← Фикх малики

Фикх малики · id 21614

منح الجليل شرح مختصر خليل

محمد بن أحمد عليش

Полный текст (4 919 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.

стр. 3886

وَإِلَّا فَلَهُ الْهَرَبُ وَإِنْ عُيِّنَ ــ [منح الجليل] (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَلَا ضَيَاعَ الْحَقِّ (فَلَهُ) أَيْ مَنْ فِيهِ شُرُوطُهُ (الْهَرَبُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ مِنْ تَوْلِيَتِهِ إنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ الْإِمَامُ، بَلْ (وَإِنْ عُيِّنَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا مِنْ الْإِمَامِ لِتَوَلِّيَةِ الْقَضَاءِ. ابْنُ رُشْدٍ الْهُرُوبُ عَنْ الْقَضَاءِ وَاجِبٌ وَطَلَبُ السَّلَامَةِ مِنْهُ لَازِمٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ، فَرَوْضُ الْكِفَايَةِ كُلُّهَا تَتَعَيَّنُ بِتَعْيِينِ الْإِمَامِ إلَّا الْقَضَاءَ لِشِدَّةِ خَطَرِهِ فِي الدِّينِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وِلَايَتَهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمِحَنِ حَيْثُ جَازَتْ لَهُ مُخَالَفَةُ الْإِمَامِ هُنَا، وَلَمْ تَجُزْ لَهُ فِي الْجِهَادِ الْمُؤَدِّي لِلْمَوْتِ. ابْنُ شَاسٍ لِلْإِمَامِ إجْبَارُهُ وَلَهُ هُوَ أَنْ يَهْرُبَ بِنَفْسِهِ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ تَعَيُّنَهُ لَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ. ١ - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: إذَا لَزِمَهُ طَلَبُ الْقَضَاءِ فَطَلَبَهُ فَمُنِعَ مِنْهُ إلَّا بِبَذْلِ مَالٍ فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ بَذْلُهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِمْ إنَّمَا يَلْزَمُهُ الْقَبُولُ إذَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إذَا كَانَ يُعَانُ عَلَى الْحَقِّ، وَبَذْلُ الْمَالِ فِي الْقَضَاءِ مِنْ أَوَّلِ الْبَاطِلِ الَّذِي لَمْ يُعَنْ عَلَى إبْطَالِهِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ فَرْحُونٍ قَالَهُ الْحَطّ. الثَّانِي: رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «سَتَحْرِصُونَ عَلَى الْإِمَارَةِ وَتَكُونُ حَسْرَةً وَنَدَامَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَنِعْمَتْ الْمُرْضِعَةُ وَبِئْسَتْ الْفَاطِمَةُ» ، فَمَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَأَرَادَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ وَخِيفَ عَلَيْهِ فِيهِ الْهَلَاكُ، وَمَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَامْتُحِنَ بِهِ وَهُوَ كَارِهٌ لَهُ خَائِفٌ عَلَى نَفْسِهِ فِيهِ أَعَانَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ «مَنْ طَلَبَ الْقَضَاءَ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ وُكِّلَ إلَيْهِ، وَمَنْ لَمْ يَطْلُبْهُ وَلَا اسْتَعَانَ عَلَيْهِ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَلَكًا يُسَدِّدُهُ» ، وَقَالَ ﷺ «لَا تَسْأَلْ الْإِمَارَةَ فَإِنَّك إنْ تُؤْتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ تُعَنْ عَلَيْهَا وَإِنْ تُؤْتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ تُوَكَّلْ إلَيْهَا» . ١ - الثَّالِثُ: فِي وَثَائِقِ الْجَزِيرِيِّ الْقَضَاءُ مِحْنَةٌ وَبَلِيَّةٌ وَمَنْ دَخَلَ فِيهِ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ لِأَنَّ التَّخَلُّصَ مِنْهُ عُسْرٌ، فَالْهَرَبُ مِنْهُ وَاجِبٌ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْوَقْتِ وَطَلَبُهُ نُوكٌ، وَإِنْ كَانَ حِسْبَةً قَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَرَخَّصَ فِيهِ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إذَا خَلَصَتْ النِّيَّةُ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَلِيَهُ مَنْ لَا يُرْضَى حَالُهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ ﵇ «إنَّا لَا نَسْتَعْمِلُ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَهُ» . اهـ. فِي الصِّحَاحِ

стр. 3887

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [منح الجليل] النُّوكُ بِالضَّمِّ الْحُمْقُ، قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ: وَدَاءُ النُّوكِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ وَالنَّوَاكَةُ الْحَمَاقَةُ. الرَّابِعُ: ابْنُ فَرْحُونٍ وَأَمَّا تَحْصِيلُ الْقَضَاءِ بِالرِّشْوَةِ فَهُوَ أَشَدُّ كَرَاهَةً، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ فِي كِتَابِهِ آدَابُ الْقَضَاءِ مَنْ قَبِلَ الْقَضَاءَ بِقُبَالَةٍ وَأَعْطَى عَلَيْهِ رِشْوَةً فَوِلَايَتُهُ بَاطِلَةٌ وَقَضَاؤُهُ مَرْدُودٌ، وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَمَ بِحَقٍّ وَإِنْ أَعْطَى رِشْوَةً عَلَى عَزْلِ قَاضٍ لِيُوَلَّى مَكَانَهُ فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَإِنْ أَعْطَاهَا عَلَى عَزْلِهِ دُونَ وِلَايَةٍ فَعُزِلَ الْأَوَّلُ بِرِشْوَةٍ ثُمَّ اسْتَقْضَى هُوَ مَكَانَهُ بِغَيْرِ رِشْوَةٍ نُظِرَ فِي الْمَعْزُولِ، فَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَأَعْطَاهُ الرِّشْوَةَ عَلَى عَزْلٍ حَرَامٌ وَلَا يَنْعَزِلُ وَيَبْقَى عَلَى وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَنْ عَزَلَهُ تَابَ وَرَدَّ الرِّشْوَةَ قَبْلَ عَزْلِهِ، وَقَضَاءُ الْمُسْتَخْلِفِ أَيْضًا بَاطِلٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الْوِلَايَةِ فَيَصِحُّ قَضَاؤُهُ، فَإِنْ كَانَ الْمَعْزُولُ جَائِرًا فَلَا يَبْطُلُ قَضَاءُ الْمُسْتَخْلِفِ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ قُلْت هَذَا تَخْرِيجًا عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَالْحَنَفِيِّ. ١ - الْخَامِسُ: لَمْ يَتَعَرَّضْ الْمُصَنِّفُ لِمَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْوِلَايَةُ، وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي التَّحْرِيرِ لِانْعِقَادِ الْوِلَايَةِ شُرُوطُ الْعِلْمِ بِشَرَائِطِ الْوِلَايَةِ فِي الْمُوَلَّى، فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهَا إلَّا بَعْدَ التَّقْلِيدِ اسْتَأْنَفَهُ. الثَّانِي ذِكْرُ الْمُوَلَّى لَهُ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الْإِمَارَةِ فَإِنْ جُهِلَ فَسَدَتْ، الثَّالِثُ ذِكْرُ الْبَلَدِ الَّذِي عُقِدَتْ الْوِلَايَةُ عَلَيْهِ لِيَمْتَازَ عَنْ غَيْرِهِ. ١ - السَّادِسُ: الْقُرْطُبِيُّ الْأَلْفَاظُ الَّتِي تَنْعَقِدُ بِهَا الْوِلَايَةُ صَرِيحٌ وَكِنَايَةٌ فَالصَّرِيحُ أَرْبَعَةُ أَلْفَاظٍ هِيَ وَلَّيْتُك وَقَلَّدْتُك وَاسْتَخْلَفْتُك وَاسْتَتَبْتُك، وَالْكِنَايَةُ ثَمَانِيَةُ أَلْفَاظٍ وَهِيَ اعْتَمَدْت عَلَيْك وَعَوَّلْت عَلَيْك وَرَدَدْت إلَيْك وَجَعَلْت إلَيْك وَفَوَّضْت إلَيْك وَوَكَّلْت إلَيْك وَاسْتَنَدْت إلَيْك وَعَهِدْت إلَيْك، وَتَحْتَاجُ الْكِنَايَةُ إلَى أَنْ يَقْتَرِنَ بِهَا مَا يَنْفِي الِاحْتِمَالَ مِثْلُ اُحْكُمْ فِيمَا اعْتَمَدْت عَلَيْك فِيهِ وَشِبْهِ ذَلِكَ. السَّابِعُ: ابْنُ عَرَفَةَ تَثْبُتُ تَوْلِيَةُ الْإِمَامِ قَاضِيهِ بِإِشْهَادِهِ بِهَا نَصًّا وَالْأَصَحُّ ثُبُوتُهَا بِالِاسْتِفَاضَةِ الدَّالَّةِ بِتَوَاتُرِهَا وَالْقَرَائِنِ عَلَى عِلْمِ ذَلِكَ وَمَنَعَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَهَا بِكِتَابٍ يُقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ إنْ لَمْ يَنْظُرْ الشُّهُودُ فِي الْكِتَابِ الْمَقْرُوءِ لِجَوَازِ أَنْ يَقْرَأَ الْقَارِئُ مَا لَيْسَ فِي الْكِتَابِ، وَلَوْ قَرَأَهُ

стр. 3888

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [منح الجليل] الْإِمَامُ صَحَّتْ، قُلْت سَمَاعُ الْإِمَامِ الْمَقْرُوءِ عَلَيْهِ مَعَ سَمَاعِهِ وَسُكُوتِهِ يَحْصُلُ الْعِلْمُ ضَرُورَةً بِتَوْلِيَتِهِ إيَّاهُ، وَنَقَلَ الْمُتَيْطِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ الْمَذْهَبِ ثُبُوتَ وِلَايَتِهِ بِشَهَادَةِ السَّمَاعِ. اهـ. قَوْلُهُ يَقْرَأُ عَلَى الْإِمَامِ كَذَا فِي النُّسْخَةِ الَّتِي رَأَيْت مِنْهُ وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ بَحْثُهُ وَاَلَّذِي فِي تَبْصِرَةِ ابْنُ فَرْحُونٍ عَنْ الْإِمَامِ وَهُوَ الظَّاهِرُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ١ - الثَّامِنُ: ابْنُ فَرْحُونٍ إذَا كَانَ الْمُوَلَّى غَائِبًا وَقْتَ تَوْلِيَتِهِ جَازَ قَبُولُهُ عَلَى التَّرَاخِي عِنْدَ بُلُوغِ التَّوْلِيَةِ إلَيْهِ، وَعَلَامَةُ قَبُولِهِ شُرُوعُهُ فِي الْعَمَلِ وَبِهَذَا جَرَى عَمَلُ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى وَقْتِنَا هَذَا. ١ - التَّاسِعُ: فِي الذَّخِيرَةِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ انْعِقَادُ وِلَايَةِ الْقَاضِي بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ كَالْوَكَالَةِ وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِيهِ، قَالُوا فَإِنْ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ بِاللَّفْظِ مُشَافَهَةً فَالْقَبُولُ عَلَى الْفَوْرِ لَفْظًا كَالْإِيجَابِ، وَفِي الْمُرَاسَلَةِ يَجُوزُ التَّرَاخِي بِالْقَبُولِ، قَالُوا وَفِي الْقَبُول بِالشُّرُوعِ فِي النَّظَرِ خِلَافٌ، وَقَوَاعِدُنَا تَقْتَضِي الْجَوَازَ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ. الْعَاشِرُ: فِي الذَّخِيرَةِ الشَّافِعِيَّةِ إذَا انْعَقَدَتْ الْوِلَايَةُ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْمُتَوَلِّي النَّظَرُ حَتَّى تَشِيعَ وِلَايَتُهُ فِي عَمَلِهِ لِيُذْعِنُوا لَهُ وَهُوَ شَرْطٌ أَيْضًا فِي وُجُوبِ طَاعَتِهِ، وَقَوَاعِدُ الشَّرِيعَةِ تَقْتَضِي مَا قَالُوهُ، فَإِنَّ التَّمَكُّنَ وَالْعِلْمَ شَرْطَانِ فِي التَّكْلِيفِ فَالشُّيُوعُ يُوجِبُ لَهُ الْمُكْنَةَ وَلَهُمْ الْعِلْمَ. الْحَادِيَ عَشَرَ: ابْنُ الْحَاجِبِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ مَنْ يَرَى غَيْرَ رَأْيِهِ فِي الِاجْتِهَادِ وَالتَّقْلِيدِ وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ بَطَلَ الشَّرْطُ، وَصَحَّتْ التَّوْلِيَةُ. خَلِيلٌ كَالْمَالِكِيِّ يُوَلِّي شَافِعِيًّا أَوْ حَنَفِيًّا وَلَوْ شَرَطَ أَيْ الْإِمَامُ عَلَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ أَوْ اجْتِهَادٍ لَهُ بَطَلَ الشَّرْطُ وَصَحَّ الْعَقْدُ قَالَهُ الطُّرْطُوشِيُّ. وَقَالَ غَيْرُهُ الْعَقْدُ غَيْرُ جَائِزٍ يَنْبَغِي فَسْخُهُ وَرَدُّهُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْقَاضِي مُجْتَهِدًا وَفَرَضَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ وَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ مُقَلِّدًا وَكَانَ مُتَّبِعًا لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَاضْطُرَّ إلَى وِلَايَةِ قَاضٍ مُقَلِّدٍ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُ أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَأَنْ لَا يَتَعَدَّى فِي قَضَائِهِ مَذْهَبَ مَالِكٍ ﵁ لِمَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي أَنْ يَقْضِيَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا عَلَيْهِ أَهْلُ

стр. 3889

وَحَرُمَ لِجَاهِلٍ، وَطَالِبِ دُنْيَا وَنُدِبَ لِيُشْهِرَ عِلْمَهُ: ــ [منح الجليل] الْإِقْلِيمِ وَالْبَلَدِ هَذَا الَّذِي الْقَاضِي وَلَّى عَلَيْهِمْ، وَقَدْ وَلَّى سَحْنُونٌ رَجُلًا سَمِعَ بَعْضَ كَلَامِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَتَعَدَّى الْحُكْمَ بِمَذْهَبِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْبَاجِيَّ فِي سِجِلَّاتِ قُرْطُبَةَ لَا يَخْرُجُ عَنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا وَجَدَ الطُّرْطُوشِيُّ هَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ مِنْهُمْ أَرَادَ أَنَّ الْحَقَّ لَيْسَ فِي قَوْلٍ مُعَيَّنٍ. (وَحَرُمَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ الْقَضَاءُ (لِ) شَخْصٍ (جَاهِلٍ) الْأَوْلَى لِفَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ لِأَنَّهُ أَكْثَرُ فَائِدَةً. الْمَازِرِيُّ يَحْرُمُ طَلَبُ الْقَضَاءِ عَلَى فَاقِدِ أَهْلِيَّتِهِ (وَ) حَرُمَ أَيْضًا عَلَى (طَالِبِ دُنْيَا) يَجْمَعُهَا بِهِ لِجَوْرِهِ بِسَبَبِ ذَلِكَ. ابْنُ رُشْدٍ يَجِبُ أَنْ لَا يُوَلَّى الْقَضَاءَ مَنْ أَرَادَهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ يَحْرُمُ طَلَبُهُ عَلَى مَنْ قَصَدَ بِهِ الِانْتِقَامَ مِنْ أَعْدَائِهِ. (وَنُدِبَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ طَلَبُ وَقَبُولُ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِصَاحِبِ عِلْمٍ خَفِيٍّ (لِيُشْهِرَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (عِلْمَهُ) لِلنَّاسِ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ لِأَنَّ الْخَامِلَ لَا يُعْبَأُ بِهِ وَلَا يُلْقَى إلَيْهِ، سَمِعَ فِي الْمَازِرِيِّ " ق " عَنْ بَعْضِهِمْ يُسْتَحَبُّ طَلَبُهُ لِمُجْتَهِدٍ خَفِيَ عِلْمُهُ وَأَرَادَ إظْهَارَهُ بِوِلَايَتِهِ الْقَضَاءَ وَلِعَاجِزٍ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ إلَّا بِرِزْقِ الْقَضَاءِ. الْمَازِرِيُّ وَلَا يُقْتَصَرُ بِالِاسْتِحْبَابِ عَلَى هَذَيْنِ إذْ يُسْتَحَبُّ لِلْأَوْلَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ مِنْهُ. ابْنُ فَرْحُونٍ الْمَازِرِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ وَلَكِنَّهُ يَرَى أَنَّهُ أَنْهَضُ وَأَنْفَعُ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ آخَرَ يُوَلَّاهُ وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُ. وَلَكِنَّهُ دُونَ هَذَا. اهـ. وَإِنْ قَصَدَ بِهِ دَفْعَ ضَرَرٍ عَنْ نَفْسِهِ فَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمُبَاحِ وَعَكْسُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ مَا إذَا كَانَ عَدْلًا مَشْهُورًا يَنْفَعُ النَّاسَ بِعِلْمِهِ وَخَافَ إنْ تَوَلَّى الْقَضَاءَ أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى ذَلِكَ، فَيُكْرَهُ لَهُ طَلَبُهُ وَقَبُولُهُ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي كَوْنِهِ فِي حَقِّ الْمَشْهُورِ عِلْمُهُ الْغَنِيِّ مَكْرُوهًا أَوْ مُبَاحًا نَظَرٌ، وَأُصُولُ الشَّرْعِ تَدُلُّ عَلَى الْإِبْعَادِ مِنْهُ اهـ. ابْنُ فَرْحُونٍ مِنْ الْمَكْرُوهِ أَنْ يَطْلُبَ الْقَضَاءَ لِتَحْصِيلِ الْجَاهِ وَالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى النَّاسِ، فَهَذَا سَعْيُهُ مَكْرُوهٌ، وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ حَرَامٌ كَانَ وَجْهُهُ ظَاهِرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣] ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ تَكُنْ تَوْلِيَتُهُ مَلْزُومَةً لِمَا لَا يَحِلُّ مِنْ تَكْلِيفِهِ تَقْدِيمَ مَنْ

стр. 3890

كَوَرِعٍ، غَنِيٍّ، حَلِيمٍ، نَزِهٍ، ــ [منح الجليل] لَا يَحِلُّ تَقْدِيمُهُ لِلشَّهَادَةِ، وَقَدْ شَاهَدْنَا مِنْ ذَلِكَ مَا اللَّهُ أَعْلَمُ بِهِ، وَلَا فَائِدَةَ فِي كَتْبِهِ هُنَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَبَّهَ فِي النَّدْبِ فَقَالَ (كَ) تَوْلِيَةِ (وَرِعٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ تَارِكِ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ، وَالنَّزِهِ هُوَ الَّذِي لَا يَطْمَعُ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ. فِي الْمُقَدِّمَاتِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁ فِي صِفَةِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ ابْنُ مُحْرِزٍ لَا يَأْتِي بِمَا نُصِبَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَابَةٍ لِيُفَارِقَ بِالنَّزَاهَةِ التَّشَوُّفَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَبِالنَّصِيحَةِ يُفَارِقُ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الظُّلْمَ، وَلَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْغِشِّ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَأِ، وَبِالرَّحْمَةِ حَالَ الْقَاسِي الَّذِي لَا يَرْحَمُ الصَّغِيرَ وَالْيَتِيمَ وَالْمَظْلُومَ بِالصَّلَابَةِ حَالُ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ (غَنِيٍّ) سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ فِي الْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْلِسَ لَهُ حَتَّى يَغْنَى وَيُقْضَى دَيْنُهُ. الْمَازِرِيُّ وَهَذِهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ، فَإِذَا كَانَ غَنِيًّا بَعُدَ ذَلِكَ. اهـ. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَوْنَهُ بَلَدِيًّا وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ تَعَالَى لَوْمَةَ لَائِمٍ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْوُلَاةَ الْيَوْمَ يُرَجِّحُونَ غَيْرَ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ، وَالثَّانِي لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوْمَةِ لَائِمٍ رَاجِعٌ إلَى الْفِسْقِ. (حَلِيمٍ) حَسَنِ الْخُلُقِ يَتَحَمَّلُ مَا يَقَعُ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الْخُصُومِ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى (نَزِهٍ)

стр. 3891

نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ، وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ ــ [منح الجليل] بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ قَنُوعٍ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَطَلَّعُ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ. " غ " أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ أَيْ مُتَرَفِّعٍ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الرَّذَائِلِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ. الْجَوْهَرِيُّ النَّزَاهَةُ الْبُعْدُ عَنْ السُّوءِ (نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ إلَى الطَّعْنِ فِيهِ حَسَدًا عَلَى مَنْصِبِ الْقَضَاءِ. ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ بِوِلَايَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يُحْكَمُ فِي حَدِّهِ. الْبَاجِيَّ الْأَظْهَرُ مَنْعُهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ فَلَا يَلِيهِ وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ. أَصْبَغُ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ حُدَّ فِي الزِّنَا إذَا تَابَ وَرُضِيَتْ حَالَتُهُ وَكَانَ عَالِمًا، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ الْمَسْخُوطَ يَجُوزُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِجَوْرٍ أَوْ خَطَأٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِأَصْبَغَ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ. (مُسْتَشِيرٍ) لِلْعُلَمَاءِ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ أَيْ شَأْنِهِ ذَلِكَ خَوْفَ خَطَئِهِ (بِلَا دَيْنٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ ذُلٌّ بِالنَّهَارِ وَهَمٌّ بِاللَّيْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِشَرْطِ الْغِنَى عَنْ شَرْطِ عَدَمِ الدَّيْنِ، فَإِنَّ وُجُودَ الدَّيْنِ مَعَ الْغِنَى بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ لَا أَثَرَ لَهُ خَلِيلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ (وَ) بِلَا (حَدٍّ) فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَصْفٌ زَائِدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ، وَإِذَا تَابَ الْقَاضِي مِمَّا حُدَّ فِيهِ فَلَهُ الْحُكْمُ فِيهِ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِاسْتِنَادِ حُكْمِ الْقَاضِي لِلْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، فَضَعُفَتْ تُهْمَتُهُ، بِخِلَافِ الشَّاهِدِ. وَعَطَفَ عَلَى دَيْنٍ فَقَالَ (وَ) بِلَا زَائِدٍ (فِي الدَّهَاءِ) بِفَتْحِ الدَّالِ مَمْدُودًا كَذَا ضَبَطَهُ. ابْنُ قُتَيْبَةَ كَالذَّكَاءِ وَالْعَطَاءِ، وَكَذَا فِي ضِيَاءِ الْعُلُومِ، أَيْ الْفَطَانَةِ لِئَلَّا يَحْمِلَهُ عَلَى حُكْمِهِ بِالْفِرَاسَةِ وَعَدَمِ اعْتِبَارِ الْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ وَلِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ أَحْوَالِ الْخُصُومِ مَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِمْ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زِيَادًا لِذَلِكَ. الطُّرْطُوشِيُّ لَيْسَ يَحْسُنُ الزِّيَادَةُ فِي عَقْلِهِ الْمُؤَدِّيَةُ إلَى الدَّهَاءِ وَالْمَكْرِ، فَإِنَّ هَذَا مَذْمُومٌ، وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - زِيَادَ بْنَ سُمَيَّةَ

стр. 3892

وَبِطَانَةِ سُوءٍ وَمَنْعُ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ لَهُ وَتَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ ــ [منح الجليل] وَقَالَ كَرِهْت أَنْ أَحْمِلَ عَلَى فَضْلِ عَقْلِك وَكَانَ مِنْ الدُّهَاةِ. الْبِسَاطِيُّ وَقَعَ لِي مَعَ بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ وَقَدْ قَرَّرَ فَرْقًا بَيْنَ مَسْأَلَتَيْنِ مِنْ الطَّلَاقِ بِشَيْءٍ لَا يَفْهَمُهُ الْخَوَاصُّ إلَّا بِجَهْدٍ، فَقُلْت لَهُ هَذَا لَا يَقَعُ مِنْ عَامَّةِ النَّاسِ الَّذِينَ لَيْسَ فِي قُدْرَتِهِمْ فَهْمُ هَذَا وَلَوْ قُرِّرَ لَهُ طُولُ عُمْرِهِ فَتُؤَاخِذُهُ بِمَا لَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى تَصَوُّرِهِ فَسَكَتَ. (وَ) بِلَا (بِطَانَةِ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ خُلَطَاءِ (سُوءٍ) مِثْلُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ. ابْنُ عَرَفَةَ الَّذِي فِي الْمَعُونَةِ أَخَصُّ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُ يَسْتَبْطِنُ أَهْلَ الدِّينِ وَالْأَمَانَةِ وَالْعَدَالَةِ وَالنَّزَاهَةِ فَيَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَهَذَا أَخَصُّ مِنْ كَوْنِهِ سَلِيمًا مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ. وَأَمَّا نَفْسُ السَّلَامَةِ مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ فَمُقْتَضَى قَوْلِ أَصْبَغَ أَنَّهَا مِنْ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ. الشَّيْخُ عَنْهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْزِلَ مِنْ قُضَاتِهِ مَنْ يَخْشَى عَلَيْهِ الضَّعْفَ وَالْوَهَنَ وَبِطَانَةَ السُّوءِ وَإِنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الْجَوْرَ. (وَ) نُدِبَ لِلْقَاضِي (مَنْعُ) الْأَشْخَاصِ (الرَّاكِبِينَ) أَيْ الَّذِينَ يَرْكَبُونَ (مَعَهُ) أَيْ الْقَاضِي (وَ) الْأَشْخَاصِ (الْمُصَاحِبِينَ لَهُ) أَيْ الْقَاضِي لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ، إذْ بِكَثْرَتِهِمْ تَعْظُمُ نَفْسُهُ وَيَهَابُهُ ذُو الْحَاجَةِ وَالضَّعِيفُ وَالْفَقِيرُ فَلَا يَصِلُونَ إلَيْهِ، وَلِاعْتِقَادِ كَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يَسْتَوْفِي الْحَقَّ مِنْهُمْ وَلِتَوَصُّلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُبْطِلِينَ بِهِمَا إلَى تَنْفِيذِ أَغْرَاضِهِمْ الْفَاسِدَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يُكْثِرَ الدِّخَالَ عَلَيْهِ وَلَا الرِّكَابَ مَعَهُ وَلَا الْمُسْتَخْلِينَ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ كَانَتْ مِنْهُ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ أَمَانَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَفَضْلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِمْ، وَيَمْنَعُ أَهْلَ الرُّكُوبِ مَعَهُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ وَلَا رَفْعِ مَظْلَمَةٌ وَلَا خُصُومَةٍ. (وَ) نُدِبَ (تَخْفِيفُ الْأَعْوَانِ) لِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَعْوَانٌ وَلَا لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. وَفِي سَمَاعِ الْأَخَوَيْنِ يَتَقَدَّمُ إلَى أَعْوَانِهِ، وَلَوْ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَبِي بَكْرٍ وَلَا لِعُمَرَ أَعْوَانٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -، وَكَانَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - يَطُوفُ وَحْدَهُ. إلَّا أَنْ يُضْطَرَّ إلَى الْأَعْوَانِ فَلْيُخَفِّفْ مَا اسْتَطَاعَ وَيُقَامُ مِنْ مَجْلِسِهِ مَنْ جَلَسَ فِيهِ مُدَّعِيًا أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتَعَلَّمَ كَيْفِيَّةَ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ لِأَنَّهُ

стр. 3893

وَاِتِّخَاذُ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يُقَالُ فِي سِيرَتِهِ وَحُكْمِهِ وَشُهُودِهِ وَتَأْدِيبُ مَنْ أَسَاءَ عَلَيْهِ، ــ [منح الجليل] مِنْ حِيَلِ مُشَاكِلِي النَّاسِ إلَّا مَنْ كَانَ مَأْمُونًا مَرَضِيًّا. (وَ) نُدِبَ (اتِّخَاذُ مَنْ) أَيْ عَدْلٍ (يُخْبِرُهُ) أَيْ الْعَدْلُ الْقَاضِيَ (بِمَا) أَيْ الْقَوْلِ الَّذِي (يُقَالُ) مِنْ النَّاسِ (فِي سِيرَتِهِ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ حَالَةِ الْقَاضِي (وَحُكْمِهِ) فَإِنْ كَانَ خَيْرًا حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَدَامَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ شَرًّا تَابَ مِنْهُ إنْ وَقَعَ وَإِلَّا بَيَّنَ وَجْهَهُ وَأَبْعَدَ تُهْمَتَهُ عَنْ نَفْسِهِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ يُنْدَبُ أَنْ يَجْعَلَ رِجَالًا عُدُولًا يَثِقُ بِهِمْ يَنْقُلُونَ إلَيْهِ مَا يَنْقِمُ النَّاسُ عَلَيْهِ مِنْ خُلُقٍ أَوْ حُكْمٍ أَوْ قَبُولِ شَاهِدٍ أَوْ رَدِّهِ وَيَفْحَصُ عَنْ ذَلِكَ وَيَرْجِعُ عَمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ عَنْهُ، فَإِنَّ لَهُ فِي الْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ مَنْفَعَةً لَهُ وَلِلْمُسْلِمِينَ. (وَ) فِي (شُهُودِهِ) أَيْ الْقَاضِي الْمُرَتَّبِينَ لِسَمَاعِ الدَّعَاوَى وَتَسْجِيلِهَا لِيَكُونَ عَلَى بَصِيرَةٍ فِيهِمْ فَيُبْقِي عُدُولَهُمْ وَأَخْيَارَهُمْ وَصُلَحَاءَهُمْ وَيَطْرُدُ خِلَافَهُمْ. أَشْهَبُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي اتِّخَاذُ رَجُلٍ صَالِحٍ مَأْمُونٍ مُتَنَبِّهٍ أَوْ رَجُلَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَسْأَلُ عَنْ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ فِي مَسَاكِنِهِمْ. وَأَعْمَالِهِمْ. سَحْنُونٌ يَتَّخِذُ لِذَلِكَ مَنْ هُوَ مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ مِنْ حُسْنِ نَظَرِهِ فِي دِينِهِ وَإِنْ كَانَا رَجُلَيْنِ فَهُوَ أَحْسَنُ. اللَّخْمِيُّ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُعْرَفَ مُكْشِفُ الْقَاضِي لِأَنَّ فِيهِ فَسَادًا. أَشْهَبُ لَا يَنْبَغِي لِلْمُكْشِفِ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ، وَلْيَسْأَلْ ثَلَاثَةً فَأَكْثَرَ إنْ قَدَرَ، وَمِثْلُهُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ أَشْهَبَ خَوْفَ أَنْ يُزَكِّيَهُ أَهْلُ وُدِّهِ أَوْ يُجَرِّحُهُ عَدُوُّهُ. ابْنُ شَعْبَانَ يَتَفَقَّدُ مَنْ يَرْكَبُ خَلْفَهُ لِئَلَّا يُدَلِّسَ بِهِمْ عَلَى النَّاسِ أَوْ يُدَلِّسُوا وَلَا يَقْبَلُ الْأَسْرَارَ إلَّا مِنْ الْأَخْيَارِ، وَلَا يُطْرَقْ لَهُ إذَا رَكِبَ وَلَا يُسْرِعُ الْمَسِيرَ، فَإِنَّهُ يُذْهِبُ بَهَاءِ الْوَجْه. (وَ) نُدِبَ (تَأْدِيبُ مَنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (أَسَاءَ) أَيْ تَعَدَّى (عَلَيْهِ) أَيْ الْقَاضِي بِمَجْلِسِ حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ ظَلَمْتنِي أَوْ جُرْت عَلَيَّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَيَسْتَنِدُ فِيهِ لِعِلْمِهِ فَيُؤَدِّبُهُ، وَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ. أَمَّا مَنْ أَسَاءَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِهِ وَأَرَادَ تَأْدِيبَهُ فَلَا يُؤَدِّبُهُ بِنَفْسِهِ، وَلْيَرْفَعْهُ لِقَاضٍ آخَرَ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ إنْ أَنْكَرَهَا سَمِعَ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَأَيْت مَنْ قَالَ لِلْقَاضِي ظَلَمْتنِي قَالَ إنَّهُ يَخْتَلِفْ وَلَمْ

стр. 3894

إلَّا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي: فَلْيَرْفُقْ بِهِ وَعَلَى خَصْمِهِ ــ [منح الجليل] نَجِدْ فِيهِ تَفْسِيرًا إلَّا أَنَّ وَجْهَ مَا قَالَ أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَذَاهُ وَالْقَاضِي مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ عَاقَبَهُ وَمَا نَزَلَ ذَلِكَ حَتَّى خَاصَمَ أَهْلَ الشَّرَفِ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الْإِلْدَادِ. ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَاضِي الْفَاضِلِ الْعَدْلِ أَنْ يَحْكُمَ لِنَفْسِهِ وَالْعُقُوبَةُ عَلَى مَنْ تَنَاوَلَهُ بِالْقَوْلِ وَآذَاهُ بِأَنْ نَسَبَهُ لِلظُّلْمِ وَالْجَوْرِ مُوَاجَهَةً بِحَضْرَةِ أَهْلِ مَجْلِسِهِ، بِخِلَافِ مَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَنَّهُ آذَاهُ وَهُوَ غَائِبٌ بِلَا مُوَاجِهَةٍ لِأَنَّ مُوَاجِهَتَهُ مِنْ قَبِيلِ الْإِقْرَارِ لَهُ، وَلَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ عَلَى مَنْ انْتَهَكَ مَالَهُ، وَإِذَا كَانَ لَهُ الْحُكْمُ بِالْإِقْرَارِ فِيمَا لَهُ الْحُكْمُ لِغَيْرِهِ كَانَ أَحْرَى أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي عِرْضِهِ كَمَا يَحْكُمُ بِهِ فِي عِرْضِ غَيْرِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ الِاجْتِرَاءَ عَلَى الْحُكَّامِ بِمِثْلِ هَذَا تَوْهِينٌ لَهُمْ، فَالْمُعَاقَبَةُ فِيهِ أَوْلَى مِنْ التَّجَافِي وَهُوَ دَلِيلُ قَوْلِهِ وَمَا نَزَلَ ذَلِكَ حَتَّى خَاصَمَ أَهْلُ الشَّرَفِ فِي الْعُقُوبَةِ فِي الْإِلْدَادِ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعُقُوبَةُ فِي هَذَا أَوْلَى مِنْ الْعَفْوِ. (إلَّا فِي مِثْلِ) قَوْلِ بَعْضِ الْمُتَحَاكِمِينَ لِلْقَاضِي (اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي) أَوْ اُذْكُرْ وُقُوفَك بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ تَعَالَى لِلْقَضَاءِ بَيْنَك وَبَيْنَ النَّاسِ مِمَّا فِيهِ إشَارَةٌ لِلْإِسَاءَةِ فَلَا يُؤَدِّبُهُ (وَلْيَرْفُقْ) الْقَاضِي وُجُوبًا بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْفَاءِ (بِهِ) أَيْ مَنْ قَالَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ فِي أَمْرِي، وَيَقُلْ لَهُ رَزَقَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكَ تَقْوَاهُ، وَذَكَّرَنَا الْوُقُوفَ بَيْنَ يَدَيْهِ تَعَالَى لِفَصْلِ الْقَضَاءِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إنْ قِيلَ لِلْقَاضِي اتَّقِ اللَّهَ تَعَالَى فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَضِيقَ صَدْرُهُ لِهَذَا وَلَا يُكْثِرُ عَلَيْهِ وَلْيَتَثَبَّتْ، وَيُجِيبُهُ جَوَابًا لَيِّنًا بِقَوْلِهِ رَزَقَنِي اللَّهُ تَعَالَى تَقْوَاهُ وَمَا أَمَرْتنِي إلَّا بِخَيْرٍ، وَمِنْ تَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ آخُذَ مِنْك الْحَقَّ إذَا بَانَ عِنْدَك وَلَا يُظْهِرُ لَهُ غَضَبًا. (وَ) يُؤَدَّبُ مَنْ أَسَاءَ (عَلَى خَصْمِهِ) فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا فَاجِرُ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ بِقَوْلِهِ لَهُ يَا ظَالِمُ أَوْ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ زَجْرُهُ وَضَرْبُهُ إلَّا ذَا مُرُوءَةٍ فِي فِلْتَةٍ فَلَا يَضْرِبْهُ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُنْصِفْ النَّاسَ فِي أَعْرَاضِهِمْ لَمْ يُنْصِفْهُمْ فِي أَمْوَالِهِمْ. قُلْت ظَاهِرُهُ انْحِصَارُ الْحَقِّ لِلْخَصْمِ، وَالْحَقُّ أَنَّ فِيهِ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا إهَانَةٌ لِمَجْلِسِ الشَّرْعِ، وَسَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ

стр. 3895

وَلَمْ يَسْتَخْلِفْ، إلَّا لِوُسْعِ عَمَلِهِ فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ ــ [منح الجليل] أَلَدَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ وَنَهَاهُ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ إلْدَادَهُ إذَايَةٌ وَإِضْرَارٌ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي كَفُّهُ عَنْهُ وَعِقَابُهُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ، وَمِثْلُهُ فِي سَمَاعِ أَشْهَبَ وَأَصْبَغَ. قُلْت فِي حِفْظِي عَنْ بَعْضِهِمْ إنْ قَالَ لِخَصْمِهِ ظَلَمْتنِي أَوْ غَصَبْتنِي وَنَحْوَهُ بِصِيغَةِ الْمَاضِي فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ لَهُ يَا ظَالِمُ وَنَحْوُهُ بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ أُدِّبَ إنْ لَمْ يَنْزَجِرْ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لِابْنِ سَحْنُونٍ عَنْهُ إنْ قَالَ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ أَوْ بِمَا يَسْأَلُك اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَوْ مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَاكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَيُؤَدَّبُ الْمَعْرُوفُ بِالْإِذَايَةِ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْرِ الرَّجُلِ الْمُنْتَهِكِ مِنْهُ وَبِقَدْرِ الشَّاتِمِ فِي إيذَائِهِ لِلنَّاسِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَكَانَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً تَجَافَى عَنْهُ وَلِابْنِ كِنَانَةَ إنْ قَالَ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ فَلَا يُعَاقَبُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَالشُّهْرَةَ بِهِ نَكَلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ. (وَ) إذَا وَلَّى الْإِمَامُ قَاضِيًا فِي بَلَدٍ مَخْصُوصٍ وَلَمْ يَأْذَن لَهُ فِي اسْتِخْلَافِهِ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْهُ (لَمْ يَسْتَخْلِفْ) الْقَاضِي قَاضِيًا آخَرَ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْحُكْمِ (إلَّا لِوُسْعِ) بِضَمِّ الْوَاوِ، أَيْ اتِّسَاعِ (عَمَلِهِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْمِيمِ، أَيْ الْبِلَادِ الَّتِي وُلِّيَ لِلْقَضَاءِ فِيهَا فَيَسْتَخْلِفُ قَاضِيًا يَقْضِي نِيَابَةً عَنْهُ (فِي جِهَةٍ بَعُدَتْ) عَنْ بَلَدِهِ الَّذِي هُوَ بِهِ. " ق " الْمُتَيْطِيُّ إذَا كَانَ نَظَرُ الْقَاضِي وَاسِعًا وَأَقْطَارُ مِصْرِهِ مُتَنَائِيَةً فَلَا يَرْفَعُ الْخُصُومَ إلَى مِصْرِهِ إلَّا فِيمَا مَنْ قَرُبَ مِنْ الْأَمْيَالِ الْقَرِيبَةِ لِأَنَّ مَا بَعُدَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ وَيُقَدِّمُ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ حُكَّامًا يَنْظُرُونَ لِلنَّاسِ فِي أَحْكَامِهِمْ، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ، وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ إنْ كَانَ الْإِمَامُ عَدْلًا فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يُبَارِزَ الْعَدُوَّ إلَّا بِإِذْنِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلْيُبَارِزْ وَلْيُقَاتِلْ بِغَيْرِ إذْنِهِ. ابْنُ رُشْدٍ هَذَا كَمَا قَالَ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِئْذَانُهُ فِي مُبَارَزَةٍ وَلَا قِتَالٍ، قَالَ وَإِنَّمَا يَفْتَرِقُ الْعَدْلُ مِنْ غَيْرِ الْعَدْلِ فِي الِاسْتِئْذَانِ لَهُ لَا فِي طَاعَتِهِ إذَا أَمَرَ بِشَيْءٍ أَوْ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ

стр. 3896

مَنْ عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ، وَانْعَزَلَ بِمَوْتِهِ، لَا هُوَ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ، وَلَوْ الْخَلِيفَةَ. ــ [منح الجليل] وَاجِبٌ عَلَى الرَّجُلِ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا أَحَبَّ أَوْ كَرِهَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ مَا لَمْ يَأْمُرْ بِمَعْصِيَةٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إذَا نَهَى الْإِمَامُ عَنْ الِاسْتِخْلَافِ فَيُتَّفَقُ عَلَى مَنْعِهِ، وَإِنْ أَذِنَ فِيهِ فَيُتَّفَقُ عَلَى جَوَازِهِ. وَفِي النَّوَادِرِ إذَا كَانَ الِاسْتِخْلَافُ بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ فَلَا نُبَالِي، كَانَ الْقَاضِي حَاضِرًا أَوْ غَائِبًا وَكَانَ الْإِمَامُ وَلَّى قَاضِيَيْنِ أَحَدُهُمَا فَوْقَ صَاحِبِهِ وَإِنْ تَجَرَّدَ الْعَقْدُ عَنْ الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ، فَقَالَ سَحْنُونٌ لَيْسَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَإِنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ. وَقَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ لَهُ ذَلِكَ إذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ. خَلِيلٌ وَمُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَذْهَبُ، أَيْ لِكَوْنِهِ صَدَّرَ بِهِ وَهُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَتَّفِقُ عَلَى مَنْعِهِ إذَا عَدِمَ الْمَرَضَ وَالسَّفَرَ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ عَنْ ابْنِ رَاشِدٍ هَذَا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي الْبَلَدِ الَّذِي هُوَ فِيهِ أَمَّا إنْ كَانَ عَمَلُهُ وَاسِعًا فَأَرَادَ أَنْ يُقَدِّمَ فِي الْجِهَاتِ الْبَعِيدَةِ فَالْمَشْهُورُ الْجَوَازُ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِ الْخَلِيفَةِ. الْمَازِرِيُّ وَعَلَى قَوْلِ سَحْنُونٍ إنْ اُسْتُخْلِفَ فَقَضَى الْمُسْتَخْلِفُ فَلَا يَنْفُذُ إلَّا أَنْ يُنْفِذَهُ الْقَاضِي الَّذِي اسْتَخْلَفَهُ وَيَسْتَخْلِفَ فِي الْجِهَةِ الْبَعِيدَةِ. (مَنْ) أَيْ الَّذِي (عَلِمَ مَا اسْتَخْلَفَ فِيهِ) مِنْ أَبْوَابِ الْفِقْهِ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ بَيْعٍ أَوْ قَرْضٍ أَوْ غَيْرِهَا وَلَا يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِجَمِيعِ أَبْوَابِ الْفِقْهِ إلَّا إذَا اسْتَخْلَفَ فِي جَمِيعِهَا. ابْنُ شَاسٍ يُشْتَرَطُ فِي خَلِيفَتِهِ صِفَاتُ الْقُضَاةِ إلَّا إذْ لَمْ يُفَوَّضْ لَهُ إلَّا سَمَاعُ الشَّهَادَةِ وَالنَّقْلُ فَلَا يُشْتَرَطُ مِنْ الْعِلْمِ إلَّا مَعْرِفَةُ ذَلِكَ الْقَدْرِ ابْنُ الْحَاجِبِ يُشْتَرَطُ عِلْمُهُ بِمَا يُسْتَخْلَفُ فِيهِ (وَانْعَزَلَ) الْمُسْتَخْلَفُ بِفَتْحِ اللَّامِ (بِمَوْتِهِ) أَيْ مُسْتَخْلِفِهِ بِكَسْرِهَا، لِأَنَّهُ كَوَكِيلِهِ. ابْنُ شَاسٍ لَوْ مَاتَ الْقَاضِي وَقَدْ اسْتَخْلَفَ مَكَانَهُ رَجُلًا وَقَالَ لَهُ سُدَّ مَكَانِي وَنَفِّذْ مَا كُنْت صُدِّرْت فِيهِ لِلْقَضَاءِ وَاقْضِ فَلَا قَضَاءَ لَهُ وَلَا سُلْطَانَ، وَلَيْسَ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْتَخْلِفَ بَعْدَ مَوْتِهِ (لَا) يَنْعَزِلُ (هُوَ) أَيْ الْقَاضِي (بِمَوْتِ الْأَمِيرِ) الَّذِي قَدَّمَ الْقَاضِيَ إنْ كَانَ الْأَمِيرُ غَيْرَ الْخَلِيفَةِ، بَلْ (وَلَوْ) كَانَ (الْخَلِيفَةَ) .

стр. 3897

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [منح الجليل] الْمُتَيْطِيُّ إذَا مَاتَ الْإِمَامُ الَّذِي تُؤَدَّى إلَيْهِ الطَّاعَةُ وَقَدْ قَدَّمَ قُضَاةً وَحُكَّامًا وَوَلَّى الْأَمْرَ غَيْرَهُ وَقَضَى الْحُكَّامُ الَّذِينَ قَدَّمَهُمْ الْمَيِّتُ أَوْ الْقُضَاةُ بِقَضَايَا بَيْنَ مَوْتِ الْإِمَامِ الْأَوَّلِ وَقِيَامِ الثَّانِي وَبَعْدَ قِيَامِهِ وَقَبْلَ تَنْفِيذِهِ إلَيْهِمْ الْوِلَايَةَ وَتَمْضِيَتِهِ لَهُمْ الْحُكُومَةَ فِيمَا قَضَوْا فِي الْفَتْرَةِ وَحَكَمُوا فِيهِ فَأَقْضِيَتُهُمْ نَافِذَةٌ وَأَحْكَامُهُمْ جَائِزَةٌ وَسِجِلَّاتُهُمْ مَاضِيَةٌ، وَهُمْ بِمَنْزِلَةِ وُلَاةِ الْأَيْتَامِ يُقَدِّمُهُمْ الْقَاضِي عَلَى النَّظَرِ لِلْأَيْتَامِ، ثُمَّ يَمُوتُ الْقَاضِي أَوْ يُعْزَلُ فَتَقْدِيمُهُ لَهُمْ مَاضٍ وَفِعْلُهُمْ جَائِزٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُمْضِيَهُ الْقَاضِي الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ. أَصْبَغُ لَا يَنْعَزِلُ الْقَاضِي بِمَوْتِ مُوَلِّيهِ كَانَ الْإِمَامَ أَوْ أَمِيرَهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ إذَا مَاتَ الْمُسْتَخْلِفُ خَلِيلٌ بِكَسْرِ اللَّامِ، لَمْ يَنْعَزِلْ مُسْتَخْلَفُهُ خَلِيلٌ بِفَتْحِهَا، وَظَاهِرُهُ الْإِطْلَاقُ فَيَتَنَاوَلُ الْإِمَامَ وَالْأَمِيرَ وَالْقَاضِيَ وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا عَدَا الْقَاضِي وَنَائِبَهُ، فَإِنَّ نَائِبَ الْقَاضِي يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَصَّ عَلَيْهِ مُطَرِّفٌ وَأَصْبَغُ وَابْنُ حَبِيبٍ. ابْنُ رُشْدٍ وَلَمْ أَعْلَمْهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَعِنْدِي أَنَّ مَا قَالُوهُ مِنْ انْعِزَالِ نَائِبِ الْقَاضِي بِمَوْتِ الْقَاضِي صَحِيحٌ إنْ كَانَ الْقَاضِي اسْتَنَابَهُ بِمُقْتَضَى الْوِلَايَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَهُ ذَلِكَ، وَأَمَّا إنْ اسْتَنَابَ رَجُلًا مُعَيَّنًا بِإِذْنِ الْأَمِيرِ أَوْ الْخَلِيفَةِ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَزِلَ ذَلِكَ النَّائِبُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَوْ أَذِنَ فِي النِّيَابَةِ إذْنًا مُطْلَقًا فَاخْتَارَ الْقَاضِي رَجُلًا، فَفِي انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْقَاضِي نَظَرٌ. خَلِيلٌ اُنْظُرْ الْفَرْقَ بَيْنَ نَائِبِ الْقَاضِي فِي انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَبَيْنَ نَائِبِ الْأَمِيرِ فِي عَدَمِ انْعِزَالِهِ بِمَوْتِ الْأَمِيرِ، وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ فَضْلٌ وَغَيْرُهُ اهـ. ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَطَّلِعْ عَلَى هَذَا النَّقْلِ، وَذَكَرَ مَا يُفِيدُ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَنْ وَلَّاهُ الْقَاضِي لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَلَا بِعَزْلِهِ، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْمُتَيْطِيُّ وَابْنُ شَاسٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ تَرْجِيحُهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِظَاهِرِ كَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ تَبِعَ فِيهِ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَذَكَرَ ابْنُ عَرَفَةَ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلَامِ أَصْبَغَ، وَنَصَّهُ الْمَازِرِيُّ، ذَكَرَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵁ إنْ وَلَّى الْقَاضِي رَجُلًا عَلَى أَمْرٍ مُعَيَّنٍ كَسَمَاعِ بَيِّنَةٍ انْعَزَلَ عَنْ ذَلِكَ بِانْعِزَالِ الْقَاضِي، وَإِنْ وَلَّاهُ حُكُومَةً مُسْتَقِلَّةً فَفِي انْعِزَالِهِ

стр. 3898

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَهُ: أَنَّهُ قَضَى بِكَذَا. وَجَازَ تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ ــ [منح الجليل] بِانْعِزَالِهِ، ثَالِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِ مَنْ وَلَّاهُ قُلْت لَمْ يَعْزُ شَيْئًا مِنْهَا لِلْمَذْهَبِ، وَمَفْهُومُ مَا تَقَدَّمَ لِأَصْبَغَ انْعِزَالُ نَائِبِ الْقَاضِي فِي حُكْمٍ بِمَوْتِهِ أَوْ عَزْلِهِ. الْبُرْزُلِيُّ سُئِلَ ابْنُ رُشْدٍ عَنْ أَمِيرِ مَدِينَةٍ كَتَبَ إلَى الْأَمِيرِ الْأَعْلَى فِي تَقْدِيمِ قَاضٍ وَعَنَى رَجُلًا فَكَتَبَ إلَيْهِ بِتَوْلِيَتِهِ فَفَعَلَ وَكَتَبَ لَهُ صَكًّا بِتَقْدِيمِهِ عَلَى أَمْرِ الْأَمِيرِ الْأَعْلَى، فَحَكَمَ بِذَلِكَ ثُمَّ وَلَّى صَاحِبَ مُنَاكِحَ فَحَكَمَ بِطُولِ حَيَاةِ الْقَاضِي وَهُوَ بِعِلْمِ الْأَمِيرِ فَمَاتَ الْقَاضِي وَبَقِيَ صَاحِبُ الْمُنَاكِحِ عَلَى خُطَّتِهِ وَطَرِيقِهِ مِنْ شَهَادَةِ الْفُقَهَاءِ عِنْدَهُ وَالْإِعْلَامِ بِذَلِكَ فِيمَا يَرْجِعُ لِلنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ فَهَلْ تَمْضِي أَحْكَامُهُ بَعْدَ مَوْتِ الْقَاضِي أَوْ تُفْسَخُ فَأَجَابَ لَا تُنْقَضُ أَحْكَامُهُ بِمَوْتِ الْقَاضِي وَهُوَ عَلَى خُطَّتِهِ حَتَّى يَعْزِلَهُ مَنْ يُوَلَّى بَعْدَ مَوْتِ الْأَوَّلِ وَفِعْلُهُ جَائِزٌ صَحِيحٌ. (وَ) إذَا حَكَمَ الْقَاضِي بَيْنَ اثْنَيْنِ ثُمَّ عُزِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ فَرَفَعَ أَحَدُهُمَا لِلْقَاضِي الْجَدِيدِ، وَأَنْكَرَ حُكْمَ الْمَعْزُولِ فَ (لَا تُقْبَلُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (شَهَادَتُهُ) أَيْ الْقَاضِي الْمَعْزُولُ (بَعْدَهُ) أَيْ عَزْلِهِ (أَنَّهُ قَضَى) بَيْنَهُمَا (بِكَذَا) قَبْلَ عَزْلِهِ وَلَوْ شَهِدَ مَعَهُ آخَرُ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَالَ بَعْدَ الْعَزْلِ قَضَيْت بِكَذَا أَوْ أَشْهَدُ بِأَنَّهُ قَضَى فَلَا يُقْبَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ مَفْهُومُ قَوْلِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ أَنَّهُ قَبْلَ الْعَزْلِ يُقْبَلُ قَوْلُهُ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ شَهَادَةَ الْقَاضِي بِقَضَاءٍ قَضَى بِهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ أَوْ غَيْرُ مَعْزُولٍ لَا تُقْبَلُ. ابْنُ رُشْدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْنًى خَفِيَ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي قَبْلَ عَزْلِهِ قَضَيْت بِكَذَا لَا يُقْبَلُ إنْ كَانَ بِمَعْنَى الشَّهَادَةِ كَتَخَاصُمِ رَجُلَيْنِ عِنْدَ قَاضٍ فَيَحْتَجُّ أَحَدُهُمَا بِأَنَّ قَاضِي بَلَدِ كَذَا قَضَى لِي بِكَذَا، أَوْ ثَبَتَ عِنْدَهُ كَذَا فَيَسْأَلُهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْتِيهِ بِكِتَابَةٍ مَنْ عِنْدَهُ أَنِّي حَكَمْت لِفُلَانٍ أَوْ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدِي لِفُلَانٍ كَذَا، فَهَذِهِ لَا تَجُوزُ لِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَلَوْ أَتَى الرَّجُلُ ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي فَقَالَ لَهُ خَاطِبْ لِي قَاضِي بَلَدِ كَذَا بِمَا ثَبَتَ لِي عِنْدَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا حَكَمْت لِي بِهِ عَلَيْهِ فَخَاطَبَهُ بِذَلِكَ قُبِلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ لَا شَاهِدٌ كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ وَيَنْفُذُ فِيمَا يُسَجِّلُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَشْهَدُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ مَا دَامَ فِي قَضَائِهِ. (وَجَازَ تَعَدُّدُ) قَاضٍ (مُسْتَقِلٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْقَافِ (عَامٍّ) أَيْ مُنْفَرِدٍ كُلُّ قَاضٍ

стр. 3899

أَوْ خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ، أَوْ نَوْعٍ ــ [منح الجليل] بِالْحُكْمِ فِي جَمِيعِ مَمْلَكَةِ الْإِمَامِ الَّذِي وَلَّاهُ وَجَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمُعَامَلَاتِ (أَوْ) تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ (خَاصٍّ بِنَاحِيَةٍ) أَيِّ جِهَةٍ مِنْ مَمْلَكَةِ مَنْ وَلَّاهُ (أَوْ) تَعَدُّدُ مُسْتَقِلٍّ خَاصٍّ بِ (نَوْعٍ) مِنْ أَنْوَاعِ الْفِقْهِ كَالنِّكَاحِ أَوْ الْبَيْعِ وَمَفْهُومُ مُسْتَقِلٍّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَوْلِيَةُ مُتَعَدِّدٍ مُشْتَرَكٍ فِي الْحُكْمِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ التَّوْلِيَةِ اتِّحَادُ الْمُوَلَّى. ابْنُ عَرَفَةَ تَجُوزُ تَوْلِيَةُ قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ عَلَى أَنْ يَخُصَّ مِنْهُمَا بِنَاحِيَةٍ مِنْ الْبَلَدِ أَوْ نَوْعٍ مِنْ الْمَحْكُومِ فِيهِ لِأَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ يَصِحُّ التَّخْصِيصُ فِيهَا وَالتَّحْجِيرُ. فَلَوْ اسْتَثْنَى فِي وِلَايَتِهِ أَنْ لَا يَحْكُمَ عَلَى رَجُلٍ مُعَيَّنٍ صَحَّ ذَلِكَ. ابْنُ فَتْحُونٍ وَيَنْفَرِدُ الْقُضَاةُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ بِخُطَّةِ الْمُنَاكِحِ فَيُوَلَّاهَا عَلَى حِدَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ كَمَا فِي بِلَادِ تُونُسَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ تَخْصِيصِ أَحَدِهِمَا بِالنِّكَاحِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، وَالْآخَرِ بِمَا سِوَى ذَلِكَ، قَالَ وَكَذَا عَلَى عَدَمِ التَّخْصِيصِ مَعَ اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِنُفُوذِ حُكْمِهِ وَمَنَعَهُ بَعْضُ النَّاسِ بِمُقْتَضَى السِّيَاسَةِ خَوْفَ تَنَازُعِ الْخُصُومِ فِيمَنْ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ، وَمُقْتَضَى أُصُولِ الشَّرْعِ جَوَازُهُ لِأَنَّ لِذِي الْحَقِّ اسْتِنَابَةَ مَنْ شَاءَ عَلَى حَقِّهِ وَلَوْ تَعَدَّدَ، وَالتَّنَازُعُ يَرْتَفِعُ شَغَبُهُ بِاعْتِبَارِ قَوْلِ الطَّالِبِ، وَإِنْ تَطَالَبَا قُضِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا هُوَ فِيهِ طَالِبٌ بِمَنْ يُرِيدُهُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَوَّلُ، فَإِنْ اقْتَرَنَا فَفِي الْقُرْعَةِ وَتَرْجِيحِ مَنْ دُعِيَ إلَى الْأَقْرَبِ خِلَافٌ. وَاسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ التَّعَدُّدِ بِالْقِيَاسِ عَلَى جَوَازِ تَوْلِيَةِ الْوَاحِدِ لِبَقَاءِ حُكْمِ الْإِمَامِ مَعَهُ، وَفُرِّقَ بِيُسْرِ رَفْعِ التَّنَازُعِ عِنْدَ اخْتِلَافِ حُكْمِهِمَا بِعَزْلِ الْإِمَامِ قَاضِيَهُ وَتَعَذُّرِ عَزْلِ أَحَدِ الْقَاضِيَيْنِ الْآخَرَ. وَتَعَدُّدُهُمَا بِشَرْطِ وَقْفِ نُفُوذِ حُكْمِهِمَا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا مَنَعَهُ ابْنُ شَعْبَانَ، وَقَالَ لَا يَكُونُ الْحَاكِمُ نِصْفَ حَاكِمٍ وَغَلَا فِيهِ الْبَاجِيَّ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى مَنْعِهِ، وَأَجَابَ عَنْ الِاعْتِرَاضِ بِتَعَدُّدِ حُكْمَيْ الصَّيْدِ وَالزَّوْجَيْنِ بِأَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا انْتَقَلَ لِغَيْرِهِمَا وَالْقَاضِيَانِ هُمَا بِوِلَايَةٍ لَا يَصِحُّ التَّنَقُّلُ فِيهَا بَعْدَ انْعِقَادِهَا، وَاخْتِلَافُهُمَا يُؤَدِّي لِتَضْيِيعِ الْأَحْكَامِ، وَالْغَالِبُ اخْتِلَافُ الْمُجْتَهِدِينَ وَإِنْ كَانَا مُقَلَّدَيْنِ فَوِلَايَةُ الْمُقَلِّدِ مَمْنُوعَةٌ الْمَازِرِيُّ وَعِنْدِي أَنَّهُ لَا يَقُومُ عَلَى الْمَنْعِ إنْ اقْتَضَى ذَلِكَ مَصْلَحَةً وَدَعَتْ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فِي نَازِلَةٍ رَأَى الْإِمَامُ أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ

стр. 3900

وَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ، ــ [منح الجليل] التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ إلَّا بِقَضَاءِ رَجُلَيْنِ فِيهَا، فَإِنْ اخْتَلَفَ نَظَرُهُمَا فِيهَا اسْتَظْهَرَ بِغَيْرِهِمَا. قُلْت مَنَعَ الْبَاجِيَّ وَابْنُ شَعْبَانَ إنَّمَا هُوَ فِي تَوْلِيَةِ قَاضِيَيْنِ وِلَايَةً مُطْلَقَةً لَا فِي مَسْأَلَةٍ جُزْئِيَّةٍ كَمَا فَرَضَهُ الْمَازِرِيُّ، قَالَ وَذَكَرَ أَبُو الْوَلِيدِ أَنَّهُ وَلِيَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثَةُ قُضَاةٍ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُنْكِرْهَا مَنْ كَانَ بِذَلِكَ الْبَلَدِ مِنْ فُقَهَائِهِ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ قَبْلَ هَذَا بِنَحْوِ وَرَقَتَيْنِ، وَكَوْنُهُ وَاحِدًا عَدَّهُ عِيَاضٌ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ وَهُوَ أَظْهَرُ لِأَنَّ مَانِعَ التَّعَدُّدِ دَائِمًا هُوَ خَوْفُ تَنَاقُضِهِمَا وَلَا يُتَصَوَّرُ إضَافَةُ الْحُكْمِ لَهُمَا إلَّا مَعَ اتِّفَاقِهِمَا، فَيَجِبُ حِينَئِذٍ إمْضَاؤُهُ لِانْتِفَاءِ عِلَّةِ الْمَنْعِ، وَلَا مَعْنَى لِكَوْنِهِ مِنْ الشُّرُوطِ الثَّانِيَةِ إلَّا هَذَا. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ أَنَّ مَنْعَ تَعَدُّدِهِمَا إنَّمَا هُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ مَظِنَّةٌ لِاخْتِلَافِهِمَا لَا بِعَيْنِ اخْتِلَافِهِمَا، وَالتَّعْلِيلُ بِالْمَظِنَّةِ لَا يَبْطُلُ بِانْتِقَاءِ مَظْنُونِهِمَا فِي بَعْضِ الصُّوَرِ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأُصُولِيُّونَ، وَمَسَائِلُ الْمَذْهَبِ تَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي ذَلِكَ كَمَسْأَلَةِ اسْتِثْنَاءِ جِلْدِ الشَّاةِ الْمَبِيعَةِ فِي السَّفَرِ إذَا كَانَ لَهُ قِيمَةٌ وَغَيْرُهَا مِنْ الْمَسَائِلِ. وَاسْتَدَلَّ الْبَاجِيَّ عَلَى مَنْعِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَبِتَأْدِيَتِهِ إلَى تَعْطِيلِ الْأَحْكَامِ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ وَغَالِبِ الْآرَاءِ، قَالَ وَلَا يُعْتَرَضُ هَذَا بِحُكْمَيْ الصَّيْدِ وَالزَّوْجَيْنِ لِأَنَّهُمَا إنْ اخْتَلَفَا تَيَسَّرَ الِانْتِقَالُ عَنْهُمَا لِغَيْرِهِمَا، وَهَذَا فِي الْقَضَاءِ مُتَعَذِّرٌ. الْمَازِرِيُّ لَا مَانِعَ مِنْ تَعَدُّدِهِمَا فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ إنْ دَعَتْ لِذَلِكَ ضَرُورَةٌ، فَإِنْ اخْتَلَفَا نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ وَيَسْتَظْهِرُ بِغَيْرِهِمَا، وَذَكَرَ الْبَاجِيَّ أَنَّهُ وَلَّوْا فِي بَعْضِ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ثَلَاثَةَ قُضَاةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَمْ يُنْكِرْ فُقَهَاءُ ذَلِكَ الْبَلَدِ الْمَازِرِيُّ قَدْ يَظْهَرُ وَجْهُ الْمَصْلَحَةِ فِي ذَلِكَ فِي قِصَصٍ خَاصَّةٍ، وَأَمَّا فِي قِصَصٍ عَامَّةٍ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ. قُلْت إنَّمَا الْكَلَامُ فِي الْقَضَاءِ الْعَامِّ، وَأَمَّا فِي نَازِلَةٍ مُعَيَّنَةٍ يُوقَفُ نُفُوذُ الْحُكْمِ فِيهَا عَلَى اتِّفَاقِهِمَا، فَمَا أَظُنُّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، وَهَذِهِ نَوْعُ قَضِيَّةِ تَحْكِيمِ رَجُلَيْنِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَمُعَاوِيَةُ فِي تَحْكِيمِهِمَا أَبَا مُوسَى وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - اهـ. (وَ) إنْ تَعَدَّدَ الْقُضَاةُ الْمُسْتَقِلُّونَ وَتَنَازَعَ الْخَصْمَانِ فِي الرَّفْعِ، وَأَرَادَ أَحَدُهُمَا الرَّفْعَ إلَى قَاضٍ وَالْآخَرُ الرَّفْعَ إلَى غَيْرِهِ فَ (الْقَوْلُ لِلطَّالِبِ) ابْنُ عَرَفَةَ وَتَعَدُّدُهُمَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ كُلُّ وَاحِدٍ

стр. 3901

ثُمَّ مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ؛ وَإِلَّا أُقْرِعَ كَالِادِّعَاءِ وَتَحْكِيمُ غَيْرِ خَصْمٍ ــ [منح الجليل] مُسْتَقِلٌّ بِالْقَضَاءِ فِي جِهَةٍ مُعَيَّنَةٍ أَوْ نَوْعٍ خَاصٍّ فَذَلِكَ جَائِزٌ. الْمَازِرِيُّ فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ لِغَيْرِ مَنْ ادَّعَى إلَيْهِ الْآخَرُ قُدِّمَ الْأَسْبَقُ، فَإِنْ تَسَاوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ مَسَافَةً لِمَنْ دُعِيَ إلَى الْحُكْمِ عِنْدَهُ (ثُمَّ) إنْ تَطَالَبَا فَالْقَوْلُ لِ (مَنْ سَبَقَ رَسُولُهُ) الْمَازِرِيُّ لَوْ فَرَضْنَا الْخَصْمَيْنِ جَمِيعًا طَالِبَيْنِ كُلٌّ مِنْهُمَا يَطْلُبُ صَاحِبَهُ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَطْلُبَ حَقَّهُ عِنْدَ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَنْ يَبْتَدِئُ بِالطَّلَبِ وَفِيمَنْ يَذْهَبَانِ إلَيْهِ مِنْ الْقَاضِيَيْنِ حَيْثُ لَا سَابِقَ مِنْ رُسُلِ الْقَاضِيَيْنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا تَرْجِيحٌ بِسَبْقِ الطَّلَبِ عَلَى الْآخَرِ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا. ابْنُ عَرَفَةَ إنْ تَطَالَبَا قُضِيَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا فِيمَا هُوَ فِيهِ طَالِبٌ بِمَنْ يُرِيدُهُ، فَإِنْ تَنَازَعَا فِي التَّبْدِئَةِ بُدِئَ الْأَوَّلُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَسْبِقْ رَسُولُ أَحَدِهِمَا بِأَنْ اسْتَوَيَا فِي الْمَجِيءِ (أَقُرِعَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (بَيْنَهُمَا) ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ اقْتَرَنَا فَفِي الْقُرْعَةِ وَتَرْجِيحِ مَنْ دُعِيَ إلَى الْأَقْرَبِ خِلَافٌ، وَشَبَّهَ فِي تَقْدِيمِ الطَّالِبِ ثُمَّ الْقُرْعَةُ فَقَالَ (كَالِادِّعَاءِ) أَيْ ذَكَرَ الدَّعْوَى لِلْقَاضِي فَيُقَدَّمُ الطَّالِبُ بِالْكَلَامِ، فَإِنْ تَطَالَبَا فَالْقُرْعَةُ أَيُّهُمَا يَتَكَلَّمُ أَوَّلًا. (وَ) جَازَ (تَحْكِيمُ) رَجُلٍ (غَيْرِ خَصْمٍ) أَيْ أَحَدِ الْخَصْمَيْنِ لِأَنَّ الشَّخْصَ لَا يَحْكُمُ لِنَفْسِهِ وَلَا عَلَيْهَا. " ق " فِيهَا مَعَ غَيْرِهَا لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا أَمْضَاهُ الْقَاضِي وَلَا يَرُدُّهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ جَوْرًا بَيِّنًا. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَ مُخَالِفًا لِمَا عِنْدَ الْقَاضِي. ابْنُ حَارِثٍ عَنْ سَحْنُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَيْسَ لَهُ فَسْخُهُ إنْ خَالَفَ رَأْيَهُ. الْمَازِرِيُّ تَحْكِيمُ الْخَصْمَيْنِ غَيْرَهُمَا جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيَا فَقِيهًا يَعْمَلَانِ بِفَتْوَاهُ فِي قَضِيَّتِهِمَا ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ قَوْلِهَا جَوَازُهُ ابْتِدَاءً، وَلَفْظُ الرِّوَايَاتِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ الْوُقُوعِ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ حَكَمَ خَصْمُهُ فَثَالِثُهَا يَمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ الْمُحَكِّمُ الْقَاضِيَ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ هَذِهِ الْأَقْوَالُ صَحِيحَةٌ حَكَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ، وَأَشَارَ بَعْضُهُمْ أَوْ صَرَّحَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي أَنَّ حُكْمَهُ غَيْرُ مَاضٍ، وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يَمْضِي لَكِنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِنَفْيِ الْخِلَافِ، وَنَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ وَجَزَمَ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي تَبْصِرَتِهِ بِالْجَوَازِ، فَقَالَ مَسْأَلَةٌ إذَا

стр. 3902

وَجَاهِلٍ، وَكَافِرٍ، وَغَيْرِ مُمَيِّزٍ: فِي مَالٍ، وَجُرْحٍ. لَا حَدٍّ، وَلِعَانٍ، وَقَتْلٍ، وَوَلَاءٍ وَنَسَبٍ وَطَلَاقٍ، ــ [منح الجليل] حَكَّمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ فَحَكَمَ لِنَفْسِهِ أَوْ عَلَيْهَا جَازَ، وَمَضَى مَا لَمْ يَكُنْ جَوْرًا بَيِّنًا، وَلَيْسَ تَحْكِيمُ الشَّخْصِ خَصْمَهُ كَتَحْكِيمِ خَصْمِ الْقَاضِي. أَصْبَغُ لَا أُحِبُّ ذَلِكَ، فَإِنْ وَقَعَ مَضَى وَلْيَذْكُرْ فِي تَسْجِيلِهِ رِضَاهُ بِالتَّحَاكُمِ إلَيْهِ. وَقِيلَ لَا يَجُوزُ حُكْمُهُ لِنَفْسِهِ وَقِيلَ يَجُوزُ اهـ. الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّ هَذَا بَعْدَ الْوُقُوعِ، وَانْظُرْ هَلْ يَجُوزُ ابْتِدَاءً، وَانْظُرْ قَوْلَ ابْنِ فَرْحُونٍ جَازَ وَمَضَى هَلْ مَعْنَاهُ جَازَ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ الْوُقُوعِ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي جَوَازِ تَحْكِيمِ الْخَصْمِ خَصْمَهُ مُطْلَقًا وَكَرَاهَتِهِ إنْ كَانَ الْقَاضِيَ. ثَالِثُهَا لَا يَنْفُذُ حُكْمُهُ إنْ كَانَ الْقَاضِيَ لِنَقْلِ الْمَازِرِيِّ عَنْ الْمَذْهَبِ وَالشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ، وَظَاهِرُ قَوْلِ الْأَخَوَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ وَابْنِ فَرْحُونٍ تَرْجِيحُ جَوَازِهِ ابْتِدَاءً. الْبُنَانِيُّ وَعَلَى كُلٍّ فَعَلَى الْمُصَنِّفِ دَرَكٌ فِي التَّقْيِيدِ بِغَيْرِ خَصْمٍ لِأَنَّ تَحْكِيمَ الْخَصْمِ عَلَى جَوَازِهِ ابْتِدَاءً أَوْ بَعْدَ وُقُوعِهِ مُسَاوٍ لِتَحْكِيمِ غَيْرِهِ. (وَغَيْرِ جَاهِلٍ) اللَّخْمِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ لِعَدْلٍ مُجْتَهِدٍ أَوْ عَامِّيٍّ يَحْكُمُ بِاسْتِرْشَادِ الْعُلَمَاءِ (وَ) غَيْرِ (كَافِرٍ) اللَّخْمِيُّ اتَّفَقَتْ أَقْوَالُ مَنْ يُذْكَرُ بَعْدُ عَلَى أَنْ لَا يَحْكُمَ جَاهِلٌ بِالْحُكْمِ لِأَنَّهُ تَخَاطُرٌ وَلَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا مُوَسْوَسٍ اتِّفَاقًا. ابْنُ رُشْدٍ أَشَارَ وَاللَّخْمِيُّ وَالْمَازِرِيُّ إلَى أَنَّ الْجَاهِلَ يُتَّفَقُ عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِهِ لِأَنَّ تَحْكِيمَهُ خَطَرٌ وَغَرَرٌ (وَ) لَا يَجُوزُ تَحْكِيمُ شَخْصٍ (غَيْرِ مُمَيِّزٍ) لِجُنُونٍ أَوْ وَسْوَسَةٍ أَوْ إغْمَاءٍ. الْبُنَانِيُّ وَهَذَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ بِقَوْلِهِ قَبْلَهُ وَجَاهِلٍ. قُلْت وَكَذَا قَوْلُهُ كَافِرٍ وَيَجُوزُ التَّحْكِيمُ لِلْعَدْلِ الْعَالِمِ (فِي مَالٍ وَجُرْحٍ) ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِيمَا يَصِحُّ لِأَحَدِهِمَا تَرْكُ حَقِّهِ فِيهِ. اللَّخْمِيُّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا يَصِحُّ فِي الْأَمْوَالِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا (لَا) يَجُوزُ التَّحْكِيمُ فِي (حَدٍّ) لِقَذْفٍ أَوْ زِنًا أَوْ سَرِقَةٍ أَوْ سُكْرٍ (وَ) لَا فِي (قَتْلٍ) لِقَاتِلٍ أَوْ تَارِكِ صَلَاةٍ (وَ) لَا فِي (لِعَانٍ) سَحْنُونٌ وَلَا يَنْبَغِي فِي لِعَانٍ وَلَا حَدٍّ إنَّمَا هُمَا لِقُضَاةِ الْأَمْصَارِ الْعِظَامِ. أَصْبَغُ وَلَا فِي قِصَاصٍ وَلَا حَدِّ قَذْفٍ وَلَا طَلَاقٍ وَلَا عِتْقٍ وَلَا نَسَبٍ وَلَا وَلَاءٍ لِأَنَّهَا لِلْإِمَامِ (وَ) لَا فِي (وَلَاءٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ مَمْدُودًا عَلَى عَتِيقٍ (وَ) لَا فِي (نَسَبٍ) لِأَبٍ (وَ) لَا فِي (طَلَاقٍ) (وَ) لَا فِي

стр. 3903

وَعِتْقٍ وَمَضَى، إنْ حَكَمَ صَوَابًا، وَأُدِّبَ، وَصَبِيٍّ، وَعَبْدٍ وَامْرَأَةٍ، وَفَاسِقٍ. ثَالِثُهَا، إلَّا الصَّبِيَّ، وَرَابِعُهَا: إلَّا وَفَاسِقٍ؛ ــ [منح الجليل] عِتْقٍ) لِخَطَرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ وَتَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِ الْخَصْمَيْنِ بِهَا إمَّا لِلَّهِ تَعَالَى كَالطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ، وَإِمَّا لِآدَمِيٍّ كَحَقِّ الْوَلَدِ فِي اللِّعَانِ وَالنَّسَبِ وَالْعَصَبَةِ فِي الْوَلَاءِ. (وَمَضَى) حُكْمُ الْمُحَكَّمِ فِي حَدٍّ أَوْ قَتْلٍ أَوْ لِعَانٍ أَوْ وَلَاءٍ أَوْ نَسَبٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ عِتْقٍ فَلَا يَنْقُضُهُ الْإِمَامُ وَلَا الْقَاضِي (إنْ حَكَمَ) الْمُحَكَّمُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا حُكْمًا (صَوَابًا وَأُدِّبَ) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الدَّالِ مُثَقَّلَةً الْمُحَكَّمُ إنْ أَنْفَذَ حُكْمَهُ بِأَنْ قَتَلَ أَوْ ضَرَبَ الْحَدَّ. أَصْبَغُ إنْ حَكَّمَاهُ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يُحَكَّمُ فِيهِ أَنْفَذَ السُّلْطَانُ حُكْمَهُ فِي الْقَوَدِ وَالْحَدِّ وَنَهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ أَقَامَ ذَلِكَ فَقَتَلَ وَاقْتَصَّ وَضَرَبَ الْحَدَّ زَجَرَهُ الْإِمَامُ وَأَدَّبَهُ وَأَمْضَى صَوَابَ حُكْمِهِ. الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ سَوَاءٌ أَنْفَذَ الْحُكْمَ أَوْ لَمْ يُنْفِذْهُ بِنَفْسِهِ، وَحَكَمَ بِهِ وَرَفَعَهُ إلَى الْقَاضِي لِيُنْفِذَهُ، وَاَلَّذِي فِي التَّوْضِيحِ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَالذَّخِيرَةِ وَابْنِ يُونُسَ وَابْنِ فَرْحُونٍ أَنَّ الْأَدَبَ إنَّمَا يَكُونُ إذَا أَنْفَذَ مَا حَكَمَ بِهِ بِنَفْسِهِ، أَمَّا لَوْ حَكَمَ وَلَمْ يُنْفِذْ فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدِ وَلَا يُؤَدِّبُهُ وَنَصُّ التَّوْضِيحِ أَصْبَغُ إذَا حَكَمَ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يُمْضِي حُكْمَهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الْعَوْدَةِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَيُقِيمُ الْحَدَّ وَغَيْرَهُ، ثُمَّ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ بِنَفْسِهِ فَقَتَلَ أَوْ اقْتَصَّ أَوْ حُدَّ ثُمَّ رَفَعَ إلَى الْإِمَامِ أَدَّبَهُ السُّلْطَانُ وَزَجَرَهُ وَأَمْضَى مَا كَانَ صَوَابًا مِنْ حُكْمِهِ. اهـ. وَنَقَلَهُ الْقَرَافِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ سَحْنُونٍ. (وَفِي) صِحَّةِ حُكْمِ (صَبِيٍّ) مُمَيَّزٍ مُحَكَّمٍ (وَعَبْدٍ وَفَاسِقٍ وَامْرَأَةٍ) لِأَصْبَغَ وَعَدَمُهَا لِمُطَرِّفٍ (ثَالِثُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ صِحَّتُهُ مِنْهُمْ (إلَّا الصَّبِيَّ) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ لِأَشْهَبَ (وَرَابِعُهَا) أَيْ الْأَقْوَالِ صِحَّتُهُ مِنْهُمْ إلَّا الصَّبِيَّ (وَفَاسِقًا) فَلَا يَصِحُّ حُكْمُهُمَا لِعَبْدِ الْمَلِكِ " ق " أَشْهَبُ إنْ حَكَّمَا امْرَأَةً فَحُكْمُهَا مَاضٍ إذَا كَانَ مِمَّا اُخْتُلِفَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ، وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ابْنُ حَبِيبٍ وَبِهِ أَخَذَ أَصْبَغُ وَكَذَلِكَ الْمَسْخُوطُ إذَا أَصَابَ وَالْمَحْدُودُ وَالصَّبِيُّ إذَا عَقَلَ وَعَلِمَ رَبُّ غُلَامٍ لَمْ يَبْلُغْ عَلِمَ بِالسُّنَّةِ وَالْقَضَاءِ. سَحْنُونٌ لَوْ حَكَّمَا مَسْخُوطًا أَوْ امْرَأَةً

стр. 3904

وَضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ وَعَزْلُهُ لِمَصْلَحَةٍ، وَلَمْ يَنْبَغِ، إنْ شُهِرَ عَدْلًا بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ ــ [منح الجليل] أَوْ عَبْدًا فَحَكَمَ بَيْنَهُمَا فَحُكْمُهُ بَاطِلٌ وَفِي الْوَاضِحَةِ وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ أَشْهَبُ تَحْكِيمُ الصَّبِيِّ وَالْمَسْخُوطِ لَغْوٌ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ. (وَ) جَازَ لِلْقَاضِي (ضَرْبُ خَصْمٍ لَدَّ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالدَّالِ مُثَقَّلَةً، أَيْ تَبَيَّنَ لَدَدُهُ بِتَأْخِيرِ مَا عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى دَفْعِهِ. ابْنُ نَاجِي يَأْمُرُ أَعْوَانَهُ بِهِ وَلَوْ ضَرَبَهُ بِيَدِهِ جَازَ، سَمِعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ لَدَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ بِصَاحِبِهِ وَتَبَيَّنَ ذَلِكَ فَلِلْقَاضِي أَنْ يُعَاقِبَهُ. ابْنُ رُشْدٍ لِأَنَّ لَدَدَهُ إذَايَةٌ وَإِضْرَارٌ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ كَفُّهُ وَعِقَابُهُ عَلَيْهِ بِمَا يَرَاهُ فِيهَا لَا بَأْسَ أَنْ يَضْرِبَ الْخَصْمَ إذَا تَبَيَّنَ لَدَدُهُ. أَبُو الْحَسَنِ مَعْنَاهُ إذَا ثَبَتَ بَيِّنَةٌ، إذْ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ إلَّا فِي التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ. ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَنْبَغِي لِلْقَاضِي مَعَ الْخُصُومِ، مِنْهَا أَنَّ الْغَرِيمَ دَعَا غَرِيمَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ أَدَّبَهُ وَجَرَّحَهُ إنْ كَانَ عَدْلًا، فَإِنْ تَغَيَّبَ شَدَّ الْقَاضِي عَلَيْهِ فِي الطَّلَبِ وَأُجْرَةُ الرَّسُولِ عَلَى الطَّالِبِ، فَإِنْ تَغَيَّبَ الْمَطْلُوبُ وَتَبَيَّنَ لَدَدُهُ فَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ. وَفِي مُفِيدِ الْحُكَّامِ لِابْنِ هِشَامٍ مَنْ اسْتَهَانَ بِدَعْوَةِ الْقَاضِي أَوْ الْحَاكِمِ وَلَمْ يُجِبْ يُضْرَبُ أَرْبَعِينَ. وَمِنْهَا أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مَنْ رَفَعَ الصَّوْتَ عِنْدَهُ، فَإِنَّهُ يُبْرِمُهُ وَيُضْجِرُهُ وَيُحَيِّرُهُ. (وَ) لِلْخَلِيفَةِ أَوْ الْأَمِيرِ (عَزْلُهُ) أَيْ الْقَاضِي (لِمَصْلَحَةٍ) كَكَوْنِ غَيْرِهِ أَقْوَى أَوْ أَحْكَمَ أَوْ لِنَقْلِهِ لِبَلَدٍ آخَرَ مَثَلًا (وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَنْبَغِي) عَزْلُهُ (إنْ شُهِرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْقَاضِي حَالَ كَوْنِهِ (عَدْلًا) أَيْ إنْ اُشْتُهِرَتْ عَدَالَتُهُ (بِمُجَرَّدِ شَكِيَّةٍ) أَيْ بِشَكِيَّةٍ مُجَرَّدَةٍ عَنْ الثُّبُوتِ وَلَوْ وَجَدَ بَدَلًا مِنْهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إفْسَادًا لِقَضَايَا النَّاسِ قَالَهُ مُطَرِّفٌ. الْمُتَيْطِيُّ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَحْوَالَ قُضَاتِهِ وَأُمُورَ حُكَّامِهِ وَوُلَاتِهِ، وَيَتَتَبَّعَ أَحْكَامَهُمْ وَيَتَفَقَّدَ قَضَايَاهُمْ، فَإِنَّهُمْ سَنَامُ أُمُورِهِ وَرَأْسُ سُلْطَانِهِ، وَيَسْأَلَ عَنْهُمْ أَهْلَ الصَّلَاحِ وَالْفَضْلِ، فَإِنْ كَانُوا عَلَى مَا يَجِبُ أَقَرَّهُمْ، وَإِنْ تَشَكَّى بِهِمْ عَزَلَهُمْ، وَإِنْ كَانُوا مَشْهُورِينَ بِالْعَدْلِ وَالصَّلَاحِ وَقَدْ عَزَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سَعْدًا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي قَوْمٌ عَزْلَ أَمِيرِهِمْ وَيَشْكُونَهُ إلَّا عَزَلْته عَنْهُمْ مَعَ عِلْمِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -

стр. 3905

وَلْيُبَرَّأْ عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ وَخَفِيفِ تَعْزِيرٍ بِمَسْجِدٍ لَا حَدٍّ وَجَلَسَ بِهِ ــ [منح الجليل] مُطَرِّفٌ لَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْزِلَ قَاضِيهِ بِالشَّكِيَّةِ إذَا كَانَ عَدْلًا وَإِنْ وَجَدَ مِنْهُ بَدَلًا. ابْنُ عَرَفَةَ يَجِبُ تَفَقُّدُ الْإِمَامِ حَالَ قُضَاتِهِ فَيَعْزِلُ مَنْ فِي بَقَائِهِ مَفْسَدَةٌ وُجُوبًا فَوْرًا وَمَنْ يُخْشَى مِنْهُ مَفْسَدَةٌ اسْتِحْبَابًا وَمَنْ غَيْرُهُ أَوْلَى مِنْهُ عَزْلُهُ رَاجِحٌ. (وَلْيُبْرِئْ) الْإِمَامُ أَوْ الْأَمِيرُ مَنْ عَزَلَهُ (عَنْ غَيْرِ سُخْطٍ) أَصْبَغُ لَا بَأْسَ إذَا عَزَلَهُ أَنْ يُخْبِرَ النَّاسَ بِبَرَاءَتِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بِشُرَحْبِيلَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَقَالَ لَهُ أَعَنْ سُخْطٍ عَزَلْتنِي؟ قَالَ لَا، وَلَكِنْ وَجَدْت مَنْ هُوَ مِثْلُك فِي الصَّلَاحِ وَأَقْوَى عَلَى عَمَلِنَا مِنْك فَلَمْ أَرَ يَحِلُّ لِي إلَّا ذَلِكَ، فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ عُزُلَتَك عَيْبٌ فَأَخْبِرْ النَّاسَ بِأَمْرِي فَفَعَلَ، فَإِنْ عَمَّ التَّشَكِّي بِالْقَاضِي عَزَلَهُ وَأَوْقَفَهُ لِلنَّاسِ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَأْتِي كُلُّ أَحَدٍ بِمَظْلِمَتِهِ وَشَكْوَاهُ. الْحَطّ مَفْهُومُ قَوْلِهِ إنْ شُهِرَ عَدْلًا أَنَّ غَيْرَ الْمَشْهُورِ عَدَالَتُهُ يُعْزَلُ بِمُجَرَّدِ الشَّكِيَّةِ، وَحَكَى ابْنُ عَرَفَةَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ، وَنَصُّهُ وَعَزْلُهُ بِالشِّكَايَةِ إنْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِالْعَدَالَةِ فِي وُجُوبِهِ بِهَا أَوْ الْكَتْبِ إلَى صَالِحِي بَلَدِهِ لِيَكْشِفُوا عَنْ حَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَلَى مَا يَجِبُ وَإِلَّا عُزِلَ. ثَالِثُهَا إنْ وَجَدَ بَدَلَهُ وَإِلَّا فَالثَّانِي لِلشَّيْخِ عَنْ أَصْبَغَ وَغَيْرِهِ وَمُطَرِّفٍ. (وَ) جَازَ (خَفِيفُ تَعْزِيرٍ) مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَخَمْسَةِ وَعَشْرَةِ الْأَسْوَاطِ (بِمَسْجِدٍ) لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ السَّلَامَةِ مِنْ خُرُوجِ نَجَسٍ (لَا) يَجُوزُ (حَدٌّ) وَتَعْزِيرٌ شَدِيدٌ بِهِ. فِيهَا لَا بَأْسَ بِيَسِيرِ الْأَسْوَاطِ أَدَبًا فِي الْمَسْجِدِ، وَأَمَّا الْحُدُودُ وَشِبْهُهَا فَلَا. أَبُو الْحَسَنِ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ إهَانَةً لَهُ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] وَقَوْلُهُ وَشِبْهُهَا يَعْنِي التَّعْزِيرَاتِ الْكَثِيرَةَ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ فِي التَّوْضِيحِ مُحْتَمِلٌ لِلْمَنْعِ لِأَنَّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ مَا يُنَجِّسُ الْمَسْجِدَ وَالْكَرَاهَةُ تَنْزِيهًا لَهُ. (وَجَلَسَ) الْقَاضِي (بِهِ) أَيْ الْمَسْجِدِ لِلْقَضَاءِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْقَضَاءُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الْحَقِّ وَهُوَ مِنْ الْأَمْرِ الْقَدِيمِ لِأَنَّهُ يُرْضَى فَلَهُ بِالدُّونِ مِنْ الْمَجْلِسِ، وَتَصِلُ إلَيْهِ فِيهِ الْمَرْأَةُ وَالضَّعِيفُ، وَإِنْ احْتَجَبَ فَلَا يَصِلُ إلَيْهِ النَّاسُ. وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ يَجْلِسُ بِرِحَابِ الْمَسْجِدِ خَارِجَةً عَنْهُ. اللَّخْمِيُّ هَذَا أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ

стр. 3906

بِغَيْرِ عِيدٍ، وَقُدُومِ حَاجٍّ، وَخُرُوجِهِ، وَمَطَرٍ وَنَحْوَهُ وَاِتِّخَاذُ حَاجِبٍ وَبَوَّابٍ ــ [منح الجليل] أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» . ابْنُ عَرَفَةَ فِي اسْتِحْبَابِ جُلُوسِهِ بِالْمَسْجِدِ أَوْ بِرِحَابِهِ خَارِجَةً عَنْهُ. ثَالِثُهَا لَا بَأْسَ بِهِ فِي مَنْزِلِهِ وَحَيْثُ أَحَبَّ لَهَا وَرِوَايَةُ ابْنِ حَبِيبٍ قَائِلًا كَانَ مَنْ مَضَى يَجْلِسُ إمَّا عِنْدَ مَوْضِعِ الْجَنَائِزِ أَوْ فِي رَحْبَتِهِ. مَرْوَانُ وَمَا كَانَتْ تُسَمَّى إلَّا رَحْبَةَ الْقَضَاءِ وَلِأَشْهَبَ. اللَّخْمِيُّ وَالثَّانِي أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ ﷺ «جَنِّبُوا مَسَاجِدَكُمْ رَفْعَ أَصْوَاتِكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ» ، وَلَا يُعْتَرَضُ بِاللِّعَانِ لِأَنَّهَا أَيْمَانٌ يُرَادُ بِهَا التَّرْهِيبُ. ابْنُ شَعْبَانَ مِنْ الْعَدْلِ كَوْنُ مَنْزِلِ الْقَاضِي بِوَسَطِ مِصْرِهِ لِأَنَّهُ بِطَرَفِ الْمِصْرِ يَضُرُّ بِغَالِبِ النَّاسِ، وَهَذَا فِي الْمِصْرِ الْكَبِيرِ، وَذَلِكَ فِي الصَّغِيرِ خَفِيفٌ وَنُدِبَ اسْتِقْبَالُهُ الْقِبْلَةَ. وَفِي النَّوَادِرِ يُجْعَلُ لِلذِّمِّيِّينَ يَوْمًا أَوْ وَقْتًا يَجْلِسُ لَهُمْ فِيهِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَجْلِسُ (بِغَيْرِ) يَوْمِ (عِيدِ) فِطْرٍ أَوْ أَضْحَى وَيُكْرَهُ جُلُوسُهُ فِي يَوْمِ عِيدٍ لِأَنَّهُ يَوْمُ فَرَحٍ وَسُرُورٍ وَمُصَافَاةٍ لَا يَوْمُ مُخَاصَمَةٍ (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (قُدُومِ) رَكْبِ (حَاجٍّ) لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَهْنِئَةِ الْقَادِمِينَ (وَخُرُوجِهِ) أَيْ رَكْبِ الْحَاجِّ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ فِيهِ بِتَشْيِيعِ الْمُسَافِرِينَ. تت يَنْبَغِي لَهُ الْجُلُوسُ أَيَّامَ خُرُوجِ الْحَاجِّ وَقُدُومِهِ وَسَفَرِ الْقَوَافِلِ لِلشَّامِ وَغَيْرِهَا لِلْفَصْلِ بَيْنَ الْأَكْرِيَاءِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ وَإِذَا غَفَلَ عَنْهُمْ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ هَرَبُوا (وَ) بِغَيْرِ يَوْمِ (مَطَرٍ وَنَحْوِهِ) كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَيَوْمِ عَرَفَةَ وَيَوْمِ كَسْرِ النِّيلِ بِمِصْرَ وَيَوْمِ الِاسْتِسْقَاءِ وَقُدُومِ السُّلْطَانِ مِنْ غَزْوٍ. اللَّخْمِيُّ يَلْتَزِمُ وَقْتًا مِنْ النَّهَارِ لِيَعْلَمَهُ أَهْلُ الْخُصُومَاتِ لِأَنَّهُ إنْ اخْتَلَفَ وَقْتُ جُلُوسِهِ أَضَرَّ بِالنَّاسِ، وَلَا يَجْلِسُ أَيَّامَ الْأَعْيَادِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا قَبْلَهَا كَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ وَعَرَفَةَ، يُرِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فِي حَجٍّ وَلَا يَوْمِ خُرُوجِ الْحَاجِّ مِنْ مِصْرٍ لِكَثْرَةِ مَنْ يَشْتَغِلُ يَوْمَئِذٍ بِمَنْ يُسَافِرُ، وَكَذَا فِي الطِّينِ وَالْوَحْلِ وَكُلُّ هَذَا مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةٌ بِمَنْ نَزَلَ بِهِ أَمْرٌ، وَلَا يَجْلِسُ عَقِبَ صَلَاةِ الصُّبْحِ إلَى ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عِبَادَةٍ وَلَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ لِأَنَّهُ وَقْتُ عَشَاءٍ. (وَ) جَازَ (اتِّخَاذُ حَاجِبٍ) لِلْقَاضِي عَمَّنْ لَا حَاجَةَ لَهُ عِنْدَهُ، وَيُرَتِّبُ أَصْحَابَ

стр. 3907

وَبَدَأَ بِمَحْبُوسٍ، ثُمَّ وَصِيٍّ، وَمَالِ طِفْلٍ، وَمُقَامٍ ثُمَّ ضَالٍّ ــ [منح الجليل] الْخُصُومَاتِ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهِ وَمَنَعَهُمْ مِنْ التَّزَاحُمِ عَلَيْهِ (وَ) اتِّخَاذُ (بَوَّابٍ) لِلْبَيْتِ الَّذِي يَجْلِسُ فِيهِ لِلْحُكْمِ يَمْنَعُ مَنْ لَا حَاجَةَ لَهُ عِنْدَ الْقَاضِي مِنْ دُخُولِهِ. أَصْبَغُ حَقٌّ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى الْقَاضِي فِي رِزْقِهِ وَيَجْعَلَ قَوْمَهُ يَقُومُونَ بِأَمْرِهِ وَيَدْفَعُونَ النَّاسَ عَنْهُ، إذْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْأَعْوَانِ يَكُونُونَ حَوْلَهُ يَزْجُرُونَ مَنْ يَنْبَغِي زَجْرُهُ مِنْ الْمُتَخَاصِمِينَ، فَقَدْ كَانَ الْحَسَنُ يُنْكِرُ عَلَى الْقُضَاةِ اتِّخَاذَ الْأَعْوَانِ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ قَالَ لَا بُدَّ لِلسُّلْطَانِ مِنْ وَزَعَةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَنْ يَصْرِفُهُ الْقَاضِي فِي أُمُورِ قَضَائِهِ مَأْمُونًا عَلَى مَا يَصْرِفُهُ فِيهِ ثِقَةً عَدْلًا كَالْحَاجِبِ وَالْعَوْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَيُنْهَى عَنْ اتِّخَاذِ مَنْ يَحْجُبُ النَّاسَ عَنْهُ فِي وَقْتِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ، وَيُسَوَّغُ لَهُ اتِّخَاذُ مَنْ يَقُومُ بَيْنَ يَدَيْهِ لِصَرْفِ أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَزَجْرِهِ وَكَفِّ أَذَى النَّاسِ عَنْهُ وَعَنْ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَلَا يَتَّخِذُ لِذَلِكَ إلَّا ثِقَةً مَأْمُونًا قَدْ يَطَّلِعُ مِنْ أَمْرِ الْخُصُومِ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْخَصْمَانِ، وَقَدْ يُرْشَى عَلَى الْمَنْعِ وَالْأَذَى وَأَمِينًا عَلَى النِّسَاءِ إنْ احْتَجْنَ إلَى خِصَامٍ ثُمَّ قَالَ الصِّقِلِّيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَلَا بِالْأَسْحَارِ مَا عَلِمْنَا مَنْ فَعَلَهُ مِنْ الْقُضَاةِ إلَّا لِأَمْرٍ يَحْدُثُ بِتِلْكَ الْأَوْقَاتِ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَأْمُرَ فِيهَا وَيَنْهَى وَيَسْجُنَ وَيُرْسِلَ الْأَمِينَ وَالشُّرَطَ، أَمَّا الْحُكْمُ فَلَا. (وَبَدَأَ) الْقَاضِي نَدْبًا أَوَّلَ وِلَايَتِهِ (بِ) النَّظَرِ فِي شَأْنِ شَخْصٍ (مَحْبُوسٍ) لِأَنَّهُ فِي عَذَابٍ، فَإِنْ رَآهُ مُسْتَحَقًّا لِلْإِخْرَاجِ أَخْرَجَهُ وَإِنْ رَآهُ مُسْتَحَقًّا لِلْإِبْقَاءِ أَبْقَاهُ. الْخَرَشِيُّ هَذَا بَعْدَ الْكَشْفِ عَنْ الشُّهُودِ الْمُوثَقِينَ، فَيَبْقَى مَنْ كَانَ عَدْلًا وَيَسْقُطُ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ مَدَارَ أَمْرِهِ كُلِّهِ عَلَيْهِمْ (ثُمَّ) يَنْظُرُ فِي أَمْرِ (وَصِيٍّ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ عَلَى أَيْتَامٍ مِنْ أَبٍ أَوْ وَصِيِّهِ (وَ) فِي (مَالِ طِفْلٍ) بِكَسْرِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ صَغِيرٍ مُهْمَلٍ (وَ) فِي حَالِ (مُقَامٍ) بِضَمِّ الْمِيمِ مِنْ قَاضٍ قِبَلَهُ عَلَى يَتِيمٍ مُهْمَلٍ (وَ) فِي حَالِ حَيَوَانٍ (ضَالٍّ) وَلَقِيطٍ وَآبِقٍ. ابْنُ شَاسٍ يَبْدَأُ بِمَحْبُوسٍ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْأَوْصِيَاءِ وَأَمْوَالِ الْأَطْفَالِ. الْمَازِرِيُّ يَبْدَأُ بِالْمَحْبُوسِ ثُمَّ وَصِيٍّ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي الْمُهْمَلِينَ ثُمَّ ضَالٍّ وَعِبَارَتُهُ. قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ الْقَاضِي بِالنَّظَرِ فِي الْمَحْبُوسِينَ لِيَعْلَمَ مَنْ يَجِبُ إخْرَاجُهُ وَمَنْ لَا يَجِبُ لِأَنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الضَّرَرِ فِي الْمَالِ ثُمَّ يَنْظُرُ فِي

стр. 3908

وَنَادَى بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ يَتِيمٍ وَسَفِيهٍ، وَرَفْعِ أَمْرَهُمَا إلَيْهِ، ثُمَّ فِي الْخُصُومِ وَرَتَّبَ كَاتِبًا عَدْلًا شَرْطًا: ــ [منح الجليل] الْأَوْصِيَاءِ ثُمَّ فِي الْمُهْمَلِينَ لِكَوْنِ مَنْ تَكُونُ لَهُ مُطَالَبَةٌ عَلَيْهِمْ لَا يُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ اللَّقِيطِ وَالضَّوَالِّ ثُمَّ بَيْنَ الْخُصُومِ. (وَنَادَى) أَيْ يَأْمُرُ الْقَاضِي بِالنِّدَاءِ عَلَى النَّاسِ (بِمَنْعِ مُعَامَلَةِ) شَخْصٍ (يَتِيمٍ) مُهْمَلٍ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا مُقَدِّمَ (وَ) مَنْعِ مُعَامَلَةِ شَخْصٍ (سَفِيهٍ) بَالِغٍ لَا يُحْسِنُ التَّصَرُّفَ فِي الْمَالِ مُهْمَلٍ مِنْ وَصِيٍّ وَمُقَدَّمٍ (وَرَفْعِ أَمْرِهِمَا) أَيْ الْيَتِيمِ وَالسَّفِيهِ إلَيْهِ لِيَنْظُرَ فِي حَالِهِمَا. أَصْبَغُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي إذَا قَعَدَ أَنْ يَأْمُرَ بِالنِّدَاءِ فِي النَّاسِ أَنَّ كُلَّ يَتِيمٍ لَا وَصِيَّ لَهُ وَلَا وَكِيلَ، فَقَدْ حَجَرْت عَلَيْهِ، وَكُلَّ سَفِيهٍ مُسْتَوْجِبٍ لِلْوِلَايَةِ فَقَدْ مَنَعْت النَّاسَ مِنْ مُدَايَنَتِهِ وَمُتَاجَرَتِهِ وَمَنْ عَلِمَ مَكَانَ أَحَدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ فَلْيَرْفَعْهُ إلَيْنَا لِنُوَلِّيَ عَلَيْهِ فَمَنْ دَايَنَهُ بَعْدُ أَوْ بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ (ثُمَّ) يَنْظُرُ فِي أَحْوَالِ (الْخُصُومِ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ خَصْمٍ ظَاهِرُهُ أَنَّ النَّظَرَ فِيهِمْ مُؤَخَّرٌ عَمَّا تَقَدَّمَ وَلَوْ كَانَ فِيهَا مُسَافِرٌ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَهُ أَحْمَدُ. (وَرَتَّبَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي (كَاتِبًا عَدْلًا) يَكْتُبُ الْوَقَائِعَ وَالْأَحْكَامَ تَرْتِيبًا وَاجِبًا (شَرْطًا) قَالَهُ أَحْمَدُ وَهُوَ ظَاهِرُ تَعْبِيرِهِ بِالْفِعْلِ. وَقَالَ الْحَطّ تَرْتِيبُ الْكَاتِبِ وَالْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ أَوْلَوِيٌّ هَذَا ظَاهِرُ عِبَارَاتِهِمْ، فَإِنَّ أَبَا الْحَسَنِ وَالْقَرَافِيَّ جَعَلَاهُ مِنْ آدَابِ الْقَضَاءِ، وَقَوْلُهُ عَدْلًا قَالَ ابْنُ فَرْحُونٍ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي صِفَاتِهِ أَرْبَعَةً: الْعَدَالَةَ وَالْعَقْلَ وَالرَّأْيَ وَالْعِفَّةَ، وَقَوْلُهُ شَرْطًا كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَفِي بَعْضِهَا مَرَضِيًّا وَهِيَ الْأَوْلَى لِأَنَّ الْعَدَالَةَ لَيْسَتْ شَرْطًا. ابْنُ فَرْحُونٍ ابْنُ شَاسٍ لَا تُشْتَرَطُ الْعَدَالَةُ فِي الْكَاتِبِ وَلَعَلَّهُ يُرِيدُ لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَقِفُ عَلَى مَا يَكْتُبُ. اهـ. إلَّا أَنِّي لَمْ أَرَ فِي الْجَوَاهِرِ مَا عَزَاهُ ابْنُ فَرْحُونٍ لِابْنِ شَاسٍ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ نُصُوصِهِمْ أَنَّهُ لَا يَسْتَعِينُ مَعَ الْقُدْرَةِ إلَّا بِالْعُدُولِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْهُمْ جَازَ الِاسْتِعَانَةُ بِغَيْرِهِمْ، ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهَا لَا يَسْتَكْتِبُ الْقَاضِي أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا يَتَّخِذُ قَاسِمًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلَا عَبْدًا وَلَا مُكَاتَبًا، وَلَا يَسْتَكْتِبُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَّا الْعُدُولَ الْمَرَضِيِّينَ، فَلَعَلَّ هَذَا مَعَ الِاخْتِيَارِ اهـ.

стр. 3909

كَمُزَكٍّ، وَاخْتَارَهُمَا ــ [منح الجليل] وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا إذَا وُجِدَ وَإِلَّا الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ. خَلِيلٌ ظَاهِرُ مَا حَكَاهُ الْمُتَيْطِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّ عَدَالَةَ الْكَاتِبِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى، لَكِنْ قَالَ اللَّخْمِيُّ لَا يَبْعُدُ حَمْلُ قَوْلِ مُحَمَّدٍ عَلَى الْوُجُوبِ الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْكَاتِبُ غَيْرَ ثِقَةٍ فَلَا بُدَّ مِنْ اطِّلَاعِ الْقَاضِي عَلَى مَا يَكْتُبُهُ فَيُجْلِسُهُ قَرِيبًا مِنْهُ بِحَيْثُ يُشَاهِدُ مَا يَكْتُبُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ عَدْلًا فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَكْتُبُ، وَقَدْ رَجَّحَ بَعْضُ أَشْيَاخِي وُجُوبَهُ، لِأَنَّهُ إذَا شَاهَدَ مَا يَكْتُبُ أَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِمَا تَيَقَّنَهُ، وَإِذَا عَوَّلَ عَلَى الْكَاتِبِ الْعَدْلِ اقْتَصَرَ عَلَى أَمْرٍ مَظْنُونٍ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْيَقِينِ، وَوَظِيفَةُ الْكَاتِبِ أَنْ يَكْتُبَ مَا يَقَعُ مِنْ الْخُصُومِ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي. الْأَقْفَهْسِيُّ إذَا وَجَدَ الْقَاضِي عَقْدًا أَوْ وَثِيقَةً عَلَّقَ خَطَّهُ فَلْيَقْطَعْهُ وَيُؤَدِّبْ كَاتِبَهُ. زَرُّوقٌ الْقِمْطَرُ بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ الزِّمَامُ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ التَّذْكَارُ، وَيُسَمَّى زِمَامَ الْقَاضِي. وَشَبَّهَ فِي التَّرْتِيبِ وَعَدَالَةِ الْمُرَتَّبِ شَرْطًا فَقَالَ (كَمُزَكٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الزَّايِ وَشَدِّ الْكَافِ، فَيُرَتِّبُهُ الْقَاضِي عَدْلًا ثِقَةً لِيُخْبِرَهُ بِأَحْوَالِ الشُّهُودِ سِرًّا بَعْدَ الْبَحْثِ عَنْهُمْ فِي مَسَاكِنِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ وَسُؤَالِهِ عَنْهُمْ عُدُولًا ثِقَاتٍ مَأْمُونِينَ، وَلَا يَكْتَفِي بِوَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ خِيفَةَ مُصَادَفَتِهِ حَبِيبًا أَوْ عَدُوًّا (وَاخْتَارَهُمَا) أَيْ الْقَاضِي الْكَاتِبَ وَالْمُزَكِّيَ. الْحَطّ أَيْ وَكَذَا يُرَتِّبُ مُزَكِّيًا عَدْلًا وَلَا كَلَامَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَالَةِ الْمُزَكِّي. الْبِسَاطِيُّ إنْ قُلْت إنَّ حَمْلَ كَلَامِهِ فِي الْكَاتِبِ وَالْمُزَكِّي عَلَى الْجِنْسِ حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ الْعَدَدُ خَالَفَ الْأَكْثَرَ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الْكَاتِبِ، فَإِنَّ الْأَكْثَرَ عَلَى أَنَّهُ يَكْفِي الْوَاحِدُ، وَإِنْ حُمِلَ كَلَامُهُ عَلَى الْإِفْرَادِ خَالَفَ الْأَكْثَرَ فِي الْمُزَكِّي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنْ الْعَدَدِ عِنْدَ هُمْ. قُلْت يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى الْأَوَّلِ، وَالْجِنْسُ يَحْتَمِلُ الْإِفْرَادَ وَالتَّعَدُّدَ وَغَايَتُهُ الْإِجْمَالُ وَهُوَ قَرِيبٌ. الْحَطّ يُعَيِّنُ حَمْلَهُ عَلَى هَذَا عِبَارَةُ الْجَوَاهِرِ، إذْ فِيهَا يُشْتَرَطُ الْعَدَدُ فِي الْمُزَكِّي وَالْمُتَرْجِمِ دُونَ الْكَاتِبِ. وَفِي التَّوْضِيحِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَاخْتَارَ الْكَاتِبُ وَالْمُزَكِّي ظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالْوَاحِدِ. أَشْهَبُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَتَّخِذَ رَجُلًا صَالِحًا مَأْمُونًا مُنْتَبِهًا، أَوْ رَجُلَيْنِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ

стр. 3910

وَالْمُتَرْجِمُ: مُخْبِرٌ: ــ [منح الجليل] يَسْأَلَانِ لَهُ عَنْ النَّاسِ إلَى آخِرِ كَلَامِ أَشْهَبَ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ كُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ وَالْكَشْفَ يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ وَمَا لَمْ يَبْتَدِهِ هُوَ، وَإِنَّمَا يُبْتَدَأُ بِهِ فِي ظَاهِرٍ أَوْ بَاطِنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ فِيهِ، ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ الْجَوَاهِرِ ابْنُ رُشْدٍ تَعْدِيلُ السِّرِّ يَفْتَرِقُ مِنْ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا أَعْذَارَ فِي تَعْدِيلِ السِّرِّ، وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ يَجْتَزِئُ فِيهِ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ الِاثْنَيْنِ، بِخِلَافِ تَعْدِيلِ الْعَلَانِيَةِ فِي الْوَجْهَيْنِ فَلَا يَجُوزُ فِيهِ إلَّا شَاهِدَانِ، وَيَلْزَمُ الْأَعْذَارُ فِيهِ إلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، هَذَا مَعْنَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ صَحَّ مِنْ الْبَيَانِ فَلَا يُرَدُّ مَا قَالَهُ الْبِسَاطِيُّ أَصْلًا، لِأَنَّ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ فِي مُزَكِّي السِّرِّ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ. (وَ) الشَّخْصُ (الْمُتَرْجِمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ الَّذِي يُبَدِّلُ لُغَةً أَعْجَمِيَّةً بِلُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَعَكْسُهُ عِنْدَ الْقَاضِي إذَا كَانَ عَرَبِيًّا لَا يَعْرِفُ الْعَجَمِيَّةَ وَالْخُصُومُ عَجَمٌ لَا يَعْرِفُونَ الْعَرَبِيَّةَ وَعَكْسُهُ وَخَبَرُ الْمُتَرْجِمِ (مُخْبِرٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ، فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ. وَقِيلَ شَاهِدٌ فَلَا يَكْفِي وَاحِدٌ وَلَا يُتَرْجِمُ كَافِرٌ وَلَا عَبْدٌ وَلَا مَسْخُوطٌ. ابْنُ رُشْدٍ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَى تَرْجَمَتِهِمْ وَإِلَّا فَتُقْبَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ الْقَرِينَانِ إنْ احْتَكَمَ خُصُومٌ يَتَكَلَّمُونَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ وَالْقَاضِي عَرَبِيٌّ لَا يَفْقَهُ كَلَامَهُمْ فَيَنْبَغِي أَنْ يُتَرْجِمَ عَنْهُمْ رَجُلٌ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مُسْلِمٌ وَاثْنَانِ أَحَبُّ إلَيَّ، وَيُجْزِئُ الْوَاحِدُ وَلَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مَسْخُوطٍ. وَلَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إنْ كَانَتْ مِنْ أَهْلِ الْعَفَافِ وَالْحَقُّ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ وَامْرَأَتَانِ وَرَجُلٌ أَحَبُّ إلَيَّ لِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ شَهَادَةٍ. ابْنُ رُشْدٍ هُوَ كَمَا قَالَ لِأَنَّهُ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي فِيهِ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ كَقِيَاسِ الْجِرَاحَاتِ وَالنَّظَرِ لِلْعُيُوبِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَالْقَسَمِ وَاسْتِنْكَاهِ مَنْ اسْتَنْكَرَ سُكْرَهُ، وَشِبْهُ ذَلِكَ مِنْ الْأُمُورِ يَجُوزُ فِيهِ الْوَاحِدُ، فَفِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الَّذِي يُحَلِّفُ الْمَرْأَةَ يَجُوزُ رَسُولٌ وَاحِدٌ وَسَمِعَهُ أَصْبَغُ فِي الِاسْتِنْكَاهِ وَلَا اخْتِلَافَ فِيهِ، وَالِاخْتِيَارُ فِي ذَلِكَ اثْنَانِ عَدْلَانِ وَيُجْزِئُ فِيهَا الْوَاحِدُ الْعَدْلُ. وَقَوْلُهُ لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ كَافِرٍ إلَخْ مَعْنَاهُ مَعَ وُجُودِ عُدُولِ الْمُؤْمِنِينَ وَلَوْ اُضْطُرَّ لِتَرْجَمَةِ كَافِرٍ

стр. 3911

كَالْمُحَلِّفِ، وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ، أَوْ شَاوَرَهُمْ ــ [منح الجليل] أَوْ مَسْخُوطٍ لَقُبِلَ قَوْلُهُ وَحُكِمَ بِهِ كَمَا يُحْكَمُ بِقَوْلِ الطَّبِيبِ الْكَافِرِ، وَغَيْرِ الْعَدْلِ فِيمَا اُضْطُرَّ فِيهِ لِقَوْلِهِ لِمَعْرِفَتِهِ بِالطِّبِّ دُونَ غَيْرِهِ، وَقَدْ حَكَى فَضْلٌ عَنْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُقْبَلُ تَرْجَمَةُ الْوَاحِدِ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَاضِي إذَا لَمْ يَفْقَهْ لِسَانَهُمْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَفَى بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ إنْ فَعَلَ لَمْ يَجُزْ وَيُرَدُّ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنَّهُ أَرَادَهُ. قُلْت ظَاهِرُ السَّمَاعِ صِحَّةُ تَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ وَلَوْ وُجِدَ مُتَرْجِمٌ مِنْ الرِّجَالِ وَسَاقَ الشَّيْخُ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ بِعِبَارَةٍ لَا بَأْسَ بِتَرْجَمَةِ الْمَرْأَةِ إذَا لَمْ يَجِدْ مِنْ الرِّجَالِ مَنْ يُتَرْجِمُ لَهُ، فَهَذَا يُفِيدُ أَنَّ الرَّاجِحَ الِاكْتِفَاءُ بِتَرْجَمَةِ الْوَاحِدِ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ وَإِنْ نَقَلَ الْحَطّ عَنْ الْعُمْدَةِ مَا نَصُّهُ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ وَاحِدٌ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ يُشْتَرَطُ تَعَدُّدٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَاهِدٌ وَهُوَ الْمَشْهُورُ. الْبُنَانِيُّ كَلَامُ ابْنِ شَاسٍ مَحَلُّهُ فِيمَنْ جَاءَ بِهِ الْخَصْمُ لِيُتَرْجِمَ عَنْهُ، فَهَذَا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ التَّعَدُّدِ وَلَيْسَ هَذَا مُرَادَ الْمُصَنِّفِ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُ مَنْ يَتَّخِذُهُ الْقَاضِي لِنَفْسِهِ مُتَرْجِمًا، وَهَذَا يَكْفِي فِيهِ الْوَاحِدُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَشَبَّهَ فِي الْكَوْنِ مُخْبِرًا فَقَالَ (كَ) الْعَدْلِ (الْمُحَلِّفِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ مُثَقَّلَةً، لِمَنْ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ يَمِينٌ وَقَامَ بِهِ مَانِعٌ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ كَامْرَأَةٍ مُخَدَّرَةٍ وَمَرِيضٍ وَمَحْبُوسٍ، فَيَكْفِي فِيهِ وَاحِدٌ لِأَنَّهُ مُخْبِرٌ (وَأَحْضَرَ) الْقَاضِي (الْعُلَمَاءَ) مَجْلِسَ الْقَضَاءِ فِي مُعْضِلَةٍ (أَوْ شَاوَرَهُمْ) أَيْ الْعُلَمَاءَ فِيهَا اللَّخْمِيُّ وَالْجَلَّابِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَحْكُمَ إلَّا بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ لِيَحْكُمَ بِشَهَادَتِهِمْ لَا بِعِلْمِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَقْضِي بِعِلْمِهِ فَأَخْذُهُ بِالْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَحْسَنُ، وَاخْتُلِفَ فِي جُلُوسِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعَهُ فَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدٌ لَا أُحِبُّ أَنْ يَقْضِيَ إلَّا بِحَضْرَتِهِمْ وَمَشُورَتِهِمْ، وَمَنَعَهُ الْأَخَوَانِ. مُحَمَّدٌ لَا يَدَعُ مُشَاوَرَةَ أَهْلِ الْفِقْهِ الْمَازِرِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَشِيرَ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا وَإِنْ كَانَ حُضُورُهُمْ يُوجِبُ حَصْرَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي عَدَمِهِ وَإِنْ كَانَ بَلِيدًا بَلَادَةً لَا يُمْكِنُهُ مَعَهَا ضَبْطُ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ وَتَصَوُّرُ حَقِيقَةِ دَعْوَاهُمَا لَمْ يُخْتَلَفْ فِي حُضُورِهِمْ إيَّاهُ وَكَانَ عِنْدَنَا قَاضٍ اُشْتُهِرَتْ بِالْأَمْصَارِ نَزَاهَتُهُ فَرَفَعَ إلَى مُحَاضِرٍ بَيْنَ خَصْمَيْنِ طَالَ فِيهَا النِّزَاعُ وَالْإِثْبَاتُ وَالتَّجْرِيحُ، فَتَأَمَّلْت الْمُحَاضَرَاتِ فَوَجَدْتهَا تَتَضَمَّنُ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ مُتَّفِقَانِ فِي الْمَعْنَى مُخْتَلِفَانِ فِي الْعِبَارَةِ، وَلَمْ يَتَفَطَّنْ الْقَاضِي لِذَلِكَ حَتَّى نَبَّهَتْهُ لَهُ فَجَعَلَ مِنْهُ

стр. 3912

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [منح الجليل] وَارْتَفَعَ الْخِصَامُ، فَمِثْلُ هَذَا لَا بُدَّ أَنْ يَحْضُرَهُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَوْ كَاتِبٌ يُؤْمَنُ مَعَهُ مِثْلُ هَذَا. ابْنُ عَرَفَةَ قَبُولُ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ الْقَضَاءُ جُرْحَةٌ الْحَطّ عُطِفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ، فَإِنَّ أَشْهَبَ وَمُحَمَّدًا قَالَا يُحْضِرُهُمْ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يُشَاوِرُهُمْ قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ. خَلِيلٌ قَيَّدَ اللَّخْمِيُّ قَوْلَ مُطَرِّفٍ بِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا فَلَا يَسَعُهُ الْقَضَاءُ إلَّا بِمَحْضَرِهِمْ. الْمَازِرِيُّ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَ فَكَّرَ الْقَاضِي فِي حَالِ حُضُورِهِمْ كَحَالِهِ فِي عَدَمِ حُضُورِهِمْ، وَلَوْ كَانَ حُضُورُهُمْ يُكْسِبُهُ ضَجَرًا حَتَّى لَا يُمْكِنَهُ التَّأَمُّلُ لِمَا هُوَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ، وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَاضِي مِنْ الْبَلَادَةِ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُهُ مَعَهُ ضَبْطُ قَوْلِ الْخَصْمَيْنِ وَلَا يُتَصَوَّرُ مَقَاصِدُهُمَا حَتَّى يُسْتَفْتَى عَنْهُ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ أَيْضًا، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي وُجُوبِ حُضُورِهِمْ اهـ. ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ يُخَيَّرُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ نَقْلٌ ثَالِثٌ، وَاَلَّذِي نَقَلَهُ غَيْرُهُ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَيْنِ، قِيلَ يُحْضِرُهُمْ كَفِعْلِ عُثْمَانَ ﵁، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا جَلَسَ لِلْقَضَاءِ أَحْضَرَ أَرْبَعَةً مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَاسْتَشَارَهُمْ، وَقِيلَ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ يَسْتَشِيرُهُمْ مِنْ غَيْرِ إحْضَارٍ، كَفِعْلِ عُمَرَ ﵁، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَوَّازِ، وَالثَّانِي قَوْلُ الْأَخَوَيْنِ. وَأُجِيبَ عَنْ الْمُصَنِّفِ بِأَنَّ أَوْ فِي كَلَامِهِ لِتَنْوِيعِ الْخِلَافِ. ١ - (تَنْبِيهَاتٌ) الْأَوَّلُ: الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْقِينِ الْقَاضِي مَأْمُورٌ بِالْمُشَاوَرَةِ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا لِأَنَّ مَا تَذَاكَرَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ وَبَحَثُوا فِيهِ تَثِقُ بِهِ النَّفْسُ مَا لَا تَثِقُ بِوَاحِدٍ إذَا اسْتَبَدَّ بِرَأْيِهِ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُمْ مُقَلِّدِينَ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الْفَتْوَى فِيمَا لَيْسَ بِمَسْطُورٍ بِحَسَبِ مَا يَظُنُّ وَاحِدٌ مِنْهُ أَنَّهُ مُقْتَضَى أُصُولِ الْمَذْهَبِ. ابْنُ عَطِيَّةَ مَنْ لَمْ يَسْتَشِرْ أَهْلَ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَعَزْلُهُ وَاجِبٌ، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ. اهـ. وَنَقَلَهُ الْقُرْطُبِيُّ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ أَقْوَالَ الْفُقَهَاءِ دَلَّتْ عَلَى اتِّفَاقِهِمْ عَلَى الْمُشَاوَرَةِ لَا سِيَّمَا فِي الْمُشْكِلَاتِ. الثَّانِي: ابْنُ فَرْحُونٍ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِمْ الْمُشَاوَرَةَ، سَوَاءٌ كَانَ عَالِمًا بِالْحُكْمِ أَمْ لَا، وَفِي طُرَرِ ابْنِ عَاتٍ لَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُشَاوِرَ فِيمَا يَحْكُمُ فِيهِ إذَا كَانَ جَاهِلًا لَا يُمَيِّزُ حَقًّا مِنْ بَاطِلٍ،

стр. 3913

وَشُهُودًا ــ [منح الجليل] لِأَنَّهُ إذَا أُشِيرَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَاهِلٌ لَا يَعْلَمُ أَيَحْكُمُ بِحَقٍّ أَمْ بِبَاطِلٍ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بِمَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَلَا يَحْكُمُ بِقَوْلِ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ تَقْلِيدًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَقُّ مِنْ حَيْثُ تَبَيَّنَ لِلَّذِي أَشَارَ عَلَيْهِ اهـ. الثَّالِثُ: قَوْلُ الْمُصَنِّفِ وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ أَوْ شَاوَرَهُمْ هَلْ عَلَى الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ، ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي وُجُوبِ حُضُورِهِمْ، وَمَا نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ وَالْقُرْطُبِيُّ وَمَا تَقَدَّمَ لِلْمَازِرِيِّ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكَذَا ابْنُ فَرْحُونٍ، فَإِنَّهُ عَدَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تَلْزَمُ الْقَاضِي فِي سِيرَتِهِ فِي الْأَحْكَامِ وَاللُّزُومِ أَنَّهَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْغَالِبِ فِي الْوُجُوبِ، وَظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَثِقَ بِرَأْيِهِ وَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ أَنَّهَا مَنْدُوبَةٌ فَتَأَمَّلْهُ فَإِنِّي لَمْ أَرَ نَصًّا يَشْفِي الْغَلِيلَ. (وَ) أَحْضَرَ (شُهُودًا) حَالَ الْقَضَاءِ لِيَشْهَدُوا عَلَى مَنْ أَقَرَّ مِنْ الْخَصْمَيْنِ خَشْيَةَ إنْكَارِهِ إقْرَارَهُ. الْحَطّ فِي التَّوْضِيحِ إذَا كَانَ الْمَشْهُورُ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ لَزِمَ أَنَّ إحْضَارَ الشُّهُودِ وَاجِبٌ وَإِلَّا فَلَا فَائِدَةَ فِي جُلُوسِهِ. وَفِيهَا لَوْ أَقَرَّ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ عِنْدَهُ بِشَيْءٍ وَلَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ يَشْهَدُ عَلَيْهِ ثُمَّ جَحَدَ الْمُقِرُّ ذَلِكَ الْإِقْرَارَ فَإِنَّهُ لَا يَقْضِي عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ سَوَاءٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ شَهِدَ هُوَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَنْ فَوْقَهُ فَأَجَازَهُ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ قَضَى بِشَهَادَتِهِ مَعَ يَمِينِ الطَّالِبِ. اهـ. وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ أَنَّهُ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ حَكَمَ عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ شَاهِدَانِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ. وَفِي النَّوَادِرِ أَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ الْخُصُومُ عِنْدَهُ فِي خُصُومَتِهِمْ فَلْيَقْضِ بِهِ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ هَذَا لَاحْتَاجَ أَنْ يُحْضِرَ مَعَهُ شَاهِدَيْنِ أَبَدًا يَشْهَدَانِ عَلَى النَّاسِ وَفِي التَّوْضِيحِ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا سَمِعَ إقْرَارَ الْخَصْمِ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِ حَتَّى يَشْهَدَ عِنْدَهُ بِإِقْرَارِهِ شَاهِدَانِ يَرْفَعَانِ شَهَادَتَهُمَا إلَيْهِ، وَذَهَبَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ إلَى أَنَّهُ يَحْكُمُ بِمَا سَمِعَ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عِنْدَهُ بِذَلِكَ شَاهِدَانِ. ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ قُضَاةُ الْمَدِينَةِ وَلَمْ أَعْلَمْ مَالِكًا قَالَ غَيْرَهُ أَنَّهُ يَقْضِي

стр. 3914

وَلَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، ــ [منح الجليل] عَلَيْهِ بِمَا سَمِعَهُ مِنْهُ وَأَقَرَّ بِهِ عِنْدَهُ، وَكَأَنَّهُمْ رَأَوْا أَنَّ الْخَصْمَيْنِ لَمَّا جَلَسَا بَيْنَ يَدَيْهِ لِلْخُصُومَةِ رَضِيَا أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمَا بِمَا يُقِرَّانِ بِهِ، وَلِذَلِكَ قَعَدَا وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَشْهُورُ. (وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يُفْتِ) بِضَمِّ الْيَاءِ، أَيْ لَا يُخْبِرُ الْقَاضِي بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ سُئِلَ عَنْهُ (فِي خُصُومَةٍ) أَيْ الْمُعَامَلَاتِ الَّتِي شَأْنُهَا، أَنْ يُتَخَاصَمَ فِيهَا لِئَلَّا يُعْلَمَ مَذْهَبُهُ فَيُتَحَيَّلَ عَلَى مُوَافَقَتِهِ. ابْنُ شَاسٍ لَا يُجِيبُ الْحَاكِمُ مَنْ سَأَلَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْخُصُومَاتِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُجِيبَ بِالْفُتْيَا فِي كُلِّ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ بِمَا عِنْدَهُ فِيهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الْأَرْبَعَةَ كَانُوا يُفْتُونَ النَّاسَ فِي نَوَازِلِهِمْ. ابْنُ عَرَفَةَ عَزَا ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأُولَى لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَابْنُ الْحَارِثِ إلَى سَحْنُونٍ. وَفِي الْوَاضِحَةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَدْخُلَ عَلَيْهِ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ دُونَ صَاحِبِهِ لَا وَحْدَهُ وَلَا فِي جَمَاعَةٍ. الْحَطّ قَوْلُهُ لَمْ يُفْتِ فِي خُصُومَةٍ، اُنْظُرْ هَلْ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى الْمَنْعِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَلَا يُفْتِ الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا بَأْسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ، أَرَادَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا فِيمَا عَدَا مَسَائِلَ الْخِصَامِ، وَهَلْ لَهُ الْفُتْيَا فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنْ إعَانَةِ الْخُصُومِ عَلَى الْفُجُورِ، وَالثَّانِي إجَازَةُ فَتْوَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِصَامِ. وَأَمَّا تَعْلِيمُ الْقَاضِي الْعِلْمَ وَتَعَلُّمُهُ لَهُ فَجَائِزٌ. اهـ. فَقُوَّةُ عِبَارَتِهِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُ الْفُتْيَا عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، وَعَدَّهُ ابْنُ فَرْحُونٍ فِي الْأُمُورِ اللَّازِمَةِ فِي سِيرَةِ الْحُكْمِ. ابْنُ الْمُنْذِرِ تُكْرَهُ لِلْقَاضِي الْفُتْيَا فِي الْأَحْكَامِ وَكَانَ شُرَيْحٌ يَقُولُ أَنَا أَقْضِي وَلَا أُفْتِي. الْبُرْزُلِيُّ يُرِيدُ إذَا كَانَتْ الْفُتْيَا مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ تُعْرَضَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوْ جَاءَتْهُ مِنْ خَارِجِ بَلَدِهِ أَوْ مِنْ بَعْضِ الْكُوَرِ أَوْ عَلَى يَدِ عُمَّالِهِ فَلْيُجِبْهُمْ عَنْهَا. ابْنُ الْمُنَاصِفِ الْأَوَّلُ النَّهْيُ فِيهِ عَنْ فَتْوَى الْقَاضِي فِي الْخُصُومَاتِ لِأَحَدِ الْخَصْمَيْنِ، وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ فِي فَتْوَاهُ لَا فِي خُصُومَةٍ بِعَيْنِهَا. اهـ. وَمَحَلُّ النَّهْيِ أَيْضًا حَيْثُ لَا يُمْكِنُ الِاطِّلَاعُ عَلَى مَذْهَبٍ إلَّا مِنْ إفْتَائِهِ، وَذَلِكَ إنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ مُقَلِّدًا، وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ مُتَسَاوِيَانِ مَثَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ قَدْ

стр. 3915

وَلَمْ يَشْتَرِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ: كَسَلَفٍ، ــ [منح الجليل] جَرَتْ الْعَادَةُ بِاسْتِفْتَاءِ الْوُكَلَاءِ لِأَرْبَابِ الْمَذَاهِبِ فِي الْوَقَائِعِ بَيْنَ مُوَكِّلَيْهِمْ، فَإِذَا وَجَدَ الْوَكِيلُ مَذْهَبًا يُوَافِقُ كَوْنَ مُوَكِّلِهِ غَالِبًا حَمَلَهُ عَلَى الدَّعْوَى عِنْدَ الْقَاضِي الْمُوَافِقِ لَهَا. وَلَوْ كَانَ مُوَكِّلُهُ غَيْرَ مُحِقٍّ (وَلَمْ) الْأَوْلَى وَلَا (يَشْتَرِ) الْقَاضِي شَيْئًا (بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُ بَالَهُ عَمَّا هُوَ بِصَدَدِهِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ رُبَّمَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ حَيَاءً مِنْهُ وَمِنْ جُلَسَائِهِ. وَفُهِمَ مِنْ قَوْلِهِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ، وَنَقَلَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ -. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يَشْتَرِ لَهُ وَكِيلٌ مَعْرُوفٌ. الصِّقِلِّيُّ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَشْتَغِلُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ بِبَيْعٍ وَلَا بِابْتِيَاعٍ لِنَفْسِهِ. أَشْهَبُ وَلَا لِغَيْرِهِ إلَّا مَا خَفَّ شَأْنُهُ وَقَلَّ شُغْلُهُ، وَالْكَلَامُ فِيهِ. سَحْنُونٌ وَتَرْكُهُ أَفْضَلُ، قَالُوا وَلَا بَأْسَ بِهِ فِي غَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَهُ وَلِغَيْرِهِ وَمَا بَاعَ أَوْ ابْتَاعَ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ لَا يُرَدُّ شَيْءٌ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ إكْرَاهٌ أَوْ هَضِيمَةٌ فَلْيَرُدَّ وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ. أَشْهَبُ إذَا اشْتَرَى الْإِمَامُ الْعَدْلُ أَوْ بَاعَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا ثُمَّ عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّ الْبَائِعَ أَوْ الْمُشْتَرِيَ يُخَيَّرُ فِي الْأَخْذِ مِنْهُ أَوْ التَّرْكِ، كَذَا وَجَدْته فِي نُسْخَتَيْنِ مِنْ الْمُتَيْطِيِّ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي النَّوَادِرِ، بَلْ فِيهَا إنْ عُزِلَ السُّلْطَانُ أَوْ مَاتَ وَالْبَائِعُ أَوْ الْمُبْتَاعُ مُقِيمٌ بِالْبَلَدِ لَا يُخَاصِمُ وَلَا يَذْكُرُ مُخَاصَمَتَهُ فَلَا حُجَّةَ لَهُ وَالْبَيْعُ مَاضٍ. الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ تِجَارَةُ الْوُلَاةِ لَهُمْ مَفْسَدَةٌ وَلِلرَّعِيَّةِ مَهْلَكَةٌ. عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يُقَالُ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تِجَارَةُ السُّلْطَانِ. ابْنُ شَاسٍ الْأَدَبُ السَّابِعُ أَنْ لَا يَشْتَرِيَ بِنَفْسِهِ وَلَا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ حَتَّى لَا يُسَامَحَ فِي الْبَيْعِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا فَرْقَ بَيْنَ شِرَائِهِ لِنَفْسِهِ وَبَيْنَ تَوْكِيلِهِ لِذَلِكَ، وَلَا يُوَكِّلُ إلَّا مَنْ يُؤْمَنُ عَلَى دِينِهِ لِئَلَّا يَسْتَرْخِصَ لَهُ بِسَبَبِ الْحُكْمِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُ أَقْوَالِ الْمَذْهَبِ وَرِوَايَاتِهِ جَوَازُ شِرَائِهِ وَبَيْعِهِ بِغَيْرِ مَجْلِسِ قَضَائِهِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ لَمْ أَعْرِفْهُ. وَذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ﵁ لَا عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ. وَشَبَّهَ فِي الْمَنْعِ فَقَالَ (كَسَلَفٍ) أَيْ تَسَلُّفِ الْقَاضِي بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ مِنْ غَيْرِهِ (وَ) دَفْعِ

стр. 3916

وَقِرَاضٍ، وَإِبْضَاعٍ، وَحُضُورِ وَلِيمَةٍ، إلَّا النِّكَاحَ، وَقَبُولِ هَدِيَّةٍ وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا، إلَّا مِنْ قَرِيبٍ، ــ [منح الجليل] مَالَ (قِرَاضٍ) أَيْ تِجَارَةٍ بِجُزْءٍ مِنْ رِبْحِهِ لِغَيْرِهِ بِمَجْلِسِ قَضَائِهِ (وَإِبْضَاعٍ) أَيْ دَفْعِ مَالٍ لِمَنْ يَشْتَرِي لَهُ بِهِ بِضَاعَةً مِنْ بَلَدٍ آخَرَ يَأْتِيهِ بِهَا أَوْ يُرْسِلُهَا لَهُ مَعَ غَيْرِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ لِلشَّيْخِ عَنْ الْأَخَوَيْنِ وَلْيَسْتَنْزِهْ عَنْ طَلَبِ الْحَوَائِجِ وَالْعَوَارِيِّ مِنْ مَاعُونٍ وَدَابَّةٍ وَسَلَفٍ وَأَنْ يُقَارِضَ وَيُبْضِعَ مَعَ أَحَدٍ أَوْ يُبَايِعَهُ إلَّا مَا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْأَمْرُ الْخَفِيفُ مَا لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُخَاصَمُ عِنْدَهُ أَوْ مِمَّنْ يَجُرُّ إلَى مَنْ يُخَاصَمُ عِنْدَهُ وَقَالَهُ أَصْبَغُ. ابْنُ مَرْزُوقٍ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ تَسَلُّفُهُ مِنْ غَيْرِهِ لَا إعْطَاؤُهُ سَلَفًا لِغَيْرِهِ. الْبُنَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ الْعَدَوِيِّ ارْتَضَاهُ بَعْضُ الشُّيُوخِ لِأَنَّ تَسْلِيفَهُ غَيْرَهُ مَعْرُوفٌ لَا يُنْهَى عَنْهُ. (وَ) كَ (حُضُورِ) الْقَاضِي لِ (وَلِيمَةٍ) أَيْ طَعَامٍ يَجْتَمِعُ لَهُ النَّاسُ فَيُنْهَى عَنْهُ (إلَّا النِّكَاحَ) فَلَا يُنْهَى عَنْ حُضُورِ وَلِيمَتِهِ الْمُسْتَوْفِيَةِ شُرُوطَهَا الشَّرْعِيَّةَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ الْأَخَوَيْنِ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجِيبَ الدَّعْوَةَ الْعَامَّةَ كَانَتْ وَلِيمَةً أَوْ صَنِيعًا عَامًّا لِفَرَحٍ، فَأَمَّا لِغَيْرِ فَرَحٍ فَلَا وَكَأَنَّهُ دُعِيَ خَاصَّةً أَوْ وَسِيلَةً لَهُ يُجِيبُ لِلْعَامَّةِ لَا الْخَاصَّةِ، وَالتَّنَزُّهُ أَحْسَنُ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ كُرِهَ لَهُ أَنْ يُجِيبَ أَحَدًا أَوْ هُوَ فِي الْخَاصَّةِ أَشَدُّ مِنْ دَعْوَةِ الْعُرْسِ، وَكَرِهَ مَالِكٌ لِأَهْلِ الْفَضْلِ أَنْ يُجِيبُوا كُلَّ مَنْ دَعَاهُمْ. الْخَرَشِيُّ يَجِبُ عَلَيْهِ حُضُورُ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ كَغَيْرِهِ بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فِيهَا. الْعَدَوِيُّ الَّذِي عِنْدَ ابْنِ مَرْزُوقٍ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ حُضُورُ وَلِيمَةِ النِّكَاحِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُطْلَبُ مِنْهُ زِيَادَةُ التَّنَزُّهِ عَمَّا بِأَيْدِي النَّاسِي لِتَقْوَى كَلِمَتُهُ وَهُوَ الرَّاجِحُ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ عج. الْمُتَيْطِيُّ لَا بَأْسَ لِلْقَاضِي بِحُضُورِ الْجَنَائِزِ وَعِيَادَةِ الْمَرْضَى وَتَسْلِيمِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَجَالِسِ وَرَدِّهِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ إلَّا ذَلِكَ، وَلَا يُجِيبُ الصَّنِيعَ إلَّا فِي الْوَلِيمَةِ. (وَمُنِعَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (قَبُولُ) الْقَاضِي لِ (هَدِيَّةٍ) لَهُ مِنْ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُكَافِئْهُ عَلَيْهَا، بَلْ (وَلَوْ كَافَأَ) الْقَاضِي مَنْ أَهْدَى لَهُ (عَلَيْهَا) أَيْ الْهَدِيَّةَ بِمِثْلِهَا أَوْ أَعْظَمَ مِنْهَا لِرُكُونِ النُّفُوسِ لِمَنْ أَهْدَى إلَيْهَا، وَلِأَنَّ قَبُولَهَا يُطْفِئُ نُورَ الْحِكْمَةِ (إلَّا) هَدِيَّةً (مِنْ) شَخْصٍ

стр. 3917

وَهَدِيَّةِ مَنْ اعْتَادَهَا قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَكَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مَشْيِهِ أَوْ مُتَّكِئًا، ــ [منح الجليل] قَرِيبٍ) لِلْقَاضِي نَسَبًا كَوَالِدِهِ وَوَلَدِهِ أَوْ خَالِهِ وَعَمِّهِ، فَلَا يُنْهَى عَنْ قَبُولِهَا. الْعَدَوِيُّ ظَاهِرُ النَّقْلِ كَرَاهَةُ قَبُولِهَا مِنْ غَيْرِ قَرِيبِهِ لَا حُرْمَتُهُ وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ، وَمَحَلُّهَا إنْ كَانَ لِرَجَاءِ نَفْعٍ أَوْ دَفْعِ ضُرٍّ، أَمَّا الْهَدِيَّةُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يُطْفِئُ قَبُولَهَا نُورُ الْحِكْمَةِ، وَقَدْ قَبِلَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَقَالَ «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» ، وَلَا يَخْفَى عَدَمُ مُلَائِمَتِهِ مَا قَدَّمَهُ فِي حُضُورِ الْوَلِيمَةِ. الْبُنَانِيُّ فِي ضَيْح ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً الْمَنْعُ، وَعَلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ لَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي كَرَاهَةِ قَبُولِ الْإِمَامِ الْأَكْبَرِ وَقَاضِيهِ وَجُبَاةِ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ الْهَدَايَا، وَهُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ وَأَهْلِ السُّنَّةِ، وَبِالْمَنْعِ جَزَمَ الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ الْقَرْضِ. الْمُتَيْطِيُّ لَا يَنْبَغِي لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ مِنْ أَحَدٍ وَلَا مِمَّنْ كَانَتْ عَادَتُهُ بِهَا مَعَهُ قَبْلَ وِلَايَتِهِ وَلَا مِنْ قَرِيبٍ وَلَا مِنْ صَدِيقٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمَا وَإِنْ كَافَأَ عَلَيْهَا بِأَضْعَافِهَا إلَّا مِثْلَ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمَا مِنْ خَاصَّةِ قَرَابَتِهِ الَّتِي يَجْمَعُ مِنْ حُرْمَةِ الْخَاصَّةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْهَدِيَّةِ. رَبِيعَةُ ﵁ إيَّاكَ وَالْهَدِيَّةَ فَإِنَّهَا ذَرِيعَةُ الرِّشْوَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ لَا يَقْبَلُ هَدِيَّةً مِنْ خَصْمٍ وَلَوْ قَرِيبَهُ وَغَيْرُ الْخَصْمِ، قَالَ سَحْنُونٌ تَجُوزُ مِنْ ذِي رَحِمٍ كَأَبَوَيْهِ وَابْنِهِ وَخَالَتِهِ وَعَمَّتِهِ وَابْنَةِ أَخِيهِ وَمَنْ لَا يَدْخُلُ عَلَيْهِ بِهِ ظِنَّةٌ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ. (وَفِي) جَوَازِ قَبُولِ (هَدِيَّةٍ مِنْ) أَيْ الشَّخْصِ الَّذِي (اعْتَادَ) إهْدَاءَ مِثْلِ (هَا) أَيْ الْهَدِيَّةِ لِلْقَاضِي (قَبْلَ الْوِلَايَةِ) لِلْقَضَاءِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَعَدَمُهُ وَهُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ وَعَبْدِ الْمَلِكِ قَالَا لَا يَنْبَغِي قَبُولُهَا وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْكَرَاهَةِ قَوْلَانِ، فَإِنْ أَهْدَى بَعْدَ وِلَايَتِهِ مِمَّنْ اعْتَادَهَا قَبْلَهَا أَزْيَدَ قَدْرًا أَوْ أَحْسَنَ جِنْسًا أَوْ صِفَةً امْتَنَعَ قَبُولهَا اتِّفَاقًا. (وَ) فِي (كَرَاهَةِ حُكْمِهِ) أَيْ الْقَاضِي (فِي) حَالِ (مَشْيِهِ) عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ رَاكِبًا وَهِيَ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَطَائِفَةٍ، وَعَدَمِهَا وَهُوَ لِأَشْهَبَ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْغَلَهُ السَّيْرُ وَزَحْمَةُ النَّاسِ وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ قَوْلَانِ. الصِّقِلِّيُّ اُخْتُلِفَ هَلْ يَقْضِي فِي الطَّرِيقِ؟ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا بَأْسَ بِقَضَائِهِ وَهُوَ مَاشٍ إنْ لَمْ يَشْغَلْهُ السَّيْرُ وَزَحْمَةُ النَّاسِ وَالنَّظَرُ إلَيْهِمْ. وَقَالَ سَحْنُونٌ

стр. 3918

وَإِلْزَامِ يَهُودِيٍّ حُكْمًا بِسَبْتِهِ، وَتَحْدِيثِهِ بِمَجْلِسِهِ لِضَجَرٍ، ــ [منح الجليل] لَا يَقْضِي وَهُوَ مَاشٍ وَلَا يُكَلِّمُ أَحَدًا مِنْ الْخُصُومِ وَلَا يَقِفُ مَعَهُ. اللَّخْمِيُّ لَا بَأْسَ بِحُكْمِهِ مَاشِيًا فِي مَسْأَلَةِ نَصٍّ وَمَا خَفَّ مِنْ مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ، وَلَا يَجُوزُ فِيمَا يَحْتَاجُ لِرَوِيَّةٍ. ابْنُ عَرَفَةَ فَفِي جَوَازِهِ مَاشِيًا. ثَالِثُهَا فِي مَسْأَلَةِ نَصٍّ أَوْ خَفِيفِ اجْتِهَادٍ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٍ وَاللَّخْمِيِّ. (وَ) فِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ حَالَ كَوْنِهِ (مُتَّكِئًا) أَيْ رَاقِدًا عَلَى أَحَدِ جَنْبَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ لِلَّخْمِيِّ لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِالْحَاضِرِينَ وَلِلْعِلْمِ حُرْمَةٌ وَعَدَمُهَا وَهُوَ لِأَشْهَبَ وَسَحْنُونٌ قَوْلَانِ. الْمُتَيْطِيُّ يَنْبَغِي أَنْ يَجْلِسَ فِي مَجْلِسِ حُكْمِهِ مُتَرَبِّعًا أَوْ مُحْتَبِيًا، قِيلَ لِإِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي هَلَّا أَلَّفْت كِتَابًا فِي آدَابِ الْقَاضِي، قَالَ إذَا قَضَى بِالْحَقِّ فَلْيَقْعُدْ فِي مَجْلِسِهِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ. (وَ) فِي جَوَازِ (إلْزَامِ يَهُودِيٍّ) أَنْ يَأْتِيَ الْقَاضِيَ لِيُوقِعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَصْمِهِ (حُكْمًا بِسَبْتِهِ) أَيْ الْيَهُودِيِّ وَكَرَاهَتِهِ قَوْلَانِ لِلْقَرَوِيِّينَ ابْنُ عَرَفَةَ الْمَازِرِيُّ فِي تَمْكِينِ الْمُسْلِمِ مِنْ اسْتِحْلَافِهِ يَهُودِيًّا يَوْمَ السَّبْتِ قَوْلَا الْقَابِسِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ، فَخَصَّ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ بِالْيَهُودِيِّ لِأَنَّ النَّصْرَانِيَّ لَا يُعَظِّمُ يَوْمًا، وَعَمَّمَهُ ابْنُ عَاتٍ فِيهِمَا لِأَنَّ يَوْمَ الْأَحَدِ لَهُ وَالسَّبْتَ لِلْيَهُودِ. (وَ) فِي جَوَازِ (تَحْدِيثِهِ) أَيْ الْقَاضِي الْحَاضِرِينَ بِكَلَامٍ مُبَاحٍ كَحِكَايَةٍ عَنْ بَعْضِ الصَّالِحِينَ (بِمَجْلِسِهِ) لِلْقَضَاءِ (لِضَجَرٍ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْجِيمِ، أَيْ تَعَبٍ وَمَلَلٍ وَسَآمَةٍ حَصَلَ لَهُ مِنْ كَثْرَةِ الْخُصُومَاتِ لِيُرَوِّحَ قَلْبَهُ وَيَرْجِعَ إلَيْهِ فَهْمُهُ نَزَلَ بِهِ أَوْ هَمٌّ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَمَنَعَهُ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِمَهَابَتِهِ وَيُصَغِّرُهُ فِي عُيُونِ النَّاسِ لِمُطَرِّفٍ وَمَنْ مَعَهُ قَوْلَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ اُخْتُلِفَ إنْ دَخَلَهُ ضَجَرٌ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لَا بَأْسَ أَنْ يُحَدِّثَ جُلَسَاءَهُ إذَا مَلَّ يُرَوِّحُ قَلْبَهُ ثُمَّ يَعُودُ لِلْحُكْمِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يَقُومُ وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ قِيَامِهِ وَصَرْفِ النَّاسِ. قُلْت هَذَا إنْ نَالَهُ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ مَجْلِسِهِ، وَإِنْ مَضَى مَا لَهُ

стр. 3919

وَدَوَامِ الرِّضَا فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ قَوْلَانِ يَحْكُمُ مَعَ مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ، ــ [منح الجليل] بَالٌ فَالثَّانِي أَصْوَبُ، وَعَزَا الصِّقِلِّيُّ الْأَوَّلَ لِأَشْهَبَ وَالثَّانِيَ لِلْأَخَوَيْنِ. (وَ) فِي اشْتِرَاطِ (دَوَامِ الرِّضَا) بِحُكْمِ الْمُحَكَّمِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ (فِي التَّحْكِيمِ لِلْحُكْمِ) مِنْ الْمُحَكَّمِ فَلِأَحَدِهِمَا الرُّجُوعُ عَنْ التَّحْكِيمِ قَبْلَ حُكْمِهِ، قَالَهُ سَحْنُونٌ، وَعَدَمُ اشْتِرَاطِ دَوَامِهِ إلَيْهِ فَلَا رُجُوعَ لِأَحَدِهِمَا قَبْلَهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ (قَوْلَانِ) فِي كُلٍّ مِنْ الْفُرُوعِ السَّابِقَةِ حَذَفَهُ مِمَّا عَدَا الْأَخِيرَ لِدَلَالَةِ هَذَا عَلَيْهِ. الْبَاجِيَّ لَوْ حَكَّمَا رَجُلًا بَيْنَهُمَا فَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ ثُمَّ بَدَا لِأَحَدِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَحْكُمَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ أَرَى أَنْ يَقْضِيَ، وَيَجُوزُ حُكْمُهُ. وَقَالَ سَحْنُونٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ طُرُقٌ وَالْأَقْوَالُ فِيهِ أَرْبَعَةٌ اُنْظُرْهَا فِيهِ. (وَلَا يَحْكُمُ) الْقَاضِي (مَعَ) حُصُولِ (مَا) أَيْ شَيْءٍ (يُدْهِشُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَكَسْرِ الْهَاءِ، أَيْ يُضْعِفُ (الْفِكْرَ) بِكَسْرِ الْفَاءِ، أَيْ الْعَقْلَ عَنْ تَمَامِ إدْرَاكِهِ مِنْ غَضَبٍ وَجُوعٍ وَحُزْنٍ وَغَلَبَةِ نَوْمٍ وَحَقْنٍ وَلَقْسٍ، أَيْ ضِيقِ نَفَسٍ أَوْ غَثَيَانِ نَفَسٍ وَأَكْلٍ فَوْقَ كِفَايَةٍ، وَقَدْ قِيلَ الْبِطْنَةُ تُذْهِبُ الْفَطِنَةَ، وَالنَّهْيُ تَحْرِيمٌ عِنْدَ الْبِسَاطِيِّ وَالْحَطّ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ، وَكَرَاهَةٌ عِنْدَ تت، وَأَمَّا مَا يَمْنَعُ الْعَقْلَ عَنْ أَصْلِ الْإِدْرَاكِ

стр. 3920

وَمَضَى، وَعَزَّرَ شَاهِدَ زُورٍ فِي الْمَلَإِ بِنِدَاءٍ، ــ [منح الجليل] فَمَمْنُوعٌ اتِّفَاقًا، وَكَذَلِكَ الْمُفْتِي لَا يُفْتِي مَعَ مَا يُدْهِشُ الْفِكْرَ نَصَّ عَلَيْهِ عِيَاضٌ، وَتَبِعَهُ الْآبِي وَمِنْهُ كَثْرَةُ الزِّحَامِ، وَكَانَ سَحْنُونٌ يَحْكُمُ فِي مَوْضِعٍ خَاصٍّ عَلَيْهِ بَوَّابٌ لَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ إلَّا اثْنَيْنِ فَاثْنَيْنِ عَلَى تَرْتِيبِهِمْ فِي الْمَجِيءِ إلَيْهِ، وَفِي هَذَا فَائِدَتَانِ السَّتْرُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ وَاسْتِجْمَاعُ الْفِكْرِ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ لَا يَجْلِسُ لِلْقَضَاءِ وَهُوَ عَلَى صِفَةٍ يُخَافُ فِيهَا أَنْ لَا يَأْتِيَ بِالْقَضِيَّةِ صَوَابًا إنْ نَزَلَ بِهِ فِي قَضَائِهِ تَرَكَهُ كَالْغَضَبِ وَالضَّجَرِ وَالْهَمِّ وَالْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَقْنِ وَأَخْذِهِ مِنْ الطَّعَامِ فَوْقَ كِفَايَتِهِ. قُلْت أَرَادَ إنْ أُدْخِلَ عَلَيْهِ تَغَيُّرًا، وَأَصْلُ هَذَا قَوْلُهُ ﷺ «لَا يَحْكُمُ بَيْنَ اثْنَيْنِ وَهُوَ غَضْبَانٌ» ، أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ ﵁ ابْنُ عَرَفَةَ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إنَاطَةِ الْحُكْمِ بِأَعَمَّ مِنْ الْغَضَبِ وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّاغِلُ وَإِلْغَاءُ خُصُوصِ الْغَضَبِ، وَسَمَّوْا هَذَا الْإِلْغَاءَ وَالِاعْتِبَارَ بِتَنْقِيحِ الْمَنَاطِ. (وَ) إنْ حَكَمَ فِي حَالٍ مِنْ الْأَحْوَالِ (مَضَى) حُكْمُهُ. الْمُتَيْطِيُّ فِي كِتَابِ الْقَزْوِينِيِّ إنْ حَكَمَ وَهُوَ غَضْبَانُ جَازَ حُكْمُهُ خِلَافًا لِدَاوُدَ، وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ الْغَضَبِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ (وَعَزَّرَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا أَيْ أَدَّبَ الْقَاضِي شَخْصًا (شَاهِدًا بِزُورٍ) أَيْ مَا لَمْ يَعْلَمْ عَمْدًا وَإِنْ صَادَفَ الْوَاقِعَ بِأَنْ شَهِدَ بِقَتْلِ زَيْدٍ عَمْرًا وَهُوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ قَتَلَهُ، وَقَدْ كَانَ قَتَلَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ مَأْخُوذٌ مِنْ زَوْرِ الصَّدْرِ أَيْ اعْوِجَاجِهِ لَا مِنْ تَزْوِيرِ الْكَلَامِ أَيْ تَحْسِينِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ زَوَّرْت فِي نَفْسِي كَلَامًا أَوْ مَقَالَةً وَيَجْتَهِدُ فِيمَا يُعَزِّرُ بِهِ شَاهِدَ الزُّورِ مِمَّا يَرَاهُ زَاجِرًا لَهُ عَنْ عَوْدِهِ لِمِثْلِ شَهَادَةِ الزُّورِ، وَلِمِثْلِهِ عَنْ ارْتِكَابِهَا (بِ) حَضْرَةِ (مَلَأٍ) بِالْقَصْرِ وَالْهَمْزِ، أَيْ جَمْعٍ مِنْ النَّاسِ (بِنِدَاءٍ) بِكَسْرِ النُّونِ مَمْدُودًا، أَيْ صِيَاحٍ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ شَهِدَ بِزُورٍ وَطَوَافٍ بِهِ فِي الْأَسْوَاقِ وَالْجَمَاعَاتِ. فِيهَا لِلْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ إذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ عَلَى شَاهِدِ الزُّورِ ضَرَبَهُ بِقَدْرِ رَأْيِهِ وَيُطَافُ يه فِي الْمَجَالِسِ. ابْنُ الْقَاسِمِ أَرَادَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ. ابْنُ وَهْبٍ كَتَبَ عُمَرُ " ﵁ " إلَى عُمَّالِهِ بِالشَّامِ إنْ أَخَذْتُمْ شَاهِدَ زُورٍ فَاجْلِدُوهُ أَرْبَعِينَ وَسَخِّمُوا وَجْهَهُ وَطُوفُوا بِهِ حَتَّى يَعْرِفَهُ النَّاسُ

стр. 3921

وَلَا يَحْلِقُ رَأْسَهُ أَوْ لِحْيَتَهُ، وَلَا يُسَخِّمُهُ ثُمَّ فِي قَبُولِهِ: تَرَدُّدٌ، ــ [منح الجليل] وَيُطَالُ حَبْسُهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي إتْيَانِ سَحْنُونٍ بِرِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ ﵁ مَيْلٌ مِنْهُ إلَيْهَا. (وَلَا يَحْلِقُ) أَيْ لَا يَأْمُرُ الْقَاضِي أَنْ يَحْلِقَ (رَأْسَهُ) أَيْ شَاهِدَ الزُّورِ (أَوْ لِحْيَتَهُ وَلَا يُسَخِّمُهُ) أَيْ لَا يَأْمُرُ بِدَهْنِ وَجْهِ شَاهِدِ الزُّورِ بِالسُّخَامِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِأَسْفَلِ الْقِدْرِ وَمُحِيطِهِ مِنْ كَثْرَةِ الدُّخَانِ، رَوَى مُطَرِّفٌ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ لَا أَرَى الْحَلْقَ وَالتَّسْخِيمَ. ابْنُ مَرْزُوقٍ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُسَخِّمُ وَجْهَهُ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ، وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْعَرَبِ الَّذِينَ عَادَتُهُمْ عَدَمُ الْحَلْقِ وَيَجْعَلُونَ الْحَلْقَ مِثْلَهُ. (ثُمَّ) إذَا ظَهَرَتْ تَوْبَةُ شَاهِدِ الزُّورِ وَشَهِدَ شَهَادَةً أُخْرَى فَ (فِي قَبُولِ) شَهَادَةِ (هـ) وَعَدَمِهِ (تَرَدُّدٌ) ابْنُ عَرَفَةَ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ إنْ تَابَ عِبَارَاتُ ابْنِ رُشْدٍ ظَاهِرُ سَمَاعِ أَبِي زَيْدٍ. ابْنُ الْقَاسِمِ إنْ عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ وَإِقْبَالُهُ وَتَزَيُّدُهُ فِي الْخَيْرِ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، خِلَافُ قَوْلِهَا لَا تَجُوزُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَ حَالُهُ، وَقِيلَ مَعْنَى السَّمَاعِ إنْ أَتَى تَائِبًا مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ، وَمَعْنَى مَا فِيهَا إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ إنْ أَتَى تَائِبًا ثُمَّ انْتَقَلَ حَالُهُ لِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ قُبِلَتْ إلَّا أَنْ يَكُونَ عُرِفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْخَيْرِ وَالصَّلَاحِ فَلَا يُقْبَلُ. وَلِأَصْبَغَ لَا تُقْبَلُ أَبَدًا إنْ أَقَرَّ بِشَهَادَةِ الزُّورِ، وَاخْتُلِفَ إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ ثُمَّ تَابَ وَانْتَقَلَ لِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ فَقَالَ مُحَمَّدٌ آخِرُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تُقْبَلُ، رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِيهَا وَأَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَوَّازِيَّةِ لَا تُقْبَلُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ لِابْنِ الْقَاسِمِ تُقْبَلُ إنْ تَابَ، وَأَظُنُّهُ لِمَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. الْمُتَيْطِيُّ لَمْ يَصْحَبْ سَمَاعُ أَبِي زَيْدٍ عَمَلٌ. قُلْت فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ بِتَوْبَتِهِ بِتَزَيُّدِهِ صَلَاحًا لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَالِثُهَا إنْ أَتَى تَائِبًا لَا إنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ إنَّا قُلْنَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ إذَا تَابَ، فَقَالَ مُحَمَّدٌ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ بِالصَّلَاحِ وَالتَّزَيُّدِ فِي الْخَيْرِ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. قُلْت فِي اخْتِصَارِ الْوَاضِحَةِ عَنْهُ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ سَقَطَتْ شَهَادَتُهُ أَبَدًا، وَإِنْ ظَهَرَتْ تَوْبَتُهُ وَازْدَادَ صَلَاحًا وَفَضْلًا لِأَنَّهُ كَانَ كَذَلِكَ يَوْمَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ بِالزُّورِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ بِهَذَا الْحَالِ وَلَمْ يُعْرَفْ بِالْفَضْلِ جَازَتْ شَهَادَتُهُ إنْ ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ وَالصَّلَاحُ الْبَيِّنُ وَالْعَدَالَةُ الظَّاهِرَةُ.

стр. 3922

وَإِنْ أُدِّبَ التَّائِبُ: فَأَهْلٌ وَمَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ أَوْ مُفْتٍ، أَوْ شَاهِدٍ، لَا بِشَهِدْتَ بِبَاطِلٍ: كَلِخَصْمِهِ: كَذَبْتَ، وَلْيُسَوِّ ــ [منح الجليل] (وَإِنْ أَدَّبَ) الْقَاضِي شَاهِدَ الزُّورِ (التَّائِبِ) عَنْ زُورِهِ قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ (فَ) هُوَ (أَهْلٌ) أَيْ مُسْتَحِقٌّ لِلتَّأْدِيبِ لَكِنَّ الْأَوْلَى الْعَفْوُ عَنْهُ لِئَلَّا يَنْفِرَ النَّاسُ مِنْ الرُّجُوعِ عَنْ شَهَادَتِهِمْ بِالزُّورِ فَيُصِرُّونَ عَلَيْهَا إنْ وَقَعَتْ مِنْهُمْ وَكَمَنْ أَتَى تَائِبًا مِنْ حِرَابَتِهِ أَوْ رِدَّتِهِ أَوْ فِطْرِهِ عَمْدًا فِي رَمَضَانَ، وَهَذَا عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ لَوْ أَدَّبَهُ لَكَانَ أَهْلًا، وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُؤَدِّبُهُ الْمُتَيْطِيُّ وَبِهِ الْعَمَلُ الْمَازِرِيُّ هُوَ الْمَشْهُورُ ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَوْ أَدَّبَ مَنْ جَاءَ تَائِبًا عَنْ شَهَادَةِ الزُّورِ لَكَانَ لِذَلِكَ أَهْلًا. وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا يُعَاقَبُ لَوْ عُوقِبَ لَمْ يَرْجِعْ أَحَدٌ عَنْ شَهَادَتِهِ زُورًا خَوْفَ عُقُوبَتِهِ كَالْمُرْتَدِّ إنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ. وَلِمَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ مَنْ سَأَلَ عَنْ إصَابَتِهِ أَهْلَهُ فِي رَمَضَانَ فَلَا يُعَاقَبُ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُعَاقِبْهُ (وَ) عَزَّرَ الْقَاضِي (مَنْ أَسَاءَ عَلَى خَصْمِهِ) ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ إنْ شَتَمَ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ صَاحِبَهُ عِنْدَ الْقَاضِي أَوْ أَسْرَعَ إلَيْهِ بِغَيْرِ حُجَّةٍ، كَقَوْلِهِ يَا ظَالِمُ يَا فَاجِرُ فَعَلَيْهِ زَجْرُهُ وَضَرْبُهُ إلَّا ذَا مُرُوءَةٍ فِي فَلْتَةٍ مِنْهُ فَلَا يَضْرِبُهُ (أَوْ) أَسَاءَ عَلَى (مُفْتٍ أَوْ) عَلَى (شَاهِدٍ) أَفْتَى ابْنُ لُبَابَةَ وَابْنُ وَلِيدٍ وَابْنُ غَالِبٍ بِأَدَبِ مَنْ قَالَ لِلشُّهُودِ وَأَهْلِ الْفُتْيَا تَشْهَدُونَ عَلَيَّ وَتُفْتُونَ لَا أَدْرِي مَنْ أُكَلِّمُ مِنْكُمْ. سَحْنُونٌ إنْ قَالَ الْخَصْمُ لِمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ أَوْ بِمَا يَسْأَلُك اللَّهُ عَنْهُ أَوْ مَا أَنْتَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَلَا مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ ذَلِكَ لِأَهْلِ الْفَضْلِ، وَيُؤَدَّبُ الْمَعْرُوفُ بِالْإِذَايَةِ بِقَدْرِ جُرْمِهِ وَقَدْرِ الرَّجُلِ الْمُنْتَهَكِ حُرْمَتُهُ وَقَدْرِ الشَّاتِمِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةٌ تَجَافَى عَنْهُ (لَا) يُؤَدَّبُ بِقَوْلِهِ (شَهِدْت بِبَاطِلٍ) ابْنُ كِنَانَةَ إنْ قَالَ شَهِدْت عَلَيَّ بِزُورٍ فَإِنْ عَنَى أَنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ بِبَاطِلٍ فَلَا يُؤَدَّبُ، وَإِنْ قَصَدَ أَذَاهُ وَالشُّهْرَةَ بِهِ نُكِّلَ بِقَدْرِ حَالِ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَالْبَاطِلُ أَعَمُّ مِنْ الزُّورِ. وَشَبَّهَ فِي عَدَمِ التَّأْدِيبِ فَقَالَ (كَ) مَنْ قَالَ (لِخَصْمِهِ كَذَبْت عَلَيَّ) بِشَدِّ الْيَاءِ فِيمَا ادَّعَيْت بِهِ عَلَيَّ أَوْ فِيمَا أَنْكَرْتنِي فِيهِ، إذْ هَذِهِ مُجَاوَبَةٌ لَا إيذَاءٌ (وَلْيُسَوِّ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْوَاوِ مَكْسُورَةً الْقَاضِي وُجُوبًا (بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ) فِي الْقِيَامِ أَوْ الْجُلُوسِ

стр. 3923

بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ، وَإِنْ مُسْلِمًا، وَكَافِرًا. وَقُدِّمَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ، ثُمَّ السَّابِقُ، قَالَ: ــ [منح الجليل] وَالْقُرْبِ أَوْ الْبُعْدِ وَالْكَلَامِ وَالِاسْتِمَاعِ لِكَلَامِهِمَا وَرَفْعِ صَوْتِهِمَا وَالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَغَيْرِ ذَلِكَ إنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ، بَلْ (وَإِنْ) كَانَا (مُسْلِمًا وَكَافِرًا) ابْنُ عَرَفَةَ رِوَايَةُ الْأُمَّهَاتِ وَاضِحَةٌ بِوُجُوبِ تَسْوِيَةِ الْقَاضِي بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ فِي مَجْلِسِهِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَالنَّظَرِ إلَيْهِمَا وَالسَّمَاعِ مِنْهُمَا وَرَفْعِ صَوْتِهِ عَلَيْهِمَا. الْمَازِرِيُّ لَوْ كَانَ الْخَصْمَانِ مُسْلِمًا وَذِمِّيًّا فَفِي تَسْوِيَتِهِمَا فِي مَجْلِسِهِمَا كَمُسْلِمَيْنِ وَجَعْلِ الْمُسْلِمِ أَرْفَعَ قَوْلَانِ. ابْنُ عَرَفَةَ اقْتَصَرَ الشَّيْخُ عَلَى الْأَوَّلِ مَعْزُوًّا لِأَصْبَغَ. عُمَرُ لِأَبِي مُوسَى - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَسَوِّ بَيْنَ النَّاسِ فِي مَجْلِسِك وَعَدْلِك وَوَجْهِك حَتَّى لَا يَطْمَعَ الشَّرِيفُ فِي حَيْفِك وَلَا يَيْأَسَ الضَّعِيفُ مِنْ عَدْلِك. (وَ) إنْ تَعَدَّدَتْ الْخُصُومَاتُ عِنْدَ الْقَاضِي (قَدَّمَ) بِفَتَحَاتٍ مُثَقَّلًا الْقَاضِي وُجُوبًا (الْمُسَافِرَ) بِالنَّظَرِ فِي خُصُومَتِهِ مَعَ مُسَافِرٍ أَوْ مَعَ مُقِيمٍ، لِأَنَّ تَأْخِيرَهُ يُفَوِّتُهُ الرُّفْقَةَ فَيَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ السَّفَرُ وَحْدَهُ (وَ) قَدَّمَ (مَا يَخْشَى فَوَاتَهُ) بِتَأْخِيرِهِ كَنِكَاحٍ اسْتَوْجَبَ فَسْخَهُ قَبْلَ الدُّخُولِ وَخِيفَ إذَا أَخَّرَ النَّظَرَ فِيهِ أَنْ يَدْخُلَ الزَّوْجُ بِهَا وَطَعَامٍ إذَا أُخِّرَ فَسَدَ وَإِذَا تَعَارَضَ الْمُسَافِرُ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ قَدَّمَ أَشَدَّهُمَا ضَرَرًا بِتَأْخِيرِهِ، وَهَذَا أَيْضًا حَيْثُ لَمْ يَكْثُرْ الْمُسَافِرُونَ جِدًّا، فَإِنْ كَثُرُوا جِدًّا بِحَيْثُ يَحْصُلُ الضَّرَرُ لِلْمُقِيمِينَ بِتَأْخِيرِهِمْ عَنْ الْمُسَافِرِينَ أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ إنْ اسْتَوَى ضَرَرُهُمْ بِالتَّأْخِيرِ وَإِلَّا قَدَّمَ أَشَدَّهُمَا ضَرَرًا، نَقَلَهُ الشَّارِحُ عَنْ الْمَازِرِيِّ. ابْنُ عَرَفَةَ اللَّخْمِيُّ يُقَدِّمُ الْقَاضِي فِي الْخُصُومَةِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ إلَّا الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوْتُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ مَعْرِفَةُ الْأَوَّلِ كُتِبَتْ أَسْمَاؤُهُمْ فِي بِطَاقٍ وَخُلِطَتْ فَمَنْ خَرَجَ اسْمُهُ أَوَّلًا بَدَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ سَحْنُونٍ الْغُرَبَاءُ وَأَهْلُ الْمِصْرِ سَوَاءٌ إلَّا أَنْ يُقَدِّمَ الْغُرَبَاءَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا يُدْخِلُ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ ضَرَرًا وَقَالَهُ أَشْهَبُ، وَزَادَ وَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالْغُرَبَاءِ كُلَّ يَوْمٍ مَا لَمْ يَكْثُرُوا فَلَا يَبْدَأُ بِهِمْ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ الْأَخَوَيْنِ مِنْ شَأْنِ الْقُضَاةِ تَقْدِيمُ الْغُرَبَاءِ وَتَعْجِيلُ سُرَاهُمْ. سَحْنُونٌ لَا يُقَدِّمُ رَجُلًا لِفَضْلِهِ وَسُلْطَانِهِ. (ثُمَّ) يُقَدِّمُ (السَّابِقَ) إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي إنْ كَانَ بِحَقٍّ وَاحِدٍ (قَالَ) الْمَازِرِيُّ مِنْ عِنْدِ

стр. 3924

وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طُولٍ، ثُمَّ أَقْرَعَ وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتًا أَوْ يَوْمًا لِلنِّسَاءِ: ــ [منح الجليل] نَفْسِهِ (وَإِنْ بِحَقَّيْنِ بِلَا طَوْلٍ) وَنَصُّهُ إذَا وَجَبَ تَقْدِيمُ الْأَسْبَقِ، فَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ ﵁ إنَّمَا يُقَدِّمُ الْأَسْبَقَ فِي حَقٍّ وَاحِدٍ لَا فِي سَائِرِ مَطَالِبِهِ، وَهَذَا مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ إنْ سَبَقَ بِخَصْمَيْنِ قَدَّمَ فِيهِمَا مِمَّا لَا يَطُولُ وَلَا يَضُرُّ بِالْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بَعْدَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْصُوصٍ لِأَصْحَابِنَا. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْبَغَ إذَا قَضَى بَيْنَ خَصْمَيْنِ فِي أَمْرٍ اخْتَصَمَا فِيهِ ثُمَّ أَخَذَا فِي حُجَّةٍ أُخْرَى فِي خُصُومَةٍ أُخْرَى، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ غَيْرُهُمَا فَلَا يَسْمَعُ مِنْهُمَا حَتَّى يَفْرُغَ مِمَّنْ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِشَيْءٍ لَا ضَرَرَ فِيهِ بِمَنْ حَضَرَهُ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا. (ثُمَّ) إنْ اسْتَوَوْا فِي الْمَجِيءِ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ السَّابِقُ (أَقْرَعَ) بَيْنَهُمْ بِأَنْ يَكْتُبَ أَسْمَاءَهُمْ فِي أَوْرَاقٍ وَيَخْلِطَهَا وَيُخْرِجَ مِنْهَا وَرَقَةً فَمَنْ وَجَدَ اسْمَهُ فِيهَا قَدَّمَهُ (وَيَنْبَغِي) لِلْقَاضِي (أَنْ يُفْرِدَ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (يَوْمًا) مُعَيَّنًا مِنْ الْأُسْبُوعِ (أَوْ وَقْتًا) مُعَيَّنًا مِنْ الْيَوْمِ (لِ) قَضَاءٍ بَيْنَ (االنِّسَاءِ) سَتْرًا لَهُنَّ وَحِفْظًا مِنْ اخْتِلَاطِهِنَّ بِالرِّجَالِ فِي مَجْلِسِهِ، سَوَاءٌ كَانَتْ الْخُصُومَةُ بَيْنَهُنَّ خَاصَّةً أَوْ بَيْنَهُنَّ وَبَيْنَ الرِّجَالِ، وَهَذَا فِي نِسَاءٍ يَخْرُجْنَ وَلَا يُخْشَى مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِنَّ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ، وَأَمَّا الْمُخَدَّرَاتُ وَاَللَّاتِي يُخْشَى مِنْ سَمَاعِ صَوْتِهِنَّ الْفِتْنَةُ بِهِنَّ فَيُوَكِّلْنَ مِنْ يُخَاصِمُ عَنْهُنَّ أَوْ يَبْعَثُ لَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ ثِقَةً مَأْمُونًا. ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ يَعْزِلُ النِّسَاءَ عَلَى حِدَةٍ وَالرِّجَالَ عَلَى حِدَةٍ. أَشْهَبُ أَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِالنِّسَاءِ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ بِالرِّجَالِ فَذَلِكَ لَهُ عَلَى اجْتِهَادِهِ صَحِيحٌ إمَّا لِكَثْرَةِ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ أَوْ لِكَثْرَتِهِنَّ عَلَى الرِّجَالِ، وَلَا يُقَدِّمُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ مُخْتَلِطِينَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يَجْعَلَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا مَعْلُومًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَعَلَ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِدَ لِلنِّسَاءِ يَوْمًا، وَإِنْ احْتَاجَ لِكَشْفِ وَجْهِ امْرَأَةٍ لِيَعْرِفَ بِهَا أَوْ لِيَشْهَدَ شُهُودُهَا عَلَى عَيْنِهَا كَشَفَهُ بَيْنَ أَيْدِي الْعُدُولِ وَيَأْمُرُ بِتَنْحِيَةِ غَيْرِهِمْ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فِي الْمَجَالِسِ وَيَجْعَلُ لِلنَّصَارَى يَوْمًا أَوْ وَقْتًا مِنْ الْأَيَّامِ بِقَدْرِ قِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، وَيَجْلِسُ لَهُمْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ،

стр. 3925

كَالْمُفْتِي، وَالْمُدَرِّسِ ــ [منح الجليل] الْمَازِرِيُّ إنْ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ أَبْعَدَ عَنْهَا مَنْ لَا خِصَامَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنْ الرِّجَالِ. قُلْت وَيَنْبَغِي أَنْ يَبْعُدَ عَنْهَا خَصْمُهَا أَقْصَى مَا يُمْكِنُ أَنْ يَسْمَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةَ خَصْمِهِ أَوْ أَقْصَى مَا يَسْمَعُ الْحَاكِمُ مِنْهُمَا وَيَذْكُرُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا قَوْلَ صَاحِبِهِ، وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ لِسُرْعَةِ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانَتْ شَابَّةً لَهَا جَمَالٌ وَيَخَافُ إنْ تَكَلَّمَتْ افْتَتَنَ بِهَا مَنْ يَسْمَعُ كَلَامَهَا أَمَرَهَا أَنْ تُوَكِّلَ مَنْ يَنُوبُ عَنْهَا فِي الْكَلَامِ، وَإِنْ اُحْتِيجَ إلَى أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا فِي دَارِهَا مَنْ تُؤْمَنُ نَاحِيَتُهُ لِسِنِّهِ وَدِينِهِ وَوَرَعِهِ مِمَّنْ يُكَلِّفُهُ الْحُكُومَةُ فِي أَمْرِهَا فَعَلَ، وَقَدْ حَضَرَتْ الْغَامِدِيَّةُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى أَقَرَّتْ بِالزِّنَا فَأَمَرَ بِرَجْمِهَا وَقَالَ فِي الْمَرْأَةِ الْأُخْرَى اُغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا، فَلَمْ يَأْمُرْ بِإِحْضَارِهَا. الشَّيْخُ عَنْ أَصْبَغَ إنْ كَانَ فِي أَعْوَانِ الْقَاضِي ثِقَةٌ قَدَّمَهُ لِلْخُصُومَةِ بَيْنَهُنَّ فِي مَنَازِلِهِنَّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ نَفْسُهُ. وَشَبَّهَ فِي تَقْدِيمِ الْمُسَافِرِ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ ثُمَّ السَّابِقِ ثُمَّ الْإِقْرَاعِ وَإِفْرَادِ النِّسَاءِ بِزَمَنٍ فَقَالَ (كَالْمُفْتِي) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ (وَالْمُدَرِّسِ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ وَكَذَا الْمُفْتِي وَالْمُدَرِّسُ عِنْدَ التَّزَاحُمِ. قُلْت لَمْ أَعْرِفْ هَذَا نَصًّا لِأَهْلِ الْمَذْهَبِ إنَّمَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي وَجِيزِهِ وَتَخْرِيجُهُمَا عَلَى حُكْمِ تَزَاحُمِ الْخُصُومِ وَاضِحٌ، وَكَذَا عَلَى سَمَاعِ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ فِي الصَّانِعِ الْخَيَّاطِ يَدْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ ثِيَابَهُمْ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ، وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ شَيْئًا وَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا إنْ كَانَ الشَّيْءُ الْخَفِيفُ الرُّقْعَةَ وَنَحْوَهَا. ابْنُ رُشْدٍ جَعَلَ الِاخْتِيَارَ تَقْدِيمَ الْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ دُونَ إيجَابٍ عَلَيْهِ، إذْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ عَمَلُهُ فِي يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَكَذَا قَالَ الْأَخَوَانِ لَا بَأْسَ أَنْ يُقَدِّمَ الصَّانِعُ مَنْ أَحَبَّ مَا لَمْ يَقْصِدْ مَطْلًا، وَكَذَا قَالَ فِي الرَّحَى وَلِسَحْنُونٍ لَا يُقَدِّمُ صَاحِبُ الرَّحَى أَحَدًا عَلَى مَنْ أَتَى قَبْلَهُ إنْ كَانَتْ سُنَّةُ الْبَلَدِ الطَّحْنَ عَلَى الدَّوْلَةِ، فَإِنْ تَحَاكَمُوا قَضَى بَيْنَهُمْ بِسُنَّتِهِمْ وَلَيْسَ قَوْلُ سَحْنُونٍ خِلَافًا لِقَوْلِ غَيْرِهِ لِأَنَّ الْعُرْفَ كَالشَّرْطِ. قُلْت وَجَرَتْ عَادَةُ مُدَرِّسِي تُونُسَ فِي الْأَكْثَرِ بِتَقْدِيمِ قِرَاءَةِ التَّفْسِيرِ عَلَى الْحَدِيثِ، وَتَقْدِيمِ الْحَدِيثِ عَلَى الْفِقْهِ. الْبُرْزُلِيُّ وَعَلَى هَذَا يَأْتِي التَّقْدِيمُ فِي طَبْخِ الْخُبْزِ وَالْقِرَاءَةِ وَسَائِرِ الصَّنَائِعِ إنْ كَانَ عُرْفٌ عَمِلَ بِهِ وَالْأَقْدَمُ الْآكَدُ فَالْآكَدُ، وَيُقَدِّمُ فِي
следующие страницы →