← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.

стр. 3256

حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلَا بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ، وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ، عِنْدَ الْقَاضِي. وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأْسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بِيضٍ يُزَايَلُ بَائِضُهُ حَالَ الْحَيَاةِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ، أَوْ أُدْمٍ، أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عِنْدَ ــ [المبدع في شرح المقنع] سَمَكًا لَمْ يَلْزَمْهُ، وَيَصِحُّ أَنْ يَنْفِيَ عَنْهُ الِاسْمَ، فَيُقَالُ مَا أَكَلْتُ لَحْمًا، وَإِنَّمَا أَكَلْتُ سَمَكًا، وَكَمَا لَوْ حَلَفَ: لَا قَعَدْتُ تَحْتَ سَقْفٍ، فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِقُعُودِهِ تَحْتَ السَّمَاءِ، وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى سَقْفًا مَحْفُوظًا، لِأَنَّهُ مَجَازٌ، كَذَا هُنَا، وَالْأَوَّلُ هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ اللَّحْمِ وَالسَّقْفِ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَنْ حَلَفَ لَا يَقْعُدُ تَحْتَ سَقْفٍ يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، وَالسَّمَاءُ لَيْسَتْ كَذَلِكَ، فَعُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِيَمِينِهِ، وَلِأَنَّ التَّسْمِيَةَ ثَمَّ مَجَازٌ، وَهُنَا حَقِيقَةٌ لِكَوْنِهِ مِنْ حَيَوَانٍ يَصْلُحُ لِلْأَكْلِ، فَكَانَ الِاسْمُ فِيهِ حَقِيقَةً كَلَحْمِ الطَّيْرِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١] ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رَأْسًا، وَلَا بَيْضًا، حَنِثَ بِأَكْلِ رُءُوسِ الطَّيْرِ وَالسَّمَكِ، وَبَيْضِ السَّمَكِ، وَالْجَرَادِ) وَغَيْرِ ذَلِكَ (عِنْدَ الْقَاضِي) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعُمُومِ الِاسْمِ فِيهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مَاءً، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِشُرْبِ الْمَاءِ الْمِلْحِ وَالْمَاءِ النَّجِسِ، وَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ خُبْزًا حَنِثَ بِكُلِّ خُبْزٍ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ خُبْزُ بَلَدِهِ الْأُرْزَ حَنِثَ بِهِ، وَفِي حِنْثِهِ بِخُبْزِ غَيْرِهِ الْوَجْهَانِ، (وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ: لَا يَحْنَثُ إِلَّا بِأَكْلِ رَأَسٍ جَرَتِ الْعَادَةُ بِأَكْلِهِ مُنْفَرِدًا، أَوْ بَيْضٍ يُزَايَلُ بَائِضَهُ حَالَ الْحَيَاةِ) لِأَنَّهُ لَا يَنْصَرِفُ إِلَيْهِ اللَّفْظُ عُرْفًا، فَلَمْ يَحْنَثْ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شِوَاءً فَأَكَلَ بَيْضًا، وَنَقَلَهُ فِي الشَّرْحِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَقِيلَ: بَيْضُ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ يُزَايِلُهُمَا فِي الْحَيَاةِ، وَلَا يُؤْكَلُ فِي حَيَاتِهِمَا، وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ كَالْمُقْنِعِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ كَانَ بِمَكَانٍ الْعَادَةُ إِفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فِيهِ حَنِثَ، وَفِي غَيْرِ مَكَانِهِ وَجْهَانِ نَظَرًا إِلَى أَصْلِ الْعَادَةِ أَوْ عَادَةِ الْحَالِفِ، وَحَاصِلُهُ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِأَكْلِ شَيْءٍ يُسَمَّى بَيْضًا غَيْرَ بَيْضِ الْحَيَوَانِ، وَلَا بِشَيْءٍ يُسَمَّى رَأْسًا غَيْرَ رُءُوسِ الْحَيَوَانِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِرَأْسٍ وَلَا بَيْضٍ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا، فَدَخَلَ مَسْجِدًا، أَوْ حَمَّامًا، أَوْ بَيْتَ شَعْرٍ، أَوْ أُدْمٍ) حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا بَيْتَانِ حَقِيقَةً، لِقَوْلِهِ

стр. 3257

أَصْحَابِنَا، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ، فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] تَعَالَى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ٩٦] ، وَقَوْلِهِ ﵇: «بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، وَفِيهِ ضَعْفٌ، وَإِذَا كَانَ فِي الْحَقِيقَةِ بَيْتًا وَفِي عُرْفِ الشَّارِعِ حَنِثَ بِدُخُولِهِ كَبَيْتِ الْإِنْسَانِ، وَأَمَّا بَيْتُ الشَّعْرِ وَالْأُدْمِ، فَلِأَنَّ اسْمَ الْبَيْتِ يَقَعُ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَعُرْفًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ [النحل: ٨٠] وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْخَيْمَةَ كَذَلِكَ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّامِرِيُّ، وَحَكَاهُ فِي الْفُرُوعِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ، وَذَكَرَ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ: أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِهَا، لَكِنْ إِنْ عَيَّنَ خَيْمَةً اقْتُلِعَتْ وَضُرِبَتْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَوْ نَقَلَهَا حَنِثَ، وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِدُخُولِ دِهْلِيزِ دَارٍ أَوْ صُفَّتِهَا، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا. (أَوْ لَا يَرْكَبُ، فَرَكِبَ سَفِينَةً، حَنِثَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا) لِأَنَّهُ رُكُوبٌ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا﴾ [هود: ٤١] ، ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ﴾ [العنكبوت: ٦٥] ، (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَحْنَثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى بَيْتًا وَلَا رُكُوبًا فِي الْعُرْفِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الِاحْتِمَالَ فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا، وَظَاهِرُ الْمُغْنِي: أَنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْحَمَّامِ فَقَطْ، قَالَ: لِأَنَّ أَهْلَ الْعُرْفِ لَا تُسَمِّي ذَلِكَ بَيْتًا، (فَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَكَلَّمُ، فَقَرَأَ، أَوْ سَبَّحَ، أَوْ ذَكَرَ اللَّهَ تَعَالَى، لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعُرْفِ لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] ، فَأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الْكَلَامِ، وَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى زَكَرِيَّا بِالتَّسْبِيحِ مَعَ قَطْعِ الْكَلَامِ عَنْهُ، وَقَالَ: إِنْ قَرَأَ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَحْنَثُ، لِأَنَّهُ كَلَامٌ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: ٢٦] ، وَقَوْلِهِ ﵇: «كَلِمَتَانِ حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ، خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ» . الْخَبَرَ. وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، لِأَنَّ مَا لَا يُحْنَثُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُحْنَثُ بِهِ خَارِجًا مِنْهَا، كَالْإِشَارَةِ،

стр. 3258

لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يُبِرَّ فِي يَمِينِهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَمَا ذَكَرُوهُ يَبْطُلُ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَشْرُوعِ فِي الصَّلَاةِ (وَإِنْ دَقَّ عَلَيْهِ إِنْسَانٌ) بَابَهُ (فَقَالَ: ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ، يَقْصِدُ تَنْبِيهَهُ) بِالْقُرْآنِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَمِينُهُ إِنَّمَا تَنْصَرِفُ إِلَى كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: فَإِنْ قِيلَ: لَوْ قَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ لَبَطَلَتْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ لَمَا بَطَلَتْ، قِيلَ: فِي ذَلِكَ مَنْعٌ، وَإِنْ سُلِّمَ فَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَصِحُّ إِلَّا بِالْقُرْآنِ، وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ قُرْآنٌ، وَلَا يَصِحُّ مَعَ الشَّكِّ فِي شَرْطِهَا بِخِلَافِ الْحَلِفِ، فَإِنَّ شَرْطَ الْحِنْثِ فِيهِ كَوْنُ الْمُتَكَلَّمِ بِهِ كَلَامَ الْآدَمِيِّينَ، وَقَدْ وَقَعَ التَّرَدُّدُ فِيهِ، فَلَا يَحْنَثُ بِالشَّكِّ فِي شَرْطِهِ، وَفِي الْمَذْهَبِ وَجْهٌ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الْقُرْآنَ أَنَّهُ يَحْنَثُ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ، لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ، وَحَقِيقَةُ الذِّكْرِ مَا نُطِقَ بِهِ، فَتُحْمَلُ يَمِينُهُ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: الْكَلَامُ يَتَضَمَّنُ فِعْلًا كَالْحَرَكَةِ، وَيَتَضَمَّنُ مَا يَقْتَرِنُ بِالْفِعْلِ مِنَ الْحُرُوفِ وَالْمَعَانِي، فَلِهَذَا يُجْعَلُ الْقَوْلُ قِسْمًا لِلْفِعْلِ، وَقِسْمًا آخَرَ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ مَنْ حَلَفَ لَا يَعْمَلُ عَمَلًا، فَقَالَ قَوْلًا كَالْقِرَاءَةِ، هَلْ يَحْنَثُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَسْمَعُ كَلَامَ اللَّهِ فَسَمِعَ الْقُرْآنَ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ إِجْمَاعًا، قَالَهُ أَبُو الْوَفَاءِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَضْرِبُ امْرَأَتَهُ، فَخَنَقَهَا، أَوْ نَتَفَ شَعْرَهَا، أَوْ عَضَّهَا، حَنِثَ) لِأَنَّهُ قَصَدَ تَرْكَ تَأْلِيمِهَا، وَقَدْ آلَمَهَا، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْتَمِلُ أَلَّا يَحْنَثَ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَقْصِدَ أَلَّا يُؤْلِمَهَا، أَوْمَأَ إِلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، وَهُوَ قَوْلٌ فِي الرِّعَايَةِ، لَكِنْ لَوْ عَضَّهَا لِلتَّلَذُّذِ وَلَمْ يَقْصِدْ تَأْلِيمَهَا لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهَا فَفَعَلَ ذَلِكَ بَرَّ، لِوُجُودِ الْمَقْصُودِ بِالضَّرْبِ، وَإِنْ ضَرَبَهَا بَعْدَ مَوْتِهَا لَمْ يَبِرَّ، وَهَلِ اللَّطْمُ وَالْوَكْزُ ضَرْبٌ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ سَوْطٍ، فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَبِرَّ فِي يَمِينِهِ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ السَّامِرِيُّ وَصَاحِبُ الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ

стр. 3259

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ فِي الْعُرْفِ، لِأَنَّ السَّوْطَ هُنَا آلَةٌ أُقِيمَتْ مَقَامَ الْمَصْدَرِ، وَانْتَصَبَ انْتِصَابَهُ، لِأَنَّ مَعْنَى كَلَامِهِ: لَأَضْرِبَنَّهُ مِائَةَ ضَرْبَةٍ بِسَوْطٍ، وَهَذَا هُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ يَمِينِهِ وَالَّذِي يَقْتَضِيهِ لُغَةً، فَلَا يَبِرُّ بِمَا يُخَالِفُ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يَبِرُّ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُضْرَبُ بِعُثْكَالِ النَّخْلِ، يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، وَكَحَلِفِهِ لَيَضْرِبَنَّهُ بِمِائَةٍ، وَأَجَابَ فِي الشَّرْحِ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ بِأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَوْ كَانَ عَامًّا لَمَا خُصَّ بِالْمِنَّةِ عَلَيْهِ، وَعَنِ الْمَرِيضِ الْمَجْلُودِ، بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَتَعَدَّ هَذَا الْحُكْمَ فِي الْحَدِّ الَّذِي وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ، فَلَأَنْ لَا يَتَعَدَّى إِلَى الْيَمِينِ أَوْلَى. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ بِعَشَرَةِ أَسْوَاطٍ فَجَمَعَهَا فَضَرَبَهُ بِهَا بَرَّ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ مَرَّاتٍ لَمْ يَبِرَّ بِضَرْبِهِ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ دُفْعَةً وَاحِدَةً بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّهُ عَشْرَ ضَرَبَاتٍ. [حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ] فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ شَيْئًا، فَأَكَلَهُ مُسْتَهْلَكًا فِي غَيْرِهِ، مِثْلَ أَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ لَبَنًا، فَأَكَلَ زُبْدًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ فِيهِ طَعْمُهُ، أَوْ لَا يَأْكُلُ بَيْضًا، فَأَكَلَ نَاطِفًا، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَحْمًا، فَأَكَلَ اللَّحْمَ الْأَحْمَرَ، أَوْ لَا يَأْكُلُ شَعِيرًا، فَأَكَلَ حِنْطَةً فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ، لَمْ يَحْنَثْ) قَدَّمَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَالْكَافِي فِي اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ، وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ الَّذِي حُلِفَ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَحْنَثْ بِأَكْلِ الْمُسْتَهْلَكِ فِيهِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ رُطَبًا، فَأَكَلَ تَمْرًا، وَلِأَنَّ الْمُسْتَهْلَكَ فِي الشَّيْءِ يَصِيرُ وُجُودُهُ كَعَدَمِهِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الْحَالِفِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا حَلَفَ لِمَعْنًى في

стр. 3260

شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ. . فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: ــ [المبدع في شرح المقنع] المحلوف عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ تَعَيَّنَ عَدَمُ الْحِنْثِ، لِانْتِفَاءِ الْمَعْنَى الْمَحْلُوفِ مِنْ أَجْلِهِ، (وَإِنْ ظَهَرَ طَعْمُ السَّمْنِ، أَوْ طَعْمُ شَيْءٍ مِنَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، حَنِثَ) ، كَمَا لَوْ أَكَلَ ذَلِكَ مُنْفَرِدًا، وَكَحَلِفِهِ عَلَى اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِمُسَمَّاهُ، وَلَوْ مِنْ صَيْدٍ وَآدَمِيَّةٍ، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ اللَّحْمِ الْأَحْمَرِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْ شَحْمٍ فَيَحْنَثُ بِهِ وَإِنْ قَلَّ، لِأَنَّهُ يَظْهَرُ فِي الطَّبِيخِ، فَيَبِينُ عَلَى وَجْهِ الْمَرَقِ، وفارق مَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا، فَأَكَلَ خَبِيصًا فِيهِ سَمْنٌ لَا يَظْهَرُ طَعْمُهُ، وَلَا لَوْنُهُ، لِأَنَّ هَذَا قَدْ يَظْهَرُ الدُّهْنُ فِيهِ، (وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْنَثُ بِأَكْلِ حِنْطَةٍ فِيهَا حَبَّاتُ شَعِيرٍ) لِأَنَّ الشَّعِيرَ يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ بِتَرْكِهِ فِيهِ، وَأَكْلُهُ لَهُ أَكْلٌ لِمَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْ أَكْلِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَكَلَ مُنْفَرِدًا، وَفِي التَّرْغِيبِ: إِنْ طَحَنَهُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِلَّا حَنِثَ فِي الْأَصَحِّ، وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ، فَلَوْ حَلَفَ: لَا يَأْكُلُ حِنْطَةً، فَأَكَلَهَا خُبْزًا أَوْ طَحِينًا حَنِثَ، لِأَنَّ الْحِنْطَةَ لَا تُؤْكَلُ حَبًّا عَادَةً، فَانْصَرَفَتْ يَمِينُهُ إِلَى أَكْلِهَا فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهَا. مَسْأَلَةٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ، فَأَكَلَ فِيهَا، أَوْ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِهَا، حَنِثَ، ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، قَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ هَذِهِ الْقَرْيَةَ، فَأَوَى إِلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، مِمَّا هُوَ فِي حَدِّهَا، حَنِثَ، لِأَنَّ النَّاحِيَةَ وَالْحَدَّ مِنْ جُمْلَةِ الْقَرْيَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي. [حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ] فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَوِيقًا فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَحْنَثُ) ، هَذَا رِوَايَةٌ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ شَيْءٍ يَقْصِدُ بِهِ فِي الْعُرْفِ اجْتِنَابَ ذَلِكَ الشَّيْءِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَحُمِلَتِ الْيَمِينُ عَلَيْهِ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ، فَإِنَّهُ يَتَنَاوَلُ تَحْرِيمَ شُرْبِهَا، وَلَوْ قَالَ طَبِيبٌ لِمَرِيضٍ: لَا تَأْكُلِ الْعَسَلَ، كَانَ نَاهِيًا لَهُ عَنْ شُرْبِهِ، وَبِالْعَكْسِ، (وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَّدَ فِيهِ وَأَكَلَهُ:

стр. 3261

يَحْنَثُ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ نَبِيذًا، فَثَرَّدَ فِيهِ وَأَكَلَهُ: لَا يَحْنَثُ، فَيَخْرُجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ، وَجْهَانِ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يَعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، وَإِنْ ذَاقَ وَلَمْ يَبْلَعْهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا، فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ حَنِثَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] لَا يَحْنَثُ) هَذِهِ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ نَقَلَهَا مُهَنَّا، وَقَدَّمَهَا فِي الْمُحَرَّرِ، لِأَنَّ الْأَفْعَالَ أَنْوَاعٌ كَالْأَعْيَانِ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى نَوْعٍ مِنَ الْأَنْوَاعِ لَمْ يَحْنَثْ بِغَيْرِهِ، كَذَلِكَ الْأَفْعَالُ (فَيَخْرُجُ فِي كُلِّ مَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُهُ فَشَرِبَهُ، أَوْ لَا يَشْرَبُهُ فَأَكَلَهُ وَجْهَانِ) مَبْنِيَّانِ عَلَى الْخِلَافِ السَّابِقِ (وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ عَيَّنَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ حَنِثَ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ لَمْ يَحْنَثْ) هَذَا رِوَايَةٌ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ تَغَيُّرَ صِفَةِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ لَا يَنْفِي الْحِنْثَ، فَكَذَلِكَ تَغَيُّرُ صِفَةِ الْفِعْلِ، وَإِذَا لَمْ يُعَيِّنْهُ فَلَا حِنْثَ، لِأَنَّهُ لَمْ تَحْصُلِ الْمُخَالَفَةُ مِنْ جِهَةِ الِاسْمِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ التَّعْيِينِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَيْسَ لِلتَّعْيِينِ أَثَرٌ فِي الْحِنْثِ وَعَدَمِهِ، فَإِنَّ الْحِنْثَ فِي الْمُعَيَّنِ إِنَّمَا كَانَ لِتَنَاوُلِهِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ، وَإِجْرَاءِ مَعْنَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عَلَى التَّنَاوُلِ الْعَامِّ فِيهِمَا، وَهَذَا لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ التَّعْيِينِ وَعَدَمِهِ، وَعَدَمُ الْحِنْثِ مُعَلَّلٌ بِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلِ الْفِعْلَ الَّذِي حَلَفَ عَلَى تَرْكِهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَ غَيْرَهُ، وَهَذَا فِي الْمُعَيَّنِ كَهُوَ فِي الْمُطْلَقِ، لِعَدَمِ الْفَارِقِ بَيْنَهُمَا. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ، أَوْ لَا يَفْعَلُهُمَا، فَمَصَّ رُمَّانًا، أَوْ قَصَبَ سُكَّرٍ، فَرِوَايَتَانِ أَنَصُّهُمَا: لَا حِنْثَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ فِيمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ، فَمَصَّ قَصَبَ السُّكَّرِ، أَوِ الرُّمَّانَ حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سُكَّرًا أَوْ لَا يَشْرَبُهُ، فَتَرَكَهُ فِي فِيهِ حَتَّى ذَابَ، وَابْتَلَعَهُ فَعَلَى الْخِلَافِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَطْعَمُهُ حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ) وَمَصِّهِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ طُعْمٌ (وَإِنْ ذَاقَ وَلَمْ يَبْلَعْهُ لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا شُرْبٍ، بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّائِمَ لَا يُفْطِرُ بِهِ، فَلَوْ حَلَفَ لَا يَذُوقُهُ، حَنِثَ بِأَكْلِهِ أَوْ شُرْبِهِ أَوْ ذَوْقِهِ، لِأَنَّهُ ذَوْقٌ وَزِيَادَةٌ، وَفِي الرِّعَايَةِ: حَنِثَ بِأَكْلِهِ وَشُرْبِهِ، ثُمَّ قَالَ: قَلْتُ فِيمَنْ لَا ذَوْقَ لَهُ نَظَرٌ. (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ مَائِعًا فَأَكَلَهُ بِالْخُبْزِ حَنِثَ) «لِقَوْلِهِ ﵇:

стр. 3262

فَصْلٌ وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ ، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ وَلَا يَلْبَسُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا، فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ. وَإِنْ حَلَفَ لَا ــ [المبدع في شرح المقنع] كُلُوا الزَّيْتَ» . وَلِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلًا، وَيُؤْكَلُ فِي الْعَادَةِ كَذَلِكَ. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ لَا يَشْرَبُ مِنَ الْكُوزِ، فَصَبَّ مِنْهُ فِي إِنَاءٍ، وَشَرِبَ لَمْ يَحْنَثْ، وَعَكْسُهُ إِنِ اغْتَرَفَ بِإِنَاءٍ مِنَ النَّهَرِ أَوِ الْبِئْرِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُحْتَمَلُ عَدَمُ حِنْثِهِ بِكَرْعِهِ مِنَ النَّهْرِ، لِعَدَمِ اعْتِبَارِهِ، كَحَلِفِهِ لَا يَلْبَسُ هَذَا الثَّوْبَ فَتَعَمَّمَ بِهِ. [حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ وَلَا يَتَطَهَّرُ وَلَا يَتَطَيَّبُ فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ] فَصْلٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَتَزَوَّجُ، وَلَا يَتَطَهَّرُ، وَلَا يَتَطَيَّبُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ لَمْ يَحْنَثْ) فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، لِأَنَّهُ لَا يُطْلَقِ اسْمُ الْفِعْلِ عَلَى مُسْتَدِيمِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ، فَلَا يُقَالُ: تَزَوَّجْتُ شَهْرًا، وَلَا تَطَهَّرْتُ شَهْرًا، وَلَا تَطَيَّبْتُ شَهْرًا، وَإِنَّمَا يُقَالُ: مُنْذُ شَهْرٍ، وَلَمْ يُنْزِلِ الشَّارِعُ اسْتِدَامَةَ التَّزْوِيجِ وَالطِّيبِ مَنْزِلَةَ اسْتَدَامَتِهِ فِي تحريمه في الْإِحْرَامِ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ، وَلَا يَلْبَسُ) وَلَا يَقُومُ، وَلَا يَقْعُدُ، وَلَا يُسَافِرُ (فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، حَنِثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ الْمُسْتَدِيمَ يُطْلَقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقَالُ: رَكِبَ شَهْرًا، وَلَبِسَ شَهْرًا، وَقَدِ اعْتَبَرَ الشَّارِعُ هَذَا فِي الْإِحْرَامِ، حَيْثُ حَرَّمَ لُبْسَ الْمَخِيطِ، فَأَوْجَبَ الْكَفَّارَةَ بِاسْتِدَامَتِهِ، كَمَا أَوْجَبَهَا فِي ابْتِدَائِهِ، وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ: فِي اللُّبْسِ اسْتِدَامَةً حِنْثٌ إِنْ قَدَرَ عَلَى نَزْعِهِ، وَيُلْحَقُ مَا لَوْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ مِنْ غَزْلِهَا، وَعَلَيْهِ مِنْهُ شَيْءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، أَوْ لَا يَطَأُ، فَاسْتَدَامَ ذَلِكَ، ذَكَرَهُ فِي الِانْتِصَارِ، أَوْ لَا يُضَاجِعُهَا عَلَى فِرَاشٍ فَضَاجَعَتْهُ وَدَامَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُضَاجَعَةَ تَقَعُ عَلَى الِاسْتِدَامَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: اضْطَجَعَ عَلَى الْفِرَاشِ لَيْلَةً، قَالَ الْقَاضِي وَابْنُ شِهَابٍ: الْخُرُوجُ وَالنَّزْعُ لَا يُسَمَّى سَكَنًا وَلَا لَبْسًا، وَالنَّزْعُ جِمَاعٌ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى إِيلَاجٍ وَإِخْرَاجٍ، فَهُوَ شَطْرُهُ، وَجَزَمَ فِي مُنْتَهَى الْغَايَةِ لَا يَحْنَثُ بِالنَّزْعِ فِي الْحَالِ وِفَاقًا، وَكَذَا إِذَا حَلَفَ لَا يُمْسِكُ، ذَكَرَهُ فِي الْخِلَافِ، أَوْ لَا يُشَارِكُهُ فَدَامَ، ذَكَرَهُ فِي الرَّوْضَةِ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا هُوَ دَاخِلُهَا فَأَقَامَ فِيهَا، حَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي) لَمْ يَذْكُرِ ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنْ أَحْمَدَ غَيْرَهُ،

стр. 3263

يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا، أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ، أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمَ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ، وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ وَأَهْلِهِ حَنِثَ، إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ، أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ، ــ [المبدع في شرح المقنع] وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ الْمَقَامِ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ كَابْتِدَائِهِ فِي التَّحْرِيمِ (وَلَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) لِأَنَّ الدُّخُولَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِدَامَةِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا مُنْذُ شَهْرٍ، وَلَا يُقَالُ: دَخَلْتُهَا شَهْرًا، فَجَرَى مَجْرَى التَّزْوِيجِ، وَلِأَنَّ الِانْفِصَالَ مِنْ خَارِجٍ إِلَى دَاخِلٍ، وَلَا يُوجَدُ فِي الْإِقَامَةِ، قَالَ أَحْمَدُ: أَخَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ حَنِثَ، قَالَ السَّامِرِيُّ: فَحَمَلَهُ أَبُو الْخَطَّابِ عَلَى أَنَّهُ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْكَوْنِ فِي دَاخِلِهَا، وَإِلَّا فَلَا يَحْنَثُ، حَتَّى يَبْتَدِئَ دُخُولَهَا، وَقِيلَ: لَا يَحْنَثُ، إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ فُرْقَةَ أَهْلِهَا، أَوْ عَدَمَ الْكَوْنِ فِيهَا، أَوِ السَّبَبُ يَقْتَضِيهِ وَإِلَّا إِذَا دَخَلَ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيْتًا، فَدَخَلَ فُلَانٌ عَلَيْهِ، فَأَقَامَ مَعَهُ، فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ) ، لِأَنَّ الْإِقَامَةَ هُنَا كَالْإِقَامَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَالْأَصَحُّ الْحِنْثُ، إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ (وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُ دَارًا) وَهُوَ سَاكِنُهَا، أَوْ لَا يَرْكَبُ دَابَّةً هُوَ رَاكِبُهَا، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا هُوَ لَابِسُهُ، (أَوْ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا وَهُوَ مُسَاكِنُهُ، فَلَمْ يَخْرُجْ فِي الْحَالِ، حَنِثَ) ، لِأَنَّ اسْتِدَامَةَ السُّكْنَى سُكْنَى، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: سَكَنَ الدَّارَ شَهْرًا، (إِلَّا أَنْ يُقِيمَ لِنَقْلِ مَتَاعِهِ) وَأَهْلِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، لِأَنَّ الِانْتِقَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَيَكُونُ نَقْلُهُ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ، لَا لَيْلًا، وَإِنْ تَرَدَّدَ إِلَى الدَّارِ لِنَقْلِ الْمَتَاعِ، أَوْ عِيَادَةِ مَرِيضٍ، لَمْ يَحْنَثْ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِسُكْنَى، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ إِنْ دَخَلَهَا، وَإِنْ تَرَدَّدَ زَائِرًا فَلَا، لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سُكْنَى، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا، وَلَوْ طَالَتْ مُدَّتُهَا (أَوْ يَخْشَى عَلَى نَفْسِهِ الْخُرُوجَ، فَيُقِيمُ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُ) ، لِأَنَّهُ أَقَامَ لِدَفْعِ الضَّرَرِ، وَإِزَالَتُهُ عِنْدَ ذَلِكَ مَطْلُوبَةٌ شَرْعًا، فَلَمْ يَدْخُلْ تَحْتَ النَّهْيِ (وَإِنْ خَرَجَ دُونَ مَتَاعِهِ) الْمَقْصُودِ (وَأَهْلِهِ) مَعَ إِمْكَانِ نَقْلِهِمْ، وَظَاهِرُ نَقْلِ ابْنِ هَانِئٍ، وَهُوَ

стр. 3264

وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَثُ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ حَنِثَ، وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلٌّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَثْ. وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] ظَاهِرُ الْوَاضِحِ وَغَيْرِهِ، أَوْ تَرَكَ لَهُ بِهِ شَيْئًا (حَنِثَ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِأَنَّ السُّكْنَى تَكُونُ بِالْأَهْلِ وَالْمَالِ، وَلِهَذَا يُقَالُ: فُلَانٌ سَاكِنٌ فِي الْبَلَدِ الْفُلَانِيِّ، وَهُوَ غَائِبٌ عَنْهُ، وَإِنْ نَزَلَ بَلَدًا بِأَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَيُقَالُ: سَكَنَهُ، لَكِنْ إِنْ خَرَجَ عَازِمًا عَلَى السُّكْنَى بِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا عَنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ فِي الدَّارِ، لَمْ يَحْنَثْ، زَادَ فِي الشَّرْحِ: فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَقِيلَ: إِنْ خَرَجَ بِأَهْلِهِ، فَسَكَنَ بِمَوْضِعٍ، وَقِيلَ: أَوْ وَجَدَهُ بِمَا يَتَأَثَّثُ بِهِ فَلَا. فَرْعٌ: إِذَا أَقَامَ فِي الدَّارِ لِإِكْرَاهٍ، أَوْ لَيْلٍ، أَوْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْخُرُوجِ أَبْوَابٌ مُغْلَقَةٌ، أَوْ لِعَدَمِ مَا يَنْقُلُ عَلَيْهِ مَتَاعَهُ، أَوْ مَنْزِلٍ يَنْتَقِلُ إِلَيْهِ أَيَّامًا وَلَيَالِيَ فِي طَلَبِ النَّقْلَةِ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ أَقَامَ غَيْرَ نَاوٍ لَهَا حَنِثَ، ذَكَرَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ. (إِلَّا أَنْ يُودِعَ مَتَاعَهُ أَوْ يُعِيرَهُ) ، أَوْ يَزُولَ مِلْكُهُ عَنْهُ، (أَوْ تَأْبَى امْرَأَتُهُ الْخُرُوجَ مَعَهُ، وَلَا يُمْكِنَهُ إِكْرَاهُهَا، فَيَخْرُجَ وَحْدَهُ، فَلَا يَحْنَثُ) ، لِأَنَّ زَوَالَ الْيَدِ وَالْعَجْزَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُمَا حِنْثٌ، (وَإِنْ حَلَفَ لَا يُسَاكِنُ فُلَانًا، فَبَنَيَا بَيْنَهُمَا حَائِطًا، وَهُمَا مُتَسَاكِنَانِ، حَنِثَ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، إِذَا كَانَا فِي دَارٍ حَالَةَ الْيَمِينِ، وَتَشَاغَلَا بِبِنَاءِ الْحَائِطِ، لِأَنَّهُمَا مُتَسَاكِنَانِ قَبْلَ انْفِرَادِ إِحْدَى الدَّارَيْنِ مِنَ الْأُخْرَى، لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ قَوْلًا بِأَنَّهُ لَا يَحْنَثُ، فَإِنْ خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا، وَقَسَمَاهَا حُجْرَتَيْنِ، وَفَتَحَا لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَابًا، وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ، وَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً، لَمْ يَحْنَثْ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُتَسَاكِنَيْنِ، وَقَالَ مَرَّةً: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ، وَيَحْتَمِلُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، لِكَوْنِهِ عَيْنُ الدَّارِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يُسَاكِنْهُ فِيهَا (وَإِنْ كَانَ فِي الدَّارِ حُجْرَتَانِ، كُلُّ حُجْرَةٍ تَخْتَصُّ بِبَابِهَا وَمَرَافِقِهَا، فَسَكَنَ كُلُّ وَاحِدٍ حُجْرَةً) وَلَا نِيَّةَ، وَلَا سَبَبَ، قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَاكِنٌ فِي حُجْرَتِهِ، فَلَا يَكُونُ مساكنا لِغَيْرِهِ، وَكَذَا إِنْ سَكَنَا فِي دَارَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ، قَالَ فِي الْفُنُونِ فِيمَنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ دَخَلْتِ عَلَيَّ الْبَيْتَ، وَلَا كُنْتِ لِي زَوْجَةً إِنْ لَمْ

стр. 3265

الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبِرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعَوْدُ إِلَيْهَا؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] تَكْتُبِي لِي نِصْفَ مَالِكِ، فَكَتَبَتْ لَهُ بَعْدَ سِتَّةَ عَشَرَ يَوْمًا، تَقَعُ الثَّلَاثُ، لِأَنَّهُ يَقَعُ بِاسْتِدَامَةِ الْمَقَامِ، فَكَذَا اسْتِدَامَةُ الزَّوْجِيَّةِ. (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، فَخَرَجَ وَحْدَهُ دُونَ أَهْلِهِ بَرَّ) لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْخُرُوجِ لَمْ يُعَارِضْهَا مُعَارِضٌ، فَوَجَبَ حُصُولُ الْبِرِّ لِحُصُولِ الْحَقِيقَةِ، وَكَذَا إِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ وَلَا يَأْوِي أَوْ يَنْزِلُ فِيهَا، نَصَّ عَلَيْهِمَا، أَوْ لَا يَسْكُنُ الْبَلَدَ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ مِنْهُ، فَكَحَلِفِهِ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنَ الدَّارِ، فَخَرَجَ دُونَ أَهْلِهِ لَمْ يَبِرَّ) لِأَنَّ الدَّارَ يَخْرُجُ مِنْهَا صَاحِبُهَا كُلَّ يَوْمٍ عَادَةً، وَظَاهِرُ حَالِهِ إِرَادَةُ خروج غير الْمُعْتَادِ، بِخِلَافِ الْبَلَدِ، وَإِنْ حَلَفَ لَا يَسْكُنُهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنْهَا فَدَخَلَهَا، أَوْ كَانَ فِيهَا غَيْرَ سَاكِنٍ فَدَامَ جُلُوسُهُ، فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: إِنْ قَصَدَ الِامْتِنَاعَ مِنَ الْكَوْنِ فِيهَا حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقِيلَ: إِنِ انْتَقَلَ إِلَيْهَا بِرَحْلِهِ الَّذِي يَحْتَاجُهُ السَّاكِنُ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ بَاتَ لَيْلَتَيْنِ فَلَا حِنْثَ، وَفِي الشَّرْحِ: إِذَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ منْ بَلَدٍ لَمْ يَبِرَّ إِلَّا بِرَحِيلِ أَهْلِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ هَذِهِ الْبَلْدَةِ، أَوْ لَيَرْحَلَنَّ عَنْ هَذِهِ الدَّارِ فَفَعَلَ، فَهَلْ لَهُ الْعُودُ إِلَيْهَا؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) . إِحْدَاهُمَا: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْعُودِ، قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَرَجَّحَهُ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ يَمِينَهُ عَلَى الْخُرُوجِ، وَقَدْ خَرَجَ فَانْحَلَّتْ يَمِينُهُ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَحْلِفْ، وَلِقَوْلِهِ: إِنْ خَرَجْتُ فَلَكَ دِرْهَمٌ، اسْتَحَقَّ بِخُرُوجٍ أَوَّلَ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِيَةُ: يَحْنَثُ بِالْعَوْدِ، لِأَنَّ ظَاهِرَ حَالِهِ قَصْدُ هِجْرَانِ مَا حَلَفَ عَلَى الرَّحِيلِ مِنْهُ، وَالْعَوْدُ يُنَافِي مَقْصُودَ يَمِينِهِ، فَأَمَّا إِنْ كَانَ لَهُ نِيَّةٌ، أَوْ سَبَبٌ، أَوْ قَرِينَةٌ، عُمِلَ بِهَا.

стр. 3266

فَصْلٌ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا ، وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ، أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] [حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا] فَصْلٌ (إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَحُمِلَ فَأُدْخِلَهَا) وَلَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، لَمْ يَحْنَثْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، فَإِنْ حُمِلَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ (وَيُمْكِنُهُ الِامْتِنَاعُ، فَلَمْ يَمْتَنِعْ) حَنِثَ فِي الْمَنْصُوصِ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي كَمَا لَوْ حُمِلَ بِأَمْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: فِيهِ وَجْهَانِ. أَحَدُهُمَا: يَلِي لِمَا تَقَدَّمَ. وَالثَّانِي: لَا يَحْنَثُ، كَمَا لَوْ لَمْ يُمْكِنْهُ الِامْتِنَاعُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: كَيْفَمَا دَخَلَ بِاخْتِيَارِهِ، حَنِثَ مُطْلَقًا، وَلَوْ من غير بَابَهَا، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا لَوْ أُكْرِهَ بِضَرْبٍ وَنَحْوِهِ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ لِلْخَبَرِ وَالْمَعْنَى، (أَوْ حَلَفَ لَا يَسْتَخْدِمُ رَجُلًا، فَخَدَمَهُ وَهُوَ سَاكِتٌ، فَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ) لِأَنَّهُ قَصَدَ اجْتِنَابَ خِدْمَتِهِ، وَلَمْ يَحْصُلْ (وَيُحْتَمَلْ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَهُوَ وَجْهٌ، لِأَنَّهُ اسْتَخْدَمَهُ، وَالسُّكُوتُ لَا يَدُلُّ عَلَى الرِّضَى، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الَّذِي شَقَّ ثَوْبَهُ مُطَالَبَةَ الَّذِي شَقَّهُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَبْدَهُ حَنِثَ، لِأَنَّ عَبْدَهُ يَخْدِمُهُ عَادَةً، فَمَعْنَى يَمِينِهِ لَأَمْنَعَنَّكَ خِدْمَتِي، فَإِذَا لَمْ يَنْهَهُ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ، بِخِلَافِ عَبْدِ غَيْرِهِ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَحْنَثُ فِيهِمَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ هُبَيْرَةَ (وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ) نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَحُجَّنَّ الْعَامَ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْحَجِّ لِمَرَضٍ، أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لِأَنَّ الِامْتِنَاعَ لِمَعْنًى فِي الْمَحَلِّ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ ضَرْبَ الْعَبْدِ لِصِغَرٍ بِهِ، أَوْ تَرَكَ الْحَالِفُ الْحَجَّ لِصُعُوبَةِ الطَّرِيقِ، وَيَحْنَثُ عُقَيْبَ تَلَفِهِمَا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقِيلَ: فِي آخِرِ الْغَدِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ) وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ، لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَتِهِ، أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، أَمَّا لَوْ تَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَاخْتِيَارِهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ وَجْهًا وَاحِدًا، قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَإِنْ تَلِفَ الْعَبْدُ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، فَكَمَا لَوْ مَاتَ فِي يَوْمِهِ، وَإِنْ مَاتَ فِي غَدٍ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ ضَرَبَهُ

стр. 3267

لَا يَحْنَثَ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَشْرَبَنَّ الْمَاءَ، أَوْ لَيَضْرِبَنَّ غُلَامَهُ غَدًا، فَتَلِفَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ قَبْلَ الْغَدِ، حَنِثَ عِنْدَ الْخِرَقِيِّ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْنَثَ، وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ، فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ، فَقَضَى وَرَثَتُهُ، لَمْ يَحْنَثْ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ، وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي، وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْيَوْمَ لَمْ يَبِرَّ، نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَصُومَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَصَامَ يَوْمَ الْخَمِيسِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يَبِرُّ، وَقَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهُ، وَإِلَّا حَنِثَ، وَإِنْ جُنَّ الْعَبْدُ فَضَرَبَهُ بَرَّ، وَإِلَّا فَلَا (وَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ) أَيْ: قَبْلَ الْغَدِ، أَوْ جُنَّ فَلَمْ يَفُقْ إِلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْغَدِ (لَمْ يَحْنَثْ) لِأَنَّ الْحِنْثَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بفوات المحلوف عَلَيْهِ فِي وَقْتِهِ، وَهُوَ الْغَدُ، وَالْحَالِفُ قَدْ خَرَجَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَا يُمْكِنُ حِنْثُهُ بِخِلَافِ مَوْتِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ إِذَا مَاتَ فِيهِ، فَإِنَّهُ يَحْنَثُ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْحَالِفُ فِي غَدٍ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ ضَرْبِهِ، فَلَمْ يَضْرِبْهُ، حَنِثَ وَجْهًا وَاحِدًا، وَكَذَا إِنْ هَرَبَ الْعَبْدُ أَوْ مَرِضَ، أَوِ الْحَالِفُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى ضَرْبِهِ (وَإِنْ حَلَفَ لِيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ فَأَبْرَأَهُ) مِنْهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ (فَهَلْ يَحْنَثُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) هُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى مَا إِذَا حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ فَتَلِفَ قَبْلَ فِعْلِهِ. أَحَدُهُمَا: الْحِنْثُ، لِأَنَّ الْحَلِفَ عَلَى الْقَضَاءِ، وَالْإِبْرَاءُ لَيْسَ بِقَضَاءٍ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: مَا قَضَانِي حَقِّي، وَإِنَّمَا أَبْرَأْتُهُ مِنْهُ. وَالثَّانِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ: عَدَمُهُ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ الْقَضَاءِ حُصُولُ الْبَرَاءَةِ مِنْهُ، فَلَا يَحْنَثُ، وَفِي التَّرْغِيبِ: أَصْلُهُمَا إِذَا مُنِعَ مِنَ الْإِيفَاءِ فِي غَدٍ كَرْهًا لَا يَحْنَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَأَطْلَقَ فِي التَّبْصِرَةِ فِيهِمَا الْخِلَافَ (وَإِنْ مَاتَ الْمُسْتَحِقُّ فَقَضَى وَرَثَتُهُ لَمْ يَحْنَثْ) قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِأَنَّ قَضَاءَ وَرَثَتِهِ يَقُومُ مَقَامَ قَضَائِهِ فِي إِبْرَاءِ ذِمَّتِهِ، فَكَذَلِكَ فِي يَمِينِهِ، (وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْنَثُ) كَمَا لَوْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ عَبْدَهُ غَدًا، فَمَاتَ الْعَبْدُ الْيَوْمَ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَنْصُورُ، لَأَنَّ مَوْتَ الْعَبْدِ يُخَالِفُ ذَلِكَ، لِأَنَّ ضَرْبَ غَيْرِهِ لَا يَقُومُ مَقَامَ ضَرْبِهِ (وَإِنْ بَاعَهُ بِحَقِّهِ عَرَضًا، لَمْ يَحْنَثْ عِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ) قَدَّمَهُ

стр. 3268

عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بَرَّ، وَإِنْ حَلَفَ لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ، وَإِنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ. وَإِنْ حَلَفَ: لَا ــ [المبدع في شرح المقنع] السَّامِرِيُّ وَالْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ قَضَاهُ حَقَّهُ (وَحَنِثَ عِنْدَ الْقَاضِي) لِأَنَّهُ لَمْ يَقْضِ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا فَارَقْتُكَ وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ فَالرِّوَايَتَانِ، وَهُمَا فِي الْمَذْهَبِ إِنْ كُرِهَ، (وَإِنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّهُ حَقَّهُ عِنْدَ رَأْسِ الْهِلَالِ) أَوْ مَعَ رَأْسِهِ، أَوْ إِلَى رَأْسِهِ، أَوْ إِلَى اسْتِهْلَالِهِ، أَوْ عِنْدَ رَأْسِ الشَّهْرِ، (فَقَضَاهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ بَرَّ) عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الوقت المحلوف عَلَيْهِ، لِأَنَّ غُرُوبَ الشَّمْسِ هُوَ آخِرُهُ، وَلَوْ تَأَخَّرَ فَرَاغُ كَيْلِهِ لِكَثْرَتِهِ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، أَنَّهُ إِذَا قَضَاهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ فِي آخِرِ الشَّهْرِ بَرَّ، وَإِنْ فَاتَهُ حَنِثَ، ثُمَّ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: قُلْتُ: فَيَخْرُجُ ضِدُّهُ إِنْ عُذِرَ، وَيَحْنَثُ إِذَا تَأَخَّرَ بَعْدَ الْغُرُوبِ مَعَ إِمْكَانِهِ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا تُعْتَبَرُ الْمُقَارَنَةُ، فَتَكْفِي حَالَةُ الْغُرُوبِ (وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُهُ حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي، فَهَرَبَ مِنْهُ حَنِثَ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ مَعْنَى الْيَمِينِ لَا حَصَلَ مِنَّا فُرْقَةٌ، وَقَدْ حَصَلَ، وَكَإِذْنِهِ، وَلِقَوْلِهِ: لَا افْتَرَقْنَا، (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: لَا يَحْنَثُ) هَذَا رِوَايَةٌ، قَدَّمَهَا فِي الْكَافِي وَالتَّرْغِيبِ، وَنَصَرَهَا فِي الشَّرْحِ، وَصَحَّحَهَا ابْنُ حَمْدَانَ، لِأَنَّ الْيَمِينَ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ، وَلَمْ تُوجَدِ الْمُفَارَقَةُ إِلَّا مِنْ غَيْرِهِ، وَاخْتَارَ فِي الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: أَنَّهُ إِنْ أَمْكَنَهُ مُتَابَعَتُهُ وَإِمْسَاكُهُ حَنِثَ، وَإِلَّا فَلَا، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْحَالِفُ فِي الْفُرْقَةِ فَفَارَقَهُ، فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَحْنَثُ (وَإِنْ فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ، وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِفِرَاقِهِ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ) فِي الْإِكْرَاهِ إِذَا فَلَّسَهُ الْحَاكِمُ وَصَدَّهُ عَنْهُ، وَالْمَذْهَبُ الْحِنْثُ، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِفِرَاقِهِ، فَفَارَقَهُ لِعِلْمِهِ بِوُجُوبِ مُفَارَقَتِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَصُدَّهُ الْحَاكِمُ بَعْدَ فَلَسِهِ حَنِثَ، وَقِيلَ: إِنْ قَضَاهُ حَقَّهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَهُوَ نَاوٍ الْوَفَاءَ، فَفَارَقَهُ، فَلَا، وَقَالَ الْقَاضِي: إِنْ كَانَ لَفْظُهُ: لَا فَارَقْتُكَ وَلِي قِبَلَكَ حَقٌّ، لَمْ يَحْنَثْ، وَإِنْ قَالَ: حَتَّى أَسْتَوْفِيَ حَقِّي مِنْكَ

стр. 3269

افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ، وَقُدِّرَ الْفِرَاقُ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا، كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ. بَابُ النَّذْرِ وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا وَلَا يَصْحُ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ، مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] حَنِثَ، وَكَذَا إِنْ أَحَالَهُ بِهِ، فَقَبِلَ وَانْصَرَفَ، وَإِنْ ظَنَّ أَنَّهُ بَرَّ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ فَارَقَهُ عَنْ كَفِيلٍ، أَوْ رَهْنٍ، أَوْ أَبْرَأَهُ مِنْهُ، حَنِثَ، وَإِنْ وَجَدَهَا مُسْتَحِقُّهَا وَأَخَذَهَا، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي النَّاسِي. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ الْمَطْلُوبُ أَلَّا يُعْطِيَهُ شَيْئًا، فَوَفَّاهُ عَنْهُ غَيْرُهُ بِلَا إِذْنِهِ، فَلَا حِنْثَ، وَإِنْ حَلَفَ: لَا فَارَقْتُكَ حَتَّى آخُذَ حَقِّي، فَفَرَّ الْغَرِيمُ، حَنِثَ الْحَالِفُ، وَإِنْ أُكْرِهَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَوَجْهَانِ، وَإِنْ فَرَّ الْحَالِفُ، فَلَا، عَلَى الْأَشْهَرِ. (وَإِنْ حَلَفَ: لَا افْتَرَقْنَا، فَهَرَبَ مِنْهُ، حَنِثَ) لِأَنَّ يَمِينَهُ تَقْتَضِي أَلَّا تَحْصُلَ بَيْنَهُمَا فُرْقَةٌ بِوَجْهٍ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى، وَقَدْ حَصَلَتْ، وَإِنْ حَلَفَ لَا أَخَذْتَ حَقَّكَ مِنِّي، فَأُكْرِهَ عَلَى دَفْعِهِ حَنِثَ، وَإِنْ وَضَعَهُ الْحَالِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ، أَوْ فِي حِجْرِهِ، فَلَمْ يَأْخُذْهُ لَمْ يَحْنَثْ، لِأَنَّهُ لَا يُضَمَّنُ بِمِثْلِ هَذَا مَالٌ وَلَا صَيْدٌ، وَيَحْنَثُ لَوْ كَانَتْ يَمِينُهُ: لَا أُعْطِيكَ، لِأَنَّهُ يُعَدُّ عَطَاءً، إِذْ هُوَ تَمْكِينٌ وَتَسْلِيمٌ بِحَقٍّ، فَهُوَ كَتَسْلِيمِ ثَمَنٍ وَمُثَمَّنٍ وَأُجْرَةٍ وَزَكَاةٍ، وَإِنْ أَخَذَهُ حَاكِمٌ فَدَفَعَهُ إِلَى الْغَرِيمِ وَأَخَذَهُ حَنِثَ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: لَا تَأْخُذُ حَقَّكَ عَلَيَّ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: لَا، كَقَوْلِهِ: وَلَا أُعْطِيكَهُ. (وَقُدِّرَ الْفِرَاقُ مَا عَدَّهُ النَّاسُ فِرَاقًا كَفُرْقَةِ الْبَيْعِ) لِأَنَّ الشَّرْعَ رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا، وَلَمْ يُبَيِّنْ مِقْدَارَهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إِلَى الْعَادَةِ، كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ [بَابُ النَّذْرِ] [تَعْرِيفُ النذر وَدَلِيلُ مَشْرُوعِيَّتِهِ] بَابُ النَّذْرِ يُقَالُ: نَذَرْتُ أَنْذُرُ ـ بِكَسْرِ الذَّالِ وَضَمِّهَا ـ نَذْرًا، فَأَنَا نَاذِرٌ، أَيْ: أَوْجَبَ عَلَى نَفْسِهِ شَيْئًا تَبَرُّعًا، وَالْأَصْلُ فِيهِ بَعْدَ الْإِجْمَاعِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧] ، ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج: ٢٩] ، وَقَوْلُهُ ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَيَتَعَيَّنُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا

стр. 3270

كَافِرًا، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ، وَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ، وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ، لَمْ يَنْعَقِدْ. وَالنَّذْرُ ــ [المبدع في شرح المقنع] يُسْتَحَبُّ، لِنَهْيِهِ ﵇ عَنْهُ، وَقَالَ: «إِنَّهُ لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ، وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهَذَا نَهْيُ كَرَاهَةٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَرَامًا، لَمَا مَدَحَ الْمُوفِينَ بِهِ، لَأَنَّ ذَمَّهُمْ مِنَ ارْتِكَابِ الْمُحَرَّمِ أَشَدُّ مِنْ طَاعَتِهِمْ فِي وَفَائِهِ، وَلَوْ كَانَ مُسْتَحَبًّا لَفَعَلَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: لَا يَرُدُّ قَضَاءً، وَلَا يَمْلِكُ بِهِ شَيْئًا مُحْدَثًا، وَتَوَقَّفَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي تَحْرِيمِهِ، وَحَرَّمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْمَذْهَبُ مُبَاحٌ (وَهُوَ: أَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا) يَحْتَرِزُ بِهِ عَنِ الْوَاجِبِ بِالشَّرْعِ، فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِلَّا مَعَ دَلَالَةِ حَالٍ، وَفِي الْمَذْهَبِ: بِشَرْطِ إِضَافَتِهِ، فَيَقُولُ: لِلَّهِ عَلَيَّ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ) فَلَا يَنْعَقِدُ مِنْ غَيْرِ مُكَلَّفٍ، كَالْإِقْرَارِ وَكَالطِّفْلِ، (مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا) ذَكَرَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرِهِ: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَشَرْطُهُ: أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا، أَمَّا الْأَوَّلُ، فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا الثَّانِي فَيَصِحُّ مِنْهُ، وَلَوْ بِعِبَادَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِحَدِيثِ عُمَرَ: إِنِّي كُنْتُ نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «أَوْفِ بِنَذْرِكَ.» وَهُوَ قَوْلُ الْمُغِيرَةِ، وَالْمَخْزُومِيِّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَابْنِ جَرِيرٍ، وَقَالَ الْأَكْثَرُ: لَا يَصِحُّ نَذْرُهُ، وَحَمَلُوا خَبَرَ عُمَرَ عَلَى النَّدْبِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ مِنْهُ غَيْرَ عِبَادَةٍ، لِأَنَّ نَذْرَهُ لَهَا كَالْعِبَادَةِ لَا الْيَمِينِ (وَلَا يَصِحُّ إِلَّا بِالْقَوْلِ) لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ بِغَيْرِهِ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، (وَإِنْ نَوَاهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ لَمْ يَصِحَّ) كَالْيَمِينِ (وَلَا يَصِحُّ فِي مُحَالٍ وَلَا وَاجِبٍ، فَلَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ أَمْسِ، أَوْ صَوْمُ رَمَضَانَ، لَمْ يَنْعَقِدْ) وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْمُسْتَحِيلِ، كَصَوْمِ أَمْسِ، قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، لِأَنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ انْعِقَادُهُ، وَالْوَفَاءُ بِهِ أَشْبَهَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُسْتَحِيلِ، وَقِيلَ: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ، وَمُوجِبُهُ مُوجِبُهَا، إِلَّا فِي لُزُومِ الْوَفَاءِ بِهِ إِذَا كَانَ قُرْبَةً، وَأَمْكَنَهُ فِعْلُهُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ﵇ لِأُخْتِ عُقْبَةَ، لَمَّا نَذَرَتِ الْمَشْيَ، وَلَمْ تُطِقْهُ، فَقَالَ: «لِتُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهَا، وَلْتَرْكَبْ» ، وَفِي رِوَايَةٍ:

стр. 3271

الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ، فَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ. الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ أَوِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوِ الصَّدَقَةُ بِمَالِي، فَهَذَا يَمِينٌ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ. الثَّالِثُ: نَذْرُ ــ [المبدع في شرح المقنع] «وَلْتَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» . قَالَ أَحْمَدُ: أَذْهَبُ إِلَيْهِ، وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَلِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْيَمِينِ فِي أَحَدِ أَقْسَامِهِ، وَهُوَ نَذْرُ اللَّجَاجِ، فَكَذَلِكَ فِي سَائِرِهِ، سِوَى مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ. الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُ الْوَاجِبِ، كَصَوْمِ رَمَضَانَ، قَالَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا، لِأَنَّ النَّذْرَ الْتِزَامٌ، وَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُ مَا هُوَ لَازِمٌ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَنْعَقِدُ مُوجِبًا لِكَفَّارَةِ يَمِينٍ إِنْ تَرَكَهُ، كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَفْعَلُهُ فَفَعَلَهُ، فَإِنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ. فَرْعٌ: مَنْ نَذَرَ فِعْلَ وَاجِبٍ أَوْ حَرَامٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مُبَاحٍ، انْعَقَدَ نَذْرُهُ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ إِنْ لَمْ يَفْعَلْ، مَعَ بَقَاءِ الْوُجُوبِ وَالتَّحْرِيمِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالْإِبَاحَةِ بِحَالِهِنَّ، كَمَا لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: أَنَّهُ لَاغٍ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ. [أَقْسَامُ النَّذْرِ] [الْقِسْمُ الْأَوَّلُ النَّذْرُ الْمُطْلَقُ] (وَالنَّذْرُ الْمُنْعَقِدُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ، وَهُوَ: أَنْ يَقُولَ: لِلَّهِ عَلَيَّ نَذْرٌ) وَلَا نِيَّةَ لَهُ، وَفَعَلَهُ (فَتَجِبُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) وِفَاقًا لِلْأَكْثَرِ، لِمَا رَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَرْفُوعًا: «كَفَّارَةُ النَّذْرِ إِذَا لَمْ يُسَمَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَجَابِرٌ، وَعَائِشَةُ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي عَصْرِهِمْ. [الْقِسْمُ الثَّانِي نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ] (الثَّانِي: نَذْرُ اللَّجَاجِ وَالْغَضَبِ، وَهُوَ مَا) عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ (يُقْصَدُ بِهِ الْمَنْعُ مِنْ شَيْءٍ، أَوِ الْحَمْلُ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ: إِنْ كَلَّمْتُكَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ الْحَجُّ، أَوْ صَوْمُ سَنَةٍ، أَوْ عِتْقُ عَبْدِي، أَوِ الصَّدَقَةُ بِمَالِي فَهَذَا) إِنْ وُجِدَ شَرْطُهُ فَهُوَ (يَمِينٌ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَالتَّكْفِيرِ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا نَذْرَ فِي غَضَبٍ، وَكَفَّارَتُهُ

стр. 3272

الْمُبَاحِ، كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَهَذَا كَالْيَمِينِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ. وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كَالطَّلَاقِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا يَفْعَلَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَلِأَنَّهَا يَمِينٌ فَيَتَخَيَّرُ فِيهَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ، كَالْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، لِأَنَّ هَذَا جَمْعٌ لِلصِّفَتَيْنِ، فَيَخْرُجُ عَنِ الْعُهْدَةِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَعَنْهُ: يَتَعَيَّنُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ لِلْخَبَرِ، وَفِي الْوَاضِحِ: يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِمَا قَالَ، نَقَلَ صَالِحٌ: إِذَا فَعَلَ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ فَلَا كَفَّارَةَ بِلَا خِلَافٍ، وَلَا يَضُرُّ قَوْلُهُ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُلْزِمُ بِذَلِكَ، أَوْ لَا أُقَلِّدُ مَنْ يَرَى الْكَفَّارَةَ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَا يَتَغَيَّرُ بِتَوْكِيلٍ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ كَأَنْتِ طَالِقٌ بَتَّةً، قَالَ شَيْخُنَا: وَإِنْ قَصَدَ لُزُومَ الْجَزَاءِ عِنْدَ الشَّرْطِ لَزِمَهُ مُطْلَقًا عِنْدَ أَحْمَدَ، نَقَلَ الْجَمَاعَةُ فِيمَنْ حَلَفَ بِحَجَّةٍ: إِنْ أَرَادَ يَمِينًا كَفَّرَ يَمِينَهُ، وَإِنْ أَرَادَ نَذْرًا فَعَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ. فَرْعٌ: إِذَا قَالَ: إِنْ فَعَلْتُ كَذَا فَعَبْدِي حُرٌّ، فَفَعَلَهُ عُتِقَ، لِأَنَّ الْعِتْقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ بِشَرْطٍ، أَشْبَهَ الطَّلَاقَ، وَإِنْ قَالَ: إِنْ بِعْتُكَ ثَوْبِي فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَقَالَ: فَإِنِ اشْتَرَيْتُهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ، فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ، لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ وَابْنُ حَمْدَانَ. [الْقِسْمُ الثَّالِثُ نَذْرُ الْمُبَاحِ] (الثَّالِثُ: نَذْرُ الْمُبَاحِ كَقَوْلِهِ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَلْبَسَ ثَوْبِي، أَوْ أَرْكَبَ دَابَّتِي، فَهَذَا كَالْيَمِينِ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ فِعْلِهِ، وَبَيْنَ كَفَّارَةِ الْيَمِينِ) لِمَا سَبَقَ، وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ.» وَلِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ إِذَا هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ، نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فِي الشَّمْسِ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَتَكَلَّمَ، وَأَنْ يَصُومَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : مُرُوهُ، فَلْيَتَكَلَّمْ، وَلْيَسْتَظِلَّ، وَلْيَقْعُدْ، وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. فَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ، فَإِنْ وَفَى بِهِ أَجْزَأَهُ، «لِأَنَّ امْرَأَةً أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَضْرِبَ عَلَى رَأْسِكَ بِالدُّفِّ، فَقَالَ: فَأَوْفِ بِنَذْرِكِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ بِمَعْنَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَلَفَ عَلَى فِعْلٍ مُبَاحٍ بَرَّ بِفِعْلِهِ، فَكَذَا إِذَا نَذَرَهُ، لَأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ. (وَإِنْ نَذَرَ مَكْرُوهًا كَالطَّلَاقِ اسْتُحِبَّ أَنْ يُكَفِّرَ) لِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ نَذْرِهِ (وَلَا يَفْعَلَهُ)

стр. 3273

الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ وَيُكَفَّرُ، إِلَّا أَنْ يَنْذِرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ كَذَلِكَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّ تَرْكَ الْمَكْرُوهِ أَوْلَى، فَإِنْ فَعَلَهُ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالْخِلَافُ فِيهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ. [الْقِسْمُ الرَّابِعُ نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ] (الرَّابِعُ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ، كَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَصَوْمِ يَوْمِ الْحَيْضِ) وَفِيهِ وَجْهٌ، كَصَوْمِ يَوْمِ عِيدٍ، جَزَمَ بِهِ فِي التَّرْغِيبِ (وَيَوْمِ النَّحْرِ، فَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ) لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ.» (وَيُكَفِّرُ) فِي الثَّلَاثَةِ، وَقَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِمْرَانُ، وَسَمُرَةُ، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ، احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَلِأَنَّ النَّذْرَ حُكْمُهُ حُكْمُ الْيَمِينِ، وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا نَذْرَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ، فَهَذَا مِمَّا لَا يَمْلِكُ، وَإِنْ كَفَّرَ فَهُوَ أَعْجَبُ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَنَقَلَ الشَّالَنْجِيُّ: إِذَا نَذَرَ نَذْرًا يَجْمَعُ فِي يَمِينِهِ الْبِرَّ وَالْمَعْصِيَةَ، يُنَفِّذُ فِي الْبِرِّ، وَيُكَفِّرُ فِي الْمَعْصِيَةِ، وَإِذَا نَذَرَ نُذُورًا كَثِيرَةً لَا يُطِيقُهَا، أَوْ مَا لَا يَمْلِكُ، فَلَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمِثْلُهُ نَذْرُ سِرَاجِ بِئْرٍ وَشَجَرَةٍ مُجَاوِرَةٍ عِنْدَهُ، قَالَ: مَنْ يُعَظِّمُ شَجَرَةً، أَوْ جَبَلًا، أَوْ مَغَارَةً، أَوْ مَقْبَرَةً، إِذَا نَذَرَ لَهُ، أَوْ لِسُكَّانِهِ، أَوْ لِلْمُضَافِينَ إِلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ، لَمْ يَجُزْ، وَلَا يَجُوزُ الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (إِلَّا أَنْ يَنْذُرَ نَحْرَ وَلَدِهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ كَذَلِكَ) ذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْلِهِ: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . وَلِأَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ، أَشْبَهَ نَذْرَ ذَبْحِ أَخِيهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: وَلِأَنَّ مَا يُوجِبُ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ أَوْجَبَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ إِذَا عَلَّقَهُ عَلَى وَلَدِهِ

стр. 3274

وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ، وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ، وَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ أَوِ الِاعْتِكَافَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ، فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا ــ [المبدع في شرح المقنع] كَالْقَسَمِ، وَأَبُوهُ وَكُلُّ مَعْصُومٍ كَالْوَلَدِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَاخْتَارَهُ فِي الِانْتِصَارِ مَا لَمْ نَقِسْ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ، وَعَلَى قِيَاسِهِ الْعَمُّ وَالْأَخُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ بَيْنَهُمْ وِلَايَةً. (وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ ذَبْحُ كَبْشٍ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ: هِيَ أَظْهَرُ، وَرَوَاهُ سَعِيدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الْكَبْشَ عِوَضًا عَنْ ذَبْحِ إِسْمَاعِيلَ، بَعْدَ أَنْ أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِهِ، وَقَدْ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ بِاتِّبَاعِ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ، وَنَذْرُ الْآدَمِيِّ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْإِلْزَامَ، كَالْأَمْرِ قَبْلَ إِمْكَانِهِ، وَيُفَرِّقُهُ عَلَى الْمَسَاكِينِ، وَقِيلَ: كَهَدْيٍ، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يَلْزَمَانِهِ، وَعَنْهُ: إِنْ قَالَ: إِنْ فَعَلْتُهُ فَعَلَيَّ كَذَا، أَوْ نَجَزَهُ وَقَصَدَ الْيَمِينَ فَيَمِينٌ، وَإِلَّا فَنَذْرُ مَعْصِيَةٍ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ النَّذْرِ وَالْيَمِينِ، وَلَوْ نَذَرَ طَاعَةً حَالِفًا بِهَا أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ بِلَا خِلَافٍ عَنْ أَحْمَدَ، فَكَيْفَ لَا يُجْزِئُهُ إِذَا نَذَرَ مَعْصِيَةً حَالِفًا بِهَا؛ فَعَلَى رِوَايَةِ حَنْبَلٍ يَلْزَمَانِ النَّاذِرَ، وَالْحَالِفُ تُجْزِئُهُ كَفَّارَةٌ. فَرْعٌ: إِذَا كَانَ بَنُوهُ ثَلَاثَةً، وَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدَهُمْ، لَزِمَهُ ثَلَاثَةُ كِبَاشٍ، أَوْ ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ، ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: لِأَنَّ لَفْظَ الْوَاحِدِ إِذَا أُضِيفَ اقْتَضَى الْعُمُومَ (وَيُحْتَمَلُ أَلَّا يَنْعَقِدَ نَذْرُ الْمُبَاحِ وَلَا الْمَعْصِيَةِ) لِحَدِيثِ أَبِي إِسْرَائِيلَ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: نَذَرَتْ «أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَاسْتَفْتَيْتُ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: لِتَمْشِ، وَلْتَرْكَبْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ. وَذَكَرَ الْآدَمِيُّ: نَذْرُ شُرْبِ الْخَمْرِ لَغْوٌ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ، وَقَدَّمَ ابْنُ رَزِينٍ: نَذْرُ الْمَعْصِيَةِ لَغْوٌ، قَالَ: وَنَذْرُهُ لِشَيْخٍ مُعَيَّنٍ حَيٍّ لِلِاسْتِعَانَةِ وَقَضَاءِ الْحَاجَةِ كَحَلِفِهِ بِغَيْرِهِ (وَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، لِأَنَّ قَوْلَهُ ﵇: «لَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . أَيْ: لَا نَذْرَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي انْعِقَادِهِ مُوجِبًا لِلْكَفَّارَةِ، ثُمَّ أَكَّدَ الِاحْتِمَالَ بِقَوْلِهِ: (وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ نَذَرَ الصَّلَاةَ أَوْ الِاعْتِكَافَ فِي مَكَانٍ مُعَيَّنٍ) غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ (فَلَهُ فِعْلُهُ فِي غَيْرِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) فَجَعَلُوا ذَلِكَ مِنْهُ، وَفِيهِ نَظَرٌ.

стр. 3275

كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفٍ لَزِمَهُ جَمِيعُهَا، وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] فَائِدَةٌ: قَالَ فِي الْفُنُونِ: يُكْرَهُ إِشْعَالُ الْقُبُورِ وَتَبْخِيرُهَا، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ نَذَرَ قِنْدِيلَ نَقْدٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ : يَصْرِفُ لِجِيرَانِهِ ﵇ قِيمَتَهُ، وَأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنَ الْخَتْمَةِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ كَمَنْ وَقَفَهُ عَلَى مَسْجِدٍ لَا يَصِحُّ فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: يَصِحُّ فَيَكْسِرُ، وَهُوَ لِمَصْلَحَتِهِ، (وَلَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ، فَلَهُ الصَّدَقَةُ بِثُلُثِهِ، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ) اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْكَافِي وَالشَّرْحِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِقَوْلِ كَعْبٍ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ : «إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي قِصَّةِ تَوْبَةِ أَبِي لُبَابَةَ: «وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : يُجْزِئُ عَنْكَ الثُّلُثُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّ الصَّدَقَةَ بِالْجَمِيعِ مَكْرُوهٌ، قَالَ فِي الرَّوْضَةِ: لَيْسَ لَنَا فِي نَذْرِ الطَّاعَةَ مَا يُجْزِئُ بَعْضُهُ إِلَّا هَذَا الْمَوْضِعُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، قَطَعَ بِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ بِوُجُوبِهَا، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، لِقَوْلِهِ ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . وَإِذَا لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ، هَلْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا يَمْلِكُهُ أَوِ الصَّامِتَ خَاصَّةً؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ. فَرْعٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ أَوْ بِبَعْضِهِ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمَّا يَمْلِكُهُ، أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ، فَإِنْ نفذ هَذَا الْمَالُ وَأَنْشَأَ غَيْرَهُ فَقَضَى دَيْنَهُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُ ثُلُثِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ، وَفِي الْهَدْيِ: يَوْمَ نَذْرِهِ، وَهُوَ صَحِيحٌ، وَفِيهِ: أَنَّهُ يُخْرِجُ قَدْرَ الثُّلُثِ يَوْمَ نَذْرِهِ، وَلَا يُسْقِطُ مِنْهُ قَدْرَ دَيْنِهِ (وَإِنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِأَلْفٍ لَزِمَهُ جَمِيعُهَا) قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ، لِأَنَّهُ مَنْذُورٌ وَهُوَ قُرْبَةٌ، أَشْبَهَ سَائِرَ الْمَنْذُورَاتِ (وَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ) قَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ، لِأَنَّهُ مَالُ نَذْرٍ لِلصَّدَقَةِ، فَأَجْزَأَهُ ثُلُثُهُ لِجَمِيعِ الْمَالِ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَإِنَّمَا خُولِفَ هَذَا فِي جَمِيعِ الْمَالِ لِلْأَثَرِ فِيهِ، وَلِمَا فِي الصَّدَقَةِ بِالْمَالِ كُلِّهِ مِنَ الضَّرَرِ اللَّاحِقِ بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ

стр. 3276

فَصْلٌ الْخَامِسُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ، كَنَذْرِ الصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ، فَقَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي أَوْ سَلَّمَ مَالِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ صَوْمُ رَمَضَانَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمَنْذُورُ هَاهُنَا يَسْتَغْرِقُ جَمِيعَ الْمَالِ، فَيَكُونَ كَنَذْرِ ذَلِكَ، وَعَنْهُ: إِنْ زَادَ عَلَى ثُلُثِ الْكُلِّ أَجْزَأَهُ قَدْرُ الثُّلْثِ، صَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَفِيمَا عَدَا ذَلِكَ يَلْزَمُ الْمُسَمَّى رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ: إِنْ قَالَ: إِنْ مَلَكْتُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَهِيَ صَدَقَةٌ، إِنْ كَانَ عَلَى جِهَةِ الْيَمِينِ أَجْزَأَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ أَرَادَ النَّذْرَ أَجْزَأَهُ الثُّلُثُ. فَرْعٌ: إِذَا حَلَفَ أَوْ نَذَرَ لَا رَدَدْتُ سَائِلًا، فَقِيَاسُ قَوْلِنَا: إِنَّهُ كَمَنْ حَلَفَ أَوْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِمَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَحَصَّلْ لَهُ إِلَّا مَا يَحْتَاجُهُ، فَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِثُلُثِهِ الزَّائِدِ، وَحَبَّةُ بُرٍّ لَيْسَتْ سُؤَالَ السَّائِلِ، وَالْمَقَاصِدُ مُعْتَبَرَةٌ، وَيُحْتَمَلُ خُرُوجُهُ مِنْ نَذْرِهِ بِحَبَّةِ بُرٍّ لِتَعْلِيقِ حُكْمِ الرِّبَا عَلَيْهَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُنُونِ. [الْقِسْمُ الْخَامِسُ نَذْرُ التَّبَرُّرِ] فَصْلٌ (الْخَامِسُ: ١ نَذْرُ التَّبَرُّرِ) وَهُوَ التَّقَرُّبُ، يُقَالُ: تَبَرَّرَ تَبَرُّرًا، أَيْ: تَقَرَّبَ تَقَرُّبًا (كَنَذْرِ الصِّيَامِ، وَالصَّلَاةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَالِاعْتِكَافِ، وَالْحَجِّ، وَالْعُمْرَةِ، وَنَحْوِهَا مِنَ التَّقَرُّبِ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ) كَعِيَادَةِ مَرِيضٍ وَنَحْوِهِ (سَوَاءٌ نَذَرَهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَّقَهُ بِشَرْطٍ يَرْجُوهُ) لِشُمُولِهِ لَهُمَا (فَقَالَ: إِنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، أَوْ سَلَّمَ مَالِي، فَلِلَّهِ عَلَيَّ كَذَا، فَمَتَى وُجِدَ شَرْطُهُ انْعَقَدَ نَذْرُهُ، وَلَزِمَهُ فِعْلُهُ) أَقُولُ: نَذْرُ التَّبَرُّرِ، وَهُوَ نَذْرُ الْمُسْتَحَبِّ، يَتَنَوَّعُ أَنْوَاعًا، مِنْهَا: مَا إِذَا كَانَ فِي مُقَابَلَةِ نِعْمَةٍ اسْتَجْلَبَهَا، أَوْ نِقْمَةٍ اسْتَدْفَعَهَا، وَتَكُونُ الطَّاعَةُ الْمُلْتَزِمَةُ مِمَّا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرْعِ، فَلِهَذَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ إِجْمَاعًا، وَكَذَا إِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَقُدُومِ الْحَاجِّ، قَالَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، أَوْ فَعَلْتُ كَذَا لِدَلَالَةِ الْحَالِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ فِي: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ تَصَدَّقْتُ بِكَذَا وَكَذَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِيمَنْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلَانٌ أَصُومُ كَذَا: هَذَا نَذْرٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ نِزَاعًا، وَقَوْلُ الْقَائِلِ: لَإِنِ ابْتَلَانِي اللَّهُ

стр. 3277

وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ، وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ، وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيِ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَأَصْبِرَنَّ، وَلَإِنْ لَقِيتُ عَدُوَّ اللَّهِ لَأُجَاهِدَنَّ، نَذْرٌ مُعَلَّقٌ بِشَرْطٍ، كَقَوْلِ الْآخَرِ: ﴿لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٧٥] ، وَمِنْهَا الْتِزَامُ طَاعَةٍ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، كَقَوْلِهِ ابْتِدَاءً: لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ كَذَا، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ أَكْثَرِهِمْ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ، لِقَوْلِ أَبِي عَمْرٍو، غُلَامِ ثَعْلَبٍ: النَّذْرُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَعْدٌ بِشَرْطٍ، لِأَنَّ مَا الْتَزَمَهُ الْآدَمِيُّ بَعِوَضٍ يَلْزَمُهُ كَالْبَيْعِ، وَمَا الْتَزَمَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَا يَلْزَمُهُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْهِبَةِ، وَمِنْهَا نَذْرُ طَاعَةٍ لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْوُجُوبِ، كَالِاعْتِكَافِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ، فَيَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي قَوْلِ الْعَامَّةِ، لِقَوْلِهِ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ.» وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذَمَّ الَّذِينَ يَنْذُرُونَ وَلَا يُوفُونَ، وَلِأَنَّهُ الْتِزَامٌ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ، فَلَزِمَهُ لِمَوْضِعِ الْإِجْمَاعِ، وَكَالْعُمْرَةِ فَإِنَّهُمْ سَلَّمُوهَا وهي غير وَاجِبَة عِنْدَهُمْ، وَمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي عَمْرٍو لَا يَصِحُّ، فَإِنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الْمُلْتَزَمَ نَذْرًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِشَرْطٍ، وَالْجِعَالَةُ وَعْدٌ بِشَرْطٍ، وَلَيْسَتْ بِنَذْرٍ. مَسَائِلُ: إِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ، وَعَلَيْهِ حَجَّةُ الْإِسْلَامِ، فَعَنْهُ: يُجْزِئُهُ الْحَجُّ عَنْهُمَا، وَعَنْهُ: تَلْزَمُهُ حَجَّةٌ أُخْرَى، أَصْلُهُمَا: إِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ، فَوَافَقَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، وَإِذَا نَذَرَ صِيَامًا، وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا، أَجْزَأَهُ صَوْمُ يَوْمٍ بِلَا خِلَافٍ، وَيَنْوِيهِ لَيْلًا، اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَإِذَا نَذَرَ صَلَاةً مُطْلَقَةً لَزِمَهُ رَكْعَتَانِ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ الرَّكْعَةَ لَا تُجْزِئُ فِي فَرْضٍ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ رَكْعَةٌ بِنَاءً عَلَى التَّنَفُّلِ بِهَا، فَدَلَّ أَنَّ فِي لُزُومِهَا قَائِمًا الْخِلَافُ. وَإِنْ نَذَرَهَا قَائِمًا لَمْ تَجُزْ جَالِسًا، وَلَوْ عَكَسَ جَازَ، فَإِنْ صَلَّى جَالِسًا لِعَجْزٍ كَفَى، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، هِيَ بِمَوْضِعِ غَصْبٍ مَعَ الصِّحَّةِ، وَلَهُ الصَّلَاةُ قَائِمًا مِنْ نَذْرٍ جَالِسًا، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، كَشَرْطِ تَفْرِيقِ صَوْمٍ، وَفِي النَّوَادِرِ: لَوْ نَذَرَ أَرْبَعًا بِتَسْلِيمَتَيْنِ، أَوْ أَطْلَقَ، لَمْ يَجِبْ، وَيَتَوَجَّهُ عَكْسُهُ إِنْ عَيَّنَ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ، وَالْمَنْصُوصُ لَوْ حَلَفَ يَقْصِدُ التَّقَرُّبَ، بِأَنْ قَالَ: وَاللَّهِ لَإِنْ سَلِمَ مَالِي لِأَتَصَدَّقَنَّ بِكَذَا، فَوَجَدَ شَرْطَهُ، لَزِمَهُ فِعْلُهُ، وَيَجُوزُ فِعْلُهُ قَبْلَهُ، ذَكَرَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالْفُنُونِ، لِوُجُودِ أَحَدِ سَبَبَيْهِ، وَمَنَعَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، لِأَنَّ تَعْلِيقَهُ مَنَعَ كَوْنَهُ سَبَبًا [إِذَا نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ] (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ سَنَةٍ) مُعَيَّنَةٍ (لَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ صَوْمُ رَمَضَانَ وَيَوْمَا الْعِيدَيْنِ) لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ الصَّوْمُ عَنِ النَّذْرِ، فَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ كَاللَّيْلِ (وَفِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ رِوَايَتَانِ) وَهُمَا مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ صَوْمَهَا عَنِ الْفَرْضِ هَلْ هُوَ جَائِزٌ، أَمْ لَا؟ (وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ

стр. 3278

الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ، أَفْطَرَ وَقَضَى وَكَفَّرَ، وَعَنْهُ: يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ، وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ صَحَّ صَوْمُهُ، وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ، فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ فَقَدِمَ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا، فَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَى أَنَّهُ يَقْضِي يَوْمَيِ الْعِيدَيْنِ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ) فَيَتَنَاوَلُهَا نَذْرُهُ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَحْرِيمِ صَوْمِهَا عَنِ الْفَرْضِ، وَيُكَفِّرُ فِي الْأَصَحِّ، لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ، وَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» وَعَنْهُ: يَتَنَاوَلُ أَيَّامَ النَّهْيِ دُونَ أَيَّامِ رَمَضَانَ، فَإِنْ وَجَبَ فَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَمَا أَفْطَرَهُ بِلَا عُذْرٍ قَضَاهُ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، فَإِنْ قَالَ: سَنَةً، وَأَطْلَقَ، فَيَصُومُ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا سِوَى رَمَضَانَ وَأَيَّامِ النَّهْيِ، وَيَقْضِيهِمَا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: وَكَفَّرَ كَفَّارَةَ يَمِينٍ فِي الْأَقْيَسِ، وَإِنْ شَرَطَ التَّتَابُعَ فِي رِوَايَةٍ، وَعَيَّنَ أَوَّلَهُمَا، فَفِي الْقَضَاءِ وَجْهَانِ، وَمَعَ جَوَازِ التَّفَرُّقِ تُكْمَلُ أَيَّامُهَا، وَقِيلَ: بَلَى عِدَّةَ الشُّهُورِ، قَالَ فِي التَّرْغِيبِ: يَصُومُ مَعَ التَّفْرِيقِ ثَلَاثَمِائَةٍ وَسِتِّينَ يَوْمًا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِنْ صَامَهَا مُتَتَابِعَةً فَهِيَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ نُقْصَانٍ أَوْ تَمَامٍ، وَإِنْ قَالَ سَنَةً مِنَ الْآنِ فَكَمُعَيَّنَةٍ، وَقِيلَ: كَمُطْلَقَةٍ فِي لُزُومِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا لِلنَّذْرِ (وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسَ، فَوَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ أَوْ حَيْضٍ، أَفْطَرَ) لِأَنَّ الشَّرْعَ حَرَّمَ صَوْمَهُ، (وَقَضَى) لِأَنَّهُ فَاتَهُ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ، (وَكَفَّرَ) وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، لِعَدَمِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَكَمَا لَوْ فَاتَهُ لَمَرَضٍ، وَفِي الرِّعَايَةِ: إِنَّ مَنِ ابْتَدَأَ بِصَوْمِ كُلِّ اثْنَيْنٍ وَخَمِيسٍ لَزِمَهُ، فَإِنْ صَادَفَ مَرَضًا أَوْ حَيْضًا غَيْرَ مُعْتَادٍ قَضَى، وَقِيلَ: وَكَفَّرَ، كَمَا لَوْ صَادَفَ عِيدًا، وَعَنْهُ: تَكْفِي الْكَفَّارَةُ عَنْهُمَا، وَقِيلَ: لا قَضَاء، وَلَا كَفَّارَةَ مَعَ حَيْضٍ وَعِيدٍ، (وَعَنْهُ: يُكَفِّرُ مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ) كَمَا لَوْ نَذَرَتِ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا (وَنُقِلَ عَنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إِنْ صَامَ يَوْمَ الْعِيدِ صَحَّ صَوْمُهُ) لِأَنَّهُ وَفَّى بِنَذْرِهِ (وَإِنْ وَافَقَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ فَهَلْ يَصِحُّ صَوْمُهُ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) وَذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ صَوْمِهَا عَنِ الْفَرْضِ، لِأَنَّ النَّذْرَ إِذَا صَادَفَ زَمَنًا قَابِلًا لِلصَّوْمِ وَجَبَ الْوَفَاءُ بِهِ، وَإِلَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَفِي الْمُغْنِي رِوَايَةٌ رَابِعَةٌ: أَنَّهُ يَقْضِي، وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ يَقْدَمُ فُلَانٌ) صَحَّ نَذْرُهُ، وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: لَا، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ الْيَوْمَ الَّذِي قَبْلَ الْيَوْمِ الَّذِي يَقْدَمُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ: أَنَّهُ زَمَنٌ يَصِحُّ فِيهِ صَوْمُ التَّطَوُّعِ، فَانْعَقَدَ نَذْرُهُ لِصَوْمِهِ كَمَا لَوْ أَصْبَحَ صَائِمًا تَطَوُّعًا، وَقَالَ: لِلَّهِ

стр. 3279

عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَوَاءٌ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ أَوْ صَائِمٌ، وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ يَوْمِي، وَلَا نُسَلِّمُ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَلِمَ قُدُومَهُ مِنَ اللَّيْلِ فَنَوَى صَوْمَهُ، وَكَانَ صَوْمًا يَجُوزُ فِيهِ صَوْمُ النَّذْرِ أَجْزَأَهُ (فَقَدِمَ لَيْلًا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) عِنْدَ الْجَمِيعِ، لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ شَرْطُهُ، فَلَمْ يَجِبْ نَذْرُهُ، وَلَا يَلْزَمْهُ أَنْ يَصُومَ صَبِيحَتَهُ، وَفِي الْمُنْتَخَبِ: يُسْتَحَبُّ (وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا) وَهُوَ مُفْطِرٌ، فَالْمَذْهَبُ يَقْضِي، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ كَقُدُومِهِ لَيْلًا، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ (فَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ صَوْمُهُ بَعْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا إِتْمَامُ صِيَامِ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ أَفْطَرَ) كَمَا لَوْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ بَقِيَّةَ يَوْمِي، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَتَّبًا عَلَى عَدَمِ الِانْعِقَادِ، لِأَنَّهُ لَا وَجْهَ لَهُ (وَعَنْهُ: أَنَّهُ يَقْضِي وَيُكَفِّرُ، سَوَاءٌ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ) لِأَنَّهُ أَفَطَرَ مَا نَذَرَ صَوْمَهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمِ الْخَمِيسِ فَلَمْ يَصُمْهُ، (أَوْ صَائِمٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الصَّوْمَ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِنْ قَدِمَ وَلَمْ يُفْطِرْ، فَنَوَى، أَجْزَأَهُ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُوجَبَ النَّذْرِ الصَّوْمُ مِنْ قُدُومِهِ، وَعَلَى الْقَضَاءِ يُكَفِّرُ، اخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَعَنْهُ: لَا، كَالْأُخْرَى، وَإِنَّ مَنْ نَذَرَ صَوْمَ يَوْمٍ أَكَلَ فِيهِ قَضَى فِي وَجْهٍ، وَفِي الِانْتِصَارِ: وَيُكَفِّرُ (وَإِنْ وَافَقَ قُدُومُهُ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ، فَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يُجْزِئُهُ صِيَامُهُ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ) لِأَنَّهُ نَذَرَ صَوْمَهُ، وَقَدْ وَفَى بِهِ، وَكَوْنُهُ يُجْزِئُهُ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ النَّذْرَ صَحِيحٌ مُنْعَقِدٌ، صَرَّحَ بِهِ فِي الْمُغْنِي، وَصَحَّحَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَقَالَ الْقَاضِي: ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّ النَّذْرَ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ، لِأَنَّ نَذْرَهُ وَافَقَ زَمَنًا يَسْتَحِقُّ صِيَامُهُ، كَمَا لَوْ نَذَرَ صِيَامَ رَمَضَانَ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِأَنَّهُ نَذْرُ طَاعَةٍ يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ غَالِبًا (وَقَالَ غَيْرُهُ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَصُمْهُ عَنْ نَذْرِهِ (وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ. إِحْدَاهُمَا: تَجِبُ الْكَفَّارَةُ، وَهِيَ أَشْهَرُ، لِتَأَخُّرِ النَّذْرِ عَنْ زَمَنِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، لِأَنَّهُ أَخَّرَهُ لِعُذْرٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَّرَ صَوْمَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَعَنْهُ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ لِمَا يَأْتِي، فَعَلَى الْأَوَّلِ: يُكَفِّرُ إِنْ لَمْ يَصُمْهُ، وَعَنْهُ: يَكْفِيهِ لِرَمَضَانَ وَنَذْرِهِ، وَفِي نِيَّةِ

стр. 3280

وَلَا كَفَّارَةَ. وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ. وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ ــ [المبدع في شرح المقنع] نَذْرِهِ وَجْهَانِ، وَفِي الْفُصُولِ: لَا يَلْزَمُهُ صَوْمُ آخَرَ، لِأَنَّ صَوْمَهُ أَغْنَى عَنْهُمَا، بَلْ لِتَعَذُّرِهِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَ أَيْضًا: إِذَا نَوَى صَوْمَهُ عَنْهُمَا، فَقِيلَ: لَغْوٌ، وَقِيلَ: يُجْزِئُهُ عَنْ رَمَضَانَ (وَإِنْ وَافَقَ يَوْمَ نَذْرِهِ وَهُوَ مَجْنُونٌ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ) لِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ قَبْلَ وَقْتِ النَّذْرِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَاتَهُ. وَبَقِيَ هُنَا مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا قَدِمَ يَوْمَ عِيدٍ، فَعَنْهُ: لَا يَصُومُهُ وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ. وَعَنْهُ: يَقْضِي فَقَطْ كَالْمُكْرَهِ، وَعَنْهُ: إِنْ صَامَهُ صَحَّ، كَمَا لَوْ نَذَرَ مَعْصِيَةً وَفَعَلَهَا، وَقِيلَ: يُكَفِّرُ من غير قَضَاء، كَمَا لَوْ نَذَرَتِ الْمَرْأَةُ صَوْمَ يَوْمِ حَيْضِهَا، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ، بِنَاءً عَلَى نَذْرِ الْمَعْصِيَةِ. الثَّانِيَةُ: إِذَا وَافَقَ يَوْمَ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، فَكَمَا لَوْ وَافَقَ يَوْمَ عِيدٍ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَصُومُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، فَعَلَى هَذَا تَقْضِي وَتُكَفِّرُ عَلَى الْأَشْهَرِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا قَدِمَ وَهُوَ صَائِمٌ عَنْ نَذْرٍ مُعَيَّنٍ، فَعَنْهُ: يَكْفِيهِ لَهُمَا، وَالْأَصَحُّ يُتِمُّهُ، وَلَا يُسْتَحَبُّ قَضَاؤُهُ، بَلْ يَقْضِي نَذْرَ الْقُدُومِ، كَصَوْمِهِ فِي قَضَاءِ رَمَضَانَ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ نَذْرٍ مُطْلَقٍ. الرَّابِعَةُ: إِذَا قَدِمَ وَهُوَ صَائِمٌ تَطَوُّعًا، فَعَنْهُ: يُتِمُّهُ وَيَعْتَقِدُهُ عَنْ نَذْرِهِ، وَلَا قَضَاءَ وَلَا كَفَّارَةَ، لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجِدَ فِي بَعْضِهِ، كَمَا لَوْ نَذَرَ فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ إِتْمَامَ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ، وَقِيلَ: عَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، كَمَا لَوْ قَدِمَ وَهُوَ مُفْطِرٌ. خَاتِمَةٌ: نَذْرُ اعْتِكَافِهِ كَصَوْمِهِ، وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ وَالْفُصُولِ وَالتَّرْغِيبِ: يَقْضِي بَقِيَّةَ الْيَوْمِ لِصِحَّتِهِ فِي بَعْضِ الْيَوْمِ، إِلَّا إِذَا اشْتَرَطَ الصَّوْمَ، فَكَنَذْرِ صَوْمِهِ، وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَهُ بَعْضَ يَوْمٍ لَزِمَهُ يَوْمٌ، وَفِيهِ وَجْهٌ. [إِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ] (وَإِنْ نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ مُعَيَّنٍ فَلَمْ يَصُمْهُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ وَاجِبٌ مُعَيَّنٌ، كَقَضَاءِ رَمَضَانَ (وَكَفَّارَةُ يَمِينٍ) لِتَأَخُّرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ، لِأَنَّهُ يَمِينٌ (وَإِنْ لَمْ يَصُمْهُ لِعُذْرٍ فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ) لِمَا ذَكَرْنَا (وَفِي الْكَفَّارَةِ رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا: يُكَفِّرُ، قَدَّمَهَا فِي

стр. 3281

لَمْ يُجْزِئْهُ، وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ، وَيُكَفِّرُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ، وَيَقْضِيَ وَيُكَفِّرَ. وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ لَزِمَهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُحَرَّرِ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ لِتَأْخِيرِ النَّذْرِ عَنْ وَقْتِهِ. وَالثَّانِيَةُ: لَا، كَتَأْخِيرِ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الْمُغْنِي، لِأَنَّ النَّذْرَ كَالْيَمِينِ (وَإِنْ صَامَ قَبْلَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ) وَكَذَا الْحَجُّ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ إِذَا كَانَ لَهَا وَقْتٌ مَعْلُومٌ لَمْ يَجُزْ تَقْدِيمُهَا عَلَى وَقْتِهَا كَالصَّلَاةِ، لَكِنْ إِذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِشَيْءٍ فِي وَقْتٍ بِعَيْنِهِ، فَتَصَدَّقَ قَبْلَهُ، أَجْزَأَهُ وِفَاقًا، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَهُ الِانْتِقَالُ إِلَى زَمَنٍ أَفْضَلَ، وَأَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَصُومَ الدَّهْرَ، أَوْ صَوْمَ الْاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَلَهُ صَوْمُ يَوْمٍ وَإِفْطَارُ يَوْمٍ كَالْمَكَانِ، قَالَ: وَاسْتَحَبَّ أَحْمَدُ لِمَنْ نَذَرَ الْحَجَّ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا أَنْ يَتَمَتَّعَ، لِأَنَّهُ أَفْضَلُ (وَإِنْ أَفْطَرَ فِي بَعْضِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ اسْتِئْنَافُهُ) لِأَنَّهُ صَوْمٌ يَجِبُ مُتَتَابِعًا بِالنَّذْرِ، كَمَا لَوِ اشْتَرَطَ التَّتَابُعَ، وَيَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُهُ مُتَتَابِعًا مُتَّصِلًا بِإِتْمَامِهِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا، لِأَنَّ بَاقِيَ الشَّهْرِ مَنْذُورٌ، فَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ رَمَضَانَ وَالنَّذْرِ، أَنَّ تَتَابُعَ رَمَضَانَ بِالشَّرْعِ، وَتَتَابُعَ النَّذْرِ أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِهِ عَلَى صِفَةٍ ثُمَّ فَرَّقهَا، (وَيُكَفِّرُ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالشَّرْحِ لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ، وَقِيلَ: لَا يُكَفِّرُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَطَ التَّتَابُعَ، لِأَنَّ وُجُوبَ التَّتَابُعِ مِنْ جِهَةِ الْوَقْتِ لَا النَّذْرِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ كَشَهْرِ رَمَضَانَ، فَعَلَى هَذَا يُكَفِّرُ عَنْ فِطْرِهِ، وَيَقْضِي أَيَّامَ فِطْرِهِ بَعْدَ إِتْمَامِ صَوْمِهِ، وَهَذَا أَقْيَسُ وَأَصَحُّ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا الاحتمال رِوَايَةٌ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ (أَنْ يُتِمَّ بَاقِيَهُ) لِأَنَّ التَّتَابُعَ فِيمَا نَذَرَهُ وَجَبَ مِنْ حَيْثُ الْوَقْتُ، لَا مِنْ حَيْثُ الشَّرْطِ، فَلَمْ يُبْطِلْهُ الْفِطْرُ كَصَوْمِ رَمَضَانَ (وَيَقْضِي) كَمَا لَوْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ (وَيُكَفِّرُ) لِفَوَاتِ زَمَنِ النَّذْرِ. فَرْعٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَبْنِي وَيَقْضِي وَيُكَفِّرُ،

стр. 3282

مَعْدُودَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ، وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَعَنْهُ: لَا كَفَّارَةَ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، كَمَا لَوْ أَفْطَرَ رَمَضَانَ لِعُذْرٍ، وَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ، وَفِي وَصْلِ الْقَضَاءِ وَتَتَابُعِهِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ: يَسْتَأْنِفُ مُتَتَابِعًا، أَوْ يَبْنِي وَيُكَفِّرُ. تَنْبِيهٌ: إِذَا جُنَّ جَمِيعَ الشَّهْرِ الْمُعَيَّنِ لَمْ يَلْزَمْهُ قَضَاؤُهُ عَلَى الْأَصَحِّ َلَمْ يُكَفِّرْ، وَإِنْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ جَمِيعَ الزَّمَنِ الْمُعَيَّنِ فَعَلَيْهَا الْقَضَاءُ، كَمَا لَوْ حَاضَتْ فِي رَمَضَانَ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ. [حُكْمُ نَذْرِ الصَّوْمِ] (وَإِذَا نَذَرَ صَوْمَ شَهْرٍ) خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَصُومَ شَهْرًا بِالْهِلَالِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (لَزِمَهُ التَّتَابُعُ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ، وَصَحَّحَهُ فِي الرِّعَايَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي ثَوْرٍ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الشَّهْرِ يَقْتَضِي التَّتَابُعَ، وَكَمَنَ نَوَاهُ، وَعَنْهُ: لَا يَلْزَمُهُ، لِأَنَّ الشَّهْرَ يَقَعُ عَلَى مَا بَيْنَ الْهِلَالَيْنِ، أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَمَحَلُّهُ مَا لَمْ يَكُنْ شَرْطٌ وَلَا نِيَّةٌ، كَمَا لَوْ نَذَرَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ أَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، وَعَلَى الْأَوَّلِ: إِنْ قَطَعَهُ بِلَا عُذْرٍ اسْتَأْنَفَ، وَبِعُذْرٍ يُخَيَّرُ بَيْنَهُ بِلَا كَفَّارَةٍ وَبَيْنَ الْبِنَاءِ، وَيُتِمُّ ثَلَاثِينَ وَيُكَفِّرُ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامَ أَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ) وَلَوْ ثَلَاثِينَ يَوْمًا (لَمْ يَلْزَمْهُ التَّتَابُعُ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ ابْنُ الْبَنَّا: رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، لِأَنَّ الْأَيَّامَ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّتَابُعِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤] ، وَعَنْهُ فِيمَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ يَصُومُهَا مُتَتَابِعًا، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّتَابُعِ فِي الْأَيَّامِ الْمَنْذُورَةِ، اخْتَارَهُ الْقَاضِي، قَالَ فِي الْكَافِي: وَالْأَوَّلُ أَوْلَى، وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ نَوَى التَّتَابُعَ (إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ) فَيَلْزَمُهُ لِلْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَذَكَرَ ابْنُ الْبَنَّا هَلْ يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِيمَا دُونَ الثَلَاثِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، صَحَّحَ فِي الرِّعَايَةِ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا كَلَامُ أَحْمَدَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَيَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ فِي الْعَشَرَةِ دُونَ الثَلَاثِينَ، قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ التَّتَابُعُ، وَإِنْ شَرَطَ تَفْرِيقَهَا لَزِمَهُ فِي الْأَقْيَسِ. تَنْبِيهٌ: إِذَا نَذَرَ صَوْمَ الدَّهْرِ لَزِمَهُ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي نَذْرِهِ رَمَضَانُ وَالْأَيَّامُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا، فَإِنْ أَفْطَرَ لِعُذْرٍ لَمْ يَقْضِهِ وَيُكَفِّرُ، وَإِنْ لَزِمَهُ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ أَوْ كَفَّارَةٌ قَدَّمَهُ عَلَى النَّذْرِ، وَإِذَا لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، وَكَانَتْ كَفَّارَتُهُ الصِّيَامُ احْتُمِلَ أَنْ لَا تَجِبَ، وَاحْتُمِلَ أَنْ تَجِبَ، وَلَا تَجِبُ بِفِعْلِهَا كَفَّارَةٌ، (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا مُتَتَابِعًا) غَيْرَ مُعَيَّنٍ (فَأَفْطَرَ لِمَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ قَضَى لَا غَيْرَ) كَمَا لَوْ أَفْطَرَ فِي رَمَضَانَ، وَالْمَرَضُ وَالْحَيْضُ لَا يَقْطَعُ التَّتَابُعَ، فَلَمْ يَجِبْ الِاسْتِئْنَافُ لِبَقَاءِ التَّتَابُعِ حُكْمًا، وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ: يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الِاسْتِئْنَافِ مُتَتَابِعًا بِلَا كَفَّارَةٍ، وَبَيْنَ الْبِنَاءِ وَقَضَاءِ

стр. 3283

حَيْضٍ، قَضَى لَا غَيْرَ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ، وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ، أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَإِنْ نَذَرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] مَا تَرَكَ مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، وَقَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَإِذَا قُلْنَا بِالْبِنَاءِ فَهَلْ يُتِمُّ ثَلَاثِينَ، أَوِ الْأَيَّامَ الْفَائِتَةَ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَفِي التَّكْفِيرِ وَجْهٌ كَشَهْرَيِ الْكَفَّارَةِ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِغَيْرِ عُذْرٍ لَزِمَهُ الِاسْتِئْنَافُ) وِفَاقًا ضَرُورَةَ الْوَفَاءِ بِالتَّتَابُعِ مِنْ غَيْرِ كَفَّارَةٍ (وَإِنْ أَفْطَرَ لِسَفَرٍ، أَوْ مَا يُبِيحُ الْفِطْرَ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ) أَيْ: إِذَا أَفْطَرَ لِعُذْرٍ يُبِيحُ الْفِطْرَ، كَالسَّفَرِ، فَقِيلَ: لَا يَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الصَّوْمِ، كَالْمَرَضِ الَّذِي يَجِبُ مَعَهُ الْفِطْرُ، وَقِيلَ: بَلَى، لِأَنَّهُ أَفْطَرَ بِاخْتِيَارِهِ كَالْفِطْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ، وَعَلَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمَرَضِ الْمُبِيحِ، وَالسِّفْرِ الْمُبِيحِ، فَإِنَّ الْمَرَضَ لَيْسَ بِاخْتِيَارِهِ، بِخِلَافِ السَّفَرِ، فَنَاسَبَ أَنْ يَقْطَعَ السَّفَرُ التَّتَابُعَ، لِأَنَّهُ مِنْ فِعْلِهِ، بِخِلَافِ الْمَرَضِ (وَإِنْ نَذَرَ صِيَامًا فَعَجَزَ عَنْهُ، لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَطْعَمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا) مَعَ كَفَّارَةِ يَمِينٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، لِأَنَّ سَبَبَ الْكَفَّارَةِ عَدَمُ الْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ، وَسَبَبُ الْإِطْعَامِ الْعَجْزُ عَنْ وَاجِبِ الصَّوْمِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ السَّبَبَانِ وَاجْتَمَعَا، فَلَمْ يَسْقُطْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا، لِعَدَمِ مَا يُسْقِطُهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجِبُ إِلَّا الْإِطْعَامُ فَقَطْ، وَهُوَ مَا ذَكَرَهُ فِي الْمَتْنِ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الصَّوْمِ الْمَشْرُوعِ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُكَفِّرَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) هَذَا رِوَايَةٌ، ذَكَرَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهَا فِي الْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهَا فِي الْكَافِي، وَذَكَرَ أَنَّها أَقْيَسُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : «مَنْ نَذَرَ نَذْرًا لَا يُطِيقُهُ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَسَائِرِ النُّذُورِ، وَقِيَاسُ الْمَنْذُورِ عَلَى الْمَنْذُورِ أَوْلَى، لِأَنَّ رَمَضَانَ يُطْعَمُ عَنْهُ عِنْدَ الْعَجْزِ بِالْمَوْتِ، فَكَذَلِكَ فِي الْحَيَاةِ، وَهَذَا بِخِلَافِهِ، وَيَتَخَرَّجُ أَلَّا تَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي الْعَجْزِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنِ الْوَاجِبِ بِأَصْلِ الشَّرْعِ، وَفِي النَّوَادِرِ احْتِمَالٌ يُصَامُ عَنْهُ، وَسَبَقَ فِعْلُ الْوَلِيِّ عَنْهُ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَكَذَا إِنْ نَذَرَهُ عَاجِزًا عَنْهُ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: مَا كَانَ نَذْرَ مَعْصِيَةٍ، أَوْ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، فَفِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَمُرَادُهُمْ غَيْرُ الْحَجِّ، وَإِلَّا فَلَوْ نَذَرَ مَعْضُوبٌ أَوْ صَحِيحٌ أَلْفَ حَجَّةٍ لَزِمَهُ، وَيُحَجُّ عَنْهُ، وَالْمُرَادُ لَا يُطِيقُهُ وَلَا

стр. 3284

الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ، فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ، وَإِنْ نَذَرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] شَيْئًا مِنْهُ، وَإِلَّا أَتَى بِمَا يُطِيقُهُ مِنْهُ، وَكَفَّرَ لِلْبَاقِي، وَقِيلَ: لَا يَنْعَقِدُ نَذْرُهُ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِعَارِضٍ يُرْجَى زَوَالُهُ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ، فَإِنْ كَانَ عَنْ صَوْمٍ مُعَيَّنٍ وَفَاتَ وَقْتُهُ قَضَاهُ، وَهَلْ يَلْزَمُهُ لِفَوَاتِ الْوَقْتِ كَفَّارَةٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ [نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ] (وَإِنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ) الْحَرَامِ (أَوْ مَوْضِعٍ مِنَ الْحَرَمِ) لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِهِ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ ﵇: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» . (لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا أَنْ يَمْشِيَ فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ) أَيْ: لَزِمَهُ أَنْ يَمْشِيَ فِي أَحَدِهِمَا، لِأَنَّهُ مَشى إِلَى عِبَادَةِ، وَالْمَشْيُ إِلَى الْعِبَادَةِ أَفْضَلُ، مَا لَمْ يَنْوِ إِتْيَانَهُ لَا حَقِيقَةَ مَشْيٍ مِنْ مَكَانِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْقَاضِي إِجْمَاعًا، مُحْتَجًّا بِهِ وَبِمَا لَوْ نَذَرَهُ مِنْ مَحَلِّهِ لَمْ يَجُزْ مِنْ مِيقَاتِهِ عَلَى قَضَاءِ الْحَجِّ الْفَاسِدِ مِنَ الْأَبْعَدِ مِنْ إِحْرَامِهِ، أَوْ مِنْ مِيقَاتِهِ (فَإِنْ تَرَكَ الْمَشْيَ لِعَجْزٍ أَوْ غَيْرِهِ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ) قَدَّمَهُ الْأَصْحَابُ، وَنَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ، «لِقَوْلِ عُقْبَةَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ مَاشِيَةً، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ لَا يَصْنَعُ بِشَقَاءِ أُخْتِكَ شَيْئًا، لِتَخْرُجْ رَاكِبَةً، وَلْتَكْفُرْ يَمِينَهَا» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ: تَفَرَّدَ بِهِ شَرِيكٌ، وَلِأَنَّ الْمَشْيَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّرْعُ بِمَوْضِعٍ، كَنَذْرِ التَّحَفِّي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ قَادِرًا، وَلِهَذَا ذَكَرَ ابْنُ رَزِينٍ رِوَايَةً: لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، (وَعَنْهُ: عَلَيْهِ دَمٌ) وَأَفْتَى بِهِ عَطَاءٌ لِمَا رَوَى أَحْمَدُ بِسَنَدِهِ عَنْ عِمْرَانَ، قَالَ: مَا «قَامَ فِينَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، إِلَّا أَمَرَنَا بِالصَّدَقَةِ، وَنَهَانَا عَنِ الْمُثْلَةِ، وَفِيهِ: وَإِنَّ مِنَ الْمُثْلَةِ أَنْ يَنْذُرَ الرَّجُلُ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَإِذَا نَذَرَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا فَلْيُهْدِ هَدْيًا، وَلِيَرْكَبْ» ، وَلِأَنَّهُ أَخَلَّ بِوَاجِبٍ فِي الْإِحْرَامِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ الْإِحْرَامَ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَفِي الْمُغْنِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ يَسْتَأْنِفُهُ مَاشِيًا، لِتَرْكِهِ صِفَةَ الْمَنْذُورِ، كَتَفْرِيقِهِ صَوْمًا مُتَتَابِعًا، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَلْزَمُهُ مَعَ الْعَجْزِ كَفَّارَةٌ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ النَّذْرُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ، فَهَلْ عَلَيْهِ

стр. 3285

الرُّكُوبَ فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ. وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً، فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ، إِلَّا أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] هَدْيٌ؟ فِيهِ قَوْلَانِ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ «أَنَّ أُخْتَ عُقْبَةَ نَذَرَتْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَى الْبَيْتِ، وَأَنَّهَا لَا تُطِيقُ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَرْكَبَ وَتُهْدِيَ هَدْيًا» . فَرْعٌ: إِذَا عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ بَعْدَ الْحَجِّ كَفَّرَ وَأَجْزَأَهُ، وَإِنْ مَشَى بَعْضَ الطَّرِيقِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: يَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ، وَيَرْكَبُ مَا مَشَى، وَيَمْشِي مَا رَكِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُجْزِئَهُ إِلَّا حَجٌّ يَمْشِي فِي جَمِيعِهِ. أَصْلٌ: يَلْزَمُهُ الْإِتْيَانُ بِالْمَشْيِ وَالرُّكُوبِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ مَوْضِعًا بِعَيْنِهِ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: يَمْشِي مِنْ مِيقَاتِهِ إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ، قَالَ: وَالْخَبَرُ فِيهِ عَطَاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَيَلْزَمُهُ الْمَنْذُورُ مِنْهُمَا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إِلَى أَنْ يَتَحَلَّلَ، لِأَنَّ ذَلِكَ انْقِضَاءٌ، قَالَ أَحْمَدُ: إِذَا رَمَى الْجَمْرَةَ فَقَدْ فَرَغَ، وَفِي التَّرْغِيبِ: لَا يَرْكَبُ حَتَّى يَأْتِيَ بِالتَّحَلُّلَيْنِ عَلَى الْأَصَحِّ (وَإِنْ نَذَرَ الرُّكُوبَ فَمَشَى، فَفِيهِ الرِّوَايَتَانِ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ، لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا نَذَرَ، فَهُوَ بِمَعْنَى الرُّكُوبِ إِذَا نَذَرَ الْمَشْيَ، وَلِأَنَّ الرُّكُوبَ فِي نفسه غير طَاعَةٍ. إِحْدَاهُمَا: تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدَّمِ لِمَا ذَكَرْنَا، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي. وَالثَّانِيَةُ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، لِأَنَّهُ تَرَفَّهَ بِتَرْكِ الْإِنْفَاقِ، وَفِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ: إِلَّا أَنَّهُ إِذَا مَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ مَعَ إِمْكَانِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ أَكْثَرُ مِنْ كَفَّارَةِ يَمِينٍ. فَائِدَةٌ: لَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِمَنْ نَذَرَ الْمَشْيَ إِلَى مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَوِ الْأَقْصَى، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِتْيَانُهُمَا، وَالصَّلَاةُ فِيهِمَا، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُهُمْ لِغَيْرِ الْمَرْأَةِ، لِأَفْضَلِيَّةِ بَيْتِهَا، وَإِنْ عَيَّنَ مَسْجِدًا غَيْرَ حَرَمٍ لَزِمَهُ عِنْدَ وُصُولِهِ رَكْعَتَيْنِ، ذَكَرَهُ فِي الْوَاضِحِ، وَمَذْهَبُ مَالِكٍ عَلَى مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ، مَنْ قَالَ: عَلَيَّ الْمَشْيُ إِلَى الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لَمْ يَأْتِهِمَا أَصْلًا، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدَيْهِمَا فَلْيَأْتِهِمَا. فَرْعٌ: إِذَا أَفْسَدَ الْحَجَّ الْمَنْذُورَ مَاشِيًا، وَجَبَ الْقَضَاءُ مَشْيًا، وَيَمْضِي فِي الْحَجِّ الْفَاسِدِ مَاشِيًا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُ، وَإِذَا عَيَّنَ لِنَحْرِ الْهَدْيِ مَوْضِعًا مِنَ الْحَرَمِ تَعَيَّنَ، وَكَانَ لِفُقَرَائِهِ مَا لَمْ يَتَضَمَّنْ مَعْصِيَةً، لِلْخَبَرِ، وَإِنْ نَذَرَ سَتْرَ الْبَيْتِ وَتَطْيِيبَهُ لَزِمَهُ.

стр. 3286

يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا، وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ عَلَى أَرْبَعٍ، طَافَ طَوَافَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ. ــ [المبدع في شرح المقنع] مَسْأَلَةٌ: إِذَا نَذَرَ الْحَجَّ الْعَامَ فَلَمْ يَحُجَّ، ثُمَّ نَذَرَ أُخْرَى فِي الْعَامِ الثَّانِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَيَتَوَجَّهُ يَصِحُّ، وَأَنْ يَبْدَأَ بِالثَّانِيَةِ لِفَوْتِهَا، وَيُكَفِّرَ لِتَأْخِيرِ الْأُولَى، وَفِي الْمَعْذُورِ الْخِلَافُ (وَإِنْ نَذَرَ رَقَبَةً فَهِيَ الَّتِي تُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يُحْمَلُ عَلَى مَعْهُودِ الشَّرْعِ، وَهُوَ الْوَاجِبُ فِي الْكَفَّارَةِ (إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ رَقَبَةً بِعَيْنِهَا) فَإِنَّهَا تُجْزِئُ عَنْهُ، لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَتَقَيَّدُ بِالنِّيَّةِ كَالْقَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ، لَكِنْ لَوْ مَاتَ الْمَنْذُورُ، أَوْ أَتْلَفَهُ قَبْلَ عِتْقِهِ لَزِمَهُ كَفَّارَةُ يَمِينٍ، وَلَا يَلْزَمُهُ عِتْقٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: بَلْ تُصْرَفُ قِيمَتُهُ فِي الرِّقَابِ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ فِي الْوَلَاءِ، إِذِ الْأَصْلُ فِيهِ ذَلِكَ، وَفِي الرِّعَايَةِ: مَنْ عَيَّنَ بِنَذْرِهِ أَوْ نِيَّتِهِ شَيْئًا مِنْ عَدَدِ صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ أَوْ هَدْيِ رِقَابٍ كَفَاهُ مَا عَيَّنَهُ، وَعَنْهُ: يُجْزِئُ بِاللَّفْظِ بِهِ، لَا مَا نَوَاهُ فَقَطْ، وَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِغَيْرِ حَيَوَانٍ جَازَ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ أَوْ بِثَمَنِهِ عَلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ عَيَّنَ الْهَدْيَ بِمَا يُنْقَلُ لَزِمَهُ إِنْفَاذُهُ إِلَى الْحَرَمِ، لِيُفَرَّقَ هُنَاكَ، وَإِلَّا بِيعَ، وَأَنْفَذَ ثَمَنَهُ لِيُفَرَّقَ هُنَاكَ (وَإِنْ نَذَرَ الطَّوَافَ) فَأَقَلُّهُ أُسْبُوعٌ (وَإِنْ نَذَرَهُ عَلَى أَرْبَعٍ طَافَ طَوَافَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِخَبَرٍ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ الْكِنْدِيُّ أَنَّهُ «قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَمَعَهُ أُمُّهُ كَبْشَةُ بِنْتُ مَعْدِي كَرِبَ عَمَّةُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، آلَيْتُ أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَبْوًا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : طُوفِي عَلَى رِجْلَيْكِ سَبْعِينَ: سَبْعًا عَنْ يَدَيْكِ، وَسَبْعًا عَنْ رِجْلَيْكِ» . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لِأَنَّهُ بَدَلٌ وَاجِبٌ، وَلِأَنَّ فِيهِ عَلَى أَرْبَعٍ مِثْلَهُ، وَعَنْهُ: يَطُوفُ عَلَى رِجْلَيْهِ وَاحِدًا، قَالَ فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: وَهُوَ الْقِيَاسُ، لِأَنَّ غَيْرَهُ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ، وَفِي الْكَفَّارَةِ وَجْهَانِ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ لُزُومُهَا، وَمِثْلُهُ نَذْرُ السَّعْيِ عَلَى أَرْبَعٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُبْهِجِ وَالْمُسْتَوْعِبِ وَالْفُرُوعِ، وَفِي الرِّعَايَةِ: يَلْزَمُهُ سَعْيَانِ، وَكَذَا لَوْ نَذَرَ طَاعَةً عَلَى وَجْهٍ مَنْهِيٍّ عَنْهُ، كَنَذْرِهِ صَلَاةً عُرْيَانًا، أَوِ الْحَجَّ حَافِيًا حَاسِرًا، وَفَى بِالطَّاعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ، وَفِي الْكَفَّارَةِ لِتَرْكِهِ الْمَنْهِيِّ وَجْهَانِ.

стр. 3287

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: النَّذْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْفَوْرِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَهْدِيَ هَدَايَا، لَزِمَهُ أَنْ يَهْدِيَ إِلَى الْحَرَمِ لِيَنْحَرَ هُنَاكَ وَيُفَرِّقَ، فَإِنْ نَذَرَ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا بِغَيْرِ مَكَّةَ مِنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ، أَوْ يُضَحِّيَ أُضْحِيَّةً فِي مَوْضِعٍ عَيَّنَهُ، لَزِمَهُ نَحْرُ ذَلِكَ، وَيُفَرِّقُ لَحْمَهُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي عَيَّنَهُ. الثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ الْوَفَاءُ بِالْوَعْدِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهُ يَحْرُمُ بِلَا اسْتِثْنَاءٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ [الكهف: ٢٣] وَلِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يَلْزَمُ وَاخْتَارَهُ، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ رِوَايَةٌ مِنْ تَأْجِيلِ الْعَارِيَةِ وَالصُّلْحِ عَنْ عِوَضِ الْمُتْلَفِ بِمُؤَجَّلٍ، وَقِيلَ لِأَحْمَدَ: بِمَ يُعْرَفُ الْكَذَّابُونَ؟ قَالَ: بِخُلْفِ الْمَوَاعِيدِ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣] ، وَلِخَبَرِ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ» وَبِإِسْنَادٍ حَسَنٍ: «الْعِدَةُ عَطِيَّةٌ» وَبِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ: «الْعِدَةُ دَيْنٌ» وَمَذْهَبُ مَالِكٍ يَلْزَمُ بِسَبَبٍ كَمَنْ قَالَ: تَزَوَّجْ وَأُعْطِكَ كَذَا، وَاحْلِفْ لَا تَشْتُمْنِي وَلَكَ كَذَا، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

стр. 3288

كِتَابُ الْقَضَاءِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ ــ [المبدع في شرح المقنع] [كِتَابُ الْقَضَاءِ] [تَعْرِيفُ القضاء وَأَدِلَّةُ مَشْرُوعِيَّتِهِ] ِ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقَضَاءُ فِي الْأَصْلِ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَالْفَرَاغُ مِنْهُ؛ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] ، وَيَكُونُ بِمَعْنَى إِمْضَاءِ الْحُكْمِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى -: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ [الإسراء: ٤] ، أَيْ: أَمْضَيْنَا وَأَنْهَيْنَا. وَسُمِّيَ الْحَاكِمُ قَاضِيًا ; لِأَنَّهُ يُمْضِي الْأَحْكَامَ وَيُحْكِمُهَا. وَيَكُونُ بِمَعْنَى أَوْجَبَ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سُمِّيَ بِهِ لِإِيجَابِهِ الْحُكْمَ عَلَى مَنْ يُجِبُ عَلَيْهِ. وَاصْطِلَاحًا: النَّظَرُ بَيْنَ الْمُتَرَافِعِينَ لَهُ لِلْإِلْزَامِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ. وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: ٢٦] . وقَوْله تَعَالَى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ [النساء: ٦٥] . وَقَوْلُهُ ﷺ : «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. [حُكْمُ القضاء] وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى نَصْبِ الْقُضَاةِ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ. (وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ) كَالْإِمَامَةِ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: قَدْ أَوْجَبَ النَّبِيُّ ﷺ تَأْمِيرَ

стр. 3289

النَّاسِ؟ فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ قَاضِيًا، وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْوَاحِدِ فِي الِاجْتِمَاعِ الْقَلِيلِ الْعَارِضِ فِي السَّفَرِ، وَهُوَ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنْوَاعِ الِاجْتِمَاعِ، وَالْوَاجِبُ اتِّخَاذُهَا دِينًا وَقُرْبَةً، فَإِنَّهَا مِنْ أَفْضَلِ الْقُرُبَاتِ، وَإِنَّمَا فَسَدَ حَالُ بَعْضِهِمْ لِطَلَبِ الرِّئَاسَةِ وَالْمَالِ بِهَا، وَمَنْ فَعَلَ مَا يُمْكِنُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ. وَعَنْهُ: سُنَّةٌ. نَصَرَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. وَعَنْهُ: لَا يُسَنُّ دُخُولُهُ فِيهِ. نَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ: لَا يُعْجِبُنِي، هُوَ أَسْلَمُ. وَعَلَى الْأَوَّلِ (قَالَ أَحْمَدُ: لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ، أَتَذْهَبُ حُقُوقُ النَّاسِ!) لِأَنَّ أَمْرَ النَّاسِ لَا يَسْتَقِيمُ بِدُونِهِ، كَالْجِهَادِ وَفِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِمَنْ قَوِيَ عَلَيْهِ، وَفِيهِ خَطَرٌ عَظِيمٌ إِنْ لَمْ يُؤَدَّ الْحَقُّ فِيهِ. لِمَا رَوَى مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ مَرْفُوعًا: «مَا مِنْ أَمِيرٍ يَلِي أَمْرَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ لَا يَجْهَدُ لَهُمْ وَيَنْصَحُ، إِلَّا لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمُ الْجَنَّةَ» . قَالَ مَسْرُوقٌ: لَأَنْ أَحْكُمَ يَوْمًا بِحَقٍّ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَغْزُوَ سَنَةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ. فَعَلَى هَذَا: إِذَا أَجْمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى تَرْكِ الْقَضَاءِ أَثِمُوا، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ لَمْ يَحْتَكِمُوا فِي غَيْرَةٍ (فَيَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُنَصِّبَ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ) هُوَ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقَالِيمِ السَّبْعَةِ. (قَاضِيًا) لِأَنَّ الْإِمَامَ هُوَ الْقَائِمُ بِأَمْرِ الرَّعِيَّةِ، الْمُتَكَلِّمُ بِمَصْلَحَتِهِمْ، الْمَسْؤُولُ عَنْهُمْ، فَيَبْعَثُ الْقُضَاةَ إِلَى الْأَمْصَارِ، كَفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَصْحَابِهِ وَلِلْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ ﵇ بَعَثَ عَلِيًّا قَاضِيًا إِلَى الْيَمَنِ، وَوَلَّى عُمَرُ شُرَيْحًا قَضَاءَ الْكُوفَةِ، وَكَعْبَ بْنَ سُورٍ قَضَاءَ الْبَصْرَةِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ. (وَيَخْتَارُ لِذَلِكَ أَفْضَلَ مَنْ يَجِدُ،

стр. 3290

يَجِدُ، وَأَوْرَعَهُمْ، وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ - تَعَالَى - وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ. وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِذَا طُلِبَ وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ. وَعَنْهُ: أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؟ قَالَ: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. فَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَأَوْرَعَهُمْ) لِأَنَّ ذَلِكَ أَكْمَلُ، وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنَ الْقَضَاءِ. (وَيَأْمُرُهُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِيثَارِ طَاعَتِهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ، وَتَحَرِّي الْعَدْلِ وَالِاجْتِهَادِ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ) لِأَنَّ ذَلِكَ تَذْكِرَةٌ لَهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ، وَإِعَانَةٌ لَهُ فِي إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَتَقْوِيَةٌ لِقَلْبِهِ، وَتَنْبِيهٌ عَلَى اهْتِمَامِ الْإِمَامِ بِأَمْرِ الشَّرْعِ وَأَهْلِهِ، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا عَنْهُ كُتِبَ لَهُ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ. (وَأَنْ يَسْتَخْلِفَ فِي كُلِّ صُقْعٍ) أَيْ: نَاحِيَةٍ. (أَصْلَحَ مَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ لَهُمْ) لِأَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الِاسْتِنَابَةِ، وَتَنْبِيهًا عَلَى مَصْلَحَةِ رَعِيَّةِ بَلَدِ الْقَاضِي، وَحَثًّا لَهُ عَلَى اخْتِيَارِ الْأَصْلَحِ، وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ: أَنَّ عَلَى الْإِمَامِ نَصْبَ مَنْ يُكْتَفَى بِهِ. (وَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَصْلُحُ لَهُ إِذَا طُلِبَ) وَلَمْ يَشْغَلْهُ عَنْ أَهَمَّ مِنْهُ. (وَلَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ الدُّخُولُ فِيهِ) قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالْمُحَرَّرِ وَالْمُسْتَوْعِبِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَصَحَّحَهُ جَمْعٌ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ مَنْ يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ، كَغُسْلِ الْمَيِّتِ وَنَحْوِهِ. وَقِيلَ: وَيَلْزَمُهُ طَلَبُهُ. وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنْ كَانَ فِيهِ غَيْرَ أَهْلٍ، فَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ إِزَالَتَهُ أُثِيبَ. وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ قَصْدِهِ لِيُخْتَصَّ بِالنَّظَرِ أُبِيحَ، فَإِنْ ظَنَّ عَدَمَ تَمْكِينِهِ فَاحْتِمَالَانِ. وَقِيلَ: يُحْرَمُ بِخَوْفِهِ مَيْلًا. (وَعَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ هَلْ يَأْثَمُ الْقَاضِي بِالِامْتِنَاعِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ؛) مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ؟ (قَالَ: لَا يَأْثَمُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ) ، نَقَلَهَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ

стр. 3291

خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ. وَإِنْ طُلِبَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ إِلَيْهِ. فِي ظَاهِرِ الكَلَامِ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْخَطَرِ وَالْمَشَقَّةِ الشَّدِيدَةِ، لَكِنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْقِيَامُ بِالْوَاجِبِ لِظُلْمِ السُّلْطَانِ وَغَيْرِهِ. وَحَكَى ابْنُ هُبَيْرَةَ عَنِ الثَّلَاثَةِ: أَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَيَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الدُّخُولُ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَقَالَ أَحْمَدُ فِي أَظْهَرِ رِوَايَتَيْهِ: لَيْسَ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الدُّخُولُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ. (وَإِنْ وُجِدَ غَيْرُهُ كُرِهَ لَهُ طَلَبُهُ بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي الْمَذْهَبِ) جَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: لَا تَسْأَلِ الْإِمَارَةَ، فَإِنَّكَ إِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ مَسْأَلَةٍ وُكِلْتَ إِلَيْهَا، وَإِنْ أُعْطِيتَهَا عَنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ أُعِنْتَ عَلَيْهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ لِقَصْدِ إِقَامَةِ الْحَقِّ، وَخَوْفًا أَنْ يَتَعَرَّضَ لَهُ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ. ذَكَرُهُ الْقَاضِي، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، بَلْ يُسْتَحَبُّ إِذَنْ، وَقَالَهُ الْمَاوَرْدِيُّ، وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ يَحْرُمُ بِدُونِهِ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنَّهُ لِقَصْدِ الْمَنْزِلَةِ وَالْمُبَاهَاةِ يَجُوزُ اتِّفَاقًا، وَإِنَّ طَائِفَةً كَرِهَتْهُ إِذَنْ، وَطَائِفَةً لَا

стр. 3292

أَحْمَد. وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ. وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ. وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى ــ [المبدع في شرح المقنع] ، وَاحْتَجَّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى نَالَهُ فَغَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَلَبَ جَوْرُهُ عَدْلَهُ فَلَهُ النَّارُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. وَالْمُرَادُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَهْلٌ، وَإِلَّا حُرِمَ وَقُدِحَ فِيهِ (وَإِنْ طُلِبَ فَالْأَفْضَلُ أَنْ لَا يُجِيبَ إِلَيْهِ فِي ظَاهِرِ الْكَلَامِ أَحْمَدُ) اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَقَدَّمَهُ فِي الْكَافِي وَالرِّعَايَةِ وَالْفُرُوعِ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ، وَفِي الشَّرْحِ: أَنَّهُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ وَالتَّشْدِيدِ، وَلِمَا فِي تَرْكِهِ مِنَ السَّلَامَةِ، وَذَلِكَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ، وَقَدْ أَرَادَ عُثْمَانُ تَوْلِيَةَ ابْنِ عُمَرَ الْقَضَاءَ فَأَبَى. (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: الْأَفْضَلُ الْإِجَابَةُ إِلَيْهِ إِذَا أَمِنَ نَفْسَهُ) لِأَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - جَعَلَ لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ أَجْرًا مَعَ الْخَطَأِ، وَأَسْقَطَ عَنْهُ حُكْمَ الْخَطَأِ، وَلِأَنَّ فِيهِ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَصْرَ الْمَظْلُومِ وَأَدَاءَ الْحَقِّ إِلَى مُسْتَحَقِّهِ، وَرَدَّ الظَّالِمِ عَنْ ظُلْمِهِ، بِدَلِيلِ تَوْلِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمْ كَذَلِكَ. وَلَا يَخْتَارُ إِلَّا الْأَفْضَلَ، وَقِيلَ: مَعَ خُمُولِهِ، وَحَمَلَ فِي الْمُغْنِي كَلَامَ ابْنِ حَامِدٍ عَلَيْهِ. وَقِيلَ: أَوْ فَقْرِهِ. فَرْعٌ: يَحْرُمُ بَذْلُ مَالٍ فِيهِ وَأَخْذُهُ وَطَلَبُهُ، وَفِيهِ مُبَاشِرٌ أَهْلٌ، وَظَاهِرُ تَخْصِيصِهِمُ الْكَرَاهَةَ بِالطَّلَبِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ تَوْلِيَةُ الْحَرِيصِ لَا يَنْفِي أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى. قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ وَجْهٌ، يُكْرَهُ. مَسْأَلَةٌ إِذَا جَهِلَ الْقَضَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنْهُ أَوْ خَافَ الْمَيْلَ حُرِمَ دُخُولُهُ فِيهِ، وَقِيلَ: مَعَ وُجُودِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَصْلُحُ لَهُ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُجَوِّزُ الدُّخُولَ فِيهِ، وَهُوَ مَنْ لَا يُحْسِنُهُ وَلَمْ تَجْتَمِعْ فِيهِ شُرُوطُهُ. ١ - (وَلَا تَثْبُتُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ إِلَّا بِتَوْلِيَةِ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْأَمْرِ

стр. 3293

صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ. وَتعيينُ مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْبُلْدَانِ وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا، وَإِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ. وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا، تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ. وَهَلْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَالنَّهْيِ وَهُوَ وَاجِبُ الطَّاعَةِ، مَسْمُوعُ الْكَلِمَةِ، مَالِكٌ لِجَمِيعِ الْوِلَايَاتِ شَرْعًا وَحِسًّا. أَوْ نَائِبِهِ لِأَنَّهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَتَهُ، وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ أَشْبَهَ عَقْدَ الذِّمَّةِ. [شُرُوطُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ] (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا مَعْرِفَةُ الْمُوَلِّي كَوْنَ الْمُوَلَّى عَلَى صِفَةٍ تَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ) لِأَنَّ مَقْصُودَ الْقَضَاءِ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِذَلِكَ. وَحَاصِلُهُ: إِنْ كَانَ يَعْرِفُ صَلَاحِيَتَهُ وَلَّاهُ، وَإِلَّا سَأَلَ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ عَنْهُ، وَلِأَنَّ الْأَصْلَ الْعِلْمُ، فَلَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ، الْعِلْمُ بِذَلِكَ، كَمَا لَا يَجُوزُ تَوْلِيَتُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِعَدَمِ صَلَاحِيَتِهِ. (وَتعَيين مَا يُوَلِّيهِ الْحُكْمَ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ) كَالْكُوفَةِ وَنَوَاحِيهَا. (وَالْبُلْدَانِ) كَبَغْدَادَ وَنَحْوِهَا، لِيَعْلَمَ مَحَلَّ وِلَايَتِهِ فَيَحْكُمَ فِيهِ وَلَا يَحْكُمَ فِي غَيْرِهِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ وَلِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ كَالْوِكَالَةِ. (وَمُشَافَهَتُهُ بِالْوِلَايَةِ) ، أَيْ: يُشَافِهُهُ الْإِمَامُ بِهَا إِنْ كَانَ حَاضِرًا. (أَوْ مُكَاتَبَتُهُ بِهَا) إِنْ كَانَ غَائِبًا؛ لِأَنَّ التَّوْلِيَةَ تَحْصُلُ بِذَلِكَ، كَالتَّوْكِيلِ، وَحِينَئِذٍ يَكْتُبُ لَهُ عَهْدًا بِمَا وَلَّاهُ؛ وَلِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ،» وَكَتَبَ عُمَرُ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: أَمَّا بَعْدُ، فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا، وَعَبْدَ اللَّهِ قَاضِيًا. (وَإِشْهَادُ شَاهِدَيْنِ عَلَى تَوْلِيَتِهِ) أَيْ: إِذَا كَانَ الْبَلَدُ الَّذِي وَلَّاهُ فِيهِ بَعِيدًا لَا يَسْتَفِيضُ إِلَيْهِ الْخَبَرُ بِمَا يَكُونُ فِي بَلَدِ الْإِمَامِ فَلَا بُدَّ مِنْ شَهَادَةِ عَدْلَيْنِ عَلَيْهَا. (وَقَالَ الْقَاضِي: تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ بَلَدِ الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْوِلَايَةِ يَحْصُلُ بِذَلِكَ. وَالْأَصَحُّ أَنَّهَا تَثْبُتُ بِالِاسْتِفَاضَةِ مَعَ قُرْبِ مَا بَيْنَهُمَا، كَخَمْسَةِ أَيَّامٍ. وَالْحَاصِلُ أَنَّهَا لَا تَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ أَوْ بِالِاسْتِفَاضَةِ إِذَا كَانَ بَلَدُهُ قَرِيبًا تَسْتَفِيضُ فِيهِ أَخْبَارُ الْمُوَلَّى لَهُ. وَأَطْلَقَ الْآدَمِيُّ: أَوِ اسْتِفَاضَةٌ، وَظَاهِرُهُ مَعَ الْبُعْدِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ وَهُوَ مُتَّجِهٌ (وَهَلْ تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟) بِكَسْرِ اللَّامِ (عَلَى رِوَايَتَيْنِ) : إِحْدَاهُمَا: تُشْتَرَطُ كَمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمُتَوَلِّي. وَالْمَذْهَبُ: أَنَّهَا لَا تُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ الْكُبْرَى تَصِحُّ مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَفَاجِرٍ، فَصَحَّتْ وِلَايَتُهُ، كَالْعَدْلِ، وَلِأَنَّهَا لَوِ اعْتُبِرَتْ فِي الْمُوَلِّي أَفْضَى إِلَى تَعَذُّرِهَا بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إِذَا

стр. 3294

تُشْتَرَطُ عَدَالَةُ الْمُوَلِّي؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الحكم، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ لَكَ الْحُكْمَ. فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا وَالْقَبُولُ مِنَ الْمَوْلَى، انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ. وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا، حَتَّى تَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ. نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فيه، وَمَا أَشْبَهَهُ. ــ [المبدع في شرح المقنع] كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ. وَعَنْهُ: سِوَى الْإِمَامِ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ أَيْ: إِذَا وَلَّاهُ إِمَامٌ فَاسِقٌ صَحَّ، إِنْ وَلَّاهُ نَائِبُهُ الْفَاسِقُ فَلَا. فَرْعٌ: لَا يَنْعَزِلُ إِمَامٌ أَعْظَمُ بِفِسْقٍ يَطْرَأُ عَلَيْهِ. وَعَنْهُ: بَلَى، كَالْحَاكِمِ، وَلَا تَنْعَقِدُ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى لِفَاسِقٍ، وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ. وَلَوْ غَلَبَهُمْ بِسَيْفِهِ مَعَ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، وَهِيَ أَشْهَرُ.

стр. 3295

فصل وَإِذَا ثَبَتَتِ الْوِلَايَةُ وَكَانَتْ عَامَّةً، اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ: فَصْلِ الْخُصُومَاتِ، وَاسْتِيفَاءِ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ، وَدَفْعِهِ إِلَى رَبِّهِ، وَالنَّظَرِ فِي أَمْوَالِ ــ [المبدع في شرح المقنع] [أَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ] (وَأَلْفَاظُ التَّوْلِيَةِ الصَّرِيحَةُ سَبْعَةٌ: وَلَّيْتُكَ الْحُكْمَ، وَقَلَّدْتُكَ، وَاسْتَنَبْتُكَ، وَاسْتَخْلَفْتُكَ، وَرَدَدْتُ إِلَيْكَ الحكم، وَفَوَّضْتُ إِلَيْكَ، وَجَعَلْتُ إليك الْحُكْمَ) لِأَنَّ هَذِهِ تَدُلُّ عَلَى وِلَايَةِ الْقَضَاءِ دَلَالَةً لَا تَفْتَقِرُ مَعَهَا إِلَى شَيْءٍ آخَرَ، وَذَلِكَ هُوَ الصَّرِيحُ. زَادَ فِي الرِّعَايَةِ عَلَى هَذِهِ: اسْتَكْفَيْتُكَ، وَقِيلَ: رَدَدْتُهُ، وَفَوَّضْتُهُ، وَجَعَلْتُهُ إِلَيْكَ كِنَايَةً. (فَإِذَا وُجِدَ لَفْظٌ مِنْهَا) أَيْ: وَاحِدٌ مِنْهَا. (وَالْقَبُولُ مِنَ الْمُوَلَّى) الْحَاضِرِ فِي الْمَجْلِسِ، وَالْغَائِبِ بَعْدَهُ (انْعَقَدَتِ الْوِلَايَةُ) لِأَنَّهَا لَا تَحْتَمِلُ إِلَّا ذَلِكَ، فَمَتَى أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَوُجِدَ الْقَبُولُ صَحَّتْ، كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ. وَيَصِحُّ الْقَبُولُ بِالشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ فِي الْأَصَحِّ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبٌ عَنِ الشَّرْعِ كَفَى، وَإِنْ قُلْنَا: هُوَ نَائِبُ مَنْ وَلَّاهُ فَلَا. مَسْأَلَةٌ: تَصِحُّ تَوْلِيَةُ مَفْضُولٍ مَعَ مَوْجُودٍ فَاضِلٍ، قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: إِنْ أُمِنَتِ الْفِتْنَةُ وَكَانَ أَصْلَحَ لِلدِّينِ وَالنَّاسِ. وَإِنْ فَوَّضَ الْإِمَامُ إِلَى إِنْسَانٍ تَوْلِيَةَ الْقَاضِي جَازَ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ اخْتِيَارُ نَفْسِهِ وَلَا وَالِدِهِ وَلَا وَلَدِهِ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي الصَّدَقَةِ، قَالَ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجُوزَ لَهُ اخْتِيَارُهُمَا إِذَا كَانَا صَالِحَيْنِ لِلْوِلَايَةِ. (وَالْكِنَايَةُ نَحْوُ: اعْتَمَدْتُ عَلَيْكَ، وَعَوَّلْتُ عَلَيْكَ، وَوَكَلْتُ إِلَيْكَ، وَأَسْنَدْتُ إِلَيْكَ الْحُكْمَ، فَلَا يَنْعَقِدُ بِهَا) لِأَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ تَحْتَمِلُ التَّوْلِيَةَ وَغَيْرَهَا، مِنْ كَوْنِهِ يَأْخُذُ بِرَأْيِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَلَا يَنْصَرِفُ إِلَى التَّوْلِيَةِ (حَتَّى يَقْتَرِنَ بِهَا قَرِينَةٌ، نَحْوُ: فَاحْكُمْ، أَوْ فَتَوَلَّ مَا عَوَّلْتُ عَلَيْكَ فِيهِ، وَمَا أَشْبَهَه) ذلك لِأَنَّ هَذِهِ الْقَرِينَةَ تَنْفِي الِاحْتِمَالَ. [الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى لَا تَصِحُّ إِلَّا لِمُسْلِمٍ] ١ فَصْلٌ. قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَا تَصِحُّ الْإِمَامَةُ الْعُظْمَى إِلَّا لِمُسْلِمٍ حُرٍّ، ذَكَرٍ، مُكَلَّفٍ، عَدْلٍ، مُجْتَهِدٍ، شُجَاعٍ، مُطَاعٍ، ذِي رَأْيٍ، سَمِيعٍ، بَصِيرٍ، نَاطِقٍ، قُرَشِيٍّ. وَلَا بُدَّ مِنْ بَيْعَةِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَوُجُوهِ النَّاسِ، وَالِاسْتِيلَاءِ قَهْرًا مَعَ بَقِيَّةِ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ. وَعَنْهُ: لَا يَضُرُّ فِسْقُهُ الْمُقَارِنُ وَجَهْلُهُ. فَإِنْ شَرَطْنَا حِينَ الْبَيْعَةِ عَدَمَ فِسْقِهِ وَجَهْلِهِ لَمْ يَنْعَزِلْ بِفِسْقِهِ الطَّارِئِ عَلَى الْأَصَحِّ. وَلَا طَاعَةَ لَهُ فِي مَعْصِيَةٍ. وَمَنْ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ قَهْرًا زَالَتْ بِهِ، قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: وَشُرُوطُ الْقَضَاءِ تَنْقُصُ عَنْ شُرُوطِ الْإِمَامَةِ بِالشَّجَاعَةِ؛ لِسُقُوطِ الْحَرْبِ عَنِ الْقَاضِي، وَحَاجَةِ الْإِمَامِ إِلَيْهِ. وَبِالنَّسَبِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَةَ أَعْلَى الْمَرَاتِبِ الدِّينِيَّةِ، فَاعْتُبِرَ فِيهَا النَّسَبُ لِحُصُولِ التَّمْيِيزِ عَنِ الرَّعِيَّةِ. قَالَ فِي الشَّرْحِ: لَوْ خَرَجَ رَجُلٌ عَلَى الْإِمَامِ فَقَهَرَهُ وَغَلَبَ النَّاسَ بِسَيْفِهِ حَتَّى أَقَرُّوا لَهُ وَأَذْعَنُوا بِطَاعَتِهِ وَبَايَعُوهُ صَارَ إِمَامًا يَحْرُمُ قِتَالُهُ وَالْخُرُوجُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ خَرَجَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى الْبِلَادِ وَأَهْلِهَا حَتَّى بَايَعُوهُ طَوْعًا وَكَرْهًا؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي الْخُرُوجِ عَلَيْهِ مِنْ شَقِّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ وَإِرَاقَةِ دِمَائِهِمْ وَذَهَابِ أَمْوَالِهِمْ. [مَا يُسْتَفَادُ بِالْوِلَايَةِ إِذَا ثَبَتَتْ وَكَانَتْ عَامَّةً] فَصْلٌ (وَإِذَا ثَبَتَتِ الْوِلَايَةُ وَكَانَتْ عَامَّةً) أَيْ: لَمْ تُقَيَّدْ بِنَوْعٍ (اسْتَفَادَ بِهَا النَّظَرَ فِي عَشَرَةِ أَشْيَاءَ) كَذَا فِي الْمُحَرَّرِ وَالْوَجِيزِ، وَزَادَ عَلَيْهَا وَاحِدًا: وَهُوَ جِبَايَةُ الْخَرَاجِ، وَفِي الْفُرُوعِ وَالزَّكَاةِ. وَقَالَ فِي التَّبْصِرَةِ: وَالِاحْتِسَابُ عَلَى الْبَاعَةِ وَالْمُشْتَرِينَ وَإِلْزَامُهُمْ بِالشَّرْعِ.
следующие страницы →