Полный текст (3 567 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
وَاحِدَةٍ، وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ فَأُلْحِقَ بِهِمْ - لَحِقَ بِهِمْ وَإِنْ كَثُرُوا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ، وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ - ضَاعَ نَسَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبَ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا، أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا ادَّعَى نَسَبَهُ رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا؛ لِإِمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُمَا بِنِكَاحٍ أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، فَيُلْحَقُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَيَكُونُ ابْنُهُمَا بِمُجَرَّدِ دَعْوَاهُمَا كَالِانْفِرَادِ (وَإِنِ ادَّعَاهُ أَكْثَرُ مِنِ اثْنَيْنِ فَأُلْحِقَ بِهِمْ لَحِقَ بِهِمْ، وَإِنْ كَثُرُوا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا أَنَّهُ يُلْحَقُ بِثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ أُلْحِقَ بِاثْنَيْنِ مَوْجُودٌ فِيمَا زَادَ عَلَيْهِ قِيَاسًا، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّ إِلْحَاقَهُ بِاثْنَيْنِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ مَمْنُوعٌ، وَإِنْ سَلَّمْنَاهُ، لَكِنْ ثَبَتَ لِمَعْنًى مَوْجُودٍ فِي غَيْرِهِ، فَيَجِبُ تَعْدِيَةُ الْحُكْمِ بِهِ كَإِبَاحَةِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ، أُبِيحَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِ مَالُ الْغَيْرِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ تَحَكُّمٌ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى الْمَنْصُوصِ، وَلَا عَدَّى الْحُكْمَ إِلَى مَا فِي مَعْنَاهُ، (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يُلْحَقُ بِأَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْنِ) ؛ لِلْأَثَرِ، فَيُقْتَصَرُ عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ كَمَنِ ادَّعَاهُ اثْنَانِ وَلَا قَافَةَ، (وَإِنْ نَفَتْهُ الْقَافَةُ عَنْهُمْ، أَوْ أُشْكِلَ عَلَيْهِمْ، أَوْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ ضَاعَ نَسَبُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْمُغْنِي " أَنَّهُ أَقْرَبُ؛ لِأَنَّهُ لَا دَلِيلَ لِأَحَدِهِمْ، أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يُدَّعَ نَسَبُهُ، فَعَلَى هَذَا لَا يُرَجَّحُ أَحَدُهُمْ بِذِكْرِ عَلَامَةٍ فِي جَسَدِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرَجَّحُ بِهِ فِي سَائِرِ الدَّعَاوَى سِوَى الِالْتِقَاطِ فِي الْمَالِ، وَكَذَا إِذَا اخْتَلَفَ قَائِفَانِ أَوِ اثْنَانِ وَثَلَاثَةٌ، وَإِنِ اتَّفَقَ اثْنَانِ وَخَالَفَا ثَالِثًا أُخِذَ بِقَوْلِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَمِثْلُهُ بَيْطَارَانِ وَطَبِيبَانِ فِي عَيْبٍ، وَلَوْ رَجَعَا، (وَفِي الْآخَرِ) وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ (يُتْرَكُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْتَسِبُ إِلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا) ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ يَمِيلُ طَبْعُهُ إِلَى قَرِيبِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ مَجْهُولُ النَّسَبِ أَقَرَّ بِهِ مَنْ هُوَ أَهْلُ الْإِقْرَارِ، فَيَثْبُتُ نَسَبُهُ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ. (أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ) ، حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْهُ فِي رَجُلَيْنِ وَقَعَا عَلَى امْرَأَةٍ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَعَلَى قَوْلِهِ لَوِ انْتَسَبَ إِلَى أَحَدِهِمَا ثُمَّ عَادَ فَانْتَسَبَ إِلَى الْآخَرِ، أَوْ نَفَى نَسَبَهُ مِنَ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَنْتَسِبْ إِلَى الْآخَرِ - لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ نَسَبُهُ فَلَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ عَنْهُ، فَلَوْ أَلْحَقَتْهُ الْقَافَةُ بِغَيْرِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَيْهِ
стр. 1892
فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الْوَاطِئِ - أُرِيَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا
وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَطَلَ انْتِسَابُهُ؛ لِأَنَّهَا أَقْوَى كَالْبَيِّنَةِ مَعَ الْقَافَةِ، (وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ إِنْ وَطِئَ اثْنَانِ امْرَأَةً بِشُبْهَةٍ أَوْ جَارِيَةً مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، أَوْ وُطِئَتْ زَوْجَةُ رَجُلٍ، أَوْ أُمُّ وَلَدِهِ بِشُبْهَةٍ، وَأَتَتْ بِوَلَدٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَادَّعَى الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الْوَاطِئِ أُرِيَ الْقَافَةُ مَعَهُمَا) كَاللَّقِيطِ، فَأُلْحِقَ بِمَنْ أَلْحَقُوهُ بِهِ مِنْهُمَا، سَوَاءٌ ادَّعَيَاهُ أَوْ جَحَدَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا، وَقَدْ ثَبَتَ الْفِرَاشُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَشَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ فِي وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَنْ يَدَّعِيَ الزَّوْجُ أَنَّهُ مِنَ الشُّبْهَةِ، فَعَلَى قَوْلِهِ إِنِ ادَّعَاهُ لِنَفْسِهِ اخْتَصَّ بِهِ لِقُوَّةِ جَانِبِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ ". وَفِي ثَالِثٍ يَكُونُ صَاحِبُ الْفِرَاشِ أَوْلَى بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْقَافَةِ؛ لِثُبُوتِ فِرَاشِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَاضِحِ "، وَكَذَلِكَ إِنْ تَزَوَّجَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا تَزْوِيجًا فَاسِدًا، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا صَحِيحًا وَالْآخَرُ فَاسِدًا، أَوْ بَاعَ أَمَتَهُ فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي قَبْلَ الِاسْتِبْرَاءِ، لَكِنْ مَتَى أُلْحِقَ بِالْقَافَةِ أَوْ الِانْتِسَابِ، وَهُوَ يُنْكِرُهُ، فَهَلْ لَهُ نَفْيُهُ بِاللِّعَانِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
[لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا بِشُرُوطٍ]
(وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْقَائِفِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَكَرًا عَدْلًا مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ) ، كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ حُكْمٌ، فَاعْتُبِرَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرِّيَّةُ - وَهُوَ وَجْهُ، وَاعْتَبَرَهَا فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ - وَلَا الْإِسْلَامُ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " لَمْ أَجِدْ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا اشْتَرَطَ إِسْلَامَ الْقَائِفِ، وَعِنْدِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ، وَيَكْفِي قَائِفٌ وَاحِدٌ - نَصَّ عَلَيْهِ - كَحَاكِمٍ، فَيَكْفِي مُجَرَّدُ خَبَرِهِ؛ لِقِصَّةِ مُجَزِّزٍ. وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ اثْنَانِ، وَلَفْظُ الشَّهَادَةِ مِنْهُمَا، اخْتَارَهُ جَمْعٌ، فَإِنْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ جَاءَتْ أُخْرَى فَأَلْحَقَتْهُ بِآخِرٍ كَانَ لِلْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِفِ جَرَى مَجْرَى الْحُكْمِ، فَلَمْ يُنْقَضْ بِمُخَالَفَةِ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ أَلْحَقَتْهُ بِوَاحِدٍ ثُمَّ عَادَتْ فَأَلْحَقَتْهُ بِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَقَامَ الْآخَرُ بَيِّنَةً أَنَّهُ وَلَدُهُ، حُكِمَ بِهِ وَسَقَطَ قَوْلُ الْقَائِفِ. وَقَوْلُهُ: مُجَرَّبًا فِي الْإِصَابَةِ، أَيْ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ، فَمَنْ عَرَّفَ مَوْلُودًا بَيْنَ نِسْوَةٍ لَيْسَ فِيهِنَّ أُمُّهُ ثُمَّ وَهِيَ فِيهِنَّ فَأَصَابَ كُلَّ مَرَّةٍ، فَقَائِفٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يُتْرَكُ الصَّبِيُّ بَيْنَ عَشَرَةِ رِجَالٍ غَيْرِ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِأَحَدِهِمْ
стр. 1893
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَقَطَ قَوْلُهُ، وَإِنْ نَفَاهُ عَنْهُمْ تُرِكَ مَعَ عِشْرِينَ مِنْهُمْ مُدَّعِيهِ، فَإِنْ أَلْحَقَهُ بِهِ عُلِمَتْ إِصَابَتُهُ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَضِيَّةُ إِيَاسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِي وَلَدِ الشَّرِيفِ مِنْ جَارِيَةٍ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ.
مُلْحَقٌ: إِذَا كَانَ لِامْرَأَتَيْنِ ابْنٌ وَبِنْتٌ، فَادَّعَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا أَنَّهَا أُمُّ الِابْنِ، عُرِضَ مَعَهُمَا عَلَى الْقَافَةِ، وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُعْرَضُ لَبَنُهُمَا عَلَى أَهْلِ الطِّبِّ وَالْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّ لَبَنَ الذَّكَرِ يُخَالِفُ لَبَنَ الْأُنْثَى فِي طَبْعِهِ وَوَزْنِهِ، وَقِيلَ: لَبَنُهَا خَفِيفٌ دُونَ لَبَنِهِ؛ لِأَنَّهُ ثَقِيلٌ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ اعْتُبِرَ بِاللَّبَنِ خَاصَّةً.
стр. 1894
كِتَابُ الْوَقْفِ وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ يَحْصُلُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الْوَقْفِ] [تَعْرِيفُ الْوَقْفِ]
وَهُوَ مَصْدَرُ وَقَفَ، يُقَالُ: وَقَفَ الشَّيْءُ، وَأَوْقَفَهُ، وَحَبَسَهُ، وَأَحْبَسَهُ، وَسَبَّلَهُ - كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَكِنْ أَوْقَفَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ عَكْسُ أَحْبِسُهُ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْقُرَبِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ: «أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَفِي لَفْظٍ - غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ -» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ذُو مَقْدِرَةٍ إِلَّا وَقَفَ. وَلَمْ يَرَهُ شُرَيْحٌ، وَقَالَ: لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا.
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا.
стр. 1895
بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا، وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً، وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ يَرُدُّ الْوَقْفِ إِنَّمَا يَرُدُّ السُّنَّةَ الَّتِي أَجَازَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَفَعَلَهَا أَصْحَابُهُ، وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَبْسُوطِ " أَنَّ لُزُومَ الْوَقْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ ﵈ خَاصَّةً، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ﴾ [الحج: ٧٧] .
(وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ) كَذَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَمُرَادُهُمْ بِتَسْبِيلِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ أَوْ قُرْبَةٍ، وَأَحْسَنُهُ حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي عَيْنِهِ بِلَا عُذْرٍ، مَصْرُوفٌ مَنَافِعُهُ فِي الْبِرِّ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْوَاقِفُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ، وَسُمِّيَ وَقْفًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ، وَحَبْسًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْبُوسَةٌ (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ) عُرْفًا (مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا) ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَجَازَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ كَالْقَوْلِ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ أَذَّنَ فِيهِ وَأَقَامَ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَجَعْفَرٌ، وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ (أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ) ، أَيْ لِلنَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُ الْمَبْنِيُّ لِقَضَاءِ حَاجَةِ النَّاسِ، وَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا أَنَّ السِّقَايَةَ - بِكَسْرِ السِّينِ - الْمَوْضِعُ الَّذِي يُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرَابُ فِي الْمَوَاسِمِ وَغَيْرِهَا (وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ) ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي، اخْتَارَهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدْ سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ رَجُلٍ أَحَاطَ حَائِطًا عَلَى أَرْضٍ لِيَجْعَلَهَا مَقْبَرَةً وَنَوَى بِقَلْبِهِ ثُمَّ بَدَا لَهُ الْعَوْدُ؟ فَقَالَ: إِنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ فَلَا يَرْجِعُ؛ وَلِأَنَّ هَذَا تَحْبِيسٌ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَيَّنَ بِاللَّفْظِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذِهِ لَا تُنَافِي الْأُولَى، فَإِنَّهُ إِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ جَعَلَهَا لِلَّهِ، أَيْ نَوَى بِتَحْوِيطِهَا جَعْلَهَا لِلَّهِ، فَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلْأُولَى وَزِيَادَةٌ عَلَيْهَا، إِذْ مَنَعَهُ مِنَ الرُّجُوعِ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ مَعَ النِّيَّةِ، وَإِنْ أَرَادَ بِقَوْلِهِ: جَعَلَهَا لِلَّهِ، أَيِ اقْتَرَنَتْ بِفِعْلِهِ قَرَائِنُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْ إِذْنِهِ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ فِيهَا - فَهِيَ
стр. 1896
وَالْأُخْرَى لَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ، وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ وَحَرَّمْتُ وَأَبَّدْتُ، فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ أَوْ يَقْرِنَ بِهَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَيْنُ الْأُولَى، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ وَقَفَهَا بِقَوْلِهِ، فَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ التَّحْوِيطِ وَالنِّيَّةِ، وَهَذَا لَا يُنَافِي الْأُولَى؛ لِأَنَّهُ فِيهَا يَضُمُّ إِلَى فِعْلِهِ إِذْنَهُ لِلنَّاسِ فِي الدَّفْنِ، وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا، فَانْتَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَةُ لِلِاحْتِمَالَاتِ، وَصَارَ الْمَذْهَبُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَدَّمَ إِلَى ضَيْفِهِ طَعَامًا كَانَ إِذْنًا فِي أَكْلِهِ، وَمَنْ مَلَأَ خَابِيَةً مَاءً كَانَ سَبِيلًا لَهُ، وَكَالْبَيْعِ، وَالْهِبَةِ، وَأَمَّا الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَلَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ بِغَيْرِ لَفْظٍ.
فَرْعٌ: الْأَخْرَسُ يَصِحُّ وَقْفُهُ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ كَغَيْرِهِ.
(وَصَرِيحُهُ: وَقَفْتُ) ؛ لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَكَلَفْظَةِ التَّطْلِيقِ فِي الطَّلَاقِ (وَحَبَسْتُ وَسَبَّلْتُ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ لَهُمَا عِوَضٌ فِي الشَّرْعِ، فَمَتَى أَتَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهَا صَارَ وَقْفًا مِنْ غَيْرِ انْضِمَامِ أَمْرٍ زَائِدٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِـ " أَوْ " - كَـ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " - لَكَانَ أَوْلَى، وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الصَّرِيحَ لَا يَنْحَصِرُ فِي الثَّلَاثَةِ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الْكَافِي " إِذَا جَعَلَ عُلُوَّ مَوْضِعٍ أَوْ سُفْلَهُ مَسْجِدًا صَحَّ، وَكَذَا وَسَطُهُ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْتِطْرَاقًا كَبَيْعِهِ فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ الِاكْتِفَاءُ بِلَفْظٍ يُشْعِرُ بِالْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَظْهَرُ عَلَى أَصْلِنَا، فَيَصِحُّ: جَعَلْتُ هَذَا لِلْمَسْجِدِ أَوْ فِيهِ، وَنَحْوُهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ، فَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلْمَسْجِدِ، جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ، أَيْ لِلْمُسْلِمِينَ لِنَفْعِهِمْ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ لَا يَكُونُ تَمْلِيكًا؛ لِأَنَّهُمْ ذَكَرُوا فِي الْإِقْرَارِ لَهُ وَجْهَيْنِ كَالْحَمْلِ.
(وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأَبَّدْتُ) ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ لَهَا عُرْفٌ لُغَوِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الزَّكَاةِ وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ، وَالتَّحْرِيمُ يُسْتَعْمَلُ فِي الظِّهَارِ، وَالتَّأْبِيدُ يَحْتَمِلُ تَأْبِيدَ التَّحْرِيمِ، أَوْ تَأْبِيدَ الْوَقْفِ (فَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ) مُجَرَّدَةً، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنِ انْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إِلَيْهَا لِيَتَرَجَّحَ إِفَادَتُهَا لِلْوَقْفِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَهُ) فَيَصِحُّ، وَيَكُونُ عَلَى مَا نَوَى، إِلَّا أَنَّ النِّيَّةَ تَجْعَلُهُ وَقْفًا فِي الْبَاطِنِ دُونَ الظَّاهِرِ (أَوْ يَقْرِنَ بِهَا أَحَدَ الْأَلْفَاظِ الْبَاقِيَةِ) مِنَ الصَّرَائِحِ وَالْكِنَايَةِ، وَهِيَ خَمْسَةٌ، عُلِمَ ذَلِكَ مِنْ تَمْثِيلِهِ؛ لِأَنَّ
стр. 1897
أَحَدَ الْأَلْفَاظِ الْبَاقِيَةِ أَوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فَيَقُولُ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً، وَلَا تُبَاعُ وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ
وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
اللَّفْظَ يَتَرَجَّحُ بِذَلِكَ؛ لِإِرَادَةِ الْوَقْفِ (أَوْ) يَقْرِنَ بِهِ (حُكْمُ الْوَقْفِ فَيَقُولُ: تَصَدَّقْتُ صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أَوْ مُحَبَّسَةً، أَوْ مُسَبَّلَةً، أَوْ مُحَرَّمَةً، أَوْ مُؤَبَّدَةً) ، هَذَا مِثَالٌ لِلْأَوَّلِ (وَلَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ) ، هَذَا مِثَالٌ لِلثَّانِي؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تُزِيلُ الِاشْتِرَاكَ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ أَنَّ " أَبَّدْتُ " صَرِيحٌ، وَأَنَّ - صَدَقَةً مَوْقُوفَةً أَوْ مُؤَبَّدَةً أَوْ لَا تُبَاعُ - كِنَايَةً.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْوَقْفِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا]
(وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ) لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْوَاقِفِ؛ لِظُهُورِهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مَالِكًا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَهُوَ فِي الصِّحَّةِ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، وَفِي مَرَضِ الْمَوْتِ، أَوْ مَا نَزَلْ مَنْزِلَتَهُ مِنَ الثُّلُثِ.
(أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي عَيْنٍ يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَيُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا) ، قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: بَقَاءً مُتَطَاوِلًا أَدْنَاهُ عُمْرُ الْحَيَوَانِ (كَالْعَقَارِ) لِحَدِيثِ عُمَرَ، قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: إِنَّمَا الْوَقْفُ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ عَلَى مَا وَقَفَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَظَاهِرُ هَذَا حَصْرُهُ عَلَى الْعَقَارِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يَتَأَبَّدُ حَقِيقَةً بِخِلَافِ غَيْرِهِ، (وَالْحَيَوَانِ) ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنِ احْتَبَسَ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، فَإِنَّ شِبَعَهُ، وَرَوْثَهُ، وَبَوْلَهُ فِي مِيزَانِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَسَنَاتٌ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، فَصَحَّ وَقْفُهُ كَالْعَقَارِ (وَالْأَثَاثِ وَالسِّلَاحِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «أَمَّا خَالِدٌ فَقَدِ احْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَأَعْتَادَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ " وَأَعْتُدَهُ ".
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْأَعْتَادُ مَا يَعُدُّهُ الرَّجُلُ مِنْ مَرْكُوبٍ، وَسِلَاحٍ، وَآلَةِ الْجِهَادِ. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ: لَا يَجُوزُ وَقْفُ سِلَاحٍ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ وَعَنْهُ: وَلَا مَنْقُولَ؛ لِأَنَّهَا أَعْيَانٌ لَا تَبْقَى عَلَى التَّأْبِيدِ، فَلَمْ يَجُزْ وَقْفُهَا كَالطَّعَامِ،
стр. 1898
مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، كَالْعَقَارِ وَالْحَيَوَانِ وَالْأَثَاثِ وَالسِّلَاحِ، وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ، وَيَصِحُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَرُدَّ بِالْفَرْقِ. قَوْلُهُ: " فِي عَيْنٍ " يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْمُوصَى بِمَنْفَعَتِهِ فَلَا يَصِحُّ وَقْفُهُ مِنْ مَالِكِ الْمَنْفَعَةِ. قَوْلُهُ: " يَجُوزُ بَيْعُهَا " يُحْتَرَزُ بِهِ عَنِ الْحُرِّ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ نَفْسَهُ، وَأَرْضَ السَّوَادِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: الْقَطَائِعُ تَرْجِعُ إِلَى الْأَصْلِ إِذَا جَعَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ وَقْفُهَا، وَهِيَ فِي الْأَصْلِ وَقْفٌ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ وَقْفَهَا يُطَابِقُ الْأَصْلَ لَا أَنَّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِهَذَا الْقَوْلِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ وَقْفُ الْمُصْحَفِ فَإِنَّهُ يَصِحُّ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ "، وَالْمَاءِ. قَالَ الْفَضْلُ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ وَقْفِ الْمَاءِ، فَقَالَ: إِنْ كَانَ شَيْئًا اسْتَجَازُوهُ بَيْنَهُمْ جَازَ، وَحَمَلَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ عَلَى وَقْفِ مَكَانِهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ؛ لِأَنَّ وَقَفَ مَكَانِ الْمَاءِ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّتُهُ عَلَى اسْتِجَازَتِهِمْ لَهُ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ النَّصَّ شَاهِدٌ بِصِحَّةِ الْوَقْفِ لِنَفْسِ الْمَاءِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ مُشْكِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا: إِثْبَاتُ الْوَقْفِ فِيمَا لَمْ يَمْلِكْهُ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَجَدَّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا.
[الشَّرْطُ الثَّانِي ذَهَابُ الْعَيْنِ بِالِانْتِفَاعِ]
وَالثَّانِي: ذَهَابُ الْعَيْنِ بِالِانْتِفَاعِ، وَالْوَقْفُ يَسْتَدْعِي بَقَاءَ أَصْلٍ يُنْتَفَعُ بِهِ عَلَى مَمَرِّ الزَّمَانِ، وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: مَادَّةُ الْحُصُولِ مِنْ غَيْرِ تَأْثِيرٍ بِالِانْتِفَاعِ تَنْزِلُ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ الْعَيْنِ مَعَ الِانْتِفَاعِ، وَتَأْتِي تَتِمَّةُ ذَلِكَ (وَيَصِحُّ وَقْفُ الْمُشَاعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّ الْمِائَةَ سَهْمٍ الَّتِي بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالًا قَطُّ أَعْجَبُ إِلَيَّ مِنْهَا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : " احْبِسْ أَصْلَهَا وَسَبِّلْ ثَمَرَتَهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ يَجُوزُ عَلَى بَعْضِ الْجُمْلَةِ مُفْرَزًا، فَجَازَ عَلَيْهِ مُشَاعًا كَالْبَيْعِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْما، قَالَهُ أَحْمَدُ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": ثُمَّ يُتَوَجَّهُ أَنَّ الْمُشَاعَ لَوْ وُقِفَ مَسْجِدًا أُثْبِتَ حُكْمُ الْمَسْجِدِ فِي الْحَالِ، فَيُمْنَعُ مِنْهُ الْجُنُبُ، ثُمَّ الْقِسْمَةُ مُتَعَيَّنَةٌ هُنَا كَتَعْيِينِهَا طَرِيقًا لِلِانْتِفَاعِ بِالْمَوْقُوفِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى " لَوْ وَقَفَ نِصْفَ عَبْدِهِ صَحَّ وَلَمْ يَسِرْ إِلَى بَقِيَّتِهِ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ أَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ وَلَمْ يَسِرْ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاقِفُ
стр. 1899
وَقْفُ الْحُلِيِّ عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ. وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ كَعَبْدٍ وَدَارٍ، وَلَا غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْكَلْبِ وَلَا مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا كالأثمان والمطعوم والرياحين.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بَقِيَّتَهُ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ، فَإِنْ أَعْتَقَ مَا وَقَفَهُ مِنْهُ، أَوْ أَعْتَقَهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَسِرْ، وَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاقِفُ بَقِيَّتَهُ أَوْ أَعْتَقَهُ شَرِيكُهُ فِيهِ عُتِقَ بَقِيَّتُهُ، وَلَمْ يَسِرْ إِلَى الْمَوْقُوفِ، وَإِنْ عَلَّقَ عِتْقَهُ بِصِفَةٍ ثُمَّ وَقَفَهُ قَبْلَهَا صَحَّ وَقْفُهُ.
(وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحُلِيِّ عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيَةِ) ؛ لِمَا رَوَى نَافِعٌ أَنَّ حَفْصَةَ ابْتَاعَتْ حُلِيًّا بِعِشْرِينَ أَلْفًا حَبْسَتْهُ عَلَى نِسَاءِ آلِ الْخَطَّابِ فَكَانَتْ لَا تُخْرِجُ زَكَاتَهُ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ؛ وَلِوُجُودِ الضَّابِطِ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا مُبَاحًا مَقْصُودًا، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِ، وَصَحَّ وَقْفُهُ كَوَقْفِ السِّلَاحِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ) ، نَقَلَهَا الْأَثْرَمُ، وَحَنْبَلٌ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ": وَأَنْكَرَ حَدِيثَ حَفْصَةَ؛ لِأَنَّ التَّحَلِّيَ لَيْسَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ مِنَ الْأَثْمَانِ، فَلَمْ يَصِحَّ وَقْفُهَا كَالدَّنَانِيرِ، وَرُدَّ بِأَنَّ الْفَسَادَ فِيهَا عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِعَيْنِهَا، وَهَذَا فِي الْحُلِيِّ مَعْدُومٌ. قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى رِوَايَةِ مَنْعِ وَقْفِ الْمَنْقُولِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي " تَعْلِيقِهِ " رِوَايَةَ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ، وَلَفْظُهَا: لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ فِي الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَةِ غَيْرُ هَذَا فَفِي أَخْذِ الْمَنْعِ مِنْهُ نَظَرٌ، قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
(وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ كَعَبْدٍ وَدَارٍ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلُ مِلْكٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْهِبَةِ (وَلَا) وَقْفٍ (غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَأَحَدِ هَذَيْنِ) الْعَبْدَيْنِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَفِيهِ احْتِمَالٌ فِي الْعِتْقِ، فَيَخْرُجُ الْمُبْهَمُ مِنْهُمَا بِالْقُرْعَةِ، (وَلَا وَقَفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيهَا فِي الْحَيَاةِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ، وَفِيهِ وَجْهٌ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ حَمْدَانَ إِنْ صَحَّ بَيْعُهَا (وَالْكَلْبُ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَالْكَلْبُ أُبِيحَ الِانْتِفَاعُ بِهِ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ؛ لِلضَّرُورَةِ، فَلَمْ يَجُزِ التَّوَسُّعُ فِيهَا، وَكَذَا لَا يَصِحُّ وَقْفُ الْحَمْلِ مُنْفَرِدًا (وَلَا) يَصِحُّ وَقْفُ (مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَائِهِ دَائِمًا، كَالْأَثْمَانِ) وَهِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ، (وَالْمَطْعُومُ، وَالرَّيَاحِينُ) فِي قَوْلِ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَنْتَفِعُ بِهِ إِلَّا بِالْإِتْلَافِ لَا يَصِحُّ وَقْفُهُ كَالشَّمْعِ لِيُشْعِلَهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فِي الْأَثْمَانِ بِنَاءً عَلَى إِجَارَتِهَا، وَرُدَّ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْمَنْفَعَةَ
стр. 1900
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ، كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْأَقَارِبِ، مُسْلِمِينَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَيْسَتِ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهُ الْأَثْمَانُ، فَلَمْ يَجُزِ الْوَقْفُ لَهُ كَوَقْفِ الشَّجَرِ عَلَى نَشْرِ الثِّيَابِ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ لَوْ وَقَفَ فَرَسًا بِسَرْجٍ وَلِجَامٍ مُفَضَّضَيْنِ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ وَيَدْخُلُ تَبَعًا، نَصَّ عَلَيْهِ، أَمَّا لَوْ وَقَفَهُمَا لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ، فَاخْتَارَ صَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " الصِّحَّةَ كَإِجَارَتِهَا لِذَلِكَ، وَاخْتَارَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمَعَ ضِدَّهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمَرَافِقِ الْعَامَّةِ، فَإِنْ أُطْلِقَ بَطَلَ. وَقِيلَ: يَصِحُّ وَيُحْمَلُ عَلَيْهِمَا.
مَسْأَلَةٌ: لَا يَصِحُّ وَقْفُ قِنْدِيلِ نَقْدٍ عَلَى مَسْجِدٍ، وَيُزَكِّيهِ رَبُّهُ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فَيُكْسَرُ، وَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: تَمْثِيلُهُ بِالْمَطْعُومِ وَالرَّيَاحِينِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُمَا لَا يَبْقَيَانِ، فَيُحْذَفَانِ، وَيُقْتَصَرُ عَلَى التَّمْثِيلِ بِالْأَثْمَانِ، أَوْ يَبْقَيَانِ مَعَ حَذْفِ " مَعَ بَقَائِهِ " فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِمَا دَائِمًا؛ لِأَنَّ نَفْعَهُمَا يَحْصُلُ فِي بَعْضِ الزَّمَنِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ وَقْفَ مَا لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ كَالْعَيْنِ الْمُؤَجَّرَةِ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ وُجُودِ الْمَعْنَى، نَعَمْ إِنْ وَقَفَهَا مُدَّةَ الْإِجَارَةِ إِذَا انْقَضَتْ صَحَّ إِنْ قِيلَ: يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَقْفِ عَلَى شَرْطِ. (الثَّانِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ) وَمَعْرُوفٍ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى جِهَةٍ عَامَّةٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى بِرٍّ لَمْ يَحْصُلِ الْمَقْصُودُ (كَالْمَسَاكِينِ وَالْمَسَاجِدِ) ، فَإِذَا قَالَ: جَعَلْتُ مِلْكِي لِلْمَسْجِدِ - صَارَ حَقًّا مِنْ حُقُوقِهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ قَبُولُ نَاظِرِهِ؛ لِتَعَذُّرِهِ بِالْقَبُولِ كَحَالَةِ وَقْفِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ قَبُولُهُ؛ لِأَنَّ النَّاظِرَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَعْدَ الْوَقْفِ (وَالْقَنَاطِرِ) وَالسِّقَايَاتِ، وَالْمَقَابِرِ، وَكُتُبِ الْعِلْمِ (وَالْأَقَارِبِ مُسْلِمِينَ كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْقَرِيبَ الذِّمِّيَّ مَوْضِعُ الْقُرْبَةِ؛ بِدَلِيلِ جَوَازِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِ، وَيَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، جَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ وَقَفَتْ عَلَى أَخٍ لَهَا يَهُودِيٍّ، وَلِأَنَّهُمْ يَمْلِكُونَ مِلْكًا مُحْتَرَمًا، وَلِأَنَّ مَنْ جَازَ أَنْ يَقِفَ عَلَيْهِ الذِّمِّيُّ جَازَ أَنْ يَقِفَ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ كَالْمُسْلِمِ، وَصَحَّحَ الْحُلْوَانِيُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَصَحَّحَهُ فِي " الْوَاضِحِ " مِنْ ذَمِّيٍّ عَلَيْهِمْ وَعَلَى بَيْعَةٍ وَكَنِيسَةٍ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ صَاحِبِ " التَّلْخِيصِ " وَ " الْمُحَرَّرِ "
стр. 1901
كَانُوا أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَبُيُوتِ النَّارِ، وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْجِهَةَ مَعْصِيَةٌ بِخِلَافِ أَقَارِبِهِ، وَإِنْ وَقَفَ ذَمِّيٌّ عَلَى ذَمِّيٍّ شَيْئًا وَشَرَطَ أَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ مَا دَامَ ذِمِّيًّا فَأَسْلَمَ - فَلَهُ أَخْذُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ عَيَّنَهُ لَهُ، وَيَلْغُو شَرْطُهُ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُنُونِ ". وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ مَعْصِيَةً، فَيَصِحُّ فِي الْمُبَاحِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ. وَقِيلَ: وَمَكْرُوهٌ.
فَائِدَةٌ: يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى الصُّوفِيَّةِ، وَهُمُ الْمُشْتَغِلُونَ بِالْعِبَادَاتِ فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ، الْمُعْرِضُونَ عَنِ الدُّنْيَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: فَمَنْ كَانَ مِنْهُمْ جَمَّاعًا لِلْمَالِ، أَوْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِالْأَخْلَاقِ الْمَحْمُودَةِ، وَلَا تَأَدَّبَ بِالْآدَابِ الشَّرْعِيَّةِ غَالِبًا، أَوْ فَاسِقًا - لَمْ يَسْتَحِقَّ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَارِثِيُّ الْفَقْرَ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ لَا يَصِحُّ عَلَيْهِمْ؛ وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: مَا رَأَيْتُ صُوفِيًّا إِلَّا سَلْمًا الْخَوَّاصَ، قَالَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ، إِذْ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ يُعْرَفُ بِهِ.
(وَلَا يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ وَبُيُوتِ النَّارِ) وَالْبِيَعِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْصِيَةٌ؛ لِكَوْنِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ بَيْتٌ لِلْكُفْرِ، وَالْمُسْلِمُ وَالذِّمِّيُّ سَوَاءٌ. قَالَ أَحْمَدُ فِي نَصَارَى وَقَفُوا عَلَى الْبَيْعَةِ ضِيَاعًا وَمَاتُوا وَلَهُمْ أَبْنَاءٌ نَصَارَى فَأَسْلَمُوا، وَالضِّيَاعُ بِيَدِ النَّصَارَى، فَلَهُمْ أَخْذُهَا وَلِلْمُسْلِمِينَ عَوْنُهُمْ حَتَّى يَسْتَخْرِجُوهَا مِنْ أَيْدِيهِمْ، وَحُكْمُ الْوَقْفِ عَلَى قَنَادِيلِ الْبِيعَةِ وَمَنْ يَخْدِمُهَا وَيَعْمُرُهَا كَالْوَقْفِ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بِشَرْطِ أَنْ تَخْدِمَ الْكَنِيسَةَ سَنَةً بَعْدَ مَوْتِي، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ، فَأَسْلَمَ الْعَبْدُ قَبْلَ تَمَامِهَا - عُتِقَ فِي الْحَالِ. وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ لِبَقِيَّةِ الْخِدْمَةِ.
وَعَنْهُ: لَا، وَهِيَ أَصَحُّ وَأَوْفَقُ لِأُصُولِهِ (وَكِتَابَةُ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ) لِلْإِعَانَةِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَإِنَّهَا مَنْسُوخَةٌ، وَقَدْ بُدِّلَ بَعْضُهَا، «غَضِبَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ رَأَى مَعَ عُمَرَ شَيْئًا اسْتَكْتَبَهُ مِنْهَا، وَقَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَلَمْ آتِ بِهَا بَيْضَاءَ نَقِيَّةً؛، وَلَوْ كَانَ أَخِي
стр. 1902
وَالْإِنْجِيلِ، وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأَكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَّاتِهِ صَحَّ.
الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي» . وَكُتُبُ الزَّنْدَقَةِ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، (وَلَا عَلَى حَرْبِيٍّ وَلَا مُرْتَدٍّ) ؛ لِأَنَّ أَمْوَالَهُمَا مُبَاحَةٌ فِي الْأَصْلِ، تَجُوزُ إِزَالَتُهَا فِيمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ أَوْلَى، وَلِانْتِفَاءِ الدَّوَامِ لِأَنَّهُمَا مَقْتُولَانِ عَنْ قُرْبٍ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ عَلَى قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَا عَلَى الْمَغَانِي، وَلَا التَّنْوِيرِ عَلَى قَبْرٍ وَتَبْخِيرِهِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُقِيمُ عِنْدَهُ، أَوْ يَخْدِمُهُ، وَلَا وَقْفُ سُتُورٍ لِغَيْرِ الْكَعْبَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، فَيُصْرَفُ لِمَصْلَحَتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ (وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ: لَا أَعْرِفُ الْوَقْفَ إِلَّا مَا أَخْرَجَهُ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِي سَبِيلِهِ، فَإِنْ وَقَفَهُ عَلَيْهِ حَتَّى يَمُوتَ فَلَا أَعْرِفُهُ، فَعَلَيْهَا يَكُونُ بَاطِلًا، وَجَزَمَ بِهِ الْأَكْثَرُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ إِمَّا لِلرَّقَبَةِ أَوْ لِلْمَنْفَعَةِ، وَكِلَاهُمَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَمْلِكَ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ مَالَهُ مِنْ نَفْسِهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يُصْرَفُ لِمَنْ بَعْدَهُ فِي الْحَالِ، وَالثَّانِيَةُ: يَصِحُّ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُذْهَبِ " ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَأَبُو الْمَعَالِي، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَقِفَ وَقْفًا فَيَنْتَفِعَ بِهِ، كَذَلِكَ إِذَا خَصَّ نَفْسَهُ بِانْتِفَاعِهِ، وَكَشَرْطِ غَلَّتِهِ لَهُ، وَمَتَى حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ حَيْثُ يَجُوزُ لَهُ الْحُكْمُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ يُنَفَّذُ حُكْمُهُ ظَاهِرًا؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةٌ اجْتِهَادِيَّةٌ، وَهَلْ يُنَفَّذُ بَاطِنًا؟ فِيهِ خِلَافٌ.
(وَإِنْ وُقِفَ عَلَى غَيْرِهِ وَاسْتَثْنَى) كُلَّ الْغَلَّةِ أَوْ بَعْضَهَا لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ (الْأَكْلُ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ) أَوْ مُدَّةً مَعْلُومَةً (صَحَّ) الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ «عَنْ حُجْرٍ الْمَدَرِيِّ أَنَّ فِي صَدَقَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَأْكُلَ أَهْلُهُ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ» . وَشَرَطَ عُمَرُ أَكْلَ الْوَالِي عَلَيْهَا، وَكَانَ هُوَ الْوَالِي عَلَيْهَا، وَفَعَلَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ، فَلَمْ يَجُزِ اشْتِرَاطُ نَفْعِهِ لِنَفْسِهِ، كَالْبَيْعِ، وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ شَرْطُهُ، فَإِنْ صَحَّ فَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ الْمُدَّةِ كَانَ لِوَرَثَتِهِ، وَيَصِحُّ إِجَارَتُهَا.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ]
(الثَّالِثُ أَنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّنٍ يُمْلَكُ) ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَمْلِيكٌ فَلَمْ يَصِحَّ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ
стр. 1903
عَلَى مُعَيَّنٍ يَمْلِكُ، وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ، وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ كَالْعَبْدِ وَالْحَمْلِ وَالْمَلْكِ وَالْبَهِيمَةِ.
الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا، فَإِنْ عَلَّقَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَالْهِبَةِ (وَلَا يَصِحُّ عَلَى مَجْهُولٍ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلَا عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ، وَفِيهِ وَجْهٌ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَى قَبُولٍ، وَلَا عَلَى مَعْدُومٍ أَصْلًا كَوَقْفِهِ عَلَى مَنْ سَيُولَدُ لِي أَوْ لِفُلَانٍ، وَصَحَّحَهُ فِيهِ فِي " الْمُغْنِي "؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلدَّوَامِ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " هُوَ مُنْقَطِعُ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ الْحَارِثِيُّ أَنْ يَمْلِكَ؛ لِحُصُولِ مَعْنَاهُ، فَيَصِحُّ لِعَبْدٍ وَبَهِيمَةٍ يُنْفِقُهُ عَلَيْهِمَا (وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ كَالْعَبْدِ) قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى مَمَالِيكِهِ: لَا يَصِحُّ الْوَقْفُ حَتَّى يُعْتِقَهُمْ، وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ كَالْعَدَمِ.
وَقِيلَ: يَصِحُّ إِنْ قُلْنَا يَمْلِكُ بِهِ، وَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ، وَالْمُدَبَّرُ وَأُمُّ الْوَلَدِ كَالْقِنِّ، وَكَذَا الْمُكَاتَبُ، فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، لَا يُقَالُ: الْوَقْفُ عَلَى الْمَسَاجِدِ صَحِيحٌ، وَهِيَ لَا تَمْلِكُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ هُنَا؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّهُ عُيِّنَ فِي نَفْعٍ خَاصٍّ لَهُمْ، فَيُرَدُّ أَنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْكَنَائِسِ، وَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْجِهَةَ الَّتِي عُيِّنَ صَرْفُ الْوَقْفِ فِيهَا لَيْسَتْ نَفْعًا، بَلْ هِيَ مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَةٌ يَزْدَادُونَ بِهَا عِقَابًا بِخِلَافِ الْمَسَاجِدِ، (وَالْحَمْلِ) ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَالْحَارِثِيُّ كَوَصِيَّةٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي الْوَقْفِ عَلَى حَمْلِ صِحَّةِ الْهِبَةِ لَهُ، وَأَوْلَى لِصِحَّتِهَا لِعَبْدٍ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَصِحُّ تَبَعًا، كَـ: عَلَيَّ وَأَوْلَادِي وَأَوْلَادِ فُلَانٍ، وَفِيهِمْ حَمْلٌ مُسْتَحِقٌّ هُوَ وَكُلُّ حَمْلٍ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ بِالْوَضْعِ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ مَا يَسْتَحِقُّهُ مُشْتَرٍ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْمَلْكِ وَالْبَهِيمَةِ) ؛ لِعَدَمِ مِلْكِهَا، وَالْجِنُّ وَالْمَيِّتُ كَذَلِكَ.
[الشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا]
(الرَّابِعُ: أَنْ يَقِفَ نَاجِزًا) كَـ: وَقَفْتُ دَارِي عَلَى كَذَا، وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّتِهِ بِشَرْطِهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ، أَشْبَهَ الْبَيْعَ (فَإِنْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِيمَا لَمْ يُبْنَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَمْ يَجُزْ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ كَالْهِبَةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ.
وَقِيلَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَظَاهِرُهُ شَامِلٌ لِمَا إِذَا شَرَطَ شَرْطًا فَاسِدًا كَخِيَارٍ فِيهِ، وَتَحْوِيلُهُ، وَتَغْيِيرِ شَرْطٍ، وَخَرَجَ مِنَ الْبَيْعِ صِحَّتُهُ. وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا شَرَطَ أَنْ يَبِيعَهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ يَهَبَهُ، أَوْ يَرْجِعَ فِيهِ - بَطَلَ الْوَقْفُ وَالشَّرْطُ، لَا نَعْلَمُ فِي بُطْلَانِ الشَّرْطِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ.
стр. 1904
بِشَرْطٍ لَمْ يَصِحَّ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِحُّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ.
فَصْلٌ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: يَصِحُّ الْوَقْفُ بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ (إِلَّا أَنْ يَقُولَ: هُوَ وَقْفٌ بَعْدَ مَوْتِي، فَيَصِحُّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ) ، أَيْ يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْوَقْفِ الْمُعَلَّقِ بِالْمَوْتِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ فِي خِلَافِهِ، وَنَصَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "، وَذَكَرَ أَنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّ عُمَرَ أَوْصَى، فَكَانَ فِي وَصِيَّتِهِ: هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ إِنْ حَدَثَ بِهِ حَادِثٌ أَنَّ " ثَمْنًا " صَدَقَةٌ، وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالسَّهْمَ الَّذِي بِخَيْبَرَ، وَرَقِيقَهُ الَّذِي فِيهِ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ هَذَا تَبَرُّعٌ مُعَلَّقٌ بِالْمَوْتِ، فَصَحَّ، كَالْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ، فَعَلَى هَذَا يُنَفَّذُ مِنَ الثُّلُثِ فَمَا دُونَ، وَيَقِفُ الْبَاقِي عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ كَالتَّدْبِيرِ، (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ) وَالْقَاضِي وَابْنُ الْبَنَّا فِي " الْخِصَالِ " (لَا يَصِحُّ) ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْوَقْفِ عَلَى شَرْطٍ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، وَحَمَلَ الْقَاضِي كَلَامَ الْخِرَقِيِّ عَلَى أَنَّهُ قَالَ: قِفُوا بَعْدَ مَوْتِي، هَذَا وَصِيَّةٌ بِالْوَقْفِ لَا إِيقَافٌ، وَفِي " الشَّرْحِ " سِوَى الْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَيْنَ تَعْلِيقِهِ بِالْمَوْتِ، وَبَيْنَ تَعْلِيقِهِ بِشَرْطٍ فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يَصِحُّ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْفَرْقِ؛ لِأَنَّ هَذَا وَصِيَّةٌ، وَهِيَ أَوْسَعُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْحَيَاةِ بِدَلِيلِ جَوَازِهَا بِالْمَجْهُولِ، وَلِلْمَجْهُولِ وَالْحَمْلِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ: إِذَا مِتُّ فَدَارِي لِفُلَانٍ، أَوْ أَبْرَأْتُهُ مِنْ دَيْنِيَ الَّذِي عَلَيْهِ.
[وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ]
فَصْلٌ (وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ) إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ أَوْ مَنْ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الْقَبُولُ كَالْمَسْجِدِ وَالْقَنَاطِرِ؛ لِأَنَّهُ لَوِ اشْتَرَطَ لَامْتَنَعَ صِحَّةَ الْوَقْفِ فِيهِ، وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ، وَذَكَرَ صَاحِبُ النَّظْمِ احْتِمَالًا يَقْبَلُهُ نَائِبُ الْإِمَامِ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّنٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: يُشْتَرَطُ ذَلِكَ) ، صَحَّحَهُ صَاحِبُ " النِّهَايَةِ "؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ، فَكَانَ مِنْ شَرْطِهِ الْقَبُولُ كَهِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ، وَلَوْ عَلَى التَّرَاخِي.
стр. 1905
يُشْتَرَطُ ذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ أَوْ رَدَّهُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ، وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ إِنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يُعْرَفُ انْقِرَاضُهُ كَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ يُصْرَفُ إِلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ وَلَمْ يَذْكُرْ مَآلًا أَوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ أَوْ قَالَ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَخْذُ رَيْعِهِ قَبُولٌ، وَالثَّانِي - وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " - إِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ الْبَيْعَ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْقَبُولُ كَالْعِتْقِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْوَقْفَ لَا يَخْتَصُّ الْمُعَيَّنَ بَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَيَكُونُ الْوَقْفُ عَلَى جَمِيعِهِمْ، إِلَّا أَنَّهُ مُرَتَّبٌ، فَصَارَ كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهَذَا الْفَرْقُ مَوْجُودٌ بِعَيْنِهِ فِي الْهِبَةِ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَنْبَنِي ذَلِكَ عَلَى الْمِلْكِ هَلْ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ فَعَلَى هَذَا لَا يَبْطُلُ بِالرَّدِّ كَالْعِتْقِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ (فَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ أَوْ رَدَّهُ بَطَلَ فِي حَقِّهِ) ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ لَمْ يُوجَدْ شَرْطُهُ أَشْبَهَ الْهِبَةَ، لَكِنِ اخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا رَدَّ ثُمَّ قَبِلَ هَلْ يَعُودُ أَمْ لَا؛ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (دُونَ مَنْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْمُبْطِلَ وُجِدَ فِي الْأَوَّلِ فَاخْتَصَّ بِهِ، وَصَارَ كَالْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ الِابْتِدَاءِ، يَخْرُجُ فِي صِحَّتِهِ فِي حَقِّ مَنْ سِوَاهُ وَبُطْلَانِهِ وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ، وَالْأَصَحُّ صِحَّتُهُ لِتَعَذُّرِ اسْتِحْقَاقِهِ لِفَوْتِ وَصْفٍ فِيهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ) كَالْمَجْهُولِ (ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ) كَالْمَسَاكِينِ (يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ) ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ قَصَدَ صَيْرُورَةَ الْوَقْفِ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ وَلَا حَالَةَ يُمْكِنُ انْتِظَارُهَا، فَوَجَبَ الصَّرْفُ إِلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَفُوتَ غَرَضُ الْوَاقِفِ، وَلِئَلَّا تَبْطُلَ فَائِدَةُ الصِّحَّةِ (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ) ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَهُوَ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ (إِنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ يُعْرَفُ انْقِرَاضُهُ كَرَجُلٍ مُعَيَّنٍ) أَيْ كَعَبْدِهِ، وَأُمِّ وَلَدِهِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيِ الْوَقْفِ (يُصْرَفُ إِلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إِلَى أَنْ يَنْقَرِضَ) ؛ لِأَنَّهَا إِحْدَى حَالَتَيْ الِانْقِطَاعِ أَشْبَهَ الْأُخْرَى (ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ) ، أَيْ مَنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْوَقْفُ؛ لِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ (وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جِهَةٍ تَنْقَطِعُ) كَأَوْلَادِهِ؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْعَادَةِ يُمْكِنُ انْقِرَاضُهُمْ (وَلَمْ يَذْكُرْ مَآلًا) الْمَآلُ - بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَ الْمِيمِ الْمَفْتُوحَةِ - الْمَرْجِعُ
стр. 1906
وَقَفْتُ، وَسَكَتَ - انْصَرَفَ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ وَقْفًا عَلَيْهِمْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَالْأُخْرَى إِلَى أَقْرَبِ عَصَبَتِهِ، وَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤُهُمْ؟
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(أَوْ عَلَى مَنْ يَجُوزُ) الْوَقْفُ كَأَوْلَادِهِ (ثُمَّ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ) كَالْكَنَائِسِ (أَوْ قَالَ: وَقَفْتُ، وَسَكَتَ، انْصَرَفَ بَعْدَ انْقِرَاضِ مَنْ يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيْهِ) قَدْ تَضَمَّنَ هَذَا صِحَّةَ الْوَقْفِ، قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي الْأَصَحِّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ مُقْتَضَاهُ التَّأْبِيدُ، فَإِذَا كَانَ مُنْقَطِعًا صَارَ وَقْفًا عَلَى مَجْهُولٍ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ مَعْلُومُ الْمَصْرِفِ، فَصَحَّ كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِمَصْرِفِهِ، إِذِ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ كَنَقْدِ الْبَلَدِ، وَحِينَئِذٍ يُصْرَفُ (إِلَى وَرَثَةِ الْوَاقِفِ) نَسَبًا، قَالَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ " - بِقَدْرِ إِرْثِهِمْ (وَقَفَا عَلَيْهِمْ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) ، وَفِي " الْكَافِي " هِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ مَصْرِفُهُ الْبِرُّ، وَأَقَارِبُهُ أَوْلَى النَّاسِ بِبِرِّهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «إِنَّكَ أَنْ تَدَعَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَدَعَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» ، وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِصَدَقَاتِهِ النَّوَافِلِ وَالْمَفْرُوضَاتِ، فَكَذَا صَدَقَتُهُ الْمَنْقُولَةُ (وَالْأُخْرَى) يُصْرَفُ (إِلَى أَقْرَبِ عَصَبَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَحَقُّ أَقَارِبِهِ بِبِرِّهِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «ابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ، أُمَّكَ، وَأَبَاكَ، وَأُخْتَكَ، وَأَخَاكَ، ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِلْكًا لَهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ عَكْسُهُ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَكُونُ وَقْفًا عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ زَالَ عَنْهُ بِالْوَقْفِ، فَلَا يَعُودُ مِلْكًا لَهُمْ، وَعَنْهُ: مِلْكًا، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ فِي الْوَرَثَةِ (وَهَلْ يَخْتَصُّ بِهِ فُقَرَاؤُهُمْ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَحَدُهُمَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ، وَالْخِرَقِيِّ، وَالْمَجْدِ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِمْ بَلْ يَشْمَلُ الْفَقِيرَ وَالْغَنِيَّ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ شَمِلَهُمَا، فَكَذَا هُنَا، وَالثَّانِي - وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي الرِّوَايَتَيْنِ - أَنَّهُ يَخْتَصُّ الْفُقَرَاءَ مِنْهُمْ؛ إِذِ الْقَصْدُ بِالْوَقْفِ الْبِرُّ وَالصِّلَةُ، وَالْفُقَرَاءُ أَوْلَى بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ غَيْرِهِمْ، وَنَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ (وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ) وَهُوَ " الْجَامِعُ الصَّغِيرُ "، وَالشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، وَإِلَيْهِ
стр. 1907
عَلَى وَجْهَيْنِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ: يَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا قَالَ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَيْلُ الْمُؤَلِّفِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ (يَكُونُ وَقْفًا عَلَى الْمَسَاكِينِ) ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ أَعْدَلُ الْأَقْوَالِ؛ لِأَنَّهُمْ أَعَمُّ جِهَاتِ الْخَيْرِ، وَمَصْرِفُ الصَّدَقَاتِ وَحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الْكَفَّارَاتِ وَنَحْوِهَا، فَإِنْ كَانَ لِلْوَاقِفِ أَقَارِبُ مَسَاكِينُ كَانُوا أَوْلَى بِهِ اسْتِحْبَابًا، كَصَلَاتِهِ، وَحَيْثُ قُلْنَا: يُصْرَفُ إِلَى الْأَقَارِبِ فَانْقَرَضُوا، أَوْ لَمْ يُوجَدْ لَهُ قَرِيبٌ، فَإِنَّهُ يُصْرَفُ لِبَيْتِ الْمَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَقَطَعَ بِهِ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ لَا مُسْتَحِقَّ لَهُ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: يَرْجِعُ إِلَى الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ؛ إِذِ الْقَصْدُ بِالْوَقْفِ الصَّدَقَةُ الدَّائِمَةُ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «أَوْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ» .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ لِلْمَسَاكِينِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ عَنْهُ مِثْلَهُ، وَعَنْهُ: يَرْجِعُ إِلَى مِلْكِ وَاقِفِهِ الْحَيِّ، قَالَ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ فِي " الْوَاضِحِ ": الْخِلَافُ فِي الرُّجُوعِ إِلَى الْأَقَارِبِ، أَوْ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، أَوْ إِلَى الْمَسَاكِينِ مُخْتَصٌّ بِمَا إِذَا مَاتَ الْوَاقِفُ، أَمَّا إِنْ كَانَ حَيًّا فَانْقَطَعَتِ الْجِهَةُ، فَهَلْ يَعُودُ الْوَقْفُ إِلَى مِلْكِهِ أَوْ إِلَى عَصَبَتِهِ؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، وَظَاهِرُ الْمَتْنِ أَنَّ الْمَسَائِلَ الثَّلَاثَ عَلَى سَنَنٍ وَاحِدٍ، وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا، وَفِي " الشَّرْحِ " إِذَا قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا وَسَكَتَ، أَوْ صَدَقَةٌ مَوْقُوفَةٌ - أَنَّهُ لَا نَصَّ فِيهَا. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ فِي النَّذْرِ الْمُطْلَقِ، فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، وَفِي " الْفُرُوعِ " وَكَذَا إِذَا قَالَ: وَقَفَهُ، وَلَمْ يَزِدْ. وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: إِنَّهُ يُصْرَفُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ، وَفِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ ": فِيهَا وَفِي تَصَدَّقْتُ بِهِ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِي " الرَّوْضَةِ ": إِنْ قَالَ: وَقَفْتُهُ، صَحَّ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَنَا.
تَنْبِيهٌ: لِلْوَقْفِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: مُتَّصِلُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ، وَلَا إِشْكَالَ فِي صِحَّتِهِ، وَمُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، وَهُوَ صَحِيحٌ فِي الْأَصَحِّ، وَمُنْقَطِعُ الِابْتِدَاءِ مُتَّصِلُ الِانْتِهَاءِ، وَمُتَّصِلُ الِابْتِدَاءِ وَالِانْتِهَاءِ مُنْقَطِعُ الْوَسَطِ، وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُمَا، وَقِيلَ بِالْبُطْلَانِ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
مَسْأَلَةٌ: لَوْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ ثُمَّ عَلَى وَلَدِهِ صَحَّ لَهُمْ دُونَهُ.
стр. 1908
وَقَفْتُ دَارِي سَنَةً لَمْ يَصِحَّ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ، وَيُصْرَفُ بَعْدَهَا مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ، وَلَا يُشْتَرَطُ إِخْرَاجُ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فَصْلٌ وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ ، وَعَنْهُ: لَا يَمْلِكُهُ، وَيَمْلِكُ صُوفَهُ، وَلَبَنَهُ، وَثَمَرَتَهُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقِيلَ: وَعَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى فُقَرَاءِ بَلَدٍ مُعَيَّنٍ (وَإِذَا قَالَ: وَقَفْتُ دَارِي سَنَةً لَمْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْوَقْفِ التَّأْبِيدَ، وَهَذَا يُنَافِيهِ، فَلَوْ قَالَ: وَقَفْتُ هَذَا عَلَى وَلَدِي سَنَةً ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَحَّ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْقَطِعُ الِانْتِهَاءِ، وَقَدْ بَيَّنَّا صِحَّتَهُ (وَ) حِينَئِذٍ (يُصْرَفُ بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ السَّنَةِ (مَصْرِفَ الْمُنْقَطِعِ) أَيْ مُنْقَطِعِ الِانْتِهَاءِ (وَلَا يُشْتَرَطُ إِخْرَاجُ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ يَزُولُ بِهِ مِلْكُ الْوَاقِفِ، وَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ اللَّفْظِ؛ لِحَدِيثِ عُمَرَ السَّابِقِ، وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ كَالْعِتْقِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُ إِلَّا بِالْقَبْضِ وَإِخْرَاجِ الْوَقْفِ عَنْ يَدِهِ، اخْتَارَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ لَمْ يُخْرِجْهُ عَنِ الْمَالِيَّةِ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِهِ كَالْهِبَةِ، فَلَوْ شَرَطَ نَظَرَهُ لَهُ سَلَّمَهُ لِيَدِ غَيْرِهِ ثُمَّ ارْتَجَعَهُ، وَأُجِيبَ بِالْفَرْقِ، فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ مُطْلَقٌ، وَالْوَقْفُ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ، وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ فَهُوَ بِالْعِتْقِ أَشْبَهُ، فَإِلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي لُزُومِ الْوَقْفِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، وَصَرَّحَ فِي " الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ فِي الصِّحَّةِ، وَلَعَلَّهُ ظَاهِرُ الْمَتْنِ.
[فَصْلٌ: وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْوَقْفَ]
َ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ يُزِيلُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ، فَمَلَكَهُ الْمُنْتَقَلُ إِلَيْهِ كَالْهِبَةِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْلَكُ كَالْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الْمِلْكَ فِيهِ يَنْتَقِلُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَعَنْهُ: لَا يَمْلِكُهُ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ تَمْلِيكًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ عَنِ الْعَيْنِ، وَالْمَنْفَعَةُ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ بِتَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَلَمْ يَنْتَقِلْ إِلَى صَاحِبِهَا كَالْعِتْقِ، وَلِأَنَّهُ لَوِ انْتَقَلَ إِلَيْهِ لَافْتَقَرَ إِلَى قَبُولِهِ كَسَائِرِ الْأَمْلَاكِ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ؛ لِقَوْلِهِ: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ
стр. 1909
وَنَفْعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ، فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا مَهْرَ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ، وَيَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ، وَتَجِبُ قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ، يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا وَتَكُونُ وَقْفًا، وَإِنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَتِهِ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَالْوَلَدُ حُرٌّ، وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ وَقِيمَةُ الْوَلَدِ، وَإِنْ تَلِفَتْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِهَا» ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ زَوَالَ الْمِلْكِ عَنْهُ، فَتَلْزَمُهُ الْخُصُومَةُ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ الْمِلْكُ عَنِ الْمَالِيَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يَنْتَقِلَ إِلَيْهِ كَالْهِبَةِ وَالْبَيْعِ، وَفَارَقَ الْعِتْقَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِخْرَاجٌ عَنْ حُكْمِ الْمَالِيَّةِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ تَمْلِيكًا لِلْمَنْفَعَةِ الْمُجَرَّدَةِ لَمْ يَلْزَمْ كَالْعَارِيَةِ وَالسُّكْنَى، وَقَوْلُ أَحْمَدَ: إِنَّهُمْ لَا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ جَمْعًا بَيْنَهُمَا، لَا يُقَالُ: عَدَمُ مِلْكِهِ التَّصَرُّفَ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ مِلْكِهِ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ، بِدَلِيلِ أُمِّ الْوَلَدِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهَا، وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي رَقَبَتِهَا. (وَيَمْلِكُ صُوفَهُ، وَلَبَنَهُ، وَثَمَرَتَهُ، وَنَفْعَهُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَيَسْتَوْفِيهِ بِنَفْسِهِ، وَبِالْإِجَارَةِ، وَالْإِعَارَةِ، وَنَحْوِهَا، إِلَّا أَنْ يُعَيَّنَ فِي الْوَقْفِ غَيْرُ ذَلِكَ، وَيَنْبَنِيَ عَلَى الْخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ مَاشِيَةً، فَإِنَّهُ لَا تَجِبُ زَكَاتُهَا عَلَى الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ؛ لِضَعْفِ الْمِلْكِ أَوِ انْتِفَائِهِ، وَوَجَبَتْ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ "، وَالْمَجْدُ، وَقِيلَ: لَا تَجِبُ؛ لِضَعْفِ الْمِلْكِ، اخْتَارَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَالْأَصَحُّ يُخْرِجُ الْمُعَيَّنَ فِطْرَتُهُ عَلَى الْأَوْلَى، كَعَبْدٍ اشْتُرِيَ مِنْ غَلَّةِ الْوَقْفِ لِخِدْمَةِ الْوَقْفِ؛ لِتَمَامِ التَّصَرُّفِ فِيهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْخِلَافُ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ تَمَلُّكُ الرَّيْعِ، أَمَّا الْمَسْجِدُ وَالْمَقْبَرَةُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ اخْتِصَاصُ الْآدَمِيِّ، وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الرُّبُطُ وَالْمَدَارِسُ.
(وَلَيْسَ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ) ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ نَاقِصٌ، وَلَا يُؤْمَنُ حَبَلُهَا فَتَنْقُصُ، أَوْ تَتْلَفُ، أَوْ تَخْرُجُ مِنَ الْوَقْفِ بِأَنْ تَبْقَى أُمَّ وَلَدٍ، (فَإِنْ فَعَلَ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) ؛ لِلشُّبْهَةِ، (وَلَا مَهْرَ) عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ لَهُ، وَلَا يَجِبُ لِلْإِنْسَانِ شَيْءٌ عَلَى نَفْسِهِ، (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ فَهُوَ حُرٌّ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاطِئِ (قِيمَتُهُ) يَوْمَ الْوَضْعِ (وَيَشْتَرِي بِهَا مَا يَقُومُ مَقَامَهُ) أَيَّ عَبْدٍ مَكَانَهُ؛ لِأَنَّهُ فَوَّتَ رِقَّهُ، وَلِأَنَّ الْقِيمَةَ بَدَلٌ عَنِ الْوَقْفِ، فَوَجَبَ أَنْ تَرِدَ فِي مِثْلِهِ، (وَتَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ أَحْبَلَهَا بِحُرٍّ فِي مِلْكِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَمْلِكُهَا لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ، (وَتُعْتَقُ بِمَوْتِهِ) كَأُمِّ الْوَلَدِ، (وَتَجِبُ
стр. 1910
فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَ قِيمَةَ الْوَلَدِ هَاهُنَا، وَلَهُ تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ وَأَخْذُ مَهْرِهَا، وَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْلِكَهُ، وَإِنْ جَنَى الْوَقْفُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قِيمَتُهَا فِي تَرِكَتِهِ) ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْبُطُونِ (يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا وَتَكُونُ وَقْفًا) لِيَنْجَبِرَ عَلَى الْبَطْنِ الثَّانِي مَا فَاتَهُمْ، وَقِيلَ: يُصْرَفُ إِلَى الْبَطْنِ الثَّانِي إِنْ تَلَقَّى الْوَقْفَ مِنْ وَاقِفِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، فَلَهُمُ الْيَمِينُ مَعَ شَاهِدِهِمْ؛ لِثُبُوتِ الْوَقْفِ مَعَ امْتِنَاعِ بَعْضِ الْبَطْنِ الْأَوَّلِ مِنْهَا، فَإِنْ كَانَ النِّصْفُ طَلْقًا فَأَعْتَقَهُ مَالِكُهُ لَمْ يَسِرْ إِلَى الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ بِالْمُبَاشِرَةِ، فَبِالسِّرَايَةِ أَوْلَى، (وَإِنْ وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَالْوَلَدُ حُرٌّ) ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ وَطِئَ فِي مِلْكٍ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا وَطِئَهَا مُكْرَهَةً أَوْ مُطَاوِعَةً فَعَلَيْهِ الْحَدُّ؛ لِانْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ، (وَعَلَيْهِ الْمَهْرُ لِأَهْلِ الْوَقْفِ) ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ جَارِيَتَهُمْ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الْأَمَةَ الْمُطَلَّقَةَ، وَلِأَنَّهُ عِوَضُ الْمَنْفَعَةِ، وَهِيَ مُسْتَحَقَّةٌ لَهُمْ (وَ) عَلَيْهِ (قِيمَةُ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّ رِقَّهُ فَاتَ بِسَبَبٍ مِنْ جِهَةٍ، وَهُوَ اعْتِقَادُ الْحُرِّيَّةِ، وَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَضَعُهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْوِيمُهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ الْوَلَدُ وَقْفًا مَعَهَا تَبَعًا لَهَا (وَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ) أَيِ الْمُتْلِفِ، سَوَاءٌ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوِ الْوَاقِفَ (قِيمَتُهَا) ؛ لِأَنَّهُ إِتْلَافٌ حَصَلَ فِي مُسْتَحَقِّ الْغَيْرِ، فَوَجَبَتِ الْقِيمَةُ كَمَا لَوْ أَتْلَفَ غَيْرَ الْوَقْفِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ الْمُتْلِفُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ إِنَّمَا لَهُ الْمَنْفَعَةُ (يَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا) ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْوَفَاءِ بِشَرْطِ الْوَاقِفِ، يَصِيرُ وَقْفًا بِالشِّرَاءِ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمَلَّكَ) الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ (قِيمَةَ الْوَلَدِ) ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ النَّمَاءَ وَهُوَ مِنْهُ (هَاهُنَا) يَعْنِي إِذَا وَطِئَهَا أَجْنَبِيٌّ بِشُبْهَةٍ (وَلَا يَلْزَمُهُ قِيمَةُ الْوَلَدِ إِنْ أَوْلَدَهَا) ؛ لِأَنَّ مَا تَمَلَّكَ قِيمَتَهُ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ.
(وَلَهُ) أَيْ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ - (تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا أَشْبَهَ الْإِجَارَةَ.
وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهَا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَتِهَا فِي الْعُمْرِ، فَيُفْضِي إِلَى تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهَا فِي حَقِّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْمِلْكِ، وَحِينَئِذٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ، فَيُزَوِّجُهَا حَاكِمٌ، وَيَتَزَوَّجُهَا (وَأَخْذُ مَهْرِهَا) ؛ لِأَنَّهُ بَدَلُ الْمَنْفَعَةِ، وَهَلْ يَسْتَحِقُّهَا كَالْأُجْرَةِ؟ (وَوَلَدُهَا وَقْفٌ مَعَهَا) أَيْ: إِذَا وَلَدَتْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ زِنًى؛ لِأَنَّ وَلَدَ كُلِّ ذَاتِ رَحِمٍ حُكْمُهُ حُكْمُهَا، كَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُكَاتَبَةِ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُمَلَّكَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَمَائِهَا، كَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ.
стр. 1911
خَطَأً فَالْأَرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي كَسْبِهِ، وَإِذَا وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ رَجَعَ نَصِيبُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: إِذَا طَلَبَتِ التَّزْوِيجَ لَزِمَهُ إِجَابَتُهَا؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهَا طَلَبَتْهُ، فَتَعَيَّنَتِ الْإِجَابَةُ، وَمَا فَاتَ مِنَ الْحَقِّ بِهِ يَفُوتُ نَفْعًا، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَانِعًا كَغَيْرِ الْمَوْقُوفَةِ.
(وَإِنْ جَنَى الْوَقْفَ) جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْمَالِ (خَطَأً فَالْأَرْشُ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَفِي " الْوَجِيزِ "، وَمُرَادُهُمْ إِذَا كَانَ مُعَيَّنًا؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ، فَكَانَتْ عَلَيْهِ كَجِنَايَةِ أُمِّ الْوَلَدِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ أَرْشُهَا بِرَقَبَةِ الْوَقْفِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ بَيْعُهُ وَلَا يَلْزَمُهُ أَكْثَرُ مِنْ قِيمَتِهِ كَأُمِّ الْوَلَدِ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي كَسْبِهِ) كَمَا لَوْ لَمْ يَكِنْ مُعَيَّنًا كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَحَقٌّ مُعَيَّنٌ يُمْكِنُ إِيجَابُ الْأَرْشِ عَلَيْهِ، وَالْمَذْهَبُ إِنْ قُلْنَا: هُوَ مِلْكٌ لِلَّهِ فَالْأَرْشُ فِي كَسْبِهِ لِتَعَذُّرِ تَعَلُّقِهِ بِرَقَبَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُبَاعُ، وَبِالْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ لِكَوْنِهِ لَا يَمْلِكُهُ؛ وَقِيلَ: هُوَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَحَكَاهُ فِي " التَّبْصِرَةِ " رِوَايَةً، كَأَرْشِ جِنَايَةِ الْحُرِّ الْمُعْسِرِ، وَضَعَّفَهُ فِي " الْمُغْنِي " بِأَنَّ الْجِنَايَةَ إِنَّمَا تَكُونُ فِي بَيْتِ الْمَالِ فِي صُورَةٍ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ عِنْدَ عَدَمِهَا، وَجِنَايَةُ الْعَبْدِ لَا تَحْمِلُهَا.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ إِذَا جَنَى جِنَايَةً مُوجِبَةً لِلْقَوَدِ وَالْقَطْعِ أَنَّهُ يَجِبُ، فَإِنْ قَتَلَ يَبْطُلُ الْوَقْفُ لَا بِقَطْعِهِ، وَيَكُونُ بَاقِيهِ وَقْفًا كَتَلَفِهِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ قُتِلَ فَالظَّاهِرُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ وَتَجِبُ الْقِيمَةُ، وَلَيْسَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ الْعَفْوُ عَنْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهَا، وَيَشْتَرِي بِهَا مِثْلَهَا يَكُونُ وَقْفًا، وَيَتَوَجَّهُ اخْتِصَاصُ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ بِهَا إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ. وَإِنْ قَطَعَ طَرَفَهُ فَلِلْعَبْدِ الْقَوَدِ، وَإِنْ عَفَا فَأَرْشُهُ يُصْرَفُ فِي مِثْلِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " احْتِمَالٌ كَنَفْعِهِ كَجِنَايَةٍ بِلَا تَلَفِ طَرَفٍ، وَيُعَايَا بِمَمْلُوكٍ لَا مَالِكَ لَهُ، وَهُوَ عَبْدٌ وُقِفَ عَلَى خِدْمَةِ الْكَعْبَةِ، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِي " الْمَنْثُورِ ".
(وَإِذَا وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ) كَزَيْدٍ، وَعُمَرَ، وَبَكْرٍ (ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ) أَوْ رُدَّ (رَجَعَ نُصِيبُهُ إِلَى الْآخَرَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُمَا مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ أَوَّلًا، وَعَوْدُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ مَشْرُوطٌ بِانْقِرَاضِهِمْ، إِذِ اسْتِحْقَاقُ الْمَسَاكِينِ مُرَتَّبٌ ثَمَّ، فَإِذَا مَاتَ الثَّلَاثَةُ أَوْ رُدُّوا فَلِلْمَسَاكِينِ عَمَلًا بِشَرْطِهِ، فَلَوْ وَقَفَ عَلَى ثَلَاثَةٍ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ مَآلًا، فَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَحُكْمُ نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمُنْقَطِعِ كَمَا لَوْ مَاتُوا جَمِيعًا، قَالَهُ الْحَارِثِيُّ، وَاخْتَارَ فِي " الْقَوَاعِدِ " أَنَّهُ يُصْرَفُ إِلَى الْبَاقِي، وَهُوَ أَظْهَرُ.
стр. 1912
فَصْلٌ وَيُرْجَعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ، وَفِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ: وَيَرْجِعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ]
ِ) لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَ وَقْفًا، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِهِ فَائِدَةٌ، وَلِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ، وَجَعَلَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ مُتَلَقًّى مِنْ جِهَتِهِ، فَاتُّبِعَ شَرْطُهُ، وَنَصُّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ وَلَفْظَ الْمُوصِي، وَالْحَالِفِ، وَالنَّاذِرِ، وَكُلِّ عَاقِدٍ - يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا، وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوِ الشَّارِعِ أَوْ لَا، فَلَوْ تَعَقَّبَ شَرْطَهُ جُمَلًا عَادَ إِلَى الْكُلِّ، وَاسْتِثْنَاؤُهُ كَشَرْطٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ، وَعَطْفُ بَيَانٍ، وَتَوْكِيدٌ، وَبَدَلٌ، وَنَحْوُهُ، وَجَارٌّ وَمَجْرُورٌ نَحْوُ: وَعَلَى أَنَّهُ، وَبِشَرْطِ أَنَّهُ، وَنَحْوُهُ (فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) ، أَيْ عَلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى سَهْمًا، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْسِمَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمِيرَاثِ (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) .
وَقَالَ الْقَاضِي: الْمُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ، وَقَدِ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اتِّصَالُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ كَالْعَطِيَّةِ، وَالذَّكَرُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ غَالِبًا بِوُجُوبِ حُقُوقٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى (وَفِي التَّقْدِيمِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا يُقَدِّمُ الْأَفْقَهَ، أَوِ الْأَدْيَنَ أَوِ الْمَرِيضَ، وَنَحْوَهُ.
قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَا إِذَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْوَقْفِ: إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ، فَأَكْرَهُهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَهُ عِيَالٌ وَبِهِ حَاجَةٌ، فَلَا بَأْسَ، (وَالتَّأْخِيرِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ بَعْدَ بَنِي فُلَانٍ، (وَالْجَمْعِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ (وَالتَّرْتِيبِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ، ثُمَّ يَقِفُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا، الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، أَوِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ، فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ لِلْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةِ
стр. 1913
وَالْجَمْعِ وَالتَّرْتِيبِ، وَالتَّسْوِيَةِ وَالتَّفْضِيلِ، وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ، وَإِلَّا سَقَطَ، وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ، (وَالتَّسْوِيَةِ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ، وَقِيلَ: يَمْنَعُ تَسْوِيَةً بَيْنَ فُقَهَاءَ كَمُسَابَقَةٍ، (وَالتَّفْضِيلِ) بِأَنْ يَقُولَ: لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ، (وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ) ؛ لِقَضِيَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي بَنَاتِهِ، وَلَيْسَ هُوَ تَعْلِيقًا لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ، بَلْ وَقْفٌ مُطْلَقٌ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ صِفَةٌ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَصِحَّ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَاهُ، لَا قَوْلُهُ يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ؛ لِتَعْلِيقِهِ اسْتِحْقَاقَهُ بِصِفَةٍ، كَمَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَغِلُ دُونَ غَيْرِهِ، فَمَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ عَادَ اسْتِحْقَاقُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ ".
وَقَالَ الْحَارِثِيُّ بِالْفَرْقِ لَا يَتَّجِهُ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: كُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إِذَا قِيلَ: يَفْعَلُ مَا شَاءَ، فَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَا يَهْوَاهُ أَوْ يَرَاهُ مُطْلَقًا، فَشَرْطٌ بَاطِلٌ لِمُخَالَفَةِ الشَّرْعِ، وَكَشَرْطِهِ تَغْيِيرَ شَرْطٍ (وَ) فِي (النَّاظِرِ فِيهِ) بِأَنْ يَقُولَ: النَّاظِرُ فُلَانٌ، فَإِنْ مَاتَ فَفُلَانٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ جَعَلَ وَقْفَهُ إِلَى حَفْصَةَ تَلِيهِ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا؛ وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ، فَكَذَا فِي نَظَرِهِ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا ثِقَةً كَافِيًا فِي ذَلِكَ، خَبِيرًا بِهِ، قَوِيًّا عَلَيْهِ، فَإِنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَعْزِلْهُ بِلَا شَرْطٍ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَيْرِهِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ، وَإِنْ فَوَّضَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ، فَلَهُ عَزْلُهُ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَالْحَارِثِيُّ.
وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَلِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظَائِفِ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ ": يُقَرِّرُ فِي الْجَوَامِعِ الْكِبَارِ الْإِمَامُ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَصِيبِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ، وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ، أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَيَتَوَجَّهُ مَعَ حُضُورِهِ، فَيُقَرِّرُ حَاكِمٌ فِي وَظِيفَةٍ خَلَتْ فِي غَيْبَتِهِ، وَلَوْ سَبَقَ تَوَلِّيهِ نَاظِرٌ غَائِبٌ قُدِّمَتْ، وَالنَّاظِرُ مُنَفِّذٌ لِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ (وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ) بِأَنْ يَقُولَ: يُعْمَرُ الْوَقْفُ مِنَ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا (وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَقْفِهِ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهِ شَرْطُهُ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ، فَكَذَا فِي تَفَاصِيلِهِ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَوْ قَدَّرَهَا بِمُدَّةٍ اتُّبِعَ، وَأَنْ لَا يَنْزِلَ فَاسِقٌ وَشِرِّيرٌ وَمُتَجَوِّهٌ، وَنَحْوُهُ، عُمِلَ بِهِ. قَالَ فِي
стр. 1914
وَالنَّاظِرِ فِيهِ، وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْفُرُوعِ ": وَإِلَّا تَوَجَّهَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي فُقَهَاءَ وَنَحْوِهِمْ وَفِي إِمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ الْخِلَافُ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فَاسِقٌ فِي جِهَةٍ دِينِيَّةٍ كَمَدْرَسَةٍ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ وَعُقُوبَتُهُ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ؟ وَإِنْ نَزَلَ مُسْتَحَقٌّ تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ.
تَنْبِيهٌ: لِلْحَاكِمِ النَّظَرُ الْعَامُّ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إِنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ، وَلَهُ ضَمُّ أَمِينٍ مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ، وَكَذَا مَعَ ضَعْفِهِ، وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ، أَوْ أَمَرَ مُتَصَرِّفًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ قُدِحَ فِيهِ، فَإِمَّا أَنْ يَنْعَزِلَ أَوْ يُعْزَلَ، أَوْ يُضَمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ، عَلَى الْخِلَافِ، ثُمَّ إِنْ صَارَ هُوَ وَالْوَصِيُّ أَهْلًا كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَكَالْمَوْصُوفِ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ لَوْ عُزِلَ مِنْ وَظِيفَتِهِ لِلْفِسْقِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا، وَإِذَا فَرَّطَ سَقَطَ مِمَّا لَهُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ، وَإِذَا أَطْلَقَ النَّظَرَ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ ذَوِي الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ تَوْلِيَةُ مَنْ شَاءَ، وَلَوْ فَوَّضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِآخَرَ نَقْضُهُ، وَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمْ.
فَرْعٌ: إِذَا جَهِلَ شَرْطَ الْوَاقِفِ تَسَاوَى فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ؛ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَبَتَتْ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّفْضِيلُ، فَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ كَمَا لَوْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ بِلَفْظِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ، وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةً، قَالَ: لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ وَالْعُرْفَ الْمُسْتَقِرَّ فِي الْوَقْفِ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ لَفْظُ الِاسْتِفَاضَةِ.
(فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا) أَوْ شَرَطَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ (فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَغَلَّتُهُ لَهُ، فَكَانَ نَظَرُهُ إِلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَقَلَّ بِهِ مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ؛ حِفْظًا لِأَصِلِ الْوَقْفِ عَنِ التَّضْيِيعِ، وَإِنْ كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، فَإِنَّهُ لِلْحَاكِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ (وَقِيلَ: لِلْحَاكِمِ) أَيْ حَاكِمِ الْبَلَدِ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي
стр. 1915
وَقِيلَ لِلْحَاكِمِ، وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ غَلَّتِهِ
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ فَهُوَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مُوسَى؛ لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْجُودِينَ وَحَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ، وَبَنَاهُ الْمُؤَلِّفُ - وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ - الْفُرُوعِ " - عَلَى الْمِلْكِ، فَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَالنَّظَرُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَنَفْعَهُ، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَاكِمُ يَتَوَلَّاهُ وَيَصْرِفُهُ فِي مَصْرِفِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مَنْ حَاكَمٍ أَوْ نَاظِرٍ فَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ عَدْلٌ، فَفَسَقَ، صَحَّ، وَضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ وَوَظِيفَةُ نَاظِرٍ، حِفْظُ وَقْفٍ، وَعِمَارَةٍ، وَإِيجَارٍ، وَزِرَاعَةٍ، وَمُخَاصَمَةٍ فِيهِ، وَتَحْصِيلُ رَيْعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ، وَزَرْعٍ، وَثَمَرَةٍ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحٍ وَإِعْطَاءِ مُسْتَحَقٍّ وَنَحْوُهُ.
فَرْعٌ: إِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا بِلَا شَرْطٍ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَحَّ، فَإِنْ شَرَطَهُ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ؛ لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرٍ وَاحِدٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي "، وَكَذَا لَوْ جَعَلَهُ لِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ انْعَزَلَ.
(وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَقْفِ (مِنْ غَلَّتِهِ) إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَاقِفٌ مِنْ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ ذَا رُوحٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ بِيعَ وَصُرِفَ الثَّمَنُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ فَالنَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِيعَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَقَارًا لَمْ تَجِبْ عِمَارَتُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِهِ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِهِ عُمِلَ بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَجِبُ عِمَارَتُهُ بِحَسَبِ الْبُطُونِ، وَتُقَدَّمُ عِمَارَتُهُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْجَمِيعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ أَوْلَى، بَلْ قَدْ يَجِبُ، وَلَوِ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ، أَوْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى حَاجٍّ أَوْ غُزَاةٍ وَنَحْوِهِمْ إِلَى مَرَمَّةٍ أُوجِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ.
فَرْعٌ: لِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ، كَشِرَائِهِ الْوَقْفَ بِنَسِيئَةٍ، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي قَرْضِهِ مَالًا لِوَلِيٍّ.
стр. 1916
لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ بِالسَّوِيَّةِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ، وَهَلْ يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنِينَ؛ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[الْوَقْفُ عَلَى الْأَوْلَادِ]
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ) أَوْ أَوْلَادِهِ أَوْ عَلَى أَوْلَادِ فُلَانٍ (ثُمَّ عَلَى الْمَسَاكِينِ، فَهُوَ لِوَلَدِهِ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ) وَالْخَنَاثَى؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَشْمَلُهُمْ (بِالسَّوِيَّةِ) ؛ لِأَنَّهُ شِرْكٌ بَيْنَهُمْ، وَإِطْلَاقُهَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ بِشَيْءٍ، وَكَوَلَدِ الْأُمِّ فِي الْمِيرَاثِ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْوَلَدُ الْمَنْفِيُّ بِاللِّعَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ مِنْهُ حَمْلٌ إِلَّا بَعْدَ انْفِصَالِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى وَلَدًا قَبْلَ انْفِصَالِهِ، فَيُسْتَحَقُّ مِنْ ثَمَرٍ وَزَرْعٍ، كَمُشْتَرٍ، نَقَلَهُ الْمَرُّوذِيُّ، وَقَطَعَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَنَقَلَ جَعْفَرٌ: يَسْتَحِقُّ مَنْ زَرَعَ قَبْلَ بُلُوغِهِ الْحَصَادَ، قَطَعَ بِهِ فِي " الْمُبْهِجِ ".
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الثَّمَرَةُ لِلْمَوْجُودِ عِنْدَ التَّأْبِيرِ وَبُدُوِّ الصَّلَاحِ، وَيُشْبِهُ الْحَمْلَ إِنْ قُدِّمَ إِلَى ثَغْرٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ، أَوْ خَرَجَ مِنْهُ إِلَى بَلَدٍ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ فِيهِ، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، وَقِيَاسُهُ مَنْ نَزَلَ فِي مَدْرَسَةٍ وَنَحْوُهُ، وَاخْتَارَ شَيْخُنَا يَسْتَحِقُّ بِحِصَّتِهِ مِنْ مُغِلَّةٍ، وَإِنَّ مَنْ جَعَلَهُ كَالْوَلَدِ فَقَدْ أَخْطَأَ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، (وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِعَدَمِ دُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] ، وَلِقَوْلِ الشَّاعِرِ:
بَنُونَا بَنُوا أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا ... بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ
لِأَنَّ وَلَدَ الْهَاشِمِيَّةِ لَيْسَ بِهَاشِمِيٍّ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَى أَبِيهَا شَرْعًا وَلَا عُرْفًا، وَبِهَذَا عَلَّلَ أَحْمَدُ، فَقَالَ: لِأَنَّهُمْ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ، وَقِيلَ: شَمِلَهُمْ لِدُخُولِهِمْ فِي مُسَمَّى الْأَوْلَادِ (وَهَلْ يَدْخُلُ وَلَدُ الْبَنِينَ، عَلَى رِوَايَتَيْنِ) ، كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْفُرُوعِ "، أَحَدُهُمَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " يَدْخُلُونَ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] وَحِينَئِذٍ يَشْمَلُ وَلَدَ الْبَنِينَ وَإِنْ سَفَلُوا؛ لِأَنَّهُ وَلَدٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ [الأعراف: ٢٦] ؛ ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة: ٤٠] ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «ارْمُوا بَنِي إِسْمَاعِيلَ، فَإِنَّ أَبَاكُمْ كَانَ رَامِيًا» ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى
стр. 1917
رِوَايَتَيْنِ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ نَسْلِهِ دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ، وَنُقِلَ عَنْهُ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ، وَنُقِلَ عَنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ: يَدْخُلُونَ فِيهِ. وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: يَدْخُلُونَ فِيهِ إِلَّا أَنْ يَقُولَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَلَدِ فُلَانٍ وَهُمْ قَبِيلَةٌ دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ، فَكَذَا إِذَا لَمْ يَكُونُوا قَبِيلَةً، وَحِينَئِذٍ يَسْتَحِقُّونَ فِي الْوَقْفِ بَعْدَ آبَائِهِمْ مُرَتَّبًا، وَظَاهِرُهُ يَشْمَلُ الْمَوْجُودِينَ وَمَنْ سَيُوجَدُ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ، وَهَذَا مَا لَمْ تَكُنْ قَرِينَةً تَصْرِفُهُ عَنْ ذَلِكَ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَدْخُلُونَ، اخْتَارَهَا الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ؛ لِأَنَّ وَلَدَهُ حَقِيقَةً وَلَدُ صُلْبِهِ، وَالْكَلَامُ لِحَقِيقَتِهِ، وَإِنَّمَا يُسَمَّى وَلَدُ الْوَلَدِ وَلَدًا مَجَازًا بِدَلِيلِ صِحَّةِ النَّفْيِ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إِدْخَالِهِمْ، كَقَوْلِهِ: وَقَفْتُ عَلَى أَوْلَادِي؛ لِوَلَدِ الذُّكُورِ الثُّلُثَانِ، وَلِوَلَدِ الْإِنَاثِ الثُّلُثُ، وَآيَةُ الْمِيرَاثِ دَلَّتْ قَرِينَةً عَلَى إِرَادَةِ الْوَلَدِ وَإِنْ سَفَلَ، فَحَمَلَ اللَّفْظَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى عَقِبِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ أَوْ ذُرِّيَّتِهِ أَوْ نَسْلِهِ دَخَلَ فِيهِ وَلَدُ الْبَنِينَ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ وَلَدُ وَلَدِهِ حَقِيقَةً وَانْتِسَابًا (وَنُقِلَ عَنْهُ: لَا يَدْخُلُ فِيهِ وَلَدُ الْبَنَاتِ) ؛ لِأَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ: مَا كَانَ مِنْ وَلَدِ الْبَنَاتِ فَلَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ، فَهَذَا النَّصُّ يَحْتَمِلُ تَعْدِيَتَهُ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى مَنْ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ وَلَدَ وَلَدِهِ، وَالْمَنْعُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي فِي " التَّعْلِيقِ " وَ " الْجَامِعِ "، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " خِلَافِهِ الصَّغِيرِ " وَفِي " الْفُرُوعِ "، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، كَمَنْ يُنْسَبُ إِلَيَّ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي وَلَدِ وَلَدِي الصُّلْبِيِّ إِلَّا بِقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِمْ، (وَنُقِلَ عَنْهُ فِي الْوَصِيَّةِ: يَدْخُلُونَ فِيهِ، وَذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا، وَهَذَا مِثْلُهُ) ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَقْفِ وَالْوَصِيَّةِ وَاحِدٌ، وَالْقَوْلُ بِدُخُولِهِمْ هُوَ رِوَايَةٌ ثَابِتَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ "، وَاخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ فِي " الْهِدَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْبَنَاتَ أَوْلَادُهُ، فَأَوْلَادُهُنَّ أَوْلَادُ أَوْلَادِهِ حَقِيقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ﴾ [الأنعام: ٨٤] وَإِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَعِيسَى﴾ [البقرة: ١٣٦] ، وَهُوَ وَلَدُ بِنْتِهِ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ» ، يَعْنِي الْحَسَنَ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْقَوْلُ بِدُخُولِهِمْ أَصَحُّ وَأَقْوَى دَلِيلًا. (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ
стр. 1918
عَلَى وَلَدِ وَلَدِي لِصُلْبِي، فَلَا يَدْخُلُونَ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَامِدٍ: يَدْخُلُونَ فِيهِ) ، هَذَا رِوَايَةٌ؛ لِأَنَّ وَلَدَ الْبِنْتِ يَدْخُلُ فِي التَّحْرِيمِ الدَّالِّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] (إِلَّا أَنْ يَقُولَ: عَلَى وَلَدِ وَلَدِي لِصُلْبِي، فَلَا يَدْخُلُونَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ، وَفِي الرِّوَايَتَيْنِ لِلْقَاضِي وَتَبِعَهُ فِي " الْمُغْنِي " أَنَّهُمَا اخْتَارَا الدُّخُولَ مُطْلَقًا، وَفِي " الْخِصَالِ " لِابْنِ الْبَنَّا أَنَّ ابْنَ حَامِدٍ اخْتَارَ الدُّخُولَ وَأَبَا بَكْرٍ مَا ذَكَرَهُ هُنَا، وَهُوَ فِي " الْمُغْنِي "، الْقَدِيمُ. وَقِيلَ: إِنْ قَالَ: وَلَدُ وَلَدِي لِصُلْبِي، شَمِلَ وَلَدَ بَنِيهِ لِصُلْبِهِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ ": يَشْمَلُ فِي الذُّرِّيَّةِ، وَإِنَّ الْخِلَافَ فِي وَلَدِ وَلَدِهِ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَعَ عَدَمِ الْقَرِينَةِ، أَمَّا مَعَ الْقَرِينَةِ فَالْعَمَلُ بِهَا؛ وَلِهَذَا قِيلَ فِي عِيسَى وَالْحَسَنِ: إِنَّهُمَا إِنَّمَا دَخَلَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْكَلَامِ مَعَ الْإِطْلَاقِ، وَأَجَابَ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " عَنْ قَضِيَّةِ عِيسَى بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ نَسَبٌ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ، فَنُسِبَ إِلَى أُمِّهِ، وَالْحَسَنِ بِأَنَّهُ مَجَازٌ اتِّفَاقًا؛ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] .
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ: عَلَى وَلَدِي، ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، لَمْ يَشْمَلِ الْبَطْنَ الثَّالِثَ وَمَنْ بَعْدَهُ، فِي الْأَشْهَرِ، فَإِنْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي، فَإِذَا انْقَرَضَ وَلَدُ وَلَدِي فَعَلَى الْفُقَرَاءِ - شَمِلَ وَلَدَ وَلَدِهِ. وَقِيلَ: لَا كَمَا لَوْ قَالَ: عَلَى وَلَدِي لِصُلْبِي.
فَلَوْ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةُ بَنِينَ فَقَالَ وَقَفْتُ عَلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَفُلَانٍ ثُمَّ عَلَى وَلَدِ وَلَدِي، مُنِعَ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: لَا، وَنَقَلَهُ حَرْبٌ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى وَلَدِي يَسْتَغْرِقُ الْجِنْسَ، فَيَعُمُّ، وَالتَّخْصِيصُ بِقَوْلِهِ: فُلَانٌ وَفُلَانٌ تَأْكِيدٌ لِلْبَعْضِ، فَلَا يُوجِبُ إِخْرَاجَ الْبَقِيَّةِ، كَالْعَطْفِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا﴾ [البقرة: ٩٧] الْآيَةَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَيَقْصُرُ الْوَقْفُ عَلَى السَّمِيَّيْنِ وَأَوْلَادِهِمَا وَأَوْلَادِ الثَّالِثِ. وَوَلَدَيْهِ
стр. 1919
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
جُعِلَا لِتَسْمِيَتِهِمَا بَدَلًا لِلْبَعْضِ مِنَ الْكُلِّ، فَاخْتُصَّ الْحُكْمُ بِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَدَلَ الْكُلِّ مِنَ الْكُلِّ؛ لِانْطِلَاقِ لَفْظِ الْوَلَدِ عَلَى الِاثْنَيْنِ كَانْطِلَاقِهِ عَلَى الْجَمِيعِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: عَلَى أَوْلَادِي ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ثُمَّ الْفُقَرَاءِ، فَتُرَتَّبُ جُمْلَةً، وَقِيلَ: أَفْرَادٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ: " إِذَا قُوبِلَ جَمْعٌ بِجَمْعٍ اقْتَضَى مُقَابَلَةَ الْفَرْدِ مِنْهُ بِالْفَرْدِ مِنْ مُقَابَلَةِ لُغَةٍ، فَعَلَى هَذَا قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": الْأَظْهَرُ اسْتِحْقَاقُ الْوَلَدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِقَّ أَبُوهُ شَيْئًا، قَالَهُ شَيْخُنَا. وَمَنْ ظَنَّ أَنَّ الْوَقْفَ كَالْإِرْثِ لِمَ يَدْرِ مَا يَقُولُ وَلِهَذَا لَوِ انْتَفَتِ الشُّرُوطُ فِي الطَّبَقَةِ الْأُولَى أَوْ بَعْضِهِمْ لَمْ تَحْرُمُ الثَّانِيَةُ مَعَ وُجُودِ الشُّرُوطِ فِيهِ إِجْمَاعًا. وَقَوْلُ الْوَاقِفِ: مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ يَعُمُّ مَا اسْتَحَقَّهُ، وَمَا يَسْتَحِقُّهُ مَعَ صِفَةِ الِاسْتِحْقَاقِ اسْتَحَقَّهُ أَوَّلًا تَكْثِيرًا لِلْفَائِدَةِ، وَلِصِدْقِ الْإِضَافَةِ بِأَدْنَى مُلَابَسَةٍ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فَنَصِيبُهُ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ، وَالْوَقْفُ مُرَتَّبٌ، فَهُوَ لِأَهْلِ الْبَطْنِ الَّذِي هُوَ مِنْهُمْ مِنْ أَهْلِ الْوَقْفِ، وَكَذَا إِنْ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الْبُطُونِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِي دَرَجَتِهِ أَحَدٌ بَطَلَ هَذَا الشَّرْطُ، وَكَانَ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَذْكُرْهُ، وَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْبَطْنِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّ نَصِيبَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ فِي دَرَجَتِهِ فَخِلَافٌ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ إِخْوَتُهُ وَبَنُو عَمِّهِ وَبَنُو بَنِي عَمِّ أَبِيهِ، وَنَحْوُهُمْ إِلَّا أَنْ يَقُولَ: يُقَدَّمُ الْأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ إِلَى الْمُتَوَفَّى وَنَحْوُهُ، فَيُخْتَصُّ بِهِمْ، وَلَيْسَ مِنَ الدَّرَجَةِ مَنْ هُوَ أَعَلَى مِنْهُ أَوْ أَنْزَلُ، وَإِنْ شَرَطَ أَنَّ نَصِيبَ الْمُتَوَفَّى عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ لِمَنْ فِي دَرَجَتِهِ اسْتَحَقَّهُ أَهْلُ الدَّرَجَةِ وَقْتَ وَفَاتِهِ، وَكَذَا مَنْ سَيُولَدُ مِنْهُمْ، أَفْتَى بِهِ الشَّارِحُ، وَصَاحِبُ " الْفَائِقِ "، وَابْنُ رَجَبٍ قَالَ: وَعَلَى هَذَا لَوْ حَدَّثَ مَنْ هُوَ أَعَلَى مِنَ الْمَوْجُودِينَ، وَكَانَ فِي الْوَقْفِ اسْتِحْقَاقُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى أَخْذَهُ مِنْهُمْ، وَقَوْلُهُ: مَنْ مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِوَلَدِهِ، يَشْمَلُ الْأَصْلَ وَالْعَائِدَ، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْأَصْلَ فَقَطْ.
تَتِمَّةٌ: لَوْ قَالَ: هُوَ وَقْفٌ عَلَى أَوْلَادِي، ثُمَّ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ، ثُمَّ أَوْلَادِهِمُ الذُّكُورِ مِنْ وَلَدِ الظَّهْرِ فَقَطْ، ثُمَّ نَسَلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، ثُمَّ الْفُقَرَاءِ عَلَى أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ وَتَرَكَ وَلَدًا وَإِنْ سَفَلَ فَنُصِيبُهُ لَهُ، فَمَاتَ أَحَدُ الطَّبَقَةِ الْأُولَى وَتَرَكَ بِنْتًا، فَمَاتَتْ وَلَهَا أَوْلَادٌ، فَقَالَ شَيْخُنَا: مَا اسْتَحَقَّتْهُ قَبْلَ مَوْتِهَا لَهُمْ، وَيَتَوَجَّهُ لَا، وَلَوْ قَالَ: مَنْ مَاتَ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَإِنْ
стр. 1920
فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً، إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً، فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، وَعَنْهُ: إِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سَفَلَ، فَنَصِيبُهُ لِإِخْوَتِهِ ثُمَّ نَسْلِهِمْ وَعَقِبِهِمْ، عَمَّ مَنْ أَعْقَبَ وَمَنْ لَمْ يُعْقَبْ، وَمَنْ أَعْقَبَ ثُمَّ انْقَطَعَ عَقِبُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ غَيْرُهُ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُ، فَوَجَبَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ قَطْعًا، ذَكَرَهُ شَيْخُنَا، وَيَتَوَجَّهُ نُفُوذُ حُكْمٍ بِخِلَافِهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى بَنِيهِ أَوْ بَنِي فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً) فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْبَنِينَ وُضِعَ لِذَلِكَ حَقِيقَةً؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ﴾ [الصافات: ١٥٣] وَ: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤] وَ: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْخُنْثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ ذَكَرًا، وَعَكْسُهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى بَنَاتِهِ اخْتُصَّ بِهِنَّ، وَلَا شَيْءَ لِلذُّكُورِ وَلَا لِلْخَنَاثَى؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ أُنْثَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، (إِلَّا أَنْ يَكُونُوا قَبِيلَةً) كَبِيرَةً، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَبَنِي هَاشِمٍ، وَتَمِيمٍ، وَقُضَاعَةَ (فَيَدْخُلُ فِيهِ النِّسَاءُ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] ؛ وَلِأَنَّ اسْمَ الْقَبِيلَةِ يَشْمَلُ ذَكَرَهَا وَأُنْثَاهَا، وَرُوِيَ أَنَّ جَوَارِيَ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ قُلْنَ:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَّارِ ... يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ
وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ. (دُونَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْ غَيْرِهِمْ) ، وَحَكَاهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَوْلًا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْقَبِيلَةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا بَلْ إِلَى غَيْرِهَا، وَكَمَا لَوْ قَالَ: الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيَّ، وَاقْتَضَى ذَلِكَ دُخُولَ أَوْلَادِهِنَّ مِنْهُمْ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لِدُخُولِ الِانْتِسَابِ حَقِيقَةً، وَلَا يَشْمَلُ مَوَالِيهِمْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكْفِي وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَقِيلَ: بَلْ ثَلَاثَةٌ، وَيَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مَا رَآهُ النَّاظِرُ، وَقِيلَ: بَلْ قُدِّرَ حَقُّهُ مِنَ الزَّكَاةِ مَعَ فَقْرِهِ، كَالْوَقْفِ عَلَى الْفُقَرَاءِ.
[الْوَقْفُ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ]
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى قَرَابَتِهِ أَوْ قَرَابَةِ فُلَانٍ فَهُوَ لِلذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ مِنْ أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَبِيهِ وَجَدِّهِ وَجَدِّ أَبِيهِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُجَاوِزْ بَنِي هَاشِمٍ بِسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى﴾ [الحشر: ٧] ، فَأَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ أَوْلَادَهُ وَأَوْلَادَ عَبْدِ
стр. 1921
كَانَ يَصِلُ قَرَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ فِي حَيَاتِهِ صَرَفَ إِلَيْهِمْ، وَإِلَّا فَلَا، وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِمَنْزِلَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْمُطَّلِبِ وَأَوْلَادَ هَاشِمٍ ذَكَرَهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، وَلَمْ يُعْطِ مَنْ هُوَ أَبْعَدُ كَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ شَيْئًا، لَا يُقَالُ: هُمَا كَبَنِي الْمُطَّلِبِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ ﵇ بِأَنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُوهُ فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ، وَلَمْ يُعْطِ قَرَابَةَ أُمِّهِ وَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ شَيْئًا، وَجَعَلَ هَاشِمًا الْأَبَ الرَّابِعَ، وَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ رَابِعًا إِلَّا أَنْ يُعَدَّ النَّبِيُّ ﷺ أَبًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَالْكَبِيرُ وَالصَّغِيرُ، وَالْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ، وَالْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ لِشُمُولِ اللَّفْظِ لَهُمْ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْكَافِرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْمُسْتَحِقِّ مِنْ قُرْبَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَعَنْهُ: يُجَاوِزُ بِهَا أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، فَعَلَيْهَا يُعْطَى كُلُّ مَنْ يُعْرَفُ بِقَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ الَّذِينَ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْأَبِ الْأَدْنَى؛ لِأَنَّهُمْ قَرَابَتُهُمْ، فَيَتَنَاوَلُهُمْ مِنَ اللَّفْظِ، وَعَنْهُ: ثَلَاثَةُ آبَاءٍ (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَ يَصِلُ قَرَابَتَهُ مِنْ قِبَلِ أُمِّهِ فِي حَيَاتِهِ) كَإِخْوَتِهِ لِأُمِّهِ، وَأَخْوَالِهِ، وَخَالَاتِهِ (صَرَفَ إِلَيْهِمْ) ؛ لِأَنَّ صِلَتَهُ إِيَّاهُمْ فِي حَيَاتِهِمْ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِمْ بِصِلَتِهِ هَذِهِ (وَإِلَّا فَلَا) ، أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَصِلْهُمْ فِي حَيَاتِهِ فَلَا يُصْرَفْ إِلَيْهِمْ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ نَقَلَهَا صَالِحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَابْنُ هَانِئٍ، وَصَحَّحَهَا الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ صَالِحٌ: إِنْ وَصَلَ أَغْنِيَاءَهُمْ أُعْطُوا وَإِلَّا الْفُقَرَاءُ أَوْلَى، وَأَخَذَ مِنْهُ الْحَارِثِيُّ عَدَمَ دُخُولِهِمْ فِي كُلِّ لَفْظٍ عَامٍّ.
وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَأَصَحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا عُرْفٌ فِي الشَّرْعِ، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمُهُ عَلَى الْعُرْفِ اللُّغَوِيِّ كَالْوُضُوءِ، وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِهِ بِذِي الرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ، وَهَذَا مَعَ الْإِطْلَاقِ، فَأَمَّا إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ لَفْظِيَّةٌ أَوْ حَالِيَّةٌ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَتِهِمْ، أَوْ حِرْمَانِهِمْ عَمَلَ بِهَا.
فَرْعٌ: قَرَابَةُ أُمِّهِ كَذَلِكَ، وَعَنْهُ: إِنْ وَصَلَهُمْ شَمِلَهُمْ، وَمِثْلُهُ قَرَابَةُ غَيْرِهِ أَوِ الْفُقَهَاءِ، وَيَصِلُ بَعْضَهُمْ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
تَنْبِيهٌ: إِذَا وَقَفَ عَلَى أَقْرَبِ قَرَابَتِهِ، أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ قُدِّمَ الْأَقْرَبُ نَسَبًا وَإِرْثًا، وَابْنُهُ كَأَبَوَيْهِ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ أَوْ أَبَوَيْهِ كَجَدِّ أَبٍ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَأَخُوهُ لِأَبِيهِ كَأُمِّهِ إِنْ شَمِلَ قَرَابَتَهُ، وَكَذَا أَبْنَاؤُهُمَا، وَوَلَدُ أَبَوَيْهِ أَوْلَى مِنْهُمَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ رِوَايَةً كَأَخِيهِ لِأَبِيهِ لِسُقُوطِ الْأُمُومَةِ فِي النِّكَاحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَأَبُوهُ أَوْلَى مِنِ ابْنِ ابْنِهِ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " عَكْسُهُ، وَيَسْتَوِي جَدَّاهُ وَعَمَّاهُ كَأَبَوَيْهِ (وَأَهْلُ بَيْتِهِ بِمَنْزِلَةِ قَرَابَتِهِ) ،
стр. 1922
قَرَابَتِهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَقَوْمِهِ، وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ، وَالْعِتْرَةُ هُمُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ فِيمَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لِأَهْلِ بَيْتِهِ، قَالَ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: لِقَرَابَتِي، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ ﵇: «لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِي وَلَا لِأَهْلِ بَيْتِي» ، فَجَعَلَ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى عِوَضًا لَهُمْ مِنَ الصَّدَقَةِ الَّتِي حَرُمَتْ عَلَيْهِمْ، فَكَانَ ذَوِي الْقُرْبَى الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى هُمْ أَهْلُ بَيْتِهِ الَّذِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ عِنْدَ الْعَرَبِ آبَاءُ الرَّجُلِ وَأَوْلَادُهُمْ، كَالْأَجْدَادِ وَالْأَعْمَامِ وَأَوْلَادِهِمْ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، وَقَالَ الْقَاضِي: وَلَدُ الرَّجُلِ لَا يَدْخُلُ فِي اسْمِ الْقَرَابَةِ وَلَا أَهْلِ بَيْتِهِ، وَفِيهِ شَيْءٌ، فَإِنَّ وَلَدَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَأَقَارِبِهِ الَّذِينَ حُرِمُوا الصَّدَقَةَ، وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى، بَلْ هُوَ أَقْرَبُ قَرَابَتِهِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُعْطَى مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ) ؛ لِأَنَّ أُمَّهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَكَذَا أَقَارِبُهَا مِنْ أَوْلَادِهَا، وَأَبَوَيْهَا، وَإِخْوَتِهَا، وَأَخَوَاتِهَا، وَنَقَلَ صَالِحٌ: يَخْتَصُّ مَنْ يَصِلُهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَلَوْ جَاوَزَ أَرْبَعَةَ آبَاءٍ، وَإِنَّ الْقَرَابَةَ تُعْطَى أَرْبَعَةَ آبَاءٍ فَمَنْ دُونَ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ أَنَّ قَوْمَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ كَقَرَابَةِ أَبَوَيْهِ، وَأَنَّ الْقَرَابَةَ قَرَابَةُ أَبِيهِ إِلَى أَرْبَعَةِ آبَاءٍ، وَعَنْهُ: أَزْوَاجُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَقَالَ: فِي دُخُولِهِنَّ فِي آلِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ رِوَايَتَانِ، اخْتَارَ الدُّخُولَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّرِيفِ.
فَرْعٌ: أَهْلُ الْوَقْفِ هُمُ الْمَتْنَاوِلُونَ لَهُ.
(وَقَوْمُهُ، وَنُسَبَاؤُهُ كَقَرَابَتِهِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ قَوْمَ الرَّجُلِ قَبِيلَتُهُ، وَهُمْ نُسَبَاؤُهُ، وَقِيلَ: كَذِي رَحِمِهِ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ بِمَثَابَةِ أَهْلِ بَيْتِهِ؛ لِأَنَّ أَهْلَ بَيْتِهِ أَقَارِبُهُ، وَأَقَارِبُهُ هُمْ قَوْمُهُ وَنُسَبَاؤُهُ. وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا قَالَ: لِرَحِمِي، أَوْ لِأَرْحَامِي، أَوْ لِنُسَبَائِي - صُرِفَ إِلَى قَرَابَتِهِ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ، وَيَتَعَدَّى وَلَدُ الْأَبِ الْخَامِسِ، فَعَلَيْهِ يُدْفَعُ إِلَى كُلِّ مَنْ يَرِثُهُ بِفَرْضٍ أَوْ تَعْصِيبٍ أَوْ بِالرَّحِمِ فِي حَالٍ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ فِي الْمَتْنَاسِبِينَ أَوْلَى مِنْ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْعُرْفِ عَلَى مَنْ كَانَ مِنَ الْعَشِيرَةِ الَّتِي يُنْسَبَانِ إِلَيْهَا، وَإِذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُنْسَبُ إِلَى قَبِيلَةٍ غَيْرِ قَبِيلَةِ صَاحِبِهِ، فَلَيْسَ بِمُنَاسِبٍ لَهَا.
стр. 1923
الْعَشِيرَةُ، وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قُرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ، وَالْأَيَامَى وَالْعُزَّابُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْأَيَامَى بِالنِّسَاءِ وَالْعُزَّابُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَائِدَةٌ: الْقَوْمُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] الْآيَةَ، سُمُّوا بِهِ لِقِيَامِهِمْ بِالْأَمْرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ.
(وَالْعِتْرَةُ هُمُ الْعَشِيرَةُ) الْأَدْنَوْنَ، هَذَا أَصَحُّ وَأَشْهَرُ فِي عُرْفِ النَّاسِ، وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ؛ لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ فِي مَحْفِلٍ مِنَ الصَّحَابَةِ: نَحْنُ عِتْرَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمْ يُنْكِرْ أَحَدٌ، وَهُمْ أَهْلُ اللِّسَانِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى خِلَافِهِ، لَكِنْ تَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: ذُرِّيَّتُهُ، وَقِيلَ: وَلَدُهُ وَوَلَدُ وَلَدِهِ (وَذَوُو رَحِمِهِ كُلُّ قَرَابَةٍ لَهُ مِنْ جِهَةِ الْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ) وَالْأَوْلَادِ؛ لِأَنَّ الرَّحِمَ تَشْمَلُهُمْ، وَهِيَ فِي الْقَرَابَةِ مِنْ جِهَةِ الْأُمِّ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، فَإِذَا لَمْ يُجْعَلْ ذَلِكَ مُرَجِّحًا فَلَا يُجْعَلُ ذَلِكَ مَانِعًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي مُجَاوَزَتَهُ لِلْأَبِ الْخَامِسِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ أَوْ جَمْعٍ مِنَ الْأَقْرَبِ إِلَيْهِ فَثَلَاثَةٌ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يُتَمِّمُ الْعَوْزَ مِنَ الْأَبْعَدِ، وَيَشْمَلُ أَهْلَ الدَّرَجَةِ وَلَوْ كَثُرُوا، وَفِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ فِي جَمَاعَةٍ اثْنَانِ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ مُفْرَدٌ، وَقَالَ الْمَجْدُ: أَقَلُّ الْجَمْعِ مِمَّا لَهُ تَثْنِيَةٌ خَاصَّةٌ ثَلَاثَةٌ، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ فِي لَفْظِ الْجَمْعِ اثْنَانِ، وَلَفْظِ النِّسَاءِ ثَلَاثَةٌ، وَالرَّهْطُ لُغَةً مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنَ الرِّجَالِ خَاصَّةً، وَفِي " كَشْفِ الْمُشْكِلِ ": هُوَ مَا بَيْنَ الثَّلَاثَةِ إِلَى الْعَشَرَةِ.
(وَالْأَيَامَى وَالْعُزَّابُ مَنْ لَا زَوْجَ لَهُ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) ، ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: أَيِمَتْ حَنَّةُ مِنْ زَوْجِهَا، وَأَيِمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ. يُقَالُ: رَجُلٌ عَزَبٌ، وَامْرَأَةٌ عَزَبَةٌ، قَالَهُ ثَعْلَبٌ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَزَبًا لِانْفِرَادِهِ، وَلَا يُقَالُ: أَعْزَبُ، وَرُدَّ بِأَنَّهَا لُغَةٌ حَكَاهَا الْأَزْهَرِيُّ عَنْ أَبِي حَاتِمٍ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ: وَكُنْتُ شَابًّا أَعْزَبَ. وَسَوَاءٌ تَزَوَّجَ الرَّجُلُ أَوْ لَا، وَالْمَرْأَةُ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ الْأَيِّمُ إِلَّا بِكْرًا (وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَخْتَصَّ الْأَيَامَى بِالنِّسَاءِ، وَالْعُزَّابُ بِالرِّجَالِ) ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، وَفِي الْخَبَرِ: «أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ
стр. 1924
بِالرِّجَالِ، فَأَمَّا الْأَرَامِلُ فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ، وَقِيلَ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
إِنْ وَقَفَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ ، وَفِيهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
سِرَارِ الْأَيِّمِ» ، إِنَّمَا أَرَادَ بِهِ النِّسَاءَ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ اخْتِصَاصُهُنَّ بِهَذَا الِاسْمِ الْعُرْفِيِّ، يُقَالُ: امْرَأَةٌ أَيِّمٌ، بِغَيْرِ هَاءٍ، وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ مُشَارِكًا لَهَا لَقِيلَ: أَيِّمٌ، وَأَيِّمَةٌ كَقَائِمٍ وَقَائِمَةٍ، وَحَكَى أَبُو عُبَيْدٍ " أَيِّمَةً "؛ وَلِأَنَّ الْعُرْفَ أَنَّ الْعَزَبَ يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ (فَأَمَّا الْأَرَامِلُ فَهُنَّ النِّسَاءُ اللَّاتِي فَارَقَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ) بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ، وَقَدْ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ وَصَّى لِأَرَامِلَ بَنِي فُلَانٍ، فَقَالَ: قَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، وَالَّذِي يُعْرَفُ فِي كَلَامِ النَّاسِ أَنَّ الْأَرَامِلَ النِّسَاءُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الْمَعْرُوفُ، فَيَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَيْهِ (وَقِيلَ: هُوَ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ) ، وَقَالَهُ الشَّعْبِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَنْشَدَ:
هَذِي الْأَرَامِلُ قَدْ قَضَّيْتَ حَاجَتَهَا ... فَمَنْ لِحَاجَةِ هَذَا الْأَرْمَلِ الذَّكَرِ
فَيُقَالُ: رَجُلٌ أَرْمَلُ، وَامْرَأَةٌ أَرْمَلَةٌ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الْأَرَامِلَ جَمْعُ أَرْمَلَةٍ، فَلَا يَكُونُ جَمْعًا لِلْمُذَكَّرِ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ الْمُفْرَدِ يَقْتَضِي اخْتِلَافَ الْجَمْعِ، وَالشِّعْرُ لَا دَلَالَةَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ شَمِلَ لَفْظُ الْأَرَامِلِ لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ لَقَالَ: حَاجَتَهُمْ؛ لِأَنَّ تَذْكِيرَ الضَّمِيرِ عِنْدَ اجْتِمَاعِ النَّوْعَيْنِ لَازِمٌ، وَسَمَّى نَفْسَهُ أَرْمَلًا تَجَوُّزًا بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَ نَفْسَهُ بِأَنَّهُ مُذَكَّرٌ، وَلَوْ ثَبَتَ فِي الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ لَهُمَا لَكِنْ خَصَّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ بِالنِّسَاءِ، فَهُجِرَتِ الْحَقِيقَةُ، وَصَارَتْ مَهْجُورَةً.
فَرْعٌ: إِخْوَتُهُ، وَعُمُومَتُهُ، وَبِكْرٌ، وَثَيِّبٌ، وَعَانِسٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثَى.
[وَقَفَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ أَوْ قَرَابَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ]
وَ (إِنْ وَقَفَ عَلَى أَهْلِ قَرْيَتِهِ، أَوْ قَرَابَتِهِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهِمْ) أَيْ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ - (مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ) ، عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَنْ يُخَالِفُ دِينَهُ؛ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُقَابِلِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ قَرِينَةً صَارِفَةٍ لِلَّفْظِ عَنْ شُمُولِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵎ لَمَّا أَطْلَقَ آيَةَ الْمِيرَاثِ لَمْ يَشْمَلِ الْمُخَالِفَ، فَكَذَا هُنَا، فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْوَاقِفُ مُسْلِمًا لَمْ يَدْخُلِ الْكَافِرُ، وَكَذَا عَكْسُهُ، فَإِنْ صَرَّحَ بِهِمْ دَخَلُوا؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَهُمْ يُتْرَكُ بِهِ صَرِيحُ الْمُقَالِ، وَهُوَ أَقْوَى مِنْ قَرِينَةِ الْحَالِ، وَكَذَا إِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَتِهِمْ، فَلَوْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ
стр. 1925
وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا.
وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ أَسْفَلَ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِيَ مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْأَقَارِبُ كُلُّهُمْ كُفَّارًا دَخَلُوا؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَهُمْ يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ اللَّفْظِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَاحِدٌ وَالْبَاقِي كُفَّارٌ دَخَلُوا أَيْضًا؛ لِأَنَّ إِخْرَاجَهُمْ بِالتَّخْصِيصِ بَعِيدٌ، وَفِيهِ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُ كُفَّارًا فَهُوَ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ظَاهِرِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَيْهِمْ، وَالتَّخْصِيصُ يَصِحُّ بِإِخْرَاجِ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ: يَدْخُلُ الْكُفَّارُ؛ لِأَنَّ التَّخْصِيصَ فِي مِثْلِ هَذَا بَعِيدٌ، وَأَنَّ تَخْصِيصَ الصُّورَةِ النَّادِرَةِ قَرِيبٌ، وَتَخْصِيصُ الْأَكْثَرِ بَعِيدٌ يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ.
فَائِدَةٌ: حُكْمُ سَائِرِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ كَالْإِخْوَةِ، وَالْأَعْمَامِ، وَالْيَتَامَى، وَالْمَسَاكِينِ - حُكْمُ أَهْلِ قَرْيَتِهِ، (وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَدْخُلُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاقِفُ كَافِرًا) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ، وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْوَاقِفَ إِنْ كَانَ كَافِرًا تَنَاوَلَ أَهْلَ دِينِهِ؛ لِأَنَّ لَفْظَهُ يَتَنَاوَلُهُمْ، وَالْقَرِينَةَ دَالَّةٌ عَلَى إِرَادَتِهِمْ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ الْمُسْلِمُ؟ يُنْظَرُ، فَإِنْ وُجِدَتْ قَرِينَةٌ عَلَى دُخُولِهِمْ كَمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا مُسْلِمُونَ، وَإِنِ انْتَفَتِ الْقَرَائِنُ فَوَجْهَانِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْقَرْيَةِ كَافِرٌ مِنْ غَيْرِ دِينِ أَهْلِ الْوَاقِفِ لَمْ يَدْخُلْ؛ لِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تُخْرِجُهُ، وَقِيلَ بِدُخُولِهِ بِنَاءً عَلَى تَوْرِيثِ الْكُفَّارِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ.
مُلْحَقٌ: الصَّبِيُّ وَالْغُلَامُ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَالْيَتِيمُ مَنْ لَا أَبَ لَهُ، وَلَوْ جَهِلَ بَقَاءَ أَبِيهِ فَالْأَصْلُ بَقَاؤُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُعْطَى مَنْ لَيْسَ لَهُ بِبَلَدِ الْإِسْلَامِ أَبٌ يُعْرَفُ، فَإِنْ بَلَغَ خَرَجَ مِنْ حَدِّ الْيُتْمِ، وَالشَّابُّ وَالْفَتَى مَنْ بَلَغَ إِلَى الثَّلَاثِينَ، وَقِيلَ: وَخَمْسَةٌ، وَالْكَهْلُ مِنْهَا إِلَى الْخَمْسِينَ، وَالشَّيْخُ مِنْهَا إِلَى السَّبْعِينَ، وَفِي " الْكَافِي " وَ " التَّرْغِيبِ " إِلَى آخِرِ الْعُمْرِ ثُمَّ الْهَرِمُ، وَالْأَشْرَافُ أَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، قَالَ: وَأَهْلُ الْعِرَاقِ كَانُوا لَا يُسَمُّونَ شَرِيفًا إِلَّا مَنْ كَانَ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ وَغَيْرِهِمْ لَا يُسَمُّونَ إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَوِيًّا، وَالشَّرِيفُ فِي اللُّغَةِ خِلَافُ الْوَضِيعِ وَالضَّعِيفِ، وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ بَيْتِ النَّبِيِّ ﷺ أَحَقَّ الْبُيُوتِ بِالتَّشْرِيفِ صَارَ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ شَرِيفًا، فَلَوْ وَصَّى لِبَنِي هَاشِمٍ لَمْ يَدْخُلْ مَوَالِيهِمْ، نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 1926
فَوْقُ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ وَإِلَّا جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ]
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ، وَلَهُ مَوَالٍ مِنْ فَوْقِهِ وَمِنْ أَسْفَلُ تَنَاوَلَ جَمِيعَهُمْ) وَيَسْتَوُونَ فِيهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَشْمَلُهُمْ جَمِيعًا، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: مَنْ وَقَفَ عَلَى مَوَالِيهِ الْمُعْتَقِينَ جَازَ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا شَرَطَ، فَإِنْ مَاتُوا وَلَهُمْ أَوْلَادٌ صَارَ مَا كَانَ وَقْفًا عَلَيْهِمْ، وَقْفًا عَلَى أَوْلَادِهِمْ. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَخْتَصُّ الْمَوَالِي مِنْ فَوْقُ) ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى عُصْبَةً بِدَلِيلِ ثُبُوتِ الْمِيرَاثِ لَهُمْ، وَلَا يَسْتَحِقُّ مَوْلَى أَبِيهِ مَعَ وُجُودِ مَوَالِيهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَوَالٍ، فَقَالَ الشَّرِيفُ: هُوَ لِمَوْلَى أُمِّهِ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ يَتَنَاوَلُهُ مَجَازًا، وَقَدْ تَعَذَّرَتِ الْحَقِيقَةُ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَوَالِي أَبٍ حِينَ الْوَقْفِ ثُمَّ انْقَرَضَ مَوَالِيهِ لَمْ يَكُنْ لِمَوَالِي الْأَبِ فِي ظَاهِرِ مَا ذَكَرُوا؛ لِأَنَّ الِاسْمَ تَنَاوَلَ غَيْرَهُمْ فَلَا يَعُودُ إِلَيْهِمْ إِلَّا بِعَقْدٍ، وَلَمْ يُوجَدْ.
(وَإِنْ وَقَفَ عَلَى جَمَاعَةٍ يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ) كَبَنِي فُلَانٍ الَّذِينَ لَيْسُوا بِقَبِيلَةٍ (وَجَبَ تَعْمِيمُهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ) ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَقَدْ أَمْكَنَ الْوَفَاءُ بِهِ فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِمُقْتَضَاهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَقَرَّ لَهُمْ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ [النساء: ١٢] يُوَضِّحُهُ، فَإِنْ كَانَ الْوَقْفُ فِي ابْتِدَائِهِ عَلَى مَنْ يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ فَصَارَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُهُ، كَوَقْفِ عَلِيٍّ ﵁ وَجَبَ تَعْمِيمُ مَنْ أَمْكَنَ مِنْهُمْ وَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ؛ لِأَنَّ التَّعْمِيمَ وَالتَّسْوِيَةَ كَانَ وَاجِبًا، فَإِذَا تَعَذَّرَ وَجَبَ مَا أَمْكَنَ كَالْوَاجِبِ الَّذِي يَعْجِزُ عَنْ بَعْضِهِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ حَصْرُهُمْ وَاسْتِيعَابُهُمْ كَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي تَمِيمٍ لَمْ يَجِبْ تَعْمِيمُهُمْ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُمْكِنٍ وَ (جَازَ تَفْضِيلُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ) ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ حِرْمَانُهُ جَازَ تَفْضِيلُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ (وَالِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ) ، عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الْوَاقِفِ مُجَاوَزَةُ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالدَّفْعِ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ (وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ) ، هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّهَا أَقَلُّ الْجَمْعِ، قَالَ فِي " الْخِلَافِ " وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ رَجُلٍ أَوْصَى بِثُلُثِهِ فِي أَبْوَابِ الْبِرِّ، قَالَ: يُجَزَّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ، فَعَلَى هَذَا الْفَرْقِ أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُعْتَبَرُ فِيهَا لَفْظُ الْمُوصِي، وَأَمْرُ اللَّهِ يُعْتَبَرُ فِيهَا الْمَقْصُودُ بِدَلَالَةِ أَنَّ الْمُوصِيَ لِلْمَسَاكِينِ لَا يَعْدِلُ إِلَى غَيْرِهِمْ، وَالْإِطْعَامُ فِي الْكَفَّارَةِ يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِ الْمَسَاكِينِ،
стр. 1927
لَا يُجْزِئَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَلَا يُدْفَعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ، وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ.
فَصْلٌ وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ ، وَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلَّا أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَإِنْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِمْ، وَمُقْتَضَى ذَلِكَ صِحَّةُ الْوَقْفِ عَلَى مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ وَلَا اسْتِيعَابُهُمْ كَالْمَسَاكِينِ.
(وَلَا يُدْفَعُ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْقَدْرِ الَّذِي يُدْفَعُ إِلَيْهِ فِي الزَّكَاةِ) ، أَيْ إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى الْأَصْنَافِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الصَّدَقَاتِ أَوْ بَعْضَهُمْ صُرِفَ إِلَيْهِمْ وَيُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنَ الْوَقْفِ مِثْلَ الْقَدْرِ الَّذِي يُعْطَى مِنَ الزَّكَاةِ؛ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّ يُحْمَلُ عَلَى الْمَعْهُودِ فِي الشَّرْعِ، فَعَلَى هَذَا إِذَا كَانَ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْفُقَرَاءَ لَمْ يُدْفَعْ إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ زِيَادَةٌ عَلَى خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنَ الذَّهَبِ؛ لِأَنَّهُ الْقَدْرُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الْغِنَى، وَاخْتَارَ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ زِيَادَةَ الْمِسْكِينِ عَلَى الْخَمْسِينَ، وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، وَقِيلَ: لِكُلِّ صِنْفٍ ثَمَنٌ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوِ الْمَسَاكِينِ أُعْطِيَ الْآخَرُ، وَفِيهِ وَجْهٌ (وَالْوَصِيَّةُ كَالْوَقْفِ فِي هَذَا الْفَصْلِ) ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى لَفْظِ الْمُوصِي أَشْبَهَتِ الْوَقْفَ، فَإِنْ وَصَّى أَنْ يُفَرَّقَ فِي فُقَرَاءِ مَكَّةَ فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسَّانَ هَلْ يُفَرَّقُ عَلَى قَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ؟ فَقَالَ: يُنْظَرُ إِلَى أَحْوَجِهِمْ. قَالَ الْقَاضِي: فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعَدَدُ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا وَقَفَ مَدْرَسَةً أَوْ رِبَاطًا أَوْ خَانِقَاهَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ عَلَى طَائِفَةٍ، اخْتُصَّتْ بِهِمْ، وَإِنْ وَقَفَ عَلَيْهَا مَسْجِدًا أَوْ مَقْبَرَةً فَوَجْهَانِ، وَالْأَشْبَهُ اخْتِصَاصُ مَنْ عَيَّنَهُمْ، وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ بِالصَّلَاةِ اتِّفَاقًا، وَإِنْ عَيَّنَ إِمَامًا أَوْ نَاظِرًا تَعَيَّنَ، وَقِيلَ: إِنْ وَقَفَ مَسْجِدًا عَلَى الْفُقَرَاءِ وَشَرَطَهُ لَهُمْ اخْتُصُّوا بِهِ إِمَامَةً وَنَظَرًا، وَعَنْهُ: عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، وَكَذَا إِنْ وَقَفَهُ عَلَى أَهْلِ مَذْهَبٍ فِي الْأَشْبَهِ.
[فَصْلٌ: وَالْوَقْفُ عَقْدٌ لَازِمٌ]
ٌ) أَيْ يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْقَوْلِ؛ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالْهِبَةَ، فَلَزِمَ
стр. 1928
تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ، فَيُبَاعُ وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِمُجَرَّدِهِ كَالْعِتْقِ، وَقَالَ فِي " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ: وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ فِي الْحَالِ، أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ الْوَصِيَّةِ أَوْ لَمْ يُخْرِجْهُ، حَكَمَ بِهِ حَاكِمٌ أَوْ لَا؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَإِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ يَلْزَمُ بِالْوَصِيَّةِ، فَإِذَا نَجَزَهُ فِي الْحَيَاةِ لَزِمَ مِنْ غَيْرِ حُكْمٍ كَالْعِتْقِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵁ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِمُجَرَّدِهِ، وَلِلْوَاقِفِ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَّا أَنْ يُوصِيَ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، أَوْ يَحْكُمَ بِلُزُومِهِ حَاكِمٌ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْمَحَامِلِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ صَاحِبِ الْأَذَانِ أَنَّهُ جَعَلَ حَائِطَهُ صَدَقَةً، وَجَعَلَهُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَجَاءَ أَبَوَاهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَا: لَمْ يَكُنْ لَنَا عَيْشٌ إِلَّا هَذَا الْحَائِطُ، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَاتَا فَوَرِثَهُمَا» ؛ وَلِأَنَّهُ إِخْرَاجُ مَالٍ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَلَمْ يَلْزَمْ بِمُجَرَّدِهِ كَالصَّدَقَةِ، وَجَوَابُهُ السُّنَّةُ الثَّابِتَةُ، مَعَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْوَقْفِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ جَعَلَهُ صَدَقَةً غَيْرَ مَوْقُوفٍ، فَرَأَى النَّبِيُّ ﷺ وَالِدَيْهِ أَحَقَّ بِصَرْفِهَا إِلَيْهِمَا، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهَا إِلَيْهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَائِطَ كَانَ لَهُمَا، وَتَصَرُّفُهُ فِيهِ بِحُكْمِ النِّيَابَةِ عَنْهُمَا، وَلَمْ يُجِيزَاهُ، ثُمَّ الْقِيَاسُ عَلَى الصَّدَقَةِ لَيْسَ بِظَاهِرٍ، فَإِنَّهَا تَلْزَمُ فِي الْحَيَاةِ بِغَيْرِ حُكْمِ حَاكِمٍ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إِلَى الْقَبُولِ، وَالْوَقْفُ لَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ، فَافْتَرَقَا، (وَلَا يَجُوزُ فَسْخُهُ بِإِقَالَةٍ وَلَا غَيْرِهَا) ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ الْعُقُودِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّأْبِيدِ (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ) وَلَا الْمُنَاقَلَةُ بِهِ (إِلَّا أَنْ تَتَعَطَّلَ مَنَافِعُهُ) بِالْكُلِّيَّةِ، كَدَارٍ انْهَدَمَتْ، أَوْ أَرْضٍ خَرِبَتْ، وَعَادَتْ مَوَاتًا، وَلَمْ تُمْكِنْ عِمَارَتُهَا، نَقَلَ عَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ: لَا يَسْتَبْدِلُ بِهِ وَلَا يَبِيعُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِحَالٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ، وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا يُغَيَّرُ عَنْ حَالِهِ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا أَنْ لَا يَنْتَفِعَ مِنْهُ بِشَيْءٍ، وَقَالَهُ الْأَصْحَابُ، وَفِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يَقِلَّ فَلَا يُعَدُّ نَفْعًا، وَنَقَلَ مُهَنَّا: أَوْ ذَهَبَ أَكْثَرُ نَفْعِهِ (فَيُبَاعُ) ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ كَتَبَ إِلَى سَعْدٍ لَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ بَيْتَ الْمَالِ الَّذِي بِالْكُوفَةِ نُقِبَ: أَنِ انْقُلِ الْمَسْجِدَ الَّذِي بِالتَّمَارِينِ، وَاجْعَلْ بَيْتَ الْمَالِ فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَزَالَ فِي الْمَسْجِدِ مُصَلٍّ، وَكَانَ هَذَا بِمَشْهَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ خِلَافُهُ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ،
стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَحُكِيَ فِي " التَّلْخِيصِ " عَنْ أَبِي الْخَطَّابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، وَهُوَ غَرِيبٌ لَا يُعْرَفُ فِي كُتُبِهِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ بَقَاءِ مَنَافِعِهِ لَا يَجُوزُ مَعَ تَعَطُّلِهَا، كَالْعِتْقِ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ اسْتِبْقَاءً لِلْوَقْفِ عِنْدَ تَعَذُّرِ إِبْقَائِهِ بِصُورَتِهِ، فَوَجَبَ ذَلِكَ كَمَا لَوِ اسْتَوْلَدَ الْجَارِيَةَ، أَوْ قَتَلَهَا، أَوْ قَتَلَهَا غَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْوَقْفُ مُؤَبَّدٌ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ تَأْبِيدُهُ عَلَى وَجْهِ تَخْصِيصِهِ اسْتَبْقَيْنَا الْغَرَضَ، وَهُوَ الِانْتِفَاعُ عَلَى الدَّوَامِ فِي عَيْنٍ أُخْرَى، وَاتِّصَالُ الْأَبْدَالِ جَرَى مَجْرَى الْأَعْيَانِ، وَجُمُودُنَا عَلَى الْعَيْنِ مَعَ تَعَطُّلِهَا تَضْيِيعٌ لِلْغَرَضِ. قَوْلُهُمْ: يُبَاعُ، أَيْ يَجُوزُ بَيْعُهُ، نَقَلَهُ وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَلْزَمُهُ فِعْلُ الْمَصْلَحَةِ؛ وَلِأَنَّهُ اسْتِبْقَاءٌ لِلْوَقْفِ بِمَعْنَاهُ، فَوَجَبَ كَإِيلَادِ أَمَةٍ مَوْقُوفَةٍ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَعَ الْحَاجَةِ تَجِبُ بِالْمِثْلِ، وَبِلَا حَاجَةٍ يَجُوزُ بِخَيْرٍ مِنْهُ لِظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ، وَلَا يَجُوزُ بِمِثْلِهِ لِفَوَاتِ التَّعْيِينِ بِلَا حَاجَةٍ، فَإِنْ أَمْكَنَ بَيْعُ بَعْضِهِ لِيَعْمُرَ بِهِ الْبَاقِي جَازَ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْهُ بِيعَ جَمِيعُهُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَالْمُرَادُ مَعَ اتِّحَادِ الْوَاقِفِ كَالْجِهَةِ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْمُرَادُ عَيْنَيْنِ كَدَارَيْنِ فَظَاهِرٌ، وَكَذَا عَيْنًا وَاحِدَةً، وَلَمْ تَنْقُصِ الْقِيمَةُ بِالتَّشْقِيصِ، فَإِنْ نَقَصَتْ تَوَجَّهَ الْبَيْعُ فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ، كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ أَوْ حَاجَةِ صَغِيرٍ، بَلْ هَذَا أَسْهَلُ لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ. وَذَكَرَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ أَنَّ عُبَادَةَ - مِنْ أَصْحَابِنَا - أَفْتَى فِي أَوْقَافٍ وَقَفَهَا جَمَاعَةٌ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ جِهَاتِ الْبِرِّ إِذَا خَرِبَ بَعْضُهَا لِلْمُبَاشِرِ أَنْ يُعَمِّرَهُ مِنَ الْأُجْرَةِ، وَوَافَقَهُ طَائِفَةٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ.
تَنْبِيهٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْمُتَوَلِّي لِبَيْعِهِ، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ الْحَاكِمُ، قَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَفِي " التَّلْخِيصِ " وَيَكُونُ الْبَائِعُ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الشِّرَاءُ بِثَمَنِهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِعَقْدٍ لَازِمٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا، فَيَتَوَقَّفُ فَسْخُهُ عَلَى الْحَاكِمِ كَمَا قِيلَ فِي الْفُسُوخِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَلِكَوْنِهِ بَيْعًا عَلَى الْغَائِبِينَ، وَهُمُ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَهُ بَعْدَ انْقِرَاضِ الْمَوْجُودِينَ، وَجَزَمَ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الرِّعَايَةِ "
стр. 1930
لِلْغَزْوِ بِيعَ وَاشْتُرِيَ بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ، وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَ " الْفَائِقِ " أَنَّهُ نَاظَرَهُ، وَقِيلَ: بَلْ يَفْعَلُهُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُهُ.
فَرْعٌ: لَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فَخَرِبَ، يُبَاعُ وَشَرْطُهُ إِذَنْ فَاسِدٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: رَجُلٌ وَقَفَ ضَيْعَةً فَخَرِبَتْ، وَقَالَ فِي الشَّرْطِ: لَا يُبَاعُ، فَبَاعُوا مِنْهَا سَهْمًا وَأَنْفَقُوهُ عَلَى الْبَقِيَّةِ لِيَعْمُرُوهَا، قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ اضْطِرَارٌ وَمَنْفَعَةٌ لَهُمْ.
(وَيُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَ " الْوَجِيزِ " وَ " الْفُرُوعِ "، وَزَادَ: أَوْ بَعْضِ مِثْلِهِ، قَالَهُ أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ وَكَجِهَتِهِ، وَظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ الْمِثْلُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " إِذِ الْقَصْدُ النَّفْعُ، لَكِنْ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْمَنْفَعَةِ فِي الْمَصْلَحَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَوْلَى تُصْرَفُ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ تَغْيِيرَ الْمَصْرِفِ مَعَ إِمْكَانِ الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ، كَمَا لَا يُغَيَّرُ الْوَقْفُ بِالْبَيْعِ مَعَ إِمْكَانِ الِانْتِفَاعِ بِهِ، وَقُوَّةِ كَلَامِهِ - وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ - أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِيقَافِ النَّاظِرِ لَهُ، وَصَرَّحَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ، وَجَوَّزَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِمَصْلَحَةٍ، وَأَنَّهُ قِيَاسُ الْهُدَى، وَذَكَرَهُ وَجْهًا فِي الْمُنَاقَلَةِ، وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَحْمَدُ، (وَكَذَلِكَ الْفَرَسُ الْحَبِيسُ إِذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْغَزْوِ) بِأَنْ يَنْحَطِمَ (بِيعَ) كَالْوَقْفِ إِذَا تَعَطَّلَتْ مَنَافِعُهُ (وَاشْتُرِي بِثَمَنِهِ مَا يَصْلُحُ لِلْجِهَادِ) ، نَصَّ عَلَيْهِ مُحَافَظَةً عَلَى غَرَضِ الْوَاقِفِ، وَعَنْهُ: يَصْرِفُهُ عَلَى الدَّوَابِّ الْحُبَّسِ، أَوْ يُصْرَفُ ثَمَنُهُ فِي مِثْلِهِ، وَظَاهِرُهُ التَّخْيِيرُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ إِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَنُهُ ثَمَنَ فَرَسٍ أُخْرَى أُعِينَ بِهِ فِي شِرَاءِ فَرَسٍ حَبِيسٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ "؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ اسْتِيفَاءُ مَنْفَعَةِ الْوَقْفِ الْمُمْكِنِ اسْتِيفَاؤُهُ وَصِيَانَتُهَا عَنِ الضَّيَاعِ، (وَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ إِذَا لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي مَوْضِعِهِ) فَإِنَّهُ يُبَاعُ إِذَا خَرِبَتْ مَحِلَّتُهُ، نَقَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَفِي رِوَايَةِ صَالِحٍ يُحَوَّلُ الْمَسْجِدُ خَوْفًا مِنَ اللُّصُوصِ، وَإِذَا كَانَ فِي مَوْضِعِهِ قُدِّرَ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي إِذَا كَانَ ذَلِكَ يَمْنَعُ مِنَ الصَّلَاةِ فِيهِ. وَنَصَّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ
следующие страницы →