Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
بَاعَهَا الْحَاكِمُ، وَوَفَّى الْمُنْفِقَ وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ.
وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَضِعِ، وَمَوْتِ الرَّاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْمُغْنِي "، فَإِنْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانٍ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ، فَفِي رُجُوعِهِ وَجْهَانِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ مَالٌ يُنْفِقُ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبِيعَ مِنْهَا شَيْئًا ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ الْمَالِكِ، أَوْ نَائِبِهِ، أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ (فَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ بَاعَهَا الْحَاكِمُ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا إِنْ كَانَ فِيهَا فَضْلَةٌ عَنِ الْكِرَاءِ (وَوَفَّى الْمُنْفِقَ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَخْلِيصًا لِذِمَّةِ الْجَمَّالِ وَإِيفَاءً لِحَقِّ صَاحِبِ النَّفَقَةِ (وَحَفِظَ بَاقِيَ ثَمَنِهَا لِصَاحِبِهِ) لِأَنَّ الْحَاكِمَ يُلْزِمُهُ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ، فَلَوْ هَرَبَ الْجَمَّالُ بِجِمَالِهِ، وَلَمْ يَجِدِ الْمُسْتَأْجِرُ مَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ، فَلَهُ الْفَسْخُ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ قَبْضُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَخَ وَكَانَ الْجَمَّالُ قَدْ قَبَضَ الْأَجْرَ فَهُوَ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ، وَإِنِ اخْتَارَ الْمُقَامَ وَكَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ فَلَهُ ذَلِكَ فَيُطَالِبُهُ مَتَى قَدَرَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُدَّةٍ وَانْقَضَتْ فِي هَرَبِهِ انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مَوْصُوفٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ، وَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إِلَى الْحَاكِمِ، فَإِنْ وَجَدَ لَهُ مَالًا اكْتَرَى بِهِ وَإِلَّا اقْتَرَضَ عَلَيْهِ مَا يَكْتَرِي بِهِ، فَإِنْ دَفَعَهُ لِيَكْتَرِيَ بِنَفْسِهِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْقَرْضُ مِنَ الْمُكْتَرِي جَازَ وَصَارَ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْجَمَّالِ، وَإِنْ كَانَ الْعَقْدُ عَلَى مُعَيَّنٍ لَمْ يَجُزْ إِبْدَالُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِهِ فَيُخَيَّرُ الْمُكْتَرِي.
[مَا تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ وَمَا لَا تَنْفَسِخُ]
(وَتَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهَا) كَدَابَّةٍ نَفَقَتْ وَعَبْدٍ مَاتَ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ زَالَتْ بِالْكُلِّيَّةِ بِتَلَفِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَانْفَسَخَتْ كَتَلَفِ الْمَبِيعِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَهُ أَحْوَالٌ:
أَحَدُهَا: أَنْ تَتْلَفَ الْعَيْنُ قَبْلَ قَبْضِهَا، وَلَا خِلَافَ فِي انْفِسَاخِهَا.
الثَّانِي: أَنْ تَتْلَفَ عَقِبَ قَبْضِهَا، وَقَبْلَ مُضِيِّ مُدَّةٍ لَا أَجْرَ لَهَا، فَتَنْفَسِخُ أَيْضًا وَيَسْقُطُ الْأَجْرُ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.
الثَّالِثُ: أَنْ تَتْلَفَ بَعْدَ مُضِيِّ بَعْضِ الْمُدَّةِ، فَيَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ خَاصَّةً فِي
стр. 1717
فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ أَوْ بُرْئِهِ وَنَحْوَ هَذَا، وَإِنِ اكْتَرَى دَارَا فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَصَحِّ كَمَا لَوِ اشْتَرَى صَبْرَتَيْنِ فَقَبَضَ إِحْدَاهُمَا وَتَلَفَتِ الْأُخْرَى بِأَمْرٍ سَمَاوِيٍّ قَبْلَ قَبْضِهَا ثُمَّ إِنْ كَانَ آخِرَ الْمُدَّةِ مُتَسَاوِيًا وَقَدِ اسْتَوْفَى نِصْفَهَا فَعَلَيْهِ نِصْفُ الْأُجْرَةِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ بِأَنْ يَكُونَ أَجْرُهَا فِي الصَّيْفِ أَكْثَرَ مِنَ الشِّتَاءِ أَوْ بِالْعَكْسِ، فَإِنَّ الْأَجْرَ الْمُسَمَّى يُقَسَّطُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِذا قِيلَ: أَجْرُهَا فِي الصَّيْفِ يُسَاوِي مِائَةً وَفِي الشِّتَاءِ يُسَاوِي خَمْسِينَ، وَكَانَ قَدْ سَكَنَ الصَّيْفَ فَعَلَيْهِ بِقَدْرِ ثُلُثَيِ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى (وَمَوْتِ الصَّبِيِّ الْمُرْتَضِعِ) لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ غَيْرِهِ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي الرِّضَاعِ، وَقَدْ يَدِرُّ اللَّبَنُ عَلَى وَلَدٍ دُونَ آخَرَ، فَإِنْ كَانَ مَوْتُهُ عَقِبَ الْعَقْدِ زَالَتِ الْإِجَارَةُ مَنْ أَصْلِهَا، وَرَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالْأَجْرِ كُلِّهِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ رَجَعَ بِحِصَّةِ مَا بَقِيَ، وَكَذَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُرْضِعَةِ لِفَوَاتِ الْمَنْفَعَةِ بِهَلَاكِ مَحَلِّهَا، وَعَنْهُ: لَا يَنْفَسِخُ بِمَوْتِهَا، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَيَجِبُ فِي مَالِهَا أَجْرُ مَنْ تُرْضِعُهُ تَمَامَ الْوَقْتِ كَالدَّيْنِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هَلَكَ أَشْبَهَ هَلَاكَ الْبَهِيمَةِ الْمُسْتَأْجَرَةِ (وَمَوْتِ الرَّاكِبِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ، أَوْ كَانَ غَائِبًا كَمَنْ يَمُوتُ بِطَرِيقِ مَكَّةَ وَيَتْرُكُ جَمَلَهُ فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا تَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ ; لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَمْنَعُ الْمُسْتَأْجِرَ مَنْفَعَةَ الْعَيْنِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غُصِبَتْ، وَلِأَنَّ بَقَاءَ الْعَقْدِ ضَرَرٌ فِي حَقِّهِمَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ إِذَا كَانَ لَهُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَهُ ; لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ غَيْرُ مُتَعَذِّرٍ، وَبِهِ يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ: وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي (وَانْقِلَاعِ الضِّرْسِ الَّذِي اكْتَرَى لِقَلْعِهِ أَوْ بُرْئِهِ) لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْمَوْتِ، فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ وَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ مِنْ قَلْعِهِ لَمْ يُجْبَرْ (وَنَحْوَ هَذَا) كَاسْتِئْجَارِ طَبِيبٍ لِيُدَاوِيهِ، فَبَرَأَ.
تَنْبِيهٌ: ظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ إِذَا أَتْلَفَ الْعَيْنَ، فَإِنَّهَا يَثْبُتُ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَ، وَمِثْلُهُ جَبُّ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا فَإِنَّهَا تَضْمَنُ وَلَهَا الْفَسْخُ.
(وَإِنِ اكْتَرَى دَارًا فَانْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضًا لِلزَّرْعِ فَانْقَطَعَ مَاؤُهَا انْفَسَخَتِ الْإِجَارَةُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَطَعَ بِهِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ قَدْ
стр. 1718
مِنَ الْمُدَّةِ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ، وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي وَلَا بِعُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلْحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ، وَإِنْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَمُطَالَبَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَاتَ أَشْبَهَ مَا لَوْ تَلِفَ، وَقِيلَ: وَتَنْفَسِخُ فِيمَا مَضَى (وَفِي الْآخَرِ يَثْبُتُ لِلْمُسْتَأْجِرِ خِيَارُ الْفَسْخِ) صَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَقَالَهُ الْقَاضِي فِي الدَّارِ لِإِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِالْعَرْصَةِ بِنَصْبِ خَيْمَةٍ، أَوْ جَمْعِ حَطَبٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ نَقْصَ الْعَيْنِ، أَمَّا لَوْ زَالَتْ مَنَافِعُهَا بِالْكُلِّيَّةِ، أَوِ الَّذِي بَقِيَ فِيهَا لَا يُبَاحُ اسْتِيفَاؤُهُ بِالْعَقْدِ كَدَابَّةٍ اسْتَأْجَرَهَا لِلرُّكُوبِ فَصَارَتْ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لِلْحَمْلِ، فَإِنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ وَجْهًا وَاحِدًا.
وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْأَرْضِ وَالَّتِي انْقَطَعَ مَاؤُهَا: لَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ وَيُخَيَّرُ، فَإِنِ اخْتَارَ الْمُقَامَ لَزِمَهُ جَمِيعُ الْأَجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَخْتَرِ الْفَسْخَ وَلَا الْإِمْضَاءَ إِمَّا لِجَهْلِهِ بِأَنَّ لَهُ الْفَسْخَ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَلَهُ الْفَسْخُ.
فَرْعٌ: إِذَا آجَرَهُ أَرْضًا بِلَا مَاءٍ صَحَّ، فَإِنْ أَطْلَقَ، فَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ صِحَّتَهَا مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهَا، وَقِيلَ: لَا كَظَنِّهِ إِمْكَانَ تَحْصِيلِهِ، وَإِنْ ظَنَّ وَجُودَهُ بِالْأَمْطَارِ، وَزِيَادَةِ الْأَنْهَارِ صَحَّ جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ كَالْعِلْمِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ وَجْهَانِ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ الْمُكْرِي وَلَا الْمُكْتَرِي) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَازِمٌ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِمَوْتِ الْعَاقِدِ مَعَ سَلَامَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ مُكْتَرٍ لَا قَائِمَ مَقَامَهُ كَبُرْءِ ضِرْسٍ اكْتَرَى لِقَلْعِهِ ; لِأَنَّ اسْتِيفَاءَ الْمَنْفَعَةِ يَتَعَذَّرُ بِمَوْتِهِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْمُسْتَأْجِرَ قَدْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ، وَإِنَّ الْأُجْرَةَ قَدْ مُلِّكَتْ عَلَيْهِ كَامِلَةً وَقْتَ الْعَقْدِ، وَيَلْزَمُهُمْ مَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ مَاتَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ فَمَاتَ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَعَنْهُ: لَا بَلْ وَارِثُهُ كَهُوَ، وَقِيلَ: إِنْ مَاتَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَقِيلَ: لَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا قَطَعَ مِنَ الْمَسَافَةِ الْوَاجِبِ قَطْعُهَا، وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ الْأَرْكَانِ فَلَهُ الْأُجْرَةُ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِمَا بَقِيَ، وَإِنْ عَمِلَ بَعْضَهَا فَلَهُ بِقَدْرِ مَا عَمِلَ وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَنْ يَعْمَلُ الْبَاقِيَ (وَلَا) تَنْفَسِخُ (بِعُذْرٍ لِأَحَدِهِمَا مِثْلَ أَنْ يَكْتَرِيَ لِلْحَجِّ فَتَضِيعَ نَفَقَتُهُ، أَوْ دُكَّانًا فَيَحْتَرِقُ مَتَاعُهُ) فِي قَوْلِ الْجَمَاهِيرِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَجُوزُ فَسْخُهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَلَمْ يَجُزْ لِعُذْرٍ مِنْ غَيْرِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ الْإِبَاقَ، فَإِنَّهُ عُذْرٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ.
(وَإِنْ غُصِبَتِ الْعَيْنُ خُيِّرَ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ) لِأَنَّ
стр. 1719
الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: فإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَعَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ. وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ فَمَرِضَ أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ وَالْأُجْرَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي عَدَمِ ثُبُوتِ الْخِيَارِ تَأْخِيرًا لِحَقِّهِ، وَلِأَنَّ تَعَذُّرَ الِانْتِفَاعِ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ عَيْبٌ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، فَمِلْكُ الْخِيَرَةِ بِهِ كَالْعَيْبِ فِي الْمَبِيعِ، وَحِينَئِذٍ لَهُ الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالرُّجُوعِ بِالْمُسَمَّى فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ، وَبَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْعَقْدِ وَمُطَالَبَةِ الْغَاصِبِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَلَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِمُجَرَّدِ الْغَصْبِ ; لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ لَمْ يَفُتْ مُطْلَقًا بَلْ فَاتَ إِلَى بَدَلٍ وَهُوَ الْقِيمَةُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَتْلَفَ الثَّمَرَةَ الْمَبِيعَةَ آدَمِيٌّ قَبْلَ قَطْعِهَا، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ الِانْفِسَاخَ إِنْ قِيلَ بِعَدَمِ ضَمَانِ مَنَافِعِ الْغَصْبِ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " تَنْفَسِخُ تِلْكَ الْمُدَّةُ وَالْأُجْرَةُ لِلْمُؤَجِّرِ لِاسْتِيفَاءِ الْمَنَافِعِ عَلَى مِلْكِهِ، فَلَوْ غَصَبَهَا مَالِكُهَا فَلَا شَيْءَ لَهُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلَى كَغَصْبٍ وَغَيْرِهِ (فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوِ انْفَسَخَ الْعَقْدُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ، فَإِنْ رُدَّتْ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ، وَلَمْ يَكُنْ فَسْخٌ اسْتَوْفَى مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَيَكُونُ فِيمَا مَضَى مُخَيَّرًا، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنٍ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ لَزِمَهُ بَدَلُهَا، فَإِنْ تَعَذَّرَ فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ لِعَمَلٍ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّبْرِ وَالْفَسْخِ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَإِنْ جَاءَ أَمْرٌ غَالِبٌ يَحْجِزُ الْمُسْتَأْجِرَ عَنْ مَنْفَعَةِ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَعَلَيْهِ مِنَ الْأُجْرَةِ بِقَدْرِ مُدَّةِ انْتِفَاعِهِ) هَذَا تَأْكِيدٌ لِوُجُوبِ الْأُجْرَةِ فِيمَا مَضَى، وَقَوْلُهُ شَامِلٌ لِغَصْبِ الْعَيْنِ وَتَلَفِهَا وَحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا كَانْهِدَامِ دَارٍ، وَغَرَقِ الْأَرْضِ، وَحُدُوثِ خَوْفٍ عَامٍّ ; لِأَنَّهُ أَمْرٌ غَالِبٌ، فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ كَغَصْبِ الْعَيْنِ، فَلَوْ كَانَ خَاصًّا بِالْمُسْتَأْجِرِ لِقُرْبِ أَعْدَائِهِ، أَوْ حُلُولِهِمْ فِي طَرِيقِهِ لَمْ يَمْلِكِ الْفَسْخَ كَمَرَضِهِ وَحَبْسِهِ.
(وَمَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلِ شَيْءٍ) فِي الذِّمَّةِ وَلَمْ يُشْرَطْ عَلَيْهِ مُبَاشَرَتُهُ (فَمَرِضَ أُقِيمَ مَقَامَهُ مَنْ يَعْمَلُهُ) لِيَخْرُجَ مِنَ الْحَقِّ الْوَاجِبِ فِي ذِمَّتِهِ كَالْمُسْلَمِ فِيهِ (وَالْأُجْرَةُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَرِيضِ ; لِأَنَّهَا فِي مُقَابَلَةِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُسْتَأْجِرَ إِنْظَارُهُ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ بِإِطْلَاقِهِ يَقْتَضِي التَّعْجِيلَ مَا لَمْ يَخْتَلِفِ الْقَصْدُ فِيهِ كَالْنسْخِ، فَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ عَلَى عَيْنِهِ فِي مُدَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَأَنْ تَخِيطَ لِي أَنْتَ هَذَا الثَّوْبَ، لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ كَالْبَيْعِ بَلْ يُخَيَّرُ الْمُسْتَأْجِرُ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالصَّبْرِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ الْحَالُ (فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً، أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ) وَهُوَ
стр. 1720
عَلَيْهِ، فَإِنْ وَجَدَ الْعَيْنَ مَعِيبَةً أَوْ حَدَثَ بِهَا عَيْبٌ فَلَهُ الْفَسْخُ، فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى، وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ إِلَّا أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَا يَظْهَرُ بِهِ تَفَاوُتُ الْأَجْرِ (فَلَهُ الْفَسْخُ) إِنْ لَمْ يَزَلْ بِلَا ضَرَرٍ يَلْحَقُهُ وَالْإِمْضَاءُ مَجَّانًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَنْفَسِخُ بِذَلِكَ، وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْإِمْسَاكِ بِكُلِّ الْأَجْرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَالْجِدُّ مَعَ الْأَرْشِ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، وَبَيْنَ الْفَسْخِ اسْتِدْرَاكًا لِظَلَامَتِهِ، وَلَا يَبْطُلُ الْخِيَارُ بِالتَّأْخِيرِ (فَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ مَا مَضَى) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَا يَحْصُلُ قَبْضُهَا إِلَّا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَإِنْ بَادَرَ الْمُكْرِي إِلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ الْمُسْتَأْجِرَ كَإِصْلَاحِ تَشْعِيثِ الدَّارِ فَلَا خِيَارَ لَهُ لِعَدَمِ الضَّرَرِ، فَإِنْ سَكَنَهَا مَعَ عَيْبِهَا فَعَلَيْهِ الْأُجْرَةُ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، وَلَوِ احْتَاجَتْ إِلَى تَجْدِيدِ فَإِنْ جَدَّدَ وَإِلَّا فَسَخَ، وَلَيْسَ لَهُ إِجْبَارُهُ عَلَى التَّجْدِيدِ فِي الْأَصَحِّ.
مَسْأَلَةٌ: مَتَى زَرَعَ الْأَرْضَ، فَغَرِقَتْ، أَوْ تَلِفَ، أَوْ لَمْ تُنْبِتْ فَلَا خِيَارَ لَهُ، وَتَلْزَمُهُ الْأُجْرَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ زَرْعُهَا لِغَرَقِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ وَكَذَا لِقِلَّةِ مَاءٍ قَبْلَ زَرْعِهَا أَوْ بَعْدَهُ، أَوْ عَابَتْ بِغَرَقٍ يَعِيبُ بِهِ بَعْضَ الزَّرْعِ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا أَوْ بَرْدٍ، أَوْ فَأْرٍ، أَوْ عُذْرٍ، فَإِنْ أَمْضَاهُ فَلَهُ الْأَرْشُ كَعَيْبِ الْأَعْيَانِ، وَإِنْ فَسَخَ فَعَلَيْهِ الْقِسْطُ قَبْلَ الْقَبْضِ ثُمَّ أُجْرَةُ الْمِثْلِ إِلَى كَمَالِهِ، وَمَا لَمْ يَرْوِ مِنَ الْأَرْضِ فَلَا أُجْرَةَ لَهُ اتِّفَاقًا، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَيَجُوزُ بَيْعُ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ بَاعَهَا لِمُسْتَأْجِرِهَا أَوْ لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، فَلَمْ يَمْنَعِ الصِّحَّةَ كَبَيْعِ الْأَمَةِ الْمُزَوَّجَةِ، وَلِأَنَّ يَدَ الْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الْمَنَافِعِ، وَالْبَيْعُ عَلَى الرَّقَبَةِ فَلَا يَمْنَعُ ثُبُوتُ الْيَدِ عَلَى أَحَدِهِمَا تَسْلِيمَ الْآخَرِ، وَإِنْ مَنَعَتِ التَّسْلِيمَ فِي الْحَالِ فَلَا تَمْنَعُهُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّسْلِيمُ، وَهُوَ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْإِجَارَةِ، وَتَكْفِي الْقُدْرَةُ عَلَى التَّسْلِيمِ حِينَئِذٍ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ، وَلِمُشْتَرٍ الْفَسْخُ أَوِ الْإِمْضَاءُ إِنْ لَمْ يَعْلَمْ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَيْبٌ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " لَهُ الْأَرْشُ مَعَ الْإِمْسَاكِ، وَإِنْ عَلِمَ وَرَضِيَ لَمْ يَتَصَرَّفْ فِي الْعَيْنِ حَتَّى تَفْرَغَ الْمُدَّةُ.
(وَلَا تَنْفَسِخُ الْإِجَارَةُ) لِأَنَّهَا سَابِقَةٌ عَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ، وَاللَّاحِقُ لَا يُوجِبُ فَسْخَ السَّابِقِ
стр. 1721
يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَنْفَسِخُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَ لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ ، وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فِيمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ ثُمَّ بَاعَهَا (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَنْفَسِخُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) كَذَا أَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَحَكَاهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: يَنْفَسِخُ فِيمَا بَقِيَ مِنَ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ لَمَّا مَنَعَ ابْتِدَاءَ الْإِجَارَةِ مَنَعَ اسْتِدَامَتَهَا كَالنِّكَاحِ لَمَّا مَنَعَ مِلْكَ الْيَمِينِ مَنَعَ اسْتِدَامَتَهُ، فَعَلَى هَذَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُشْتَرِي الْأَجْرُ فِيمَا بَقِيَ كَمَا لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ، وَإِنْ كَانَ الْمُؤَجِّرُ قَبَضَ الْأَجْرَ كُلَّهُ حُسِبَ عَلَيْهِ مِنَ الثَّمَنِ إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ.
وَالثَّانِيَةُ، وَهِيَ الْأَصَحُّ لَا تَنْفَسِخُ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْمَنْفَعَةَ بِعَقْدٍ ثُمَّ مَلَكَ الرَّقَبَةَ بِآخَرَ، فَلَمْ يَتَنَافَيَا كَمِلْكِ الثَّمَرَةِ ثُمَّ الْأَصْلِ فَيَجْتَمِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي الْأَجْرُ وَالثَّمَنُ لِلْبَائِعِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي غَيْرَهُ، وَلَوْ آجَرَهَا لِمُؤَجِّرِهَا، فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَنْفَسِخُ صَحَّ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا وَرِثَ الْمُسْتَأْجِرُ الْعَيْنَ الْمُؤَجَّرَةَ، أَوْ وُهِبَتْ لَهُ، أَوْ أَخَذَهَا بِوَصِيَّةٍ، أَوْ صَدَاقٍ، أَوْ عِوَضٍ فِي خُلْعٍ، أَوْ فِي صُلْحٍ وَنَحْوِهِ فَالْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوِ اشْتَرَاهَا.
[لَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ]
فَصْلٌ (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْأَجِيرِ الْخَاصِّ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَهُوَ الَّذِي يُسَلِّمُ نَفْسَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ) أَيْ يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مُدَّةً مَعْلُومَةً يَسْتَحِقُّ الْمُسْتَأْجِرُ نَفْعَهُ فِي جَمِيعِهَا سِوَى فِعْلِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي أَوْقَاتِهَا بِسُنَنِهَا، وَصَلَاةِ جُمُعَةٍ، وَعِيدٍ، وَلَا يَسْتَنِيبُ وَسُمِّيَ خَاصًّا لِاخْتِصَاصِ الْمُسْتَأْجِرِ بِنَفْعِهِ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَقِيلَ: هُوَ مَنْ سَلَّمَ نَفْسَهُ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ مُبَاحٍ (فِيمَا يَتْلَفُ فِي يَدِهِ) الْجَارُّ وَمَجْرُورُهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: وَلَا ضَمَانَ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ كَالْقَصَاصِ، وَلِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنِ الْمَالِكِ فِي صَرْفِ مَنَافِعِهِ فِيمَا أُمِرَ بِهِ، فَلَمْ يَضْمَنْ كَالْوَكِيلِ (إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى) لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أَشْبَهَ الْغَاصِبَ.
стр. 1722
يَتْلَفُ فِي يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَتَعَدَّى
وَ يَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ جَمَاعَةٌ: أَوْ تَفْرِيطٍ، وَمِثْلُهُ فِي " الشَّرْحِ " بِالْخَبَّازِ إِذَا أَسْرَفَ فِي الْوَقُودِ، أَوْ أَلْزَقَهُ قَبْلَ وَقْتِهِ، أَوْ بِتَرْكِهِ بَعْدَ وَقْتِهِ حَتَّى يَحْتَرِقَ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا جَنَتْ يَدُهُ.
وَعَنْ أَحْمَدَ يَضْمَنُ مَا تَلِفَ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ لَا يُعْلَمُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ.
[يَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرِكُ مَا جَنَتْ يَدُهُ]
(وَيَضْمَنُ الْأَجِيرُ الْمُشْتَرَكُ) وَهُوَ مَنْ قُدِّرَ نَفْعُهُ بِعَمَلٍ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، أَوْ بِنَاءِ حَائِطٍ، وَسُمِّيَ مُشْتَرَكًا ; لِأَنَّهُ يَتَقَبَّلُ أَعْمَالًا لِجَمَاعَةٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ يَعْمَلُ لَهُمْ فَيَشْتَرِكُونَ فِي مَنْفَعَتِهِ كَالْحَائِكِ، وَالْقَصَّارِ، وَالطَّبَّاخِ، وَالْحَمَّالِ، فَكُلٌّ مِنْهُمْ ضَامِنٌ (مَا جَنَتْ يَدُهُ مِنْ تَخْرِيقِ الثَّوْبِ وَغَلَطِهِ فِي تَفْصِيلِهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَشُرَيْحٍ، وَالْحَسَنِ ; لِأَنَّ عَمَلَهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِوَضَ إِلَّا بِالْعَمَلِ، وَأَنَّ الثَّوْبَ لَوْ تَلِفَ فِي حِرْزِهِ بَعْدَ عَمَلِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أُجْرَةٌ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ بِخِلَافِ الْخَاصِّ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا كَالْعُدْوَانِ بِقَطْعِ عُضْوٍ، وَظَاهِرُهُ فَرْقٌ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ فِي بَيْتِهِ، أَوْ بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَالْخِرَقِيِّ، وَلَا أَنْ يَكُونَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى الْمَتَاعِ، وَصَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ "، وَجَمَاعَةٌ ; لِأَنَّ ضَمَانَهُ لِجِنَايَتِهِ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَأَصْحَابُهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ إِنْ كَانَ عَمَلُهُ فِي بَيْتِ نَفْسِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ فِي مُلْكِ الْمُسْتَأْجِرِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَنَحْوِهَا فَلَا.
(وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا تَلِفَ مِنْ حِرْزِهِ أَوْ بِغَيْرِ فِعْلِهِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ; لِأَنَّ الْعَيْنَ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ التَّلَفُ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ كَالْحَرِيقِ وَاللُّصُوصِ الْغَالِبِينَ وَنَحْوِهِمْ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالضَّيَاعِ وَنَحْوِهِ ضَمِنَ لِلتُّهْمَةِ (وَلَا أُجْرَةَ لَهُ فِيمَا عَمِلَ فِيهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمُ عَمَلَهُ إِلَى الْمُسْتَأْجِرِ فَلَمْ يَسْتَحِقَّ عِوَضَهُ كَالْمَبِيعِ مِنَ الطَّعَامِ إِذَا تَلِفَ فِي يَدِ بَائِعِهِ قَبْلَ تَسْلِيمِهِ، وَظَاهِرُهُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ فِي بَيْتِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ غَيْرِهِ، بِنَاءً كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ ": إِلَّا مَا عَمِلَهُ فِي بَيْتِ رَبِّهِ،
стр. 1723
فِيمَا عَمِلَ فِيهِ، وَعَنْهُ: يَضْمَنُ مُطْلَقًا.
وَ لَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ، وَلَا طَبِيبٍ إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ
وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ بِنَاءً، وَعَنْهُ: وَمَنْقُولُ عَمَلِهِ فِي بَيْتِ رَبِّهِ، وَفِي " الْفُنُونِ " لَهُ الْأُجْرَةُ مُطْلَقًا ; لِأَنَّ وَضْعَهُ النَّفْعَ فِيمَا عَيَّنَهُ لَهُ كَالتَّسْلِيمِ إِلَيْهِ كَدَفْعِهِ إِلَى الْبَائِعِ غَرَارَةً، وَقَالَ: ضَعِ الطَّعَامَ فِيهَا، فَكَالَهُ فِيهَا كَانَ ذَلِكَ قَبْضًا ; لِأَنَّهَا كَيَدِهِ (وَعَنْهُ: يَضْمَنُ مُطْلَقًا) لِقَوْلِهِ ﵇ «وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» وَلِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَيْنَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، فَلَزِمَهُ ضَمَانُهَا كَالْمُسْتَعِيرِ، قَالَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ ": وَمَحَلُّ الرِّوَايَاتِ إِذَا لَمْ تَكُنْ يَدُ الْمَالِكِ عَلَيْهَا، فَإِنْ كَانَتْ فَلَا ضَمَانَ بِحَالٍ.
فَرْعٌ: إِذَا اسْتَعْمَلَ مُشْتَرِكٌ خَاصًّا صَحَّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمُ نَفْسِهِ
[لَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ وَلَا خَتَّانٍ وَلَا بَزَّاغٍ وَلَا طَبِيبٍ]
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى حَجَّامٍ، وَلَا خَتَّانٍ، وَلَا بَزَّاغٍ) وَهُوَ الْبَيْطَارُ (وَلَا طَبِيبٍ) خَاصًّا كَانَ كُلٌّ مِنْهُمْ أَوْ مُشْتَرَكًا (إِذَا عُرِفَ مِنْهُمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ وَلَمْ تَجْنِ أَيْدِيهِمْ) لِأَنَّهُ فَعَلَ فِعْلًا مُبَاحًا فَلَمْ يَضْمَنْ سِرَايَتَهُ كَحَدٍّ ; لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَقَطَعَ قَطْعًا لَا يَسْرِي بِخِلَافِ دَقَّ دَقًّا لَا يَخْرِقُهُ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ حِذْقٌ فِي الصَّنْعَةِ أَنَّهُمْ يَضْمَنُونَ ; لِأَنَّهُ لَا تَحِلُّ لَهُمْ مُبَاشَرَةُ الْقَطْعِ، فَإِذَا قَطَعَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا فَيَضْمَنُ سِرَايَتَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: «مَنْ تَطَبَّبَ بِغَيْرِ عِلْمِ فَهُوَ ضَامِنٌ» ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَلَوْ كَانَ فِيهِمْ حِذْقُ الصَّنْعَةِ، وَجَنَتْ أَيْدِيهِمْ بِأَنْ تَجَاوَزَ الْخَتَّانُ إِلَى بَعْضِ الْحَشَفَةِ، أَوْ تَجَاوَزَ الطَّبِيبُ بِقَطْعِ السَّلْعَةِ مَوْضِعَهَا، أَوْ بِآلَةٍ كَآلَةٍ يَكْثُرُ أَلَمُهَا وَجَبَتْ ; لِأَنَّ الْإِتْلَافَ لَا يَخْتَلِفُ ضَمَانُهُ بِالْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَكَمَا لَوْ قَطَعَهُ ابْتِدَاءً، وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى إِذَا مَاتَتْ طِفْلَةٌ مِنَ الْخِتَانِ فَدِيَتُهَا عَلَى عَاقِلَةِ خَاتِنَتِهَا، قَضَى بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَنَّهُ لَوِ اسْتَأْجَرَ لِحَلْقِ رُؤُوسٍ يَوْمًا، فَجَنَى عَلَيْهَا بِجِرَاحَةٍ لَا يَضْمَنُ كَجِنَايَتِهِ فِي قِصَارَةٍ وَنَحْوِهَا، وَيُعْتَبَرُ لِعَدَمِ الضَّمَانِ فِي ذَلِكَ إِذَنُ مُكَلَّفٍ أَوْ وَلِيٍّ وَإِلَّا ضَمِنَ، وَاخْتَارَ فِي " الْهَدْيِ " لَا يَضْمَنُ ; لِأَنَّهُ مُحْسِنٌ.
[لَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ]
(وَلَا ضَمَانَ عَلَى الرَّاعِي إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ إِلَّا مَا رُوِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ
стр. 1724
يَتَعَدَّ، وَإِذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ، وَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ بَعْدَ عَمَلِهِ خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَلَوْ جَاءَ بِجِلْدِ شَاةٍ، وَقَالَ: هَذَا جِلْدُ شَاتِكَ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ; لِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ عَلَى الْحِفْظِ أَشْبَهَ الْمُودِعَ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ قُبِضَتْ بِحُكْمِ الْإِجَارَةِ أَشْبَهَتِ الْعَيْنَ الْمُسْتَأْجَرَةَ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَا تَلِفَ بِتَعَدِّيهِ أَنَّهُ ضَامِنٌ لَهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَجَوَازُ إِجَارَةِ الرَّاعِي، وَقِصَّةُ شُعَيْبٍ مَعَ مُوسَى ﵇ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى مُعَيَّنَةٍ تَعَيَّنَتْ فِي الْأَصَحِّ فَلَا يُبَدِّلُهَا، وَيُبْطِلُ الْعَقْدَ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا، وَإِنْ عَقَدَ عَلَى مَوْصُوفٍ ذَكَرَ نَوْعَهُ، وَكِبَرَهُ، وَصِغَرَهُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ ثَمَّ قَرِينَةٌ أَوْ عُرْفٌ صَارِفٌ إِلَى بَعْضِهَا، وَلَا يَلْزَمُهُ رَعْيُ سِخَالِهَا، فَإِنْ ذَكَرَ عَدَدًا تَعَيَّنَ، وَإِنْ أَطْلَقَ لَمْ يَجُزْ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَى الْعَادَةِ (وَإِذَا حَبَسَ الصَّانِعُ الثَّوْبَ عَلَى أُجْرَتِهِ فَتَلِفَ ضَمِنَهُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرْهَنْهُ عِنْدَهُ، وَلَا أَذِنَ لَهُ فِي إِمْسَاكِهِ، فَلَزِمَهُ الضَّمَانُ كَالْغَاصِبِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ كَانَ صَبْغُهُ مِنْهُ فَلَهُ حَبْسُهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ رَبِّ الثَّوْبِ أَوْ قَدْ قَصَّرَهُ احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ، وَفِي " الْمَنْثُورِ " إِنْ خَاطَهُ، أَوْ قَصَّرَهُ، وَغَزَلَهُ فَتَلِفَ بِسَرِقَةٍ، أَوْ نَارٍ، فَمِنْ مَالِكِهِ وَلَا أُجْرَةَ ; لِأَنَّ الصَّنْعَةَ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ كَقَفِيزٍ مِنْ صَبْرَةٍ، وَيُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا إِذَا أَفْلَسَ مُسْتَأْجِرُهُ ثُمَّ جَاءَ بَائِعُهُ يَطْلُبُهُ، فَلِلصَّانِعِ حَبْسُهُ.
(وَإِنْ تَلِفَ الثَّوْبُ بَعْدَ عَمَلِهِ خُيِّرَ الْمَالِكُ) لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى مَالِهِ، فَكَانَتِ الْخِيَرَةُ إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ (بَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ غَيْرَ مَعْمُولٍ وَلَا أُجْرَةَ لَهُ) لِأَنَّ الْأُجْرَةَ إِنَّمَا تَجِبُ بِالتَّسْلِيمِ، وَلَمْ يُوجَدْ (وَبَيْنَ تَضْمِينِهِ إِيَّاهُ مَعْمُولًا وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ إِلَيْهِ الْأُجْرَةَ لَاجْتَمَعَ عَلَى الْأَجِيرِ فَوَاتُ الْأُجْرَةِ وَضَمَانُ مَا يُقَابِلُهَا، وَلِأَنَّ الْمَالِكَ إِذَا ضَمَّنَهُ ذَلِكَ مَعْمُولًا يَكُونُ فِي مَعْنَى تَسْلِيمِ ذَلِكَ مَعْمُولًا، فَيَجِبُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ الْأُجْرَةَ لِحُصُولِ التَّسْلِيمِ الْحُكْمِيِّ، وَيُقَدَّمُ قَوْلُهُ فِي صِفَةِ عَمَلِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ رَزِينٍ، وَمِثْلُهُ تَلَفُ أَجِيرٍ مُشْتَرِكٍ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ مَوْضِعَ تَلَفِهِ، وَلَهُ أُجْرَتُهُ إِلَيْهِ، وَكَذَا عَمَلُهُ غَيْرَ صِفَةِ شَرْطِهِ أَيْ لَا أُجْرَةَ لَهُ فِي الزِّيَادَةِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهَا، وَعَلَيْهِ ضَمَانُ نَقْصِ الْغَزْلِ
стр. 1725
مَعْمُولًا وَيَدْفَعُ إِلَيْهِ أُجْرَتَهُ، وَإِذَا ضَرَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ أَوْ كَبَحَهَا، أَوِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمَنْسُوجِ فِيهَا، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " لَهُ الْمُسَمَّى إِنْ زَادَ الطُّولُ فَقَطْ، وَلَمْ يَنْقُصِ الْأَصْلُ بِهَا، وَإِنْ زَادَ فِي الْعَرْضِ فَوَجْهَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لَهُ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّهُ يُمْكِنُ قَطْعُ الزَّائِدِ فِي الطُّولِ وَيَبْقَى الثَّوْبُ عَلَى مَا أَرَادَ بِخِلَافِ الْعَرْضِ وَإِنْ نَقْصَهُمَا أَوْ أَحَدَهُمَا فَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ وَيَضْمَنُ كَنَقْصِ الْأَصْلِ، وَقِيلَ: بِحِصَّتِهِ مِنَ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: لَا شَيْءَ لَهُ فِي نَقْصِ الْعَرْضِ بِخِلَافِ النَّقْصِ فِي الطُّولِ، فَإِنَّ لَهُ حِصَّتَهُ مِنَ الْمُسَمَّى.
فَرْعٌ: إِذَا أَخْطَأَ قَصَّارٌ، وَدَفَعَ الثَّوْبَ إِلَى غَيْرِ مَالِكِهِ ضَمِنَهُ، فَإِنْ قَطَعَهُ قَابِضُهُ غَرِمَ أَرْشَ قَطْعِهِ كَدَرَاهِمَ أَنْفَقَهَا، وَيَرُدُّهُ مَقْطُوعًا عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ تَلِفَ عِنْدَهُ ضَمِنَهُ كَمَا لَوْ عَلِمَ، وَعَنْهُ: لَا، لِعَجْزِهِ عَنْ دَفْعِهِ (وَإِذَا ضَرَبَ الْمُسْتَأْجِرُ الدَّابَّةَ بِقَدْرِ الْعَادَةِ أَوْ كَبَحَهَا) أَيْ جَذَبَهَا لِتَقِفَ، وَفِي " الشَّرْحِ " يُحُثُّهَا بِهِ عَلَى السَّيْرِ لِتَلْحَقَ الْقَافِلَةَ، وَيُقَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ (أَوِ الرَّائِضُ الدَّابَّةَ) أَيْ مُعَلِّمُهَا (لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِ) لِأَنَّهُ تَلِفَ مِنْ فِعْلِ مُسْتَحَقٍّ فَلَمْ يَضْمَنَاهُ كَمَا لَوْ تَلِفَتْ تَحْتَ الْحَمْلِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجِبُ الضَّمَانُ إِذَا زَادَ عَلَى الْعَادَةِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْكَافِي " ; لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى مِلْكِ الْغَيْرِ، فَوَجَبَ الضَّمَانُ كَالْغَاصِبِ وَقَدِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ ضَرْبِ الْمُسْتَأْجِرِ الدَّابَّةَ لِلِاسْتِصْلَاحِ ; لِأَنَّهُ ﵇ «نَخَسَ بَعِيرَ جَابِرٍ وَضَرَبَهُ» ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَنْخُسُ بَعِيرَهُ بِمِحْجَنِهِ، فَلَوِ اكْتَرَاهَا وَتَرَكَهَا فِي اصْطَبْلِهِ فَمَاتَتْ فَهَدَرٌ وَإِنْ سَقَطَ عَلَيْهَا ضَمِنَهَا.
تَنْبِيهٌ: الْعَيْنُ الْمُؤَجَّرَةُ أَمَانَةٌ فِي يَدِ مُسْتَأْجِرِهَا إِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَمْ يَضْمَنْهَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ وَالْفَاسِدَةِ، فَإِذَا انْقَضَتِ الْمُدَّةُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهَا، وَلَمْ يَلْزَمْهُ
стр. 1726
الرَّائِضُ الدَّابَّةَ لَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَتْ بِهِ، وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً، قَالَ: بَلْ قَمِيصًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الرَّدُّ، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ ; لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ضَمَانُهَا لَوَجَبَ رَدُّهَا كَالْعَارِيَةِ، وَحِينَئِذٍ تَبَقَى فِي يَدِهِ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ، وَقِيلَ: يَجِبُ رَدُّهَا مَعَ الْقُدْرَةِ إِنْ طُلِبَتْ مِنْهُ، قَطَعَ الْقَاضِي بِهِ فِي " الْخِلَافِ "، وَقِيلَ: مُطْلَقًا، وَيَضْمَنُهُ إِنْ تَلِفَ مَعَ إِمْكَانِ رَدِّهِ كَعَارِيَةٍ، وَمُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَالِكِهَا فِي الْأَصَحِّ كَمُودِعٍ، فَلَوْ شَرَطَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ ضَمَانَهَا لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ فِي الْأَصَحِّ، وَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ (وَإِنْ قَالَ: أَذِنْتَ لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً، قَالَ: بَلْ قَمِيصًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْخَيَّاطِ، نَصَّ عَلَيْهِ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى الْإِذْنِ، وَاخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمَأْذُونِ لَهُ كَالْمُضَارِبِ، فَعَلَى هَذَا يَحْلِفُ الْخَيَّاطُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْغُرْمُ وَيَسْتَحِقُّ أَجْرَ الْمِثْلِ، وَقِيلَ: يُقْبَلُ قَوْلُ رَبِّهِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ الْإِذْنِ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهَا ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْإِذْنِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَعَلَيْهَا يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَذِنَ فِي قَطْعِهِ قَبَاءً، وَيَغْرَمُ الْأَجِيرُ نَقْصَهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهُ، وَعَنْهُ: يُعْمَلُ بِظَاهِرِ الْحَالِ كَاخْتِلَافِ الزَّوْجَيْنِ فِي مَتَاعِ الْبَيْتِ، وَقِيلَ: بِالتَّحَالُفِ كَالِاخْتِلَافِ فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ، وَحُكْمُ الصَّبَّاغِ إِذَا قَالَ: أَذِنْتَ فِي صَبْغِهِ أَحْمَرَ، قَالَ: بَلْ أَصْفَرَ كَذَلِكَ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا دَفَعَ إِلَى خَيَّاطٍ ثَوْبًا، وَقَالَ: إِنْ كَانَ يُقْطَعُ قَمِيصًا فَاقْطَعْهُ، فَقَالَ: هُوَ يُقْطَعُ، فَقَطَعَهُ وَلَمْ يَكْفِهِ، أَوْ قَالَ: انْظُرْ هَلْ يَكْفِينِي قَمِيصًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ، فَقَالَ: اقْطَعْهُ، فَقَطَعَهُ وَلَمْ يَكْفِهِ، ضَمِنَهُ فِيهِمَا، فَإِنْ قَالَ: اقْطَعْهُ قَمِيصَ رَجُلٍ، فَقَطَعَهُ قَمِيصَ امْرَأَةٍ غَرِمَ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَمَقْطُوعًا فِي الْأَصَحِّ، وَقِيلَ: يَغْرَمُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِمَا، فَإِنْ أَكْرَاهُ لِيَلْبَسَهُ لَمْ يَنَمْ فِيهِ لَيْلًا، وَلَا وَقْتَ الْقَيْلُولَةِ، وَلَمْ يَأْتَزِرْ بِهِ، فَإِنِ ارْتَدَى بِهِ جَازَ فِي الْأَقْيَسِ.
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا اخْتَلَفَا فِي قَدْرِ الْأُجْرَةِ تَحَالَفَا كَالْبَيْعِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْآجِرِ، وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَا فِي الْمُدَّةِ، وَعَنْهُ: يُصَدَّقُ الْمُؤَجِّرُ، وَعَنْهُ: الْمُسْتَأْجِرُ، وَعَلَى التَّحَالُفِ إِنْ كَانَ بَعْدَ الْمُدَّةِ فَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِتَعَذُّرِ رَدِّ الْمَنْفَعَةِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهَا فَبِالْقِسْطِ
стр. 1727
فَصْلٌ وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا، وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أُجْرَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي التَّعَدِّي قُبِلَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّهُ أَمِينٌ، فَإِنْ قَالَ بَعْدَ الْقَبْضِ: مَرِضَ الْعَبْدُ، أَوْ أَبَقَ، أَوْ شَرَدَتِ الدَّابَّةُ فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى رَدِّهَا صُدِّقَ وَحَلَفَ عَلَى الْأَصَحِّ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُؤَجِّرِ، فَلَوِ ادَّعَى مَرَضَهُ، وَأَصَابَهُ صَحِيحًا قُبِلَ قَوْلُ الْمَالِكِ سَوَاءٌ صَدَّقَهُ الْعَبْدُ، أَوْ كَذَّبَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ وَعَنْهُ: يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ فِي الْإِبَاقِ دُونَ الْمَرَضِ، فَلَوِ اخْتَلَفَا فِي وَقْتِ هَلَاكِ الْعَيْنِ قُدِّمَ قَوْلُ الْمُسْتَأْجِرِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ.
[فَصْلٌ تَجِبُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ]
فَصْلٌ (وَتَجِبُ الْأُجْرَةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ) أَيْ إِذَا أَطْلَقَ، وَكَانَ الْعَقْدُ وَقَعَ عَلَى عَيْنٍ كَأَرْضٍ، وَدَارٍ، وَنَحْوِهِمَا، أَوْ ذِمَّةٍ ; لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ يَمْلِكُ الْأُجْرَةَ بِنَفْسِ الْعَقْدِ كَمَا يَمْلِكُ الْبَائِعُ الثَّمَنَ بِالْبَيْعِ، وَحِينَئِذٍ تَكُونُ حَالَّةً مِنْ نَقْدِ بَلَدِ الْعَقْدِ إِنْ لَمْ يَشْتَرِطَا غَيْرَهُ، وَقَالَ طَائِفَةٌ: لَا يَمْلِكْهَا، وَلَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِهَا إِلَّا يَوْمًا بِيَوْمٍ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ تَعْجِيلَهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] أَمَرَ بِإِيتَائِهِنَّ بَعْدَ الرَّضَاعِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أَجْرَهُ» ، وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ لَمْ يُمْلَكْ فَلَمْ يَجِبْ تَسْلِيمُهُ كَالْعِوَضِ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ.
وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ عِوَضٌ أُطْلِقَ فِي عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ، فَيَسْتَحِقُّ بِمُطْلَقِ الْعَقْدِ كَالثَّمَنِ، وَالصَّدَاقِ، وَلَهُ الْوَطْءُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَتَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْإِيتَاءَ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الرِّضَاعِ أَوْ تَسْلِيمِ نَفْسِهَا، وَتَحَقُّقُهُ أَنَّ الْإِيتَاءَ فِي وَقْتٍ لَا يَمْنَعُ وُجُوبَهُ قَبْلَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [النساء: ٢٤] ، وَالصَّدَاقُ يَجِبُ قَبْلَ الِاسْتِمْتَاعِ مَعَ أَنَّهُمَا إِنَّمَا وَرَدَا فِيمَنِ اسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ، فَأَمَّا مَا وَقَعَتِ الْإِجَارَةُ فِيهِ عَلَى مُدَّةٍ فَلَا تَعَرُّضَ لَهَا فِيهِ (إِلَّا أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى تَأْخِيرِهَا) فَلَا يَجِبُ كَمَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى تَأْخِيرِ الثَّمَنِ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ جَوَازَ تَأْجِيلِهَا، وَقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ نَفْعًا فِي الذِّمَّةِ.
стр. 1728
الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ.
وَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ وَفِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا خُيِّرَ الْمَالِكُ بَيْنَ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ أَوْ تَرْكِهِ بِالْأُجْرَةِ أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ، وَإِنْ شَرَطَ قَلْعَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَجِبْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يَجِبُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ كَرَأْسِ مَالِ السَّلَمِ فَلَا تَحِلُّ مُؤَجَّلَةً بِمَوْتٍ فِي أَصَحِّ قَوْلَيِ الْعُلَمَاءِ وَإِنْ حَلَّ دَيْنٌ بِهِ ; لِأَنَّ حَلَّهَا مَعَ تَأْخِيرِ اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ ظُلْمٌ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ أُجْرَةِ الْعَمَلِ فِي الذِّمَّةِ حَتَّى يَتَسَلَّمَهُ) وَإِنَّ وَجَبَتْ بِالْعَقْدِ، وَعَلَى هَذَا وَرَدَتِ النُّصُوصُ، وَلِأَنَّ الْأَجِيرَ إِنَّمَا يُوَفَّى أَجْرَهُ إِذَا قَضَى عَمَلَهُ ; لِأَنَّهُ عِوَضٌ فَلَا يَسْتَحِقُّ تَسْلِيمَهُ إِلَّا مَعَ تَسْلِيمِ الْمُعَوَّضِ كَالصَّدَاقِ، وَالثَّمَنِ، وَفَارَقَ الْإِجَارَةَ عَلَى الْأَعْيَانِ ; لِأَنَّ تَسْلِيمَهَا أُجْرِيَ مُجْرَى تَسْلِيمِ نَفْعِهَا، وَمَتَى كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فِي الذِّمَّةِ لَمْ يَحْصُلْ تَسْلِيمُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يَقُومُ مَقَامَهَا، فَيَتَوَقَّفُ اسْتِحْقَاقُ تَسْلِيمِ الْأَجْرِ عَلَى تَسْلِيمِ الْعَمَلِ، فَإِنْ عَمِلَ بَعْضَهُ فَلَهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِمَا عَمِلَ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي تَرْكِ الْعَمَلِ وَإِلَّا احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنِ اسْتُؤْجِرَ لِعَمَلٍ مَعْلُومٍ اسْتَحَقَّ الْأَجْرَ عِنْدَ إِيفَاءِ الْعَمَلِ، وَإِنِ اسْتُؤْجِرَ كُلَّ يَوْمٍ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ فَلَهُ أَجْرُ كُلِّ يَوْمٍ عِنْدَ تَمَامِهِ.
تَنْبِيهٌ: يَسْتَقِرُّ الْأَجْرُ كَامِلًا بِاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ، وَبِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ، وَمُضِيِّ الْمُدَّةِ، وَلَا مَانِعَ لَهُ مِنَ الِانْتِفَاعِ، أَوْ بِفَرَاغِ عَمَلٍ بِيَدِ مُسْتَأْجِرٍ، وَيَدْفَعُهُ إِلَيْهِ بَعْدَ عَمَلِهِ، فَلَوْ بَذَلَ لَهُ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَأْجِرُ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ اسْتَقَرَّ الْأَجْرُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ كَانَتْ بِيَدِهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى عَمَلٍ فَذَكَرَ الْأَصْحَابُ أَنَّهَا تَسْتَقِرُّ إِذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يُمْكِنُ الِاسْتِيفَاءُ فِيهَا، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَا فِي الذِّمَّةِ فَلَمْ يَسْتَقِرَّ عِوَضُهُ بُذِلَ التَّسْلِيمُ كَالْمُسَلَّمِ فِيهِ.
[انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ وَفِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ]
(وَإِذَا انْقَضَتِ الْإِجَارَةُ وَفِي الْأَرْضِ غِرَاسٌ أَوْ بِنَاءٌ لَمْ يُشْتَرَطْ قَلْعُهُ عِنْدَ انْقِضَائِهَا) أو أَطْلَقَ وَكَانَتْ أَوْ أُجِّرَتْ لِذَلِكَ (خُيِّرَ الْمَالِكُ) أَيْ رَبُّ الْأَرْضِ (بَيْنَ أَخْذِهِ بِالْقِيمَةِ) أَيْ بِدَفْعِ قِيمَةِ الْغِرَاسِ، أَوِ الْبِنَاءِ، فَيَمْلِكُهُ مَعَ أَرْضِهِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ يَزُولُ بِذَلِكَ، وَفِي " الْفَائِقِ ": إِذَا كَانَتِ الْأَرْضُ وَقْفًا لَمْ يَمْلِكِ التَّمَلُّكَ إِلَّا بِشَرْطِ وَاقِفٍ أَوْ رضي مُسْتَحِقِّ الرِّيعِ (أَوْ تَرْكِهِ بِالْأُجْرَةِ) أَيْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ (أَوْ قَلْعِهِ وَضَمَانِ نَقْصِهِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الْجَمْعِ
стр. 1729
بِشَرْطٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ بَقَاؤُهُ بِتَفْرِيطِ الْمُسْتَأْجِرِ فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ أَوْ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ لَزِمَ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ.
وَإِذَا تَسَلَّمَ الْعَيْنَ فِي الْإِجَارَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمُسْتَأْجِرِ وَقَفَ مَا بَنَاهُ أَوْ لَا، وَهَذَا مَا لَمْ يَقْلَعْهُ مَالِكُهُ، وَلَمْ يَكُنِ الْبِنَاءُ مَسْجِدًا، وَنَحْوَهُ فَلَا يُهْدَمُ، اخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فَإِنْ قُلْتَ: هَلَّا مَلَكَ الْقَلْعَ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٍ ; لِأَنَّ تَقْدِيرَ الْمُدَّةِ فِي الْإِجَارَةِ يَقْتَضِي تَفْرِيغَهَا عِنْدَ انْقِضَائِهَا كَالْمُسْتَأْجِرة لِلزَّرْعِ، قُلْتُ: لِقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الظَّالِمِ لَهُ حَقٌّ، وَهُنَا كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُ غَرَسَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ قَلْعَهُ فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ كَمَا لَوِ اسْتَعَارَهَا لِلْغَرْسِ ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ انْقِضَائِهَا، فَإِنْ شَرَطَ فِيهَا بَقَاءَ غَرْسٍ فَهُوَ صَحِيحٌ عَلَى الْأَصَحِّ كَإِطْلَاقِهِ فَإِنِ اخْتَارَ رَبُّ الْأَرْضِ الْقَلْعَ فَهُوَ عَلَى مُسْتَأْجِرٍ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ، وَإِنِ اخْتَارَهُ مَالِكُهُ لَزِمَهُ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِمَا (وَإِنْ شَرَطَ قَلْعَهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ) وَفَاءً بِمُوجِبِ شَرْطِهِ، فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا كَانَ إِطْلَاقُ الْعَقْدِ فِيهِمَا يَقْتَضِي التَّأْبِيدَ فَشَرْطُ الْقَلْعِ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيُفْسِدُهُ؟ قُلْتُ: اقْتِضَاؤُهُ التَّأْبِيدَ إِنَّمَا هُوَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْعَادَةَ تَبْقِيَتُهُمَا، فَإِذَا أَطْلَقَهُ حُمِلَ عَلَى الْعَادَةِ، فَإِذَا شَرَطَ خِلَافَهُ جَازَ كَمَا لَوْ بَاعَ بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ، وَحِينَئِذٍ لَا يَجِبُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ غَرَامَةُ نَقْصٍ (وَلَمْ يَجِبْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ لِأَنَّهُمَا دَخَلَا عَلَى ذَلِكَ لِرِضَاهُمَا بِالْقَلْعِ (إِلَّا بِشَرْطٍ) لِمَا ذَكَرْنَا فَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى إِبْقَائِهِ بِأُجْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا جَازَ إِذَا شَرَطَا مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَظَهَرَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ لِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَغْرِسَ وَيَبْنِيَ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ إِذَا اسْتَأْجَرَهَا لِذَلِكَ، فَإِذَا انْقَضَتْ فَلَا (وَإِنْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ بَقَاؤُهُ بِتَفْرِيطِ الْمُسْتَأْجِرِ) مِثْلَ أَنْ يَزْرَعَ زَرْعًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِكَمَالِهِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ (فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِالْقِيمَةِ) مَا لَمْ يَخْتَرِ الْمُسْتَأْجِرُ قَلْعَ زَرْعِهِ فِي الْحَالِ وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ، وَقِيلَ: لِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِنَفَقَتِهِ (أَوْ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ) أَيْ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ لِمَا زَادَ عَلَى الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهُ أَبْقَى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعُدْوَانِهِ كَالْغَاصِب ِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ نَقْلَ الزَّرْعِ، وَتَفْرِيغَ الْأَرْضِ وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَرْكِهِ بِعِوَضٍ أَوْ غَيْرِهِ جَازَ (وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ) مِثْلَ أَنْ يَزْرَعَ
стр. 1730
الْفَاسِدَةِ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ سَكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ، وَإِذَا اكْتَرَى بِدَرَاهِمَ وَأَعْطَاهُ عَنْهَا دَنَانِيرَ ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالدَّرَاهِمِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
زَرْعًا يَنْتَهِي فِي الْمُدَّةِ عَادَةً ثُمَّ يَتَأَخَّرَ لِبَرْدٍ، أَوْ غَيْرِهِ (لَزِمَ تَرْكُهُ بِالْأُجْرَةِ) لِحُصُولِ زَرْعِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِإِذْنِهِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَهُوَ كَمَا لَوْ أَعَارَهُ أَرْضًا، فَزَرَعَهَا ثُمَّ رَجَعَ الْمَالِكُ قَبْلَ كَمَالِ الزَّرْعِ.
١ -
فَرْعٌ: إِذَا أَرَادَ الْمُسْتَأْجِرُ زَرْعَ شَيْءٍ لَا يُدْرَكُ مِثْلُهُ فِي مُدَّةِ الْإِجَارَةِ، فَلِلْمَالِكِ مَنْعُهُ، فَإِنْ زَرَعَ لَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَتَهُ بِقَلْعِهِ قَبْلَ الْمُدَّةِ ; لِأَنَّهُ فِي أَرْضٍ مَلَكَ نَفْعَهَا، فَلَوِ اكْتَرَاهَا مُدَّةً لِزَرْعِ مَا لَا يَكْمُلُ فِيهَا، وَشَرَطَ قَلْعَهُ عِنْدَ فَرَاغِهَا صَحَّ وَإِنْ شَرَطَ الْبَقَاءَ حَتَّى يَكْمُلَ أَوْ سَكَتَ فَسَدَ الْعَقْدُ فَإِذَا فَرَغَتِ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ قَائِمٌ فَهُوَ كَمُفَرِّطٍ فِي الْأَصَحِّ.
[تَسَلُّمُ الْعَيْنِ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ]
(وَإِذَا تَسَلَّمَ الْعَيْنَ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ حَتَّى انْقَضَتِ الْمُدَّةُ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ) لِمُدَّةِ بَقَائِهَا فِي يَدِهِ (سَكَنَ أَوْ لَمْ يَسْكُنْ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ تَلِفَتْ تَحْتَ يَدِهِ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَرَجَعَ إِلَى قِيمَتِهَا كَمَا لَوِ اسْتَوْفَاهُ، وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ يَضْمَنُ بِالْأُجْرَةِ الْمُسَمَّاةِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَخْذًا لَهُ مِنَ النِّكَاحِ.
وَعَنْ أَحْمَدَ: لَا شَيْءَ لَهُ ; لِأَنَّهُ عَقْدٌ فَاسِدٌ عَلَى مَنَافِعَ لَمْ يَسْتَوْفِهَا فَلَمْ يَلْزَمْهُ عِوَضها كَالنِّكَاحِ الْفَاسِدِ، فَأَمَّا إِنْ بَذَلَ التَّسْلِيمَ فِي الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ فَلَمْ يَتَسَلَّمْهَا فَلَا أَجْرَ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الْمَنَافِعَ لَمْ تَتْلَفْ تَحْتَ يَدِهِ.
فَرْعٌ: الْمَبِيعُ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ كَمُسْتَعِيرٍ فَقَطْ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ "، وَ " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُغْنِي " لِتَضَمُّنِهِ إِذْنًا، وَفِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهُ أَنَّهُ فِي وَجْهٍ كَغَصْبٍ، وَفِي " الْقَوَاعِدِ ": إنَّهُ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ، وَأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ، وَتَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْغَصْبِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي " انْتِصَارِهِ " صِحَّةَ التَّصَرُّفِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فِي النِّكَاحِ، وَاعْتَرَضَهُ أَحْمَدُ الْحَرْبِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ.
(وَإِذَا اكْتَرَى بِدَرَاهِمَ وَأَعْطَاهُ عَنْهَا دَنَانِيرَ ثُمَّ انْفَسَخَ الْعَقْدُ رَجَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بِالدَّرَاهِمِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا انْفَسَخَ رَجَعَ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْعِوَضِ الَّذِي بَذَلَهُ، وَعِوَضُ
стр. 1731
بَابُ السَّبْقِ
تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأَقْدَامِ وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ وَالسُّفُنِ وَالْمَزَارِيقِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْعَقْدِ هُوَ الدَّرَاهِمُ، وَالْمُؤَجِّرُ أَخَذَ الدَّنَانِيرَ بِعَقْدٍ آخَرَ، وَلَمْ يَنْفَسِخْ أَشْبَهَ مَا إِذَا قَبَضَ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ صَرَفَهَا بِدَنَانِيرَ.
[بَابُ السَّبْقِ]
[مَا تَجُوزُ فِيهِ الْمُسَابَقَةُ]
بَابُ السَّبْقِ
هُوَ مَصْدَرُ سَبَقَ يَسْبِقُ سَبْقًا، وَالسَّبَقَ بِتَحْرِيكِ الْبَاءِ الشَّيْءُ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِ، وَبِسُكُونِهَا الْمُسَابَقَةُ، وَهِيَ الْمُجَارَاةُ بَيْنَ حَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ، وَالْمُنَاضَلَةُ الْمُسَابَقَةُ بِالرَّمْيِ، وَالرِّهَانُ فِي الْخَيْلِ، وَالسِّبَاقُ فِي الْخَيْلِ وَالرَّمْيِ، وَالْإِجْمَاعُ عَلَى جَوَازِهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠] الْآيَةَ، وَصَحَّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الْمُضَمَّرَةِ مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ، وَبَيْنَ الَّتِي لَمْ تُضَمَّرْ مِنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ» .
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ: مِنَ الْحَفْيَاءِ إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ، أَوْ سَبْعَةٌ.
وَقَالَ سُفْيَانُ: مِنَ الثَّنِيَّةِ إِلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ.
(تَجُوزُ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الدَّوَابِّ وَالْأَقْدَامِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ: «سَابَقَنِي النَّبِيُّ ﷺ فَسَبَقْتُهُ، فَلَمَّا أَخَذَنِي اللَّحْمُ سَابَقْتُهُ فَسَبَقَنِي، فَقَالَ: هَذِهِ بِتِلْكَ» ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، «وَسَابَقَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَسَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ) كَإِبِلٍ، وَخَيْلٍ، وَبَقَرٍ، وَطُيُورٍ فِي الْأَصَحِّ، وَمَنَعَهُ الْآمِدِيُّ فِي حَمَامٍ (وَالسُّفُنِ وَالْمَزَارِيقِ) جَمْعُ مِزْرَاقٍ وَهُوَ الرُّمْحُ الْقَصِيرُ (وَغَيْرِهَا) كَمَنَاجِيقَ، وَرَمْيِ أَحْجَارٍ
стр. 1732
وَغَيْرِهَا
وَلَا يَجُوزُ بِعِوَضٍ إِلَّا فِي الْإِبِلِ، وَالْخَيْلِ، وَالسِّهَامِ. بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِمَقَالِيعَ، وَرَفْعِ أَحْجَارٍ لِيَعْرِفُوا الْأَشَدَّ مِنْهُمْ، وَصِرَاعٍ ; «لِأَنَّهُ ﵇ صَارَعَ رُكَانَةَ فَصَرَعَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
فَوَائِدُ: قَالَ فِي " الْوَسِيلَةِ " يُكْرَهُ الرَّقْصُ، وَاللَّعِبُ كُلُّهُ، وَمَجَالِسُ الشِّعْرِ وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: يُكْرَهُ لَعِبُهُ بِأُرْجُوحَةٍ وَنَحْوِهَا، وَفِي " النَّصِيحَةِ " مَنْ وَثَبَ وَثْبَةً مَرَحًا وَلَعِبًا بِلَا نَفْعٍ فَانْقَلَبَ فَذَهَبَ عَقْلُهُ عَصَى وَقَضَى الصَّلَاةَ، وَلَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالطَّابِ، وَالنَّقِيلَةِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَقَالَ: كُلُّ فِعْلٍ أَفْضَى إِلَى الْمُحَرَّمِ كَثِيرًا حَرَّمَهُ الشَّارِعُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ ; لِأَنَّهُ يَكُونُ سَبَبًا لِلشَّرِّ وَالْفَسَادِ، وَقَالَ: مَا أَلْهَى وَشَغَلَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَحْرُمْ جِنْسُهُ كَبَيْعٍ وَتِجَارَةٍ وَغَيْرِهِمَا، وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ وَجِوَارِيَ مَعَهَا كُنَّ يَلْعَبْنَ بِاللُّعَبِ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَرَاهُنَّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَكَانَتْ لَهَا أُرْجُوحَةٌ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، فَيُرَخَّصُ فِيهِ لِلصِّغَارِ مَا لَا يُرَخَّصُ فِيهِ لِلْكِبَارِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي خَبَرِ ابْنِ عُمَرَ فِي زَمَّارَةِ الرَّاعِي.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ كَذَا فِي الْعِيدِ، وَنَحْوِهِ لِقِصَّةِ أَبِي بَكْرٍ، «وَقَوْلِهِ ﵇ لَهُ: دَعْهُمَا فَإِنَّهَا أَيَّامُ عِيدِ» .
[شُرُوطُ السِّبَاقِ بِعِوَضٍ فِي الْإِبِلِ وَالْخَيْلِ وَالسِّهَامِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ]
(وَلَا يَجُوزُ بِعِوَضٍ إِلَّا فِي الْإِبِلِ، وَالْخَيْلِ، وَالسِّهَامِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَأَبْدَلَ فِي " الْفُرُوعِ " السِّهَامَ بِسِلَاحٍ، وَهُوَ أَوْلَى لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ» ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ مَاجَهْ " أَوْ
стр. 1733
تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ وَالرُّمَاةِ، سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَتَيْنِ، وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَيْنِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصْلٍ " وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَاخْتَصَّتْ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ بِأَخْذِ الْعِوَضِ فِيهَا ; لِأَنَّهَا مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ الْمَأْمُورِ بِتَعْلِيمِهَا وَإِحْكَامِهَا.
وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا وَجْهًا أَنَّهُ يَجُوزُ السَّبْقُ بِالطُّيُورِ الْمُعَدَّةِ لِأَخْبَارِ الْأَعْدَاءِ، «وَقَدْ صَارَعَ النَّبِيُّ ﷺ رُكَانَةَ عَلَى شِيَاهٍ، فَصَرَعَهُ، فَأَخَذَهَا ثُمَّ عَادَ مِرَارًا فَأَسْلَمَ، فَرَدَّ النَّبِيُّ ﷺ غَنَمَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ مَعَ أَنَّ الصِّرَاعَ، وَالسَّبْقَ بِالْأَقْدَامِ، وَنَحْوِهِمَا طَاعَةٌ إِذَا قُصِدَ بِهِ نَصْرُ الْإِسْلَامِ، وَأَخْذُ السَّبْقِ عَلَيْهِ أَخْذَ الْحَقِّ، فَالْمُغَالَبَةُ الْجَائِزَةُ تَحِلُّ بِالْعِوَضِ إِذَا كَانَتْ مِمَّا يَنْفَعُ فِي الدِّينِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَيَجُوزُ أَخْذُ الرِّهَانِ فِي الْعِلْمِ لِقِيَامِ الدِّينِ بِالْجِهَادِ، وَالْعِلْمِ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " يَخْتَصُّ جَوَازُ السَّبْقِ بِالْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ: الْحَافِرِ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِي حَافِرٍ، وَالْخُفِّ، فَيَعُمُّ كُلَّ ذِي خُفٍّ، وَالنَّصْلِ، فَيَخْتَصُّ النُّشَّابَ، وَالنَّبْلَ، وَلَا يَصِحُّ السَّبْقُ وَالرَّمْيُ فِي غَيْرِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ مَعَ الْجُعْلِ وَعَدَمِهِ، وَلِتَعْمِيمِهِ وَجْهٌ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْرِيمَ الرَّهْنِ فِي غَيْرِ الثَّلَاثَةِ إِجْمَاعًا. (بِشُرُوطٍ خَمْسَةٍ: أَحَدُهَا: تَعْيِينُ الْمَرْكُوبِ) بِرُؤْيَةٍ (وَالرُّمَاةِ) لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ جَوْهَرِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِمَا، وَسُرْعَةُ عَدْوِهِمَا، وَمَعْرِفَةُ حِذْقِ الرُّمَاةِ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالتَّعْيِينِ بِالرُّؤْيَةِ، فَلَوْ عَقَدَ اثْنَانِ نِضَالًا مَعَ كُلٍّ مِنْهُمَا نَفَرٌ غَيْرُ مُتَعَيِّنِينَ لَمْ يَجُزْ لِذَلِكَ، وَإِنْ عَقَدُوا قَبْلَ التَّعْيِينِ عَلَى أَنْ يَنْقَسِمُوا بَعْدَ الْعَقْدِ بِالتَّرَاضِي جَازَ لَا بِقُرْعَةٍ، وَإِنْ بَانَ بَعْضُ الْحِزْبِ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ أَوْ عَكْسَهُ فَادَّعَى ظَنَّ خِلَافِهِ لَمْ يُقْبَلْ (سَوَاءٌ كَانَا اثْنَيْنِ أَوْ جَمَاعَتَيْنِ) «لِأَنَّهُ ﵇ مَرَّ عَلَى أَصْحَابٍ لَهُ يَنْتَضِلُونَ، فَقَالَ: ارْمُوا، وَأَنَا مَعَ ابْنِ الْأَدْرَعِ، فَأَمْسَكَ الْآخَرُونَ، فَقَالَ: ارْمُوا، وَأَنَا مَعَكُمْ كُلُّكُمْ» ، صَحِيحٌ، وَلِأَنَّهُ إِذَا جَازَ أَنْ يَكُونُوا اثْنَيْنِ جَازَ أَنْ يَكُونُوا جَمَاعَتَيْنِ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ.
(وَلَا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الرَّاكِبَيْنِ وَلَا الْقَوْسَيْنِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ عَدْوِ الْفَرَسِ، وَحِذْقِ الرَّامِي دُونَ الرَّاكِبِ، وَالْقَوْسِ لِأَنَّهُمَا آلَةٌ لِلْمَقْصُودِ، فَلَمْ يُشْتَرَطْ تَعَيُّنُهُمَا كَالسَّرْجِ، فَكُلُّ مَا تَعَيَّنَ لَا يَجُوزُ إِبْدَالُهُ كَالْمُتَعَيِّنِ فِي الْبَيْعِ، وَمَا لَا يَتَعَيَّنُ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ مُطْلَقًا، فَعَلَى هَذَا إِنْ شَرَطَا أَنْ لَا يَرْمِيَ بِغَيْرِ هَذَا الْقَوْسِ، وَلَا بِغَيْرِ هَذَا السَّهْمِ، وَلَا يَرْكَبُ غَيْرُ هَذَا الرَّاكِبِ
стр. 1734
وَلَا الْقَوْسَيْنِ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبَانِ وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ بَيْنَ عَرَبِيٍّ وَهَجِينٍ، وَلَا بَيْنَ قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ وَفَارِسِيَّةٍ، وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ.
الثَّالِثُ: تَحْدِيدُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَهُوَ فَاسِدٌ ; لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ عَقَدَا عَلَى قَوْسٍ مُعَيَّنَةٍ فَانْتَقَلَ إِلَى نَوْعِهِ جَازَ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْتَقِلَ فَوَجْهَانِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبَانِ وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ]
(الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبَانِ، وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ مَعْلُومٌ بِحُكْمِ الْعَادَةِ أَشْبَهَا الْجِنْسَيْنِ (فَلَا يَجُوزُ بَيْنَ عَرَبِيٍّ، وَهَجِينٍ) وَهُوَ مِنْ عَرَبِيٍّ فَقَطْ (وَلَا بَيْنَ قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ) وَهُوَ قَوْسُ النَّبْلِ (وَفَارِسِيَّةٍ) وَهُوَ قَوْسُ النُّشَّابِ، قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ، نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابَقَةِ بِالْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ لِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الرَّمْيِ بِهَا، وَإِبَاحَةِ حَمْلِهَا.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يُكْرَهُ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَأَى مَعَ رَجُلٍ قَوْسًا فَارِسِيَّةً، فَقَالَ: لَا، أَلْقِهَا فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ، وَبِرِمَاحِ الْقَنَا، فَبِهَا يُؤَيِّدُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، وَبِهَا يُمَكِّنُ اللَّهُ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ» ، وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَالْجَوَابُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَعَنَهَا لِحَمْلِ الْعَجَمِ لَهَا فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا، أَوْ مَنْعِ الْعَرَبِ مِنْ حَمْلِهَا لِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ بِهَا (وَيُحْتَمَلُ الْجَوَازُ) وَهُوَ وَجْهٌ ذَكَرَهُ الْقَاضِي ; لِأَنَّ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا قَرِيبٌ لِاتِّفَاقِ الْجِنْسِ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي " الْفُرُوعِ "، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا كَانَا جِنْسَيْنِ كَالْفَرَسِ، وَالْبَعِيرِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ; لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ فَلَا يَحْصُلُ الْغَرَضُ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ الْمَرْكُوبَانِ وَالْقَوْسَانِ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ]
(الثَّالِثُ: تَحْدِيدُ الْمَسَافَةِ، وَالْغَايَةِ) أَيْ يَكُونُ لِابْتِدَاءِ عَدْوِهِمَا، وَآخِرِهِ غَايَةٌ لَا يَخْتَلِفَانِ فِيهِ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْأَسْبَقِ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِتَسَاوِيهِمَا فِي الْغَايَةِ ; لِأَنَّ أَحَدَهُمْ قَدْ يَكُونُ مُقَصِّرًا فِي أَوَّلِ عَدْوِهِ سَرِيعًا فِي آخِرِهِ وَبِالْعَكْسِ، فَيُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ (وَمَدَى الرَّمْيِ) إِمَّا بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالذِّرَاعِ ; لِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ (عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ) لِأَنَّ الزَّائِدَ عَلَى ذَلِكَ قَدْ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْعِلْمِ بِالسَّابِقِ لِبُعْدِ الْمَسَافَةِ، فَلَوِ اسْتَبَقَا
стр. 1735
الْمَسَافَةِ وَالْغَايَةِ وَمَدَى الرَّمْيِ فِي الْمُسَابَقَةِ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
الرَّابِعُ: كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا.
الْخَامِسُ: الْخُرُوجُ عَنْ شُبْهَةِ الْقِمَارِ بِأَنْ لَا يَخْرُجَ جَمِيعُهُمْ، فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنَ الْإِمَامِ أَوْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخْذَهُ جَازَ، وَإِنْ جَاءَا مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ الْمُخْرِجُ أَحْرَزَ سَبْقَهُ وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْآخَرِ شَيْئًا، وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ أَحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ، فَإِنْ أَخْرَجَا مَعًا لَمْ يَجُزْ إِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِغَيْرِ غَايَةٍ لِيُنْظَرَ أَيُّهُمَا يَقِفُ أَوَّلًا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَا مَسَافَةً بَعِيدَةً فِي الرَّمْيِ تَتَعَذَّرُ الْإِصَابَةُ فِي مَثَلِهَا غَالِبًا، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ ذِرَاعٍ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ يَفُوتُ بِذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مَا رَمَى فِي أَرْبَعِمِائَةِ ذِرَاعٍ إِلَّا عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَهَلِ الْمُرَادُ بِهِ ذِرَاعُ الْيَدِ أَمْ غَيْرُهُ؟ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا]
(الرَّابِعُ: كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا) بِالْمُشَاهَدَةِ، أَوْ بِالْقَدْرِ، أَوْ بِالصِّفَةِ ; لِأَنَّهُ مَالٌ فِي عَقْدٍ، فَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا، وَيَجُوزُ حَالًّا، وَمُؤَجَّلًا، وَبَعْضُهُ كَقَوْلِهِ: إِنْ فَضَلْتَنِي فَلَكَ دِينَارٌ، وَقَفِيزُ حِنْطَةٍ بَعْدَ شَهْرٍ كَالْبَيْعِ غَيْرَ أَنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى صِفَةِ الْحِنْطَةِ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ السَّلَمُ، وَهَذَا الْعَوضُ تَمْلِيكٌ بِشَرْطِ سَبْقِهِ.
[الشَّرْطُ الْخَامِسُ الْخُرُوجُ عَنْ شُبْهَةِ الْقِمَارِ]
(الْخَامِسُ: الْخُرُوجُ عَنْ شُبْهَةِ الْقِمَارِ) لِأَنَّ الْقِمَارَ مُحَرَّمٌ، فَشَبَهُهُ مِثْلُهُ (بِأَنْ لَا يَخْرُجَ جَمِيعُهُمْ) لِأَنَّهُ إِذَا أَخْرَجَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَهُوَ قِمَارٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ. وَمَنْ لَمْ يُخْرِجْ بَقِيَ سَالِمًا مِنَ الْغُرْمِ (فَإِنْ كَانَ الْجُعْلُ مِنَ الْإِمَامِ) صَحَّ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالِهِ، أَوْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّ فِيهِ مَصْلَحَةً، وَحَثًّا عَلَى تَعْلِيمِ الْجِهَادِ، وَنَفْعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ مُخْتَصٌّ بِهِ لِتَوَلِّيهِ الْوِلَايَاتِ (أَوْ مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمَا، أَوْ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى أَنَّ مَنْ سَبَقَ أَخَذَهُ جَازَ) لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ مِنْ غَيْرِهِمَا، فَلَأَنْ يَجُوزَ مِنْ أَحَدِهِمَا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيُشْتَرَطُ فِي غَيْرِ الْإِمَامِ بَذْلُ الْعِوَضِ مِنْ مَالِهِ، فَيَقُولُ: إِنْ سَبَقَتْنِي، فَلَكَ عَشَرَةٌ، وَإِنْ سَبَقْتُكَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْكَ (وَإِنْ جَاءَا مَعًا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا) لِأَنَّهُ لَا سَابِقَ فِيهِمَا (وَإِنْ سَبَقَ الْمُخْرِجُ أَحْرَزَ سَبْقَهُ) أَيْ سَبْقَ نَفْسِهِ (وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْآخَرِ شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا كَانَ قِمَارًا (وَإِنْ سَبَقَ الْآخَرُ أَحْرَزَ سَبْقَ صَاحِبِهِ) أَيْ سَبْقَ الْمُخْرِجِ ; لِأَنَّهُ سَبَقَهُ، فَمَلَكَ الْمَالَ الَّذِي جَعَلَهُ عِوَضًا فِي الْجُعَالَةِ كَالْعِوَضِ الْمَجْعُولِ فِي رَدِّ الضَّالَّةِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ فِي الذِّمَّةِ فَهُوَ دَيْنٌ يُقْضي بِهِ عَلَيْهِ، وَيُجْبَرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ إِنْ كَانَ مُوسِرًا، وَإِنْ أَفْلَسَ ضُرِبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
стр. 1736
أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا، فَإِنْ سَبَقَ أَحْرَزَ سَبْقَيْهِمَا، وَإِنْ سَبَقَاهُ أَحْرَزَا سَبْقَيْهِمَا وَلَمْ يَأْخُذَا مِنْهُ شَيْئًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَحْرَزَ السَّبْقَيْنِ، وَإِنْ سَبَقَ مَعَهُ الْمُحَلِّلُ فَسَبْقُ الْآخَرِ بَيْنَهُمَا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: السَّبْقُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْجُعْلُ الَّذِي يُسَابَقُ عَلَيْهِ، يُقَالُ: سَبَقَ إِذَا أَخَذَ وَأَعْطَى فَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ.
(فَإِنْ أَخْرَجَا مَعًا) أَيِ الْعِوَضَ (لَمْ يَجُزْ) وَكَانَ قِمَارًا (إِلَّا أَنْ يُدْخِلَا بَيْنَهُمَا مُحَلِّلًا) فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُخْرِجَا سَوَاءً أَخْرَجَاهُ مُتَسَاوِيًا، أَوْ مُتَفَاضِلًا، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخْرِجَ الْمُحَلِّلُ شَيْئًا، وَهُوَ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالَأَوْزَاعِيِّ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لَا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ قِمَارًا، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، فَجَعَلَهُ قِمَارًا إِذَا أَمِنَ السَّبْقَ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَغْنَمَ أَوْ يَغْرَمَ، وَإِذَا لَمْ يَأْمَنْ أَنْ يَسْبِقَ لَمْ يَكُنْ قِمَارًا ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ عَنْ ذَلِكَ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمُحَلِّلِ أَنْ (يُكَافِئُ فَرَسُهُ فَرَسَيْهِمَا، أَوْ بَعِيرُهُ بَعِيرَيْهِمَا، أَوْ رَمْيُهُ رَمْيَيْهِمَا) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ (فَإِنْ سَبَقَهما أَحْرَزَ سَبْقَيْهِمَا) اتِّفَاقًا ; لِأَنَّهُ جُعِلَ لِمَنْ سَبَقَ (وَإِنْ سَبَقَاهُ أَحْرَزَا سَبْقَيْهِمَا) لِأَنَّ الْمُحَلِّلَ لَمْ يَسْبِقْهُمَا (وَلَمْ يَأْخُذَا مِنْهُ) أَيْ مِنَ الْمُحَلِّلِ (شَيْئًا) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ عَلَيْهِ لِمَنْ سَبَقَهُ شَيْئًا (وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا أَحْرَزَ السَّبْقَيْنِ) لِأَنَّهُمَا قَدْ جَعَلَاهُ لِمَنْ سَبَقَ، وَقَدْ وَجَدَ (وَإِنْ سَبَقَ مَعَهُ الْمُحَلِّلُ فَسَبْقُ الْآخَرِ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنِ السَّابِقِ وَالْمُحَلِّلِ نِصْفَيْنِ لِأَنَّهُمَا قَدِ اشْتَرَكَا فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِي عِوَضِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُسْتَبِقُونَ اثْنَيْنِ أَوْ أَكَثَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْفِي مُحَلِّلٌ وَاحِدٌ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ لِدَفْعِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: بَلْ أَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ "، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَا مُحَلِّلَ، وَأَنَّهُ أَوْلَى بِالْعَدْلِ مِنْ كَوْنِ السَّبْقِ مِنْ أَحَدِهِمَا، وَأَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ مَقْصُودِ كُلٍّ مِنْهُمَا، وَهُوَ بَيَانُ عَجْزٍ الْآخَرِ.
(وَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ) أَيْ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقِينَ (مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ
стр. 1737
وَإِنْ قَالَ الْمُخْرِجُ: مَنْ سَبَقَ فَلَهُ عَشَرَةٌ، وَمَنْ صَلَّى فَلَهُ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ قَالَ: مَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ صَحَّ، وَإِنْ شَرَطَا أَنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبْقَ أَصْحَابَهُ أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ) إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ ; لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي طَلَبِ السَّبْقِ فَلَا يُحْرَصُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ سَوَاءٌ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ كَانُوا أَكَثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَقَالَ ذَلِكَ صَحَّ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا أَوْ مُصَلِّيًا (وَإِنْ قَالَ: مَنْ صَلَّى فَلَهُ خَمْسَةٌ صَحَّ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَجْتَهِدُ أَنْ يَكُونَ سَابِقًا لِيُحْرِزَ أَكْثَرَ الْعِوَضَيْنِ، وَالْمُصَلِّي: هُوَ الثَّانِي ; لِأَنَّ رَأْسَهُ عِنْدَ صَلَا الْآخَرِ، وَالصَّلَوَانِ هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتئانِ مِنْ جَانِبِ الذَّنَبِ، وَفِي الْأَثَرِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَبَقَ أَبُو بَكْرٍ، وَصَلَّى عُمَرُ، وَخَطَبتْنَا فِتْنَةٌ.
قَالَ الشَّاعِرُ:
إِنْ تَبْتَدِرْ غَايَةً يَوْمًا لِمَكْرُمَةٍ ... تَلْقَ السَّوَابِقَ فِينَا وَالْمُصَلِّينَا
فَإِنْ قَالَ: لِلْمُجَلِّي - وَهُوَ الْأَوَّلُ - مِائَةٌ، وَلِلْمُصَلِّي وَهُوَ الثَّانِي تِسْعُونَ، وَلِلتَّالِي وَهُوَ الثَّالِثُ ثَمَانُونَ، وَلِلْبَارِعِ وَهُوَ الرَّابِعُ سَبْعُونَ، وَلِلْمُرْتَاحِ وَهُوَ الْخَامِسُ سِتُّونَ، وَلِلْخطيِّ وَهُوَ السَّادِسُ خَمْسُونَ، وَلِلْعَاطِفِ وَهُوَ السَّابِعُ أَرْبَعُونَ، وَلِلْمُؤَمَّلِ وَهُوَ الثَّامِنُ ثَلَاثُونَ، وَلِلَّطِيمِ وَهُوَ التَّاسِعُ عِشْرُونَ، وَلِلسِّكِّيتِ وَهُوَ الْعَاشِرُ عَشَرَةٌ، وَلِلْفِسْكِلِ وَهُوَ الْآخِرُ خَمْسَةٌ، صَحَّ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَطْلُبُ السَّبْقَ، أَوْ مَا يَلِيهِ.
وَذَكَرَ الثَّعَالِبِيُّ فِي " فِقْهِ اللُّغَةِ " أَنَّ الْمُجَلِّيَ: هُوَ الثَّانِي، وَالْمُصَلِّيَ هُوَ الثَّالِثُ، فَلَوْ جَعَلَ لِلْمُصَلِّي أَكْثَرَ مِنَ الْمُجَلِّي أَوْ جَعَلَ لِمَا بَعْدَهُ أَكْثَرَ مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُصَلِّي شَيْئًا، لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ لَا يُقْصَدَ السَّبْقُ، بَلْ يُقْصَدُ التَّأَخُّرُ، فَيَفُوتُ الْمَقْصُودُ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ لِعَشَرَةٍ: مَنْ سَبَقَ مِنْكُمْ فَلَهُ عَشَرَةٌ، فَسَبَقَ اثْنَانِ، فَهِيَ بَيْنَهُمَا، وَإِنْ سَبَقَ تِسْعَةٌ وَتَأَخَّرَ وَاحِدٌ، فَالْعَشَرَةُ لِلتِّسْعَةِ، وَقِيلَ: لِكُلٍّ مِنَ السَّابِقِينَ عَشَرَةٌ، كَمَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَلَهُ عَشَرَةٌ، فَرَدَّ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدًا، وَفَارَقَ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ رَدَّ عَبْدِي فَرَدَّهُ تِسْعَةٌ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ واحد منهم لَمْ يَرُدَّهُ، وَإِنَّمَا رَدُّهُ حَصَلَ مِنَ الْكُلِّ.
(وَإِنْ شَرَطَا أَنَّ السَّابِقَ يُطْعِمُ السَّبْقَ أَصْحَابَهُ) أَوْ بَعْضَهُمْ (أَوْ غَيْرَهُمْ) أَوْ إِنْ سَبَقْتَنِي فَلَكَ كَذَا وَلَا أَرْمِي أَبَدًا أَوْ أَشْهُرًا (لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ) لِأَنَّهُ عِوَضٌ عَلَى عَمَلٍ فَلَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ الْعَامِلِ كَالْعِوَضٍ فِي رَدِّ الْآبِقِ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ صِحَّةَ شَرْطِهِ لِأُسْتَاذِهِ، وَشِرَاءَ قَوْسٍ، وَكَرَاءَ حَانُوتٍ، وَإِطْعَامَ الْجَمَاعَةِ ; لِأَنَّهُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الرَّمْيِ (وَفِي صِحَّةِ
стр. 1738
غَيْرَهُمْ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ، وَفِي صِحَّةِ الْمُسَابَقَةِ وَجْهَانِ.
فَصْلٌ وَالْمُسَابَقَةُ جُعَالَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ الْفَضْلُ لِأَحَدِهِمَا فَيَكُونَ لَهُ الْفَسْخُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا، لَكِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمَرْكُوبَيْنِ وَأَحَدِ الرَّامِيَيْنِ، وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الرَّاكِبَيْنِ، وَلَا تَلَفِ أَحَدِ الْقَوْسَيْنِ وَيَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُسَابَقَةِ وَجْهَانِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَا يَفْسَدُ، وَنَصَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ لَا يَتَوَقَّفُ صِحَّتُهَا عَلَى تَسْمِيَةِ بَدَلٍ فَلَمْ يَفْسَدْ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَالنِّكَاحِ، وَالثَّانِي: يَفْسَدُ ; لِأَنَّهُ بَدَلُ الْعِوَضِ لِهَذَا الْغَرَضِ، فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَرَضُهُ لَا يَلْزَمُهُ الْعِوَضُ فَعَلَيْهِ إِنْ كَانَ الْمُخْرِجُ السَّابِقَ أَحْرَزَ سَبْقَهُ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرَ فَلَهُ أَجْرُ عَمَلِهِ ; لِأَنَّهُ عَمِلَ بِعِوَضٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ فَاسْتَحَقَّ أَجْرَ الْمِثْلِ كَالْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ.
[وَالْمُسَابَقَةُ جُعَالَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا قَبْلَ الشُّرُوعِ]
فَصْلٌ (وَالْمُسَابَقَةُ جُعَالَةٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُهَا) أَيْ قَبْلَ الشُّرُوعِ ; لِأَنَّهَا عَقْدٌ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ، فَكَانَ جَائِزًا كَرَدِّ الْآبِقِ، وَلَهُ الزِّيَادَةُ وَالنُّقْصَانُ فِي الْعِوَضِ، وَلَمْ يَلْزَمِ الْآخَرَ إِجَابَتُهُ، وَلَا يُؤْخَذُ بِعِوَضِهَا رَهْنٌ وَلَا كَفِيلٌ (إِلَّا أَنْ يَظْهَرَ الْفَضْلُ لِأَحَدِهِمَا) مِثْلَ أَنْ يَسْبِقَ بِفَرَسِهِ فِي بَعْضِ الْمَسَافَةِ، أَوْ يُصِيبَ بِسِهَامِهِ أَكْثَرَ مِنْهُ (فَيَكُونُ لَهُ الْفَسْخُ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ (دُونَ صَاحِبِهِ) أَيِ الْمَفْضُولِ ; لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ ذَلِكَ لَفَاتَتْ غَرَضُ الْمُسَابَقَةِ فَلَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ (وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) كَوَكَالَةٍ (وَقِيلَ: هِيَ عَقْدٌ لَازِمٌ) لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا كَوْنُ الْعِوَضِ مَعْلُومًا فَكَانَتْ لَازِمَةً كَالْإِجَارَةِ (لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا فَسْخُهَا) لِأَنَّهُ شَأْنُ الْعُقُودِ اللَّازِمَةِ (لَكِنَّهَا تَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِ الْمَرْكُوبَيْنِ وَأَحَدِ الرَّامِيَيْنِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ تَعَلَّقَ بِعَيْنِ الْمَرْكُوبِ وَالرَّامِي، فَانْفَسَخَ بِتَلَفِهِ كَمَا لَوْ تَلِفَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْإِجَارَةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ لَا يَلْزَمُ فِي حَقِّ الْمُحَلِّلِ ; لِأَنَّهُ مَغْبُوطٌ كَمُرْتَهِنٍ (وَلَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ أَحَدِ الرَّاكِبَيْنِ، وَلَا تَلَفِ أَحَدِ الْقَوْسَيْنِ) لِأَنَّهُ غَيْرُ مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَلَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ بِتَلَفِهِ كَمَوْتِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ (وَ) عَلَيْهِ (يَقُومُ وَارِثُ الْمَيِّتِ مَقَامَهُ) لِأَنَّهُ يَقُومُ مَقَامَهُ
стр. 1739
مَقَامَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَالسَّبْقُ فِي الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ إِذَا تَمَاثَلَتِ الْأَعْنَاقُ، وَفِي مُخْتَلِفِي الْعُنُقِ وَالْإِبِلِ بِالْكَتِفِ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدُهُمَا مَعَ فَرَسِهِ فَرَسًا يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ، وَلَا يَصِيحُ بِهِ فِي وَقْتِ سِبَاقِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِيمَا لَهُ، فَكَذَا فِيمَا عَلَيْهِ، وَكَمَا لَوِ اسْتَأْجَرَ شَيْئًا ثُمَّ مَاتَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَمَا لَوْ آجَرَ نَفْسَهُ لَعَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَإِنْ قُلْنَا: جَائِزَةٌ فَوَجْهَانِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ "، وَلَا يَجِبُ تَسْلِيمُ عِوَضِهِ فِي الْحَالِ، فَإِنْ قُلْنَا بِلُزُومِهِ عَلَى الْأَصَحِّ بِخِلَافِ أُجْرَةٍ بَلْ يَبْدَأُ بِتَسْلِيمِ عَمَلٍ.
(وَالسَّبْقُ فِي الْخَيْلِ بِالرَّأْسِ إِذَا تَمَاثَلَتِ الْأَعْنَاقُ) أَيْ فِي الطُّولِ، وَالِارْتِفَاعِ، وَالْمَدِّ (وَفِي مُخْتَلِفِي الْعُنُقِ وَالْإِبِلِ بِالْكَتِفِ) يُشْتَرَطُ فِي الْمُسَابَقَةِ بِعِوَضٍ إِرْسَالُ الْفَرَسَيْنِ، أَوِ الْبَعِيرَيْنِ دَفْعَةً وَاحِدَةً لَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يُرْسِلَ قَبْلَ الْآخَرِ، وَيَكُونُ عِنْدَ أَوَّلِ الْمَسَافَةِ مَنْ يُشَاهِدُ إِرْسَالَهُمَا، وَعِنْدَ الْغَايَةِ مَنْ يَضْبِطُ السَّابِقَ لِئَلَّا يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ، وَالسَّبْقُ بِمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّ طَوِيلَ الْعُنُقِ قَدْ يَسْبِقُ رَأْسُهُ لِمَدِّ عُنُقِهِ، وَفِي الْإِبِلِ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، وَفِيهِ مَا يَمُدُّ عُنُقَهُ، فَلِذَلِكَ اعْتُبِرَ بِالْكَتِفِ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " الْكُلُّ بِالْكَتِفِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " السَّبْقُ فِي الْخَيْلِ بِالْعُنُقِ، وَقِيلَ: بِالرَّأْسِ مَعَ تَسَاوِي الْأَعْنَاقِ، وَفِي مُخْتَلِفِي الْعُنُقِ وَالْإِبِلِ بِالْكَتِفِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ فِي الْكُلِّ بِالْأَقْدَامِ، وَرَدَّهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.
(وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُجَنِّبَ أَحَدُهُمَا مَعَ فَرَسِهِ فَرَسًا يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ، وَلَا يَصِيحَ بِهِ فِي وَقْتِ سِبَاقِهِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَذَا فَسَّرَهُ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِمَالِكٍ، وَقَالَ أَبُو عُبِيدٍ: هُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: مَعْنَى الْجَنَبِ أَنْ يُجَنِّبَ مَعَ فَرَسِهِ، أَوْ وَرَاءَهُ فَرَسًا لَا رَاكِبَ عَلَيْهِ يُحَرِّضُهُ عَلَى الْعَدْوِ، وَيَحُثُّهُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَعْنَاهُ أَنْ يُجَنِّبَ فَرَسًا يَتَحَوَّلُ عِنْدَ الْغَايَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ أَقَلَّ إِعْيَاءً،
стр. 1740
لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ» .
فصل فِي الْمُنَاضَلَةِ
وَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ، فَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرَدَّهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَالْجَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ هُوَ الزَّجْرُ لِلْفَرَسِ، وَالصِّيَاحُ عَلَيْهِ حَثًّا لَهُ عَلَى الْجَرْيِ.
[فَصْلٌ فِي الْمُنَاضَلَةِ]
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْمُنَاضَلَةِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ]
فَصْلٌ
فِي الْمُنَاضَلَةِ
هِيَ مُفَاعَلَةٌ مِنَ النَّضْلِ، يُقَالُ: نَاضَلْتُهُ نِضَالًا وَمُنَاضَلَةً كَجَادَلْتُهُ جِدَالًا وَمُجَادَلَةً، وَسُمِّيَ الرَّمْيُ نِضَالًا ; لِأَنَّ السَّهْمَ التَّامَّ يُسَمَّى نَضْلًا، فَالرَّمْيُ بِهِ عَمَلٌ بِالنَّضْلِ، وَهِيَ الْمُسَابَقَةُ بِالرَّمْيِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ ﴿قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ [يوسف: ١٧] ، وَقُرِئَ (نَنْتَضِلُ) وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: ارْمِ هَذَا السَّهْمَ فَإِنْ أَصَبْتَ بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ صَحَّ وَكَانَ جُعَالَةً، فَإِنْ قَالَ: إِنْ أَصَبْتَ بِهِ فَلَكَ دِرْهَمٌ، وَإِنْ أَخْطَأْتَ فَعَلَيْكَ دِرْهَمٌ لَمْ يَصِحَّ ; لِأَنَّهُ قِمَارٌ، فَإِنْ قَالَ: ارْمِ عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِكَ فَلَكَ دِرْهَمٌ صَحَّ كَمَا لَوْ قَالَ: إِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ فَلَكَ بِكُلِّ سَهْمٍ أَصَبْتَ بِهِ دِرْهَمٌ.
(وَيُشْتَرَطُ لَهَا شُرُوطٌ أَرْبَعَةٌ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ عَلَى مَنْ يُحْسِنُ الرَّمْيَ) لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَمَنْ لَا يُحْسِنُهُ لَا حِذْقَ لَهُ، فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ (فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ) أَيْ إِذَا كَانَ كُلُّ حِزْبٍ جَمَاعَةً ; لِأَنَّ الْمُفْسِدَ مَوْجُودٌ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ دُونَ غَيْرِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ الْبُطْلَانُ بِهِ، وَهَلْ يَبْطُلُ فِي حَقِّ مَنْ يُحْسِنُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " (وَأَخْرَجَ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ مِثْلَهُ) كَالْبَيْعِ إِذَا بَطَلَ فِي الْبَعْضِ بَطَلَ فِيمَا يُقَابِلُهُ مِنَ الثَّمَنِ (وَلَهُمْ) أَيْ لِكُلِّ حِزْبٍ (الْفَسْخُ إِنْ أَحَبُّوا) لِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ فِي حَقِّهِمْ، فَإِنْ كَانَ يُحْسِنُهُ لَكِنَّهُ قَلِيلُ الْإِصَابَةِ، فَقَالَ حِزْبُهُ: ظَنَنَّاهُ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، أَوْ لَمْ نَعْلَمْ حَالَهُ، لَمْ يُسْمَعْ ; لِأَنَّ شَرْطَ دُخُولِهِ فِي الْعَقْدِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ دُونَ الْحِذْقِ.
стр. 1741
كَانَ فِي أَحَدِ الْحِزْبَيْنِ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ بَطَلَ الْعَقْدُ فِيهِ، وَأَخْرَجَ مِنَ الْحِزْبِ الْآخَرِ مِثْلَهُ وَلَهُمُ الْفَسْخُ إِنْ أَحَبُّوا.
الثَّانِي: مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ وَعَدَدِ الْإِصَابَةِ.
الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الرَّمْيِ هَلْ هُوَ مُفَاضَلَةٌ أَوْ مُبَادَرَةٌ؟ فَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَقُولَا: مَنْ سَبَقَ إِلَى خَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَقَدْ سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَيْهَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الرَّمْيِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الشَّرْطُ الثَّانِي مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرَّشْقِ]
(الثَّانِي: مَعْرِفَةُ عَدَدِ الرِّشْقِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ عِبَارَةٌ عَنْ عَدَدِ الرَّمْيِ، وَأَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ يَخُصُّونَهُ فِيمَا بَيْنَ الْعِشْرِينَ وَالثَّلَاثِينَ، وَبِفَتْحِهَا الرَّمْيُ، وَهُوَ مَصْدَرُ رَشَقْتُ الشَّيْءَ رَشْقًا، وَاشْتُرِطَ الْعِلْمُ بِهِ ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَجْهُولًا أَفْضَى إِلَى الِاخْتِلَافِ ; لَأَنَّ أَحَدَهُمَا يُرِيدُ الْقَطْعَ، وَالْآخَرَ يُرِيدُ الزِّيَادَةَ (وَعَدَدِ الْإِصَابَةِ) كَخَمْسَةٍ، أَوْ سِتَّةٍ، أَوْ مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ مِنْ رَمْيٍ مَعْلُومٍ كَعِشْرِينَ ; لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ الْحِذْقِ، وَلَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَتُعْتَبَرُ إِصَابَةً مُمْكِنَةً، قَالَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " وَغَيْرِهِ، فَلَوْ شَرَطَا إِصَابَةً نَادِرَةً كَإِصَابَةِ جَمِيعِ الرَّشْقِ، أَوْ تِسْعٍ مِنْ عَشَرَةٍ لَمْ يَصِحَّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " ; لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ، فَيَفُوتُ الْغَرَضُ، وَيُشْتَرَطُ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي عَدَدِ الرَّشْقِ، وَالْإِصَابَةِ، وَصِفَتِهَا، وَسَائِرِ أَحْوَالِ الرَّمْيِ ; لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى الْمُسَاوَاةِ، فَاعْتُبِرَتْ كَالْمُسَابَقَةِ عَلَى الْحَيَوَانِ لَا عَلَى الْأَبْعَدِ، فَلَوْ قَالَ: السَّبْقُ لِأَبْعَدِنَا رَمْيًا، لَمْ يَجُزْ.
فَرْعٌ: إِذَا عَقَدَا النِّضَالَ وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْسًا، صَحَّ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْقَاضِي، وَاسْتَوَيَا فِي الْعَرَبِيَّةِ، وَالْفَارِسِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يُذْكَرَ نَوْعُ الْقَوْسِ الَّذِي يَرْمِيَانِ عَلَيْهِ فِي الِابْتِدَاءِ، فَإِنْ عَيَّنَا نَوْعًا تَعَيَّنَ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ مَعْرِفَةُ الرَّمْيِ هَلْ هُوَ مُفَاضَلَةٌ أَوْ مُبَادَرَةٌ]
(الثَّالِثُ: مَعْرِفَةُ الرَّمْيِ هَلْ هُوَ مُفَاضَلَةٌ أَوْ مُبَادَرَةٌ؟) لِأَنَّ غَرَضَ الرُّمَاةِ يَخْتَلِفُ فَمِنْهُمْ مَنْ إِصَابَتُهُ فِي الِابْتِدَاءِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الِانْتِهَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ هُوَ بِالْعَكْسِ، فَوَجَبَ اشْتِرَاطُ ذَلِكَ لِيُعْلَمَ مَا دَخَلَ فِيهِ (فَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يَقُولَا: مَنْ سَبَقَ إِلَى خَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً فَقَدْ سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا سَبَقَ إِلَيْهَا مَعَ تَسَاوِيهِمَا فِي الرَّمْيِ فَهُوَ السَّابِقُ، وَلَا يَلْزَمُ إِتْمَامُ الرَّمْيِ) لِأَنَّ السَّبْقَ قَدْ حَصَلَ بِسَبْقِهِ إِلَى مَا شَرَطَا السَّبْقَ إِلَيْهِ، فَإِنْ رَمَى أَحَدُهُمَا عَشْرًا فَأَصَابَ خَمْسًا، وَالْآخَرُ تِسْعًا فَأَصَابَ أَرْبَعًا لَمْ يُحْكَمْ بِالسَّبْقِ، وَلَا بِعَدَمِهِ حَتَّى يَرْمِيَ الْعَاشِرُ، وَإِنْ أَصَابَ بِهِ فَلَا سَابِقَ مِنْهُمَا، وَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ فَالْأَوَّلُ سَابِقٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَصَابَ مِنَ التِّسْعَةِ إِلَّا ثَلَاثًا، فَقَدْ سَبَقَ، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى رَمْيِ الْعَاشِرِ ; لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُصِيبَ بِهِ، وَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مَسْبُوقًا.
стр. 1742
فَهُوَ السَّابِقُ، وَلَا يَلْزَمُ إِتْمَامُ الرَّمْيِ، وَالْمُفَاضَلَةُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا فَضَلَ بِذَلِكَ فَهُوَ السَّابِقُ، وَإِذَا أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ تَنَاوَلَهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ، فَإِنْ قَالَا: خَوَاصِلَ كَانَ تَأْكِيدًا; لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهَا كَيْفَمَا كَانَتْ، وَإِنْ قَالَا: خَوَاسِقَ، وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَثَبَتَ فِيهِ، أَوْ خَوَارِقَ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَالْمُفَاضَلَةُ أَنْ يَقُولَا: أَيُّنَا فَضَلَ صَاحِبَهُ بِخَمْسِ إِصَابَاتٍ مِنْ عِشْرِينَ رَمْيَةً سَبَقَ، فَأَيُّهُمَا فَضَلَ بِذَلِكَ فَهُوَ السَّابِقُ) لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِلْمُنَاضَلَةِ صُورَةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَأَنَّهَا تُسَمَّى مُحَاطَّةً، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَشْتَرِطَا حَطَّ مَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ مِنَ الْإِصَابَةِ فِي رِشْقٍ مَعْلُومٍ، فَإِذَا فَضَلَ أَحَدُهُمَا بِإِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ فَقَدْ سَبَقَ صَاحِبَهُ كَأَنْ يَشْتَرِطَا الرِّشْقَ عِشْرِينَ، وَيَشْتَرِطَا حَطَّ مَا يَتَسَاوَيَانِ فِيهِ، فَإِذَا فَضلَ أَحَدُهُمَا بِعَدَدٍ، فَقَدْ فَضَلَ صَاحِبَهُ (وَإِذَا أَطْلَقَا الْإِصَابَةَ تَنَاوَلَهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كَانَتْ) لِأَنَّ أَيَّ صِفَةٍ كَانَتْ تَدْخُلُ تَحْتَ مُسَمَّى الْإِصَابَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي ": إنَّ صِفَةَ الْإِصَابَةِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْمُنَاضَلَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " إِنْ أَطْلَقَا الْعَقْدَ كَفَى إِصَابَةَ بَعْضِهِ كَيْفَ كَانَ، وَيُسَنُّ أَنْ يَصِفَا الْإِصَابَةَ، وَقِيلَ: يَجِبُ (فَإِنْ قَالَا: خَوَاصِلَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ (كَانَ تَأْكِيدًا; لِأَنَّهُ اسْمٌ لَهَا كَيْفَمَا كَانَتْ) .
قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْخَاصِلُ الَّذِي أَصَابَ الْقِرْطَاسَ، وَقَدْ خَصَلَهُ إِذَا أَصَابَهُ، وَخَصَلْتُ مُنَاضِلِي أَخَصَلُهُ خَصْلًا إِذَا نَضَلْتُهُ وَسَبَقْتُهُ، وَتُسَمَّى الْقَرْطَسَةُ، يُقَالُ: قَرْطَسَ إِذَا أَصَابَ (وَإِنْ قَالَا: خَوَاسِقَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ، وَثَبَتَ فِيهِ أَوْ خَوَارِقَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالرَّاءِ (وَهُوَ مَا خَرَقَه ولم يثبت فِيهِ) وَضَبْطَهُ بَعْضُهُمْ بِالزَّايِ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
لِأَنَّ الْأَزْهَرِيَّ وَالْجَوْهَرِيَّ قَالَا: الْخَارِقُ بِالرَّاءِ لُغَةٌ فِي الْخَاسِقِ، فَهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ فَسَّرَ الْخَوَارِقَ بِغَيْرِ مَا فَسَّرَ بِهِ الْخَوَاسِقَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ بِالرَّاءِ لِئَلَّا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ أَوِ الْمَجَازُ، وَهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَلْفَاظِ التَّبَايُنُ (وَإِنْ قَالَا: خَوَاصِرَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَالصَّادِّ، وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْغَرَضِ) وَمِنْهُ قِيلَ: الْخَاصِرَةُ ; لِأَنَّهَا فِي جَانِبِ الْإِنْسَانِ (تَقَيَّدَتْ بِذَلِكَ) لِأَنَّهُ وَصْفٌ وَقَعَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِهِ ضَرُورَةُ الْوَفَاءِ بِمُوجَبِهِ، فَإِنْ شَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالْخَوَارِقَ مَعًا
стр. 1743
وَهُوَ مَا خَرَقَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، وَإِنْ قَالَا: خَوَاصِرَ، وَهُوَ مَا وَقَعَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْغَرَضِ، تَقَيَّدَتْ بِذَلِكَ. وَإِنْ شَرَطَا إِصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنَ الْغَرَضِ كَالدَّائِرَةِ تَقَيَّدَ بِهِ
الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ طُولِهِ، وَعَرْضِهِ، وَسُمْكِهِ، وَارْتِفَاعِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْرَاجِ السَّبْقِ. وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ إِذَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
صَحَّ (وَإِنْ شَرَطَا إِصَابَةَ مَوْضِعٍ مِنَ الْغَرَضِ كَالدَّائِرَةِ تَقَيَّدَ بِهِ) لِأَنَّ الْغَرَضَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَتَعَيَّنَ أَنْ تَتَقَيَّدَ الْمُنَاضَلَةُ بِهِ تَحْصِيلًا لِلْغَرَضِ.
وَبَقِيَ مِنْهَا أَقْسَامٌ، الْأَوَّلُ: الْمَوَارِقُ، وَهُوَ مَا خَرَقَ الْغَرَضَ وَنَفَذَ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الْكَافِي "، وَذَكَرَ الْأَزْهَرِيُّ أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ: الصَّادِرُ، الثَّانِي: الْخَوَارِمُ، وَهُوَ مَا خَرَمَ جَانِبَ الْغَرَضِ، الثَّالِثُ: الْحَوَابِي، وَهُوَ مَا وَقَعَ بَيْنَ يَدَيِ الْغَرَضِ ثُمَّ وَثَبَ إِلَيْهِ، وَمِنْهُ يُقَالُ حَبَا الصَّبِيُّ ذَكَرَهُمَا فِي " الْمُغْنِي "، وَلَيْسَ الْأَوَّلَانِ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْمُنَاضَلَةِ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ طُولِهِ وَعَرْضِهِ وَسُمْكِهِ]
(الرَّابِعُ: مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْغَرَضِ طُولِهِ، وَعَرْضِهِ، وَسُمْكِهِ، وَارْتِفَاعِهِ مِنَ الْأَرْضِ) لِأَنَّ الْإِصَابَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ذَلِكَ، فَوَجَبَ الْعِلْمُ بِهِ، أَشْبَهَ تَعْيِينَ النَّوْعِ، وَالْغَرَضُ مَا تُقْصَدُ إِصَابَتُهُ مِنْ قِرْطَاسٍ، أَوْ جِلْدٍ، أَوْ خَشَبِ، وَسُمِّيَ غَرَضًا ; لِأَنَّهُ يُقْصَدُ.
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: مَا نُصِبَ فِي الْهَدَفِ فَهُوَ الْقِرْطَاسُ، وَمَا نُصِبَ فِي الْهَوَاءِ فَهُوَ الْغَرَضُ، وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْهَدَفِ الَّذِي يَرْمِي فِيهِ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ " وَطُولِهِ " بِالْوَاوِ، وَالصَّوَابُ حَذْفُهَا، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " وَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْغَرَضِ صِفَةً، وَقَدْرًا ; لِأَنَّ قَدْرَ الْغَرَضِ هُوَ طُولُهُ، وَعَرْضُهُ، وَسُمْكُهُ (وَإِنْ تَشَاحَّا فِي الْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ لِأَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الِاسْتِحْقَاقِ، فَيُصَارُ إِلَيْهِمَا كَمَا لَوْ تَنَازَعَ الْمُتَقَاسِمَانِ فِي اسْتِحْقَاقِ سَهْمٍ مُعَيَّنٍ (وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ بِإِخْرَاجِ السَّبْقِ) لِأَنَّ لَهُ نَوْعًا مِنَ التَّرَجيحِ، فَيَجِبُ أَنْ يُقَدَّمَ بِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ أَحَدِهِمَا قَدَّمَ صَاحِبَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَجْنَبِيٍّ قَدَّمَ مَنْ يَخْتَارُهُ مِنْهُمَا، فَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ أَقْرَعَ وَصَحَّحَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّهُ لَا يَبْتَدِئُ أَحَدَهُمَا إِلَّا بِقُرْعَةٍ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَوْضُوعٌ عَلَى أَنْ لَا يُفَضَّلَ صَاحِبُ السَّبْقِ عَلَى صَاحِبِهِ، وَاخْتَارَ فِي " التَّرْغِيبِ " يُعْتَبَرُ ذِكْرُ الْمُبْتَدِئِ بِهِ (وَإِذَا بَدَأَ أَحَدُهُمَا فِي وَجْهٍ بَدَأَ الْآخَرُ فِي الثَّانِي) تَعْدِيلًا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ
стр. 1744
بَدَأَ أَحَدَهُمَا بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرَ بِالثَّانِي، وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ احْتُسِبَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَوَاسِقَ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ. وَإِنْ عَرَضَ عَارِضٌ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ لَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَرَطَا الْبَدَاءَةَ لِأَحَدِهِمَا فِي كُلِّ الْوُجُوهِ لَمْ يَصِحَّ، فَإِنْ فَعَلَا ذَلِكَ بِغَيْرِ شَرْطٍ بِرِضَاهُمَا جَازَ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَبْدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ مُتَوَالِيَيْنِ جَازَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اشْتِرَاطُ الْبُدَاءَةِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ غَيْرَ لَازِمٍ وَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَقْدِ (وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ لَهُمَا غَرَضَانِ إِذَا بَدَأَ أَحَدَهُمَا بِغَرَضٍ بَدَأَ الْآخَرُ بِالثَّانِي) لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا: «مَا بَيْنَ الْغَرَضَيْنِ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ» ، وَيُرْوَى أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَشْتَدُّونَ بَيْنَ الْأَغْرَاضِ يَضْحَكُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ كَانُوا رُهْبَانًا، وَيَكْفِي غَرَضٌ وَاحِدٌ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِهِ وَهُوَ عَادَةُ أَهْلِ عَصْرِنَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَشَاحَّا فِي الْوُقُوفِ كَأَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدُهُمَا الشَّمْسَ وَالْآخِرُ يَسْتَدْبِرُهَا قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ يَسْتَدْبِرُهَا ; لِأَنَّهُ الْعُرْفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا شَرْطٌ، فَيُعْمَلُ بِهِ، وَلَوْ قَصَدَ أَحَدُهُمَا التَّطْوِيلَ مُنِعَ مِنْهُ (وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ احْتُسِبَ بِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ بَقِيَ الْغَرَضُ مَوْضِعَهُ لَأَصَابَهُ (وَإِنْ كَانَ خَوَاسِقَ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيْهِ) فِي قَوْلِ أَبِي الْخَطَّابِ لِأَنَّا لَا نَدْرِي هَلْ يَثْبُتُ فِي الْغَرَضِ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا أَوْ لَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ صَلَابَةُ الْهَدَفِ كَصَلَابَةِ الْغَرَضِ، فَثَبَتَ فِي الْهَدَفِ احْتُسِبَ لَهُ بِهِ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ مَعَ التَّسَاوِي لَمْ يُحْتَسَبْ، وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ أَصْلَبَ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ لَوْ كَانَ رَخْوًا لَمْ يُحْتَسَبِ السَّهْمُ لَهُ وَلَا عَلَيْهِ، فَإِنْ وَقَعَ السَّهْمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْغَرَضِ احْتُسِبَ بِهِ عَلَى رَامِيهِ، وَكَذَا الْحُكْمُ إِذَا أَلْقَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ عَلَى، وَجْهِهِ (وَإِنْ عَرَضَ عَارِضٌ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ رِيحٍ شَدِيدَةٍ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالسَّهْمِ) لِأَنَّ خَطَأَهُ لِعَارِضٍ لَا لِسُوءِ رَمْيِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَالْأَشْهَرُ: وَلَا لَهُ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي "
стр. 1745
يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِالسَّهْمِ، وَإِنْ عَرَضَ مَطَرٌ أَوْ ظُلْمَةٌ جَازَ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ، وَيُكْرَهُ لِلْأَمِينِ وَالشُّهُودِ مَدْحُ أَحَدِهِمَا لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَبَعًا لِلْقَاضِي، وَلَوْ أَصَابَ ; لِأَنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كَمَا يَجُوزُ أَنْ تَصْرِفَ الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فَيُخْطِئُ يَجُوزُ أَنْ يَصْرِفَ السَّهْمَ الْمُخْطِئَ عَنْ خَطَئِهِ فَيُصِيبَ فَتَكُونُ إِصَابَتُهُ بِالرِّيحِ لَا بِحِذْقِ رَمْيِهِ، فَأَمَّا إِنْ وَقَعَ السَّهْمُ مِنْ حَائِلٍ فَخَرَقَهُ، وَأَصَابَ الْغَرَضَ حُسِبَ لَهُ ; لِأَنَّ إِصَابَتَهُ لِسَدَادِ رَمْيِهِ فَهُوَ أَوْلَى، فَلَوْ كَانَتِ الرِّيحُ لَيِّنَةً لَا تَرُدُّ السَّهْمَ عَادَةً لَمْ تَمْنَعْ ; لِأَنَّ الْجَوَّ لَا يَخْلُو مِنْ رِيحٍ مَعَ أَنَّهَا لَا تُؤَثِّرُ إِلَّا فِي الرَّمْيِ الرَّخْوِ (وَإِنْ عَرَضَ مَطَرٌ أَوْ ظُلْمَةٌ جَازَ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ) لِأَنَّ الْمَطَرَ يُرْخِي الْوَتَرَ، وَالظُّلْمَةُ عُذْرٌ لَا يُمْكِنُ مَعَهُ فِعْلُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ الرَّمْيُ نَهَارًا إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَاهُ لَيْلًا (وَيُكْرَهُ لِلْأَمِينِ وَالشُّهُودِ مَدْحُ أَحَدِهِمَا) أَيْ مَدْحُ الْمُصِيبِ (لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ) أَيِ الْمُخْطِئِ، وَحَرَّمَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ يَجُوزُ مَدْحُ الْمُصِيبِ، وَيُكْرَهُ عَيْبُ غَيْرِهِ، وَيَتَوَجَّهُ فِي شَيْخِ الْعِلْمِ وَغَيْرِهِ مَدْحُ الْمُصِيبِ مِنَ الطَّلَبَةِ وَعَيْبُ غَيْرِهِ كَذَلِكَ.
تم بعونه تعالى
الجزء الرابع من المبدع شرح المقنع
ويليه الجزء الخامس وأوله
كتاب العارية
стр. 1746
كِتَابُ الْعَارِيَةِ
وَهِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ تَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَنَافِعِ إِلَّا مَنَافِعَ الْبُضْعِ، وَلَا تَجُوزُ إِعَارَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الظِّهَارِ] [ كِتَابُ الْعَارِيَةِ] [تَعْرِيفُ الْعَارِيَةِ]
كِتَابُ الْعَارِيَةِ هِيَ بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا، وَأَصْلُهَا مِنْ عَارَ إِذَا ذَهَبَ وَجَاءَ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلْعِيَارِ بَطَّالٌ لِتَرَدُّدِهِ فِي بَطَالَتِهِ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: أَعَارَهُ وَعَارَهُ كَأَطَاعَهُ وَطَاعَهُ. قَالَ الْأَصْحَابُ تَبَعًا لِلْجَوْهَرِيِّ: هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْعَارِ، وَفِيهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ ﵇ فَعَلَهَا، وَأَصْلُ الْمَادَّةِ فِيمَا قِيلَ: الْعُرْيُ الَّذِي هُوَ التَّجَرُّدُ تُسَمَّى عَارِيَةً لِتَجَرُّدِهَا عَنِ الْعِوَضِ، كَمَا تُسَمَّى النَّخْلَةُ الْمَوْهُوبَةُ عُرْيَةً لِتَعَرِّيهَا عَنِ الْعِوَضِ، وَقِيلَ: هُوَ مِنَ التَّعَاوُرِ أَيِ التَّنَاوُبِ لِجَعْلِهِ لِلْغَيْرِ نَوْبَةً فِي الِانْتِفَاعِ، وَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ مَسْعُودٍ: هِيَ الْعَوَارِي، وَقَوْلُهُ ﵇: «الْعَارِيَةُ مُؤَدَّاةٌ» ، وَالْمَعْنَى شَاهِدٌ بِذَلِكَ، فَهِيَ كَهِبَةِ الْأَعْيَانِ، وَقِيلَ: تَجِبُ مَعَ غِنَى رَبِّهِ، اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: كَانَتْ وَاجِبَةً فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ.
(وَهِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ) أَيْ: مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ الْوَصِيَّةُ بِالْمَنْفَعَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ الْمَالِ، وَالْأَوْلَى: إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِمَا يَحِلُُّ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ لِيَرُدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا، وَيُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُعِيرِ أَهْلًا لِلتَّبَرُّعِ شَرْعًا، وَأَهْلِيَّةُ مُسْتَعِيرٍ لِلتَّبَرُّعِ لَهُ، وَتَنْعَقِدُ بِكُلِّ لَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ يَدُلُّ
стр. 1747
الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ، وَيُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا، وَاسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهَا (تَجُوزُ فِي كُلِّ الْمَنَافِعِ) الْمُبَاحَةُ كَالدُّورِ، وَالْعَبِيدِ، وَالدَّوَابِّ، وَالثِّيَابِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «اسْتَعَارَ مِنْ أَبِي طَلْحَةَ فَرَسًا، وَمِنْ صَفْوَانَ أَدْرَاعًا، وَسُئِلَ عَنْ حَقِّ الْإِبِلِ، فَقَالَ: " إِعَارَةُ ذَلُولِهَا، وَإِطْرَاقُ فَحْلِهَا» ، فَثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَالْبَاقِي قِيَاسًا، وَتَدْخُلُ فِيهِ إِعَارَةُ النَّقْدَيْنِ لِلْوَزْنِ، فَإِنِ اسْتَعَارَهُمَا لِلنَّفَقَةِ فَقَرْضٌ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. وَنَقَلَ صَالِحٌ: مِنْحَةُ لَبَنٍ هُوَ الْعَارِيَةُ، وَمِنْحَةُ وَرَقٍ هُوَ الْقَرْضُ (إِلَّا مَنَافِعَ الْبُضْعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي نِكَاحٍ، أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ، وَكِلَاهُمَا مُنْتَفٍ فَلَمْ يَجُزْ إِجْمَاعًا.
(وَلَا تَجُوزُ إِعَارَةُ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِكَافِرٍ) لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ اسْتِخْدَامُهُ، فَكَذَا إِعَارَتُهُ، وَقِيلَ: هُوَ كَإِجَارَتِهِ، وَقِيلَ: بِالْكَرَاهَةِ، وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ لِمُحَرَّمٍ، وَقِيلَ: كَلْبًا لِصَيْدٍ، وَفَحْلًا لِضِرَابٍ.
فَرْعٌ: تَجِبُ إِعَارَةُ مُصْحَفٍ لِمَنِ احْتَاجَ إِلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ.
(وَتُكْرَهُ إِعَارَةُ الْأَمَةِ الشَّابَّةِ لِرَجُلٍ غَيْرَ مَحْرَمِهَا) لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَصَوَّبَهُ بَعْضُهُمْ لَا سِيَّمَا لِشَابٍّ خُصُوصًا الْأَعْزَبُ، وَلَا بِأْسَ بِشَوْهَاءَ، وَكَبِيرَةٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَشْتَهِي مِثْلَهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إِعَارَتُهَا لِامْرَأَةٍ، وَلَا ذِي مَحْرَمٍ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُونٌ عَلَيْهَا (وَ) تُكْرَهُ (اسْتِعَارَةُ وَالِدَيْهِ) إِذَا كَانَا رَقِيقَيْنِ، أَوْ أَحَدِهِمَا (لِلْخِدْمَةِ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِخْدَامُهُمَا، فَكَذَا اسْتِعَارَتُهُمَا لِذَلِكَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ اسْتِعَارَةُ وَلَدِهِ لَهَا كَأُمِّ وَلَدِهِ.
[رُجُوعُ الْمُعِيرِ فِي الْعَارِيَةِ]
(وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ) لِأَنَّ الْمَنَافِعَ الْمُسْتَقْبَلَةَ لَمْ تَحْصُلْ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِالْإِعَارَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ مُطْلَقَةً أَوْ مُؤَقَّتَةً، قَبْلَ الِانْتِفَاعِ أَوْ بَعْدَهُ، وَعَنْهُ: إِنْ عَيَّنَ مُدَّةً تَعَيَّنَتْ، وَعَنْهُ: وَمَعَ الْإِطْلَاقِ لَا يَرْجِعُ قَبْلَ انْتِفَاعِهِ، وَلَزِمَهُ تَرْكُهَا مُدَّةً يُنْتَفَعُ بِهَا فِي مِثْلِهَا. قَالَ الْقَاضِي: الْقَبْضُ شَرْطٌ فِي لُزُومِهَا.
стр. 1748
لِلْخِدْمَةِ،
وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً لِحَمْلِ مَتَاعِهِ، فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ، وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيِّتُ، وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيْهِ، فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ، وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَصَادِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَيَحْصُدُ، وَإِنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ أَوْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ: يَحْصُلُ بِهَا الْمِلْكُ مَعَ عَدَمِ قَبْضِهَا، وَأَمَّا الْمُسْتَعِيرُ، فَيَجُوزُ لَهُ الرَّدُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (مَا لَمْ يَأْذَنْ فِي شَغْلِهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ مَصْدَرُ شَغَلَ يَشْغَلُ، وَفِيهِمَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ (بِشَيْءٍ يَسْتَضِرُّ الْمُسْتَعِيرُ بِرُجُوعِهِ فِيهِ، مِثْلَ أَنْ يُعِيرَهُ سَفِينَةً) فَعِيلَةً مِنَ السَّفْنِ (لِحَمْلِ مَتَاعِهِ) أَوْ لَوْحًا يَرْقَعُ بِهِ سَفِينَةً فَرَقَعَهَا، وَلَجَّجَ فِي الْبَحْرِ (فَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ مَا دَامَتْ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا رَسَتْ جَازَ الرُّجُوعُ لِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ (وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلدَّفْنِ، لَمْ يَرْجِعْ حَتَّى يَبْلَى الْمَيِّتُ) لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَتِهِ.
وَقَالَ ابْنُ الْبَنَّا: لَا يَرْجِعُ حَتَّى يَصِيرَ رَمِيمًا. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُخْرِجُ عِظَامَهُ، وَيَأْخُذُ أَرْضَهُ، وَلَا أُجْرَةَ لَهَا، وَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا قَبْلَ الدَّفْنِ (وَإِنْ أَعَارَهُ حَائِطًا لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَطْرَافَ خَشَبِهِ) جَازَ كَالْأَرْضِ لِلْغَرْسِ (لَمْ يَرْجِعْ مَا دَامَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ هَذَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ وَلِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَدْفَعُ إِلَيْكَ مَا نَقَصَ بِالْقَلْعِ لَمْ يَلْزَمِ الْمُسْتَعِيرَ ذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ (فَإِنْ سَقَطَ عَنْهُ لِهَدْمٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَمْلِكْ رَدَّهُ) لِأَنَّ الْإِذْنَ تَنَاوَلَ الْحَائِطَ فَلَا يَتَعَدَّى إِلَى غَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي وَالْمُؤَلِّفُ: لَهُ إِعَارَتُهُ، وَصَحَّحَهُ الْحَارِثِيُّ قَالَ: وَهُوَ اللَّائِقُ بِالْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ السَّبَبَ مُسْتَمِرٌّ، فَكَانَ الِاسْتِحْقَاقُ مُسْتَمِرًّا، وَعَلَى الْأَوَّلِ سَوَاءٌ بَنَى الْحَائِطَ بِآلَتِهِ، أَوْ غَيْرِهَا، أَوْ زَالَتِ الْخُشُبُ بِانْهِدَامٍ، أَوْ بِاخْتِيَارِ الْمُسْتَعِيرِ، فَإِنْ أَذِنَ فِي إِعَادَتِهِ، أَوْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ إِنْ لَمْ يَتَضَرَّرِ الْحَائِطُ جَازَ.
(وَإِنْ أَعَارَهُ أَرْضًا لِلزَّرْعِ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْحَصَادِ) لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَإِنْ بَذَلَ لَهُ الْمُعِيرُ قِيمَةَ الزَّرْعِ لِيَمْلِكَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ لَهُ وَقْتًا يَنْتَهِي إِلَيْهِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُحْصَدُ قَصِيلًا فَيَحْصُدُ) لِعَدَمِ الضَّرَرِ فِيهِ، وَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ
стр. 1749
عِنْدَ رُجُوعِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ الْقَلْعُ وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ، فَإِنْ قَلَعَ فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ بِيعَا لَهُمَا، فَإِنْ أَبَيَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَإِنْ أَعَارَهَا لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ الْقَلْعَ فِي وَقْتٍ، أَوْ عِنْدَ رُجُوعِهِ ثُمَّ رَجَعَ لَزِمَهُ الْقَلْعُ) مَجَّانًا لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» ، وَلِأَنَّ الْعَارِيَةَ مُؤَقَّتَةٌ غَيْرُ مُطْلَقَةٍ فَلَمْ تَتَنَاوَلْ مَا عَدَا الْمُقَيَّدَ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ دَخَلَ فِيهَا رَاضِيًا بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ الدَّاخِلِ عَلَيْهِ بِالْقَلْعِ، وَظَاهِرُهُ لَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ ضَمَانُ نَقْصِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا يَلْزَمُهُ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) لِرِضَاهُ بِضَرَرِ الْقَلْعِ (إِلَّا بِشَرْطٍ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ " لِمَا ذَكَرْنَا، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ مُطْلَقًا (وَإِنْ لَمْ يَشْرُطْ عَلَيْهِ الْقَلْعَ لَمْ يَلْزَمْهُ) لِمَا فِيهِ مِنْ ضَرَرٍ (إِلَّا أَنْ يَضْمَنَ لَهُ الْمُعِيرُ النَّقْصَ) فَيَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ رُجُوعٌ فِي الْعَارِيَةِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ. وَقَالَ الْحُلْوَانِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ (فَإِنْ قَلَعَ) الْمُسْتَعِيرُ، وَلَيْسَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِ (فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ) لِأَنَّ الْقَلْعَ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَوِ امْتَنَعَ مِنْهُ لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ التَّسْوِيَةُ كَالْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ إِذَا أَخَذَ غَرْسَهُ. وَقَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ حَيْثُ أَعَارَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ لَهُ قَلْعَ غَرْسِهِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْحَفْرِ (وَإِنْ أَبَى الْقَلْعَ) أَيْ فِي حَالٍ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ فِيهَا (فَلِلْمُعِيرِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ) وَيُجْبَرُ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَرْسَهُ أَوْ بِنَاءَهُ حَصَلَ فِي مُلْكِ غَيْرِهِ كَالشَّفِيعِ مَعَ الْمُشْتَرِي، وَالْمُؤَجِّرِ مَعَ الْمُسْتَأْجِرِ، فَإِنْ قَالَ الْمُسْتَعِيرُ: أَنَا أَدْفَعُ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِتَصِيرَ لِي لَمْ يَلْزَمِ الْمُعِيرَ؛ لِأَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلْأَرْضِ بِدَلِيلِ دُخُولِهِمَا فِي الْبَيْعِ (فَإِنْ أَبَى ذَلِكَ) أَيْ إِذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ الْقِيمَةِ وَأَرْشِ النَّقْصِ، وَامْتَنَعَ الْمُسْتَعِيرُ مِنَ الْقَلْعِ وَدَفْعِ الْأَجْرِ (بِيعَا) أَيِ الْغِرَاسُ وَالْأَرْضُ (لَهُمَا) لِأَنَّ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى تَحْصِيلِ مَالِيَّةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بِاتِّفَاقِهِمَا، وَيُدْفَعُ إِلَى كُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ حَقِّهِ، فَيُقَالُ: كَمْ قِيمَةُ الْأَرْضِ فَارِغَةً، فَيُقَالُ: عَشَرَةٌ وَمَشْغُولَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ، فَيَكُونُ لِلْمُعِيرِ ثُلُثَا الثَّمَنِ،
стр. 1750
الْبَيْعَ تُرِكَ بِحَالِهِ.
وَلِلْمُعِيرِ التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ، وَلِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ أُجْرَةً مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ، وَذَكَرُوا عَلَيْهِ أُجْرَةً فِي الزَّرْعِ فَيَخْرُجُ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلِلْمُسْتَعِيرِ ثُلُثُهُ، فَإِنْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ أُجْبِرَ الْآخَرُ عَلَيْهِ فِي الْأَصَحِّ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا بَيْعُ مَا لَهُ مُنْفَرِدًا لِمَنْ شَاءَ، وَيَكُونُ كَهُوَ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمُسْتَعِيرِ لِغَيْرِ الْمُعِيرِ (فَإِنْ أَبَيَا الْبَيْعَ تُرِكَ بِحَالِهِ) أَيْ: يَبْقَى فِيهَا مَجَّانًا فِي الْأَصَحِّ حَتَّى يَتَّفِقَا؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا. وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: يَبِيعُهُمَا الْحَاكِمُ.
تَنْبِيهٌ: غَرْسُ الْمُشْتَرِي وَبِنَاؤُهُ كَذَلِكَ إِذَا فُسِخَ الْبَيْعُ بِعَيْبٍ، أَوْ فَلَسٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ لَا يَأْخُذُهُ، وَلَا يَقْلَعُهُ. وَقِيلَ: إِنْ أَبَى الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ الْقَلْعَ وَمُشَارَكَتَهُ بِالنَّقْصِ، وَأَبَى دَفْعَ قِيمَتِهِ رَجَعَ أَيْضًا.
[تَصَرُّفُ الْمُعِيرِ فِي أَرْضِهِ]
(وَلِلْمُعِيرِ التَّصَرُّفُ فِي أَرْضِهِ) وَالِانْتِفَاعُ بِهَا كَيْفَ شَاءَ وَدُخُولُهَا؛ لِأَنَّهَا مِلْكُهُ (عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّ بِالشَّجَرِ) وَالْبِنَاءِ لِإِذْنِهِ فِيهِمَا، وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِمَا (وَلِلْمُسْتَعِيرِ الدُّخُولُ لِلسَّقْيِ وَالْإِصْلَاحِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ) لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الشَّيْءِ إِذَنٌ فِيمَا يَعُودُ بِصَلَاحِهِ، وَاقْتَضَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ حَاجَةٍ كَالتَّفَرُّجِ وَنَحْوِهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " (وَلَمْ يَذْكُرْ أَصْحَابُنَا عَلَيْهِ أُجْرَةً مِنْ حِينِ الرُّجُوعِ) لِأَنَّ بَقَاءَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ بِحُكْمِ الْعَارِيَةِ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ بِلَا أُجْرَةٍ كَالْخَشَبِ عَلَى الْحَائِطِ (وَذَكَرُوا) أَيْ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ (عَلَيْهِ أُجْرَةً فِي الزَّرْعِ) مِنْ رُجُوعِهِ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى رُجُوعِ الْمُعِيرِ مَنْعُ الْمُسْتَعِيرِ مِنَ الِانْتِفَاعِ ضَرُورَةَ بُطْلَانِ الْإِذْنِ الْمُبِيحِ لِذَلِكَ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ (فَيَخْرُجُ فِيهِمَا وَفِي سَائِرِ الْمَسَائِلِ) أَيْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ يُشْبِهُهَا (وَجْهَانِ) لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الرُّجُوعِ الْمُوجِبِ لِذَلِكَ، فَخَرَجَ بَعْضُهُمْ مِنَ الزَّرْعِ إِلَى الشَّجَرِ وَالْبِنَاءِ، وَعَكَسَ آخَرُونَ. وَقِيلَ: يَجْرِي فِي كُلِّ مَا اسْتُعِيرَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " فِي مَسْأَلَةِ السَّفِينَةِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ فِيمَا سِوَى أَرْضٍ لِلدَّفْنِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ جَوَازُ الرُّجُوعِ، وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنَ الْقَلْعِ لِمَا فِيهِ مِنَ الضَّرَرِ، فَفِي دَفْعِ الْأُجْرَةِ جَمْعٌ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ، وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْمَوَاضِعِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْعَارِيَةِ بَاقٍ فِيهِ، لِكَوْنِهَا صَارَتْ لَازِمَةً لِلضَّرَرِ اللَّاحِقِ
стр. 1751
الْمَسَائِلِ وَجْهَانِ، وَإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى بَعْدَ الرُّجُوعِ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ غَاصِبٌ يَأْتِي حُكْمُهُ، وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ فَيَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا أُجْرَةَ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، وَإِنْ حَمَلَ غَرْسَ رَجُلٍ فَنَبَتَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَهَلْ يَكُونُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِفَسْخِهَا، وَالْإِعَارَةُ تَقْتَضِي الِانْتِفَاعَ بِغَيْرِ عِوَضٍ.
(وَإِنْ غَرَسَ، أَوْ بَنَى بَعْدَ الرُّجُوعِ، أَوْ بَعْدَ الْوَقْتِ فَهُوَ غَاصِبٌ) لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ بِغَيْرِ إِذَنِ الْمَالِكِ، وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ " وَفِعْلُهُ بَعْدَ الْمَنْعِ أَوِ الْمَدَّةِ غَصْبٌ، وَهِيَ أَعَمُّ (يَأْتِي حُكْمُهُ) فِي الْغَصْبِ.
مَسْأَلَةٌ: اسْتَعَارَ دَابَّةً إِلَى مَوْضِعٍ فَجَاوَزَهُ فَقَدْ تَعَدَّى وَعَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ خَاصَّةً، فَإِنْ قَالَ مَالِكُهَا: أَعَرْتُكَهَا إِلَى فَرْسَخٍ، فَقَالَ: إِلَى فَرْسَخَيْنِ، قُدِّمَ قَوْلُ الْمَالِكِ (وَإِنْ حَمَلَ السَّيْلُ بَذْرًا إِلَى أَرْضٍ فَنَبَتَ فِيهَا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ) لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَى قَلْعِهِ، فَإِنْ أَحَبَّ قَلْعَهُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ وَمَا نَقَصَتْ؛ لِأَنَّهُ أَدْخَلَ النَّقْصَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ لِاسْتِصْلَاحِ مِلْكِهِ (فَيَبْقَى إِلَى الْحَصَادِ بِأُجْرَةِ مِثْلِهِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَهُوَ الْأَوْلَى؛ لِأَنَّ إِلْزَامَهُ تَبْقِيَةَ زَرْعِ مَا أُذِنَ فِيهِ فِي أَرْضِهِ بِغَيْرِ أُجْرَةٍ إِضْرَارٌ بِهِ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ أَجْرُ الْمِثْلِ كَمَا لَوِ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْإِجَارَةِ وَفِيهَا زَرْعٌ لَمْ يُفَرِّطْ فِي زَرْعِهِ (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا أُجْرَةَ لَهُ) لِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهَا بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، أَشْبَهَ بَيْتُوتَةَ الدَّابَّةِ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنَّ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَخْذَهُ بِقِيمَتِهِ) كَزَرْعِ الْغَاصِبِ، فَقِيلَ: بَذْرًا، وَقِيلَ: بِقِيمَتِهِ إِذَنْ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ حَصَلَ فِيهَا بِغَيْرِ عُدْوَانٍ، وَقَدْ أَمْكَنَ جَبْرُ حَقِّ الْمَالِكِ، يَدْفَعُ الْأَجْرَ إِلَيْهِ، وَالسَّاقِطُ لِرَبِّ الْأَرْضِ إِذَا نَبَتَ فِيهَا سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا، أَوْ مُسْتَعِيرًا، أَوْ مُسْتَأْجِرًا، وَقِيلَ: لَهُ حُكْمُ الْعَارِيَةِ، وَفِي أُجْرَتِهَا وَجْهَانِ (وَإِنْ حَمَلَ غَرْسَ رَجُلٍ) أَوْ نَوَاةً، أَوْ لَوْزًا (فَنَبَتَ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ) فَهُوَ لِصَاحِبِهِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ كَالزَّرْعِ لَكِنْ (فَهَلْ يَكُونُ كَغَرْسِ الشَّفِيعِ) قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي عَدَمِ التَّعَدِّي
стр. 1752
كَغَرْسِ الشَّفِيعِ أَوْ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
فَصْلٌ وَ حُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ ، وَالْعَارِيَةُ مَضْمُونَةٌ بِقِيمَتِهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ الْغَرْسَ مِلْكُ الشَّفِيعِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الشَّفِيعُ إِذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ وَكَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ غَرَسَ لَا يَمْلِكُ الشَّفِيعُ قَلْعَ الْغَرْسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: كَغَرْسِ الْمُشْتَرِي لِمَا فِيهِ شُفْعَةٌ (أَوْ كَغَرْسِ الْغَاصِبِ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ سَاوَاهُ فِي عَدَمِ الْإِذْنِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْغِرَاسَيْنِ أَنَّ قَلْعَ الثَّانِي مَجَّانًا مُسْتَحَقٌّ بِخِلَافِ غَرْسِ الشَّفِيعِ.
فَرْعٌ: لَوْ حَمَلَ السَّيْلُ أَرْضًا بِشَجَرِهَا فَنَبَتَ فِي أَرْضِ آخَرَ كَمَا كَانَتْ فَهِيَ لِمَالِكِهَا يُجْبَرُ عَلَى إِزَالَتِهَا، وَفِي كُلِّ ذَلِكَ لَوْ تَرَكَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الْمُنْتَقِلَةِ، أَوِ الشَّجَرِ، أَوِ الزَّرْعِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهَا لَمْ يَلْزَمْهُ نَقْلُهُ، وَلَا أُجْرَةَ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، وَلَا عُدْوَانِهِ، وَكَانَتِ الْخِيَرَةُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ الْمَشْغُولَةِ بِهِ إِنْ شَاءَ أَخَذَهُ، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهُ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
[حُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ]
فَصْلٌ (وَحُكْمُ الْمُسْتَعِيرِ فِي اسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ حُكْمُ الْمُسْتَأْجِرِ) لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِإِذْنِ الْمَالِكِ أَشْبَهَ الْمُسْتَأْجِرَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ أَعَارَهُ لِلْغَرْسِ أَوِ الْبِنَاءِ فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ وَلَا عَكْسَ، وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي زَرْعِ مَرَّةٍ لَمْ يَمْلُكْ أُخْرَى، وَلَهُ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِوَكِيلِهِ؛ لِأَنَّهُ نَائِبٌ عَنْهُ (وَالْعَارِيَةُ) الْمَقْبُوضَةُ (مَضْمُونَةٌ) نَصَّ عَلَيْهِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا رَوَى الْحَسَنُ عَنْ سَمُرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَعَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَ الْحَاكِمُ إِسْنَادَهُ، «وَعَنْ صَفْوَانَ أَنَّهُ ﵇ اسْتَعَارَ مِنْهُ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَدْرَاعًا، فَقَالَ: أَغَصْبًا يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: بَلْ عَارِيَةٌ مَضْمُونَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَخَذَ مِلْكَ غَيْرِهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ مُنْفَرِدًا بِنَفْعِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَا إِذْنٍ فِي
стр. 1753
يَوْمَ تَلَفِهَا، وَإِنْ شَرَطَ نَفْيَ ضَمَانِهَا
وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُ ضَمَانِهَا، وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ، وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ، وَإِنْ تَلِفَتْ أَجْزَاؤُهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِتْلَافٍ، فَكَانَ مَضْمُونًا كَالْغَصْبِ، وَقَاسَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " عَلَى الْمَقْبُوضِ عَلَى وَجْهِ السَّوْمِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ مُخَرَّجَةٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَذَكَرَ الْحَارِثِيُّ لَا يَضْمَنُ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ " الْهَدْيِ " فِيهِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ ضَمَانٌ» ، وَلِأَنَّهُ قَبَضَهَا بِإِذْنِ مَالِكِهَا فَكَانَتْ أَمَانَةً، وَرُدَّ بِأَنَّهُ يَرْوِيهِ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ حَسَّانَ، وَهُمَا ضَعِيفَانِ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ ضَمَانَ الْمَنَافِعِ وَالْأُجْرَةِ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَعَدَّى فِيهَا أَوْ لَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا تَلِفَتْ فِي يَدِ مُسْتَعِيرٍ مِنْ مُسْتَأْجِرِهَا، أَوْ يَكُونُ الْمُعَارُ وَقْفًا كَكُتُبِ الْعِلْمِ وَنَحْوِهَا، فَلَا يَضْمَنُ فِيهِمَا إِذَا لَمْ يُفَرِّطْ (بِقِيمَتِهَا) لِأَنَّهَا بَدَلٌ عَنْهَا فِي الْإِتْلَافِ، فَوَجَبَ عِنْدَ تَلَفِهَا كَالْإِتْلَافِ، وَإِذَا قُلْنَا بِضَمَانِ الْأَجْزَاءِ التَّالِفَةِ بِالِانْتِفَاعِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهَا بِقِيمَتِهَا قَبْلَ تَلَفِ أَجْزَائِهَا إِنْ كَانَتْ قِيمَتُهَا أَكْثَرَ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا (يَوْمَ تَلَفِهَا) ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ فَوَاتُ الْعَارِيَةِ فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الضَّمَانِ بِهِ
[مَا كَانَ أَمَانَةً كَالْوَدِيعَةِ لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ]
(وَإِنْ شُرِطَ نَفْيُ ضَمَانِهَا) أَيْ: لَمْ يَسْقُطْ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَقْدٍ اقْتَضَى الضَّمَانَ لَمْ يُغَيِّرْهُ الشَّرْطُ كَالْمَقْبُوضِ بِبَيْعٍ.
(وَكُلُّ مَا كَانَ أَمَانَةً) كَالْوَدِيعَةِ (لَا يَصِيرُ مَضْمُونًا بِشَرْطِهِ، وَمَا كَانَ مَضْمُونًا لَا يَنْتَفِي ضَمَانُهُ بِشَرْطِهِ) لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا اقْتَضَى شَيْئًا فَشُرِطَ غَيْرُهُ، يَكُونُ شَرْطًا لِشَيْءٍ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ شُرِطَ فِي الْمَبِيعِ أَنْ لَا يَبِيعَهُ (وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، فَيَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الضَّمَانِ بِشَرْطِهِ) .
قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَاخْتَارَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ فِي إِتْلَافِهَا لَمْ يَجِبْ ضَمَانُهَا، فَكَذَا إِذَا سَقَطَ عَنْهُ ضَمَانُهَا، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يُشْرَطْ نَفْيُهُ، جُزِمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " (وَإِنْ تَلِفَتْ أَجْزَاؤُهَا بِالِاسْتِعْمَالِ) أَيْ: بِانْتِفَاعٍ مَعْرُوفٍ
стр. 1754
بِالِاسْتِعْمَالِ، كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ، فَإِنْ فَعَلَ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(كَخَمْلِ الْمِنْشَفَةِ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَصَحُّهُمَا لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ فِي الِاسْتِعْمَالِ تَضْمَنُ الْإِذْنَ فِي الْإِتْلَافِ، وَمَا أُذِنَ فِي إِتْلَافِهِ لَا يُضْمَنُ كَالْمَنَافِعِ، وَالثَّانِي: بَلَى؛ لِأَنَّهَا أَجْزَاءٌ مَضْمُونَةٌ، لَوْ تَلِفَتِ الْعَيْنُ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا، فَوَجَبَ أَنْ يُضْمَنَ بِتَلَفِهَا بِالِاسْتِعْمَالِ كَسَائِرِ الْأَجْزَاءِ، وَرُدَّ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّهَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنَ الْعَيْنِ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا تَلِفَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهَا الَّذِي لَا يَذْهَبُ بِالِاسْتِعْمَالِ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ؛ لِأَنَّ مَا ضُمِنَتْ جُمْلَتُهُ ضُمِنَتْ أَجْزَاؤُهُ كَالْمَغْصُوبِ، وَكَذَا لَوْ تَلِفَ جُزْؤُهَا بِاسْتِعْمَالٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ، كَاسْتِعَارَةِ ثَوْبٍ فِي لُبْسٍ، فَحَمَلَ فِيهِ تُرَابًا؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِتَعَدِّيِهِ، أَمَّا مَا تَلِفَ بِطُولِ الزَّمَانِ فَهُوَ كَالَّذِي تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ؛ لِأَنَّهُ تَلِفَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْذُونِ فِيهِ، أَشْبَهَ تَلَفُهُ بِالْفِعْلِ الْمَأْذُونِ فِيهِ.
تَنْبِيهٌ: الْخِلَافُ جَارٍ فِي وَلَدِ الْعَارِيَّةِ وَزِيَادَتِهَا، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا، وَلَا فَائِدَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فِيهِ، وَكَذَا تَجْرِي فِي وَلَدِ مُؤَجَّرَةٍ وَوَدِيعَةٍ، وَيُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ فِي عَدَمِ التَّعَدِّي حَيْثُ لَا بَيِّنَةَ.
(وَلَيْسَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ يُعِيرَ) لِأَنَّهَا إِبَاحَةُ الْمَنْفَعَةِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُبِيحَهَا غَيْرَهُ كَإِبَاحَةِ الطَّعَامِ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَلَيْسَ بِظَاهِرٍ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، بَلِ الِانْتِفَاعُ بِهَا مُسْتَفَادٌ بِالْإِذْنِ لَا بِطْرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ، وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ عَلَى حَسَبِ مَا مَلَكَهُ، فَجَازَ كَإِيجَارِ الْمُسْتَأْجِرِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَحَكَاهُ صَاحِبُ " الْمُحَرَّرِ " قَوْلًا لِأَحْمَدَ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ فِي الْعَارِيَّةِ الْمُؤَقَّتَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَعَارَهُ أَرْضَهُ سَنَةً لِيَبْنِيَ فِيهَا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ السَّنَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدَّرَ الْمَنْفَعَةَ كَالْمُسْتَأْجِرِ، وَأُطْلِقَ فِي " الْفُرُوعِ " الْخِلَافُ، أَصْلُهُمَا هَلْ هِيَ هِبَةُ مَنْفَعَةٍ، أَوْ إِبَاحَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِمَا تَعْلِيقُهَا بِشَرْطٍ، وَفِي " الْمُنْتَخَبِ " يَصِحُّ، قَالَ فِي " التَّرْغِيبِ ": يَكْفِي مَا دَلَّ عَلَى الرِّضَى مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ (فَإِنْ فَعَلَ) فَلِمَالِكِهَا الرُّجُوعُ بِأُجْرَةٍ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ سَلَّطَ غَيْرَهُ عَلَى أَخْذِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ
стр. 1755
فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ، فَإِنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ أَوْ غُلَامِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ، إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ كَالسَّائِسِ وَنَحْوِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِذْنِهِ، وَالثَّانِي اسْتَوْفَاهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ، فَإِنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ رَجَعَ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّ الِاسْتِيفَاءَ حَصَلَ مِنْهُ، وَإِنَّ ضَمِنَ الثَّانِي لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْأَوَّلِ إِلَّا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِالْحَالِ (فَتَلِفَ عِنْدَ الثَّانِي، فَلِلْمَالِكِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) لِتَعَدِّي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الثَّانِي) إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالْحَالِ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، وَإِلَّا ضَمِنَ الْعَيْنَ دُونَ الْمَنْفَعَةِ، وَيَسْتَقِرُّ ضَمَانُ الْمَنْفَعَةِ عَلَى الْأَوَّلِ (وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ مُؤْنَةُ رَدِّ الْعَارِيَّةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: «عَلَى الْيَدِ مَا أَخَذَتْ حَتَّى تُؤَدِّيَهُ» ، وَإِذَا كَانَتْ وَاجِبَةَ الرَّدِّ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ مُؤْنَةُ الرَّدِّ عَلَى مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الرَّدُّ، وَمُؤْنَةُ عَيْنِهَا عَلَى الْمُعِيرِ، قَالَهُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَذَكَرَ الْحُلْوَانِيُّ أَنَّ نَفَقَتَهَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِلَيْهِ مَيْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ؛ وَقَالَ: لَا أَعْرِفُ فِيهَا نَقْلًا، وَخَرَّجَهَا عَلَى الْخِلَافِ فِي نَفَقَةِ الْجَارِيَةِ الْمُوصَى بِنَفْعِهَا فَقَطْ، وَحِينَئِذٍ يَجِبُ رَدُّهَا إِلَى الْمُعِيرِ أَوْ وَكِيلِهِ فِي قَبْضِهَا (فَإِنْ رَدَّ الدَّابَّةَ إِلَى إِصْطَبْلِ الْمَالِكِ أَوْ غُلَامِهِ لَمْ يَبْرَأْ مِنَ الضَّمَانِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا وَلَا نَائِبِهِ فِيهَا، فَلَمْ يَبْرَأْ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ يَبْرَأُ بِرَدِّهَا إِلَى غُلَامِهِ (إِلَّا أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِجَرَيَانِ ذَلِكَ عَلَى يَدِهِ كَالسَّائِسِ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِيهِ عُرْفًا، أَشْبَهَ صَرِيحَ الْإِذْنِ، وَخَالَفَ الْحُلْوَانِيُّ فِيهِ كَالْغُلَامِ (وَنَحْوِهِ) كَزَوْجَتِهِ، وَخَازِنٍ، وَوَكِيلٍ عَامٍّ فِي قَبْضِ حُقُوقِهِ، قَالَهُ فِي " الْمُجَرَّدِ ".
١ -
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: مَا أَرْكَبُهَا إِلَّا بِأُجْرَةٍ، فَقَالَ رَبُّهَا: مَا آخُذُ لَهَا أُجْرَةً، وَلَا عَقْدَ بَيْنَهُمَا، فَعَارِيَّةٌ، وَلَوْ أُرْكِبَ دَابَّتَهُ مُنْقَطِعًا لَمْ يُضَمَّنْ فِي الْأَشْهَرِ، وَكَذَا رَدِيفٌ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ نِصْفَ الْقِيمَةِ، وَلَوْ سَلَّمَ شَرِيكٌ شَرِيكَهُ الدَّابَّةَ، فَتَلِفَتْ بِلَا تَفْرِيطٍ وَلَا تَعَدٍّ لَمْ يُضَمَّنْ، فَإِنْ سَاقَهَا فَوْقَ الْعَادَةِ ضُمِنَ، قَالَهُ شَيْخُنَا، وَيَتَوَجَّهُ كَعَارِيَّةٍ إِنْ كَانَ عَارِيَّةً وَإِلَّا لَمْ يُضَمَّنْ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَيْهِ إِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِيَعْلِفَهَا وَيَقُومَ بِمَصْلَحَتِهَا وَنَحْوِهِ، لَمْ يُضَمَّنْ، وَإِنْ سَلَّمَهَا إِلَيْهِ لِرُكُوبِهَا لِمَصَالِحِهِ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِ عَلَيْهَا فَعَارِيَّةٌ.
следующие страницы →