Полный текст (3 567 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
رِوَايَتَيْنِ.
وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَمَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَيْهِ، كَشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا؛ لِأَنَّ عُمَرَ، وَعُثْمَانَ، وَعَلِيًّا، وَالْحُسَيْنَ قُتِلُوا ظُلْمًا، وَغُسِّلُوا، وَصُلِّيَ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَهِيدِ الْمَعْرَكَةِ، أَشْبَهَ الْمَبْطُونَ، وَعَلَى الْأُولَى: مَنْ بُغِيَ عَلَيْهِ لَا يُغَسَّلُ، وَفِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، وَالْمَذْهَبُ: أَنَّ كُلَّ شَهِيدٍ غُسِّلَ، صُلِّيَ عَلَيْهِ وُجُوبًا، وَمَنْ لَا يُغَسَّلُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ.
تَذْنِيبٌ: يُغَسَّلُ الْبَاغِي وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي، وَفِيهِ وَجْهٌ: يُلْحَقُ بِشَهِيدِ أَهْلِ الْعَدْلِ، لِلْمَشَقَّةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ غُسْلُ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصَفِّينَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: مَنْ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ أَوِ الْكُفَّارُ خَطَأً غُسِّلَ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَكَذَا النُّفَسَاءُ تُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهَا كَالشَّهِيدِ بِغَيْرِ قَتْلٍ، كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَهَدْمٍ، وَهُمْ بِضْعَةَ عَشْرَ، وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَصَحَّحَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «مَوْتُ الْغَرِيبِ شَهَادَةٌ» ، وَأَغْرَبُ مِنْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَابْنُ الْمُنَجَّا، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّ الْعَاشِقَ مِنْهَا، وَأَشَارُوا إِلَى الْخَبَرِ الْمَرْفُوعِ «مَنْ عَشِقَ وَعَفَّ وَكَتَمَ، فَمَاتَ مَاتَ شَهِيدًا» . وَهَذَا الْخَبَرُ مَذْكُورٌ فِي تَرْجَمَةِ سُوِيدِ بْنِ سَعِيدٍ فِيمَا أُنْكِرَ عَلَيْهِ، قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
مَسْأَلَةٌ: قَاطِعُ الطَّرِيقِ يُقْتَلُ أَوَّلًا وَيُغَسَّلُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصْلَبُ، وَقِيلَ: يُؤَخَّرَانِ عَنِ الصَّلْبِ، قَالَهُ فِي " التَّلْخِيصِ ".
[السَّقْطُ هَلْ يُغَسَّلُ]
(وَإِذَا وُلِدَ السَّقْطُ لِأَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) ذَكَرَهُ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ حَرْبٍ وَصَالِحٍ؛ «لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى
стр. 702
تَعَذَّرَ غُسْلَهُ يُمِّمَ.
وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَلَفْظُهُمَا: «وَالطِّفْلُ يُصَلَّى عَلَيْهِ» وَاحْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ نَسَمَةٌ نُفِخَ فِيهَا الرُّوحُ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَهِلَّ، وَأَنَّهُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِهَا لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ، وَقَدَّمَ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَابْنُ تَمِيمٍ: أَنَّهُ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ إِذَا بَانَ فِيهِ خَلْقُ الْإِنْسَانِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْهَا.
فَائِدَةٌ: تُسْتَحَبُّ تَسْمِيَتُهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْعَثُ قَبْلَهَا، وَاخْتَارَ فِي " الْمُعْتَمَدِ " أَنَّهُ يُبْعَثُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَكَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ: فَإِنْ جَهِلَ أَذَكَرٌ أَمْ أُنْثَى، سُمِّيَ بِصَالِحٍ لَهُمَا، كَطَلْحَةَ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الكَافِرَيْنِ، فَإِنْ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ فَمُسْلِمٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَنَقَلَ حَنْبَلٌ: يُصَلَّى عَلَى كُلِّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ.
تَتْمِيمٌ: إِذَا مَاتَ بِدَارِنَا مَجْهُولُ الْإِسْلَامِ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ، وَدُفِنَ فِي مَقَابِرِنَا، وَلَوْ كَانَ أَقْلَفَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَإِنْ وُجِدَ بِدَارِ حَرْبٍ وَعَلَيْهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ.
وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ إِذَا وُجِدَ الطفل فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مَيِّتًا يَجِبُ غُسْلُهُ وَدَفْنُهُ فِي مَقَابِرِنَا، وَإِنْ مَاتَ فِي سَفِينَةٍ غُسِّلَ، وَصَلِّيَ عَلَيْهِ بَعْدَ تَكْفِينِهِ، وَأُلْقِيَ فِي الْبَحْرِ سَلًا، كَإِدْخَالِهِ الْقَبْرَ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهِ أَوْ حَاجَةٍ، وَيُثْقَلُ بِشَيْءٍ، وَذَكَرَهُ فِي " الْفُصُولِ " عَنْ أَصْحَابِنَا.
قَالَ: وَلَا مَوْضِعَ لَنَا، الْمَاءُ فِيهِ بَدَلٌ عَنِ التُّرَابِ، إِلَّا هُنَا، وَمَنْ مَاتَ بِبِئْرٍ أُخْرِجَ مِنْهَا إِذَا أَمْكَنَ بِأُجْرَةٍ مِنْ مَالِهِ، ثُمَّ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إخراجه إِلَّا بِمِثْلِهِ طُمَّتْ، وَجُعِلَتْ قَبْرَهُ، وَمَعَ حَاجَةِ الْأَحْيَاءِ يَخْرُجُ، وَقِيلَ: لَا مَعَ مُثْلَةٍ.
стр. 703
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[مَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ]
(وَمَنْ تَعَذَّرَ غُسْلَهُ) لِعَدَمِ الْمَاءِ أَوْ عُذْرٍ غَيْرِهِ، كَالْحَرْقِ، وَالْجُذَامِ، وَالتَّبْضِيعِ (يُمِّمَ) لِأَنَّ غُسْلَ الْمَيِّتِ طَهَارَةٌ عَلَى الْبَدَنِ، فَقَامَ التَّيَمُّمُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُ مَقَامَهُ كَالْجَنَابَةِ، وَهَلْ يَلُفُّ مَنْ يُيَمِّمُهُ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً؟ سَبَقَ، وَإِنْ تَعَذَّرَ غُسْلُ بَعْضِهِ، غُسِّلَ بَعْضُهُ، مَا أَمْكَنَ، وَيُيَمَّمُ لِلْبَاقِي فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ، وَعَنْهُ: يُكَفَّنُ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا تَيَمُّمٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بالغسل التَّنْظِيفِ.
وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: الْمُحْتَرِقُ، وَالْمَجْذُومُ، وَالْمِبْضَعُ، يُصَبُّ الماء عَلَيْهِ صَبًّا، ثُمَّ يُكَفَّنُ، فَعَلَى الْأَوَّلِ: لَوْ يُمِّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ صُلِّيَ عَلَيْهِ ثُمَّ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَكَذَا إِنْ وَجَدَهُ فِيهَا، فَلَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَإِنْ بَذَلَهُ أَجْنَبِيٌّ لَزِمَ الْوَارِثَ قَبُولُهُ، بِخِلَافِ ثَمَنِهِ، فَإِنْ عُدِمَا صُلِّيَ عَلَيْهِ بِدُونِهِمَا وَدُفِنَ، فَإِنْ وُجِدَا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ دَفْنِهِ لَمْ يُنْبَشْ، وَيَجُوزُ إِنْ أُمِنَ تَفَسُّخُهُ، وَإِنْ وُجِدَ الْمَاءُ قَبْلَ دَفْنِهِ غُسِّلَ، وَإِنْ وُجِدَ التُّرَابُ وَحْدَهُ، فَفِي إِنْشَاءِ التَّيَمُّمِ وَإِعَادَةِ الصَّلَاةِ احْتِمَالَانِ.
[عَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ]
(وَعَلَى الْغَاسِلِ سَتْرُ مَا رَآهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَسَنًا) يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْغَاسِلُ أَمِينًا لِيَسْتُرَ مَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ، وَفِي الْخَبَرِ مَرْفُوعًا «لَيُغَسِّلَ مَوْتَاكُمُ الْمَأْمُونُونَ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا وَأَدَّى فِيهِ الْأَمَانَةَ، وَلَمْ يُفْشِ عَلَيْهِ، خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ. عَارِفًا بِالْغُسِلِ دَيِّنًا فَاضِلًا، وَظَاهِرُهُ: يَلْزَمُهُ سَتْرُ الشَّرِّ، لَا إِظْهَارُ الْخَيْرِ، لِيُتَرَحَّمَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَا بُدَّ أَنْ يُلْحَظَ فِي السَّتْرِ اخْتِصَاصُهُ بِأَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَمَّا أَهْلُ الْبِدَعِ، أَوْ مَعْرُوفٌ بِفُجُورٍ، فَيُسَنُّ إِظْهَارُ شَرِّهِ، وَسَتْرُ خَيْرِهِ، وَنَرْجُو لِلْمُحْسِنِ، وَنَخَافُ عَلَى الْمُسِيءِ، وَلَا نَشْهَدُ إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ لَهُ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ قَالَهُ الْأَصْحَابُ.
وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوِ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ عَلَى الثَّنَاءِ أَوِ الْإِسَاءَةِ عَلَيْهِ، وَهُوَ مُرَادُ الْأَكْثَرِ.
стр. 704
فَصْلٌ
فِي الْكَفَنِ يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ فِي مَالِهِ مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ فِي الْكَفَنِ] [الْكَفَنُ مُقَدَّمٌ عَلَى الدَّيْنِ]
فَصْلٌ
فِي الْكَفَنِ لَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلَامِ عَلَى الْغُسْلِ أَتْبَعَهُ الْكَفَنَ فَقَالَ: (يَجِبُ كَفَنُ الْمَيِّتِ) وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ لِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ الْمَيِّتِ (فِي مَالِهِ) «لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ فِي الْمُحْرِمِ: كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ» وَلِأَنَّ حَاجَةَ الْمَيِّتِ مُقَدَّمَةٌ فِي مَالِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ بِدَلِيلِ قَضَاءِ دَيْنِهِ (مُقَدَّمًا عَلَى الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ) لِأَنَّ الْمُفْلِسَ يُقَدَّمُ بِالْكُسْوَةِ عَلَى الدَّيْنِ فَكَذَا الْمَيِّتُ، وَلِأَنَّهُ إِذَا قُدِّمَ عَلَى الدَّيْنِ فَعَلَى غَيْرِهِ أَوْلَى، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ دَيْنُ الرَّهْنِ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْوَاجِبُ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ أَوْ أَكْثَرُ، لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِتَحْسِينِهِ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ، فَيَجِبُ مَلْبُوسُ مِثْلِهِ، جَزَمَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مَا لَمْ يُوصَ بِدُونِهِ، وَفِي " الْفُصُولِ " إِنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِهِ كَنَفَقَتِهِ فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَنُوطُ وَالطِّيبُ لِعَدَمِ وُجُوبِهِمَا فِي الْحَيَاةِ، وَقِيلَ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِهِ، وَلَا بَأْسَ بِالْمِسْكِ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَرَادَ الْوَرَثَةُ أَخْذَ ذَلِكَ مِنَ السَّبِيلِ لَمْ يُجَابُوا، وَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ لَمْ يَلْزَمْ بَقِيَّةَ الْوَرَثَةِ قَبُولُهُ، لَكِنْ لَيْسَ لِلْبَقِيَّةِ نَقْلُهُ، وَسَلْبُهُ مِنْ كَفَنِهِ بَعْدَ دَفْنِهِ، بِخِلَافِ مُبَادَرَتِهِ إِلَى دَفْنِهِ فِي مِلْكِ الْمَيِّتِ لِانْتِقَالِهِ إِلَيْهِمْ، لَكِنْ يُكَرَهُ لَهُمْ، وَلَا يُسْتَرُ بِحَشِيشٍ، وَيُقْضَى دَيْنُهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ.
فَرْعٌ: الْجَدِيدُ أَفْضَلُ فِي الْمَنْصُوصِ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ " إِلَّا أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِهِ،
стр. 705
فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَيَتَمَثَّلُ لِقَضِيَّةِ أَبِي بَكْرٍ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: الْعَتِيقُ غَيْرُ الْبَالِي أَفْضَلُ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَالَ الْحَيَاةِ، فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ بِقَدْرِ إِرْثِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْفَرِدُ بِهِ الْأَبُ، فَإِنْ عُدِمَ فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمِينَ بِحَالِهِ.
قَالَ فِي الْفُنُونِ: قَالَ حَنْبَلٌ: بِثَمَنِهِ كَالْمُضْطَرِّ، وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: مَنْ ظَنَّ أَنَّ غَيْرَهُ لَا يَقُومُ بِهِ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ.
مَسْأَلَةٌ: إِذَا جِبي لَهُ ثَمَنُ كَفَنٍ، فَفَضُلَ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ كَفَّنَهُ وَرَثَتُهُ، صُرِفَ فِي كَفَنٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، تُصُدِّقَ بِهِ، وَلَا يَأْخُذُهُ وَرَثَتُهُ فِي الْأَصَحِّ (إِلَّا الزَّوْجَ لَا يَلْزَمُهُ كَفَنُ امْرَأَتِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ وَالْكُسْوَةَ وَجَبَا بِالزَّوْجِيَّةِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ، وَقَدِ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِالْمَوْتِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ بَانَتْ فِي الْحَيَاةِ، أَشْبَهَتِ الْأَجْنَبِيَّةَ، وَدَلِيلُ الِانْقِطَاعِ إباحته أُخْتُهَا وَأَرْبَعٌ سِوَاهَا، وَقِيلَ: بَلَى، وَحُكِيَ رِوَايَةً؛ وَهِيَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الْآمِدِيُّ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا تَرِكَةٌ فَعَلَيْهِ كَفَنُهَا، وَقِيلَ: يُكَفِّنُ الزَّوْجَةَ الذِّمِّيَّةَ أَقَارِبُهَا، فَإِنْ عُدِمُوا أَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ، فَمِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَالْأَصَحُّ لَا، وَأَمَّا الرَّقِيقُ فَكَفَنُهُ عَلَى مَالِكِهِ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يُدْفَنُ فِي مَقْبَرَةٍ مُسْبَلَةٍ بِقَوْلِ بَعْضِ الْوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا مِنَّةَ، وَعَكْسُهُ، الْكَفَنُ وَالْمُؤْنَةُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
الثَّانِيَةُ: مَاتَ إِنْسَانٌ مَعَ جَمَاعَةٍ فِي سَفَرٍ، كَفَّنُوهُ مِنْ مَالِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَفَّنُوهُ وَرَجَعُوا، فَإِنْ أَبَى الْحَاكِمُ الْإِذْنَ أَوْ تَعَذَّرَ إِذْنُهُ، أَوْ أَمْكَنَ وَلَمْ يَسْتَأْذِنُوهُ، أَوْ لَمْ يَنْوُوا الرُّجُوعَ، فَوَجْهَانِ.
стр. 706
ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ. يُبْسَطُ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ بَعْدَ تَجْمِيرِهَا، ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا، وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ فِيمَا بَيْنَهَا، وَيُجْعَلُ مِنْهُ فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ مِنْهُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّالِثَةُ: إِذَا سُرِقَ كَفَنُهُ، كُفِّنَ مِنْ تَرِكَتِهِ ثَانِيًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَوْ قُسِّمَتْ، فَإِنْ كَانَتْ فِي قَضَاءِ دَيْنِهِ أَوْ وَصِيَّته لَمْ يُسْتَرْجَعْ مِنْهَا كَفَنٌ آخَرُ، فَإِنْ أَكَلَهُ سَبُعٌ، فَكَفَنُهُ تَرِكَةٌ.
[كَفَنُ الرَّجُلِ]
(وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الرَّجُلِ فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ بِيضٍ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ» ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «الْبَسُوا الْبَيَاضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ.
وَقَالَ: الْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَلِأَنَّ حَالَ الْإِحْرَامِ أَكْمَلُ أَحْوَالِ الْحَيِّ؛ وَهُوَ لَا يَلْبَسُ الْمَخِيطَ فَكَذَا بَعْدَ مَوْتِهِ، وَظَاهِرُهُ: يُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْبَيَاضِ مِنْ مُزَعْفَرٍ وَمُعَصْفَرٍ، لِأَمْرِهِ بِالْبَيَاضِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " خِلَافُهُ، وأَنَّهُ يُكْرَهُ بِمَا زَادَ كَالْخَمْسَةِ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الشَّرْحِ "، وَغَيْرِهِمَا، وَصَحَّحَ ابْنُ تَمِيمٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، بَلْ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُعَمَّمُ، وَقِيلَ: لَا يُكْرَهُ، وَأَمَّا الصَّغِيرُ فَيَكُفنُ فِي وَاحِدٍ، وَيَجُوزُ فِي ثَلَاثَةٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَظَاهِرُ " الْخِرَقِيِّ " يُسْتَحَبُّ أَيْضًا، وَيَكُونُ مِنْ قُطْنٍ، وَقِيلَ: وَكَتَّانٍ (يَبْسُطُ بَعْضَهَا فَوْقَ بَعْضٍ) أَوْسَعُهَا وَأَحْسَنُهَا أَعْلَاهَا، ثُمَّ الَّتِي تَلِيهَا دُونَهَا؛ لِأَنَّ عَادَةَ الْحَيِّ جَعْلُ الظَّاهِرِ أَفْخَرَ ثِيَابِهِ (بَعْدَ تَجْمِيرِهَا) أَيْ: تَبْخِيرِهَا، زَادَ جَمَاعَةٌ: ثَلَاثًا، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ قَالَ: إِذَا جَهَّزْتُمُ الْمَيِّتَ فَأَجْمِرُوهُ ثَلَاثًا» ، وَلِأَنَّ هَذَا عَادَةُ الْحَيِّ عِنْدَ غُسْلِهِ وَتَجْدِيدِ ثِيَابِهِ، فَكَذَا الْمَيِّتُ، بَعْدَ رَشِّهَا بِمَاءِ وَرْدٍ أَوْ غَيْرِهِ لِيَعْلُقَ (ثُمَّ يُوضَعُ عَلَيْهَا مُسْتَلْقِيًا) لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِإِدْرَاجِهِ فِيهَا (وَيُجْعَلُ الْحَنُوطُ)
стр. 707
وَيُشَدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةٌ مَشْقُوقَةُ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ تَجْمَعُ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتَهُ، وَيُجْعَلُ الْبَاقِي عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ، وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا، ثُمَّ يُرَدُّ طَرَفُ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيُرَدُّ طَرَفُهَا الْآخَرُ فَوْقَهُ، ثُمَّ يُفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَهُوَ أَخْلَاطٌ مِنْ طِيبٍ مُعَدٍّ لِلْمَيِّتِ خَاصَّةً (فِيمَا بَيْنَهَا) لِأَنَّهُ مَشْرُوعُ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْعَلُ فَوْقَ الْعُلْيَا لِكَرَاهَةِ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ذَلِكَ، وَفِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يَجْعَلُ فَوْقَ الْأُولَى حَنُوطًا فَقَطْ، وَقِيلَ: بَيْنَ الثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ طِيبٌ وَكَافُورٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لَا يَذَرُ عَلَى اللَّفَائِفِ شَيْئًا، كَمَا لَا يُوضَعُ عَلَى الثَّوْبِ الَّذِي يَسْتُرُ النَّعْشَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَيُجْعَلُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الْحَنُوطِ (فِي قُطْنٍ يُجْعَلُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ) بِرِفْقٍ، وَيُكْثِرُ ذَلِكَ لِيَرُدَّ مَا يَخْرُجُ عِنْدَ تَحْرِيكِهِ، (وَيَشُدُّ فَوْقَهُ خِرْقَةً مَشْقُوقَةَ الطَّرَفِ كَالتُّبَّانِ) وَهُوَ السَّرَاوِيلُ بِلَا أَكْمَامٍ (تَجْمَعُ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ وَمَثَانَتِهِ) بِشَدِّ الْخِرْقَةِ (وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ) فِي الْقُطْنِ (عَلَى مَنَافِذِ وَجْهِهِ) وَهِيَ عَيْنَاهُ، وَمَنْخِرَاهُ، وَأُذُنَاهُ، وَفَمُهُ؛ لِأَنَّ فِي جَعْلِهَا عَلَى الْمَنَافِذِ مَنْعًا مِنْ دُخُولِ الْهَوَامِّ، وَلِأَنَّهَا تَمْنَعُ سُرْعَةَ الْفَسَادِ إِذَا حَدَثَ حَدَثٌ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُحْشَى بِالْقُطْنِ. وِفِي " الْغُنْيَةِ " إِنْ خَافَ حَشَاهُ بِقُطْنٍ وَكَافُورٍ، وَفِي " الْمُسْتَوْعِبِ " إِنْ خَافَ لَا بَأْسَ بِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَمَوَاضِعِ سُجُودِهِ) وَهِيَ رُكْبَتَاهُ وَيَدَاهُ وَجَبْهَتُهُ، وَأَطْرَافُ قَدَمِهِ تَشْرِيفًا لَهَا، لِكَوْنِهَا مُخْتَصَّةً بِالسُّجُودِ، وَيُطَيِّبُهَا مَعَ مَغَابِنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ طَيَّبَ جَمِيعَ بَدَنِهِ كَانَ حَسَنًا) لِأَنَّ أَنَسًا طُلِيَ بَدَنُهُ بِالْمِسْكِ، وَطُلِيَ ابْنُ عُمَرَ مَيِّتًا بِالْمِسْكِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ جَمِيعِ بَدَنِهِ بِالصَّنْدَلِ وَالْكَافُورِ لِدَفْعِ الْهَوَامِّ، وَالْمَنْصُوصُ: يُكْرَهُ دَاخِلَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَهُ الْأَكْثَرُ؛ لِأَنَّهُ يُفْسِدُهَا، وَيُكْرَهُ خَلْطُ زَعْفَرَانٍ وَوَرْسٍ بِحَنُوطٍ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَ لَوْنُهُ عَلَى الْكَفَنِ؛ ولِأَنَّهُ يُسْتَعْمَلُ غِذَاءً وَزِينَةً، وَلَا يُعْتَادُ التَّطَيُّبُ بِهِ، وَيُكْرَهُ طَلْيُهُ بِصَبْرٍ لِيُمْسِكَهُ وَبِغَيْرِهِ لِعَدَمِ نَقْلِهِ (ثُمَّ يَرُدُّ طَرَفَ اللِّفَافَةِ الْعُلْيَا) مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ (عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ، وَيَرُدُّ طَرَفَهَا الْآخَرَ) أَيْ: مِنَ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ (فَوْقَهُ) أَيْ: فَوْقَ الطَّرَفِ الْآخَرِ؛ وَهُوَ الْأَيْمَنُ؛ لِئَلَّا يَسْقُطَ عَنْهُ الطَّرَفُ الْأَيْسَرُ إِذَا وُضِعَ عَلَى يَمِينِهِ فِي الْقَبْرِ، وَعَكَسَ صَاحِبُ " الْفُصُولِ "، وَ " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ ".
стр. 708
وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ، وَيُجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ يَعْقِدُهَا، وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ.
وَتُ كَفَّنُ الْمَرْأَةُ بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ وَخِمَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ. وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ: لِأَنَّهُ عَادَةُ لُبْسِ الْحَيِّ مِنْ قَبَاءٍ وَرِدَاءٍ وَنَحْوِهِمَا، وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ.
(ثُمَّ يَفْعَلُ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةِ كَذَلِكَ) أَيْ كَالْأُولَى، لِأَنَّهُمَا فِي مَعْنَاهِمَا (وَيَجْعَلُ مَا عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ مِمَّا عِنْدَ رِجْلَيْهِ) كَالْحَيِّ لِشَرَفِهِ، وَلِأَنَّهُ أَحَقُّ بِالسَّتْرِ مِنْ رِجْلَيْهِ، وَيُعِيدُ الْفَاضِلَ عَلَى وَجْهِهِ وَرِجْلَيْهِ بَعْدَ جَمْعِهِ، لِيَصِيرَ الْكَفَنُ كَالْكِيسِ فَلَا يَنْتَشِرَ (ثُمَّ يَعْقِدُهَا) إِنْ خَافَ انْتِشَارَهَا (وَتُحَلُّ الْعُقَدُ فِي الْقَبْرِ) «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ لَمَّا أَدْخَلَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْقَبْرَ نَزَعَ الْأَخِلَّةَ بِفِيهِ» ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ نَحْوُهُ، وَلِأَنَّ الْخَوْفَ قَدْ زَالَ، زَادَ أَبُو الْمَعَالِي، وَغَيْرُهُ: وَلَوْ نَسِيَ بَعْدَ تَسْوِيَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ قَرِيبًا؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ، لَكِنْ لَا يَحِلُّ الْإِزَارَ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَلَا يَخْرِقُ الْكَفَنَ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِفْسَادِهِ، وَتَقْبِيحِ الْكَفَنِ الْمَأْمُورِ بِتَحْسِينِهِ، وَكَرِهَهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ: بِأَنَّهُمْ يَتَزَاوَرُونَ فِيهَا، وَجَوَّزَهُ أَبُو الْمَعَالِي مع خَوْفَ نَبْشِهِ.
قَالَ أَبُو الْوَفَاءِ: وَلَوْ خِيفَ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ غَيْرِهِ (وَإِنْ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَمِئْزَرٍ، وَلِفَافَةٍ، جَازَ) «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصَهُ لَمَّا مَاتَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: إِنَّ الْمَيِّتَ يُؤْزَرُ، وَيُقَمَّصُ، وَيُلَفُّ بِالثَّالِثَةِ، وَهَذَا عَادَةُ الْحَيِّ. وَصَرَّحَ فِي " الشَّرْحِ "؛ وَهُوَ ظَاهِرُ " الْهِدَايَةِ " أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَالْمَنْصُوصُ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ بِكُمَّيْنِ، وَدَخَارِيصَ لَا يُزَرُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَنُّ لِلْحَيِّ زَرُّهُ فَوْقَ إِزَارٍ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ لِلْحَيِّ؛ لِأَنَّهُ الْعَادَةُ فِي الْعُرْفِ، فَيُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ يُلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ يُلَفُّ بِاللِّفَافَةِ، وَقِيلَ: بِزِرِّهِ؛ وَهُوَ رِوَايَةٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ، وَعِبَارَةُ " الْوَجِيزِ "، وَيُجْزِئُ، وَفِيهَا شَيْءٌ.
[كَفَنُ الْمَرْأَةِ]
(وَتُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ، إِزَارٍ، وَخِمَارٍ، وَقَمِيصٍ، وَلِفَافَتَيْنِ) اسْتِحْبَابًا، وَجَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَفِيهِ ضَعْفٌ «عَنْ لَيْلَى الثَّقَفِيَّةِ قَالَتْ: كُنْتُ فِيمَنْ غَسَّلَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ فَكَانَ أَوَّلُ مَا أَعْطَانَا الْحِقْيَ، ثُمَّ
стр. 709
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الدرع، ثم الْخِمَارَ، ثُمَّ الْمِلْحَفَةَ، ثُمَّ أُدْرِجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الثَّوْبِ الْآخَرِ» .
قَالَ أَحْمَدُ: الْحِقْيُ: الْإِزَارُ، وَالدِّرْعُ: الْقَمِيصُ، فَعَلَى هَذَا تُؤْزَرُ بِالْمِئْزَرِ، ثُمَّ تَلْبَسُ الْقَمِيصَ، ثُمَّ تُخَمَّرُ بِمُقَنَّعَةٍ، ثُمَّ تُلَفُّ بِاللِّفَافَتَيْنِ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّ الْخَامِسَةَ تَشُدُّ بِهَا فَخِذَيْهَا تَحْتَ الْمِئْزَرِ، وَصَرَحَّ بِهِ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تُنَقَّبُ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ وَابْنُ حَمْدَانَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ فَتُكَفَّنُ فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ لِعَدَمِ احْتِيَاجِهَا إِلَى خِمَارٍ فِي حَيَاتِهَا، فَكَذَا فِي مَوْتِهَا، وَكَذَا بِنْتُ تِسْعٍ، وَنَقَلَ الْجَمَاعَةُ كَالْبَالِغَةِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ: الْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ ثَوْبٌ يَسْتُرُهُ جَمِيعَهُ) لِأَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ يُجْزِئُ فِي سَتْرِهَا ثَوْبٌ وَاحِدٌ، فَكَفَنُ الْمَيِّتِ أَوْلَى، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَعَنْهُ: يَجِبُ ثَلَاثَةٌ، احْتَجَّ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ بِأَنَّهَا لَوْ لَمْ تَجِبْ لَمْ يَجُزْ مَعَ وَارِثٍ صَغِيرٍ، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِالْكَفَنِ الْحَسَنِ، وَقِيلَ: بِقَدْرِ الثَّلَاثَةِ عَلَى غَيْرِ الدَّيْنِ مِنَ الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، اخْتَارَهُ الْمَجْدُ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي.
قَالَ: وَإِنْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَثَوْبٌ، وَفِي الزَّائِدِ لِلْكَمَالِ وَجْهَانِ، وَيُعْتَبَرُ أَنْ لَا يَصِفَ الْبَشْرَةَ، وَيُكْرَهْ رِقَّةٌ تَحْكِي هَيْئَةَ الْبَدَنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَشَعْرٌ وَصُوفٌ، وَكَذَا مَنْقُوشٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَيَحْرُمُ بِجِلُودٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ، وَكَذَا تَكْفِينُهَا بِحَرِيرٍ لِصَبِيٍّ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَقِيلَ: لَا، وَمِثْلُهُ الْمَذْهَبُ، وَيَجُوزُ لِعَدَمِ تَكْفِينِهِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ حَرِيرٍ لِلضَّرُورَةِ لَا مُطْلَقًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا بَعْضَ ثَوْبٍ سَتَرَ الْعَوْرَةَ كَحَالِ الْحَيَاةِ، وَذَكَرَ السَّامُرِّيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " أَنَّهُ يَسْتُرُ رَأْسَهُ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ بَاقِيهِ، وَالْبَاقِيَ بِحَشِيشٍ أَوْ وَرَقٍ.
مَسَائِلُ: الْأُولَى: يَحْرُمُ دَفْنُ حُلِيٍّ وَثِيَابٍ غَيْرِ الْكَفَنِ؛ لِأَنَّهُ إِضَاعَةُ مَالٍ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، زَادَ فِي " الشَّرْحِ ": لِغَيْرِ حَاجَةٍ.
стр. 710
فَصْلٌ
فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ، وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الثَّانِيَةُ: إِذَا أَوْصَى بِدُونِ مَا يَسْتُرُ بَدَنَهُ لَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَوْصَى بِتَكْفِينِهِ فِي ثِيَابٍ ثَمِينَةٍ لَا يَلِيقُ بِهِ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ "، وَإِنْ وَصَّى فِي ثَوْبٍ، أَوْ دُونَ مَلْبُوسٍ مِثْلِهِ، جَازَ، ذَكَرَهُ الْمَجْدُ إِجْمَاعًا، وَإِنْ وَصَّى بِثَوْبٍ، وَقُلْنَا: يَجِبُ أَكْثَرُ، فَفِي صِحَّةِ وَصِيَّتِهِ وَجْهَانِ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا مَاتَ جَمَاعَةٌ، وَلَمْ يُوجَدْ سِوَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ، جُمِعَ فِيهِ مَا أَمْكَنَ، لِخَبَرِ أَنَسٍ فِي قَتْلَى أُحُدٍ.
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: يُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ، وَيَسْتُرُ عَوْرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَلَا يُجْمَعُونَ فِيهِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا كَانَ لِلْمَيِّتِ كَفَنٌ، وَثَمَّ حَيٌّ يَحْتَاجُهُ لِدَفْعِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ، فَالْأَصَحُّ لَهُ أَخْذُهُ بِثَمَنِهِ، زَادَ الْمَجْدُ: إِنْ خَشِيَ التَّلَفَ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: يُصَلَّى عَلَيْهِ عَادِم فِي أَحَدِ لِفَافَتَيْهِ، وَالْأَشْهُرُ: عُرْيَانًا كَلِفَافَةٍ وَاحِدَةٍ يُقَدَّمُ الْمَيِّتُ بِهَا.
[فَصْلٌ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ]
[مَوْقِفُ الْإِمَامِ مِنَ الْجِنَازَةِ]
فَصْلٌ
فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ وَهُوَ مُنَاسِبٌ لِمَا قَبْلَهُ (السُّنَّةُ أَنْ يَقُومَ الْإِمَامُ عِنْدَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَوَسَطِ الْمَرْأَةِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ عَنْ أَنَسٍ: «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى رَجُلٍ فَقَامَ عِنْدَ رَأْسِهِ، ثُمَّ صَلَّى عَلَى امْرَأَةٍ فَقَامَ وَسَطَهَا، فَقَالَ الْعَلَاءُ بْنُ زِيَادٍ: هَكَذَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ يَقُومُ؟ قَالَ: نَعَمْ» ، وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ عَلَى امْرَأَةٍ، فَقَامَ وَسَطَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَعَنْهُ: يَقُومُ عِنْدَ صَدْرِ الرَّجُلِ، جَزَمَ بِهِ الْخِرَقِيُّ،
стр. 711
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ "، وَ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْوَجِيزِ "، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ ".
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْأَوَّلِ، وَعَنْهُ: عِنْدَ صَدْرِهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَالْخُنْثَى بَيْنَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِلْمَقَامِ مِنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ، وَظَاهِرُ " الْوَجِيزِ " أَنَّهُمَا كَمَا سَبَقَ، فَلَوْ خَالَفَ الْمَوْضِعَ صَحَّتْ وَلَمْ يُصِبِ السُّنَّةَ، وَيُسَنُّ لَهَا الْجَمَاعَةُ، وَلَمْ يُصَلُّوهَا عَلَى النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ بِإِمَامٍ إِجْمَاعًا احْتِرَامًا لَهُ وَتَعْظِيمًا، وَيَسْقُطُ الْفَرْضُ بِرَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ كَغُسْلِهِ، وَفِي سُقُوطِهِ بِفِعْلِ خُنْثَيَيْنِ وَجْهَانِ (وَيُقَدَّمُ إِلَى الْإمَامِ) إِذَا اجْتَمَعَتْ جَنَائِزَهُمَا (أَفْضَلُهُمْ) لِأَنَّ الْفَضِيلَةَ يُسْتَحَقُّ بِهَا التَّقْدِيرُ فِي الْإِمَامَةِ، فَكَذَا هُنَا، يُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ كَانَ ـ ﵇ ـ يُقَدِّمُ فِي الْقَبْرِ مَنْ كَانَ أَكْثَرَ قُرْآنًا، وَقِيلَ: الْأَدْيَنُ، وَقِيلَ: الْأَكْبَرُ، نَصَّ عَلَيْهِ، ذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ ".
وَقَالَ الْقَاضِي: يُقَدَّمُ السَّابِقُ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا إِلَّا الْمَرْأَةَ، وَجَزَمَ بِهِ أَبُو الْمَعَالِي، كَمَا لَا يُؤَخَّرُ الْمَفْضُولُ فِي صَفِّ الْمَكْتُوبَةِ فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ، وَقُرْبِ الْإِمَامِ، فَإِنْ تَسَاوُوا قَدَّمَ الْإِمَامُ مَنْ شَاءَ، فَإِنْ تَشَاحُّوا أَقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَذَكَرَ ابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ مَعَ التَّشَاحِّ فَهَلْ يُقَدَّمُ مَنْ أَحَقُّ بِهَا أَوْ مَنْ مَيِّتُهُ سَبَقَ الْحُضُورَ أَوِ الْمَوْتَ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ، وَيُحْتَمَلُ مَنْ سَبَقَ مَيِّتُهُ التَّطْهِيرَ، فَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُ الْحُرِّ، ثُمَّ الْعَبْدِ الْمُكَلَّفِ، ثُمَّ الصَّبِيِّ، ثم الخنثى، ثُمَّ الْمَرْأَةِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، كَالْمَكْتُوبَةِ، وَعَنْهُ: يُقَدَّمُ الصَّبِيُّ عَلَى الْعَبْدِ، وَعَنْهُ: عَبْدٌ عَلَى حَرٍّ دُونَهُ، وَعَنْهُ: الْمَرْأَةُ عَلَى الصَّبِيِّ، كَمَا قَدَّمَهَا الصَّحَابَةُ فِي الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ اخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَأَبُو الْوَفَاءِ، وَنَصَرَهُ الْقَاضِي، وَلِحَاجَتِهَا إِلَى الشَّفَاعَةِ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ أَمَامَهَا فِي الْمَسِيرِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، وَيُقَدَّمُ فِي أَوْلِيَاءِ مَوْلًى أَوْلَاهُمْ بِالْإِمَامَةِ، ثُمَّ قُرْعَةً، وَلِوَلِيِّ كُلِّ مَيِّتٍ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
стр. 712
أَفْضَلُهُمْ. وَيُجْعَلَ وَسَطُ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ.
فصل
وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ، يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْفَاتِحَةَ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
مَسْأَلَةٌ: جَمْعُ الْمَوْتَى فِي الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، نَصَّ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ تَغَيَّرَ أَوْ شُقَّ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ بِالتَّسْوِيَةِ (وَيَجْعَلُ وَسَطَ الْمَرْأَةِ حِذَاءَ رَأْسِ الرَّجُلِ) اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَقَدَّمَهُ السَّامِرِيُّ، وَابْنُ حَمْدَانَ، لِيَقِفَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْقِفَهُ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ يُجْعَلُ وَسَطُهَا حِذَاءَ صَدْرِ الرَّجُلِ، وَخُنْثَى بَيْنَهُمَا (وَقَالَ الْقَاضِي: يُسَوِّي بَيْنَ رُؤوسِهِمْ) قَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْكَافِي "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ لِأَنَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَابْنَهَا زَيْدًا تُوُفِّيَا جَمِيعًا، فَصَلَّى عَلَيْهِمَا أَمِيرُ الْمَدِينَةِ، فَسَوَّى بَيْنَ رُؤوسِهِمَا. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَرَوَاهُ أَبُو حَفْصٍ عَنْ عُمَرَ، وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَابِعٌ لَا حُكْمَ لَهَا، وَعَلَيْهِ: يَقُومُ مَقَامَهُ فِي الرَّجُلِ. اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ فِي رِجَالٍ أَوْ نِسَاءٍ، يَجْعَلُونَ دَرَجًا، رَأْسُ هَذَا عِنْدَ رِجْلِ هَذَا، وَإِنَّ هَذَا وَالتَّسْوِيَةَ سَوَاءٌ، قَالَ الْخَلَّالُ: وَعَلَى هَذَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ.
فَصْلٌ يُسْتَحَبُّ تَسْوِيَةُ صُفُوفِ الْجِنَازَةِ، وَأَنْ لَا يُنْقِصُهُمْ عَنْ ثَلَاثَةِ صُفُوفٍ، لِخَبَرِ مَالِكِ بْنِ هُبَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَا مِنْ مَيِّتٍ يَمُوتُ فَيُصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ صُفُوفٍ إِلَّا غُفِرَ لَهُ» ، وَسَبَقَ حُكْمُ الْفَذِّ، وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ صَلَّى أَنْ لَا يَبْرَحَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى تَرْتَفِعَ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَمُجَاهِدٍ.
[صِفَةُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(وَيُكَبِّرُ أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ) «لِتَكْبِيرِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ عَلَى النَّجَاشِيِّ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَاشْتَهَرَتِ الرِّوَايَاتُ بِهِ (يَقْرَأُ فِي الْأَوْلَى الْفَاتِحَةُ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ فِيهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، عَنْ
стр. 713
الثَّانِيَةِ. وَيَدْعُو فِي الثَّالِثَةِ فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أُمِّ شَرِيكٍ الْأَنْصَارِيَّةِ قَالَتْ: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ أَنْ نَقْرَأَ عَلَى الْجِنَازَةِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» ، وَعَنْ جَابِرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ قَرَأَ بِالْفَاتِحَةِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى» ، وَكَالْمَكْتُوبَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَفْتِحُ؛ وَهُوَ الْمَشْهُورُ؛ لِأَنَّ مَبْنَاهَا عَلَى التَّخْفِيفِ، وَعَنْهُ: بِلَى، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ " ثُمَّ يَتَعَوَّذُ لِلْآيَةِ، وَعَنْهُ: لَا، وَيَضَعُ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ، وَكَانَ أَحْمَدُ يَفْعَلُهُ، وَنَقَلَ الْفَضْلُ أَنَّهُ أَرْسَلَهُمَا، وَيَبْتَدِئُ الْحَمْدَ بِالْبَسْمَلَةِ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ "، وَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِهَا، قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": بِغَيْرِ خِلَافٍ فِي مَذْهَبِنَا، وَجَزَمَ فِي " التَّبْصِرَةِ " بِقِرَاءَةِ سُورَةٍ مَعَهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ سِرًّا، وَلَوْ لَيْلًا، لَا يُقَالُ: ابْنُ عَبَّاسٍ جَهَرَ بِهَا.
وَقَالَ: سُنَّةٌ وَحَقٌّ، لِأَجْلِ تَعْلِيمِهِمْ (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي الثَّانِيَةِ) سِرًّا، لِمَا رَوَى الشَّافِعِيُّ: أَنَا مُطْرَفُ بْنُ مَازِنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ «أَنَّ السُّنَّةَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ أَنْ يُكَبِّرَ الْإِمَامُ، ثُمَّ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى سِرًّا فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَيُخْلِصُ الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ» وَيَكُونُ كَمَا فِي التَّشَهُّدِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاسْتَحَبَّ الْقَاضِي بَعْدَهَا " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مَلَائِكَتِكَ الْمُقَرَّبِينَ، وَأَنْبِيَائِكَ وَالْمُرْسَلِينَ، وَأَهْلِ طَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ " وَفِي " الْكَافِي " لَا يَتَعَيَّنُ صَلَاةٌ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ مُطْلَقُ الصَّلَاةِ (وَيَدْعُو) لِنَفْسِهِ، وَلِوَالِدَيْهِ، وَالْمَيِّتِ، وَالْمُسْلِمِينَ (فِي الثَّالِثَةِ) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ «إِذَا صَلَّيْتُمْ عَلَى الْمَيِّتِ فَأَخْلِصُوا له
стр. 714
وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ فَتَوَفِّهُ عَلَيْهِمَا، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ. وَافْسَحْ لَهُ قَبْرَهُ، وَنَوِّرْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الدُّعَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَلَا تَوْقِيتَ فِيهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ (فَيَقُولَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا وَأُنْثَانَا، إِنَّكَ تَعْلَمُ مُتَقَلَّبَنَا وَمَثْوَانَا، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَالسُّنَّةِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفِّهِ عَلَيْهَمَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ «اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تُضِلَّنَا بَعْدَهُ» وَفِيهِ ابْنُ إِسْحَاقَ قَالَ الْحَاكِمُ: حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، لَكِنْ زَادَ فِيهِ الْمُؤَلِّفُ: وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، وَلَفْظُ " السُّنَّةِ " «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَأَوْسِعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، وَأَبْدِلْهُ دَارًا خَيْرًا مِنْ دَارِهِ، وَزَوْجًا خَيْرًا مِنْ زَوْجِهِ، وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ، وَأَعِذْهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ يَقُولُ عَلَى جِنَازَةٍ حَتَّى تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَيِّتَ، وَفِيهِ: «وَأَبْدِلْهُ أَهْلًا خَيْرًا مِنْ أَهْلِهِ» ، وَزَادَ الْمُؤَلِّفُ لَفْظَ مِنَ الذُّنُوبِ «وَافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ» لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، فَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً أَنَّثَ الضمير، وَإِنْ كَانَ خُنْثَى قَالَ: هَذَا الْمَيِّتُ وَنَحْوَهُ.
تَذْنِيبٌ: " نُزُلَهُ " بِضَمِّ الزَّايِ، وَقَدْ يُسَكَّنُ، " وَمَدْخَلَهُ " بِفَتْحِ الْمِيمِ: مَوْضِعُ الدُّخُولِ، وَبِضَمِّهَا: الْإِدْخَالُ، وَالزَّوْجُ بِغَيْرِ هَاءٍ: لِلْمُذَكَّرِ وَالْمُؤَنَّثِ، وَقَدْ يُقَالُ لِامْرَأَةِ الرَّجُلِ: زَوْجَةٌ، حَكَاهَا الْخَلِيلُ وَالْجَوْهَرِيُّ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ عَبْدُكَ،
стр. 715
لَهُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطًا وَأَجْرًا وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ، وَيَقِفُ بَعْدَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، نَزَلَ بِكَ، وَأَنْتَ خَيْرُ مَنْزُولٍ بِهِ، اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مُحْسِنًا فَجَازِهِ بِإِحْسَانِهِ، وَإِنْ كَانَ مُسِيئًا فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا جِئْنَا شُفَعَاءَ لَهُ فَشَفِّعْنَا فِيهِ، وَلَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ، إِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ شَرًّا مِنَ الْمَيِّتِ قَالَ: اللَّهُمَّ لَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا، لِلْخَبَرِ، وَلَا بَأْسَ بِالْإِشَارَةِ بِالْإِصْبَعِ حَالَ الدُّعَاءِ لِلْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ (وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا) وَعِبَارَةُ " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ أَوْلَى (قَالَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ ذُخْرًا لِوَالِدَيْهِ، وَفَرَطَا، وَأَجْرًا، وَشَفِيعًا مُجَابًا، اللَّهُمَّ ثَقِّلْ بِهِ مَوَازِينَهُمَا، وَأَعْظِمْ بِهِ أُجُورَهُمَا، وَأَلْحِقْهُ بِصَالِحِ سَلَفِ الْمُؤْمِنِينَ، وَاجْعَلْهُ فِي كَفَالَةِ إِبْرَاهِيمَ، وَقِهِ بِرَحْمَتِكَ عَذَابَ الْجَحِيمِ) لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «وَالسَّقْطُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَيُدْعَى لِوَالِدَيْهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الدُّعَاءِ لَائِقٌ بِحَالِهِ مُنَاسِبٌ لِمَا مَرَّ فِيهِ، فَشُرِعَ كَالِاسْتِغْفَارِ لِلْبَالِغِ، زَادَ جَمَاعَةٌ: سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ، وَالْأَشْهَرُ عَدَمُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا ذَنْبَ لَهُ، وَإِنَّمَا يَدْعُو لِوَالِدَيْهِ، هَذَا هُوَ السُّنَّةُ.
فَرْعٌ: إِذَا لَمْ يُعْرَفُ إِسْلَامُ وَالِدَيْهِ دَعَا لِمُوَالِيهِ، وَفِي " الْفُرُوعِ "، وَمُرَادُهُمْ فِيمَنْ بَلَغَ مَجْنُونًا ومَاتَ أَنَّهُ كَصَغِيرٍ (وَيَقِفُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ قَلِيلًا) لِمَا رَوَى الْجُرْجَانِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ كَانَ يُكَبِّرُ أَرْبَعًا، ثُمَّ يَقِفُ مَا شَاءَ اللَّهُ، فَكُنْتُ أَحْسَبُ هَذِهِ الْوَقْفَةَ لِيُكَبِّرَ آخِرُ الصُّفُوفِ» وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ بَعْدَهَا دُعَاءٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ
стр. 716
الرَّابِعَةِ قَلِيلًا. وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْخِرَقِيُّ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمُ الْوُقُوفَ.
وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ: يَدْعُو فِيهَا كَالثَّالِثَةِ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَالْمَجْدُ فِي " شَرْحِ الْهِدَايَةِ "؛ لِأَنَّ ابْنَ أَبِي أَوْفَى فَعَلَهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ فَعَلَهُ.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَصْلَحُ مَا رُوِيَ، وَقَالَ: لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يُخَالِفُهُ، وَلِأَنَّهُ قِيَامٌ فِي جِنَازَةٍ، أَشْبَهَ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَقُولُ: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ، وَحَكَاهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ عَنِ الْأَكْثَرِ، وَصَحَّ أَنَّ أَنَسًا كَانَ لَا يَدْعُو بِدُعَاءٍ إِلَّا خَتَمَهُ بِهَذَا، وَاخْتَارَ أَبُو بَكْرٍ: اللَّهُمَّ لَا تَحْرِمْنَا أَجْرَهُ، وَلَا تَفْتِنَّا بَعْدَهُ، وَاغْفِرْ لَنَا وَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَائِقٌ بِالْمَحَلِّ، وَفِي " الْوَسِيلَةِ " رِوَايَةُ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَقَدْ نَصَّ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَدْعُو لِلْمَيِّتِ بَعْدَ الرَّابِعَةِ، وَلِلْمُسْلِمِينَ بَعْدَ الثَّالِثَةِ؛ وَهِيَ اخْتِيَارُ الْخَلَّالِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَتَشَهَّدُ وَلَا يُسَبِّحُ مُطْلَقًا، نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَ حَرْبٌ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ إِلَى قَوْلِهِ: وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ (وَيُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً وَاحِدَةً عَنْ يَمِينِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ رَوَى عَطَاءُ بْنُ السائب «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سَلَّمَ عَلَى الْجِنَازَةٍ تَسْلِيمَةً» رَوَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَنْ سَلَّمَ عَلَيْهَا تَسْلِيمَتَيْنِ فَهُوَ جَاهِلٌ، وَلِأَنَّ التَّسْلِيمَةَ عَنْ يَمِينِهِ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ فِيهِ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَإِنْ سَلَّمَ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَجُوزُ ثَانِيَةٌ، وَاسْتَحَبَّهَا الْقَاضِي، وَذَكَرَهُ الْحُلْوَانِيُّ رِوَايَةً، وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى تَسْلِيمَتَيْنِ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: يَجْهَرُ بِهَا الْإِمَامُ، وَقِيلَ: يُسِرُّ وَيُتَابِعُ إِمَامًا فِي الثَّانِيَةِ كَالْقُنُوتِ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ) رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
стр. 717
وَالْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ الْقِيَامُ وَالتَّكْبِيرَاتُ وَالْفَاتِحَةُ، وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ وَالسَّلَامُ. صلوا كما رأيتموني أصلي، وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا، كُبِّرَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعُمَرُ عَمُّ زِيدِ بْنِ ثَابِتٍ. رَوَاهُ الْأَثْرَمُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَّصِلُ طَرَفُهَا بِسُجُودٍ وَلَا قُعُودٍ، فَسُنَّ فِيهَا الرَّفْعُ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ، وَحَكَى فِي " الشَّرْحِ " الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي الْأُولَى، وَصِفَةُ الرَّفْعِ وَانْتِهَاؤُهُ كَمَا سَبَقَ
[وَاجِبَاتُ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ]
(والْوَاجِبُ مِنْ ذَلِكَ التَّكْبِيرَاتُ) الْأَرْبَعُ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ، وَجَابِرٌ «أَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَبَّرَ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَلَوْ نَقَصَ تَكْبِيرَةً عَمْدًا بَطَلَتْ، وَسَهْوًا يُكْرَهُ مَا لَمْ يَطُلِ الْفَصْلُ، وَقِيلَ: يُعِيدُهَا لِفِعْلِ أَنَسٍ، وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهُ لَا يَسْتَأْنِفُهَا إِلَّا إِذَا أَطَالَ، أَوْ وَجَدَ مُنَافٍ مِنْ كَلَامٍ أَوْ نَحْوِهِ (والْفَاتِحَةُ) وَلَمْ يُوجِبِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قِرَاءَةً، بَلِ اسْتَحَبَّهَا؛ وَهُوَ ظَاهِرُ نَقْلِ أَبِي طَالِبٍ (وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ) لِقَوْلِهِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصَلِّي عَلَى نَبِيِّهِ» .
وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: وَإِنْ قُلْنَا: لَا تَجِبُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَجِبْ هُنَا (وَأَدْنَى دُعَاءٍ لِلْمَيِّتِ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمَقْصُودُ، فَلَا يَجُوزُ الْإِخْلَالُ بِهِ (وَالسَّلَامُ) لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَى الْجَنَائِزِ، وَقَالَ: «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَالْمُرَادُ بِهِ وَاحِدَةٌ، وَعَنْهُ: ثِنْتَانِ، وَظَاهِرُ مَا ذَكَرَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ "، وَ " الْكَافِي " وهنا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْقِرَاءَةُ فِي الْأُولَى، وَالصَّلَاةُ فِي الثَّانِيَةِ، وَالدُّعَاءُ فِي الثَّالِثَةِ، وَقَدَّمَ فِي " الْفُرُوعِ " خِلَافَهُ، وَيُشْتَرَطُ لَهَا النِّيَّةُ، فَيَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمَيِّتِ، وَلَا يَضُرُّ جَهْلُهُ بِالذَّكَرِ وَغَيْرِهِ، فَإِنْ جَهِلَهُ، نَوَى مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ الْإِمَامُ، وَإِنْ نَوَى أَحَدَ الْمَوْتَى اعْتُبِرَ تَعْيِينُهُ، فَإِنْ نَوَى عَلَى رَجُلٍ فَبَانَ امْرَأَةً أَوْ عَكْسَهُ فَقَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُجْزِئُهُ لِقُوَّةِ التَّعْيِينِ عَلَى الصِّفَةِ، وَالْقِيَامُ فِي فَرْضِهَا، لِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَيَجِبُ فِيهَا الْقِيَامُ كَالْمَكْتُوبَةِ، فَلَا تَصِحُّ مِنْ قَاعِدٍ، وَلَا عَلَى رَاحِلَةٍ بِلَا عُذْرٍ،
стр. 718
بِتَكْبِيرِهِ، وَعَنْهُ: لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ، وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ.
وَإِنْ فَاتَهُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ تَكَرَّرَتْ إِنْ قِيلَ: الثانية فَرْضٌ. وَالْمُؤَلِّفُ تَرَكَ ذِكْرَهُمَا لِظُهُورِهِمَا، وَإِسْلَامُ الْمَيِّتِ وَالطَّهَارَةُ مِنْ حَدَثٍ وَنَجَسٍ، وَالِاسْتِقْبَالُ وَالسُّتْرَةُ كَمَكْتُوبَةٍ، فَإِنْ تَعَذَّرَ تَطْهِيرُ الْمَيِّتِ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَحُضُورُ الْمَيِّتِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي، وَلَا تَصِحُّ عَلَى جِنَازَةٍ مَحْمُولَةٍ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ فِي الْمَسْبُوقِ، لِأَنَّهَا كَإِمَامٍ، وَلِهَذَا لَا صَلَاةَ بِدُونِ الْمَيِّتِ، وَقَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ: قُرْبُهَا مِنَ الْإِمَامِ مَفْصُولَةٌ كَقُرْبِ الْمَأْمُومِ مِنَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ يُسَنُّ الدُّنُوُّ مِنْهَا، وَلَوْ صَلَّى؛ وَهِيَ مِنْ وَرَاءِ جِدَارٍ لَمْ يَصِحَّ.
(وَإِنْ كَبَّرَ الْإِمَامُ خَمْسًا كُبِّرَ بِتَكْبِيرِهِ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيُّ، وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ "، وَذَكَرَ فِي " الشَّرْحِ " أَنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ «عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنَّهُ كَبَّرَ عَلَى الْجِنَازَةِ خَمْسًا، وَقَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ يُكَبِّرُهَا» ، وَعَنْ حُذَيْفَةَ نَحْوُهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ (وَعَنْهُ لَا يُتَابَعُ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَرْبَعٍ) نَقَلَهَا حَرْبٌ، وَاخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ، وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي، لِأَنَّهُ زَادَ عَلَى الْقَدْرِ الْمَشْرُوعِ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ كَالْقُنُوتِ فِي الْأُولَى، وَكَمَا لَوْ زَادَ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ، وَكَمَا لَوْ عَلِمَ، أَوْ ظَنَّ بِدْعَةً، وَأَجَابَ الثَّوْرِيُّ عَمَّا سَبَقَ بِالنَّسْخِ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ نَظَرٌ (وَعَنْهُ: يُتَابَعُ إِلَى سَبْعٍ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهَا أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ، وَقَدَّمَهَا فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِأَنَّهُ ﵇ كَبَّرَ عَلَى حَمْزَةَ سَبْعًا، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ، وَعَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ قَالَ: كَانُوا يُكَبِّرُونَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ خَمْسًا، وَسِتًّا، وَسَبْعًا رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ الْمَأْمُومَ يُتَابِعُ إِمَامَهُ فِي تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، فَكَذَا هُنَا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُتَابِعُهُ فِيمَا زَادَ عَلَيْهَا.
قَالَ أَحْمَدُ: هُوَ أَكْثَرُ مَا جَاءَ فِيهِ، وَلَا تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ سَبْعٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُسَبِّحَ بَعْدَهَا لَا قَبْلَهَا، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَذَكَرَ ابْنُ حَامِدٍ وَجْهًا: تَبْطُلُ مُجَاوَزَةُ أَرْبَعٍ عَمْدًا،
стр. 719
شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ، وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا، فَإِنْ سَلَّمَ وَلَمْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَبِكُلِّ تَكْبِيرَةٍ لَا يُتَابَعُ فِيهَا، وَفِي " الْخِلَافِ " قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِسَالَةِ مُسَدَّدٍ: خَالَفَنِي الشَّافِعِيُّ فِي هَذَا فَقَالَ: إِذَا زَادَ عَلَى أَرْبَعٍ تُعَادُ الصَّلَاةُ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النَّجَاشِيِّ، قَالَ أَحْمَدُ: وَالْحُجَّةُ لَهُ، وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنَّ الْمُدَاوَمَةَ عَلَى أَرْبَعٍ تَدُلُّ عَلَى الْفَضِيلَةِ، وَغَيْرَهَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ، فَتَتَعَيَّنُ الْمُتَابَعَةُ، وَإِذَا لَمْ يُتَابَعْ فِي الزِّيَادَةِ فَلَا يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ السَّلَامُ قَبْلَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا: يَنْوِي مُفَارَقَتَهُ وَيُسَلِّمُ، كَمَا لَوْ قَامَ إِلَى خَامِسَةٍ، وَعَجِبَ أَحْمَدُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ مَا وَرَدَ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: كَبِّرْ مَا كَبَّرَ إِمَامُكَ.
تَنْبِيهٌ: الْمُنْفَرِدُ كَإِمَامٍ فِي زِيَادَةٍ، وَلَوْ كَبَّرَ فَجِيءَ بِثَانِيَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَبَّرَ الْإِمَامُ، وَنَوَاهُمَا، جَازَ، نَصَّ عَلَيْهِ، إِذَا بَقِيَ مِنْ تَكْبِيرِهِ أَرْبَعٌ، فَيَقْرَأُ فِي الْخَامِسَةِ، وَيُصَلِّي [عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ] فِي السَّادِسَةِ، وَيَدْعُو فِي السَّابِعَةِ، وَلَوْ جِيءَ بِخَامِسَةٍ لَمْ يُكَبِّرْ عَلَيْهَا الْخَامِسَةَ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى زِيَادَةِ التَّكْبِيرِ عَلَى سَبْعٍ، أَوْ نُقْصَانِ الْخَامِسَةِ مِنْ أَرْبَعٍ، وَكِلَاهُمَا مَمْنُوعٌ، فَإِنْ أَرَادَ أَهْلُ الْجِنَازَةِ الْأُولَى رَفَعَهَا قَبْلَ سَلَامِ الْإِمَامِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا بِهِ، وَيُسْتَحَبُّ لِلْمَسْبُوقِ إِذَا حَضَرَ بَيْنَ تَكْبِيرَتَيْنِ أَنْ يُحْرِمَ وَيَدْخُلَ مَعَهُ كَالصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَظِرُ تَكْبِيرَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ كَرَكْعَةٍ، فَلَا يَشْتَغِلُ بِقَضَائِهَا، وَرَدَّهُ الْمُؤَلِّفُ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ اشْتِغَالًا بِقَضَاءِ مَا فَاتَهُ، وَإِنَّمَا يُصَلِّي مَعَهُ مَا أَدْرَكَهُ، وَخَيَّرَهُ فِي " الْفُصُولِ " كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَإِنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَ الرَّابِعَةِ فَمَسْأَلَتُهَا: إِنْ شَرَعَ بَعْدَ ذِكْرٍ كَبَّرَ وَتَبِعَهُ
[وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ فِي الْجِنَازَةِ]
(وَإِنْ فَاتَهُ شَيْءٌ مِنَ التَّكْبِيرِ، قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ) قَدَّمَهُ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَحَلُّ الْأَدَاءِ، كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْمَقْضِيُّ أَوَّلُ صَلَاتِهِ يَأْتِي فِيهِ بِحَسَبِ ذَلِكَ، وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ هُنَا، فَيَأْتِي بِالْقِرَاءَةِ فِيمَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ، وَهَذَا ظَاهِرُ " التَّلْخِيصِ " لَكِنْ إِذَا خَشِيَ رَفْعَهَا تَابَعَ، رُفِعَتْ أَمْ لَا، نَصَّ عَلَيْهِ (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: يَقْضِيهِ مُتَتَابِعًا) هَذَا رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ،
стр. 720
يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَمَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ، صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَحَكَاهُ أَحْمَدُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: لَا يَقْضِي، فَإِنْ كَبَّرَ سَابِعًا فَلَا بَأْسَ، وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُ مُخَالِفٌ فِي الصَّحَابَةِ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: وَهُوَ الْأَصَحُّ: إِنْ رُفِعَتْ قَبْلَ إِتْمَامِ التَّكْبِيرِ قَضَاهُ سَابِعًا لِعَدَمِ مَنْ يُدْعَى لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُرْفَعْ قَضَاهُ عَلَى صِفَتِهِ (فَإِنَّ سَلَّمَ) مَعَ الْإِمَامِ (وَلَمْ يَقْضِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَصِحُّ، اخْتَارَهَا الْأَكْثَرُ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ لِعَائِشَةَ «مَا فَاتَكِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْكِ» وَلِأَنَّهَا تَكْبِيرَاتٌ حَالَ الْقِيَامِ، فَلَمْ يَجِبْ قَضَاؤُهَا، كَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا تَصِحُّ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْآجُرِّيُّ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَحَكَاهُ عَنْ شَيْخِهِ لِقَوْلِهِ: «وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا» .
أَصْلٌ: إِذَا صَلَّى لَمْ يُصَلِّ ثَانِيًا، كَمَا لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ رَدُّ السَّلَامِ ثَانِيًا، ذَكْرَهُ جَمَاعَةٌ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُنْتَخَبِ " نصا كَالْغُسْلِ وَنَحْوِهِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي، اخْتَارَهُ فِي " الْفُنُونِ " وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَامِدٍ وَالْمَجْدُ: يُصَلِّي تَبَعًا، وَإِلَّا فَلَا إِجْمَاعًا كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ، وَمَنْ لَمْ يُصَلِّ جَازَ أَنْ يُصَلِّيَ بَلْ يُسْتَحَبُّ، كَصَلَاتِهِمْ عَلَى النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ كَمَا لَوْ صَلَّى عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ وَالٍ حَاضِرٍ أَوْ وَلِيٍّ بَعْدَهُ حَاضِرٍ، وَإِنَّمَا تُعَادُ تَبَعًا، وَمَتَّى رُفِعَتْ بَعْدَ الصَّلَاةِ لَمْ تُوضَعْ لِأَحَدٍ، وَيُبَادَرُ إِلَى دَفْنِهَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إِلَّا أَنْ يُرْجَى مَجِيءُ الْوَلِيِّ فَيُؤَخَّرَ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ تَغَيُّرَهُ.
[فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ]
(وَمَنْ فَاتَهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْجِنَازَةِ صَلَّى عَلَى الْقَبْرِ إِلَى شَهْرٍ) نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ» ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ «أَنَّ أُمَّ سَعْدٍ مَاتَتْ وَالنَّبِيُّ ﷺ غَائِبٌ، فَلَمَّا
стр. 721
شَهْرٍ.
وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ، فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَدِمَ صَلَّى عَلَيْهَا، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ شَهْرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: أَكْثَرُ مَا سَمِعْتُ هَذَا، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ بَقَاؤُهُ أَكْثَرَ مِنْهُ فَيُقَيِّدُ بِهِ، قِيلَ: مِنْ دَفْنِهِ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ "، وَقِيلَ: مِنْ مَوْتِهِ، وَيَحْرُمُ بَعْدَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْخِلَافِ ": أَجَابَ أَبُو بَكْرٍ فِيمَا سَأَلَهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ قَوْلِ الرَّاوِي: بَعْدَ شَهْرٍ، يُرِيدُ شَهْرًا، وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ، أَرَادَ الْحِينَ، لَكِنْ ذَكَرَ الْمُؤَلِّفِ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ لَا يَضُرُّ زِيَادَةٌ يَسِيرَةٌ لِمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرٍ بَعْدَ شَهْرٍ» قَالَ الْقَاضِي: كَالْيَوْمَيْنِ، وَقِيلَ: إِلَى سَنَةٍ مَا لَمْ يَبْلَ، فَإِنْ شَكَّ فِي بَقَائِهِ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: يُصَلِّي عَلَيْهِ أَبَدًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ فَرْضِهَا يَوْمَ مَوْتِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ عَلَى قَبْرِهِ ـ ﵇ ـ لِئَلَّا يُتَّخَذَ مَسْجِدًا، وَمَنْ شَكَّ فِي الْمُدَّةِ صَلَّى حَتَّى يُعْلَمَ فَرَاغُهَا، وَحُكْمُ الْغَرِيقِ كَذَلِكَ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُدْفَنْ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ مَضَى أَكْثَرُ مِنْ شَهْرٍ، وَقَيَّدَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَقَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " بِالشَّهْرِ.
[الصَّلَاةُ عَلَى الْغَائِبِ]
(وَيُصَلَّى عَلَى الْغَائِبِ بِالنِّيَّةِ) كَالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْإِمَامِ، وَغَيْرِهِ، وَلَا مِنْ مَسَافَةِ الْقَصْرِ وَغَيْرِهَا، فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَالثَّانِيَةُ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ حُضُورَ الْجِنَازَةِ شَرْطٌ كَمَا لَوْ كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ ـ «﵇ ـ صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ فَصَفَّ، وَكَبَّرَ عَلَيْهِ أَرْبَعًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. لَا يُقَالُ: لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِكُمْ، فَإِنَّكُمْ تَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْغَرِيقِ وَالْأَسِيرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، مَعَ أَنَّهُ يَبْعُدُ مَا ذَكَرْتُمْ، فَإِنَّ النَّجَاشِيَّ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ، فَيَبْعُدُ أَنَّهُ لَمْ يُوَافِقْهُ أَحَدٌ يُصَلِّي عَلَيْهِ، وَمُدَّتُهُ كَمُدَّةِ
стр. 722
بِالنِّيَّةِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
وَ لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ من الغنيمة، وَلَا على مَنْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الصَلَاةِ على الْقَبْرِ، وَيُعْتَبَرُ انْفِصَالُ مَكَانِهِ عَنِ الْبَلَدِ بِمَا يُعَدُّ الذِّهَابُ إِلَيْهِ نَوْعُ سَفَرٍ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَكْفِي خَمْسُونَ خُطْوَةً.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَأَقْرَبُ الْحُدُودِ مَا تَجِبُ فِيهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ إِذْنٌ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ فِي الْبَلَدِ، فَلَا يُعَدُّ غَائِبًا عَنْهَا، وَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " (فَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِ جَانِبَيِ الْبَلَدِ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ) هَذَا الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ حُضُورُهُ، أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَا فِي جَانِبٍ وَاحِدٍ، وَالثَّانِيَةُ: يَجُوزُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، كَالْعِيدِ وَلِلْمَشَقَّةِ.
مَسَائِلُ: مِنْهَا: إِذَا صَلَّي عَلَى غَائِبٍ، ثُمَّ حُضِرَ بِهِ، اسْتُحِبَّ أَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ ثَانِيًا، جَزَمَ بِهِ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ، فَيُعَايَا بِهَا.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى كُلَّ يَوْمٍ عَلَى كُلِّ غَائِبٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
وَمِنْهَا: الصَّلَاةُ عَلَى مُسْتَحِيلٍ بِإِحْرَاقٍ، وَأَكِيلِ سَبُعٍ وَنَحْوِهِ، وَجْهَانِ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": الْأَظْهَرُ الْمَنْعُ، لِاسْتِحَالَتِهِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ فِي اللُّجَّةِ.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": فَأَمَّا إِنْ حَصَلَ فِي بَطْنِ سَبُعٍ، لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ مَعَ مُشَاهَدَةِ السَّبُعِ.
وَمِنْهَا: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى مَنْ فِي تَابُوتٍ مُغَطَّى، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ كَشْفُهُ عَادَةً، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يَصِحُّ كَالْمُكِبَّةِ.
[لَا يُصَلِّي الْإِمَامُ عَلَى الْغَالِّ]
(وَلَا يُصَلِّي الْإِمَامُ) أَيِ: الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَاخْتَارَهُ " الْخَلَّالُ "، وَجَزَمَ بِهِ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَقِيلَ: أَوْ نَائِبُهُ، وَإِمَامُ قَرْيَةٍ، وَهُوَ وَالِيهَا فِي الْقَضَاءِ، نَقَلَهُ حَرْبٌ (عَلَى الْغَالِّ مِنَ الْغَنِيمَةِ) نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ـ «﵇ ـ امْتَنَعَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ، فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ الْقَوْمِ، فَقَالَ: إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَاحْتَجَّ بِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ حسن مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ
стр. 723
قَتَلَ نَفْسَهُ.
وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ، غُسِّلَ، وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
خَالِدٍ؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِلْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ (وَلَا عَلَى مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ) عَمْدًا فِي الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ نَفْسَهُ بِمَشَاقِصَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ «قَالَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ: أَمَّا أَنَا فَلَا أُصَلِّي عَلَيْهِ» وَهُوَ سَهْمٌ لَهُ نَصْلٌ عَرِيضٌ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ، وَحُكِيَ رِوَايَةً.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ فِي هَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْفُسَّاقِ، فيجيء الخلاف، فلا يصلي أهل الفضل على الفساق؛ لِأَنَّ فِي امْتِنَاعِ الْإِمَامِ رَدْعًا وَزَجْرًا، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِمَا غَيْرُ الْإِمَامِ، قَالَهُ السَّامِرِيُّ وَغَيْرُهُ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «صَلُّوا عَلَى مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ، وَيُصَلِّي عَلَى كُلِّ عَاصٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَالَ: مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ ـ ﵇ ـ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى أَحَدٍ إِلَّا عَلَى الْغَالِّ وَقَاتِلِ نَفْسِهِ، وَيَلْحَقُ بِهِمَا صَاحِبُ بِدْعَةٍ مُكَفِّرَةٍ، وَعَنْهُ: وَلَا يُصَلِّي عَلَى أَهْلِ الْكَبَائِرِ، جَزَمَ به فِي " التَّرْغِيبِ "، وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ فِي كُلِّ مَنْ مَاتَ عَنْ مَعْصِيَةٍ ظَاهِرَةٍ بِلَا تَوْبَةٍ؛ وَهُوَ مُتَّجِهٌ، وَعَنْهُ، وَلَا عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدٍّ، وَلَا عَلَى مَدِينٍ، وَعَنْهُ: يُصَلّى عَلَى كُلِّ أَحَدٍ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ، كَمَا يُصَلِّي غَيْرُهُ حَتَّى عَلَى بَاغٍ وَمُحَارِبٍ.
[وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ غُسِّلَ وَكُفِّنَ]
(وَإِنْ وُجِدَ بَعْضُ الْمَيِّتِ) تَحْقِيقًا، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ (غُسِّلَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ) عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ أَبَا أَيُّوبَ صَلَّى عَلَى رِجْلٍ، قَالَهُ أَحْمَدُ، وَصَلَّى عُمَرُ عَلَى عِظَامٍ بِالشَّامِ، وَصَلَّى أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى رُءُوسٍ بَعْدَ تَغْسِيلِهَا وَتَكْفِينِهَا، رَوَاهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: أَلْقَى طَائِرٌ يَدًا بِمَكَّةَ فِي وَقْعَةِ الْجَمَلِ عُرِفَتْ بِالْخَاتَمِ، وَكَانَتْ يَدَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أُسَيْدٍ، فَصَلَّى عَلَيْهَا أَهْلُ مَكَّةَ، وَالْمُرَادُ بِالْبَعْضِ غَيْرُ شَعْرٍ وَظُفْرٍ، رِوَايَةً وَاحِدَةً؛ لِأَنَّهُ لَا حَيَاةَ فِيهِ، وَكَذَا سَنَّ، قَالَهُ فِي " الْفُرُوعِ " فَعَلَى مَا ذَكَرَهُ: يُلَفُّ فِي
стр. 724
الْجَوَارِحِ، وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ بِمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ، يَنْوِي مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ
وَلَا بَأْسَ بِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
شَيْءٍ بَعْدَ تَطْهِيرِهِ، وَيُصَلَّى عَلَيْهِ وُجُوبًا إِنْ لَمْ يَكُنْ صُلِّيَ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: مُطْلَقًا كَغُسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَدَفْنِهِ فِي الْأَصَحِّ، فَقِيلَ: يَنْوِي الْجُمْلَةَ إِذَا صَلَّى، ثُمَّ وَجَدَ الْأَكْثَرَ، فَفِي الْوُجُوبِ احْتِمَالَانِ، وَإِنْ تَكَرَّرَ الْوُجُوبُ جَعَلَا لِلْأَكْثَرِ كَالْكُلِّ (وَعَنْهُ: لَا يُصَلَّى عَلَى الْجَوَارِحِ) الَّتِي يَكْتَسِبُ بِهَا، كَمَا لَوْ بَانَ فِي حَيٍّ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَلِئَلَّا تَتَكَرَّرَ الصَّلَاةُ، فَمَتَى وُجِدَ الْأَكْثَرُ صَلَّى عَلَيْهِ، وَهَلْ يُنْبَشُ لِيُدْفَنَ مَعَهُ، أَمْ بِجَنْبِهِ؛ فِيهِ وَجْهَانِ.
فَرْعٌ: إِذَا بَانَ مِنْ حَيٍّ كَيَدِ سَارِقٍ انْفَصَلَ فِي وَقْتٍ لَوْ وُجِدَتْ فِيهِ الْجُمْلَةُ، لَمْ يَغُسَّلْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهَا، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَيْهِمَا إِنِ احْتَمَلَ مَوْتَهُ (وَإِنِ اخْتَلَطَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَمُسْلِمٍ (وَمَنْ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ) كَكَافِرٍ (صَلَّى عَلَى الْجَمِيعِ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ وَاجِبَةٌ، وَلَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ عَنِ الْعُهْدَةِ إِلَّا بِذَلِكَ، وَفُهِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يُغَسَّلُ الْجَمِيعُ، وَيُكَفَّنُونَ، سَوَاءً كَانَ مَنْ يُصَلَّى عَلَيْهِ أَكْثَرَ أَمْ لَا، وَسَوَاءً فِي ذَلِكَ دَارُ الْحَرْبِ وَغَيْرُهَا، وَعَنْهُ: إِذَا اشْتَبَهُوا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا. (يَنْوِي مَنْ يُصَلّى عَلَيْهِ) أَيْ: يَنْوِي الصَّلَاةَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْكَافِرِ لَا تَجُوزُ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ ذَلِكَ، ثُمَّ إِنْ أَمْكَنَ عَزْلُهُمْ، وَإِلَّا دُفِنُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ.
مَسْأَلَةٌ: يُصَلَّى عَلَى الْمُسْلِمَةِ الْحَامِلَةِ دُونَ حَمْلِهَا قَبْلَ مُضِيِّ تَصْوِيرِهِ، وَعَلَيْهِمَا مَعًا بَعْدَهُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَى أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حُكْمَ آبَائِهِمْ إِلَّا مَنْ حَكَمْنَا بِإِسْلَامِهِ مِنْهُمْ، ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ.
[الصَّلَاةُ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ]
(وَلَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ فِي الْمَسْجِدِ) قَالَ الْآجُرِّيُّ: السُّنَّةُ أَنْ يُصَلَّى عَلَيْهَا فِيهِ، لِقَوْلِ عَائِشَةَ «صَلَّى النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ عَلَى سُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ»
стр. 725
وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَصُلِّيَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِيهِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ، فَلَمْ تُكْرَهْ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. وَقِيلَ: هُوَ أَفْضَلُ، وَقِيلَ: عَكْسُهُ، وَخَيَّرَهُ أَحْمَدُ، وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَإِنْ لَمْ يُؤْمَنْ تَلْوِيثُهُ، لَمْ يَجُزْ، ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى الْكَرَاهَةِ، لِمَا رَوَى أَحْمَدُ ثَنَا وَكِيعٌ ثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ صَالِحٍ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا شَيْءَ لَهُ» وَلِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ انْفِجَارُهُ فِيهِ، وَجَوَابُهُ: بِأَنَّ صَالِحًا فِيهِ ضَعْفٌ، وَبِأَنَّ احْتِمَالَ انْفِجَارِهِ نَادِرٌ، ثُمَّ هُوَ عَادَةٌ بِعَلَامَةٍ، فَمَتَى ظَهَرَتْ كُرِهَ إِدْخَالُهُ الْمَسْجِدَ (وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهُ غَيْرُ النِّسَاءِ صَلَّيْنَ عَلَيْهِ) لِأَنَّ عَائِشَةَ أَمَرَتْ أَنْ يُؤْتَى بِأُمِّ سَعْدٍ، وَكَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُنَّ يُصَلِّينَ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الرِّجَالِ وُجُوبًا ضَرُورَةَ الْخُرُوجِ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ وَيَسْقُطُ بِهِنَّ، وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي مَا يُشْعِرُ بِخِلَافِهِ. وَتُسَنُّ لَهُنَّ جَمَاعَةٌ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَتَقِفُ إِمَامَتُهُنَّ وَسَطًا لِمَكْتُوبَةٍ، وَيَقْدُمُ مِنْهُنَّ مَنْ يَقْدُمُ مِنَ الرِّجَالِ حَتَّى قَاضِيهِ وَوَالِيِّهِ، وَكَرِهَ ابْنُ عَقِيلٍ لِسُرْعَانِ الِاجْتِهَادِ، وَقِيلَ: فُرَادَى أَفْضَلُ، وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، كَصَلَاتِهِنَّ بَعْدَ رِجَالٍ فِي وَجْهٍ.
فَائِدَةٌ: يَحْصُلُ لَهُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهَا قِيرَاطٌ؛ وَهُوَ أَمْرٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ قِيرَاطٌ بِنِسْبَتِهِ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ، وَلَهُ بِتَمَامِ دَفْنِهَا آخَرُ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي وَجْهًا أَنَّ الثَّانِيَ بِوَضْعِهِ فِي قَبْرِهِ، وَقِيلَ: إِذَا سُتِرَ بِاللَّبِنِ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ لِلثَّانِي أَنْ لَا يُفَارِقَهَا مِنَ الصَّلَاةِ حَتَّى تُدْفَنَ، أَمْ يَكْفِيَ حُضُورُ دَفْنِهَا؟ فِيهِ وَجْهَانِ، وَلَا تُحْمَلُ الْجِنَازَةُ إِلَى مَكَانِهِ وَمَحَلِّهِ لِيُصَلَّى عَلَيْهَا، فَهِيَ كَالْإِمَامِ يُقْصَدُ وَلَا يَقْصِدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
стр. 726
فَصْلٌ
فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ يُسْتَحَبُّ التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ، وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يضع قائمة الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةِ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، وَإِنْ حَمَلَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
[فَصْلٌ فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ] [كَيْفِيَّةُ حَمْلِ الْمَيِّتِ]
فَصْلٌ
فِي حَمْلِ الْمَيِّتِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَلَا يَخْتَصُّ كَوْنُ فَاعِلِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ، فَيَسْقُطُ بِكَافِرٍ وَغَيْرِهِ، وَكَذَا تَلْقِينُهُ وَدَفْنُهُ وِفَاقًا لِعَدَمِ اعْتِبَارِ النِّيَّةِ (يُسْتَحَبُّ) أَنْ يَحْمِلَهُ أَرْبَعَةٌ، لِأَنَّهُ يُسَنُّ (التَّرْبِيعُ فِي حَمْلِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَنِ اتَّبَعَ جِنَازَةً فَلْيَحْمِلْ بِجَوَانِبِ السَّرِيرِ كُلِّهَا، فَإِنَّهُ مِنَ السُّنَّةِ، ثُمَّ إِنْ شَاءَ فَلْيَتَطَوَّعْ، وَإِنْ شَاءَ فَلْيَدَعْ. إِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ. إِلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ، لَكِنْ كَرِهَهُ الْآجُرِّيُّ وَغَيْرُهُ إِذَا ازْدَحَمُوا عَلَيْهَا (وَهُوَ أَنْ يَضَعَ قَائِمَةَ السَّرِيرِ الْيُسْرَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ، ثُمَّ يَضَعُ قَائِمَةَ الْيُمْنَى الْمُقَدَّمَةَ عَلَى كَتِفِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمُؤَخَّرَةِ) هَذَا صِفَةُ التَّرْبِيعِ، وَنَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ؛ وَهُوَ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ الْجَانِبَيْنِ، فَبُدِئَ فِيهِ بِالْمُقَدَّمَةِ، وَعَنْهُ: يَنْتَقِلُ مِنْ رِجْلِ السَّرِيرِ الْيُمْنَى إِلَى رِجْلِهِ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَخْتِمُ بِرَأْسِهِ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ أَخَفُّ (وَإِنْ حَمَلَ) كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى عَاتِقِهِ (بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ فَحَسَنٌ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ حَمَلَ جِنَازَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ، وَرُوِيَ عَنْ سَعْدٍ، وَابْنِ عُمَرَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُمْ
стр. 727
وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا، وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا، وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا. وَلَا يَجْلِسُ من
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
فَعَلُوا ذَلِكَ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاهَا ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَالْأَصَحُّ عَدَمُهَا، وَلَيْسَ بِأَفْضَلَ مِنَ التَّرْبِيعِ، وَعَنْهُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَالْأَوْلَى الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ حَمْلِهَا عَلَى مَا ذُكِرَ حُمِلَتْ بِالتَّابُوتِ، وَالرِّجَالِ، وَإِنْ كَانَ الْمَيِّتُ طِفْلًا فَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى الْأَيْدِي. صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ عَلَى نَعْشٍ كَمَا قَدَّمْنَا، وَإِنْ كَانَتِ امْرَأَةً اسْتُحِبَّ سَتْرُ نَعْشِهَا بِمَكَبَّةٍ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا، وَرُوِيَ أَنَّ فَاطِمَةَ صُنِعَ لَهَا ذَلِكَ بِأَمْرِهَا، وَمَا نَقَلَهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَنِ اتُّخِذَ ذَلِكَ لَهُ زَيْنَبُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ وَفَاتَهَا كَانَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ.
قَالَ فِي " التَّلْخِيصِ ": وَيُجْعَلُ فَوْقَ الْمَكَبَّةِ ثَوْبٌ، وَكَذَا إِنْ كَانَ بِهِ حَدَبٌ وَنَحْوُهُ؛ لِأَنَّهُ يُشْهَرُ بِالْمُثْلَةِ، وَلَا بَأْسَ بِحَمْلِهِ عَلَى دَابَّةٍ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَبُعْدِ قَبْرِهِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: لَا يَحْرُمُ حَمْلُهَا عَلَى هَيْئَةٍ مُزْرِيَةٍ أَوْ هَيْئَةٍ يَخَافُ مَعَهَا سُقُوطُهَا.
[الْإِسْرَاعُ بِالْجِنَازَةِ]
(وَيُسْتَحَبُّ الْإِسْرَاعُ بِهَا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ «أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ، فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً، فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ، وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ دُونَ الْخَبَبِ، نَصَّ عَلَيْهِ، زَادَ فِي " الْمُذْهَبِ ": وَفَوْقَ السَّعْيِ، وَفِي " الْكَافِي " لَا يُفْرِطُ فِي الْإِسْرَاعِ فَيَمْخَضُهَا وَيُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْقَاضِي: يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَخْرُجَ عَنِ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ، وَلَكِنْ يُرَاعِي الْحَاجَةَ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِ التَّغَيُّرُ أَسْرَعَ (وَيَكُونُ الْمُشَاةُ أَمَامَهَا) نَصَّ عَلَيْهِ؛ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ [كَانُوا] يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ، وَرَوَاهُ أحمد عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُمْ شُفَعَاءُ، وَالشَّفِيعُ يَتَقَدَّمُ الْمَشْفُوعَ لَهُ، وَاخْتَارَ ابْنُ حَمْدَانَ حَيْثُ شَاءَ، وَفِي " الْكَافِي " حَيْثُ مَشَى قَرِيبًا مِنْهَا فَحَسَنٌ.
стр. 728
تَّبِعُهَا حَتَّى تُوضَعَ، وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا
وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: خَلْفَهَا أَفْضَلُ لِأَنَّهَا مَتْبُوعَةً (وَالرُّكْبَانُ خَلْفَهَا) لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا: «الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَلِأَنَّ سَيْرَهُ أَمَامَهَا يُؤْذِي مُتَّبِعَهَا، وَقَالَ الْمَجْدُ: يُكْرَهُ أَمَامَهَا، وَفِي رَاكِبِ سَفِينَةٍ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ حُكْمَهُ كَرَاكِبٍ أَوْ كَمَاشٍ، وَأنَّ عَلَيْهِمَا يَنْبَنِي دَوَرَانُهُ فِي الصَّلَاةِ. وَيُكْرَهُ لِلْمَرْأَةِ اتِّبَاعُهَا، وَحَرَّمَهُ الْآجُرِّيُّ فِي الشَّابَّةِ.
قَالَ أَبُو الْمَعَالِي: يُمْنَعْنَ مِنَ اتِّبَاعِهَا؛ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَأَبَاحَهُ قَوْمٌ لِقَرَابَةٍ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَيَجِبُ طَرْدُهُنَّ، فَإِنْ رَجَعْنَ، وَإِلَّا رَجَعَ الرِّجَالُ بَعْدَ أَنْ يُحْثُوا فِي وُجُوهِهِنَّ التُّرَابَ، وَكَذَا يُكْرَهُ لِمُتَّبِعِهَا الضَّحِكُ وَالتَّبَسُّمُ وَالتَّحَدُّثُ بِأَمْرِ الدُّنْيَا، وَأَنْ تُوضَعَ عَلَيْهَا الْأَيْدِي، وَأَنْ يُقَالَ حَالَ الْمَشْيِ مَعَهَا: اللَّهُمَّ سَلِّمْ، ﵀، وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَيُسَنُّ أَنْ يَسْكُتُوا، أَوْ يَذْكُرُوا اللَّهَ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خُفْيَةً.
فَرْعٌ: يُكْرَهُ الرُّكُوبُ لِمَنْ تَبِعَهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَكَعَوْدِهِ، وَتَقَدُّمُهَا إِلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لَا إِلَى الْمَقْبَرَةِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا كَانَ مَعَهَا مُنْكَرٌ وَقَدَرَ عَلَى إِزَالَتِهِ تَبِعَهَا وَأَزَالَهُ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتْبَعَهَا، وَعَنْهُ: بَلْ وَيُنْكِرُهُ بِحَسَبِهِ، وَمَنْ كَانَ حُضُورُهُ يُزِيلُ الْمُنْكَرَ، لَزِمَهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، كَحُصُولِ الْمَقْصُودِ، فَيُعَايَا بِهَا.
(وَلَا يَجْلِسُ مَنْ تَبِعَهَا حَتَّى تُوضَعَ) لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ: «مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَا يَجْلِسُ
стр. 729
رِجْلِ الْقَبْرِ. إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ. وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِامْرَأَةٍ، وَيُلْحَدُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
حَتَّى تُوضَعَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَالْمُرَادُ بِهَا وَضْعُهَا عَلَى الْأَرْضِ لِلدَّفْنِ، نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ، وَعَنْهُ: لِلصَّلَاةِ، وَعَنْهُ: فِي اللَّحْدِ، لِاخْتِلَافِ الْخَبَرِ، وَعَنْهُ: لَا يُكْرَهُ الْجُلُوسُ قَبْلَ وَضْعِهَا كَمَنْ بَعُدَ (وَإِنْ جَاءَتْ وَهُوَ جَالِسٌ لَمْ يَقُمْ لَهَا) لِقَوْلِ عَلِيٍّ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ـ ﷺ ـ ثُمَّ قَعَدَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ عَلِيٌّ: «كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ أَمَرَ بِالْقِيَامِ، ثُمَّ جَلَسَ، وَأَمَرَنَا بِالْجُلُوسِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ، وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَكَذَا إِذَا مَرَّتْ بِهِ، وَعَنْهُ: الْقِيَامُ وَتَرْكَهُ سَوَاءٌ، وَعَنْهُ: يُسْتَحَبُّ الْقِيَامُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِأَمْرِهِ بِذَلِكَ، وَعَنْهُ: حَتَّى تَغِيبَ أَوْ تُوضَعُ، فَيَقُومُ قَبْلَ وُصُولِهَا إِلَيْهِ حِينَ رُؤْيَتِهَا، لِلْخَبَرِ، وَظَاهِرُهُ: لَوْ كَانَتْ جِنَازَةُ كَافِرٍ، لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالْأَصَحُّ الْكَرَاهَةُ، إِذْ دَلِيلُهُ نَاسِخٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ
[صِفَةُ دَفْنِ الْمَيِّتِ]
(وَيَدْخُلُ قَبْرَهُ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ) أَيْ: مِنْ شَرْقِهِ ثُمَّ يُسِلُّهُ سَلًّا، لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ سُلَّ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ سَلًّا، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ أَدْخَلَ الْحَارِثَ قَبْرَهُ مِنْ قِبَلِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وقال: هَذَا مِنَ السُّنَّةِ، رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعِ مُوَجِّهٍ بَلْ دُخُولٍ، وَدُخُولُ الرَّأْسِ أَوْلَى، كَعَادَةِ الْحَيِّ، لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ الْأَعْضَاءَ الشَّرِيفَةَ، وَلِهَذَا يَقِفُ عِنْدَ رَأْسِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَيَبْدَأُ بِهِ فِي حَمْلِهِ (إِنْ كَانَ أَسْهَلَ عَلَيْهِمْ) كَذَا ذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ الْمَجْدُ؛ لِأَنَّ فِي ضِدِّهَا ضَرَرًا وَمَشَقَّةً؛ وَهُوَ مَنْفِيٌّ شَرْعًا، وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ فِي " الْوَجِيزِ "، وَ " الْفُرُوعِ "، وَظَاهِرُ
стр. 730
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
كَلَامِهِ أَنَّهُ يُدْخِلُهُ مُعْتَرِضًا مِنْ قِبْلَتِهِ إِذَا لَمْ يَسْهُلْ مِنْ عِنْدِ رِجْلِ الْقَبْرِ، وَخَرَجَ بِهِ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَقِيلَ: يَبْدَأُ بِإِدْخَالِ رِجْلِهِ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الزَّاغُونِيِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَوْقِيتَ فِيمَنْ يَدْخُلُهُ، بِحَسَبِ الْحَاجَةِ كَسَائِرِ أُمُورِهِ، وَقِيلَ: الْوِتْرُ أَفْضَلُ، وَأَنَّهُ لَا حَدَّ لِعُمْقِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ لِقَوْلِهِ «احْفُرُوا، وَأَعْمِقُوا، وَأَحْسِنُوا» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
قَالَ أَحْمَدُ: يُعَمَّقُ إِلَى الصَّدْرِ، وَقَدَّرَهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا بِقَامَةٍ وَبَسْطَةٍ، وَذَكَرَهُ جَمَاعَةٌ نَصًّا، وَالْبَسْطَةُ: الْبَاعُ، وَجَعَلَهُمَا فِي " الْوَسِيلَةِ " أَرْبَعَةَ أَذْرُعٍ وَنِصْفًا نَصًّا، وَبِالْجُمْلَةِ يَكْفِي مَا يَمْنَعُ الرَّائِحَةَ وَالسِّبَاعَ، وَلَا يَجُوزُ جَعْلُهُ عَلَى الْأَرْضِ، وَمَوْضِعُ فَوْقَهُ خَشَبًا لَا فِي تُرَابٍ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ، كَمَا لَا يَجُوزُ سَتْرُهُ إِلَّا بِالثِّيَابِ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.
تَنْبِيهٌ: الْأَحَقُّ بِالتَّلْقِينِ وَالدَّفْنِ أَحَقُّهُمْ بِالْغُسْلِ. وَذَكَرَ الْمَجْدُ وَابْنُ تَمِيمٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَلَّى دَفْنَ الْمَيِّتِ غَاسِلُهُ، فَيُقَدَّمُ الْوَصِيُّ، ثُمَّ الأقرب فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ، ثُمَّ النِّسَاءُ الْمَحَارِمُ، ثُمَّ الْأَجْنَبِيَّاتُ، وَالْمَرْأَةُ مَحَارِمُهَا الرِّجَالُ أَوْلَى مِنَ الْأَجَانِبِ، وَمِنْ مَحَارِمِهَا النِّسَاءُ بِدَفْنِهَا، وَهَلْ يُقَدَّمُ الزَّوْجُ عَلَى مَحَارِمِهَا الرِّجَالِ أَمْ لَا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، فَإِنْ عُدِمَا، فَالرِّجَالُ الْأَجَانِبُ أَوْلَى فِي الْمَشْهُورِ، وَعَنْهُ: نِسَاءُ مَحَارِمِهَا، قَدَّمَهُ الْمُؤَلِّفُ، وَذَكَرَ أَنَّهُ أَوْلَى، وَشَرْطُهُ عَدَمُ مَحْذُورٍ مِنْ تَكَشُّفِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ أَوْ غَيْرِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: أَوِ اتِّبَاعِهِنَّ الْجِنَازَةَ، وَيُقَدَّمُ مِنَ الرِّجَالِ خَصِّيٌّ، ثُمَّ شَيْخٌ، ثُمَّ أَفْضَلُ دِينًا وَمَعْرِفَةً، وَمِنْ بَعْدِ عَهْدِهِ بِجَمَاعَةٍ أَوْلَى مِمَّنْ قَرُبَ.
فَرْعٌ: لَا يُكْرَهُ لِلرِّجَالِ دَفْنُ امْرَأَةٍ مَعَ حُضُورِ مَحْرَمٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ يَحْمِلُهَا مِنَ الْمُغْتَسَلِ إِلَى النَّعْشِ، وَيُسَلِّمُهَا إِلَى مَنْ فِي الْقَبْرِ، وَيَحِلُّ عُقَدَ الْكَفَنِ، وَقَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ "، وَمَتَى كَانَ الْأَوْلَى بِغُسْلِهِ
стр. 731
لَهُ لَحْدًا. وَيُنْصَبُ اللَّبِنُ عَلَيْهِ نَصْبًا، وَلَا يُدْخِلُهُ خَشَبًا، وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
الْأَوْلَى بِدَفْنِهِ تَوَلَّاهُمَا بِنَفْسِهِ، ثُمَّ نَائِبُهُ إِنْ شَاءَ (وَلَا يُسْجَى الْقَبْرُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ امْرَأَةٍ) فَإِنَّهُ يُسَنُّ تَغْطِيَةُ قَبْرِهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نُعَلِّمُهُ لِأَنَّهَا عَوْرَةٌ، وَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَبْدُوَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَرَاهُ الْحَاضِرُونَ، وَظَاهِرُ كَلَامِ " الْوَجِيزِ " وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً، وَيُكْرَهُ سَتْرُ قَبْرِ الرَّجُلِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ وَتَقَدَّمَ بِقَوْمٍ دَفَنُوا مَيِّتًا وَبَسَطُوا عَلَى قَبْرِهِ الثَّوْبَ، فَجَذَبَهُ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُصْنَعُ هَذَا بِالنِّسَاءِ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَلِأَنَّ كَشْفَهُ أَمْكَنُ وَأَبْعَدُ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ، فَإِنْ كَانَ ثَمَّ عُذْرٌ مِنْ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ لَمْ يُكْرَهْ (وَيُلْحِدُ لَهُ لَحْدًا) لِقَوْلِ سَعْدٍ: الْحِدُوا لِي لَحْدًا، وَانْصِبُوا اللَّبِنَ عَلَيَّ نَصْبًا، كَمَا صُنِعَ بِرَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ وَاللَّحْدُ إِذَا بَلَغَ الْحَافِرُ قَرَارَ الْقَبْرِ حَفَرَ فِيهِ مِمَّا يَلِي الْقِبْلَةَ مَكَانًا يُوضَعُ فِيهِ الْمَيِّتُ؛ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ الشَّقِّ عَلَى الْأَصَحِّ، وَهُوَ أَنْ يَحْفِرُوا أَرْضَ الْقَبْرِ شَقًّا يَضَعُ فِيهِ الْمَيِّتَ وَيُسْقَفُ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَيُكْرَهُ الشَّقُّ بِلَا عُذْرٍ، فَلَوْ تَعَذَّرَ اللَّحْدُ لِكَوْنِ التُّرَابِ يَنْهَارُ يَبْنِيهِ بِلَبِنٍ وَحِجَارَةٍ إِنْ أَمِنَ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَا يَشُقُّ إِذَنْ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا أُحِبُّ الشَّقَّ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا «اللَّحْدُ لَنَا، وَالشَّقُّ لِغَيْرِنَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: غَرِيبٌ (وَيَنْصِبُ اللَّبِنَ عَلَيْهِ نَصْبًا) لِحَدِيثِ سَعْدٍ، وَإِنْ جَعَلَ عَلَيْهِ طِنَّ قَصَبٍ جَازَ، لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ: رَأَيْتُ الْمُهَاجِرِينَ يَسْتَحِبُّونَ ذَلِكَ، وَلَكِنَّ اللَّبِنَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ مَنْ جِنْسِ الْأَرْضِ، وَأَبْعَدُ مِنْ أَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَعَنْهُ: الْقَصَبُ، اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَصَاحِبُهُ، وَابْنُ عَقِيلٍ؛ «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ خَرَّجَ عَلَى قَبْرِهِ طُنٌّ مِنْ قَصَبٍ» ، وَفِي " الْمُحَرَّرِ " هُمَا سَوَاءٌ، وَيُسَدُّ الْخَلَلُ بِمَا يَمْنَعُ التُّرَابَ مِنْ طِينٍ وَغَيْرِهِ.
стр. 732
وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: بِسْمِ اللَّهِ وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَيَحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ يُهَالُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
قَالَ أَحْمَدُ: وَيَسُدُّ الْفُرْجَةَ بِحَجَرٍ، فَدَلَّ أَنَّ الْبَلَاطَ كَاللَّبِنِ، وَإِنْ كَانَ اللَّبِنُ أَفْضَلَ (وَلَا يَدْخُلُهُ خَشَبًا) بِلَا ضَرُورَةٍ (وَلَا شَيْئًا مَسَّهُ النَّارُ) لِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ اللَّبِنَ وَيَكْرَهُونَ الْخَشَبَ وَالْآجُرَّ، وَلِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِأَهْلِ الدُّنْيَا، وَتَفَاؤُلًا أَنْ لَا تَمَسَّهُ النَّارُ، وَيُكْرَهُ دَفْنُهُ فِي تَابُوتٍ وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ امْرَأَةً، أَوْ فِي حَجَرٍ مَنْقُوشٍ.
قَالَ بَعْضُهُمْ: أَوْ يُجْعَلُ فِيهِ حَدِيدٌ، وَلَوْ كَانَتِ الْأَرْضُ رَخْوَةً أَوْ نَدِيَّةً (وَيَقُولُ الَّذِي يُدْخِلُهُ الْقَبْرَ: «بِسْمِ اللَّهِ، وَعَلَى مِلَّةِ رَسُولِ اللَّهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ إِذَا وَضَعَ الْمَيِّتَ قَالَ ذَلِكَ» ، وَفِي لَفْظٍ: وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ رَوَى ذَلِكَ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَعَنْهُ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي الْقَبْرِ وَصَاحِبِهِ» ، وَإِنْ قَرَأَ ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] الْآيَةَ، وَأَتَى بِذِكْرٍ أَوْ دُعَاءٍ لَائِقٍ عِنْدَ وَضْعِهِ وَإِلْحَادِهِ، فَلَا بَأْسَ لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ وَفِعْلِ الصَّحَابَةِ (وَيَضَعُهُ فِي لَحْدِهِ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ هَكَذَا دُفِنَ، وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ وَالْمُؤَلِّفِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْفُرُوعِ " يَجِبُ دَفْنُهُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، وَعِنْدَ صَاحِبِ " الْخُلَاصَةِ " وَ " الْمُحَرَّرِ " وَظَاهِرُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ كَجَنْبِهِ الْأَيْمَنِ، وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ لَا يَجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِهِ شَيْئًا لِقَوْلِ عُمَرَ: إِذَا جَعَلْتُمُونِي فِي اللَّحْدِ فَأَفْضُوا بِخَدِّي إِلَى الْأَرْضِ. وَاسْتَحَبَّ عَامَّتُهُمْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَ رَأْسِهِ لَبِنَةً كَالْمِخَدَّةِ لِلْحَيِّ، وَيَجْعَلُ قُدَّامَهُ وَخَلْفَهُ مَا يَمْنَعُ وُقُوعَهُ عَلَى قَفَاهُ أَوْ وَجْهِهِ، وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " يُدْنِيهِ مِنْ قِبْلَةِ اللَّحْدِ، وَيُسْنَدُ خَلْفَهُ، وَيُكْرَهُ الْمُرَقَّعَةُ وَالْمُضَرَّبَةُ،
стр. 733
عَلَيْهِ التُّرَابُ.
وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ مُسَنَّمًا، وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ. وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ،
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
نَصَّ عَلَيْهِ، وَكَذَا قَطِيفَةٌ تَحْتَهُ لِكَرَاهَةِ الصَّحَابَةِ؛ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَنَصَّ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا مِنْ عِلَّةٍ فِي الْأَرْضِ، وَعَنْهُ: مُطْلَقًا، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّ شُقْرَانَ وَضَعَ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ قَطِيفَةً حَمْرَاءَ، لَكِنْ مِنْ غَيْرِ اتِّفَاقٍ مِنْهُمْ (وَيُحْثِي التُّرَابَ فِي الْقَبْرِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ) اسْتِحْبَابًا، لِمَا رَوَى جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ حَثَى عَلَى الْمَيِّتِ ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ بِيَدَيْهِ جَمِيعًا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالْيَدِ، قَالَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ وَهُوَ شَامِلٌ لِحَاضِرٍ بِهِ، زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ: مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ، لِفِعْلِهِ ـ ﵇ ـ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَقِيلَ: مَنْ دَنَا مِنْهُ، وَعَنْهُ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ ابْنُ مُنَجَّا: أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ إِذَا حَثَى الْأُولَى ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَفِي الثَّانِيَةِ ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥] وَفِي الثَّالِثَةِ ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾ [طه: ٥٥] (ثُمَّ يُهَالُ) أَيْ: يُصَبُّ (عَلَيْهِ التُّرَابُ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ: مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ ـ ﷺ ـ حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَتْ فَاطِمَةُ لِأَنَسٍ: كَيْفَ طَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ التُّرَابَ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ. وَيُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ فِي الْقَبْرِ مِنْ غَيْرِ تُرَابِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِنَهْيِ عُقْبَةَ عَنْهُ، رَوَاهُ أَحْمَدُ.
قَالَ فِي " الْفُصُولِ ": إِلَّا أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ، وَلَا بَأْسَ بِتَعْلِيمِهِ بِحَجَرٍ أَوْ خَشَبَةٍ وَنَحْوِهِمَا عِنْدَ رَأْسِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ؛ «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ تَرَكَ عِنْدَ قَبْرِ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ
стр. 734
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
صَخْرَةً» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَنَصَّ على استحبابه، واختلف عنه في اللوح، والأشبه أنه لا بأس به بلا كتابة، قاله ابْنُ تَمِيمٍ
[أَحْكَامٌ خَاصَّةٌ بِالْقَبْرِ]
(وَيُرْفَعُ الْقَبْرُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ) لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ رُفِعَ قَبْرُهُ عَنِ الْأَرْضِ قَدْرَ شِبْرٍ، رَوَاهُ السَّاجِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ، وَلِأَنَّهُ يُعْلَمُ أنه قبر فَيُتَّوَقَّى وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِ، وَيُكْرَهُ فَوْقَ شِبْرٍ؛ لِأَنَّ «فَضَالَةَ أَمَرَ بِقَبْرٍ فَسُوِّيَ، وَقَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ يَأْمُرُ بِذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَحَمَلَهُ الْمَجْدُ عَلَى تَقْرِيبِهِ مِنَ الْأَرْضِ، وَالْمَنْعِ عَنْ عُلُوِّهَا الْفَاحِشِ (مُسَنَّمًا) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ سُفْيَانَ التَّمَّارِ أَنَّهُ رَأَى قَبْرَ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ مُسَنَّمًا، وَلِأَنَّ التَّسْطِيحَ يُشْبِهُ أَبْنِيَةَ أَهْلِ الدُّنْيَا؛ وَهُوَ شِعَارُ أَهْلِ الْبِدَعِ، فَكَانَ مَكْرُوهًا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: التَّسْطِيحُ أَفْضَلُ، وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، قَالَ: وَبَلَغَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ سَطَّحَ قَبْرَ ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ» ؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ سَطَّحَ جَوَانِبَهَا وَسَنَّمَ سَطْحَهَا، لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهَا إِذَا دُفِنَ بِدَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ تَعَذُّرِ نَقْلِهِ، فَالْأَوْلَى تَسْوِيَتُهُ بِالْأَرْضِ وَإِخْفَاؤُهُ، قَالَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَيُرَشُّ عَلَيْهِ الْمَاءُ) «لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ سَعِيدٍ مَاءً» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ، وَرَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ أَنَّهُ رَشَّ عَلَى قَبْرِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ الْمَاءَ، وَلِأَنَّ الْمَاءَ يُلَبِّدُهُ، وَهُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ، وَيُوضَعُ عَلَيْهِ حَصًى صِغَارٌ، وَظَاهِرُ كَلَامِ جَمَاعَةٍ أَنَّهُ يَعُمُّهُ بِهَا لِيَحْفَظَ تُرَابَهُ، وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ رَشَّ عَلَى قَبْرِ ابْنِهِ مَاءً، وَوَضَعَ عَلَيْهِ حَصًى» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ (وَلَا بَأْسَ بِتَطْيِينِهِ) قَالَهُ
стр. 735
وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ، وَالْبِنَاءُ وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ. وَالْجُلُوسُ، وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ، وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ.
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
أَحْمَدُ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ طُيِّنَ قَبْرُهُ؛ وَلِأَنَّ فِيهِ صِيَانَةً عَنِ الدَّرْسِ، وَكَرِهَهُ أَبُو حَفْصٍ، وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ، وَالنَّهْيُ الْوَارِدُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى طِينٍ فِيهِ تَحْسِينٌ لِلْقَبْرِ وَزِينَةٌ (وَيُكْرَهُ تَجْصِيصُهُ) وَتَزْوِيقُهُ وَتَحْلِيقُهُ؛ وَهُوَ بِدْعَةٌ (وَالْبِنَاءُ) عَلَيْهِ، أَطْلَقَهُ أَحْمَدُ وَالْأَصْحَابُ. لَاصِقَةً أَوْ لَا، لِقَوْلِ جَابِرٍ «نَهَى النَّبِيُّ ـ ﷺ ـ أَنْ يُجَصَّصَ الْقَبْرُ، وَأَنْ يُقْعَدَ عَلَيْهِ، وَأَنْ يُبْنَى عَلَيْهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبَّةِ وَالْبَيْتِ وَالْحَظِيرَةِ فِي مِلْكِهِ.
قَالَ الْمَجْدُ: وَيُكْرَهُ فِي صَحْرَاءٍ لِلضِّيقِ وَالتَّشَبُّهِ بِأَبْنِيَةِ الدُّنْيَا، وَكَرِهَ فِي " الْوَسِيلَةِ " الْبِنَاءَ الْفَاخِرَ كَالْقُبَّةِ، وَظَاهِرُهُ لَا بَأْسَ بِبِنَاءٍ مُلَاصِقٍ؛ لِأَنَّهُ يُرَادُ لِتَعْلِيمِهِ وَحِفْظِهِ دَائِمًا، فَهُوَ كَالْحَصْبَاءِ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي النَّهْيِ؛ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْمُعْتَادِ، أَوْ يَخُصُّ مِنْهُ، وَعَنْهُ: مَنْعُ الْبِنَاءِ فِي وَقْفٍ عَامٍّ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: رَأَيْتُ الْأَئِمَّةَ بِمَكَّةَ يَأْمُرُونَ بِهَدْمِ مَا تَبَقَّى، وَالْمَنْقُولُ هُنَا الْمَنْعُ خِلَافُ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ تَمِيمٍ، يُؤَيِّدُهُ مَا نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ عَنْهُ عَمَّنِ اتَّخَذَ حُجْرَةً فِي الْمَقْبَرَةِ لِغَيْرِهِ، قَالَ: لَا يُدْفَنُ فِيهَا، وَالْمُرَادُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ لِغَيْرِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: بِأَنَّهُ يَحْرُمُ حفر قَبْرٌ فِي مُسْبَلَةٍ قَبْلَ الْحَاجَةِ، فَهَاهُنَا أَوْلَى، وَتُكْرَهُ الْخَيْمَةُ وَالْفُسْطَاطُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَمْرِ ابْنِ عُمَرَ بِإِزَالَتِهِ.
وَقَالَ: إِنَّمَا يُظِلُّهُ عَمَلُهُ، وَظَاهِرُ مَا سَبَقَ أَنَّ الصَّحْرَاءَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَانَ يَدْفِنُ أَصْحَابَهُ بِالْبَقِيعِ؛ وَهُوَ أَشْبَهُ بِمَسَاكِنِ الْآخِرَةِ، وَأَكْثَرُ لِلدُّعَاءِ لَهُ، وَالتَّرَحُّمِ عَلَيْهِ، سِوَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَاخْتَارَ صَاحِبَاهُ الدَّفْنَ عِنْدَهُ تَشَرُّفًا وَتَبَرُّكًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْخَرْقَ يُتَّبَعُ، وَالْمَكَانُ ضَيِّقٌ، وَجَاءَتْ أَخْبَارٌ تَدُلُّ عَلَى دَفْنِهِمْ كَمَا وَقَعَ، ذَكَرَهَا الْمَجْدُ. (وَالْكِتَابَةُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «نَهَى أَنْ تُجَصَّصَ الْقُبُورُ، وَأَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهَا، وَأَنْ تُوطَأَ» (وَالْجُلُوسُ) لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لِأَنْ يَجْلِسَ أَحَدُكُمْ عَلَى جَمْرَةٍ فَتَحْرِقَ ثِيَابَهُ، فَتَخْلُصَ إِلَى جِلْدِهِ، خَيْرٌ من أَنْ يَجْلِسَ عَلَى قَبْرٍ» .
стр. 736
فصل
وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ، وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ. وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
(وَالْوَطْءُ عَلَيْهِ) لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ وَالْخَلَّالُ مَرْفُوعًا «لِأَنْ أَطَأَ عَلَى جَمْرَةٍ أَوْ سَيْفٍ أَحَبُّ إِلَيَّ [مِنْ] أَنْ أَطَأَ عَلَى قَبْرِ مُسْلِمٍ» ، وَفِي " الْكَافِي " إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى قَبْرِ مَنْ يَزُورُهُ إِلَّا بِالْوَطْءِ جَازَ لِلْحَاجَةِ (وَالِاتِّكَاءُ إِلَيْهِ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ «أَنَّ النَّبِيَّ ـ ﷺ ـ رَأَى عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ مُتَّكِئًا عَلَى قَبْرٍ فَقَالَ: لَا تُؤْذِهِ» .
مَسْأَلَةٌ: لَا يَجُوزُ الْإِسْرَاجُ عَلَى الْقُبُورِ، وَلَا اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عَلَيْهَا، وَلَا بَيْنَهَا.
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَيَتَعَيَّنُ إِزَالَتُهَا لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا، وَلَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ. فَلَوْ وُضِعَ الْمَسْجِدُ وَالْقَبْرُ مَعًا لَمْ يَجُزْ، وَلَمْ يَصِحَّ الْوَقْفُ وَلَا الصَّلَاةُ، قَالَهُ فِي " الْهَدْيِ " وَفِي " الْوَسِيلَةِ ": يُكْرَهُ اتِّخَاذُ الْمَسَاجِدِ عِنْدَهَا، وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ عِنْدَهَا، وَالْمَشْيُ بِالنَّعْلِ فِيهَا، وَيُسَنُّ خَلْعُهُ إِلَّا خَوْفَ نَجَاسَةٍ أَوْ شَوْكٍ، نَصَّ عَلَيْهِ.
١ -
فَصْلٌ يَسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لَهُ عِنْدَ الْقَبْرِ بَعْدَ دَفْنِهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، فَعَلَهُ أَحْمَدُ جَالِسًا، وَاسْتَحَبَّ الْأَصْحَابُ وُقُوفَهُ، وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ فَعَلَهُ عَلِيٌّ وَالْأَحْنَفُ.
وَقَالَ أَبُو حَفْصٍ: هُوَ بِدْعَةٌ، وَاسْتَحَبَّ الْأَكْثَرُ تَلْقِينَهُ بَعْدَ دَفْنِهِ، لِقَوْلِ رَاشِدِ بْنِ سَعْدٍ، وَضَمْرَةَ بْنِ حَبِيبٍ، وَحَكِيمِ بْنِ عُمَيْرٍ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُقَالَ عِنْدَ قَبْرِهِ: يَا فُلَانُ قُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، يَا فُلَانُ قُلْ: رَبِّيَ اللَّهُ، وَدِينِيَ الْإِسْلَامُ، وَنَبِيِّي مُحَمَّدٌ. رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ؛ وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلِحَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ، رَوَاهُ ابْنُ شَاهِينَ وَالطَّبَرَانِيُّ. فَيَجْلِسُ الْمُلَقِّنُ عِنْدَ رَأْسِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَفْعَلُهُ إِلَّا أَهْلُ الشَّامِ.
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: تَلْقِينُهُ مُبَاحٌ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِهِ، وَلَا يُكْرَهُ. وَفِي
стр. 737
اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ. وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ، نُبِشَ وَأُخِذَ.
وَإِنْ كُفِّنَ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَلْقِينِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى نُزُولِ الْمَلَكَيْنِ، وَسُؤَالِهِ، وَانْتِخَابُهُ النَّقِيَّ قَوْلُ الْقَاضِي، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَالْإِثْبَاتُ قَوْلُ أَبِي حَكِيمٍ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدُوسَ عَنِ الْأَصْحَابِ، وَصَحَّحَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ.
(وَلَا يُدْفَنُ فِيهِ اثْنَانِ) أَيْ: يَحْرُمُ دَفْنُ اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي قَبْرٍ؛ لِأَنَّهُ ـ ﵇ ـ كَانَ يَدْفِنُ كُلَّ مَيِّتٍ فِي قَبْرٍ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ فِعْلُ الصَّحَابَةِ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، اخْتَارَهُ ابْنُ عقيل والشيخ تَقِيِّ الدِّينِ.
قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهِيَ أَظْهَرُ، وَعَنْهُ: يَجُوزُ؛ وَهُوَ ظَاهِرُ الْخِرَقِيِّ، نَقَلَ أَبُو طَالِبٍ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقِيلَ: يَجُوزُ فِي الْمَحَارِمِ، وَقِيلَ: فِيمَنْ لَا حُكْمَ لِعَوْرَتِهِ، وَعَلَى الْأَوَّلِ: لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْفَنَا مَعًا أَوْ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْآخَرِ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يُبْلَ لَمْ يَجُزْ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ بَلِيَ جَازَ فِي الْأَصَحِّ، وَيُعْمَلُ بِقَوْلِ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِتِلْكَ الْأَرْضِ، وَإِنْ حَفَرَ فَوَجَدَ عِظَامَ الْمَيِّتِ دَفَنَهَا، وَحَفَرَ فِي مَكَانٍ آخَرَ، نَصَّ عَلَيْهِ (إِلَّا لِضَرُورَةٍ) وَكَكَثْرَةِ الْمَوْتَى، وَقِلَّةِ مَنْ يَدْفِنُهُمْ، وَخَوْفِ الْفَسَادِ عَلَيْهِمْ؛ لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ يَوْمَ أُحُدٍ: «ادْفِنُوا الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ (وَيُقَدَّمُ الْأَفْضَلُ إِلَى الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «قَدِّمُوا أَكْثَرَهُمْ قُرْآنًا» حِينَ سَأَلُوهُ مَنْ يُقَدَّمُ فِيهِ؛ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَكَمَا يُقَدَّمُ إِلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ (وَيُجْعَلُ بَيْنَ كُلِّ اثْنَيْنِ حَاجِزٌ مِنَ التُّرَابِ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِيَصِيرَ كُلُّ وَاحِدٍ كَأَنَّهُ فِي قَبْرٍ مُنْفَرِدٍ.
وَقَالَ الْآجُرِّيُّ: إِنْ كَانَ فِيهِمْ نِسَاءٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَا بَأْسَ بِالذَّهَابِ بَعْدَ دَفْنِهِ مِنْ غَيْرِ إِذْنِ أَهْلِ الْمَيِّتِ، نَصَّ عَلَيْهِ.
стр. 738
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
تَذْنِيبٌ: كَرِهَ أَحْمَدُ الدَّفْنَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَقِيَامِهَا، وَفِي " الْمُغْنِي " لَا يَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَيْلًا، ذَكَرَهُ فِي " شَرْحِ مُسْلِمٍ " قَوْلُ الْجُمْهُورِ، وَعَنْهُ: يُكْرَهُ، حَكَاه ابْنُ هُبَيْرَةَ اتِّفَاقَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّهُ حَكَى فِي " الْإِفْصَاحِ " الْإِجْمَاعَ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ، وَأَنَّهُ بِالنَّهَارِ أَمْكَنُ، وَعَنْهُ: لَا يَفْعَلُهُ إِلَّا لِضَرُورَةٍ.
مَسْأَلَةٌ: يُسْتَحَبُّ جَمْعُ الْأَقَارِبِ فِي بُقْعَةٍ لِتَسْهُلَ زِيَارَتُهُمْ، قَرِيبًا مِنَ الشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، لِيَنْتَفِعَ بِمُجَاوَرَتِهِمْ مِنَ الْبِقَاعِ الشَّرِيفَةِ، فَلَوْ أَوْصَى أَنْ يُدْفَنَ فِي مِلْكِهِ دُفِنَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَهُ أَحْمَدُ، كَمَا إِذَا اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ، وَحَمَلَ الْمَجْدُ الْأَوَّلَ عَلَى مَا إِذَا نَقَصَهَا نَقْصًا لَا يَحْتَمِلُهُ الثُّلُثُ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ ": وَهُوَ مُتَّجِهٌ.
قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِشِرَاءِ مَوْضِعِ قَبْرِهِ، وَيُوصِي بِدَفْنِهِ فِيهِ، فَعَلَهُ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ.
قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: بِشَرْطِ خُرُوجِهِ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَصِحُّ بَيْعُ مَا دُفِنَ فِيهِ مِنْ مِلْكِهِ مَا لَمْ يُجْعَلْ أَوْ يَصِرْ مَقْبَرَةً، نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَوْضِعِ الْقَبْرِ مَعَ بَقَاءِ رِمَّتِهِ، وَإِنْ ثَقُلَتْ وَجَبَ رَدُّهَا لِتَعْيِينِهِ لَهَا.
قَالَ جَمَاعَةٌ: وَلَهُ حَرْثُهَا إِذَا بَلِيَ الْعَظْمُ، وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مُسْبَلَةٍ، قُدِّمَ ثُمَّ يُقْرَعُ، وَقِيلَ: يُقَدَّمُ مَنْ لَهُ مَزِيَّةٌ نَحْوَ كَوْنِهِ عِنْدَ أَهْلِهِ.
(وَإِنْ وَقَعَ فِي الْقَبْرِ مَا لَهُ قِيمَةٌ) عَادَةً وَعُرْفًا وَإِنْ قَلَّ خَطَرُهُ، قَالَهُ أَصْحَابُنَا، أَوْ رَمَاهُ رَبُّهُ فِيهِ (نُبِشَ وَأُخِذَ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مِسْحَاةِ الْحَفَّارِ، دَلِيلُهُ مَا رُوِيَ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: أَنَّهُ وَضَعَ خَاتَمَهُ فِي قَبْرِ النَّبِيِّ ـ ﷺ ـ فَقَالَ: خَاتَمِي، فَدَخَلَ وَأَخَذَهُ. وَلِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ، وَلَا
стр. 739
بِثَوْبِ غَصْبٍ، أَوْ بَلْعِ مَالِ غَيْرِهِ، غُرِّمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَقِيلَ: يُنْبَشُ وَيُؤْخَذُ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
ضَرَرَ فِي أَخْذِهِ، وَعَنْهُ: الْمَنْعُ، إِنْ بُذِلَ لَهُ عِوَضُهُ، فَدَلَّ عَلَى رِوَايَةٍ تَمْنَعُ نَبْشَهُ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَفِي النَّبْشِ ضَرَرٌ.
مِنْهَا: مَنْ أَمْكَنَ غُسْلَهُ، وَدُفِنَ قَبْلَهُ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَجَزَمَ جَمَاعَةٌ بِأَنَّهُ يُتْرَكُ إِنْ خُشِيَ تَفَسُّخُهُ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَقْلُهُ مُطْلَقًا، فَيُصَلَّى عَلَيْهِ لِعَدَمِ مَاءٍ وَتُرَابٍ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَإِنَّهُ يُنْبَشُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِيُوجَدَ شَرْطُ الصَّلَاةِ؛ وَهُوَ عَدَمُ الْحَائِلِ، وَقِيلَ: يُصَلَّى عَلَى الْقَبْرِ؛ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَعَنْهُ: يُخَيَّرُ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ قَبْلَ تَكْفِينِهِ فَإِنَّهُ يُنْبَشُ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَصَحَّحَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " كَالْغُسْلِ، وَقِيلَ: لَا، لِسَتْرِهِ بِالتُّرَابِ.
وَمِنْهَا: إِبْدَالُ كَفَنِهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ وَخَيْرٍ مِنْ بُقْعَتِهِ وَدَفْنُهُ لِعُذْرٍ بِلَا غُسْلٍ، وَلَا حَنُوطٍ، كَإِفْرَادِهِ، نَصَّ عَلَى الْكُلِّ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ غَيْرَ مُوَجَّهٍ لِلْقِبْلَةِ، وَقِيلَ: يَحْرُمُ نَبْشُهُ، وَقَدَّمَ ابْنُ تَمِيمٍ: يُسْتَحَبُّ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مَسْجِدٍ، فَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى نَبْشِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا دُفِنَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلِلْمَالِكِ نَقْلُهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ، وَكَرِهَهُ أَبُو الْمَعَالِي لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ.
وَمِنْهَا: إِذَا كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي حَرِيرٍ لِغَيْرِ حَاجَةٍ نُبِشَ وَأُخِذَ فِي وَجْهٍ.
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فَإِنْ تَغَيَّرَ الْمَيِّتُ لَمْ يُنْبَشْ بِحَالٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ أَجَزْنَا نَبْشَهُ، فَالْأَفْضَلُ تَرْكُهُ.
[كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ]
(وَإِنْ كُفِّنَ بِثَوْبِ غَصْبٍ) لَمْ يُنْبَشْ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ دَفْعَ الضَّرَرِ بِدُونِهَا، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ قِيمَتُهُ فِي تَرِكَتِهِ.
وَقَالَ الْمَجْدُ: يَضْمَنُهُ مَنْ كَفَّنَهُ بِهِ، لِمُبَاشَرَتِهِ الْإِتْلَافَ عَالِمًا، وَإِنْ جَهِلَ، فَالْقَرَارُ
стр. 740
الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ.
وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ، لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا، وَتَسْطُو عَلَيْهِ الْقَوَابِلَ فَيُخْرِجْنَهُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُشَقَّ بَطْنُهَا إِذَا غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ يَحْيَا. وَإِنْ مَاتَتْ
ــ
[المبدع في شرح المقنع]
عَلَى الْغَاصِبِ، وَلَوْ أَنَّهُ الْمَيِّتُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ نُبِشَ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدَّفْنِ أُخِذَ لِتَعْلِقِ حَقِّهِ بِعَيْنِهِ (أَوْ بَلَعَ مَالَ غَيْرِهِ) بِغَيْرِ إِذْنِهِ (غَرِمَ ذَلِكَ مِنْ تَرِكَتِهِ) بِطَلَبِ رَبِّهِ؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْعَيْنِ يَسْقُطُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الرُّجُوعِ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى الْقِيمَةِ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئًا فِي حَيَاتِهِ، وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى مَالِيَّتُهُ كَخَاتَمٍ أَوْ غَيْرِهِ، يَسِيرًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ يَغْرَمُ الْكَثِيرَ مِنْ تَرِكَتِهِ وَجْهًا وَاحِدًا، وَإِطْلَاقُ غَيْرِهِمْ بِخِلَافِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَتِ الْقِيمَةُ، وَلَمْ يَعْدِلْهَا وَارِثٌ، شُقَّ جَوْفُهُ فِي الْأَصَحِّ، فَلَوْ بَلَعَهُ بِإِذْنِ مَالِكِهِ لَمْ يَجِبْ شَيْءٌ، وَيُؤْخَذُ إِذَا بَلِيَ، وَلَا تَعَرُّضَ لَهُ قَبْلَهُ بِحَالٍ، وَلَا يَضْمَنُهُ، وَكَذَا إِذَا بَلَعَ مَالَ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ مِلْكَهُ حَيًّا، فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَوَجْهَانِ، وَقِيلَ: بَلْ يُشَقُّ وَيُؤْخَذُ، وَفِي " الْمُبْهِجِ " تُحْسَبُ مِنْ ثُلُثِهِ (وَقِيلَ: يُنْبَشُ، وَيُؤْخَذُ الْكَفَنُ، وَيُشَقُّ جَوْفُهُ فَيَخْرُجُ) قَدَّمَهُ فِي " الْكَافِي "، وَ " الرِّعَايَةِ " لِمَا فِيهِ مِنْ تَخْلِيصِ الْمَيِّتِ مِنْ الْإِثْمِ، وَرَدِّ الْمَالِ إِلَى مَالِكِهِ، وَدَفْعِ الضَّرَرِ عَنِ الْوَرَثَةِ بِحِفْظِ التَّرِكَةِ لَهُمْ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ ظَنُّهُ أَنَّهُ مَلَكَهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا اتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ، وَمَاتَ، لَمْ يُقْلَعْ عَنْهُ، وَيَأْخُذُ الْبَائِعُ ثَمَنَهُ مِنْ تَرِكَتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ، أَخَذَهُ إِذَا بَلِيَ، وَقِيلَ: يُؤْخَذُ فِي الْحَالِ، فَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ لِلرُّجُوعِ حَيَاةُ الْمُفْلِسِ فِي قَوْلٍ، مَعَ أَنَّ فِيهِ هُنَا مُثْلَةٌ.
[مَاتَتْ حَامِلٌ هَلْ يُشَقُّ بَطْنُهَا]
(وَإِنْ مَاتَتْ حَامِلٌ لَمْ يُشَقَّ بَطْنُهَا) نَصَّ عَلَيْهِ، وَقَدَّمَهُ وَنَصَرَهُ الْأَكْثَرُ، لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ حُرْمَةٍ مُتَيَقِّنَةٍ لِإِبْقَاءِ حَيَاةٍ مَوْهُومَةٍ، ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ خَرَجَ حَيًّا، فَالْغَالِبُ الْمُعْتَادُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ، وَقَدِ احْتَجَّ أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ ـ ﵇ ـ «كَسْرُ عَظْمِ الْمَيِّتِ كَكَسْرِ عَظْمِ الْحَيِّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (وَتَسْطُو عَلَيْهِ) النِّسَاءُ (الْقَوَابِلُ) فَيُدْخِلْنَ أَيْدِيَهُنَّ فِي رَحِمِ الْمَيِّتِ (فَيُخْرِجْنَهُ) إِذَا طَمِعْنَ فِي حَيَاتِهِ بِأَنْ قَرُبَتِ الْحَرَكَةُ، وَانْفَتَحَتِ الْمَخَارِجُ، قَالَهُ فِي " الْخِلَافِ " وَابْنُ
следующие страницы →