Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
الْمُزَوَّجَةِ وَالْمُعْتَدَّةِ، وَالْخَامِسَةِ، وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرِّضَاعِ، أَوِ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَا أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا، أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ أَوْ بِصَغِيرَةٍ أَوْ مَجْنُونَةٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَعَنْهُ: لَا، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهَا مَمْلُوكَةٌ أَشْبَهَتْ مُكَاتَبَتَهُ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ اجْتَمَعَ فِيهِ مُوجِبٌ وَمُسْقِطٌ، وَالْحَدُّ يُبْنَى عَلَى الدَّرْءِ وَالْإِسْقَاطِ فَإِذَا لَمْ يُحَدَّ عُزِّرَ، وَعَنْهُ: مِائَةُ سَوْطٍ وَكَذَا إِذَا وَطِئَ أَمَتَهُ الْمُزَوَّجَةَ، أَوِ الْمُعْتَدَّةَ، أَوِ الْمُرْتَدَّةَ، أَوِ الْمَجُوسِيَّةَ (وَإِنْ وَطِئَ فِي نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى بُطْلَانِهِ) وَالْمَنْصُوصُ مَعَ عِلْمِهِ (كَنِكَاحِ الْمُزَوَّجَةِ) لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَمْ يُصَادِفْ مِلْكًا وَلَا شُبْهَةَ مِلْكٍ، فَأَوْجَبَ الْحَدَّ عَمَلًا بِالْمُقْتَضَى، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رُفِعَ إِلَيْهِ امْرَأَةٌ تَزَوَّجَتْ فِي عِدَّتِهَا، فَقَالَ: هَلْ عَلِمْتُمَا؟ فَقَالَا: لَا، فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُمَا لَرَجَمْتُكُمَا. رَوَاهُ أَبُو نَصْرٍ الْمَرْوَزِيُّ. وَلِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ بِوَطْءِ الْمُعْتَدَّةِ، فَلَأَنْ يَجِبُ بِوَطْءِ الْمُزَوَّجَةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى (وَالْمُعْتَدَّةِ) فَلَوْ قَالَ: جَهِلْتُ فَرَاغَ الْمُعْتَدَّةِ، وَأَمْكَنَ صِدْقُهُ، صُدِّقَ (وَالْخَامِسَةِ) لِعَدَمِ إِبَاحَتِهَا (وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ مِنَ النَّسَبِ وَالرِّضَاعِ) لِلْعُمُومِ، وَعَنْهُ فِيمَنْ وَطِئَ ذَوَاتَ مَحَارِمِهِ: يُقْتَلُ بِكُلِّ حَالٍ، رَجَّحَهُ فِي الشَّرْحِ لِأَخْبَارٍ، وَعَنْهُ: وَيُؤْخَذُ مَالُهُ لِبَيْتِ الْمَالِ، لِمَا «رَوَى الْبَرَاءُ، قَالَ: لَقِيتُ عَمِّي وَمَعَهُ الرَّايَةُ، فَقُلْتُ: إِلَى أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى رَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةَ أَبِيهِ مِنْ بَعْدِهِ، أَنْ أَضْرِبَ عُنُقَهُ، وَآخُذَ مَالَهُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْجَوْزَجَانِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: حُكْمُ مَنْ زَنَى بِحَرْبِيَّةٍ مُسْتَأْمَنَةٍ، أَوْ نَكَحَ بِنْتَهُ مِنَ الزِّنَا كَذَلِكَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَحَمَلَهُ جَمَاعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْهُ الْخِلَافُ (أَوِ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً لِلزِّنَا أَوْ لِغَيْرِهِ، وَزَنَى بِهَا) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَوُجُودِ الْإِجَارَةِ كَعَدَمِهَا، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ لَهُ عَلَيْهَا دَيْنٌ وَتَغَيَّرَ الْحَالُ، لَا يَسْقُطُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ مَاتَ (أَوْ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَهُ عَلَيْهَا الْقِصَاصُ) لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ قَتْلِهَا لَا يُوجِبُ إِبَاحَةَ وَطْئِهَا، فَلَا تُؤَثِّرُ فِيهِ شُبْهَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ
стр. 3047
أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ.
فَصْلٌ الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَا وَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَجِبَ الْحَدُّ عَمَلًا بِالنُّصُوصِ، وَقِيلَ: مَنْ وَطِئَ أَمَةً لَهُ عَلَيْهَا قَوَدٌ لَمْ يُحَدَّ، إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَمْلِكُهَا بِهِ، وَسُئِلَ أَحْمَدُ: هَلْ عَلَيْهِ عَقْرُهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، هِيَ لَهُ (أَوْ بِصَغِيرَةٍ) يُوطَأُ مِثْلُهَا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّهَا كَالْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ، وَقِيلَ: أَوْ لَا، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا حَدَّ عَلَى مَنْ وَطِئَ صَغِيرَةً لَمْ تَبْلُغْ تِسْعًا، لِأَنَّهُ لَا يُشْتَهَى مِثْلُهَا، وَكَمَا لَوِ اسْتَدْخَلَتْ ذَكَرَ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ عَشْرًا، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ لِعَدَمِ التَّوْقِيفِ فِيهِ (أَوْ مَجْنُونَةٍ) لِأَنَّ الْوَاطِئَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَقَدْ فَعَلَ مَا يُوجِبُهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ (أَوْ بِامْرَأَةٍ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، أَوْ بِأَمَةٍ ثُمَّ اشْتَرَاهَا) لِأَنَّ النِّكَاحَ وَالْمِلْكَ وُجِدَا بَعْدَ وُجُوبِ الْحَدِّ، فَلَمْ يَسْقُطْ، كَمَا لَوْ سَرَقَ نِصَابًا ثُمَّ مَلَكَهُ، أَوْ أَقَرَّ عَلَيْهَا، فَجَحَدَتْ كَسُكُوتِهَا (أَوْ أَمْكَنَتِ الْعَاقِلَةُ) أَيِ: الْمُكَلَّفَةُ (مِنْ نَفْسِهَا مَجْنُونًا أَوْ صَغِيرًا) وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرٍ (فَوَطِئَهَا، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) أَيْ: عَلَيْهَا الْحَدُّ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ عَنْ أَحَدِ الْمُتَوَاطِئَيْنِ لِمَعْنًى يَخُصُّهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطُهُ عَنِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ زَنَى الْمُسْتَأْمَنُ بِمُسْلِمَةٍ.
[الشَّرْطُ الثَّالِثُ ثُبُوتُ الزِّنَا]
[بِمَ يَثْبُتُ الزِّنَا]
فَصْلٌ
(الثَّالِثُ: أَنْ يَثْبُتَ الزِّنَا وَلَا يَثْبُتُ) زِنَاهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ (إِلَّا بِشَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا:
стр. 3048
فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ، وَيُصَرِّحُ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ، وَلَا يَنْزِعُ عَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَنْ يُقِرَّ بِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فِي مَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: «أَتَى رَجُلٌ مِنَ الْأَسْلَمِيَّيْنِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: إِنِّي زَنَيْتُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَقَالَ: أَبِكَ جُنُونٌ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: هَلْ أُحْصِنْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: بِمَجْلِسٍ، سَأَلَهُ الْأَثْرَمُ: بِمَجْلِسٍ أَوْ مَجَالِسَ؟ قَالَ: الْأَحَادِيثُ لَيْسَتْ تَدُلُّ إِلَّا عَلَى مَجْلِسٍ، إِلَّا عَنْ ذَاكَ الشَّيْخِ بَشِيرِ بْنِ الْمُهَاجِرِ، عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، وَذَاكَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَقَالَ الْحَكَمُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَكْفِي الْإِقْرَارُ مَرَّةً، لِقَوْلِهِ ﵇: «وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا» . وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْمُطْلَقَةِ، وَجَوَابُهُ: مَا سَبَقَ، وَبِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ الْحَدُّ بِمَرَّةٍ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهُ النَّبِيُّ ﷺ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ حَدٍّ وَجَبَ لِلَّهِ تَعَالَى، «وَرَوَى نُعَيْمُ بْنُ هُزَالٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : قُلْتَهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ قَالَ: نَعَمْ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ) حُرٌّ وَعَبْدٌ، مَحْدُودٌ فِي قَذْفٍ أَوْ لَا، وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ الْمُكْرَهَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَكَذَا النَّائِمُ لِرَفْعِ الْقَلَمِ عَنْهُ، وَالسَّكْرَانُ سَبَقَ حُكْمُهُ، وَفِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: لَا يَصِحُّ إِقْرَارُهُ بِهِ، لَكِنَّ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، إِذَا فَعَلَهُ حَالَ سُكْرِهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، فَأَمَّا الْأَخْرَسُ إِنْ لَمْ تُفْهَمْ إِشَارَتُهُ فَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ إِقْرَارٌ، وَإِنْ فُهِمَتْ إِشَارَتُهُ فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ بِهَا، فَإِنْ أَقَرَّ الْعَاقِلُ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَكَذَّبَتْهُ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَهَا، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ (وَيُصَرِّحُ بِذِكْرِ حَقِيقَةِ الْوَطْءِ) لِتَزُولَ التُّهْمَةُ، وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِمَاعِزٍ: «لَعَلَّكَ قَبَّلْتَ، أَوْ غَمَزْتَ، قَالَ: لَا، قَالَ: أَفَنِكْتَهَا؟ لَا يُكَنِّي، قَالَ: نَعَمْ. فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَعَنْهُ: وَبِمَنْ زَنَى بِهَا، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَأَطْلَقَ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ الْخِلَافَ (وَلَا يَنْزِعُ عَنْ إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ إِقَامَةِ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ الْبَقَاءُ عَلَيْهِ
стр. 3049
إِقْرَارِهِ حَتَّى يَتِمَّ عَلَيْهِ الْحَدُّ. الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ أَحْرَارٍ عُدُولٍ، يَصِفُونَ الزِّنَا وَيَجِيئُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ أَوْ مُجْتَمِعِينَ، فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
إِلَى تَمَامِ الْحَدِّ، فَإِنْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ أَوْ هَرَبَ كُفَّ عَنْهُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ، لِقِصَّةِ مَاعِزٍ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى إِقْرَارِهِ بِهِ أَرْبَعًا فَأَنْكَرَ، أَوْ صَدَّقَهُمْ دُونَ أَرْبَعٍ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الْأَظْهَرِ، وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، وَهُمَا فِي التَّرْغِيبِ إِنْ أَنْكَرَ، وَإِنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُمْ لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ (الثَّانِي: أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِ) أَيْ: عَلَى فِعْلِهِ (أَرْبَعَةٌ) إِجْمَاعًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] «وَلِقَوْلِهِ ﵇ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حِينَ قَالَ لَهُ: أَرَأَيْتَ لَوْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا، أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : نَعَمْ» . رَوَاهُ مَالِكٌ. (رِجَالٌ) فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَحَمَّادٍ: أَنَّهُ يُقْبَلُ فِيهِ ثَلَاثَةٌ وَامْرَأَتَانِ، وَهُوَ خِلَافُ النَّصِّ، لِأَنَّ فِي شَهَادَةِ النِّسَاءِ شُبْهَةً، لِمَا فِي قَبُولِهَا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَالْحُدُودُ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ (أَحْرَارٌ) فِي الْأَشْهَرِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: يُقْبَلُ الْعَبْدُ لِعُمُومِ النَّصِّ، وَهُوَ عَدْلٌ مُسْلِمٌ ذَكَرٌ، فَقُبِلَ كَالْحُرِّ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي قَبُولِ شَهَادَتِهِ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ، فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ (عُدُولٌ) وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِهَا كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ فَاسِقٍ، وَلَا مَسْتُورِ الْحَالِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فَاسِقًا، وَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الْإِسْلَامِ، لِأَنَّ أَهْلَ الذِّمَّةِ كُفَّارٌ لَا تَتَحَقَّقُ الْعَدَالَةُ فِيهِمْ، فَلَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُمْ وَلَا خَبَرُهُمُ الدِّينِيُّ كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ (يَصِفُونَ الزِّنَا) أَيْ: زِنًا وَاحِدٍ يَصِفُونَهُ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، فَيَقُولُونَ: رَأَيْنَا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمَيْلِ فِي الْمُكْحُلَةِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا اعْتُبِرَ التَّصْرِيحُ فِي الْإِقْرَارِ كَانَ اعْتِبَارُهُ فِي الشَّهَادَةِ أَوْلَى، وَقَالَ طَائِفَةٌ: يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرُوا إِلَى ذَلِكَ مِنْهُمَا لِإِقَامَةِ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِمَا، لِيَحْصُلَ الرَّدْعُ بِالْحَدِّ، فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ قَدْ غَيَّبَهُ فِي فَرْجِهَا، كَفَى (وَيَجِيئُونَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِأَنَّ عُمَرَ شَهِدَ عِنْدَهُ أَبُو بَكْرَةَ وَنَافِعٌ وَشِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، وَلَمْ يَشْهَدْ زِيَادٌ، فَحَدَّ الثَّلَاثَةَ، وَلَوْ كَانَ الْمَجْلِسُ غَيْرَ مُشْتَرَطٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَحُدَّهُمْ، لِجَوَازِ أَنْ يَكْمُلُوا بِرَابِعٍ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ فَحَدَّهُمْ، ثُمَّ جَاءَ رَابِعٌ
стр. 3050
بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ، أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضُهُمْ، فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ، وَعَنْهُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةَ، وَلَاعَنَ الزَّوْجُ إِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَشَهِدَ، لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ، وَلَوْلَا اشْتِرَاطُ الْمَجْلِسِ لَكَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَبِهَذَا يُفَارِقُ سَائِرَ الشَّهَادَاتِ. وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَجْلِسَ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ مَقْبُولَةٍ إِذَا افْتَرَقَتْ كَغَيْرِهَا، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَتَعَرَّضْ لِلشُّرُوطِ (سَوَاءٌ جَاءُوا مُتَفَرِّقِينَ) أَيْ: وَاحِدًا بَعْدَ آخَرَ، لِقِصَّةِ الْمُغِيرَةِ، فَإِنَّهُمْ جَاءُوا مُفْتَرِقِينَ، وَسُمِعَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَإِنَّمَا حُدُّوا لِعَدَمِ كَمَالِهَا، وَفِي الْحَدِيثِ: أَنَّ أَبَا بَكَرَةَ قَالَ لِعُمَرَ: أَرَأَيْتَ لَوْ جَاءَ آخَرُ فَشَهِدَ أَكُنْتَ تَرْجَمُهُ؟ فَقَالَ عُمَرُ: إِي وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَلِأَنَّهُمُ اجْتَمَعُوا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَاءُوا (أَوْ مُجْتَمِعِينَ) وَلِأَنَّ الْمَجْلِسَ كُلَّهُ بِمَنْزِلَةِ ابْتِدَائِهِ، وَلِهَذَا يُجْزِئُ فِيهِ الْقَبْضُ فِيمَا هُوَ شَرْطٌ فِيهِ (فَإِنْ جَاءَ بَعْضُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَامَ الْحَاكِمُ) مِنْ مَجْلِسِهِ، فَهُمْ قَذَفَةٌ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا صَحِيحَةٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَشْهَدْ أَصْلًا، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ (أَوْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ وَامْتَنَعَ الرَّابِعُ مِنَ الشَّهَادَةِ، أَوْ لَمْ يُكْمِلْهَا، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَهَذَا يُوجِبُ الْحَدَّ عَلَى كُلِّ رَامٍ لَمْ يَشْهَدْ بِمَا قَالَهُ أَرْبَعَةٌ، وَلِأَنَّ عُمَرَ جَلَدَ أَبَا بَكَرَةَ وَأَصْحَابَهُ، حَيْثُ لَمْ يُكْمِلِ الرَّابِعُ شَهَادَتَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ رِوَايَةً أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّهُمْ شُهُودٌ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً، أَحَدُهُمْ فَاسِقٌ.
فَرْعٌ: كُلُّ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَةُ شُهُودٍ بِالِاتِّفَاقِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ: اللِّوَاطُ، وَوَطْءُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا، وَوَطْءُ الْبَهِيمَةِ، إِنْ قُلْنَا: يَجِبُ الْحَدُّ بِهِ، وَإِنْ قُلْنَا: يُعَزَّرُ، فَيُقْبَلُ بِشَاهِدَيْنِ، وَقِيلَ: بِأَرْبَعَةٍ، وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا كُلُّ وَطْءٍ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ فَقَطْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَطْئًا كَمُبَاشَرَةٍ دُونَ الْفَرْجِ، تَثْبُتُ بِشَاهِدَيْنِ وَجْهًا وَاحِدًا (وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ عُمْيَانًا، أَوْ بَعْضَهُمْ) أَوْ بَانَ فِيهِمْ صَبِيٌّ مُمَيِّزٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ عَبْدٌ، وَلَمْ يَقْبَلْهُ (فَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ لَمْ يَكْمُلِ الْعَدَدُ، وَكَمَا لَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَجْبُوبًا أَوْ رَتْقَاءَ (وَعَنْهُ: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ، لِأَنَّهُمْ أَرْبَعَةٌ فَدَخَلُوا
стр. 3051
شَاءَ، وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ. وَعَنْهُ: يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ وَهُوَ بَعِيدٌ، وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَتِهِ الْأُخْرَى، أَوْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَكَمَا لَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ مَسْتُورُونَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ وَصْفِهِ الزِّنَا، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهَا عَذْرَاءَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الْوَاضِحِ: تَزُولُ حَصَانَتُهَا بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ. وَالثَّالِثَةُ: تُحَدُّ الْعُمْيَانُ خَاصَّةً، وَقَالَهُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ كَذِبُهُمْ، وَالْبَاقِي يَجُوزُ صِدْقُهُمْ، وَقَدْ كَمُلَ عَدَدُهُمْ، أَشْبَهَ مَسْتُورِي الْحَالِ (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ زَوْجًا، حُدَّ الثَّلَاثَةُ) لِأَنَّهُمْ قَذَفَةٌ حَيْثُ لَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الزَّوْجِ غَيْرُ مَسْمُوعَةٍ (وَلَاعَنَ الزَّوْجُ إِنْ شَاءَ) لِأَنَّ الزَّوْجَ إِذَا قَذَفَ زَوْجَتَهُ لَهُ الْخِيرَةُ بَيْنَ اللِّعَانِ وَتَرْكِهِ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: لَا حَدَّ وَلَا لِعَانَ بِحَالٍ (وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ، وَاثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي بَيْتٍ أَوْ بَلَدٍ آخَرَ) أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْيَوْمِ (فَهُمْ قَذَفَةٌ وَعَلَيْهِمُ الْحَدُّ) اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَكْمُلْ أَرْبَعَةٌ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِمُ الْحَدُّ كَمَا لَوِ انْفَرَدَ بِالشَّهَادَةِ اثْنَانِ (وَعَنْهُ: يُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) فَقَطْ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا تُعْتَبَرُ شَهَادَةُ الْأَرْبَعِ عَلَى فِعْلٍ وَاحِدٍ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ عَدَدُ الشُّهُودِ فِي كَوْنِهَا زَانِيَةً (وَهُوَ بَعِيدٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ زِنًا وَاحِدٍ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ، فَلَمْ يَجِبِ الْحَدُّ، وَلِأَنَّ جَمِيعَ مَا تعتبر لَهُ الْبَيِّنَةُ يُعْتَبَرُ كَمَالُهَا فِي حَقٍّ وَاحِدٍ، فَالْمُوجِبُ لِلْحَدِّ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ مِمَّا يُحْتَاطُ لَهُ وَيَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ بَيْضَاءَ، وَآخَرَانِ بِامْرَأَةٍ سَوْدَاءَ، فَهُمْ قَذَفَةٌ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَهَذَا يُنَاقِضُ قَوْلَهُ (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَةِ بَيْتٍ) صَغِيرٍ (وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي زَاوِيَتِهِ الْأُخْرَى) كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ إِنْ كَانَتِ الزَّاوِيَتَانِ مُتَقَارِبَتَيْنِ، وَحُدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ التَّصْدِيقَ مُمْكِنٌ، فَلَمْ يَجُزِ التَّكْذِيبُ، لَا يُقَالُ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَشْهُودُ بِهِ فِعْلَيْنِ، فَلِمَ
стр. 3052
كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَكْمُلَ كَالَّتِي قَبْلَهَا. وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً، لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ، وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ، أَوْ شَاهِدَا الْمُطَاوَعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُحَدُّ الزَّانِي الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ دُونَ الْمَرْأَةِ وَالشُّهُودِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَوْجَبْتُمُ الْحَدَّ مَعَ الِاحْتِمَالِ وَهُوَ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ؟ لِأَنَّهُ لَا شُبْهَةَ فِيهِ، بِدَلِيلِ مَا لَوِ اتَّفَقَا عَلَى مَوْضِعٍ وَاحِدٍ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ عَلَى فِعْلَيْنِ، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ، أَمَّا لَوْ كَانَتِ الزَّاوِيَتَانِ مُتَبَاعِدَتَيْنِ، فَالْقَوْلُ فِيهِمَا كَالْقَوْلِ فِي الْبَيْتَيْنِ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ تُكْمَلُ الشَّهَادَةُ، سَوَاءٌ تَقَارَبَتَا أَوْ تَبَاعَدَتَا (أَوْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَبْيَضَ، وَشَهِدَ الْآخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصٍ أَحْمَرَ كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهَا قَمِيصَانِ، فَذَكَرَ كُلُّ اثْنَيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا، كَمَا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا فِي قَمِيصِ كَتَّانٍ، وَآخَرَانِ فِي قَمِيصِ خَزٍّ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا تَكْمُلَ كَالَّتِي قَبْلَهَا) وَقَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ شَهَادَتَهُمْ مُخْتَلِفَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوِ اخْتَلَفُوا فِي الْبَيْتَيْنِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُحَدُّونَ لِلْقَذْفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ (وَإِنْ شَهِدَا أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُطَاوِعَةً، وَشَهِدَ آخَرَانِ أَنَّهُ زَنَى بِهَا مُكْرَهَةً لَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ) عَلَى الْأَشْهَرِ، لِأَنَّ فِعْلَ الْمُطَاوِعَةِ غَيْرُ فِعْلِ الْمُكْرَهَةِ، فَعَلَى هَذَا: لَا يُحَدُّ الرَّجُلُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْقَاضِي، وَأَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَلَا الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَكْمُلْ عَلَى فِعْلٍ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ عَلَيْهِمَا (وَهَلْ يُحَدُّ الْجَمِيعُ) أَيِ: الْأَرْبَعَةُ، لِقَذْفِهِمُ الرَّجُلَ (أَوْ شَاهِدَا الْمُطَاوَعَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الْحَدُّ عَلَى شَاهِدَيِ الْمُطَاوَعَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، لِأَنَّهُمَا قَذَفَا الْمَرْأَةَ بِالزِّنَا، وَلَمْ تَكْمُلْ شَهَادَتُهُمْ عَلَيْهَا، وَلَا يَجِبْ عَلَى شَاهِدَيِ الْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَقْذِفَا الْمَرْأَةَ، وَقَدْ كَمُلَتْ شَهَادَتُهُمْ عَلَى الرَّجُلِ، وَإِنَّمَا انْتَفَى الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ.
وَالثَّانِي: يُحَدُّ الْجَمِيعُ، لِأَنَّهُمْ شَهِدُوا بِالزِّنَا، فَلَزِمَهُمُ الْحَدُّ كَمَا لَوْ لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: يُحَدُّ الزَّانِي الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) وَاخْتَارَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمُلَتْ عَلَى وُجُودِ الزِّنَا مِنْهُ، وَاخْتِلَافُهَا إِنَّمَا هُوَ فِي فِعْلِهَا فَلَا يَمْنَعُ كَمَالَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا (دُونَ الْمَرْأَةِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ بِزِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ، لِأَنَّهُ لَا حَدَّ مَعَ الْإِكْرَاهِ (وَالشُّهُودِ)
стр. 3053
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرْجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْحَدِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ. وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَيُغَرَّمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ مَا أَتْلَفُوهُ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا، وَلَا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّ الْمُقْتَضِيَ لَهُ لَمْ يُوجَدْ، وَفِي الْوَاضِحِ: لَا حَدَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ.
فَرْعٌ: إِذَا شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهَا بَيْضَاءُ وَآخَرَانِ غَيْرُهُ لَمْ تُقْبَلْ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَجْتَمِعْ عَلَى عَيْنٍ وَاحِدَةٍ، وَكَمَا لَوِ اخْتَلَفُوا فِي تَعَدُّدِ الْمَكَانِ أَوِ الزَّمَانِ بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، وَحُدُّوَا لِلْقَذْفِ.
[الرُّجُوعُ فِي الشَّهَادَةِ]
(وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ، فَرَجَعَ أَحَدُهُمْ قَبْلَ الْحَدِّ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الرَّاجِعِ، وَيُحَدُّ الثَّلَاثَةُ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الرَّاجِعَ كَالتَّائِبِ قَبْلَ تَنْفِيذِ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ، وَلِأَنَّ فِي دَرْءِ الْحَدِّ عَنْهُ تَمْكِينًا لَهُ مِنَ الرُّجُوعِ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ مَصْلَحَةُ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا حُدَّ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ بِرُجُوعِ الرَّاجِعِ نَقْصَ عَدَدِ الشُّهُودِ فَوَجَبَ أَنْ يُحَدُّوا، كَمَا لَوْ كَانُوا فِي الِابْتِدَاءِ كَذَلِكَ. وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّ الْجَمِيعُ، قَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ لِنَقْصِ الْعَدَدِ، كَمَا لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا يُحَدَّ سِوَى الرَّاجِعِ إِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْحُكْمِ وَقَبْلَ الْحَدِّ، وَلَوْ رَجَعَ الْكُلُّ، فَهَلْ يُحَدُّونَ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْوَاحِدِ (وَإِنْ كَانَ رُجُوعُهُ بَعْدَ الْحُكْمِ، فَلَا حَدَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ) لِأَنَّ الشَّهَادَةَ كَمُلَتْ، وَاتَّصَلَ بِهَا الْحُكْمُ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ لِعَدَمِ كَوْنِهِمْ قَذَفَةً (وَيُغَرَّمُ الرَّاجِعُ رُبْعَ مَا أَتْلَفُوهُ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِرُجُوعِهِ أَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ وَفِعْلِ غَيْرِهِ، فَيُقْبَلُ عَلَى نَفْسِهِ فَقَطْ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى الرَّاجِعِ أَيْضًا، وَنَقَلَهُ أَبُو النَّصْرِ، لِأَنَّهُ تَائِبٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يُحَدُّ، وَحَدُّهُ - إِنْ وُرِّثَ - حَدُّ الْقَذْفِ، فَإِنْ كَانَ رَجْمًا ضَمِنَ رُبْعَ الْمُتْلَفِ بِدِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا إِنْ صَرَّحَ بِالْخَطَأِ، وَإِنْ قَالَ: عَمَدْنَا الْكَذِبَ لِيُقْتَلَ، قُتِلَ وَحْدَهُ، وَإِنْ قَالَ: عَمَدْتُ ذَلِكَ وَحْدِي، فَهَلْ يَلْزَمُهُ قَوَدٌ؟ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي مُشَارَكَةِ الْعَامِدِ لِلْمُخْطِئِ (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا) لِأَنَّ الْبَكَارَةَ تَثْبُتُ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ، وَوُجُودُهَا يَمْنَعُ مِنَ الزِّنَا ظَاهِرًا، وَالشُّهُودُ صِدْقُهُمْ مُحْتَمَلٌ، فَإِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ وَطِئَهَا ثُمَّ عَادَتْ عُذْرَتُهَا، لَكِنْ ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ يُكْتَفَى بِشَهَادَةٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ شَهَادَتَهَا مَقْبُولَةٌ فِيمَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ، وَنَقَلَ أَبُو النَّصْرِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْبُوبِ: أَنَّ الشُّهُودَ قَذَفَةٌ، وَقَدْ أَحْرَزُوا
стр. 3054
عَلَى الشُّهُودِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا، لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ظُهُورَهُمْ، فَذُكِرَ لَهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: الْعَذْرَاءُ؟ قَالَ: عَنْهُ اخْتِلَافٌ، فَإِنْ رَجَمَهُ الْقَاضِي فَالْخَطَأُ مِنْهُ، قُلْتُ: فَتَرَى فِي هَذَا، أَوْ فِي مَنْ شُهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا، فَلَمْ يَسْأَلِ الْقَاضِي عَنْ إِحْصَانِهِ حَتَّى رَجَمَهُ، أَنَّ الدِّيَةَ فِي بَيْتِ الْمَالِ، لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَيْسَ عَلَيْهِ غُرْمٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَأَطْلَقَ ابْنُ رَزِينٍ فِي مَجْبُوبٍ وَنَحْوِهِ قَوْلَيْنِ بِخِلَافِ الْعَذْرَاءِ، وَفِي الشَّرْحِ: إِنْ شَهِدَ بِأَنَّهَا رَتْقَاءُ، أَوْ ثَبَتَ أَنَّ الرَّجُلَ مَجْبُوبٌ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الشُّهُودِ، لِأَنَّهُ مُتَيَقَّنٌ كَذِبُهُمْ (وَلَا عَلَى الشُّهُودِ، نَصَّ عَلَيْهِ) لِأَنَّ صِدْقَهُمْ مُحْتَمَلٌ، وَفِي الرِّعَايَةِ: وَلَا عَلَى الرَّجُلِ (وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ، فَشَهِدَ أَرْبَعَةٌ آخَرُونَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ هُمُ الزُّنَاةُ بِهَا لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ) لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ تَضَمَّنَتْ جَرْحَ الْأَوَّلِينَ، وَشَهَادَةُ الْآخَرِينَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهَا التُّهْمَةُ (وَهَلْ يُحَدُّ الشُّهُودُ الْأَوَّلُونَ حَدَّ الزِّنَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ إِحْدَاهُمَا: لَا يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الْأَوَّلِينَ قَدْ جَرَحَهُمُ الْآخَرُونَ بِشَهَادَتِهِمْ عَلَيْهِمْ، وَالْآخَرُونَ تَتَطَرَّقُ إِلَيْهِمُ التُّهْمَةُ، وَالثَّانِيَةُ: يُحَدُّونَ لَهَا، اخْتَارَهَا أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ شَهَادَةَ الْآخَرِينَ صَحِيحَةٌ فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا، وَعَلَى كِلْتَيْهِمَا فِي حَدِّهِمْ لِلْقَذْفِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا بِأَنَّهُمْ يُحَدُّونَ (وَإِنْ حَمَلَتِ امْرَأَةٌ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا سَيِّدَ، لَمْ تُحَدَّ بِذَلِكَ بِمُجَرَّدِهِ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ أَنَّهَا الْأَظْهَرُ، لَكِنَّهَا تُسْأَلُ، فَإِنِ ادَّعَتْ أَنَّهَا أُكْرِهَتْ، أَوْ وُطِئَتْ بِشُبْهَةٍ، أَوْ لَمْ تَعْتَرِفْ بِالزِّنَا، لَمْ تُحَدَّ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: بَلَى إِنْ لَمْ تَدَّعِ شُبْهَةً، وَفِي الْوَسِيلَةِ وَالْمَجْمُوعِ رِوَايَةٌ: وَلَوِ ادَّعَتْ شُبْهَةً، وَأَقْوَالُ الصَّحَابَةِ مُخْتَلِفَةٌ فِي ذَلِكَ حَتَّى بَالَغَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَقَالَ: إِنَّ الْمَرْأَةَ تَحْمِلُ مِنْ غَيْرِ وَطْءٍ، بِأَنْ تُدْخِلَ مَاءَ الرَّجُلِ فِي فَرْجِهَا، وَلِهَذَا تُصُوِّرَ حَمْلُ الْبِكْرِ وَوُجِدَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِزِنًا قَدِيمٍ، أَوْ أَقَرَّ بِهِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَكَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا أَقْبَلُ بَيِّنَةً عَلَى زِنًا قَدِيمٍ، وَأَحُدُّهُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ
стр. 3055
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ وَهُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، وَمَنْ قَذَفَ حُرًّا مُحْصَنًا، فَعَلَيْهِ جَلْدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً، إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، وَأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ عَبْدًا، وَهَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ؟
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَبِي مُوسَى مَذْهَبًا لِأَحْمَدَ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ، لِأَنَّ تَأْخِيرَ الشَّهَادَةِ إِلَى هَذَا الْوَقْتِ يَدُلُّ عَلَى التُّهْمَةِ، وَتُقْبَلُ الشَّهَادَةُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُدَّعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرَةَ.
[بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ]
[حَدُّ الْقَذْفِ لِلْحُرِّ وَالْعَبْدِ]
بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣] وَقَوْلُهُ ﵇: «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ، وَالسِّحْرُ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ، وَأَكْلُ الرِّبَا، وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَهُوَ الرَّمْيُ بِالزِّنَا) فَبَيَانٌ لِمَعْنَى الْقَذْفِ، وَكَذَا رَمْيُهُ بِلِوَاطٍ أَوْ شَهَادَةٌ عَلَيْهِ بِهِ، وَلَمْ تَكْمُلِ الْبَيِّنَةُ، وَأَصْلُهُ: الرَّمْيُ بِالْحَجَرِ بِخِلَافِ الْخَذْفِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فَإِنَّهُ الرَّمْيُ بِالْحَصَى، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَمْيُ الشَّيْءِ بِقُوَّةٍ، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي الرَّمْيِ بِالزِّنَا وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَكْرُوهَاتِ، يُقَالُ: قَذَفَ يَقْذِفُ قَذْفًا، فَهُوَ قَاذِفٌ، وَجَمْعُهُ قُذَّافٌ وَقَذَفَةٌ، كَفَاسِقٍ وَفَسَقَةٍ، وَكَافِرٍ وَكَفَرَةٍ (وَمَنْ قَذَفَ) وَهُوَ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ (حُرًّا مُحْصَنًا، فَعَلَيْهِ جَلْدُ ثَمَانِينَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ الْقَاذِفُ حُرًّا، وَأَرْبَعِينَ إِنْ كَانَ عَبْدًا) أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى مَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، حُرًّا كَانَ الْقَاذِفُ أَوْ عَبْدًا، وَأَنَّ حَدَّهُ ثَمَانُونَ إِنْ كَانَ حُرًّا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وَالرَّقِيقُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَيُرْوَى أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ جَلَدَ عَبْدًا قَذَفَ حُرًّا
стр. 3056
عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَقَذْفُ غَيْرُ الْمُحْصَنِ يُوجِبُ التَّعْزِيرَ، وَالْمُحْصَنُ هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: زَنَيْتِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ثَمَانِينَ، وَبِهِ قَالَ قَبِيصَةُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ: أَدْرَكْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَالْخُلَفَاءَ، هَلُمَّ جَرًّا، مَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَلَدَ عَبْدًا فِي فِرْيَةٍ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ، رَوَاهُ مَالِكٌ. كَحَدِّ الزِّنَا، وَالْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ عَامَّةً، فَدَلِيلُنَا خَاصٌّ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ، وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الْخِرَقِيِّ: يَكُونُ بِدُونِ سَوْطِ الْحُرِّ، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ذَاتَ مَحْرَمٍ أَوْ مَجْبُوبًا سِوَى وَلَدِهِ وَإِنْ نَزَلَ، نَصَّ عَلَى الثَّلَاثَةِ، وَلَوْ عُتِقَ قَبْلَ حَدٍّ، وَمُعْتَقٌ بَعْضُهُ بِالْحِسَابِ، وَقِيلَ: كَعَبْدٍ (وَهَلْ حَدُّ الْقَذْفِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِلْآدَمِيِّينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا وَهِيَ الْأَظْهَرُ وَالْأَشْهَرُ وَقَالَهُ الْجُمْهُورُ، هُوَ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ، فَعَلَيْهِ يَسْقُطُ بِعَفْوِهِ عَنْهُ، قَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ: لَا عَفْوُهُ عَنْ بَعْضِهِ.
وَالثَّانِيَةُ: هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ، قَدَّمَهَا فِي الرِّعَايَةِ، وَعَلَيْهَا لَا يَسْقُطُ بِالْعَفْوِ أَوِ الْإِبْرَاءِ، وَلَا يَسْتَوْفِيهِ إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ نَائِبُهُ، وَعَلَيْهِمَا: لَا يُحَدُّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعْرِضَ لَهُ إِلَّا بِطَلَبٍ، وَذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ إِجْمَاعًا، وَيَتَوَجَّهُ عَلَى الثَّانِيَةِ وَبِدُونِهِ، وَلَا يَسْتَوْفِيهِ بِنَفْسِهِ، خِلَافًا لِأَبِي الْخَطَّابِ، وَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ، وَعَلَّلَهُ الْقَاضِي بِأَنَّهُ تُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْإِمَامِ أَنَّهُ حَدٌّ، وَفِي الْبُلْغَةِ: لَا يَسْتَوْفِيهِ بِدُونِهِ، فَإِنْ فَعَلَ، فَوَجْهَانِ، وَإِنَّ هَذَا فِي الْقَذْفِ الصَّرِيحِ، وَإِنَّ غَيْرَهُ يَبْرَأُ بِهِ، سَوَاءٌ عَلَى خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ كَاعْتِبَارِ الْمُوَالَاةِ أَوِ النِّيَّةِ (وَقَذْفُ غَيْرِ الْمُحْصَنِ) كَمَنَ قَذَفَ مُشْرِكًا، أَوْ عَبْدًا، أَوْ مُسْلِمًا لَهُ دُونَ عَشْرِ سِنِينَ، أَوْ مُسْلِمَةً لَهَا دُونَ تِسْعِ سِنِينَ، أَوْ مَنْ لَيْسَ بِعَفِيفٍ (يُوجِبُ التَّعْزِيرَ) رَدْعًا لَهُ عَنْ أَعْرَاضِ الْمَعْصُومِينَ وَكَفَالَةً عَنْ أَذَاهُمْ، وَقِيلَ: سِوَى سَيِّدٍ لِعَبْدِهِ.
فَرْعٌ: يُحَدُّ أَبَوَاهُ وَإِنْ عَلَوْا بِقَذْفِهِ، وَإِنْ نَزَلَ كَقَوَدٍ، فَلَا يَرِثُهُ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ وَرِثَهُ أَخُوهُ لِأُمِّهِ، وَحُدَّ لَهُ لِتَبْعِيضِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يُحَدُّ أَبٌ، وَفِي أُمٍّ وَجْهَانِ (وَالْمُحْصَنُ) هُنَا (هُوَ الْحُرُّ الْمُسْلِمُ الْعَاقِلُ الْعَفِيفُ الَّذِي يُجَامِعُ مِثْلُهُ) هَذِهِ صِفَةُ الْمُحْصَنِ الَّذِي يُحَدُّ بِقَذْفِهِ، أَمَّا الْحُرِّيَّةُ وَالْإِسْلَامُ، فَلِأَنَّ الْعَبْدَ وَالْكَافِرَ حُرْمَتُهُمَا نَاقِصَةٌ، فَلَمْ يُنْتَهَضْ لِإِيجَابِ
стр. 3057
وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ، لَمْ يُحَدَّ، وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَدِّ، وَالْآيَةُ الْكَرِيمَةُ وَرَدَتْ فِي الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ، وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ فِي مَعْنَاهُمَا، وَأَمَّا الْعَقْلُ، فَلِأَنَّ الْمَجْنُونَ لَا يُعَيَّرُ بِالزِّنَا، لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِ، وَغَيْرُ الْعَاقِلِ لَا يَلْحَقُهُ شَيْنٌ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهِ لِكَوْنِهِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ، وَأَمَّا الْعِفَّةُ عَنِ الزِّنَا فَلِأَنَّ غَيْرَ الْعَفِيفِ لَا يَشِينُهُ الْقَذْفُ، وَالْحَدُّ إِنَّمَا وَجَبَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ، وَقَدْ أَسْقَطَ اللَّهُ الْحَدَّ عَنِ الْقَاذِفِ إِذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ بِمَا قَالَ، وَأَمَّا كَوْنُهُ يُجَامِعُ مِثْلُهُ فَلِأَنَّ غَيْرَ ذَلِكَ لَا يُعَيَّرُ بِالْقَذْفِ، لِتَحَقُّقِ كَذِبِ الْقَاذِفِ، وَأَقَلُّهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ إِنْ كَانَ ذَكَرًا، أَوْ تِسْعُ سِنِينَ إِنْ كَانَتْ أُنْثَى، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، بَلْ لَوْ كَانَ الْمَقْذُوفُ فَاسِقًا، كَشُرْبِهِ الْخَمْرَ أَوْ لِبِدْعَةٍ، وَلَمْ يُعْرَفْ بِالزِّنَا أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ، وَقَالَ الشِّيرَازِيُّ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مُبْتَدِعٍ وَلَا مُبْتَدِعَةٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِذَا قَذَفَ أُمَّ وَلَدٍ - رَجُلٌ، وَلَهُ مِنْهَا وَلَدٌ؟ حُدَّ، وَإِذَا قَذَفَ مُسْلِمٌ ذِمِّيَّةً تَحْتَ مُسْلِمٍ، أَوْ لَهَا مِنْهُ وَلَدٌ حُدَّ فِي رِوَايَةٍ، وَإِنْ قَذَفَ عَبْدٌ عَبْدًا جُلِدَ أَرْبَعِينَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَهَلْ يُشْتَرَطُ بُلُوغُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ، قِيلَ: إِنَّهَا مُخَرَّجَةٌ، وَلَيْسَتْ بِمَنْصُوصَةٍ لِأَنَّ غَيْرَ الْبَالِغِ غَيْرُ مُكَلَّفٍ، أَشْبَهَ الْمَجْنُونَ.
وَالثَّانِيَةُ: لَيْسَ بِشَرْطٍ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، وَقَطَعَ بِهَا الْقَاضِي وَالشَّرِيفُ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، لِأَنَّ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ وَنَحْوَهُ يَلْحَقُهُ الشَّيْنُ بِإِضَافَةِ الزِّنَا إِلَيْهِ وَيُعَيَّرُ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا جُعِلَ عَيْبًا فِي الرَّقِيقِ، أَشْبَهَ الْبَالِغَ، وَفِي اشْتِرَاطِ سَلَامَتِهِ مِنْ وَطْءٍ الشُّبْهَةِ وَجْهَانِ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ وَطْءَ الشُّبْهَةِ هَلْ يُوصَفُ بِالتَّحْرِيمِ أَمْ لَا؟ فَذُكِرَ عَنِ الْقَاضِي أَنَّهُ وَصَفَهُ بِهِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ عَدَمُ وَصْفِهِ بِذَلِكَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ آخَرِينَ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ السَّلَامَةُ فِي ذَلِكَ.
فَرْعٌ: إِذَا وَجَبَ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَبْلُغَ، وَيُطَالَبَ لِعَدَمِ اعْتِبَارِ كَلَامِهِ قَبْلَ الْبُلُوغِ، وَلَيْسَ لِوَلِيِّهِ الْمُطَالَبَةُ حِذَارًا مِنْ فَوَاتِ التَّشَفِّي، وَلَوْ قَذَفَ غَائِبًا اعْتُبِرَ قُدُومُهُ وَطَلَبُهُ إِلَّا أَنْ يَثْبُتَ أَنَّهُ طَالِبٌ فِي غَيْبَتِهِ، فَيُقَامُ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لَا لِاحْتِمَالِ عَفْوِهِ، وَلَوْ قَذَفَ عَاقِلًا فَجُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الطَّلَبِ لَمْ يُقَمْ حَتَّى يُفِيقَ وَيُطَالَبَ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الطَّلَبِ جَازَتْ إِقَامَتُهُ.
مَسْأَلَةٌ: يُشْتَرَطُ لِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْقَاذِفِ أَمْرَانِ: أَحَدُهُمَا: مُطَالَبَةُ الْمَقْذُوفِ، لِأَنَّهُ حَقٌّ
стр. 3058
وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ، وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ، وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ، فَأَنْكَرَهَا، عَلَى وَجْهَيْنِ. وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ، الثَّانِي: أَلَّا يَأْتِيَ بِبَيِّنَةٍ، فَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا، اعْتُبِرَ آخَرُ، وَهُوَ امْتِنَاعُهُ مِنَ اللِّعَانِ، وَتُعْتَبَرُ اسْتِدَامَةُ الطَّلَبِ إِلَى إِقَامَتِهِ، فَلَوْ طَلَبَ ثُمَّ عَفَا سَقَطَ، وَيُحَدُّ بِقَذْفٍ عَلَى جِهَةِ الْغَيْرَةِ - بِفَتْحِ الْغَيْنِ - وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ وَأَنَّهَا عُذْرٌ فِي غَيْبَةٍ وَنَحْوِهَا (وَإِنْ قَالَ) لِمُحْصَنَةٍ (زَنَيْتِ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ، وَفَسَّرَهُ بِصِغَرٍ عَنْ تِسْعِ سِنِينَ لَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّ حَدَّ الْقَذْفِ إِنَّمَا وَجَبَ لِمَا يَلْحَقُ بِالْمَقْذُوفِ مِنَ الْعَارِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ لِلصِّغَرِ، بَلْ يُعَزَّرُ، زَادَ فِي الْمُغْنِي: إِنْ رَآهُ الْإِمَامُ، وَأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى طَلَبٍ، لِأَنَّهُ لِتَأْدِيبِهِ (وَإِلَّا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَكَذَا فِي الْفُرُوعِ، فِي اشْتِرَاطِ الْبُلُوغِ، جَزَمَ فِي الْوَجِيزِ بِالْحَدِّ (وَإِنْ قَالَ لِحُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ: زَنَيْتِ، وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، وَلَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِأَنَّهُ يُعْلَمُ كَذِبُهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ، فَإِنْ ثَبَتَ فَلَا حَدَّ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ) لَمْ يُحَدَّ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَقَالَتْ: أَرَدْتَ قَذْفِي فِي الْحَالِ فَأَنْكَرَهَا) فَهَلْ يُحَدُّ، أَوْ يُعَزَّرُ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ لَفْظِهِ يَقْتَضِي تَعْلِيقَ: وَأَنْتِ نَصْرَانِيَّةٌ أَوْ أَمَةٌ، بِقَوْلِهِ: زَنَيْتِ فَيَصِيرُ كَأَنَّهُ قَالَ لَهَا: زَنَيْتِ حَالَ النَّصْرَانِيَّةِ أَوِ الرِّقِّ، وَلَا حَدَّ مَعَ ذَلِكَ، لِأَنَّ ارْتِبَاطَ الْكَلَامِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ عَدَمِ ارْتِبَاطِهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ إِنْ أَضَافَهُ إِلَى جُنُونٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ مِمَّنْ يُجَنُّ لَمْ يَقْذِفْهُ، وَفِي الْمُغْنِي: إِنِ ادَّعَى أَنَّهُ كَانَ مَجْنُونًا حِينَ قَذَفَهُ، فَأَنْكَرَتْ، وَعُرِفَتْ لَهُ حَالَةُ جُنُونٍ وَإِفَاقَةٍ، فَوَجْهَانِ، وَإِنِ ادَّعَى رِقَّ مَجْهُولَةٍ فَرِوَايَتَانِ، وَإِنِ ادَّعَى أَنَّ قَذْفًا مُتَقَدِّمًا كَانَ فِي صِغَرٍ، أَوْ قَالَ: زَنَيْتِ مُكْرَهَةً، أَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ، ثُمَّ ثَبَتَ زِنَاهَا فِي كُفْرٍ، لَمْ يُحَدَّ كَثُبُوتِهِ فِي إِسْلَامٍ، وَفِي الْمُبْهِجِ: إِنْ قَذَفَهُ بِمَا أَتَى فِي الْكُفْرِ حُدَّ لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَسَأَلَهُ ابْنُ مَنْصُورٍ: رَجُلٌ رَمَى امْرَأَةً بِمَا فَعَلَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ؟ قَالَ: يُحَدُّ، وَذَكَرَ الْقَاضِي: لَوْ قَالَ ابْنُ عِشْرِينَ لِابْنِ خَمْسِينَ: زَنَيْتَ مِنْ ثَلَاثِينَ سَنَةً، لَمْ يُحَدَّ، وَهُوَ سَهْوٌ (وَمَنْ قَذَفَ مُحْصَنًا، فَزَالَ إِحْصَانُهُ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ،
стр. 3059
فَصْلٌ وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ، فَيَعْتَزِلُهَا، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا وَنَفْيُ وَلَدِهَا، الثَّانِي: أَلَّا تَأْتِيَ بِوَلَدٍ يَجِبُ نَفْيُهُ، أَوِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ زِنَاهَا، أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ عَنِ الْقَاذِفِ) نَصَّ عَلَيْهِ. حَكَمَ حَاكِمٌ بِوُجُوبِهِ أَمْ لَا، لِأَنَّ الْحَدَّ يُعْتَبَرُ بِوَقْتِ وُجُوبِهِ، وَكَمَا لَا يَسْقُطُ بِرِدَّتِهِ وَجُنُونِهِ، وَبِخِلَافِ فِسْقِ الشُّهُودِ قَبْلَ الْحُكْمِ لِضِيقِ الشَّهَادَةِ، وَعَلَّلَهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ، وَبِأَنَّ الزِّنَا نَوْعُ فِسْقٍ، وَاحْتِمَالُ وُجُودِ الْجِنْسِ أَكْثَرُ مِنَ النَّوْعِ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ مُزِيلُهُ عَلَى الْقَذْفِ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ.
[يَحْرُمُ الْقَذْفُ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ]
فَصْلٌ
(وَالْقَذْفُ مُحَرَّمٌ إِلَّا فِي مَوْضِعَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَرَى امْرَأَتَهُ تَزْنِي فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ) زَادَ فِي التَّرْغِيبِ وَالرِّعَايَةِ: وَلَوْ دُونَ الْفَرْجِ، وَفِي الْمُغْنِي: أَوْ تُقِرُّ بِهِ فَيُصَدِّقُهَا (فَيَعْتَزِلُهَا، وَتَأْتِي بِوَلَدٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الزَّانِي، زَادَ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: وَكَذَا لَوْ وَطِئَهَا فِي طُهْرٍ زَنَتْ فِيهِ، وَظَنَّ الْوَلَدَ مِنَ الزَّانِي (فَيَجِبُ عَلَيْهِ قَذْفُهَا) لِأَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ وَاجِبٌ، وَلَا يُمْكِنُ إِلَّا بِالْقَذْفِ، لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ وَاجِبٌ (وَنَفْيُ وَلَدِهَا) لِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى الْيَقِينِ فِي أَنَّ الْوَلَدَ مِنَ الزَّانِي لِكَوْنِهَا أَتَتْ بِهِ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ الْوَطْءِ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَدْخَلَتْ عَلَى قَوْمٍ مَنْ لَيْسَ مِنْهُمْ، فَلَيْسَتْ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ، وَلَنْ يُدْخِلَهَا اللَّهُ جَنَّتَهُ» وَلَا شَكَّ أَنَّ الرَّجُلَ مِثْلُهَا، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّتْ بِالزِّنَا، وَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ صِدْقُهَا.
(الثَّانِي: أَلَّا تَأْتِيَ بِوَلَدٍ يَجِبُ نَفْيُهُ) لِأَنَّ بِالزَّوْجِ حَاجَةً إِلَى فَسْخِ النِّكَاحِ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ زَوْجَةٍ شَأْنُهَا كَذَلِكَ، لِحَدِيثِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيِّ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ (أَوِ اسْتَفَاضَ فِي النَّاسِ زِنَاهَا) وَقَدَّمَ فِي الْمُغْنِي
стр. 3060
ثِقَةٌ، أَوْ رَأَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا، فَيُبَاحُ قَذْفُهَا وَلَا يَجِبُ، وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ.
فَصْلٌ وَ أَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ، فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانِي، يَا عَاهِرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَالشَّرْحِ لَا تَكْفِي اسْتِفَاضَةٌ بِلَا قَرِينَةٍ (أَوْ أَخْبَرَهُ بِهِ ثِقَةٌ) فَلَوْ كَانَ يُخْبِرُ مَنْ لَا يُوثَقُ بِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْكَذِبِ عَلَيْهَا (أَوْ رَأَى رَجُلًا يُعْرَفُ بِالْفُجُورِ يَدْخُلُ إِلَيْهَا) زَادَ فِي التَّرْغِيبِ: خَلْوَةً (فَيُبَاحُ قَذْفُهَا) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ فُجُورُهَا (وَلَا يَجِبُ) لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُ فِرَاقُهَا، وَالسُّكُوتُ هُنَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلِأَنَّ قَذْفَهَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَحْلِفَ أَحَدُهُمَا كَاذِبًا، أَوْ يُقِرَّ فَيَفْتَضِحَ.
فَرْعٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِذَا قَالَ: أَخْبَرَتْنِي أَنَّهَا زَنَتْ، فَكَذَّبَتْهُ، فَفِي كَوْنِهِ قَاذِفًا نِزَاعٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ جُعِلَ قَذْفًا، أَوْ قَذَفَهَا صَرِيحًا، فَلَهُ اللِّعَانُ، وَلَوْ حَلَفَ بِالطَّلَاقِ أَنَّهَا قَالَتْ لَهُ، فَأَنْكَرَتْهُ، لَمْ تُطَلَّقْ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ، وَلَوْ أَسْقَطَتْ جَنِينًا بِسَبَبِ الْقَذْفِ لَمْ يَضْمَنْهُ، وَاخْتَارَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: الْمُبَاحُ أَنَّهُ يَرَاهَا تَزْنِي، أَوْ يَظُنُّهُ وَلَا وَلَدَ (وَإِنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ يُخَالِفُ لَوْنُهُ لَوْنَهُمَا) كَأَبْيَضَ بَيْنَ أَسْوَدَيْنِ، أَوْ بِالْعَكْسِ (لَمْ يُبَحْ نَفْيُهُ بِذَلِكَ) اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «لَعَلَّهُ نَزَعَةُ عِرْقٌ» ، وَلِأَنَّ دَلَالَةَ الشَّبَهِ ضَعِيفَةٌ، وَدَلَالَةُ الْفِرَاشِ قَوِيَّةٌ، بِدَلِيلِ قَضِيَّةِ سَعْدٍ وَعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ (وَقَالَ) الْقَاضِي وَ (أَبُو الْخَطَّابِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ إِبَاحَتُهُ) لِقَوْلِهِ ﵇: إِنْ جَاءَتْ بِهِ جَعْدًا. الْخَبَرَ. فَجَعَلَ الشَّبَهَ دَلِيلًا عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِهِ عَنْهُ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ لِعَانِهِ وَنَفْيِهِ إِيَّاهُ عَنْ نَفْسِهِ، فَجَعَلَ الشَّبَهَ مُرَجِّحًا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّ لَهُ نَفْيَهُ بِقَرِينَةٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنِ اسْتَبْرَأَهَا بِحَيْضَةٍ جَازَ النَّفْيُ فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ يَعْزِلُ عَنْهَا فَلَا، لِخَبَرِ أَبِي سَعِيدٍ.
[أَلْفَاظُ الْقَذْفِ]
[أَلْفَاظُ الْقَذْفِ الصَّرِيحَةُ]
فَصْلٌ
(وَأَلْفَاظُ الْقَذْفِ تَنْقَسِمُ إِلَى: صَرِيحٍ، وَكِنَايَةٍ) لِأَنَّهَا أَلْفَاظٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهَا حُكْمٌ شَرْعِيٌّ،
стр. 3061
زَنَى فَرْجُكَ، وَنَحْوُهُ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ، وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ، فَهُوَ صَرِيحٌ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ، فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَعِيدٌ. وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرِّجَالِ، احْتَمَلَ وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ، فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ، وَإِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَانْقَسَمَتْ إِلَى ذَلِكَ كَالطَّلَاقِ (فَالصَّرِيحُ قَوْلُهُ: يَا زَانِي، يَا عَاهِرُ زَنَى فَرْجُكَ، وَنَحْوُهُ) كَزَنَيْتَ، وَيَا مَنْيُوكُ (مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْقَذْفِ، فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِمَا يُحِيلُهُ) لِأَنَّهُ صَرِيحٌ فِيهِ، أَشْبَهَ صَرِيحَ الطَّلَاقِ (وَإِنْ قَالَ: يَا لُوطِيُّ، يَا مَعْفُوجُ) هُوَ مَفْعُولٌ مِنْ: عَفَجَ، يَعْنِي: نَكَحَ، فَكَأَنَّهُ بِمَعْنَى مَنْكُوحٍ، أَيْ: مَوْطُوءٍ (فَهُوَ صَرِيحٌ) فِي الْمَنْصُوصِ، وَعَلَيْهِ الْحَدُّ فِيهِمَا إِذَا قَذَفَهُ بِعَمَلِ قَوْمِ لُوطٍ فَاعِلًا أَوْ مَفْعُولًا، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ اللُّوطِيَّ الزَّانِي بِالذُّكُورِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: يَا زَانِي، وَحِينَئِذٍ لَا يُسْمَعُ تَفْسِيرُهُ بِمَا يُحِيلُ الْقَذْفَ، وَعَنْهُ: مَعَ غَضَبٍ، لِأَنَّ قَرِينَةَ الْغَضَبِ تَدُلُّ عَلَى إِرَادَةِ الْقَذْفِ بِخِلَافِ حَالَةِ الرِّضَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ مِنْ قَوْمِ لُوطٍ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ) وَهَذَا رِوَايَةٌ نَقَلَهَا الْمَرُّوذِيُّ، لِأَنَّهُ فَسَّرَ كَلَامَهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، كَمَا لَوْ فَسَّرَهُ بِهِ مُتَّصِلًا بِكَلَامِهِ (وَهُوَ بِعِيدٌ) لَأَنَّ إِطْلَاقَ لَفْظِهِ وَإِرَادَةَ مِثْلِ ذَلِكَ فِيهِ بُعْدٌ، مَعَ أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَلَوْ قَذَفَ امْرَأَةً أَنَّهَا وُطِئَتْ فِي دُبُرِهَا، أَوْ قَذَفَ رَجُلًا بِوَطْءِ امْرَأَةٍ فِي دُبُرِهَا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، وَقِيلَ: لَا، وَمَبْنَى الْخِلَافِ هُنَا عَلَى الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ (وَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أَنَّكَ تَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ غَيْرَ إِتْيَانِ الرِّجَالِ، احْتُمِلَ وَجْهَيْنِ) .
أَشْهَرُهُمَا: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ، لِأَنَّهُ فَسَّرَ اللَّفْظَ بِمَا لَا يَحْتَمِلُهُ غَالِبًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ: يَا زَانِي.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَا يُحَدُّ، لِأَنَّ مَا فَسَّرَ بِهِ كَلَامَهُ مُحْتَمِلُ الْإِرَادَةِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ.
فَرْعٌ: إِذَا فَسَّرَ يَا مَنْيُوكَةُ بِفِعْلِ زَوْجٍ، فَلَيْسَ قَذْفًا، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالتَّبْصِرَةِ، وَزَادَ: إِنْ أَرَادَ بِـ " زَانِي " الْعَيْنِ، أَوْ يَا عَاهِرَ الْيَدِ، لَمْ يُقْبَلْ مَعَ سَبْقِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَذْفٍ صَرِيحٍ (وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِ فُلَانٍ، فَقَدْ قَذَفَ أُمَّهُ) فِي الْمَنْصُوصِ إِلَّا مَنْفِيًّا بِلِعَانٍ لَمْ يَسْتَلْحِقْهُ أَبُوهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْهُ بِزِنَا أُمِّهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَقْضِي أَنَّ أُمَّهُ أَتَتْ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ، وَذَلِكَ قَذْفٌ
стр. 3062
قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِي، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ، أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةٍ، أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَإِنْ قَالَ زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لَهَا، وَكَذَا إِنْ نَفَاهُ عَنْ قَبِيلَتِهِ، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ لِنَفْيِ الرَّجُلِ عَنْ قَبِيلَتِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّمْيُ بِالزِّنَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِأَعْجَمِيٍّ: إِنَّكَ عَرَبِيٌّ (وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ بِوَلَدِي، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَظْهَرُهُمَا: أَنَّهُ كِنَايَةٌ فِي قَذْفِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُغْلِظَ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ لِوَلَدِهِ.
وَالثَّانِي: هُوَ صَرِيحٌ، لِأَنَّهُ نَفَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، أَشْبَهَ نَفْيَ وَلَدِ غَيْرِهِ عَنْ أَبِيهِ.
فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ لَمْ تَفْعَلْ كَذَا، فَلَسْتَ ابْنَ فُلَانٍ، فَلَا حَدَّ، لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ قَالَ: لَسْتَ ابْنَ فُلَانَةٍ، عُذِّرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ أَحَدًا بِالزِّنَا (وَإِنْ قَالَ: أَنْتَ أَزْنَى النَّاسِ) فَهُوَ قَاذِفٌ فِي قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ أَضَافَ إِلَيْهِ الزِّنَا بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ (أَوْ أَزْنَى مِنْ فُلَانَةٍ) فَكَذَلِكَ فِي قَوْلِ الْقَاضِي، لِأَنَّ أَزَنَى مَعْنَاهُ الْمُبَالَغَةُ، فَفِيهِ الزِّنَا وَزِيَادَةٌ، وَقَدَّمَ فِي الْكَافِي: لَا، لِأَنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ تُسْتَعْمَلُ لِلْمُنْفَرِدِ بِالْفِعْلِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَيْسَ بِقَذْفٍ إِلَّا أَنْ يُرِيدَهُ، لِأَنَّ مَوْضُوعَ اللَّفْظِ يَقْتَضِي ذَلِكَ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ أَنْتَ أَزْنَى مِنْ زَيْدٍ فَقَدْ قَذَفَهُمَا صَرِيحًا، وَقِيلَ: كِنَايَةً، وَقِيلَ: لَيْسَ بِقَذْفٍ لِزَيْدٍ، وَهُوَ أَقَيْسُ (أَوْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِيَةُ، أَوْ لِامْرَأَةٍ: يَا زَانِي) فَصَرِيحٌ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ اللَّفْظَ صَرِيحٌ فِي الزِّنَا، وَزِيَادَةُ الْهَاءِ وَحَذْفُهَا خَطَأٌ لَا يُغَيِّرُ الْمَعْنَى كَاللَّحْنِ، وَكَفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِهَا لَهُمَا خِلَافًا لِلرِّعَايَةِ فِي عَالِمٍ بِعَرَبِيَّةٍ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ كَمَا يَأْتِي أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ إِلَّا أَنْ يُفَسِّرَ بِهِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّهُ عَلَّامَةٌ فِي الزِّنَا، كَمَا يُقَالُ لِلْعَالِمِ: عَلَّامَةٌ (أَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدَاكَ وَرِجْلَاكَ، فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْقَذْفِ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ زِنَا الْفَرْجِ (وَلَيْسَ بِصَرِيحٍ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ فِي الْأَخِيرَةِ، لِأَنَّ زِنَا هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، لِقَوْلِهِ ﵇:
стр. 3063
مَهْمُوزًا فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا. وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ، فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كَالَّتِي قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلِهِ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِهِ، وَغَطَّيْتِ أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ، وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا، وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ:
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
«الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ» ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوْلَى أَنْ يُرْجَعَ إِلَى تَفْسِيرِهِ. انْتَهَى. وَكَذَا الْخِلَافُ لَوْ أَفْرَدَ، فَلَوْ قَالَ: زَنَتْ يَدُكَ فَقَذْفٌ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَكَذَا الْعَيْنُ فِي التَّرْغِيبِ، وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ: لَا.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا قَالَ يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِيَةِ، لَزِمَهُ حَدَّانِ، فَإِنْ تَشَاحَّا قُدِّمَ حَدُّ الِابْنِ، وَعَنْهُ: حَدٌّ وَاحِدٌ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَتْ أُمُّهُ حَيَّةً فَقَدْ قَذَفَهَا مَعَهُ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَقَدْ قَذَفَهُ وَحْدَهُ (وَإِنْ قَالَ زَنَأْتَ فِي الْجَبَلِ مَهْمُوزًا فَهُوَ صَرِيحٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ) وَأَبِي الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ عَامَّةَ النَّاسِ لَا يَفْهَمُونَ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الْقَذْفَ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ الْعَرَبِيَّةَ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا) لِأَنَّ مَعْنَاهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ طَلَعْتَ، وَعَلَيْهِمَا إِنْ قَالَ: أَرَدْتُ الصُّعُودَ فِي الْجَبَلِ قُبِلَ (وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: فِي الْجَبَلِ) أَيْ: زَنَأْتَ (فَهَلْ هُوَ صَرِيحٌ، أَوْ كَالَّتِي قَبْلَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ صَرِيحٌ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ مَعَ عَدَمِ الْقَوْلِ فِي الْجَبَلِ يَتَمَحَّضُ الْقَذْفُ، وَقِيلَ: هُوَ كَالَّتِي قَبْلَهَا، أَحَدُهُمَا: يَكُونُ صَرِيحًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ وَالْعَالِمِ بِالْعَرَبِيَّةِ، وَالثَّانِي: الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، وَقِيلَ: لَا قَذْفَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهَا لَفْظَةُ عِلْقٍ، وَذَكَرَهَا شَيْخُنَا صَرِيحَةً، وَمَعْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ رَزِينٍ: كُلُّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ عُرْفًا.
[أَلْفَاظُ الْقَذْفِ الْكِنَايَةُ]
(وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ قَوْلَهِ لِامْرَأَتِهِ: قَدْ فَضَحْتِهِ) أَيْ: بِشَكْوَاكِ (وَغَطَّيْتِ أَوْ نَكَّسْتِ رَأْسَهُ) أَيْ: حَيَاءً مِنَ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ (وَجَعَلْتِ لَهُ قُرُونًا) أَيْ: أَنَّهُ: مُسَخَّرٌ لَكَ مُطِيعٌ مُنْقَادٌ كَالثَّوْرِ (وَعَلَّقْتِ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ) أَيْ: مِنْ زَوْجٍ آخَرَ، أَوْ وَطْءِ شُبْهَةٍ (وَأَفْسَدْتِ فِرَاشَهُ) أَيْ: بِالنُّشُوزِ، أَيْ: بِالشِّقَاقِ
стр. 3064
يَا حَلَالُ يَا ابْنَ الْحَلَالِ مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَا، يَا عَفِيفُ، أَوْ يَا فَاجِرَةُ، يَا قَحْبَةُ، يَا خَبِيثَةُ، أَوْ يَقُولُ لِعَرَبِيٍّ: يَا نَبَطِيُّ، يَا فَارِسِيُّ، يَا رُومِيُّ، أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ، أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ، فَهَذَا كُلُّهُ كِنَايَةٌ، إِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرَ الْقَذْفِ، قُبِلَ قَوْلُهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَفِي الْآخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ، وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَبِمَنْعِ الْوَطْءِ (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ يُخَاصِمُهُ: يَا حَلَالُ يَا ابْنَ الْحَلَالِ) لِأَنَّهُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، (مَا يَعْرِفُكَ النَّاسُ بِالزِّنَا) حَقِيقَةُ النَّفْيِ، أَيْ: مَا أَنْتَ بِزَانٍ وَلَا أُمُّكَ زَانِيَةٌ (يَا عَفِيفُ) كَوْنُهُ كَذَلِكَ حَقِيقَةً، وَكَذَا يَا نَظِيفُ، يَا خَنِيثُ بِالنُّونِ، وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ بِالْبَاءِ (أَوْ يَا فَاجِرَةُ) أَيْ: كَوْنُهَا مُخَالِفَةً لِزَوْجِهَا فِيمَا يَجِبُ طَاعَتُهَا فِيهِ (يَا قَحْبَةُ) قَالَ السَّعْدِيُّ: قَحَبَ الْبَعِيرُ وَالْكَلْبُ: سَعَلَ، وَهِيَ فِي زَمَانِنَا الْمُعَدَّةُ لِلزِّنَا (يَا خَبِيثَةُ) وَهِيَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنْ خَبُثَ الشَّيْءُ فَهُوَ خَبِيثٌ (أَوْ يَقُولُ لِعَرَبِيٍّ: يَا نَبَطِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى النَّبَطِ، وَهُمْ: قَوْمٌ يَنْزِلُونَ بِالْبَطَائِحِ بَيْنَ الْعِرَاقَيْنِ (يَا فَارِسِيُّ) مَنْسُوبٌ إِلَى فَارِسَ، وَهِيَ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ، وَأَهْلُهَا الْفُرْسُ، وَفَارِسٌ أَبُوهُمْ (يَا رُومِيُّ) نِسْبَةٌ إِلَى الرُّومِ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ الرُّومُ بْنُ عِيصُو بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ (أَوْ يَسْمَعُ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَيَقُولُ: صَدَقْتَ) أَيْ: فِي غَيْرِ الْإِخْبَارِ الْمَذْكُورِ (أَوْ أَخْبَرَنِي فُلَانٌ أَنَّكَ زَنَيْتَ، وَكَذَّبَهُ الْآخَرُ) أَيْ: مُوَافِقٌ لِلْكَذِبِ، أَوْ مَا أَنَا بِزَانٍ، أَوْ مَا أُمِّي بِزَانِيَةٍ (فَهَذَا كُلُّهُ كِنَايَةٌ إِنْ فَسَّرَهُ بِمَا يَحْتَمِلُهُ غَيْرَ الْقَذْفِ) وَعَنْهُ بِقَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ (قُبِلَ قَوْلُهَ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ غَيْرَ الزِّنَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ، فَهُوَ إِذَنْ فَسَّرَ الْكَلَامَ بِمَا يَحْتَمِلُهُ، وَعَلَيْهِ يُعَزَّرُ (وَفِي الْآخَرِ: جَمِيعُهُ صَرِيحٌ) فَيُحَدُّ بِهِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ، وَذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ عَنِ الْخِرَقِيِّ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا، فَوَجَبَ حَمْلُهَا عَلَيْهِ بِظَاهِرِ الْحَالِ وَالِاسْتِعْمَالِ، فَعَلَى هَذَا: إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ، لَمْ يُقْبَلْ كَالزَّانِي، وَعَنْهُ: لَا يُحَدُّ إِلَّا بِنِيَّةٍ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ، وَالْقَرِينَةُ كَكِنَايَةِ طَلَاقٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: هُوَ قَذْفٌ بِنِيَّةٍ، وَلَا يَحْلِفُ مُنْكِرُهَا، وَيَلْزَمُهُ الْحَدُّ بَاطِنًا، وَفِي لُزُومِ إِظْهَارِهَا وَجْهَانِ.
стр. 3065
جَمِيعِهِمْ، عُزِّرَ، وَلَمْ يُحَدَّ. وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدُّ؟ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَنْبِيهٌ: لَا حَدَّ بِالتَّعْرِيضِ، كَقَوْلِهِ: يَا حَلَالُ ابْنَ الْحَلَالِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ، يُعَرِّضُ بِنَفْيِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ بِذَلِكَ حَدٌّ» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ التَّعْرِيضَ بِالْخِطْبَةِ دُونَ التَّصْرِيحِ بِهَا، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَيْهِ الْحَدُّ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ، وَهِيَ أَظْهَرُهُمَا، قَالَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ، فَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالَةِ خُصُومَةٍ، وَلَا وُجِدَتْ قرينة فَلَا يَكُونُ قَذْفًا (وَإِنْ قَذَفَ أَهْلَ بَلْدَةٍ أَوْ جَمَاعَةً لَا يُتَصَوَّرُ الزِّنَا مِنْ جَمِيعِهِمْ) عَادَةً وَعُرْفًا (عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ) لِأَنَّهُ لَا عَارَ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِذَلِكَ لِلْقَطْعِ بِكَذِبِ الْقَاذِفِ، وَيُعَزَّرُ عَلَى مَا أَتَى بِهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ وَالزُّورِ، كَمَا لَوْ سَبَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَذْفِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُعَزَّرُ، وَلَوْ لَمْ يَطْلُبْهُ أَحَدٌ، وَفِي الْمُغْنِي: لَا يَحْتَاجُ التَّعْزِيرُ إِلَى مُطَالَبَةٍ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يُعَزَّرُ حَيْثُ لَا حَدَّ.
مَسَائِلُ: يُعَزَّرُ فِي: يَا كَافِرُ، يَا فَاجِرُ، يَا حِمَارُ، يَا تَيْسُ، يَا رَافِضِيُّ، يَا خَبِيثَ الْبَطْنِ، أَوِ الْفَرْجِ، يَا عَدُوَّ اللَّهِ، يَا ظَالِمُ، يَا كَذَّابُ، يَا خَائِنُ، يَا شَارِبَ الْخَمْرِ، يَا مُخَنَّثُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ: فَاسِقٌ كِنَايَةٌ، وَمُخَنَّثٌ تَعْرِيضٌ، وَيُعَزَّرُ فِي: قَرْنَانَ، وَقَوَّادٍ، وَسَأَلَهُ حَرْبٌ: عَنْ دَيُّوثٍ، فَقَالَ: يُعَزَّرُ، وَفِي الْمُبْهِجِ: دَيُّوثٌ قَذْفٌ لِامْرَأَتِهِ، وَمِثْلُهُ: كَشْخَانُ، وَقَرْطَبَانُ، وَيَتَوَجَّهُ فِي مَأْبُونٍ كَمُخَنَّثٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ: لَمْ أَجِدْكِ عَذْرَاءَ كِنَايَةٌ، وَإِنَّ مَنْ قَالَ لِظَالِمٍ ابْنِ ظَالِمٍ: جَبَرَكَ اللَّهُ وَرَحِمَ سَلَفَكَ، يُعَزَّرُ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ
١ -
(وَإِنْ قَالَ لِرَجُلٍ: اقْذِفْنِي فَقَذَفَهُ، فَهَلْ يُحَدُّ) أَوْ يُعَزَّرُ؟ (عَلَى وَجْهَيْنِ) .
أَحَدُهُمَا: يُعَزَّرُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْمَقْذُوفَ رَضِيَ بِقَذْفِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَذَفَ نَفْسَهُ.
وَالثَّانِي: يُحَدُّ، لِأَنَّ الْمُوجِبَ لَهُ الْقَذْفُ، وَقَدْ وُجِدَ، وَقَوْلُهُ لَا أَثَرَ لَهُ، لِأَنَّ الْقَذْفَ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ، وَفِي النِّهَايَةِ وَالشَّرْحِ: هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي حَدِّ الْقَذْفِ، وَهَلْ هُوَ حَقٌّ لِلَّهِ فَلَا
стр. 3066
وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ، لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا. وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ، وَإِنْ قُذِفَتْ، وَهِيَ مَيِّتَةٌ: مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً، حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الِابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَسْقُطُ بِالْإِذْنِ فِيهِ كَالزِّنَا، أَوْ لِآدَمِيٍّ فَيَسْقُطُ كَمَا لَوْ أَذِنَ فِي إِتْلَافِ مَالِهِ، وَيُعَزَّرُ لِأَنَّهُ فَعَلَ مُحَرَّمًا لَا حَدَّ فِيهِ (وَإِنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: يَا زَانِيَةُ، فَقَالَتْ: بِكَ زَنَيْتُ، لَمْ تَكُنْ قَاذِفَةً) لِأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ فِيمَا قَالَ، فَلَمْ يَجِبْ حَدٌّ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: صَدَقْتَ (وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ بِتَصْدِيقِهَا) لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الزِّنَا مِنْهَا بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ زَانِيًا، بِأَنْ يَكُونَ قَدْ وَطِئَهَا بِشُبْهَةٍ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهَا حَدٌّ، لِأَنَّهَا لَمْ تُقِرَّ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، وَإِنْ قَالَ: زَنَى بِكِ فُلَانٌ، فَقَدْ قَذَفَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَخَرَجَ فِيهَا رِوَايَتَانِ: فَعَلَى أَنَّهَا لَمْ تَقْذِفْهُ، يَتَخَرَّجُ: لَوْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ لَمْ يَقْذِفْهَا، لِاحْتِمَالِ أَنَّهَا مُكْرَهَةٌ أَوْ نَائِمَةٌ، وَجَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ فِي الزَّوْجَةِ، وَلَوْ كَانَ قَوْلُهَا: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي، أَوْ زَنَيْتُ وَأَنْتَ أَزْنَى مِنِّي، فَقَدْ قَذَفَتْهُ، وَفِي الرِّعَايَةِ وَجْهٌ، وَإِنْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ، قَالَتْ: بَلْ أَنْتَ زَانٍ، حُدَّا، وَعَنْهُ: لَا لِعَانَ، وَتُحَدُّ هِيَ فَقَطْ، وَهِيَ سَهْوٌ عِنْدَ الْقَاضِي (وَإِذَا قُذِفَتِ الْمَرْأَةُ لَمْ يَكُنْ لِوَلَدِهَا الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَتِ الْأُمُّ فِي الْحَيَاةِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لِلتَّشَفِّي، فَلَا يَقُومُ فيه غير الْمُسْتَحِقُّ مَقَامَهُ كَالْقِصَاصِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا إِذَا مَاتَتْ وَوَرَّثَتْ حَدَّ الْقَذْفِ فَلِوَارِثِهِ الْمُطَالَبَةُ إِذَنْ (وَإِنْ قُذِفَتْ وَهِيَ مَيِّتَةٌ: مُسْلِمَةً كَانَتْ أَوْ كَافِرَةً، حُرَّةً أَوْ أَمَةً حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ الِابْنُ، وَكَانَ حُرًّا مُسْلِمًا، ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي نَسَبِ الْحَيِّ، لِأَنَّهُ بِقَذْفِ أُمِّهِ يَنْسُبُهُ إِلَى أَنَّهُ مِنْ زِنًا، وَلَا يَسْتَحِقُّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْإِرْثِ، فَكَذَلِكَ يُعْتَبَرُ الْإِحْصَانُ فِيهِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي أُمِّهِ، لِأَنَّ الْقَذْفَ لَهُ، وَشُرِطَ فِيهِ الطَّلَبُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ مِنَ الْحُقُوقِ فَلَا يُسْتَوْفَى بِغَيْرِ طَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ وَإِسْلَامِهِ وَحُرِّيَّتِهِ، لِأَنَّ الْحَدَّ وَجَبَ لِلْقَدْحِ فِي نَسَبِهِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ) وَذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ فِي غَيْرِ أُمَّهَاتِهِ، وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُبْهِجِ، لِأَنَّهُ قَذْفٌ لِمَنْ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْمُطَالَبَةُ، أَشْبَهَ قَذْفَ الْمَجْنُونِ، أَوْ يُقَالُ: الْمَيِّتَةُ لَا تُعَيَّرُ، وَالْحَيُّ لَمْ يُقْدَحْ فِيهِ، وَذَلِكَ شُبْهَةٌ يُدْرَأُ بِهَا الْحَدُّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّهُ إِذَا قَذَفَ مَيِّتَ مُحْصَنٍ أَوْ لَا حُدَّ الْقَاذِفُ إِذَا طَالَبَ وَارِثٌ مُحْصَنٌ خَاصَّةً.
فَعَلَى هَذَا لَوْ كَانَ الْوَارِثُ عَبْدًا أَوْ مُشْرِكًا فَلَا
стр. 3067
بِقَذْفِ مَيِّتَةٍ. وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ سَقَطَ الْحَدُّ.
وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا.
وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، إِذَا طَالَبُوا، أَوْ وَاحِدٌ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَدَّ، وَإِنْ قُذِفَتْ جَدَّتُهُ فَقِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ كَقَذْفِ أُمِّهِ إِنْ كَانَتْ حَيَّةً، فَيُعْتَبَرُ إِحْصَانُهَا، وَلَيْسَ لِغَيْرِهَا الْمُطَالِبَةُ، وَإِنْ كَانَتْ مَيِّتَةً فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ إِذَا كَانَ مُحْصَنًا، لِأَنَّهُ قَدْحٌ فِي نَسَبِهِ، وَإِنْ قَذَفَ أَبَاهُ، أَوْ أَحَدًا مِنْ أقاربه غير أُمَّهَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ (وَإِنْ مَاتَ الْمَقْذُوفُ سَقَطَ الْحَدُّ) عَنِ الْقَاذِفِ إِذَا كَانَ قَبْلَ الْمُطَالَبَةِ بِالْحَدِّ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَهَا قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ، لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُ، يَجِبُ بِالْمُطَالَبَةُ كَالرُّجُوعِ فِيمَا وَهَبَ وَلَدَهُ وَكَالشَّفِيعِ، فَعَلَى هَذَا هُوَ حَقٌّ لِلْوَرَثَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: سِوَى الزَّوْجَيْنِ، وَفِي الْمُغْنِي: لِلْعَصَبَةِ، وَإِنْ عَفَا بَعْضُهُمْ حُدَّ الْبَاقِي كَامِلًا، وَقِيلَ: يَسْقُطُ.
[حُكْمُ قَذْفِ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ ]
(وَمَنْ قَذَفَ أُمَّ النَّبِيِّ ﷺ قُتِلَ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) يَعْنِي: أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلُ، وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّعَرُّضِ لِلْقَدْحِ فِي النُّبُوَّةِ الْمُوجِبِ لِلْكُفْرِ، وَعَنْهُ: إِنْ تَابَ لَمْ يُقْتَلْ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، لِأَنَّ هَذَا مِنْهُ رِدَّةٌ، وَالْمُرْتَدُّ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ هَذَا حَدُّ قَذْفٍ، فَلَا يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَقَذْفِ غَيْرِ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ ، وَلِأَنَّهُ لَوْ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَسَقَطَ حَدُّهُ لَكَانَ أَخَفَّ حُكْمًا مِنْ قَذْفِ آحَادِ النَّاسِ، قَالَ فِي الْمَنْثُورِ: وَهَذَا كَافِرٌ قُتِلَ مِنْ سَبِّهِ، فَيُعَايَا بِهَا، فَلَوْ كَانَ كَافِرًا فَأَسْلَمَ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِ كَقَذْفِ غَيْرِهَا، وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَنَّهُ لَوْ سَبَّ اللَّهَ فِي كُفْرِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ سَقَطَ عَنْهُ الْقَتْلُ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ، وَالْخِلَافُ إِنَّمَا هُوَ فِي سُقُوطِ الْقَتْلِ، فَأَمَّا فِي مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَمَقْبُولَةٌ، وَقَذْفُهُ ﵇ كَقَذْفِ أُمِّهِ، وَيَسْقُطُ سَبُّهُ بِالْإِسْلَامِ كَسَبِّ اللَّهِ تَعَالَى.
فَرْعٌ: قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَذْفُ نِسَائِهِ كَقَدْحِهِ فِي دِينِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ تَقْتُلْهُمْ، لِأَنَّهُمْ تَكَلَّمُوا قَبْلَ عِلْمِهِ بَرَاءَتَهَا، وَأَنَّهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ لِإِمْكَانِ الْمُفَارَقَةِ، فَتَخْرُجُ بِهَا مِنْهُنَّ، وَتَحِلُّ لِغَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا، وَقِيلَ: فِي غَيْرِ مَدْخُولٍ بِهَا، وَسَأَلَهُ حَرْبٌ: رَجُلٌ افْتَرَى عَلَى رَجُلٍ، فَقَالَ: يَا ابْنَ كَذَا وَكَذَا إِلَى آدَمَ وَحَوَّاءَ؟ فَعَظَّمَهُ جِدًّا، وَقَالَ عَنِ الْحَدِّ: لَمْ يَبْلُغْنِي فِيهِ شَيْءٌ، وَذَهَبَ إِلَى حَدٍّ وَاحِدٍ.
[قَذْفُ الْجَمَاعَةِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ]
(وَإِنْ قَذَفَ الْجَمَاعَةَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ) يُتَصَوَّرُ مِنْهُمُ
стр. 3068
مِنْهُمْ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا، وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا. وَإِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ، فَأَعَادَهُ لَمْ يَعُدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الزِّنَا (فَحَدٌّ وَاحِدٌ إِذَا طَالَبُوا، أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ) ثُمَّ لَا حَدَّ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ قَذْفِ وَاحِدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، لِأَنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا وَجَبَ بِإِدْخَالِ الْمَعَرَّةِ عَلَى الْمَقْذُوفِ بِقَذْفِهِ، وَبِحَدٍّ وَاحِدٍ يُظْهِرُ كَذِبَ هَذَا الْقَاذِفِ وَنُزُولِ الْمَعَرَّةِ، فَوَجَبَ أَنْ يُكْتَفَى بِهِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ قَذْفًا مُفْرَدًا، فَإِنْ كَذَّبَهُ فِي قَذْفٍ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ كَذِبُهُ فِي الْآخَرِ، وَلَا تَزُولُ الْمَعَرَّةُ، فَإِنْ طَلَبُوهُ أَوْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أُقِيمَ الْحَدُّ، لِأَنَّ الْحَقَّ ثَابِتٌ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ، فَأَيُّهُمْ طَلَبَ وَاسْتَوْفَى سَقَطَ، وَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِ الطَّلَبُ بِهِ، كَحَقِّ الْمَرْأَةِ عَلَى أَوْلِيَائِهَا فِي تَزْوِيجِهَا، وَإِنْ أَسْقَطَهُ أَحَدُهُمْ فَلِغَيْرِهِ الْمُطَالَبَةُ بِهِ (وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا مُتَفَرِّقِينَ حُدَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدًّا) لِأَنَّهُ إِذَا طَالَبَ وَاحِدٌ أَوَّلًا لَزِمَ إِقَامَةُ الْحَدِّ مِنْ أَجْلِهِ، ثُمَّ إِذَا طَلَبَ الْآخَرُ لَزِمَ أَيْضًا، وَعَنْهُ: لِكُلِّ وَاحِدٍ حَدٌّ، وَقَالَهُ أَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّهُ قَذَفَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَلَزِمَهُ لَهُ حَدٌّ كَامِلٌ، وَعَنْهُ: إِنْ قَذَفَ امْرَأَتَهُ، وَأَجْنَبِيَّةً تَعَدَّدَ الْوَاجِبُ هُنَا، اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، كَمَا لَوْ لَاعَنَ امْرَأَتَهُ، فَإِنْ قَالَ: يَا نَاكِحَ أُمِّهِ، الرِّوَايَاتُ، وَنَصَّ فِيمَنْ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا ابْنَ الزَّانِيَةِ، يُطَالِبُهُ، قِيلَ: إِنَّمَا أَرَادَ أُمَّهُ قَالَ أَلَيْسَ قَدْ قَالَ لَهُ؟ هَذَا قَصْدٌ لَهُ (وَإِنْ قَذَفَهُمْ بِكَلِمَاتٍ، حُدَّ لِكُلٍّ وَاحِدٍ حَدًّا) عَلَى الْأَصَحِّ كَالدُّيُونِ وَالْقِصَاصِ، وَعَنْهُ: إِنْ طَالَبُوا مُجْتَمِعِينَ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِلَّا تَعَدَّدَ، وَعَنْهُ: حَدٌّ وَاحِدٌ مُطْلَقًا، كَمَا لَوْ سَرَقَ مِنْ جَمَاعَةٍ، أَوْ زَنَى بِنِسَاءٍ، أَوْ شَرِبَ أَنْوَاعًا مِنَ الْمُسْكِرِ، فَلَوْ قَالَ: يَا ابْنَ الزَّانِيَيْنِ، فَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَا مَيِّتَيْنِ ثَبَتَ الْحَقُّ لِوَلَدِهِمَا، وَلَمْ يَجِبْ إِلَّا حَدٌّ وَاحِدٌ، وَإِنْ قَالَ: يَا زَانِي ابْنَ الزَّانِي، فَهُوَ قَذْفٌ لَهُمَا بِكَلِمَتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ حَيًّا، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا حَدٌّ، وَإِنْ كَانَ مَيِّتًا فَالظَّاهِرُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِقَذْفِهِ (وَإِنْ حُدَّ لِلْقَذْفِ فَأَعَادَهُ لَمْ يُعَدْ عَلَيْهِ الْحَدُّ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُ حُدَّ بِهِ مَرَّةً، فَلَمْ يُحَدَّ بِهِ ثَانِيَةً بِخِلَافِ السَّرِقَةِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا تَعَدَّدَ قَذْفُهُ وَلَمْ يُحَدَّ فَحَدٌّ وَاحِدٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يَتَعَدَّدُ، وَإِنْ أَعَادَهُ بَعْدَ لِعَانِهِ، فَنَقَلَ
стр. 3069
بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ، وَيُسَمَّى خَمْرًا
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَنْبَلٌ: يُحَدُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْمَذْهَبُ يُعَزَّرُ، وَعَلَيْهِمَا لَا لِعَانَ، وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ: يُلَاعِنُ، إِلَّا أَنْ يَقْذِفَهَا بِزِنًا، لَاعَنَ عَلَيْهِ مَرَّةً، وَاعْتَرَفَتْ أَوْ قَامَتِ الْبَيِّنَةُ، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُلَاعِنُ لِنَفْيِ تَعْزِيرٍ، وَلَوْ قَذَفَهَا بِزِنًا آخَرَ بَعْدَ حَدِّهِ فَرِوَايَاتٌ، ثَالِثُهَا: يُحَدُّ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ.
فَرْعٌ: إِذَا تَابَ مِنْ زِنًا حُدَّ قَاذِفُهُ، وَقِيلَ: يُعَزَّرُ، وَاخْتَارَ فِي التَّرْغِيبِ: يُحَدُّ بِزِنًا جَدِيدٍ، لِكَذِبِهِ يَقِينًا، بِخِلَافِ مَنْ سَرَقَ عَيْنًا ثَانِيَةً، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ مَا وُجِدَ فِي الْأَوَّلَةِ، وَإِنْ قَذَفَ مَنْ أَقَرَّتْ بِهِ مَرَّةً، وَفِي الْمُبْهِجِ: أَرْبَعًا، أَوْ شَهِدَ بِهِ اثْنَانِ، أَوْ شَهِدَ بِهِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا، فَلَا لِعَانَ وَيُعَزَّرُ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا.
مَسْأَلَةٌ: لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ تَوْبَةٍ مِنْ قَذْفٍ وَغِيبَةٍ وَنَحْوِهِمَا إِعْلَامُهُ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهُ، وَحَرَّمَهُ الْقَاضِي وَالشَّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ، وَنَقَلَ مُهَنَّا: لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلِمَهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ، وَقِيلَ: إِنْ عَلِمَ بِهِ الْمَظْلُومُ، وَإِلَّا دَعَا لَهُ وَاسْتَغْفَرَ، وَلَمْ يُعْلِمْهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَوْ أَصْبَحَ، وَتَصَدَّقَ بِعِرْضِهِ عَلَى النَّاسِ، لَمْ يَمْلِكْهُ، وَلَمْ يُبَحْ، وَلَا يَصِحُّ إِسْقَاطُ الْحَقِّ قَبْلَ وُجُودِ سَبَبِهِ، وَإِذْنُهُ فِي عِرْضِهِ كَإِذْنِهِ فِي قَذْفِهِ، وَهِيَ كَإِذْنِهِ فِي دَمِهِ وَمَالِهِ.
[بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ]
[حَدُّ شَارِبِ الْخَمْرِ]
بَابُ حَدِّ الْمُسْكِرِ.
الْمُسْكِرُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ: أَسْكَرَ الشَّرَابُ فَهُوَ مُسْكِرٌ، إِذَا جَعَلَ صَاحِبَهُ سَكْرَانَ، أَوْ كَانَ فِيهِ قُوَّةٌ يَفْعَلُ ذَلِكَ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: السَّكْرَانُ خِلَافُ الصَّاحِي، وَالْجَمْعُ: سَكْرَى، وَسُكَارَى، بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا، وَالْمَرْأَةُ: سَكْرَى، وَلُغَةُ بَنِي أَسَدٍ: سَكْرَانَةٌ.
وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَمَا نُقِلَ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مَظْعُونٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِي كَرِبَ، وَأَبِي جَنْدَلِ بْنِ سُهَيْلٍ أَنَّهَا حَلَالٌ فَمَرْجُوعٌ عَنْهُ، نَقَلَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَسَنَدَهُ قَوْله تَعَالَى:
стр. 3070
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ﴾ [المائدة: ٩٠]
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» . وَفِي لَفْظٍ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ» . رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.
(كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَا أَسْكَرُ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ ﷺ : أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ نَزَّلَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ، مِنَ الْعِنَبِ، وَالتَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَبَاحَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ مِنْ نَقِيعِ التَّمْرِ إِذَا طُبِخَ مَا دُونَ السُّكْرِ، قَالَ الْخَلَّالُ: فُتْيَاهُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: لَيْسَ فِي الرُّخْصَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: جَاءَ أَهْلُ الْكُوفَةِ بِأَحَادِيثَ مَعْلُولَةٍ، وَقِيلَ: إِنَّ خَبَرَ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ ﵇: «قَالَ حُرِّمَتِ الْخَمْرُ لِعَيْنِهَا، وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ» . مَوْقُوفٌ عَلَيْهِ. مَعَ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِالسُّكْرِ الْمُسْكِرَ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ (وَيُسَمَّى خَمْرًا) لِقَوْلِهِ ﵇: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» ، لِأَنَّ الْخَمْرَ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ، أَيْ: غَطَّاهُ وَسَتَرَهُ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مُسْكِرٍ، وَحُكْمُ عصير غير الْعِنَبِ كَحُكْمِهِ، رُوِيَ عَنْ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ،
стр. 3071
، وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ وَلَا لِلتَّدَاوِي، وَلَا لِعَطَشٍ، وَلَا لِغَيْرِهِ، إِلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَسَعْدٍ، وَأُبَيٍّ، وَأَنَسٍ، وَعَائِشَةَ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَصِيرُ الْعِنَبِ إِذَا طُبِخَ وَذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ إِذَا طُبِخَ وَلَمْ يَذْهَبْ ثُلُثَاهُ، وَنَبِيذُ الْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، نَقِيعًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ - حَلَالٌ، إِلَّا مَا بَلَغَ السُّكْرَ، وَجَوَابُهُ: مَا رَوَتْ عَائِشَةُ مَرْفُوعًا: «مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَسَعِيدٌ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَظَاهِرُهُ: يَقْتَضِي أَنَّ الْحَشِيشَةَ لَا تُسْكِرُ، لَكِنَّ قَوْلَهُ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» يَقْتَضِي أَنَّهَا تُسْكِرُ، قَالَ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ: الْحَشِيشَةُ الْمُسْكِرَةُ حَرَامٌ، وَإِنَّمَا تَوَقَّفَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِي الْحَدِّ، لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهَا تُغَطِّي الْعَقْلَ كَالْبَنْجِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا تُسْكِرُ، وَإِنَّمَا كَانَتْ نَجِسَةً بِخِلَافِ الْبَنْجِ، وَجَوَّزَة الطَّيبُ: لِأَنَّهَا تُسْكِرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، كَالْخَمْرِ يُسْكِرُ بِالِاسْتِحَالَةِ، وَالْبَنْجُ يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَيُسْكِرُ بِغَيْرِ الِاسْتِحَالَةِ، كَجَوْزَةِ الطَّيبِ (وَلَا يَحِلُّ شُرْبُهُ لِلَذَّةٍ) لِعُمُومِ «مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» (وَلَا لِلتَّدَاوِي) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ: «أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيَّ سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ عَنِ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ، أَوْ كَرِهَ لَهُ أَنْ يَصْنَعَهَا، فَقَالَ: إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ، وَلَكِنَّهُ دَاءٌ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ حَسَّانِ بْنِ مُخَارِقٍ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ لِعَيْنِهِ فَلَمْ يَحِلَّ شُرْبُهُ لِلتَّدَاوِي، كَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ (وَلَا لِعَطَشٍ) لِأَنَّهُ لَا يُذْهِبُهُ وَلَا يُزِيلُهُ وَلَا يَدْفَعُ مَحْذُورَهُ، فَوَجَبَ بَقَاؤُهُ عَمَلًا بِالْأَدِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِذَلِكَ مَعَ سَلَامَتِهِ مِنَ الْمُعَارِضِ (وَلَا لِغَيْرِهِ إِلَّا لِدَفْعِ لُقْمَةٍ غُصَّ بِهَا) فَيَجُوزُ تَنَاوُلُهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَخَافَ التَّلَفَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣] وَلِأَنَّ حِفْظَ النَّفْسِ مَطْلُوبٌ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ تُبَاحُ الْمَيْتَةُ عِنْدَ الِاضْطِرَارِ إِلَيْهَا، وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، فَوَجَبَ جَوَازُهُ تَحْصِيلًا لِحِفْظِ النَّفْسِ الْمَطْلُوبِ
стр. 3072
وَمَنْ شَرِبَهُ مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ، قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، فَعَلَيْهِ الْحَدُّ فَعَلَيْهِ الْحَدُّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حِفْظُهَا، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ بَوْلًا، وَيُقَدَّمُ عَلَيْهِمَا مَاءً نَجِسًا (وَمَنْ شَرِبَهُ) وَهُوَ مُكَلَّفٌ (مُخْتَارًا عَالِمًا أَنَّ كَثِيرَهُ يُسْكِرُ) وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، وَكَذَا إِذَا ادَّعَى الْجَهَالَةَ بِإِسْكَارِ غَيْرِ الْخَمْرِ، أَوْ تحريمه أو بِوُجُودِ الْحَدِّ بِهِ، وَمَثَلُهُ يَجْهَلُهُ، صُدِّقَ وَلَمْ يُحَدَّ، وَكَذَا إِذَا شَرِبَهَا مُكْرَهًا لِحِلِّهِ لَهُ، وَعَنْهُ: لَا تَحِلُّ لَهُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ، وَفِي حَدِّهِ رِوَايَتَانِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى حِلِّهِ لَهُ وَعَدَمِهِ، وَالصَّبْرُ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا جَازَ فِعْلُهُ لِلْمُكْرَهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: يُرَخِّصُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ فِيمَا يُكْرَهُ عَلَيْهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، كَأَكْلِ الْمَيْتَةِ، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ (قَلِيلًا كَانَ) مَا شَرِبَهُ (أَوْ كَثِيرًا فَعَلَيْهِ الْحَدُّ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَاجْلِدُوهُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا جَلَدُوا شَارِبَهَا، وَلِأَنَّ الْقَلِيلَ خَمْرٌ، فَيَدْخُلُ فِي الْعُمُومِ، وَلِأَنَّهُ شَرَابٌ فِيهِ شِدَّةٌ مَطْرِبَةٌ، فَوَجَبَ الْحَدُّ بِهِ كَالْكَثِيرِ، وَيُلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَوْ احْتَقَنَ بِهَا فِي الْمَنْصُوصِ، كَمَا لَوْ اسْتَعَطَ أَوْ عَجَنَ بِهِ دَقِيقًا فَأَكَلَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: أَوْ تَمَضْمَضَ حُدَّ، وَذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا، وَهُوَ غَرِيبٌ، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: إِنْ وَصَلَ جَوْفَهُ حُدَّ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَثْبُتُ بِعَدْلَيْنِ يَشْهَدَانِ أَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا، وَلَا يَسْتَفْسِرُهُمَا الْحَاكِمُ عَمَّا شَرِبَ، لِأَنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ يُوجِبُ الْحَدَّ، فَدَلَّ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرَهُ الْحَاكِمُ مُوجِبًا اسْتَفْسَرَهُمَا (فَعَلَيْهِ الْحَدُّ ثَمَانُونَ جَلْدَةً) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ اسْتَشَارَ النَّاسَ فِي حَدِّ الْخَمْرِ، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: اجْعَلْهُ كَأَخَفِّ الْحُدُودِ ثَمَانِينَ، فَضَرَبَهُ عُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكَتَبَ بِهِ إِلَى خَالِدٍ وَأَبِي عُبَيْدَةَ بِالشَّامِ، وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ فِي الْمَشُورَةِ: إِذَا سَكِرَ هَذَى، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى، وَعَلَى الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ. رَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ. وَجَوَّزَهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَأَنَّهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ
стр. 3073
ثَمَانُونَ جَلْدَةً، وَعَنْهُ: أَرْبَعُونَ إِنْ كَانَ حُرًّا. وَالرَّقِيقُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا الذِّمِّيَّ، فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَهَلْ يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ حَرُمَ، إِلَّا أَنْ يُغْلَى قَبْلَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَعَنْهُ: أَرْبَعُونَ إِنْ كَانَ حُرًّا) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤَلِّفُ وَغَيْرُهُمَا، لِمَا رُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ «جَلَدَ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: جَلَدَ النَّبِيُّ ﷺ أَرْبَعِينَ، وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ، وَعُمَرُ ثَمَانِينَ، وَكُلٌّ سُنَّةٌ، وَهَذَا أَحَبُّ إِلَيَّ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. لَا يُقَالُ: فِعْلُ عُمَرَ كَانَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّ فِعْلَهُ ﵇ حُجَّةٌ، لَا يَجُوزُ تَرْكُهُ لِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ مُخَالَفَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنَّ عُمَرَ فَعَلَ الزِّيَادَةَ عَلَى أَنَّهَا تَعْزِيرٌ، يَجُوزُ فِعْلُهَا إِذَا رَآهَا الْإِمَامُ، وَضَرَبَ عَلِيٌّ النَّجَاشِيَّ بِشُرْبِهِ فِي رَمَضَانَ ثَمَانِينَ، ثُمَّ حَبَسَهُ، ثُمَّ عِشْرِينَ مِنَ الْغَدِ، نَقَلَ صَالِحٌ: أَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُغَلَّظُ عَلَيْهِ كَمَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: يُعَزَّرُ بِعَشَرَةٍ فَأَقَلَّ، وَفِي الْمُغْنِي: عَزَّرَهُ بِعِشْرِينَ لِفِطْرِهِ (وَالرَّقِيقُ) عَبْدًا كَانَ أَوْ أَمَةً (عَلَى النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ) كَالزِّنَا وَالْقَذْفِ، فَكَذَا مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ مِنْ بَابٍ أَوْلَى، فَعَلَى الْأُولَى: يُحَدُّ أَرْبَعِينَ، وَعَلَى الثَّانِيَةِ: عِشْرِينَ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ (إِلَّا الذِّمِّيَّ فَإِنَّهُ لَا يُحَدُّ بِشُرْبِهِ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ) لِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ حِلَّهُ، فَلَمْ يُحَدَّ بِفِعْلِهِ، كَنِكَاحِ الْمَجُوسِ ذَوَاتِ مَحَارِمِهِمْ، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى، لِأَنَّهُ شَرِبَ مُسْكِرًا عَالِمًا بِهِ مُخْتَارًا، أَشْبَهَ شَارِبَ النَّبِيذِ إِذَا اعْتَقَدَ حِلَّهُ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ: وَعِنْدِي يُحَدُّ إِنْ سَكِرَ، وَإِلَّا فَلَا، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، قَالَ فِي الْبُلْغَةِ: وَلَوْ رَضِيَ بِحُكْمِنَا، لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمِ الِانْقِيَادَ فِي مُخَالَفَةِ دِينِهِ (وَهَلْ يَجِبُ الْحَدُّ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
أَظْهَرُهُمَا: لَا يَجِبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، فَعَلَى هَذَا
стр. 3074
ذَلِكَ، فَيَحْرُمُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يُعَزَّرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، كَحَاضِرٍ مَعَ مَنْ يَشْرَبُهَا، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ يُحَدُّ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ: وَهِيَ الْأَظْهَرُ عَنْهُ، رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، لِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَدُلُّ عَلَى شُرْبِهِ لَهَا، فَجَرَى مَجْرَى الْإِقْرَارِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الرَّائِحَةَ تَحْتَمِلُ أَنَّهُ تَمَضْمَضَ بِهَا، أَوْ ظَنَّهَا مَاءً، أَوْ أَكَلَ نَبْقًا بَالِغًا، أَوْ شَرِبَ شَرَابَ تُفَّاحٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ مِنْهُ كَرَائِحَةِ الْخَمْرِ، وَالْحَدُّ يُدْرَأُ بِالشُّبْهَةِ.
فَائِدَةٌ: يُسْتَعْمَلُ لِقَطْعِ رَائِحَةِ الْخَمْرِ: الْكَسْفَرَةُ، وَعِرْقُ الْبَنَفْسَجِ، وَالثُّومُ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَهُ رَائِحَةٌ قَوِيَّةٌ.
فَرْعٌ: إِذَا وُجِدَ سَكْرَانَ أَوْ تَقَيَّأَ الْخَمْرَ، فَعَنْهُ: لَا حَدَّ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهِيَ الْأَظْهَرُ، وَعَنْهُ: بَلَى، عَلَى الثَّانِيَةِ الَّتِي يُحَدُّ بِالرَّائِحَةِ، لِفِعْلِ عُثْمَانَ وَهُوَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
تَنْبِيهٌ: لَا يَثْبُتُ الْحَدُّ إِلَّا بِأَحَدِ شَيْئَيْنِ: إِمَّا الْبَيِّنَةُ الْعَادِلَةُ، أَوِ الْإِقْرَارُ، وَيَكْفِي مَرَّةً كَحَدِّ الْقَذْفِ، وَعَنْهُ: مَرَّتَيْنِ، نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَجَعَلَ أَبُو الْخَطَّابِ بَقِيَّةَ الْحُدُودِ بِمَرَّتَيْنِ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ فِي حَدِّ الْخَمْرِ: بِمَرَّتَيْنِ، وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلِأَنَّهُ لَا يَتَضَمَّنُ إِتْلَافًا، بِخِلَافِ حَدِّ السَّرِقَةِ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ حَدِّ الْقَذْفِ وَغَيْرِهِ إِلَّا بِأَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ كَالْقَوَدِ، فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ فِيهِ، وَهَذَا مُتَّجَهٌ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
[مَتَى يَحْرُمُ الْعَصِيرُ]
(وَالْعَصِيرُ إِذَا أَتَتْ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ) زَادَ بَعْضُهُمْ: بِلَيَالِيهَا (حَرُمَ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَشْرَبُهُ إِلَى مَسَاءِ ثَالِثَةٍ، ثُمَّ يَأْمُرُ بِهِ فَيُسْقَى الْخَدَمَ، أَوْ يُهْرَاقُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَحَكَى أَحْمَدُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْعَصِيرِ: أَشْرَبُهُ مَا لَمْ يَأْخُذْهُ شَيْطَانُهُ، قِيلَ: وَفِي كَمْ يَأْخُذُهُ شَيْطَانُهُ، قَالَ: فِي ثَلَاثٍ، قَالَ أَحْمَدُ: فَإِذَا أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ فَلَا تَشْرَبْهُ، وَلِأَنَّ الشِّدَّةَ تَحْصُلُ فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا (إِلَّا أَنْ يُغْلَى قَبْلَ ذَلِكَ فَيَحْرُمَ، نَصَّ عَلَيْهِ) إِذَا غَلَى الْعَصِيرُ وَقَذَفَ بِزَبَدِهِ فَلَا خِلَافَ، لِصِحَّةِ إِطْلَاقِ اسْمِ الْخَمْرِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: إِذَا غَلَى أَكْرَهُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ، فَإِذَا أَسْكَرَ فَحَرَامٌ، وَعَنْهُ الْوَقْفُ فِيمَا نَشَّ (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى عَصِيرٍ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثٍ
стр. 3075
فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا، وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوَهُ، لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ، مَا لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ، وَلَا يُكَرَهُ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
غَالِبًا) لِقَوْلِهِ ﵇: «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» ، وَلِأَنَّ عِلَّةَ التَّحْرِيمِ الشِّدَّةُ الْمُطْرِبَةُ، وَذَلِكَ فِي الْمُسْكِرِ لَا غَيْرِهِ، وَأَجَابَ عَنْ إِطْلَاقِ أَحْمَدَ: بِأَنَّ الْمُرَادَ عَصِيرٌ يَتَخَمَّرُ فِي ثَلَاثٍ غَالِبًا.
فَرْعٌ: إِذَا طُبِخَ مِنْهُ قَبْلَ التَّحْرِيمِ حَلَّ، إِنْ ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ شُرْبِ الطِّلَى، فَقَالَ: إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، قَالَ: يَقُولُونَ: إِنَّهُ يُسْكِرُ، فَقَالَ: لَا، لَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ، وَجَعَلَ أَحْمَدُ وَضْعَ زَبِيبٍ فِي خَرْدَلٍ كَعَصِيرٍ، وَأَنَّهُ إِنْ صُبَّ فِيهِ خَلٌّ أُكِلَ (وَلَا يُكْرَهُ أَنْ يَتْرُكَ فِي الْمَاءِ تَمْرًا أَوْ زَبِيبًا وَنَحْوُهُ، لِيَأْخُذَ مُلُوحَتَهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵇ «كَانَ يُنْبَذُ لَهُ الزَّبِيبُ فَيَشْرَبُهُ» (مَا لَمْ يَشْتَدَّ عَلَيْهِ، أَوْ يَأْتِ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ) تَمَامٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إِذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَارَ مُسْكِرًا، وَنَقَلَ ابْنُ الْحَكَمِ: إِذَا نَقَعَ زَبِيبًا أَوْ تَمْرَ هِنْدِيٍّ أَوْ عُنَّابًا وَنَحْوَهُ لِدَوَاءٍ غَدْوَةً وَشَرِبَهُ عَشِيَّةً، وَبِالْعَكْسِ، هَذَا نَبِيذٌ أَكْرَهَهُ، وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ، فَهَذَا لَيْسَ بِنَبِيذٍ، فَإِنْ غَلَى الْعِنَبُ وَهُوَ عِنَبٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ، نَقَلَهُ أَبُو دَاوُدَ.
فَرْعٌ: إِذَا سَكِرَ مِنَ النَّبِيذِ فَسَقَ، وَكَذَا إِنْ شَرِبَ قَلِيلَهُ عَلَى الْأَصَحِّ (وَلَا يُكْرَهُ الِانْتِبَاذُ فِي الدُّبَّاءِ) وَهِيَ الْقَرْعَةُ الْيَابِسَةُ الْمَجْعُولَةُ وِعَاءً (وَالْحَنْتَمِ) وَهِيَ جِدَارٌ مَدْهُونَةٌ، وَاحِدَتُهَا حَنْتَمَةٌ (/ ١١٧ وَالنَّقِيرِ) وَهُوَ أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ، ثُمَّ يُنْبَذُ فِيهِ التَّمْرُ، فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ (وَالْمُزَفَّتِ) وَهُوَ الْوِعَاءُ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ، نَوْعٌ مِنَ الْقَارِ، / ٨٥ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَعَنْهُ: يُكْرَهُ) قَالَ
стр. 3076
وَالْمُزَفَّتِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ. وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْبِذَ شَيْئَيْنِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلَا بَأْسَ بِالْفَقَّاعِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخَلَّالُ: وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ الِانْتِبَاذِ فِيهَا» ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهَا فِي " الْهَدْيِ "، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ دَلِيلَهُ نَاسِخٌ، وَعَنْهُ: وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَوْعِيَةِ إِلَّا سِقَاءً يُوكَى حَيْثُ بَلَغَ الشَّرَابَ (وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يَنْبِذَ شَيْئَيْنِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ) أَوِ الْمُذَنِّبُ وَحْدَهُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ، قَالَتْ: «كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهُمَا فِيهِ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهِ الْمَاءَ، فَنَنْبِذُهُ غَدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُهُ عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غَدْوَةً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ. فَلَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ الْإِنْبَاذِ قَرِيبَةً، وَهِيَ يَوْمٌ أَوْ لَيْلَةٌ، لَا يُتَوَهَّمُ الْإِسْكَارُ فِيهَا، فَعَلَى هَذَا: لَا يُكْرَهُ، وَيُكْرَهُ إِذَا كَانَ فِي مُدَّةٍ تَحْتَمِلُ إِفْضَاؤُهُ إِلَى الْإِسْكَارِ، لِأَنَّهُ ﵇ «نَهَى عَنِ الْخَلِيطَيْنِ» ، وَأَدْنَى أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، وَاخْتَارَهُ فِي التَّنْبِيهِ، لِمَا رَوَى أَبُو قَتَادَةَ، قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. و َعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ فِي التَّرْغِيبِ، وَاخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، مَا لَمْ يُحْتَمَلْ إِسْكَارُهُ، قَالَ الْقَاضِي: هُوَ حَرَامٌ إِذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ، وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يَحْرُمْ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى (وَلَا بَأْسَ بِالْفَقَّاعِ) أَيْ: يُبَاحُ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ، وَيَفْسَدُ إِذَا بَقِيَ، وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ الْإِسْكَارُ، وَإِنَّمَا يُتَّخَذُ لِهَضْمِ الطَّعَامِ، وَصِدْقِ الشَّهْوَةِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهَا فِي الْوَسِيلَةِ، وَالْمَذْهَبُ: الْأَوَّلُ، وَسُئِلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ شُرْبِ الْأَقْسِمَاءِ، فَأَجَابَ بِأَنَّهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ زَبِيبٍ فَقَطْ فَإِنَّهُ يُبَاحُ شُرْبُهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مَا لَمْ تَشْتَدَّ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ، أَمَّا مَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ يُفْسِدُ
стр. 3077
بَابُ التَّعْزِيرِ وَهُوَ التَّأْدِيبُ. وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ، كَالِاسْتِمْتَاعِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحَدُهُمَا الْآخَرَ فَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ، فَلَوْ وُضِعَ فِيهِ مَا يُحَمِّضُهُ، كَالْخَلِّ وَاللَّيْمُونِ، كَمَا يُوضَعُ فِي الْفَقَّاعِ الْمُشَذَّبِ، فَهَذَا يَجُوزُ شُرْبُهُ مُطْلَقًا، فَإِنَّ حُمُوضَتَهُ تَمْنَعُهُ أَنْ يَشْتَدَّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[بَابُ التَّعْزِيرِ]
[تَعْرِيفُ التعزير وَحُكْمُهُ]
بَابُ التَّعْزِيرِ.
التَّعْزِيرُ فِي اللُّغَةِ: الْمَنْعُ، يُقَالُ: عَزَّرْتُهُ، أَيْ: مَنَعْتُهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ التَّأْدِيبُ، وَلِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنْ تَعَاطِي الْقَبِيحِ، وَمِنْهُ: التَّعْزِيرُ بِمَعْنَى النُّصْرَةِ، لِأَنَّهُ مَنْعٌ لِعَدُوِّهِ مِنْ أَذَاهُ، وَقَالَ السَّعْدِيُّ: يُقَالُ: عَزَّرْتُهُ وَوَقَّرْتُهُ، وَأَيْضًا أَدَّبْتُهُ، وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ، وَهُوَ طَرِيقٌ إِلَى التَّوْقِيرِ، لِأَنَّهُ إِذَا امْتَنَعَ بِهِ وَصُرِفَ عَنِ الدَّنَاءَةِ حَصَلَ لَهُ الْوَقَارُ وَالنَّزَاهَةُ (وَهُوَ التَّأْدِيبُ) فَبَيَانٌ لِمَعْنَى التَّعْزِيرِ، وَفَسَّرَهُ فِي الْمُغْنِي بِالْعُقُوبَةِ الْمَشْرُوعَةِ عَلَى جِنَايَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا ذَكَرَهُ هُنَا، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَهُوَ وَاجِبٌ فِي كُلِّ مَعْصِيَةٍ لَا حَدَّ فِيهَا وَلَا كَفَّارَةَ) وَكَذَا ذَكَرَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ الْأَصْحَابِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ عَنَى بِهِ فِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ وَتَرْكَ الْوَاجِبَاتِ فَاللَّفْظُ جَامِعٌ، وَإِنْ عَنَى فِعْلَ الْمُحَرَّمَاتِ فَقَطْ، فَغَيْرُ جَامِعٍ، بَلِ التَّعْزِيرُ عَلَى تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ أَيْضًا، وَلِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ تَفْتَقِرُ إِلَى مَا يَمْنَعُ مِنْ فِعْلِهَا، فَإِذَا لَمْ يَجِبْ فِيهَا حَدٌّ وَلَا كَفَّارَةٌ وَجَبَ أَنْ يُشْرَعَ فِيهَا التَّعْزِيرُ، لِتَحْقِيقِ الْمَانِعِ مِنْ فِعْلِهَا، وَفِي الشَّرْحِ: هُوَ وَاجِبٌ إِذَا رَآهُ الْإِمَامُ فِيمَا شُرِعَ فِيهِ التَّعْزِيرُ، وَعَنْهُ: يُعَزَّرُ الْمُكَلَّفُ نَدْبًا، نَصَّ عَلَيْهِ فِي تَعْزِيرِ رَقِيقِهِ عَلَى مَعْصِيَةٍ وَشَاهِدِ زُورٍ، وَفِي الْوَاضِحِ: فِي وُجُوبِ التَّعْزِيرِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْهَرُ كَمَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فِي سَبِّ صَحَابِيٍّ كَحَدٍّ، وَكَحَقِّ آدَمِيٍّ طَلَبَهُ، وَقَوْلُنَا: وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، فَائِدَتُهُ فِي الظِّهَارِ وَشِبْهِ الْعَمْدِ، لَكِنْ يُقَالُ: يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِيهِ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ فِي الْخَطَأِ لَيْسَتْ لِأَجْلِ الْفِعْلِ، بَلْ بَدَلُ النَّفْسِ الْفَائِتَةِ، فَأَمَّا نَفْسُ الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ الْجِنَايَةُ فَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَيَظْهَرُ هَذَا بِمَا لَوْ جَنَى عَلَيْهِ، فَلَمْ يُتْلِفْ شَيْئًا، اسْتَحَقَّ
стр. 3078
الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ، وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ، وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ، وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا وَنَحْوِهِ، وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
التَّعْزِيرَ، وَلَا كَفَّارَةَ، وَلَوْ أَتْلَفَ بِلَا جِنَايَةٍ محرمة لَوَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ بِلَا تَعْزِيرٍ، وَإِنَّمَا الْكَفَّارَةُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْمُجَامِعِ فِي الصِّيَامِ وَالْإِحْرَامِ، لَا فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ، إِذْ وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ لِاخْتِلَافِ سَبَبِهَا، لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ الْحِنْثُ، وَيَمِينُ الْغَمُوسِ كَذْبَةٌ نُزِّلَتْ مَنْزِلَةَ الْحِنْثِ، وَسَبَبُ التَّعْزِيرِ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ إِقْدَامُهُ عَلَى الْحَلِفِ كَذِبًا، وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ التَّعْزِيرِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ وَجَبَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ وَرَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِيهِ وَجَبَ كَالْحَدِّ، وَإِنْ رَأَى الْعَفْوَ جَازَ لِلْأَخْبَارِ، وَإِنْ كَانَ لِحَقِّ آدَمِيٍّ فَطَلَبَهُ لَزِمَهُ إِجَابَتُهُ، وَفِي الْكَافِي: يَجِبُ التَّعْزِيرُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَرَدَ الْخَبَرُ فِيهِمَا، وَمَا عَدَاهُمَا إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، فَإِنْ جَاءَ تَائِبًا مُعْتَرِفًا قَدْ أَظْهَرَ النَّدَمَ وَالْإِقْلَاعَ جَازَ تَرْكُ تَعْزِيرِهِ، وَإِلَّا وَجَبَ، وَقَالَ الْقَاضِي وَمَنْ تَبِعَهُ: إِلَّا إِذَا شَتَمَ نَفْسَهُ أَوْ سَبَّهَا، وَلَا يَحْتَاجُ إِلَى مُطَالَبَةٍ (كَالِاسْتِمْتَاعِ الَّذِي لَا يُوجِبُ الْحَدَّ) لِأَنَّهُ ﵇ جَعَلَهُ سَيِّئَةً (وَإِتْيَانِ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ) لِقَوْلِهِ ﵇: «إِذَا أَتَتِ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ فَهُمَا زَانِيَتَانِ» (وَسَرِقَةِ مَا لَا يُوجِبُ الْقَطْعَ) لِدُخُولِهِ فِي قَوْلِهِ ﵇: «لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا عَنْ طِيبِ نَفْسِهِ» (وَالْجِنَايَةِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَا قِصَاصَ فِيهِ) لِأَنَّهُ تَعَدٍّ عَلَى الْغَيْرِ، أَشْبَهَ الَّتِي فِيهَا الْقِصَاصُ، لَا يُقَالُ: الْقِيَاسُ يقتضي مشروعية الْقِصَاصُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا، وَالتَّقْدِيرُ خِلَافُهُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ الْقِصَاصُ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، وَهُوَ لَا يَمْنَعُ مِنْ ثُبُوتِ الْحُرْمَةِ، لِأَنَّ الْجِنَايَةَ تَقْتَضِي الْإِيجَابَ مُطْلَقًا، تَرْكُ الْعَمَلِ بِهِ لِمَا ذَكَرْنَا، فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ (وَالْقَذْفِ بِغَيْرِ الزِّنَا) بِأَنْ يَرْمِيَهُ بِالْكَذِبِ، أَوْ بِالْفِسْقِ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ تَشَاتَمَ اثْنَانِ عُزِّرَا، وَيُحْتَمَلُ عَدَمُهُ، فَدَلَّ أَنَّ مَا رَآهُ تَعَيَّنَ، فَلَا يُبْطِلُهُ غَيْرُهُ، وَأَنَّهُ يَتَعَيَّنُ قَدْرُ تَعْزِيرِ عَيْنِهِ (وَنَحْوِهِ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ الرَّجُلِ لِآخَرَ: يَا خَبِيثُ، قَالَ: هُوَ فَاسِقٌ، فِيهِ تَعْزِيرٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّهُ إِمَّا جِنَايَةٌ عَلَى الشَّرْعِ، أَوْ عَلَى آدَمِيٍّ، وَالْجِنَايَةُ عَلَى الْآدَمِيِّ عَمْدًا مُحَرَّمَةٌ وَفَاعِلُهَا مُقْدِمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَذَى الْمُسْلِمِينَ، فَيَكُونُ وَاجِبًا كَالْحَدِّ (وَمَنْ وَطِئَ أَمَةَ امْرَأَتِهِ فَعَلَيْهِ
стр. 3079
فَعَلَيْهِ الْحَدُّ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ، فَيُجْلَدَ مِائَةً، وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِبَاحَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْحَدُّ) لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ فِي غَيْرِ عَقْدٍ وَلَا مِلْكٍ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ كَوَطْءِ أمة غير زَوْجَتِهِ (إِلَّا أَنْ تَكُونَ قَدْ أَحَلَّتْهَا لَهُ فَيُجْلَدُ مِائَةً) وَلَا رَجْمَ وَلَا تَغْرِيبَ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُمَا، عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ: «أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ، فَرُفِعَ إِلَى النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ، فَقَالَ: لِأَقْضِيَنَّ فِيكَ بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، إِنْ كَانَتْ أَحَلَّتْهَا لَكَ جَلَدْتُكَ مِائَةً، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْهَا لَكَ رَجَمْتُكَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: أَنَا أَتَّقِي هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، إِلَّا حَبِيبَ بْنَ سَالِمٍ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، وَقَدْ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ، وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَعَنْهُ: يُعَزَّرُ مِائَةً إِلَّا سَوْطًا، وَعَنْهُ يُعَزَّرُ بِعَشْرٍ (وَهَلْ يَلْحَقُهُ نَسَبُ وَلَدِهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) .
إِحْدَاهُمَا: يَلْحَقُهُ، جَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ كَوَطْءِ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْحَقُهُ الْوَلَدُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا فِي مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، أَشْبَهَ الزِّنَا الْمَحْضَ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنْ ظَنَّ جَوَازَهُ لَحِقَهُ، وَإِلَّا فَرِوَايَتَانِ فِيهِ، وَفِي حَدِّهِ، وَعَنْهُ: يُحَدُّ فَلَا يَلْحَقُهُ لِعَدَمِ حِلِّهَا، وَلَوْ ظَنَّ حِلَّهَا، نَقَلَهُ مُهَنَّا (وَلَا يَسْقُطُ الْحَدُّ بِالْإِبَاحَةِ) لِعُمُومِ النُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الزَّانِي (فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ) وَهُوَ إِبَاحَةُ الزَّوْجَةِ أَمَتَهَا لِزَوْجِهَا، وَإِنَّمَا سَقَطَ الْحَدُّ هُنَا لِحَدِيثِ النُّعْمَانِ.
تَنْبِيهٌ: نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِيمَنْ زَنَى صَغِيرًا، لَمْ يَرَ عَلَيْهِ شَيْئًا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ فِي صَبِيٍّ قَالَ لِرَجُلٍ: يَا زَانِي، لَيْسَ قَوْلُهُ شَيْئًا، وَكَذَا فِي التَّبْصِرَةِ: أَنَّهُ لَا يُعَزَّرُ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أن غير الْمُكَلَّفُ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ، يُعَاقَبُ عَلَى الْفَاحِشَةِ تَعْزِيرًا بَلِيغًا، وَكَذَا الْمَجْنُونُ يُضْرَبُ عَلَى مَا فَعَلَ لِيَنْزَجِرَ، لَكِنْ لَا عُقُوبَةَ بِقَتْلٍ أَوْ قَطْعٍ، وَفِي الْوَاضِحِ: مَنْ بَلَغَ عَشْرًا صَلُحَ تَأْدِيبُهُ فِي تَعْزِيرٍ عَلَى طَهَارَةٍ وَصَلَاةٍ، وَمِثْلُهُ زِنَاهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْقَاضِي، وَظَاهِرُ مَا نَقَلَهُ الشَّالَنْجِيُّ فِي الْغِلْمَانِ، يَتَمَرَّدُونَ لَا بَأْسَ بِضَرْبِهِمْ، وَأَمَّا الْقِصَاصُ مِثْلُ أَنْ يَظْلِمَ صَبِيٌّ صَبِيًّا، أَوْ مَجْنُونٌ مَجْنُونًا، أَوْ بَهِيمَةٌ بَهِيمَةً، فَيُقْتَصُّ لِلْمَظْلُومِ مِنَ
стр. 3080
عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» وَعَنْهُ: مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِمَا؟ ضُرِبَ مِائَةً، وَيُسْقِطُ عَنْهُ النَّفْيُ. وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ فِيمَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الظَّالِمِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ زَجْرٌ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ، لَكِنْ لِاشْتِفَاءِ الْمَظْلُومِ وَأَخْذِ حَقِّهِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ: يُفْعَلُ ذَلِكَ، وَلَا يَخْلُو عَنْ رَدْعٍ وَزَجْرٍ، وَأَمَّا فِي الْآخِرَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ذَلِكَ لِلْعَدْلِ بَيْنَ خَلْقِهِ، قَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْقِصَاصُ بَيْنَ الْبَهَائِمِ وَالشَّجَرِ وَالْعِيدَانِ جَائِزٌ شَرْعًا بِإِيقَاعِ مِثْلِ مَا كَانَ فِي الدُّنْيَا، وَكَمَا قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَرْبَهَارِيُّ فِي الْقِصَاصِ مِنَ الْحَجَرِ: لِمَ نَكَبَ أُصْبُعَ الرَّجُلِ؟ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْقِصَاصُ مُوَافِقٌ لِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ (وَلَا يُزَادُ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى عَشْرِ جَلَدَاتٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي مَوَاضِعَ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَالْمُرَادُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: إِلَّا فِي مُحَرَّمٍ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: يُتْبَعُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا وَجْهَ لَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَدْنَى حَدٍّ مَشْرُوعٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَبْلُغَ بِكُلِّ جِنَايَةٍ حَدًّا مَشْرُوعًا فِي جِنْسِهَا، وَيَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى حَدِّ غَيْرِ جِنْسِهَا (وَعَنْهُ: مَا كَانَ سَبَبُهُ الْوَطْءَ، كَوَطْءِ جَارِيَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ وَنَحْوِهِمَا) كَجَارِيَةِ وَلَدِهِ أَوْ أَحَدِ أَبَوَيْهِ، وَالْمُحَرَّمَةِ بِرَضَاعٍ وَمَيْتَةٍ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ (ضَرْبُ مِائَةٍ) لِمَا سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ فِي وَطْءِ جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ بِإِذْنِهَا، فَيَتَعَدَّى إِلَى وَطْءِ أَمَتِهِ الْمُشْتَرَكَةِ وَالْمُزَوَّجَةِ، لِأَنَّهَا فِي مَعْنَاهَا، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ عُمَرَ قَالَ فِي أَمَةٍ بَيْنَ رَجُلَيْنِ وَطِئَهَا أَحَدُهُمَا: يُجْلَدُ الْحَدَّ إِلَّا سَوْطًا. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَالْمَذْهَبُ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يُزَادُ عَلَى عَشْرٍ فَأَقَلَّ، إِلَّا فِي وَطْءِ أَمَةٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَيُعَزَّرُ حُرٌّ بِمِائَةٍ إِلَّا سَوْطًا، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى الْعُمُومِ، لِحَدِيثِ أَبِي بُرْدَةَ، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَهَذَا قَوْلٌ حَسَنٌ (وَيَسْقُطُ عَنْهُ النَّفْيُ) أَيْ: يُضْرَبُ مِائَةَ جَلْدَةٍ بِلَا نَفْيٍ، وَلَهُ نَقْصُهُ، وَيُرْجَعُ فِي أَقَلِّهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ، مَعَ أَنَّهُ اخْتَارَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُقْتَلُ لِلْحَاجَةِ، وَأَنَّهُ يُقْتَلُ مُبْتَدِعٌ دَاعِيَةٌ، وَنَقَلَهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْأُطْرُوشُ فِي الدُّعَاةِ مِنَ
стр. 3081
أَتَى بَهِيمَةً، وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ.
وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ عُزِّرَ، وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْجَهْمِيَّةِ، وَعَنْ أَحْمَدَ، وَكَذَا كُلُّ وَطْءٍ فِي فَرْجٍ، وَهِيَ أَشْهَرُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ، وَعَنْهُ: أَوْ دُونَهُ، نَقَلَهُ يَعْقُوبُ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ وَغَيْرِهِمَا، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عَلِيًّا وَجَدَ رَجُلًا مَعَ امْرَأَةٍ فِي لِحَافِهَا، فَضَرَبَهُ مِائَةً، وَالْعَبْدُ بِخَمْسِينَ إِلَّا سَوْطًا (وَكَذَلِكَ يَتَخَرَّجُ فِيمَنْ أَتَى بَهِيمَةً) إِذَا قُلْنَا: إِنَّهُ لَا يُحَدُّ، بَلْ يُعَزَّرُ، لِأَنَّهُ وَطْءٌ فِي فَرْجٍ أَشْبَهَ وَطْءَ أَمَةِ امْرَأَتِهِ (وَغَيْرُ الْوَطْءِ لَا يُبْلَغُ بِهِ أَدْنَى الْحُدُودِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ» . وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَبِي مُوسَى: لَا يُبْلَغُ بِالتَّعْزِيرِ أَدْنَى الْحُدُودِ.
تَنْبِيهٌ: التَّعْزِيرُ يَكُونُ بِضَرْبٍ، وَحَبْسٍ، وَتَوْبِيخٍ، وَقِيلَ: فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَلَا يَقْطَعُ عُضْوًا، وَلَا يَجْرَحُهُ، وَلَا يَأْخُذُ مَالَهُ، وَإِنْ عَفَا عَنْهُ مُسْتَحِقُّ الْحَدِّ سَقَطَ مَعَه التَّعْزِيرِ، وَإِنْ عَفَا مُسْتَحِقُّ التَّعْزِيرِ لَمْ يَسْقُطْ.
فَائِدَةٌ: مَنْ عُرِفَ بِأَذَى النَّاسِ حَتَّى بِعَيْنِهِ حُبِسَ حَتَّى يَمُوتَ أَوْ يَتُوبَ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ، قَالَ الْقَاضِي: لِلْوَالِي فِعْلُهُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لِلْإِمَامِ حَبْسُ الْعَائِنِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُقْتَلَ إِذَا كَانَ يَقْتُلُ بِهَا غَالِبًا، وَفِيهِ نَظَرٌ.
[حُكْمُ الِاسْتِمْنَاءِ]
(وَمَنِ اسْتَمْنَى بِيَدِهِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ) حَرُمَ، وَ (عُزِّرَ) لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ [المؤمنون: ٥] وَلِحَدِيثٍ رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ فِي جُزْئِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا يُعْجِبُنِي بِلَا ضَرُورَةٍ، قَالَ مُجَاهِدٌ: كَانُوا يَأْمُرُونَ فِتْيَانَهُمْ أَنْ يَسْتَعِفُّوا بِهِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ مُطْلَقًا، وَنَقَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ، عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، (وَإِنْ فَعَلَهُ خَوْفًا مِنَ الزِّنَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ خَوْفًا عَلَى بَدَنِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، فَفِعْلُهُ خَوْفًا عَلَى دِينِهِ أَوْلَى، وَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى نِكَاحٍ، وَلَوْ أَمَةً، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ، فَتَسْتَعْمِلُ شَيْئًا مِثْلَ الذَّكَرِ، وَيُحْتَمَلُ الْمَنْعُ وَعَدَمُ الْقِيَاسِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
стр. 3082
بَابٌ، الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ وَلَا يَجِبُ إِلَّا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ، أَحَدُهَا: السَّرِقَةُ، وَهِيَ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ، وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ، وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَرْعٌ: لَوِ اضْطُرَّ إِلَى جِمَاعٍ، وَلَيْسَ مَنْ يُبَاحُ وَطْؤُهَا، حُرِّمَ الْوَطْءُ اتِّفَاقًا
[بَاب الْقَطْع فِي السَّرِقَةِ]
[شُرُوطُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ]
[الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ]
بَابٌ، الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ
وَهُوَ ثَابِتٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلِقَوْلِهِ ﵇ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ: «تُقْطَعُ الْيَدُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فصاعدا» إِلَى غَيْرِهِ مِنَ النُّصُوصِ (وَلَا يَجِبُ) الْقَطْعُ (إِلَّا بِسَبْعَةِ أَشْيَاءَ) يَأْتِي حُكْمُهَا.
(أَحَدُهَا: السَّرِقَةُ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْقَطْعَ عَلَى السَّارِقِ، فَإِذَا لَمْ تُوجَدِ السَّرِقَةُ لَمْ يَكُنِ الْفَاعِلُ سَارِقًا (وَهِيَ: أَخْذُ الْمَالِ) أَيِ: الْمُحْتَرَمِ (عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ) هَذَا بَيَانٌ لِمَعْنَى السَّرِقَةِ، وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ، وَمُسَارَقَةُ النَّظَرِ، إِذَا كَانَ يَسْتَخْفِي بِذَلِكَ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِهِ، وَبِتَحْرِيمِهِ مِنْ مَالِكِهِ، أَوْ نَائِبِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الِانْتِصَارِ: وَلَوْ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالْأَصَحُّ: وَلَوْ مِنْ غَلَّةِ وَقْفٍ، وَلَيْسَ مِنْ مُسْتَحَقِّهِ، وَهُوَ مُكَلَّفٌ مُخْتَارٌ، وَعَنْهُ: أَوْ مُكْرَهٌ (وَلَا قَطْعَ عَلَى مُنْتَهِبٍ) لِمَا رَوَى جَابِرٌ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، (وَلَا مُخْتَلِسٍ، وَلَا غَاصِبٍ، وَلَا خَائِنٍ) لِقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ عَلَى الْخَائِنِ وَالْمُخْتَلِسِ قَطْعٌ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: لَمْ
стр. 3083
وَلَا عَارِيَّةٍ، وَعَنْهُ: يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ، وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ: الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ، وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ، وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
يَسْمَعْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، وَلِأَنَّ الِاخْتِلَاسَ نَوْعٌ مِنَ النَّهْبِ، وَإِذَا لَمْ يَجِبْ عَلَى الْخَائِنِ، وَالْمُخْتَلِسِ فَالْغَاصِبُ أَوْلَى، وَقَالَ إِيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ: يُقْطَعُ، لِأَنَّهُ يَسْتَخْفِي بِأَخْذِهِ، فَيَكُونُ سَارِقًا، وَالْمَنْقُولُ عَنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ خِلَافُهُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ، وَلَا مُنْتَهِبٍ، وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: بَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ (وَلَا جَاحِدِ وَدِيعَةٍ) وِفَاقًا لِعُمُومِ قَوْلِهِ: «لَا قَطْعَ عَلَى خَائِنٍ» لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَارِقٍ (وَلَا عَارِيَّةٍ) ، وَلَا غَيْرِهَا مِنَ الْأَمَانَاتِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ (وَعَنْهُ: يُقْطَعُ جَاحِدُ الْعَارِيَّةِ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ، وَالْكَوْسَجِ، وَالْخُوَارِزْمِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ، وَابْنِ مَنْصُورٍ، وَجَزَمَ بِهَا ابْنُ هُبَيْرَةَ، وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَنَصَرَهَا الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ «أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِقَطْعِ يَدِهَا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْرِفُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيِّ: هُوَ حُكْمٌ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْسَ يَدْفَعُهُ شَيْءٌ، وَالْأُولَى أَصَحُّ، وَالْمَرْأَةُ إِنَّمَا قُطِعَتْ يَدُهَا لِسَرِقَتِهَا، لَا لِجُحُودِهَا، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇: «إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . وَإِنَّمَا عَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِجَحْدِهَا الْعَارِيَّةَ، لِشُهْرَتِهَا بِذَلِكَ، وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ مُوَافَقَةٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ، وَالْقِيَاسِ، وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ، فَيَكُونُ أَوْلَى (وَيُقْطَعُ الطَّرَّارُ، وَهُوَ: الَّذِي يَبُطُّ الْجَيْبَ، وَغَيْرَهُ، وَيَأْخُذُ مِنْهُ) هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ،
стр. 3084
فَصْلٌ، الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا، سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ، وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ، وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِأَنَّهُ أَخَذَ مَالَ غَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِفَاءِ، أَشْبَهَ السَّارِقَ، وَسَوَاءٌ بَطَّ مَا أَخَذَ مِنْهُ، أَوْ قَطَعَهُ، فَأَخَذَهُ، فَعَلَى هَذَا: لَوْ بَطَّ جَيْبَهُ، فَسَقَطَ مِنْهُ نِصَابٌ، فَأَخَذَهُ قُطِعَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: لَا يُقْطَعُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى سَارِقًا كَالْمُخْتَلِسِ.
[الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا مُحْتَرَمًا]
فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مَالًا) لِأَنَّ مَا لَيْسَ بِمَالٍ لَا حُرْمَةَ لَهُ، فَلَمْ يَجِبْ بِهِ قَطْعٌ، وَالْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ غَيْرَ الْمَالِ لَا يُسَاوِي الْمَالَ، فَلَا يَلْحَقُ بِهِ، لَا يُقَالُ: الْآيَةُ مُطْلَقَةٌ، لِأَنَّ الْأَخْبَارَ، مُقَيَّدَةٌ بِهِ، فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، فَعَلَى هَذَا: لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ كَلْبٍ، وَإِنْ كَانَ مُعَلَّمًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا بِحُرٍّ لِمَا يَأْتِي (مُحْتَرَمًا) لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَمَالِ الْحَرْبِيِّ، تَجُوزُ سَرِقَتُهُ بِكُلِّ طَرِيقٍ، وَجَوَازُ الْأَخْذِ مِنْهُ يَنْفِي وُجُوبَ الْقَطْعِ (سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْفَاكِهَةِ وَالْبِطِّيخِ، أَوْ لَا، وَسَوَاءٌ كَانَ ثَمِينًا كَالْمَتَاعِ وَالذَّهَبِ، أَوْ غَيْرَ ثَمِينٍ كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] وَلِقَوْلِهِ ﵇ فِي الثَّمَرِ: «مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَرَوَى مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ أُتْرُجَّةً فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ، فَأَمَرَ عُثْمَانُ أَنْ تُقَوَّمَ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ، فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، عَنْ مَالِكٍ، وَقَالَ: هِيَ الْأُتْرُجَّةُ الَّتِي يَأْكُلُهَا النَّاسُ، وَلِأَنَّ هَذَا مَالٌ يُتَمَوَّلُ عَادَةً، وَيُرْغَبُ فِيهِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ كَالْمُجَفَّفِ، وَسَوَاءٌ كَانَ أَصْلُهُ الْإِبَاحَةَ، أَوْ لَا، حَتَّى أَحْجَارٌ، وَلَبَنٌ، وَنَوْرَةٌ، وَفَخَّارٌ، وَزُجَاجٌ، وَمِلْحٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ: وَسِرْجِينٌ طَاهِرٌ، وَالْأَظْهَرُ:
стр. 3085
وَالْقَصَبِ. وَيُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ، وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ، فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْطَعُ، فَسَرَقَهُ وَعَلَيْهِ حُلِيٌّ، فَهَلْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَثَلْجٌ، وَفِي مَاءٍ وَجْهَانِ، وَفِي الْوَاضِحِ: فِي صَيْدِ مَمْلُوكٍ مُحْرَزٍ رِوَايَتَانِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا قَطْعَ فِي طَيْرٍ، لِإِبَاحَتِهِ أَصْلًا، قَالَ فِي الْفُصُولِ: قَالَ شَيْخُنَا: لَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ، إِذْ كَلُّ الْأَمْوَالِ كَذَلِكَ، وَعِنْدِي أَنَّ قَصْدَ الْأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ فِي الْأَصْلِ، كَالصُّيُودِ، وَمَا شَاكَلَهَا، لَا قَطْعَ فِيهَا، وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنْ لَمْ يُتَمَوَّلْ عَادَةً، كَمَاءٍ، وَكَلَإٍ مُحْرَزٍ، فَلَا قَطْعَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ (يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الْعَبْدِ الصَّغِيرِ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُ سَرَقَ مَالًا مَمْلُوكًا، تَبْلُغُ قِيمَتُهُ نِصَابًا أَشْبَهَ سَائِرَ الْحَيَوَانَاتِ، وَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ، لِأَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يَفْهَمُ، وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ كَبِيرًا عَاقِلًا لَمْ يُقْطَعْ بِسَرِقَتِهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ نَائِمًا، أَوْ مَجْنُونًا لَا يُمَيِّزُ بَيْنَ سَيِّدِهِ، وَغَيْرِهِ فِي الطَّاعَةِ، فَيُقْطَعُ سَارِقُهُ، كَأَعْجَمِيٍّ لَا يُمَيِّزُ، وَلَوْ كَانَ كَبِيرًا، وَفِي الشَّرْحِ: إِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِي حَالِ نَوْمِهِ، أَوْ جُنُونِهِ، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فَوَجْهَانِ، وَفِي الْكَافِي: لَا يُقْطَعُ كَبِيرٌ، أَكْرَهُهُ، وَفِي التَّرْغِيبِ فِي عَبْدٍ نَائِمٍ وَسَكْرَانَ: وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا سَرَقَ الْمُكَاتَبُ لَمْ يُقْطَعْ بِخِلَافِ مَالِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَيِّدَهُ هُوَ السَّارِقُ (وَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ حُرٍّ، وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، أَشْبَهَ الْكَبِيرَ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ الصَّغِيرِ) كَالْمَجْنُونِ، لِأَنَّهُ مَسْرُوقٌ، أَشْبَهَ الْمَالَ وَالْبَهِيمَةَ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِسَرِقَتِهِ كَالْكَبِيرِ النَّائِمِ (فَإِنْ قُلْنَا: لَا
следующие страницы →