Полный текст (3 567 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.
стр. 246
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ أَحْمَدُ. فَإِنْ قَدَرَ عَلَى حَبْسِهِ حَالَ الْقِيَامِ وَحْدَهُ رَكَعَ وَسَجَدَ، وَأَجْزَأَتْهُ صَلَاتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَالْمَكَانِ النَّجِسِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُومِئُ، لِأَنَّ فَوَاتَ الشَّرْطِ لَا بَدَلَ لَهُ قَالَ: وَلَوِ امْتَنَعَتِ الْقِرَاءَةُ، أَوْ لِحِقَهُ السَّلَسُ إِنْ صَلَّى قَائِمًا، صَلَّى قَاعِدًا قَالَ: وَلَوْ كَانَ قَامَ وَقَعَدَ لَمْ يَحْبِسْهُ، وَلَوِ اسْتَلْقَى، حَبَسَهُ، صَلَّى قَائِمًا وَقَاعِدًا، لِأَنَّ الْمُسْتَلْقِيَ لَا نَظِيرَ لَهُ اخْتِيَارًا.
(وَهَلْ يُبَاحُ، وَطْءُ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ خَوْفِ الْعَنَتِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَحْرُمُ إِلَّا لِخَوْفِ الْعَنَتِ، قَدَّمَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " و" الْفُرُوعِ " أَنَّهُ قَوْلُ الْأَصْحَابِ قِيلَ: وَبِعَدَمِ الطَّوْلِ لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، أَوْ ثَمَنِ أَمَةٍ ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لِقَوْلِ عَائِشَةَ: الْمُسْتَحَاضَةُ لَا يَغْشَاهَا زَوْجُهَا، وَلِأَنَّ بِهَا أَذًى فحرم وطؤها كَالْحَائِضِ، فَإِنْ وَطِئَ أَثِمَ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُبَاحُ مُطْلَقًا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ حَمْنَةَ كَانَتْ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُجَامِعُهَا، وَأُمَّ حَبِيبَةَ تُسْتَحَاضُ، وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ يَغْشَاهَا، رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ، وَلِلْعُمُومِ فِي حِلِّ وَطْءِ الزَّوْجَةِ، وَقَدْ قِيلَ: وَطْءُ الْحَائِضِ يَتَعَدَّى إِلَى الْوَلَدِ فَيَكُونُ مَجْذُومًا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُهُ إِذَا خَافَ الْعَنَتَ أَوْ خَافَتْهُ هِيَ، وَطَلَبَتْهُ مِنْهُ أُبِيحَ لَهُ، لِأَنَّ حُكْمَهُ أَخَفُّ مِنْ حُكْمِ الْحَيْضِ، وَمُدَّتُهُ تَطُولُ.
فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِشُرْبِ دَوَاءٍ مُبَاحٍ لِقَطْعِ الْحَيْضِ إِذَا أُمِنَ ضَرَرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي إِذْنَ الزَّوْجِ كَالْعَزْلِ، وَشُرْبُهُ يَجُوزُ لِإِلْقَاءِ نُطْفَةٍ، ذَكَرَهُ فِي " الْوَجِيزِ " وَيَجُوزُ لِحُصُولِ الْحَيْضِ، إِلَّا قُرْبَ رَمَضَانَ لِتُفْطِرَ. ذَكَرَهُ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ.
стр. 247
فَصْلٌ
وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ، أَيْ وَقْتَ رَأَتِ الطُّهْرَ، فَهِيَ طَاهِرٌ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[النِّفَاسُ]
فَصْلٌ
(وَأَكْثَرُ النِّفَاسِ) وَهُوَ دَمٌ يُرْخِيهِ الرَّحِمُ لِلْوِلَادَةِ، وَبَعْدَهَا إِلَى مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ، وَهُوَ بَقِيَّةُ الدَّمِ الَّذِي احْتُبِسَ فِي مُدَّةِ الْحَمْلِ لِأَجْلِهِ، وَأَصْلُهُ لُغَةً مِنَ التَّنْفِيسِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ مِنَ الْجَوْفِ، أَوْ نَفَّسَ اللَّهُ كُرْبَتَهُ أَيْ: فَرَّجَهَا (أَرْبَعُونَ يَوْمًا) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، وَالْمُخْتَارُ لِلْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَتْ مُسَّةُ الْأَزْدِيَّةُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: «كَانَتِ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَكُنَّا نَطْلِي وُجُوهَنَا بِالْوَرْسِ مِنَ الْكَلَفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُسَّةَ، وَإِسْنَادُهُ إِلَيْهَا حَسَنٌ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَثْنَى الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَعْنَاهُ كَانَتْ تُؤْمَرُ أَنْ تَجْلِسَ، وَإِلَّا كَانَ الْخَبَرُ كَذِبًا مَعَ أَنَّهُ إِجْمَاعٌ سَابِقٌ أَوْ كَالْإِجْمَاعِ، وَقَدْ حَكَاهُ إِمَامُنَا عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنَسٍ، وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَعَائِذِ بْنِ عَمْرٍو، وَأُمِّ سَلَمَةَ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَقُلْ بِالسِّتِّينَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا قَالَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: هُوَ السُّنَّةُ الْمُجْمَعُ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: أَكْثَرُهُ سِتُّونَ اتِّبَاعًا لِلْوُجُودِ.
وَأَوَّلُ مُدَّتِهِ مِنَ الْوَضْعِ، إلَّا أَنْ تَرَاهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّهُ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ، وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ، فَالدَّمُ قَبْلَ انْفِصَالِهِ نِفَاسٌ، وَلَا يُحْسَبُ مِنَ الْمُدَّةِ عَلَى الْأَصَحِّ، وَيَثْبُتُ حُكْمُهُ بِوَضْعِ شَيْءٍ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ عَلَى الْأَشْهَرِ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ جَاوَزَ الدَّمُ الْأَكْثَرَ، وَصَادَفَ عَادَةَ حَيْضِهَا، وَلَمْ يُجَاوِزْ أَكْثَرَهُ، فَحَيْضٌ، وَإِلَّا فَاسْتِحَاضَةٌ إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، وَلَا يَدْخُلْ حَيْضٌ، وَاسْتِحَاضَةٌ فِي مُدَّةِ نِفَاسٍ.
(وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ تَحْدِيدُهُ، فَيُرْجَعُ فِيهِ إِلَى الْوُجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ قَلِيلًا عَقِبَ سَبَبِهِ، فَكَانَ نِفَاسًا كَالْكَثِيرِ، وَعَنْهُ: أَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ:
стр. 248
تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ حَتَّى تَتِمَّ الْأَرْبَعِينَ، وَإِذَا انْقَطَعَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَطْرَةٌ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ " لَحْظَةٌ (أَيْ: وَقْتَ رَأَتِ الطُّهْرَ، فَهِيَ طَاهِرٌ) لِانْقِطَاعِ دَمِ النِّفَاسِ، كَمَا لَوِ انْقَطَعَ دَمُ الْحَائِضِ فِي عَادَتِهَا، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: سَأَلَت النَّبِيَّ ﷺ : «كَمْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ إِذَا وَلَدَتْ، قَالَ: أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ» .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، وَحَكَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ: أَنَّ امْرَأَةً وَلَدَتْ بِمَكَّةَ، فَلَمْ تَرَ دَمًا، فَلَقِيَتْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ: أَنْتِ امْرَأَةٌ طَهَّرَكِ اللَّهُ. انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ وَلَدَتْ، وَلَمْ تَرَ دَمًا فَهِيَ طَاهِرَةٌ لَا نِفَاسَ لَهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ النِّفَاسَ هُوَ الدَّمُ، وَلَمْ يُوجَدْ. (تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: لَا يَحِلُّ لِلنُّفَسَاءِ إِذَا رَأَتِ الطُّهْرَ إِلَّا أَنْ تُصَلِّيَ، وَلِأَنَّهُ حُكْمٌ بِانْقِضَاءِ نِفَاسِهَا، وَذَلِكَ مُعَلَّقٌ عَلَى مُطْلَقِ الطُّهْرِ، لَكِنْ قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": إِذَا كَانَ أَقَلَّ مِنْ سَاعَةٍ يَنْبَغِي أَنْ لَا تَلْتَفِتَ إِلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَغْتَسِلُ، وَتُصَلِّي.
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَقْرَبَهَا فِي الْفَرْجِ) بَعْدَ طُهْرِهَا، وَتَطَهُّرِهَا (حَتَّى تَتِمَّ الْأَرْبَعِينَ) قَالَ أَحْمَدُ: مَا يَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَهَا زَوْجُهَا عَلَى حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ عَوْدَ الدَّمِ فِي زَمَنِ الْوَطْءِ، فَيَكُونُ وَاطِئًا فِي نِفَاسٍ، وَفِي كَرَاهَتِهِ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا الْكَرَاهَةُ، لِمَا رَوَى ابْنُ شَاهِينَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي النُّفَسَاءِ: «لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا إِلَّا بَعْدَ الْأَرْبَعِينَ» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ الْعُكْبَرِيُّ: وَاحْتَجَّ أَحْمَدُ بِأَنَّهُ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، وَعَنْهُ: لَا، لِأَنَّهُ حُكْمٌ بِطَهَارَتِهَا، وَظَاهِرٌ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْهُ الدَّمُ، وَلَا دَمَ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُجَرَّدِ " لِظَاهِرِ قَوْلِ الصَّحَابَةِ، وَقِيلَ: مَعَ عَدَمِ الْعَنَتِ، وَفَرَّقَ الْقَاضِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ دَمِ الْمُبْتَدَأَةِ إِذَا انْقَطَعَ بِأَنَّ تَحْرِيمَ النِّفَاسِ آكَدُ، لِأَنَّ أَكْثَرَهُ أَكْثَرُ مِنْ أَكْثَرِ الْحَيْضِ، فَجَازَ أَنْ يَلْحَقَهُ التَّغْلِيظُ فِي الِامْتِنَاعِ مِنَ
стр. 249
دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ، ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ نِفَاسٌ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، تَصُومُ وَتُصَلِّي، وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ، وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ، فَأَوَّلُ النِّفَاسِ مِنَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْوَطْءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقْرَبُهَا فِي غَيْرِ الْفَرْجِ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَالْحَائِضِ.
(وَإِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا فِي مُدَّةِ الْأَرْبَعِينَ) فَالنَّقَاءُ طُهْرٌ عَلَى الْأَصَحِّ (ثُمَّ عَادَ فِيهَا فَهُوَ) أَيِ: الْعَائِدُ (نِفَاسٌ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي " و" الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِأَنَّهُ فِي مُدَّتِهِ أَشْبَهَ الْأَوَّلَ: (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ) قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": هِيَ الْمَشْهُورَةُ نَقَلَهَا عَنْهُ الْأَثْرَمُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَذَكَرَ أَنَّهُ نَقَلَهَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَرَهُ، ثُمَّ رَأَتْهُ فِي الْمُدَّةِ فِي الْأَصَحِّ (تَصُومُ، وَتُصَلِّي) أَيْ: تَتَعَبَّدُ، لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي ذِمَّتِهَا بِيَقِينٍ، وَسُقُوطُهَا بِهَذَا الدَّمِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَفِي غُسْلِهَا لِكُلِّ صَلَاةٍ رِوَايَتَانِ.
(وَتَقْضِي الصَّوْمَ الْمَفْرُوضَ) وَنَحْوَهُ احْتِيَاطًا وَلِوُجُوبِهِ يَقِينًا، لَا يُقَالُ: إِنَّهَا لَا تَقْضِي الصَّوْمَ قِيَاسًا عَلَى النَّاسِيَةِ إِذَا صَامَتْ فِي الدَّمِ الزَّائِدِ عَلَى السِّتِّ وَالسَّبْعِ، لِأَنَّ غَالِبَ حَيْضِ النِّسَاءِ كَذَلِكَ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ نَادِرٌ، وَالْغَالِبَ مِنَ النِّفَاسِ، وَمَا نَقَصَ نَادِرٌ، وَالْحَيْضُ يَتَكَرَّرُ، فَيَشُقُّ الْقَضَاءُ بِخِلَافِ النِّفَاسِ، وَعَنْهُ: تَقْضِي الصَّوْمَ مَعَ عَوْدِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَأْتِيهَا زَوْجُهَا فِيهِ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ، وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ: وَعَلَى الْأُولَى فِي وُجُوبِ قَضَاءِ مَا صَامَتْهُ فِيهِ، أَوْ طَافَتْهُ أَوْ سَعَتْهُ، أَوِ اعْتَكَفَتِ الطُّهْرُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَاجِبٍ، رِوَايَتَانِ.
فَرْعٌ: حُكْمُ النِّفَاسِ كَالْحَيْضِ، وَفِي وَطْئِهَا مَا فِي وَطْءِ حَائِضٍ، نَقَلَهُ حَرْبٌ، وَقَالَهُ جَمْعٌ، وَقِيلَ: تَقْرَأُ، وَنَقَلَ ابْنُ ثَوَابٍ: تَقْرَأُ إِذَا انْقَطَعَ الدَّمُ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ.
(وَإِنْ وَلَدَتْ تَوْأَمَيْنِ) أَيْ: وَلَدَيْنِ فِي بَطْنٍ وَاحِدٍ (فَأَوَّلُ النِّفَاسِ مِنَ الْأَوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْأَوَّلِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ دَمٌ خَرَجَ عَقِيبَ الْوِلَادَةِ فَكَانَ نِفَاسًا،
стр. 250
الْأَوَّلِ، وَآخِرُهُ مِنْهُ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَحَمْلٍ وَاحِدٍ، وَوَضْعِهِ. فَعَلَى هَذَا مَتَى انْقَضَتِ الْأَرْبَعُونَ مِنْ حِينِ وَضْعِ الْأَوَّلِ فَلَا نِفَاسَ لِلثَّانِي، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: تَبْدَؤُهُ بِنِفَاسٍ، اخْتَارَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَالْأَزَجِّيُّ، وَقَالَ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، وَعَنْهُ: أَوَّلُهُ، وَآخِرُهُ مِنَ الثَّانِي حَسْبُ، ذَكَرَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، وَأَبُو الْحُسَيْنِ، لِأَنَّ مُدَّةَ النِّفَاسِ مُتَعَلِّقٌ بِالْوِلَادَةِ، فَكَانَ ابْتِدَاؤُهَا وَانْتِهَاؤُهَا مِنَ الثَّانِي كَمُدَّةِ الْعِدَّةِ، فَعَلَى هَذَا مَا تَرَاهُ قَبْلَ وَضْعِ الثَّانِي لَا يَكُونُ نِفَاسًا، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَالَ غَيْرُهُ: مَا تَرَاهُ قَبْلَهُ بِيَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَهُوَ نِفَاسٌ، وَمَا زَادَ فَفَسَادٌ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ مِنَ الْأَخِيرِ) يَعْنِي أَنَّ أَوَّلَهُ مِنَ الْأَوَّلِ، وَآخِرَهُ مِنَ الْأَخِيرِ، ذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَالْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ فِي " رُءُوسِ الْمَسَائِلِ "، لِأَنَّ الثَّانِيَ وَلَدٌ، فَلَا تَنْقَضِي مُدَّةُ النِّفَاسِ قَبْلَ انْتِهَائِهَا مِنْهُ كَالْمُنْفَرِدِ، فَعَلَى هَذَا مَتَى زَادَتِ الْمُدَّةُ عَلَى الْأَرْبَعِينَ مِنَ الْأَوَّلِ فَهُمَا نِفَاسَانِ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَاخْتَارَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " وَعَنْهُ: وَاحِدٌ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ مِنْهُمَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا الرِّوَايَتَانِ فِي وَقْتِ الِابْتِدَاءِ هَلْ هُوَ عَقِيبَ انْفِصَالِ الْأَوَّلِ أَوِ الثَّانِي؛ قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهَذَا ظَاهِرُهُ إِنْكَارٌ لِرِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَنَّ آخِرَهُ مِنَ الْأَوَّلِ (وَالْأَوَّلُ: أَصَحُّ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّ الْوَلَدَ الثَّانِيَ تَبَعٌ لِلْأَوَّلِ، فَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي آخِرِ النِّفَاسِ كَأَوَّلِهِ.
стр. 251
كِتَابُ الصَّلَاةِ
وَهِيَ وَاجِبَةٌ بالكتاب عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[كِتَابُ الصَّلَاةِ] [تَعْرِيفُ الصَّلَاةِ وَحُكْمُهَا]
وَهِيَ فِي اللُّغَةِ الدُّعَاءُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٠٣] أَيِ: ادْعُ لَهُمْ، وَإِنَّمَا عُدِّيَ بِـ " عَلَى " لِتَضَمُّنِهِ مَعْنَى الْإِنْزَالِ، أَيْ: أَنْزِلْ رَحْمَتَكَ عَلَيْهِمْ، وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إِلَى طَعَامٍ فَلْيُجِبْ، فَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ، وَإِنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُصَلِّ» .
وَقَالَ الشَّاعِرُ:
تَقُولُ بِنْتِي وَقَدْ قَرَّبْتُ مُرْتَحَلًا ... يَا رَبِّ جَنِّبْ أَبِي الْأَوْصَابَ وَالْوَجَعَا
عَلَيْكِ مِثْلُ الَّذِي صَلَّيْتِ فَاغْتَمِضِي ... نَوْمًا فَإِنَّ لِجَنْبِ الْمَرْءِ مُضْطَجَعَا
وَفِي الشَّرْعِ: عِبَارَةٌ عَنْ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ مُفْتَتَحَةٍ بِالتَّكْبِيرِ مُخْتَتَمَةٍ بِالتَّسْلِيمِ، فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْأَخْرَسِ، لِأَنَّ الْأَقْوَالَ فِيهَا مُقَدَّرَةٌ، وَالْمُقَدَّرُ كَالْوُجُودِ، وَسُمِّيَتْ صَلَاةً لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الدُّعَاءِ، وَقِيلَ: لِأَنَّهَا ثَانِيَةٌ لِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ، كَالْمُصَلِّي فِي السَّابِقِ مِنَ الْخَيْلِ.
وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الصَّلَوَيْنِ، وَاحِدُهُمَا صَلًى كَعَصًا، وَهُمَا عِرْقَانِ مِنْ جَانِبِ الذَّنَبِ، وَقِيلَ: عَظْمَانِ يَنْحَنِيَانِ فِي الرُّكُوعِ، وَالسُّجُودِ، وَقَالَ ابْنُ فَارِسٍ: مِنْ صَلَّيْتُ الْعُودَ إِذَا لَيَّنْتَهُ، لِأَنَّ الْمَصْلِيَّ يَلِينُ وَيَخْشَعُ، وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ لَامَ الْكَلِمَةِ فِي الصَّلَاةِ وَاوٌ، وَفِي صَلَيْتُ يَاءٌ.
وَجَوَابُهُ أَنَّ الْوَاوَ وَقَعَتْ رَابِعَةً فَقُلِبَتْ يَاءً، وَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّ مُرَادَهُ صَلَيْتُ الْمُخَفَّفَ فَتَقُولُ: صَلَيْتُ اللَّحْمَ صَلْيًا إِذَا شَوَيْتَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ فَارِسٍ الْمُضَعَّفَ، وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ: صَلَيْتُ الْعَصَى تَصْلِيَةً، أَدَرْتُهُ عَلَى النَّارِ لِتُقَوِّمَهُ.
١ -
(وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] ،
стр. 252
وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ، وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ، وَلَا تَجِبُ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [البينة: ٥] .
وَبِالسُّنَّةِ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَحَجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
وَبِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْخَمْسِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، قَالَ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ لِابْنِ عَبَّاسٍ: هَلْ تَجِدُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فِي الْقُرْآنِ؛ قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم: ١٨] وَفُرِضَتْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ، وَهُوَ بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسِ سِنِينَ، وَقِيلَ: قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ، وَقِيلَ: بَعْدَ مَبْعَثِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ شَهْرًا (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بَالِغٍ عَاقِلٍ) أَيْ: مُكَلَّفٍ بِغَيْرِ خِلَافٍ (إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ) فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمَا لِمَا مَرَّ.
(وَتَجِبُ عَلَى النَّائِمِ) أَيْ: يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا إِذَا اسْتَيْقَظَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ حَالَ نَوْمِهِ لَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَالْمَجْنُونِ، وَيَلْحَقُ بِهِ السَّاهِي، وَالْجَاهِلُ، فَلَوْ تَرَكَهَا الْجَاهِلُ قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ بِوُجُوبِهَا لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا، وَقِيلَ: لَا، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرَائِعَ لَا تَلْزَمُ إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ، وَأَجْرَى ذَلِكَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي كُلِّ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا قَبْلَ بُلُوغِ الشَّرْعِ مِنْ تَيَمُّمٍ، وَزَكَاةٍ، وَنَحْوِهِمَا (و) تَجِبُ عَلَى (مَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ) لِأَنَّ سُكْرَهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَا يُنَاسِبُ إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ بِالنَّوْمِ الْمُبَاحِ، فَبِالْمُحَرَّمِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَقِيلَ: يَسْقُطُ إِذَا كَانَ مُكْرَهًا
стр. 253
كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ، وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا، وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ، وَلَا تَجِبُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(أَوْ إِغْمَاءٍ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَمَّارًا غُشِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: هَلْ صَلَّيْتُ؛ قَالُوا: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ ثَلَاثٍ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى تِلْكَ الثَّلَاثَ، وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ، وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ نَحْوُهُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ لَا تَطُولُ مُدَّتُهُ غَالِبًا، وَلَا تَثْبُتُ عَلَيْهِ الْوِلَايَةُ، وَيَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُسْقِطُ الصَّوْمَ فَكَذَا الصَّلَاةُ، كَالنَّائِمِ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ عَنْهُ وَلَا يَقْضِيهَا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمَا (أَوْ بِشُرْبِ دَوَاءٍ) وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحًا أَوْ مُحَرَّمًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُبَاحًا فَلَا كَالْحَيَوَانِ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " إِنْ طَالَ زَوَالُهُ بِشُرْبِ الْمُبَاحِ لَمْ يَجِبِ الْقَضَاءُ كَالْجُنُونِ، وَإِنْ لَمْ يَطُلْ وَجَبَ كَالْإِغْمَاءِ.
فَرْعٌ: مَا فِيهِ السُّمُومُ مِنَ الْأَدْوِيَةِ إِذَا كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ السَّلَامَةَ، وَفِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَيُرْجَى نَفْعُهُ أُبِيحَ شُرْبُهُ فِي الْأَصَحِّ، لِدَفْعِ مَا هُوَ أَخْطَرُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنَ الْأَدْوِيَةِ، وَالثَّانِي: يَحْرُمُ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْرِيضًا لِلْهَلَاكِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُرَدْ بِهِ التَّدَاوِي، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْهُ الْهَلَاكَ، فَإِنْ قُلْنَا: يَحْرُمُ شُرْبُهُ فَهُوَ كَالْمُحَرَّمَاتِ مِنَ الْخَمْرِ، وَنَحْوِهِ، وَإِنْ قُلْنَا بِإِبَاحَتِهِ فَهُوَ كَالْمُبَاحَاتِ.
(وَلَا تَجِبُ عَلَى كَافِرٍ) أَصْلِيٍّ حَكَاهُ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ حَالَ كُفْرِهِ لَوَجَبَ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الْأَدَاءِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْقَضَاءِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ، وَعَنْهُ: بَلَى، وَصَحَّحَهَا فِي " الرِّعَايَةِ " وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ إِذَا أَسْلَمَ إِجْمَاعًا، لِأَنَّهُ أَسْلَمَ خَلْقٌ كَثِيرٌ فِي عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَمِنْ بَعْدِهِ، فَلَمْ يُؤْمَرْ أَحَدٌ بِقَضَاءٍ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنْفِيرِ عَنِ الْإِسْلَامِ، وَفِي خِطَابِهِ بِالْفُرُوعِ خِلَافٌ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَسَيَأْتِي (وَلَا مَجْنُونٍ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ، عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى
стр. 254
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَعْقِلَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ أَشْبَهَ الطِّفْلَ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُعِيدُ إِذَا أَفَاقَ، ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، فَعَلَى الْأَوْلَى يُسْتَثْنَى مَا لَوْ طَرَأَ الْجُنُونُ عَلَى الرِّدَّةِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ أَيَّامِ الْجُنُونِ الْوَاقِعَةِ فِي الرِّدَّةِ، لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْقَضَاءِ عَنِ الْمَجْنُونِ رُخْصَةٌ، وَالْمُرْتَدُّ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ كَالْحَيْضِ (وَلَا تَصِحُّ مِنْهُمَا) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا النِّيَّةَ، وَهِيَ لَا تَصِحُّ مِنْ كَافِرٍ، وَلَا تَقَعُ مِنْ مَجْنُونٍ.
مَسْأَلَةٌ: لَا تَجِبُ عَلَى الْأَبْلَهِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، كَالْمَجْنُونِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَقْضِي مَعَ قَوْلِهِ فِي الصَّوْمِ: الْأَبْلَهُ كَالْمَجْنُونِ.
يُقَالُ: رَجُلٌ أَبْلَهُ بَيِّنُ الْبَلَاهَةِ، وَهُوَ الَّذِي غَلَبَتْ عَلَيْهِ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَفِي الْحَدِيثِ «أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ» يَعْنِي الْبُلْهَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا لِقِلَّةِ اهْتِمَامِهِمْ بِهَا، وَهُمْ أَكْيَاسٌ فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ، وَتَبَالَهَ: أَرَى مِنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ بِهِ.
١ -
(وَإِذَا صَلَّى الْكَافِرُ) عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ (حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ صَلَّى صَلَاتَنَا، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، فَلَهُ مَا لَنَا، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا» لَكِنْ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَوْقُوفًا فِي قَوْلِهِ حِينَ سَأَلَهُ مَيْمُونُ بْنُ سِيَاهٍ فَقَالَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا، وَصَلَّى صَلَاتَنَا، وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا فَهُوَ الْمُسْلِمُ، لَهُ مَا لِلْمُسْلِمِ،
стр. 255
عَلَى صَبِيٍّ، وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا، وَيُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ : «نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ» وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعِصْمَةَ تَثْبُتُ بِالصَّلَاةِ، وَهِيَ لَا تَكُونُ بِدُونِ الْإِسْلَامِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ شَرْعَنَا، أَشْبَهَتِ الْأَذَانَ، وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ، وَيُحْكَمُ بِكُفْرِ مَنْ سَجَدَ لِصَنَمٍ، فَكَذَا عَكْسُهُ، وَفَائِدَتُهُ لَوْ مَاتَ عَقِيبَهُ، وَرِثَهُ الْمُسْلِمُونَ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِهِمْ، وَلَوْ أَرَادَ الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ، فَهُوَ مُرْتَدٌّ، فَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مُتَلَاعِبًا أَوْ مُسْتَهْزِئًا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ، ذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ "، و" مُنْتَهَى الْغَايَةِ "، وَغَيْرِهِمَا كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ صَلَاتُهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوِ الْحَرْبِ جَمَاعَةً أَوْ فُرَادَى، وَذَكَرَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ: أَنَّهُ مَحْكُومٌ بِإِسْلَامِهِ إِنْ صَلَّى جَمَاعَةً، وَفِي صِحَّةِ صَلَاتِهِ فِي الظَّاهِرِ وَجْهَانِ، فَإِنْ صَحَّتْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَتُهُ فِي الْمَنْصُوصِ، وَفِي حَجِّهِ وَصَوْمِهِ قَاصِدًا رَمَضَانَ، وَزَكَاتِهِ مَالَهُ، وَقِيلَ: وَبَقِيَّةِ الشَّرَائِعِ، وَالْأَقْوَالِ الْمُخْتَصَّةِ بِنَا كَجِنَازَةٍ، وَسَجْدَةِ تِلَاوَةٍ وَجْهَانِ.
(وَلَا تَجِبُ عَلَى صَبِيٍّ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ كَالْحَجِّ، وَالطِّفْلُ لَا يَعْقِلُ، وَالْمُدَّةُ الَّتِي يَكْمُلُ فِيهَا عَقْلُهُ وَبِنْيَتُهُ تَخْفَى وَتَخْتَلِفُ، فَنَصَبَ الشَّارِعُ عَلَيْهِ عَلَامَةً ظَاهِرَةً، وَهِيَ الْبُلُوغُ، فَعَلَى هَذَا تَصِحُّ مِنَ الْمُمَيِّزِ، وَهُوَ مَنْ لَهُ سَبْعُ سِنِينَ، وَثَوَابُ فِعْلِهِ لَهُ، وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ صَلَاةِ الْبَالِغِ إِلَّا فِي السُّتْرَةِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَهُوَ شَامِلٌ لُغَةً لِلصَّبِيَّةِ، كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ (وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى مَنْ بَلَغَ عَشْرًا) لِضَرْبِهِ عَلَيْهَا، وَعَنْهُ: تَجِبُ عَلَى الْمُرَاهِقِ، اخْتَارَهُ أَبُو الْحَسَنِ التَّمِيمِيُّ، وَعَلَيْهِمَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ فِي النَّقْلِ (و) عَلَى الْأَوْلَى (يُؤْمَرُ بِهَا لِسَبْعٍ، وَيُضْرَبُ عَلَى تَرْكِهَا لِعَشْرٍ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «مُرُوا أَبْنَاءَكُمْ بِالصَّلَاةِ، وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعِ سِنِينَ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا لِعَشْرٍ، وَفَرِّقُوا بَيْنَهُمْ
стр. 256
تَرْكِهَا لِعَشْرٍ، فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا، لَزِمَه إِعَادَتُهَا، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِهَا، إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ، أَوْ لِمُشْتَغِلٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْمَضَاجِعِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سَوَّارِ بْنِ دَاوُدَ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ، وَغَيْرُهُ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا اسْتِكْمَالُهُمَا، وَالْأَمْرُ وَالتَّأْدِيبُ فِي حَقِّهِ لِتَمْرِينِهِ عَلَيْهَا حَتَّى يَأْلَفَهَا، وَيَعْتَادَهَا، فَلَا يَتْرُكَهَا عِنْدَ الْبُلُوغِ، فَيَلْزَمُ الْوَلِيَّ أَمْرُهُ بِهَا، وَتَعْلِيمُهُ إِيَّاهَا، وَالطَّهَارَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ. وَقَوْلُهُ: يُؤْمَرُ بِهَا أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْوَلِيِّ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّارِعِ، فَإِنَّ النَّصَّ يَتَضَمَّنُ أَمْرَ الشَّارِعِ لِلْوَلِيِّ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَمْرِهِ، فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أُجْرَةٍ، فَمِنْ مَالِ الصَّبِيِّ، ثُمَّ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ (فَإِنْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهَا) كَمَنْ تَمَّتْ مُدَّةُ بُلُوغِهِ، وَهُوَ فِيهَا، وَسُمِّيَ بُلُوغًا لِبُلُوغِهِ حَدَّ التَّكْلِيفِ (أَوْ بَعْدَهَا فِي وَقْتِهَا لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا) لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ فِي حَقِّهِ، فَلَمْ تُجْزِئْهُ، كَمَا لَوْ نَوَاهَا نَفْلًا، وَكَمَا يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الْحَجِّ إِلَّا عَلَى رِوَايَةِ الْوُجُوبِ ذَكَرَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ "، وَقَدَّمَ جَمَاعَةٌ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ مُطْلَقًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِعَادَةُ الطَّهَارَةِ، لِأَنَّ الْقَصْدَ غَيْرُهَا، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَكَذَا إِسْلَامٌ، لِأَنَّ أَصْلَ الدِّينِ لَا يَصِحُّ نَفْلًا، فَإِذَا وُجِدَ فَعَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ، وَلِأَنَّهُ يَصِحُّ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهُوَ الْأَبُ.
١ -
(وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَأْخِيرُهَا) أَوْ بَعْضُهَا (عَنْ وَقْتِهَا) أَيْ: وَقْتِ الْجَوَازِ مَعَ الْقُدْرَةِ وَالذِّكْرِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ، أَنْ نُؤَخِّرَ الصَّلَاةَ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إِيقَاعُهَا فِي الْوَقْتِ، فَإِذَا خَرَجَ وَلَمْ يَأْتِ بِهَا كَانَ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ مُخَالِفًا لِلْأَمْرِ، وَهُوَ عَاصٍ مُسْتَحِقٌّ الْعِقَابَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ عُذِرَ بِالتَّأْخِيرِ لَفَاتَتْ فَائِدَةُ التَّأْقِيتِ، وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صُورَتَيْنِ الْأُولَى (إِلَّا لِمَنْ يَنْوِي الْجَمْعَ) لِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّأْخِيرُ، لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُؤَخِّرُ الْأُولَى فِي الْجَمْعِ، وَيُصَلِّيهَا فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَسَيَأْتِي، وَلِأَنَّ وَقْتَيْهِمَا يَصِيرُ وَقْتًا وَاحِدًا لَهُمَا، وَمُقْتَضَاهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى اسْتِثْنَائِهِ، وَجَوَابُهُ أَنَّ كُلَّ صَلَاةٍ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ فَيَتَبَادَرُ الذِّهْنُ إِلَيْهِ، وَالثَّانِيَةُ (أَوْ لِمُشْتَغِلٍ بِشَرْطِهَا) كَذَا فِي
стр. 257
بِشَرْطِهَا.
وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ، فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا لَا جُحُودًا، دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا، فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا، وَجَبَ قَتْلُهُ، وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
" الْوَجِيزِ " و" الْحَاوِي "، وَاقْتَصَرَ الْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ: لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ بِدُونِهِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَقَيَّدَهُ فِي " الْفُرُوعِ " بِالْقَرِيبِ، لَكِنْ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَيْسَ مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَإِنَّ الْوَقْتَ يُقَدَّمُ، وَاخْتَارَ تَقْدِيمَ الشَّرْطِ إِنِ انْتَبَهَ قَبْلَ طُلُوعِهَا، وَمَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ مَعَ الْكَرَاهَةِ كَالْحَاقِنِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالطَّهَارَةِ إِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ، وَمَنْ أُبِيحَ لَهُ التَّأْخِيرُ فَمَاتَ قَبْلَ الْفِعْلِ، لَمْ يَأْثَمْ فِي الْأَصَحِّ، وَيَسْقُطُ إِذَنْ بِمَوْتِهِ، قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّهُ لَا يَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَلَا فَائِدَةَ فِي بَقَائِهَا فِي ذِمَّتِهِ، بِخِلَافِ الزَّكَاةِ وَالْحَجِّ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لَهُ التَّأْخِيرَ عَنْ أَوَّلِ وَقْتِهَا بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهَا، مَا لَمْ يَظُنَّ مَانِعًا مِنْهَا، كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ، وَحَيْضٍ، وَكَذَا مَنْ أُعِيرَ سُتْرَةً أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَمُتَوَضِّئٌ عَدِمَ الْمَاءَ فِي السَّفَرِ، وَطَهَارَتُهُ لَا تَبْقَى إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، وَلَا يَرْجُو وُجُودَهُ، وَمُسْتَحَاضَةٌ لَهَا عَادَةٌ بِانْقِطَاعِ دَمِهَا فِي وَقْتٍ يَتَّسِعُ لِفِعْلِهَا فَيَتَعَيَّنُ الْفِعْلُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَيَأْثَمُ مَنْ عَزَمَ عَلَى التَّرْكِ إِجْمَاعًا، وَمَتَى فُعِلَتْ فِي وَقْتِهَا فَهِيَ أَدَاءٌ.
[مَنْ جَحَدَ وُجُوبَ الصَّلَاةِ]
(وَمَنْ جَحَدَ وُجُوبَهَا كَفَرَ) إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يَجْهَلُهُ كَالنَّاشِئِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَمْصَارِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ فَعَلَهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجْحَدُهَا إِلَّا تَكْذِيبًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ، وَيَصِيرُ مُرْتَدًّا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَإِنِ ادَّعَى الْجَهْلَ كَحَدِيثِ الْإِسْلَامِ، وَالنَّاشِئِ بِبَادِيَةٍ عُرِّفَ وُجُوبَهَا، وَلَمْ يُحْكَمْ بِكُفْرِهِ، لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ فَإِنْ قَالَ أُنْسِيتُهَا قِيلَ: لَهُ صَلِّ الْآنَ، وَإِنْ قَالَ: أَعْجَزُ عَنْهَا لِعُذْرٍ، أُعْلِمَ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ (فَإِنْ تَرَكَهَا تَهَاوُنًا) وَكَسَلًا (لَا جُحُودًا (دُعِيَ إِلَى فِعْلِهَا) لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ تَرَكَهَا لِعُذْرٍ يُعْتَدُّ سُقُوطُهُ بِمِثْلِهِ كَالْمَرَضِ، وَنَحْوِهِ، وَالدَّاعِي لَهُ الْإِمَامُ، وَمَنْ فِي حُكْمِهِ، وَيُهَدَّدُ فَيَقُولُ لَهُ: إِنْ صَلَّيْتَ وَإِلَّا قَتَلْنَاكَ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ (فَإِنْ أَبَى حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الَّتِي بَعْدَهَا وَجَبَ قَتْلُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] إِلَى قَوْلِهِ ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] فَمَتَى تَرَكَ الصَّلَاةَ لَمْ يَأْتِ بِشَرْطِ التَّخْلِيَةِ فَيَبْقَى عَلَى إِبَاحَةِ الْقَتْلِ، وَلِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَكْحُولٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ
стр. 258
ثَلَاثًا، وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ، وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا، فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ، وَإِلَّا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
جَيِّدٌ، وَلِأَنَّهَا مِنْ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ، لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ، فَقُتِلَ تَارِكُهَا كَالشَّهَادَتَيْنِ، وَمُرَادُهُ حَتَّى تَضَايَقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ عَنْهَا، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَقِيلَ: عَنْهُمَا، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " وَعَنْهُ: يَجِبُ قَتْلُهُ بِدُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، وَإِنْ لَمْ يَضِقْ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهِيَ أَظْهَرُ لِمَفْهُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ وَجَبَ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، وَاخْتَارَهُ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلَّا إِلَّا الْأُولَى مِنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ، لِأَنَّ وَقْتَهُمَا مَعَ الْعُذْرِ وَاحِدٌ، وَحَسَّنَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا لَمْ يَكْفُرْ، وَلَمْ يُقْتَلْ بِحَالٍ.
(وَعَنْهُ: لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ (وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ) قَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " لِأَنَّهُ قَدْ يَتْرُكُ الثَّلَاثَ لِشُبْهَةٍ، فَإِذَا تَرَكَ الرَّابِعَةَ انْتَفَت الشبهة فَيُقْتَلُ، وَالْأَصَحُّ حَتَّى يَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ عَنْهَا، وَقِيلَ: بَلْ عَنْهُنَّ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " و" الْوَاضِحِ " و" تَبْصِرَةِ الْحُلْوَانِيِّ " رِوَايَةٌ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قُتِلَ وُجُوبًا بِضَرْبِ عُنُقِهِ (وَلَا يُقْتَلُ حَتَّى يُسْتَتَابَ ثَلَاثًا) أَيْ: ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وُجُوبًا فِي الْأَشْهَرِ، وَيُضَيَّقَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُقْتَلُ لِتَرْكِ وَاجِبٍ، فَتَقَدَّمَتْهُ الِاسْتِتَابَةُ كَالْمُرْتَدِّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّهُ يُضْرَبُ، وَيَنْبَغِي الْإِشَاعَةُ عَنْهُ بِتَرْكِهَا حَتَّى يُصَلِّيَ، وَلَا يَنْبَغِي السَّلَامُ عَلَيْهِ، وَلَا إِجَابَةُ دَعْوَتِهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (فَإِنْ تَابَ قُبِلَ مِنْهُ) كَغَيْرِهِ وَيَصِيرُ مُسْلِمًا بِالصَّلَاةِ، نَقَلَ صَالِحٌ: تَوْبَتُهُ أَنْ يُصَلِّيَ، وَصَوَّبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ كُفْرَهُ بِالِامْتِنَاعِ كَإِبْلِيسَ، وَتَارِكِ الصَّلَاةِ، وَصِحَّتُهَا قَبْلَ الشَّهَادَتَيْنِ، كَمُرْتَدٍّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ مَتَى رَاجَعَ الْإِسْلَامَ لَمْ يَقْضِ مُدَّةَ امْتِنَاعِهِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمُرْتَدِّينَ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ خِلَافَهُ (وَإِلَّا قُتِلَ بِالسَّيْفِ) يُضْرَبُ بِهِ عُنُقُهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيِ: الْهَيْئَةَ مِنَ الْقَتْلِ.
стр. 259
قُتِلَ بِالسَّيْفِ، وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ لِكُفْرِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَهَلْ يُقْتَلُ حَدًّا أَوْ لِكُفْرِهِ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أَشْهَرُهُمَا أَنَّهُ يُقْتَلُ كُفْرًا، وَهِيَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا: «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الْمِلَّةِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَالَ عُمَرُ: لَا حَظَّ فِي الْإِسْلَامِ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ.
وَلِأَنَّهُ يَدْخُلُ بِفِعْلِهَا فِي الْإِيمَانِ، فَيَخْرُجُ بِتَرْكِهَا مِنْهُ، كَالشَّهَادَتَيْنِ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهُ حُكْمُ الْكُفَّارِ مِنْ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: يُدْفَنُ مُنْفَرِدًا، وَذَكَرَ الْآجُرِّيُّ: مَنْ قُتِلَ مُرْتَدًّا تُرِكَ بِمَكَانِهِ، وَلَا يُدْفَنُ، وَلَا كَرَامَةَ، وَتَبِينُ مِنْهُ زَوْجَتُهُ قَبْلَ الدُّخُولِ، وَكَذَا بَعْدَهُ إِنْ لَمْ يَتُبْ وَيُصَلِّي فِي الْأَشْهَرِ، وَالثَّانِيَةُ: يُقْتَلُ حَدًّا قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ " وَابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ بَطَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّهَا الْمَذْهَبُ، قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَهِيَ أَصْوَبُ الْقَوْلَيْنِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْعُمُومَاتِ، مِنْهَا قَوْلُهُ ﵇: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَالَ: «إِنِّي اخْتَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَتِي لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى نَائِلَةٌ مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَحْكُمُ بِإِسْلَامِ الْكَافِرِ، فَلَمْ يَكْفُرْ
стр. 260
بَابُ الْأَذَانِ وَهُمَا مَشْرُوعَانِ، لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ دُونَ غَيْرِهَا لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ،
وَهُمَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِتَرْكِهَا، كَالزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَهُوَ إِجْمَاعٌ حَكَاهُ فِي " الشَّرْحِ " وَفِيهِ نَظَرٌ، وَأُجِيبَ عَمَّا تَقَدَّمَ: عَلَى كُفْرِ النِّعْمَةِ أَوْ عَلَى مَعْنَى قَارَبَ الْكُفْرَ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهُ كَأَهْلِ الْكَبَائِرِ، فَتَنْعَكِسُ الْأَحْكَامُ السَّابِقَةُ، لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَإِذَا دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ طُمِسَ قَبْرُهُ، حَتَّى يُنْسَى، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّهُ لَا يُرْفَعُ قَبْرُهُ، وَلَا يُدْفَنُ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ تَحْقِيرًا لَهُ، وَزَجْرًا لِأَمْثَالِهِ، وَهُوَ غَرِيبٌ.
فَرْعٌ: الْجُمُعَةُ كَغَيْرِهَا، وَقِيلَ: إِنِ اعْتَقَدَ وَجُوبَهَا، وَصَلَّى ظُهْرًا أَرْبَعًا، وَقُلْنَا: هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، لَمْ يَكْفُرْ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا تَرَكَ شَرْطًا أَوْ رُكْنًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ، كَالطَّهَارَةِ فَكَتَرْكِهَا، وَكَذَا مُخْتَلَفًا فِيهِ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَخَالَفَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ غَيْرِهَا مِنْ زَكَاةٍ، وَصَوْمٍ، وَحَجٍّ يَحْرُمُ تَأْخِيرُهُ تَهَاوُنًا، وَكَسَلًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَيُقْتَلُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَسَيَأْتِي.
[بَابُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]
[تَعْرِيفُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَمَشْرُوعِيَّتُهُمَا]
بَابُ الْأَذَانِ.
الْأَذَانُ: هُوَ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٣] أَيْ: إِعْلَامٌ، وَقَوْلِهِ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: ٢٧] أَيْ: أَعْلِمْهُمْ يُقَالُ: أَذَّنَ بِالشَّيْءِ يُؤَذِّنُ أَذَانًا وَتَأْذِينًا، وَأَذِينًا عَلَى وَزْنِ رَغِيفٍ: إِذَا أَعْلَمَ بِهِ، وَهُوَ اسْمٌ وُضِعَ مَوْضِعَ الْمَصْدَرِ، وَأَصْلُهُ مِنَ الْأُذُنِ، وَهُوَ الِاسْتِمَاعُ كَأَنَّهُ يُلْقِي فِي آذَانِ النَّاسِ مَا يُعْلِمُهُمْ بِهِ.
وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ قُرْبِهِ بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، وَالْإِقَامَةُ: هِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ أَقَامَ، وَحَقِيقَتُهُ إِقَامَةُ الْقَاعِدِ، وَفِي الشَّرْعِ: الْإِعْلَامُ بِالْقِيَامِ إِلَيْهَا بِذِكْرٍ مَخْصُوصٍ، كَأَنَّ الْمُؤَذِّنَ أَقَامَ الْقَاعِدِينَ، وَأَزَالَهُمْ عَنْ قُعُودِهِمْ. إِعْلَامُ الْأَذَانِ فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِقَوْلِهِ ﵇: «الْمُؤَذِّنُونَ أَطْوَلُ النَّاسِ أَعْنَاقًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ، وَلِقَوْلِهِ: «الْإِمَامُ ضَامِنٌ، وَالْمُؤَذِّنُ مُؤْتَمَنٌ، اللَّهُمَّ أَرْشِدِ الْأَئِمَّةَ، وَاغْفِرْ
стр. 261
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِلْمُؤَذِّنِينَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَلِقَوْلِهِ: «مَنْ أَذَّنَ سَبْعَ سِنِينَ مُحْتَسِبًا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بَرَاءَةً مِنَ النَّارِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الْإِمَامَةِ فِي الْأَصَحِّ، وَمِنَ الْإِقَامَةِ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ، وَعَنْهُ: فَضَّلَهَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَلَّاهَا بِنَفْسِهِ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ: بِأَنَّ عَدَمَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهِ إِمَّا خَوْفُ تَغْيِيرِ صِيغَتِهِ، أَوْ تَوَهُّمُ سَامِعٍ أَنَّ ثَمَّ غَيْرَهُ مَوْصُوفًا بِذَلِكَ أَوْ لِضِيقِ الْوَقْتِ عَنْهُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " وَقِيلَ: إِنَّمَا تَرَكَهُ، لِأَنَّهُ لَوْ أَذَّنَ لَزِمَ إِجَابَتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ التَّخَلُّفُ عَنْ دَعْوَتِهِ، مَعَ أَنَّهُ وَرَدَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَذَّنَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَلَى رَاحِلَتِهِ فِي مَطَرٍ، وَبِلَّةٍ» . خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ، وَلَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ أَفْضَلُ (وَهُمَا مَشْرُوعَانِ) بِالْكِتَابِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ [المائدة: ٥٨] ، وَبِالسُّنَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ قَالَ: «لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالنَّاقُوسِ يُعْمَلُ لِيَضْرِبَ النَّاسُ بِهِ لِجَمْعِ الصَّلَاةِ، طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ أَتَبِيعُ النَّاقُوسَ؛ فَقَالَ: وَمَا تَصْنَعُ بِهِ؛ فَقُلْتُ: نَدْعُو بِهِ إِلَى الصَّلَاةِ، قَالَ: أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ؛ فَقُلْتُ: بَلَى، قَالَ: فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ. قَالَ: ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ قَالَ: تَقُولُ إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلَاةِ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَلَمَّا أَصْبَحْتُ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْتُ فَقَالَ: إِنَّهَا لَرُؤْيَا
стр. 262
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَقٌّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْتَ، فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ، فَقُمْتُ مَعَ بِلَالٍ فَجَعَلْتُ أُلْقِيهِ عَلَيْهِ وَيُؤَذِّنُ بِهِ، قَالَ: فَسَمِعَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وَيَقُولُ: وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مِثْلَ الَّذِي رَأَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلِلَّهِ الْحَمْدُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ بَعْضَهُ، وَصَحَّحَهُ، وَمَدَارُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَهُمْ عَلَى ابْنِ إِسْحَاقَ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ رَبِّهِ فَذَكَرَهُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي حَدِيثٌ صَحِيحٌ (لِلصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ) وَفِي " الْفُرُوعِ " وَالْجُمُعَةِ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ لِدُخُولِهَا فِي الْخَمْسِ (دُونَ غَيْرِهَا) مِنْ فَائِتَةٍ وَمَنْذُورَةٍ، وَقِيلَ: بَلَى، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ بَيْنَ الْمَفْرُوضَاتِ وَغَيْرِهَا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْإِعْلَامُ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ عَلَى الْأَعْيَانِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا عِيدٌ، وَكُسُوفٌ، وَاسْتِسْقَاءٌ بَلْ يُنَادَى لِذَلِكَ، وَأَلْحَقَ الْقَاضِي بِذَلِكَ التَّرَاوِيحَ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يُنَادَى لَهَا كَالْجِنَازَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ.
فَرْعٌ: يُسَنُّ أَذَانٌ فِي أُذُنِ مَوْلُودٍ حِينَ يُولَدُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَغَيْرِهَا، وَيُقِيمُ فِي الْيُسْرَى.
(لِلرِّجَالِ) بِشَرْطِ الْإِسْلَامِ وَالْعَقْلِ، وَأَمَّا الْعَدَالَةُ فَسَيَأْتِي (دُونَ النِّسَاءِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ أَذَانٌ وَلَا إِقَامَةٌ» رَوَاهُ النَّجَّادُ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَأَنَسٍ، وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْأَذَانَ يُشْرَعُ لَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ، وَلَا يُشْرَعُ لَهَا، وَكَذَا الْإِقَامَةُ، لِأَنَّ مَنْ لَا يُشْرَعُ لَهُ الْأَذَانُ لَا تُشْرَعُ لَهُ الْإِقَامَةُ كَالْمَسْبُوقِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ لَهُنَّ، لِفِعْلِ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤَذِّنُ وَتُقِيمُ. رَوَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَعَنْهُ: مَعَ خَفْضِ الصَّوْتِ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ.
стр. 263
فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ، إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ،
وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[حُكْمُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ]
(وَهُمَا فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ) عَلَى الْمَذْهَبِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ ثَلَاثَةٍ لَا يُؤَذِّنُونَ، وَلَا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلَاةُ، إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَلِأَنَّهُمَا مِنْ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ، فَكَانَ وَاجِبًا كَالْجِهَادِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الرِّجَالِ، وَعَنْهُ: عَلَى كُلِّ رَجُلٍ عَاقِلٍ يُرِيدُ الصَّلَاةَ وَحْدَهُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " حَضَرًا، وَعَنْهُ: وَسَفَرًا، وَهُوَ أَظْهَرُ، لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُؤَذَّنُ لَهُ، وَيُقَامُ فِيهِمَا، وَحَكَى الْقَاضِي عَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُمَا فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ، سُنَّتَانِ عَلَى الْمُسَافِرِينَ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَكَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ مَفْهُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَقَالَ السَّامِرِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمِصْرِ وَالْقُرَى، وَلَا بَيْنَ الْحَاضِرِينَ وَالْمُسَافِرِينَ، وَالْوَاحِدُ وَالْجَمَاعَةُ سَوَاءٌ، قُلْنَا هُمَا وَاجِبَانِ أَوْ مَسْنُونَانِ، وَعَنْهُ: هُمَا سُنَّةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، أَشْبَهَ قَوْلَهُ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " هُوَ فَرْضٌ، وَهِيَ سُنَّةٌ. فَعَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: وَعَلَى أَنَّهُمَا سُنَّةٌ (إِنِ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِهِمَا قَاتَلَهُمُ الْإِمَامُ) لِأَنَّهُمَا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، فَقُوتِلُوا عَلَى التَّرْكِ، كَصَلَاةِ الْعِيدِ، وَالْمُرَادُ بِالْإِمَامِ الْخَلِيفَةُ، وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ كَنَائِبِهِ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ إِذَا قَامَ بِهِمَا مَنْ يَحْصُلُ بِهِ الْإِعْلَامُ غَالِبًا، أَجْزَأَ عَنِ الْكُلِّ وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَأَطْلَقَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَلَدِ الصَّغِيرِ، أَوِ المحلة الكبيرة إِذَا كَانَ يُسْمِعُهُمْ جَمِيعَهُمْ، لِأَنَّ الْغَرَضَ إِسْمَاعَهُمْ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ ": مَتَى أَذَّنَ وَاحِدٌ سَقَطَ عَمَّنْ صَلَّى مَعَهُ مُطْلَقًا خَاصَّةً، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ اثْنَانِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِي
стр. 264
الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ، رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْفَجْرِ فَقَطْ كَبِلَالٍ، وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَلَا تُسْتَحَبُّ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِمَا، وَقَالَ الْقَاضِي: عَلَى أَرْبَعَةٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ إِلَّا مِنْ حَاجَةٍ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُؤَذِّنَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ، وَيُقِيمَ مَنْ أَذَّنَ أَوَّلًا، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْإِعْلَامُ بِوَاحِدٍ زِيدَ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، كُلُّ وَاحِدٍ فِي جَانِبٍ، أَوْ دُفْعَةٌ وَاحِدَةٌ بِمَكَانٍ وَاحِدٍ، وَيُقِيمُ أَحَدُهُمْ، وَالْمُرَادُ بِلَا حَاجَةٍ فَإِنْ تَشَاحُّوا أُقْرِعَ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَصِحُّ بِدُونِهِمَا، لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ صَلَّى بِعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ بِلَا أَذَانٍ وَلَا إِقَامَةٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، لَكِنْ يُكْرَهُ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَغَيْرُهُ.
وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: إِلَّا بِمَسْجِدٍ قَدْ صُلِّيَ فِيهِ، وَنَصُّهُ: أَوِ اقْتَصَرَ مُسَافِرٌ وَمُنْفَرِدٌ عَلَى الْإِقَامَةِ، وَهُمَا أَفْضَلُ لِكُلِّ مُصَلٍّ إِلَّا لِكُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَا يُشْرَعُ، بَلْ حَصَلَ لَهُمُ الْفَضِيلَةُ كَقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لِلْمَأْمُومِ.
وَهَلْ صَلَاةُ مَنْ أَذَّنَ لِصَلَاتِهِ بِنَفْسِهِ أَفْضَلُ، لِأَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ فَضْلٌ يَخْتَصُّ الصَّلَاةَ أَمْ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا وَصَلَاةَ مَنْ أُذِّنَ لَهُ سَوَاءٌ لِحُصُولِ سُنَّةِ الْأَذَانِ؛ ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ أَحْمَدَ تَوَقَّفَ نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ.
[أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى الْأَذَانِ]
(وَلَا يَجُوزُ أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَيْهِمَا فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ: «وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
وَقَالَ: وَكَرِهُوا أَنْ يَأْخُذَ عَلَى أَذَانِهِ أَجْرًا، وَلِأَنَّهُ يَقَعُ قُرْبَةً لِفَاعِلِهِ أَشْبَهَ الْإِمَامَةَ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، لِأَنَّ فِعْلَهُ مَعْلُومٌ يَجُوزُ أَخْذُ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، فَجَازَ أَخْذُ الْأُجْرَةِ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ، وَالْأُولَى: أَصَحُّ، وَخَطَّأَ ابْنُ حَامِدٍ مَنْ أَجَازَهُ، لِأَنَّهُ قِيَاسٌ مَعَ وُجُودِ النَّصِّ، وَالْإِقَامَةُ كَالْأَذَانِ مَعْنًى وَحُكْمًا (فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مُتَطَوِّعٌ رَزَقَ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا) لَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَوَازِ أَخْذِ الرِّزْقِ عَلَيْهِ، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ
стр. 265
الْمَالِ مَنْ يَقُومُ بِهِمَا.
وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا أَمِينًا عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ، فَإِنْ تَشَاحَّ فِيهِ اثْنَانِ، قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ، ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ، ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَةً إِلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنْهُ الْمَنْعُ، لَكِنْ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": هُوَ ضَعِيفٌ، وَعَلَى مَا ذَكَرَهُ يَرْزُقُهُ الْإِمَامُ مِنَ الْفَيْءِ، لِأَنَّهُ الْمُعَدُّ لِلْمَصَالِحِ، فَهُوَ كَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْغُزَاةِ، وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ سَهْمِ النَّبِيِّ ﷺ . وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا وُجِدَ مُتَطَوِّعٌ بِهِ لَمْ يُعْطَ غَيْرُهُ مِنْهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ.
[مَا يَتَحَلَّى بِهِ الْمُؤَذِّنُ مِنَ الصِّفَاتِ]
(وَيَنْبَغِي) أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ (أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا) أَيْ: رَفِيعَ الصَّوْتِ لِقَوْلِهِ ﵇ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِهِ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ أَنْدَى صَوْتًا مِنْكَ» وَاخْتَارَ أَبَا مَحْذُورٍ لِلْأَذَانِ لِكَوْنِهِ صَيِّتًا، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، زَادَ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ: وَأَنْ يَكُونَ حَسَنَ الصَّوْتِ، لِأَنَّهُ أَرَقُّ لِسَامِعِهِ (أَمِينًا) أَيْ: عَدْلًا لِمَا رَوَى أَبُو مَحْذُورَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أُمَنَاءُ النَّاسِ عَلَى صَلَاتِهِمْ وَسُحُورِهِمُ الْمُؤَذِّنُونَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، وَفِيهِ كَلَامٌ، وَلِأَنَّهُ مُؤْتَمَنٌ يُرْجَعُ إِلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَغُرَّهُمْ بِأَذَانِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ يُؤَذِّنُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ، وَلَا يُؤْمَنُ مِنْهُ النَّظَرُ إِلَى الْعَوْرَاتِ (عَالِمًا بِالْأَوْقَاتِ) لِيَتَحَرَّاهَا فَيُؤَذِّنَ فِي أَوَّلِهَا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهَا لَا يُؤْمَنُ مِنْهُ الْخَطَأُ، وَاشْتَرَطَهُ أَبُو الْمَعَالِي كَالذُّكُورِيَّةِ، وَالْعَقْلِ، وَالْإِسْلَامِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَصِيرًا، قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَعْمَى لَا يَعْرِفُ الْوَقْتَ، فَرُبَّمَا غَلِطَ، وَكَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ أَذَانَهُ، وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِقَامَتَهُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَإِنْ كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ لَمْ يُكْرَهْ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَتُسْتَحَبُّ حُرِّيَّتُهُ، حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقًا، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ: لَا فَرْقَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَيَسْتَأْذِنُ سَيِّدَهُ (فَإِنْ تَشَاحَّ) تَفَاعَلَ مِنَ الشُّحِّ، وَهُوَ النَّحْلُ مَعَ حِرْصٍ (فِيهِ اثْنَانِ)
стр. 266
الْجِيرَانُ، فَإِن اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا.
وَالْأَذَانُ خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا تَرْجِيعَ فِيهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَا يُرِيدَانِ أَنْ يَفُوتَهُمَا (قُدِّمَ أَفْضَلُهُمَا فِي ذَلِكَ) أَيْ: فِي الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ، لِأَنَّهُ ﵇ قَدَّمَ بِلَالًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ لِكَوْنِهِ أَنْدَى صَوْتًا مِنْهُ، وَقِسْنَا بَقِيَّةَ الْخِصَالِ عَلَيْهِ، فَإِنِ اسْتَوَوْا فِيهَا فَقَالَ: ثُمَّ أَفْضَلُهُمَا فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لِيُؤَذِّنْ لَكُمْ خِيَارُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ قُرَّاؤُكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ بِالْأَفْضَلِيَّةِ فِي الصَّوْتِ فَفِي الْأَفْضَلِيَّةِ فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَلِأَنَّ مُرَاعَاتَهُمَا أَوْلَى مِنْ مُرَاعَاةِ الصَّوْتِ، لِأَنَّ الضَّرَرَ بِفَقْدِهِمَا أَشَدُّ (ثُمَّ مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " و" الشَّرْحِ " لِأَنَّ الْأَذَانَ لِإِعْلَامِهِمْ، فَكَانَ لِرِضَاهُمْ أَثَرٌ فِي التَّقْدِيمِ، وَلِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ يَبْلُغُهُمْ صَوْتُهُ، وَمَنْ هُوَ أَعَفُّ مِنَ النَّظَرِ، وَحُكْمُ أَكْثَرِهِمْ كَالْكُلِّ، وَذَكَرَ فِي " الْكَافِي " هَذَا رِوَايَةً (فَإِنِ اسْتَوَيَا أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا) لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَوْ يَعْلَمُ النَّاسُ مَا فِي النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ، ثُمَّ لَمْ يَجِدُوا إِلَّا أَنْ يَسْتَهِمُوا عَلَيْهِ لَاسْتَهَمُوا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَتَشَاحَّ النَّاسُ فِي الْأَذَانِ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ، فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ سَعْدٌ، لِأَنَّهَا تُزِيلُ الْإِيهَامَ، وَيُجْعَلُ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ كَالْمُسْتَحِقِّ الْمُتَعَيِّنِ.
وَعَنْهُ: تُقَدَّمُ الْقُرْعَةُ عَلَى مَنْ يَخْتَارُهُ الْجِيرَانُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْكَافِي " و" التَّلْخِيصِ " و" الْبُلْغَةِ " وَقِيلَ: يُقَدَّمُ الْأَدْيَنُ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثم القرعة جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ ".
وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُمَا مَعَ الِاسْتِوَاءِ يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ فِي عِمَارَةِ الْمَسْجِدِ أَوِ التَّقَدُّمِ بِالْأَذَانِ فِيهِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ التَّقْدِيمُ، ثُمَّ الْأَعْقَلُ، ثُمَّ الْأَدْيَنُ، ثُمَّ الْأَفْضَلُ فِيهِ، ثُمَّ الْأَخْبَرُ بِالْوَقْتِ، ثُمَّ الْأَعْمَرُ لِلْمَسْجِدِ الْمُرَاعِي
стр. 267
وَالْإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً، فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ، أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ فَلَا بَأْسَ،
وَيَقُولُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُ، ثُمَّ الْأَقْدَمُ تَأْذِينًا فِيهِ، وَقِيلَ: أَوْ أَبُوهُ، ثُمَّ مَنْ قُرِعَ مَعَ التَّسَاوِي، وَعَنْهُ: بَلْ مَنْ رَضِيَهُ الْجِيرَانُ.
[عَدَدُ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ]
(وَالْأَذَانُ) الْمُخْتَارُ (خَمْسَ عَشْرَةَ كَلِمَةً لَا تَرْجِيعَ فِيهِ، وَالْإِقَامَةُ إِحْدَى عَشْرَةَ كَلِمَةً) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، وَكَانَ بِلَالٌ يُؤَذِّنُ كَذَلِكَ، وَيُقِيمُ حَضَرًا وَسَفَرًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أَنْ مَاتَ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ قِيلَ لَهُ: إِنَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بَعْدَ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ، لِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي مَحْذُورَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَقَالَ: أَلَيْسَ قَدْ رَجَعَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَأَقَرَّ بِلَالًا عَلَى أَذَانِ عَبْدِ اللَّهِ؛، وَيُعَضِّدُهُ حَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ «إِلَّا الْإِقَامَةَ» ، وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «إِنَّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَرَّتَيْنِ، وَالْإِقَامَةُ مَرَّةً مَرَّةً غَيْرَ أَنَّهُ يَقُولُ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَصَحَّحَهُ.
فَائِدَةٌ: قَوْلُهُ اللَّهُ أَكْبَرُ أَيْ: مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَوْ أَكْبَرُ مِنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ مَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، أَوْ هُوَ بِمَعْنَى كَبِيرٍ، وَقَوْلُهُ أَشْهَدُ أَيْ: أَعْلَمُ، وَقَوْلُهُ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ: أَقْبِلُوا إِلَيْهَا، وَقِيلَ: أَسْرِعُوا، وَالْفَلَاحُ الْفَوْزُ وَالْبَقَاءُ، لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَيَبْقَى فِيهَا وَيَخْلُدُ، وَقِيلَ: هُوَ الرُّشْدُ وَالْخَيْرُ، وَطَالِبُهُمَا مُفْلِحٌ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ إِلَى الْفَلَاحِ، وَمَعْنَاهُ: هَلُمُّوا إِلَى سَبَبِ ذَلِكَ، وَخَتَمَ (بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) لِيَخْتِمَ بِالتَّوْحِيدِ، وَبِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا بَدَأَ بِهِ، وَشُرِعَتِ الْمَرَّةُ إِشَارَةً إِلَى وَحْدَانِيَّةِ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ.
(فَإِنْ رَجَّعَ فِي الْأَذَانِ أَوْ ثَنَّى الْإِقَامَةَ فَلَا بَأْسَ) أَيْ: هُوَ جَائِزٌ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: أَذَانُ أَبِي مَحْذُورَةَ أَعْجَبُ إِلَيَّ، وَعَلَيْهِ عَمَلُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الْيَوْمِ، وَهُوَ يُرَجِّعُ فَيُعِيدُ الشَّهَادَتَيْنِ بعد ذكرهما خَفْضًا بِصَوْتٍ أَرْفَعَ مِنَ الصَّوْتِ الْأَوَّلِ. عَنْ أَبِي
стр. 268
فِي أَذَانِ الصُّبْحِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ،
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَحْذُورَةَ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الْأَذَانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كَلِمَةً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَابْنُ حِبَّانَ.
وَالْحِكْمَةُ: أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا بِتَدَبُّرٍ وَإِخْلَاصٍ، لِكَوْنِهِمَا الْمُنْجِيَتَيْنِ مِنَ الْكُفْرِ الْمُدْخِلَتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ، وَسُمِّيَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ رَجَعَ إِلَى الرَّفْعِ بَعْدَ أَنْ تَرَكَهُ، أَوْ إِلَى الشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ ذِكْرِهِمَا، وَالْمُرَادُ بِالْخَفْضِ: أَنْ يُسْمِعَ مَنْ بِقُرْبِهِ أَوْ أَهْلَ الْمَسْجِدِ إِنْ كَانَ وَاقِفًا، وَالْمَسْجِدُ مُتَوَسِّطُ الْخَطِّ، وَالتَّرْجِيعُ: اسْمٌ لِلْمَجْمُوعِ مِنَ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، وَعَنْهُ: لَا يُعْتَبَرُ التَّرْجِيعُ فِيهِ، وَأَجَابَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ : إِنَّمَا أَمَرَ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذِكْرِ الشَّهَادَتَيْنِ سِرًّا لِيَحْصُلَ الْإِخْلَاصُ بِهِمَا، فَإِنَّهُ فِي الْإِسْرَارِ أَبْلَغُ، وَخَصَّ أَبَا مَحْذُورَةَ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُقِرًّا بِهِمَا حِينَئِذٍ، فَإِنَّ فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ كَانَ مُسْتَهْزِئًا يَحْكِي أَذَانَ مُؤَذِّنِ النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَهُ، فَدَعَاهُ فَأَمَرَهُ بِالْأَذَانِ، وَقَصَدَ نُطْقَهُ بِهِمَا لِيُسَلِّمَ بِذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ بِلَالًا، وَلَا غَيْرَهُ مِمَّنْ هُوَ ثَابِتُ الْإِسْلَامِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ خَبَرَ أَبِي مَحْذُورَةَ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ، لِعَدَمِ عَمَلِ الشَّافِعِيِّ بِهِ فِي الْإِقَامَةِ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي الْأَذَانِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَهُ إِسْحَاقُ لِصِحَّةِ الرِّوَايَةِ بِهِمَا، وَأَمَّا تَثْنِيَةُ الْإِقَامَةِ فَهِيَ كَالْأَذَانِ، لِأَنَّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ أَقَامَ مِثْلَ أَذَانِهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلَا تُكْرَهُ تَثْنِيَتُهَا.
[مَا يَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ]
(وَيَقُولُ فِي أَذَانِ الصُّبْحِ) بَعْدَ الْحَيْعَلَتَيْنِ: (الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِأَبِي مَحْذُورَةَ: «فَإِذَا كَانَ أَذَانُ الْفَجْرِ فَقُلِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ بِلَالًا جَاءَ ذَاتَ يَوْمٍ فَأَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُ نَائِمٌ، قَالَ: فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنَ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ
стр. 269
فِي الْإِقَامَةِ،
وَيُؤَذِّنَ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا، عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
» قَالَ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: فَأُدْخِلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي التَّأْذِينِ إِلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ، وَقِيلَ: يَجِبُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " وَيُسَمَّى هَذَا التَّثْوِيبَ لِأَنَّهُ مِنْ ثَابَ بِالْمُثَلَّثَةِ إِذَا رَجَعَ، لِأَنَّ الْمُؤَذِّنَ دَعَا إِلَى الصَّلَاةِ بِالْحَيْعَلَتَيْنِ، ثُمَّ عَادَ إِلَيْهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الدُّعَاءِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَقُولُهُ، وَلَوْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ فِي غَيْرِ أَذَانِ الْفَجْرِ، وَبَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِقَوْلِ بِلَالٍ: «أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْفَجْرِ، وَنَهَانِي أَنْ أُثَوِّبَ فِي الْعِشَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَاخْتُصَّتْ بِذَلِكَ، لِأَنَّهُ وَقْتٌ يَنَامُ النَّاسُ فِيهِ غَالِبًا، فَشُرِعَ ذَلِكَ لِلْحَاجَةِ.
[التَّرَسُّلُ فِي الْأَذَانِ وَالْحَدْرُ فِي الْإِقَامَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَرَسَّلَ) أَيْ: يَتَمَهَّلَ، وَيَتَأَنَّى مِنْ قَوْلِهِمْ: جَاءَ فُلَانٌ عَلَى رِسْلِهِ (فِي الْأَذَانِ وَيَحْدُرَ) أَيْ: يُسْرِعَ (الْإِقَامَةِ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «يَا بِلَالُ إِذَا أَذَّنْتَ فَتَرَسَّلْ، وَإِذَا أَقَمْتَ فَاحْدُرْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ صَاحِبِ السِّقَاءِ، وَهُوَ إِسْنَادٌ مَجْهُولٌ، وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " وَعَنْ عُمَرَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَلِأَنَّهُ إِعْلَامُ الْغَائِبِينَ، فَالتَّثَبُّتُ فِيهِ أَبْلَغُ، وَالْإِقَامَةَ إِعْلَامُ الْحَاضِرِينَ فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ فِيهَا، وَيُسَنُّ أَذَانُهُ أَوَّلَ الْوَقْتِ، وَأَنْ يَقِفَ عَلَى كُلِّ جُمْلَةٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: هُمَا مَجْزُومَانِ، وَحُكِيَ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، قَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: شَيْئَانِ مَجْزُومَانِ كَانُوا لَا يُعْرِبُونَهُمَا الْأَذَانُ وَالْإِقَامَةُ.
[الْأَذَانُ قَائِمًا مُتَطَهِّرًا]
(وَأَنْ يُؤَذِّنَ قَائِمًا) لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «قُمْ فَأَذِّنْ» وَكَانَ مُؤَذِّنُوهُ ﵇ يُؤَذِّنُونَ قِيَامًا، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِسْمَاعِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا أَذَّنَ قَاعِدًا أَنَّهُ يَصِحُّ
стр. 270
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَكِنْ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ، كَالْخُطْبَةِ قَاعِدًا، وَعَنْهُ: لَا يُعْجِبُنِي، وَبَعَّدَهُ ابْنُ حَامِدٍ، فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ جَازَ، وَلَمْ يَذْكُرُوا الِاضْطِجَاعَ، وَيَتَوَجَّهُ الْجَوَازُ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِمُخَالَفَةِ السُّنَّةِ، وَالْمَاشِي كَالرَّاكِبِ، وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ، وَعَنْهُ: لَا، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ حَضَرًا، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ أَذَّنَ قَاعِدًا أَوْ مَشَى فِيهِ كَثِيرًا بَطَلَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي الثَّانِيَةِ.
وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَتُكْرَهُ مَاشِيًا أَوْ رَاكِبًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا، وَقَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": يُبَاحَانِ لِلْمُسَافِرِ حَالَ مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ فِي رِوَايَةٍ (مُتَطَهِّرًا) مِنَ الْحَدَثَيْنِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ، لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «لَا يُؤَذِّنُ إِلَّا مُتَوَضِّئٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَمَوْقُوفًا عَلَيْهِ، وَقَالَا: هُوَ أَصَحُّ، وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ، فَإِنْ أَذَّنَ أَوْ أَقَامَ مُحْدِثًا، فَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَصِحُّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَالْجَدُّ عَدَمَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، كَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ تَمِيمٍ أَنَّهَا تُكْرَهُ الْإِقَامَةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِلْفَصْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصَّلَاةِ، فَإِنْ كَانَ جُنُبًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ عَلَى الْأَصَحِّ مَعَ الْكَرَاهَةِ، لِأَنَّهُ أَحَدُ الْحَدَثَيْنِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّتَهُ كَالْآخَرِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ الْقِرَاءَةَ، وَعَلَى الصِّحَّةِ: إِنْ أَذَّنَ فِي مَسْجِدٍ مَعَ جَوَازِ لُبْثِهِ فِيهِ صَحَّ، وَمَعَ تَحْرِيمِهِ، فَهُوَ كَالْأَذَانِ فِي مَكَانٍ غُصِبَ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ، أَصَحُّهُمَا: الصِّحَّةُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الْبُقْعَةِ لَهُ، لَكِنْ مَعَ الْإِثْمِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَعَدَمُهَا، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ ابْنِ
стр. 271
الْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ، وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ، وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا، وَيُقِيمَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَبْدُوسٍ، فَإِنَّهُ قَطَعَ بِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لَهُ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يُسَنُّ أَنْ يُؤَذِّنَ مُتَطَهِّرًا مِنْ نَجَاسَةِ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ، وَرُبَّمَا يَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْمُؤَلِّفِ (عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ) أَيْ: مُرْتَفِعٍ كَالْمَنَارَةِ، وَنَحْوِهَا لِحَدِيثٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ، فَلَوْ خَالَفَ صَحَّ وَكُرِهَ، كَالْخُطْبَةِ (مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ مُرْسَلًا أَنَّ الَّذِي رَآهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ اسْتَقْبَلَ، وَأَذَّنَ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، وَلِأَنَّهَا أَشْرَفُ الْجِهَاتِ، فَلَوْ خَالَفَ فَكَالَّذِي قَبْلَهُ (فَإِذَا بَلَغَ الْحَيْعَلَةَ) وَهِيَ كَلِمَةٌ مُوَلَّدَةٌ لَيْسَتْ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ، كَمَا يُقَالُ بَسْمَلَ، وَسَبْحَلَ، وَهَيْلَلَ، وَنَحْوُهَا (الْتَفَتَ) بِرَأْسِهِ وَعُنُقِهِ وَصَدْرِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ بِصَدْرِهِ (يَمِينًا وَشِمَالًا) فَيَكُونُ يَمِينًا حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ يَسَارًا، ثُمَّ كَذَلِكَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، وَقِيلَ: يَقُولُ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، ثُمَّ كَذَلِكَ ثَانِيَةً، وَهُوَ سَهْوٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ يَمِينًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ مَرَّتَيْنِ، وَيَسَارًا: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ مَرَّتَيْنِ (وَلَمْ يَسْتَدِرْ) أَيْ: لَا يُزِيلُ قَدَمَيْهِ، قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ قَالَ: «أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ فِي قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أَدَمٍ، فَخَرَجَ، وَتَوَضَّأَ، فَأَذَّنَ بِلَالٌ، فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُ فَاهُ هَاهُنَا، وَهَاهُنَا، يَقُولُ يَمِينًا وَشِمَالًا: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ: «فَلَمَّا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ، لَوَى عُنُقَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَمْ يَسْتَدِرْ» وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْمَنَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ الدَّوَرَانُ فِي الْمَنَارَةِ، وَكَمَا لَوْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: يُزِيلُ قَدَمَيْهِ فِي الْمَنَارَةِ، وَنَحْوِهَا، نَصَرَهُ فِي " الْخِلَافِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الرَّوْضَةِ " لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ بِدُونِ ذَلِكَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: مَعَ كِبَرِ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْتَفِتُ فِي الْإِقَامَةِ، وَهُوَ وَجْهٌ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَجَزَمَ بِهِ الْآجُرِّيُّ
стр. 272
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَغَيْرُهُ، وَالثَّانِي: يَلْتَفِتُ فِيهَا فِي الْحَيْعَلَةِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ مِقْدَارَ طَاقَتِهِ، وَلَا يُجْهِدُ نَفْسَهُ لِئَلَّا يَنْضَرَّ مَا لَمْ يُؤَذِّنْ لِنَفْسِهِ، أَوْ لِجَمَاعَةٍ حَاضِرِينَ، وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ، وَعَنْهُ: التَّوَسُّطُ أَفْضَلُ.
(وَيَجْعَلَ أُصْبُعَيْهِ) أَيْ: سَبَّابَتَيْهِ (فِي أُذُنَيْهِ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، لِمَا رَوَى أَبُو جُحَيْفَةَ: «أَنَّ بِلَالًا وَضَعَ أُصْبُعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَأَمَرَ ﵇ بِلَالًا بِذَلِكَ، وَقَالَ: «إِنَّهُ أَرْفَعُ لِصَوْتِكَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْهُ: يَضُمُّ أَصَابِعَهُ إِلَى رَاحَتَيْهِ، وَيَجْعَلُهُمَا عَلَى أُذُنَيْهِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبْدُوسٍ، وَابْنِ الْبَنَّا، وَصَاحِبِ " الْبُلْغَةِ "، رَوَاهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي مَحْذُورَةَ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ أَمَرَ مُؤَذِّنًا بِذَلِكَ، رَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ، وَعَنْهُ: يَبْسُطُ أَصَابِعَهُ مَضْمُومَةً عَلَى أُذُنَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ " زَادَ السَّامِرِيُّ عَلَيْهَا دُونَ الْإِبْهَامِ، وَالرَّاحَةِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِصِحَّةِ الْخَبَرِ، وَشُهْرَتِهِ، وَعَمَلِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ، لِيَجْتَمِعَ الصَّوْتُ وَيَسْتَدِلَّ الْأَصَمُّ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانَا، وَأَيُّهُمَا فُعِلَ فَحَسَنٌ، وَيَرْفَعُ وَجْهَهُ إِلَى السَّمَاءِ فِيهِ كُلِّهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، لِأَنَّهُ حَقِيقَةُ التَّوْحِيدِ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ، وَقِيلَ: وَالشَّهَادَتَيْنِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (وَيَتَوَلَّاهُمَا مَعًا) لِمَا فِي حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ حِينَ أَذَّنَ قَالَ: «فَأَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يُقِيمُ أَخُو صُدَاءٍ، فَإِنَّ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: إنما نعرفه مِنْ حَدِيثِ الْإِفْرِيقِيِّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُمَا ذِكْرَانِ يَتَقَدَّمَانِ الصَّلَاةَ، فَسُنَّ أَنْ يَتَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، كَالْخُطْبَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ، ذَكَرَهُ أَبُو الْحُسَيْنِ، لِقَوْلِهِ
стр. 273
فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ،
وَ لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا ، فَإِنْ نَكَّسَهُ، أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ،
وَلَا يَجُوزُ إِلَّا بَعْدَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
﵇ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ: «أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَأَذَّنَ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أَقِمْ أَنْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَوَلَّاهُمَا وَاحِدٌ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَالْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَلَوْ سُبِقَ الْمُؤَذِّنُ بِالْأَذَانِ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُقِيمَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَوْ أَعَادَ الْأَذَانَ كَمَا صَنَعَ أَبُو مَحْذُورَةَ، فَإِنْ أَقَامَ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةٍ فَلَا بَأْسَ.
(وَيُقِيمَ فِي مَوْضِعِ أَذَانِهِ) لِقَوْلِ بِلَالٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : «لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ» لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ لَمَا خَافَ أَنْ يَسْبِقَهُ بِهَا، كَذَا اسْتَنْبَطَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا إِذَا سَمِعْنَا الْإِقَامَةَ تَوَضَّأْنَا، ثُمَّ خَرَجْنَا إِلَى الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ كَالْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ (إِلَّا أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ) مِثْلَ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي مَنَارَةٍ، أَوْ مَكَانٍ بَعِيدٍ مِنَ الْمَسْجِدِ، فَإِنَّهُ يُقِيمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ أَذَانِهِ، لِئَلَّا تَفُوتَهُ بَعْضُ الصَّلَاةِ، لِإِمْكَانِ صَلَاتِهِ لَكِنْ لَا يُقِيمُ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ، لِفِعْلِ بِلَالٍ.
[لَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا]
(وَلَا يَصِحُّ الْأَذَانُ إِلَّا مُرَتَّبًا) لِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُتَعَبَّدٌ بِهِ فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِنَظْمِهِ، كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ (مُتَوَالِيًا) عُرْفًا، لِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْمَقْصُودُ مِنْهُ وَهُوَ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ بِغَيْرِ مُوَالَاةٍ، وَشُرِعَ فِي الْأَصْلِ كَذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ ﵇ عَلَّمَهُ أَبَا مَحْذُورَةَ مُرَتَّبًا مُتَوَالِيًا (فَإِنْ نَكَّسَهُ) لَمْ يَصِحَّ لِمَا ذَكَرْنَا (أَوْ فَرَّقَ بَيْنَهُ بِسُكُوتٍ طَوِيلٍ أَوْ كَلَامٍ كَثِيرٍ أَوْ مُحَرَّمٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ) إِذَا طَالَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ جُمَلِهِ، إِمَّا بِالسُّكُوتِ الطَّوِيلِ أَوِ الْكَلَامِ الْمُبَاحِ الْكَثِيرِ، بَطَلَ، لِإِخْلَالِهِ بِالْمُوَالَاةِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَمِثْلُهُ نَوْمٌ كَثِيرٌ أَوْ إِغْمَاءٌ أَوْ جُنُونٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ السُّكُوتَ والكلام الْمُبَاحَ الْيَسِيرَ لَا يُبْطِلَانِهِ، بَلْ هُوَ جَائِزٌ، لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ صُرَدٍ - وَلَهُ
стр. 274
دُخُولِ الْوَقْتِ، إِلَّا الْفَجْرُ، فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْلِسَ بَعْدَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
صُحْبَةٌ - كَانَ يَأْمُرُ غُلَامَهُ بِالْحَاجَةِ فِي أَذَانِهِ، وَكَرَدِّ السَّلَامِ، وَلَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ كَانَ التَّفْرِيقُ بِالْمُحَرَّمِ كَالسَّبِّ، وَالْقَذْفِ، لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، لِأَنَّهُ فِعْلٌ يُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ الْأَذَانِ، كَالرِّدَّةِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " وَعَلَّلَهُ الْمَجْدُ بِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ سَامِعَهُ مُتَلَاعِبًا، أَشْبَهَ الْمُسْتَهْزِئَ، وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فِيهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: كَالرِّدَّةِ، فَدَلَّ أَنَّ كُلَّ مُحَرَّمٍ سَوَاءٌ، وَالثَّانِي: يُعْتَدُّ بِهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخِلَّ بِالْمَقْصُودِ، أَشْبَهَ الْمُبَاحَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا ارْتَدَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، بِخِلَافِ الطَّهَارَةِ فَإِنَّ حُكْمَهَا بَاقٍ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبْطُلُ قِيَاسًا عَلَيْهَا، وَحُكْمُ الْإِقَامَةِ كَذَلِكَ قَالَ أَبُو دَاوُدَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ فِي أَذَانِهِ؛ قَالَ: نَعَمْ، قَلْتُ لَهُ: يَتَكَلَّمُ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ: لَا، وَلِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ حَدْرُهَا، وَيُعْتَبَرُ مَعَهمَا النِّيَّةُ، وَاتِّحَادُ الْمُؤَذِّنِ، فَلَوْ أَتَى وَاحِدٌ بِبَعْضِهِ، وَآخَرُ بِبَقِيَّتِهِ لَمْ تَصِحَّ كَالصَّلَاةِ.
مَسْأَلَةٌ: لَا تُعْتَبَرُ مُوَالَاةً بَيْنَ الْإِقَامَةِ وَالصَّلَاةِ إِذَا أَقَامَ عِنْدَ إِرَادَةِ الدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَجُوزُ الْكَلَامُ بَيْنَهُمَا، وَكَذَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِيهَا، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁.
[الْأَذَانُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ]
(وَلَا يَجُوزُ) أَيْ: لَا يَصِحُّ (إِلَّا بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ) لِمَا رَوَى مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ شُرِعَ لِلْإِمَامِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، وَهُوَ حَثٌّ عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي وَقْتٍ لَا تَصِحُّ فِيهِ كَالْإِقَامَةِ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ بِالْكَرَاهَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى خِلَافِهَا، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ، لِفِعْلِ بِلَالٍ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا مَا دَامَ الْوَقْتُ بَاقِيًا، وَالْمَنْعُ مِنْهُ فِيمَا بَعْدَهُ، وَيَتَوَجَّهُ بِسُقُوطِ مَشْرُوعِيَّتِهِ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ (إِلَّا الْفَجْرُ) فَإِنَّهُ يَجُوزُ قَبْلَ الْوَقْتِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ بِلَالًا
стр. 275
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ: «وَكَانَ رجلًا أعمى لَا يُنَادِي حَتَّى يُقَالَ لَهُ: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ» وَلِأَنَّ وَقْتَهَا يَدْخُلُ عَلَى النَّاسِ، وَفِيهِمُ الْجُنُبُ وَالنَّائِمُ، فَاسْتُحِبَّ تَقْدِيمُ أَذَانِهِ حَتَّى يَتَهَيَّئُوا لَهَا فَيُدْرِكُوا فَضِيلَةَ أَوَّلِ الْوَقْتِ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَى الْوَقْتِ كَثِيرًا لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، قَالَ الْقَاسِمُ: وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إِلَّا أَنْ يَنْزِلَ ذَا، وَيَرْقَى ذَا، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: مَجْمُوعُ مَا رُوِيَ فِي تَقْدِيمِ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ إِنَّمَا هُوَ بِزَمَنٍ يَسِيرٍ، وَأَمَّا مَا يُفْعَلُ فِي زَمَانِنَا مِنَ الْأَذَانِ لِلْفَجْرِ مِنَ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ، فَخِلَافُ السُّنَّةِ إِنْ سَلِمَ جَوَازُهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَعَنْهُ: لَا يَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ لَهَا كَغَيْرِهَا، ثُمَّ نَبَّهَ عَلَى وَقْتِ الْجَوَازِ فَقَالَ: (فَإِنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " لِأَنَّ مُعْظَمَهُ قَدْ ذَهَبَ، وَقَرُبَ الْأَذَانُ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ، وَيَدْخُلُ وَقْتُ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، رَوَى الْأَثْرَمُ قَالَ: كَانَ مُؤَذِّنُ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِمِقْدَارِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُهُ مكحول، وَقَيَّدَهُ فِي " الْكَافِي " و" الشَّرْحِ " بِأَنْ يَجْعَلَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا فَلَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ، وَظَاهِرُهُ الِاعْتِدَادُ بِهِ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ رَمَضَانَ، وَغَيْرِهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الشَّرْحِ " فِي حَقِّ مَنْ عُرِفَ لَهُ عَادَةٌ بِالْأَذَانِ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، لَكِنْ نَصَّ أَحْمَدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فِيهِ لِئَلَّا يَغُرَّ النَّاسَ فَيَتْرُكُوا سُحُورَهُمْ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ أَذَّنَ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مَنْ يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ لِلْخَبَرِ، وَاشْتَرَطَهُ طَائِفَةٌ مِنْ عُلَمَاءِ الْحَدِيثِ، وَأَلْحَقَ الشِّيرَازِيُّ الْجُمُعَةَ بِهِ، فَأَجَازَهُ قَبْلَ الْوَقْتِ لِيُدْرِكَهَا مَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ، وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَبْدُوسٍ مَعَ الْفَجْرِ الصَّلَاةَ الْمَجْمُوعَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ وَقْتَهُمَا كَالْوَاحِدة (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ
стр. 276
أَذَانِ الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يُقِيمَ،
وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا،
وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؛
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَجْلِسَ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ جِلْسَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يُقِيمَ) كَذَا فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى تَمَّامٌ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «جُلُوسُ الْمُؤَذِّنِ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ فِي الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» وَقَيَّدَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ بِقَدْرِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خَفِيفَتَيْنِ، وَقِيلَ: وَالْوُضُوءُ، وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِبِلَالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أَذَانِكَ وَإِقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفرغ الْآكِلُ مِنْ أَكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ إِذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الْوُضُوءِ وَالسَّعْيِ، وَفِي " التَّبْصِرَةِ " بِقَدْرِ حَاجَتِهِ، وَوُضُوئِهِ، زاد الحلواني: وَصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا سُنَّ تَعْجِيلُهَا، وَلِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ، فَيُسَنُّ تَأْخِيرُ الْإِقَامَةِ لِلْإِدْرَاكِ، كَمَا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا فِي غَيْرِهَا، وَكَذَا كُلُّ صَلَاةٍ فَيُسَنُّ تَقْدِيمُهَا لِعُمُومِ النَّصِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَهَا فِي الظَّاهِرِ عَنْهُ، وَلَا يُكْرَهُ فِعْلُهُمَا قَبْلَهَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَنْهُ: يُسَنُّ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ، وَعَنْهُ: بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي غَيْرِ الْمَغْرِبِ.
[الْأَذَانُ لِمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ]
(وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ) سَوَاءٌ كَانَ جَمْعَ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ (أَوْ قَضَاءِ فَوَائِتَ أَذَّنَ، وَأَقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أَقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا) جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ، وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِمُزْدَلِفَةَ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَدَّمَ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يُؤَذِّنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَيُقِيمُ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ، وَعَنْهُ: إِنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ فَلَا بَأْسَ، وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّرْحِ " وَخَصَّهُ بِمَا إِذَا كَانَ الْجَمْعُ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ، لِأَنَّ الْأُولَى مُفَعُولَةٌ فِي غَيْرِ وَقْتِهَا فَهِيَ كَالْفَائِتَةِ، وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بِصَلَاةٍ، فَلَمْ يُشْرَعْ لَهَا كَالثَّانِيَةِ مِنَ الْفَوَائِتِ بِخِلَافِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ، لِأَنَّ الْأُولَى مُفَعُولَةٌ فِي وَقْتِهَا،
стр. 277
عَلَى رِوَايَتَيْنِ،
وَهَلْ يُعْتَدُّ بِ أَذَانِ الْفَاسِقِ وَالْأَذَانِ الْمُلَحَّنِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ،
وَيُسْتَحَبُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَشْبَهَ مَا لَمْ يَجْمَعْ، وَأَمَّا قَضَاءُ الْفَوَائِتِ فَلِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ: «أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ، حَتَّى ذَهَبَ مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَلَفْظُهُ لَهُ، وَقَالَ: لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، وَقَيَّدَهُ فِي " الشَّرْحِ " بِمَا إِذَا كَانَ فِي الْجَمَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ كَانَ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ أَدْنَى، لِأَنَّ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ لِلْإِعْلَامِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ هُنَا، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِالِاكْتِفَاءِ لَهُنَّ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ إِذَا أَذَّنَ، وَعَنْهُ: يُقِيمُ فِي غَيْرِ أَذَانٍ، وَكَذَا لَوْ قَضَاهَا مُتَفَرِّقَاتٍ مِنْ غَيْرِ مُوَالَاةٍ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ وَاحِدَةً فَيُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ، وَصَرَّحَ فِي " الْكَافِي " أَنَّهُ يُسَنُّ الْأَذَانُ لِلْفَائِتَةِ، ثُمَّ إِنْ خَافَ مِنْ رَفْعِ صَوْتِهِ بِهِ أَسَرَّ، وَإِلَّا جَهَرَ، فَلَوْ تَرَكَ الْأَذَانَ لَهَا فَلَا بَأْسَ.
[أَذَانُ الْمُمَيِّزِ]
(وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ) وَهُوَ الَّذِي يَفْهَمُ الْخِطَابَ، وَيَرُدُّ الْجَوَابَ، وَلَا يَنْضَبِطُ بِسِنٍّ، بَلْ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَفْهَامِ، كَذَا قِيلَ، وَالصَّوَابُ ضَبْطُهُ بِهِ (لِلْبَالِغِينَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) أُولَاهُمَا الصِّحَّةُ، نَصَرَهُ الْقَاضِي، وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " مَعَ الْكَرَاهَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: كَانَ عُمُومَتِي يَأْمُرُونَنِي أَنْ أُؤذِّنَ لَهُمْ، وَأَنَا غُلَامٌ لَمْ أَحْتَلِمْ، وَأَنَسٌ شَاهَدَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ، وَهَذَا مِمَّا يَظْهَرُ، وَلَا يَخْفَى، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهُ ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلَاتُهُ، فَصَحَّ أَذَانُهُ كَالْبَالِغِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَصِحُّ، قَدَّمَهَا فِي " الْفُرُوعِ " وَاخْتَارَهَا جَمَاعَةٌ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، فَلَمْ يَحْصُلِ الْإِعْلَامُ بِأَذَانِهِ، أَوْ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَفِعْلُهُ نَفْلٌ، وَهُوَ أَوْلَى، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يَتَخَرَّجُ فِيهِ رِوَايَتَانِ كَشَهَادَتِهِ وَوِلَايَتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَاهِقَ يَصِحُّ أَذَانُهُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، نَقَلَهُ حَنْبَلٌ.
[أَذَانُ الْفَاسِقِ]
(وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْفَاسِقِ) أَيِ: الْعَاصِي، لِأَنَّ الْفِسْقَ لُغَةً: الْعِصْيَانُ، وَالتَّرْكُ لِأَمْرِ اللَّهِ،
стр. 278
لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ، وَيَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالْخُرُوجُ عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ، وَشَرْعًا: مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً أَوْ أَكْثَرَ مِنَ الصَّغَائِرِ، وَالْكَبِيرَةُ: مَا فِيهَا حَدٌّ فِي الدُّنْيَا أَوْ وَعِيدٌ فِي الْآخِرَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَالْأَذَانُ الْمُلَحَّنُ) الَّذِي فِيهِ تَطْرِيبٌ، يُقَالُ: لَحَّنَ فِي قِرَاءَتِهِ إِذَا طَرَّبَ بِهَا، وَغَرَّدَ (عَلَى وَجْهَيْنِ) وَكَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " أَحَدُهُمَا: لَا يَصِحُّ أَذَانُ الْفَاسِقِ، صَحَّحَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الرِّعَايَةِ " وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ خَبَرُهُ، وَلِأَنَّهُ ﵇ وَصَفَهُ بِالْأَمَانَةِ، وَالْفَاسِقُ غَيْرُ أَمِينٍ، وَكَامرأَةٍ وَخُنْثَى، وَالثَّانِي: صِحَّتُهُ كَالْإِقَامَةِ، لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ لِصَلَاتِهِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " مَعَ الْكَرَاهَةِ، فَإِنْ كَانَ مَسْتُورَ الْحَالِ، فَيَصِحُّ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " وَيَصِحُّ فِي الْأَصَحِّ أَذَانُ الْمُلَحِّنِ، وَالْمُلَحِّنُونَ مَعَ بَقَاءِ الْمَعْنَى مَعَ الْكَرَاهَةِ، قَالَ الْقَاضِي: كَقِرَاءَةِ الْأَلْحَانِ، قَالَ أَحْمَدُ: كُلُّ شَيْءٍ مُحْدَثٍ أَكْرَهُهُ مِثْلَ التَّطْرِيبِ، وَلِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ، وَالثَّانِي: لَا يَصِحُّ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «كَانَ لِلنَّبِيِّ ﷺ مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ، فَقَالَ ﵇: إِنَّ الْأَذَانَ سَهْلٌ سَمْحٌ فَإِنْ كَانَ أَذَانُكَ سَهْلًا سَمْحًا، وَإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ» وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ، فَلَوْ أَحَالَ أَحَدَهُمَا مَعْنًى، كَمَا لَوْ نَصَبَ لَامَ " رَسُولُ " لِأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ كَوْنِهِ خَبَرًا، أَوْ مَدَّ لَفْظَةَ " أَكْبَرُ "، لِأَنَّهُ يَجْعَلُ فِيهَا أَلِفًا فَيَصِيرُ جَمْعَ كُبَرٍ، وَهُوَ الطَّبْلُ، أَوْ أَسْقَطَ الْهَاءَ مِنَ اسْمِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ بَطَلَ، وَتُكْرَهُ لُثْغَةٌ فَاحِشَةٌ، وَإِلَّا فَلَا بَأْسَ، لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا، وَفِيهِ شَيْءٌ، وَالْفَصِيحُ أَحْسَنُ وَأَكْمَلُ.
[مَا يَقُولُهُ مَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ]
(وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أَنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ إِلَّا فِي الْحَيْعَلَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْوَجِيزِ " نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي
стр. 279
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
اسْتِحْبَابِهِ لِمَا رَوَى عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا قَالَ: الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ أَحَدُكُمْ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، مُخْلِصًا مِنْ قَلْبِهِ، دَخَلَ الْجَنَّةَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ الْأَثْرَمُ: هَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْجِيَادِ، وَلِأَنَّهُ خِطَابٌ فَإِعَادَتُهُ عَبَثٌ، بَلْ سَبِيلُهُ الطَّاعَةُ، وَسُؤَالُ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَتَكُونُ الْإِجَابَةُ عَقِيبَ كُلِّ كَلِمَةٍ أَيْ: لَا تُقَارَنُ، وَلَا تَتَأَخَّرُ، وَقِيلَ: يُوَافِقُهُ فِي الْحَيْعَلَةِ مَعَ قَوْلِ ذَلِكَ، لِيَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ، وَغَيْرُهُ: يَقُولُ كَمَا يَقُولُ لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِذَا سَمِعْتُمُ النِّدَاءَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ الزَّرْكَشِيُّ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُؤَذِّنِ وَالسَّامِعِ، نَصَّ عَلَيْهِمَا، وَلَا الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ فِي طَوَافٍ وَقِرَاءَةٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَفُوتُ بِخِلَافِهِمَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ الْمُصَلِّي، وَلَوْ نَفْلًا، وَتَبْطُلُ بِالْحَيْعَلَةِ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا دُعَاءٌ إِلَى الصَّلَاةِ، فَرِوَايَتَا سَاهٍ، وَلَكِنْ يُجِيبُهُ إِذَا فَرَغَ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " وَكَذَا الْمُتَخَلِّي، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ لَا يُجِيبُ نَفْسَهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَصَرَّحَ آخَرُونَ بِاسْتِحْبَابِهِ كَالسَّامِعِ، وَأَنْ يَقُولَا ذَلِكَ خُفْيَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَجِبُ إِجَابَتُهُ لِلْأَمْرِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: أَنَّهُ يُجِيبُ ثَانِيًا، وَثَالِثًا حَيْثُ سُنَّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لَكِنْ لَوْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ وَأَجَابَهُ، وَصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ لَا يُجِيبُ الثَّانِيَ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَدْعُوٍّ بِهَذَا الْأَذَانِ، زَادَ الْمُؤَلِّفُ (الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ) وَتَتَبَّعْتُ
стр. 280
الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ قَالَ مِثْلَ مَا يَقُولُ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ» وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُهُ فِيهِ لِينٌ، وَيَقُولُ فِي التَّثْوِيبِ: صَدَقْتَ وَبَرَرْتَ، وَفِي الْإِقَامَةِ عِنْدَ لَفْظِهَا: أَقَامَهَا اللَّهُ وَأَدَامَهَا، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " و" التَّلْخِيصِ " مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ، وَيَقُولُ ذَلِكَ خُفْيَةً.
١ -
فَائِدَةٌ: مَعْنَى لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ: إِظْهَارُ الْفَقْرِ، وَطَلَبُ الْمَعُونَةِ مِنْهُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ، وَهُوَ حَقِيقَةُ الْعُبُودِيَّةِ، وَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ: أَصْلُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ مِنْ حَالَ الشَّيْءُ، إِذَا تَحَرَّكَ، يَقُولُ: لَا حَرَكَةَ وَلَا اسْتِطَاعَةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: مَعْنَاهُ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ، وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِهِ إِلَّا بِمَعُونَتِهِ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا أَحْسَنُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَيُقَالُ: لَا حَيْلَ لُغَةٌ، حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَعَبَّرَ عَنْهَا الْأَزْهَرِيُّ بِالْحَوْقَلَةِ، وَتَبِعَهُ فِي " الْوَجِيزِ " عَلَى أَخْذِ الْحَاءِ مِنْ حَوْلَ، وَالْقَافِ مِنْ قُوَّةَ، وَاللَّامِ مِنَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى.
١ -
(وَيَقُولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ) كُلٌّ مِنَ الْمُؤَذِّنِ وَسَامِعِهِ (اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِي، وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الَّذِي وَعَدْتَهُ، حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَأَبُو حَاتِمٍ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ مُعَرَّفَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَلَمْ يُثْبِتْ فِيهِ الدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ فِي آخِرِهِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ غَيْرُ ذَلِكَ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَرْفَعُ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، وَيَدْعُو بِمَا وَرَدَ، فَقَالَ أَحْمَدُ: إِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ حَاجَةً، فَقُولُوا: فِي عَافِيَةٍ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو مَرْفُوعًا «إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَيَّ، فَإِنَّهُ مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللَّهَ لِيَ الْوَسِيلَةَ، فَإِنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ إِلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ، وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ
стр. 281
..
....
....
....
..
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنَا هُوَ فَمَنْ سَأَلَ لِيَ الْوَسِيلَةَ حَلَّتْ لَهُ الشَّفَاعَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَذْكُرِ السَّلَامَ مَعَهُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ بِدُونِهِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلنَّصِّ.
تَذْنِيبٌ: (اللَّهُمَّ) أَصْلُهُ يَا اللَّهُ، وَالْمِيمُ بَدَلٌ مِنْ يَا، قَالَهُ الْخَلِيلُ وَسِيبَوَيْهِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَصْلُهُ يَا اللَّهُ أُمَّنَا بِخَيْرٍ، فَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ، وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، إِلَّا فِي الضَّرُورَةِ، وَالدَّعْوَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ هِيَ دَعْوَةُ الْأَذَانِ، سُمِّيَتْ تَامَّةً لِكَمَالِهَا، وَعِظَمِ مَوْقِعِهَا، وَسَلَامَتِهَا مِنْ نَقْصٍ يَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَصَفَهَا بِالتَّمَامِ، لِأَنَّهَا ذِكْرُ اللَّهِ يُدْعَى بِهَا إِلَى طَاعَتِهِ، وَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي تَسْتَحِقُّ صِفَةَ الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ، وَمَا سِوَاهَا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا فَإِنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلنَّقْصِ وَالْفَسَادِ، وَكَانَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ غَيْرُ مَخْلُوقٍ، قَالَ: لِأَنَّهُ مَا مِنْ مَخْلُوقٍ إِلَّا وَفِيهِ نَقْصٌ، وَالصَّلَاةُ الْقَائِمَةُ الَّتِي سَتَقُومُ بِصَلَاتِهَا، وَيُفْعَلُ بِصَلَاتِهَا، وَالْوَسِيلَةُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ الْمَلِكِ، وَهِيَ مَنْزِلَةٌ فِي الْجَنَّةِ، وَالْمَقَامُ الْمَحْمُودُ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ، لِأَنَّهُ يَحْمَدُهُ فِيهَا الْأَوَّلُونَ وَالْآخِرُونَ، وَالْحِكْمَةُ فِي سُؤَالِ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ وَاجِبَ الْوُقُوعِ بِوَعْدِ اللَّهِ تَعَالَى إِظْهَارُ كَرَامَتِهِ وَعَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ، وَقَدْ وَقَعَ مُنَكَّرًا فِي الصَّحِيحِ تَأَدُّبًا مَعَ الْقُرْآنِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ «الَّذِي وَعَدْتَهُ» مَنْصُوبًا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، أَوْ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ، أَوْ مَرْفُوعًا عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ لَمْ يَرْكَعْ حَتَّى يَفْرُغَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْفَضِيلَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَلَعَلَّ الْمُرَادَ غَيْرُ أَذَانِ الْجُمُعَةِ، لِأَنَّ سَمَاعَ الْخُطْبَةِ أَهَمُّ، وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ النَّظْمِ، وَلَا يَقُومُ الْقَاعِدُ حَتَّى يَفْرُغَ، أَوْ يَقْرُبَ فَرَاغُهُ، نَصَّ عَلَى مَعْنَى ذَلِكَ، لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ.
الثَّانِيَةُ: يُعْمَلُ بِالْأَذَانِ فِي دَارِنَا، وَكَذَا دَارُ حَرْبٍ إِنْ عُلِمَ إِسْلَامُهُ.
الثَّالِثَةُ: لَا يُؤَذِّنُ غَيْرُ الرَّاتِبِ إِلَّا بِإِذْنِهِ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الْوَقْتِ فَيُؤَذِّنَ غَيْرُهُ.
الرَّابِعَةُ: يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُرَدُّ الدُّعَاءُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَعِنْدَ الْإِقَامَةِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ، وَرَفَعَ
стр. 282
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ
وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِيَ سِتٌّ: أَوَّلُهَا دُخُولُ الْوَقْتِ ،
وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَدَيْهِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «تُفْتَحُ أَبْوَابُ السَّمَاءِ لِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، وَلِلِقَاءِ الزَّحْفِ، وَلِنُزُولِ الْقَطْرِ، وَلِدَعْوَةِ الْمَظْلُومِ، وَلِلْأَذَانِ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ.
[بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ]
[دُخُولُ الْوَقْتِ]
بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
الشُّرُوطُ: جَمْعُ شَرْطٍ، كَفُلُوسٍ جَمْعُ فَلْسٍ، وَالشَّرَائِطُ: جَمْعُ شَرِيطَةٍ، قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ، وَالْأَشْرَاطُ وَاحِدُ شَرَطٍ بِفَتْحِ الشِّينِ، وَالرَّاءِ، وَسُمِّيَ شَرَطًا، لِأَنَّهُ عَلَامَةٌ عَلَى الْمَشْرُوطِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾ [محمد: ١٨] .
وَفِي الِاصْطِلَاحِ: هُوَ مَا يَلْزَمُ مِنَ انْتِفَائِهِ انْتِفَاءُ الْحُكْمِ، كَالْإِحْصَانِ مَعَ الرَّجْمِ، فَالشَّرْطُ مَا لَا يُوجَدُ الْمَشْرُوطُ مَعَ عَدَمِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ عِنْدَ وُجُودِهِ، وَهُوَ عَقْلِيٌّ كَالْحَيَاةِ لِلْعِلْمِ، وَلُغَوِيٌّ: كَإِنْ دَخَلْتُ الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ، وَشَرْعِيٌّ: كَالطَّهَارَةِ لِلصَّلَاةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ صِحَّةُ الشَّيْءِ إِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ، وَلَا يَكُونُ مِنْهُ، (وَهِيَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا) أَيْ: يَتَقَدَّمُ عَلَى الصَّلَاةِ، وَيَسْبِقُهَا، وَيَجِبُ اسْتِمْرَارُهَا فِيهَا، وَبِهَذَا الْمَعْنَى فَارَقَتِ الْأَرْكَانَ.
(وَهِيَ سِتٌّ) كَذَا بِخَطِّ الْمُؤَلِّفِ بِغَيْرِ هَاءٍ، وَقِيَاسُهُ سِتَّةٌ بِالْهَاءِ، لِأَنَّ وَاحِدَهَا شَرْطٌ، وَهُوَ مُذَكَّرٌ يَلْزَمُ الْهَاءُ فِي جَمْعِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧] فَكَأَنَّهُ قَالَ: شَرَائِطُ الصَّلَاةِ، وَهِيَ سِتٌّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الْهِدَايَةِ " وَالْعُمْدَةِ (أَوَّلُهَا دُخُولُ الْوَقْتِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: دُلُوكُهَا إِذَا فَاءَ الْفَيْءُ، وَيُقَالُ: هُوَ غُرُوبُهَا، وَقِيلَ: طُلُوعُهَا، وَهُوَ غَرِيبٌ، قَالَ عُمَرُ: الصَّلَاةُ لَهَا وَقْتٌ شَرَطَهُ اللَّهُ لَهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِهِ، وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ حِينَ أَمَّ النَّبِيَّ ﷺ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا وَقْتُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِكَ، فَالْوَقْتُ سَبَبُ وُجُوبِ الصَّلَاةِ، لِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَيْهِ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى السَّبَبِيَّةِ، وَتَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِهِ، وَهُوَ سَبَبُ نَفْسِ الْوُجُوبِ، إِذْ سَبَبُ وُجُوبِ الْأَدَاءِ الْخِطَابُ.
[الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ]
(وَالثَّانِي: الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ
стр. 283
مِنَ الْحَدَثِ،
وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خمس: الظُّهْرُ، وَهِيَ الْأُولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَلِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ، وَلَا صَدَقَةً مِنْ غُلُولٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ.
[الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَأَوْقَاتُهَا]
[وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ]
(وَالصَّلَوَاتُ الْمَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ) فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنَّ غَيْرَهَا لَا يَجِبُ إِلَّا لِعَارِضٍ كَالنَّذْرِ، وَأَمَّا الْوِتْرُ فَسَيَأْتِي، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَحَادِيثُ مِنْهَا مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «فَرَضَ اللَّهُ عَلَى أُمَّتِي لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ خَمْسِينَ صَلَاةً، فَلَمْ أَزَلْ أُرَاجِعُهُ، وَأَسْأَلُهُ التَّخْفِيفَ حَتَّى جَعَلَهَا خَمْسًا فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَقَالَ: هِيَ خَمْسٌ، وَهِيَ خَمْسُونَ فِي أُمِّ الْكِتَابِ» وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ وَاجِبًا، فَنُسِخَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَكَذَا فِي حَقِّهِ ﵇ عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَ الْقَفَّالُ فِي " مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ " فِي الْأَرْبَعِ لَطِيفَةٌ حَسُنَ مَعَهَا عَدَمُ الزِّيَادَةِ فِي الْفَرْضِ عَلَيْهَا، وَهِيَ أَنَّكَ إِذَا ذَكَرْتَ آحَادَهَا فَقُلْتَ وَاحِدٌ، وَاثْنَانِ، وَثَلَاثَةٌ، وَأَرْبَعَةٌ جَمَعْتَ كُلَّ الْأَعْدَادِ، وَجَدْتَهَا عَشَرَةً، وَلَا شَيْءَ مِنَ الْأَعْدَادِ يَخْرُجُ أَصْلُهُ عَنْ عَشَرَةٍ، وَأَرَادَ بِالْمَفْرُوضَاتِ الْعَيْنِيَّةَ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ، لِكَوْنِهَا فَرْضًا عَلَى الْكِفَايَةِ، نَعَمْ، تَرِدُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ، فَإِنَّهَا مَنِ الْمَفْرُوضَاتِ الْعَيْنِيَّةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي كَلَامِهِ.
(الظُّهْرُ) وَاشْتِقَاقُهَا مِنَ الظُّهُورِ، إِذْ هِيَ ظَاهِرَةٌ فِي وَسَطِ النَّهَارِ، وَالظُّهْرُ لُغَةً: الْوَقْتُ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَشَرْعًا اسْمٌ لِلصَّلَاةِ مِنْ بَابِ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ وَقْتِهِ.
فَقَوْلُنَا: صَلَاةُ الظُّهْرِ أَيْ: صَلَاةُ هَذَا الْوَقْتِ، وَبَدَأَ بِهَا الْمُؤَلِّفُ تَبَعًا لِلْخِرَقِيِّ وَمُعْظَمِ الْأَصْحَابِ، لِبَدَاءَةِ جِبْرِيلَ بِهَا لَمَّا صَلَّى بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبَدَأَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَالشِّيرَازِيُّ، وَأَبُو الْخَطَّابِ بِالْفَجْرِ لِبَدَاءَتِهِ ﵇ بِهَا السَّائِلَ، وَلِأَنَّهَا أَوَّلُ الْيَوْمِ، وَيُعَضِّدُهُ أَنَّ إِيجَابَهَا كَانَ لَيْلًا، وَأَوَّلُ صَلَاةٍ تُحْضَرُ بَعْدَ ذَلِكَ هِيَ الْفَجْرُ، فَلِمَ لَا بَدَأَ بِهَا جِبْرِيلُ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وُجِدَ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ أَوَّلَ وُجُوبِ الْخَمْسِ مِنَ الظُّهْرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ
стр. 284
الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، إِلَى أَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْإِتْيَانَ بِهَا مُتَوَقِّفٌ عَلَى بَيَانِهَا، لِأَنَّ الصَّلَوَاتِ مُجْمَلَةٌ، وَلَمْ تُبَيَّنْ إِلَّا عِنْدَ الظُّهْرِ، وَالْحِكْمَةُ أَنَّهُ بَدَأَ بِهَا إِشَارَةٌ مِنْهُ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ ظَهَرَ أَمْرُهُ، وَسَطَعَ نُورُهُ مِنْ غَيْرِ خَفَاءٍ، وَلِأَنَّهُ لَوْ بَدَأَ بِالْفَجْرِ لَخَتَمَ بِالْعِشَاءِ فِي ثُلُثِ اللَّيْلِ، وَهُوَ وَقْتُ خَفَاءٍ فَلِذَلِكَ خَتَمَ بِالْفَجْرِ، لِأَنَّهُ وَقْتُ ظُهُورٍ، لَكِنْ فِيهِ ضَعْفٌ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ يَضْعُفُ (وَهِيَ الْأُولَى) قَالَ عِيَاضٌ: هُوَ اسْمُهَا الْمَعْرُوفُ، لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا جِبْرِيلُ بِالنَّبِيِّ ﵉ مُعَلِّمًا لَهُ فِي الْيَوْمَيْنِ، وَتُسَمَّى أَيْضًا الْهَجِيرَ لِفِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْهَاجِرَةِ.
(وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ لِحَدِيثِ جَابِرٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهِ فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ مِنَ الْغَدِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ» إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي الْمَوَاقِيتِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوَهُ، وَفِيهِ: «فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَتْ قَدْرَ الشِّرَاكِ» وَهُوَ بِشِينٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ، وَرَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَبِالْكَافِ، وَهُوَ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ، رُفِعَ لِكُلِّ شَاخِصٍ ظِلٌّ طَوِيلٌ فِي جَانِبِ الْمَغْرِبِ، ثُمَّ مَا دَامَتِ الشَّمْسُ تَرْتَفِعُ، فَالظِّلُّ يَنْقُصُ، فَإِذَا انْتَهَتِ الشَّمْسُ إِلَى وَسَطِ السَّمَاءِ، وَهِيَ حَالَةُ الِاسْتِوَاءِ انْتَهَى نُقْصَانُهُ، فَإِذَا زَادَ الظِّلُّ أَدْنَى زِيَادَةٍ فَهُوَ الزَّوَالُ، فَهُوَ إِذًا مَيْلُهَا عَنْ وَسَطِ السَّمَاءِ، وَيَخْتَلِفُ فَيْءُ الزَّوَالِ فَيَطُولُ فِي الشِّتَاءِ، وَيَقْصُرُ فِي الصَّيْفِ، لَكِنْ لَا يَقْصُرُ ظِلُّهُ وَقْتَ الزَّوَالِ فِي بَعْضِ بِلَادِ خُرَاسَانَ لِمَسِيرِ الشَّمْسِ نَاحِيَةً عَنْهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَغَيْرُهُ: أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْبِلَادِ تَحْتَ وَسَطِ الْفَلَكِ مِثْلَ مَكَّةَ وَصَنْعَاءَ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ أَطْوَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ لَا ظِلَّ، وَلَا فَيْءَ، كَوَقْتِ الزَّوَالِ، بَلْ يُعْرَفُ الزَّوَالُ هُنَاكَ بِأَنْ يَظْهَرَ لِلشَّخْصِ فَيْءٌ
стр. 285
يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، وَالْأَفْضَلُ تُعْجِيلُهَا، إِلَّا فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مِنْ نَحْوِ الْمَشْرِقِ، لِلْعِلْمِ بِكَوْنِهَا قَدْ أَخَذَتْ مُغْرِبَةً، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الشَّهْرِ، وَالْبَلَدِ، فَأَقَلُّ مَا تَزُولُ فِي إِقْلِيمِ الشَّامِ وَالْعِرَاقِ عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الشِّيحِيُّ عَلَى قَدَمٍ وَثُلُثٍ فِي نِصْفِ حُزَيْرَانَ، وَيَتَزَايَدُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ عَشْرَةَ أَقْدَامٍ وَسُدُسٍ فِي نِصْفِ كَانُونَ الْأَوَّلِ، وَهُوَ أَكْثَرُ مَا تَزُولُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، فَإِذَا أَرَدْتَ مَعْرِفَةَ ذَلِكَ، فَقِفْ عَلَى مُسْتَوٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَعَلِّمِ الْمَوْضِعَ الَّذِي انْتَهَى إِلَيْهِ ظِلُّكَ، ثُمَّ ضَعْ قَدَمَكَ الْيُمْنَى بَيْنَ يَدَيْ قَدَمِكَ الْيُسْرَى، وَأَلْصِقْ عَقِبَكَ بِإِبْهَامِكَ، فَإِذَا بَلَغَتْ مِسَاحَةَ هَذَا الْقَدْرِ بَعْدَ انْتِهَاءِ النَّقْصِ فَهُوَ وَقْتُ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَتَجِبُ بِهِ الظُّهْرُ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، وَشَرَطَ ابْنُ بَطَّةَ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى مُضِيَّ زَمَنٍ يَتَّسِعُ لِأَدَائِهَا حِذَارًا مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ بِالْفِعْلِ قَبْلَ الْإِمْكَانِ حَتَّى يُلْزَمَ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ، وَإِنَّمَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّتِهِ بِفِعْلِهِ إِذَا قَدَرَ، كَالْمُغْمَى عَلَيْهِ، وَأَمَّا آخِرُهُ فَقَالَ: (إِلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ بَعْدَ الَّذِي زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ) وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ سِوَى الزَّوَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ لِمَا سَبَقَ، وَصَلَّاهَا ﵇ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى حِينَ سَأَلَهُ السَّائِلُ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ أَخَّرَهَا فِي الْيَوْمِ الثَّانِي: حَتَّى كَانَ قَرِيبًا مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ بِالْأَمْسِ، وَقَالَ: «الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا: «وَقْتُ صَلَاةِ الظُّهْرِ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَكَانَ ظِلُّ الرَّجُلِ كَطُولِهِ، مَا لَمْ تَحْضُرِ الْعَصْرُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، قَالَ الْأَثْرَمُ: قِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: مَتَى يَكُونُ الظِّلُّ مِثْلَهُ؟ قَالَ: إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ فَكَانَ الظِّلُّ بَعْدَ الزَّوَالِ مِثْلَهُ، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ أَنْ يَضْبُطَ مَا زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ، ثُمَّ يَنْظُرَ الزِّيَادَةَ عَلَيْهِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قَدْرَ الشَّخْصِ فَقَدِ انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وَطُولُ الْإِنْسَانِ سِتَّةُ أَقْدَامٍ وَثُلُثَانِ بِقَدَمِهِ تَقْرِيبًا، وَعَنْهُ: آخِرُهُ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ فَبَيْنَهُمَا وَقْتٌ مُشْتَرَكٌ قَدْرَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ، قَالَ أَحْمَدُ: الزَّوَالُ فِي الدُّنْيَا وَاحِدٌ، وَأَنْكَرَ عَلَى الْمُنَجِّمِينَ أَنَّهُ يَتَغَيَّرُ فِي الْبُلْدَانِ، وَمِثْلُهُ لَا يَقُولُ ذَلِكَ إِلَّا عَنْ تَوْقِيفٍ.
(وَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا) لِمَا رَوَى أَبُو بَرْزَةَ قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُصَلِّي الْهَجِيرَ
следующие страницы →