Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.
стр. 1401
الْوَاحِدِ مِنْ كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ وَحَبَّةٍ بِحَبَّتَيْنِ، وَعَنْهُ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
السَّلَامُ «لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا وَمُوَكِلَهُ وَكَاتِبَهُ وَشَاهِدَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنَجَّا: إِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ، وَالصَّرْفُ بَيْعُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ بِالْآخَرِ.
قِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِصَرِيفِهَا، وَهُوَ تَصْوِيتُهَا فِي الْمِيزَانِ.
وَقِيلَ: لِانْصِرَافِهِمَا عَنْ مُقْتَضَى الْبِيَاعَاتِ فِي عَدَمِ جَوَازِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ وَنَحْوِهِ.
[أَنْوَاعُ الرِّبَا]
(وَهُوَ نَوْعَانِ رِبَا الْفَضْلِ وَرِبَا النَّسِيئَةِ) وَكِلَاهُمَا مُحَرَّمٌ، إِنْ قِيلَ: الْآيَةُ لَا إِجْمَالَ فِيهَا؛ إِذِ الْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى تَحْرِيمِ رِبَا النَّسِيئَةِ وَعَامَّتِهِمْ كَذَلِكَ فِي رِبَا الْفَضْلِ، لَكِنْ وَقَعَ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَابْنِ عَبَّاسٍ.
وَعَنْهُ: اشْتُهِرَ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ «لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ» وَعُورِضَ الْقَائِلُ بِهِ وَرَجَعَ إِلَى قَوْلِ الْجَمَاعَةِ فَصَارَ إِجْمَاعًا، لَكِنِ اخْتَلَفَ فِي رُجُوعِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعَ أَنَّ حَدِيثَ أُسَامَةَ لَا يُقَاوِمُ مَا وَرَدَ مِنَ الْأَدِلَّةِ لِصَرَاحَتِهَا، لِأَنَّهَا تَدُلُّ بِالْمَنْطُوقِ، وَتَحْمِلُ عَلَى أَنَّهُ وَقَعَ جَوَابًا بِالسُّؤَالِ عَلَى الْجِنْسَيْنِ، أَوْ مُطْلَقًا.
فَقَالَ: لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ؛ أَيِ: الْمَسْؤُولُ عَنْهُ، وَهُوَ الْجِنْسَانِ، أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ نَفِيُ الْأَغْلَظِ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ بِتَحْرِيمِهِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَقُولُ لِلْغَرِيمِ إِذَا حَلَّ الدَّيْنُ: إِمَّا أَنْ تَقْضِيَ، وَإِمَّا أَنْ تُرْبِيَ الدَّيْنَ؛ أَيْ: تَزِيدَ، وَهُوَ الَّذِي نَسَخَهُ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ عَرَفَةَ.
وَقَالَ: «أَلَا كُلُّ رِبًا مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ رِبًا أَضَعُهُ رِبَا عَبَّاسٍ» وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: إِنَّمَا الْمَالُ الْإِبِلُ، وَإِنَّمَا الشُّجَاعُ عَلِيٌّ.
[رِبَا الْفَضْلِ]
(فَأَمَّا رِبَا الْفَضْلِ فَيَحْرُمُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنْ كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ، وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا كَتَمْرَةٍ بِتَمْرَتَيْنِ وَحَبَّةٍ بِحَبَّتَيْنِ) لِمَا رَوَى عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ
стр. 1402
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا نَحْوَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَأَجْمَعُوا عَلَى جَرَيَانِ الرِّبَا فِي الْأَعْيَانِ السِّتَّةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا: هَلْ هُوَ لِمَعْنًى فِيهَا، أَوْ لِأَعْيَانِهَا؟ وَهَلْ عُرِفَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَمْ لَا؟
فَعَنِ ابْنِ عَقِيلٍ أَنَّهُ تَرَدَّدَ فِي الْمَعْنَى، وَلَمْ يُعَدِّهَا إلى غير السِّتَّةَ لِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ عِنْدَهُ فِي الْمَعْنَى.
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى مَعْرِفَةِ الْعِلَّةِ وَتَعَدِّيهَا إلى غير السِّتَّةَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا، وَالْأَشْهَرُ عَنْ إِمَامِنَا وَمُخْتَارِ عَامَّةِ الْأَصْحَابِ أَنَّ عِلَّةَ الرِّبَا فِي النَّقْدَيْنِ كَوْنُهُ مَوْزُونَ جِنْسٍ، وَفِي الْأَعْيَانِ الْبَاقِيَةِ كَوْنُهُ مَكِيلَ جِنْسٍ، فَعَلَيْهِ يَجْرِي الرِّبَا فِي كُلِّ مَكِيلٍ أَوْ مَوْزُونٍ بِجِنْسِهِ مَطْعُومًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ كَالْحُبُوبِ وَالْأُشْنَانِ وَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ وَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ؛ لِأَنَّ الْكَيْلَ وَالْوَزْنَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا صُورَةً، وَالْجِنْسَ يُسَوِّي بَيْنَهُمَا مَعْنًى فَكَانَا عِلَّةً، وَلَا يَجْرِي فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ كَالْمَعْدُودَاتِ، فَعَلَى هَذَا تُبَاعُ بَيْضَةٌ وَخِيَارَةٌ وَبِطِّيخَةٌ وَرُمَّانَةٌ بِمِثْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَكِيلًا، وَلَا مَوْزُونًا، لَكِنْ نَقَلَ مُهَنَّا أَنَّهُ كَرِهَ بَيْعَ بَيْضَةٍ بِبَيْضَتَيْنِ.
وَقَالَ لَا يَصْلُحُ إِلَّا وَزْنًا بِوَزْنٍ؛ لِأَنَّهُ طَعَامٌ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يَجُوزُ إِسْلَامُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ فِي الْمَوْزُونِ وَبِهِ أُبْطِلَتِ الْعِلَّةُ؛ لِأَنَّ كُلَّ شَيْئَيْنِ شَمَلَهُمَا إِحْدَى عِلَّتَيْ رِبَا الْفَضْلِ يَحْرُمُ النَّسَاءُ فِيهِمَا وَلِهَذَا جَزَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، وَلَوْ سَلَّمَ فَلِلْحَاجَةِ.
وَأَجَابَ الْقَاضِي بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمَنْعُ، وَإِنَّمَا جَازَ لِلْمَشَقَّةِ، وَلَهَا تَأْثِيرٌ لِاخْتِلَافِ
стр. 1403
لَا يَحْرُمُ إِلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَكُلِّ مَطْعُومٍ، وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَعَانِيهَا؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا ثَمَنٌ، وَالْآخَرَ مُثَمَّنٌ وَلِلتَّسَامُحِ بِهَذَا دُونَ ذَاكَ، فَحَصَلَا فِي حُكْمِ الْجِنْسَيْنِ قَوْلُهُ: مِنْ كُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ أَيْ: مَا كَانَ مِنْ جِنْسِهِ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا، وَإِنْ لَمْ يتأت فِيهِ ذَلِكَ كَالْحَبَّةِ بِالْحَبَّتَيْنِ، وَالْحَفْنَةِ بِالْحَفْنَتَيْنِ، أَوْ لِكَثْرَتِهِ كَالزُّبْرَةِ الْعَظِيمَةِ وَهَلْ يَعُمُّ كَمَعْمُولٍ مِنَ الْمَوْزُونِ بِأَصْلِهِ، أَوْ بِحَالِهِ بَعْدَ الْعَمَلِ؛ فَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فَلْسٌ بِفَلْسَيْنِ، وَلَا سِكِّينٌ بِسِكِّينَيْنِ، وَلَا إِبْرَةٌ بِإِبْرَتَيْنِ مُعَلِّلًا بِأَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ الْوَزْنُ، وَنَصَّ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يُبَاعُ ثَوْبٌ بِثَوْبَيْنِ، وَكِسَاءٌ بِكِسَاءَيْنِ، فَنَقَلَ فِي " الْمُجَرَّدِ " حُكْمَ كُلٍّ إِلَى الْأُخْرَى، فَجَعَلَ فِيهِمَا جَمِيعًا رِوَايَتَيْنِ.
اخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ الْمَنْعَ اعْتِبَارًا بِأَصْلِهِ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ الْجَوَازَ نَظَرًا لِلْحَالِ، وَظَاهِرُ التَّعْلِيقِ وَالْجَامِعِ حَمْلُ النَّصِّ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ.
(وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ إِلَّا فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَكُلِّ مَطْعُومٍ) لِلْآدَمِيِّ نَقَلَهَا جَمَاعَةٌ لِمَا رَوَى يَعْلَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَعَلَيْهَا وَعَلَى الثَّالِثَةِ الْعِلَّةُ فِي النَّقْدَيْنِ الثَّمَنِيَّةُ، وَفِي غَيْرِهِمَا كَوْنُهُ مَطْعُومَ جِنْسٍ فَيَخْتَصُّ بِالْمَطْعُومَاتِ؛ لِأَنَّ الطُّعْمَ وَصْفُ شَرَفٍ، إِذْ بِهِ قِوَامُ الْأَبْدَانِ، وَالثَّمَنِيَّةَ وَصْفُ شَرَفٍ، إِذْ بِهِ قِوَامُ الْأَمْوَالِ فَاقْتَضَى التَّعْلِيلُ ذَلِكَ، إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعِلَّةُ الْوَزْنَ لَمَا جَازَ إِسْلَامُهَا فِي الْمَوْزُونَاتِ فَعَلَيْهَا يَجْرِي فِي كُلِّ مَطْعُومٍ قُوتًا كَانَ، أَوْ أُدْمًا، أَوْ فَاكِهَةً، أَوْ دَوَاءً وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمَاءُ عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ لَا يَجْرِي فِيهِ لِإِبَاحَتِهِ فِي الْأَصْلِ وَبِأَنَّهُ لَا يُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ إِذِ الْعِلَّةُ عِنْدَنَا لَيْسَتْ هِيَ الْمَالِيَّةَ (وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ إِلَّا فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلًا، أَوْ مَوْزُونًا) ، اخْتَارَهَا المؤلف والشيخ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ
стр. 1404
إِلَّا فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسَيَّبِ مَرْفُوعًا «لَا رِبَا إِلَّا فِيمَا كِيلَ، أَوْ وُزِنَ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.
وَقَالَ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ سَعِيدٍ وَمَنْ رَفَعَهُ، فَقَدْ وَهِمَ، وَلِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ فَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ مَحْمُولٌ عَلَى مَا فِيهِ مِعْيَارٌ شَرْعِيٌّ، وَهُوَ الْكَيْلُ، وَالْوَزْنُ، إِذِ الطُّعْمُ بِمُجَرَّدِهِ لَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ بِهِ وَنَهْيُهُ عَنْ بَيْعِ الصَّاعِ بِالصَّاعَيْنِ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَطْعُومِ، لَكِنْ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ: بِأَنَّ الطَّعَامَ بَعْضُ أَفْرَادِ الصَّاعِ، وَيُجَابُ بِمُخَالَفَتِهِ لَهُ فِي الْمَفْهُومِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى اعْتِبَارِ مَفْهُومِ اللَّقَبِ، وَهُوَ مُعْتَبَرٌ عِنْدَنَا، وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ هِيَ الثَّمَنِّيَةُ فِيهِمَا عِلَّةٌ قَاصِرَةٌ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا فِي اخْتِيَارِ الْأَكْثَرِ وَنُقِضَتْ طَرْدًا بِالْفُلُوسِ لِأَنَّهَا أَثْمَانٌ، وَعَكْسًا بِالْحُلِيِّ، وَأُجِيبَ لِعَدَمِ النَّقْدِيَّةِ الْغَالِبَةِ.
قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": يَجِبُ أَنْ يَقُولُوا إِذَا نَفَقَتْ حَتَّى لَا يُتَعَامَلَ إِلَّا بِهَا أنَّ فِيهَا الرِّبَا لِكَوْنِهَا ثَمَنًا غَالِبًا، فَعَلَيْهَا لَا يَجْرِي فِي مَطْعُومٍ لَا يُكَالُ، وَلَا يُوزَنُ كَالرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْأُتْرُجِّ، وَلَا فِي غَيْرِ مَطْعُومٍ كَالْأُشْنَانِ، وَالْحَدِيدِ وَيَجْرِي فِي النَّقْدَيْنِ تِبْرُهُمَا وَمَضْرُوبُهُمَا وَجَيِّدُهُمَا وَرَدِيئُهُمَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ كَيْفَمَا كَانَا.
وَعَنْهُ: لَا يُبَاعُ صِحَاحٌ بِمُكَسَّرَةٍ لِزِيَادَتِهِ بِالصِّنَاعَةِ، وَلَا عَمَلَ عَلَيْهَا لِظَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ.
(وَلَا يُبَاعُ مَا أَصْلُهُ الْكَيْلُ بِشَيْءٍ مِنْ جِنْسِهِ وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلًا) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَهُوَ رِبًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا «الْبُرُّ بِالْبُرِّ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ مُدْيٌ بِمُدْيٍ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ فَمَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» . فَاعْتَبَرَ الشَّارِعُ الْمُسَاوَاةَ فِي الْمَوْزُونَاتِ بِالْوَزْنِ، وَفِي الْمَكِيلَاتِ
стр. 1405
وَزْنًا، وَلَا مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلًا، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا وَوَزْنًا وَجُزَافًا، وَالْجِنْسُ: مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْبُرِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْكَيْلِ، فَمَنْ خَالَفَ ذَلِكَ خَرَجَ عَنِ الْمَشْرُوعِ الْمَأْمُورِ بِهِ، إِذِ الْمُسَاوَاةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِيمَا يَحْرُمُ فِيهِ التَّفَاضُلُ هِيَ الْمُسَاوَاةُ فِي مِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ، وَلِأَنَّهُ مَتَى بَاعَ رِطْلًا مِنَ الْمَكِيلِ بِرِطْلٍ حَصَّلَ فِي الرِّطْلِ الْخَفِيفِ أَكْثَرَ مِمَّا يُحَصِّلُ مِنَ الثَّقِيلِ فَيَخْتَلِفَانِ فِي الْكَيْلِ، وَإِنْ لَمْ يَتَحَقَّقِ التَّفَاضُلُ، إِذِ الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ وَكَمَا لَوْ بَاعَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ جُزَافًا إِلَّا إِذَا عَلِمَ مُسَاوَاتَهُ فِي مِعْيَارِهِ الشَّرْعِيِّ حَالَةَ الْعَقْدِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ صُبْرَةً بِأُخْرَى مِنْ جِنْسِهَا، وَقَدْ عَلِمَا كَيْلَهُمَا، أَوْ تَسَاوِيَهُمَا، صَحَّ لِوُجُودِ التَّمَاثُلِ الْمُشْتَرَطِ، فَلَوْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ بِهَذِهِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، فَكِيلَتَا فَكَانَتْ سَوَاءً صَحَّ، فَإِنْ زَادَتْ إِحْدَاهُمَا: فَرَضِيَ صَاحِبُ النَّاقِصَةِ بِهَا، أَوْ رَضِيَ صَاحِبُ الزَّائِدَةِ بِرَدِّ الْفَضْلِ جَازَ، فَإِنِ امْتَنَعَا فُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
(فَإِنِ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ كَيْلًا وَوَزْنًا وَجُزَافًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» ، وَلِأَنَّهُ يَجُوزُ التَّفَاضُلُ فِيهِ فَجَازَ جُزَافًا كَالْمَكِيلِ بِالْمَوْزُونِ وَنَصُّهُ: لَا، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ وَاحْتَجَّ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ بِنَهْيِهِ ﵇ فِي خَبَرِ جَابِرٍ عَنْ بَيْعِ الصُّبَرِ مِنَ الطَّعَامِ لَا يَدْرِي مَا كَيْلُ هَذَا، وَمَا كَيْلُ هَذَا، أَيْ: مُجَازَفَةً وَقِيَاسًا عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَدِلَّةِ، ثُمَّ هُوَ مَخْصُوصٌ بِالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَحَلُّ النِّزَاعِ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَاسِدٌ لِاشْتِرَاطِ التَّمَاثُلِ فِيهِ بِخِلَافِ الْجِنْسَيْنِ (وَالْجِنْسُ مَا لَهُ اسْمٌ خَاصٌّ يَشْمَلُ أَنْوَاعًا) فَالْجِنْسُ هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَنْوَاعِهَا، وَالنَّوْعُ هُوَ الشَّامِلُ لِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِأَشْخَاصِهَا، وَقَدْ يَكُونُ النَّوْعُ جِنْسًا وَبِالْعَكْسِ، وَالْمُرَادُ هُنَا الْجِنْسُ الْأَخَصُّ، وَالنَّوْعُ الْأَخَصُّ فَكُلُّ نَوْعَيْنِ اجْتَمَعَا فِي اسْمٍ خَاصٍّ فَهُوَ جِنْسٌ، ثُمَّ مَثَّلَهُ.
فَقَالَ: (كَالذَّهَبِ) ، وَأَنْوَاعُهُ: الْمِصْرِيُّ، وَالْأَشْرَفِيُّ (وَالْفِضَّةِ) ، وَأَنْوَاعُهَا: الْكَامِلُ،
стр. 1406
وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ، وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ كَالْأَدِقَّةِ وَالْأَخْبَازِ وَالْأَدْهَانِ وَاللَّحْمِ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ، وَعَنْهُ: جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ، وَعَنْهُ: فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالظَّاهِرِيُّ، (وَالْبُرِّ) ، وَأَنْوَاعُهُ: الْحَوْرَانِيُّ، وَالْبَقَاعِيُّ (وَالشَّعِيرِ) وَأَنْوَاعُهُ: الْعَرَبِيُّ، وَالرُّومِيُّ -.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِلنُّصُوصِ.
وَعَنْهُ: جِنْسٌ وَاحِدٌ لِحَدِيثِ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ مَعَ أَنَّهُ يُنْتَقَضُ عَلَيْهِمَا بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةِ - (وَالتَّمْرِ) وَأَنْوَاعُهُ: الْبَرْنِيُّ، وَالْمَعْقِلِيُّ، (وَالْمِلْحِ) ، وَأَنْوَاعُهُ: الْبَيْرُوتِيُّ، وَالْحَوْرَانِيُّ. قَالَهُ فِي " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ "، وَالْأَبَازِيرُ جِنْسٌ (وَفُرُوعُ الْأَجْنَاسِ أَجْنَاسٌ كَالْأَدِقَّةِ، وَالْأَخْبَازِ، وَالْأَدْهَانِ) ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ فَلَمَّا كَانَتْ أُصُولُ هَذِهِ أَجْنَاسًا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ أَجْنَاسًا إِلْحَاقًا لِلْفُرُوعِ بِأُصُولِهَا، فَعَلَى هَذَا دَقِيقُ الْحِنْطَةِ جِنْسٌ وَدَقِيقُ الذُّرَةِ جِنْسٌ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، وَكَذَا الْبَوَاقِي، وَذَكَرَ فِي " النِّهَايَةِ " تَخْرِيجًا أَنَّ الْأَدْهَانَ الْمَائِعَةَ جِنْسٌ، وَأَنَّ الْفَاكِهَةَ كَتُفَّاحٍ وَسَفَرْجَلٍ جِنْسٌ، وَحُكْمُ الْخُلُولِ كَالْأَدْهَانِ.
وَعَنْهُ: أَنَّ خَلَّ التَّمْرِ وَخَلَّ الْعِنَبِ جِنْسٌ، وَالْأَدْهَانُ إِنِ اخْتَلَفَتْ مَقَاصِدُهُمَا كَدُهْنِ الْوِرْدِ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالزَّنْبَقِ، وَالْيَاسَمِينِ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهَا شَيْرَجٌ، وَإِنَّمَا طُيِّبَتْ بِهَذِهِ الرَّيَاحِينِ فَنُسِبَتْ إِلَيْهَا (وَاللَّحْمُ أَجْنَاسٌ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ) ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهَا فُرُوعُ أُصُولٍ هِيَ أَجْنَاسٌ فَكَانَتْ أَجْنَاسًا كَالْأَخْبَازِ، فَعَلَى هَذَا الضَّأْنُ وَالْمَعَزُ جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَفِي " الْمُغْنِي " احْتِمَالُ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ (وَعَنْهُ: جِنْسٌ وَاحِدٌ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، لِأَنَّهُ يَشْمَلُهُ اسْمٌ وَاحِدٌ فَكَانَ جِنْسًا كَالطَّلْعِ وَيُرَجِّحُهُ نَهْيُهُ ﵇ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ. وَهِيَ كُلُّهَا طَعَامٌ، وَيَنْتَقِضُ بِعَسَلِ النَّحْلِ، وَالْقَصَبِ، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا اتَّفَقَ الْجِنْسُ مَعَ أَنَّ الْقَاضِيَ أَنْكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ أَحْمَدَ
стр. 1407
اللَّحْمِ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ؛ لَحْمِ الْأَنْعَامِ وَلَحْمِ الْوَحْشِ وَلَحْمِ الطَّيْرِ وَلَحْمِ دَوَابِّ الْمَاءِ.
وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ، وَالْكَبِدِ أَجْنَاسٌ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانِ مِنْ جِنْسِهِ، وَفِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَكَذَلِكَ اللَّبَنُ) ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَبَنُ الْبَقَرِ الْأَهْلِيَّةِ، وَالْوَحْشِيَّةِ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا؛ لِأَنَّ اسْمَ الْبَقَرِ شَمَلَهَا، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ لَحْمَهُمَا جِنْسَانِ، فَكَذَا لَبَنُهُمَا (وَعَنْهُ: فِي اللَّحْمِ أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَجْنَاسٍ لَحْمُ الْأَنْعَامِ وَلَحْمُ الْوَحْشِ وَلَحْمُ الطَّيْرِ وَلَحْمُ دَوَابِّ الْمَاءِ) ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ وَحَمَلَ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَيْهِ، وَفِيهِ بُعْدٌ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ لَحْمَ هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ تَخْتَلِفُ الْمَنْفَعَةُ بِهَا، وَالْقَصْدُ إِلَى أَكْلِهَا، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا، وَضَعَّفَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّ كَوْنَهَا أَجْنَاسًا لَا يُوجِبُ حَصْرَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَجْنَاسٍ لَا نَظِيرَ لَهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَجْرِي فِي اللَّبَنِ، وَزَادَ فِي " الْفُرُوعِ " رَابِعَةً بِأَنَّهَا ثَلَاثَةُ أَجْنَاسٍ لَحْمُ أَنْعَامٍ وَطَيْرٍ وَدَوَابِّ الْمَاءِ، لَكِنْ فِي " الْكَافِي " أَنَّ الرِّوَايَاتِ ثلَاث " كَالْمُقْنِعِ ".
ثُمَّ قَالَ: وَفِي الْأَلْبَانِ مِنَ الْقَوْلِ مِثْلُ مَا فِي اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْحَيَوَانَاتِ يَتَّفِقُ اسْمُهَا، أَشْبَهَتِ اللَّحْمَ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْأَلْبَانَ يَجْرِي فِيهَا خِلَافُ اللَّحْمِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ أَظْهَرُ لِاتِّحَادِهَا فِي الْمَعْنَى، وَفِيهِ شَيْءٌ لِامْتِنَاعِهِ فِي بَعْضِهَا.
تَنْبِيهٌ: الدُّهْنُ، وَاللَّبَنُ مَكِيلَانِ.
وَقِيلَ: اللَّبَنُ مَوْزُونٌ، وَفِي جَوَازِ بَيْعِهِ بِاللِّبَأِ وَجْهَانِ، وَخَصَّهُمَا الْقَاضِي بِمَا إِذَا مَسَّتِ النَّارُ أَحَدَهُمَا، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ وَالسَّامَرِّيُّ أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ فَيَجُوزُ بَيْعُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مُتَمَاثِلًا لَا مُتَفَاضِلًا، وَلَا بُدَّ أَنْ تَمَسَّ النَّارُ أَحَدَهُمَا.
(وَاللَّحْمُ، وَالشَّحْمُ، وَالْكَبِدُ) ، وَالْقَلْبُ، وَالْأَلْيَةُ (أَجْنَاسٌ) ؛ لِأَنَّهَا مُخْتَلِفَةٌ فِي الِاسْمِ وَالْخِلْقَةِ، فَكَانَتْ أَجْنَاسًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ بِآخَرَ مُتَفَاضِلًا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالشَّحْمِ مُطْلَقًا إِلَّا أَنْ يَتَمَاثَلَا، وَالْمَذْهَبُ
стр. 1408
بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ، وَلَا بسَوِيقِهِ فِي أَصَحِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ كَالنَّقْدَيْنِ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ لِكَوْنِ اللَّحْمِ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ لَمْ يَصِحَّ لِكَوْنِهِ لَا يَظْهَرُ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ شَيْءٌ مَقْصُودٌ، وَقِيلَ: الشَّحْمُ، وَالْأَلْيَةُ جِنْسٌ وَأُطْلِقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافُ فِيهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: اللَّحْمُ الْأَبْيَضُ - كَسَمِينِ الظَّهْرِ - وَاللَّحْمُ الْأَحْمَرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ عَلَى الْأَشْهَرِ. قَالَهُ الْقَاضِي وَابْنُ الْبَنَّا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ.
وَفِي " الْمُغْنِي " أنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُمَا جِنْسَانِ لِقَوْلِهِ: اللَّحْمُ لَا يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هَذَا شَحْمًا، لَمْ يَخْتَلِطْ لَحْمٌ بِشَحْمٍ، وَفَرَّعَ هُوَ وَصَاحِبُ " الشَّرْحِ " عَلَى قَوْلِهِ: كُلُّ أَبْيَضٍ مِنَ الْحَيَوَانِ يَذُوبُ بِالْإِذَابَةِ وَيَصِيرُ دُهْنًا جِنْسٌ وَاحِدٌ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦] فَاسْتَثْنَى مَا حَمَلَتِ الظُّهُورُ مِنَ الشَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ يُشْبِهُهُ فِي لَوْنِهِ وَذَوْبِهِ وَمَقْصِدِهِ فَكَانَ شَحْمًا كَالَّذِي فِي الْبَطْنِ وَهَلْ لَحْمُ رَأْسٍ جِنْسٌ بِرَأْسِهِ كَالطِّحَالِ، أَوْ نَوْعٌ مِنْ لَحْمِ جِنْسِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
[بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جَنْسِهِ]
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (بَيْعُ لَحْمٍ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» .
قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ، وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ زُهَيْرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، لَكِنْ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: ثَابِتٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَعَنْ سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيِّ بِالْمَيِّتِ» . ذَكَرَهُ أَحْمَدُ وَاحْتَجَّ بِهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ رِبَوِيٌّ بِيعَ بِمَا فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ مَعَ جَهَالَةِ الْمِقْدَارِ كَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ.
стр. 1409
الرِّوَايَتَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ، وَلَا أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ وَلَا خَالَصِهِ بِمَشُوبِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِالْحَيَوَانِ اللَّحْمَ (وَفِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ والأكثر لظاهر مَا سَبَقَ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ: أَعْطُونِي جُزْءًا بِهَذَا الْعَنَاقِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصْلُحُ هَذَا. رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ، وَالثَّانِي: الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ مَالٌ رِبَوِيٌّ بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ، وَلَا جِنْسِهِ فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ وَبَنَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْخِلَافِ فِي اللَّحْمِ هَلْ هُوَ جِنْسٌ، أَوْ أَجْنَاسٌ، وَعَلَى الْجَوَازِ يَحْرُمُ بَيْعُهُ نَسِيئَةً عَنْ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي مَأْكُولِ اللَّحْمِ كَلَحْمِ بَقَرٍ بِإِبِلٍ فَأَمَّا غَيْرُهُ.
فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا رِوَايَةَ فِيهِ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ، صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ.
وَالْمَنْعُ أَوْرَدَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " التَّذْكِرَةِ " مَذْهَبًا، وَهُوَ احْتِمَالٌ فِي " الْفُصُولِ "، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُ كَقَوْلِ الْأَكْثَرِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ حَبٍّ بِدَقِيقِهِ، وَلَا بِسَوِيقِهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَكِيلٌ وَيُشْتَرَطُ فِي بَيْعِ الْمَكِيلِ بِجِنْسِهِ التَّسَاوِي، وَهُوَ مُتَعَذِّرٌ هُنَا؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْحَبِّ تَنْتَشِرُ بِالطَّحْنِ، وَالنَّارَ قَدْ أَخَذَتْ مِنَ السَّوِيقِ.
وَالثَّانِيَةُ: الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ الدَّقِيقَ نَفْسُ الْحَبِّ، وَإِنَّمَا تَكَسَّرَتْ أَجْزَاؤُهُ فَجَازَ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ كَالْحَبِّ الْمُكَسَّرِ بِالصِّحَاحِ فَعَلَيْهِ تعتبر الْمُسَاوَاةُ وَزْنًا، إِذِ التَّسَاوِي لَا يَحْصُلُ بِالْكَيْلِ وَعَلَّلَ أَحْمَدُ الْمَنْعَ، فَإِنَّ أَصْلَهُ كَيْلٌ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَيُتَوَجَّهُ مِنْهُ بَيْعُ مَكِيلٍ وَزْنًا وَمَوْزُونٍ كَيْلًا، اخْتَارَهُ شَيْخُنَا، وَعَلَى الْمَنْعِ مَا إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ، فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِهِ جَازَ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ بَيْنَهُمَا.
стр. 1410
وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ وَمَطْبُوخِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ بَيْعُ سَوِيقِ الشَّعِيرِ بِالْبُرِّ فِي رِوَايَةٍ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُمَا جِنْسٌ وَاحِدٌ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ نِيئِهِ بِمَطْبُوخِهِ) كَالْحِنْطَةِ بِالْهَرِيسَةِ، أَوِ الْخُبْزِ وَالنَّشَاءِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَ الْمَطْبُوخِ وَتَنْفُخُهَا، فَلَا يَحْصُلُ التَّسَاوِي.
فَرْعٌ: فَرْعُ الْحِنْطَةِ إِذَا جَمَعَ غَيْرَهُ كَالْهَرِيسَةِ، وَالْحَرِيرَةِ، وَالْفَالُوذَجِ، وَالسَّنَبُوسَكُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ، وَلَا نَوْعٍ بِنَوْعٍ آخَرَ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا يَشْتَمِلُ عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَهُوَ مَقْصُودٌ كَاللَّحْمِ فِي الْهَرِيسَةِ، وَالْعَسَلِ فِي الْفَالُوذَجِ، وَالْمَاءِ وَالدُّهْنِ فِي الْحَرِيرَةِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الْمُمَاثَلَةُ فَأَمَّا بَيْعُ الْحِنْطَةِ، وَمَا صُنِعَ مِنْهَا بِغَيْرِهَا مِنَ الْحُبُوبِ فَجَائِزٌ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْمُمَاثَلَةِ فِيهِمَا (وَلَا أَصْلِهِ بِعَصِيرِهِ) كَزَيْتُونٍ بِزَيْتٍ - وَفِيهِ نَقَلَ مُهَنَّا يُكْرَهُ - وَسِمْسِمٍ بِشَيْرَجٍ وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ بِأُصُولِهَا وَالْعَصِيرِ بِأَصْلِهِ كَعَصِيرِ الْعِنَبِ، وَالرُّمَّانِ بِهِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ (وَلَا خَالَصِهِ بِمَشُوبِهِ) كَحِنْطَةٍ فِيهَا شَعِيرٌ بِخَالِصَةٍ، أَوْ لَبَنٍ مَشُوبٍ بِخَالِصٍ لِانْتِفَاءِ التَّسَاوِي الْمُشْتَرَطِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْخَلْطُ يَسِيرًا كَحَبَّاتٍ وَيَسِيرِ التُّرَابِ، فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ، وَكَذَا بَيْعُ اللَّبَنِ بِالْكَشْكِ، وَيَتَخَرَّجُ الْجَوَازُ إِذَا كَانَ اللَّبَنُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي فِي الْكَشْكِ بِنَاءً عَلَى مُدِّ عَجْوَةٍ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَشُوبِ بِالْمَشُوبِ كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ (وَلَا رَطْبِهِ بِيَابِسِهِ) كَبَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَالْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ قَالَ: أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ؟ قَالُوا: نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ» . رَوَاهُ مَالِكٌ، وَأَبُو دَاوُدَ.
وَفِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ قَالَ: «فَلَا إِذَنْ» . نَهَى وَعَلَّلَ بِالنُّقْصَانِ إِذَا يَبِسَ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ رَطْبٍ بِيعَ بِيَابِسِهِ، وَلِأَنَّهُ جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ عَلَى وَجْهٍ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ، فَلَمْ يَجُزْ كَبَيْعِ الْمَقْلِيَّةِ بِالنِّيئَةِ، وَلَا يَلْزَمُ بَيْعُ الْجَدِيدِ بِالْعَتِيقِ، لِأَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، لَكِنْ.
стр. 1411
بِمَطْبُوخِهِ وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّشَافِ وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَكَلَّمَ بَعْضُ النَّاسِ فِي إِسْنَادِ حَدِيثِ سَعْدٍ، فَإِنَّ فِيهِ أَبَا عَيَّاشَ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ مَالِكًا ذَكَرَهُ فِي مُوَطَّئِهِ، وَهُوَ لَا يَرْوِي عَنْ مَتْرُوكِ الْحَدِيثِ.
(وَيَجُوزُ بَيْعُ دَقِيقِهِ بِدَقِيقِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّعُومَةِ) لِتُسَاوِيهِمَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنُّقْصَانِ فِي ثَانِيهِ أَشْبَهَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَقَدَّمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " خِلَافَهُ؛ لِأَنَّهُ يُعْتَبَرُ تَسَاوِيهِمَا حَالَةَ الْكَمَالِ، وَقَدْ فَاتَ ذَلِكَ بِالطَّحْنِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يُبَاعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَيْلًا؛ لِأَنَّ الْحِنْطَةَ مَكِيلَةٌ.
وَذَكَرَ الْقَاضِي وَزْنًا لِأَنَّهُ أَضْبَطُ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ سَلَّمَهُ فِي السَّوِيقِ، وَالدَّقِيقُ مِثْلُهُ، وَشَرْطُهُ التَّسَاوِي فِي النُّعُومَةِ؛ لِأَنَّهُمَا إِذَا تَفَاوَتَا فِيهَا فِي الْحَالِ تَفَاوَتَا فِي ثَانِيهِ فَيَصِيرُ كَبَيْعِ الْحَبِّ بِالدَّقِيقِ (وَمَطْبُوخِهِ بِمَطْبُوخِهِ) كَاللِّبَأِ، وَالْجُبْنِ، وَالْأَقِطِ، وَالسَّمْنِ بِمِثْلِهِ مُتَسَاوِيًا.
وَقِيلَ: إِنِ اسْتَوَيَا فِي عَمَلِ النَّارِ فَأَمَّا الْأَقِطُ بِالْأَقِطِ فَيُعْتَبَرُ تَسَاوِيهمَا بِالْكَيْلِ، وَالْجُبْنِ وَنَحْوِهِ بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، وَفِيهِ احْتِمَالُ يُبَاعُ السَّمْنُ بِالْكَيْلِ كَالشَّيْرَجِ (وَخُبْزِهِ بِخُبْزِهِ إِذَا اسْتَوَيَا فِي النُّشَافِ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ رُطُوبَةً مِنَ الْآخَرِ لَا يَحْصُلُ التَّسَاوِي الْمُشْتَرَطُ، وَالِاسْتِوَاءُ فِي النُّشَافِ رَاجِعٌ إِلَى الْمَطْبُوخِ، وَالْخَبْزُ إِذَا بِيعَ بِمِثْلِهِ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحَيْنِ "، فَعَلَى هَذَا يُعْتَبَرُ التَّسَاوِي في الخبز وَزْنًا كَالنَّشَاءِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ عَادَةً، وَلَا يُمْكِنُ كَيْلُهُ، لَكِنْ إِنْ يَبِسَ وَدُقَّ وَصَارَ فَتِيتًا بِيعَ بِمِثْلِهِ كَيْلًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ كَيْلُهُ فَرُدَّ إِلَى أَصْلِهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: فِيهِ وَجْهٌ يُبَاعُ بِالْوَزْنِ؛ لِأَنَّهُ انْتَقَلَ إِلَيْهِ (وَعَصِيرِهِ بِعَصِيرِهِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ وَيُعْتَبَرُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ عَادَةً، فَلَوْ بِيعَ بِغَيْرِ جِنْسِهِ جَازَ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، فَلَوْ بَاعَ عَصِيرَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثُفْلِهِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنَ الْمُسْتَخْرَجِ كَشَيْرَجٍ بِكُسْبٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يَجُزْ إِلَّا عَلَى مَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ جَازَ مُطْلَقًا (وَرَطْبِهِ بِرَطْبِهِ) كَالرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ بِمِثْلِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ.
стр. 1412
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ ، وَهِيَ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ، وَفِي بَيْعِهِ بِغَيْرِ جِنْسِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: الْمَنْعُ حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ شِهَابٍ، وَأَبُو حَفْصٍ وَحَمَلَ عَلَيْهِ كَلَامَ الْخِرَقِيِّ لِنَصِّهِ عَلَيْهِ فِي اللَّحْمِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ عَلَّلَ فِي بَيْعِ الرُّطَبِ بِالْيَابِسِ بِالنَّقْصِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي الرَّطْبَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَنْقُصَانِ، إِذِ الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي هُنَا كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ بِالطَّعَامِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالرَّطْبَانِ قَدِ اسْتَوَيَا فِي الْمِثْلِيَّةِ، فَدَخَلَا فِي عُمُومِ الْمُسْتَثْنَى، وَلِأَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي الْحَالِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ، أَشْبَهَ اللَّبَنَ بِمِثْلِهِ، وَخَرَجَ مِنْهُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ، وَظَاهَرَهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ التَّسَاوِي فِي الْحَالِ، وَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ بِهِ فِي ثَانِي الْحَالِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: يُشْتَرَطُ حَالًّا وَمَآلًا وَيُسْتَثْنَى عَلَيْهَا بَيْعُ رُطَبٍ لَا يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ، أَوْ عِنَبٌ لَا يَجِيءُ مِنْهُ زَبِيبٌ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمِثْلِهِ قَبْلَ جَفَافِهِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ كَمَالَ ذَلِكَ فِي حَالِ رُطُوبَتِهِ، وَفَسَادَهُ فِي حَالِ جَفَافِهِ. قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ رَطْبًا، وَنَصَّ عَلَيْهِ، وَمَنَعَ مِنْهُ الْخِرَقِيُّ رَطْبًا، اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ وَيُعْتَبَرُ نَزْعُ عَظْمِهِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " لِيَتَحَقَّقَ الْمُسَاوَاةُ وَكَتَصْفِيَةِ الْعَسَلِ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ خِلَافَهُ.
وَقَالَ: هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّ الْعَظْمَ تَابِعٌ لِلَّحْمِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، أَشْبَهَ النَّوَى فِي التَّمْرِ، بِخِلَافِ الشَّمْعِ فِي الْعَسَلِ؛ لِأَنَّهُ مَنْ فِعْلِ النَّحْلِ لَا مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَعَلَّلَ فِي " الْفُرُوعِ " بِأَنْ قَالَ: الشَّمْعُ مَقْصُودٌ، وَإِلَّا فَمُدُّ عَجْوَةٍ، وَالنَّوَى فِي التَّمْرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَهُوَ كَخُبْزٍ بِخُبْزٍ، وَخَلٍّ بِخَلٍّ، وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِلْحٌ وَمَاءٌ.
[بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ]
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَاقَلَةِ) لِقَوْلِ أَنَسٍ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَالْفَسَادَ (وَهِيَ بَيْعُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِجِنْسِهِ) ؛ لِأَنَّ
стр. 1413
وَجْهَانِ، وَلَا الْمُزَابَنَةِ، وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ.
إِلَّا فِي الْعَرَايَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَبَّ إِذَا بِيعَ بِجِنْسِهِ لَا يُعْلَمُ مِقْدَارُهُ بِالْكَيْلِ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، وَقَيَّدَ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ الْحَبَّ بِالْمُشْتَدِّ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِهِ آخَرُونَ، وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ: الْمُحَاقَلَةُ: الْمُفَاعَلَةُ مِنَ الْحَقْلِ، وَهُوَ الزَّرْعُ إِذَا تَشَعَّبَ قَبْلَ أَنْ يَغْلُظَ سُوقُهُ (وَفِي بَيْعِهِ) بِمَكِيلٍ (بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لَا يَجُوزُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَلِأَنَّ بَيْعَ زَرْعِ الْحِنْطَةِ بِهَا إِنَّمَا سُمِّيَ مُحَاقَلَةً لِكَوْنِهِ فِي الْحَقْلِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي غَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ يُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْأَزْهَرِيِّ: الْحَقْلُ الْقَرَاحُ الْمَزْرُوعُ.
وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لِخَوْفِ التَّفَاضُلِ الْمُحَرَّمِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ فِي الْجِنْسَيْنِ (وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الْمُزَابَنَةِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْمُزَابَنَةِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ الزَّبْنِ، وَهُوَ الدَّفْعُ كَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مَنْهُمَا يَزْبِنُ صَاحِبَهُ عَنْ حَقِّهِ بِمَا يَزْدَادُ مِنْهُ (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ) ، وَقَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ» ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ ثَمَرِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ هِيَ وَالزَّبْنُ بَيْعُ مَعْلُومٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ بَيْعُ مَجْهُولٍ بِمَجْهُولٍ مِنْ جِنْسِهِ، إِذِ الزَّبْنُ فِي اللُّغَةِ الدَّفْعُ الشَّدِيدُ، وَمِنْهُ وُصِفَتِ الْحَرْبُ بِالزَّبُونِ لِشِدَّةِ الدَّفْعِ فِيهَا، وَمِنْهُ سُمِّيَ الشُّرَطِيُّ زَبِينًا؛ لِأَنَّهُ يَدْفَعُ النَّاسَ بِشِدَّةٍ، وَعُنْفٍ.
[جَوَازُ بَيْعِ الْعَرَايَا]
(إِلَّا فِي الْعَرَايَا) ، فَإِنَّهَا جَائِزَةٌ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا» ، وَكَذَا رَوَاهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَسَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِنَّ، وَالْقِيَاسُ لَا يَعْمَلُ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالرُّخْصَةُ اسْتِبَاحَةُ الْمَحْظُورِ مَعَ قِيَامِ السَّبَبِ الْحَاضِرِ، وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا لُغَةً.
стр. 1414
وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ خَرْصًا بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ كَيْلًا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَقِيلَ: هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْعَطِيَّةِ خُصَّتْ بِاسْمٍ لَا بَيْعٍ.
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْعَرِيَّةُ النَّخْلَةُ يُعْرِيهَا رَجُلًا مُحْتَاجًا فَيَجْعَلُ ثَمَرَهَا لَهُ عَامًا. فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ.
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هِيَ اسْمٌ لِكُلِّ مَا أُفْرِدَ عَنْ جُمْلَةٍ سَوَاءٌ كَانَ لِلْهِبَةِ، أَوْ لِلْبَيْعِ، أَوْ لِلْأَكْلِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ؛ لِأَنَّهَا مَعْرِيَّةٌ مِنَ الْبَيْعِ الْمُحَرَّمِ أَيْ: مُخْرَجَةٌ مِنْهُ (وَهِيَ بَيْعُ الرُّطَبِ فِي رُؤوسِ النَّخْلِ) فَلَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ لَمْ يَجُزِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ، وَالرُّخْصَةُ وَرَدَتْ فِي بَيْعِهِ عَلَى أُصُولِهِ لِحُكْمِ الْأَخْذِ شَيْئًا فَشَيْئًا لِحَاجَةِ التَّفَكُّهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ: «قُلْتُ لِزَيْدٍ مَا عَرَايَاكُمْ هَذِهِ؛ فَسَمَّى رِجَالًا مُحْتَاجِينَ مِنَ الْأَنْصَارِ شَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الرُّطَبَ يَأْتِي، وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ يَبْتَاعُونَ بِهِ رُطَبًا، وَعِنْدَهُمْ فُضُولٌ مِنَ التَّمْرِ فَرَخَّصَ لَهُمْ أَنْ يَبْتَاعُوا الْعَرَايَا بِخَرْصِهَا مِنَ التَّمْرِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ يَأْكُلُونَهُ رُطَبًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (خَرْصًا) لَا أَقَلَّ، وَلَا أَكْثَرَ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَقَامَ الْخَرْصَ مَقَامَ الْكَيْلِ، فَلَا يُعْدَلُ عَنْهُ، كَمَا لَا يُعْدَلُ عَنِ الْكَيْلِ فِيمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْكَيْلُ (بِمِثْلِهِ مِنَ التَّمْرِ) ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِخَرْصِهَا رُطَبًا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ التَّمْرِ مِثْلَ مَا حَصَلَ بِهِ الْخَرْصُ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدٍ «أَنَّهُ أَذِنَ لِأَهْلِ الْعَرَايَا أَنْ يَبِيعُوهَا بِمِثْلِ خَرْصِهَا» (كَيْلًا) أَيْ: يَكُونُ التَّمْرُ الْمُشْتَرَى بِهِ كَيْلًا لَا جُزَافًا لِقَوْلِهِ ﵇: إِنَّهُ رُخِّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا كَيْلًا، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْكَيْلِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ سَقَطَ فِي أَحَدِهِمَا، وَأُقِيمَ الْخَرْصُ مَقَامَهُ لِلْحَاجَةِ فَيَبْقَى الْآخَرُ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ (فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي الْعَرَايَا أَنْ تُبَاعَ بِخَرْصِهَا فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، شَكَّ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ أَحَدُ رُوَاتِهِ، وَهَذَا يَخُصُّ مَا سَبَقَ مِنَ الْأَخْبَارِ، فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ فِي الْخَمْسَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِوُقُوعِ الشَّكِّ فِيهَا.
وَعَنْهُ: بَلَى نَظَرًا لِعُمُومِ أَحَادِيثِ الرُّخْصَةِ، وَأَمَّا مَا زَادَ عَلَيْهَا فَالْمَعْرُوفُ الْمَجْزُومُ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً (لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ) ؛
стр. 1415
أَوْسُقٍ لِمَنْ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ وَيُعْطِيهِ مِنَ التَّمْرِ مِثْلَ مَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ مَا أُبِيحُ لِلْحَاجَةِ لَمْ يُبَحْ مَعَ عَدَمِهَا كَالزَّكَاةِ لِلْمَسَاكِينِ، وَالرُّخَصِ فِي السَّفَرِ (وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ) أَيْ: مَعَ الْمُشْتَرِي.
لِقَوْلِهِ: وَلَا نَقْدَ بِأَيْدِيهِمْ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ حَاجَةُ الْبَائِعِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أَكْلِ التَّمْرِ، وَلَا ثَمَنَ مَعَهُ إِلَّا الرُّطَبُ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَجْدُ بِجَوَازِهِ، وَهُوَ بِطْرِيقِ التَّنْبِيهِ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مُخَالَفَةُ الْأَصْلِ لِحَاجَةِ التَّفَكُّهِ فَلِحَاجَةِ الِاقْتِيَاتِ أَوْلَى؛ إِذِ الْقِيَاسُ عَلَى الرُّخْصَةِ جَائِزٌ إِذَا فُهِمَتِ الْعِلَّةُ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: مِنْ صُوَرِ الْحَاجَةِ مَا قَالَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " الْوَجِيزِ ": إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْأَوْسُقُ إِذَا كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْوَاهِبَ، فَإِنْ شَقَّ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَخُرُوجُهُ فِي بُسْتَانِهِ، أَوْ كَرِهَ الْمَوْهُوبُ لَهُ دُخُولَ بُسْتَانِ غَيْرِهِ، وَهَذَا غَرِيبٌ.
وَنَقَلَ الْمُؤَلِّفُ عَنِ الْقَاضِي، وَأَبِي بَكْرٍ اشْتِرَاطَ الْحَاجَةِ مِنَ الْبَائِعِ، وَالْمُشْتَرِي، وَالَّذِي قَالَهُ فِي التَّنْبِيهِ أنَّهُ يكْتَفي بِالْحَاجَةِ مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، وَالْقَوْلُ بِاشْتِرَاطِهَا مِنَ الْجَانِبَيْنِ قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ بَاعَ عَرِيَّتَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ فِيهِمَا أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، فَإِنْ شَرَطْنَا الْحَاجَةَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ لَمْ يَجُزْ، وَمَنِ اكْتَفَى بِهَا مِنْ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ أَلْغَى جَانِبَ الْبَائِعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ إِلَّا الْمُشْتَرِيَ فَيَجُوزُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ خَمْسِينَ وَسْقًا فِي عُقُودٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِشَرْطٍ، وَلَا يَجُوزُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَشْتَرِيَ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ، وَلَوْ فِي صَفْقَتَيْنِ.
(وَيُعْطِيهِ مِنْ التمر مِثْلِ مَا يَؤُولُ إِلَيْهِ مَا فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ) هَذَا فِي مَعْنَى الْخَرْصِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَنْظُرَ: كَمْ يَجِيءُ مِنْهُ تَمْرٌ فَيَبِيعَهَا بِمِثْلِهِ؛ لِأَنَّهُ يُخْرَصُ فِي الزَّكَاةِ كَذَلِكَ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْأَكْثَرِ ارْتِكَابًا لِأَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ، وَهُوَ الْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي دُونَ أَعْظَمِهِمَا، وَهُوَ الْعِلْمُ بِالتَّفَاضُلِ (وَعَنْهُ: يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ) لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثلَةِ فِي الْحَالِ بِالْكَيْلِ، فَإِذَا امْتَنَعَ فِي أَحَدِهِمَا تَعَيَّنَ الْآخَرُ، وَيُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ الْحُلُولُ وَالْقَبْضُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ بَيْعُ تَمْرٍ بِتَمْرٍ فَاعْتُبِرَ فِيهِ جَمِيعُ شُرُوطِهِ
стр. 1416
يَؤُولُ إِلَيْهِ فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْجَفَافِ، وَعَنْهُ: يُعْطِيهِ مِثْلَ رُطَبِهِ وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيهِ الرِّبَا بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَمَعَ أَحَدِهِمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَّا مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّارِعُ، وَيَخْتَلِفُ الْقَبْضُ فِيهِمَا، فَمَا عَلَى النَّخْلَةِ بِالتَّخْلِيَةِ، وَفِي التَّمْرِ بِاكْتِيَالِهِ، فَإِنْ سُلِّمَ أَحَدُهُمَا ثُمَّ مَشَيَا وَتَسَلَّمَ الْآخَرُ جَازَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا أَنْ تَكُونَ مَوْهُوبَةً لِبَائِعِهَا فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَاخْتَارَ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " تَخْصِيصَهَا بِالْهِبَةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ سِنْدِيٍّ: الْعَرِيَّةُ أَنْ يَهِبَ الرَّجُلُ لِلْجَارِ، أَوِ ابْنِ الْعَمِّ النَّخْلَةَ، وَالنَّخْلَتَيْنِ مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا تَمْرًا لِلرِّفْقِ (وَلَا يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ، وَغَيْرُهَا لَا يُسَاوِيهَا فِي الْحَاجَةِ، وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ رَافِعٍ وَسَهْلٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ نَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ إِلَّا أَصْحَابَ الْعَرَايَا، فَإِنَّهُ قَدْ أَذِنَ لَهُمْ، وَعَنْ بَيْعِ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ» .
وَالثَّانِي: يَجُوزُ فِي سَائِرِ الثِّمَارِ، وَقَالَهُ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ حَاجَةَ النَّاسِ إِلَى رُطَبِ هَذِهِ الثِّمَارِ كَحَاجَتِهِمْ إِلَى الرُّطَبِ فَجَازَ كَالنَّخْلِ وَأَطْلَقَهَا فِي " الْفُرُوعِ ".
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي ثَمَرِ النَّخْلِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ فِي كَثْرَةِ الِاقْتِيَاتِ بِهِ وَسُهُولَةِ خَرْصِهِ فَيَخْتَصُّ الْحُكْمُ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الْعِنَبِ لِقُوَّةِ شَبَهِهِ بِالرُّطَبِ، وَالِاقْتِيَاتِ، وَالتَّفَكُّهِ، وَغَيْرُهُمَا مُتَفَرِّقَةٌ مَسْتُورَةٌ بِالْوَرَقِ، فَلَا يَتَأَتَّى خَرْصُهَا بِخِلَافِ الرُّطَبِ، وَالْعِنَبِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَجَوَّزَهَا شَيْخُنَا فِي الزَّرْعِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَخَرَّجَ أَبُو الْعَبَّاسِ عَلَى ذَلِكَ بَيْعَ الْخُبْزِ الطَّرِيِّ بِالْيَابِسِ فِي بَرِيَّةِ الْحِجَازِ وَنَحْوِهَا وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ نَظَرًا لِلْحَاجَةِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ جِنْسٍ فِيهِ الرِّبَا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وَمَعَ أَحَدِهِمَا، أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ بِمُدَّيْنِ، أَوْ دِرْهَمَيْنِ، أَوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَنَصَّ عَلَيْهِ
стр. 1417
أَوْ مَعَهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِمَا كَمُدِّ عَجْوَةٍ وَدِرْهَمٍ، بِمُدَّيْنِ أَوْ دِرْهَمَيْنِ، أَوْ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونُ مَعَ كُلِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ وَتُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ لِمَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: «أُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَبٌ ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ، أَوْ بِسَبْعَةٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : لَا حَتَّى يُمَيَّزَ مَا بَيْنَهُمَا قَالَ: فَرَدَّهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ. وَلِأَنَّ الصَّفْقَةَ إِذَا جَمَعَتْ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيِ الْقِيمَةِ انْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا، كَمَا لَوِ اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا، فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَأْخُذُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْهُ، وَهَذَا يُؤَدِّي هُنَا إِمَّا إِلَى الْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، أَوْ إِلَى الْجَهْلِ بِالتَّسَاوِي وَكَلَاهُمَا مُبْطِلٌ لِلْعَقْدِ، فَإِنَّهُ إِذَا بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ بِمُدَّيْنِ يُسَاوِيَانِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ كَانَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابَلَةِ ثُلْثَيْ مُدٍّ وَيَبْقَى مُدٌّ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وثلث، وَذَلِكَ رِبًا، فَلَوْ فُرِضَ التَّسَاوِي كَمُدٍّ يُسَاوِي دِرْهَمًا، وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ يُسَاوِي دِرْهَمًا، وَدِرْهَمٍ لَمْ يَجُزْ، فَإِنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعَهُ الْمُسَاوَاةُ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِالتَّفَاضُلِ، فَلَوْ كَانَا مِنْ شَجَرَةٍ وَاحِدَةٍ، أَوْ زَرْعٍ وَاحِدٍ وَنَقْدٍ وَاحِدٍ فَوَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: الْجَوَازُ لِتَحَقُّقِ الْمُسَاوَاةِ.
وَالثَّانِي: الْمَنْعُ لِجَوَازِ أَنْ يَتَغَيَّرَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْعَقْدِ فَتَنْقُصَ قِيمَتُهُ وَحْدَهُ.
وَصَحَّحَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي انْتِصَارِهِ هَذَا الْوَجْهَ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّا لَا نُقَابِلُ مُدًّا بِمُدٍّ وَدِرْهَمًا بِدِرْهَمٍ بَلْ نُقَابِلُ مُدًّا بِنِصْفِ مُدٍّ وَنِصْفَ دِرْهَمٍ، بِدَلِيلِ لَوْ خَرَجَ مُسْتَحِقًّا لَاسْتَرَدَّ ذَلِكَ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي مَوْجُودٌ، وَهَذِهِ هِيَ طَرِيقَةُ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ.
وَضَعَّفَهَا الشَّيْخُ زَيْنُ الدِّينِ بْنُ رَجَبٍ فَقَالَ: لِأَنَّ الْمُنْقَسِمَ هُوَ قِيمَةُ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ الْمُثَمَّنِ، لَا أَجْزَاءُ أَحَدِهِمَا عَلَى قِيمَةِ الْآخَرِ.
وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إِلَى الْمَنْعِ سَدًّا لِذَرِيعَةِ الرِّبَا، فَإِنَّ اتِّخَاذَ ذَلِكَ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا الصَّرِيحِ، كَبَيْعِ مِائَةِ دِرْهَمٍ فِي كِيسٍ بِمِائَتَيْنِ جَعْلًا لِلْمِائَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْكِيسِ، وَقَدْ لَا يُسَاوِي دِرْهَمًا (وَعَنْهُ: يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ) كَمُدَّيْنِ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ (أَوْ يَكُونُ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ جَعْلًا
стр. 1418
وَاحِدٍ مِنْهُمَا من غير جِنْسُهُ، وَإِنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ كَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ وَصَحِيحٍ بِصَحِيحَيْنِ، جَازَ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعِنْدَ الْقَاضِي هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ، وَفِي بَيْعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِغَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الْجِنْسِ، أَوْ فِي مُقَابَلَةِ الزِّيَادَةِ، وَشَرَطَ السَّامَرِّيُّ وَغَيْرُهُ فِيهَا التَّسَاوِيَ جَعْلًا لِكُلِّ جِنْسٍ فِي مُقَابَلَةِ جِنْسِهِ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ جَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ اخْتِلَافِهِمَا فِي الْقِيمَةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ حِيلَةً عَلَى الرِّبَا وَلِلْأَصْحَابِ طَرِيقَةٌ ثَانِيَةٌ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَلَّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَفِي بَيْعِهِ بِنَقْدٍ آخَرَ رِوَايَتَانِ وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِعَرْضٍ رِوَايَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا مَا لَا يُقْصَدُ عَادَةً، وَلَا يُبَاعُ مُفْرَدًا كَتَزْوِيقِ الدَّارِ، فَلَا يُمْنَعُ مِنَ الْبَيْعِ بِجِنْسِهِ اتِّفَاقًا.
(وَإِنْ بَاعَ نَوْعَيْ جِنْسٍ بِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْهُ كَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ) أَيْ: قِطَعِ الذَّهَبِ (وَصَحِيحٍ بِصَحِيحَيْنِ جَازَ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ) ، اخْتَارَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " التَّرْغِيبِ "، وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَ الْمِثْلِيَّةَ فِي ذَلِكَ، فَدَلَّ عَلَى الْإِبَاحَةِ عِنْدَهَا وَهِيَ فِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا، وَفِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَالْجَوْدَةُ سَاقِطَةٌ هُنَا، أَشْبَهَ مَا لَوِ اتَّفَقَ النَّوْعُ (وَعِنْدَ الْقَاضِي) ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (هِيَ كَالَّتِي قَبْلَهَا) أَيْ: كَمَسْأَلَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَنْقَسِمُ عَلَى عِوَضِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِ فِي قِيمَتِهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ إِذِ الثَّمَنُ إِنَّمَا يَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى جِنْسَيْنِ، أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ بِنَوْعٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا، وَعَنْهُ: يُمْنَعُ فِي النَّقْدِ وَيَجُوزُ فِي الثَّمَنِ. نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ، لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا فَعُفِيَ عَنْهَا بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ تَمْرٍ مَنْزُوعِ النَّوَى بِمَا نَوَاهُ فِيهِ) لِاشْتِمَالِ أَحَدِهِمَا عَلَى مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَكَذَا لَوْ نَزَعَ النَّوَى، ثُمَّ بَاعَ النَّوَى وَالتَّمْرَ بِنَوًى وَتَمْرٍ، لِأَنَّ التَّبَعِيَّةَ قَدْ زَالَتْ فَصَارَ كَمُدِّ عَجْوَةٍ، فَلَوْ كَانَا مَنْزُوعَيِ النَّوَى جَازَ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَوَاةٌ (وَفِي بَيْعِ النَّوَى بِتَمْرٍ فِيهِ النَّوَى، وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: يَجُوزُ، نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَجَزَمَ بِهَا
стр. 1419
وَاللَّبَنِ بِشَاةٍ ذَاتِ لَبَنٍ، وَالصُّوفِ بِنَعْجَةٍ عَلَيْهَا صُوفٌ رِوَايَتَانِ وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ النَّوَى فِي التَّمْرِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَ دَارًا مُمَوَّهٌ سَقْفُهَا بِذَهَبٍ.
وَالثَّانِيَةُ: الْمَنْعُ نَقَلَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُهَنَّا؛ لِأَنَّ النَّوَى مَكِيلٌ فَيَصِيرُ كَمُدِّ عَجْوَةٍ، وَالصُّوفُ، وَاللَّبَنُ كَذَلِكَ، وَلَمْ يُرَجِّحْ فِي " الْفُرُوعِ " شَيْئًا، وَزَادَ إِذَا بَاعَهُ دِرْهَمًا فِيهِ نُحَاسٌ بِنُحَاسٍ، أَوْ بِمِثْلِهِ.
وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " الْجَوَازَ فِي الصُّوفِ وَاللَّبَنِ عَنِ ابْنِ حَامِدٍ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الشَّاةُ حَيَّةً، أَوْ مُذَكَّاةً، ثُمَّ عَلَّلَ الْمَنْعَ بِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِأَصْلِهِ فِيهِ مِنْهُ، أَشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَالْفَرْقُ أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ مَقْصُودٌ بِخِلَافِ اللَّبَنِ، وَالصُّوفِ، فَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ لَبَنِ الشَّاةِ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ إِذَا قُلْنَا: جِنْسٌ وَاحِدٌ، فَلَوْ كَانَتِ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ جَازَ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا وَبِاللَّبَنِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنَ الثَّمَنِ، أَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ، لَكِنْ لَوْ بَاعَ بُرًّا بِشَعِيرٍ فِيهِ مِنْ جِنْسِهِ يَقْصِدُ تَحْصِيلَهُ مُنِعَ عَلَى الْأَصَحِّ.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَ نَخْلَةً عَلَيْهَا تَمْرٌ بِتَمْرٍ، أَوْ بِنَخْلَةٍ عَلَيْهَا تَمْرٌ لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْقَاضِي، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ خِلَافَهُ.
(وَالْمَرْجِعُ فِي الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ إِلَى عُرْفِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ) لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «الْمِكْيَالُ مِكْيَالُ الْمَدِينَةِ، وَالْمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ» وَقَوْلُهُ يُحْمَلُ عَلَى تَبْيِينِ الْأَحْكَامِ، فَمَا كَانَ مَكِيلًا فِي زَمَنِهِ انْصَرَفَ التَّحْرِيمُ بِتَفَاضُلِ الْكَيْلِ إِلَيْهِ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ، وَكَذَا الْمَوْزُونُ (وَمَا لَا عُرْفَ لَهُ بِهِ) أَيْ: بِالْحِجَازِ (فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛
стр. 1420
أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ عُرْفُهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِالْحِجَازِ.
فَصْلٌ وَأَمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ فَكُلُّ شَيْئَيْنِ لَيْسَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْعُرْفِ كَالْقَبْضِ، وَالْحِرْزِ، فَإِنِ اخْتَلَفَتِ الْبِلَادُ اعْتُبِرَ الْغَالِبُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَعَيَّنَ الْوَجْهُ الْآخَرُ (وَالْآخَرُ يُرَدُّ إِلَى أَقْرَبِ الْأَشْيَاءِ شَبَهًا بِهِ بِالْحِجَازِ) ؛ لِأَنَّ الْحَوَادِثَ تُرَدُّ إِلَى الْأَشْبَهِ بِالْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ: " هُوَ الْقِيَاسُ.
فَائِدَةٌ: لَوْ اقْتَسَمَ الشُّرَكَاءُ مَا أَصْلُهُ الْوَزْنُ كَيْلًا وَبِالْعَكْسِ جَازَ إِنْ قُلْنَا هِيَ إِفْرَازُ حَقٍّ، وَإِلَّا بَطَلَ، وَيَجُوزُ التَّعَامُلُ بِكَيْلٍ لَمْ يُعْهَدْ. قَالَهُ فِي " النِّهَايَةِ "، وَ " التَّرْغِيبِ ".
[رِبَا النَّسِيئَةِ]
فَصْلٌ
(وَأَمَّا رِبَا النَّسِيئَةِ) فَقَالَ: النَّسَاءُ بِالْمَدِّ هُوَ التَّأْخِيرُ، يُقَالُ: نَسَأْتُ الشَّيْءَ، وَأَنْسَأْتُهُ أَخَّرْتُهُ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مَعْنَاهُ الْخَاصِّ هُنَا، فَقَالَ: (فَكُلُّ شَيْئَيْنِ) أَيْ: جِنْسَيْنِ (لَيْسَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا) يُحْتَرَزُ بِهِ عَمَّا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مِنَ الْأَثْمَانِ وَالْآخَرُ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يَجُوزُ النَّسَاءُ بَيْنَهُمَا بِغَيْرِ خِلَافٍ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَرْخَصَ فِي السَّلَمِ، وَالْأَصْلُ فِي رَأْسِ مَالِهِ النَّقْدَانِ، فَلَوْ حُرِّمَ النَّسَاءُ فِيهِ لَانْسَدَّ بَابُ السَّلَمِ فِي الْمَوْزُونَاتِ غَالِبًا إِلَّا صَرْفَ فَلَوْسٍ نَافِقَةٍ بِنَقْدٍ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْحُلُولُ، وَالْقَبْضُ. وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي جَوَازِ السَّلَمِ فِيهَا بِنَقْدٍ مَقْبُوضٍ وَجْهَانِ (عِلَّةُ رِبَا الْفَضْلِ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ) هَذَا عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَمَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ الثَّمَنِيَّةَ وَالطُّعْمَ، فَيُمَثِّلُ بِالطُّعْمِ، وَلَمْ يَحْتَجْ إِلَى قَوْلِهِ: لَيْسَ أَحَدُهُمَا ثَمَنًا؛ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ لَا تَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِ النَّقْدَيْنِ وَمَنْ جَعَلَهَا الْوَزْنَ وَالطُّعْمَ، أَوْ هُوَ وَالْكَيْلَ، فَيُمَثِّلُ بِالتَّمْرِ وَنَحْوِهِ (لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِقَوْلِهِ ﵇: فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: «وَلَا تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ» وَلِقَوْلِهِ ﵇: «الْبُرُّ بِالْبُرِّ رِبًا
стр. 1421
كَالْمَكِيلِ بِالْمَكِيلِ، وَالْمَوْزُونِ بِالْمَوْزُونِ، لَا يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ بَاعَ مَكِيلًا بِمَوْزُونٍ جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ.
وَمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ كَالثِّيَابِ، وَالْحَيَوَانِ يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَّا هَاءَ وَهَاءَ» إِلَى آخِرِهِ وَمَعْنَاهَا عَلَى اخْتِلَافِ لُغَاتِهَا: خُذْ وَهَاتِ فِي الْحَالِ كَـ " يَدًا بِيَدٍ " (وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ التَّقَابُضِ بَطَلَ الْعَقْدُ) ، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ، وَلِأَنَّهُمَا مَالَانِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا عِلَّتُهُمَا مُتَّفِقَةٌ فَحُرِّمَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالصَّرْفِ (وَإِنْ بَاعَ مَكِيلًا) كَالْبُرِّ (بِمَوْزُونٍ) كَاللَّحْمِ (جَازَ التَّفَرُّقُ قَبْلَ الْقَبْضِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ عِلَّتَهُمَا مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ يُشْتَرَطِ الْقَبْضُ قَبْلَ التَّفَرُّقِ كَالثَّمَنِ بِالثَّمَنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وُجُوبُ التَّقَابُضِ، وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدُوسٍ عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ النَّسَاءِ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عُبَادَةَ (وَفِي النَّسَاءِ رِوَايَتَانِ) ، وَكَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَقْدًا فَحُرِّمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا كَالْمَكِيلِ بِمِثْلِهِ. وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَجْتَمِعَا فِي أَحَدِ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ أَشْبَهَ الثِّيَابَ بِالْحَيَوَانِ، وَذَكَرَهُمَا جَمَاعَةٌ فِيمَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْعِلَّةِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرَ رِبَوِيٍّ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَعِنْدَ مَنْ يُعَلِّلُ بِالطُّعْمِ لَا يُجِيزُهُ هُنَا وَجْهًا وَاحِدًا.
[مَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِ]
(وَمَا لَا يَدْخُلُهُ رِبَا الْفَضْلِ كَالثِّيَابِ، وَالْحَيَوَانِ يَجُوزُ النَّسَاءُ فِيهِمَا) عَلَى الْمَذْهَبِ
стр. 1422
وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ وَيَجُوزُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
«لِأَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصَّدَقَةِ فَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إِلَى إِبِلِ الصَّدَقَةِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَإِذَا جَازَ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ فَفِي الْجِنْسَيْنِ أَوْلَى.
قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": فَإِنْ قِيلَ: لَعَلَّهُ ابْتَاعَ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ لَا فِي ذِمَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ قَضَاهُ مِنَ الصَّدَقَةِ، قُلْنَا: إِنَّمَا ابْتَاعَ فِي ذِمَّتِهِ وَلِلْإِمَامِ ذَلِكَ لِلْمَصْلَحَةِ وَيَقْضِيهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَكَذَا أَجَابَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الدَّيْنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا فِي الذِّمَمِ وَمَتَى أُطْلِقَتِ الْأَعْوَاضُ تَعَلَّقَتْ بِهَا، وَلَوْ عُيِّنَتِ الدُّيُونُ فِي أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ لَمْ يَصِحَّ فَكَيْفَ إِذَا أُطْلِقَتْ، فَعَلَى هَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْجِنْسُ شَرْطٌ مَحْضٌ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ قِيَاسًا عَلَى كُلِّ شَرْطٍ كَالْإِحْصَانِ مَعَ الزِّنَى (وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَأَبُو بَكْرٍ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا قَالَ: «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الْجِنْسِ وَالْجِنْسَيْنِ، وَلِأَنَّهُ بَيْعُ عَرْضٍ بِعَرْضٍ فَحُرِّمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا كَالْجِنْسَيْنِ مِنْ أَمْوَالِ الرِّبَا، فَعَلَى هَذَا تَكُونُ عِلَّةُ النَّسَاءِ الْمَالِيَّةَ، وَضُعِّفَ فِي " الْمُغْنِي " وَأَقَرَّهُ فِي " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ إِثْبَاتُ حُكْمٍ يُخَالِفُ الْأَصْلَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ لَا يُصَحِّحُ سَمَاعَ الْحَسَنِ مِنْ سَمُرَةَ. قَالَهُ الْأَثْرَمُ.
(وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ كَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوَانِ) لِحَدِيثِ سَمُرَةَ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ فِي الْجِنْسِ الْوَاحِدِ بِمَنْطُوقِهِ، وَعَلَى الْجَوَازِ فِي الْجِنْسَيْنِ بِمَفْهُومِهِ، وَلِأَنَّ الْجِنْسَ أَحَدُ وَصْفَيْ عِلَّةِ رِبَا الْفَضْلِ فَمُنِعَ النَّسَاءُ كَالْكَيْلِ، وَالْوَزْنِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ شَرْطٌ لِجَرَيَانِ رِبَا الْفَضْلِ، أَوْ مَحَلٌّ فِي ذَلِكَ لَا وَصْفٌ فِي الْعِلَّةِ، وَفِيهِ رَابِعَةٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ إِلَّا فِيمَا بِيعَ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، اخْتَارَهُ
стр. 1423
فِي الْجِنْسَيْنِ كَالثِّيَابِ بِالْحَيَوَانِ.
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ ، وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ.
فَصْلٌ وَمَتَى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَوِ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَا يَصْلُحُ الْحَيَوَانُ بِالْحَيَوَانِ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ نَسِيئَةً، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَمَفْهُومُهُ جَوَازُ الْوَاحِدِ بِالْوَاحِدِ لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ لِمُوَافَقَتِهَا الْأَصْلَ، وَالْأَحَادِيثُ الْمُخَالِفَةُ لَهَا لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا. قَالَهُ أَحْمَدُ.
فَائِدَةٌ: حَيْثُ حُرِّمَ، فَإِنْ كَانَ مَعَ أَحَدِ الْعَرْضَيْنِ نَقْدٌ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ مُؤَجَّلًا جَازَ، إِذْ لَا نَسَاءَ بَيْنَ الثَّمَنِ، وَالْمُثَمَّنِ، وَلَوْ كَانَ النَّقْدُ حَالًّا وَالْعَرْضَانِ وَأَحَدُهُمَا نَسِيئَةً لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ حِذَارًا مِنَ النَّسِيئَةِ فِي الْعُرُوضِ.
[بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ]
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ) بِالْهَمْزِ فِيهِمَا وَبَعْضُ الرُّوَاةِ يَتْرُكُهُ تَخْفِيفًا (وَهُوَ بَيْعُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ) وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ «عَنْ بَيْعِ الْكَالِئِ بِالْكَالِئِ» . رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ، وَهُوَ بَيْعُ مَا فِي الذِّمَّةِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ.
[إِذَا افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ]
فَصْلٌ (وَمَتَّى افْتَرَقَ الْمُتَصَارِفَانِ قَبْلَ التَّقَابُضِ، أَوِ افْتَرَقَا عَنْ مَجْلِسِ السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِ رَأْسِ مَالِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ) تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّرْفَ بَيْعُ الْأَثْمَانِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ، وَالْقَبْضُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ الْجَمَاعَةُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلِقَوْلِهِ ﵇: «وَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالْفِضَّةِ كَيْفَ شِئْتُمْ يَدًا بِيَدٍ» . وَالْمَجْلِسُ هُنَا كَمَجْلِسِ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ، فَلَا يَضُرُّ طُولُهُ مَعَ تَلَازُمِهِمَا، فَلَوْ مَشَيَا إِلَى مَنْزِلِ أَحَدِهِمَا مُصْطَحِبَيْنِ صَحَّ، وَقَبْضُ الْوَكِيلِ كَقَبْضِ مُوَكِّلِهِ بِشَرْطِ قَبْضِهِ قَبْلَ مُفَارَقَةِ مُوَكِّلِهِ
стр. 1424
رَأْسِ مَالِهِ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ، ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَإِنْ تَقَابَضَا ثُمَّ افْتَرَقَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَجْلِسَ، كَتَعَلُّقِهِ بِعَيْنِهِ، فَلَوْ فَارَقَ الْمَجْلِسَ فَسَدَ الصَّرْفُ، وَإِنْ قَبَضَ الْوَكِيلُ فِي الْمَجْلِسِ، فَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَسَدَ لِعَدَمِ تَمَامِ الْعَقْدِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ بَطَلَ الْعَقْدُ يُوهِمُ وُجُودَ عَقْدٍ، ثُمَّ بُطْلَانَهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلِ الْقَبْضُ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُولِ لَا يَتِمُّ الْعَقْدُ إِلَّا بِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ الْخِرَقِيُّ: فَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا، وَأَمَّا قَبْضُ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَسَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ (وَإِنْ قَبَضَ الْبَعْضَ) فِي الْمَجْلِسِ (ثُمَّ افْتَرَقَا بَطَلَ فِي الْجَمِيعِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ) فَقَطْ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ لَا صَرْفَ بَيْنَهُمَا فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ لِفَوَاتِ شَرْطِهِ، وَمَا قَبَضَ فَفِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْمَذْهَبُ هُنَا الْبُطْلَانُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، فَلَوْ صَارَفَ رَجُلًا دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَلَيْسَ مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةٌ لَمْ يَجُزْ تَفَرُّقُهُمَا قَبْلَ قَبْضِ الْعَشَرَةِ، فَإِنْ قَبَضَ الْخَمْسَةَ، ثُمَّ افْتَرَقَا، فَعَلَى مَا سَبَقَ، فَإِنْ أَرَادَ صِحَّةَ الْعَقْدِ، فَسَخَا الصَّرْفَ فِي النِّصْفِ الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ عِوَضُهُ، أَوْ يَفْسَخَانِ الْعَقْدَ كُلَّهُ ثُمَّ يَشْتَرِي مِنْهُ نِصْفَ الدِّينَارِ بِخَمْسَةٍ وَيَدْفَعُهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الدِّينَارَ كُلَّهُ فَيَكُونُ نِصْفُهُ لَهُ، وَالْبَاقِي أَمَانَةً فِي يَدِهِ، ثُمَّ يَفْتَرِقَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَخَايَرَا قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَجْلِسِ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَفْتَرِقَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَبْطُلَ إِنْ قِيلَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَبْقَ فِيهِ خِيَارٌ قَبْلَ الْقَبْضِ كَالْفُرْقَةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الشَّرْطَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ، وَقَدْ وُجِدَ (وَإِنْ تَقَابَضَا، ثُمَّ افْتَرَقَا فَوَجَدَ أَحَدُهُمَا مَا قَبَضَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَجَمْعٌ؛ لِأَنَّ قَبْضَ مَالِ الصَّرْفِ فِي الْمَجْلِسِ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ لِتَفَرُّقِهِمَا قَبْلَ قَبْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّهُ يَشْمَلُ مَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالسَّوَادِ فِي الْفِضَّةِ، وَالْوُضُوحِ فِي الذَّهَبِ، وَمَا إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ كَالرَّصَاصِ فِي الْفِضَّةِ وَنَحْوِهِ، وَالْمَذْهَبُ فِيهِ الْبُطْلَانُ وَحَمَلَهُ فِي " الشَّرْحِ " عَلَى الْأَخِيرِ، وَشَرَطَ فِي " الْمُغْنِي " كَوْنَ الْعَيْبِ مِنَ الْجِنْسِ.
стр. 1425
فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ لَمْ يَبْطُلْ، وَإِنْ رَدَّ بَعْضَهُ، وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: يَجِبُ حَمْلُ لَفْظِهِ هُنَا عَلَى ذَلِكَ إِذَا قُلْنَا: قَبْضُ الْبَدَلِ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَقُومُ، فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّفْصِيلِ؛ لِأَنَّ الْبُطْلَانَ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ (وَالْأُخْرَى: إِنْ قَبَضَ عِوَضَهُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ لَمْ يَبْطُلْ) ؛ لِأَنَّ قَبْضَ عِوَضِهِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ يَقُومُ مَقَامَ قَبْضِهِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ (وَإِنْ رَدَّ بَعْضَهُ وَقُلْنَا: يَبْطُلُ فِي الْمَرْدُودِ، فَهَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الصَّرْفَ يَقَعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَبِيعَ عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَلَوْ بِوَزْنٍ مُتَقَدِّمٍ، أَوْ خَبَرِ صَاحِبِهِ.
الثَّانِي: أَنْ يَقَعَ عَلَى مَوْصُوفٍ فِي الذِّمَّةِ كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ دِينَارًا مِصْرِيًّا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ نَاصِرِيَّةٍ، وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ مُعَيَّنًا دُونَ الْآخَرِ، وَكُلُّ ذَلِكَ جَائِزٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ إِذَا تَقَابَضَا، ثُمَّ وَجَدَ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فِيمَا قَبَضَهُ فَيَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ الْعَيْبُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فَالصَّرْفُ فِيهِ بَاطِلٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَعْقُودَ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، وَهَذَا هُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ الْبَدَلَ مُتَعَذِّرٌ لِتَعَلُّقِ الْبَيْعِ بِالْعَيْنِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": كَقَوْلِهِ: بِعْتُكَ هَذَا الْبَغْلَ، فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ، وَعَنْهُ: يَصِحُّ، وَلَهُ رَدُّهُ، وَأَخْذُ الْبَدَلِ، وَعَنْهُ: يَقَعُ لَازِمًا، فَلَا رَدَّ، وَلَا بَدَلَ تَغْلِيبًا لِلْإِشَارَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ: إِنْ ظَهَرَ الْبَعْضُ مَعِيبًا بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ؟ فِيهِ قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ جِنْسِهِ فَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ وَجَعْفَرٌ بُطْلَانَ الْعَقْدِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَاضِحِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الرَّدِّ، وَالْإِمْسَاكِ.
قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنِ اخْتَارَ الرَّدَّ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُ الْبَدَلِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَرَضًا، لِأَنَّ الْمَبِيعَ تَعَلُّقٌ بِعَيْنِهِ فَيَفُوتُ بِفَوَاتِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ الْإِمْسَاكَ فَلَهُ ذَلِكَ. وَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ، كَمَا نَقَلَهُ الشَّيْخَانِ وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "؛ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُ الْأَرْشِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ وَمَنَعَ أَبُو
стр. 1426
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَطَّابِ مِنْ أَخْذِ الْأَرْشِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، سَنَدُهُ امْتِنَاعُ أَخْذِ الْأَرْشِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرَّدِّ عَلَى رِوَايَةٍ، فَعَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأَرْشِ مِنِ الْجِنْسِ الْوَاحِدِ مُطْلَقًا لِفَوَاتِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُشْتَرَطَةِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِالْجَوَازِ فِي الْمَجْلِسِ نَظَرًا إِلَى أَنَّ الزِّيَادَةَ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ، وَأَبُو الْخَطَّابِ صَرَّحَ بِالْجَوَازِ مُطْلَقًا فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِنْسُ، وَالْجِنْسَانِ، وَفِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ.
وَحَكَاهُ ابْنُ عَقِيلٍ قَوْلًا فِي صُورَةِ تَلَفِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَيَجُوزُ فِي الْجِنْسَيْنِ مُطْلَقًا أَعْنِي فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ عَلَى ظَاهِرِ إِطْلَاقِ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ الْأَرْشَ عِوَضٌ عَنِ الْجُزْءِ الْفَائِتِ فِي الثَّمَنِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْفُرُوعِ " لَهُ أَخْذُ أَرْشِ الْعَيْبِ فِي الْمَجْلِسِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ جَعَلَا أَرْشَهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ قَبْضُهُ فِيهِ كَبَيْعِ بُرٍّ بِشَعِيرٍ فَيَجِدُ أَحَدُهُمَا عَيْبًا فَيَأْخُذُ أَرْشَهُ دِرْهَمًا بَعْدَ التَّفَرُّقِ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: لَهُ رَدُّهُ وَبَدَلُهُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ فِي الْعَيْبِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى غَيْرِ عَيْنِهِ، وَهُوَ الصَّرْفُ فِي الذِّمَّةِ، فَيَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْمَجْلِسَ كَحَالَةِ الْعَقْدِ، فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُهُمَا بِمَا قَبَضَهُ عَيْبًا فَلَهُ بَدَلُهُ وَلَهُ الْإِمْسَاكُ إِذْ قُصَارَاهُ الرِّضَى بِدُونِ حَقِّهِ، وَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْجِنْسَيْنِ لَا الْجِنْسِ عَلَى الْمَذْهَبِ، فَإِنْ تَفَرَّقَا، وَالْعَيْبُ مِنْ جِنْسِهِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَوْ غَيْرِهِ، فَعَنْهُ لَهُ بَدَلُهُ وَأَخْذُ الْأَرْشِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَعَنْهُ: لَيْسَ لَهُ بَدَلُهُ فَيَفْسَخُ أَوْ يُمْسِكُ الْجَمِيعَ، وَلَا أَرْشَ بَعْدَ الْفُرْقَةِ وَيُعْتَبَرُ قَبْضُ الْبَدَلِ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ إِنْ وُجِدَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَاخْتَارَ الرَّدَّ، فَهَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ؟ اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِوُجُودِ التَّفَرُّقِ قَبْلَ الْقَبْضِ، أَوْ لَا يَبْطُلُ وَلَهُ الْبَدَلُ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ، وَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي اخْتِيَارِ الْخِرَقِيِّ، وَالْخَلَّالِ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ وَقَعَ صَحِيحًا، إِذْ بَدَلُهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَفِيهِ ثَالِثَةٌ أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ لَازِمًا، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إِلْزَامُ الْعَاقِدِ بِمَا لَمْ يَلْتَزِمْهُ، فَعَلَى الْأُولَى: إِنْ وَجَدَ الْبَعْضَ رَدِيئًا فَرَدَّهُ بَطَلَ فِيهِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَهُ بَدَلُ الْمَرْدُودِ فِي مَجْلِسِ
стр. 1427
فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا، وَإِنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً خُيِّرَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ، وَالْفَسْخِ، وَيَتَخَرَّجُ أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الرَّدِّ وَلَهُ الْإِمْسَاكُ، لَكِنْ إِنْ طَلَبَ مَعَهُ أَخْذَ الْأَرْشِ فَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَهُ ذَلِكَ عَلَى الثَّانِيَةِ لَا الْأُولَى، وَأَمَّا عَلَى الْمُحَقَّقِ فَلَهُ ذَلِكَ فِي الْجِنْسَيْنِ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ (وَالدَّرَاهِمُ، وَالدَّنَانِيرُ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْعَقْدِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ عِوَضٌ مُشَارٌ إِلَيْهِ فِي الْعَقْدِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ كَسَائِرِ الْأَعْوَاضِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْعِوَضَيْنِ فَتَعَيَّنَ بِالتَّعْيِينِ كَالْآخَرِ، وَلِأَنَّ مَا تَعَيَّنَ فِي الْغَصْبِ وَالْوَدِيعَةِ تَعَيَّنَ بِالْعَقْدِ كَالْعَرْضِ، وَمَعْنَى تَعْيِينِهِ فِي الْغَصْبِ أَنَّهُ إِذَا طُولِبَ بِهِ لَزِمَهُ تَسْلِيمُهُ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ، وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ عُبَادَةَ " عَيْنًا بِعَيْنٍ " فَيُسْتَدَلُّ بِهِ، إِذْ لَوْ كَانَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا بِعَيْنٍ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ بِهَذَا الْوَصْفِ إِذَا مُلِكَتْ عَيْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَفِيهِ شَيْءٌ، إِذْ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يُبَاعَ الذَّهَبُ بِمِثْلِهِ إِلَّا عَيْنًا بِعَيْنٍ، وَقَدْ حُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ (فَلَا يَجُوزُ إِبْدَالُهَا) ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَاقِعٌ عَلَى عَيْنِهَا.
(وَإِنْ وَجَدَهَا مَعِيبَةً خُيِّرَ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ، وَالْفَسْخِ) كَالْعِوَضِ الْآخَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا أَرْشَ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَهُوَ كَذَلِكَ (وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالْأَرْشِ) ؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَبِيعَاتِ هَذَا إِذَا كَانَ الْعَيْبُ مِنْ جِنْسِ النُّقُودِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا بَطَلَ الْعَقْدُ إِذَا كَانَ فِي جَمِيعِهَا، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا بَطَلَ فِيهِ، وَفِي الْبَاقِي قَوْلَا تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَغَيْرُهُ، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا أَرْشَ لَهُ مَعَ الْإِمْسَاكِ إِذَا وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَى مَثَلِهِ كَالدَّرَاهِمِ بِمِثْلِهَا؛ لِأَنَّ أَخْذَ الْأَرْشِ يُفْضِي إِلَى التَّفَاضُلِ الْمُحَرَّمِ.
وَخَرَّجَ الْقَاضِي وَجْهًا بِجَوَازِهِ فِي الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ طَرَأَتْ بَعْدَ الْعَقْدِ وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ، وَإِنْ وَقَعَ على غير مِثْله كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، فَلَهُ أَخْذُ الْأَرْشِ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ حُصُولُ زِيَادَةٍ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ، وَلَا يُمْنَعُ ذَلِكَ فِي
стр. 1428
يُمْسِكَ وَيُطَالِبَ بِالْأَرْشِ، وَإِنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطَلَ الْعَقْدُ، وَالْأُخْرَى: لَا تَتَعَيَّنُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجِنْسَيْنِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّفَرُّقِ لَمْ يَجُزْ لِحُصُولِ الْفُرْقَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ الْمُعْتَبَرِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَيَجِبُ حَمْلُ كَلَامِهِ هُنَا عَلَى مَا قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " لِيُطَابَقَ، وَفِيهِ شَيْءٌ.
(وَإِنْ خَرَجَتْ مَغْصُوبَةً بَطَلَ الْعَقْدُ) كَالْمَبِيعِ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا وَإِذَا تَلِفَ قَبْلَ الْقَبْضِ تَلِفَ مِنْ مَالِ الْبَائِعِ بِنَاءً عَلَى الْمَذْهَبِ فِي أَنَّ الْمُتَعَيَّنَ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَبْضٍ.
(وَالْأُخْرَى لَا تَتَعَيَّنُ) وَهِيَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي دَاوُدَ وَتَأَوَّلَهَا الْقَاضِي، وَأَبَى ذَلِكَ الْجُمْهُورُ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ إِطْلَاقُهَا فِي الْعَقْدِ، وَلَا غَرَضَ فِي أَعْيَانِهَا، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ فِي مِقْدَارِهَا، فَلَمْ يَتَعَيَّنْ بِهِ كَالْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ، وَكَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا لِيَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَلَهُ زَرْعُ مَا هُوَ مِثْلُهَا يُؤَكِّدُهُ قَوْلُ الْفَرَّاءِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: ٢٠] الْآيَةَ: أَنَّ الثَّمَنَ مَا يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَمَنْ قَالَ بِالتَّعْيِينِ لَمْ يَجْعَلْهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ وَهِيَ ثَمَنٌ قَطْعًا (فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ) أَيْ: فَلَهُ إِبْدَالُهَا مَعَ عَيْبٍ وَغَصْبٍ، وَإِنْ تَلِفَتْ قَبْلَ قَبْضِهَا فَهِيَ مِنْ مَالِ الْمُشْتَرِي.
مَسَائِلُ: مِنْهَا إِذَا نَذَرَ صَدَقَةً بِدِرْهَمٍ بِعَيْنِهِ لَمْ يَتَعَيَّنْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَحَفِيدُهُ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " يَتَعَيَّنُ، فَلَوْ تَصَدَّقَ بِهِ بِلَا أَمْرِهِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَيَضْمَنُهُ عَلَى الْأَوَّلِ.
وَمِنْهَا: يَجُوزُ اقْتِضَاءُ أَحَدِ النَّقْدَيْنِ مِنَ الْآخَرِ عَلَى الْأَصَحِّ إِنْ حَضَرَ أَحَدُهُمَا وَالْآخِرُ فِي الذِّمَّةِ مُسْتَقِرٌّ بِسِعْرِ يَوْمِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِخَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي بَيْعِ الْإِبِلِ بِالْبَقِيعِ، وَيَكُونُ صَرْفًا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمْعٌ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ حُلُولُهُ؟ فِيهَا وَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَا فِي ذِمَّتَيْهِمَا فَاصْطَرَفَا، فَنَصُّهُ لَا يَصِحُّ.
وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ جَوَازَهُ.
وَمِنْهَا: إِذَا كَانَ لَهُ عَلَى آخَرَ دَنَانِيرُ فَقَضَاهُ دَرَاهِمَ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَإِنْ كَانَ يُعْطِيهِ كُلَّ دِرْهَمٍ بِحِسَابِهِ مِنَ الدِّينَارِ، صَحَّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَحَاسَبَا بَعْدُ، فَصَارَفَهُ بِهَا وَقْتَ الْمُحَاسَبَةِ، لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعَ دَيْنٍ بَدَيْنٍ، وَإِنْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ مَالَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ صَارَفَهُ بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ، صَحَّ، فَلَوْ أَعْطَاهُ الدَّرَاهِمَ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ،
стр. 1429
فَلَا يَثْبُتُ فِيهَا ذَلِكَ.
وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَمْ يَقْضِهِ إِيَّاهَا وَقْتَ دَفْعِهَا إِلَيْهِ، ثُمَّ أَحْضَرَهَا وَقَوَّمَاهَا، فَإِنَّهُ يَحْتَسِبُ ذَلِكَ مِنْهَا يَوْمَ الْقَضَاءِ لَا يَوْمَ دَفَعَهَا إِلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا وَدِيعَةٌ فِي يَدِهِ، فَإِنْ تَلِفَتْ، أَوْ نَقَصَتْ كَانَ مِنْ ضَمَانِ مَالِكِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَمِنْهَا: لَوْ كَانَ لَهُ عِنْدَ صَيْرَفِيٍّ دَنَانِيرُ فَأَخَذَ مِنْهُ دَرَاهِمَ إِدْرَارًا لِيَكُونَ هَذِهِ بِهَذِهِ لَمْ يَجُزْ، فَإِنْ أَرَادَا الْمُصَارَفَةَ أَحْضَرَ أَحَدَهُمَا، وَاصْطَرَفَا بِعَيْنٍ وَذِمَّةٍ.
وَمِنْهَا: الْمَقْبُوضُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَالْمَقْبُوضِ فِي عَقْدٍ صَحِيحٍ فِيمَا يَرْجِعُ إِلَى الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ.
[حُرْمَةُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ]
(وَيَحْرُمُ الرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ، وَالْحَرْبِيِّ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] وَلِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ زَادَ، أَوِ ازْدَادَ، فَقَدْ أَرْبَى» . وَهُوَ عَامٌّ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَدَارِ الْبَغْيِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَدَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمَا، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": الْبَاغِي مَعَ الْعَادِلِ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا لَا يَضْمَنُ مَالَ صَاحِبِهِ بِالْإِتْلَافِ فَهِيَ كَدَارِ حَرْبٍ وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ إِلَّا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ لَا أَمَانَ بَيْنَهُمَا جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ "، وَعَنْهُ: لَا يَحْرُمُ فِي دَارِ الْحَرْبِ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُوجَزِ " وَأَقَرَّهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى ظَاهِرِهَا لِمَا رَوَى مَكْحُول مَرْفُوعًا: «لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ» ، وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةٌ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا، وَرُدَّ بِأَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إِذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ وَبِأَنَّهُ خَبَرٌ مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُتْرَكَ بِهِ تَحْرِيمُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَالسُّنَّةُ،
стр. 1430
الْحَرْبِ، كَمَا يَحْرُمُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ.
بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ
وَمَنْ بَاعَ دَارًا تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا وَبِنَاءَهَا، وَمَا يَتَّصِلُ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا كَالسَّلَالِيمِ، وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ، وَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ، وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالرَّحَا الْمَنْصُوبَةِ، وَلَا يَدْخُلُ مَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا مِنَ الْكَنْزِ، وَالْأَحْجَارِ الْمَدْفُونَةِ، وَلَا الْمُنْفَصِلُ مِنْهَا كَالْحَبْلِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَقِيقِهِ، وَلَوْ مُدَبَّرًا، أَوْ أُمَّ ولَدٍ مُطْلَقًا، أَوْ مُكَاتَبًا فِي مَالِ الْكِتَابَةِ.
[بَابُ بَيْعِ الْأُصُولِ وَالثِّمَارِ]
الْأُصُولُ: جَمْعُ أَصْلٍ، وَهُوَ مَا يَتَفَرَّعُ عَنْهُ غَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْأَرْضُونَ وَالْأَشْجَارُ، وَالثِّمَارُ: جَمْعُ ثَمَرٍ كَجَبَلٍ وَجِبَالٍ وَوَاحِدُ الثَّمَرِ ثَمَرَةٌ، وَجَمْعُ الثِّمَارِ ثَمَرٌ كَكِتَابٍ وَكُتُبٍ وَجَمْعُ ثَمَرٍ أَثْمَارٌ كَعُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ فَهُوَ رَابِعُ جَمْعٍ.
(وَمَنْ بَاعَ دَارًا تَنَاوَلَ الْبَيْعُ أَرْضَهَا) أَيْ: إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ يَصِحُّ بَيْعُهَا، فَإِنْ لَمْ يَجُزْ كَسَوَادِ الْعِرَاقِ، فَلَا (وَبِنَاءَهَا) ؛ لِأَنَّهُمَا دَاخِلَانِ فِي مُسَمَّى الدَّارِ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْأَصْحَابُ لِذِكْرِ حَرِيمِهَا (وَ) تَنَاوَلَ (مَا يَتَّصِلُ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا كَالسَّلَالِيمِ) وَاحِدُهَا: سُلَّمٌ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِ اللَّامِ الْمُشَدَّدَةِ، وَهُوَ الْمَرْقَاةُ وَالدَّرَجَةُ، وَلَفْظُهُ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّلَامَةِ (وَالرُّفُوفِ الْمُسَمَّرَةِ) ، وَهُوَ شَرْطٌ فِي السَّلَمِ وَحُذِفَ مِنْهُ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ (وَالْأَبْوَابِ الْمَنْصُوبَةِ) وَحَلَقِهَا (وَالْخَوَابِي الْمَدْفُونَةِ، وَالرَّحَا الْمَنْصُوبَةِ) ؛ لِأَنَّهُ مُتَّصِلٌ بِهَا لِمَصْلَحَتِهَا أَشْبَهَ الْحِيطَانَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخَوَابِيَ إِذَا لَمْ تَكُنْ مَدْفُونَةً، وَحَجَرَ الرَّحَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْصُوبًا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا أَشْبَهَ الطَّعَامَ، وَكَذَا يَدْخُلُ فِيهَا الْمَعْدِنُ الْجَامِدُ، وَعَنْهُ: وَالْجَارِي؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَجْزَائِهَا فَهُوَ كَأَحْجَارِهَا، لَكِنْ لَا يُبَاعُ مَعْدِنُ ذَهَبٍ بِذَهَبٍ وَيُبَاعُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ، فَإِنْ لَمْ يُعْلِمْ بِهِ الْبَائِعُ فَلَهُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا هَذَا إِذَا مَلَكَ الْأَرْضَ بِإِحْيَاءٍ أَوْ إِقْطَاعٍ، وَإِنْ كَانَ بِبَيْعٍ فَوَجْهَانِ (وَلَا يَدْخُلُ مَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا مِنَ الْكَنْزِ) ، وَهُوَ الْمَالُ الْمَدْفُونُ (وَالْأَحْجَارُ الْمَدْفُونَةُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مُودَعٌ فِيهَا كَالْفَرْشِ، وَالسُّتُورِ (وَلَا الْمُنْفَصِلُ مِنْهَا كَالْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ، وَالْبَكَرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَالْفَرْشِ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَا يَشْمَلُهُ، وَلَا هُوَ مِنْ مَصْلَحَتِهَا،
стр. 1431
وَالدَّلْوِ، وَالْبَكَرَةِ، وَالْقُفْلِ، وَالْفَرْشِ، فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا كَالْمِفْتَاحِ وَحَجَرِ الرَّحَا الْفَوْقَانِيِّ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ، وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا دَخَلَ غِرَاسُهَا وَبِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَشْبَهَ الْمُودَعَ فِيهَا، وَكَذَا حُكْمُ الرَّفِّ الْمَوْضُوعِ عَلَى الْوَتَدِ مِنْ غَيْرِ سَمْرٍ، وَلَا غَرْزٍ فِي الْحَائِطِ (فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ مَصَالِحِهَا) ، وَهُوَ مُنْفَصِلٌ عَنْهَا (كَالْمِفْتَاحِ وَحَجَرِ الرَّحَا الْفَوْقَانِيِّ) إِذَا كَانَ السُّفْلَانِيُّ مَنْصُوبًا (فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَشْهَرُ: أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الدَّارِ لَا يَتَنَاوَلُهُ، وَلَا هُوَ مُتَّصِلٌ لِمَصْلَحَتِهَا أَشْبَهَ الْقُفْلَ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهُ لِمَصْلَحَتِهَا أَشْبَهَ الْمَنْصُوبَ فِيهَا، وَفِي الشَّجَرِ وَالنَّخْلِ الْمَغْرُوسِ فِيهَا احْتِمَالَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا كَانَ فِيهَا بِئْرٌ، أَوْ عَيْنٌ مُسْتَنْبَطَةٌ فَنَفْسُ الْبِئْرِ وَأَرْضُ الْعَيْنِ مَمْلُوكَةٌ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَالْمَاءُ غَيْرُ مَمْلُوكٍ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ بَاعَ أَرْضًا بِحُقُوقِهَا دَخَلَ غِرَاسُهَا وَبِنَاؤُهَا فِي الْبَيْعِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِ الْأَرْضِ وَيَتْبَعَانِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ لِأَنَّهُ يُتَّخَذُ لِلْبَقَاءِ فِيهَا، وَلَيْسَ لِانْتِهَائِهِ مُدَّةٌ مَعْلُومَةٌ، وَالرَّهْنُ كَالْبَيْعِ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَظْهَرُهُمَا: يَدْخُلَانِ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ حُقُوقِهَا، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهَا بِالْإِطْلَاقِ كَطُرُقِهَا وَمَنَافِعِهَا، وَالثَّانِي: لَا؛ لِأَنَّهُمَا لَيْسَا مِنَ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَدْخُلَا كَالثَّمَرَةِ، وَالْفَرْقُ أَنَّهَا تُرَادُ لِلنَّقْلِ وَلَيْسَتْ مِنْ حُقُوقِهَا بِخِلَافِ الشَّجَرِ، وَالْبِنَاءِ، وَعَلَى هَذَا لِلْبَائِعِ تَبْقِيَتُهُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " هَلْ يَتْبَعُهَا فِي الرَّهْنِ كَالْبَيْعِ إِذَا قُلْنَا يَدْخُلُ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ لِضَعْفِهِ، وَكَذَا الْوَصِيَّةُ، وَالْوَقْفُ وَنَحْوُهُمَا.
فَرْعٌ: إِذَا بَاعَهُ قَرْيَةً لَمْ يَدْخُلْ مَزَارِعَهَا إِلَّا بِذِكْرِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ ": أَوْ قرينه.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ أَوْلَى كَالْمُسَاوَمَةِ عَلَى أَرْضِهَا، وَلَا يَدْخُلُ زَرْعٌ، وَلَا بَذْرٌ وَحُكْمُ الْغَرْسِ فِي بُنْيَانِهَا حُكْمُ الْغَرْسِ فِي الْأَرْضِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا بَاعَهُ بُسْتَانًا دَخَلَ فِيهِ الشَّجَرُ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْأَرْضِ، وَالشَّجَرِ، وَالْحَائِطِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْأَرْضَ الْمَكْشُوفَةَ لَا تُسَمَّى بِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ الْبِنَاءُ كَالشَّجَرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
стр. 1432
وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِحُقُوقِهَا، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ، وَالْبُقُولِ، أَوْ تُكَرَّرُ ثَمَرَتُهُ كَالْقِثَّاءِ، وَالْبَاذِنْجَانِ فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْجِزَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرَةُ مِنِ الْقِثَّاءِ، وَالْبَاذِنْجَانِ لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: لَا لِعَدَمِ الِافْتِقَارِ إِلَيْهِ، فَإِنْ بَاعَهُ شَجَرًا لَمْ تَدْخُلِ الْأَرْضُ، ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَا، لِأَنَّ الِاسْمَ لَا يَتَنَاوَلُهَا، وَلَا هِيَ تَبَعٌ لِلْمَبِيعِ، فَإِنْ بَاعَهُ شَجَرَةً فَلَهُ تَبْقِيَتُهَا فِي أَرْضِ الْبَائِعِ كَالثَّمَرِ عَلَى الشَّجَرِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَبْقَى بِالْأُجْرَةِ، إِذْ مَغْرِسُهَا لِلْبَائِعِ.
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَغَيْرُهُ: وَيَثْبُتُ حَقُّ الِاخْتِيَارِ وَلَهُ الدُّخُولُ لِمَصَالِحِهَا (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ يُجَزُّ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى كَالرَّطْبَةِ) وَهِيَ الْغَضَّةُ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَيُقَالُ لَهَا: قَتٌّ. قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ (وَالْبُقُولِ) ، وَهُوَ مَا يَأْكُلُهُ النَّاسُ (أَوْ تَكَرَّرَتْ ثَمَرَتُهُ كَالْقِثَّاءِ، وَالْبَاذِنْجَانِ فَالْأُصُولُ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُرَادُ لِلْبَقَاءِ أَشْبَهَ الشَّجَرَ (وَالْجِزَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَاللَّقْطَةُ الظَّاهِرَةُ مِنِ الْقِثَّاءِ، وَالْبَاذِنْجَانِ لِلْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ تُؤْخَذُ ثَمَرَتُهُ مَعَ بَقَاءِ أَصْلِهِ أَشْبَهَ ثَمَرَةَ الشَّجَرَةِ الْمُؤَبَّرَةِ وَسَوَاءٌ كَانَ مَا يَبْقَى سَنَةً كَهِنْدَبَا، أَوْ أَكْثَرَ كَرَطْبَةٍ، لَكِنْ عَلَى الْبَائِعِ قَطْعُ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْهُ فِي الْحَالِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يَنْتَهِي إِلَيْهِ فَيَطُولُ زَمَنُهُ مَا كَانَ ظَاهِرًا (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَى شَجَرًا عَلَيْهِ ثَمَرٌ أُبِّرَ وَاشْتَرَطَهُ كَانَ لَهُ، فَكَذَا هُنَا، فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُؤْخَذُ زَهْرُهُ وَتَبْقَى عُرُوقُهُ فِي الْأَرْضِ كَالْبَنَفْسَجِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ كَالرَّطْبَةِ وَكَذَلِكَ وَرَقُهُ وَأَغْصَانُهُ، فَأَمَّا زَهْرَتُهُ، فَإِنْ تَفَتَّحَتْ فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّ الْبَائِعَ إِنْ قَالَ: بِعْتُكَ هَذِهِ الْأَرْضَ بِحُقُوقِهَا دَخَلَ فِيهَا، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ كَالشَّجَرِ (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إِلَّا مَرَّةً كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ) ، وَالْجَزَرِ، وَالْفُجْلِ، وَالْفُومِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ (فَهُوَ لِلْبَائِعِ) ؛ لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ كَالْكَنْزِ وَالْقُمَاشِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (مَبْقِيٌّ إِلَى الْحَصَادِ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْعُرْفُ فِي نَقْلِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ كَالثَّمَرَةِ تُبَاعُ بَعْدَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يَبْقَى بِغَيْرِ أُجْرَةٍ؛ لِأَنَّه الْمَنْفَعَةَ حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً، وَعَلَيْهِ حَصَادُهُ فِي أَوَّلِ وَقْتِ أَخْذِهِ حَسَبَ الْعَادَةِ زَادَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ
стр. 1433
كَانَ فِيهَا زَرْعٌ لَا يُحْصَدُ إِلَّا مَرَّةً كَالْبُرِّ، وَالشَّعِيرِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ مَبْقِيٌّ إِلَى الْحَصَادِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
فَصْلٌ وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكًا فِي رُءُوسِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنْفَعَ لَهُ، وَقِيلَ: عَادَتُهُ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الثَّمَرَةِ الَّتِي قَدْ أُبِّرَتْ، فَعَلَى هَذَا هُوَ لَهُ قَصِيلًا كَانَ، أَوْ حَبًّا مُسْتَتِرًا، أَوْ ظَاهِرًا مَعْلُومًا، أَوْ مَجْهُولًا لِكَوْنِهِ دَخَلَ فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَلَمْ يَضُرَّ جَهْلُهُ وَعَدَمُ كَمَالِهِ.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ الْقَصَبِ الْفَارِسِيِّ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يُقْطَعُ فِيهِ إِلَّا أَنَّ الْعُرُوقَ لِلْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا تُتْرَكُ فِي الْأَرْضِ لِلْبَقَاءِ فِيهَا، وَالْقَصَبُ كَالثَّمَرَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَقَصَبُ السُّكَّرِ كَالزَّرْعِ، وَقِيلَ: كَالْفَارِسِيِّ، فَإِنْ حَصَدَهُ قَبْلَ أَوَانِ حَصَادِهِ لِيَنْتَفِعَ بِالْأَرْضِ فِي غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا حَصَلَتْ مُسْتَثْنَاةً، وَعَلَى الْبَائِعِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِصْلَاحٌ لِمُلْكِهِ فَهُوَ كَمَا لَوْ بَاعَ دَارًا فِيهَا دَابَّةٌ كَبِيرَةٌ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِهَدْمِ الْبَابِ فَهَدَمَهُ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ.
أَصْلٌ: مَا لَمْ يَدْخُلْ فِي الْبَيْعِ مِنْ زَرْعٍ وَحَجَرٍ وَنَحْوِهِ يَلْزَمُهُ نَقْلُهُ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَإِنْ أَبَى النَّقْلَ فَلِلْمُشْتَرِي إِجْبَارُهُ عَلَى تَفْرِيغِ مُلْكِهِ وَتَسْوِيَتِهِ إِذَا ضَرَّ عِرْقُهُ بِالْأَرْضِ كَقُطْنٍ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَضُرَّ وَيَنْقُلُهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ، فَلَا يَلْزَمُهُ لَيْلًا، وَلَا جَمْعُ الْحَمَّالِينَ لَهُ، فَإِنْ طَالَتْ مُدَّةُ نَقْلِهِ فَذَكَرَ جَمَاعَةٌ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فَعَيْبٌ يُثْبِتُ لَهُ الْخِيَارَ بَيْنَ الْفَسْخِ، وَالْإِمْسَاكِ مَعَ الْأَرْشِ، وَلَا أُجْرَةَ مُدَّةَ نَقْلِهِ، وَقِيلَ: مَعَ الْعِلْمِ، وَقِيلَ: بَلَى، وَإِنْ لَمْ يَنْضَرَّ مُشْتَرٍ بِبَقَائِهِ فَفِي إِجْبَارِهِ وَجْهَانِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا بَاعَ بَيْتًا مَنْ دَارٍ، وَقَالَ: بِحُقُوقِهِ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ سَمَّى الطَّرِيقَ وَعَيَّنَهُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِنْ أَطْلَقَ الطَّرِيقَ، وَلَمْ يُعَيِّنْهُ، صَحَّ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي فِي الْبَيْتِ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
[حُكْمُ بَيْعِ النَّخْلِ الْمُؤَبَّرِ]
فَصْلٌ (وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا تَشَقَّقَ طَلْعُهُ فَالثَّمَرُ لِلْبَائِعِ مَتْرُوكًا فِي رُؤُوسِ النَّخْلِ إِلَى
стр. 1434
النَّخْلِ إِلَى الْجَدَادِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ كَالْعِنَبِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَدَادِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ) كَذَا ذَكَرَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا فَثَمَرَتُهَا لِلْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُبْتَاعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَصْلُ التَّأْبِيرِ: التَّلْقِيحُ، وَهُوَ وَضْعُ الذَّكَرِ في الأنثى، وَلَيْسَ بِمُرَادٍ، ولهذا فسره بِالتَّشَقُّقِ، إِذِ الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يُلَقَّحْ لِصَيْرُورَتِهِ فِي حُكْمِ عَيْنٍ أُخْرَى، وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى التَّأْبِيرِ لِمُلَازَمَتِهِ التَّشَقُّقَ غَالِبًا، فَعَلَى هَذَا إِذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى نَخْلٍ مُثْمِرٍ، وَلَمْ يُشْتَرَطِ الثَّمَرَةُ وَكَانَتْ مُؤَبَّرَةً فَهِيَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُؤَبَّرَةٍ فَهِيَ لِلْمُشْتَرِي، وَعَنْهُ: الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالتَّأْبِيرِ لَا بِالتَّشْقِيقِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخَبَرِ، فَبَعْدَهُ لِلْبَائِعِ، وَقَبْلَهُ لِلْمُشْتَرِي، ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَنَصَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا لِلْبَائِعِ لَا يَلْزَمُهُ قَطْعُهَا فِي الْحَالِ، إِذِ التَّفْرِيعُ جَارٍ عَلَى الْعُرْفِ فَيُتْرَكُ إِلَى تَنَاهِي حَلَاوَتِهِ إِلَّا أَنْ تَجْرِيَ الْعَادَةُ بِأَخْذِهِ بُسْرًا، أَوْ يَكُونُ بُسْرُهُ خَيْرًا مِنْ رُطَبِهِ، فَإِنَّهُ يَجِدُهُ حِينَ اسْتِحْكَامِ حَلَاوَةِ بُسْرِهِ، وَلَوْ كَانَ بَقَاؤُهُ خَيْرًا لَهُ، كَمَا سَلَفَ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ قَطْعُ الثَّمَرَةِ لِتَضَرُّرِ الْأَصْلِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَشْرُطْهُ الْمُبْتَاعُ، فَإِنْ شَرَطَهُ دَخَلَ بِخِلَافِ وَقْفٍ وَوَصِيَّةٍ، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تَدْخُلُ فِيهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ كَفَسْخٍ بِعَيْبٍ وَمُقَايَلَةٍ فِي بَيْعِ وَرُجُوعِ أَبٍ فِي هِبَةٍ. قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِبَيَانِ تَأْبِيرِ الْبَعْضِ، وَالنَّخْلَةُ الْوَاحِدَةُ إِذَا أَبَّرَ بَعْضَهَا، فَإِنَّ الْجَمِيعَ لِلْبَائِعِ اتِّفَاقًا.
فَرْعٌ: كُلُّ عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ يَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِي أَنَّ الثَّمَرَةَ الْمُؤَبَّرَةَ تَكُونُ لِمَنِ انْتَقَلَ عَنْهُ الْأَصْلُ، وَغَيْرُ الْمُؤَبَّرَةِ لِمَنِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ، وَإِنِ انْتَقَلَ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَإِنَّهُ فِي الْفَسْخِ يَتْبَعُ الْأَصْلَ سَوَاءٌ أُبِّرَ أَوْ لَا، وَفِي الْهِبَةِ وَالرَّهْنِ يَتْبَعُ قَبْلَ التَّأْبِيرِ دُونَ مَا بَعْدَهُ.
فَائِدَتَانِ: الْأُولَى: طَلْعُ الْفُحَّالِ يُرَادُ لِلتَّلْقِيحِ كَطَلْعِ الْإِنَاثِ، وَقِيلَ: لِلْبَائِعِ سَوَاءٌ تَشَقَّقَ طَلْعُهُ أَمْ لَا.
الثَّانِيَةُ: يَصِحُّ شَرْطُ بَائِعٍ مَا لِمُشْتَرٍ، وَلَوْ قَبْلَ تَأْبِيرٍ وَلِبَعْضِهِ خِلَافًا لِابْنِ الْقَاسِمِ الْمَالِكِيِّ (وَكَذَلِكَ الشَّجَرُ إِذَا كَانَ فِيهِ ثَمَرٌ بَادٍ) أَيْ: ظَاهِرٌ (كَالْعِنَبِ، وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ) ؛ لِأَنَّ بُدُوَّ ذَلِكَ مِنْ شَجَرِهِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الرُّطَبِ مِنْ طَلْعِهِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا قُدِّمَ قَوْلُ
стр. 1435
وَالتِّينِ، وَالتُّوتِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْجَوْزِ، وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ كَالْمِشْمِشِ وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَاللَّوْزِ، وَمَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْنِ، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَالْوَرَقُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ، وَيُحْتَمَلُ فِي وَرَقِ التُّوتِ، والْمَقْصُودُ أَخْذُهُ أَنَّهُ، إِنْ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِنْ كَانَ حَبًّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ فَهُو
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَائِعٍ: إِنَّهُ بَدَا وَظَهَرَ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَيُتَوَجَّهُ وَجْهٌ مِنْ وَاهِبٍ ادَّعَى شَرْطَ ثَوَابٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: فِيمَا يَظْهَرُ مِنْ قِشْرَيْنِ كَالْجَوْزِ، وَاللَّوْزِ إِنْ تَشَقَّقَ الْأَعْلَى فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
(وَمَا ظَهَرَ مِنْ نَوْرِهِ) أَيْ: زَهْرِهِ عَلَى أَيِّ لَوْنٍ كَانَ (كَالْمِشْمِشِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى (وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَاللَّوْزِ) ، وَالْإِجَّاصِ، وَالْخَوْخِ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَا يَتَنَاثَرُ نَوْرُهُ كَتُفَّاحٍ، وَفِي " الْمُغْنِي ": وَعِنَبٍ يَمْتَنِعُ دُخُولُهُ بِتَنَاثُرِ نَوْرِهِ أَيْ: لِلْبَائِعِ بِظُهُورِ نَوْرِهِ؛ لِأَنَّ الطَّلْعَ إِذَا تَشَقَّقَ كَانَ كَنَوْرِ الشَّجَرِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ مَا فِي الطَّلْعِ هُوَ عَيْنٌ بِخِلَافِ النَّوْرِ، فَإِنَّهُ يَتَسَاقَطُ، وَالثَّمَرُ غَيْرُهُ (وَمَا خَرَجَ مِنْ أَكْمَامِهِ) وَاحِدُهُ كُمٌّ، وَهُوَ الْغِلَافُ وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي وِعَاءِ الطَّلْعِ (كَالْوَرْدِ، وَالْقُطْنِ) ، وَالْبَنَفْسَجِ، وَالْيَاسَمِينِ أَيْ: هُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ أَكْمَامِهِ بِمَنْزِلَةِ ظُهُورِ الثَّمَرَةِ مِنَ الطَّلْعِ (وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُ الْأَصْلَ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لِلْمُشْتَرِي كَالْأَصْلِ (وَالْوَرَقُ لِلْمُشْتَرِي بِكُلِّ حَالٍ) كَالْأَغْصَانِ (وَيُحْتَمَلُ فِي وَرَقِ التُّوتِ) ، وَهُوَ الْفِرْصَادِ. قَالَهُ الْأَصْمَعِيُّ، وَقِيلَ: الْفِرْصَادُ اسْمٌ لِلثَّمَرَةِ، وَالتُّوتُ اسْمٌ لِلشَّجَرَةِ (وَالْمَقْصُودُ أَخْذُهُ أَنَّهُ إِنْ تَفَتَّحَ فَهُوَ لِلْبَائِعِ) كَالثَّمَرَةِ؛ لِأَنَّهُ يُقْصَدُ لِتَرْبِيَةِ الْقَزِّ (وَإِنْ كَانَ حَبًّا) أَيْ: لَمْ يَتَفَتَّحْ (فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) هَذَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي عَادَتُهُمْ أَخْذُ الْوَرَقِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَادَةٌ كَانَ لِلْمُشْتَرِي كَسَائِرِ الْوَرَقِ (وَإِنْ ظَهَرَ بَعْضُ الثَّمَرَةِ) ، أَوْ تَشَقَّقَ طَلْعُ بَعْضِ النَّخْلِ (فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْخَبَرَ دَلَّ بِمَنْطُوقِهِ عَلَى أَنَّ الْمُؤَبَّرَ لِلْبَائِعِ وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ مَا لَمْ يُؤَبَّرْ لِلْمُشْتَرِي (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ الْكُلُّ لِلْبَائِعِ)
стр. 1436
َ لِلْبَائِعِ، وَمَا لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْكُلُّ لِلْبَائِعِ، وَإِنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ أَوِ الثَّمَرَةُ إِلَى سَقْيٍ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِيَ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْهُ.
فَصْلٌ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا ، وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ إِلَّا بِشَرْطِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحَكَاهُ فِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُجْعَلْ لَهُ لَأَدَّى إِلَى الْإِضْرَارِ بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ، إِذِ الْبَاطِنُ يَتْبَعُ الظَّاهِرَ كَأَسَاسَاتِ الْحِيطَانِ وَكَشَجَرَةٍ، وَهَذَا الْخِلَافُ فِي النَّوْعِ الْوَاحِدِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ يَتَفَاوَتُ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَبُو الْخَطَّابِ بَيْنَ النَّوْعِ، وَالْجِنْسِ، فَلَوْ أَبَّرَ الْكُلَّ إِلَّا نَخْلَةً فَأَفْرَدَهَا بِالْبَيْعِ فَفِي أَيِّهِمَا لَهُ، وَجْهَانِ، وَفِي " الْوَاضِحِ " مَا لَمْ يَبْدُ مِنْ ثَمَرِهِ شَجَرَةٌ لِمُشْتَرٍ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ ظَاهِرَ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ كَحُدُوثِ طَلْعٍ بَعْدَ تَأْبِيرِهَا، أَوْ بَعْضِهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ لَا اشْتِبَاهَ لِبُعْدِ مَا بَيْنَهُمَا وَظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ: لَا فَرْقَ.
فَرْعٌ: بَاعَ حَائِطَيْنِ أَبَّرَ أَحَدَهُمَا لَمْ يَتْبَعْهُ الْآخَرُ؛ لِأَنَّ لِكُلٍّ حُكْمَ نَفْسِهِ.
(وَإِنِ احْتَاجَ الزَّرْعُ) الْمبقي (أَوِ الثَّمَرَةُ) الْمُبْقَاةُ (إِلَى سَقْيٍ لَمْ يَلْزَمِ الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِكَوْنِ أَنَّ الْبَائِعَ لَمْ يَمْلِكْهَا مِنْ جِهَتِهِ بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَتِ الثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى أَصْلِ الْبَائِعِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ السَّقْيُ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهَا إِلَيْهِ (وَلَمْ يَمْلِكْ مَنْعَ الْبَائِعِ مِنْهُ) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَبْقَى فَلَزِمَهُ تَمْكِينُهُ مِنْهُ كَتَرْكِهِ عَلَى الْأُصُولِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ أَضَرَّ بِصَاحِبِهِ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّهُ دَخَلَ فِي الْعَقْدِ عَلَى ذَلِكَ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ سَقْيَهَا لِغَيْرِ حَاجَةٍ فَلِلْمُشْتَرِي مَنْعُهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ سَقْيَهُ يَتَضَمَّنُ التَّصَرُّفَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، وَالْأَصْلُ: الْمَنْعُ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ السَّقْيَ مِنْ مَالِهِ لِمَصْلَحَةٍ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ رُجِعَ إِلَى قَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ.
[بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا]
فَصْلٌ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا) أَيْ: بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ إِجْمَاعًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا نَهَى الْبَائِعَ، وَالْمُبْتَاعَ» . مُتَّفَقٌ
стр. 1437
الْقَطْعِ فِي الْحَالِ، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّطْبَةِ وَالْبُقُولِ إِلَّا بِشَرْطِ جَزِّهِ، وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ إِلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً إِلَّا أَنْ يَبِيعَ أَصْلَهُ.
وَالْحَصَادُ، وَاللِّقَاطُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي الْفَسَادَ (وَلَا الزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ بَيْعِ السُّنْبُلِ حَتَّى يَبْيَضَّ وَيَأْمَنَ الْعَاهَةَ» . وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ.
وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ (إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ) ، فَيَصِحُّ إِجْمَاعًا لِزَوَالِ مَعْنَى النَّهْيِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفِعًا بِهِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْكُمَّثْرَى، وَعَنْهُ: يَجُوزُ مَعَ الْعَزْمِ عَلَى الْقَطْعِ.
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى نِصْفَ ثَمَرَةٍ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، أَوْ نِصْفَ زَرْعٍ قَبْلَ اشْتِدَادِهِ مُشَاعًا لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ اشْتَرَاهُ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ أَكَثُرَ، شَرَطَ الْقَطْعَ أَوْ لَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ قَطْعُهُ إِلَّا بِقَطْعِ مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُهُ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الرَّطْبَةِ) وَهِيَ نَبْتٌ مَعْرُوفٌ يُقِيمُ فِي الْأَرْضِ سِنِينَ وَهِيَ الْقَضْبُ أَيْضًا، وَتُسَمَّى الْفِصْفِصَةَ بِفَاءَيْنِ مَكْسُورَتَيْنِ وَصَادَيْنِ مُهْملَتَيْنِ (وَالْبُقُولِ) كَالنَّعْنَاعِ، وَالْهِنْدَبَا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْأَرْضِ مَسْتُورٌ مُغَيَّبٌ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْهُ مَعْدُومٌ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ كَالَّذِي يَحْدُثُ مِنَ الثَّمَرَةِ (إِلَّا بِشَرْطِ جَزِّهِ) أَيْ: بِشَرْطِ الْقَطْعِ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ مَبِيعٌ مَعْلُومٌ لَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَا غَرَرَ، أَشْبَهَ مَا جَازَ بَيْعُهُ مِنْ غَيْرِهِ (وَلَا الْقِثَّاءِ وَنَحْوِهِ) كَالْخِيَارِ، وَالْبَاذِنْجَانِ (إِلَّا لَقْطَةً لَقْطَةً) ؛ لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى اللَّقْطَةِ ثَمَرٌ لَمْ يُخْلَقْ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ قَبْلَ ظُهُورِهِ (إِلَّا أَنْ يَبِيعَ أَصْلَهُ) ؛ لِأَنَّهُ إِذن تَبِعَ لِلْأَصْلِ أَشْبَهَ الْحَمْلَ مَعَ أُمِّهِ، وَأُسَّ الْحَائِطِ مَعَهُ، وَالْأَوْلَى رَدُّ الِاسْتِثْنَاءِ إِلَى الْكُلِّ؛ لِأَنَّهُ إِذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا يَعُودُ إِلَى كُلِّهَا خُصُوصًا مَعَ اتِّحَادِ الْحُكْمِ وَمُطَابَقَتِهِ، فَعَلَيْهِ يَجُوزُ بَيْعُ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا إِذَا بِيعَتْ مَعَ الشَّجَرِ، وَالزَّرْعِ قَبْلَ اشْتِدَادِ حَبِّهِ إِذَا بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ، وَكَذَا مَا بَعْدَهُ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْأَصْلِ صِغَارًا، أَوْ كِبَارًا، مُثْمِرًا أَوْ غَيْرَ مُثْمِرٍ؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ يَتَكَرَّرُ فِيهِ الثَّمَرَةُ أَشْبَهَ الشَّجَرَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا لمالك الْأَصْلَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ؛
стр. 1438
بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ، أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ لَا مَتْبُوعَ، فَلَا تَابِعَ، فَلَوْ شَرَطَ الْقَطْعَ صَحَّ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ؛ لِأَنَّه لا الْأَصْلَ لَهُ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ اشْتِرَاطَ الْقَطْعِ حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ، وَفِيهِ نَظَرٌ بَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، وَالثَّانِي: يَصِحُّ، وَهُوَ اخْتِيَارُ السَّامَرِّيِّ وَصَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ الْأَصْلُ وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي أَشْبَهَ مَا لَوِ اشْتَرَاهُمَا مَعًا.
تَنْبِيهٌ: الْقُطْنُ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَا لَهُ أَصْلٌ يَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَعْوَامًا فَحُكْمُهُ كَالشَّجَرِ.
الثَّانِي: مَا يَتَكَرَّرُ زَرْعُهُ كُلَّ عَامٍ فَحُكْمُهُ كَالزَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ جَوْزُهُ ضَعِيفًا رَطْبًا لَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ إِلَّا بِشَرْطِ الْقَطْعِ كَالزَّرْعِ، وَإِنْ قَوِيَ وَاشْتَدَّ جَازَ بَيْعُهُ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَإِنْ بِيعَتِ الْأَرْضُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُبْتَاعُ.
[الْحَصَادُ وَاللِّقَاطُ وَالْجَدَادُ عَلَى الْمُشْتَرِي]
(وَالْحَصَادُ، وَاللِّقَاطُ) ، وَالْجِدَادُ (عَلَى الْمُشْتَرِي) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ من مؤنة نَقْلُهَا كَنَقْلِ الطَّعَامِ الْمَبِيعِ بِخِلَافِ أُجْرَةِ الْكَيَّالِ، وَالْوَزَّانِ، فَإِنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا من مؤنة تَسْلِيمُ الْمَبِيعِ إِلَى الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ، وَهُنَا حَصَلَ التَّسْلِيمُ بِالتَّخْلِيَةِ بِدُونِ الْقَطْعِ بِدَلِيلِ جَوَازِ التَّصَرُّفِ فِيهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ، فَإِنْ شَرَطَهُ عَلَى الْبَائِعِ، صَحَّ خِلَافًا لِلْخِرَقِيِّ.
قَالَ فِي " الرَّوْضَةِ " لَيْسَ لِقَوْلِهِ وَجْهٌ، وَفِي الْإِرْشَادِ فِي صِحَّتِهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ بَطَلَ فَفِي الْعَقْدِ رِوَايَتَانِ (فَإِنْ بَاعَهُ مُطْلَقًا) أَيْ: لَمْ يَشْتَرِطْ تَبْقِيَةً، وَلَا قَطْعًا، وَقِيلَ: إِطْلَاقُهُ كَشَرْطِهِ قَدَّمَهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "؛ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الْقَطْعَ فَحُمِلَ عَلَيْهِ (أَوْ بِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ لَمْ يَصِحَّ) إِجْمَاعًا فِي الثَّانِيَةِ لِمَا سَبَقَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى اشْتِرَاطِ بُدُوِّ الصَّلَاحِ فِي الثَّمَرِ وَاشْتِدَادِ الْحَبِّ فِي شَرْطِ جَزِّ الْمَبِيعِ لَقْطَةً لَقْطَةً (فَإِنِ اشْتَرَطَ الْقَطْعَ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى بَدَا صَلَاحُ الثَّمَرَةِ) بَطَلَ الْعَقْدُ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا» وَاسْتَثْنَى
стр. 1439
طَالَتِ الْجِزَّةُ، أَوْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، فَلَمْ تَتَمَيَّزْ، أَوِ اشْتَرَى عَرِيَّةَ لِيَأْكُلَهَا رُطَبًا فَأَثْمَرَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ، وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ بِهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْهُ مَا إِذَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ وَقُطِعَ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ، وَلِأَنَّ التَّبْقِيَةَ مَعْنًى حَرَّمَ الشَّرْعُ اشْتِرَاطَهُ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فَأَبْطَلَ الْعَقْدَ وُجُودُهُ كَتَأْخِيرِ قَبْضِ رَأْسِ مَالِ السَّلَمِ، وَالصَّرْفِ، وَلِأَنَّ صِحَّةَ ذَلِكَ تَجْعَلُ ذَرِيعَةً إِلَى الْحَرَامِ وَوَسَائِلُ الْحَرَامِ حَرَامٌ كَبَيْعِ الْعِينَةِ، وَقَدْ عَاقَبَ اللَّهُ أَصْحَابَ السَّبْتِ بِصَنِيعِهِمْ (أَوْ طَالَتِ الْجِزَّةُ) أَيْ: إِذَا اشْتَرَى رَطْبَةً بِشَرْطِ الْقَطْعِ، ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى طَالَتِ الْجِزَّةُ، أَوْ زَرْعًا أَخْضَرَ، ثُمَّ اشْتَدَّ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الثَّمَرَةِ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهَذَا لَمْ يَقْصِدْ وَقْتَ الشِّرَاءِ تَأْخِيرَهُ، وَلَمْ يَجْعَلْ شِرَاءَهُ بِشَرْطِ الْقَطْعِ حِيلَةً، فَإِنْ قَصَدَهُ فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ؛ لِأَنَّهُ حِيلَةٌ مُحَرَّمَةٌ (أَوْ حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، فَلَمْ تَتَمَيَّزْ) ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا إِذَا تَمَيَّزَتْ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، فَعَلَى هَذَا لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَمَرَتُهُ (أَوْ اشْتَرَى عَرِيَّةً لِيَأْكُلَهَا رَطْبًا فَأَثْمَرَتْ بَطَلَ الْبَيْعُ) لِقَوْلِهِ ﵇: «يَأْكُلُهَا أَهْلُهَا رَطْبًا» . وَلِأَنَّ شِرَاءَهَا إِنَّمَا جَازَ لِلْحَاجَةِ إِلَى أَكْلِ الرُّطَبِ، فَإِذَا أَثْمَرَ تَبَيَّنَّا عَدَمَ الْحَاجَةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ تَرْكِهِ لِغِنَاهُ عَنْهَا، أَوْ لَا، لِعُذْرٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَلَوْ أَخَذَ بَعْضًا رُطَبًا وَتَرَكَ بَاقِيَهَا حَتَّى أَثْمَرَ فَهَلْ يَبْطُلُ فِيمَا أَثْمَرَ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَيَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ أَخَذَهَا رُطَبًا فَتَرَكَهَا عِنْدَهُ حَتَّى أَثْمَرَتْ، أَوْ شَمَّسَهَا حَتَّى صَارَتْ تَمْرًا أَنَّهُ يَجُوزُ، وَلِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَهَا.
وَعَنْهُ: يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِيهِ إِنْ أَخَّرَهُ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ، وَعَنْهُ: يَفْسُدُ لِقَصْدِ حِيلَةٍ وَمَتَى حَكَمْنَا بِفَسَادِ الْبَيْعِ، فَالثَّمَرَةُ مَعَ الزِّيَادَةِ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمَشْهُورِ (وَعَنْهُ: لَا يَبْطُلُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِأَنَّهُ اخْتَلَطَ الْبَيْعُ بِغَيْرِهِ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى حِنْطَةً، فَانْهَالَتْ عَلَيْهَا أُخْرَى، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " فِيمَا إِذَا حَدَثَتْ ثَمَرَةٌ أُخْرَى، فَلَمْ
стр. 1440
وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ، وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ وَالْجِدَادِ، وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إلى ذَلِكَ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَتَمَيَّزَا: أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّهَا حَصَلَتْ فِي مِلْكِهِمَا، فَإِنَّ الثَّمَرَةَ مِلْكُ الْمُشْتَرِي، وَالْأَصْلُ مِلْكُ الْبَائِعِ وَهُمَا سَبَبُ الزِّيَادَةِ فَتُقَوَّمُ الثَّمَرَةُ وَقْتَ الْعَقْدِ وَيَوْمَ الْأَخْذِ، فَالزِّيَادَةُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: هِيَ لِلْمُشْتَرِي كَالْعَبْدِ إِذَا سَمِنَ، وَحُمِلَ كَلَامُ أَحْمَدَ بِالِاشْتِرَاكِ فِيهَا على الاستحباب (وَعَنْهُ: يَتَصَدَّقَانِ بِهَا) عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ لِاشْتِبَاهِ الْأَمْرِ فِيهَا وُجُوبًا، وَفِي " الْمُغْنِي " يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ اسْتِحْبَابًا، فَإِنْ أَبَيَا الصَّدَقَةَ بِهَا اشْتَرَكَا فِيهَا.
تَنْبِيهٌ: إِذَا بَطَلَ الْبَيْعُ زَكَّاهُ الْبَائِعُ وَحَيْثُ صَحَّ، فإن اتفقا عَلَى التَّبْقِيَةِ جَازَ وَزَكَّاهُ الْمُشْتَرِي، فَإِنْ قُلْنَا: الزِّيَادَةُ بَيْنَهُمَا، فَعَلَيْهِمَا إِنْ بَلَغَ نَصِيبُ كُلٍّ مِنْهُمَا نِصَابًا، وَإِلَّا انْبَنَى عَلَى الْخُلْطَةِ فِي غَيْرِ الْمَاشِيَةِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الْقَطْعِ، أَوْ طَلَبَهُ الْبَائِعُ فَسَخْنَا الْبَيْعَ؛ لِأَنَّ إِلْزَامَ الْبَائِعِ بِالتَّبْقِيَةِ يَضُرُّ بِنَخْلِهِ، وَتَمَكُّنَ الْمُشْتَرِي مِنَ الْقَطْعِ يَضُرُّ بِالْفُقَرَاءِ وَيَعُودُ مِلْكًا لِلْبَائِعِ وَيُزَكِّيهِ، وَفِي إِلْزَامِ الْمُشْتَرِي بِالتَّبْقِيَةِ إِنْ بَذَلَهَا الْبَائِعُ وَجْهَانِ، وَهَذَا إِذَا قُلْنَا الْوَاجِبُ فِيمَا يُقْطَعُ قَبْلَ كَمَالِهِ لِحَاجَةٍ عُشْرُهُ رُطَبًا، فَإِنْ قُلْنَا: يَخْرُجُ يَابِسًا، فَلَا يُفْسَخُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي " مُنْتَهَى الْغَايَةِ ".
فَرْعٌ: إِذَا اشْتَرَى خَشَبًا بِشَرْطِ الْقَطْعِ فَتَرَكَهُ حَتَّى زَادَ فَالْبَيْعُ لَازِمٌ وَيَشْتَرِكَانِ فِي الزِّيَادَةِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَقِيلَ: هِيَ لِلْبَائِعِ، وَقِيلَ: الْكُلُّ، وَقِيلَ: لِلْمُشْتَرِي، وَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ.
(وَإِذَا اشْتَدَّ الْحَبُّ وَبَدَا الصَّلَاحُ فِي الثَّمَرَةِ) أَيْ: طَابَ أَكْلُهُ وَظَهَرَ نُضْجُهُ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " بِظُهُورِ مُبَادِي الْحَلَاوَةِ (جَازَ بَيْعُهُ مُطْلَقًا وَبِشَرْطِ التَّبْقِيَةِ) ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا، وَعَنْ بَيْعِ الْحَبِّ حَتَّى يَشْتَدَّ يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ بَعْدَ بُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَالِاشْتِدَادِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ عَلَّلَ الْأَصْلَ خَوْفَ التَّلَفِ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَفْقُودٌ هُنَا (وَلِلْمُشْتَرِي تَبْقِيَتُهُ إِلَى الْحَصَادِ، وَالْجِدَادِ) ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ يَقْتَضِيهِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ تَعْجِيلَ قَطْعِهِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْفُرُوعِ "، وَغَيْرِهِ (وَيَلْزَمُ الْبَائِعَ سَقْيُهُ إِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ) ؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ
следующие страницы →