Полный текст (4 919 стр.). Показаны 4376–4415 · переход к 4381.
стр. 4376
كَزَاحِفَةٍ عَلَى دَافِعَةٍ
وَهِيَ خَمْسُونَ يَمِينًا
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ كَانَ الْقَتِيلُ الَّذِي وُجِدَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ إنَّمَا كَانُوا قَوْمًا يُقَاتِلُونَ عَلَى تَأْوِيلٍ، قَالَ فَلَيْسَ عَلَى الَّذِينَ قَتَلُوهُ قَتْلٌ وَإِنْ عَرَفُوا وَلَا دِيَةَ وَلَيْسَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ كَغَيْرِهِمْ. ابْنُ رُشْدٍ مِثْلُهُ فِي الْأَثَرِ مِنْ كِتَابِ الْجِهَادِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ، وَمِثْلُهُ رَوَى الْأَخَوَانِ، وَمِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ رَأَى أَنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ وَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ وَعَطَاءٍ، وَالْخِلَافُ فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ سَوَاءٌ تَابَ أَوْ أُخِذَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ وَإِنْ أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَتُوبَ وَلَا يُؤْخَذُ عَنْهُ مَا أُخِذَ مِنْ مَالٍ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا إلَّا أَنْ يُوجَدَ شَيْءٌ بِعَيْنِهِ بِيَدِهِ فَيُرَدُّ إلَى رَبِّهِ.
وَشَبَّهَ فِي الْهَدَرِ فَقَالَ (كَ) قَتْلَى طَائِفَةٍ (زَاحِفَةٍ) أَيْ مُتَعَدِّيَةٍ وَمَاشِيَةٍ لِقِتَالِ غَيْرِهَا بَغْيًا بِلَا تَأْوِيلٍ (عَلَى) طَائِفَةٍ (دَافِعَةٍ) عَنْ أَنْفُسِهَا وَحَرِيمِهَا وَأَمْوَالِهَا فَقَتْلَى الزَّاحِفَةِ هَدَرٌ إنْ لَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا بِغَيْرِ الْقَتْلِ كَالْمُنَاشَدَةِ وَالرَّفْعِ لِلْحَاكِمِ وَإِلَّا فَفِيهَا الْقِصَاصُ وَقَتْلَى الدَّافِعَةِ فِيهَا الْقِصَاصُ، وَإِنْ كَانَ الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ مِنْ طَائِفَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ غَلَطًا فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ لِأَنَّهُ خَطَأٌ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ مَشَتْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ إلَى الْأُخْرَى بِالسِّلَاحِ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ ضَمِنَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مَا أَصَابَتْ مِنْ الْأُخْرَى رَوَاهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ، قَالَ وَلَا تَبْطُلُ دِمَاءُ الزَّاحِفَةِ لِأَنَّ الْمَزْحُوفَ عَلَيْهِمْ لَوْ شَاءُوا لَمْ يَقْتُلُوهُمْ وَاسْتَرَدُّوا لِلسُّلْطَانِ. قَالَ غَيْرُهُ فِي الْمَجْمُوعَةِ هَذَا إنْ أَمْكَنَ السُّلْطَانُ أَنْ يَحْجِزَ بَيْنَهُمْ، فَإِنْ عَاجَلُوهُمْ نَاشَدُوهُمْ اللَّهَ تَعَالَى، فَإِنْ أَبَوْا فَالسَّيْفُ وَنَحْوُهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ
(خَمْسُونَ يَمِينًا) فَلَا يُزَادُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَيَحْلِفُ خَمْسُونَ مِنْهُمْ بِالْقُرْعَةِ، وَإِنَّمَا يَحْلِفُهَا بَالِغٌ عَاقِلٌ وَيَنْتَظِرُ بُلُوغَ الصَّبِيِّ، وَيُطْلَبُ الْحَلِفُ مِنْ الْعَاقِلَةِ لِاحْتِمَالِ نُكْرَانِهَا فَتَغْرَمُ الدِّيَةَ عَلَى الظَّاهِرِ، وَيُفِيدُهُ قَوْلُهُ فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ وَالصَّغِيرُ مَعَهُ أَفَادَهُ شب. الْحَطّ فِي نَوَازِلِ ابْنِ رُشْدٍ فِي كَيْفِيَّةِ قَسَامَةٍ قَامَ بِهَا أَبُو الْمَقْتُولِ وَأَخُوهُ بِأَنْ يُقْسِمَا خَمْسِينَ يَمِينًا تُرَدَّدُ عَلَيْهِمَا يَمِينًا يَمِينًا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَتَلَهُ يَقُولُ الْأَبُ فِي يَمِينِهِ بِمُنْقَطِعِ الْحَقِّ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ إثْرَ صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى مَا مَضَى عَلَيْهِ عَمَلُ الْقُضَاةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ لَقَدْ قَتَلَ هَذَا، وَيُشِيرُ إلَى
стр. 4377
مُتَوَالِيَةً بَتًّا
وَإِنْ أَعْمَى، أَوْ غَائِبًا
يَحْلِفُهَا فِي الْخَطَإِ مَنْ يَرِثُ الْمَقْتُولَ، وَإِنْ وَاحِدًا، أَوْ امْرَأَةً
وَجُبِرَتْ الْيَمِينُ عَلَى أَكْثَرِ كَسْرِهَا،
ــ
[منح الجليل]
الْقَاتِلِ ابْنَيْ فُلَانٍ، فَالْجُرْحُ الَّذِي أَصَابَهُ بِهِ وَمَاتَ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَمْدِ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَذَلِكَ يُقْسِمُ الْأَخُ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ لَقَدْ قُتِلَ أَخِي فَإِنْ اسْتَكْمَلَا خَمْسِينَ يَمِينًا عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ أُسْلِمَ الْقَاتِلُ بِرُمَّتِهِ إلَيْهِمَا فَاسْتَقَادَا مِنْهُ بِالسَّيْفِ قَتْلًا مُجْهِزًا عَلَى مَا أَحْكَمَهُ الشَّرْعُ فِي الْقِصَاصِ فِي الْقَتْلِ (مُتَوَالِيَةً) لِأَنَّهُ أَرْهَبُ وَأَوْقَعُ فِي النَّفْسِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ لَمْ أَقِفْ عَلَى قَيْدِ التَّوَالِي لِغَيْرِ ابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَالْمُصَنِّفِ (بَتًّا) أَيْ قَطْعًا الْحَطّ. وَيَعْتَمِدُونَ عَلَى الظَّنِّ الْقَوِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ إنْ كَانَ الْحَالِفُ بَصِيرًا حَاضِرًا، بَلْ
(وَإِنْ) كَانَ (أَعْمَى أَوْ غَائِبًا) حِينَ الْقَتْلِ ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا يَمِينُ الْقَسَامَةِ عَلَى أَلْبَتِّ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ أَعْمَى أَوْ غَائِبًا حِينَ الْقَتْلِ، وَمِثْلُهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ وَغَيْرِهَا. سَحْنُونٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ لِأَنَّ الْعِلْمَ يَحْصُلُ بِالْخَبَرِ وَالسَّمَاعِ كَمَا يَحْصُلُ بِالْمُعَايَنَةِ، وَلِأَنَّهُ ﷺ عَرْضَهَا عَلَى مَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْقَتْلَ
(يَحْلِفُهَا) أَيْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا (فِي) دَعْوَى قَتْلِ (الْخَطَأِ مَنْ يَرِثُ) الْمَقْتُولَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ وَأَشْعَرَ قَوْلُهُ مَنْ يَرِثُ أَنَّهَا تُوَزَّعُ عَلَى قَدْرِ الْمِيرَاثِ وَهُوَ كَذَلِكَ اتِّفَاقًا إنْ كَانَ مَنْ يَرِثُ مُتَعَدِّدًا، بَلْ (وَإِنْ) كَانَ (وَاحِدًا) وَسَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا (أَوْ امْرَأَةً) فِيهَا إنَّمَا يَحْلِفُ وُلَاةُ الدَّمِ فِي الْخَطَأِ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ مِنْ الْمَيِّتِ. اللَّخْمِيُّ وَيَحْلِفُهَا الْوَاحِدُ إنْ كَانَ هُوَ الْمُسْتَحِقُّ لِلدِّيَةِ كَأَخٍ أَوْ ابْنٍ أَوْ ابْنِ عَمٍّ. ابْنُ الْحَاجِبِ يَحْلِفُ الْوَارِثُونَ الْمُكَلَّفُونَ فِي الْخَطَأِ وَاحِدًا كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وَفِيهَا إنْ لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ إلَّا ابْنَهُ بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ.
(وَ) إنْ تَعَدَّدَ مَنْ يَرِثُ وَقُسِّمَتْ الْخَمْسُونَ يَمِينًا عَلَى الْوَرَثَةِ بِحَسَبِ أَنْصِبَائِهِمْ وَانْكَسَرَتْ يَمِينٌ مِنْهَا (جُبِرَتْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ كُمِّلَتْ الْيَمِينُ الْمُنْكَسِرَةُ (عَلَى أَكْبَرِ كَسْرِهَا) أَيْ الْيَمِينِ وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْكَسْرِ الْكَبِيرِ أَقَلَّ عَدَدًا مِنْ الْأَيْمَانِ الصَّحِيحَةِ كَابْنٍ وَبِنْتٍ، فَإِذَا قُسِّمَتْ الْخَمْسُونَ عَلَى ثَلَاثَةٍ عَدَدِ الرُّءُوسِ خَصَّ الِابْنَ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ يَمِينًا وَثُلُثُ
стр. 4378
وَإِلَّا فَعَلَى الْجَمِيعِ
وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ إلَّا بَعْدَهَا، ثُمَّ حَلَّفَ مَنْ حَضَرَ حِصَّتَهُ
ــ
[منح الجليل]
يَمِينٍ، وَالْبِنْتَ سِتَّ عَشْرَةَ يَمِينًا وَثُلُثَا يَمِينٍ، فَتُجْبَرُ عَلَى الثُّلُثَيْنِ فَتَحْلِفُ الْبِنْتُ سَبْعَ عَشْرَةَ يَمِينًا وَالِابْنُ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الثُّلُثُ، وَهَذَا عِنْدَ الْمُشَاحَّةِ فِي التَّكْمِيلِ.
وَأَمَّا عِنْدَ التَّرَاضِي فَمَنْ شَاءَ التَّكْمِيلَ كَمَّلَ وَلَوْ قَلَّ كَسْرُهُ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ. وَفِي الْمُقَدِّمَاتِ يُكْمِلُهَا أَكْثَرُهُمْ نَصِيبًا فَيُكْمِلُهَا الِابْنُ فِي الْمِثَالِ الْمَذْكُورِ، وَقِيلَ تَكْمُلُ عَلَى كُلِّ كَسْرٍ فَيُكْمِلُهَا الِابْنُ وَالْبِنْتُ فِيهِ. ابْنُ عَرَفَةَ فَإِنْ انْكَسَرَتْ عَلَيْهِمْ يَمِينٌ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَفِي جَبْرِهَا عَلَى ذِي الْأَكْثَرِ مِنْهَا أَوْ مِنْ الْأَيْمَانِ، ثَالِثُهَا عَلَى كُلِّ ذِي كَسْرٍ لَهَا وَلِنَقْلِ ابْنِ رُشْدٍ غَيْرِ مَعْزُوٍّ وَمَعَ غَيْرِهِ عَنْ الْمُوَطَّإِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى خِلَافُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ بُكَيْر، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَاجِبِ مَعَ كَافِي أَبِي عُمَرَ، وَقَوْلِ ابْنِ حَارِثٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا لَا تُجْبَرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَتَصِيرُ الْأَيْمَانُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ يَقْتَضِي نَفْيَ الثَّالِثِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَكْبَرَ بِأَنْ اسْتَوَتْ الْكُسُورُ كَثَلَاثَةِ بَنِينَ (فَ) تُجْبَرُ (عَلَى) الْكُسُورِ (الْجَمِيعِ) فَيَحْلِفُ كُلُّ ابْنٍ سَبْعَ عَشَرَ يَمِينًا وَيَصِيرُ الْمَجْمُوعُ إحْدَى وَخَمْسِينَ يَمِينًا، فَقَوْلُهُمْ خَمْسِينَ أَيْ مَا لَمْ يَكُنْ انْكِسَارُهُ وَإِلَّا فَقَدْ تَزِيدُ عَلَيْهَا يُجْبَرُ الْكُسُورُ، فَلَوْ كَانُوا ثَلَاثِينَ أَوْ أَرْبَعِينَ ابْنًا حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ يَمِينَيْنِ وَصَارَتْ سِتِّينَ فِي الْأَوَّلِ وَثَمَانِينَ فِي الثَّانِي
(وَلَا يَأْخُذُ أَحَدٌ) مِنْ الْوَرَثَةِ شَيْئًا مِنْ الدِّيَةِ (إلَّا بَعْدَ) حَلِفِ جَمِيعِ (هَا) أَيْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا إذْ لَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ شَيْءٌ مِنْ الدِّيَةِ إلَّا بَعْدَ ثُبُوتِ الدَّمِ، وَهُوَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِحَلِفِ جَمِيعِهَا، فَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ غَائِبًا أَوْ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا حَلَفَ الْحَاضِرُ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ (ثُمَّ حَلَفَ مَنْ حَضَرَ) مِنْ غَيْبَتِهِ أَوْ بَلَغَ أَوْ عَقَلَ (حِصَّتَهُ) مِنْ الْخَمْسِينَ وَأَخَذَ نَصِيبَهُ مِنْ الدِّيَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَا تُسْتَحَقُّ الدِّيَةُ إلَّا بِحَلِفِ خَمْسِينَ يَمِينًا، فَلَوْ تَعَذَّرَ حَلَفَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ بِغَيْبَةٍ أَوْ صِغَرٍ فَلَا يَسْتَحِقُّ مَنْ حَضَرَ حَظَّهُ إلَّا بِحَلِفِ الْخَمْسِينَ وَمَنْ بَعْدَهُ بِقَدْرِ حَظِّهِ، وَفِيهَا إنْ لَمْ يَدَعْ الْمَيِّتُ إلَّا ابْنَةً بِغَيْرِ عَصَبَةٍ حَلَفَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ، وَإِنْ جَاءَتْ مَعَ الْعَصَبَةِ حَلَفَتْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا وَالْعَصَبَةُ مِثْلُهَا،
стр. 4379
وَإِنْ نَكَلُوا أَوْ بَعْضٌ: حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ فَمَنْ نَكَلَ: فَحِصَّتُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ
ــ
[منح الجليل]
وَإِنْ كَانَتْ بِنْتٌ وَابْنٌ غَائِبٌ فَلَا تَأْخُذُ الْبِنْتُ ثُلُثَ الدِّيَةِ حَتَّى تَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَإِذَا قَدِمَ الِابْنُ الْغَائِبُ حَلَفَ ثُلُثَيْ الْأَيْمَانِ وَأَخَذَ ثُلُثَيْ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَتْ الْبِنْتُ عَنْ دَعْوَاهَا وَرَدَّتْ مَا أَخَذَتْ مِنْ الدِّيَةِ لِأَنَّ أَيْمَانَهَا الْأُولَى حُكْمٌ مَضَى، فَفِي سَمَاعِ عِيسَى مَنْ أَقْسَمَتْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَأَخَذَتْ حَظَّهَا مِنْ الدِّيَةِ ثُمَّ نَزَعَتْ وَرَدَّتْ مَا أَخَذَتْ ثُمَّ أَتَتْ أُخْتُهَا فَتَحْلِفُ بِقَدْرِ حَظِّهَا لِأَنَّ يَمِينَ الْأُولَى حُكْمٌ مَضَى
(وَإِنْ نَكَلُوا) أَيْ الْوَرَثَةُ كُلُّهُمْ عَنْ الْقَسَامَةِ (أَوْ) نَكَلَ (بَعْضٌ) مِنْهُمْ وَحَلَفَ بَعْضٌ آخَرُ رُدَّتْ الْقَسَامَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ وَ (حَلَفَتْ الْعَاقِلَةُ) كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَحْلِفُ يَمِينًا وَلَوْ كَانَتْ عَشْرَةَ آلَافٍ وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ (فَمَنْ) حَلَفَ مِنْ الْعَاقِلَةِ سَقَطَ حَظُّهُ مِنْ الدِّيَةِ، وَمَنْ (نَكَلَ) عَنْ الْيَمِينِ (فَحِصَّتُهُ) أَيْ النَّاكِلِ الَّتِي عَلَيْهِ مِنْ الدِّيَةِ يَغْرَمُهَا لِلنَّاكِلِ مِنْ الْوَرَثَةِ (عَلَى الْأَظْهَرِ) عِنْدَ ابْنِ رُشْدٍ مِنْ خَمْسَةِ أَقْوَالٍ حَكَاهَا فِي الْبَيَانِ وَالْمُقَدِّمَاتِ، قَالَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَبْيَنُ الْأَقْوَالِ وَأَصَحُّهَا فِي النَّظَرِ.
ابْنُ عَرَفَةَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ وَالْبَيَانِ إنْ نَكَلُوا عَنْ الْأَيْمَانِ أَوْ بَعْضُهُمْ فَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ، الْأَوَّلُ رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ يَحْلِفُونَ كُلُّهُمْ وَلَوْ كَانُوا عَشْرَةَ آلَافٍ وَالْقَاتِلُ كَأَحَدِهِمْ، فَمَنْ حَلَفَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ نَكَلَ غَرِمَ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَهُوَ أَصَحُّهَا.
الثَّانِي: يَحْلِفُ مِنْ الْعَاقِلَةِ خَمْسُونَ رَجُلًا يَمِينًا يَمِينًا، فَإِنْ حَلَفُوا بَرِئَتْ الْعَاقِلَةُ مِنْ الدِّيَةِ كُلِّهَا، وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ بَرِئَ وَلَزِمَ بَقِيَّةَ الْعَاقِلَةِ كُلِّهَا حَتَّى يُتِمُّوا خَمْسِينَ يَمِينًا، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ الثَّانِي.
الثَّالِثُ: أَنَّهُمْ إنْ نَكَلُوا فَلَا حَقَّ لَهُمْ، أَوْ نَكَلَ بَعْضُهُمْ فَلَا حَقَّ لَهُ وَلَا يَمِينَ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّ الدِّيَةَ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ بَعْدُ إنَّمَا تَجِبُ بِالْفَرْضِ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ الْيَمِينَ تَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَحْدَهُ، فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ
стр. 4380
وَلَا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ: أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً، وَإِلَّا فَمَوَالِي
ــ
[منح الجليل]
فَلَا يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ شَيْءٌ بِنُكُولِهِ لِأَنَّهَا لَا تَحْمِلُ الْإِقْرَارَ وَالنُّكُولَةُ كَالْإِقْرَارِ، وَإِنَّمَا هُوَ بِنُكُولِهِ شَاهِدٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ، رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ.
وَالْخَامِسُ: رَدُّ الْأَيْمَانِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، فَإِنْ حَلَفَتْ بَرِئَتْ، وَإِنْ نَكَلَتْ غَرِمَتْ نِصْفَ الدِّيَةِ قَالَهُ رَبِيعَةُ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي قَضَائِهِ عَلَى السَّعْدِيِّينَ.
(وَلَا يَحْلِفُ) الْقَسَامَةَ (فِي) دَعْوَى قَتْلِ (الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً) لِلْمَقْتُولِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ وَلَاءٍ لَهُ أَوْ لِعَاصِبِهِ بِدَلِيلِ مَا يَأْتِي، سَوَاءٌ وَرِثَاهُ أَمْ لَا، أَوْ وَرِثَهُ أَحَدُهَا دُونَ الْآخَرِ. الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - هُوَ الْأَمْرُ الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ادَّعَى الْعَمْدَ فَلَا يُقْتَلُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَّا بِقَسَامَةِ رَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا، فَإِنْ حَلَفَ مَعَهُ آخَرُ مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ فِي التَّعَدُّدِ قُتِلَ وَإِلَّا رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَإِنْ حَلَفَ خَمْسِينَ يَمِينًا بَرِئَ، وَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ. وَفِي الْمُوَطَّإِ لَا يُقْسِمُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ مِنْ الْمُدَّعِيَيْنِ إلَّا اثْنَانِ فَصَاعِدًا تُرَدَّدُ الْأَيْمَانُ عَلَيْهِمَا حَتَّى يَحْلِفَا خَمْسِينَ يَمِينًا قَدْ اسْتَحَقَّا، وَذَلِكَ الْأَمْرُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَفِيهِ الرَّجُلُ يُقْتَلُ عَمْدًا أَنَّهُ إذَا قَامَ عَصَبَةُ الْمَقْتُولِ أَوْ مَوَالِيهِ فَقَالُوا نَحْلِفُ وَنَسْتَحِقُّ دَمَ صَاحِبِنَا فَذَلِكَ لَهُمْ.
ابْنُ رُشْدٍ الْأَصْلُ فِي أَنْ لَا يُقْسِمَ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً قَوْلُهُ ﷺ «أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ» فَجَمَعَهُمْ فِي الْأَيْمَانِ وَلَمْ يُفْرَدْ الْأَخُ بِهَا دُونَ بَنِي عَمِّهِ، قُلْت قَالَ أَبُو عُمَرَ مَثَّلَهُ ابْنُ رُشْدٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لَمَّا كَانَ لَا يُقْتَلُ بِأَقَلَّ مِنْ شَاهِدَيْنِ لَمْ يَسْتَحِقَّ دَمَهُ إلَّا بِقَسَامَةِ رَجُلَيْنِ. الْبَاجِيَّ وَغَيْرُهُ إنَّمَا يُقْسِمُ فِي الْعَمْدِ الرِّجَالُ الْأَوْلِيَاءُ وَمَنْ لَهُ تَعْصِيبٌ.
(وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَقْتُولِ عَصَبَةٌ مِنْ النَّسَبِ (فَ) يُقْسِمُ (مَوَالِي) أَعْلَوْنَ لِأَنَّهُمْ عَصَبَةٌ بِالْوَلَاءِ لَا أَسْفَلُونَ، لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَصَبَةٍ، سَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ إنْ لَمْ يَكُنْ لِلْقَتِيلِ عَمْدًا عَصَبَةٌ وَلَا وَارِثَ تُقْسِمُ الْقَبِيلَةُ الَّتِي هُوَ مِنْهَا وَهُوَ مَعْرُوفٌ بِالِانْتِمَاءِ إلَيْهَا يَعْقِلُ مَعَهَا وَتَعْقِلُ مَعَهُ، قَالَ لَا قَسَامَةَ لَهُمْ وَلَا لِأَحَدٍ إلَّا بِوَارِثَةٍ لِنَسَبٍ ثَابِتٍ أَوْ لِوَلَاءٍ، وَلَا يُقْسِمُ الْمَوَالِي الْأَسْفَلُونَ. ابْنُ رُشْدٍ لَمْ أَحْفَظْ اخْتِلَافًا فِي هَذَا، وَفِيهَا مَنْ لَا عِصَابَةَ لَهُ لَا قَسَامَةَ فِيهِ وَلَا
стр. 4381
وَلِلْوَلِيِّ: الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبِهِ وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ حَلِفُ الْأَكْثَرِ، إنْ لَمْ تَزِدْ عَلَى نِصْفِهَا
ــ
[منح الجليل]
يُقْتَلُ فِيهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ الصِّقِلِّيُّ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَدَمُ مَنْ يَحْلِفُ كَنُكُولِ الْأَوْلِيَاءِ فِي رَدِّ الْيَمِينِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْقَاتِلِ
(وَلِ) جِنْسِ (الْوَلِيِّ) الصَّادِقِ بِوَاحِدٍ فَأَكْثَرَ (الِاسْتِعَانَةُ) عَلَى الْقَسَامَةِ (بِعَاصِبِهِ) أَيْ الْوَلِيِّ وَلَوْ أَجْنَبِيًّا مِنْ الْمَقْتُولِ، كَمَا إذَا قُتِلَتْ مُتَزَوِّجَةٌ بِأَجْنَبِيٍّ مِنْهَا عَنْ ابْنِهَا فَلَهُ الِاسْتِعَانَةُ بِأَبِيهِ وَعَمِّهِ وَأَخِيهِ مِنْ أَبِيهِ، وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْوَاحِدِ وَجَائِزَةٌ لِلْأَكْثَرِ وَعَاصِبُهُ يَعُمُّ الْوَاحِدَ وَالْأَكْثَرَ بِإِضَافَتِهِ لِلضَّمِيرِ ابْنُ شَاسٍ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِبَعْضِ عَصَبَتِهِ وَيَجْتَزِئُ فِي الْإِعَانَةِ بِوَاحِدٍ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ الْوَلِيُّ الَّذِي لَهُ الْعَفْوُ رَجُلًا وَاحِدًا فَلَا يَسْتَحِقُّهُ بِقَسَامَةٍ إلَّا أَنْ يَجِدَ مِنْ عَصَبَتِهِ أَوْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يُقْسِمُ مَعَهُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ إلَى أَبٍ مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَجَدَ رَجُلًا وَاحِدًا حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَإِنْ وَجَدَ أَكْثَرَ مِنْ رَجُلٍ قُسِّمَتْ الْأَيْمَانُ عَلَى عَدَدِهِمْ.
(وَلِلْوَلِيِّ فَقَطْ) أَيْ لَا لِعَاصِبِهِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (حَلِفُ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْأَيْمَانِ الَّتِي خَصَّتْهُ مِنْ قِسْمَةِ الْخَمْسِينَ يَمِينًا عَلَيْهِ وَعَلَى مُعِينِيهِ (إنْ لَمْ تَزِدْ) الْأَكْثَرُ الَّذِي أَرَادَ الْوَلِيُّ حَلِفَهُ (عَلَى نِصْفِهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ وَهُوَ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ يَمِينًا. ابْنُ رُشْدٍ فَإِنْ رَضُوا، أَيْ الْمُعِينُونَ بِحَمْلِ أَكْثَرِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فَلَا يَجُوزُ، وَإِنْ رَضِيَ هُوَ أَيْ الْمُسْتَعِينُ بِحَمْلِ أَكْثَرِ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ يَمِينًا، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ رَجُلَيْنِ فَلَهُمَا أَنْ يَسْتَعِينَا بِغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ دُونَهُمْ فِي الْمَرْتَبَةِ، وَتُقَسَّمُ الْأَيْمَانُ بَيْنَهُمْ عَلَى عَدَدِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِلَ الْمُسْتَعَانُ بِهِمْ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ رَضِيَ الْوَلِيَّانِ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِ جَازَ، وَجَازَ أَنْ يَحْلِفَ بَعْضُ الْمُسْتَعَانِ بِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ بَعْضِ، وَإِنْ حَلَفَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً وَعِشْرِينَ يَمِينًا ثُمَّ وَجَدَ صَاحِبُهُ مُعِينًا فَالْأَيْمَانُ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعَانُ بِهِ لَا تُحْسَبُ لِلْمُسْتَعِينِ وَحْدَهُ، بَلْ تُقَسَّمُ عَلَى الْوَلِيَّيْنِ، فَإِنْ لَمْ تُقَسَّمْ بَيْنَهُمَا وَحُسِبَتْ كُلُّهَا لِلْمُسْتَعِينِ فَيَحْلِفُ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسَةِ وَالْعِشْرِينَ
стр. 4382
وَوُزِّعَتْ، وَاجْتُزِئَ بِاثْنَيْنِ طَاعَا مِنْ أَكْثَرَ
وَنُكُولُ الْمُعِينِ: غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَلَوْ بَعُدُوا:
ــ
[منح الجليل]
يَمِينًا يُزَادُ عَلَيْهِ حَتَّى يُكْمِلَ نِصْفَ مَا بَقِيَ مِنْ الْخَمْسِينَ يَمِينًا بَعْدَ الْأَيْمَانِ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعِينُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ حَلَفَ مَا هُوَ لِمَنْ يُعِينُهُ وَرَأَى أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ مُعِينٍ فَلَا يُزَادُ شَيْءٌ مِنْ الْأَيْمَانِ عَلَى الْمُسْتَعِينِ، وَتَكُونُ الْأَيْمَانُ الَّتِي حَلَفَهَا الْمُسْتَعَانُ بِهِ مَحْسُوبَةً لَهُ لَا تُقَسَّمُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ قَالَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ.
(وَوُزِّعَتْ) بِضَمِّ الْوَاوِ وَكَسْرِ الزَّاي، أَيْ قُسِّمَتْ الْقَسَامَةُ فِي الْعَمْدِ عَلَى مُسْتَحَقِّي الدَّمِ إنْ كَانُوا خَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهَا، وَإِنْ زَادُوا عَلَى خَمْسِينَ مِنْهُمْ اُجْتُزِيَ بِحَلِفِ خَمْسِينَ وَلَا يُزَادُ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ خِلَافُ سُنَّةِ الْقَسَامَةِ (وَاجْتُزِئَ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الزَّاي أَيْ اُكْتُفِيَ (بِ) حَلِفِ (اثْنَيْنِ طَاعَا) أَيْ تَطَوُّعًا وَرَضِيَا بِحَلِفِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ يَمِينًا حَالَ كَوْنِهِمَا (مِنْ) مُسْتَحَقِّينَ (أَكْثَرَ) مِنْ اثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ مَا عِنْدَ غَيْرِهِمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَلَا يُعَدُّ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ نَاكِلًا حَتَّى يُصَرِّحَ بِأَنَّهُ نَاكِلٌ، وَيَسْتَحِقُّ الْبَقِيَّةَ مَا يَسْتَحِقُّونَ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ إلَى خَمْسِينَ رَجُلًا وَهُمْ فِي الْعَقْدِ سَوَاءٌ وَتَشَاحُّوا فِي حَمْلِهَا قُسِّمَتْ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإِنْ وَقَعَ فِيهَا كَسْرٌ كَكَوْنِهِمْ عِشْرِينَ فَيَبْقَى مِنْ الْأَيْمَانِ عَشْرٌ يُقَالُ لَهُمْ لَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى الدَّمِ حَتَّى تَأْتُوا بِعَشْرَةٍ يَحْلِفُونَ مَا بَقِيَ، فَإِنْ أَبَوْا بَطَلَ الدَّمُ كَنُكُولِهِمْ، وَإِنْ زَادَ عَدَدُهُمْ عَلَى خَمْسِينَ فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إنْ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْهُمْ أَجْزَأَهُمْ، وَرَأَيْت لِابْنِ الْمَاجِشُونِ لَا بُدَّ أَنْ يَحْلِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمِينًا يَمِينًا وَإِلَّا فَلَا يَسْتَحِقُّونَ الدَّمَ فِي كِتَابٍ مَجْهُولٍ.
(وَنُكُولُ) الْعَاصِبِ (الْمُعِينِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْعَيْنِ لِلْوَلِيِّ عَلَى الْقَسَامَةِ عَنْهَا (غَيْرُ مُعْتَبَرٍ) فِي إسْقَاطِ الدَّمِ لِأَنَّهُ لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ وَلِأَنَّهُ قَدْ يُرْشِي وَلِلْوَلِيِّ الِاسْتِعَانَةُ بِعَاصِبٍ آخَرَ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ بَطَلَ الدَّمُ (بِخِلَافِ) نُكُولِ (غَيْرِهِ) أَيْ الْمُعِينِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ فَيَبْطُلُ الدَّمُ إنْ لَمْ يَبْعُدْ، بَلْ (وَإِنْ بَعُدُوا) أَيْ النَّاكِلُونَ كَأَبْنَاءِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَعْمَامِ مَعَهُمْ فَيَسْقُطُ الدَّمُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ الْبَاجِيَّ قَالَهُ تت. طفي تَبِعَ فِيهِ قَوْلَ الشَّارِحِ لَا خِلَافَ فِي هَذَا إذَا كَانَ
стр. 4383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الْأَوْلِيَاءُ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ أَوْلَادٌ كُلُّهُمْ أَوْ إخْوَةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْأَعْمَامِ مَعَ بَنِيهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْمَشْهُورُ سُقُوطُ الْقَوَدِ أَيْضًا نَصَّ عَلَيْهِ الْبَاجِيَّ، وَقِيلَ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. اهـ. فَجُعِلَ الْخِلَافُ الْمُشَارُ لَهُ بِلَوْ إذَا اخْتَلَفُوا فِي الْقُعْدُدِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ، بَلْ الْمَسْأَلَةُ كُلُّهَا مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُعْدُدِ، وَمَا قَبْلَ الْمُبَالَغَةِ إذَا قَرُبُوا كَبَنِينَ فَقَطْ أَوْ إخْوَةٍ وَمَا بَعْدَهَا إذَا بَعُدُوا كَأَعْمَامٍ فَقَطْ، هَكَذَا الْمَسْأَلَةُ مَفْرُوضَةٌ فِي كَلَامِ الْأَئِمَّةِ كَاللَّخْمِيِّ وَابْنِ شَاسٍ وَابْنِ الْحَاجِبِ وَابْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ، وَالْعَجَبُ مِنْ الشَّارِحِ لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُحَرَّرَةٌ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَهُوَ مِنْ مَحْفُوظَاتِهِ، وَالْعُذْرُ لَهُ أَنَّهُ وَقَعَ خَلَلٌ فِي عِبَارَةِ التَّوْضِيحِ فَسَرَى لَهُ الْوَهْمُ مِنْهُ، وَنَصُّهُ فِي قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ فَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِ الْمُعِينِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَلَدِ أَوْ الْإِخْوَةِ سَقَطَ الْقَوَدُ، وَكَذَا غَيْرُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ، فَإِنْ كَانَ أَوْلَادًا أَوْ إخْوَةً سَقَطَ الْقَوَدُ بِالِاتِّفَاقِ، وَاخْتُلِفَ فِي غَيْرِهِمْ كَالْأَعْمَامِ وَبَنِيهِمْ وَمَنْ هُوَ أَبْعَدُ وَالْمَشْهُورُ سُقُوطُ الْقَوَدِ أَيْضًا. اهـ. كَذَا فِي غَيْرِ وَاحِدَةٍ مِنْ نُسَخِ التَّوْضِيحِ الَّتِي وَقَفْت عَلَيْهَا وَالصَّوَابُ أَنْ يَقُولَ وَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ، وَلَعَلَّ التَّصْحِيفَ مِنْ النَّاسِخِ وَنَصَّ اللَّخْمِيُّ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - إذَا كَانَ الْأَوْلِيَاءُ بَنِينَ أَوْ بَنِي بَنِينَ أَوْ إخْوَةً فَنَكَلَ أَحَدُهُمْ رُدَّتْ الْأَيْمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَاخْتُلِفَ عَنْهُ إذَا كَانَتْ الْأَوْلِيَاءُ عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ مَرَّةً الْجَوَابُ فِيهِمْ كَالْبَنِينَ، وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ عَنْ الْأَيْمَانِ إذَا كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَنْ يَحْلِفُوا أَوْ يَقْتُلُوا لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُ لَا عَفْوَ لَهُمْ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ بِخِلَافِ الْبَنِينَ. اهـ. وَأَشَارَ بِتَعْلِيلِهِ لِقَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا أَقْسَمَ وُلَاةُ الدَّمِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ فَعَفَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَهُمْ بَنُونَ أَوْ بَنُو بَنِينَ أَوْ إخْوَةٌ صَحَّ عَفْوُهُمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ.
وَاخْتُلِفَ إذَا كَانُوا عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ، فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - يَصِحُّ عَفْوُهُمْ، وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا
стр. 4384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
يَصِحُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ. اهـ. وَلَمَّا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ كَلَامَهُ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ وَاضِحٌ، فَمَا أَدْرِي مَا خَفِيَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ مِنْهُ فَقَدْ ظَهَرَ لَك تَحْرِيرُ الْمَسْأَلَةِ، وَأَنَّ تَقْرِيرَ الشَّارِحِ وَمَنْ تَبِعَهُ قَوْلُهُ وَنُكُولُ الْمُعِينِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَاسْتَرْسَلَ تت فِي تَقْرِيرِهِ حَتَّى قَالَ فِي كَبِيرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ سَوَاءٌ كَانَتْ رُتْبَتُهُمْ وَاحِدَةً كَأَوْلَادٍ أَوْ إخْوَةٍ أَوْ أَعْمَامٍ أَوْ اخْتَلَفَتْ كَابْنٍ وَعَمٍّ الْبُنَانِيُّ.
(تَنْبِيهَاتٌ)
الْأَوَّلُ: الَّذِي رَأَيْته فِي نُسَخٍ عَدِيدَةٍ مِنْ التَّوْضِيحِ وَأَمَّا نُكُولُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ الَّذِينَ هُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ إلَخْ، وَلَمْ أَرَ النُّسْخَةَ الَّتِي ذَكَرَهَا طفي، وَحِينَئِذٍ فَلَا اخْتِلَالَ فِي عِبَارَتِهِ بِحَالٍ.
الثَّانِي: لَمَّا نَقَلَ طفي قَوْلَ ابْنِ عَرَفَةَ الْمُتَقَدِّمَ عَقِبَ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ، قَالَ مَا نَصُّهُ إذَا تَأَمَّلْت عَلِمْت أَنَّهُ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَأَنَّهُ وَاضِحٌ، فَمَا أَدْرِي مَا خَفِيَ عَلَى ابْنِ عَرَفَةَ مِنْهُ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّخْمِيَّ أَشَارَ بِتَعْلِيلِهِ إلَى قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إذَا أَقْسَمَ وُلَاةُ الدَّمِ وَوَجَبَ الْقَوَدُ فَعَفَا بَعْضُهُمْ بَعْدَ الْقَسَامَةِ وَهُمْ بَنُونَ أَوْ بَنُو بَنِينَ أَوْ إخْوَةٌ صَحَّ عَفْوُهُمْ وَسَقَطَ الْقِصَاصُ. وَاخْتُلِفَ إذَا كَانُوا عُمُومَةً أَوْ بَنِي عُمُومَةٍ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ يَصِحُّ عَفْوُهُمْ. وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ اهـ. قُلْت تَعْلِيلُهُ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ لِأَنَّهُمْ عِنْدَهُ لَا عَفْوَ إلَّا بِاجْتِمَاعِهِمْ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَهُ فِي الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ خِلَافِهِ عَنْهُ، وَمَا نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْهُ، فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الثَّالِثُ: نَقَلَ " ق " الْقَوْلَ الْمَرْدُودَ بِلَوْ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ وَنَصُّهُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ إنْ كَانُوا أَعْمَامًا أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ، فَجَعَلَهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - مَرَّةً كَالْبَنِينَ، وَمَرَّةً قَالَ إنْ رَضِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَقَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ. اهـ. وَاَلَّذِي فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ وَابْنِ عَرَفَةَ وضيح وَغَيْرِهِمْ هُوَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ إذَا رَضِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَقْتُلَا وَلَمْ يَذْكُرُوا مَا ذَكَرَهُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الدِّيَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4385
فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، فَيَحْلِفُ كُلٌّ خَمْسِينَ، وَمَنْ نَكَلَ: حُبِسَ، حَتَّى يَحْلِفَ وَلَا اسْتِعَانَةَ،
ــ
[منح الجليل]
وَإِذَا نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ وَسَقَطَ الدَّمُ (فَتُرَدُّ) بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْقَسَامَةُ (عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ) الْقَتْلُ (فَيَحْلِفُ كُلٌّ) مِنْهُمْ (خَمْسِينَ يَمِينًا) إنْ تَعَدَّدُوا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مُتَّهَمٌ بِهِ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا حَلَفَهَا وَحْدَهُ (وَمَنْ نَكَلَ) عَنْهَا مِنْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (حَتَّى يَحْلِفَ) خَمْسِينَ يَمِينًا أَوْ يَمُوتَ لِأَنَّ كُلَّ مَنْ طُلِبَ مِنْهُ أَمْرٌ سُجِنَ بِسَبَبِهِ فَلَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ حُصُولِ ذَلِكَ الْمَطْلُوبِ. وَقِيلَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ رَوَى مُحَمَّدٌ إنْ اُتُّهِمَ بِالدَّمِ جَمَاعَةٌ يَحْلِفُ كُلٌّ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَثُرُوا، قَالَ مَعَ عَبْدِ الْمَلِكِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهِ بِحَلِفِهِ، إذْ لَعَلَّهُ الَّذِي كَانَ يُقْسِمُ عَلَيْهِ، فَمَنْ حَلَفَ بَرِئَ إلَّا مِنْ ضُرِبَ مِائَةً وَسُجِنَ سَنَةً، وَمَنْ نَكَلَ سُجِنَ حَتَّى يَحْلِفَ. قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ لِكُلٍّ مِنْهُمْ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عَصَبَتِهِ مُحَمَّدٌ وَقَالَهُ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ. عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ كَانُوا كُلُّهُمْ مِنْ بَطْنٍ وَاحِدٍ فَذَلِكَ لَهُمْ وَلَا يَنْقُصُ رَجُلٌ مِنْهُمْ عَنْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَلَوْ كَثُرُوا، وَلَوْ كَانُوا مِنْ فَخِذٍ وَاحِدٍ اسْتَعَانَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ بِتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ فَحَلَفُوا مَعَهُ فَلِمَنْ يَحْلِفُ بَعْدَهُ مِنْ الْمُتَّهَمِينَ أَنْ يَسْتَعِينَ بِهِمْ أَنْفُسِهِمْ، وَبِالْمُتَّهَمِ نَفْسِهِ الَّذِي حَلَفَ هُوَ عَنْهُ وَكَذَا مَعَ الثَّالِثِ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوهُمْ فِي وَاحِدٍ فَيَقُولُونَ مَا قَتَلَهُ فُلَانٌ وَلَا فُلَانٌ وَلَا فُلَانٌ وَلَا يَحْلِفُونَ الثَّلَاثَةَ الْأَيْمَانَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَكْرِيرِهِمْ الْأَيْمَانَ (وَلَا اسْتِعَانَةَ) لِمَنْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْقَسَامَةُ بِغَيْرِهِ مِنْ عَصَبَتِهِ، هَذَا مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ، بِخِلَافِ وَلِيِّ الدَّمِ. وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ أَيْمَانَ الْوَلِيِّ مُوجِبَةٌ، وَقَدْ يَحْلِفُهَا مَنْ يُوجِبُ لِغَيْرِهِ، وَأَيْمَانُ الْمُتَّهَمِ دَافِعَةٌ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْفَعَ بِيَمِينِهِ مَا تَعَلَّقَ بِغَيْرِهِ قَالَهُ تت وَتَبِعَهُ عب وَالْخَرَشِيُّ.
الْبُنَانِيُّ عَدَمُ الِاسْتِعَانَةِ هُوَ قَوْلُ مُطَرِّفٍ، وَاسْتَظْهَرَهُ ابْنُ رُشْدٍ، وَعَزَاهُ لِظَاهِرِ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - نَقَلَهُ الْحَطّ، وَبِهِ يَسْقُطُ اعْتِرَاضُ " ق " وَابْنُ مَرْزُوقٍ عَلَى الْمُصَنِّفِ، وَقَوْلُ " ز "، وَفُرِّقَ بِأَنَّ أَيْمَانَ
стр. 4386
وَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ نَفْسَهُ: بَطَلَ، بِخِلَافِ عَفْوِهِ، فَلِلْبَاقِي نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ؛
ــ
[منح الجليل]
الْوَلِيِّ مُوجِبَةٌ إلَخْ، نَحْوُهُ فِي الْخَرَشِيِّ وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مُصَادَرَةٌ.
(فَإِنْ أَكْذَبَ بَعْضٌ) مِنْ الْأَوْلِيَاءِ الْحَالِفِينَ الْقَسَامَةَ (نَفْسَهُ) بِأَنْ قَالَ إنَّهُ كَذَبَ فِي دَعْوَاهُ (بَطَلَ الْقَوَدُ) وَالدِّيَةُ لِأَنَّهُ كَالشَّاهِدِ بِالظُّلْمِ عَلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانُوا قَبَضُوا الدِّيَةَ رَدُّوهَا. طفي حُكْمُ التَّكْذِيبِ بَعْدَ الْقَسَامَةِ حُكْمُ النُّكُولِ، فَلَوْ جَمَعَهُ مَعَهُ فَقَالَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ أَوْ تَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ وَرَتَّبَ عَلَيْهِمَا قَوْلَهُ وَلَوْ بَعُدُوا، وَقَوْلُهُ فَتَرُدُّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ أَوْ شَبَّهَهُ بِهِ فَقَالَ كَتَكْذِيبِهِ نَفْسَهُ، وَعِبَارَتُهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهَا إلَّا بُطْلَانُ الْقَوَدِ، وَالْكَلَامُ كُلُّهُ فِي الْعَمْدِ، وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ، وَزَادُوا الْعَفْوَ قَبْلَ الْقَسَامَةِ مِثْلَ النُّكُولِ وَالتَّكْذِيبِ فِي ذَلِكَ.
(بِخِلَافِ عَفْوِهِ) أَيْ بَعْضِ الْمُسْتَحَقِّينَ عَنْ الْقَوَدِ مِنْ الْقَاتِلِ عَمْدًا بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْبَيِّنَةِ فَيَبْطُلُ الْقَوَدُ وَحِصَّةُ الْعَافِي مِنْ الدِّيَةِ فَقَطْ (وَلِلْبَاقِي) مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ الَّذِي لَمْ يَعْفُ (نَصِيبُهُ مِنْ الدِّيَةِ) أَفَادَهُ تت. طفي الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بِالْقَسَامَةِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ أَوْ التَّعْمِيمَ، إذْ الْحُكْمُ سَوَاءٌ فِيهِمَا. وَأَمَّا عَفْوُهُ قَبْلَ ثُبُوتِهِ بِالْقَسَامَةِ فَيُبْطِلُ الْقَوَدَ وَالدِّيَةَ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ رُشْدٍ إنْ نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ الْقَسَامَةِ وَهُمْ فِي الْقُعْدُدِ سَوَاءٌ أَوْ عَفَا عَنْ الدَّمِ قَبْلَهَا فَفِي سُقُوطِ الدَّمِ وَالدِّيَةِ أَوْ الدَّمِ فَقَطْ، وَيَحْلِفُ مَنْ بَقِيَ لِأَخْذِ حَقِّهِ، ثَالِثُهَا هَذَا إنْ نَكَلَ عَلَى وَجْهِ الْعَفْوِ عَنْ حَقِّهِ، وَإِنْ نَكَلَ تَحَرُّجًا وَتَوَرُّعًا حَلَفَ مَنْ بَقِيَ لِابْنِ الْقَاسِمِ مَعَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَشْهَبَ وَابْنِ نَافِعٍ.
стр. 4387
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
اللَّخْمِيُّ إنْ نَكَلَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ أَوْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ أَوْ عَفَا وَهُمْ بَنُونَ أَوْ إخْوَةٌ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - تُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْقَاتِلِ، وَلَيْسَ لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ أَنْ يَحْلِفَ وَلِمَالِكٍ أَيْضًا وَإِنْ بَقِيَ اثْنَانِ كَانَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقَّا حَقَّهُمَا مِنْ الدِّيَةِ. اللَّخْمِيُّ يَنْبَغِي أَنَّ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا يَحْلِفُ خَمْسِينَ يَمِينًا لِأَنَّ الْأَمْرَ آلَ إلَى الدِّيَةِ. وَاخْتُلِفَ فِيهِ إنْ كَانَ الْأَوْلِيَاءُ أَعْمَامًا أَوْ بَنِي أَعْمَامٍ أَوْ أَبْعَدَ مِنْهُمْ مِنْ الْعَصَبَةِ فَنَكَلَ بَعْضُهُمْ، فَجُعِلَ الْجَوَابُ فِيهِمْ مَرَّةً كَالْبَنِينَ. وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ لَمْ يَنْكُلْ إنْ كَانَا اثْنَيْنِ فَصَاعِدًا أَنْ يَحْلِفَا وَيَقْتُلَا لِأَنَّهُ لَا عَفْوَ لَهُمْ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ، بِخِلَافِ الْبَنِينَ وَالْأَوَّلُ أَبْيَنُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ إذَا اسْتَوَوْا فِي الْقُعْدُدِ. قُلْت فِي فَهْمِ تَعْلِيلِهِ إشْكَالٌ وَالرِّوَايَتَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ الْجَلَّابِ، قَالَ وَعَلَى رِوَايَةِ سُقُوطِ الْقَوَدِ هَلْ لِلْبَاقِينَ أَنْ يَحْلِفُوا وَيَسْتَحِقُّوا حَظَّهُمْ مِنْ الدِّيَةِ يَتَخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا لَهُمْ ذَلِكَ، وَالْأُخْرَى لَا قَوَدَ لَهُمْ وَلَا دِيَةَ وَتُرَدُّ الْأَيْمَانُ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ، اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
стр. 4388
وَلَا يُنْتَظَرُ صَغِيرٌ، بِخِلَافِ الْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَالْمُبَرْسَمِ
ــ
[منح الجليل]
وَلَا يُنْتَظَرُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِبَعْضِ الْقَسَامَةِ وَلِيٌّ (صَغِيرٌ) إذَا كَانَ هُنَاكَ وَلِيَّانِ كَبِيرَانِ فَيَحْلِفَانِ جَمِيعَ الْأَيْمَانِ وَلَهُمَا الْقَوَدُ (بِخِلَافِ) الْوَلِيِّ (الْمُغْمَى) بِضَمِّ الْمِيمِ الْأُولَى وَسُكُونِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، أَيْ مَنْ سَتَرَ الْمَرَضُ عَقْلَهُ (وَ) الْوَلِيُّ (الْمُبَرْسَمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ مَنْ بِهِ دَاءٌ فِي رَأْسِهِ أَثْقَلَ دِمَاغَهُ وَسَتَرَ عَقْلَهُ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُنْتَظَرُ لِقُرْبِ إفَاقَتِهِ. الْبُنَانِيُّ ظَاهِرُ الْمُصَنِّفِ يُنْتَظَرَانِ لِبَعْضِ الْأَيْمَانِ، وَلَوْ وُجِدَ مَنْ يَحْلِفُ غَيْرُهُمَا، وَهَذَا غَيْرُ مُرَادٍ، إذْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ وَحَمَلَهُ " ق " وعج عَلَى انْتِظَارِهِمَا لِلْقَتْلِ إذَا أَرَادَهُ غَيْرُهُمَا وَهُوَ صَوَابٌ، إلَّا أَنَّهُ تَكْرَارٌ مَعَ قَوْلِهِ سَابِقًا وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ وَمُغْمًى وَمُبَرْسَمٌ وَبَعِيدٌ مِنْ غَرَضِهِ هُنَا وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا طفي، وَنَصُّهُ إنْ كَانَ مُرَادُهُ يُنْتَظَرُ بِبَعْضِ الْأَيْمَانِ كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ، وَلَوْ وُجِدَ مَنْ يَحْلِفُ غَيْرُهُمَا فَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهِ مَنْصُوصًا وَلَا مَعْنًى لِانْتِظَارِهِمَا إذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ يَحْلِفُ، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا ابْنُ عَرَفَةَ وَلَا صَاحِبُ الْمُدَوَّنَةِ وَلَا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ وَقَفْت عَلَيْهِ.
وَقَالَ " ح " إنَّهُ مُكَرَّرٌ مَعَ قَوْلِهِ قَبْلُ وَانْتُظِرَ غَائِبٌ لَمْ تَبْعُدْ غَيْبَتُهُ وَمُغْمًى وَمُبَرْسَمٌ وَكَوْنُهُ مُكَرَّرًا، إذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُ انْتِظَارُهُمَا لِلْقَتْلِ إذَا أَرَادَهُ غَيْرُهُمَا مَعَ كَمَالِ الْقَسَامَةِ كَمَا هُوَ الْمَنْقُولُ وَهُوَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ، وَلَيْسَ هُوَ الْغَرَضُ هُنَا، وَكَأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إلَى ذَلِكَ عَدَمُ وُجُودِ نَقْلٍ يُوَافِقُ كَلَامَ الْمُصَنِّفِ، هُنَا فَحَمْلُهُ عَلَى التَّكْرَارِ أَحْسَنُ مِنْ مُخَالَفَةِ الْمَنْقُولِ وَقَرَّرَهُ
стр. 4389
إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ، فَيَحْلِفُ الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ، وَالصَّغِيرُ مَعَهُ
وَوَجَبَ بِهَا الدِّيَةُ فِي الْخَطَإِ، وَالْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ لَهَا
ــ
[منح الجليل]
ق " أَيْضًا بِمَا يُوجِبُ التَّكْرَارَ فَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهَا إنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ أَوْ مُبَرْسَمٌ فَإِنَّهُ تُنْتَظَرُ إفَاقَتُهُ لِأَنَّ هَذَا مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ. اهـ. وَكَلَامُهَا فِيمَا إذَا أَرَادَ بَعْضُ الْأَوْلِيَاءِ الْقَتْلَ لَا فِي انْتِظَارِهِ لِلْحَلِفِ لِأَنَّ قَبْلَ هَذَا وَإِنْ كَانَ أَحَدُ الْوَلِيَّيْنِ مَجْنُونًا مُطْبَقًا فَلِلْآخَرِ أَنْ يَقْتُلَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لَا يُنْتَظَرُ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَوْلِيَاءِ مُغْمًى عَلَيْهِ إلَخْ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ أَحْوَالِ عَدَمِ انْتِظَارِ الصَّغِيرِ فَقَالَ (إلَّا أَنْ لَا يُوجَدَ غَيْرُهُ) أَيْ الصَّغِيرِ مِنْ الْمُسْتَحَقِّينَ مَعَ الْكَبِيرِ وَلَا مِنْ عَصَبَتِهِ الَّذِينَ يَسْتَعِينُ بِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ضَمِيرَ غَيْرِهِ رَاجِعٌ لِلْكَبِيرِ الَّذِي مَعَ الصَّغِيرِ (فَيَحْلِفُ) الْوَلِيُّ (الْكَبِيرُ حِصَّتَهُ) مِنْ الْقَسَامَةِ وَلَا يُؤَخِّرُ الْكَبِيرُ الْحَلِفَ إلَى بُلُوغِ الصَّغِيرِ لِئَلَّا يَمُوتَ أَوْ يَغِيبَ قَبْلَ بُلُوغِ الصَّغِيرِ فَيَبْطُلُ الدَّمُ (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أَيْ الْكَبِيرِ حَالَ حَلِفِهِ لِأَنَّهُ أَرْهَبُ، وَإِذَا حَلَفَ الْكَبِيرُ اُنْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّغِيرِ لِيَحْلِفَ حِصَّتَهُ مِنْ الْقَسَامَةِ وَيَقْتُلَ الْجَانِيَ أَوْ يَعْفُوَ عَنْهُ، وَإِنْ عَفَا الْكَبِيرُ سَقَطَ الْقَوَدُ وَالصَّغِيرُ نَصِيبُهُ مِنْ دِيَةِ عَمْدٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ يُحْبَسُ الْقَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ، فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ حَلِفِهِ وَلَمْ يَجِدْ الْكَبِيرُ مَنْ يَحْلِفُ بَطَلَ الدَّمُ فِيهَا إنْ كَانَ أَوْلَادُ الْمَقْتُولِ صِغَارًا وَكِبَارًا، فَإِنْ كَانَ الْكِبَارُ اثْنَيْنِ فَلَهُمْ الْقَسَامَةُ وَالْقَتْلُ وَلَا يَنْتَظِرَانِ بُلُوغَ الصَّغِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إلَّا وَلَدٌ كَبِيرٌ وَصَغِيرٌ، فَإِنْ وَجَدَ الْكَبِيرُ رَجُلًا مِنْ وُلَاةِ الدَّمِ يَحْلِفُ مَعَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ الْعَفْوُ حَلَفَا جَمِيعًا خَمْسِينَ يَمِينًا وَكَانَ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَقْتُلَ. ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَعَانَ بِوَاحِدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ، وَلَا يُنْتَظَرُ الصَّغِيرُ إلَّا أَنْ لَا يَجِدَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ نِصْفَهَا وَالصَّغِيرُ مَعَهُ فَيُنْتَظَرُ، فَإِنْ عَفَا فَلِلصَّغِيرِ حِصَّتُهُ مِنْ الدِّيَةِ لَا أَقَلُّ.
(وَوَجَبَ بِهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ (الدِّيَةُ) عَلَى عَاقِلَةِ الْقَاتِلِ (فِي) قَتْلِ (الْخَطَأِ وَالْقَوَدُ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ أَيْ الْقِصَاصُ مِنْ الْقَتْلِ (فِي) قَتْلِ (الْعَمْدِ) لِلنَّصِّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ حُوَيِّصَةَ وَقِيسَتْ الدِّيَةُ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ بِالْأَوْلَى وَيُقَادُ بِهَا (مِنْ وَاحِدٍ تَعَيَّنَ) بِضَمٍّ فَفَتْحٍ مُثَقَّلًا
стр. 4390
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
مِنْ الْأَوْلِيَاءِ (لَهَا) أَيْ الْقَسَامَةِ إنْ كَانَتْ التَّدْمِيَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدٍ فَلَا يُقْتَلُ بِهَا أَكْثَرُ مِنْ وَاحِدٍ عَلَى الْمَشْهُورِ لِضَعْفِهَا عَنْ الْإِقْرَارِ وَالْبَيِّنَةِ فَيُقْسِمُونَ عَلَى الْمُعَيَّنِ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ فَعَلَهُ مَاتَ، وَهَذَا إذَا اُحْتُمِلَ مَوْتُهُ مِنْ فِعْلِ أَحَدِهِمْ وَإِلَّا كَرَمْيِ جَمَاعَةٍ صَخْرَةً لَا يُطِيقُ حَمْلَهَا أَحَدُهُمْ فَيُقْسِمُونَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَيَقُولُونَ لِمَنْ فَعَلَهُمْ مَاتَ وَيَقْتُلُونَ أَيَّ وَاحِدٍ شَاءُوا قَتْلَهُ مِنْهُمْ، وَيُجْلَدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَاقِينَ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً، وَإِذَا أَقْسَمُوا عَلَى مُعَيَّنٍ ثُمَّ أَقَرَّ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ خُيِّرَ الْوَلِيُّ فِي قَتْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَيُجْلَدُ الْآخَرُ مِائَةً وَيُحْبَسُ سَنَةً أَفَادَهُ شب.
ابْنُ عَرَفَةَ وَمُوجِبُهَا الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ، فَإِنْ انْفَرَدَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ فَوَاضِحٌ، وَإِنْ تَعَدَّدَ وَالْمُوجِبُ قَتْلٌ، فَقَالَ ابْنُ حَارِثٍ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي الْمُوَطَّإِ لَا يُقْسِمُ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَلَا يُقْتَلُ غَيْرُهُ، وَلَمْ نَعْلَمْ قَسَامَةً قَطُّ كَانَتْ إلَّا عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلِابْنِ عَبْدُوسٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ قَالَ تُقْتَلُ الْجَمَاعَةُ بِالْقَسَامَةِ، وَكَذَا كَانَ فِي زَمَانِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا -.
الْبَاجِيَّ وَالصَّقَلِّيُّ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمَجْمُوعَةِ لَا يُقْسَمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ بِكُلِّ حَالٍ، وَقَالَ أَشْهَبُ إنْ شَاءُوا أَقْسَمُوا عَلَى وَاحِدٍ أَوْ عَلَى اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ ثُمَّ لَا يَقْتُلُونَ إلَّا وَاحِدًا مِمَّنْ أَدْخَلُوهُ فِي قَسَامَتِهِمْ. قُلْت وَلِسَحْنُونٍ قَوْلٌ ثَالِثٌ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ حَارِثٍ، قَالَ اخْتَلَفُوا فِي ثَلَاثَةٍ حَمَلُوا صَخْرَةً رَمَوْهَا عَلَى رَجُلٍ قَتَلُوهُ بِهَا وَقَامَ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يُقْسَمُ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ. وَقَالَ سَحْنُونٌ يُقْسَمُ عَلَى جَمِيعِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْعَمْدِ الَّذِي لَا يُقْتَلُ فِيهِ بِالْقَسَامَةِ إلَّا وَاحِدٌ لِأَنَّ ذَلِكَ إنْ ضُرِبَ وَاحِدٌ عَلَى الرَّأْسِ وَآخَرُ عَلَى الْبَطْنِ وَآخَرُ عَلَى الظَّهْرِ هَذَا لَا يُقْسَمُ فِيهِ إلَّا عَلَى وَاحِدٍ. الْبَاجِيَّ عَلَى الْأَوَّلِ يُقْسِمُونَ لِمَنْ ضَرَبَهُ لَا مَنْ ضَرَبَهُمْ قَالَهُ مُحَمَّدٌ وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَسَمِعَ يَحْيَى ابْنَ الْقَاسِمِ مَنْ قَدِمَ لِلْقَتْلِ بِقَسَامَةٍ فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَتَلْته، قَالَ رَبِيعَةُ يُقْتَلُ هَذَا بِالْقَسَامَةِ وَالْآخَرُ بِإِقْرَارِهِ وَلَا آخُذُ بِهِ وَلَا يُقْتَلُ اثْنَانِ بَلْ وَاحِدٌ فَيَقْتُلُونَ أَحَدَهُمَا وَيَتْرُكُونَ الْآخَرَ. ابْنُ رُشْدٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - مِثْلُ قَوْلِ رَبِيعَةَ حَكَاهُ مُحَمَّدٌ عَنْهُمْ، وَعَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُ
стр. 4391
وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى جُرْحٍ، أَوْ قَتْلِ كَافِرٍ، أَوْ عَبْدٍ؛ أَوْ جَنِينٍ حَلَفَ وَاحِدَةً، وَأَخَذَ الدِّيَةَ، وَإِنْ نَكَلَ بَرِئَ الْجَارِحُ، إنْ حَلَفَ؛ وَإِلَّا حُبِسَ
ــ
[منح الجليل]
قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي السَّمَاعِ، وَإِذَا قُتِلَ الْمُقِرُّ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَرَّةً بِقَسَامَةٍ وَمَرَّةً بِغَيْرِهَا وَأَنْكَرَ أَصْبَغُ الْأَوَّلَ، وَقِيلَ لَيْسَ بِاخْتِلَافٍ، وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لِلْمَقْتُولِ حَيَاةٌ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ.
(وَمَنْ أَقَامَ شَاهِدًا) وَاحِدًا عَدْلًا (عَلَى جُرْحٍ) لِحُرٍّ مُسْلِمٍ (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى (قَتْلِ) شَخْصٍ (كَافِرٍ) كِتَابِيٍّ أَوْ مَجُوسِيٍّ (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى قَتْلِ (عَبْدٍ) عَمْدًا أَوْ خَطَأً (أَوْ) أَقَامَ شَاهِدًا عَلَى التَّسَبُّبِ فِي إسْقَاطِ (جَنِينٍ) مِنْ مَرْأَةٍ حُرَّةٍ أَوْ أَمَةٍ (حَلَفَ) مُقِيمُ الشَّاهِدِ عَلَى مَا ذَكَرَ يَمِينًا (وَاحِدَةً) فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسَائِلِ الْأَرْبَعِ (وَأَخَذَ) الْحَالِفُ (الدِّيَةَ) أَيْ الْمَالَ الْمُؤَدَّى فَشَمَلَتْ قِيمَةَ الْعَبْدِ وَغُرَّةَ الْجَنِينِ وَعُشْرَ قِيمَةِ الْأَمَةِ وَلَهُ الْقِصَاصُ فِي جُرْحِ الْعَمْدِ. قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ وَلَيْسَ بِمَالٍ، فَقَالَ كَلَّمْتُهُ فِيهِ فَقَالَ إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا.
(وَإِنْ نَكَلَ) مُقِيمُ الشَّاهِدِ عَنْ الْيَمِينِ رُدَّتْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (وَبَرِئَ) الشَّخْصُ (الْجَارِحُ) أَيْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِجُرْحِ الْعَمْدِ، وَكَذَا قَاتِلُ الْكَافِرِ وَالْعَبْدِ وَمُسْقِطُ الْجَنِينِ (إنْ حَلَفَ) يَمِينًا عَلَى بَرَاءَتِهِ مِمَّا اُتُّهِمَ هُوَ بِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ بِأَنْ نَكَلَ فِي كُلِّ صُورَةٍ مِنْ الْأَرْبَعِ (حُبِسَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ حَتَّى يَحْلِفَ وَلَوْ طَالَ وَلِابْنِ الْقَاسِمِ إنْ طَالَ عُوقِبَ وَأَطْلَقَ إلَّا الْمُتَمَرِّدَ فَيُخَلَّدُ فِي الْحَبْسِ.
شب الْحَاصِلُ أَنَّ مُقِيمَ الشَّاهِدِ إنْ حَلَفَ اسْتَحَقَّ مَا ادَّعَاهُ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ نَكَلَ حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَبَرِئَ فِي الْجَمِيعِ، فَإِنْ نَكَلَ غَرِمَ الْجَمِيعَ إلَّا فِي جُرْحِ الْعَمْدِ فَيُحْبَسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ سِجْنُهُ فَيُعَاقَبُ وَيُخَلَّى سَبِيلُهُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا لَا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ، وَلَكِنْ مَنْ أَقَامَ شَاهِدًا عَدْلًا عَلَى جُرْحٍ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ فَلْيَحْلِفْ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيُقْتَصُّ فِي الْعَمْدِ، وَيَأْخُذُ الْعَقْلَ فِي الْخَطَأِ، قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ لِمَ قَالَ مَالِكٌ ﵁ ذَلِكَ فِي جِرَاحِ الْعَمْدِ وَلَيْسَ
стр. 4392
فَلَوْ قَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِيهَا الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ، وَلَوْ اسْتَهَلَّ.
ــ
[منح الجليل]
بِمَالٍ، قَالَ كَلَّمْتُهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: إنَّهُ لِشَيْءٍ اسْتَحْسَنْته وَمَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ فِي ذَلِكَ، وَعَلَى الْحَلِفِ مَعَهُ إنْ نَكَلَ مَنْ قَامَ بِهِ حَلَفَ الْجَارِحُ، فَإِنْ نَكَلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ، وَقِيلَ يُقْطَعُ وَتَقَدَّمَ نَقْلُ الْجَلَّابِ إنْ طَالَ الْحَبْسُ أُطْلِقَ.
وَفِيهَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ فِي نَصْرَانِيٍّ قَامَ عَلَى قَتْلِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ مُسْلِمٌ عَدْلٌ يَحْلِفُ وَلِأَنَّهُ يَمِينًا وَاحِدَةً وَيَسْتَحِقُّونَ الدِّيَةَ عَلَى قَاتِلِهِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ نَصْرَانِيًّا، وَمِثْلُهُ فِي رَسْمِ أَوْصَى مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ الْجِنَايَاتِ وَسَمَاعِ أَشْهَبَ فِي الدِّيَاتِ. ابْنُ رُشْدٍ وَقِيلَ لَا يُسْتَحَقُّ دَمُ النَّصْرَانِيِّ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَظَاهِرُ سَمَاعِ يَحْيَى فِي الدِّيَاتِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ هُوَ أَنْ يَحْلِفَ أَوْلِيَاؤُهُ مَعَ شَاهِدِهِمْ خَمْسِينَ يَمِينًا وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ، وَلِمَالِكٍ ﵁ فِي الْمَدَنِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى السَّبَائِيِّ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِغَيْرِ يَمِينٍ.
(فَلَوْ قَالَتْ) امْرَأَةٌ حُرَّةٌ مُسْلِمَةٌ مُسْقِطَةً جَنِينَهَا بِهَا أَثَرُ جُرْحٍ أَوْ ضَرْبٍ (دَمِي وَ) إسْقَاطُ (جَنِينِي عِنْدَ فُلَانٍ) وَمَاتَتْ (فَفِيهَا) أَيْ الْمَرْأَةِ (الْقَسَامَةُ) لِأَنَّ قَوْلَهَا لَوْثٌ (وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ) لِأَنَّهُ كَالْجُرْحِ لَا يَثْبُتُ بِاللَّوْثِ إنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، بَلْ (وَلَوْ اسْتَهَلَّ) أَيْ نَزَلَ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ. ابْنُ عَرَفَةَ فِيهَا إنْ ضَرَبَ رَجُلٌ امْرَأَةً فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا وَقَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ، فَفِي الْمَرْأَةِ الْقَسَامَةُ، وَلَا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَثْبُتُ، لِأَنَّهُ كَجُرْحٍ مِنْ جِرَاحِهَا وَلَا قَسَامَةَ فِي الْجُرْحِ وَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ أَوْ شَاهِدٍ عَدْلٍ فَيَحْلِفُ وُلَاتُهُ مَعَهُ يَمِينًا وَاحِدَةً، وَيَسْتَحِقُّونَ دِيَتَهُ. الصِّقِلِّيُّ يُرِيدُ يَحْلِفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يَرِثُ الْغُرَّةَ يَمِينًا أَنَّهُ قَتَلَهُ.
وَفِيهَا إنْ قَالَتْ دَمِي عِنْدَ فُلَانٍ فَخَرَجَ جَنِينُهَا حَيًّا فَاسْتَهَلَّ صَارِخًا ثُمَّ مَاتَ فَفِي الْأُمِّ الْقَسَامَةُ وَلَا قَسَامَةَ فِي الْوَلَدِ لِأَنَّهَا لَوْ قَالَتْ قَتَلَنِي وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي فَلَا يَكُونُ فِي فُلَانٍ قَسَامَةٌ. الصِّقِلِّيُّ فِي الْمَوَّازِيَّةِ إذْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهَا لِنَفْسِهَا وَلَا لِزَوْجِهَا إنْ كَانَ أَبَاهُ وَلَا لِإِخْوَانِهِ إنْ كَانُوا أَوْلَادَهَا، وَفِي الْقَسَامَةِ فِي فُلَانٍ بِقَوْلِهَا وَقَتَلَ فُلَانًا مَعِي قَوْلَا أَشْهَبَ وَابْنِ الْقَاسِمِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ قَوْلَ الْمَرْأَةِ لَوْثٌ أَمْ لَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4393
(بَابٌ) الْبَاغِيَةُ: فِرْقَةٌ خَالَفَتْ الْإِمَامَ: لِمَنْعِ حَقٍّ، أَوْ لِخَلْعِهِ، فَلِلْعَدْلِ
ــ
[منح الجليل]
[بَاب فِي بَيَان حَدّ وَأَحْكَام الْبَاغِيَة]
(الْبَاغِيَةُ) أَيْ حَقِيقَتُهَا عُرْفًا (فِرْقَةٌ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ أَيْ جَمَاعَةٌ مُسْلِمُونَ، وَهَذَا بِاعْتِبَارِ الْغَالِبِ، وَقَدْ يَكُونُ وَاحِدًا جِنْسٌ فِي التَّعْرِيفِ شَمِلَ الْمُعَرَّفَ وَغَيْرَهُ (خَالَفَتْ) الْفِرْقَةُ (الْإِمَامَ) الْأَعْظَمَ الْمُسْتَخْلَفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَيْ خَرَجَتْ عَنْ طَاعَتِهِ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، فَصْلٌ مُخْرِجُ مَا عَدَا الْمُعَرَّفِ إذَا خَالَفَتْهُ (لِمَنْعِ حَقٍّ) عَلَيْهَا كَزَكَاةٍ وَدِيَّةٍ وَخَرَاجِ أَرْضٍ (أَوْ لِخَلْعِهِ) أَيْ عَزْلِهِ مِنْ الْخِلَافَةِ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَغْيُ هُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ طَاعَةِ مَنْ ثَبَتَتْ إمَامَتُهُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ بِمُغَالَبَةٍ، ثُمَّ قَالَ وَالْمُتَأَوَّلُ مِنْ فِعْلِ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ حَقِّيَّتَهُ. الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ بِمُغَالَبَةٍ نَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ، وَتَرَكَهُ الْمُصَنِّفُ، وَلَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ بِهَا الْمُقَاتَلَةُ، فَمَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ مُغَالَبَةٍ لَمْ يَكُنْ بَاغِيًا، وَمِثَالُ ذَلِكَ مَا وَقَعَ لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - أَنَّهُ سَهَا فَلَمْ يُبَايِعْ الْخَلِيفَةَ ثُمَّ بَايَعَهُ، اُنْظُرْ إذَا كَلَّفَ الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ قَوْمًا بِمَالٍ ظُلْمًا فَامْتَنَعُوا فَجَاءَ لِقِتَالِهِمْ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَإِنَّ تَعْرِيفَ ابْنِ عَرَفَةَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ بُغَاةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِمَعْصِيَةٍ وَإِنْ حُرِّمَ عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ لِأَنَّهُ جَائِزٌ، وَتَعْرِيفُ الْمُصَنِّفِ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَيْرُ بُغَاةٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَمْنَعُوا حَقًّا وَلَمْ يُرِيدُوا خَلْعَهُ، وَإِذَا بَغَتْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ (فَا) كَرَّتَهُمْ (الْعَدْلِ) سَحْنُونٌ إنْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ، فَإِنْ خَرَجَ عَلَيْهِ عَدْلٌ وَجَبَ الْخُرُوجُ مَعَهُ لِيَظْهَرَ دَيْنُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَّا وَسِعَك الْوُقُوفُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ نَفْسَك أَوْ مَالَكَ فَادْفَعْهُ عَنْهُمَا، وَلَا يَجُوزُ لَك دَفْعُهُ عَنْ الظَّالِمِ. ابْنُ عَرَفَةَ لَوْ قَامَ عَلَى الْإِمَامِ مَنْ أَرَادَ إزَالَةَ مَا بِيَدِهِ فَقَالَ الصِّقِلِّيُّ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إنْ كَانَ مِثْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَجَبَ عَلَى النَّاسِ الذَّبُّ عَنْهُ وَالْقِيَامُ مَعَهُ، وَإِلَّا فَلَا وَدَعْهُ، وَمَا يُرَادُ مِنْهُ يَنْتَقِمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ظَالِمٍ بِظَالِمٍ ثُمَّ يَنْتَقِمُ مِنْ كِلَيْهِمَا.
١ -
стр. 4394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
تَنْبِيهَانِ) الْأَوَّلُ: الْبُنَانِيُّ تَثْبُتُ الْإِمَامَةُ بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ إمَّا بِبَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَإِمَّا بِعَهْدِ الْإِمَامِ الَّذِي قَبْلَهُ لَهُ بِهَا، وَإِمَّا بِتَغَلُّبِهِ عَلَى النَّاسِ وَحِينَئِذٍ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ شَرْطٌ لِأَنَّ مَنْ اشْتَدَّتْ وَطْأَتُهُ وَجَبَتْ طَاعَتُهُ وَأَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مَنْ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثُ صِفَاتٍ الْعَدَالَةُ وَالْعِلْمُ بِشُرُوطِ الْإِمَامَةِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ كَوْنُهُ مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الْقَضَاءِ، وَكَوْنُهُ قُرَشِيًّا وَكَوْنُهُ ذَا نَجْدَةٍ وَكِفَايَةِ الْمُعْضِلَاتِ وَنُزُولِ الدَّوَاهِي وَالْمُلِمَّاتِ، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
стр. 4395
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[منح الجليل]
الثَّانِي: ابْنُ عَرَفَةَ بَعْدَ تَقَوُّلٍ ظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مَنْعُ إمَامَةِ غَيْرِ الْعَدْلِ مُطْلَقًا، وَقَالَ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِسْقُ الْأَئِمَّةِ يَتَفَاوَتُ كَكَوْنِ فِسْقِ أَحَدِهِمْ بِالْقَتْلِ وَفِسْقِ الْآخَرِ بِانْتِهَاكِ حُرْمَةِ الْأَبْضَاعِ وَفِسْقِ آخَرَ بِالتَّعَرُّضِ لِلْأَمْوَالِ فَيُقَدَّمُ عَلَى الْمُتَعَرِّضِ لِلدِّمَاءِ وَالْأَبْضَاعِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ قُدِّمَ الْمُتَعَرِّضُ لِلْأَبْضَاعِ عَلَى الْمُتَعَرِّضِ لِلدِّمَاءِ، فَإِنْ قِيلَ أَيَجُوزُ الْقِتَالُ مَعَ أَحَدِ هَؤُلَاءِ لِإِقَامَةِ وِلَايَتِهِ وَإِدَامَةِ تَصَرُّفِهِ وَهُوَ مَعْصِيَةٌ، قُلْنَا نَعَمْ دَفْعًا لِمَا بَيْنَ مَفْسَدَتِي الْفُسُوقَيْنِ.
وَفِي هَذَا وَقْفَةٌ وَإِشْكَالٌ مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ إعَانَةً فِي مَعْصِيَةٍ، وَلَكِنَّ دَرْءَ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ يُجَوِّزُهُ. قُلْت وَنَحْوُهُ خُرُوجُ فُقَهَاءِ الْقَيْرَوَانِ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِ عَلَى الثَّالِثِ
стр. 4396
قِتَالُهُمْ، وَإِنْ تَأَوَّلُوا:
ــ
[منح الجليل]
مِنْ بَنِي عُبَيْدٍ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ لِكُفْرِهِ وَفِسْقِ أَبِي يَزِيدَ وَالْكُفْرُ أَشَدُّ.
(قِتَالُهُمْ) أَيْ الْبَاغِينَ إنْ لَمْ يَتَأَوَّلُوا، بَلْ (وَإِنْ تَأَوَّلُوا) بِفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَمْزِ وَالْوَاوِ مُثَقَّلًا فِي خُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ، فَقَدْ قَاتَلَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ " ﵁ " مَانِعِي الزَّكَاةِ وَكَانَ بَعْضُهُمْ مُتَأَوِّلًا انْقِضَاءَ وُجُوبِهَا بِمَوْتِهِ ﷺ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وَبَعْضُهُمْ
стр. 4397
كَالْكُفَّارِ،
ــ
[منح الجليل]
بِأَنَّ إمَامَتَهُ " ﵁ " لَمْ تَثْبُتْ لِإِيصَائِهِ ﷺ بِهَا لِعَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ الْبُغَاةُ قِسْمَانِ أَهْلُ تَأْوِيلٍ وَأَهْلُ عِنَادٍ، وَلِلْإِمَامِ الْعَدْلِ فِي قِتَالِهِمْ خَاصَّةً جَمِيعًا مَا لَهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوهُمْ إلَى الْحَقِّ. ابْنُ عَرَفَةَ الْمُتَأَوِّلُ مَنْ كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ حَقِّيَّةَ قِتَالِهِ الْإِمَامَ وَاجِبٌ كَأَبِي بَكْرٍ فِي مَانِعِي الزَّكَاةِ وَعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فِي أَهْلِ الشَّامِ. الشَّيْخُ لِابْنِ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - إذَا امْتَنَعَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَلَوْ كَانُوا ذَوِي بَصَائِرَ وَتَأْوِيلٍ، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْعُوا لِلْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَرُدُّوهُمْ إلَى الْحَقِّ، وَحُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَأَمَّا غَيْرُ الْعَدْلِ فَلَيْسَ لَهُ قِتَالُهُمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّ خُرُوجَهُمْ لِجَوْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، وَانْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
(كَ) قِتَالِ (الْكُفَّارِ) الْمُحَارِبِينَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي كَوْنِهِ بِسَيْفٍ وَرَمْيِ بِنَبْلٍ وَمَنْجَنِيقٍ وَتَغْرِيقٍ وَتَحْرِيقٍ إذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ ذُرِّيَّةٌ وَبَعْدَ دَعْوَتِهِمْ لِلدُّخُولِ تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ وَمُوَافَقَةِ
стр. 4398
وَلَا يُسْتَرَقُّوا، وَلَا يُحْرَقُ شَجَرُهُمْ، وَلَا تُرْفَعُ رُءُوسُهُمْ بِأَرْمَاحٍ
وَلَا يَدَعُوهُمْ بِمَالٍ،
ــ
[منح الجليل]
جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِرْسَالِ الْمَاءِ عَلَيْهِمْ لِيَغْرَقُوا، وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَذُرِّيَّةٌ وَلَا يَرْمِيهِمْ بِنَارٍ إلَّا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِمْ نِسَاءٌ وَلَا ذُرِّيَّةٌ فَلَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَا يَرَى رَأْيَهُمْ، وَنَحْوُهُ لِابْنِ عَرَفَةَ عَنْ النَّوَادِرِ، وَكَذَا نَقَلَ الْمَوَّاقُ عَنْهَا.
(وَلَا يُسْتَرَقُّوا) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ، أَيْ الْبُغَاةُ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ أَحْرَارٌ مُسْلِمُونَ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ (وَلَا يُحْرَقُ شَجَرُهُمْ) وَلَا مَسَاكِنُهُمْ لِأَنَّهَا أَمْوَالُ مُسْلِمِينَ (وَلَا تُرْفَعُ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (رُءُوسُهُمْ) أَيْ الْبُغَاةُ بَعْدَ قَطْعِهَا مِنْ أَجْسَامِهِمْ (بِأَرْمَاحٍ) لِأَنَّهُ تَمْثِيلٌ قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ وَتَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ مَنْعُهُ فِي رُءُوسِ الْكُفَّارِ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ فَالْبِغَاءُ أَوْلَى بِهِ، وَيُمْنَعُ رَفْعُ رُءُوسِ الْبُغَاةِ فِي بَلَدِ الْقِتَالِ لِغَيْرِ وَالٍ، وَيَجُوزُ فِي رُءُوسِ الْكُفَّارِ أَفَادَهُ شب وعب. الْبُنَانِيُّ فِيهِ نَظَرٌ، إنَّمَا يُمْنَعُ رَفْعُ رُءُوسِهِمْ بِأَرْمَاحٍ إلَى مَحَلٍّ آخَرَ لِبَلَدٍ أَوْ وَالٍ، وَأَمَّا رَفْعُهَا عَلَى الْأَرْمَاحِ فِي مَحَلِّ الْقِتَالِ فَجَائِزٌ كَالْكُفَّارِ، فَلَا فَرْقَ بَيْنَ رُءُوسِ الْبُغَاةِ وَرُءُوسَ الْكُفَّارِ فِي هَذَا، وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ بَشِيرٍ فِي الْأُمُورِ الَّتِي يَمْتَازُ فِيهَا قِتَالُهُمْ عَنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ، وَنَصُّهُ يَمْتَازُ قِتَالُ الْبُغَاةِ مِنْ قِتَالِ الْكُفَّارِ بِأَحَدَ عَشَرَ وَجْهًا أَنْ يُقْصَدَ بِقِتَالِهِمْ رَدْعُهُمْ وَأَمْثَالُهُمْ وَأَنْ يُكَفَّ عَنْ مُدَبِّرِهِمْ وَلَا يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلَا تُقْتَلَ أَسَرَاهُمْ وَلَا تُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا تُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَلَا يُسْتَعَانَ عَلَيْهِمْ بِمُشْرِكٍ وَلَا يُوَادِعَهُمْ عَلَى مَالٍ وَلَا تُنْصَبَ الرَّعَّادَاتِ عَلَيْهِمْ وَلَا تُحْرَقَ مَسَاكِنُهُمْ وَلَا يُقْطَعَ شَجَرُهُمْ. وَفِي الذَّخِيرَةِ عَنْ النَّوَادِرِ وَلَا يُبْعَثُ بِالرُّءُوسِ إلَى الْآفَاقِ لِأَنَّهُ تَمْثِيلٌ. اهـ. فَفَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْبَعْثِ بِهَا لِلْآفَاقِ كَالْكُفَّارِ.
طفي وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ، وَيَكُونُ هَذَا دَاخِلًا فِي قَوْلِهِ كَالْكُفَّارِ وَإِنَّمَا ذَكَرَهُ لِلتَّنْصِيصِ.
(وَلَا يَدَعُوهُمْ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالدَّالِ أَيْ لَا يَتْرُكُ الْإِمَامُ وَجَمَاعَتُهُ قِتَالَ الْبُغَاةِ مُدَّةً سَأَلُوا تَأْخِيرَهُ إلَيْهَا كَأَيَّامٍ أَوْ شَهْرٍ لِيَتَرَوَّوْا فِي أَمْرِهِمْ (بِمَالٍ) يَدْفَعُونَهُ لِلْإِمَامِ قَرَّرَهُ " غ " أَوْ يَدْفَعُهُ لَهُمْ لِيَدْخُلُوا تَحْتَ طَاعَتِهِ قَرَّرَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ، بِنَاءً عَلَى سُكُونِ دَالِ يَدْعُوهُمْ مِنْ
стр. 4399
وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، إنْ اُحْتِيجَ لَهُ؛ ثُمَّ رُدَّ: كَغَيْرِهِ
وَإِنْ أُمِّنُوا: لَمْ يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ، وَلَمْ يُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ
ــ
[منح الجليل]
الدُّعَاءِ، وَيَجُوزُ تَأْخِيرُ قِتَالِهِمْ مُدَّةً بِالْمَصْلَحَةِ إذَا كُفُوًا عَنْ الْقِتَالِ وَطَلَبُوا الْأَمَانَ، وَلَمْ يُخْشَ غَدَرُهُمْ. ابْنُ شَاسٍ إذَا سَأَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ الْإِمَامَ الْعَدْلَ تَأْخِيرَهُمْ أَيَّامًا وَبَذَلُوا لَهُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ شَيْئًا مِنْهُمْ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ إلَى الْمُدَّةِ الَّتِي سَأَلُوهَا.
(وَاسْتُعِينَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ (بِمَالِهِمْ) أَيْ خَيْلٍ وَسِلَاحِ الْبُغَاةِ (عَلَيْهِمْ) فِي قِتَالِهِمْ (إنْ اُحْتِيجَ لَهُ) أَيْ مَالِ الْبُغَاةِ فِي قِتَالِهِمْ (ثُمَّ رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ مَالُ الْبُغَاةِ (إلَيْهِمْ) بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ. ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَمَا سِوَى الْكُرَاعَ وَالسِّلَاحَ يُوقَفُ حَتَّى يُرَدَّ إلَى أَهْلِهِ وَلَا يُسْتَعَانُ بِشَيْءٍ مِنْهُ هَكَذَا فِي ابْنِ عَرَفَةَ وَالْجَوَاهِرِ وَالشَّارِحِ، ثُمَّ قَالَ قَوْلُهُ وَاسْتُعِينَ بِمَالِهِمْ عَلَيْهِمْ، ظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سِلَاحًا وَلَا كُرَاعًا، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ ابْنِ حَبِيبٍ، وَنَسَبَهُ فِي الرَّدِّ إلَيْهِمْ فَقَالَ (كَغَيْرِهِ) أَيْ الْمُسْتَعَانِ بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِهِمْ، فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مَالٌ مُسْلِمٌ لَمْ يَزُلْ عَنْ مِلْكِهِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا ظَفِرَ بِمَالِهِمْ فَإِنَّهُ يُوقِفُهُ حَتَّى يَرُدَّهُ إلَيْهِمْ كَمَا قَالَهُ فِي النَّوَادِرِ وَالْجَوَاهِرِ و " قِ " عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ.
(وَإِنْ أُمِّنُوا) بِضَمِّ الْهَمْزِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، أَيْ الْبُغَاةُ (لَمْ يُتَّبَعْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ (مُنْهَزِمُهُمْ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ، فَإِنَّمَا يُقَاتَلُونَ مُقْبِلِينَ لَا مُدْبِرِينَ (وَلَمْ يُذَفَّفْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ أَوْ الْمُهْمَلَةِ وَشَدِّ الْفَاءِ الْأُولَى مَفْتُوحَةً، أَيْ يُجْهَزْ (عَلَى جَرِيحِهِمْ) وَمَفْهُومُ الشَّرْطِ أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُؤَمِّنُوا يُتَّبَعْ مُنْهَزِمُهُمْ وَيُذَفَّفْ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَوَقَعَ الْأَمْرَانِ لِلْإِمَامِ عَلِيٍّ " ﵁ " فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا دُونَ الْأَوَّلِينَ. ابْنُ عَرَفَةَ عَبْدُ الْمَلِكِ إنْ أُسِرَ مِنْ الْخَوَارِجِ أَسِيرٌ وَقَدْ انْقَطَعَتْ الْحَرْبُ فَلَا يُقْتَلْ، وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ قَائِمَةً فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ، وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً إذَا خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ضَرَرٌ، وَعَلَى هَذَا يَجْرِي حُكْمُ التَّذْفِيفِ عَلَى الْجَرِيحِ وَاتِّبَاعِ الْمُنْهَزِمِ وَقَالَهُ سَحْنُونٌ.
ابْنُ حَبِيبٍ نَادَى مُنَادِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ " ﵁ " فِي بَعْضِ مَنْ حَارَبَهُ أَنْ لَا يُتَّبَعَ مُدْبِرٌ وَلَا يُجْهَزَ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُقْتَلَ أَسِيرٌ ثُمَّ كَانَ مَوْطِنٌ آخَرُ فِي غَيْرِهِمْ فَأَمَرَ بِاتِّبَاعِ الْمُدْبَرِ
стр. 4400
وَكُرِهَ لِلرَّجُلِ: قَتْلُ أَبِيهِ، وَوَرِثَهُ، وَلَمْ يَضْمَنْ مُتَأَوِّلٌ أَتْلَفَ نَفْسًا أَوْ مَالًا،
ــ
[منح الجليل]
وَقَتْلِ الْأَسِيرِ وَالْإِجْهَازِ عَلَى الْجَرِيحِ فَعُوتِبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ فِئَةٌ يَنْحَازُونَ إلَيْهَا وَالْأَوَّلُونَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ. قُلْت وَنَحْوُهُ مَا ذَكَرَهُ أَرْبَابُ سِيَرِ عَلِيٍّ " ﵁ "، أَنَّهُ لَمْ يَتْبَعْ الْمُنْهَزِمَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَلَا ذَفَّفَ عَلَى الْجَرِيحِ لِأَنَّهُمْ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ وَلَا إمَامٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ وَاتَّبَعَ الْمُنْهَزِمِينَ يَوْمَ صِفِّينَ لِأَنَّ لَهُمْ إمَامًا وَفِئَةً.
(وَكُرِهَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (لِلرَّجُلِ) الْمُعِينِ لِلْإِمَامِ عَلَى قِتَالِ الْبُغَاةِ (قَتْلُ أَبِيهِ) الْبَاغِي عَمْدًا مُبَارَزَةً أَوْ غَيْرِهَا وَفُهِمَ كَرَاهَةُ قَتْلِهِ أُمَّهُ بِالْأَوْلَى، وَأَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهُ قَتْلُ أَخِيهِ وَلَا عَمِّهِ وَلَا جَدِّهِ لِأَبِيهِ وَلَا لِأُمِّهِ وَهُوَ كَذَلِكَ.
(وَ) مَنْ قَتَلَ أَبَاهُ أَوْ أَخَاهُ الْبَاغِي (وَرِثَهُ) لِأَنَّهُ لَيْسَ عُدْوَانًا أَيْ الْوَلَدُ الْقَاتِلُ وَالِدَهُ الْمَقْتُولَ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا بَأْسَ أَنْ يَقْتُلَ الرَّجُلُ فِي قِتَالِهِمْ أَخَاهُ وَقَرَابَتَهُ مُبَارَزَةً وَغَيْرَ مُبَارَزَةٍ، فَأَمَّا الْأَبُ وَحْدَهُ فَلَا أُحِبُّ قَتْلَهُ تَعَمُّدًا وَكَذَا الْأَبُ الْكَافِرُ مِثْلُ الْخَارِجِيِّ. وَقَالَ أَصْبَغُ يَقْتُلُ فِيهَا أَبَاهُ وَأَخَاهُ (وَلَمْ) الْأَوْلَى لَا (يَضْمَنْ) بَاغٍ (مُتَأَوِّلٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَالْهَمْزِ وَكَسْرِ الْوَاوِ مُثَقَّلَةً، أَيْ مُعْتَقِدٌ حَقِّيَّةَ خُرُوجِهِ لِشُبْهَةٍ قَامَتْ عِنْدَهُ (أَتْلَفَ) حَالَ خُرُوجِهِ (نَفْسًا) مَعْصُومَةً (أَوْ مَالًا) كَذَلِكَ تَنَازَعَ فِيهِمَا يَضْمَنُ، وَأَتْلَفَ تَرْغِيبًا لَهُ فِي الرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ " ﵃ " عَنْهُمْ أَهْدَرَتْ الدِّمَاءَ الَّتِي كَانَتْ فِي حُرُوبِهِمْ، فَإِنْ بَقِيَ الْمَالُ بِعَيْنِهِ فِي يَدِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَدُّهُ لِمُسْتَحِقِّهِ وَغَيْرُ الْمُتَأَوِّلِ يَأْثَمُ وَيَضْمَنُ النَّفْسَ وَالْمَالَ وَالطَّرَفَ وَالْفَرْجَ فَيُقْتَصُّ مِنْهُ وَيَغْرَمُ عِوَضَ الْمَالِ إنْ أَتْلَفَهُ وَإِلَّا رَدَّهُ بِعَيْنِهِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّارِحُ وَغَيْرُهُ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ إذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا فَإِنْ كَانَ أَهْلُ الْبَغْيِ مِمَّنْ خَرَجَ عَلَى تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ كَالْخَوَارِجِ وُضِعَتْ عَنْهُمْ الدِّمَاءُ وَكُلُّ مَا أَصَابُوهُ إلَّا مَا وُجِدَ مِنْ مَالٍ يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ فَيَأْخُذْهُ رَبُّهُ. ابْنُ حَارِثٍ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ جَمِيعًا " ﵃ " فِيمَا عَلِمْت إلَّا أَصْبَغَ، فَإِنَّ ابْنَ حَبِيبٍ ذَكَرَ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَطْرَحُ
стр. 4401
وَمَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ، وَحَدٌّ أَقَامَهُ، وَرُدَّ ذِمِّيٌّ مَعَهُ لِذِمَّتِهِ،
ــ
[منح الجليل]
عَنْهُمْ الْإِمَامُ فَقَطْ، وَحَقُّ الْوَالِي فِي الْقِصَاصِ قَائِمٌ عَلَيْهِ يَقْتُلُ بِمَنْ قُتِلَ وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ " ﵁ " الشَّيْخُ عَمَّنْ ذَكَرَ أَوَّلًا. وَأَمَّا أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ وَأَهْلُ الْخِلَافِ بِلَا تَأْوِيلٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِمْ الْقِصَاصُ وَرَدُّ الْمَالِ قَائِمًا كَانَ أَوْ فَائِتًا، وَفِي آخِرِ جِهَادِهَا وَالْخَوَارِجُ إذَا خَرَجُوا فَأَصَابُوا الدِّمَاءَ وَالْأَمْوَالَ ثُمَّ تَابُوا وَرَجَعُوا وُضِعَتْ الدِّمَاءُ عَنْهُمْ وَيُؤْخَذُ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْ مَالٍ بِعَيْنِهِ وَمَا اسْتَهْلَكُوهُ فَلَا يُتْبَعُونَ بِهِ وَإِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ لِأَنَّهُمْ مُتَأَوِّلُونَ بِخِلَافِ الْمُحَارِبِينَ فَلَا يُوضَعُ عَنْهُمْ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ شَيْءٌ.
(وَ) إنْ وَلَّى الْمُتَأَوِّلُ قَاضِيًا وَحَكَمَ بِأَحْكَامٍ أَوْ أَقَامَ حَدًّا عَلَى مُسْتَحِقِّهِ نَحْوُ شَارِبٍ وَزَانٍ وَسَارِقٍ ثُمَّ رَجَعَ لِلْحَقِّ وَدَخَلَ تَحْتَ طَاعَةِ الْإِمَامِ طَائِعًا أَوْ مُكْرَهًا (مَضَى حُكْمُ قَاضِيهِ) أَيْ الْمُتَأَوِّلِ الَّذِي وَلَّاهُ وَحَكَمَ بِهِ حَالَ خُرُوجِهِ (وَ) مَضَى (حَدٌّ) شَرْعِيٌّ نَحْوَ قَذْفٍ (أَقَامَهُ) أَيْ الْمُتَأَوِّلُ الْحَدِّ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ لِلضَّرُورَةِ وَلِشُبْهَةِ التَّأْوِيلِ وَلِئَلَّا يَزْهَدَ النَّاسُ فِي قَبُولِ تَوْلِيَتِهِ فَتَضِيعُ الْحُقُوقُ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ تُرَدُّ أَحْكَامُهُ لِعَدَمِ صِحَّةِ تَوْلِيَتِهِ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ إنْ وَلَّى الْبُغَاةُ قَاضِيًا أَوْ أَخَذُوا الزَّكَاةَ أَوْ أَقَامُوا حَدًّا فَقَالَ الْأَخَوَانِ يُنَفَّذُ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ كُلُّهُ بِحَالٍ، وَعَنْ أَصْبَغَ الْقَوْلَانِ وَنَحْوُهُ لِابْنِ الْحَاجِبِ.
ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ إمْضَاءُ ذَلِكَ، وَنَصَّ فِي الْمُدَوَّنَةِ عَلَى إجْزَاءِ مَا أَخَذُوهُ مِنْ الزَّكَاةِ. قُلْت لِلشَّيْخِ فِي تَرْجَمَةٍ عَزْلُ الْقُضَاةِ وَالنَّظَرِ فِي أَحْكَامِهِمْ. ابْنُ حَبِيبٍ وَمُطَرَّفٌ فِي أَحْكَامِ الْخَوَارِجِ لَا تَنْفُذُ حَتَّى يَثْبُتَ أَصْلُ الْحَقِّ بِبَيِّنَةٍ فَيُحْكَمُ بِهِ، فَأَمَّا أَحْكَامٌ مَجْهُولَةٌ وَذَكَرُوا شَهَادَةَ أَهْلِ الْعَدْلِ عِنْدَهُمْ ذَكَرُوا أَسْمَاءَهُمْ أَوْ لَمْ يَذْكُرُوهَا فَهِيَ مَرْدُودَةٌ. وَقَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ مِثْلُهُ أَصْبَغُ أَرَى أَقْضِيَتَهُمْ كَقُضَاةِ السَّوْءِ. ابْنُ حَبِيبٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٍ أَحَبُّ إلَيَّ. وَقَالَ الْأَخَوَانِ الرَّجُلُ يُخَالِفُ عَلَى الْإِمَامِ وَيَغْلِبُ عَلَى بَعْضِ الْكُوَرُ وَيُوَلِّي قَاضِيًا فَيَقْضِي ثُمَّ يُظْهِرُ عَلَيْهِ أَقْضِيَتَهُ مَاضِيَةً إنْ كَانَ عَدْلًا إلَّا خَطَأً لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
(وَ) إنْ خَرَجَ ذِمِّيٌّ مَعَ الْمُتَأَوِّلِ ثُمَّ ظَهَرَ عَلَيْهِ (رُدَّ) بِضَمِّ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ كَافِرٌ (ذِمِّيٌّ) خَرَجَ (مَعَهُ) أَيْ الْمُتَأَوِّلِ (لِذِمَّتِهِ) الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ وَيُوضَعُ عَنْهُ مَا يُوضَعُ عَنْ
стр. 4402
وَضَمِنَ الْمُعَانِدُ النَّفْسَ وَالْمَالَ، وَالذِّمِّيُّ مَعَهُ نَاقِضٌ، وَالْمَرْأَةُ الْمُقَاتِلَةُ: كَالرَّجُلِ.
ــ
[منح الجليل]
الْمُتَأَوِّلِ الَّذِي خَرَجَ مَعَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ إنْ قَاتَلَ مَعَ الْمُتَأَوِّلِينَ أَهْلُ الذِّمَّةِ وُضِعَ عَنْهُمْ مَا وُضِعَ عَنْهُمْ وَرُدُّوا إلَى ذِمَّتِهِمْ، وَإِنْ قَاتَلُوا مَعَ أَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ الْمُخَالِفِينَ لِلْإِمَامِ الْعَدْلِ فَهُوَ نَقْضٌ لِعَهْدِهِمْ يُوجِبُ اسْتِحْلَالَهُمْ، وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ غَيْرَ عَدْلٍ وَخَافُوا جَوْرَهُ وَاسْتَعَانُوا بِأَهْلِ الْعَصَبِيَّةِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ نَقْضًا مِنْهُمْ. قُلْت هَذِهِ إنْ خَرَجُوا مَعَ الْعَصَبِيَّةِ طَائِعِينَ وَإِنْ أَكْرَهَهُمْ لَمْ يَكُنْ نَفْسُ خُرُوجِهِمْ نَقْضًا لِصِحَّةِ تَعَلُّقِ الْإِكْرَاءِ بِهِ، فَإِنْ قَاتَلُوا مَعَهُمْ كَانَ قِتَالُهُمْ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ لِامْتِنَاعِ تَعَلُّقِ الْإِكْرَاءِ بِقِتَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ قِتَالُهُ.
(وَضَمِنَ) الْبَاغِي (الْمُعَانِدُ) أَيْ الْمُجْتَرِئُ عَلَى الْبَغْيِ بِلَا تَأْوِيلٍ (النَّفْسَ) الَّتِي قَتَلَهَا فَيُقْتَصُّ مِنْهُ إنْ لَمْ يُزَدْ بِإِسْلَامٍ أَوْ حُرِّيَّةٍ (وَ) ضَمِنَ (الْمَالَ) الَّذِي أَتْلَفَهُ لِعَدَمِ عُذْرِهِ. الشَّيْخُ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَأَصْبَغَ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعَصَبِيَّةِ وَأَهْلُ الْخِلَافِ بِلَا تَأْوِيلٍ فَالْحُكْمُ فِيهِمْ الْقِصَاصُ وَرَدُّ الْمَالِ قَائِمًا كَانَ أَوْ فَائِتًا (وَ) الْكَافِرُ (الذِّمِّيُّ) الْخَارِجُ مَعَهُ طَائِعًا وَالْمُقَاتِلُ (مَعَهُ) أَيْ الْمُعَانِدُ وَلَوْ مُكْرَهًا كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ عَرَفَةَ (نَاقِضٌ لِعَهْدِهِ) فَيُبَاحُ دَمُهُ وَمَالُهُ إنْ كَانَ السُّلْطَانُ عَدْلًا وَإِلَّا فَلَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَرْأَةُ) الْبَاغِيَةُ الْمُقَاتِلَةُ بِسِلَاحٍ وَخَيْلٍ (كَالرَّجُلِ) الْبَاغِي الْمُقَاتِلِ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ. ابْنُ شَاسٍ إذَا قَاتَلَ النِّسَاءُ بِالسِّلَاحِ مَعَ الْبُغَاةِ فَلِأَهْلِ الْعَدْلِ قَتْلُهُنَّ فِي الْقِتَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قِتَالُهُنَّ إلَّا بِالتَّحْرِيضِ وَرَمْيِ الْحِجَارَةِ فَلَا يُقْتَلْنَ وَلَوْ أُسِرْنَ وَكُنَّ يُقَاتِلْنَ قِتَالَ الرِّجَالِ فَلَا يُقْتَلْنَ إلَّا أَنْ يَكُنَّ قَدْ قُتِلْنَ الشَّيْخُ هَذَا فِي غَيْرِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 4403
بَابٌ) الرِّدَّةُ: كُفْرُ الْمُسْلِمِ بِصَرِيحٍ؛ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ؛
ــ
[منح الجليل]
[بَابٌ فِي بَيَانِ حَقِيقَةِ الرِّدَّةِ وَأَحْكَامِهَا]
(الرِّدَّةُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ حَقِيقَتُهَا شَرْعًا (كُفْرُ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ جِنْسٌ شَمِلَ الرِّدَّةَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ الشَّخْصِ (الْمُسْلِمِ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ فَكَسْرٍ، أَيْ الَّذِي ثَبَتَ إسْلَامُهُ بِبُنُوَّتِهِ لِمُسْلِمٍ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِالشَّهَادَتَيْنِ أَوْ بِنُطْقِهِ بِهِمَا عَالِمًا بِأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ مُلْتَزِمًا لَهَا وَالْإِضَافَةُ فَصْلٌ مُخْرِجُ سَائِرِ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ. ابْنُ عَرَفَةَ الرِّدَّةُ كُفْرٌ بَعْدَ إسْلَامٍ قَرَّرَ الْمُتَيْطِيُّ إنْ نَطَقَ الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ وَوَقَفَ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَحُدُودِهِ وَالْتَزَمَهَا تَمَّ إسْلَامُهُ، وَإِنْ أَبَى الْتِزَامَهَا فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُ إسْلَامُهُ، وَلَا يُكْرَهُ عَلَى الْتِزَامِهَا وَيُتْرَكُ لِدِينِهِ وَلَا يُعَدُّ مُرْتَدًّا وَإِذَا لَمْ يُوقَفْ هَذَا الْإِسْلَامِيِّ عَلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُؤَدَّبُ وَيُشَدَّدُ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَمَادَى عَلَى إبَايَتِهِ تُرِكَ فِي لَعْنَةِ اللَّهِ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُمَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَبِهِ الْعَمَلُ وَالْقَضَاءُ.
وَقَالَ أَصْبَغُ إذَا شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهَ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ثُمَّ رَجَعَ قُتِلَ بَعْدَ اسْتِتَابَتِهِ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ وَلَمْ يَصُمْ. الْحَطّ اُحْتُرِزَ بِكُفْرِ الْمُسْلِمِ مِنْ انْتِقَالِ كَافِرٍ مِنْ دِينِهِ لِدِينٍ آخَرَ غَيْرِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ الْمَشْهُورَ أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ " ﵁ "، وَسَيُصَرِّحُ الْمُصَنِّفُ بِهِ، وَقِيلَ يُقْتَلُ إلَّا أَنْ يُسْلَمَ. وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكَافِرِ الَّذِي يَتَزَنْدَقُ فَقَالَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَمُطَرِّفٌ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ لَا يُقْتَلُ لِخُرُوجِهِ مِنْ كُفْرٍ إلَى كُفْرٍ.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ دِينٌ لَا يُقَرُّ عَلَيْهِ وَلَا تُؤْخَذُ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ وَسَوَاءٌ كَفَرَ (بِ) قَوْلٍ (صَرِيحٍ) فِي الْكُفْرِ كَقَوْلِهِ كُفْرٌ بِاَللَّهِ أَوْ بِرَسُولِ اللَّهِ أَوْ بِالْقُرْآنِ أَوْ الْإِلَهُ اثْنَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ أَوْ الْعَزِيزُ ابْنُ اللَّهِ (أَوْ) بِ (لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ) أَيْ يَسْتَلْزِمُ اللَّفْظُ
стр. 4404
أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ: كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذِرٍ، وَشَدِّ زُنَّارٍ،
ــ
[منح الجليل]
الْكُفْرَ اسْتِلْزَامًا بَيِّنًا كَجَحْدِ مَشْرُوعِيَّةِ شَيْءٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ مَعْلُومٍ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ تَكْذِيبَ الْقُرْآنِ أَوْ الرَّسُولِ، وَكَاعْتِقَادِ جِسْمِيَّةِ اللَّهِ وَتَحَيُّزِهِ، فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ حُدُوثَهُ وَاحْتِيَاجَهُ لِمُحْدِثٍ وَنَفْيِ صِفَاتِ الْأُلُوهِيَّةِ عَنْهُ ﷻ وَعَظُمَ شَأْنُهُ.
(أَوْ) بِ (فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ) أَيْ يَسْتَلْزِمُ الْفِعْلُ الْكُفْرَ اسْتِلْزَامًا بَيِّنًا (كَإِلْقَاءِ) بِكَسْرِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ اللَّامِ فَقَافٍ مَمْدُودًا أَيْ رَمْيِ (مُصْحَفٍ) بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الْكِتَابِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى النُّقُوشِ الدَّالَّةِ عَلَى كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى (بِ) شَيْءٍ (قَذِرٍ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ، أَيْ مُسْتَقْذَرٍ مُسْتَعَافٍ وَلَوْ طَاهِرًا كَبُصَاقٍ، وَمِثْلُ إلْقَائِهِ تَلْطِيخُهُ بِهِ أَوْ تَرْكُهُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ لِأَنَّ الدَّوَامَ كَالِابْتِدَاءِ وَكَالْمُصْحَفِ جُزْؤُهُ وَالْحَدِيثُ الْقُدْسِيُّ وَالنَّبَوِيُّ وَلَوْ لَمْ يَتَوَاتَرْ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَأَسْمَاءُ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -. الْبُنَانِيُّ بَلَّ أُصْبُعُهُ بِرِيقِهِ وَوَضَعَهَا عَلَى وَرَقِهِ لِتَقْلِيبِهِ حَرَامٌ وَلَيْسَ رِدَّةً لِعَدَمِ قَصْدِهِ التَّحْقِيرَ الَّذِي هُوَ مُوجِبُ الْكُفْرِ فِي هَذِهِ الْأُمُورِ وَمَنْ وَجَدَ وَرَقَةً مَثَلًا مَكْتُوبَةً مَرْمِيَّةً فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يَعْلَمْ مَا فِيهَا حَرُمَ عَلَيْهِ تَرْكُهَا، فَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِيهَا آيَةً أَوْ حَدِيثًا أَوْ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ الْأَنْبِيَاءِ وَتَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ.
الْعَدَوِيُّ وَضْعُهُ عَلَى الْأَرْضِ اسْتِخْفَافًا بِهِ كَإِلْقَائِهِ بِقَذِرٍ، ثُمَّ قَالَ لَا بُدَّ فِي الْإِلْقَاءِ مِنْ كَوْنِهِ لِغَيْرِ خَوْفٍ عَلَى نَفْسٍ مِنْ قَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ. ابْنُ عَرَفَةَ ابْنُ شَاسٍ ظُهُورُ الرِّدَّةِ إمَّا بِالتَّصْرِيحِ بِالْكُفْرِ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ بِفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ. قُلْت قَوْلُهُ أَوْ بِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ كَإِنْكَارِ غَيْرِ حَدِيثِ الْإِسْلَامِ وُجُوبُ مَا عُلِمَ وُجُوبُهُ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً، وَقَوْلُهُ وَفِعْلٌ يَتَضَمَّنُهُ كَلُبْسِ الزِّنَا وَالِقَاءِ الْمُصْحَفِ فِي صَرِيحِ النَّجَاسَةِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(وَ) كَ (شَدِّ) بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَشَدِّ الدَّالِ أَيْ رَبْطِ (زُنَّارٍ) بِضَمِّ الزَّايِ وَشَدِّ النُّونِ ثُمَّ رَاءٍ أَيْ حِزَامٍ فِيهِ خُطُوطٌ مُلَوَّنَةٌ بِأَلْوَانٍ مُخْتَلِفَةٍ يَشُدُّ الْكَافِرُ وَسَطَهُ بِهِ لِيَتَمَيَّزَ عَنْ الْمُسْلِمِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَلْبُوسُ الْكَافِرِ الْخَاصِّ بِهِ إنْ شَدَّهُ مُسْلِمٌ مَحَبَّةً لِذَلِكَ الدِّينِ وَمَيْلًا لِأَهْلِهِ لَا هَزْلًا وَلَعْنًا وَإِنْ حَرُمَ، وَإِنْ كَانَ لِضَرُورَةٍ كَأَسِيرٍ عِنْدَهُمْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَ مَلْبُوسِهِمْ فَلَا يَحْرُمُ
стр. 4405
وَسِحْرٍ،
ــ
[منح الجليل]
قَالَهُ ابْنُ مَرْزُوقٍ. شب ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ مُجَرَّدَ شَدِّهِ كُفْرٌ وَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّارِحِينَ تَرْجِيحُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ مَشْيٌ لِلْكَنِيسَةِ أَوْ نَحْوِهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الذَّخِيرَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشِّفَاءِ فِي مَحَلٍّ وَمِثْلُ الزِّنَا وَمَا يَخْتَصُّ بِزِيِّ الْكُفْرِ وَالسُّجُودِ لِلصَّنَمِ.
(وَ) كَ (سِحْرٍ) الشَّارِحُ هَذَا مِنْ الْقَوْلِ الْمُقْتَضِي لِلْكُفْرِ. الْبِسَاطِيُّ هَذَا مِمَّا اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ. ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُوَ كَلَامٌ مُؤَلَّفٌ يُعَظَّمُ بِهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَتُنْسَبُ إلَيْهِ الْمَقَادِيرُ وَالْكَائِنَاتُ. ابْنُ عَرَفَةَ هُوَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ يَنْشَأُ عَنْ سَبَبٍ مُعْتَادٍ كَوْنُهُ عَنْهُ فَخَرَجَتْ الْمُعْجِزَةُ، الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ " - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - " السَّاحِرُ كَافِرٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى، فَإِذَا سَحَرَ هُوَ بِنَفْسِهِ قُتِلَ وَلَا يُسْتَتَابُ. مَالِكٌ " ﵁ " هُوَ كَالزِّنْدِيقِ إذَا عَمِلَ السِّحْرَ بِنَفْسِهِ وَقَدْ أَمَرَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " ﵂ " عَنْهُمَا بِقَتْلِ جَارَةٍ لَهَا سَحَرَتْهَا فَقُتِلَتْ.
ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغُ هُوَ كَالزِّنْدِيقِ مِيرَاثُهُ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ كَانَ مُظْهِرًا السِّحْرِ وَالزَّنْدَقَةِ اُسْتُتِيبَ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ وَمَالُهُ فَيْءٌ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْبَاجِيَّ رِوَايَةَ مُحَمَّدٍ أَنَّ السِّحْرَ كُفْرٌ قَالَ إنْ عَمِلَهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ مُرْتَدٌّ. وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَ الرَّجُلِ أَوْ يُدْخِلُ السِّكِّينَ فِي جَوْفِ نَفْسِهِ إنْ كَانَ سِحْرًا قُتِلَ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ عُوقِبَ اهـ.
أَبُو عُمَرَ رَوَى ابْنُ نَافِعٍ فِي الْمَبْسُوطِ فِي امْرَأَةٍ أَقَرَّتْ أَنَّهَا عَقَدَتْ زَوْجَهَا عَنْ نَفْسِهَا أَوْ عَنْ غَيْرِهَا أَنَّهَا تَنْكُلُ وَلَا تُقْتَلُ، وَلَوْ سَحَرَ نَفْسَهُ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ. قُلْت الْأَظْهَرُ أَنَّ فِعْلَ الْمَرْأَةِ سِحْرٌ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ يَنْشَأُ عَنْهُ حَادِثٌ فِي أَمْرٍ مُنْفَصِلٍ عَنْ مَحَلِّ الْفِعْلِ أَنَّهُ سِحْرٍ. الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ هُوَ كَالزِّنْدِيقِ، وَمَنْ أَظْهَرَ السِّحْرَ وَالزَّنْدَقَةَ يُسْتَتَابُ. وَحَكَى عَبْدُ الْوَهَّابِ أَنَّهُ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ قَوْلَ مَالِكٍ ﵁ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ كُفْرٌ فَتَقَرَّرَ مِنْ هَذَا أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَأَصْبَغَ وَمُحَمَّدٍ مُخَالِفٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ " ﵁ "، وَتَأَوَّلُوا عَلَيْهِ خِلَافَ مَا تَأَوَّلَ عَبْدُ الْوَهَّابِ.
أَصْبَغُ لَا يُقْتَلُ السَّاحِرُ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّ فِعْلَهُ مِنْ السِّحْرِ الَّذِي قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ أَنَّهُ كُفْرٌ وَيُكْشَفُ عَنْ ذَلِكَ مِمَّنْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ. الْبَاجِيَّ يُرِيدُ وَيُثْبِتُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِمَامِ. ابْنُ عَرَفَةَ
стр. 4406
وَقَوْلٍ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ، أَوْ شَكٍّ فِي ذَلِكَ
ــ
[منح الجليل]
لَا يَقْتُلُ السَّاحِرَ إلَّا الْإِمَامُ. أَصْبَغُ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ قَتْلُهُ وَإِنْ أَظْهَرَهُ وَتَابَ سَقَطَ قَتْلُهُ وَإِنْ أَسَرَّهُ قُتِلَ، وَلَوْ تَابَ هَلْ يَجُوزُ عَمَلُ مَا يُبْطِلُ السِّحْرَ الْحَسَنَ، لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ إلَّا سِحْرًا. وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ التَّعَالُجِ. اللَّخْمِيُّ عَمَلُ مَا يُبْطِلُ وَالْإِجَارَةُ عَلَيْهِ جَائِزَانِ.
الْآبِّي حَلَّ الْمَعْقُودَ بِالرُّقَى الْعَرَبِيَّةِ جَائِزٌ وَبِالْعَجَمِيَّةِ لَا يَجُوزُ، وَفِيهِ خِلَافُ ابْنِ عَرَفَةَ إنْ تَكَرَّرَ نَفْعُهُ جَازَ. الْحَطّ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَنَّ السِّحْرَ رِدَّةٌ، وَأَنَّهُ يُسْتَتَابُ إنْ أَظْهَرَهُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إلَّا أَنْ يَجِيءَ تَائِبًا بِنَفْسِهِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ وَالتَّوْضِيحِ.
(وَ) كَ (قَوْلٍ) أَيْ جَزْمٍ وَتَصْدِيقٍ (بِقِدَمِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، أَيْ عَدَمِ أَوَّلِيَّةِ (الْعَالَمِ) بِفَتْحِ اللَّامِ، أَيْ مَا سِوَى اللَّهَ تَعَالَى مِنْ الْمَوْجُودَاتِ لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى وُجُودِ خَالِقِهِ وَصِفَاتِهِ، لِأَنَّ قِدَمَهُ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْإِلَهِ الْخَالِقِ لَهُ وَهُوَ كُفْرٌ، إذْ الْقَدِيمُ مَا لَا أَوَّلَ لَهُ، وَيَسْتَلْزِمُ بَقَاءَهُ، إذْ كُلُّ مَا ثَبَتَ قِدَمُهُ اسْتَحَالَ عَدَمُهُ وَالْقَوْلُ بِبَقَائِهِ كُفْرٌ لِمُخَالَفَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] الْقَصَصَ وقَوْله تَعَالَى ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] الرَّحْمَنَ، وَمَحَلُّ الْكُفْرِ إذَا أَرَادَ بِالْقِدَمِ الْقِدَمَ بِالذَّاتِ وَهُوَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ الْمُؤَثِّرِ أَوْ بِالزَّمَانِ وَهُوَ عَدَمُ الْأَوَّلِيَّةِ وَإِنْ احْتَاجَ لِمُؤَثِّرٍ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ طُولُ الزَّمَانِ مَعَ الِاحْتِيَاجِ لِمُؤَثِّرٍ وَسَبْقِ الْعَدَمِ فَلَيْسَ كُفْرًا إذْ هُوَ الْوَاقِعُ.
(أَوْ) قَوْلُ بِ (بَقَائِهِ) أَيْ عَدَمِ فَنَاءِ الْعَالَمِ وَعَدَمِ آخِرِيَّتِهِ لِمَا تَقَدَّمَ فِي الشِّفَاءِ يُقْطَعُ بِكُفْرِ مَنْ قَالَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ أَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ (أَوْ) كَ (شَكٍّ) أَيْ مُطْلَقِ تَرَدُّدٍ (فِي ذَلِكَ) أَيْ قِدَمِ الْعَالَمِ أَوْ بَقَائِهِ، وَصَرَّحَ الشَّاذِلِيُّ عَلَى الرِّسَالَةِ بِأَنَّهُ لَا يُعْذَرُ فِيهِ بِالْجَهْلِ وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ فَلَا يُقَيَّدُ بِمَنْ يُظَنُّ بِهِ الْعِلْمُ. الْحَطّ قَوْلُ الشَّارِحِ لَيْسَ هَذَا مِنْ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ، يَعْنِي قَوْلَ الْمُصَنِّفِ بِصَرِيحٍ أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِيهِ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ فَالْحَدُّ الَّذِي ذَكَرَهُ لَيْسَ بِجَامِعٍ، فَخُرُوجُ هَذَا مِنْهُ غَيْرُ ظَاهِرٍ لِأَنَّ التَّلَفُّظَ بِالشَّكِّ فِي ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي الْكُفْرَ. وَأَمَّا الشَّكُّ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ بِهِ فَهُوَ وَإِنْ كَانَ كُفْرًا لَا شَكَّ فِيهِ، لَكِنَّهُ لَا يُوجِبُ
стр. 4407
أَوْ بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ أَوْ فِي كُلِّ جِنْسٍ نَذِيرٌ أَوْ ادَّعَى شِرْكًا مَعَ نُبُوَّتِهِ ﵊
ــ
[منح الجليل]
الْحُكْمَ بِكُفْرِهِ ظَاهِرًا إلَّا بَعْدَ التَّلَفُّظِ بِهِ، كَمَا أَنَّ اعْتِقَادَ الْكُفْرِ مِنْ غَيْرِ تَلَفُّظٍ كُفْرٌ، وَلَكِنْ لَا يُحْكَمُ عَلَى صَاحِبِهِ بِالْكُفْرِ إلَّا بَعْدَ تَلَفُّظِهِ بِمَا يَقْتَضِيهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(أَوْ) كَقَوْلٍ (بِتَنَاسُخِ الْأَرْوَاحِ) الْحَطّ أَيْ انْتِقَالِهَا فِي الْأَشْخَاصِ الْآدَمِيِّينَ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَأَنَّ تَعْذِيبَهَا وَتَنْعِيمَهَا بِحَسَبِ زَكَائِهَا وَخُبْثِهَا، فَإِنْ كَانَتْ النَّفْسُ شِرِّيرَةً أُخْرِجَتْ مِنْ قَالِبِهَا الَّتِي هِيَ فِيهِ، وَأُلْبِسَتْ قَالِبًا يُنَاسِبُ شَرَّهَا مِنْ كَلْبٍ أَوْ خِنْزِيرٍ أَوْ سَبْعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنْ أَخَذَتْ جَزَاءَ شَرِّهَا بَقِيَتْ فِي ذَلِكَ الْقَالِبِ تَنْتَقِلُ مِنْ فَرْدٍ إلَى فَرْدٍ، وَإِنْ لَمْ تَأْخُذْهُ انْتَقَلَتْ إلَى قَالِبٍ أَشَرِّ مِنْهُ، وَهَكَذَا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ جَزَاءَ الشَّرِّ، وَفِي الْخَيْرِ تَنْتَقِلُ إلَى أَعْلَى وَهَكَذَا حَتَّى تَسْتَوْفِيَ جَزَاءَ خَيْرِهَا، وَالْقَائِلُ بِهَذَا أَنْكَرَ الْجَنَّةَ وَالنَّارَ وَالنَّشْرَ وَالْحَشْرَ وَالصِّرَاطَ وَالْحِسَابَ، وَهَذَا تَكْذِيبٌ لِلْقُرْآنِ وَالرَّسُولِ وَالْإِجْمَاعِ. وَاخْتَارَ ابْنُ مَرْزُوقٍ قَتْلَهُ بِلَا اسْتِتَابَةٍ.
(أَوْ) كُفْرٌ (بِقَوْلِهِ فِي كُلِّ جِنْسٍ) أَيْ نَوْعٍ مِنْ الْحَيَوَانِ (نَذِيرٌ) أَيْ رَسُولٌ يُنْذِرُهُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ بِالرِّسَالَةِ وَلِاسْتِلْزَامِهِ تَكْلِيفَهَا وَهُوَ جَحْدٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ مِنْ أَنَّهُ لَا مُكَلَّفَ إلَّا الْإِنْسَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ. عِيَاضٌ وَيَكْفُرُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَنَّ فِي كُلِّ جِنْسٍ مِنْ الْحَيَوَانِ نَذِيرًا أَوْ نَبِيًّا حَتَّى مِنْ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ وَالدَّوَابِّ وَالدُّودِ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ وَصْفَ الرُّسُلِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بِصِفَاتِ الْبَهَائِمِ الذَّمِيمَةِ، وَهَذَا يُوجِبُ الْقَتْلَ بِلَا اسْتِتَابَةٍ إلَّا أَنَّهُ تَقَرَّرَ أَنَّ لَازِمَ الْمَذْهَبِ غَيْرُ الْبَيِّنِ لَيْسَ بِمَذْهَبٍ وقَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] فَاطِرَ، فُسِّرَتْ الْأُمَّةُ فِيهِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ ﷺ .
(أَوْ) كُفْرٌ بِأَنْ (ادَّعَى شِرْكًا) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، أَيْ شَخْصًا مُشَارِكًا فِي النُّبُوَّةِ (مَعَ نُبُوَّتِهِ) أَيْ سَيِّدِنَا مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ (عَلَيْهِ) الصَّلَاةُ وَ (السَّلَامُ) لِمُخَالَفَتِهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] الْأَحْزَابَ.
عِيَاضٌ يَكْفُرُ مَنْ ادَّعَى نُبُوَّةَ أَحَدٍ مَعَ نَبِيِّنَا ﷺ أَوْ بَعْدَهُ كَالْعِيسَوِيَّةِ وَالْحُرْمِيَّةِ وَأَكْثَرِ الرَّافِضَةِ.
стр. 4408
أَوْ بِمُحَارَبَةِ نَبِيٍّ، أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ لِلسَّمَاءِ، أَوْ يُعَانِقُ الْحُورَ، أَوْ اسْتَحَلَّ: كَالشُّرْبِ،
ــ
[منح الجليل]
وَ) كَفَرَ (بِ) دَعْوَى جَوَازِ (مُحَارَبَةِ نَبِيٍّ) مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَوْلَى مُحَارَبَتُهُ بِالْفِعْلِ. عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى تَكْفِيرِ مَنْ اسْتَخَفَّ بِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ أَوْ بِأَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَوْ أَزْرَى عَلَيْهِمْ أَوْ آذَاهُمْ أَوْ قَتَلَ نَبِيًّا أَوْ حَارَبَهُ فَهُوَ كَافِرٌ بِإِجْمَاعٍ.
(أَوْ) كُفْرٍ بِأَنْ (جَوَّزَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْوَاوِ وَالزَّايِ مُثَقَّلًا، أَيْ قَالَ بِجَوَازِ (اكْتِسَابَ النُّبُوَّةِ) بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ وَتَهْذِيبِ النَّفْسِ وَالْجَدِّ فِي الْعِبَادَةِ لِاسْتِلْزَامِهِ جَوَازَهَا بَعْدَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَوْهِينِ مَا جَاءَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ. عِيَاضٌ أَجْمَعُوا عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ دَافَعَ نَصَّ الْكِتَابِ ثُمَّ قَالَ أَوْ ادَّعَى النُّبُوَّةَ لِنَفْسِهِ أَوْ جَوَّزَ اكْتِسَابَهَا وَالْبُلُوغَ بِتَصْفِيَةِ الْقَلْبِ إلَى مَرْتَبَتِهَا كَالْفَلَاسِفَةِ وَعَامَّةِ الْمُتَصَوِّفَةِ.
(أَوْ) كُفْرٌ بِأَنْ (ادَّعَى أَنَّهُ يَصْعَدُ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، أَيْ يَرْقَى (إلَى السَّمَاءِ) عِيَاضٌ وَكَذَلِكَ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يُوحَى إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ أَوْ أَنَّهُ يَصْعَدُ إلَى السَّمَاءِ أَوْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَيَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَيُعَانِقُ الْحُورَ الْعِينِ فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ كُفَّارٌ مُكَذِّبُونَ النَّبِيَّ ﷺ (أَوْ) أَنَّهُ (يُعَانِقُ الْحُورَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ جَمْعُ حَوْرَاءَ بِالْمَدِّ. وَفِي الذَّخِيرَةِ وَالشِّفَاءِ مُكَفِّرَاتٌ كَثِيرَةٌ.
(أَوْ) كُفْرٌ (اسْتَحَلَّ) مُحَرَّمًا مُجْمَعًا عَلَى تَحْرِيمِهِ مَعْلُومًا مِنْ الدِّينِ (كَالشُّرْبِ) لِلْخَمْرِ وَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَالرِّبَا وَأَنْكَرَ حِلَّ الْبَيْعِ وَأَكْلَ الثِّمَارِ وَوُجُوبَ الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَلَوْ عَلَى وَلِيٍّ مُكَلَّفٍ، أَوْ وُجُودَ مَكَّةَ أَوْ الْبَيْتِ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوْ الْأَقْصَى أَوْ اسْتِقْبَالَ الْكَعْبَةِ أَوْ صِفَةَ الْحَجِّ أَوْ الصَّلَوَاتِ أَوْ حَرْفًا مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ زَادَهُ أَوْ غَيَّرَهُ أَوْ إعْجَازَهُ أَوْ الثَّوَابَ وَالْعِقَابَ. عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَكْفِيرِ كُلِّ مَنْ اسْتَحَلَّ الْقَتْلَ أَوْ شُرْبَ الْخَمْرِ أَوْ شَيْئًا مِمَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَحْرِيمِهِ كَأَصْحَابِ الْإِبَاحَةِ مِنْ الْقَرَامِطَةِ وَبَعْضِ غُلَاةِ الْمُتَصَوِّفَةِ وَخَرَجَ مَا عُلِمَ ضَرُورَةً وَلَيْسَ مِنْ الدِّينِ وَلَا مُسْتَلْزِمًا لِتَكْذِيبِ الْقُرْآنِ، كَوُجُودِ بَغْدَادَ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ. طفي عِيَاضٌ مَا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ فَشَمِلَ
стр. 4409
لَا بِأَمَاتَهُ اللَّهُ كَافِرًا عَلَى الْأَصَحِّ
وَفُصِّلَتْ الشَّهَادَةُ فِيهِ.
ــ
[منح الجليل]
مَا عُلِمَ ضَرُورَةً وَغَيْرِهِ، وَلِذَا قُيِّدَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ، إذْ لَوْ كَانَ خَاصًّا بِالضَّرُورِيِّ مَا احْتَاجَ لِلْقَيْدِ، وَتَبِعَهُ الْمُصَنِّفُ فَأَطْلَقَ، لَكِنْ فَاتَهُ قَيْدُ الْعِلْمِ. وَقَوْلُ عج لَوْ قَالَ أَوْ جَحَدَ حُكْمًا عُلِمَ مِنْ الدِّينِ ضَرُورَةً لَكَانَ أَحْسَنَ غَيْرَ حَسَنٍ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ كَلَامَ عِيَاضٍ، وَقَدْ شَرَحَ بِهِ " ق ". اهـ. وَتَبِعَهُ الْبُنَانِيُّ.
(لَا) يَكْفُرُ بِدُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ (بِ) قَوْلِهِ (أَمَاتَهُ اللَّهُ) حَالَ كَوْنِهِ (كَافِرًا) قَالَهُ فِي الذَّخِيرَةِ، وَصَوَّبَهُ تِلْمِيذُهُ ابْنُ رَاشِدٍ وَإِلَيْهِ أَشَارَ بِقَوْلِهِ (عَلَى الْأَصَحِّ) لِأَنَّهُ قَصَدَ شِدَّةَ الضَّرَرِ بِالْخُلُودِ فِي سَقَرَ لَا الرِّضَا بِالْكُفْرِ وَمُقَابِلُ الْأَصَحِّ فَتْوَى الْكَرْكِيِّ بِكُفْرِهِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَكْفُرَ بِاَللَّهِ تَعَالَى. وَفِي الذَّخِيرَةِ عَاطِفًا عَلَى مَا يَكْفُرُ بِهِ وَمِنْهُ تَأْخِيرُ إسْلَامِ مَنْ أَتَى يُسْلِمُ وَلَا يَنْدَرِجُ فِي ذَلِكَ الدُّعَاءُ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ لِلْعَدُوِّ وَإِنْ كَانَ أَرَادَ الْكُفْرَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا فِيهِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى، بَلْ إذَايَةِ الْمَدْعُوَّ عَلَيْهِ اُنْظُرْ الْحَاشِيَةَ.
(وَ) إنْ شَهِدَ عَدْلَانِ بِكُفْرِ مُسْلِمٍ (فُصِّلَتْ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ مُثَقَّلَةً، أَيْ بُيِّنَتْ (الشَّهَادَةُ فِيهِ) أَيْ كُفْرُ الْمُسْلِمِ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ سَفْكُ دَمٍ وَقَطْعُ عِصْمَةٍ وَحَجْرُ مَالٍ وَمَنْعُ وَارِثٍ وَغَيْرِهَا فَلَا يَكْتَفِي الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعَدْلِ أَشْهَدُ أَنَّهُ كَفَرَ أَوْ ارْتَدَّ حَتَّى يُبَيِّنَ وَجْهَهُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِيمَا يَكْفُرُ بِهِ، وَقَدْ يَرَى الشَّاهِدُ تَكْفِيرَهُ بِمَا لَيْسَ كُفْرًا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ وُجُوبُ التَّفْصِيلِ وَنَحْوُهُ فِي التَّوْضِيحِ. ابْنُ شَاسٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُقْبَلَ الشَّهَادَةُ عَلَى الرِّدَّةِ دُونَ تَفْصِيلٍ لِاخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ فِي التَّكْفِيرِ. ابْنُ عَرَفَةَ هَذَا حَسَنٌ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهَا فِي الشَّهَادَةِ فِي السَّرِقَةِ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا سَرَقَ مَا
стр. 4410
وَاسْتُتِيبَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ بِلَا جُوعٍ وَعَطَشٍ وَمُعَاقَبَةٍ
ــ
[منح الجليل]
يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ هِيَ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ ذَهَبَ بِهَا.
(وَاسْتُتِيبَ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ الْأُولَى وَالْمُرْتَدُّ حُرًّا أَوْ عَبْدًا ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى وُجُوبًا عَلَى الْمَشْهُورِ، أَيْ طُلِبَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ (ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) مُتَوَالِيَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخَّرَ قَوْمَ صَالِحٍ ﷺ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ثَلَاثُ مَرَّاتٍ وَلَوْ فِي يَوْمٍ، وَلِلْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁ مَرَّةً، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ بِلَا تَأْخِيرٍ (بِلَا) مُعَاقَبَةٍ بِ (جُوعٍ وَ) لَا بِ (عَطَشٍ وَ) بِلَا (مُعَاقَبَةٍ) بِضَرْبٍ وَلَا غَيْرِهِ. ابْنُ شَاسٍ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى الْمُرْتَدِّ وَاجِبٌ وَالنَّصُّ إمْهَالُهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ. الْإِمَامُ مَالِكٌ ﵁ مَا عَلِمْت فِي اسْتِتَابَتِهِ تَجْوِيعًا وَلَا تَعْطِيشًا وَلَا عُقُوبَةً لَهُ. ابْنُ عَرَفَةَ الْبَاجِيَّ يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ الْقَصَّارِ يُسْتَتَابُ فِي الْحَالِ، فَإِنْ لَمْ يَتُبْ يُقْتَلُ.
وَرَوَى أَشْهَبُ لَا عُقُوبَةَ عَلَيْهِ إنْ تَابَ وَلَيْسَ فِي اسْتِتَابَتِهِ تَخْوِيفٌ وَلَا تَعْطِيشٌ فِي قَوْلَيْ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵁. وَقَالَ أَصْبَغُ يُخَوَّفُ بِالْقَتْلِ فِي الْأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ وَيُذَكَّرُ بِالْإِسْلَامِ وَالْعَبْدُ كَالْحُرِّ فِي ذَلِكَ وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ قَالَهُ الْإِمَامُ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ -. ابْنُ حَارِثٍ اتَّفَقُوا فِي الْمُرْتَدِّ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ. فِي الْمُوَطَّإِ قَدِمَ رَجُلٌ عَلَى عُمَرَ ﵁ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى ﵁ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁ هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مَعْرِفَةِ خَيْرٍ، فَقَالَ نَعَمْ كَفَرَ رَجُلٌ بَعْدَ إسْلَامِهِ، قَالَ فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ، قَالَ قَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ، قَالَ عُمَرُ ﵁ أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ عُمَرُ ﵁ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إذَا بَلَغَنِي.
الْبَاجِيَّ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِتَابَةِ بِقَوْلِ عُمَرَ ﵁ وَأَنَّهُ لَا مُخَالِفَ لَهُ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ إلَّا أَنْ يَثْبُتَ رُجُوعُ أَبِي مُوسَى ﵁ وَمَنْ وَافَقَهُ إلَى قَوْلِ عُمَرَ ﵁.
стр. 4411
وَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا: قُتِلَ.
وَاسْتُبْرِئَتْ بِحَيْضَةٍ.
وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ، وَإِلَّا فَفَيْءٌ
وَبَقِيَ وَلَدُهُ مُسْلِمًا:
ــ
[منح الجليل]
فَإِنْ تَابَ) الْمُرْتَدُّ بِرُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ فَلَا يُقْتَلُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ حَتَّى تَمَّتْ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ بِغُرُوبِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ (قُتِلَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ الْمُرْتَدُّ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى، حُرًّا كَانَ أَوْ رِقًّا، فَلَا يُقَرُّ عَلَى كُفْرِهِ بِجِزْيَةٍ. وَلَوْ ارْتَدَّ أَهْلُ مَدِينَةٍ اُسْتُتِيبُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا فَيُقْتَلُونَ وَلَا يُسَبُّونَ وَلَا يُسْتَرَقُّونَ وَإِنْ لَحِقَ الْمُرْتَدُّ بِدَارِ الْحَرْبِ وَظَفَرْنَا بِهِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ. فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ وَتُحْسَبُ الْأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ مِنْ يَوْمِ ثُبُوتِ الرِّدَّةِ لَا مِنْ يَوْمِ وُقُوعِهَا وَلَا مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ وَلَا يُحْسَبُ مِنْهَا يَوْمَ الثُّبُوتِ.
(وَ) إنْ ارْتَدَّتْ امْرَأَةٌ ذَاتُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ وَاسْتُتِيبَتْ فَلَمْ تَتُبْ (اُسْتُبْرِئَتْ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (بِحَيْضَةٍ) قَبْلَ قَتْلِهَا خَشْيَةَ حَمْلِهَا وَلَوْ حُرَّةً لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَيْهَا تَعَبُّدٌ، وَالْمُرْتَدَّةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ، وَهَذِهِ إحْدَى ثَلَاثٍ مُسْتَثْنَاةٍ مِنْ كَوْنِ اسْتِبْرَاءِ الْحُرَّةِ كَعِدَّتِهَا.
الثَّانِيَةُ اللِّعَانُ. وَالثَّالِثَةُ حَدُّ الزِّنَا، وَتُؤَخَّرُ الْمُرْضِعَةُ إلَى وُجُودِ مُرْضِعَةٍ يَقْبَلُهَا الْوَلَدُ، وَالْحَامِلُ إلَى وَضْعِهَا أَوْ أَقْصَى أَمَدِ الْحَمْلِ، وَوُجُودِ مُرْضِعٍ كَذَلِكَ، وَهَذَا إذَا كَانَتْ مِمَّنْ تَحِيضُ وَلَوْ مَرَّةً فِي كُلِّ خَمْسِ سِنِينَ، فَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِيضُ لِمَرَضٍ أَوْ يَأْسٍ مَشْكُوكٍ فِيهِ، فَإِنْ تُوُقِّعَ حَمْلُهَا اُسْتُبْرِئَتْ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ إلَّا أَنْ تَحِيضَ فِيهَا، وَكُلُّ هَذَا فِيمَنْ لَهَا زَوْجٌ أَوْ سَيِّدٌ مُرْسَلٌ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا تُسْتَبْرَأُ إلَّا أَنْ تَدَّعِيَ حَمْلًا وَيُصَدِّقَهَا فِيهِ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ وَلَوْ مُخْتَلِفِينَ أَوْ شَاكِّينَ، وَالرَّجْعِيَّةُ كَالزَّوْجَةِ، وَالْبَائِنُ إنْ كَانَتْ حَاضَتْ فَلَا تُؤَخَّرُ وَإِلَّا فَتُؤَخَّرُ لِاحْتِمَالِ حَمْلِهَا.
(وَمَالُ الْعَبْدِ) الْقِنِّ أَوْ ذِي الشَّائِبَةِ الْمَقْتُولِ بِرِدَّتِهِ (لِسَيِّدِهِ) بِالْمِلْكِ لَا بِالْمِيرَاثِ لِأَنَّ الرَّقِيقَ لَا يُوَرِّثُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ بِرِدَّتِهِ رَقِيقًا بِأَنْ كَانَ حُرًّا (فَ) مَالُهُ (فَيْءٌ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْيَاءِ فَهَمْزٌ، أَيْ يُجْعَلُ فِي بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ اتِّفَاقًا، وَلَيْسَ لِوَرَثَتِهِ الْمُسْلِمِينَ لِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَا الَّذِينَ ارْتَدَّ لِدِينِهِمْ لِعَدَمِ إقْرَارِهِ عَلَيْهِ.
(وَ) إذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ وَلَهُ وَلَدٌ صَغِيرٌ (بَقِيَ وَلَدُهُ) حَالَ كَوْنِهِ (مُسْلِمًا) أَيْ مَحْكُومًا
стр. 4412
كَأَنْ تُرِكَ وَأُخِذَ مِنْهُ مَا جَنَى
ــ
[منح الجليل]
بِإِسْلَامِهِ وَلَا يَتْبَعُ أَبَاهُ فِي الدِّينِ الَّذِي ارْتَدَّ إلَيْهِ لِعَدَمِ إقْرَارِهِ عَلَيْهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى الْإِسْلَامِ إنْ تَدَيَّنَ بِغَيْرِهِ. وَشَبَّهَ فِي الْحُكْمِ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ دَخَلَتْ عَلَيْهِ كَافُ التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ (تُرِكَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ وَلَدُ الْمُرْتَدِّ وَغُفِلَ عَنْ جَبْرِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى بَلَغَ وَأَظْهَرَ خِلَافَهُ، فَإِنَّهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، وَأَوْلَى إذَا بَلَغَ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلَافُهُ وَسَوَاءٌ وُلِدَ قَبْلَ ارْتِدَادِ أَبِيهِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ أَظْهَرَ الْكُفْرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْمُرْتَدِّ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ وُلِدَ حَالَ رِدَّةِ أَبِيهِ إنْ أَدْرَكَ قَبْلَ بُلُوغِهِ جُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ حَتَّى بَلَغَ تُرِكَ عَلَى كُفْرِهِ لِوِلَادَتِهِ عَلَيْهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عَبْدَ الْمَلِكِ وَابْنَ الْقَاسِمِ صَغِيرُ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ إنْ كَانَ وُلِدَ قَبْلَ رِدَّتِهِ جُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ وَضُيِّقَ عَلَيْهِ، وَلَا يُبْلَغُ بِهِ الْمَوْتُ. وَإِنْ كَانَ وَلَدُهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ جُبِرُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَرُدُّوا إلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يُدْرِكُوا حَتَّى بَلَغُوا تُرِكُوا وَأُقِرُّوا عَلَى دِينِهِمْ لِأَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَيْهِ وَلَيْسَ ارْتِدَادُ أَبِيهِمْ ارْتِدَادًا لَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ حَتَّى شَاخَ وَتَزَوَّجَ فَلَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُقْتَلُ. ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ كِنَانَةَ فِيمَنْ وَلَدُهُ بَعْدَ رِدَّتِهِ أَنَّهُمْ يُسْتَتَابُونَ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قُتِلُوا مَا لَمْ يَشِيخُوا عَلَى الْكُفْرِ وَيَتَزَوَّجُوا عَلَيْهِ خِلَافَ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ.
قُلْت هَذَا فِيمَنْ أَبُوهُ مُرْتَدٌّ، وَأَمَّا مَنْ ارْتَدَّ صَغِيرًا مُمَيَّزًا وَأَبُوهُ مُسْلِمٌ فَفِي الْجَنَائِزِ مِنْهَا مَنْ ارْتَدَّ قَبْلَ بُلُوغِهِ فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ. الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَاسِمِ فِي ابْنِ الْمُسْلِمِ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ ارْتَدَّ وَقَدْ عَقَلَ الْإِسْلَامَ وَلَمْ يَحْتَلِمْ جُبِرَ عَلَى الْإِسْلَامِ بِالضَّرْبِ وَالْعَذَابِ، فَإِنْ احْتَلَمَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ قُتِلَ بِخِلَافِ مَنْ يُسْلِمُ ثُمَّ يَرْتَدُّ ثُمَّ يَحْتَلِمُ عَلَى ذَلِكَ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِ الْمُرْتَدِّ، وَجَعَلَهُمْ أَشْهَبُ سَوَاءً، وَقَالَ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ ارْتَدَّ بَعْدَ أَنْ عَقَلَ وَقَارَبَ الْحُلُمَ ثُمَّ احْتَلَمَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ يُرَدُّ إلَى الْإِسْلَامِ بِالسَّوْطِ وَالسَّجْنِ. ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ابْنُ الْقَاسِمِ يُقْتَلُ.
(وَأُخِذَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ (مِنْهُ) أَيْ مَالِ الْمُرْتَدِّ أَرْشُ (مَا جَنَى) قَبْلَ رِدَّتِهِ أَوْ بَعْدَهَا
стр. 4413
عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ: أَوْ ذِمِّيٍّ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ، كَأَنْ
ــ
[منح الجليل]
عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ) لِغَيْرِهِ (أَوْ) عَلَى (ذِمِّيٍّ) لِأَنَّهُ لَا يُقْتَلُ بِأَحَدِهِمَا لِزِيَادَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ بِالْحُرِّيَّةِ وَعَلَى الذِّمِّيِّ بِالْإِسْلَامِ الْحُكْمِيِّ فَتَعَيَّنَ الْمَالُ لِتَرَتُّبِهِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ بِرِدَّتِهِ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْمَوَّازِيَّةِ (لَا) يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ شَيْءٌ إنْ جَنَى عَمْدًا عَلَى (حُرٍّ مُسْلِمٍ) لِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِ الْقِصَاصُ وَالْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ يَأْتِي عَلَيْهِ، فَإِنْ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ وَسَقَطَ قَتْلُهُ بِالرِّدَّةِ اُقْتُصَّ مِنْهُ. ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ فِي الْمُرْتَدِّ يُقْتَلُ فِي ارْتِدَادِهِ نَصْرَانِيًّا أَوْ بِجُرْحِهِ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَلَا يُقْتَلُ بِهِ وَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ فِي جُرْحٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى دِينٍ يُقَرُّ عَلَيْهِ وَحَالُهُ فِي ارْتِدَادِهِ فِي الْقَتْلِ وَالْجُرْحِ إنْ أَسْلَمَ كَحَالِ الْمُسْلِمِ، فَإِنْ جَرَحَ مُسْلِمًا اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا فَلَا يُقْتَلُ بِهِ. وَإِنْ جَرَحَهُ فَلَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ. عِيسَى وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَقَتْلُهُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ.
ابْنُ رُشْدٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيهِ فَمَرَّةٌ نَظَرَ إلَى حَالِهِ يَوْمَ الْحُكْمِ فِي الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ، وَمَرَّةٌ نَظَرَ إلَى حَالِهِ فِيهِمَا يَوْمَ جِنَايَتِهِ، وَمَرَّةٌ فَرَّقَ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالْقَوَدِ فَنَظَرَ فِي الْقَوَدِ إلَى يَوْمِ الْفِعْلِ، وَفِي الدِّيَةِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ، فَعَلَى اعْتِبَارِ يَوْمِ الْحُكْمِ فِيهِمَا قَالَ إنْ قَتَلَ مُسْلِمًا قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ جَرَحَهُ اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا أَوْ جَرَحَهُ فَلَا يُقَادُ فِي قَتْلٍ وَلَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي جُرْحٍ وَدِيَةُ ذَلِكَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ كَانَ قَتَلَهُ خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ يَوْمَ الْحُكْمِ لَهُ عَاقِلَةٌ تَعْقِلُ عَنْهُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَعَلَى قَوْلِهِ بِالنَّظَرِ لِحَالِهِ يَوْمَ الْفِعْلِ فِيهِمَا يُقَادُ مِنْهُ إنْ قَتَلَ نَصْرَانِيًّا لِأَنَّهُ كَافِرٌ يَوْمَ الْفِعْلِ، وَإِنْ جَرَحَهُ عَمْدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ، وَإِنْ جَرَحَ عَبْدًا مُسْلِمًا جَرَى عَلَى الْخِلَافِ فِي النَّصْرَانِيِّ يَجْرَحُ عَبْدًا مُسْلِمًا، وَإِنْ قَتَلَ مُسْلِمًا أَوْ نَصْرَانِيًّا خَطَأً فَدِيَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّهُمْ وَرَثَتُهُ يَوْمَ الْجِنَايَةِ وَلَا عَاقِلَةَ لَهُ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَسْمُ الصَّلَاةِ مِنْ سَمَاعِ يَحْيَى، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ يَجْرِي حُكْمُ جِنَايَاتِهِ عَلَى الْقَوْلِ الثَّالِثِ الَّذِي فَرَّقَ فِيهِ بَيْنَ الْقَوَدِ وَالدِّيَةِ.
وَشَبَّهَ فِي أَخْذِ الْأَرْشِ مِنْ مَالِهِ إنْ جَنَى عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ وَعَدَمِهِ إنْ جَنَى عَمْدًا عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ فَقَالَ (كَأَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ النُّونِ حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَقْرُونٌ بِكَافِ
стр. 4414
هَرَبَ لِدَارِ الْحَرْبِ إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ، وَالْخَطَأِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ:
ــ
[منح الجليل]
التَّشْبِيهِ صِلَتُهُ جَنَى الْمُرْتَدُّ عَمْدًا عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ حُرٍّ مُسْلِمٍ ثُمَّ (هَرَبَ) الْمُرْتَدُّ (لِبِلَادِ الْحَرْبِ) وَاسْتَمَرَّ بِهَا وَبَقِيَ مَالُهُ فِي بَيْتِ مَالِنَا فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَرْشُ جِنَايَتِهِ عَلَى الْعَبْدِ أَوْ الذِّمِّيِّ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ شَيْءٌ فِي جِنَايَتِهِ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ، فَالتَّشْبِيهُ تَامٌّ، هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ الْقَاسِمِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِ أَخْذُ دِيَتِهِ مِنْ مَالِ الْمُرْتَدِّ إنْ شَاءُوا أَوْ عَفَوْا عَنْ الْقِصَاصِ، وَإِنْ شَاءُوا صَبَرُوا حَتَّى يَقْتُلُوهُ. ابْنُ الْحَاجِبِ لَوْ قَتَلَ أَيْ الْمُرْتَدُّ حُرًّا مُسْلِمًا وَهَرَبَ إلَى دَارِ الْحَرْبِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ لِلْأَوْلِيَاءِ فِي مَالِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ لَهُمْ إنْ عَفَوْا الدِّيَةُ.
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ خِلَافُهُمَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ فِي الْعَمْدِ هَلْ هُوَ الْقَوَدُ فَقَطْ أَوْ التَّخْيِيرُ، لَكِنْ قَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى أَشْهَبَ بِأَنَّ الْخِيَارَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ لَا مَانِعَ وَالْقَاتِلُ هُنَا لَوْ حَضَرَ لَكَانَ مَحْبُوسًا بِحُكْمِ ارْتِدَادِهِ فَلَيْسَ لِلْأَوْلِيَاءِ مَعَهُ كَلَامٌ. اهـ. فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ عِنْدَ عَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَحَلُّ الْخِلَافِ. أَمَّا عِنْدَ أَسْرِهِ فَلَا أَفَادَهُ الْبُنَانِيُّ زَادَ طفي وَلَا فَائِدَةَ حِينَئِذٍ لِإِفْرَادِهَا بِالذِّكْرِ.
وَاسْتَثْنَى مِنْ السُّقُوطِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ لَا حُرٍّ مُسْلِمٍ فَقَالَ (إلَّا حَدَّ الْفِرْيَةِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الرَّاءِ فَتَحْتِيَّةٍ، أَيْ الْقَذْفِ لِحُرٍّ مُسْلِمٍ فَلَا يَسْقُطُ عَنْ الْمُرْتَدِّ بِقَتْلِهِ لِرِدَّتِهِ فَيُحَدُّ لِلْقَذْفِ ثُمَّ يُقْتَلُ لِلرِّدَّةِ. ابْنُ الْحَاجِبِ وَأَمَّا جِنَايَتُهُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَلَا يُقَامُ غَيْرُ الْفِرْيَةِ وَيُقْتَلُ. ابْنُ عَرَفَةَ فِي نِكَاحِهَا الثَّالِثُ وَنَحْوُهُ فِي الْقَذْفِ إنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى كُلِّ حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ لِلنَّاسِ إلَّا الْقَذْفَ فَيُحَدُّ لَهُ ثُمَّ يُقْتَلُ، وَجَرَى لَنَا فِي التَّدْرِيسِ مُنَاقَضَةُ قَوْلِهَا فِي الْكِتَابَيْنِ لِقَوْلِهَا فِي كِتَابِ الْقَذْفِ إذَا قَذَفَ حَرْبِيٌّ فِي بِلَادِ الْحَرْبِ مُسْلِمًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ أَوْ أُسِرَ فَلَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْقَتْلَ مَوْضُوعٌ عَنْهُ.
قُلْت فَإِسْقَاطُهُ حَدِّ الْقَذْفِ لِسُقُوطِ الْقَتْلِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ حَدِّ الْقَذْفِ فِي الْقَتْلِ وَالْمَنْصُوصُ لَهُ خِلَافُهُ.
(وَ) الْجُرْحُ أَوْ الْقَتْلُ (الْخَطَأِ) مِنْ الْمُرْتَدِّ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ إذَا قُتِلَ لِرِدَّتِهِ أَوْ مَاتَ قَبْلَ تَوْبَتِهِ أَرْشُهُ (عَلَى بَيْتِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ الَّذِي يَأْخُذُ مَالَهُ، وَأَرْشُ جِنَايَتِهِ خَطَأٍ عَلَى عَبْدٍ فِي
стр. 4415
كَأَخْذِهِ جِنَايَةً عَلَيْهِ،
، وَإِنْ تَابَ فَمَالُهُ لَهُ وَقُدِّرَ كَالْمُسْلِمِ فِيهِمَا
ــ
[منح الجليل]
مَالِهِ لَا عَلَى بَيْتِ الْمَالِ فَيَخْرُجُ مِنْ إطْلَاقِ الْمُصَنِّفِ قَالَهُ طفي. وَشَبَّهَ فِي التَّعَلُّقِ بِبَيْتِ الْمَالِ فَقَالَ (كَأَخْذِهِ) أَيْ بَيْتِ الْمَالِ أَرْشِ (جِنَايَةً عَلَيْهِ) أَيْ الْمُرْتَدِّ فِي نَفْسِهِ أَوْ طَرَفِهِ إذَا مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ. الشَّيْخُ عَنْ أَصْبَغَ لَيْسَ عَلَى مَنْ قَتَلَ مُرْتَدًّا مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ عَمْدًا قِصَاصُ الشُّبْهَةِ، وَلَا يَبْطُلُ دَمُهُ وَالْعَمْدُ فِيهِ كَالْخَطَأِ وَدِيَتُهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلَوْ جَرَحَهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ قَبْلَ رِدَّتِهِ فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَعَقْلُهُ لِلْمُسْلِمِينَ
(وَ) يَحْجُرُ الْإِمَامُ عَلَى الْمُرْتَدِّ بِمُجَرَّدِ رِدَّتِهِ وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَالِهِ وَيَمْنَعُهُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ وَيُطْعِمُ مِنْهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ زَمَنَ اسْتِتَابَتِهِ، وَلَا يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى زَوْجَتِهِ وَلَا عَلَى أَوْلَادِهِ زَمَنَهَا لِعُسْرِهِ بِهَا، فَإِنْ مَاتَ عَلَى رِدَّتِهِ فَفَيْءٌ وَ (إنْ تَابَ) الْمُرْتَدُّ بِرُجُوعِهِ لِلْإِسْلَامِ (فَمَالُهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ الْمَوْقُوفِ (لَهُ) أَيْ الْمُرْتَدِّ عَلَى الْمَشْهُورِ فَيُخْلَى بَيْنَهُمَا، وَيُمَكَّنُ مِنْ تَصَرُّفِهِ فِيهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ ارْتِدَادِهِ.
ابْنُ عَرَفَةَ الشَّيْخُ فِي كِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ ابْنِ الْقَاسِمِ يُوقِفُ الْإِمَامُ مَالَهُ، أَيْ الْمُرْتَدِّ قَبْلَ قَتْلِهِ، وَالْمَعْرُوفُ إنْ تَابَ الْمُرْتَدُّ رَجَعَ إلَيْهِ مَالُهُ. وَرَوَى ابْنُ شَعْبَانَ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ وَهُوَ فَيْءٌ لِبَيْتِ الْمَالِ. ابْنُ شَاسٍ وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ قُلْت وَعَزَاهُ اللَّخْمِيُّ فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ لِرِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ، وَفِي رُجُوعِ أُمَّهَاتِ أَوْلَادِهِ إلَيْهِ بِاسْتِلَامِهِ وَلُزُومِ عِتْقِهِنَّ عَلَيْهِ نَقَلَ الشَّيْخُ عَنْ مُحَمَّدٍ قَوْلَيْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ مَعَ ابْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ أَوْ لِأَرْبَابِ دُيُونِهِ، وَفَائِدَةُ الْإِيقَافِ عَلَى أَنَّهُ فَيْءٌ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِ إنْ تَابَ احْتِمَالُ ظُهُورِ دَيْنٍ عَلَيْهِ فَيُوَفَّى مِنْهُ وَتَوَهُّمُهُ أَنَّهُ وَقْفٌ لَهُ فَيَعُودُ لِلْإِسْلَامِ.
(وَ) إنْ جَنَى الْمُرْتَدُّ عَلَى غَيْرِهِ عَمْدًا أَوْ خَطَأً ثُمَّ رَجَعَ لِلْإِسْلَامِ (قُدِّرَ) بِضَمٍّ فَكَسْرٍ مُثَقَّلًا (كَالْمُسْلِمِ فِيهِمَا) أَيْ الْجِنَايَةِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ. ابْنُ الْحَاجِبِ إنْ تَابَ قُدِّرَ جَانِيًا مُسْلِمًا فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ. وَقِيلَ قُدِّرَ جَانِيًا مِمَّنْ ارْتَدَّ إلَيْهِمْ. فِي التَّوْضِيحِ الْقَوْلَانِ لِابْنِ الْقَاسِمِ بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ النَّظَرِ فِي الْجِنَايَةِ يَوْمَ الْحُكْمِ أَوْ يَوْمَ وُقُوعِهَا، وَالْقِيَاسُ عِنْدَهُ اعْتِبَارُ يَوْمِ الْجِنَايَةِ، زَادَ فِي الْبَيَانِ ثَالِثًا بِاعْتِبَارِ الْعَقْلِ يَوْمَ الْحُكْمِ وَالْقَوَدِ يَوْمَ الْفِعْلِ، فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ عَلَى حُرٍّ مُسْلِمٍ عَمْدًا فَفِيهَا الْقَوَدُ، وَإِنْ جَنَى عَلَيْهِ خَطَأً. فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وَإِنْ جَنَى عَلَى ذِمِّيٍّ
следующие страницы →