← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

حَوْصَلَتِهِ حَبًّا، أَوْ وَجَدَ الْحَبَّ فِي بَعْرِ الْجَمَلِ، لَمْ يَحْرُمْ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْجَدُّ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِقَوْلِهِ ﵇: «أُحِلَّ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ» . الْخَبَرَ. وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ طَاهِرٌ فِي مَحَلٍّ طَاهِرٍ، لَا تُعْتَبَرُ لَهُ ذَكَاةٌ، فَأُبِيحَ كَالطَّافِي (وَعَنْهُ: يَحْرُمُ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ، فَيَكُونُ مُسْتَخْبَثًا، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: يَحْرُمُ جَرَادٌ فِي بَطْنِ سَمَكٍ، لِأَنَّهُ مِنْ صَيْدِ الْبَرِّ، وَمَيْتَتُهُ حَرَامٌ، لَا الْعَكْسُ كَحِلِّ مَيْتَةِ صَيْدِ الْبَحْرِ. تَنْبِيهٌ: يَحْرُمُ بَوْلُ طَاهِرٍ كَرَوْثِهِ، وَأَبَاحَهُ الْقَاضِي، وَذَكَرَ رِوَايَةً فِي بَوْلِ الْإِبِلِ وِفَاقًا لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ فِيهِ: لَا، وَكَلَامُهُ فِي الْخِلَافِ يَدُلُّ عَلَى حِلِّ بَوْلِهِ وَرَوْثِهِ، لِأَنَّهُ مُعْتَادٌ يُحَلِّلُهُ كَاللَّبَنِ، وَبِأَنَّهُ تَبَعٌ لِلَّحْمِ، وَاحْتَجَّ فِي الْفُصُولِ بِإِبَاحَةِ شُرْبِهِ كَاللَّبَنِ، وَدَلَّتْ عَلَى الْوَصْفِ قِصَّةُ الْعُرَنِيِّينَ.

стр. 3187

كِتَابُ الصَّيْدِ وَمَنْ صَادَ صَيْدًا فَأَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ. فَإِنْ خَشِيَ ــ [المبدع في شرح المقنع] [كِتَابُ الصَّيْدِ] [حِلُّ الصَّيْدِ بِالذَّكَاةِ] وَهُوَ: فِي الْأَصْلِ مَصْدَرُ صَادَ يَصِيدُ صَيْدًا فَهُوَ صَائِدٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْمَصِيدِ، تَسْمِيَةً لِلْمَفْعُولِ بِالْمَصْدَرِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى إِبَاحَتِهِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] الْآيَةَ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، مِنْهَا حَدِيثُ عَدِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا. وَهُوَ: مَا كَانَ وَحْشِيًّا حَلَالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُبَاحٌ لَنَا صَيْدُهُ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَاسْتَحَبَّهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَيُكْرَهُ لَهْوًا، وَهُوَ أَطْيَبُ مَأْكُولٍ، وَقَالَ الْأَزَجِيُّ: الزِّرَاعَةُ أَفْضَلُ مَكْسَبٍ، وَقِيلَ: عَمَلُ الْيَدِ، وَقِيلَ: التِّجَارَةُ، وَأَفْضَلُهَا فِي بَزٍّ، وَعِطْرٍ، وَزَرْعٍ وَغَرْسٍ، وَمَاشِيَةٍ، وَأَبْغَضُهَا فِي رَقِيقٍ، وَصُوفٍ، وَأَفْضَلُ الصَّنَائِعِ خِيَاطَةٌ، مَعَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَا نَصَحَ فِيهِ فَهُوَ حَسَنٌ، وَأَدْنَاهَا حِيَاكَةٌ وَحِجَامَةٌ وَنَحْوُهُمَا، وَأَشَدُّهَا كَرَاهَةً: صَبْغٌ وَصِيَاغَةٌ وَحِدَادَةٌ وَنَحْوُهَا. (وَمَنْ صَادَ صَيْدًا فَأَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِالذَّكَاةِ) يَعْنِي: إِذَا أَدْرَكَهُ مُتَحَرِّكًا فَوْقَ حَرَكَةِ مَذْبُوحٍ، وَاتَّسَعَ الْوَقْتُ لِتَذْكِيَتِهِ لَمْ يُبَحْ إِلَّا بِهَا، ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ،

стр. 3188

مَوْتَهُ، وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ، أَرْسَلَ الصَّائِدَ لَهُ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَحِلَّ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحِلُّ، وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ. وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ، ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ سَائِرَ مَا قُدِرَ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَلِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحَيِّ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ عُمَرَ ﵁، وَعَنْهُ: يَحِلُّ بِمَوْتِهِ قَرِيبًا، وَعَنْهُ: دُونَ مُعْظَمِ يَوْمٍ، وَفِي التَّبْصِرَةِ: دُونَ نِصْفِهِ، (فَإِنْ خَشِيَ مَوْتَهُ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُذَكِّيهِ بِهِ أَرْسَلَ الصَّائِدَ لَهُ عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ، فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ) قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ صَيْدٌ قَتَلَهُ الْجَارِحُ لَهُ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ ذَكَاتِهِ فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ مَيِّتًا، وَعِبَارَةُ الْخِرَقِيُّ: أَشْلَى الصَّائِدَ، وَفِي الْمُغْنِي: مَعْنَى أَشْلَى فِي الْعَرَبِيَّةِ: دَعَاهُ، إِلَّا أَنَّ الْعَامَّةَ تَسْتَعْمِلُهُ بِمَعْنَى: أَغْرَاهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِرَقِيَّ أَرَادَ دَعَاهُ، ثُمَّ أَرْسَلَهُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَخْشَ مَوْتَهُ أَوْ وَجَدَ مَعَهُ مَا يُذَكِّيهِ بِهَا لَمْ يَحِلَّ إِلَّا بِهَا، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الذَّهَابُ بِهِ إِلَى مَنْزِلِهِ فَيُذَكِّيَهِ، (فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ، لَمْ يَحِلَّ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ الْإِرْسَالَ ذَكَاةٌ، وَلَوْ قَدَرَ عَلَى ذَكَاتِهِ فَلَمْ يُذَكِّهِ حَتَّى مَاتَ لَمْ يَحِلَّ فَكَذَا هُنَا، (وَقَالَ الْقَاضِي) وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا: (يَحِلُّ) بِالْإِرْسَالِ، قَالَهُ فِي التَّبْصِرَةِ، لِأَنَّ إِدْرَاكَ الصَّيْدِ بِلَا آلَةٍ تَذْكِيَةٌ كَلَا إِدْرَاكٍ، وَلَوْ لَمْ يُدْرِكْهُ حَيًّا لَحَلَّ، فَكَذَا إِذَا أَدْرَكَهُ بِلَا آلَةٍ، (وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى: لَا يَحِلُّ إِلَّا أَنْ يُذَكِّيَهُ) وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فَلَمْ يُبَحْ بِقَتْلِ الْجَارِحِ كَالْأَنْعَامِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُغْنِي لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ لَا يُبَاحُ بِغَيْرِ التَّذْكِيَةِ، إِذَا كَانَتْ مَعَهُ فَلَمْ يُبَحْ بِغَيْرِهَا، إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ آلَةٌ كَسَائِرٍ الْمَقْدُورِ عَلَى تَذْكِيَتِهِ، وَمَسْأَلَةُ الْخِرَقِيِّ عَلَى مَا يَخَافُ مَوْتَهُ إِنْ لَمْ يَقْتُلْهُ الْحَيَوَانُ أَوْ يُذَكّى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ يُمْكِنُ بَقَاؤُهُ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ إِلَى مَنْزِلِهِ فَلَيْسَ فِيهِ اخْتِلَافٌ، لِأَنَّهُ لَا يُبَاحُ إِلَّا بِالذَّكَاةِ. فَرْعٌ: إِذَا امْتَنَعَ عَلَيْهِ مِنَ الذَّبْحِ، فَجَعَلَ يَعْدُو مِنْهُ يَوْمَهُ حَتَّى مَاتَ تَعَبًا وَنَصَبًا حَلَّ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ خِلَافَهُ، لِأَنَّ الْإِتْعَابَ يُعِينُهُ عَلَى الْمَوْتِ، فَصَارَ كَالْمَاءِ [رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ] (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ) أَيْ: مَنَعَهُ مِنَ الِامْتِنَاعِ، وَحَبَسَهُ عَنْهُ مَلَكَهُ، (ثُمَّ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، لَمْ

стр. 3189

فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، وَلِمَنْ أَثْبَتَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ، إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلَّ، وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ. وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ، وَمَتَى أَدْرَكَهُ مَيِّتًا حَلَّ بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيْدًا، ــ [المبدع في شرح المقنع] يَحِلَّ) لِأَنَّهُ صَارَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُبَحْ إِلَّا بِذَبْحِهِ، (وَلِمَنْ أَثْبَتَهُ قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا عَلَى قَاتِلِهِ) لِأَنَّهُ أَتْلَفَهُ عَلَيْهِ، (إِلَّا أَنْ يُصِيبَ الْأَوَّلُ مَقْتَلَهُ دُونَ الثَّانِي، أَوْ يُصِيبَ الثَّانِي مَذْبَحَهُ فَيَحِلَّ) لِأَنَّهُ ذَكَاةٌ، فَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ الْأَوَّلُ حَلَفَ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَبَرِئَ مِنَ الضَّمَانِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَرَاءَةُ ذِمَّتِهِ وإن اتفقا عَلَى السَّابِقِ، وَأَنْكَرَ الثَّانِي كَوْنَ الْأَوَّلِ أَثْبَتَهُ قَبْلَ قَوْلِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْأَوَّلِ لِاعْتِرَافِهِ بِتَحْرِيمِهِ، وَيَحِلُّ لِلثَّانِي، فَإِنْ رَمَيَاهُ وَوَجَدَاهُ مَيِّتًا، وَلَمْ يُعْلَمْ مَنْ أَثْبَتَهُ مِنْهُمَا، فَهُوَ بَيْنُهُمَا، وَإِنْ وَجَدَاهُ مَيِّتًا حَلَّ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ امْتِنَاعِهِ، (وَعَلَى الثَّانِي مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يُتْلِفْ سِوَى ذَلِكَ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، ثُمَّ إِنْ رَمَاهُ آخَرُ فَقَتَلَهُ، فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ أَصَابَ مَقْتَلَهُ، وَالثَّانِي مَذْبَحَهُ قَصْدًا حَلَّ، وَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ غُرْمُ مَا خَرَقَ مِنْ جِلْدِهِ، وَقِيلَ: بَلْ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ حَيًّا مَجْرُوحًا وَكَوْنِهِ مُذَكًّى، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ يَحْرُمُ، وَعَلَى الثَّانِي قِيمَتُهُ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ، إِنْ لَمْ يُدْرِكِ الْأَوَّلُ ذَبْحَهُ بَلْ مَيِّتًا، أَوْ كَمَذْبُوحٍ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً فَلَمْ يَذْبَحْهُ فَمَاتَ ضَمِنَهُ الثَّانِي كَذَلِكَ، قَالَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحَيْنِ مَعَ أَرْشِ نَقْصِهِ، وَعِنْدِي: إِنَّمَا يَضْمَنُ نِصْفَ قِيمَتِهِ مَجْرُوحًا بِالْجُرْحِ الْأَوَّلِ. [شُرُوطُ حِلِّ الصَّيْدِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ] (وَإِنْ أَدْرَكَ الصَّيْدَ مُتَحَرِّكًا كَحَرَكَةِ الْمَذْبُوحِ فَهُوَ كَالْمَيِّتِ) أَيْ: لَا يَحْتَاجُ إِلَى ذَكَاةٍ، لِأَنَّ عَقْرَهُ كَذَكَاتِهِ، (وَمَتَّى أَدْرَكَهُ مَيِّتًا حَلَّ) لِأَنَّ الِاصْطِيَادَ أُقِيمَ مَقَامَ الذَّكَاةِ، وَالْجَارِحُ لَهُ آلَةُ السِّكِّينِ، وَعَقْرُهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ، (بِشُرُوطٍ أَرْبَعَةٍ، أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ الصَّائِدُ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ) ؛ لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنَّ أَخْذَ الْكَلْبِ ذَكَاةٌ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالصَّائِدُ بِمَنْزِلَةِ الْمُذَكِّي فَتُشْتَرَطُ فِيهِ الْأَهْلِيَّةُ، وَفِي الْمَجُوسِيِّ رِوَايَةٌ فِي مَا صَادَهُ مِنْ سَمَكٍ وَجَرَادٍ: أَنَّهُ لَا

стр. 3190

أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا، أَوْ شَارَكَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ، لَمْ يَحِلَّ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يَحِلُّ، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُبَيْدٍ الْكُلَاعِيُّ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: أَدْرَكْتُ سَبْعِينَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَأْكُلُونَ مِنْ صَيْدِ الْمَجُوسِ. إِسْمَاعِيلُ عَنِ الشَّامِيِّينَ حُجَّةٌ. وَفِي الْأَعْمَى قُوَيْلٌ لِابْنِ حَمْدَانَ: إِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِتَعَذُّرِ قَصْدِهِ صَيْدًا مُعَيَّنًا، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرُوهُ: أَنَّ مَا لَا يَفْتَقِرُ إِلَى ذَكَاةٍ كَالْحُوتِ إِذَا صَادَهُ مَنْ لَا تُبَاحُ ذَكَاتُهُ أَنَّهُ يُبَاحُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ لَا ذَكَاةَ لَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَهُ مَيِّتًا، (فَإِنْ رَمَى مُسْلِمٌ وَمَجُوسِيٌّ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَا عَلَيْهِ جَارِحًا) أَوْ جَارِحًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ، أَوْ غَيْرَ مُسَمًّى عَلَيْهِ، (أَوْ شَارَكَ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ كَلْبَ الْمُسْلِمِ فِي قَتْلِهِ) أَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا لَا يَعْرِفُ مُرْسِلَهُ، أَوْ لَا يَعْرِفُ حَالَهُ، أَوْ مَعَ سَهْمِهِ سَهْمًا كَذَلِكَ، (لَمْ يَحِلَّ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ، وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ، إِنَّمَا سَمَّيْتَ عَلَى كَلْبِكَ وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى غَيْرِهِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّهُ اجْتَمَعَ فِي قَتْلِهِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، فَغَلَّبْنَا التَّحْرِيمَ، كَالْمُتَوَلِّدِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ وَمَا لَا يُؤْكَلُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمُبِيحِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، وَكَذَا لَوْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ الْمُعَلَّمَ، فَاسْتَرْسَلَ مَعَهُ آخَرَ بِنَفْسِهِ. فَرْعٌ إِذَا أَرْسَلَ جَمَاعَةٌ كِلَابًا بِشَرْطِهِ، وَسَمَّوْا، فَوَجَدُوا الصَّيْدَ قَتْلًا، لَا يَدْرُونَ مَنْ قَتَلَهُ، حَلَّ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَوْ كَانَتِ الْكِلَابُ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَهُوَ بَيْنُهُمْ، وَإِلَّا كَانَ لِمَنْ كَلْبُهُ مُتَعَلِّقٌ بِهِ، وَعَلَى مَنْ حَكَمْنَا لَهُ بِهِ الْيَمِينُ، وَإِنْ كَانَ قَتِيلًا وَالْكِلَابُ نَاحِيَةً وُقِفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَصْطَلِحُوا، وَقِيلَ: يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ خِيفَ فَسَادُهُ بَاعُوهُ ثُمَّ اصْطَلَحُوا عَلَى ثَمَنِهِ. (وَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا الْمَقْتَلَ دُونَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ لَهُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ

стр. 3191

وَإِنْ أَصَابَ سَهْمُ أَحَدِهِمَا الْمَقْتَلَ دُونَ الْآخَرِ فَالْحُكْمُ لَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحِلَّ، وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ، فَقَتَلَهُ، حَلَّ. وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ، وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ، وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يَحِلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبًا، فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ، حَلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ، فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ، لَمْ يَحِلَّ. . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ هُوَ الْقَاتِلُ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ، وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا مَقْتَلَهُ دُونَ الْآخَرِ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَدْ عَقَرَهُ مُوحِيًا، ثُمَّ أَصَابَهُ الثَّانِي وهو غير مُوحٍ، فَالْحُكْمُ لِلْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ الْجُرْحُ الثَّانِي مُوحِيًا، فَهُوَ مُبَاحٌ إِنْ كَانَ الْأَوَّلُ مُسْلِمًا، لِأَنَّ الْإِبَاحَةَ حَصَلَتْ بِهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحِلَّ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الرَّوْضَةِ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ بَعْدَ إِرْسَالِهِ لَهُ، لَكِنْ لَوْ أَثْخَنَهُ كَلْبُ الْمُسْلِمِ ثُمَّ قَتَلَهُ الْآخَرُ، وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، حَرُمَ، وَيَضْمَنُهُ لَهُ. فَرْعٌ: إِذَا رَمَى سَهْمًا ثُمَّ ارْتَدَّ، أَوْ مَاتَ بَيْنَ رَمْيِهِ وَإِصَابَتِهِ، حَلَّ. (وَإِنْ رَدَّ كَلْبُ الْمَجُوسِيِّ الصَّيْدَ عَلَى كَلْبِ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ حَلَّ) لِأَنَّ جَارِحَةَ الْمُسْلِمِ انْفَرَدَتْ بِقَتْلِهِ فَأُبِيحَ، كَمَا لَوْ رَمَى الْمَجُوسِيُّ سَهْمَهُ، فَرَدَّ الصَّيْدَ، فَأَصَابَهُ سَهْمُ الْمُسْلِمِ فَقَتَلَهُ، أَوْ أَمْسَكَ الْمَجُوسِيُّ شَاةً فَذَبَحَهَا مُسْلِمٌ، (وَإِنْ صَادَ الْمُسْلِمُ بِكَلْبِ الْمَجُوسِيِّ حَلَّ) وَلَوْ كَانَ فِي مِلْكِهِ، ذُكِرَ فِي الْكَافِي: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ وِفَاقًا، وَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَأَبُو الْوَفَا وَابْنُ الزَّاغُونِيِّ، لِأَنَّهُ آلَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ صَادَهُ بِقُوَّتِهِ وَسَهْمِهِ، (وَعَنْهُ: لَا يَحِلُّ) وَإِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ [المائدة: ٤] وَكَلْبُ الْمَجُوسِيِّ غَيْرُ مُعَلَّمٍ مِنْ مُسْلِمٍ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى إِبَاحَةِ الصَّيْدِ بِمَا عَلَّمْنَاهُ وَمَا عَلَّمَهُ غَيْرُنَا، فَهُوَ فِي مَعْنَاهُ، وَكَرِهَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ: جَابِرٌ، وَالْحَسَنُ، وَمُجَاهِدٌ، وَالنَّخَعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، (وَإِنْ صَادَ الْمَجُوسِيُّ بِكَلْبِ الْمُسْلِمِ لَمْ يَحِلَّ) فِي قَوْلِ الْجَمِيعِ، كَمَا لَوْ صَادَ بِقَوْسِهِ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، (وَإِنْ أَرْسَلَ الْمُسْلِمُ كَلْبًا فَزَجَرَهُ الْمَجُوسِيُّ) فَزَادَ عَدْوُهُ أَوْ ذَبَحَ مَا أَمْسَكَهُ لَهُ مَجُوسِيٌّ بِكَلْبِهِ وَقَدْ جَرَحَهُ غَيْرُ مُوحٍ، (حَلَّ) ؛ لِأَنَّ الصَّائِدَ هُوَ الْمُسْلِمُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ، (وَإِنْ أَرْسَلَهُ الْمَجُوسِيُّ

стр. 3192

فَصْلٌ الثَّانِي: الْآلَةُ، وَهِيَ نَوْعَانِ، مُحَدَّدٌ، فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ، وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِثَقْلَةٍ لَمْ يُبَحْ. وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ دُونَ عَرْضِهِ، وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا، فَقَتَلَتْ صَيْدًا أُبِيحَ، وَإِنْ قَتَلَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَزَجَرَهُ الْمُسْلِمُ) وَقِيلَ: وَلَمْ يَزِدْ عَدْوُ كَلْبِهِ بِزَجْرِ الْمُسْلِمِ، (لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّ الصَّائِدَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الذَّكَاةِ إِذِ الْعِبْرَةُ بِالْإِرْسَالِ. [الشَّرْطُ الثَّانِي الْآلَةُ] [أَنْوَاعُ الْآلَةِ] [النَّوْعُ الْأَوَّلُ مُحَدَّدٌ] فَصْلٌ (الثَّانِي: الْآلَةُ وَهِيَ نَوْعَانِ مُحَدَّدٌ فَيُشْتَرَطُ لَهُ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ) لِأَنَّهَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهَا فَيَجِبُ أَنْ يُشْتَرَطَ لِلْمُحَدَّدِ مَا يُشْتَرَطُ لِآلَةِ الذَّكَاةِ، (وَلَا بُدَّ مِنْ جَرْحِهِ بِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَدِيٍّ: «مَا رَمَيْتَ بِالْمِعْرَاضِ فَخَرَقَ فَكُلْهُ، وَإِنْ أَصَابَهُ بِعَرْضِهِ فَلَا تَأْكُلْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (فَإِنْ قَتَلَهُ بِثَقْلَةٍ لَمْ يُبَحْ) لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْآيَةِ، وَسَوَاءٌ أَكَانَ بِشَبَكَةٍ أَوْ فَخٍّ أَوْ بُنْدُقَةٍ، وَلَوْ شَدَخَتْهُ، نَقَلَهُ الْمَيْمُونِيُّ (وَإِنْ صَادَ بِالْمِعْرَاضِ) قَالَ فِي الْمَشَارِقِ: هُوَ خَشَبَةٌ مُحَدَّدَةُ الطَّرَفِ، وَقِيلَ: فِيهِ حَدِيدَةٌ، (أَكَلَ مَا قَتَلَ بِحَدِّهِ) قَالَ أَحْمَدُ: الْمِعْرَاضُ يُشْبِهُ السَّهْمَ، يُحْذَفُ بِهِ الصَّيْدُ، فَرُبَّمَا أَصَابَ الصَّيْدَ بِحَدِّهِ، فَخَرَقَ، فَهُوَ مُبَاحٌ، (دُونَ عَرْضِهِ) لِلْخَبَرِ، وَفِي التَّرْغِيبِ وَالْمُسْتَوْعِبِ: وَلَمْ يَجْرَحْهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ نُصُوصِهِ، لِأَنَّهُ وَقِيذٌ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَحُكْمُ الصَّوَّانِ الَّذِي لَهُ حَدٌّ كَالْمِعْرَاضِ، (وَإِنْ نَصَبَ مَنَاجِلَ أَوْ سَكَاكِينَ، وَسَمَّى عِنْدَ نَصْبِهَا فَقَتَلَتْ صَيْدًا أُبِيحَ) إِذَا جَرَحَهُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَقَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ، لِأَنَّ النَّصْبَ جَرَى مَجْرَى الْمُبَاشَرَةِ فِي الضَّمَانِ، فَكَذَا فِي الْإِبَاحَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُبَاحُ بِحَالٍ، كَمَا لَوْ نَصَبَ سِكِّينًا فَذَبَحَتْ شَاةً، وَلِأَنَّهُ لَوْ رَمَى سَهْمًا، وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا، فَقَتَلَ صَيْدًا لَمْ يَحِلَّ، وَهَذَا أَوْلَى، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ ﵇: «كُلْ مَا رَدَّتْ عَلَيْكَ يَدُكَ.» وَلِأَنَّهُ قَتَلَ الصَّيْدَ بِمَا لَهُ حَدٌّ، جَرَتِ الْعَادَةُ بِالصَّيْدِ بِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ رَمَاهُ وَفَارَقَ مَا إِذَا نَصَبَ سِكِّينًا، فَإِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِالصَّيْدِ بِهَا، وَإِذَا

стр. 3193

بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، لَمْ يُبَحْ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ. وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] رَمَى سَهْمًا وَهُوَ لَا يَرَى صَيْدًا، فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُعْتَادٍ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُصِيبُ صَيْدًا فَلَمْ يَصِحَّ قَصْدُهُ بِخِلَافِ هَذَا، وَقِيلَ: يَحِلُّ مُطْلَقًا، فَإِنْ بَانَ مِنْهُ عُضْوٌ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْبَائِنِ بِضَرْبَةِ الصَّائِدِ، وَحَيْثُ حَلَّ فَظَاهِرُهُ يَحِلُّ، وَلَوِ ارْتَدَّ أَوْ مَاتَ، (وَإِنْ قَتَلَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ، لَمْ يُبَحْ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ) كَذَا عَبَّرَ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَالْمُذْهَبِ وَالْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، فَغُلِّبَ الْمُحَرَّمُ، وَكَسَهْمَيْ مُسْلِمٍ وَمَجُوسِيٍّ، وَلِأَنَّهُ يُخَافُ مِنْ ضَرَرِ السُّمِّ، فَعَلَى هَذَا: إِنْ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ فَهُوَ مُبَاحٌ، وَفِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ: إِذَا اجْتَمَعَ فِي الصَّيْدِ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، مِثْلَ أَنْ يَقْتُلَهُ بِمُثَقِّلٍ وَمُحَدَّدٍ، أَوْ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ وَغَيْرِهِ، إِلَى آخِرِهِ، لَمْ يُبَحْ، لِقَوْلِهِ ﵇: «وَإِنْ وَجَدْتَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلَا تَأْكُلْ.» وَبِأَنَّ الْأَصْلَ الْحَظْرُ، فَإِذَا شَكَكْنَا فِي الْمُبِيحِ رُدَّ إِلَى أَصْلِهِ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ أَعَانَ لَمْ يَأْكُلْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَيْسَ هَذَا فِي كَلَامِ أَحْمَدَ بِمُرَادٍ، وَفِي الْفُصُولِ: إِذَا رُمِيَ بِسَهْمٍ مَسْمُومٍ لَمْ يُبَحْ، لَعَلَّ السُّمَّ أَعَانَ عَلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ شَارَكَ السَّهْمَ تَغْرِيقٌ بِالْمَاءِ، (وَلَوْ رَمَاهُ فَوَقَعَ فِي مَاءٍ، أَوْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ، أَوْ وَطِئَ عَلَيْهِ شَيْءٌ فَقَتَلَهُ لَمْ يَحِلَّ) لِأَنَّهُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ مَوْتُهُ بِالْمُشَارِكِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْجُرْحُ مُوحِيًا كَالذَّكَاةِ، فَهَلْ يَحِلُّ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، أَشْهَرُهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ: أَنَّهُ يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ مُبِيحٌ وَمُحَرِّمٌ، أَشْبَهَ الْمُتَوَلِّدَ بَيْنَ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ، وَالثَّانِيَةُ: يَحِلُّ، وَجَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي حُكْمِ الْمَيِّتِ بِالذَّبْحِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ ﵇: فَإِنْ «وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا ظَاهِرُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلَا خِلَافَ في تحريمه إِذَا كَانَتْ الجراح غير مُوحِيَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْتُلُهُ: مِثْلَ أَنْ يَكُونَ رَأْسُهُ

стр. 3194

فَمَاتَ، حَلَّ. وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرَ سَهْمِهِ، حَلَّ، وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَهُ فِي يَوْمِهِ حَلَّ، وَإِلَّا ــ [المبدع في شرح المقنع] خَارِجًا مِنَ الْمَاءِ، أَوْ يَكُونَ مِنْ طَيْرِ الْمَاءِ الَّذِي لَا يَقْتُلُهُ الْمَاءُ، أَوْ كَانَ التَّرَدِّي لَا يَقْتُلُ مِثْلَ ذَلِكَ الْحَيَوَانِ، فَلَا خِلَافَ فِي إِبَاحَتِهِ، لِأَنَّ التَّرَدِّيَ وَالْوُقُوعَ إِنَّمَا حَرَّمَ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ قَاتِلًا، أَوْ مُعِينًا عَلَى الْقَتْلِ، وَهَذَا مُنْتَفٍ هُنَا، (وَإِنْ رَمَاهُ فِي الْهَوَاءِ) أَوْ عَلَى شَجَرَةٍ أَوْ جَبَلٍ، وَلَوْ عَبَّرَ بِالْعُلُوِّ لَعَمَّ، (فَوَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ فَمَاتَ، حَلَّ) لِأَنَّ الظَّاهِرَ زُهُوقُ رُوحِهِ بِالرَّمْيِ، لَا بِالْوُقُوعِ، وَعَنْهُ: يَحِلُّ بِجَرْحٍ مُوحٍ، جَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُتَرَدِّيَةُ﴾ [المائدة: ٣] ، وَجَوَابُهُ: أَنَّ سُقُوطَهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، فَوَجَبَ أَنْ يَحِلَّ، كَمَا لَوْ أَصَابَهُ فَوَقَعَ عَلَى جَنْبِهِ، وَالْمَاءُ يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَغَابَ عَنْهُ، ثُمَّ وَجَدَهُ مَيِّتًا لَا أَثَرَ بِهِ غَيْرَ سَهْمِهِ، حَلَّ) فِي الْأَشْهَرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ الْأَصَحُّ، لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ «رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفْتِنِي فِي سَهْمِي، قَالَ: مَا رَدَّ عَلَيْكَ سَهْمُكَ فَكُلْ. قَالَ: فَإِنْ تَغَيَّبَ عَنِّي، قَالَ: وَإِنْ تَغَيَّبَ عَنْكَ مَا لَمْ تَجِدْ فِيهِ غَيْرَ سَهْمِكَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَلِأَنَّ جَرْحَهُ بِسَهْمِهِ سَبَبُ إِبَاحَتِهِ، وَقَدْ وُجِدَ يَقِينًا، وَالْمُعَارِضُ لَهُ مَشْكُوكٌ فِيهِ، وَكَمَا لَوْ وَجَدَهُ بِفَمِ كَلْبِهِ، أَوْ وَهُوَ يَعْبَثُ بِهِ، أَوْ سَهْمَهُ فِيهِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْجِرَاحَةُ مُوحِيَةً أَوْ لَا، وَجَدَهُ مَيِّتًا فِي يَوْمِهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ، لَكِنْ لَوْ غَابَ قَبْلَ تَحَقُّقِ الْإِصَابَةِ، ثُمَّ وَجَدَهُ عَقِيرًا وَحْدَهُ وَالسَّهْمَ وَالْكَلْبَ نَاحِيَةً، لَمْ يُبَحْ، (وَعَنْهُ: إِنْ كَانَتِ الْجِرَاحُ مُوحِيَةً حَلَّ) لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ ظَهَرَ إِسْنَادُ الزُّهُوقِ إِلَيْهِ، (وَإِلَّا فَلَا) أَيْ: إِذَا لَمْ يَكُنْ مُوحِيًا لَمْ يَظْهَرْ إِسْنَادُ الزُّهُوقِ إِلَيْهِ، (وَعَنْهُ: إِنْ وَجَدَهُ فِي يَوْمِهِ حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: إِذَا رَمَيْتَ فَأَقْعَصْتَ فَكُلْ، وَإِنْ رَمَيْتَ فَوَجَدْتَ فِيهِ سَهْمَكَ مِنْ يَوْمِكَ أَوْ لَيْلَتِكَ فَكُلْ، وَإِنْ غَابَ عَنْكَ فَلَا تَأْكُلْ، لِأَنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حَدَثَ بَعْدَكَ. لَا يُقَالُ: الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مُتَبَيِّنٌ

стр. 3195

فَلَا. وَإِنْ وَجَدَ بِهِ غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِهِ مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ لَمْ يُبَحْ، وَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ مَا أَبَانَ مِنْهُ، وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْده حَلَّ، وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ الْجَمِيعُ، وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَهُ، وَقَدْ جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ، فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِذَا رَمَيْتَ الصَّيْدَ فَوَجَدْتَهُ بَعْدَ يَوْمَيْنِ، لَيْسَ فِيهِ إِلَّا أَثَرُ سَهْمِكَ، فَكُلْ» . وَعَنْهُ: إِنْ غَابَ مُدَّةً قَرِيبَةً حَلَّ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ غَابَ نَهَارًا حَلَّ، لَا لَيْلًا، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ: لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ حَالِ اللَّيْلِ تَخَطُّفُ الْهَوَامِّ. وَعَنْهُ: يُكْرَهُ أَكْلُ مَا غَابَ، (وَإِنْ وَجَدَ بِهِ غَيْرَ أَثَرِ سَهْمِهِ، مِمَّا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَعَانَ عَلَى قَتْلِهِ، لَمْ يُبَحْ) نَصَّ عَلَيْهِ لِلْأَخْبَارِ، وَكَمَا لَوْ وَجَدَ مَعَ كَلْبِهِ كَلْبًا سِوَاهُ، وَلَمْ يَعْتَبِرُوا هُنَا بِالظَّنِّ، كَالسَّهْمِ الْمَسْمُومِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَتَتَوَجَّهُ التَّسْوِيَةُ لِعَدَمِ الْفَرْقِ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ الِاحْتِمَالُ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ الْأَثَرُ مِمَّا لَا يَقْتُلُ مِثْلَهُ، فَهُوَ مُبَاحٌ، لِأَنَّ هَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْهُ. فَرْعٌ: إِذَا غَابَ قَبْلَ عَقْرِهِ، ثُمَّ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ عَلَيْهِ، فَفِي الْمُنْتَخَبِ وَالْمُغْنِي: إِنَّهُ حَلَالٌ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ كَمَا لَوْ وَجَدَ سَهْمَهُ أَوْ كَلْبَهُ نَاحِيَتَهُ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ وَحَنْبَلٍ حِلُّهُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الرَّوْضَةِ، (وَإِنْ ضَرَبَهُ فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا وَبَقِيَتْ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، لَمْ يُبَحْ مَا أَبَانَ مِنْهُ) هَذَا الْمَذْهَبُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ» . وَعَنْهُ: إِنْ ذُكِّيَ حَلَّ الْبَائِنُ، وَإِنْ كَثُرَ كَبَقِيَّتِهِ، وَإِنْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، أَوْ قَطَعَ رَأْسَهُ، حَلَّ الْجَمِيعُ، فَإِنْ لَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُعْتَبَرَةٌ فَرِوَايَتَانِ، أَشْهَرُهُمَا: إِبَاحَتُهُمَا، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ، لِعُمُومِ الْخَبَرِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِأَنَّ مَا كَانَ ذَكَاةً لِبَعْضِهِ كَانَ ذَكَاةً لِجَمِيعِهِ، كَمَا لَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ، وَالْخَبَرُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْبَاقِي حَيًّا حَتَّى يَكُونَ الْمُنْفَصِلُ مِنْهُ مَيِّتًا. (وَإِنْ بَقِيَ مُعَلَّقًا بِجِلْدِهِ حَلَّ) رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَبِنْ، (وَإِنْ أَبَانَهُ وَمَاتَ فِي الْحَالِ، حَلَّ الْجَمِيعُ) عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا لَوْ قَطَعَهُ قِطْعَتَيْنِ، (وَعَنْهُ: لَا يُبَاحُ مَا أَبَانَ مِنْهُ) لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْهُ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَاةِ فِي الْعَادَةِ، فَلَمْ يُبَحْ كَمَا لَوْ أَدْرَكَهُ الصَّيَّادُ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، وَجَوَابُهُ سَبَقَ، بِدَلِيلِ الْمَذْبُوحِ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا بَقِيَ سَاعَةً، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى

стр. 3196

مِنْهُ، وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَنَحْوِهِ، وَأَفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ وَالْحَجَرِ وَالْعَصَا وَالشَّبَكَةِ وَالْفَخِّ، فَلَا يُبَاحُ مَا قُتِلَ بِهِ، لِأَنَّهُ وَقِيذٌ. ــ [المبدع في شرح المقنع] يَمُوتَ، وَمَعَ هَذَا هُوَ حَلَالٌ، (وَإِنْ أَخَذَ قِطْعَةً مِنْ حُوتٍ وَنَحْوِهِ، وَأَفْلَتَ حَيًّا، أُبِيحَ مَا أَخَذَ مِنْهُ) لِأَنَّ أَقْصَى مَا فِيهِ أَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَمَيْتَتُهُ حَلَالٌ لِلْخَبَرِ. تَذْنِيبٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِصَيْدِ اللَّيْلِ، قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ: مَا عَلِمْتُ أَحَدًا كَرِهَهُ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ صَيْدَ الْفِرَاخِ الصِّغَارِ مِنْ أَوْكَارِهَا، وَفِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا بَأْسَ بِصَيْدِ الصَّيْدِ الْوَحْشِيِّ بِاللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ أَوْكَارِهَا، وَيُكْرَهُ فِي غَيْرِهَا، وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِالطَّرِيدَةِ، كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي مَغَازِيهِمْ، وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ، وَمَعْنَاهَا أَنْ يَقَعَ الصَّيْدُ بَيْنَ الْقَوْمِ، فَيَقْطَعَ كُلٌّ مِنْهُمْ قِطْعَةً بِسَيْفِهِ، حَتَّى يُؤْتَى عَلَى آخِرِهِ، وَهُوَ حَيٌّ، قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ عِنْدِي إِلَّا أَنْ يَصِيدَ الصَّيْدَ، يَقَعُ بَيْنَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَكَاتِهِ، وَيَأْخُذُونَهُ قِطَعًا، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ، (وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُحَدَّدٍ كَالْبُنْدُقِ، وَالْحَجَرِ) الَّذِي لَا حَدَّ لَهُ، (وَالْعَصَا، وَالشَّبَكَةِ، وَالْفَخِّ، فَلَا يُبَاحُ مَا قُتِلَ بِهِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، إِلَّا عَنِ الْحَسَنِ. وَرَوَى شُعْبَةُ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، قَالَ عَمَّارٌ: إِذَا رَمَيْتَ بِالْحَجَرِ أَوِ الْمِعْرَاضِ أَوِ الْبُنْدُقَةِ فَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ، وَإِنْ قَلَّ. وَجَوَابُهُ: قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ﴾ [المائدة: ٣] الْآيَةَ، (لِأَنَّهُ وَقِيذٌ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِغَيْرِ مُحَدَّدٍ، فَوَجَبَ أَلَّا يُبَاحَ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ شَاةً بِعَصَا فَمَاتَتْ، قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمَوْقُوذَةُ الَّتِي تُضْرَبُ حَتَّى تُوقَذَ، أَيْ: تُشْرِفَ عَلَى الْمَوْتِ، قَالَ قَتَادَةُ: كَانُوا يَضْرِبُونَهَا بِالْعَصَا، فَإِذَا مَاتَتْ أَكَلُوهَا، دَلِيلُ الْأَكْثَرِ مَا رَوَى سَعِيدٌ، ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا: «إِذَا رَمَيْتَ فَسَمَّيْتَ فَخَرَقْتَ فَكُلْ، وَإِنْ لَمْ تَخْرِقْ فَلَا تَأْكُلْ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْمِعْرَاضِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ، وَلَا تَأْكُلْ مِنَ الْبُنْدُقَةِ إِلَّا مَا ذَكَّيْتَ» . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ أَيْضًا، وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَلْقَ عَدِيًّا، قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَلَوْ شَدَخَهُ أَوْ خَرَقَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.

стр. 3197

النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ ، فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً، إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ، فَلَا يُبَاحُ صَيْدُهُ. وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ: مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ، كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ، فَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَائِدَةٌ: يُكْرَهُ الصَّيْدُ بِمُثَقِّلٍ لَا يَجْرَحُ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ الْخَذْفِ، وَقَالَ: إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْدًا، وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ، وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ» . أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. [النَّوْعُ الثَّانِي الْجَارِحَةُ] (النَّوْعُ الثَّانِي: الْجَارِحَةُ فَيُبَاحُ مَا قَتَلَتْهُ إِذَا كَانَتْ مُعَلَّمَةً) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] قَالَ ابْنُ حَزْمٍ اتَّفَقُوا فِيمَا إِذَا قَتَلَهُ الْكَلْبُ الَّذِي هُوَ غَيْرُ مُعَلَّمٍ، وَكُلُّ سَبْعٍ مِنْ طَيْرٍ أَوْ ذِي أَرْبَعٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ، وَلَمْ يُدْرَكْ فِيهِ حَيَاةٌ أَصْلًا أَنَّهُ لَا يَحِلُّ، وَلَوْ ذُكِّيَ، وَحِينَئِذٍ مَا قَتَلَتْهُ الْجَارِحَةُ جَرْحًا، وَعَنْهُ: وَصَدْمًا وَخَنْقًا، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، فَيُبَاحُ، (إِلَّا الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ) وَهُوَ مَا لَا بَيَاضَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَالْمُؤَلِّفُ: هُوَ الَّذِي لَا يُخَالِطُ لَوْنَهُ لَوْنٌ سِوَاهُ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: كُلُّ لَوْنٍ لَمْ يُخَالِطْهُ لَوْنٌ آخَرُ فَهُوَ بَهِيمٌ، قِيلَ لَهُمَا: مِنْ كُلِّ لَوْنٍ، قَالَا: نَعَمْ، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا يُرَخِّصُ فِيهِ، يَعْنِي مِنَ السَّلَفِ، (فَلَا يُبَاحُ صَيْدُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ ﵇ أَمَرَ بِقَتْلِهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ شَيْطَانٌ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهُوَ الْعِلَّةُ، وَالسَّوَادُ عَلَامَةٌ، كَمَا يُقَالُ إِذَا رَأَيْتَ صَاحِبَ السِّلَاحِ فَاقْتُلْهُ، فَإِنَّهُ مُرْتَدٌّ فَالْعِلَّةُ الرِّدَّةُ، وَنَقَلَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ الْكَرَاهَةَ، وَأَبَاحَهُ الْأَكْثَرُ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ وَكَغَيْرِهِ مِنَ الْكِلَابِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، وَعَنْهُ بَلَى، وَمِثْلُهُ فِي أَحْكَامِهِ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ بَيَاضٌ، جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ وَيَحْرُمُ اقْتِنَاؤُهُ كَخِنْزِيرٍ، قَالَ جَمَاعَةٌ: يُقْتَلُ، فَدَلَّ عَلَى وُجُوبِهِ، وَنَقَلَ مُوسَى بْنُ سَعِيدٍ لَا بَأْسَ بِهِ. ١

стр. 3198

أَشْيَاءَ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ، وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ، وَلَا يُعْتَبَرْ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ، وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ. وَالثَّانِي: ذُو الْمِخْلَبِ كَالْبَازِيِّ وَالصَّقْرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] (وَالْجَوَارِحُ نَوْعَانِ مَا يَصِيدُ بِنَابِهِ كَالْكَلْبِ وَالْفَهْدِ) وَفِي الْمُذْهَبِ وَالتَّرْغِيبِ: وَالنَّمِرِ، (فَتَعْلِيمُهُ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ وَيَنْزَجِرَ إِذَا زُجِرَ) لَا فِي وَقْتِ رُؤْيَتِهِ لِلصَّيْدِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، (وَإِذَا أَمْسَكَ لَمْ يَأْكُلْ) لِقَوْلِهِ ﵇ «فَلَا تَأْكُلْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْعَادَةَ فِي الْمُعَلَّمِ تُرْكُ الْأَكْلِ، فَكَانَ شَرْطًا كَالِانْزِجَارِ إِذَا زُجِرَ، وَهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآدَمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ، قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَحْسَبُ هَذِهِ الْخِصَالَ تُعْتَبَرُ فِي غَيْرِ الْكَلْبِ، فَإِنَّهُ الَّذِي يُجِيبُ صَاحِبَهُ إِذَا دَعَاهُ وَيَنْزَجِرُ إِذَا زُجِرَ، وَالْفَهْدُ لَا يَكَادُ يُجِيبُ دَاعِيًا وَإِنْ عُدَّ مُتَعَلِّمًا فَيَكُونُ التَّعْلِيمُ فِي حَقِّهِ بِتَرْكِ الْأَكْلِ خَاصَّةً، أَوْ بِمَا يُعِدُّهُ أَهْلُ الْعُرْفِ مُتَعَلِّمًا، (وَلَا يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ) اخْتَارَهُ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ وَأَبُو الْخَطَّابِ وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ تَعَلَّمَ صَنْعَةً أَشْبَهَ سَائِرَ الصَّنَائِعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُعْتَبَرُ تَكَرُّرُ ذَلِكَ مِنْهُ حَتَّى يَصِيرَ فِي الْعُرْفِ مُعَلَّمًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ ثَلَاثٌ، نَصَرَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ تَرْكَ الْأَكْلِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِشِبَعٍ أَوْ عَارِضٍ فَيُعْتَبَرُ تَكْرَارُهُ، وَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ ثَلَاثًا كَالِاسْتِجْمَارِ وَالْأَقْرَاءِ وَالشُّهُورِ فِي الْعِدَّةِ، وَالصَّنَائِعِ لَا يُمَكَّنُ مِنْ فِعْلِهَا إِلَّا مَنْ تَعَلَّمَهَا، وَتَرْكُ الْأَكْلِ مُمْكِنُ الْوُجُودِ مِنَ الْمُتَعَلِّمِ وَغَيْرِهِ، فَعَلَى هَذَا يَحِلُّ فِي الرَّابِعَةِ، وَقِيلَ: مَرَّتَيْنِ فَيَحِلُّ فِي الثَّالِثَةِ، (فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ تَعَلُّمِهِ لَمْ يَحْرُمْ مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَيْدِهِ) رِوَايَةً وَاحِدَةً، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهُ قَدْ وُجِدَ مَعَ اجْتِمَاعِ شُرُوطِ التَّعْلِيمِ فِيهِ، فَلَا يَحْرُمُ بِالِاحْتِمَالِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُعَلَّمًا مَا أَكَلَ، (وَلَمْ يُبَحْ مَا أَكَلَ مِنْهُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) وَهِيَ

стр. 3199

وَالْعُقَابِ وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرَ تَرْكُ الْأَكْلِ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ أَوْ خَنَقَهُ لَمْ يُبَحْ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ. وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] الصَّحِيحَةُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ» . وَرَوَاهُ سَعِيدٌ، ثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: حِينَ الصَّيْدِ، جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَقِيلٍ، وَقِيلَ: قَبْلَ مُضِيِّهِ، وَلَا يَخْرُجُ بِأَكْلِهِ عَنْ كَوْنِهِ مُعَلَّمًا، فَيُبَاحُ صَيْدُهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ، (وَالْأُخْرَى: يَحِلُّ) رُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَسَلْمَانَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، حَكَاهُ عَنْهُمْ أَحْمَدُ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وَلَا حُجَّةَ فِيهَا، مَعَ أَنَّ حَدِيثَنَا هُوَ الْمَعْمُولُ بِهِ وَأَصَحُّ، فَلَوْ شَرِبَ مِنْ دَمِهِ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ، لَمْ يَحْرُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَفِي الِانْتِصَارِ: مِنْ دَمِهِ الَّذِي جَرَى، وَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ وَالثَّوْرِيُّ. ١ - (وَالثَّانِي: ذُو الْمِخْلَبِ كَالْبَازِيِّ، وَالصَّقْرِ، وَالْعُقَابِ، وَالشَّاهِينِ، فَتَعْلِيمُهُ بِأَنْ يَسْتَرْسِلَ إِذَا أُرْسِلَ، وَيُجِيبَ إِذَا دُعِيَ، وَلَا يُعْتَبَرُ تَرْكُ الْأَكْلِ) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ فَلَا تَأْكُلْ، وَإِنْ أَكَلَ الصَّقْرُ فَكُلْ. رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَلِأَنَّ تَعْلِيمَهُ بِالْأَكْلِ، وَيَتَعَذَّرُ تَعْلِيمُهُ بِدُونِهِ، فَلَمْ يَقْدَحْ فِي تَعْلِيمِهِ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ، (وَلَا بُدَّ أَنْ يَجْرَحَ الصَّيْدَ، فَإِنْ قَتَلَهُ بِصَدْمَتِهِ، أَوْ خَنَقَهُ، لَمْ يُبَحْ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ قَتْلٌ بِغَيْرِ جَرْحٍ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ بِالْحَجَرِ وَالْبُنْدُقِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُبَاحُ) لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ الْعُمُومَ فِيهِمَا مَخْصُوصٌ بِمَا ذُكِرَ مِنَ الدَّلِيلِ الدَّالِّ عَلَى عَدَمِ إِبَاحَتِهِ. (وَمَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ هَلْ يَجِبُ غَسْلُهُ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ، وَهُمَا رِوَايَتَانِ فِي الْفُرُوعِ. أَحَدُهُمَا: يَجِبُ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ كَغَيْرِهِ مِنَ الْمَحَالِّ. وَالثَّانِي: لَا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَرَسُولَهُ أَمَرَا بِأَكْلِهِ، وَلَمْ يَأْمُرَا بِغَسْلِهِ.

стр. 3200

فَصْلٌ الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ، فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ، أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ وَإِنْ زَجَرَهُ، إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ، فَيَحِلَّ. وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ فَقَتَلَ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرَى صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] [فَصْلٌ الشَّرْطُ الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ] فصل (الثَّالِثُ: إِرْسَالُ الْآلَةِ قَاصِدًا لِلصَّيْدِ) فَعَلَى هَذَا لَوْ سَقَطَ سَيْفٌ مِنْ يَدِهِ عَلَيْهِ، فَعَقَرَهُ، أَوِ احْتَكَّتْ شَاةٌ بِشَفْرَةٍ فِي يَدِهِ، لَمْ تَحِلَّ (فَإِنِ اسْتَرْسَلَ الْكَلْبُ، أَوْ غَيْرُهُ بِنَفْسِهِ، لَمْ يُبَحْ صَيْدُهُ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ: يُؤْكَلُ إِذَا جَرَحَهُ الصَّائِدُ، وَقَالَ إِسْحَاقُ: إِذَا سَمَّى عِنْدَ انْفِلَاتِهِ أُبِيحَ، وَرُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْكِلَابِ تَنْفَلِتُ مِنْ مَرَابِطِهَا، فَتَصِيدُ الصَّيْدَ، قَالَ: إِذَا سَمَّى فَكُلْ، قَالَ الْخَلَّالُ: هَذَا عَلَى مَعْنَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَجَوَابُهُ: قَوْلُهُ ﵇: «إِذَا أَرْسَلْتَ كَلْبَكَ الْمُعَلَّمَ، وَذَكَرْتَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلِأَنَّ إِرْسَالَ الْجَارِحَةِ جُعِلَ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، وَلِهَذَا اعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ مَعَهُ، (وَإِنْ زَجَرَهُ) أَيْ: لَمْ يَحِلَّ، لِأَنَّ الزَّجْرَ لَمْ يَزِدْ شَيْئًا عَنِ اسْتِرْسَالِ الصَّائِدِ بِنَفْسِهِ، (إِلَّا أَنْ يَزِيدَ عَدْوُهُ بِزَجْرِهِ فَيَحِلَّ) لِأَنَّ زَجْرَهُ لَهُ أَثَّرَ فِي عَدْوِهِ، فَصَارَ كَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ، لِأَنَّ فِعْلَ الْآدَمِيِّ إِذَا انْضَافَ إِلَى فِعْلِ الْبَهِيمَةِ، كَانَ الِاعْتِبَارُ بِفِعْلِ الْآدَمِيِّ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَدَا عَلَى إِنْسَانٍ، فَأَغْرَاهُ آدَمِيٌّ فَأَصَابَهُ، ضَمِنَ، فَلَوْ أَرْسَلَهُ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ، ثُمَّ سَمَّى وَزَجَرَهُ، فَزَادَ عَدْوُهُ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ: إِبَاحَتُهُ، لِأَنَّهُ انْزَجَرَ بِتَسْمِيَتِهِ وَزَجْرِهِ، أَشْبَهَ الَّتِي قَبْلَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا، لِأَنَّ الْحُكْمَ تَعَلَّقَ بِالْإِرْسَالِ الْأَوَّلِ، بِخِلَافِ مَا إِذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ، وَنَقَلَ حَرْبٌ: إِنْ صَادَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُرْسِلَهُ لَا يُعْجِبُنِي، وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، وَفِي الرَّوْضَةِ: إِنِ اسْتَرْسَلَ الطَّائِرُ بِنَفْسِهِ فَصَادَ وَقَتَلَ، حَلَّ وَأَكَلَ مِنْهُ، بِخِلَافِ الْكَلْبِ، (وَإِنْ أَرْسَلَ كَلْبَهُ، أَوْ سَهْمَهُ إِلَى هَدَفٍ) وَهُوَ كُلُّ مُرْتَفَعٍ مِنْ بِنَاءٍ، أَوْ كَثِيبِ رَمْلٍ، أَوْ جَبَلٍ، (فَقَتَلَ صَيْدًا، أَوْ أَرْسَلَهُ يُرِيدُ الصَّيْدَ، وَلَا يَرَى صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ صَيْدُهُ إِذَا قَتَلَهُ) لِأَنَّ قَصْدَ الصَّيْدِ شَرْطٌ، وَلَمْ يُوجَدْ، وَقِيلَ: لَا يَحْرُمُ فِي السَّهْمِ (وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا عَلَى

стр. 3201

قَتَلَهُ، وَإِنْ رَمَى حَجَرًا يَظُنُّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، لَمْ يَحِلَّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ. وَإِنْ رَمَى صَيْدًا، فَأَصَابَ غَيْرَهُ حَلَّ، وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً حَلَّ، وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَتْهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ - حَلَّ، وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ، فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ فَأَخَذَهُ، فَهُوَ لِآخِذِهِ، وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ صَيْدٌ، فَإِنْ خَرَقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْحَقِيقَةِ، وَكَمَا لَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى غَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ ظَنَّهُ أَوْ عَلِمَهُ غَيْرَ صَيْدٍ، فَأَصَابَ صَيْدًا، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحِلَّ) اخْتَارَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبَنِي عَلَى الظَّنِّ، وَقَدْ وُجِدَ وَصَحَّ، وَكَمَا لَوْ رَمَى غَيْرُهُ، أَوْ هُوَ وَغَيْرُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ شَكَّ، هَلْ هُوَ صَيْدٌ أَمْ لَا؛ لَمْ يُبَحْ، لِأَنَّ صِحَّةَ الْقَصْدِ تَنْبَنِي عَلَى الْعِلْمِ، وَلَمْ يُوجَدْ. تَتِمَّةٌ: إِذَا قَصَدَ إِنْسَانًا أَوْ حَجَرًا، أَوْ رَمَى عَبَثًا غَيْرَ قَاصِدٍ صَيْدًا فَقَتَلَهُ، لَمْ يَحِلَّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ صَيْدًا، لِكَوْنِ الصيد لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِعِلْمِهِ، وَإِنْ ظَنَّهُ صَيْدًا، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ حَلَّ، وَإِنْ ظَنَّهُ كَلْبًا أَوْ خِنْزِيرًا، لَمْ يُبَحْ، قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَإِنْ رَمَى مَا ظَنَّهُ حَجَرًا، أَوْ آدَمِيًّا، فَبَانَ صَيْدًا، أَوْ رَمَى حَجَرًا ظَنَّهُ صَيْدًا، فَأَصَابَ صَيْدًا، أَوْ سَمِعَ حِسٍّا لَيْلًا، أَوْ رَأَى سَوَادًا، فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ جَارِحَةً، أَوْ سَهْمَهُ، فَأَصَابَ صَيْدًا فَوَجْهَانِ. وَقِيلَ: إِنْ ظَنَّهُ آدَمِيًّا مَعْصُومًا، أَوْ بَهِيمَةً، أَوْ حَجَرًا، فَقَتَلَهُ، فَإِذَا هُوَ صَيْدٌ، لَمْ يُبَحْ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَصَابَ غَيْرَهُ، حَلَّ) وَالْجَارِحُ كَالسَّهْمِ فِي هَذَا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ أَرْسَلَهُ عَلَى صَيْدٍ، فَحَلَّ مَا صَادَهُ، كَمَا لَوْ أَرْسَلَهَا عَلَى كِبَارٍ فَتَفَرَّقَتْ عَنْ صِغَارٍ، أَوْ كَمَا لَوْ أَخَذَ صَيْدًا فِي طَرِيقِهِ، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَقَتَلَ جَمَاعَةً حَلَّ) لِأَنَّ شَرْطَ الْحِلِّ قَصْدُ الصَّيْدِ فِي الْجُمْلَةِ، لَا قَصْدُ الصَّيْدِ بِعَيْنِهِ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِيهِمَا، (وَإِنْ أَرْسَلَ سَهْمَهُ عَلَى صَيْدٍ فَأَعَانَتْهُ الرِّيحُ فَقَتَلَتْهُ، وَلَوْلَاهَا مَا وَصَلَ، حَلَّ) لِأَنَّهُ قَتَلَهُ بِسَهْمِهِ وَرَمْيِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَى حَجَرٍ، فَرَدَّهُ عَلَى الصَّيْدِ فَقَتَلَهُ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ لَهُ حُكْمُ الْحِلِّ، وَالرِّيحُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهَا، (وَإِنْ رَمَى صَيْدًا فَأَثْبَتَهُ مَلَكَهُ) لِأَنَّهُ أَزَالَ امْتِنَاعَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ قَتَلَهُ، (فَإِنْ تَحَامَلَ فَأَخَذَهُ غَيْرُهُ لَزِمَهُ رَدُّهُ) لِأَنَّهُ مَلَكَهُ فَلَزِمَهُ، كَمَا يَلْزَمُهُ رَدُّ مِلْكِ غَيْرِهِ،

стр. 3202

فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِلثَّانِي، وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ، فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ. وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا ــ [المبدع في شرح المقنع] كَالشَّاةِ وَنَحْوِهَا، (وَإِنْ لَمْ يُثْبِتْهُ، فَدَخَلَ خَيْمَةَ إِنْسَانٍ) أَوْ غَيْرَهَا (فَأَخَذَهُ فَهُوَ لِآخِذِهِ) لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَمْ يَمْلِكْهُ، لِكَوْنِهِ مُمْتَنِعًا، فَمَلَكَهُ الثَّانِي بِأَخْذِهِ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ خَرَجَ مِنْهَا، وَإِلَّا فَلَا. وَقِيلَ: هُوَ لِصَاحِبِ الْخَيْمَةِ، وَلَوْ نَصَبَ خَيْمَةً لِلْأَخْذِ مَلَكَهُ، وَإِنْ مَاتَ فِيهَا، فَهُوَ لَهُ. فَرْعٌ: إِذَا رَمَى طَيْرًا عَلَى شَجَرَةٍ فِي دَارِ قَوْمٍ، فَطَرَحَهُ فِي دَارِهِمْ فَأَخَذُوهُ، فَهُوَ لِلرَّامِي، لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِإِزَالَةِ امْتِنَاعِهِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ: إِنْ حَمَلَ نَفْسَهُ فَسَقَطَ خَارِجَ الدَّارِ، فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ سَقَطَ فِيهَا فَهُوَ لَهُمْ. وَفِي الرِّعَايَةِ: لِغَيْرِهِ أَخْذُهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُوحِي، (وَلَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَتِهِ) أَوْ فَخِّهِ أَوْ شَرَكِهِ (صَيْدٌ) فَهُوَ لَهُ، لِأَنَّهُ أَثْبَتَهُ بِآلَتِهِ (فَإِنْ خَرَقَهَا، وَذَهَبَ بِهَا، فَصَادَهُ آخَرُ، فَهُوَ لِلثَّانِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَمْلِكْهُ الْأَوَّلُ، وَمَا مَعَهُ لُقَطَةٌ، فَإِنْ كَانَ يَمْشِي بِالشَّبَكَةِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الِامْتِنَاعِ، فَهُوَ لِصَاحِبِهَا، لَكِنْ إِنْ أَمْسَكَهُ الصَّائِدُ وَثَبَتَتْ يَدُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ انْفَلَتَ مِنْهُ، لَمْ يَزَلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، كَمَا لَوْ شَرَدَتْ فَرَسُهُ، أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ صَادَهُ فَوَجَدَ عَلَيْهِ عَلَامَةً كَقِلَادَةٍ فِي عُنُقِهِ أَوْ قُرْطٍ فِي أُذُنِهِ، فَلَوْ وَجَدَ طَائِرًا مَقْصُوصَ الْجَنَاحِ فَلُقَطَةٌ، وَيَمْلِكُ الصَّيْدَ بِإِلْجَائِهِ إِلَى مَضِيقٍ يَعْجِزُ عَنِ الِانْفِلَاتِ مِنْهُ، وَكَذَا إِذَا وَقَعَ فِي دِبْقٍ يمنعه مِنَ الطَّيَرَانِ، (وَإِنْ كَانَ فِي سَفِينَةٍ فَوَثَبَتْ سَمَكَةٌ فَوَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، فَهِيَ لَهُ دُونَ صَاحِبِ السَّفِينَةِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ السَّمَكَ مِنَ الصَّيْدِ الْمُبَاحِ، فَمُلِكَتْ بِالسَّبْقِ إِلَيْهَا، كَمَا لَوْ فَتَحَ حِجْرَهُ لِلْأَخْذِ، زَادَ فِي الْوَجِيزِ: مَا لَمْ تَكُنِ السَّفِينَةُ مُعَدَّةً لِلصَّيْدِ، فِي هَذَا الْحَالِ، وَقِيلَ: هُوَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، فَيَكُونَ لِمَنْ أَخَذَهُ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا إِذَا وَقَعَتْ في السفينة فَهِيَ لِصَاحِبِهَا، لِأَنَّ السَّفِينَةَ مِلْكُهُ، وَيَدُهُ عَلَيْهَا، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ السَّمَكَةُ وَثَبَتْ بِفِعْلِ إِنْسَانٍ لِقَصْدِ الصَّيْدِ فَهِيَ لَهُ دُونَ مَنْ وَقَعَتْ فِي حِجْرِهِ، لِأَنَّ الصَّائِدَ أَثْبَتَهَا بِذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا دَخَلَتْ ظَبْيَةٌ دَارَهُ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ وَجَهِلَهَا، أَوْ لَمْ يَقْصِدْ تَمَلُّكَهَا، وَمِثْلُهُ إِحْيَاءُ أَرْضٍ بِهَا كَنْزٌ مَلَكَهُ، كَنَصْبِ خَيْمَةٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ دَخَلَ الصَّيْدُ دَارَهُ، فَأَغْلَقَ بَابَهُ،

стр. 3203

مَلَكَهُ، وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْهُ، وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ، لَمْ يَمْلِكْهُ وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ، وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ، وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشِّبَاشِ. وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ، لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] أَوْ بُرْجَهُ، فَسَدَّ الْمَنَافِذَ، أَوْ حَصَلَتِ السَّمَكَةُ فِي بِرْكَتِهِ، فَسَدَّ مَجْرَى الْمَاءِ، فَقِيلَ: يَمْلِكُهُ، وَقِيلَ: إِنْ سَهُلَ تَنَاوُلُهُ مِنْهُ، وَإِلَّا كَمُتَحَجِّرٍ لِلْأَحْيَاءِ، وَيُحْتَمَلُ اعْتِبَارُ قَصْدِ التَّمَلُّكِ بِغَلْقٍ وَسَدٍّ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: مَا يَبْنِيهِ النَّاسُ مِنَ الْأَبْرِجَةِ، فَتُعَشْعِشُ بِهَا الطُّيُورُ يَمْلِكُونَ الْفِرَاخَ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الطُّيُورُ مَمْلُوكَةً، فَهِيَ لِأَرْبَابِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ تَحَوَّلَ طَيْرٌ مِنْ بُرْجِ زَيْدٍ إِلَى بُرْجِ عَمْرٍو، لَزِمَ عَمْرًا رَدُّهُ، وَإِنِ اخْتَلَطَ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ مُنِعَ عَمْرٌو مِنَ التَّصَرُّفِ عَلَى وَجْهٍ يَنْقُلُ الْمِلْكَ حَتَّى يَصْطَلِحَا، وَلَوْ بَاعَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ حَقَّهُ، أَوْ وَهَبَهُ، صَحَّ فِي الْأَقْيَسِ (وَإِنْ صَنَعَ بِرْكَةً لِيَصِيدَ بِهَا السَّمَكَ، فَمَا حَصَلَ فِيهَا مَلَكَهُ) لِأَنَّهَا آلَةٌ لِلصَّيْدِ، قَصَدَ بِهَا السَّمَكَ فَمَلَكَهُ، وَكَمَا لَوْ وَقَعَ فِي شَبَكَةٍ، أَوْ فَخٍّ، أَوْ مِنْجَلٍ (وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِهَا ذَلِكَ لَمْ يَمْلِكْهُ) كَمَا لَوْ تَوَحَّلَ الصَّيْدُ فِي أَرْضِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: ظَاهِرُ كَلَامِهِ: يَمْلِكُهُ بِالتَّوَحُّلِ (وَكَذَلِكَ إِنْ حَصَلَ فِي أَرْضِهِ سَمَكٌ، أَوْ عَشَّشَ فِيهَا طَائِرٌ لَمْ يَمْلِكْهُ) لِأَنَّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ مُعَدَّةً لِذَلِكَ، أَشْبَهَ الْبِرْكَةَ الَّتِي لَمْ يُقْصَدْ بِهَا الِاصْطِيَادُ، نَقَلَ صَالِحٌ وَحَنْبَلٌ، فِيمَنْ صَادَ مِنْ نَخْلَةٍ بِدَارِ قَوْمٍ: هُوَ لَهُ، فَإِنْ رَمَاهُ بِبُنْدُقَةٍ فَوَقَعَ فِيهَا فَهُوَ لِأَهْلِهَا، (وَلِغَيْرِهِ أَخْذُهُ) عَلَى الْأَصَحِّ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ، وَلِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ، لَكِنْ يَأْثَمُ بِدُخُولِهَا بِدُونِ إِذْنِ رَبِّهَا، وَقِيلَ: مُسْتَأْجِرُهَا أَوْلَى مِنْ رَبِّهَا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لِلْمُؤَجِّرِ، (وَيُكْرَهُ صَيْدُ السَّمَكِ بِالنَّجَاسَةِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِمَا فِيهِ مِنْ أَكْلِ السَّمَكِ لِلنَّجَاسَةِ، فَيَصِيرُ كَالْجَلَّالَةِ، وَعَنْهُ: يَحْرُمُ، قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَنَقَلَهُ الْأَكْثَرُ، وَقَالَ: اسْتَعِنْ عَلَيْهِمْ بِالسُّلْطَانِ، وَفِي الْمُبْهِجِ فِيهِ: وَبِمُحَرَّمٍ، رِوَايَتَانِ. وَكَرِهَ أَحْمَدُ الصَّيْدَ بِبَنَاتِ وَرْدَانَ، وَقَالَ: مَأْوَاهَا الْحُشُوشُ، وَكَذَا بِالضَّفَادِعِ (وَصَيْدُ الطَّيْرِ بِالشِّبَاشِ) وَهُوَ طَائِرٌ تَخِيطُ عَيْنَيْهِ وَيُرْبَطُ، لِأَنَّ فِيهِ تَعْذِيبًا لِلْحَيَوَانِ. وَكَذَا يُكْرَهُ مِنْ وَكْرِهِ، أَطْلَقَهُ فِي التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ لَا بِلَيْلٍ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لَا، كَالْفَرْخِ مِنْهُ، وَلَا بِمَا يُسْكِرُ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ رَزِينٍ: يُكْرَهُ بِلَيْلٍ.

стр. 3204

فَصْلٌ الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ، فَإِنْ تَرَكَهَا لَمْ يُبَحْ، سَوَاءٌ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَائِدَةٌ: لَا بَأْسَ بِشَبَكَةٍ، وَفَخٍّ، وَدِبْقٍ، قَالَ أَحْمَدُ: وَكُلِّ حِيلَةٍ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: يُكْرَهُ بِمُثَقَّلٍ، كَبُنْدُقٍ، وَكَرِهَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الرَّمْيَ بِهِ مُطْلَقًا، لِنَهْيِ عُثْمَانَ، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ الْبُنْدُقِ، يُرْمَى بِهِ الصَّيْدُ، لَا لِلْعَبَثِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هُوَ مَعْصِيَةٌ، فَلَوْ مَنَعَهُ الْمَاءُ حَتَّى صَادَهُ حَلَّ أَكْلُهُ، وَحَرَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُصَادُ الْحَمَامُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ وَحْشِيًّا (وَإِذَا أَرْسَلَ الصَّيْدَ، وَقَالَ: أَعْتَقْتُكَ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَكَانْفِلَاتِهِ، أَوْ نَدَّ أَيَّامًا، ثُمَّ صَادَهُ آخَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ وَالْاعْتِقَاقَ لَا يُوجِبُ زَوَالَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ أَعْتَقْتُكَ فِي حَيَوَانٍ مَأْكُولٍ، لِأَنَّهُ فِعْلُ الْجَاهِلِيَّةِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَزُولَ، وَيَمْلِكَهُ مَنْ أَخَذَهُ) لِأَنَّ الْأَصْلَ الْإِبَاحَةُ، وَالْإِرْسَالُ يَرُدُّهُ إِلَى أَصْلِهِ بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، وَلِأَنَّ الْإِرْسَالَ هُنَا بَعِيدٌ، وَهُوَ: رَدُّ الصَّيْدِ إِلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَيْدِي الْآدَمِيِّينَ، وَلِهَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ اشْتَرَى عُصْفُورًا مِنْ صَبِيٍّ، فَأَطْلَقَهُ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ إِرْسَالُهُ عَلَى الْمُحْرِمِ إِذَا أَحْرَمَ، بِخِلَافِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: الْعِتْقُ إِحْدَاثُ قُوَّةٍ تُصَادِفُ الرِّقَّ، وَهُوَ ضَعْفٌ شَرْعِيٌّ يَقُومُ بِالْمَحَلِّ، فَيَمْنَعُهُ عَنْ دَفْعِ يَدِ الِاسْتِيلَاءِ عَنْهُ، وَالرِّقُّ غَيْرُ الْمَالِيَّةِ. [فَصْلٌ الشَّرْطُ الرَّابِعُ التَّسْمِيَةُ] فصل (الرَّابِعُ: التَّسْمِيَةُ) فِي الْجُمْلَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وَلِلْأَخْبَارِ، (عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ أَوِ الْجَارِحَةِ) لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْفِعْلُ الْمَوْجُودُ مِنَ الْمُرْسِلِ، فَاعْتُبِرَتِ التَّسْمِيَةُ عِنْدَهُ كَمَا يُعْتَبَرُ عِنْدَ الذَّبْحِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: أَوْ قَبْلَهُ قَرِيبًا، فَصَلَ بِكَلَامٍ أَوْ لَا (فَإِنْ تَرْكَهَا لَمْ يُبَحْ، سَوَاءٌ تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَذَكَرَ

стр. 3205

تَرَكَهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَعَنْهُ: إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ أُبِيحَ، وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ لَمْ تُبَحْ. ــ [المبدع في شرح المقنع] الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: أَنَّهُ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، لِلْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّيْدِ وَالذَّبِيحَةِ أَنَّ الذَّبْحَ وَقَعَ فِي مَحَلِّهِ، فَجَازَ أَنْ يُسَامِحَ فِيهِ، بِخِلَافِ الصَّيْدِ، وَلِأَنَّ فِي الصَّيْدِ نُصُوصًا خَاصَّةً، وَلِأَنَّ الذَّبِيحَةَ تَكْثُرُ وَيَكْثُرُ النِّسْيَانُ فِيهَا، (وَعَنْهُ: إِنْ نَسِيَهَا عَلَى السَّهْمِ أُبِيحَ) لِقَوْلِهِ ﵇: «عُفِيَ لِأُمَّتِي عَنِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ.» (وَإِنْ نَسِيَهَا عَلَى الْجَارِحَةِ لَمْ تُبَحْ) وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ السَّهْمَ آلَةٌ حَقِيقَةً وَلَيْسَ لَهُ اخْتِيَارٌ، بِخِلَافِ الْحَيَوَانِ، فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِاخْتِيَارِهِ، وَعَنْهُ: تَسْقُطُ مَعَ السَّهْوِ مُطْلَقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ إِجْمَاعًا، قَالَ الْخَلَّالُ: سَهَا حَنْبَلٌ فِي نَقْلِهِ، وَعَنْهُ: سُنَّةٌ، نَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ: الْآيَةُ فِي الْمَيْتَةِ، قَدْ رَخَّصَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يَخْتَصُّ الْمُسْلِمُ بِاشْتِرَاطِهَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَكْسَهَا، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ، وَلَيْسَ بِجَاهِلٍ كناس الصوم، ذَكَرَهُ فِي الْمُنْتَخَبِ، وَسَبَقَ مَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ. مَسْأَلَةٌ: إِذَا سَمَّى عَلَى سَهْمٍ ثُمَّ أَلْقَاهُ وَأَخَذَ غَيْرَهُ لَمْ يُبَحْ مَا صَادَ بِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الشَّرْحِ وَالرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْكِنِ اعْتِبَارُ التَّسْمِيَةِ عَلَى صَيْدٍ بِعَيْنِهِ، اعْتُبِرَتْ عَلَى الْآلَةِ الَّتِي يَصِيدُ بِهَا، بِخِلَافِ الذَّبِيحَةِ، وَقِيلَ: يُبَاحُ كَمَا لَوْ سَمَّى عَلَى سِكِّينٍ، وَأَخَذَ غَيْرَهَا.

стр. 3206

كِتَابُ الْأَيْمَانِ وَ الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] [كِتَابُ الْأَيْمَانِ] [الْيَمِينُ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ] وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ، وَالْيَمِينُ: الْقَسَمُ، وَالْجَمْعُ: أَيْمُنٌ وَأَيْمَانٌ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ أَحَدُهُمْ يَضْرِبُ يَمِينَهُ عَلَى يَمِينِ صَاحِبِهِ، فَالْيَمِينُ: تَوْكِيدُ الْحُكْمِ بِذِكْرِ مُعَظَّمٍ عَلَى وَجْهٍ مَخْصُوصٍ، فَهِيَ جُمْلَةٌ خَبَرِيَّةٌ تُؤَكَّدُ بِهَا أُخْرَى، وَهُمَا كَشَرْطٍ وَجَزَاءٍ، وَالْأَصْلُ فِيهَا الْإِجْمَاعُ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] وقَوْله تَعَالَى ﴿وَلا تَنْقُضُوا الأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ [النحل: ٩١] ، وَالسُّنَّةُ شَهِيرَةٌ بِذَلِكَ، مِنْهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: «إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا، فَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفِّرْ يَمِينَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَوَضْعُهَا فِي الْأَصْلِ لِتَأْكِيدِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ [يونس: ٥٣] وَ ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧] وَيَصِحُّ مِنْ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ قَاصِدٍ لِلْيَمِينِ، وَلَا يَصِحُّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقٌّ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ كَالْإِقْرَارِ، وَفِي الْمُمَيِّزِ وَجْهٌ، قَالَهُ فِي الْمَذْهَبِ، وَفِي السَّكْرَانِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى التَّكْلِيفِ وَعَدَمِهِ، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي

стр. 3207

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالشَّرْحِ، وَبَنَاهُ فِي الْكَافِي عَلَى طَلَاقِهِ، وَتَصِحُّ مِنَ الْكَافِرِ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ بِالْحِنْثِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ، وَقَالَهُ جَمْعٌ وَقَالَ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢] وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ، وَجَوَابُهُ: «أَنَّ عُمَرَ نَذَرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ» ، وَلِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْقَسَمِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] ، قَالَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ يُسْتَحْلَفُ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَكُلُّ مَنْ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الْحَاكِمِ صَحَّتْ يَمِينُهُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ كَالْمُسْلِمِ، وَعَنِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ لَا يَفُونَ بِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ﴾ [التوبة: ١٣] وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ (وَالْيَمِينُ) تَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: وَاجِبٌ: كَالَّتِي يُنَجِّي بِهَا إِنْسَانًا مَعْصُومًا مِنْ هَلَكَةٍ، وَكَذَا إِنْجَاءُ نَفْسِهِ، مِثْلَ أَنْ تَتَوَجَّهَ أَيْمَانُ الْقَسَامَةِ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ عَلَيْهِ، وَهُوَ بَرِيءٌ. وَمَنْدُوبٌ: كَحَلِفٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصْلَحَةٌ، مِنْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ مُتَخَاصِمَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ، فَقِيلَ: هُوَ مَنْدُوبٌ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَدْعُوهُ إِلَى فِعْلِ الطَّاعَةِ وَتَرْكِ الْمَعْصِيَةِ، وَقِيلَ: لَا، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَهُ فِي الْأَغْلَبِ، وَلَوْ كَانَ طَاعَةً لَمْ يُخِلُّوا بِهِ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَجْرِي مَجْرَى النَّذْرِ. وَمُبَاحٌ: كَالْحَلِفِ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ، أَوْ تَرْكِهِ، وَالْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ بِشَيْءٍ هُوَ صَادِقٌ فِيهِ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّهُ صَادِقٌ. وَمَكْرُوهٌ: كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ مَكْرُوهٍ، وَلَا يَلْزَمُ حَدِيثُ الْأَعْرَابِيِّ، وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا، وَلَا أَنْقُصُ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى تَرْكِهَا لَا يَزِيدُ عَلَى تَرْكِهَا، وَلَوْ تَرَكَهَا لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ. وَحَرَامٌ: وَهُوَ الْحَلِفُ الْكَاذِبُ، وَمِنْهُ الْحَلِفُ عَلَى مَعْصِيَةٍ، أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ وَمَتَى

стр. 3208

وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ: وَاللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ: الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالِمِينَ، فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ. وَالثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ، وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ. وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] كَانْتِ الْيَمِينُ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ، أَوْ تَرْكِ مُحَرَّمٍ، فَحِلُّهَا حَرَامٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مَنْدُوبٍ، أَوْ تَرْكِ مَكْرُوهٍ، فَحَلُّهَا مَكْرُوهٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى مُبَاحٍ، فَحَلُّهَا مُبَاحٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: وَحِفْظُ الْيَمِينِ أَوْلَى، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مَكْرُوهٍ وَتَرْكِ مَنْدُوبٍ، فَحَلُّهَا مَنْدُوبٌ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ أَوْ تَرْكِ وَاجِبٍ، فَحَلُّهَا وَاجِبٌ. (الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ) بِشَرْطِ الْحِنْثِ، (هِيَ الْيَمِينُ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ) لِأَنَّ الْيَمِينَ إِذَا أُطْلِقَتْ تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى قَدِيمَةٌ، فَكَانَ الْحَلِفُ بِهَا مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَكَوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَإِرَادَتِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعِلْمِهِ. [الْحَلِفُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى] (وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى قِسْمَانِ، أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، نَحْوَ: وَاللَّهِ، وَالْقَدِيمِ الْأَزَلِيِّ، وَالْأَوَّلِ: الَّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، وَالْآخِرِ: الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ، وَخَالِقِ الْخَلْقِ، وَرَازِقِ الْعَالَمِينَ) وَكَذَا رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَمَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، وَرَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، (فَهَذَا الْقَسَمُ بِهِ يَمِينٌ بِكُلِّ حَالٍ) نَوَى بِهِ الْيَمِينَ أَوْ لَا، لِأَنَّ الْيَمِينَ بِذَلِكَ صَرِيحٌ فِي مَقْصُودِهِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إِلَى نِيَّةٍ كَصَرِيحِ الطَّلَاقِ وَنَحْوِهِ. (وَالثَّانِي: مَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَإِطْلَاقُهُ يَنْصَرِفُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، كَالرَّحْمَنِ، وَالرَّحِيمِ، وَالْعَظِيمِ، وَالْقَادِرِ، وَالرَّبِّ، وَالْمَوْلَى، وَالرَّازِقِ، وَنَحْوِهِ، فَهَذَا إِنْ نَوَى بِالْقَسَمِ بِهِ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ، فَهُوَ يَمِينٌ) لِأَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ، (وَإِنْ نَوَى غَيْرَهُ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ) لِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٥٠] وَ ﴿اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾ [يوسف: ٤٢] ، ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء: ٨] ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] ، وَمِثْلَ رَحْمَانِ الْيَمَامَةِ، وَرَجُلٌ رَحِيمٌ، وَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ، وَالْقَادِرُ بِاكْتِسَابِهِ، وَالْعَالِمُ فِي الْبَلَدِ، وَرَازِقُ الْجُنْدِ، لِأَنَّهُ لَمَّا أَرَادَ بِهِ غَيْرَهُ لَمْ يَبْقَ يَمِينًا،

стр. 3209

كَالشَّيْءِ وَالْمَوْجُودِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا. وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ، وَايْمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ. وَإِنْ قَالَ: ــ [المبدع في شرح المقنع] لِعَدَمِ تَنَاوُلِهِ لِمَا يُوجِبُ الْقَسَمَ، وَفِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي: إِنَّ الرَّحْمَنَ مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهُوَ أَوْلَى، لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُ اللَّهِ مُضَافًا، لِقَوْلِهِمْ فِي مُسَيْلِمَةَ: رَحْمَانُ الْيَمَامَةِ، وَالَّذِي ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا أَوْرَدَهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ مَذْهَبًا، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ وَالتَّعْلِيقِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ: وَالرَّبِّ، وَالْخَالِقِ، وَالرَّازِقِ، لَا فَعَلْتُ كَذَا، وَأَطْلَقَ، وَلَمْ يَنْوِ الْيَمِينَ، أَنَّهُ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْ: أُقْسِمُ، وَقِيلَ: يَمِينٌ مُطْلَقًا، وَقَالَهُ طَلْحَةُ الْعَاقُولِيُّ (وَأَمَّا مَا لَا يُعَدُّ مِنْ أَسْمَائِهِ) وَلَا يَنْصَرِفُ إِطْلَاقُهُ إِلَيْهِ وَيَحْتَمِلُهُ (كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ) وَالْحَيِّ، وَالْعَالِمِ، وَالْمُؤْمِنِ، وَالْكَرِيمِ، (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِهِ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّ الْحَلِفَ الَّذِي تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ لَمْ يُقْصَدْ، وَلَا اللَّفْظَ ظَاهِرٌ فِي إِرَادَتِهِ، فَوَجَبَ أَلَّا يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، (وَإِنْ نَوَاهُ كَانَ يَمِينًا) عَلَى الْمَذْهَبِ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقْسِمَ بِشَيْءٍ يَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللَّهُ تَعَالَى قَاصِدًا بِهِ الْحَلِفَ، فَكَانَ يَمِينًا مُكَفَّرَةً، كَالْمَلِكِ، وَالْقَادِرِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَكُونُ يَمِينًا) أَيْضًا، لِأَنَّ الْيَمِينَ إنما تنعقد بِحُرْمَةِ الِاسْمِ - فَمَعَ الِاشْتِرَاكِ لَا تَكُونُ لَهُ حُرْمَةٌ - وَالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ لا تنعقد بِهَا الْيَمِينُ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ أَقْسَمَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى قَاصِدًا الْحَلِفَ بِهِ، فَكَانَ يَمِينًا، وَمَا انْعَقَدَتْ بِالنِّيَّةِ الْمُجَرَّدَةِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ بِالِاسْمِ الْمُحْتَمَلِ الْمُرَادِ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ إِلَى بَعْضِ مُحْتَمَلَاتِهِ، فَيَصِيرُ كَالْمُصَرَّحِ بِهِ كَالْكِنَايَاتِ. [الْحَلِفُ بِـ وَحَقِّ اللَّهِ وَعَهْدِ اللَّهِ] (وَإِنْ قَالَ: وَحَقِّ اللَّهِ، وَعَهْدِ اللَّهِ، وَايْمِ اللَّهِ، وَأَمَانَةِ اللَّهِ، وَمِيثَاقِهِ، وَقُدْرَتِهِ، وَعَظَمَتِهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، وَعِزَّتِهِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَمِينٌ) وَفِيهِ مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَحَقِّ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ لِلَّهِ حُقُوقًا يَسْتَحِقُّهَا لِنَفْسِهِ، مِنَ الْبَقَاءِ، وَالْعَظَمَةِ، وَالْجَلَالِ، وَالْعِزَّةِ، وَقَدِ اقْتَرَنَ عرف

стр. 3210

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] الاستعمال بِالْحَلِفِ بِهَا، فَيَنْصَرِفُ إِلَى صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ: وَقُدْرَةِ اللَّهِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا قَالَ: وَعَهْدِ اللَّهِ، وَكَفَالَتِهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، لِأَنَّ عَهْدَ اللَّهِ يَحْتَمِلُ كَلَامَهُ الَّذِي أَمَرَنَا بِهِ وَنَهَانَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ﴾ [يس: ٦٠] وَكَلَامُهُ قَدِيمٌ صِفَةٌ لَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ اسْتِحْقَاقٌ لِمَا تَعَبَّدْنَا بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ، فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا بِإِطْلَاقِهِ، كَقَوْلِهِ: وَكَلَامِ اللَّهِ. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إِذَا قَالَ: عَلَيَّ عَهْدُ اللَّهِ وَمِيثَاقُهُ، لَأَفْعَلَنَّ كَذَا، فَهُوَ يَمِينٌ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، لِأَنَّ الْعَهْدَ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ، فَلَا يَكُونُ الْحَلِفُ بِهِ يَمِينًا، كَمَا لَوْ قَالَ: وَخَلْقِ اللَّهِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا قَالَ: وَايْمُ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّهُ ﵇ كَانَ يُقْسِمُ بِهِ، وَانْضَمَّ إِلَيْهِ عُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ فَوَجَبَ أَنْ يُصْرَفَ إِلَيْهِ كَالْحَلِفِ بِعَمْرِو اللَّهِ، وَعَنْهُ: إِنْ نَوَى الْيَمِينَ، وَإِلَّا فَلَا، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ. فَائِدَةٌ: ايْمُ كَايْمُنٍ، وَهَمْزَتُهُ هَمْزَةُ وَصْلٍ، تُفْتَحُ وَتُكْسَرُ، وَمِيمُهُ مَضْمُومَةٌ، وَقَالُوا: ايْمُنُ اللَّهِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنُّونِ، مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ: أَلِفُهَا أَلِفُ قَطْعٍ، وَهِيَ جَمْعُ يَمِينٍ، فَكَانُوا يَحْلِفُونَ بِالْيَمِينِ، فَيَقُولُونَ: وَيَمِينِ اللَّهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْيُمْنِ وَالْبَرَكَةِ. الرَّابِعَةُ: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَأَمَانَةِ اللَّهِ، فَهِيَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِيهِ، إِذَا نَوَى صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، لِمَا ذُكِرَ فِي عَهْدِ اللَّهِ. الْخَامِسَةُ: إِذَا قَالَ فِي حَلِفِهِ: وَمِيثَاقِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ، كَعِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ نَوَى الْقَسَمَ بِالْمَعْلُومِ وَالْمَقْدُورِ، فَقَدَّمَ فِي الرِّعَايَةِ: أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَمِينٌ. مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِالْأَمَانَةِ، لِمَا رَوَى بُرَيْدَةُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. السَّادِسَةُ: إِذَا قَالَ فِي قَسَمِهِ: وَعَظَمَةِ اللَّهِ، وَكِبْرِيَائِهِ، وَجَلَالِهِ، فَهُوَ يَمِينٌ مُكَفَّرَةٌ فِي

стр. 3211

وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى، وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا. وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ كَانَ يَمِينًا، وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، كَعِزَّةِ اللَّهِ، وَعِلْمِهِ، لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، لَمْ يَزَلْ مَوْصُوفًا بِهَا، وَقَدْ وَرَدَتِ الْأَخْبَارُ بِالْحَلِفِ بِعِزَّةِ اللَّهِ تَعَالَى. [الْحَلِفُ بِـ وَالْعَهْدِ وَالْمِيثَاقِ] (وَإِنْ قَالَ: وَالْعَهْدِ، وَالْمِيثَاقِ، وَسَائِرَ ذَلِكَ) أَيْ: بَاقِيهِ، (وَلَمْ يُضِفْهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ اللَّهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا، كَالشَّيْءِ، وَالْمَوْجُودِ، (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) بِإِطْلَاقِهِ، (صِفَةَ اللَّهِ تَعَالَى) فَيَكُونَ يَمِينًا عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ النِّيَّةَ تُجْعَلُ لِلْعَهْدِ وَنَحْوِهِ كَأَمَانَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلِأَنَّهُ حَلِفٌ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَعَنْهُ) بِإِطْلَاقِهِ، (يَكُونُ يَمِينًا) لِأَنَّ اللَّامَ إِذَا كَانَتْ لِلتَّعْرِيفِ صَرَفَتْهُ إِلَى عَهْدِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ لِلِاسْتِغْرَاقِ دَخَلَ فِيهِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ مَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ مَعَ أَنَّ أَحْمَدَ غَلَّظَ أَمْرَ الْعَهْدِ، وَقَالَ: هُوَ شَدِيدٌ فِي عَشَرَةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى. وَحَلَفَتْ عَائِشَةُ لَا تُكَلِّمُ ابْنَ الزُّبَيْرِ، فَلَمَّا كَلَّمَتْهُ أَعْتَقَتْ أَرْبَعِينَ رَقَبَةً، وَكَانَتْ تَبْكِي حَتَّى تَبُلَّ خِمَارَهَا، وَتَقُولَ: وَاعَهْدَاهُ، قَالَ: وَيُكَفِّرُ إِذَا حَلَفَ بِالْعَهْدِ وَحَنِثَ بِأَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ. [الْحَلِفُ بِـ لَعَمْرُو اللَّهِ] (وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ كَانَ يَمِينًا) نَصَرَهُ الْقَاضِي فِي الْخِلَافِ، وَذَكَرَ أَنَّهُ الْمَذْهَبُ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، فَهُوَ كَالْحَلِفِ بِبَقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] وَقَالَ الشَّاعِرُ: إِذَا رَضِيَتْ كِرَامُ بَنِي بَشِيرٍ ... لَعَمْرُو اللَّهِ أَعْجَبَنِي رِضَاهَا إِذِ الْعَمْرُ ـ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّهَا: الْحَيَاةُ، وَاسْتُعْمِلَ فِي الْقَسَمِ الْمَفْتُوحِ خَاصَّةً، وَاللَّامُ لِلِابْتِدَاءِ، وَهُوَ مَرْفُوعٌ بِالِابْتِدَاءِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ وُجُوبًا، تَقْدِيرُهُ: قَسَمِي (وَقَالَ أَبُو

стр. 3212

أَبُو بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ. وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ فَهِيَ يَمِينٌ فِيهَا كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ، وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدَ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ، كَانَ يَمِينًا. ــ [المبدع في شرح المقنع] بَكْرٍ: لَا يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) هَذَا رِوَايَةٌ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَكُونُ يَمِينًا بِتَقْدِيرِ خَبَرٍ مَحْذُوفٍ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: لَعَمْرُو اللَّهِ مَا أُقْسِمُ بِهِ، فَيَكُونُ مَجَازًا، وَالْمَجَازُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْإِطْلَاقُ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّ احْتِيَاجَ الْكَلَامِ إِلَى تَقْدِيرٍ لَا يَضُرُّ، لِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا اشْتُهِرَ فِي الْعُرْفِ صَارَ مِنَ الْأَسْمَاءِ الْعُرْفِيَّةِ، فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ دُونَ مَوْضُوعِهِ الْأَصْلِيِّ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ لَعَمْرُكَ اللَّهُ، فَقِيلَ: هُوَ مِثْلَ نَشَدْتُكَ اللَّهَ، وَإِنْ قَالَ: لَعَمْرُكَ، أَوْ لَعَمْرِي، أَوْ عَمْرُكَ، فَلَيْسَ بِيَمِينٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ أَقْسَمَ بِحَيَاةِ مَخْلُوقٍ، وَنَقَلَ الْجَوْزَجَانِيُّ: إِذَا قَالَ: لَعَمْرِي، كَانَ يَمِينًا، وَقَالَهُ الْحَسَنُ: فَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ. [حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ] (وَإِنْ حَلَفَ بِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِالْمُصْحَفِ أَوْ بِالْقُرْآنِ) أَوْ آيَةٍ مِنْهُ، (فَهِيَ يَمِينٌ) فِي قَوْلِ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّ الْقُرْآنَ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ، فَتَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِهِ، وَلَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ الْحَلِفَ بِالْمُصْحَفِ، لِأَنَّ الْحَالِفَ إِنَّمَا قَصَدَ الْمَكْتُوبَ فِيهِ، وَهُوَ الْقُرْآنُ، فَإِنَّهُ عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ دَفَّتَيِ الْمُصْحَفِ بِالْإِجْمَاعِ، (فِيهَا كَفَارَّةٌ وَاحِدَةٌ) قَدَّمَهُ الْأَئِمَّةُ، مِنْهُمُ الْجَدُّ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ بِصِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْرَارَ الْيَمِينِ بِهَا لَا يُوجِبُ أَكْثَرَ مِنْ كَفَّارَةٍ، فَهَذَا أَوْلَى، وَكَسَائِرِ الْأَيْمَانِ، (وَعَنْهُ: بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ) إِنْ قَدَرَ، قَالَ فِي الْكَافِي: هِيَ الْمَنْصُوصَةُ عَنْهُ، وَاخْتَارَهَا الْخِرَقِيُّ، وَهِيَ قَوْلُ الْحَسَنِ، لِمَا رَوَى مُجَاهِدٌ مَرْفُوعًا: «مَنْ حَلَفَ بِسُورَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَعَلَيْهِ بِكُلِّ آيَةٍ كَفَّارَةٌ وَيَمِينُ صَبْرٍ» . وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ، ورواه بمعناه أَبُو نَصْرٍ السِّجْزِيُّ، وَابْنُ أَبِي دَاوُدَ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا، قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ. وَعَنْهُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَفِي الْفُصُولِ: وُجِّهَ بِكُلِّ حَرْفٍ، وَفِي الرَّوْضَةِ: مَنْ حَلَفَ بِالْمُصْحَفِ فَحَنِثَ فَكَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، (وَإِنْ قَالَ: أَحْلِفُ) أَوْ حَلَفْتُ، (بِاللَّهِ، أَوْ أَشْهَدُ بِاللَّهِ، أَوْ أُقْسِمُ بِاللَّهِ، أَوْ أَعْزِمُ بِاللَّهِ كَانَ يَمِينًا) فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ سَوَاءٌ نَوَى الْيَمِينَ، أَوْ

стр. 3213

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ، وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا. ــ [المبدع في شرح المقنع] أَطْلَقَ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] ، ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾ [الأنعام: ١٠٩] ، ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦] . وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ: أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ لَتَنْزِلِنَّهْ ... طَائِعَةً أَوْ لَتُكْرَهِنَّهْ وَأَنْشَدَ أَعْرَابِيٌّ: أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَتفْعَلَنَّهُ وَلِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بِاللَّهِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْفِعْلَ كَانَ يَمِينًا، فَإِذَا ضَمَّ إِلَيْهِ مَا يُؤَكِّدُهُ، كَانَ أَوْلَى، وَحَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْأَكْثَرِ فِي: أُقْسِمُ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ، (وَإِنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِاللَّهِ، وَيَحْتَمِلُ الْقَسَمَ بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ يَمِينًا كَغَيْرِهِ مِمَّا يَحْتَمِلُهُمَا، (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ اللَّفْظَ إِلَى الْقَسَمِ بِاللَّهِ، فَيَجِبُ جَعْلُهُ يَمِينًا، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ لَهُ عُرْفُ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ، (وَعَنْهُ: يَكُونُ يَمِينًا) «لِقَوْلِ أَبِي بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَقْسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرَنِّي بِمَا أَصَبْتُ مِمَّا أَخْطَأْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تُقْسِمْ يَا أَبَا بَكْرٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. «وَلِقَوْلِ الْعَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ ﷺ : أَقَسَمْتُ عَلَيْكَ لَتُبَايِعَنَّهُ، فَبَايَعَهُ النَّبِيُّ ﷺ ، وَقَالَ: أَبْرَرْتُ قَسَمَ عَمِّي» . لَكِنْ قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: عَزَمْتُ وَأَعْزِمُ، لَيْسَ يَمِينًا، وَلَوْ نَوَى، لِأَنَّهُ لَا شَرْعَ وَلَا لُغَةَ، وَلَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَيْهِ وَلَوْ نَوَى. تَنْبِيهٌ: إِذَا قَالَ: آلَيْتُ، وَآلِي بِاللَّهِ، يَمِينٌ فِيهَا كَفَّارَةٌ، صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَإِنْ نَوَى الْخَبَرَ عَمَّا يَفْعَلُهُ ثَانِيًا، أَوْ عَمَّا فَعَلَهُ مَاضِيًا، فَلَيْسَ يَمِينًا، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَكَذَا إِنْ قَالَ: عَلَيَّ يَمِينٌ، وَأَرَادَ عَقْدَ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا صِفَتِهِ، وَإِنْ قَالَ: قَسَمًا بِاللَّهِ، فَهُوَ يَمِينٌ، تَقْدِيرُهُ: أَقْسَمْتُ قَسَمًا.

стр. 3214

فَصْلٌ وَ حُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ وَالْوَاوُ وَالتَّاءُ بِاسْمِ اللَّهِ خَاصَّةً، وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ. وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا، كَانَ يَمِينًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ. وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] [حُرُوفُ الْقَسَمِ] فَصْلٌ (وَحُرُوفُ الْقَسَمِ: الْبَاءُ) وَهِيَ الْأَصْلُ، لِأَنَّهَا الْحَرْفُ الَّتِي تَصِلُ بِهَا الْأَفْعَالُ الْقَاصِرَةُ عَنِ التَّعَدِّي إِلَى مَفْعُولَاتِهَا، وَتَدْخُلُ عَلَى الْمُضْمَرِ وَالْمُظْهَرِ، (وَالْوَاوُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنْهَا، وَيَلِيهَا الْمُظْهَرُ، وَهِيَ أَكْثَرُ اسْتِعْمَالًا، (وَالتَّاءُ) وَهِيَ بَدَلٌ مِنَ الْوَاوِ، وَتَخْتَصُّ، (بَاسِمِ اللَّهِ خَاصَّةً) فَإِذَا أَقْسَمَ بِأَحَدِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ فِي مَوْضِعِهِ كَانَ قَسَمًا صَحِيحًا، لِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعَزِيزِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ، فَإِنِ ادَّعَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدِ الْقَسَمَ بِهَا لَمْ يُقْبَلْ، وَقِيلَ: بَلَى، فِي: تَاللَّهِ لَأَقُومَنَّ، إِذَا قَالَ: أَرَدْتُ قِيَامِي بِمَعُونَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُقْبَلُ فِي الْحَرْفَيْنِ الْآخَرَيْنِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى. مَسْأَلَةٌ: جَوَابُهُ فِي الْإِيجَابِ: بـ إِنَّ خَفِيفَةً وَثَقِيلَةً، وَبِاللَّامِ فِي الْمُبْتَدَأِ، وَالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ مَقْرُونًا بِنُونَيِ التَّوْكِيدِ، وَقَدْ يَتَعَاقَبَانِ، وَفِي الْمَاضِي مَعَ قَدْ، وَقَدْ تُحْذَفُ مَعَهَا اللَّامُ لِطُولِ الْكَلَامِ، وَفِي النَّفْيِ بِمَا، وَإِنَّ بِمَعْنَاهَا، وَبِلَا، وَتُحْذَفُ لَامُهُ لَفْظًا نَحْوَ: وَاللَّهِ أَفْعَلُ. (وَيَجُوزُ الْقَسَمُ بِغَيْرِ حَرْفِ الْقَسَمِ، فَيَقُولُ: اللَّهَ لَأَفْعَلَنَّ، بِالْجَرِّ وَالنَّصْبِ) وَالْمُرَادُ انْعِقَادُ الْيَمِينِ، لِأَنَّهُ لُغَةٌ صَحِيحَةٌ، وَقَدْ وَرَدَ بِهِ عرف الاستعمال فِي الشَّرْعِ، «فَرَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ، أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ أَنَّهُ قَتَلَ أَبَا جَهْلٍ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّكَ قَتَلْتَهُ، قَالَ: آللَّهِ إِنِّي قَتَلْتُهُ» ، «وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُسَامَةَ لَمَّا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ: آللَّهِ مَا أَرَدْتَ إِلَّا وَاحِدَةً» . وَفِي اللُّغَةِ، قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ: فَقُلْتُ يَمِينَ اللَّهِ أَبْرَحُ قَاعِدًا ... وَلَوْ قَطَعُوا رَأْسِي لَدَيْكِ وَأَوْصَالِي (وَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، مَرْفُوعًا كَانَ يَمِينًا) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ يَمِينٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَصْرِفُهُ عَنْهُ، فَوَجَبَ كَوْنُهُ يَمِينًا، كَالْقَسَمِ الْمَحْضِ، وَفِي الْمُغْنِي: لَا، كَمَا لَوْ كَانَ الْقَائِلُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، (إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَلَا يَنْوِي بِهِ الْيَمِينَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِيَمِينٍ فِي

стр. 3215

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] عُرْفِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَلَا نَوَاهَا، مُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا نَوَاهَا كَانَ يَمِينًا، لِأَنَّهُ قَصَدَ الْقَسَمَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَرَّ، وَفِي الشَّرْحِ: فَإِنْ قَالَ: اللَّهُ لَأَفْعَلَنَّ، بِالرَّفْعِ، وَنَوَى الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ، إِلَّا أَنَّهُ قَدْ لَحَنَ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَكُونُ يَمِينًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ، وَقِيلَ: لَا يَكُونُ يَمِينًا فِي حَقِّ الْعَامِّيِّ، انْتَهَى. قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ تَعَمَّدَهُ لَمْ يَضُرَّ، لِأَنَّهُ لَا يُحِيلُ الْمَعْنَى، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْأَحْكَامُ تَتَعَلَّقُ بِمَا أَرَادَهُ النَّاسُ بِالْأَلْفَاظِ الْمَلْحُونَةِ، كَقَوْلِهِ: حَلَفْتُ بِاللَّهِ، رَفْعًا وَنَصْبًا، وَاللَّهِ أَصُومُ، أَوْ أُصَلِّي، وَنَحْوَهُ، وَكَقَوْلِ الْكَافِرِ: أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، بِرَفْعِ الْأَوَّلِ وَنَصْبِ الثَّانِي. فَرْعٌ: هَاءُ اللَّهِ يَمِينٌ بِالنِّيَّةِ، قَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَعَدَّهَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ حَرْفَ قَسَمٍ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، فَالظَّاهِرُ لَا يَكُونُ يَمِينًا، لِأَنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهَا عُرْفٌ وَلَا نِيَّةٌ، وَلَا في جَوَابه حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى الْقَسَمِ. [الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى] (وَيُكْرَهُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى) وَصِفَاتِهِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ شَيْءٍ، قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ لِمَ لَا يُكْرَهُ؛ لَا يُحْلَفُ إِلَّا بِاللَّهِ تَعَالَى، لِمَا رَوَى عُمَرُ مَرْفُوعًا، قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ، فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ، أَوْ لِيَصْمُتْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ: لَأَنْ أَحَلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّ حَسَنَةَ التَّوْحِيدِ أَعْظَمُ مِنْ حَسَنَةِ الصِّدْقِ، وَسَيِّئَةَ الْكَذِبِ أَسْهَلُ مِنْ سَيِّئَةِ الشِّرْكِ، يُؤَيِّدُهُ مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ. فَعَلَى هَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّهُ يُعَزَّرُ مع

стр. 3216

تَعَالَى، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُحَرَّمًا، وَلَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ، سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيْتِهِ، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ، وَالنَّبِيِّ. وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً. ــ [المبدع في شرح المقنع] تحريمه، وَاخْتَارَ فِيمَنْ حَلَفَ بِعِتْقٍ أَوْ طَلَاقٍ وَحَنِثَ، يُخَيَّرُ بَيْنَ أَنْ يُوقِعَهُ أَوْ يُكَفِّرَ، كَحَلِفِهِ بِاللَّهِ: لَيُوقِعَنَّهُ، وَذَكَرَ أَنَّ الطَّلَاقَ يَلْزَمُنِي، وَنَحْوَهُ يَمِينٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَخَرَّجَهُ عَلَى نُصُوصِ أَحْمَدَ، وَهُوَ خِلَافُ صَرِيحِهَا، وَعَنْهُ: يَجُوزُ، لِقَوْلِهِ ﵇ لِلْأَعْرَابِيِّ الَّذِي سَأَلَهُ عَنِ الصَّلَاةِ: «أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ» ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقْسَمَ بِبَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ، وَجَوَابُهُ مَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ هَذِهِ اللفظة غير مَحْفُوظَة، وَإِنَّمَا أَقْسَمَ بِمَخْلُوقَاتِهِ، فَإِنَّهَا دَالَّةٌ عَلَى قُدْرَتِهِ وَعَظَمَتِهِ، وَلِلَّهِ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ، وَقِيلَ: فِي أَقْسَامِهِ إِضْمَارُ الْقَسَمِ، أَيْ: بِرَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يَسْتَغْفِرُ اللَّهَ تَعَالَى، قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: اتَّفَقُوا أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِحَقِّ زَيْدٍ أَوْ عَمْرٍو، وَبِحَقِّ أَبِيهِ، أَنَّهُ آثِمٌ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، (وَلَا تُجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْيَمِينِ بِهِ) لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ وَجَبَتْ فِي الْحَلِفِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، صِيَانَةً لِلِاسْمِ الْأَعْظَمِ، وَغَيْرُهُ لَا يُسَاوِيهِ، (سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مِثْلَ قَوْلِهِ: وَمَعْلُومِ اللَّهِ، وَخَلْقِهِ، وَرِزْقِهِ، وَبَيْتِهِ، أَوْ لَمْ يُضِفْهُ، مِثْلَ: وَالْكَعْبَةِ وَالنَّبِيِّ) لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى، (وَقَالَ أَصْحَابُنَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ بِالْحَلِفِ بِرَسُولِ اللَّهِ خَاصَّةً) وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ فِيمَنْ حَلَفَ بِحَقِّ رَسُولِ اللَّهِ: وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ، لِأَنَّهُ أَحَدُ شَرْطَيِ الشَّهَادَةِ، أَشْبَهَ الْحَلِفَ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْتَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ الْحَلِفَ بِغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ كَهُوَ، وَالْأَشْهَرُ: أَنَّهَا لَا تَجِبُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ الْأَحَادِيثِ، وَكَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، وَقَوْلُ أَحْمَدَ مَحْمُولٌ على الاستحباب. فَرْعٌ: لَا يَلْزَمُهُ إِبْرَارُ قَسَمٍ فِي الْأَصَحِّ، كَإِجَابَةِ سُؤَالٍ بِاللَّهِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِنَّمَا يَجِبُ عَلَى مُعَيَّنٍ، فَلَا تَجِبُ إِجَابَةُ سَائِلٍ يُقْسِمُ عَلَى النَّاسِ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا، قَالَ: «وَأُخْبِرُكُمْ بِشَرِّ النَّاسِ؛ قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: الَّذِي يُسْأَلُ بِاللَّهِ، وَلَا يُعْطِي بِهِ» . فَدَلَّ عَلَى إِجَابَةِ مَنْ سَأَلَ بِاللَّهِ.

стр. 3217

فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ، أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ، وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ. وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً، وَهِيَ نَوْعَانِ: يَمِينُ الْغَمُوسِ، وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا كَاذِبًا ــ [المبدع في شرح المقنع] [شُرُوطُ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ] [ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً] فَصْلٌ (وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ) وَهِيَ عَلَى الْحَالِفِ، فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْعِرَاقِ، وَحُكِيَ عَنْهُ عَلَى الْمُحْنِثِ، (ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْيَمِينُ مُنْعَقِدَةً) لأن غير الْمُنْعَقِدَة: إِمَّا غَمُوسٌ، أَوْ نَحْوُهَا، وَإِمَّا لَغْوٌ، وَلَا كَفَّارَةَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، (وَهِيَ الَّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْبِرُّ وَالْحِنْثُ) لِأَنَّ الْيَمِينَ لِلْحِنْثِ وَالْمَنْعِ، (وَذَلِكَ الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ مُمْكِنٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ﴾ [المائدة: ٨٩] الْآيَةَ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِالْأَيْمَانِ الْمُنْعَقِدَةِ، قَالَ ابْنُ جَرِيرٍ: مَعْنَاهَا أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَظَاهِرُهُ إِرَادَةُ الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الزَّمَانِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ دُونَ الْمَاضِي، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْيَمِينُ الَّتِي فِيهَا الْكَفَّارَةُ بِالْإِجْمَاعِ هِيَ الْيَمِينُ عَلَى الْمُسْتَقْبَلِ مِنَ الْأَفْعَالِ. (وَأَمَّا الْيَمِينُ عَلَى الْمَاضِي فَلَيْسَتْ مُنْعَقِدَةً) لِأَنَّ شَرْطَ الِانْعِقَادِ إِمْكَانُ الْبِرِّ وَالْحِنْثِ، وَذَلِكَ فِي الْمَاضِي مُتَعَذِّرٌ، وَحَاصِلُهُ ـ كَمَا قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ ـ أَنَّ الْحَلِفَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ إِرَادَةَ تَحْقِيقِ خَبَرٍ فِيهِ مُمْكِنٌ بِقَوْلٍ يُقْصَدُ بِهِ الْحَثُّ عَلَى فِعْلِ الْمُمْكِنِ أَوْ تَرْكِهِ، وَالْحَلِفُ عَلَى الْمَاضِي إِمَّا بِرٌّ، وَهُوَ الصَّادِقُ، وَإِمَّا غَمُوسٌ، وَهُوَ الْكَاذِبُ، أَوْ لَغْوٌ وَهُوَ مَا لَا أَجْرَ فِيهِ وَلَا إِثْمَ وَلَا كَفَّارَةَ، وَالْأَوْلَى أَنَّهَا عِبَارَةُ الْأَمْرِ أَوْ تَوْكِيدُهُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، (وَهِيَ نَوْعَانِ: يَمِينُ الْغَمُوسِ) وَهِيَ الْيَمِينُ الْكَاذِبَةُ الْفَاجِرَةُ، يَقْتَطِعُ بِهَا حَقَّ غَيْرِهِ، وَسُمِّيَتْ غَمُوسًا لِأَنَّهَا تَغْمِسُ صَاحِبَهَا فِي الْإِثْمِ ثُمَّ فِي النَّارِ، وَغَمُوسٌ لِلْمُبَالَغَةِ، (وَهِيَ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا) عَلَى الْمَاضِي، (كَاذِبًا عَالِمًا بِكَذِبِهِ) ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ يَمِينَ الْغَمُوسِ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا، وَنَقَلَهُ عَنْ أَحْمَدَ الْجَمَاعَةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا يمين غير مُنْعَقِدَة، وَلَا تُوجِبُ بَرًّا، وَلَا يُمْكِنُ فِيهَا، أَشْبَهَتِ اللَّغْوَ، وَلِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ إِثْمَهَا، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا، قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كُنَّا نَعُدُّ مِنَ الْيَمِينِ الَّتِي لَا كَفَّارَةَ فِيهَا الْيَمِينَ الْغَمُوسَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَهِيَ مِنَ الْكَبَائِرِ ـ لِلْخَبَرِ

стр. 3218

عَالِمًا بِكَذِبِهِ، وَعَنْهُ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ. وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ، الثَّانِي: لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ يَظُنُّهُ، ف َيَبِينُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا. ــ [المبدع في شرح المقنع] الصَّحِيحِ ـ الَّتِي لَا تَمْحُوهَا الْكَفَّارَةُ، (وَعَنْهُ: فِيهَا الْكَفَّارَةُ) لِأَنَّهَا تَجْمَعُ الْحَلِفَ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَالْمُخَالَفَةَ مَعَ الْقَصْدِ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الْكَفَّارَةُ كَالْمُسْتَقْبَلِ، وَحِينَئِذٍ يَأْثَمُ، كَمَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ، وَطَلَاقٌ، وَظِهَارٌ، وَحَرَامٌ، وَنَذْرٌ، فَيُكَفِّرُ كَاذِبٌ فِي لِعَانِهِ، (وَمِثْلُهَا الْحَلِفُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ، كَقَتْلِ الْمَيِّتِ وَإِحْيَائِهِ، وَشُرْبِ مَاءِ الْكُوزِ وَلَا مَاءَ فِيهِ) أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ عَقْلًا كَصَوْمِ أَمْسِ، وَالْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، فَإِذَا حَلَفَ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، لِعَدَمِ تَصَوُّرِ الْبِرِّ فِيهَا كَالْيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَقَالَ القاضي: تنعقد يَمِينُهُ مُوجِبَةٌ لِلْكَفَّارَةِ فِي الْحَالِ، وَهُوَ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهَا يَمِينٌ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ اسْتِحَالَتَهُ أَوْ لَا، وَأَمَّا الْمُسْتَحِيلُ عَادَةً كَإِحْيَاءِ الْمَيِّتِ وَقَلْبِ الْأَعْيَانِ، فَإِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ، قَالَهُ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَقَطَعَ بِهِ السَّامِرِيُّ، لِأَنَّهُ يَتَصَوَّرُ وُجُودَهُ، وَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ فِي الْحَالِ، لِأَنَّهُ مَأْيُوسٌ مِنْهُ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ كَالَّتِي قَبْلَهَا، قَالَهُ فِي الْكَافِي، وَجَزَمَ بِهِمَا فِي الْوَجِيزِ، وَفِي الرِّعَايَةِ أَوْجُهٌ: ثَالِثُهَا: تَنْعَقِدُ فِي الْمَحَالِّ عَادَةً فَقَطْ. (الثَّانِي: لَغْوُ الْيَمِينِ، وَهُوَ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ) مَاضٍ، (يَظُنُّهُ فَيُبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا) وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَفِي الْكَافِي: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] وَهَذَا مِنَّةٌ، وَلِأَنَّهُ يَكْثُرُ، فَلَوْ وَجَبَتْ فِيهِ الْكَفَّارَةُ لَشَقَّ وَتَضَرَّرُوا بِهِ، وَهُوَ مُنْتَفٍ شَرْعًا، وَكَيَمِينِ الْغَمُوسِ، وَعَنْهُ: فِيهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَيْسَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ بِمَعْنَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَيْمَانُ اللَّغْوِ مَا كَانَ فِي الْمِرَاءِ، وَالْمُزَاحَةِ، وَالْهَزْلِ، وَالْحَدِيثِ الَّذِي لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ الْقَلْبُ، وَأَيْمَانُ الْكَفَّارَةِ كُلُّ يَمِينٍ حُلِفَ عَلَيْهَا عَلَى جِدٍّ مِنَ الْأَمْرِ، فِي غَضَبٍ أَوْ غَيْرِهِ. إِسْنَادُهُ جَيِّدٌ، وَاحْتَجَّ بِهِ الْأَصْحَابُ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الْأَكْثَرِ: أَنَّ لَغْوَ الْيَمِينِ أَنْ يَحْلِفَ بِاللَّهِ عَلَى أَمْرٍ يَظُنُّهُ فَيَتَبَيَّنُ بِخِلَافِهِ، سَوَاءٌ قَصَدَهُ أَمْ لَمْ يَقْصِدْهُ، وَخَصَّهُ أَحْمَدُ بِالْمَاضِي فَقَطْ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ

стр. 3219

فَصْلٌ الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا، فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ، وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا، كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عَرْضِ حَدِيثِهِ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] بِحِنْثِهِ فِي عِتْقٍ وَطَلَاقٍ، لِوُجُودِ الصِّفَةِ، وَقِيلَ: إِنْ عَقَدَهَا يَظُنُّ صِدْقَ نَفْسِهِ فَبَانَ خِلَافُهُ، فَكَمَنَ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ، وَفَعَلَهُ نَاسِيًا. [الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا] فَصْلٌ (الثَّانِي: أَنْ يَحْلِفَ مُخْتَارًا فَإِنْ حَلَفَ مُكْرَهًا لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وعنه: تنعقد، حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ، لِخَبَرِ حُذَيْفَةَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَجَوَابُهُ قَوْلُهُ ﵇: «لَيْسَ عَلَى مَقْهُورٍ يَمِينٌ.» وَلِأَنَّهُ قَوْلٌ أُكْرِهَ عَلَيْهِ بِغَيْرِ حَقٍّ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَكَلِمَةِ الْكُفْرِ، وَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ كَمَسْأَلَتِنَا، (وَإِنْ سَبَقَتِ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَيْهَا كَقَوْلِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ، فِي عُرْضِ حَدِيثِهِ) عُرْضُ الشَّيْءِ، بِالضَّمِّ: جَانِبُهُ، وَبِالْفَتْحِ: خِلَافُ طُولِهِ، (فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهَا مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ لِمَا رَوَى عَطَاءٌ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «اللَّغْوُ فِي الْيَمِينِ كَلَامُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ: لَا وَاللَّهِ، وَبَلَى وَاللَّهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. قَالَ: وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ عَائِشَةَ مَوْقُوفًا، وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَلِأَنَّ اللَّغْوَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الكلام غَيْرُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَهَذَا كَذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: أَنَّهُ إِذَا جَرَى عَلَى لِسَانِهِ يَمِينٌ عَلَى قَوْلٍ مُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّ يَمِينَهُ تَنْعَقِدُ فِي رِوَايَةٍ، فَإِنْ حَنِثَ فِيهَا، وَجَبَتِ الْكَفَّارَةُ، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ: فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ فِي الْمَاضِي، زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَرِوَايَتَانِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا،

стр. 3220

يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ مُخْتَارًا ذَاكِرًا، وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: عَلَى النَّاسِي كَفَّارَةٌ، وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ، فَعَلَ أَوْ تَرَكَ، ــ [المبدع في شرح المقنع] سَوَاءٌ قُلْنَا هِيَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ، أَمْ لَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ فِيهَا الْكَفَّارَةَ، إِنْ قُلْنَا: لَيْسَ هُوَ مِنْ لَغْوِ الْيَمِينِ. [الشَّرْطُ الثَّالِثُ الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ] (الثَّالِثُ: الْحِنْثُ فِي يَمِينِهِ) لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَحْنَثْ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَهْتِكْ حُرْمَةَ الْقَسَمِ، (بِأَنْ يَفْعَلَ مَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، أَوْ يَتْرُكَ مَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِهِ) لِأَنَّ الْحِنْثَ الْإِثْمُ، وَلَا وُجُودَ لَهُ إِلَّا بِمَا ذُكِرَ (مُخْتَارًا ذَاكِرًا) لِأَنَّ غَيْرَهُمَا الْمُكْرَهُ وَالنَّاسِي، وَنَبَّهَ عَلَيْهِمَا بِقَوْلِهِ (وَإِنْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَوْ مُكْرَهًا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ فِي الْوَجِيزِ، وَنَصَرَ فِي الشَّرْحِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ مُكَفَّرَةٍ، وَيَحْنَثُ فِي عِتْقٍ وَطَلَاقٍ، قَالَ السَّامِرِيُّ: اخْتَارَهُ أَكْثَرُ شُيُوخِنَا، وَلِأَنَّ فِعْلَ الْمُكْرَهِ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، فَلَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، كَمَا لَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: الْإِكْرَاهُ كَالنِّسْيَانِ، لِشُمُولِ الْحَدِيثِ لَهُمَا، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: الْمُكْرَهُ عَلَى الْفِعْلِ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَلْجَأَ إِلَيْهِ، فَلَا يَحْنَثُ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ. الثَّانِي: أَنْ يُكْرَهَ بِالضَّرْبِ وَنَحْوِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يَحْنَثُ، كَكَفَّارَةِ الصَّيْدِ، وَنَصَرَ فِي الشَّرْحِ عَدَمَهُ، وَلَا نُسَلِّمُ الْكَفَّارَةَ فِي الصَّيْدِ، بَلْ إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى الْمُكْرَهِ، (وَعَنْهُ: عَلَى النَّاسِي كَفَّارَةٌ) لِأَنَّ الْفِعْلَ يُنْسَبُ إِلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ، أَشْبَهَ الذَّاكِرَ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ، (وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ) وَيُسَمَّى هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ: قَدِ اسْتَثْنَى، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَقَالَ: رواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ

стр. 3221

إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ. وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ، وَإِنْ لَمْ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ، وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، (فَعَلَ أَوْ تَرَكَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا سُكُوتٍ يُمْكِنُ الْكَلَامُ فِيهِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ: وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِـ إِلَّا، فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَكَتَ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ، أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ، وَعَنْهُ: مَعَ فَصْلٍ يَسِيرٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، جَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: «وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ، وَعَنْهُ، وَفِي الْمَجْلِسِ، وَحَكَاهُ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ أَخَّرَهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا اسْتَثْنَى بَعْدَ سَنَةٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَقُلْ فَاسْتَثْنِ، وَلَوْ جَازَ لَأَمَرَ بِهِ وَحَمَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] الْآيَةَ، فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْكَذِبِ، لِأَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تُكَفَّرُ، وَالْكَذِبُ لَا يُكَفَّرُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْكَذِبِ، وَفِي الْمُبْهِجِ: يَصِحُّ، وَلَوْ تَكَلَّمَ، وَيُشْتَرَطُ نُطْقُهُ، إِلَّا مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: خَائِفٍ، لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ، وَفِي اعْتِبَارِ قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَجْهَانِ: فَائِدَتُهُمَا فِيمَنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً، أَوْ أَتَى بِهِ تَبَرُّكًا، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَإِنْ شَكَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِلَّا مِمَّنْ عَادَتُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاحْتَجَّ بِالْمُسْتَحَاضَةِ تَعْمَلُ بِالْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ، وَلَمْ تَجْلِسْ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْعِبَادَةِ. (وَإِذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيْئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَيْنِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ) لِأَنَّ النِّيَّةَ تَصْرِفُ ظَاهِرَ اللَّفْظِ إِلَى غَيْرِ ظَاهِرِهِ، فَلَأَنْ تَصْرِفَهُ إِلَى وَقْتٍ

стр. 3222

يَنْوِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] آخَرَ بِطْرِيقِ الْأَوْلَى (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيْأَسَ مِنْ فِعْلِهِ، إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ) «لِقَوْلِ عُمَرَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تُخْبِرْنَا أَنَا سَنَأْتِي الْبَيْتَ، وَنَطُوفُ بِهِ؛ قَالَ: بَلَى، أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ؛ قَالَ: لَا، قَالَ: فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ» وَلِأَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَى فِعْلِهِ لَمْ يَتَوَقَّفْ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ، وَفِعْلُهُ مُمْكِنٌ، فَلَمْ تَحْصُلْ مُخَالَفَةُ مَا حُلِفَ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ عَدَمَ الْحِنْثِ، لِأَنَّ شَرْطَهُ الْمُخَالَفَةُ، (وَإِذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ لِأَخْبَارٍ، مِنْهَا خَبَرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ وَأَبِي مُوسَى، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَعَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ لَمْ يَحْنَثْ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ، فَقَالَ: لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ، وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَقَدَّمَ فِي التَّرْغِيبِ: أَنَّ بِرَّهُ وَإِقَامَتَهُ عَلَى يَمِينِهِ أَوْلَى، وَسَبَقَ تَقْسِيمُهُ إِلَى الْخَمْسَةِ، (وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ) كَذَا فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَظَاهِرُهُ الْكَرَاهَةُ، وَصَرَّحَ بِهَا فِي الرِّعَايَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلافٍ مَهِينٍ﴾ [القلم: ١٠] هَذَا ذَمٌّ لَهُ يَقْتَضِي كَرَاهَةَ فِعْلِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَى حَدِّ الْإِكْثَارِ فَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، إِلَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ مَا يَقْتَضِي كَرَاهَتَهُ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: لَا يُكْثِرُ الْحَلِفَ، لِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] ، وَبَعْضُهُمْ كَرِهَهُ مُطْلَقًا، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّهُ ﵇ حَلَفَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ، وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَمَعْنَاهَا: لَا تَجْعَلُوا أَيْمَانَكُمْ بِاللَّهِ مَانِعَةً لَكُمْ مِنَ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، قَالَ أَحْمَدُ: وَذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادِهِ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٤] الرَّجُلُ يَحْلِفُ أَلَّا يَصِلَ قَرَابَتَهُ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مَخْرَجًا فِي التَّكْفِيرِ، فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَيُبِرَّ، وَإِنْ كَانَ النَّهْيُ عَادَ إِلَى الْيَمِينِ، فَالنَّهْيُ عَنْهُ: الْحَلِفُ عَلَى قَوْلِ الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ، لَا

стр. 3223

وَلَا يُسْتَحَبُّ تَكْرَارُ الْحَلِفِ، وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ وَهُوَ مُحِقٌّ، اسْتُحِبَّ افْتِدَاءُ يَمِينِهِ، فَإِنْ حَلَفَ فَلَا بَأْسَ. فَصْلٌ وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُحَرَّمْ، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَى كُلِّ يَمِينٍ (وَإِنْ دُعِيَ إِلَى الْحَلِفِ عِنْدَ الْحَاكِمِ، وَهُوَ مُحِقٌّ اسْتُحِبَّ) وَفِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ: فَالْأَوْلَى (افْتِدَاءُ يَمِينِهِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ وَالْمِقْدَادَ تَحَاكَمَا إِلَى عُمَرَ فِي مَالٍ اسْتَقْرَضَهُ الْمِقْدَادُ، فَجَعَلَ عُمَرُ الْيَمِينَ عَلَى الْمِقْدَادِ، فَرَدَّهَا عَلَى عُثْمَانَ، فَقَالَ عُمَرُ: لَقَدْ أَنْصَفَكَ، فَأَخَذَ عُثْمَانُ مَا أَعْطَاهُ الْمِقْدَادُ، وَلَمْ يَحْلِفْ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالَ: خِفْتُ أَنْ يُوَافِقَ قَدْرٌ بَلَاءً، فَيُقَالُ: يَمِينُ عُثْمَانَ (فَإِنْ حَلَفَ فَلَا بَأْسَ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: تَرْكُهُ أَوْلَى، فَيَكُونُ مَكْرُوهًا، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَاحٌ كَتَرْكِهِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ نَبِيَّهُ ﵇ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَهُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْقُرْآنِ، فِي سَبَأٍ، وَيس، وَالتَّغَابُنِ، وَقَالَ عُمَرُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَفِي يَدِهِ عَصًا: أَيُّهَا النَّاسُ لَا تَمْنَعَنَّكُمُ الْيَمِينُ مِنْ حُقُوقِكُمْ، وَلِأَنَّهُ حَلِفُ صِدْقٍ عَلَى حَقٍّ، أَشْبَهَ الْحَلِفَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ، وَيَتَوَجَّهُ فِيهِ: يُسْتَحَبُّ لِمَصْلَحَةٍ، كَزِيَادَةِ طُمَأْنِينَةٍ، وَتَوْكِيدِ الْأَمْرِ، وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﵇ لِعُمَرَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» تَطْمِينًا مِنْهُ لِقَلْبِهِ. فَرْعٌ: ذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ أَنَّهُ إِنْ أَرَادَ الْيَمِينَ عِنْدَ غَيْرِ الْحَاكِمِ فَالْمَشْرُوعُ أَنْ يَقُولَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، وَالَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ، وَبَرَأَ النَّسَمَةَ، لَا، وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. [إِذَا حَرَّمَ أَمَتَهُ أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ لَمْ يُحَرَّمْ] فَصْلٌ (وَإِنْ حَرَّمَ أَمَتَهُ، أَوْ شَيْئًا مِنَ الْحَلَالِ) كَطَعَامٍ وَلِبَاسٍ وَنَحْوِهِمَا، سِوَى الزَّوْجَةِ (لَمْ يَحْرُمْ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّهُ تَعَالَى سَمَّاهُ يَمِينًا، بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] إِلَى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] ،

стр. 3224

فَعَلَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ، وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْيَمِينُ عَلَى الشَّيْءِ لَا تُحَرِّمُهُ، فَكَذَا إِذَا حَرَّمَهُ، وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُحَرَّمًا لَتَقَدَّمَتِ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ، كَالظِّهَارِ، وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ بِفِعْلِهِ، وَسَمَّاهُ خَيْرًا، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ إِنْ فَعَلَهُ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] ، يَعْنِي: التَّكْفِيرَ، وَسَبَبُ نُزُولِهَا أَنَّهُ ـ ﵇ ـ قَالَ: «لَنْ أَعُودَ إِلَى شُرْبِ الْعَسَلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَزَادَ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا: وَقَدْ حَلَفْتُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَابْنِ عُمَرَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ جَعَلَ تَحْرِيمَ الْحَلَالِ يَمِينًا» ، وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ مَا حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحَرَّمَ عَلَيْهِ تَحْرِيمًا تُزِيلُهُ الْكَفَّارَةُ) هَذَا وَجْهٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] وَكَتَحْرِيمِ الزَّوْجَةِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ التَّكْفِيرَ فَلَهُ فِعْلُ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَحِلُّ فِعْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا تَنَاقُضٌ، وَكَذَا تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، نَحْوَ: إِنْ أَكَلْتُهُ فَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ، قَالَ فِي الِانْتِصَارِ: وَطَعَامِي عَلَيَّ كَالْمَيْتَةِ وَالدَّمِ، وَالْيَمِينُ تَنْقَسِمُ إِلَى أَحْكَامِ التَّكْلِيفِ الْخَمْسَةِ، وَهَلْ تُسْتَحَبُّ عَلَى فِعْلِ طَاعَةٍ، أَوْ تَرْكِ مَعْصِيَةٍ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، (وَإِنْ قَالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ كَافِرٌ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ اللَّهِ، أَوْ مِنَ الْإِسْلَامِ، أَوِ الْقُرْآنِ، أَوِ النَّبِيِّ ﷺ ، إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا) لِمَا رَوَى ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ بملة غير الْإِسْلَامِ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ بُرَيْدَةَ مَرْفُوعًا، قَالَ: «مَنْ قَالَ إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا، فَهُوَ كَمَا قَالَ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِسْلَامِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. وَسَوَاءٌ كَانَ مُنْجَزًا أَوْ مُعَلَّقًا بِشَرْطٍ، (وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ) يَمِينٍ، (إِنْ فَعَلَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالرِّعَايَةِ وَالْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ،

стр. 3225

الزِّنَى وَنَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ، إِنْ فَعَلْتُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ. وَإِذَا قَالَ: عَبْدُ فُلَانٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يَقُولُ هُوَ يَهُودِيٌّ، أَوْ نَصْرَانِيٌّ، أَوْ مَجُوسِيٌّ، أَوْ بَرِيءٌ مِنَ الْإِسْلَامِ، فِي الْيَمِينِ يَحْلِفُ بِهَا، فَيَحْنَثُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَقَالَ: عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ. وَلِأَنَّ قَوْلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُوجِبُ هَتْكَ الْحُرْمَةِ، فَكَانَ يَمِينًا، كَالْحَلِفِ بِاللَّهِ تَعَالَى، بِخِلَافِ هُوَ فَاسِقٌ إِنْ فَعَلَهُ، لِإِبَاحَتِهِ فِي حَالٍ، وَالثَّانِيَةُ: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهَا الْمُؤَلِّفُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ، وَلَا هُوَ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: الْوَقْفُ، نَقَلَهَا حَرْبٌ، (وَإِنْ قَالَ: أَنَا أَسْتَحِلُّ الزِّنَى، وَنَحْوَهُ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) إِذَا قَالَ هُوَ يَسْتَحِلُّ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ عَكَسَ وَأَطْلَقَ، أَوْ عَلَّقَهُ وَحَنِثَ، فَوَجْهَانِ، لِأَنَّ اسْتِحْلَالَ ذَلِكَ أو تحريمه يُوجِبُ الْكُفْرَ، فَيُخَرَّجُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ قَبْلَهَا، وَجَزَمَ فِي الْوَجِيزِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، أَنَّهُ إِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَ مُحَرَّمًا، وَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. (وَإِنْ قَالَ: عَصَيْتُ اللَّهَ، أَوْ أَنَا أَعْصِي اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَوْ مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ إِنْ فَعَلْتُ، فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا نَقْصَ فِيهَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلَا هِيَ فِي مَعْنَى مَا سَبَقَ، فَيُبْقَى الْحَالِفُ عَلَى الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ: أَنَّهُ إِذَا قَالَ عَصَيْتُ اللَّهَ فِي كُلِّ مَا أَمَرَنِي، أَنَّهُ يَمِينٌ لِدُخُولِ التَّوْحِيدِ فِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مَحَوْتُ الْمُصْحَفَ: هُوَ يَمِينٌ، لِأَنَّ الْحَالِفَ لَمْ يَقْصِدْ بِقَوْلِهِ: مَحَوْتُهُ، إِلَّا إِسْقَاطَ حُرْمَتِهِ، فَصَارَ كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ، وَلِأَنَّهُ إذا أَسْقَطَ حُرْمَتَهُ كَانَ يَمِينًا، كَذَا إِذَا أَتَى بِمَا فِي مَعْنَاهُ، (وَإِذَا قَالَ:
следующие страницы →