← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21619

المبدع في شرح المقنع - ط العلمية

برهان الدين ابن مفلح

Полный текст (3 567 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] قَوْلُهُ: (جَعَلَ طَائِفَةً حَذْوَ الْعَدُوِّ) ، شَرَطَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنْ يَكُونَ الْمُصَلُّونَ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ طَائِفَتَيْنِ، كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا سَجَدُوا﴾ [النساء: ١٠٢] وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ، وَذَهَبَ الْمُؤَلِّفُ وَجَمْعٌ إِلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِهِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ، فَجَازَ أَنْ تَكُونَ طَائِفَةٌ كَالثَّلَاثَةِ، بَلْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا الْوَاحِدُ. قَالَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: وَإِنْ كَانَ كُلُّ طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ، كُرِهَ، وَصَحَّ، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ تَحْصُلُ الثِّقَةُ بِكِفَايَتِهَا، وَحِرَاسَتِهَا، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي: بِحَيْثُ يَحْرُمُ فِرَارُهَا، فَإِنْ فَرَّطَ الْإِمَامُ فِي ذَلِكَ أَثِمَ؛ وَهُوَ صَغِيرَةٌ، الْأَشْبَهُ أَنَّهُ لَا يَقْدَحُ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَخْتَصُّ بِشَرْطِ الصَّلَاةِ، وَقِيلَ: يَفْسُقُ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ، كَالْمُوَدِّعِ، وَمَتَى خَشِيَ اخْتِلَالَ حَالِهِمْ، وَاحْتِيجَ إِلَى مَعُونَتِهِمْ بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى، فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَنْهَزَ إِلَيْهِمْ بِمَنْ مَعَهُ، وَثَبَتُوا عَلَى مَا مَضَى مِنْ صَلَاتِهِمْ، فَإِنْ أَتَى الطَّائِفَةَ الَّتِي بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ مَدَدٌ، اسْتَغْنَتْ بِهِ عَنِ الْحِرَاسَةِ، فَهَلْ تَتْرُكُ الْحِرَاسَةَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْإِمَامِ وَتُصَلِّي؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَعَلَيْهِمَا مَتَى صَلَّتْ، فَصَلَاتُهَا صَحِيحَةٌ. قَوْلُهُ: (وَطَائِفَةٌ تُصَلِّي مَعَهُ رَكْعَةً) ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَ لَهُمُ الصَّلَاةَ؛ لِأَنَّ مَوْضُوعَهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَكَذَا الطَّائِفَةُ الَّتِي تُفَارِقُهُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُفَارِقُهُ حَتَّى يَسْتَقِلَّ قَائِمًا؛ لِأَنَّ النُّهُوضَ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ جَمْعًا، فَلَا حَاجَةَ إِلَى مُفَارَقَتِهِمْ لَهُ قَبْلَهُ؛ لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَازَتْ لِلْعُذْرِ، وَتَنْوِي الْمُفَارَقَةَ؛ لِأَنَّ مَنْ تَرَكَ الْمُتَابَعَةَ، وَلَمْ يَنْوِ الْمُفَارَقَةَ، بَطَلَتْ، وَتَسْجُدُ لِسَهْوِ إِمَامِهَا قَبْلَ الْمُفَارَقَةِ عِنْدَ فَرَاغِهَا؛ وَهِيَ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ مُنْفَرِدَةٌ، وَقِيلَ: مَنْوِيَّةٌ، وَالطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ مَنْوِيَّةٌ فِي كُلِّ صَلَاتِهِ، يَسْجُدُونَ لِسَهْوِهِ لَا لِسَهْوِهِمْ.

стр. 597

مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً. وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] قَوْلُهُ: (ثَبَتَ قَائِمًا) أَيْ: يَقْرَأُ حَالَ انْتِظَارِهِ وَيُطِيلُهَا، ذَكَرَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " وَغَيْرِهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّلَاةِ حَالُ سُكُوتٍ، وَالْقِيَامُ مَحَلُّ الْقِرَاءَةِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَأْتِيَ بِهَا كَمَا فِي التَّشَهُّدِ إِذَا انْتَظَرَهُمْ، وَقَالَ الْقَاضِي: إِذَا قَرَأَ فِي انْتِظَارِهِمْ، قَرَأَ بَعْدَ مَجِيئِهِمْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ، وَسُورَةٍ خَفِيفَةٍ، وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي انْتِظَارِهِمْ قَرَأَ إِذَا جَاءُوا بِالْفَاتِحَةِ وَسُورَةٍ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ، فَلَوْ قَرَأَ قَبْلَ مَجِيئِهِمْ، ثُمَّ رَكَعَ عِنْدَ مَجِيئِهِمْ، أَوْ قَبْلَهُ، فَأَدْرَكُوهُ رَاكِعًا، رَكَعُوا مَعَهُ، وَصَحَّتْ لَهُمُ الرَّكْعَةُ مَعَ تَرْكِ السُّنَّةِ. قَوْلُهُ: فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ، أَيْ: يَتَشَهَّدُ وَيُطِيلُهُ، وَيُطِيلُ الدُّعَاءَ فِيهِ حَتَّى يُدْرِكَهُ فَيَتَشَهَّدُوا، وَيُسَلِّمَ بِهِمْ، وَقِيلَ: لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَهُمْ بَعْدَ أَنْ صَلَّوْا مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ يُصَلُّوا وَحْدَهُمْ رَكْعَةً أُخْرَى وَيُسَلِّمُوا، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمُوَافَقَةِ الْخَبَرِ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ﴾ [النساء: ١٠٢] فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُمْ كُلَّهَا مَعَهُ، وَلِتَحْصُلَ الْمُعَادَلَةُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةَ السَّلَامَ، وَهَذِهِ الصِّفَةُ وَالَّتِي قَبْلَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ، كَصَلَاةِ الْفَجْرِ، وَالرُّبَاعِيَّةِ الْمَقْصُورَةِ لِلْمُسَافِرِ، فَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَتُصَلَّى فِي الْخَوْفِ حَضَرًا بِشَرْطِ كَوْنِ الطَّائِفَةِ أَنْ تُعِينَ، فَيُصَلِّي بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً بَعْدَ حُضُورِهَا الْخُطْبَةَ، فَإِنْ أَحْرَمْ بِالَّتِي لَمْ يَحْضُرْهَا، لَمْ يَصِحَّ، وَتَقْضِي كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا جَهْرٍ، وَتُصَلِّي الِاسْتِسْقَاءَ ضَرُورَةً كَالْمَكْتُوبَةِ، وَالْكُسُوفُ وَالْعِيدُ آكَدُ مِنْهُ. (فَإِنْ كَانَتِ الصَّلَاةُ مَغْرِبًا صَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنَ التَّفْضِيلِ، فَالْأُولَى أَحَقُّ بِهِ، وَمَا فَاتَ الثَّانِيَةَ يَنْجَبِرُ بِإِدْرَاكِهَا السَّلَامَ مَعَ الْإِمَامِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ عُكِسَ، صَحَّتْ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ لِأَنَّ الْأُولَى أَدْرَكَتْ مَعَهُ فَضِيلَةَ الْإِحْرَامِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكَعَاتِ لِيَحْصُلَ الْجَبْرُ بِهِ، قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكَيْفَ فَعَلَ جَازَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا تُصَلِّي جَمِيعَ صَلَاتِهَا فِي حُكْمِ الْإِتْمَامِ، وَالْأُولَى تَفْعَلُ صَلَاتَهَا فِي حِكَمِ الِانْفِرَادِ.

стр. 598

صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ الْأُولَى بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَالْأُخْرَى تُتِمُّ بِـ (الْحَمْدُ لِلَّهِ) وَسُورَةٍ، وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا، فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَخَرَّجُ: يَفْسَدُ مِنْ فَسَادِهَا بِتَفْرِيقِهِمْ أَرْبَعَ طَوَائِفَ، وَعَلَى الْأَوَّلِ إِذَا صَلَّى بِالثَّانِيَةِ الرَّكْعَةَ الثَّالِثَةَ، وَجَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامَتْ، وَلَا تَتَشَهَّدُ مَعَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِتَشَهُّدِهَا، بِخِلَافِ الرُّبَاعِيَّةِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: تَتَشَهَّدُ مَعَهُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّهَا تَقْضِي رَكْعَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ، لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى أَنْ يُصَلِّيَ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ، وَلَا نَظِيرَ لَهُ (وَإِنْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَأَتَمَّتِ الْأُولَى) بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ (بِالْحَمْدُ لِلَّهِ) وَحْدَهَا (فِي كُلِّ رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا آخِرُ صَلَاتِهَا (وَ) تَقُومُ (الْأُخْرَى) إِذَا تَشَهَّدَتْ مَعَهُ الْأَوَّلَ (تُتِمُّ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَسُورَةٍ) لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاتِهَا، وَتَسْتَفْتِحُ إِذَا قَامَتْ لِلْقَضَاءِ، وَيُسَلِّمُ بِهِمْ، وَإِنْ قُلْنَا: مَا يَقْضِيهِ الْمَسْبُوقُ آخِرَ صَلَاتِهِ، فَلَا اسْتِفْتَاحَ، وَلَا يَقْرَأُ السُّورَةَ (وَهَلْ تُفَارِقُهُ الْأُولَى فِي التَّشَهُّدِ، أَوْ فِي الثَّالِثَةِ، عَلَى وَجْهَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: تُفَارِقُهُ إِذَا فَرَغَ مِنَ التَّشَهُّدِ، قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَغَيْرِهِ، وَيَنْتَظِرُ الثَّانِيَةَ جَالِسًا يُكَرِّرُهُ، فَإِذَا أَتَتْ، قَامَ لِيُدْرِكَ جَمِيعَ الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، وَلِأَنَّ الْجُلُوسَ أَخَفُّ عَلَى الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى انْتَظَرَهُمْ قَائِمًا احْتَاجَ إِلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ، وَفِي الثَّالِثَةِ خِلَافُ السُّنَّةِ. وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: تُحْرِمُ مَعَهُ، ثُمَّ يَنْهَضُ بِهِمْ، وَالثَّانِي: يُفَارِقُونَهُ حِينَ قِيَامِهِ إِلَى الثَّالِثَةِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى التَّطْوِيلِ مِنْ أَجْلِ الِانْتِظَارِ، وَالتَّشَهُّدُ يُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهُ، وَلِأَنَّ ثَوَابَ الْقَائِمِ أَكْثَرُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ، وَيَصِحُّ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً، وَبِأُخْرَى ثَلَاثًا، وَيَكُونُ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ، قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَإِنْ فَرَّقَهُمْ أَرْبَعًا فَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً) أَوْ فَرَّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ، فَصَلَّى بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ، وَبِالْبَاقِيَتَيْنِ رَكْعَةً رَكْعَةً، أَوْ صَلَّى بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ (صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَيَيْنِ) فَقَطْ، ذَكَرَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ "

стр. 599

وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ. الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً، ثُمَّ تَمْضِي إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى، فَيُصَلِّي بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمُ وَحْدَهُ، وَتَمْضِي هِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِي الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِي ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَلِمُفَارَقَتِهَا قَبْلَ الِانْتِظَارِ الثَّالِثِ؛ وَهُوَ الْمُبْطِلُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ (وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ) لِأَنَّهُ زَادَ انْتِظَارًا ثَالِثًا لَمْ يَرِدِ الشَّرْعُ بِهِ، فَوَجَبَ بُطْلَانُهَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ فَعَلَهُ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ، وَسَوَاءٌ كَانَ هَذَا التَّفْرِيقُ لِحَاجَةٍ أَوْ غَيْرِهَا، قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُهُمْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ (وَالْأُخْرَيَيْنِ إِنْ عَلِمَتَا بُطْلَانَ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُمَا ائْتَمَّا بِمَنْ صَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ بَاطِلَةً مِنْ أَوَّلِهَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمَا إِذَا جَهِلَتَا بُطْلَانَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، أَنَّهَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا يَخْفَى، وَكَمَا لَوِ ائْتَمَّ بِمُحْدِثٍ لَا يَعْلَمُ حَدَثَهُ، وَيَجُوزُ خَفَاؤُهُ عَلَى الْإِمَامِ أَيْضًا، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَفِيهِ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ وَالْمَأْمُومَ يَعْلَمَانِ وُجُودَ الْمُبْطِلِ، وَإِنَّمَا خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ، فَلَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ الْبُطْلَانَ، كَمَا لَوْ عُلِمَ حَدَثُ الْإِمَامِ، وَلَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ مُبْطِلًا، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ صَحَّتْ صَلَاةُ الْجَمِيعِ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَقْيَسُ، فَعَلَى هَذَا تُفَارِقُهُ الْأُولَتَانِ بَعْدَ الْقِيَامِ، وَتُفَارِقُهُ الثَّالِثَةُ، وَتَقُومُ الرَّابِعَةُ عَقِبَ رَفْعِهِ مِنَ السُّجُودِ، وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُولَى فَقَطْ، وَبَطَلَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَبَاقِي الطَّوَائِفِ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْكُلِّ لِنِيَّتِهِ صَلَاةً مُحَرَّمَةً ابْتِدَاءً، وَقِيلَ: تَصِحُّ صَلَاةُ الْإِمَامِ فَقَطْ، جَزَمَ بِهِ فِي الْخِلَافِ؛ لِأَنَّ صَلَاةَ الْمَأْمُومِينَ إِنَّمَا فَسَدَتْ لِانْصِرَافِهِمْ فِي غَيْرِ وَقْتِ الِانْصِرَافِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ: تَبْطُلُ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ لِانْصِرَافِهِمَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ. (الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً ثُمَّ تَمْضِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، وَتَأْتِيَ الْأُخْرَى فَيُصَلِّيَ بِهَا رَكْعَةً وَيُسَلِّمَ وَحْدَهُ، وَتَمْضِيَ هِيَ إِلَى الْعَدُوِّ، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُولَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا، ثُمَّ تَأْتِيَ الْأُخْرَى فَتُتِمَّ صَلَاتَهَا) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ : صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجْدَتَيْنِ، وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجَهَةُ الْعَدُوِّ، ثُمَّ انْصَرَفُوا، وَقَامُوا فِي مَقَامِ

стр. 600

الْأُخْرَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا. الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً وَيُسَلِّمَ بِهَا. الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْمِلَ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ، وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ﷺ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً، وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَعَلَى كُلِّ طَائِفَةٍ الْقِرَاءَةُ فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي تَقْضِيهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: لَا قِرَاءَةَ عَلَيْهَا، لِأَنَّهَا مُؤْتَمَّةٌ بِهِ حُكْمًا، فَلَا يَقْرَأُ فِيمَا يَقْضِيهِ، كَمَنْ زُحِمَ أَوْ نَامَ حَتَّى سَلَّمَ إِمَامُهُ، وَالْمَنْصُوصُ خِلَافُهُ، وَإِذَا قَضَتِ الثَّانِيَةُ رَكْعَتَهَا حِينَ تُفَارِقُ الْإِمَامَ ثُمَّ تَمْضِي، وَتَأْتِي الْأُولَى فَتُتِمُّ صَلَاتَهَا، جَازَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَحْسَنُ؛ لِخَبَرِ ابْنِ مَسْعُودٍ. (الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُصَلِّيَ بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً، وَيُسَلِّمَ بِهَا) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي بَكَرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّ هَذِهِ الصِّفَةَ حَسَنَةٌ قَلِيلَةُ الْكُلْفَةِ لَا يُحْتَاجُ فِيهَا إِلَى مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ، وَلَا إِلَى تَعْرِيفِ كَيْفِيَّةِ الصَّلَاةِ، وَبَنَاهُ الْقَاضِي عَلَى اقْتِدَاءِ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُنْتَفِلِ، وَنَصُّهُ التَّفْرِقَةُ. (الْوَجْهُ الْخَامِسُ: أَنْ يُصَلِّيَ الرُّبَاعِيَّةَ الْمَقْصُورَةَ تَامَّةً، وَتُصَلِّيَ مَعَهُ كُلُّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، وَلَا تَقْضِي شَيْئًا، فَتَكُونَ لَهُ تَامَّةً، وَلَهُمْ مَقْصُورَةً) لِمَا رَوَى جَابِرٌ قَالَ: «أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ قَالَ: فَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، قَالَ: فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ، وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

стр. 601

مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَتَأَوَّلَهُ الْقَاضِي عَلَى أَنَّهُ ﵇ صَلَّى بِهِمْ كَصَلَاةِ الْحَضَرِ، وَأَنَّ كُلَّ طَائِفَةٍ قَضَتْ رَكْعَتَيْنِ؛ وَهُوَ تَأْوِيلٌ فَاسِدٌ لِمُخَالَفَةِ صِفَةِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْلِ أَحْمَدَ، وَمَنَعَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " لِاحْتِمَالِ سَلَامِهِ، فَتَكُونُ الصِّفَةُ قَبْلَهَا. تَتْمِيمٌ: وَهُوَ الْوَجْهُ السَّادِسُ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُؤَلِّفُ هُنَا؛ وَهُوَ لَوْ قَصَرَهَا، وَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً بِلَا قَضَاءٍ، كَصَلَاتِهِ ﵇ فِي خَبَرِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُذَيْفَةَ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ، صَحَّ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَ " مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ "، وَغَيْرِهِمْ، وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ، وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الَّذِينَ قَالُوا: رَكْعَةً، إِنَّمَا هُوَ عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ، وَالَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا مِنْ رَكْعَتَيْنِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لِصِغَرِ سِنِّهِ، فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَضَرَهَا وَصَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ أَوْلَى. زِيَادَةٌ: إِذَا صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ عَامَ نَجْدٍ، عَلَى مَا خَرَّجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ؛ وَهِيَ أَنْ تَقُومَ مَعَهُ طَائِفَةٌ، وَأُخْرَى تُجَاهَ الْعَدُوِّ، وَظَهْرُهَا إِلَى الْقِبْلَةِ، ثُمَّ يُحْرِمُ وَيُحْرِمُ مَعَهُ الطَّائِفَتَانِ، ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَةً هُوَ وَالَّتِي مَعَهُ، ثُمَّ يَقُومُ إِلَى الثَّانِيَةِ وَيَذْهَبُ الَّذِينَ مَعَهُ إِلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ، وَتَأْتِي الْأُخْرَى فَتَرْكَعُ وَتَسْجُدُ، ثُمَّ يُصَلِّي بِالثَّانِيَةِ وَيَجْلِسُ، وَتَأْتِي الَّتِي تُجَاهَ الْعَدُوِّ فَتَرْكَعُ وَتَسْجُدُ وَيُسَلِّمُ بِالْجَمِيعِ، جَازَ. (وَيُسْتَحِبُّ أَنْ يَحْمِلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يُثْقِلُهُ، كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] وَقَوْلِهِ ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ﴾ [النساء: ١٠٢] فَدَلَّ عَلَى الْجُنَاحِ عِنْدَ عَدَمِ ذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَكَانَ شَرْطًا كَالسُّتْرَةِ. وَقَالَ ابْنُ مُنَجَّا: وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّ حَمْلَهُ يُرَادُ لِحِرَاسَةٍ أَوْ قِتَالٍ، وَالْمُصَلِّي لَا يَتَّصِفُ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا، وَالْأَمْرُ بِهِ لِلرِّفْقِ بِهِمْ وَالصِّيَانَةِ لَهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْإِيجَابِ، كَمَا أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الْوِصَالِ لَمَّا كَانَ لِلرِّفْقِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ، وَذَكَرَهُ الشَّرِيفُ، وَابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ حَمْلَهُ

стр. 602

فَصْلٌ وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ، صَلَّوْا رِجَالًا وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا، وَيُومِئُونَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ مَحْظُورٌ، فَالْأَمْرُ بِهِ هُنَا أَمْرٌ بَعْدَ حَظْرٍ؛ وَهُوَ لِلْإِبَاحَةِ مَعَ قَوْلِهِمْ: يُسْتَحَبُّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ حَمْلُ مَا يُثْقِلُهُ كَالْجَوْشَنِ وَمَا يَمْنَعُ مِنْ إِكْمَالِهَا كَالْمِغْفَرِ، وَمَا يَضُرُّ غَيْرَهُ كَالرُّمْحِ، هَذَا إِذَا كَانَ مُتَوَسِّطًا، فَإِنْ كَانَ فِي حَاشِيَةٍ لَمْ يُكْرَهْ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَإِنِ احْتَاجَ إِلَى ذَلِكَ فَلَا كَرَاهَةَ (وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَجِبَ ذَلِكَ) أَيْ: حَمْلُ الْخِفِّ مِنْ سِلَاحٍ يَقِيهِ، وَاخْتَارَهُ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ، وَقَالَهُ دَاوُدُ، وَفِي " الشَّرْحِ "؛ وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وِفَاقًا. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَ بِهِمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ مَرَضٍ، فَلَا يَجِبُ بِغَيْرِ خِلَافٍ. فَرْعٌ: يَجُوزُ حَمْلُ سِلَاحٍ نَجِسٍ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِلْحَاجَةِ بِلَا إِعَادَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ. [فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْخَوْفِ] فَصْلٌ (وَإِذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ) الْمُرَادُ بِهِ حَالَ الْمُسَايَفَةِ؛ وَهُوَ أَنْ يَتَوَاصَلَ الطَّعْنُ وَالْكَرُّ وَالْفَرُّ، وَلَمْ يُمْكِنْ تَفْرِيقُ الْقَوْمِ، وَلَا صَلَاتُهُمْ عَلَى مَا سَبَقَ (صَلَّوْا) أَيْ: يَلْزَمُهُمْ فِعْلُ الصَّلَاةِ (رِجَالًا وَرُكْبَانًا إِلَى الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهَا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ٢٣٩] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: «فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ، وَرُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ نَافِعٌ: لَا أَرَى ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إِلَّا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا،

стр. 603

إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ. فَإِنْ أَمْكَنَهُمُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا أَوْ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، فَلَهُ أَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَلِأَنَّهُ ﵇ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي غَيْرِ شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَأَمَرَهُمْ بِالْمَشْيِ إِلَى وُجَاهِ الْعَدُوِّ، وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ، ثُمَّ يَعُودُونَ لِقَضَاءِ مَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِمْ؛ وَهُوَ مَشْيٌ كَثِيرٌ، وَعَمَلٌ طَوِيلٌ، وَاسْتِدْبَارُ الْقِبْلَةِ، فَمَعَ شِدَّتِهِ أَوْلَى. (وَيُومِئُونَ إِيمَاءً عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ) لِأَنَّهُمْ لَوْ تَمَّمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ لَكَانُوا هَدَفًا لِأَسْلِحَةِ الْكُفَّارِ، مُعَرِّضِينَ لِأَنْفُسِهِمْ بِالْهَلَاكِ، وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ أَخْفَضَ مِنَ الرُّكُوعِ، وَلَا يَجِبُ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى ظَهْرِ دَابَّتِهِ، وَلَهُ الْكَرُّ وَالْفَرُّ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُبْطِلًا لَجَازَ إِخْلَاءُ الْوَقْتِ عَنِ الصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُمْ مُكَلَّفُونَ تَصِحُّ طَهَارَتُهُمْ، كَالْمَرِيضِ، بِخِلَافِ الصِّيَاحِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَا يَزُولُ الْخَوْفُ إِلَّا بِانْهِزَامِ الْكُلِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهُمْ فِعْلَ ذَلِكَ، سَوَاءٌ وُجِدَ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَوْ فِيهَا، وَتَنْعَقِدُ الْجَمَاعَةُ حِينَئِذٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِلنُّصُوصِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهَا تَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا احْتَجُّوا بِهِ، وَقِيلَ: لَا يَجِبُ، وَعِنْدَ ابْنِ حَامِدٍ، وَالْمُؤَلِّفِ: لَا يَنْعَقِدُ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: يُعْفَى عَنْ تَقْدِيمِ الْإِمَامِ، كَعَمَلٍ كَثِيرٍ، لَكِنْ يُعْتَبَرُ إِمْكَانُ الْمُتَابَعَةِ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُؤَخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا حَالَ شِدَّةِ الْحَرْبِ وَالْتِحَامِ الْقِتَالِ وَالْمُطَارَدَةِ، ذَكَرَهَا ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَلَا يَجِبُ. وَعَنْهُ: مَا يَدُلُّ عَلَى الرُّجُوعِ عَنْهَا، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَتَأْخِيرُهُ ﵇ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَأَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ. (فَإِنْ أَمْكَنَهُمُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ، فَهَلْ يَلْزَمُهُمْ ذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) " الْمَذْهَبُ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ " لَا يَلْزَمُهُ كَبَقِيَّةِ أَجْزَائِهَا، وَالثَّانِيَةُ: بَلَى؛ وَهِيَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " كَمَا لَوْ أَمْكَنَهُمْ ذَلِكَ فِي رَكْعَةٍ كَامِلَةٍ، وَظَاهِرُهُ: لَا تَجِبُ مَعَ الْعَجْزِ، حَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَقَدْ ذَكَرَ

стр. 604

يُصَلِّيَ كَذَلِكَ. وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ، وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَمَنِ ابْتَدَأَهَا آمِنًا فَخَافَ، أَتَمَّ صَلَاةَ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي "، وَابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، وَمَعَ الْعَجْزِ رِوَايَتَانِ. (وَمَنْ هَرَبَ مِنْ عَدُوٍّ هَرَبًا مُبَاحًا) كَخَوْفِ قَتْلٍ مُحَرَّمٍ أَوْ أَسْرٍ (أَوْ مِنْ سَيْلٍ أَوْ سَبُعٍ) وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْمَعْرُوفُ - بِضَمِّ الْبَاءِ وَسُكُونِهَا -، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ مُفْتَرِسٍ (أَوْ نَحْوِهِ) كَنَارٍ (فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ كَذَلِكَ) أَيْ: كَمَا تَقَدَّمَ لِوُجُودِ شَرْطِهِ، سَوَاءٌ خَافَ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ ذَبَّهُ عَنْهُ، وَعَلَى الْأَصَحِّ: أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ صَلَاةُ أَمْنٍ كَدُخُولِهِ حِصْنًا، أَوْ صُعُودِهِ رَبْوَةً، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لِذَلِكَ، وَفِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِمُحْرِمٍ خَوْفَ فَوْتِ الْحَجِّ خِلَافٌ. وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْعَاصِيَ بِهَرَبِهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ صَلَاةَ الْخَوْفِ لِأَنَّهَا رُخْصَةٌ، فَلَا تَثْبُتُ بِالْمَعْصِيَةِ كَرُخَصِ السَّفَرِ (وَهَلْ لِطَالِبِ الْعَدُوِّ الْخَائِفِ فَوَاتَهُ الصَّلَاةُ كَذَلِكَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ: أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، رُوِيَ عَنْ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ، وَقَالَهُ الْأَوْزَاعِيُّ؛ لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ «بَعَثَنِي النَّبِيُّ ﷺ إِلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ، قَالَ: اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ، فَرَأَيْتُهُ وَقَدْ حَضَرَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ، فَقُلْتُ: إِنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا يُؤَخِّرُ الصَّلَاةَ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إِيمَاءً نَحْوَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَظَاهِرُ حَالِهِ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ ، أَوْ كَانَ قَدْ عَلِمَ جَوَازَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مُخْطِئًا، وَلِأَنَّ فَوَاتَ الْكُفَّارِ ضَرَرٌ عَظِيمٌ، فَأُبِيحَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ عِنْدَ فَوْتِهِ، كَالْحَالَةِ الْأُخْرَى، وَالثَّانِيَةُ: لَا يُصَلِّي إِلَّا صَلَاةَ أَمْنٍ، صَحَّحَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَقَالَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ، لِأَنَّهَا مَشْرُوطَةٌ بِالْخَوْفِ؛ وَهُوَ مَعْدُومٌ هُنَا، وَكَذَا التَّيَمُّمُ لَهُ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إِنْ خَافَ الطَّالِبُ رُجُوعَ الْعَدُوِّ صَلَّى صَلَاةَ خَائِفٍ؛ وَهُوَ الَّذِي فِي " الشَّرْحِ ". (وَمَنْ أَمِنَ فِي الصَّلَاةِ أَتَمَّ صَلَاةَ آمِنٍ، وَإِنِ ابْتَدَأَهَا آمِنًا فَخَافَ، أَتَمَّ صَلَاةَ خَائِفٍ) عَلَى حَسَبِ حَالِهِ؛ لِأَنَّهُ يَبْنِي عَلَى صَلَاةٍ صَحِيحَةٍ، وَكَمَا لَوْ صَلَّى قَائِمًا ثُمَّ عَجَزَ، أَوْ

стр. 605

خَائِفٍ، وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ. بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ حُرٍّ مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ. لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] عَاجِزًا ثُمَّ قَدَرَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَوِ انْتَهَى السَّيْلُ أَوِ الْحَرِيقُ إِلَيْهِ؛ وَهُوَ يُصَلِّي أَنَّهُ يُصَلِّي صَلَاةَ خَائِفٍ، وَكَذَا مَنْ خَافَ كَمِينًا أَوْ مَكِيدَةً أَوْ مَكْرُوهًا، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْعَدُوُّ بِإِزَاءِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْأَشْهَرِ (وَمَنْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ لِسَوَادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا، فَبَانَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَدُوٍّ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَا يَمْنَعُهُ، فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) كَذَا ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدِ الْمُبِيحُ، أَشْبَهَ مَنْ ظَنَّ الطَّهَارَةَ، ثُمَّ عَلِمَ بِحَدَثِهِ. وَسَوَاءٌ اسْتَنَدَ ظَنُّهُ إِلَى خَبَرِ ثِقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَقِيلَ: لَا إِعَادَةَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً، وَكَذَا إِنْ كَانَ، وَثَمَّ مَانِعٌ، وَقِيلَ: إِنْ خَفِيَ الْمَانِعُ، وَإِلَّا أَعَادَ، فَإِنْ بَانَ عَدُوًّا يَقْصِدُ غَيْرَهُ، لَمْ يُعِدْ فِي الْأَصَحِّ، لِوُجُودِ سَبَبِ الْخَوْفِ بِوُجُودِ عَدُوٍّ يَخَافُ هَجْمَهُ، كَمَا لَا يُعِيدُ مَنْ خَافَ عَدُوًّا فِي تَخَلُّفِهِ عَنْ رُفْقَتِهِ فَصَلَّاهَا، ثُمَّ بَانَ أَمْنُ الطَّرِيقِ. وَقَالَ فِي " التَّبْصِرَةِ ": إِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ خَنْدَقٌ أَوْ سُورٌ، فَخَافُوا طَمَّهُ أَوْ هَدْمَهُ إِنِ اشْتَغَلُوا، صَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ، وَقَالَ الْقَاضِي: فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا، صَلَّوْا صَلَاةَ آمِنٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. [بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] [حُكْمُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ بِتَثْلِيثِ الْمِيمِ، حَكَاهُ ابْنُ سِيدَهْ، وَالْأَصْلُ الضَّمُّ، وَاشْتِقَاقُهَا مِنِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ لِلصَّلَاةِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِهَا الْجَمَاعَاتِ، وَقِيلَ: لِجَمْعِ طِينِ آدَمَ فِيهَا، وَقِيلَ: لِأَنَّ آدَمَ جُمِعَ فِيهَا خَلْقُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ جُمِعَ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ فِيهَا، وَفِيهِ خَبَرٌ مَرْفُوعٌ، وَقِيلَ: لِمَا جُمِعَ فِيهَا مِنَ الْخَيْرِ. قِيلَ: أَوَّلُ مَنْ سَمَّاهُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ، وَاسْمُهُ الْقَدِيمُ يَوْمُ الْعُرُوبَةِ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ. (وَهِيَ وَاجِبَةٌ) بِالْإِجْمَاعِ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:

стр. 606

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَالسَّعْيُ الْوَاجِبُ لَا يَجِبُ إِلَّا إِلَى وَاجِبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ: الذَّهَابُ إِلَيْهَا لَا الْإِسْرَاعُ، وَبِالسُّنَّةِ: فَمِنْهَا قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ، ثُمَّ أُحَرِّقُ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الْجُمُعَةِ بُيُوتَهُمْ» ، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ، وَابْنُ عُمَرَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمُ الْجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ الْغَافِلِينَ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ؛ وَهِيَ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِنَفْسِهَا، لِعَدَمِ انْعِقَادِهَا بِنِيَّةِ الظُّهْرِ مِمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِجَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ لَا أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ. قَالَ أَبُو يَعْلَى الصَّغِيرُ وَغَيْرُهُ: وَلَا تُجْمَعُ فِي مَحَلٍّ يُبِيحُ الْجَمْعَ، وَعَنْهُ: ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ، وَفِي " الِانْتِصَارِ "، " وَالْوَاضِحِ " هِيَ الْأَصْلُ، وَالظُّهْرُ بَدَلٌ، زَادَ بَعْضُهُمْ: رُخْصَةٌ فِي حَقِّ مَنْ فَاتَتْهُ؛ وَهِيَ أَفْضَلُ مِنَ الظُّهْرِ (عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مُكَلَّفٍ) لِأَنَّ الْإِسْلَامَ وَالْعَقْلَ شَرْطَانِ لِلتَّكْلِيفِ وَصِحَّةِ الْعِبَادَةِ، فَلَا تَجِبُ عَلَى مَجْنُونٍ إِجْمَاعًا، وَلَا عَلَى صَبِيٍّ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، لِمَا رَوَى طَارِقُ بْنُ شِهَابٍ مَرْفُوعًا: «الْجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ إِلَّا أَرْبَعَةً: عَبْدٌ مَمْلُوكٌ، أَوِ امْرَأَةٌ، أَوْ صَبِيٌّ، أَوْ مَرِيضٌ. رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: طَارِقٌ قَدْ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَلِأَنَّ الْبُلُوغَ مِنْ شَرَائِطِ التَّكْلِيفِ بِالْفُرُوعِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مُمَيِّزٍ، ذَكَرَهَا فِي " الْمُذْهَبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَزَادَ: بِنَاءً عَلَى تَكْلِيفِهِ، وَذَكَرَ السَّامِرِيُّ: إِنْ لَزِمَتِ الْمَكْتُوبَةُ صَبِيًّا لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: لَا، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَقَالَ: هُوَ كَالْإِجْمَاعِ لِلْخَبَرِ (ذَكَرٍ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْحُضُورِ فِي مَجَامِعِ الرِّجَالِ، وَفِي " نِهَايَةِ " الْأَزَجِّيِّ

стр. 607

مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ تَقْرِيبًا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ. وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] رِوَايَةٌ أَنَّهَا تَلْزَمُهَا (حُرٍّ) هُوَ الْمَشْهُورُ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، وَلِأَنَّ الْعَبْدَ مَمْلُوكُ الْمَنْفَعَةِ مَحْبُوسٌ عَلَى سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ الْمَحْبُوسَ بِالدَّيْنِ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ، وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ وَمُخَالَفَتُهُ. قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُمْ بِإِذْنِ سَيِّدٍ، وَمُقْتَضَاهُ: لَا تَجِبُ عَلَى الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُهُ فِي نَوْبَتِهِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالْمُدَبَّرُ وَالْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ، كَالْقِنِّ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ، وَتَعَلُّقِ حَقِّ السَّيِّدِ (مُسْتَوْطِنٍ بِبِنَاءٍ) مُعْتَادٍ، وَلَوْ كَانَ فَرَاسِخَ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ. مِنْ حَجَرٍ أَوْ قَصَبٍ وَنَحْوِهِ، مُتَّصِلًا أَوْ مُتَفَرِّقًا، يَشْمَلُهُ اسْمٌ وَاحِدٌ، لَا يَرْتَحِلُ عَنْهُ شِتَاءً وَلَا صَيْفًا (لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوْضِعِ الْجُمُعَةِ) إِذَا كَانَ خَارِجًا عَنِ الْمِصْرِ (أَكْثَرُ مِنْ فَرْسَخٍ) نَصَّ عَلَيْهِ (تَقْرِيبًا) عَنْ مَكَانِ الْجُمُعَةِ، وَعَنْهُ: عَنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: الِاعْتِبَارُ بِسَمَاعِ النِّدَاءِ؛ لِقَوْلِهِ ﵇ «الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَقَالَ: إِنَّمَا أَسْنَدَهُ قَبِيصَةُ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ مِنَ الثِّقَاتِ. قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": الْأَشْبَهُ أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلَفْظُهُ: «إِنَّمَا الْجُمُعَةُ عَلَى مَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ» ، وَالْعِبْرَةُ بِسَمَاعِهِ مِنَ الْمَنَارَةِ لَا بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ بَعْضُهُمْ: غَالِبًا مِنْ مَكَانِهَا، أَوْ مِنْ أَطْرَافِ الْبَلَدِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ عَلَى مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الذَّهَابِ إِلَيْهَا، وَالْعَوْدِ إِلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمِهِ، رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ، وَالْحَسَنِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ، لِظَاهِرِ الْآيَةِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْجُمُعَةِ، يَسْمَعُونَ النِّدَاءَ كَالْمِصْرِ، وَاعْتِبَارُ سَمَاعِ النِّدَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِيهِمُ الْأَصَمُّ، وَقَدْ يَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ الْإِمَامِ، فَيَخْتَصُّ بِسَمَاعِهِ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، فَاعْتُبِرَ بِمَظِنَّتِهِ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي يَسْمَعُ فِيهِ النِّدَاءَ غَالِبًا إِذَا كَانَ الْمُؤَذِّنُ صَيِّتًا، وَالرِّيَاحُ سَاكِنَةً، وَالْأَصْوَاتُ هَادِئَةً، وَالْعَوَارِضُ مُنْتَفِيَةً، هُوَ فَرْسَخٌ، فَلَوْ سَمِعَتْهُ قَرْيَةٌ مِنْ فَوْقِ فَرْسَخٍ لِعُلُوِّ مَكَانِهَا، أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَنْ دُونَهُ لِجَبَلٍ حَائِلٍ أَوِ انْخِفَاضِهَا، فَعَلَى الْخِلَافِ، وَحَيْثُ لَزِمَهُمْ، لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ أَصْلًا، وَأَمَّا إِذَا كَانَ فِي الْبَلَدِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ السَّعْيُ إِلَيْهَا، قَرُبَ أَوْ بَعُدَ، سَمِعَ النِّدَاءَ أَوْ لَمْ يَسْمَعْهُ؛

стр. 608

وَلَا عَبْدٍ وَلَا امْرَأَةٍ وَلَا خُنْثَى، وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ أَجْزَأَتْهُ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا. وَعَنْهُ فِي العَبْدِ: أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ. وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ إِذَا ــ [المبدع في شرح المقنع] لِأَنَّ الْبَلَدَ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ (إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ) مِنْ مَرَضٍ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ. [مَنْ لَا تُجِبُ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ] (وَلَا تَجِبُ عَلَى مُسَافِرِ) لَهُ الْقَصْرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ، وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهِ، فَلَمْ يُصَلِّ أَحَدٌ مِنْهُمُ الْجُمُعَةَ فِيهِ مَعَ اجْتِمَاعِ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ، وَكَمَا لَا يَلْزَمُهُ بِنَفْسِهِ لَا يَلْزَمُهُ بِغَيْرِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ عَاصِيًا بِسَفَرِهِ لَزِمَتْهُ. وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ حَضَرَ مَكَانَهَا، فَإِنْ كَانَ سَفَرُهُ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ لَا بِنَفْسِهِ، فَإِنْ أَقَامَ مَا يَمْنَعُ الْقَصْرَ، وَلَمْ يَنْوِ اسْتِيطَانًا، لَزِمَتْهُ فِي الْأَشْهَرِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَالْأَخْبَارِ، وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ لِعَدَمِ الِاسْتِيطَانِ، وَفِي صِحَّةِ إِمَامَتِهِ فِيهَا وَجْهَانِ، وَعَنْهُ: لَا تَلْزَمُهُ، جَزَمَ بِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَفِي " الْكَافِي "؛ لِأَنَّ الِاسْتِيطَانَ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ: كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرَّيِّ السَّنَةَ وَأَكْثَرَ، وَبِسِجِسْتَانَ، لَا يَجْمَعُونَ وَلَا يُشَرِّقُونَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. فَرْعٌ: لَا جُمُعَةَ بِمِنًى كَعَرَفَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، نَقَلَ يَعْقُوبُ: لَيْسَ بَيْنَهُمَا جُمُعَةٌ، إِنَّمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَلَا يَجْهَرُ، وَقِيلَ: وَلَا يَوْمَ التَّرْوِيَةِ (وَلَا عَبْدٍ، وَلَا امْرَأَةٍ) لِمَا ذَكَرْنَاهُ (وَلَا خُنْثَى) لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ كَوْنُهُ رَجُلًا، لَكِنْ يُشْكَلُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ إِذَا قِيلَ: إِنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، وَالظَّهْرُ بَدَلٌ عَنْهَا (وَمَنْ حَضَرَهَا مِنْهُمْ) أَيْ: مِنْ هَؤُلَاءِ (أَجْزَأَتْهُ) لِأَنَّ إِسْقَاطَ الْجُمُعَةِ عَنْهُمْ تَخْفِيفًا، فَإِذَا حَضَرَهَا أَجْزَأَتْ، كَالْمَرِيضِ (وَلَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ مِنْهُمُ الْجُمُعَةُ تَبَعًا لِمَنِ انْعَقَدَتْ بِهِ، فَلَوِ انْعَقَدَتْ بِهِمْ لَانْعَقَدَتْ بِهِمْ مُتَفَرِّقِينَ كَالْأَحْرَارِ الْمُقِيمِينَ (وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّ فِيهَا) لِئَلَّا يَصِيرَ التَّابِعُ مَتْبُوعًا؛ وَهُوَ فِي الْمَرْأَةِ اتِّفَاقٌ، وَكَذَا مُسَافِرٌ لَهُ الْقَصْرُ، وَقِيلَ: تَلْزَمُهُ تَبَعًا لِلْمُقِيمِينَ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَحَكَاهُ بَعْضُهُمْ رِوَايَةً: تَلْزَمْهُ بِحُضُورِهَا فِي وَقْتِهَا مَا لَمْ يَنْضَرَّ بِالِانْتِظَارِ، وَتَنْعَقِدُ بِهِ، وَيَؤُمُّ فِيهَا كَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ تَخْفِيفًا لِعُذْرِ مَرَضٍ وَخَوْفٍ وَنَحْوِهِمَا لِزَوَالِ ضَرَرِهِ، فَهُوَ كَمُسَافِرٍ يَقْدِمُ، وَإِنْ قُلْنَا: تَلْزَمُ عَبْدًا وَصَبِيًّا صَحَّتْ إِمَامَتُهُمَا، وَانْعَقَدَتْ بِهِمَا، وَصَحَّحَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فِي

стр. 609

حَضَرَهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ، وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ. وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ أَلَّا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ. وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الْعَبْدِ، وَقَالَ الْقَاضِي فِي " الْمُجَرَّدِ ": لَا تَصِحُّ إِمَامَةُ الصَّبِيِّ فِيهَا، وَلَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ (وَعَنْهُ: فِي الْعَبْدِ أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ) اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِعُمُومِ الْآيَةِ، وَقِيَاسًا عَلَى الظُّهْرِ، فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَأْذِنَ سَيِّدَهُ، وَيَحْرُمُ مَنْعُهُ وَمُخَالَفَتُهُ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا يَذْهَبُ إِلَيْهَا مِنْ غَيْرِ إِذْنٍ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ بِإِذْنِ سَيِّدٍ. تَنْبِيهٌ: مَنْ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ لِمَرَضٍ أَوْ سَفَرٍ، أَوِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا كَعَبْدٍ، فَهِيَ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَلِلْمَرْأَةِ حُضُورُهَا، وَقِيلَ: يُكْرَهُ لِلشَّابَّةِ فَقَطْ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ. (وَمَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِعُذْرٍ) كَمَرَضٍ، وَخَوْفٍ (إِذَا حَضَرَهَا، وَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ) وَأَمَّ فِيهَا؛ لِأَنَّ سُقُوطَهَا لِمَشَقَّةِ السَّعْيِ، فَإِذَا تَحَمَّلَ، وَحَضَرَهَا انْتَفَتِ الْمَشَقَّةُ، وَوَجَبَتْ عَلَيْهِ، وَانْعَقَدَتْ بِهِ كَالصَّحِيحِ (وَمَنْ صَلَّى الظُّهْرَ مِمَّنْ عَلَيْهِ حُضُورُ الْجُمُعَةِ) أَيْ: مِمَّنْ تَلْزَمُهُ (قَبْلَ صَلَاةِ الْإِمَامِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى مَا لَمْ يُخَاطَبْ بِهِ، وَتَرَكَ مَا خُوطِبَ بِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ، كَمَا لَوْ صَلَّى الْعَصْرَ مَكَانَ الظُّهْرِ، وَكَشَكِّهِ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ، لِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، فَعَلَى هَذَا يُعِيدُهَا ظُهْرًا إِذَا تَعَذَّرَتِ الْجُمُعَةُ، ثُمَّ إِنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ الْجُمُعَةَ سَعَى إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهَا الْمَفْرُوضَةُ فِي حَقِّهِ، وَإِلَّا انْتَظَرَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أَنَّ الْإِمَامَ صَلَّى، ثُمَّ يُصَلِّي الظُّهْرَ، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَهُ إِدْرَاكُهَا، وَإِلَّا صَحَّتْ ظُهْرُهُ. وَحَكَى أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا وَجْهًا: أَنَّ فَرْضَ الْوَقْتِ الظُّهْرُ، فَتَصِحُّ مُطْلَقًا، وَلَا تَبْطُلُ بِالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَكَذَا إِذَا صَلَّى الظُّهْرَ شَاكًّا هَلْ صَلَّى الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ، أَوْ صَلَّى الظُّهْرَ أَهْلُ بَلَدٍ مَعَ بَقَاءِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ فِي الْأَشْهَرِ، وَيُعِيدُونَهَا إِذَا فَاتَتِ الْجُمُعَةُ، لَكِنْ يُسْتَثْنَى عَلَى الْأَوَّلِ مَا لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ الْجُمُعَةَ تَأْخِيرًا مُنْكَرًا، فَلِلْغَيْرِ أَنْ يُصَلِّيَ ظُهْرًا، وَيُجْزِئُهُ عَنْ فَرْضِهِ، جَزَمَ بِهِ الْمَجْدُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرَ كَلَامِهِ، لِخَبَرِ تَأْخِيرِ الْأُمَرَاءِ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا. (وَالْأَفْضَلُ لِمَنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ) كَالْمُسَافِرِ، وَالْمَرِيضِ (أَنْ لَا يُصَلِّيَ الظُّهْرَ حَتَّى يُصَلِّيَ الْإِمَامُ) ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ صَاحِبُ " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا زَالَ عُذْرُهُ فَلَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ،

стр. 610

وَيَجُوزُ قَبْلَهُ، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ. . وَعَنْهُ: يَجُوزُ فِي الْجِهَادِ خَاصَّةً. فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَنْ دَامَ عُذْرَهُ كَامْرَأَةٍ وَخُنْثَى، فَالتَّقْدِيمُ فِي حَقِّهِمَا أَفْضَلُ، وَلَعَلَّهُ مُرَادُ مَنْ أَطْلَقَ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ إِذَا صَلَّوْا قَبْلَ الْإِمَامِ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ قَوْلُ عَامَّتِهِمْ، لِأَنَّهُمْ أَدَّوْا فَرْضَ الْوَقْتِ، وَلَوْ زَالَ عُذْرُهُ لَمْ تَلْزَمْهُ الْجُمُعَةُ، كَالْمَعْضُوبِ إِذَا حُجَّ عَنْهُ، ثُمَّ بَرِئَ، وَقِيلَ: بَلَى؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ فِي " التَّرْغِيبِ " كَصَبِيٍّ بَلَغَ فِي الْأَشْهَرِ، وَقِيلَ: إِنْ زَالَ عُذْرُهُ، وَالْإِمَامُ فِي الْجُمُعَةِ، لَزِمَتْهُ، وَقِيلَ: إِنْ عُوفِيَ الْمَرِيضُ بَيْنَ الْإِحْرَامِ وَالسَّلَامِ أَعَادَهَا، وَفِي زَوَالِ عُذْرِ غَيْرِهِ وَجْهَانِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ قَبْلَ الْإِمَامِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، كَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْأُولَى: لَوْ صَلَّاهَا ثُمَّ حَضَرَ الْجُمُعَةَ كَانَتْ لَهُ نَفْلًا؛ لَأَنَّ الْأُولَى أَسْقَطَتِ الْفَرْضَ، وَقِيلَ: بَلْ فَرْضًا. مَسْأَلَةٌ: لَا يُكْرَهُ لِمَنْ فَاتَتْهُ الْجُمُعَةُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا الصَّلَاةُ جَمَاعَةً فِي الْمِصْرِ، لِحَدِيثِ فَضْلِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، وَفَعَلَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ. زَادَ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ: عَلَى الْأَوَّلِ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَفِي كَرَاهَتِهَا فِي مَكَانِهَا وَجْهَانِ، وَمَنْ خَافَ فِتْنَةً أَوْ ضَرَرًا صَلَّى حَيْثُ يَأْمَنُ ذَلِكَ، وَنَقَلَ الْأَثْرَمُ: لَا يُصَلِّي فَوْقَ ثَلَاثَةٍ جَمَاعَةً، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ تَبَعًا لِشَيْخِهِ، وَمَنْ لَزِمَتْهُ الْجُمُعَةُ فَتَرَكَهَا بِلَا عُذْرٍ تَصَدَّقَ بِدِينَارٍ أَوْ نِصْفِهِ لِلْخَبَرِ، وَلَا يَجِبُ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ ". [السَّفَرُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ] (وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ السَّفَرُ فِي يَوْمِهَا بَعْدَ الزَّوَالِ) أَيْ: بَعْدَ اللُّزُومِ قَبْلَ فِعْلِهَا رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِتَرْكِهَا بَعْدَ الْوُجُوبِ، كَمَا لَوْ تَرَكَهَا لِتِجَارَةٍ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى اسْتِقْرَارِهَا بِأَوَّلِهِ، فَلِهَذَا خَرَجَ الْجَوَازُ مَعَ الْكَرَاهَةِ مَا لَمْ يَحْرُمْ بِهَا لِعَدَمِ الِاسْتِقْرَارِ، وَيَجُوزُ إِذَا خَافَ فَوْتَ رُفْقَةِ سَفَرٍ مُبَاحٍ، وَقِيلَ: مَنْدُوبٌ (وَيَجُوزُ قَبْلَهُ) أَيْ: قَبْلَ الزَّوَالِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: لَا تَحْبِسُ الْجُمُعَةُ عَنْ سَفَرٍ. وَكَمَا لَوْ سَافَرَ مِنَ اللَّيْلِ (وَعَنْهُ لَا يَجُوزُ) قَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الرِّعَايَةِ "، وَجَزَمَ بِهَا

стр. 611

الْجُمُعَةِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْوَقْتُ، وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ. . . وَقَالَ ــ [المبدع في شرح المقنع] فِي " الْوَجِيزِ " لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ قَالَ: «مَنْ سَافَرَ مِنْ دَارِ إِقَامَةٍ يَوْمَ جُمُعَةٍ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ أَنْ لَا يُصْحَبَ فِي سَفَرِهِ، وَأَنْ لَا يُعَانَ عَلَى حَاجَتِهِ» وَلِأَنَّ هَذَا وَقْتٌ يَلْزَمُ مَنْ كَانَ عَلَى فَرْسَخٍ السَّعْيُ إِلَيْهَا، فَلَمْ يَجُزْ لِمَنْ فِي الْبَلَدِ السَّفَرُ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَبِدَلِيلِ الِاعْتِدَادِ بِالْغُسْلِ، وَإِنَّهُ يُسَنُّ التَّبْكِيرُ إِلَيْهَا، فَمَنَعَ مِنَ السَّبَبِ إِلَى تَفْوِيتِهَا. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ سَافَرَ يَوْمَ جُمُعَةٍ، قَلَّ مَنْ يَفْعَلُهُ إِلَّا رَأَى مَا يَكْرَهُ. وَعَلَيْهَا لَهُ السَّفَرُ إِنْ أَتَى بِهَا فِي طَرِيقِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً (وَعَنْهُ: يَجُوزُ لِلْجِهَادِ خَاصَّةً) وَأَنَّهُ أَفْضَلُ، نَقْلَهَا أَبُو طَالِبٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ جَهَّزَ جَيْشَ مُؤْتَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَرَوَى أَحْمَدُ أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ جَهَّزَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ، وَعَلِيًّا، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ، فَتَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: لَغَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَرَاحَ مُنْطَلِقًا» وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الرِّوَايَاتِ: إِنْ دَخَلَ وَقْتُهَا، وَإِلَّا جَازَ، وَعَلَى الْمَنْعِ لَهُ السَّفَرُ إِنْ أَتَى بِهَا فِي قَرْيَةٍ بِطَرِيقِهِ، وَإِلَّا كُرِهَ رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ لَا يُكْرَهُ. [فَصْلُ شُرُوطٍ لِصِحَّةِ الْجُمُعَةِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: الْوَقْتُ] فَصْلٌ وَيُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: الْوَقْتُ لِأَنَّهَا مَفْرُوضَةٌ، فَاشْتُرِطَ لَهَا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، فَلَا تَصِحُّ قَبْلَ الْوَقْتِ وَلَا بَعْدَهُ إِجْمَاعًا (وَأَوَّلُهُ أَوَّلُ وَقْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ) نَصَّ عَلَيْهِ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، لِقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سِيدَانَ: شَهِدْتُ الْجُمُعَةَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ قَبْلَ نِصْفِ النَّهَارِ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُمَرَ، فَكَانَتْ خُطْبَتُهُ وَصَلَاتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: قَدِ انْتَصَفَ النَّهَارُ، ثُمَّ شَهِدْتُهَا مَعَ عُثْمَانَ، فَكَانَتْ صَلَاتُهُ وَخُطْبَتُهُ إِلَى أَنْ أَقُولَ: زَالَ النَّهَارُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا عَابَ ذَلِكَ وَلَا أَنْكَرَهُ. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، قَالَ: وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ،

стр. 612

الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ، وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ. . . فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا، وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوهَا جُمُعَةً، وَإِنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] وَجَابِرٍ، وَسَعِيدٍ، وَمُعَاوِيَةَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَبْلَ الزَّوَالِ، وَلَمْ يُنْكِرْ، فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةُ عِيدٍ أَشْبَهَتِ الْعِيدَيْنِ، فَعَلَى هَذَا: هَلْ هُوَ وَقْتٌ لِوُجُوبِهَا، كَمَا اخْتَارَهُ أَبُو حَفْصِ بْنُ بَدْرَانَ وَغَيْرُهُ، أَوْ وَقْتُ جَوَازِهَا، نَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ: أَنَّ الْمَذْهَبَ فِيهِ رِوَايَتَانِ. (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ) حَكَاهُ ابْنُ هُبَيْرَةَ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ شَاقْلَا، وَالْمُؤَلِّفُ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ كَانَ يُصَلِّي الْجُمُعَةَ، ثُمَّ نَذْهَبُ إِلَى جِمَالِنَا فَنُزِيحُهَا حِينَ تَزُولَ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَفِي نُسْخَةٍ " لِلْخِرَقِيِّ " الْخَامِسَةُ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا قَبْلَ ذَلِكَ، وَأَغْرَبَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُفْرَدَاتِهِ: أَنَّ مَذْهَبَ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي وَقْتِ الْفَجْرِ، وَعَنْهُ: تَلْزَمُ بِالزَّوَالِ، اخْتَارَهُ الْآجُرِّيُّ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، لِمَا «رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْجُمُعَةَ مَعَ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِعْلُهَا بَعْدَهُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهَا لَا تُفْعَلُ أَوَّلَ النَّهَارِ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِدَلِيلٍ، وَلِلْخُرُوجِ مِنِ الْخِلَافِ. وَتَعْجِيلُهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَفْضَلُ صَيْفًا وَشِتَاءً؛ لِأَنَّ التَّأْخِيرَ يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ لِاجْتِمَاعِهِمْ أَوَّلَهُ بِخِلَافِ الظُّهْرِ (وَآخِرُهُ آخِرُ وَقْتِ الظُّهْرِ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، لِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْهَا، أَوْ وَاقِعَةٌ مَوْقِعُهَا، فَوَجَبَ الْإِلْحَاقُ، لِمَا بَيْنَهُمَا مِنَ الْمُشَابَهَةِ (فَإِنْ خَرَجَ وَقْتُهَا قَبْلَ فِعْلِهَا، صَلَّوْا ظُهْرًا) لِفَوَاتِ الشَّرْطِ.

стр. 613

خَرَجَ قَبْلَ رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؛ عَلَى وَجْهَيْنِ. . . . الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا (وَإِنْ خَرَجَ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَةً، أَتَمُّوهَا جُمُعَةً) نَصَّ عَلَيْهِ، وَذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ إِذَا فَاتَ لَمْ يُمْكِنِ اسْتِدْرَاكُهُ، فَسَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي الِاسْتِدَامَةِ لِلْعُذْرِ، وَكَالْجَمَاعَةِ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ. وَعَنْهُ: يُعْتَبَرُ الْوَقْتُ فِي جَمِيعِهَا إِلَّا السَّلَامَ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ شَرْطٌ فَيُعْتَبَرُ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ (وَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ) فَعَلَ (رَكْعَةٍ، فَهَلْ يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا أَوْ يَسْتَأْنِفُونَهَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ) كَذَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ ". أَحَدُهُمَا: يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا لِأَنَّهُمَا صَلَاتَا وَقْتٍ، فَجَازَ بِنَاءُ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى، كَصَلَاةِ السَّفَرِ مَعَ الْحَضَرِ، وَالثَّانِي: يَسْتَأْنِفُونَهَا ظُهْرًا، لِأَنَّهُمَا صَلَاتَانِ مُخْتَلِفَتَانِ، فَلَمْ تُبْنَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى كَالظُّهْرِ وَالصُّبْحِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُمْ لَا يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ. قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْأَصْحَابِ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ خَصَّ إِدْرَاكَهَا بِالرَّكْعَةِ، وَقِيلَ: يُتِمُّونَهَا جُمُعَةً، حَكَاهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَأَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي، وَذَكَرَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ مِنَ " الْمُذْهَبِ "، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " نَصًّا، وَقِيَاسًا عَلَى بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَرَدَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَبِأَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ ثَابِتٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَحْكَامِ، فَيُمْتَنَعُ الْقِيَاسُ، فَلَوْ دَخَلَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَهُمْ فِيهَا، فَقِيلَ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: تَبْطُلُ لِأَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ لَيْسَ وَقْتًا لَهَا، وَوَقْتَ الْعَصْرِ، وَوَقْتَ الظُّهْرِ الَّتِي الْجُمُعَةُ بَدَلُهَا. فَعَلَى الْمَذْهَبِ: لَوْ بَقِيَ مِنَ الْوَقْتِ قَدْرُ الْخُطْبَةِ وَالتَّحْرِيمَةِ، لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ، وَكَذَا يَلْزَمُهُمْ إِنْ شَكُّوا فِي خُرُوجِهِ عَمَلًا بِالْأَصْلِ. [الشَّرْطُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا] (الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِقَرْيَةٍ يَسْتَوْطِنُهَا أَرْبَعُونَ مِنْ أَهْلِ وُجُوبِهَا، فَلَا تَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ) «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَتَبَ إِلَى قُرَى عُرَيْنَةَ أَنْ يُصَلُّوا الْجُمُعَةَ» ، وَأَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ

стр. 614

وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ. . . . وَفِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنَ ــ [المبدع في شرح المقنع] جَمَّعَ بِهِمْ بِهَزْمِ النَّبِيتِ، وَلِأَنَّ الْقَرْيَةَ الْمَبْنِيَّةَ بِمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ يَسْتَوْطِنُهَا الْعَدَدُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِحُّ مِنْ أَهْلِ الْخِيَامِ وَبُيُوتِ الشِّعْرِ وَالْحَرَكَاوَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يُقْصَدْ لِلِاسْتِيطَانِ غَالِبًا، وَلِذَلِكَ كَانَتْ قَبَائِلُ الْعَرَبِ حَوْلَهُ ـ ﵇ ـ، وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهَا، زَادَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: وَلَوِ اتَّخَذُوهَا أَوْطَانًا؛ لِأَنَّ اسْتِيطَانَهُمْ فِي غَيْرِ بُنْيَانٍ، وَقَدَّمَ الْأَزَجِيُّ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: صِحَّتُهَا وَوُجُوبُهَا عَلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ بِعَمُودٍ أَوْ خِيَامٍ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ. نَقَلَ أَبُو النَّصْرِ الْعِجْلِيُّ: لَيْسَ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ جُمُعَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ يَتَنَقَّلُونَ، وَفِي تَصْرِيحِ الْمُؤَلِّفِ بِالْقَرْيَةِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ لِصِحَّتِهَا الْمِصْرُ، وَتُشْتَرَطُ الْإِقَامَةُ فِيهَا، فَلَوْ رَحَلَ عَنْهَا أَهْلُهَا فِي بَعْضِ السَّنَةِ لَمْ يَصِحَّ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَكَذَا لَوْ دَخَلَ قَوْمٌ بَلَدًا لَا سَاكِنَ بِهِ بِنِيَّةِ الْإِقَامَةِ بِهِ سَنَةً فَلَا جُمُعَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَوْ أَقَامَ بِبَلَدٍ مَا يُمْنَعُ الْقَصْرُ، وَأَهْلُهُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ، فَلَا جُمُعَةَ ـ أَيْضًا ـ فَلَوْ خَرِبَتِ الْقَرْيَةُ وَعَزَمَ أَهْلُهَا عَلَى عِمَارَتِهَا وَالْإِقَامَةِ بِهَا فَعَلَيْهِمُ الْجُمُعَةُ، وَإِنْ عَزَمُوا عَلَى النَّقْلَةِ فَلَا (وَتَجُوزُ إِقَامَتُهَا فِي الْأَبْنِيَةِ الْمُتَفَرِّقَةِ إِذَا شَمِلَهَا اسْمٌ وَاحِدٌ) قِيَاسًا عَلَى الْقَرْيَةِ الْمُتَّصِلَةِ، وَاعْتَبَرَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ اجْتِمَاعَ الْمَنَازِلِ فِي الْقَرْيَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي. وَقَالَ ـ أَيْضًا ـ: مَعْنَاهُ: مُتَقَارِبَةُ الِاجْتِمَاعِ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ التَّفْرِيقَ إِذَا لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ لَمْ تَصِحَّ فِيهَا الْجُمُعَةُ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": إِلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ مِنْهَا مَا يَسْكُنُهُ أَرْبَعُونَ، فَتَجِبُ بِهِمُ الْجُمُعَةُ وَيَتْبَعُهُمُ الْبَاقُونَ. قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَالْجَدُّ فِي " فُرُوعِهِ ": وَرَبَضُ الْبَلَدِ لَهُ حُكْمُهُ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا فُرْجَةٌ. تَنْبِيهٌ: إِذَا تَقَارَبَ قَرْيَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا دُونَ الْأَرْبَعِينَ، لَمْ يَصِحَّ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي وَاحِدَةٍ بِتَكْمِيلِ الْأُخْرَى، فَإِنْ كَمُلَ فِي أَحَدِهِمَا لَزِمَهُمْ فِعْلُهَا، وَإِنْ كَمُلَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا فَالْأَوْلَى جَمْعُ كَلِّ قَرْيَةٍ فِي مَوْضِعِهَا. وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَرْيَةُ إِذَا كَانَتْ فِي الْمِصْرِ عَلَى فَرْسَخٍ فَمَا دُونُ، لَزِمَهُمْ قَصْدُهُ، وَالْأَصَحُّ خِلَافُهُ، كَمَا لَوْ كَانَتْ إِلَى جَنْبِ قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَلَوْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَرْبَعُونَ، وَإِلَى جَنْبِهَا مِصْرٌ فِيهِ دُونَهُ، لَزِمَ أَهْلَهُ قَصْدُ الْقَرْيَةِ (وَ) تَجُوزُ إِقَامَتُهَا (فِيمَا قَارَبَ الْبُنْيَانُ مِنَ

стр. 615

الصَّحْرَاءِ. الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. . . . وَعَنْهُ تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] الصَّحْرَاءِ) وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا الْبُنْيَانُ لِقَوْلِ كَعْبِ [بْنِ مَالِكٍ] : إِنَّ أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ أَوَّلُ مَنْ جَمَّعَ بِنَا فِي هَزْمِ النَّبِيتِ مِنْ حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: نَقِيعُ الْخَضَمَاتِ قَالَ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ: حَسَنُ الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: حَرَّةُ بَنِي بَيَاضَةَ عَلَى مِيلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ. وَقِيَاسًا عَلَى الْجَامِعِ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ. وَيَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ الْقَصْرُ وَالْفِطْرُ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَقِيلَ: لَا تَصِحُّ إِلَّا فِي جَامِعٍ إِلَّا لِعُذْرٍ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: إِذَا صَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ اسْتَخْلَفَ مَنْ يُصَلِّي بِالضَّعَفَةِ. [الشَّرْطُ الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ] (الثَّالِثُ: حُضُورُ أَرْبَعِينَ) رَجُلًا (مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ) وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَاخْتَارَهُ عَامَّةُ الْمَشَايِخِ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ، وَقَالَ أَحْمَدُ: بَعَثَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ إِلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ جَمَّعَ بِهِمْ، وَكَانُوا أَرْبَعِينَ، وَكَانَتْ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ جَابِرٌ: «مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ فَمَا فَوْقُ جُمُعَةً وَأَضْحًى وَفِطَرًا» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَفِيهِ ضَعْفٌ (وَعَنْهُ: تَنْعَقِدُ بِثَلَاثَةٍ) اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَهَذَا جَمْعٌ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ، وَعَنْهُ: فِي الْقُرَى خَاصَّةً؛ لِقِلَّتِهِمْ، وَعَنْهُ: بِخَمْسِينَ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: «لَمَّا بَلَغَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ

стр. 616

فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا. . . . وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ ــ [المبدع في شرح المقنع] خَمْسِينَ جَمَّعَ بِهِمْ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ، وَعَنْهُ: بِسَبْعَةٍ، وَعَنْهُ: بِخَمْسَةٍ، وَعَنْهُ: بِأَرْبَعَةٍ، وَعَلَى الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا: لَا يُعْتَبَرُ كَوْنُ الْإِمَامِ زَائِدًا عَلَى الْعَدَدِ عَلَى الْمَذْهَبِ. وَعَنْهُ: بِلَى، فَعَلَيْهَا لَوْ بَانَ مُحْدِثًا نَاسِيًا لَمْ يُجْزِئْهُمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا بِدُونِهِ الْعَدَدَ الْمُعْتَبَرَ، وَيَتَخَرَّجُ: لَا مُطْلَقًا، قَالَ الْمَجْدُ: بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ أَنَّ صَلَاةَ الْمُؤْتَمِّ بِنَاسٍ حَدَثَهُ تَفْسُدُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَرَأَ خَلْفَهُ. فَرْعٌ: إِذَا رَأَى الْإِمَامُ وَحْدَهُ الْعَدَدَ، فَنَقَصَ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَؤُمَّهُمْ، وَلَزِمَهُ اسْتِخْلَافُ أَحَدِهِمْ، وَبِالْعَكْسِ لَا يَلْزَمُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَلَوْ أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أَنْ لَا يُصَلِّيَ إِلَّا بِأَرْبَعِينَ، لَمْ يَجُزْ بِأَقَلَّ، وَلَا أَنْ يَسْتَخْلِفَ لِقِصَرِ وِلَايَتِهِ، بِخِلَافِ التَّكْبِيرِ الزَّائِدِ، وَبِالْعَكْسِ الْوِلَايَةُ بَاطِلَةٌ لِتَعَذُّرِهَا مِنْ جِهَتِهَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَسْتَخْلِفَ لَهَا أَحَدَهُمْ (فَإِنْ نَقَصُوا قَبْلَ إِتْمَامِهَا) لَمْ يُتِمُّوهَا جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ، فَاعْتُبِرَ فِي جَمِيعِهَا كَالطَّهَارَةِ، وَ (اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ بِهِ السَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَقِيلَ: يُتِمُّونَ ظُهْرًا، وَقِيلَ: جُمُعَةً، وَلَوْ بَقِيَ وَحْدَهُ وَلَوْ لَمْ يَسْجُدْ فِي الْأُولَى، وَقِيلَ: جُمُعَةً إِنْ بَقِيَ مَعَهُ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا؛ لِأَنَّهُ الْعَدَدُ الْبَاقِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانُوا فِي الصَّلَاةِ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَالْمُرَادُ فِي انْتِظَارِهَا كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي الْخُطْبَةِ، وَلِلْدَارَقُطْنِيِّ: بَقِيَ مَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، تَفَرَّدَ بِهِ عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ، وَإِنَّمَا انْفَضُّوا لِظَنِّهِمْ جَوَازَ الِانْصِرَافِ، وَلِأَبِي دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ: أَنَّ خُطْبَتَهُ ـ ﵇ ـ هَذِهِ كَانَتْ بَعْدَ صَلَاتِهِ الْجُمُعَةَ، فَظَنُّوا لَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِي الِانْصِرَافِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيُتَوَجَّهُ أَنَّهُمُ انْفَضُّوا لِقُدُومِ التِّجَارَةِ لِشِدَّةِ الْمَجَاعَةِ، أَوْ ظُنُّ وُجُوبُ خِطْبَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَدْ فَرَغَتْ.

стр. 617

أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً أَتَمَّهَا جُمُعَةً، وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا. . . . إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي ــ [المبدع في شرح المقنع] قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا فَحَضَرُوا الْقَدْرَ الْوَاجِبَ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَادُوا قَبْلَ طُولِ الْفَصْلِ (وَيُحْتَمَلُ) هَذَا وَجْهٌ (أَنَّهُمْ إِنْ نَقَصُوا قَبْلَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا ظُهْرًا، وَإِنْ نَقَصُوا بَعْدَ رَكْعَةٍ أَتَمُّوا جُمُعَةً) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَاخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذِكْرُهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ. قَالَ الْمُزَنِيُّ: وَهُوَ الْأَشْبَهُ عِنْدِي كَالْمَسْبُوقِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمَسْبُوقَ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ جُمُعَةٍ تَمَّتْ شَرَائِطُهَا وَصَحَّتْ، فَجَازَ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ هَذِهِ، وَإِنْ بَقِيَ الْعَدَدُ، أَتَمَّ جُمُعَةً. قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: سَوَاءً سَمِعُوا الْخُطْبَةَ أَوْ لَحِقُوهُمْ قَبْلَ نَقَصِهِمْ بِلَا خِلَافٍ، كَبَقَائِهِ مِنَ السَّامِعِينَ. (وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ مِنْهَا رَكْعَةً) أَيْ: بِسَجْدَتَيْهَا، وَتَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِيمَا لَوْ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ (أَتَمَّهَا جُمُعَةً) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ «فَلْيُصَلِّ إِلَيْهَا أُخْرَى» قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: هَذَا خَطَأٌ، وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: لَا يَصِحُّ. (وَمَنْ أَدْرَكَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَتَمَّهَا ظُهْرًا) لِمَفْهُومِ مَا سَبَقَ. وَعَنْهُ: يَكُونُ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» ، وَكَالظُّهْرِ، وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ، وَالْفَرْقُ بِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِدْرَاكُهُ إِدْرَاكُ إِلْزَامٍ، وَهَذَا إِدْرَاكُ إِسْقَاطٍ لِلْعَدَدِ، وَبِأَنَّ الظُّهْرَ لَيْسَ مَنْ شَرْطِهَا الْجَمَاعَةُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا، وَظَاهِرُ كَلَامِ

стр. 618

قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا، وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ، ثُمَّ زُحِمَ عَنِ السُّجُودِ سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ. . فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ، فَيُتَابِعَ إِمَامَهُ وَتَصِيرَ ــ [المبدع في شرح المقنع] الْمُؤَلِّفِ صِحَّةُ دُخُولِهِ مَعَهُ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ، بِشَرْطِ أَنْ يَنْوِيَهَا بِإِحْرَامِهِ، وَلِهَذَا قَالَ: (إِذَا كَانَ قَدْ نَوَى الظُّهْرَ فِي قَوْلِ " الْخِرَقِيِّ ") صَحَّحَهُ الْحُلْوَانِيُّ وَهُوَ الْأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ قَصْدٌ يَتْبَعُ الْعِلْمَ، وَيُوَافِقُ الْفِعْلَ، فَالْمُصَلِّي ظُهْرًا لَا يَنْوِي جُمُعَةً؛ لِأَنَّهُ يَنْوِي غَيْرَ مَا يَفْعَلُهُ، وَلِأَنَّ الظُّهْرَ لَا تَتَأَدَّى بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ ابْتِدَاءً فَكَذَا اسْتَدَامَتُهُ، كَالظُّهْرِ مَعَ الْعَصْرِ، وَهَذَا فِيمَا إِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا، وَإِلَّا كَانَتْ نَفْلًا (وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقْلَا: يَنْوِي جُمُعَةً) تَبَعًا لِإِمَامِهِ (وَيُتِمُّهَا ظُهْرًا) وَذَكَرَ الْقَاضِي الْمَذْهَبَ، كَصَلَاةِ الْمُسَافِرِ مَعَ الْمُقِيمِ، وَضَعَّفَهُ الْمَجْدُ بِأَنْ قَالَ: فَرَّ مِنَ اخْتِلَافِ النِّيَّةِ ثُمَّ الْتَزَمَهُ فِي الْبِنَاءِ، وَالْوَاجِبُ الْعَكْسُ أَوِ التَّسْوِيَةُ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْبِنَاءِ مَعَ اخْتِلَافٍ يَمْنَعُ الِاقْتِدَاءَ، وَقِيلَ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ هَلْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورَةٌ أَمْ صَلَاةٌ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَمَحَلُّ ذَلِكَ مَا إِذَا كَانَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَهُ لَمْ يَصِحَّ دُخُولُ مَنْ فَاتَهُ مَعَهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ، فَإِنْ دَخَلَ انْعَقَدَتْ نَفْلًا، وَالثَّانِي: يَصِحُّ دُخُولُهُ بِنِيَّةِ الْجُمُعَةِ، ثُمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا ظُهْرًا، وَيَجِبُ أَنْ يُصَادِفَ ظُهْرُهُ زَوَالَ الشَّمْسِ. (وَمَنْ أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ ثُمَّ زُحِمَ عَلَى السُّجُودِ) بِالْأَرْضِ (سَجَدَ عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ أَوْ رِجْلِهِ) أَيْ: قَدَمِهِ وُجُوبًا إِنْ أَمْكَنَ، ذَكَرَهُ مُعْظَمُهُمْ، لِقَوْلِ عُمَرَ: إِذَا اشْتَدَّ الزِّحَامُ فَلْيَسْجُدْ عَلَى ظَهْرِ أَخِيهِ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ، وَسَعِيدٌ وَهَذَا قَالَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ، وَلَمْ يَظْهَرْ لَهُ مُخَالِفٌ، وَلَا يَأْتِي بِمَا يُمْكِنُهُ حَالَ الْعَجْزِ، فَوَجَبَ، وَصَحَّ كَالْمَرِيضِ يُومِئُ، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ لَا يَسْجُدُ عَلَى ظَهْرِ أَحَدٍ، وَيُومِئُ غَايَةَ الْإِمْكَانِ، فَأَمَّا إِنِ احْتَاجَ إِلَى وَضْعِ يَدَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ، وَقُلْنَا: يَجُوزُ فِي الْجَبْهَةِ، فَوَجْهَانِ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ) انْتَظَرَ، وَ (سَجَدَ إِذَا زَالَ الزِّحَامُ) وَتَبِعَ إِمَامَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ فِي صَلَاةِ عُسْفَانَ لِلْعُذْرِ؛ وَهُوَ مَوْجُودٌ هُنَا، وَالْمُفَارَقَةُ وَقَعَتْ صُورَةً لَا حُكْمًا، فَلَمْ تُؤَثِّرْ (إِلَّا أَنْ يَخَافَ فَوَاتَ الثَّانِيَةِ فَيُتَابِعَ

стр. 619

أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً، وَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ، ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ وَصَحَّتْ جُمُعَتُهُ. . . وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا. الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ، وَمِنْ شَرْطِ ــ [المبدع في شرح المقنع] إِمَامَهُ، وَتَصِيرَ أُولَاهُ، وَيُتِمُّهَا جُمُعَةً) ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا» ، وَلِأَنَّهُ مَأْمُومٌ خَافَ فَوْتَ الثَّانِيَةِ فَلَزِمَتْهُ الْمُتَابَعَةُ كَالْمَسْبُوقِ، وَعَنْهُ: لَا يُتَابِعُهُ بَلْ يَشْتَغِلُ بِسُجُودِ الْأُولَى، وَكَمَا لَوْ زَالَ الزِّحَامُ وَالْإِمَامُ قَائِمٌ، فَإِنْ لَمْ يَزُلِ الزِّحَامُ حَتَّى سَجَدَ الْإِمَامُ فِي الثَّانِيَةِ تَابَعَهُ، وَهَلْ تَحْصُلُ لَهُ رَكْعَةٌ يُتِمُّهَا جُمُعَةً أَوْ يُصَلِّي ظُهْرًا؟ فِيهِ وَجْهَانِ (فَإِنْ لَمْ يُتَابِعْهُ عَالِمًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِتَرْكِهِ مُتَابَعَةَ إِمَامِهِ عَمْدًا، وَمُتَابَعَتُهُ وَاجِبَةٌ؛ لِقَوْلِهِ: فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، وَتَرْكُ الْوَاجِبِ عَمْدًا يُبْطِلُهَا وِفَاقًا (وَإِنْ جَهِلَ تَحْرِيمَهُ فَسَجَدَ) أَيْ: إِذَا جَهِلَ تَحْرِيمَ مُتَابَعَةِ إِمَامِهِ فِي الثَّانِيَةِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ، وَلَمْ يُعْتَدَّ بِسُجُودِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي مَوْضِعِ الرُّكُوعِ جَهْلًا، فَهُوَ كَالسَّاهِي. وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يُعْتَدُّ بِهِ (ثُمَّ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي التَّشَهُّدِ، أَتَى بِرَكْعَةٍ أُخْرَى بَعْدَ سَلَامِهِ) لِأَنَّهُ أَتَى بِسُجُودٍ مُعْتَدٍّ بِهِ (وَ) إِذَا اعْتَدَّ لَهُ بِذَلِكَ (صَحَّتْ جُمُعَتُهُ) لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً، وَالْجُمُعَةُ تُدْرَكُ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَخَالَفَ فِيهِ الْمُؤَلِّفَ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَهُوَ أَظْهَرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمَأْمُومِ سُجُودُ سَهْوٍ (وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا) لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا؛ لِأَنَّ مَا أَتَى بِهِ مِنَ السُّجُودِ لَمْ يُتَابِعْ إِمَامَهُ فِيهِ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا أَتَى بِهِ عَلَى وَجْهِ التَّدَارُكِ، فَلَمْ يَكُنْ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ. ١ - مَسَائِلُ: الْأُولَى: إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ، وَزُحِمَ عَنِ السُّجُودِ، أَوْ أَدْرَكَ الْقِيَامَ، وَزُحِمَ عَنِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ حَتَّى سَلَّمَ إِمَامُهُ، أَوْ سَبَقَهُ الْحَدَثُ، فَفَاتَهُ ذَلِكَ بِالْوُضُوءِ، وَقُلْنَا: يَبْنِي، اسْتَأْنَفَ ظُهْرًا، نَصَّ عَلَيْهِ، لِاخْتِلَافِهِمَا فِي فَرْضٍ وَشَرْطٍ كَظُهْرٍ وَعَصْرٍ، وَلِافْتِقَارِ كُلٍّ

стр. 620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] مِنْهُمَا إِلَى النِّيَّةِ، وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا ظُهْرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ رَكْعَةً كَامِلَةً، أَشْبَهَ الْمَسْبُوقَ بِرُكُوعِ الثَّانِيَةِ، وَعَنْهُ: يُتِمُّهَا جُمُعَةً، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، كَمُدْرِكِ رَكْعَةٍ، وَعَنْهُ: يُتِمُّ جُمُعَةً مَنْ زُحِمَ عَنْ سُجُودٍ أَوْ نَسِيَهُ، لِإِدْرَاكِهِ الرُّكُوعَ كَمَنْ أَتَى بِالسُّجُودِ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ عَلَى الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِهِ فِي جَمَاعَةٍ، وَالْإِدْرَاكُ الْحُكْمِيِّ كَالْحَقِيقِيِّ، كَحَمْلِ الْإِمَامِ السَّهْوَ عَنْهُ. الثَّانِيَةُ: إِذَا فَاتَهُ مَعَ الْإِمَامِ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ بِنَوْمٍ أَوْ غَفْلَةٍ وَنَحْوِهِ، لَغَتْ تِلْكَ الرَّكْعَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ فَقَطْ فِي رِوَايَةٍ، فَإِنْ فَاتَهُ رَكْعَةٌ فَأَكْثَرُ، لَمْ يَقْضِ قَبْلَ سَلَامِ إِمَامِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجُمُعَةِ، بَلْ يُتَابِعُهُ، فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَضَى مَا فَاتَهُ كَالْمَسْبُوقِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَاتَهُ رُكْنٌ، أَتَى بِهِ ثُمَّ لَحِقَ إِمَامَهُ، وَإِنْ كَانَ رُكُوعًا فِي الْأَشْهَرِ، وَإِنْ كَانَ رُكْنَيْنِ لَغَتْ رَكْعَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَأْتِي بِهِمَا كَنَصِّهِ فِي الْمَزْحُومِ، فَإِنْ زُحِمَ عَنِ الْجُلُوسِ لِلتَّشَهُّدِ، أَتَى بِهِ قَائِمًا، وَأَجْزَأَهُ، قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَالْأَوْلَى انْتِظَارُ زَوَالِ الزِّحَامِ. الثَّالِثَةُ: إِذَا أَحْرَمَ مَعَ الْإِمَامِ فَزُحِمَ، وَأُخْرِجَ مِنَ الصَّفِّ فَصَلَّى فَذًّا، لَمْ يَصِحَّ، وَإِنْ أُخْرِجَ فِي الثَّانِيَةِ، فَإِنْ نَوَى مُفَارَقَتَهُ أَتَمَّهَا جُمُعَةً فِي قِيَاسِ " الْمُذْهَبِ "، وَإِلَّا، فَرِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: يُتِمُّهَا جُمُعَةً كَمَسْبُوقٍ، وَالثَّانِيَةُ: يُعِيدُ؛ لِأَنَّهُ فَذَّ فِي رَكْعَةٍ. [الشَّرْطُ الرَّابِعُ أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ] [شُرُوطُ صِحَّةِ خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ] (الرَّابِعُ: أَنْ يَتَقَدَّمَهَا خُطْبَتَانِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] وَالذِّكْرُ: هُوَ الْخُطْبَةُ، فَأَمَرَ بِالسَّعْيِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ وَاجِبًا، وَلِمُوَاظَبَتِهِ ـ ﵇ ـ عَلَيْهَا، مَعَ قَوْلِهِ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَعَنْ عُمَرَ وَعَائِشَةَ: قُصِرَتِ الصَّلَاةُ مِنْ أَجْلِ الْخُطْبَةِ، وَيُشْتَرَطُ اثْنَتَانِ؛ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ الرَّكْعَتَيْنِ،

стр. 621

صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ. . . . . وَقِرَاءَةُ آيَةٍ، ثم نظر ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] ، وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ ــ [المبدع في شرح المقنع] فَالْإِخْلَالُ بِإِحْدَاهُمَا إِخْلَالٌ بِإِحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: تُجْزِئُهُ وَاحِدَةٌ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنَ الرَّكْعَتَيْنِ، وَيُشْتَرَطُ تَقْدِيمُهُمَا عَلَى الصَّلَاةِ، لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ وَأَصْحَابِهِ، بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا، لِأَنَّهُمَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْجُمُعَةِ، وَالشَّرْطُ مُقَدَّمٌ، أَوْ لِاشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَايِشِهِمْ، فَقُدِّمَا لِأَجْلِ التَّدَارُكِ، وَأَنْ يَكُونَا فِي وَقْتٍ تَصِحُّ فِيهِ الْجُمُعَةُ مِنْ مُكَلَّفٍ مَسْتُورِ الْعَوْرَةِ، قَالَهُ الْقَاضِي. (وَمِنْ شَرْطِ صِحَّتِهِمَا حَمْدُ اللَّهِ تَعَالَى) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «كُلُّ كَلَامٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ فَهُوَ أَجْذَمُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ مُرْسَلًا، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ إِذَا تَشَهَّدَ قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ» وَيَتَعَيَّنُ هَذَا اللَّفْظُ فِي قَوْلِ الْجُمْهُورِ (وَالصَّلَاةُ عَلَى رَسُولِهِ) مُحَمَّدٍ ﷺ ؛ لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ افْتَقَرَتْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى افْتَقَرَتْ إِلَى ذِكْرِ رَسُولِهِ، كَالْأَذَانِ، وَيَتَعَيَّنُ لَفْظُ الصَّلَاةِ، أَوْ يَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَوْجَبَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِدَلَالَتِهِ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ إِيمَانٌ بِهِ، وَالصَّلَاةُ دُعَاءٌ لَهُ، وَبَيْنَهُمَا تَفَاوُتٌ، وَقِيلَ: لَا يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي خُطْبَتِهِ، وَعَمَلًا بِالْأَصْلِ (وَقِرَاءَةُ آيَةٍ) كَامِلَةٍ لِمَا رَوَى جَابِرُ بْنُ سَمُرَةَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ يَقْرَأُ آيَاتٍ، وَيُذَكِّرُ النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَنَّهُمَا أُقِيمَا مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْخُطْبَةُ فَرْضٌ فَوَجَبَتْ فِيهَا الْقِرَاءَةُ، كَالصَّلَاةِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا لَا تَتَعَيَّنُ. قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ مَا شَاءَ، وَأَنَّهُ

стр. 622

تَعَالَى. . . . وَحُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ، وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ ــ [المبدع في شرح المقنع] لَا يُجْزِئُ بَعْضُ آيَةٍ فِي الْأَصَحِّ، لِأَنَّ الْحُكْمَ لَا يَتَعَلَّقُ بِمَا دُونَهَا بِدَلِيلِ مَنْعِ الْجُنُبِ مِنْهَا، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: لَوْ قَرَأَ آيَةً لَا تَسْتَقِلُّ بِمَعْنًى أَوْ حُكْمٍ كَقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾ [المدثر: ٢١] أَوْ ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] لَمْ يَكْفِ، وَقِيلَ: يُشْتَرَطُ فِي إِحْدَاهُمَا، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مِنْ قَرَاءَةِ آيَةٍ، وَلَوْ كَانَ جُنُبًا مَعَ تَحْرِيمِهَا. وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ قِرَاءَةُ آيَةٍ فِيهَا، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ، فَلَوْ قَرَأَ مَا تَضَمَّنَ الْحَمْدَ وَالْمَوْعِظَةَ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ أَجْزَأَ، قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: وَفِيهِ نَظَرٌ، لِقَوْلِ أَحْمَدَ: لَا بُدَّ مِنْ خُطْبَةٍ، وَكَمَا لَا يُجْزِئُ عَنْهَا قِرَاءَةُ (فَاطِرٍ) أَوِ (الْحَجِّ) نَصَّ عَلَيْهِ. ١ - (وَالْوَصِيَّةُ بِتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ، وَقِيلَ: فِي الثَّانِيَةِ، وَالْمَذْهَبُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَلَا يَكْفِي ذِكْرُ الْمَوْتِ وَذَمُّ الدُّنْيَا، وَلَا بُدَّ أَنْ يُحَرِّكَ الْقُلُوبَ، وَيَبْعَثَ بِهَا إِلَى الْخَيْرِ، فَلَوِ اقْتَصَرَ عَلَى أَطِيعُوا اللَّهَ، وَاجْتَنِبُوا مَعَاصِيَهُ، فَالْأَظْهَرُ لَا يَكْفِي، وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَصِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنَ اسْمِ الْخُطْبَةِ عُرْفًا، وَتُشْتَرَطُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ أَجْزَائِهِمَا، وَالصَّلَاةُ فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّهُمَا مَعَ الصَّلَاةِ كَالْمَجْمُوعَتَيْنِ، فَلَوْ قَرَأَ سَجْدَةً فَنَزَلَ فَسَجَدَ لَمْ يُكْرَهْ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَ " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ لَا يَضُرُّ تَفْرِيقُ كَثِيرٍ بِدُعَاءٍ لِسُلْطَانٍ وَنَحْوِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَّا عِنْدَ الْعَجْزِ كَالْقِرَاءَةِ، ثُمَّ هَلْ يَجِبُ إِبْدَالُ عَاجِزٍ عَنْ قِرَاءَةٍ بِذِكْرٍ أَمْ لَا لِحُصُولِ مَعْنَاهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَيَبْدَأُ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ، ثُمَّ بِالْمَوْعِظَةِ، ثُمَّ الْقِرَاءَةِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ جَمَاعَةٍ. (وَ) يُشْتَرَطُ (حُضُورُ الْعَدَدِ الْمُشْتَرَطِ) لِسَمَاعِ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ اشْتُرِطَ لِلصَّلَاةِ، فَاشْتُرِطَ لَهُ الْعَدَدُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، فَإِنِ انْفَضُّوا وَعَادُوا قَبْلَ فَوْتِ رُكْنٍ مِنْهَا بَنَوْا، وَإِنْ كَثُرَ التَّفْرِيقُ، أَوْ فَاتَ مِنْهَا رُكْنٌ، أَوْ أَحْدَثَ فَتَطَهَّرَ، فَفِي الْبِنَاءِ وَالِاسْتِئْنَافِ مَعَ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ وَجْهَانِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِهِمَا بِحَيْثُ يَسْمَعُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ إِذَا لَمْ يَعْرِضْ مَانِعٌ، فَإِنْ لَمْ يَسْمَعُوا لِخَفْضِ صَوْتِهِ أَوْ بُعْدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَكَذَا إِنْ كَانُوا صُمًّا، خِلَافًا لِلْمَجْدِ، فَإِنْ قَرُبَ الْأَصَمُّ وَبَعُدَ مَنْ

стр. 623

يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ. . . . . وَمِنْ سُنَنِهِمَا أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ، أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ، ــ [المبدع في شرح المقنع] يَسْمَعُ، فَقِيلَ: لَا يَصِحُّ لِفَوْتِ الْمَقْصُودِ، وَقِيلَ: بَلَى، كَمَا لَوْ كَانَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ طُرْشًا أَوْ عُجْمًا؛ وَهُوَ عَرَبِيٌّ، وَإِنْ كَانُوا كُلُّهُمْ خُرْسًا صَلَّوْا ظُهْرًا فِي الْأَصَحِّ، وَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ، ذَكَرَهُ فِي " الْفُنُونِ "، وَالْأَشْهَرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِكَلَامٍ مُحَرَّمٍ، وَلَوْ يَسِيرًا (وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَهُمَا الطَّهَارَةُ، وَأَنْ يَتَوَلَّاهُمَا مَنْ يَتَوَلَّى الصَّلَاةَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ، قَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ لَمْ يَكُنْ يَفْصِلُ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ بِطَهَارَةٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُتَطَهِّرًا، وَلِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرْطًا فِي الْجُمُعَةِ أَشْبَهَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، وَاخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ "، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ يَتَقَدَّمُ الصَّلَاةَ، أَشْبَهَ الْأَذَانَ، وَعَنْهُ: تُشْتَرَطُ الْكُبْرَى، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَصُّهُ: تُجْزِئُ خُطْبَةُ الْجُنُبِ، جَزَمَ بِهِ الشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَ لُبْثِهِ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِوَاجِبِ الْعِبَادَةِ، كَمَنْ صَلَّى وَمَعَهُ دِرْهَمٌ غَصْبٌ، لَكِنْ قَيَّدَهُ الْقَاضِي فِي " جَامِعِهِ "، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَالسَّامِرِيُّ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ، بِأَنْ يَكُونَ الْمِنْبَرُ خَارِجَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّ لُبْثَهُ فِيهِ مَعْصِيَةٌ تُنَافِي الْعِبَادَةَ، وَقِيلَ: إِنْ جَازَ لِلْجُنُبِ قِرَاءَةُ آيَةٍ أَوْ لَمْ تَجِبِ الْقِرَاءَةُ فِي الْخُطْبَةِ، فَوَجْهَانِ كَالْأَذَانِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ، وَإِزَالَةِ نَجَاسَةٍ كَطَهَارَةٍ صُغْرَى. الثَّانِيَةُ: إِحْدَاهُمَا لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ، بَلْ تُسْتَحَبُّ، قَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَذُكِرَ فِي " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ مُنْفَصِلَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ، أَشْبَهَا الصَّلَاتَيْنِ، لَكِنْ فِي فِعْلِ اثْنَيْنِ لِلْخُطْبَتَيْنِ وَجْهَانِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ، قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "؛ لِأَنَّ الْخُطْبَةَ أُقِيمَتْ مَقَامَ رَكْعَتَيْنِ، وَعَنْهُ: لَا يُشْتَرَطُ مَعَ الْعُذْرِ كَالْحَدَثِ، ذُكِرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ لِلْعُذْرِ فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَعَلَى الْجَوَازِ لَا يُشْتَرَطُ حُضُورُ النَّائِبِ الْخُطْبَةَ، كَالْمَأْمُومِ، لِتَعَيُّنِهَا عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ لَا تَصِحُّ جُمُعَةُ مَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا إِلَّا تَبَعًا، كَمُسَافِرٍ. وَإِنْ أَحْدَثَ وَاسْتَخْلَفَ مَنْ لَمْ يَحْضُرِ الْخُطْبَةَ، صَحَّ عَلَى الْأَشْهَرِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَلَّى مَعَهُ عَلَى الْأَصَحِّ، وَإِنْ مَنَعْنَا الِاسْتِخْلَافَ، أَتَمُّوا فُرَادَى جُمُعَةً بِرَكْعَةٍ

стр. 624

وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ. . وَيَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ، وَيَجْلِسَ ــ [المبدع في شرح المقنع] كَمَسْبُوقٍ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا لِبَقَاءِ حُكْمِ الْجَمَاعَةِ، كَمَنْعِ الِاسْتِخْلَافِ، وَقِيلَ: ظُهْرًا، لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ، كَمَا لَوِ اخْتَلَّ الْعَدَدُ، وَإِنْ جَازَ الِاسْتِخْلَافُ فَأَتَمُّوا فُرَادَى لَمْ تَصِحَّ جُمُعَتُهُمْ، وَلَوْ كَانَ فِي الثَّانِيَةِ كَمَا لَوْ أُنْقِصَ الْعَدَدُ وَأَوْلَى. مَسْأَلَتَانِ: الْأُولَى: إِذَا قُلْنَا: يُعْتَدُّ بِأَذَانِ الْمُمَيِّزِ وَالْفَاسِقِ، فَفِي خُطْبَتِهِ وَجْهَانِ، زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ ": إِنْ صَحَّ أَنْ يَؤُمَّ غَيْرُ مَنْ خَطَبَ، وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ إِمَامَةُ الْعَبْدِ، فَفِي صِحَّةِ خُطْبَتِهِ وَجْهَانِ. الثَّانِيَةُ: لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْخُطْبَةَ قِرَاءَتُهَا مِنْ صَحِيفَةٍ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، قَالَ: كَالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ لِمَنْ لَا يُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ فِي الْمُصْحَفِ، وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْمُصْحَفِ كَالْقِرَاءَةِ مِنَ الْحِفْظِ، فَهَذَا مِثْلُهُ. [سُنَنُ الْخُطْبَةِ] (وَمِنْ سُنَنِهِمَا أَنْ يَخْطُبَ عَلَى مِنْبَرٍ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ أَرْسَلَ إِلَى امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنْ مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلُ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهَا إِذَا كَلَّمْتُ النَّاسَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَفِي الصَّحِيحِ: أَنَّهُ عُمِلَ مِنْ أَثْلِ الْغَابَةِ، فَكَانَ يَرْتَقِي عَلَيْهِ، وَاتِّخَاذُهُ كَانَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَقِيلَ: سَنَةَ ثَمَانٍ، وَكَانَ ثَلَاثَ دَرَجٍ، وَيُسَمَّى مِنْبَرًا لِارْتِفَاعِهِ، مِنَ النَّبْرِ؛ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ، وَاتِّخَاذُهُ سُنَّةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، قَالَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ "، وَيَكُونُ صُعُودُهُ فِيهِ عَلَى تُؤَدَةٍ إِلَى الدَّرَجَةِ الَّتِي تَلِي السَّطْحَ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " (أَوْ مَوْضِعٍ عَالٍ) إِنْ لَمْ يَكُنْ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِعْلَامِ، وَيَكُونَانِ عَنْ يَمِينِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ، وَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: إِنْ وَقَفَ بِالْأَرْضِ، وَقَفَ عَلَى يَسَارِ مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ بِخِلَافِ الْمِنْبَرِ (وَيُسَلِّمَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ إِذَا أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ بِوَجْهِهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ سَلَّمَ» وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَابْنِ

стр. 625

بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ، وَيَخْطُبَ قَائِمًا. . . وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا، وَيَقْصِدَ ــ [المبدع في شرح المقنع] مَسْعُودٍ، وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَرَوَاهُ [أَبُو بَكْرٍ] النَّجَّادُ عَنْ عُثْمَانَ، وَكَسَلَامِهِ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ فِي خُرُوجِهِ، قَالَ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ: لِأَنَّهُ اسْتِقْبَالٌ بَعْدَ اسْتِدْبَارٍ، أَشْبَهَ مَنْ فَارَقَ قَوْمًا ثُمَّ عَادَ إِلَيْهِمْ، وَعَكْسُهُ الْمُؤَذِّنُ، قَالَهُ الْمَجْدُ، وَظَاهِرُهُ اسْتِحْبَابُ اسْتِقْبَالِ الْخَطِيبِ النَّاسَ؛ وَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ رَدَّ السَّلَامِ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَكَذَا كُلُّ سَلَامٍ مَشْرُوعٍ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسَلَّمِ عَلَيْهِمْ لَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَقِيلَ: سُنَّةٌ كَابْتِدَائِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ غَرِيبٌ وَاجِبٌ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ. (وَيَجْلِسَ إِلَى فَرَاغِ الْأَذَانِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: يَجْلِسُ إِذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ حَتَّى يَفْرَغَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ» . مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ، وَلِأَنَّهُ يَسْتَرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ تَعَبِ الصُّعُودِ، وَيَتَمَكَّنُ مِنَ الْكَلَامِ التَّمَكُّنَ التَّامَّ، وَهَذَا النِّدَاءُ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ السَّعْيِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي كَانَ عَلَى عَهْدِهِ ـ ﵇ ـ، وَعَنْهُ: بِالْأَوَّلِ لِسُقُوطِ الْفَرْضِ بِهِ، وَلِأَنَّ عُثْمَانَ سَنَّهُ، وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمَّةُ، وَمَنْ بَعُدَ مَنْزِلُهُ، سَعَى فِي وَقْتٍ يُدْرِكُهَا كُلَّهَا إِذَا عَلِمَ حُضُورَ الْعَدَدِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَا قَبْلَهُ. (وَيَجْلِسَ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْطُبُ خُطْبَتَيْنِ؛ وَهُوَ قَائِمٌ، يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا بِجُلُوسٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَكَجِلْسَتِهِ الْأُولَى، وَيُسْتَحَبُّ تَخْفِيفُهَا، قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": بِقَدْرِ سُورَةِ الْإِخْلَاصِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ الْجُلُوسُ بَيْنَهُمَا، اخْتَارَهُ النَّجَّادُ لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ جَمَاعَةً مِنَ الصَّحَابَةِ، مِنْهُمْ عَلِيٌّ، سَرَدُوا الْخُطْبَةَ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمْ يَجِبْ كَالْأُولَى (وَيَخْطُبَ قَائِمًا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ الِاسْتِقْبَالُ، فَلَمْ يَجِبْ لَهُ الْقِيَامُ كَالْأَذَانِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ مَعَ الْقُدْرَةِ، جَزَمَ بِهِ فِي " النَّصِيحَةِ "، وَبِالْجُلُوسِ

стр. 626

تِلْقَاءَ وَجْهِهِ، وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ، وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ. وَلَا يُشْتَرَطُ إِذَنُ الْإِمَامِ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ. فَصْلٌ: وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ ــ [المبدع في شرح المقنع] بَيْنَهُمَا، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ (وَيَعْتَمِدَ عَلَى سَيْفٍ أَوْ قَوْسٍ أَوْ عَصًا) لِمَا رَوَى الْحَكَمُ بْنُ حَزَنٍ قَالَ: «وَفَدْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فَشَهِدْنَا مَعَهُ الْجُمُعَةَ، فَقَامَ مُتَوَكِّئًا عَلَى سَيْفٍ، أَوْ قَوْسٍ، أَوْ عَصًا» . مُخْتَصَرٌ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنُ لَهُ، وَإِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ هَذَا الدِّينَ فُتِحَ بِهِ، وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ عَلَى ذَلِكَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ. قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ بِالْيُسْرَى، وَالْأُخْرَى بِحَرْفِ الْمِنْبَرِ، فَإِنْ لَمْ يَعْتَمِدْ أَمْسَكَ يَمِينَهُ بِشِمَالِهِ أَوْ أَرْسَلَهُمَا (وَيَقْصِدَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ) لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ، وَلِأَنَّ فِي الْتِفَاتِهِ إِلَى أَحَدِ جَانِبَيْهِ إِعْرَاضًا عَنِ الْآخَرِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إِذَا الْتَفَتَ أَوِ اسْتَدْبَرَ النَّاسَ أَنَّهُ يُجْزِئُ مَعَ الْكَرَاهَةِ، صَرَّحُوا بِهِ فِي الِاسْتِدْبَارِ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُجْزِئُ لِتَرْكِهِ الْجِهَةَ الْمَشْرُوعَةَ، وَيَنْحَرِفُ إِلَيْهِ الْمَأْمُومُونَ إِذَا خَطَبَ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِفِعْلِ الصَّحَابَةِ. (وَيُقَصِّرَ الْخُطْبَةَ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَمَّارٍ مَرْفُوعًا «إِنَّ طُولَ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَقِصَرَ خُطْبَتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ، فَأَطِيلُوا الصَّلَاةَ، وَأَقْصِرُوا الْخُطْبَةَ» وَفِي " التَّعْلِيقِ ". وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ، جَعَلَهُ أَصْلًا لِإِفْرَادِ الْإِقَامَةِ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ صَوْتِهِ حَسَبَ الْإِمْكَانِ (وَيَدْعُوَ لِلْمُسْلِمِينَ) لِأَنَّ الدُّعَاءَ لَهُمْ مَسْنُونٌ فِي غَيْرِ الْخُطْبَةِ، فَفِيهَا أَوْلَى، وَلَا يَجِبُ فِي الثَّانِيَةِ، وَقِيلَ: وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْفُصُولِ "، وَاحْتَجَّ بِالْعُمُومِ، وَقِيلَ: لَا

стр. 627

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] يُسْتَحَبُّ، قَالَ الْمَجْدُ: هُوَ بِدْعَةٌ وِفَاقًا لِلْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةِ، وَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ الدُّعَاءَ لَا يُسَنُّ لِلْمُسْلِمَاتِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ جَمْعَ الْمُذَكَّرِ يَشْمَلُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ الدُّعَاءَ لِلسُّلْطَانِ فِيهَا، وَلَا لِمُعَيَّنٍ؛ وَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ قِيلَ: يُسْتَحَبُّ لِلسُّلْطَانِ، حَتَّى قَالَ أَحْمَدُ أَوْ غَيْرُهُ: لَوْ كَانَ لَنَا دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ لَدَعَوْنَا بِهَا لِإِمَامٍ عَادِلٍ، وَلِأَنَّ فِي صَلَاحِهِ صَلَاحَ الْمُسْلِمِينَ، وَلِأَنَّ أَبَا مُوسَى كَانَ يَدْعُو فِي خُطْبَتِهِ لِعُمَرَ، وَرَوَى الْبَزَّارُ: أَرْفَعُ النَّاسِ دَرَجَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِمَامٌ عَادِلٌ. قَالَ أَحْمَدُ: إِنِّي لَأَدْعُو لَهُ بِالتَّسْدِيدِ وَالتَّوْفِيقِ. فَإِذَا فَرَغَ مِنْهَا نَزَلَ عِنْدَ لَفْظَةِ الْإِقَامَةِ فِي وَجْهٍ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَفِي الْآخَرِ إِذَا فَرَغَ مِنْهَا، وَيَنْزِلُ مُسْرِعًا. (وَلَا يُشْتَرَطُ إِذْنُ الْإِمَامِ) فِي الْأَصَحِّ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا صَلَّى بِالنَّاسِ، وَعُثْمَانُ مَحْصُورٌ، فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ، وَصَوَّبَهُ عُثْمَانُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ، وَلِأَنَّهَا فَرْضُ الْوَقْتِ، أَشْبَهَتِ الظُّهْرَ. قَالَ أَحْمَدُ: وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ بِالشَّامِ تِسْعَ سِنِينَ، فَكَانُوا يُجَمِّعُونَ (وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ) لِأَنَّهُ لَا يُقِيمُهَا فِي كُلِّ عَصْرٍ إِلَّا الْأَئِمَّةُ؛ وَهِيَ مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ الظَّاهِرَةِ، أَشْبَهَتِ الْجِهَادَ، وَعَنْهُ: إِنْ لَمْ يَتَعَذَّرْ، وَعَنْهُ: يُشْتَرَطُ لِوُجُوبِهَا لَا لِجَوَازِهَا، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ بِمَوْتِهِ إِلَّا بَعْدَ الصَّلَاةِ، وَاشْتُرِطَ إِذْنُهُ، فَعَنْهُ: لَا إِعَادَةَ لِلْمَشَقَّةِ، وَعَنْهُ: بَلَى، لِبَيَانِ الشَّرْطِ. فَرْعٌ: إِذَا غَلَبَ الْخَوَارِجُ عَلَى بَلَدٍ، فَأَقَامُوا فِيهِ الْجُمُعَةَ، جَازَ اتِّبَاعُهُمْ، نَصَّ عَلَيْهِ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قُلْنَا: مِنْ شَرْطِهَا إِمَامٌ عَادِلٌ، إِذَا كَانَ خُرُوجُهُمْ بِتَأْوِيلٍ سَائِغٍ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: يُصَلِّي مَعَهُمُ الْجُمُعَةَ، وَيُعِيدُهَا ظُهْرًا.

стр. 628

يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأَوْلَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ. وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ، وَلَا تَجُوزُ ــ [المبدع في شرح المقنع] [فَصْلُ مَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ] فَصْلٌ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ إِجْمَاعًا، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، قَالَ عُمَرُ: صَلَاةُ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ تَمَامٌ غَيْرُ قَصْرٍ، وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى. رَوَاهُ أَحْمَدُ (يَجْهَرُ فِيهِمَا بِالْقِرَاءَةِ) قَالَهُ الْأَئِمَّةُ، لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ، وَنَقَلَهُ الْخَلَفُ عَنِ السَّلَفِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ «صَلَاةُ النَّهَارِ عَجْمَاءُ إِلَّا الْجُمُعَةَ وَالْعِيدَيْنِ» (وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي الْأُولَى بِسُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْمُنَافِقِينَ) بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا. رَوَاهُ مُسْلِمٌ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَفِي (الْمُغْنِي) وَ (الشَّرْحِ) : إِنْ قَرَأَ فِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ فَحَسَنٌ لِفِعْلِهِ ﵇ ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَعَنْهُ: يَقْرَأُ فِي الثَّانِيَةِ بِـ (سَبِّحْ) . قَالَ مَالِكٌ: أَدْرَكْتُ عَلَيْهِ النَّاسَ، وَالَّذِي جَاءَ بِهِ الْحَدِيثُ الْغَاشِيَةَ مَعَ سُورَةِ الْجُمُعَةِ، وَقِيلَ: يَقْرَأُ فِي الْأُولَى بِـ (سَبِّحْ) ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْغَاشِيَةِ لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ

стр. 629

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: وَسُورَةٌ. قَالَ الْحُلْوَانِيُّ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِسُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَقَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَمَهْمَا قَرَأَ بِهِ فَحَسَنٌ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " لَكِنَّ الْأَوْلَى الِاقْتِدَاءُ بِهِ ـ ﵇ ـ؛ لِأَنَّ سُورَةَ الْجُمُعَةِ تَلِيقُ بِهَا، لِمَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِهَا، وَالْأَمْرِ بِهَا، وَالْحَثِّ عَلَيْهَا. تَذْنِيبٌ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِي فَجْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ ﴿الم - تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢] السَّجْدَةَ وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١] ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَانَ يَقْرَأُ بِهِمَا، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَاسْتُحِبَّ ذَلِكَ لِتَضَمُّنِهِمَا ابْتِدَاءَ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَلْقِ الْإِنْسَانِ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، وَتُكْرَهُ مُدَاوَمَتُهُ عَلَيْهِمَا فِي الْمَنْصُوصِ، وَصُحِّحَ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ لِئَلَّا يُظَنَّ أَنَّهَا مُفَضَّلَةٌ بِسَجْدَةٍ، أَوْ لِظَنِّ الْوُجُوبِ، فَإِنْ سَهَا عَنِ السَّجْدَةِ، فَعَنْ أَحْمَدَ: يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ. قَالَ الْقَاضِي: كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ، قَالَ: وَلَا يَلْزَمُ عَلَى هَذَا تَغْيِيرُ سُجُودِ التِّلَاوَةِ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْفَجْرِ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْحَثَّ وَالتَّرْغِيبَ وُجِدَ فِي هَذِهِ السَّجْدَةِ أَكْثَرَ، وَالسُّنَّةُ إِكْمَالُهَا، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيُكْرَهُ تَحَرِّيهِ قِرَاءَةَ سَجْدَةٍ غَيْرِهَا. [جَوَازُ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي مَسْجِدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ لِلْحَاجَةِ] (وَتَجُوزُ إِقَامَةُ الْجُمُعَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ) فَأَكْثَرَ (مِنَ الْبَلَدِ لِلْحَاجَةِ) كَسِعَةِ الْبَلَدِ، وَتَبَاعُدِ

стр. 630

مَعَ عَدَمِهَا، فَإِنْ فَعَلُوا، فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ. فَإِنِ اسْتَوَتَا، فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ، فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا، أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى، بَطَلَتَا مَعًا. وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ــ [المبدع في شرح المقنع] أَقْطَارِهِ، أَوْ بُعْدِ الْجَامِعِ أَوْ ضِيقِهِ أَوْ خَوْفِ فِتْنَةٍ، وَلِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِي الْأَمْصَارِ الْعَظِيمَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إِجْمَاعًا. قَالَ الطَّحَاوِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا، وَعَنْهُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ، وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُقِيمُوهَا فِي أَكْثَرَ مِنْ مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، وَالْجَوَابُ لِعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إِلَى أَكْثَرَ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يُؤَثَّرُونَ بِسَمَاعِ خُطْبَتِهِ وَشُهُودِ جُمُعَتِهِ، وَإِنْ بَعُدَتْ مَنَازِلُهُمْ، وَظَاهِرُهُ إِذَا اسْتَغْنَى بِجُمُعَتَيْنِ لَمْ تَجُزِ الثَّالِثَةُ (وَلَا تَجُوزُ مَعَ عَدَمِهَا) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إِلَّا عَنْ عَطَاءٍ (فَإِنْ فَعَلُوا) أَيْ: فَعَلُوهَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ (فَجُمُعَةُ الْإِمَامِ هِيَ الصَّحِيحَةُ) لِأَنَّ فِي تَصْحِيحِ غَيْرِهَا افْتِئَاتًا عَلَيْهِ، وَتَفْوِيتًا لَجُمُعَتِهِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ تَأَخَّرَتْ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ، وَذَكَرَ ابْنُ حَمْدَانَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَسَوَاءٌ قُلْنَا: إِذْنُهُ شَرْطٌ أَوْ لَا، وَقِيلَ: السَّابِقَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ، لِأَنَّهَا لَمْ يَتَقَدَّمْهَا مَا يُفْسِدُهَا (فَإِنِ اسْتَوَتَا) فِي الْإِذْنِ وَعَدَمِهِ (فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّ الِاسْتِغْنَاءَ حَصَلَ بِالْأُولَى، فَأُنِيطَ الْحُكْمُ بِهَا لِكَوْنِهَا سَابِقَةً، وَيُعْتَبَرُ السَّبْقُ بِالْإِحْرَامِ، وَقِيلَ: بِالشُّرُوعِ فِي الْخُطْبَةِ، وَقِيلَ: بِالسَّلَامِ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كَانَتْ إِحْدَاهُمَا فِي الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ أَوْ قَصَبَةِ الْبَلَدِ فِي وَجْهٍ، وَفِي الْآخَرِ: تَصِحُّ الْوَاقِعَةُ فِيهِمَا، وَلَوْ كَانَتِ الثَّانِيَةَ، وَصَحَّحَهُ بَعْضُهُمْ؛ لِأَنَّ لِهَذِهِ الْمَعَانِي مَزِيَّةً، فَقُدِّمَ بِهَا كَجُمُعَةِ الْإِمَامِ (فَإِنْ وَقَعَتَا مَعًا) وَلَا مَزِيَّةَ لِإِحْدَاهُمَا، بَطَلَتَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُمَا، وَلَا تَعْيِينُ إِحْدَاهُمَا بِالصِّحَّةِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتَيْنِ،

стр. 631

فَاجْتَزَى بِالْعِيدِ وَصَلَّى ظُهْرًا جَازَ إِلَّا لِلْإِمَامِ. وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ. وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ. ــ [المبدع في شرح المقنع] وَتَلْزَمُهُمُ الْجُمُعَةُ إِنْ أَمْكَنَ؛ لِأَنَّهُ مِصْرٌ لَمْ يُصَلَّ فِيهِ جُمُعَةٌ صَحِيحَةٌ، فَإِنْ سَبَقَتْ إِحْدَاهُمَا وَعُلِمَتْ، بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ، وَلَزِمَ أَهْلَهَا الظُّهْرُ، فَإِنْ عَلِمُوا بِذَلِكَ فِي أَثْنَائِهَا اسْتَأْنَفُوا ظُهْرًا، صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ؛ لِأَنَّ مَا مَضَى لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ جَائِزًا بِخِلَافِ الْمَسْبُوقِ، وَجَزَمَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ ": يُتِمُّونَهَا ظُهْرًا (أَوْ جُهِلَتِ الْأُولَى بَطَلَتَا مَعًا) لِمَا ذَكَرْنَاهُ، وَكَذَا إِذَا جُهِلَ الْحَالُ هَلْ وَقَعَتَا مَعًا أَوْ فِي وَقْتَيْنِ، فَهَلْ يُصَلُّونَ ظُهْرًا، كَمَا ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ الْأَوْلَى، وَقَدَّمَهُ فِي " الشَّرْحِ " لِلشَّكِّ فِي شَرْطِ إِقَامَةِ الْجُمُعَةِ، أَوْ جُمُعَةٍ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّتِهَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: الْأَشْبَهُ أَنَّهُمْ يُعِيدُونَ جُمُعَةً. أَيْ: بِشَرْطِهَا. [إِذَا اجْتَمَعَ الْعِيدُ وَالْجُمُعَةُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ] (وَإِذَا وَقَعَ الْعِيدُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَاجْتَزَى بِالْعِيدِ، وَصَلَّى ظُهْرًا، جَازَ) «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ صَلَّى الْعِيدَ، وَقَالَ: مَنْ شَاءَ أَنْ يُجَمِّعَ فَلْيُجَمِّعْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، وَحِينَئِذٍ تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ إِسْقَاطَ حُضُورٍ لَا وُجُوبٍ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَمَرِيضٍ، لَا كَمُسَافِرٍ وَنَحْوِهِ، عَمَّنْ حَضَرَ الْعِيدَ مَعَ الْإِمَامِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ كَصَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ الْجُمُعَةُ لِلْعُمُومِ، كَالْإِمَامِ (إِلَّا لِلْإِمَامِ) هَذَا الْمَذْهَبُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ قَالَ: «قَدِ اجْتَمَعَ فِي يَوْمِكُمْ هَذَا عِيدَانِ، فَمَنْ شَاءَ أَجْزَأَهُ مِنَ الْجُمُعَةِ، وَإِنَّا مُجَمِّعُونَ» وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ؛ وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ وَقَدْ قَالَ: حَدَّثَنَا، وَلِأَنَّهُ لَوْ تَرَكَهَا لَامْتَنَعَ فِعْلُهَا فِي حَقِّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ، وَمَنْ يُرِيدُهَا مِمَّنْ سَقَطَتْ عَنْهُ، فَعَلَى هَذَا إِنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ الْعَدَدُ الْمُعْتَبَرُ أَقَامَهَا، وَإِلَّا صَلَّوْا ظُهْرًا.

стр. 632

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [المبدع في شرح المقنع] وَعَنْهُ: تَسْقُطُ عَنْهُ كَهُمْ، قَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَحَكَاهُ السَّامِرِيُّ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَاحْتَجَّ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ لَمْ يُصَلِّهَا، وَكَانَ إِمَامًا، وَلِأَنَّهَا إِذَا سَقَطَتْ عَنِ الْمَأْمُومِ سَقَطَتْ عَنِ الْإِمَامِ كَحَالَةِ السَّفَرِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ لَهُ الِاسْتِنَابَةَ، وَقَالَ: الْجُمُعَةُ تَسْقُطُ بِأَدْنَى عُذْرٍ، كَمَنَ لَهُ عَرُوسٌ تُجَلَّى، فَكَذَا الْمَسَرَّةُ بِالْعِيدِ، وَرَدَّهُ فِي " الْفُرُوعِ "، وَعَنْهُ: لَا تَسْقُطُ عَنِ الْعَدَدِ الْمُعْتَبَرِ، فَتَكُونُ فَرْضَ كِفَايَةٍ. فَرْعٌ: يَسْقُطُ الْعِيدُ بِالْجُمُعَةِ، سَوَاءٌ فُعِلَتْ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ، لِفِعْلِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَصَابَ السُّنَّةَ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِلَى الْعَصْرِ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: إِنْ فُعِلَتْ بَعْدَ الزَّوَالِ اعْتُبِرَ الْعَزْمُ عَلَى الْجُمُعَةِ لِتَرْكِ صَلَاةِ الْعِيدِ، وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ " السُّقُوطَ بِفِعْلِ الْجُمُعَةِ وَقْتَ الْعِيدِ، وَفِي " مُفْرَدَاتِ ابْنِ عَقِيلٍ " احْتِمَالٌ يُسْقِطُ الْجَمْعَ، وَتُصَلَّى فُرَادَى. [السُّنَّةُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ] (وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَانِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (وَأَكْثَرُهَا سِتُّ رَكَعَاتٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ يَفْعَلُهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَاخْتَارَ فِي " الْمُغْنِي " أَرْبَعًا، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ، وَأَمْرِهِ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي

стр. 633

فَصْلٌ. وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا، ــ [المبدع في شرح المقنع] هُرَيْرَةَ، وَقِيلَ: إِنْ شَاءَ صَلَّى بِسَلَامٍ أَوْ سَلَامَيْنِ مَكَانَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: فِي بَيْتِهِ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: لَا سُنَّةَ لَهَا، وَيُسَنُّ أَنْ يَفْصِلَ بِكَلَامٍ أَوِ انْتِقَالٍ مِنْ مَوْضِعِهِ لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: لَا سُنَّةَ لَهَا قَبْلَهَا، نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَئِمَّةِ، لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ ظُهْرًا مَقْصُورَةً، فَتُفَارِقُهَا فِي أَحْكَامٍ، وَعَنْهُ: رَكْعَتَانِ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَعَنْهُ: أَرْبَعٌ، وَقَالَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: رَأَيْتُ أَبِي يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ إِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ رَكَعَاتٍ. [فَصْلُ اسْتِحْبَابِ الِاغْتِسَالِ وَالتَّطَيُّبِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] فَصْلٌ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَغْتَسِلَ لِلْجُمُعَةِ فِي يَوْمِهَا، وَلَا يَجِبُ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إِجْمَاعًا، وَفِيهِ نَظَرٌ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: الْعَمَلُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ فِي خَبَرِ عَائِشَةَ: «لَوْ أَنَّكُمْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا» وَظَاهِرُهُ حُصُولُ الْفَضِيلَةِ بِهِ، وَلَوْ أَحْدَثَ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَتَّصِلْ بِهِ الرَّوَاحُ (وَالْأَفْضَلُ فِعْلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ إِلَيْهَا) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْمَقْصُودِ، وَفِيهِ خُرُوجٌ مِنَ الْخِلَافِ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ: مَنْ لَهُ زَوْجَةٌ، فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يُجَامِعَ ثُمَّ يَغْتَسِلَ، نَصَّ عَلَيْهِ،

стр. 634

وَيَتَنَظَّفَ، وَيَتَطَيَّبَ، وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ، وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا مَاشِيًا، وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ، وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا. وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ وَالصَّلَاةَ ــ [المبدع في شرح المقنع] لِلْخَبَرِ (وَيَتَنَظَّفَ وَيَتَطَيَّبَ) لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَرْفُوعًا قَالَ: «لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ بِدُهْنٍ، وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الْإِمَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. قَوْلُهُ: «وَيَمَسُّ مِنْ طِيبِ امْرَأَتِهِ» يَعْنِي مَا ظَهَرَ لَوْنُهُ، وَخَفِيَ رِيحُهُ لِتَأَكُّدِ الطِّيبِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْأَصْحَابِ خِلَافُهُ (وَيَلْبَسَ أَحْسَنَ ثِيَابِهِ) لِوُرُودِهِ فِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ، وَأَفْضَلُهَا الْبَيَاضُ، وَيَعْتَمَّ، وَيَرْتَدِيَ (وَيُبَكِّرَ إِلَيْهَا) وَلَوْ كَانَ مُشْتَغِلًا بِالصَّلَاةِ فِي مَنْزِلِهِ (مَاشِيًا) لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «وَمَشَى، وَلَمْ يَرْكَبْ» ، وَيَكُونُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي، وَقِيلَ: بَعْدَ صَلَاتِهِ، لَا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَلَا بَعْدَ الزَّوَالِ، فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ فَلَا بَأْسَ بِالرُّكُوبِ كَالْعَوْدِ (وَيَدْنُوَ مِنَ الْإِمَامِ) مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ: «مَنْ غَسَّلَ وَاغْتَسَلَ، وَبَكَّرَ وَابْتَكَرَ، وَمَشَى وَلَمْ يَرْكَبْ، وَدَنَا مِنَ الْإِمَامِ فَاسْتَمَعَ وَلَمْ يَلْغُ، كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا أَجْرُ سَنَةٍ، عَمَلُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَوْسِ بْنِ أَوْسٍ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. [اسْتِحْبَابُ الِاشْتِغَالِ بِالدُّعَاءِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (وَيَشْتَغِلَ بِالصَّلَاةِ وَالذِّكْرِ) وَالْقِرَاءَةَ؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْأَجْرِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ سَامِعٍ لِلْخُطْبَةِ بِأَنْ يَحْضُرَ قَبْلَهَا، أَوْ فِي مَكَانٍ بَعِيدٍ (وَيَقْرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِهَا) لِمَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَضَاءَ لَهُ مِنَ النُّورِ مَا بَيْنَ الْجُمُعَتَيْنِ» رَوَاهُ سَعِيدٌ مَوْقُوفًا، وَقَالَ: مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ الْعَتِيقِ. زَادَ أَبُو الْمَعَالِي وَصَاحِبُ " الْوَجِيزِ «أَوْ لَيْلَتَهَا» ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «مَنْ قَرَأَ سُورَةَ الْكَهْفِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَتِهِ وُقِيَ فِتْنَةَ الدَّجَّالِ» (وَيُكْثِرَ الدُّعَاءَ) رَجَاءَ أَنْ يُصَادِفَ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «إِنَّ فِي

стр. 635

عَلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا، أَوْ يَرَى فُرْجَةً ــ [المبدع في شرح المقنع] الْجُمُعَةِ سَاعَةً، لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاخْتُلِفَ فِيهَا. فَقَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ الْحَدِيثِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا الْإِجَابَةُ أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ، وَفِي " الدَّعَوَاتِ " لِلْمُسْتَغْفِرِينَ: عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ إِذَا صَلَّى الْجُمُعَةَ انْصَرَفَ فَوَقَفَ فِي الْبَابِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَجَبْتُ دَعْوَتَكَ، وَصَلَّيْتُ فَرِيضَتَكَ، وَانْتَشَرْتُ لِمَا أَمَرْتَنِي، فَارْزُقْنِي مِنْ فَضْلِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (وَ) يُكْثِرُ (الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) أَيْ: فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «أَكْثِرُوا عَلَيَّ مِنَ الصَّلَاةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، قَالَ الْأَصْحَابُ: وَلَيْلَتَهَا؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «أَكْثِرُوا الصَّلَاةَ عَلَيَّ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وَيَوْمَ الْجُمُعَةِ، فَمَنْ صَلَّى عَلَيَّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ، وَقَدْ رُوِيَ الْحَثُّ عَلَيْهَا مُطْلَقًا، لِمَا رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ قَالَ: «أَوْلَى النَّاسِ بِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ. فَائِدَةٌ: رَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا «مَنْ قَرَأَ إِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ أَنْ يَثْنِيَ رِجْلَيْهِ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ سَبْعًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَأُعْطِيَ مِنَ الْأَجْرِ بِعَدَدِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ» . [حُكْمُ تَخَطِّي رِقَابِ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ] (وَلَا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ رَأَى رَجُلًا يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ فَقَدْ آذَيْتَ» وَلِمَا فِيهِ مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ
следующие страницы →