ قَبْلَهُ. (قَوْلُهُ: اتِّحَادُ الْمَجْلِسِ) قَالَ فِي الْبَحْرِ: فَلَوْ اخْتَلَفَ الْمَجْلِسُ لَمْ يَنْعَقِدْ، فَلَوْ أَوْجَبَ أَحَدُهُمَا فَقَامَ الْآخَرُ أَوْ اشْتَغَلَ بِعَمَلٍ آخَرَ بَطَلَ الْإِيجَابُ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الِارْتِبَاطِ اتِّحَادُ الزَّمَانِ فَجُعِلَ الْمَجْلِسُ جَامِعًا تَيْسِيرًا؛ وَأَمَّا الْفَوْرُ فَلَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ؛ وَلَوْ عَقَدَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ أَوْ يَسِيرَانِ عَلَى الدَّابَّةِ لَا يَجُوزُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى سَفِينَةٍ سَائِرَةٍ جَازَ. اهـ. أَيْ؛ لِأَنَّ السَّفِينَةَ فِي حُكْمِ مَكَان وَاحِدٍ. [فَرْعٌ] قَالَ فِي الْمُنْيَةِ: قَالَ زَوَّجْتُك بِنْتِي فَسَكَتَ الْخَاطِبُ فَقَالَ الصِّهْرُ أَيْ أَبُو الْبِنْتِ ادْفَعْ الْمَهْرَ فَقَالَ نَعَمْ فَهُوَ قَبُولٌ وَقِيلَ لَا. اهـ. وَهَذَا يُوهِمُ أَنَّ عِنْدَنَا قَوْلًا بِاشْتِرَاطِ الْفَوْرِ، وَأَنْ الْمُخْتَارَ عَدَمُهُ. وَأَجَابَ فِي الْفَتْحِ بِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ مَنْشَأُ هَذَا الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ كَانَ مُتَّصِفًا بِكَوْنِهِ خَاطِبًا فَحَيْثُ سَكَتَ وَلَمْ يُجِبْ عَلَى الْفَوْرِ كَانَ ظَاهِرًا فِي رُجُوعِهِ، فَقَوْلُهُ: نَعَمْ بَعْدَهُ لَا يُفِيدُ بِمُفْرَدِهِ لَا؛ لِأَنَّ الْفَوْرَ شَرْطٌ مُطْلَقًا، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ. اهـ. (قَوْلُهُ: لَوْ حَاضِرِينَ) احْتَرَزَ بِهِ عَنْ كِتَابَةِ الْغَائِبِ لِمَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَالْخِطَابِ أَنَّ فِي الْخِطَابِ لَوْ قَالَ: قَبِلْت فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لَمْ يَجُزْ وَفِي الْكِتَابِ يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ كَمَا وُجِدَ تَلَاشَى فَلَمْ يَتَّصِلْ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَائِمٌ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَقِرَاءَتُهُ بِمَنْزِلَةِ خِطَابِ الْحَاضِرِ فَاتَّصَلَ الْإِيجَابُ بِالْقَبُولِ فَصَحَّ. اهـ. وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ قِرَاءَةَ الْكِتَابِ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ لَا بُدَّ مِنْهَا لِيَحْصُلَ الِاتِّصَالُ بَيْنَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَحِينَئِذٍ فَاتِّحَادُ الْمَجْلِسِ شَرْطٌ فِي الْكِتَابِ أَيْضًا، وَإِنَّمَا الْفَرْقُ هُوَ الْكِتَابُ، وَإِمْكَانُ قِرَاءَتِهِ ثَانِيًا، فَلَوْ حَذَفَ قَوْلَهُ حَاضِرِينَ كَالنَّهْرِ لَكَانَ أَوْلَى وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَكَانَ الْكِتَابِ رَسُولٌ بِالْإِيجَابِ فَلَمْ تَقْبَلْ الْمَرْأَةُ ثُمَّ أَعَادَ الرَّسُولُ الْإِيجَابَ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ فَقَبِلَتْ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّ رِسَالَتَهُ انْتَهَتْ أَوَّلًا بِخِلَافِ الْكِتَابَةِ؛ لِبَقَائِهَا أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ. اهـ. (قَوْلُهُ: كَقَبِلْتُ النِّكَاحَ لَا الْمَهْرَ) تَمْثِيلٌ لِلْمَنْفِيِّ أَيْ إذَا قَالَ تَزَوَّجْتُك

стр. 1297

نَعَمْ يَصِحُّ الْحَطُّ كَزِيَادَةٍ قَبِلْتهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَأَنْ لَا يَكُونَ مُضَافًا وَلَا مُعَلَّقًا كَمَا سَيَجِيءُ، وَلَا الْمَنْكُوحَةُ مَجْهُولَةٌ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْعِلْمُ بِمَعْنَى الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ ــ [رد المحتار] بِأَلْفٍ فَقَالَتْ قَبِلْت النِّكَاحَ وَلَا أَقْبَلُ الْمَهْرَ لَا يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ لَيْسَتْ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ النِّكَاحِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْجَبَ النِّكَاحَ بِذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُسَمَّى، فَلَوْ صَحَّحْنَا قَبُولَهَا يَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَلَمْ يَرْضَ بِهِ بَلْ بِمَا سَمَّى فَيَلْزَمُهُ مَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يُسَمِّ مِنْ الْأَصْلِ؛ لِأَنَّ غَرَضَهُ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ حَيْثُ سَكَتَ عَنْهُ وَلَوْ قَالَتْ قَبِلْت وَلَمْ تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ صَحَّ النِّكَاحُ بِمَا سَمَّى وَتَمَامُهُ فِي الْفَتْحِ (قَوْلُهُ: نَعَمْ بِصِحَّةِ الْحَطِّ إلَخْ) أَيْ إذَا قَالَ تَزَوَّجْتُك بِأَلْفٍ فَقَالَتْ قَبِلْت بِخَمْسِمِائَةٍ يَصِحُّ وَيُجْعَلُ كَأَنَّهَا قَبِلْت الْأَلِفَ وَحَطَّتْ عَنْهُ خَمْسَمِائَةٍ بَحْرٌ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَبُولِ مِنْهُ لِأَنَّ هَذَا إسْقَاطٌ، وَإِبْرَاءٌ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ كَمَا لَوْ قَالَتْ: زَوَّجْت نَفْسِي مِنْك بِأَلْفٍ فَقَالَ الزَّوْجُ قَبِلْت بِأَلْفَيْنِ صَحَّ النِّكَاحُ بِأَلْفٍ إلَّا إنْ قَبِلَتْ فِي الْمَجْلِسِ، فَيَصِحُّ بِأَلْفَيْنِ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، فَصُورَةُ الْحَطِّ مِنْ الْمَرْأَةِ وَالزِّيَادَةِ مِنْ الزَّوْجِ كَمَا عَلِمْت وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ. وَقَالَ فِي النَّهْرِ بِخِلَافِ مَا إذَا زَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ بِأَلْفٍ فَقَبِلَهُ بِأَلْفَيْنِ أَوْ بِخَمْسِمِائَةٍ صَحَّ وَتَوَقَّفَ قَبُولُ الزِّيَادَةِ عَلَى قَبُولِهَا فِي الْمَجْلِسِ عَلَى مَا عَلَيْهِ الْفَتْوَى. اهـ. وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا أَوْجَبَتْ بِأَلْفٍ وَقَبِلَ الزَّوْجُ بِخَمْسِمِائَةٍ وَهُوَ مُشْكِلٌ فَإِنَّ الْحَطَّ مِمَّنْ لَهُ الْحَقُّ وَهُوَ الْمَرْأَةُ لَا مِمَّنْ عَلَيْهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِمَّا خَالَفَ فِيهِ الْقَبُولُ الْإِيجَابَ فَلَا يَصِحُّ، يُحَرَّرُ أَفَادَهُ الرَّحْمَتِيُّ. (قَوْلُهُ: وَأَنْ لَا يَكُونَ مُضَافًا) كَتَزَوَّجْتُك غَدًا وَلَا مُعَلَّقًا أَيْ عَلَى غَيْرِ كَائِنٍ كَتَزَوَّجْتُك إنْ قَدِمَ زَيْدٌ، وَقَوْلُهُ: كَمَا سَيَجِيءُ أَيْ الْكَلَامُ عَلَى الْمُضَافِ وَالْمُعَلَّقِ قَبِيلَ بَابِ الْوَلِيِّ (قَوْلُهُ: وَلَا الْمَنْكُوحَةُ مَجْهُولَةٌ) فَلَوْ زَوَّجَ بِنْتَهُ مِنْهُ وَلَهُ بِنْتَانِ لَا يَصِحُّ إلَّا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُتَزَوِّجَةً، فَيَنْصَرِفُ إلَى الْفَارِغَةِ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ نَهْرٌ، وَفِي مَعْنَاهُ مَا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ فَلْيُرَاجَعْ رَحْمَتِيٌّ وَإِطْلَاقُ قَوْلِهِ لَا يَصِحُّ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ الصِّحَّةِ، وَلَوْ جَرَتْ مُقَدِّمَاتُ الْخِطْبَةِ عَلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهَا لِتَتَمَيَّزَ الْمَنْكُوحَةُ عِنْدَ الشُّهُودِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ رَمْلِيٌّ. قُلْت: وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَوْ جَرَتْ الْمُقَدِّمَاتُ عَلَى مُعَيَّنَةٍ وَتَمَيَّزَتْ عِنْدَ الشُّهُودِ أَيْضًا يَصِحُّ الْعَقْدُ وَهِيَ وَاقِعَةُ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ نَفْيُ الْجَهَالَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِتَعَيُّنِهَا عِنْدَ الْعَاقِدَيْنِ وَالشُّهُودِ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِاسْمِهَا كَمَا إذَا كَانَتْ إحْدَاهُمَا مُتَزَوِّجَةً، وَيُؤَيِّدُهُ مَا سَيَأْتِي مِنْ أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ غَائِبَةً وَزَوَّجَهَا وَكِيلُهَا فَإِنْ عَرَفَهَا الشُّهُودُ وَعَلِمُوا أَنَّهُ أَرَادَهَا كَفَى ذِكْرُ اسْمِهَا، وَإِلَّا لَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ الْأَبِ وَالْجَدِّ أَيْضًا، وَلَا يَخْفَى أَنَّ قَوْلَهُ زَوَّجْت بِنْتِي وَلَهُ بِنْتَانِ أَقَلُّ إبْهَامًا مِنْ قَوْلِ الْوَكِيلِ زَوَّجْت فَاطِمَةَ وَيَأْتِي تَمَامُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَحُضُورُ شَاهِدَيْنِ حُرَّيْنِ وَعِنْدَ قَوْلِهِ غَلِطَ وَكِيلُهَا إلَخْ. [تَنْبِيهٌ] لَمْ يَذْكُرْ اشْتِرَاطَ تَمْيِيزِ الرَّجُلِ مِنْ الْمَرْأَةِ وَقْتَ الْعَقْدِ لِلْخِلَافِ لِمَا فِي النَّوَازِلِ فِي صَغِيرَيْنِ قَالَ أَبُو أَحَدِهِمَا زَوَّجْت بِنْتِي هَذِهِ مِنْ ابْنِك هَذَا وَقَبِلَ ثُمَّ ظَهَرَتْ الْجَارِيَةُ غُلَامًا وَالْغُلَامُ جَارِيَةً جَازَ ذَلِكَ، وَقَالَ الْعَتَّابِيُّ لَا يَجُوزُ بَحْرٌ قَالَ الرَّمْلِيُّ: وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ. قُلْت: وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ زَوَّجْت وَتَزَوَّجْت يَصْلُحُ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْفَتْحِ عَنْ الْمُنْيَةِ، وَمِثْلُهُ فِي الْبَحْرِ. (قَوْلُهُ: وَلَا يُشْتَرَطُ إلَخْ) أَيْ فِيمَا كَانَ بِلَفْظٍ وَنِكَاحٍ بِخِلَافِ مَا كَانَ كِنَايَةً لِمَا يَأْتِي مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَفَهْمِ الشُّهُودِ لَكِنْ قَيَّدَ فِي الدُّرَرِ عَدَمَ الِاشْتِرَاطِ بِمَا إذَا عَلِمَا أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا حَقِيقَةَ مَعْنَاهُ قَالَ فِي الْفَتْحِ لَوْ لُقِّنَتْ الْمَرْأَةُ زَوَّجْت نَفْسِي بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَقَبِلَ وَالشُّهُودُ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ أَوْ لَا يَعْلَمُونَ صَحَّ كَالطَّلَاقِ، وَقِيلَ لَا كَالْبَيْعِ كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَمِثْلُ هَذَا فِي جَانِبِ الرَّجُلِ إذَا لَقَّنَهُ وَلَا يَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَهَذِهِ مِنْ جُمْلَةِ مَسَائِلِ الطَّلَاقِ، وَالْعَتَاقِ، وَالتَّدْبِيرِ، وَالنِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ وَاقِعَةٌ فِي الْحَكَمِ ذَكَرَهُ فِي عَتَاقِ الْأَصْلِ فِي بَابِ التَّدْبِيرِ، وَإِذَا عَرَفَ الْجَوَابَ قَالَ قَاضِي خَانْ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِمَضْمُونِ

стр. 1298

إذْ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ بِهِ يُفْتَى. (وَإِنَّمَا يَصِحُّ بِلَفْظِ تَزْوِيجٍ وَنِكَاحٍ) لِأَنَّهُمَا صَرِيحٌ (وَمَا) عَدَاهُمَا كِنَايَةٌ هُوَ كُلُّ لَفْظٍ (وُضِعَ لِتَمْلِيكِ عَيْنٍ) كَامِلَةٍ فَلَا يَصِحُّ بِالشَّرِكَةِ (وَفِي الْحَالِ) خَرَجَ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ الْمُقَيَّدَةِ بِالْحَالِ ــ [رد المحتار] اللَّفْظِ إنَّمَا يُعْتَبَرُ لِأَجْلِ الْقَصْدِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيمَا يَسْتَوِي فِيهِ الْجِدُّ وَالْهَزْلُ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ، وَأَمَّا فِي الْخُلْعِ إذْ لُقِّنَتْ اخْتَلَعْتُ نَفْسِي مِنْك بِمَهْرِي وَنَفَقَةِ عِدَّتِي فَقَالَتْهُ وَلَا تَعْلَمُ مَعْنَاهُ وَلَا أَنَّهُ لَفْظُ خُلْعٍ اخْتَلَفُوا فِيهِ قِيلَ لَا يَصِحُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَالَ الْقَاضِي: وَيَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ الطَّلَاقُ وَلَا يَسْقُطُ الْمَهْرُ وَلَا النَّفَقَةُ، وَكَذَا لَوْ لُقِّنَتْ أَنْ تُبْرِئَهُ وَكَذَا الْمَدْيُونُ إذَا لَقَّنَ رَبَّ الدِّينِ لَفْظَ الْإِبْرَاءِ لَا يَبْرَأُ. اهـ. قُلْت: وَفِي فَهْمِ الشُّهُودِ اخْتِلَافُ تَصْحِيحٍ كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ. (قَوْلُهُ: إذْ لَمْ يَحْتَجْ لِنِيَّةٍ) بِسُكُونِ ذَالِ إذْ فَالْجُمْلَةُ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَهَا وَضَمِيرُ يَحْتَجْ لِمَا (قَوْلُهُ: بِهِ يُفْتَى) صَرَّحَ بِهِ فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ التَّجْنِيسِ يُفِيدُ تَرْجِيحَهُ. قُلْت: وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْفَتْحِ الْمَارِّ وَبِهِ جَزَمَ فِي مَتْنِ الْمُلْتَقَى وَالدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ وَذَكَرَ الشَّارِحُ فِي شَرْحِهِ عَلَى الْمُلْتَقَى أَنَّهُ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ فِيهِ (قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا يَصِحُّ إلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التَّصْرِيحَ يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ بِلَا خِلَافٍ وَغَيْرُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: قِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي الِانْعِقَادِ بِهِ عِنْدَنَا بَلْ الْخِلَافُ فِي خَارِجِ الْمَذْهَبِ، وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَنَا وَالصَّحِيحُ الِانْعِقَادُ، وَقِسْمٌ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّحِيحُ عَدَمُهُ وَقِسْمٌ لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الِانْعِقَادِ بِهِ، فَالْأَوَّلُ مَا سِوَى لَفْظَيْ النِّكَاحِ وَالتَّزْوِيجُ لَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالتَّمْلِيكِ، وَالْجَعْلُ نَحْوُ جَعَلْت بِنْتِي لَك بِأَلْفٍ وَالثَّانِي نَحْوُ بِعْت نَفْسِي مِنْك بِكَذَا أَوْ ابْنَتِي أَوْ اشْتَرَيْتُك بِكَذَا فَقَالَتْ نَعَمْ وَنَحْوُ السَّلَمِ وَالصَّرْفِ وَالْقَرْضِ وَالصُّلْحِ وَالثَّالِثُ كَالْإِجَارَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَالرَّابِعُ كَالْإِبَاحَةِ وَالْإِحْلَالِ وَالْإِعَارَةِ وَالرَّهْنِ وَالتَّمَتُّعِ وَالْإِقَالَةِ وَالْخُلْعِ أَفَادَهُ فِي الْفَتْحِ. (قَوْلُهُ: وَمَا عَدَاهُمَا كِنَايَةٌ إلَخْ) فِي هَذَا التَّرْكِيبِ إخْرَاجُ الْمَتْنِ عَنْ مَدْلُولِهِ مِنْ التَّصْرِيحِ بِجَوَازِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ. وَأَوْرَدَ عَلَيْهِ كَيْفَ صَحَّ بِالْكِنَايَةِ مَعَ اشْتِرَاطِ الشَّهَادَةِ فِيهِ وَالْكِنَايَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ النِّيَّةِ، وَلَا اطِّلَاعَ لِلشُّهُودِ عَلَيْهَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ قُلْنَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ مَعَ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَذَكَرَ السَّرَخْسِيُّ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِشَرْطٍ مُطْلَقًا لِعَدَمِ اللَّبْسِ وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحْنَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ. اهـ. وَلِلْمُحَقِّقِ ابْنِ الْهُمَامِ فِيهِ بَحْثٌ طَوِيلٌ يَأْتِي بَعْضُهُ قَرِيبًا. (قَوْلُهُ: هُوَ كُلُّ لَفْظٍ إلَخْ) أَوْرَدَ عَلَيْهِ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بِأَلْفَاظٍ غَيْرِ مَا ذَكَرَ مِثْلِ كُونِي امْرَأَتِي، وَقَوْلِهَا عَرَّسْتُك نَفْسِي. وَقَوْلُهُ: لِمُبَانَتِهِ: رَاجَعْتُك بِكَذَا وَقَوْلِهَا لَهُ رَدَدْت نَفْسِي عَلَيْك، وَقَوْلِهِ صِرْت لِي أَوْ صِرْت لَك وَقَوْلِهِ: ثَبَتَ حَقِّي فِي مَنَافِعِ بُضْعِك وَذَكَرَ أَلْفَاظَ أُخَرَ وَأَنَّهُ يَنْعَقِدُ فِي الْكُلِّ مَعَ الْقَبُولِ، ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي حَتَّى فِي النِّكَاحِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُؤَدِّي مَعْنَى النِّكَاحِ. وَحَاصِلُهُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ دَاخِلَةٌ فِي النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ لَفْظُهُ أَوْ مَا يُؤَدِّي مَعْنَاهُ تَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: وُضِعَ لِتَمْلِيكِ عَيْنٍ) خَرَجَ مَا لَا يُفِيدُ التَّمْلِيكَ أَصْلًا كَالرَّهْنِ الْوَدِيعَةِ، وَمَا يُفِيدُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ كَالْإِجَارَةِ وَالْإِعَارَةِ كَمَا يَأْتِي. (قَوْلُهُ: كَامِلَةٍ) صَرَّحَ بِمَفْهُومِهِ بِقَوْلِهِ فَلَا يَصِحُّ بِالشَّرِكَةِ قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَهَذَا أَيْ لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الشَّرِكَةِ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ التَّمْلِيكَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْكُلِّ وَهَذَا لَا يَصِحُّ النِّكَاحُ إذَا قَالَ زَوَّجْتُك نِصْفَ جَارِيَتِي (قَوْلُهُ: خَرَجَ الْوَصِيَّةُ غَيْرُ الْمُقَيَّدَةِ بِالْحَالِ) بِأَنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُضَافَةً إلَى مَا بَعْدَ الْمَوْتِ أَمَّا الْمُقَيَّدَةُ بِالْحَالِ نَحْوُ أَوْصَيْت لَك بِبُضْعِ ابْنَتِي لِلْحَالِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَائِزٌ كَمَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ، وَتَبِعَهُ فِي النَّهْرِ قَائِلًا وَارْتَضَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَخَالَفَهُمْ فِي الْبَحْرِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا أَطْلَقَهُ الشَّارِحُونَ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ مَجَازٌ عَنْ التَّمْلِيكِ فَلَوْ انْعَقَدَ بِهَا لَكَانَ مَجَازًا عَنْ النِّكَاحِ وَالْمَجَازُ لَا مَجَازَ لَهُ كَمَا فِي بُيُوعِ الْعِنَايَةِ. اهـ. وَنَقَلَ الرَّمْلِيُّ عَنْ الْمَقْدِسِيَّ أَنَّ قَوْلَهُ إنَّ الْمَجَازَ لَا مَجَازَ لَهُ مَرْدُودٌ يَعْرِفُ ذَلِكَ مَنْ طَالَعَ أَسَاسَ الْبَلَاغَةِ. اهـ. أَيْ كَمَا قَرَّرُوهُ فِي رَأَيْت مِشْفَرَ زَيْدٍ مِنْ أَنَّهُ مَجَازٌ بِمَرْتَبَتَيْنِ، وَكَذَا فِي ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: ١١٢]

стр. 1299

(كَهِبَةٍ وَتَمْلِيكٍ وَصَدَقَةٍ وَعَطِيَّةٍ وَقَرْضٍ وَسَلَمٍ وَاسْتِئْجَارٍ) ــ [رد المحتار] قُلْت: لَكِنْ قَوْلُ الْمُصَنِّفِ كَغَيْرِهِ، وَمَا وُضِعَ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ لَا يَشْمَلُ الْوَصِيَّةَ؛ لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لِتَمْلِيكِ الْعَيْنِ بَعْدَ الْمَوْتِ فَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي تَمْلِيكِ الْعَيْنِ فِي الْحَالِ كَانَتْ مَجَازًا فَلَمْ يَصِحَّ بِهَا النِّكَاحُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُوضَعْ لِلتَّمْلِيكِ فِي الْحَالِ لَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مَجَازٌ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُجَابَ بِأَنَّ قَوْلَهُمْ وُضِعَ بِمَعْنَى اُسْتُعْمِلَ فَيَشْمَلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ أَوْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمَجَازَ مَوْضُوعٌ بِالْوَضْعِ النَّوْعِيِّ كَمَا أَوْضَحَهُ شَارِحُ التَّحْرِيرِ فِي أَوَّلِ الْفَصْلِ الْخَامِسِ فَتَأَمَّلْ. (قَوْلُهُ: كَهِبَةٍ) أَيْ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهِ النِّكَاحِ. وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ إمَّا أَمَةٌ أَوْ حُرَّةٌ، فَإِذَا أَضَافَ الْهِبَةَ إلَى الْأَمَةِ بِأَنْ قَالَ لِرَجُلٍ وَهَبْت أَمَتِي هَذِهِ مِنْك، فَإِنْ كَانَ الْحَالُ يَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ إحْضَارِ شُهُودٍ وَتَسْمِيَةِ الْمَهْرِ مُعَجَّلًا، وَمُؤَجَّلًا وَنَحْوِ ذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَالُ دَلِيلًا عَلَى النِّكَاحِ، فَإِنْ نَوَى النِّكَاحَ وَصَدَّقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَكَذَلِكَ يَنْصَرِفُ إلَى النِّكَاحِ بِقَرِينَةِ النِّيَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ يَنْصَرِفُ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ، وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى الْحُرَّةِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ؛ لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِلْمَعْنَى الْحَقِيقِيِّ، وَهُوَ الْمِلْكُ لِلْحُرَّةِ يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِ فَهُوَ الْقَرِينَةُ، فَإِنْ قَامَتْ الْقَرِينَةُ عَلَى عَدَمِهِ لَا يَنْعَقِدُ، فَلَوْ طَلَبَ مِنْ امْرَأَةٍ الزِّنَى فَقَالَتْ وَهَبْت نَفْسِي مِنْك فَقَالَ الرَّجُلُ قَبِلْت لَا يَكُونُ نِكَاحُهُ كَقَوْلِ أَبِي الْبِنْتِ وَهَبْتهَا لَك لِتَخْدُمَك فَقَالَ قَبِلْت إلَّا إذَا أَرَادَ بِهِ النِّكَاحَ كَذَا فِي الْبَحْرِ ط. (قَوْلُهُ: وَقَرْضٍ إلَخْ) قَالَ فِي النَّهْرِ وَفِي الصَّرْفِ وَالْقَرْضِ وَالصُّلْحِ وَالرَّهْنِ قَوْلَانِ وَيَنْبَغِي تَرْجِيحُ انْعِقَادِهِ بِالصَّرْفِ عَمَلًا بِالْكُلِّيَّةِ لِمَا أَنَّهُ يُفِيدُ مِلْكَ الْعَيْنِ فِي الْجُمْلَةِ وَبِهِ يَتَرَجَّحُ مَا فِي الصَّيْرَفِيَّةِ مِنْ تَصْحِيحِ انْعِقَادِهِ بِالْقَرْضِ، وَإِنْ رَجَّحَ فِي الْكَشْفِ وَغَيْرِهِ عَدَمَهُ وَجَزَمَ السَّرَخْسِيُّ بِانْعِقَادِهِ بِالصُّلْحِ وَالْعَطِيَّةِ وَلَمْ يَحْكِ الأتقاني غَيْرَهُ. اهـ. وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى الرَّهْنِ لَكِنْ قَوْلُهُ: وَلَمْ يَحْكِ الأتقاني غَيْرَهُ سَبْقُ قَلَمٍ فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الأتقاني فِي غَايَةِ الْبَيَانِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالصُّلْحِ وَهَكَذَا نَقَلَهُ عَنْهُ فِي الْبَحْرِ، وَعَزَاهُ فِي الْفَتْحِ إلَى الْأَجْنَاسِ، ثُمَّ نَقَلَ كَلَامَ السَّرَخْسِيِّ. قُلْت: وَيَنْبَغِي التَّفْصِيلُ وَالتَّوْفِيقُ بِأَنْ يُقَالَ إنْ جَعَلَتْ الْمَرْأَةُ بَدَلَ الصُّلْحِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَبُو الْبِنْتِ لِدَائِنِهِ مَثَلًا صَالَحْتُك عَنْ أَلْفِك الَّتِي لَك عَلَيَّ بِبِنْتِي هَذِهِ، وَإِنْ جَعَلَتْ مُصَالِحًا عَنْهَا بِأَنْ قَالَ " صَالَحْتُك " عَنْ بِنْتِي بِأَلْفٍ لَا يَصِحُّ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ غَايَةِ الْبَيَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ؛ لِأَنَّ الصُّلْحَ حَطِيطَةٌ، وَإِسْقَاطٌ لِلْحَقِّ. اهـ. وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْإِسْقَاطَ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُصَالَحِ عَنْهُ وَالْمَقْصُودُ مِلْكُ الْمُتْعَةِ مِنْ الْمَرْأَةِ لَا إسْقَاطُهُ فَلِذَا لَمْ يَصِحَّ أَمَّا بَدَلُ الصُّلْحِ فَالْمَقْصُودُ مِلْكُهُ أَيْضًا فَيَصِحُّ بِهِ مِلْكُ الْمُتْعَةِ. هَذَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْخِلَافِ فِي الْعَطِيَّةِ مِثْلُ قَوْلِهِ هِيَ لَك عَطِيَّةٌ بِكَذَا لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ وَقَدْ أَفْتَى بِهِ فِي الْخَيْرِيَّةِ وَأَمَّا لَفْظُ أَعْطَيْتُك بِنْتِي بِكَذَا كَمَا هُوَ الشَّائِعُ عِنْدَ الْأَعْرَابِ وَالْفَلَّاحِينَ فَيَصِحُّ بِهِ الْعَقْدُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ عَنْ شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ، وَيَقَعُ كَثِيرًا أَنَّهُ يَقُولُ جِئْتُك خَاطِبًا بِنْتَك لِنَفْسِي فَيَقُولُ أَبُوهَا هِيَ جَارِيَةٌ فِي مَطْبَخِك فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ إذَا قَصَدَ الْعَقْدَ دُونَ الْوَعْدِ أَخْذًا مِمَّا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْبَحْرِ فِي وَهَبْتهَا لَك لِتَخْدُمَك وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الذَّخِيرَةِ إذَا قَالَ جَعَلْت ابْنَتِي هَذِهِ لَك بِأَلْفٍ صَحَّ لِأَنَّهُ أَتَى بِمَعْنَى النِّكَاحِ وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَلْفَاظِ. اهـ. (قَوْلُهُ: وَسَلَمٍ وَاسْتِئْجَارٍ) هَذَا إذَا جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ أَوْ جُعِلَتْ أُجْرَةً فَيَنْعَقِدُ إجْمَاعًا، أَمَّا إنْ جُعِلَتْ مُسْلَمًا فِيهَا فَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ فِي الْحَيَوَانِ لَا يَصِحُّ، وَقِيلَ يَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ يُفِيدُ مِلْكَ الرَّقَبَةِ مِلْكًا فَاسِدًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَا يُفْسِدُ الْحَقِيقِيَّ يُفْسِدُ مَجَازِيَّهُ وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ، وَهُوَ مُقْتَضَى

стр. 1300

وَصُلْحٍ وَصَرْفٍ وَكُلٍّ مَا تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ بِشَرْطِ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ وَفَهْمِ الشُّهُودِ الْمَقْصُودَ (لَا) يَصِحُّ (بِلَفْظِ إجَارَةٍ) بِرَاءٍ أَوْ بِزَايٍ (وَإِعَارَةٍ وَوَصِيَّةٍ) وَرَهْنٍ الْوَدِيعَةٍ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، لَكِنْ تَثْبُتُ بِهِ الشُّبْهَةُ فَلَا يُحَدُّ وَلَهَا الْأَقَلُّ مِنْ الْمُسَمَّى، وَمَهْرِ الْمِثْلِ، وَكَذَا تَثْبُتُ بِكُلِّ لَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ فَلْيُحْفَظْ. (وَأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ كَتَجَوَّزْتُ) ــ [رد المحتار] مَا فِي الْمُتُونِ، وَإِنْ لَمْ تُجْعَلْ أُجْرَةٌ كَقَوْلِهِ آجَرْتُك ابْنَتِي بِكَذَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُغَيِّرُ مِلْكَ الْعَيْنِ أَفَادَهُ فِي الْبَحْرِ (قَوْلُهُ: وَكُلُّ مَا تُمْلَكُ بِهِ الرِّقَابُ) كَالْجُعْلِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ بِهَا كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: بِشَرْطِ نِيَّةٍ أَوْ قَرِينَةٍ إلَخْ) هَذَا مَا حَقَّقَهُ فِي الْفَتْحِ رَدًّا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ، حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ النِّيَّةَ شَرْطًا عِنْدَ ذِكْرِ الْمَهْرِ وَعَلَى السَّرَخْسِيِّ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْهَا شَرْطًا مُطْلَقًا. وَحَاصِلُ الرَّدِّ أَنَّ الْمُخْتَارَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ فَهْمِ الشُّهُودِ الْمُرَادِ فَإِنْ حَكَمَ السَّامِعُ بِأَنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَرَادَ مِنْ اللَّفْظِ مَا لَمْ يُوضَعْ لَهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ قَرِينَةٍ عَلَى إرَادَتِهِ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَلَا بُدَّ مِنْ إعْلَامِ الشُّهُودِ بِمُرَادِهِ، وَلِذَا قَالَ فِي الدِّرَايَةِ فِي تَصْوِيرِ الِانْعِقَادِ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ عِنْدَ مَنْ يُجِيزُهُ أَنْ يَقُولَ آجَرْت بِنْتِي وَنَوَى بِهِ النِّكَاحَ وَأَعْلَمَ الشُّهُودَ. اهـ. بِخِلَافِ قَوْلِهِ بِعْتُك بِنْتِي، فَإِنَّ عَدَمَ قَبُولِ الْمَحَلِّ لِلْبَيْعِ يُوجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَجَازِيِّ، فَهُوَ قَرِينَةٌ يَكْتَفِي بِهَا الشُّهُودُ حَتَّى لَوْ كَانَتْ الْمَعْقُودُ عَلَيْهَا أَمَةً لَا بُدَّ مِنْ قَرِينَةٍ زَائِدَةٍ تَدُلُّ عَلَى النِّكَاحِ مِنْ إحْضَارِ الشُّهُودِ وَذِكْرِ الْمَهْرِ مُؤَجَّلًا أَوْ مُعَجَّلًا، وَإِلَّا فَإِنْ نَوَى وَصَدَّقَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ صَحَّ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ انْصَرَفَ إلَى مِلْكِ الرَّقَبَةِ كَمَا فِي الْبَدَائِعِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ مِنْ إعْلَامِ الشُّهُودِ وَقَدْ رَجَعَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَى التَّحْقِيقِ حَيْثُ قَالَ وَلِأَنَّ كَلَامَنَا فِيمَا إذَا صَرَّحَا بِهِ وَلَمْ يَبْقَ احْتِمَالٌ. اهـ. هَذَا حَاصِلُ مَا فِي الْفَتْحِ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كِنَايَاتِ النِّكَاحِ مِنْ النِّيَّةِ مَعَ قَرِينَةٍ أَوْ تَصْدِيقِ الْقَابِلِ لِلْمُوجِبِ وَفَهْمِ الشُّهُودِ الْمُرَادِ أَوْ إعْلَامِهِمْ بِهِ. (قَوْلُهُ: بِلَفْظِ إجَارَةٍ) أَيْ فِي الْأَصَحِّ كَآجَرْتُكِ نَفْسِي بِكَذَا بِخِلَافِ لَفْظِ الِاسْتِئْجَارِ بِأَنْ جُعِلَتْ الْمَرْأَةُ بَدَلًا مِثْلُ اسْتَأْجَرْت دَارَك بِنَفْسِي أَوْ بِبِنْتِي عِنْدَ قَصْدِ النِّكَاحِ كَمَا مَرَّ بَيَانُهُ، وَغَيَّرَ هُنَاكَ بِالِاسْتِئْجَارِ وَهُنَا بِالْإِجَارَةِ إشَارَةً لِلْفَرْقِ الْمَذْكُورِ فَلَا تَكْرَارَ فَافْهَمْ. (قَوْلُهُ: وَوَصِيَّةٍ) أَيْ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِالْحَالِ كَمَا مَرَّ (قَوْلُهُ: وَرَهْنٍ) فِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ كَمَا فِي الْبِنَايَةِ، وَرَجَّعَ فِي الْوَلْوَالِجيَّةِ مَا هُنَا مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ وَلَعَلَّ ابْنَ الْهُمَامِ لَمْ يَعْتَبِرْ الْقَوْلَ الْآخَرَ لِعَدَمِ ظُهُورِ وَجْهِهِ فَعَدَّ الرَّهْنَ مِنْ قِسْمِ مَا لَا خِلَافَ فِي عَدَمِ الصِّحَّةِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ أَصْلًا. (قَوْلُهُ: وَنَحْوُهَا) كَإِبَاحَةٍ، وَإِحْلَالٍ وَتَمَتُّعٍ، وَإِقَالَةٍ وَخُلْعٍ كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ الْفَتْحِ، لَكِنْ ذَكَرَ فِي النَّهْرِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الْآخَرُ بِمَا إذَا لَمْ يُجْعَلْ بَدَلُ الْخُلْعِ، فَإِنْ جُعِلَتْ كَمَا إذَا قَالَ أَجْنَبِيٌّ اخْلَعْ زَوْجَتَك بِبِنْتِي هَذِهِ فَقَبِلَ صَحَّ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ الْإِجَارَةِ. (قَوْلُهُ: لَكِنْ تَثْبُتُ بِهِ) أَيْ بِنَحْوِ الْمَذْكُورَاتِ (قَوْلُهُ: وَكَذَا تَثْبُتُ بِكُلِّ لَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ) هَذَا سَاقِطٌ مِنْ بَعْضِ النُّسَخِ وَهُوَ الْأَحْسَنُ وَلِذَا قَالَ ح: إنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ لَكِنْ ثَبَتَ بِهِ الشُّبْهَةُ مَعَ أَنَّ قَوْلَهُ بِكُلِّ لَفْظٍ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ شَامِلٌ لِلَفْظٍ لَا دَخْلَ لَهُ أَصْلًا كَقَوْلِهِ لَهَا أَنْتِ صَدِيقَتِي فَقَالَتْ نَعَمْ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا تَثْبُتُ بِهِ الشُّبْهَةُ، بِخِلَافِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى فَإِنَّهَا وَقَعَتْ بَيَانًا لِنَحْوِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْمَتْنِ فَتَخْتَصُّ بِكُلِّ لَفْظٍ يُفِيدُ الْمِلْكَ وَلَا يَنْعَقِدُ بِهِ النِّكَاحُ. اهـ. مَطْلَبٌ هَلْ يَنْعَقِدُ النِّكَاحُ بِالْأَلْفَاظِ الْمُصَحَّفَةِ نَحْوِ تَجَوَّزْت (قَوْلُهُ: وَأَلْفَاظٍ مُصَحَّفَةٍ) مِنْ التَّصْحِيفِ، وَهُوَ تَغْيِيرُ اللَّفْظِ حَتَّى يَتَغَيَّرَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ مِنْ الْوَضْعِ كَمَا فِي الصِّحَاحِ، وَفِي الْمُغْرِبِ التَّصْحِيفُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْءَ عَلَى خِلَافِ مَا أَرَادَهُ كَاتِبُهُ أَوْ عَلَى غَيْرِ مَا اصْطَلَحُوا عَلَيْهِ (قَوْلُهُ: كَتَجَوَّزْتُ) أَيْ بِتَقْدِيمِ الْجِيمِ عَلَى الزَّايِ قَالَ فِي الْمُغْرِبِ: جَازَ الْمَكَانَ وَأَجَازَهُ وَجَاوَزَهُ وَتَجَاوَزَهُ إذَا سَارَ فِيهِ وَخَلَّفَهُ، وَحَقِيقَتُهُ قَطَعَ جَوْزَهُ
следующие страницы →