← Фикх шафии

Фикх шафии · id 21628

الفتاوى الكبرى الفقهية

ابن حجر الهيتمي

Полный текст (1 335 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

أَنْ يَتَوَلَّى وِلَايَةً شَرْطُهَا الْعَدَالَةُ لِأَنَّهُ يُوقِعُ نَفْسَهُ فِي وَرَطَاتِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ وَالْقَضَايَا الْبَاطِلَةِ وَيَجُرُّ إلَى نَفْسِهِ مِنْ غَوَائِلِ تِلْكَ الْقَبَائِحِ وَمُهْلِكَاتِهَا مَا يَعْجِزُ عَنْ حَمْلِ مِعْشَارِ عُشْرِهَا وَأَمَّا الشَّهَادَاتُ فَإِنْ عَلِمَ شَيْئًا عِلْمًا يَقِينِيًّا وَلَمْ يَطَّلِعْ أَحَدٌ عَلَى فِسْقِهِ فَلَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ بَيْنَ يَدَيْ حَاكِمٍ مُوَافِقٍ لَهُ فِي الْمَذْهَبِ أَوْ مُخَالِفٍ لِأَنَّ الْقَصْدَ حِينَئِذٍ تَخْلِيصُ الْحَقِّ مِمَّنْ هُوَ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحَقِّ وَبِشَهَادَتِهِ الْمُوَافِقَةِ لِلْوَاقِعِ يَحْصُلُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أَصْلًا فَاتَّضَحَ جَوَازُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِامْتِنَاعِهِ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَخْذُ رِزْقٍ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَمِمَّا يَتَوَلَّى مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْأَوْقَافِ أَمْ لَا فَإِنْ جَازَ فَبِكَمْ يُقَدَّرُ الْمَأْخُوذُ وَهَلْ يُقَيَّدُ جَوَازُ الْأَخْذِ فِي الصُّورَتَيْنِ بِشَرْطٍ وَمَا قَوْلُكُمْ فِيمَا جَرَى عَادَةً فِي قُطْرِنَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بَيْتُ الْمَالِ مِنْ أَنَّهُ يَجْتَمِعُ وُجُوهُ أَهْلِ وِلَايَةِ قَاضٍ فَقِيرٍ وَيَقُولُونَ كُلُّ مَنْ يَشْتَرِي فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ مَتَاعًا مِنْ أَنْوَاعِ كَذَا أَوْ يَجْلِبَ إلَيْهِ مَتَاعًا مِنْ أَنْوَاعِ كَذَا أَوْ يَنْقُلُ مِنْهُ مَتَاعًا مِنْ أَنْوَاعِ كَذَا أَوْ يُمِرُّ بِهِ مَتَاعًا مِنْ أَنْوَاعِ كَذَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَهْلِ وِلَايَتِهِ وَغَيْرِ أَهْلِ وِلَايَتِهِ فَلْيَدْفَعْ إلَى الْقَاضِي مِقْدَارَ كَذَا مِنْ الْمَتَاعِ مِقْدَارَ كَذَا مِنْ الْمَالِ رِزْقًا لَهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُمْ تَقْدِيرُ رِزْقِ الْقَاضِي عَلَى الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَهَلْ يَحِلُّ لَهُ بِتَقْدِيرِهِمْ هَذَا أَخْذُ الْمَالِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مَعَ أَنَّ الدَّافِعَ لَا يَدْفَعُ لَهُ غَالِبًا إلَّا بِالطَّلَبِ أَوْ الْإِلْحَاحِ مَعَهُ أَوْ خَشْيَةَ مَنْعِ نَقْلِ الْمَتَاعِ مِنْ مَحَلِّ الْوِلَايَةِ أَوْ تَعْطِيلِ الْقَاضِي النَّظَرَ فِي الْقَضَايَا أَوْ تَأْخِيرِهِ الْخُطْبَةَ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ لَوْ لَمْ يَدْفَعْ وَرُبَّمَا يَدْفَعُ بَعْدَ الْمَنْعِ أَوْ التَّعْطِيلِ أَوْ التَّأْخِيرِ فَإِنْ لَمْ يَحِلَّ فَمِنْ أَيْنَ يَأْخُذُ رِزْقَهُ وَقَدْ شَغَلَهُ النَّظَرُ فِي الْقَضَايَا عَنْ الْكَسْبِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَسْبٌ لَائِقٌ وَلَمْ يَكْفِهِ مَا أَخَذَهُ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَمِمَّا يَتَوَلَّاهُ مِنْ الْأَمْوَالِ إنْ جَازَ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ رِزْقًا مِنْ خَالِصِ مَالِ الْأَيْتَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْآحَادِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمَا خُصُومَةٌ عِنْدَهُ لِأَنَّ ذَلِكَ يُورِثُ فِيهِ رِيبَةً وَمَيْلًا وَفَارَقَ الْمُفْتِيَ بِأَنَّ الْقَاضِيَ أَجْدَرُ بِالِاحْتِيَاطِ مِنْهُ وَأَمَّا الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَصَرَّحَ هُنَا بِمَا ذُكِرَ وَفِي الْكَلَامِ عَلَى الرِّشْوَةِ بِجَوَازِ الْأَخْذِ قِيلَ وَهُوَ تَنَاقُضٌ وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَنْعَ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْجَوَازَ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُحْتَاجِ نَعَمْ لِمَنْ لَا رِزْقَ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ لِلْقَضَاءِ وَكَانَ عَمَلُهُ مِمَّا يُقَابَلُ بِالْأُجْرَةِ أَنْ يَقُولَ لِلْخَصْمَيْنِ لَا أَحْكُمُ بَيْنَكُمَا إلَّا بِأُجْرَةٍ أَوْ رِزْقٍ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ عَلَى مَا جَزَمَ بِهِ جَمْعٌ مُتَقَدِّمُونَ كَالشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَابْنِ الصَّبَّاغِ وَالْجُرْجَانِيِّ وَالرُّويَانِيِّ لَكِنَّ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الزَّرْكَشِيُّ تَبَعًا لِلسُّبْكِيِّ أَنَّ هَذِهِ مَقَالَةٌ ضَعِيفَةٌ وَأَنَّ الَّذِي يَنْبَغِي تَرْجِيحُهُ تَحْرِيمُ ذَلِكَ أَيْضًا وَبِهِ جَزَمَ شُرَيْحٌ الرُّويَانِيُّ فِي رَوْضَتِهِ، وَجَعَلَ الْأَوَّلَ وَجْهًا ضَعِيفًا قَالَ شَيْخُنَا زَكَرِيَّا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَالثَّانِي أَحْوَطُ وَشَرَطَ الْمَاوَرْدِيُّ لِجَوَازِ أَخْذِهِ رِزْقًا مِنْ الْخَصْمَيْنِ عَشَرَةَ شُرُوطٍ أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ فَقِيرًا ثَانِيهَا أَنْ يَقْطَعَهُ النَّظَرُ فِي الْقَضَاءِ عَنْ كَسْبِهِ ثَالِثُهَا أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى الْخَصْمَيْنِ بِالسَّوِيَّةِ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَهُ أَوْ الْأَكْثَرَ مِنْ أَحَدِهِمَا تَطَرَّقَتْ إلَيْهِ التُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ رَابِعُهَا أَنْ يَأْذَنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي الْأَخْذِ مِنْهُمَا فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ امْتَنَعَ عَلَيْهِ الْأَخْذُ خَامِسُهَا: أَنْ لَا يُوجَدَ مُتَطَوِّعٌ بِالْقَضَاءِ فَإِنْ وُجِدَ امْتَنَعَ عَلَى هَذَا الْأَخْذُ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ إلَيْهِ سَادِسُهَا أَنْ يَعْجِزَ الْإِمَامُ عَنْ الْقِيَامِ بِرِزْقِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَمَتَى أَمْكَنَ الْإِمَامَ الْقِيَامُ بِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْخَصْمَيْنِ شَيْئًا سَابِعُهَا أَنْ يَكُونَ مَا يَأْخُذُهُ غَيْرَ مُضِرٍّ بِالْخَصْمَيْنِ فَمَتَى أَضَرَّ بِهِمَا الْمَأْخُوذُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئًا ثَامِنُهَا أَنْ يَكُونَ الْمَأْخُوذُ بِقَدْرِ حَاجَتِهِ النَّاجِزَةِ حَالَ الْحُكُومَةِ فِيمَا يَظْهَرُ. وَقَالَ غَيْرُ الْمَاوَرْدِيُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى أُجْرَةِ عَمَلِهِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَرْطٌ. اهـ. وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَخْذِ الْأَقَلِّ مِنْهُمَا فَإِنْ كَانَتْ أُجْرَةُ عَمَلِهِ أَقَلَّ وَيَحْتَاجُ لِأَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الزَّائِدِ عَلَى أُجْرَتِهِ وَإِنْ كَانَتْ حَاجَتُهُ أَقَلَّ وَأُجْرَتُهُ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَخْذُ الزَّائِدِ عَلَى حَاجَتِهِ تَاسِعُهَا أَنْ يَعْلَمَ الْخَصْمَانِ قَبْلَ

стр. 1262

التَّحَاكُمِ إلَيْهِ أَنَّ مِنْ عَادَتِهِ الْأَخْذَ مِنْ الْخُصُومِ فَإِنْ لَمْ يَعْلَمَا ذَلِكَ إلَّا بَعْدَ الْحُكْمِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا وَلَا مِنْ أَحَدِهِمَا شَيْئًا عَاشِرُهَا أَنْ يَكُونَ قَدْرُ الْمَأْخُوذِ مَعْلُومًا يَتَسَاوَى فِيهِ جَمِيعُ الْخُصُومِ وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الْمَطَالِبِ فَإِنْ فَاضَلَ بَيْنَهُمْ لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَتَفَاضَلُوا فِي الزَّمَانِ قَالَ أَعْنِي الْمَاوَرْدِيُّ وَفِي هَذَا مَعَرَّةٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَيْ حَيْثُ أَحْوَجُوا الْقَاضِيَ إلَى الْأَخْذِ مِنْ الْخَصْمَيْنِ وَلَمْ يَرْزُقْهُ إمَامُهُمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ يَرْزُقُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ أَيْ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الرَّافِعِيِّ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَإِنْ جَازَ ذَلِكَ فِي الضَّرُورَةِ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُسْلِمِينَ أَنْ يُزَالَ هَذَا إنْ أَمْكَنَ إمَّا بِأَنْ يَتَطَوَّعَ بِالْقَضَاءِ مَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِهِ وَإِمَّا بِأَنْ يُقَامَ لِهَذَا بِالْكِفَايَةِ لِأَنَّهُ مِنْ الْفُرُوضِ فَلَوْ اجْتَمَعَ أَهْلُ الْبَلَدِ عِنْدَ إعْوَازِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لِلْقَاضِي رِزْقًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ جَازَ وَكَانَ أَوْلَى مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْخُصُومِ. اهـ. وَإِذَا تَأَمَّلْت مَا تَقَرَّرَ عَلِمْت أَنَّ جَوَازَ أَخْذِ الْقَاضِي مِنْ الْخَصْمَيْنِ إنَّمَا هُوَ وَجْهٌ ضَعِيفٌ بِنَاءً عَلَى مَا مَرَّ عَنْ شُرَيْحٍ وَاعْتَمَدَهُ السُّبْكِيّ وَالزَّرْكَشِيُّ وَمَعَ كَوْنِهِ وَجْهًا مَرْجُوحًا لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ تِلْكَ الشُّرُوطِ الْكَثِيرَةِ الْمَشَقَّةِ فَمَنْ أَرَادَ الْبَرَاءَةَ لِدِينِهِ وَالْخُلُوصَ مِنْ وَرْطَةِ هَذَا الْخِلَافِ وَهَذِهِ التَّشْدِيدَاتِ الْعَظِيمَةِ فَلْيَتْرُكْ الْقَضَاءَ أَوْ يَتَطَوَّعْ بِهِ وَاَللَّهُ يَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ كَمَا أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] ﴿وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: ٣] وَأَمَّا مَنْ يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ لِيَتَأَثَّلَ بِهِ الْأَمْوَالَ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا فَهُوَ الَّذِي أُخْبِرَ عَنْهُ ﷺ بِأَنَّهُ فِي النَّارِ وَبِأَنَّهُ «ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَائِبِ وَالْمَعَائِبِ الَّتِي تَلْحَقُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وَأَمَّا أَخْذُ الْقَاضِي مِنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالْأَوْقَافِ الَّتِي لَمْ يُشْتَرَطْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ فَمَشْهُورٌ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ حَرَامٌ مُطْلَقًا وَمِنْ ثَمَّ أَسْقَطَ حِكَايَةَ حِلِّ ذَلِكَ مِنْ الرَّوْضَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي أَصْلِهَا فَإِنَّهُ نَقَلَ أَنَّ ابْنَ كَجٍّ حَكَى عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ عُشْرَ مَا يَتَوَلَّاهُ مِنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْوَقْفِ لِلضَّرُورَةِ قَالَ ثُمَّ بَالَغَ ابْنُ كَجٍّ فِي إنْكَارِ هَذَا الْمَحْكِيِّ. وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَى هَذَا الْمَحْكِيِّ فَذِكْرُ الْعُشْرِ تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ وَالْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ إلَى كِفَايَتِهِ وَقَدْرِ الْمَالِ وَالْعَمَلِ وَمَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي الْقُطْرِ الْمَذْكُورِ فِي السُّؤَالِ فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمَكْسِ بَلْ هُوَ عَيْنُهُ فَإِذَا أَخَذَ الْقَاضِي مِنْهُ شَيْئًا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ فَهُوَ مَكَّاسٍ لَا قَاضٍ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ وَبَعِيدٌ مَا بَيْنَ الْمَرْتَبَتَيْنِ مَرْتَبَةِ الْقَضَاءِ الَّتِي هِيَ أَجَلُّ الْمَرَاتِبِ الدِّينِيَّةِ بَعْدَ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى، وَمَرْتَبَةِ أَخْذِ الْمَكْسِ الَّتِي هِيَ أَسْفَلُ الْقَبَائِحِ وَأَشْنَعُ الْخِصَالِ وَأَبْشَعُ الْفِعَالِ وَأَقْرَبُ أَنْوَاعِ الْفِسْقِ إلَى الْكُفْرِ لِأَنَّ أَهْلَهَا كَثِيرًا مَا يَقَعُونَ فِي الْكُفْرِ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْهُمْ فَعَلَى الْقَاضِي الدَّيِّنِ الْمُوَفَّقِ الْخَائِفِ مِنْ رَبِّهِ وَسَطْوَةِ عَذَابِهِ وَأَلِيمِ عِقَابِهِ وَنَارِ غَضَبِهِ وَقَطِيعَةِ هَجْرِهِ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا مُطْلَقًا لِأَنَّهُ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَإِذَا كَانَ حَرَامًا كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَسُوغُ لِلْقَاضِي أَخْذُ شَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ تَرْكُهُ وَالتَّوْبَةُ الصَّحِيحَةُ مِمَّا أَخَذَهُ قَبْلُ وَإِلَّا فَلْيَسْتَعِدَّ لِجَوَابِ ذَلِكَ غَدًا بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ حِينَ ﴿لا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [الدخان: ٤١] جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْ الْأَغْنِيَاءِ بِهِ وَوَفَّقَنَا لِمَا يُنْجِينَا مِنْ كُلِّ فِتْنَةٍ وَمِحْنَةٍ وَشَرٍّ آمِينَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ فِي الصَّحِيحِ وَغَيْرِهِ وَمَا فَائِدَتُهُ وَبَيْنَ الْحُكْمِ الْمُجَرَّدِ وَغَيْرِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ مَعْنَى الثُّبُوتِ سَمَاعُ الْبَيِّنَةِ وَثُبُوتُ عَدَالَتِهَا عِنْدَهُ ثُمَّ إنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ حُكْمٌ بِالْمُدَّعَى سُمِّيَ ثُبُوتًا مُجَرَّدًا وَفَائِدَتُهُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلشَّاهِدِ الرُّجُوعُ عَنْ شَهَادَتِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا وَثُبُوتُ عَدَالَتِهَا عِنْدَهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ الْقَاضِي غَيْرُ عَدَالَتِهِ بِخِلَافِ نَفْيِ الْعَدَاوَةِ وَالتُّهْمَةِ وَنَحْوِهِمَا فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ، وَإِنْ انْضَمَّ إلَيْهِ حُكْمٌ بِالْمُدَّعَى سُمِّيَ ثُبُوتًا غَيْرَ مُجَرَّدٍ وَمِنْ فَوَائِدِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يَجُوزُ نَقْلُ الْحُكْمِ وَلَوْ فِي الْبَلَدِ بِخِلَافِ الثُّبُوتِ وَمَعْنَى الثُّبُوتِ فِي الْفَاسِدِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ الْحَاكِمُ إبْطَالَ عَقْدٍ اُشْتُرِطَ ثُبُوتُهُ

стр. 1263

عِنْدَهُ حَتَّى يُمْكِنَهُ الْحُكْمُ بِفَسَادِهِ وَإِذَا أَرَادَ الْحُكْمَ بِصِحَّةِ عَقْدٍ احْتَاجَ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ أَوْ بِمُوجَبِهِ احْتَاجَ لِشَيْئَيْنِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَحَلِّهِ وَهَذَا يُسَمَّى حُكْمًا مُجَرَّدًا أَيْ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَاضٍ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَالْمَحْكُومُ بِهِ كَالْعَقَارِ وَعَلَيْهِ وَلَهُ خَارِجُونَ عَنْ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَهَلْ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ حِينَئِذٍ كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْقُوتِ وَالْأَزْرَقِ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ فِي بَابِ الْفَلَسِ أَوْ لَا كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْجَوَاهِرِ وَالْأَصْفُونِيِّ وَأَفْتَى بِهِ ابْنُ قَاضِي شُهْبَةَ. (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ لَا بُدَّ مِنْهُ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْغَائِبُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَالْعَقَارُ كَذَلِكَ فَيَبِيعُهُ فِي دَيْنِ مُدَّعٍ حَضَرَ إنْ عَرَفَهُ وَإِلَّا أَنَابَ مَنْ يَبِيعُهُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ لَمْ يَنْفُذْ حُكْمُهُ فِيهِ كَمَا قَالَهُ التَّاجُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ وَإِنْ كَانَ الْمَالُ بِهِ دُونَ الْغَائِبِ قَضَى كَمَا صَرَّحُوا بِهِ. وَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ بِهِ دُونَ الْمَالِ قَضَى أَيْضًا كَمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيّ قِيلَ وَهُوَ الْحَقُّ لَا مَا أَفْهَمَهُ كَلَامُ الرَّوْضَةِ وَمَفْهُومُ كَلَامِ الْإِرْشَادِ يُوَافِقُ الْأَوَّلَ فَإِنَّهُ قَالَ وَلَوْ مِنْ مَالِ غَائِبٍ بِالْإِضَافَةِ أَيْ يُقْضَى مِنْ مَالِ الْغَائِبِ سَوَاءٌ أَكَانَ الْمَالُ الْمَقْضِيِّ مِنْهُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ أَمْ لَا وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِعُمُومِهِ فَقَالَ يَجُوزُ قَضَاؤُهُ بِبَيْعِ مَالِ غَائِبٍ فِي غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَإِنْ خَرَجَ الْمَالُ عَنْهُ أَيْضًا وَاسْتَشْهَدَ لِذَلِكَ. بِأَنَّهُ يُقْضَى بِالْعَقَارِ الْغَائِبِ الْمُعَيَّنِ لِلْمُدَّعِي عَلَى غَائِبٍ. اهـ. وَرُدَّ بِأَنَّ الْحَقَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ كَمَا تَقَرَّرَ وَالْفَرْقُ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْقَضَاءِ بِالْعَقَارِ الْمُعَيَّنِ تَصَرُّفٌ فِيمَا لَيْسَ فِي مَحَلِّ وِلَايَتِهِ بِخِلَافِ بَيْعِ الْعَقَارِ الَّذِي لَيْسَ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ فَإِنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي شَيْءٍ بِبَلَدٍ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ لَيْسَ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْخَصْمِ الْغَائِبِ بِوِلَايَةِ الْقَاضِي هَلْ يُحْضِرُهُ مُطْلَقًا أَوْ فِيهِ تَفْصِيلٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ فِيهِ تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى بِمَحَلِّ وِلَايَةِ الْقَاضِي وَثَمَّ مَنْ يَتَوَسَّطُ بَيْنَهُمَا لَمْ يُحْضِرْهُ وَإِلَّا أَحْضَرَهُ عَلَى الْمَنْقُولِ عِنْدَ الْعِرَاقِيِّينَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِ الرَّوْضَةِ. وَأَصْلِهَا وَفِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ أَنَّهُ تُسْمَعُ الدَّعْوَى لِمَا فِي تَكْلِيفِهِ الْحُضُورَ مِنْ الْمَشَقَّةِ. بَلْ قَدْ تَبْعُدُ الْمَسَافَةُ فَيَحْتَاجُ لِمُؤَنِ الْحُضُورِ أَضْعَافَ قِيمَةِ الْمُدَّعَى بِهِ وَمِنْ ثَمَّ مَالَ إلَيْهِ السُّبْكِيّ وَأَشَارَ الْبُلْقِينِيُّ إلَى الْجَمْعِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ فَيُحْضِرَهُ وَإِنْ بَعُدَتْ الْمَسَافَةُ وَإِلَّا ضَاعَ حَقُّ الْمُدَّعِي. وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا كَانَ لَهُ بَيِّنَةٌ فَتُسْمَعُ الدَّعْوَى عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ لِأَنَّهُ غَائِبٌ وَيُحْكَمُ وَيُكْتَبُ إلَى أَهْلِ السَّتْرِ وَهُمْ الرُّؤَسَاءُ وَأَهْلُ الْمَكَارِمِ لِيُلْزِمُوا الْخَصْمَ الْمُدَّعَى بِهِ. وَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى وَثَمَّ نَحْوُ قَاضٍ حَرُمَ إحْضَارُهُ مِنْ غَيْرِ مَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَطَرِيقُهُ أَنْ تُسْمَعَ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ وَيُحْكَمَ وَلَوْ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ كَمَا صَرَّحُوا بِهِ وَيُنْهِيَهُ لِقَاضِي بَلَدِ الْخَصْمِ لِيُلْزِمَهُ بِذَلِكَ فَإِنْ كَانَ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَثَمَّ نَائِبٌ فَمَفْهُومُ الْإِرْشَادِ وُجُوبُ إحْضَارِهِ كَمَا إذَا كَانَ بِالْبَلَدِ وَمَفْهُومُ الْحَاوِي وَالتَّنْبِيهِ أَنَّهُ لَا يُحْضِرُهُ لِاسْتِغْنَائِهِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالْحُكْمِ ثُمَّ الْإِنْهَاءُ إلَى نَائِبِهِ لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ، وَرُجِّحَ لِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَى إحْضَارِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ الْخَصْمِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي أَفْتَى بِهِ الْكَمَالُ الرَّدَّادُ الصِّدِّيقِيُّ شَارِحُ الْإِرْشَادِ الْقَبُولُ فِي الْجَرْحِ وَمِثْلُهُ التَّعْدِيلُ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِمْ لَا تُسْمَعُ الْبَيِّنَةُ وَلَا يُحْكَمُ بِغَيْرِ حُضُورِهِ إلَّا لِتَوَارِيهِ أَوْ تَعَزُّزِهِ بِتَعْلِيلِهِمْ اشْتِرَاطَ الْحُضُورِ بِأَنَّهُ رُبَّمَا طَعَنَ أَوْ امْتَنَعُوا مِنْ الْكَذِبِ عَلَيْهِ لِحَيَاءٍ أَوْ نَحْوِهِ وَبِأَنَّ غَيْرَهُ أَفْتَى بِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْحَاضِرِ بِالْبَلَدِ مَجْلِسَ الْحَاكِمِ بِالتَّزْكِيَةِ وَانْتَصَرَ لِلْكَمَالِ بَعْضُ تَلَامِذَتِهِ بِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ حَقًّا مُؤَكَّدًا لِلَّهِ وَلِهَذَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مِنْ غَيْرِ حُضُورِ خَصْمٍ فِيهِمَا لِمَا فِيهِمَا مِنْ الْحَقِّ الْمُؤَكَّدِ لِلَّهِ هَكَذَا صَرَّحُوا بِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ قَوِيٌّ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ مَعَ الْغَيْبَةِ. وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ جَعَلُوا أَمْرَ التَّزْكِيَةِ وَالْجَرْحِ إلَى الْقَاضِي فَيَحْكُمُ فِيهِمَا بِعِلْمِهِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ مُؤَكَّدٌ لِلَّهِ . اهـ. عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ وَقَعَ جَرْحٌ أَوْ تَعْدِيلٌ فِي غَيْبَتِهِ هُوَ مُتَمَكَّنٌ مِنْ

стр. 1264

تَدَارُكِهِ بِإِقَامَةِ مَا يُبْطِلُهُ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ عَلَيْهِ ضَرَرٌ فِي ذَلِكَ لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يُمْكِنُ حِيلَةٌ يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى التَّسْجِيلِ وَالْحَالُ أَنَّ الْعَيْنَ الْمَحْكُومَ بِهَا فِي يَدِ الْمُدَّعِي وَمَا الْفَائِدَةُ فِي الْمُسَجَّلِ لَهُ بِذَلِكَ وَهَلْ الْحِيلَةُ بِذَلِكَ تُفِيدُ بَيْنَ يَدَيْ مَنْ لَيْسَتْ الْعَيْنُ بِمَحَلِّ وِلَايَتِهِ وَهَلْ الثُّبُوتُ غَيْرُ الْكِتَابِ بِسَمَاعِ الْبَيِّنَةِ فِيمَا لَا يُؤْمَنُ اشْتِبَاهُهُ أَمْ الثُّبُوتُ هُوَ نَفْسُ السَّمَاعِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ كَمَا فِي أَوَائِلِ أَدَبِ الْقَضَاءِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلدَّعْوَى إلَّا وُجُودُ صُورَتِهَا ظَاهِرًا فَتُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا حَقِيقَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَفِي فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ الْحِيلَةَ فِي إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ الدَّعْوَى أَنْ يَنْصِبَ مُسَخَّرًا يَدَّعِي عَلَى مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِأَنَّ لَهُ عَلَى فُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ عِنْدَ فُلَانٍ هَذَا كَذَا فَمُرْهُ بِتَسْلِيمِهِ إلَيَّ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ بِالْإِبْرَاءِ حَقِيقَةً اهـ. وَهَذَا إنَّمَا يَتَأَتَّى لَهُ عَلَى ضَعِيفٍ وَهُوَ سَمَاعُ الدَّعْوَى عَلَى غَرِيمِ الْغَرِيمِ وَقِيَاسُهُ أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ إثْبَاتَ مِلْكِ شَيْءٍ بِيَدِهِ وَلَا مُنَازِعَ فِيهِ الْآنَ فَالْحِيلَةُ أَنْ يَدَّعِيَ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ أَنِّي مَالِكُهَا وَيُحْضِرَهَا أَوْ يَصِفَهَا بِمُمَيِّزِهَا وَأَنَّ هَذَا غَصَبَهَا مِنِّي وَأُطَالِبُهُ بِتَسْلِيمِهَا وَأَسْأَلُك أَنْ تَأْمُرَهُ بِتَسْلِيمِهَا إلَيَّ أَوْ بِجَوَابِهِ عَنْ دَعْوَايَ فَيُجِيبُهُ بِالْإِنْكَارِ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهَا قَالَ فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ وَاصْطَلَحَ الْحُكَّامُ عَلَى هَذَا مَعَ مَا فِيهِ مِنْ كَذِبِ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَعِلْمِ الْقَاضِي بِذَلِكَ. لَكِنْ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ هَذَا كَذِبٌ مَحْطُوطٌ إذَا عُلِمَ أَنَّ الْقَصْدَ بِهِ التَّوَصُّلُ إلَى إثْبَاتِ الْحُقُوقِ بِمَا لَا ضَرَرَ فِيهِ وَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ إلَّا تَرْوِيجَ إثْبَاتِ الْأَحْكَامِ وَالتَّسْجِيلِ عَلَى الْحُكَّامِ. اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَأَنَّهُمْ جَوَّزُوا ذَلِكَ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّلْبِيسِ فَإِنَّ مَنْ بِيَدِهِ الْعَيْنُ يُصَيِّرُ نَفَسَهُ خَارِجًا وَيَجْعَلُ الْيَدَ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَذِبًا لِغَرَضِ التَّسْجِيلِ وَإِثْبَاتِ الْحُقُوقِ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ بِالدَّعْوَى عَلَى مَنْ يَخَافُ مِنْهُ الْمُنَازَعَةَ إنْ غَابَ وَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ لِمَا فِي هَذِهِ مِنْ يَمِينِ الِاسْتِظْهَارِ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ غَرَضٌ فِي التَّنَزُّهِ عَنْ الْيَمِينِ فَفِي إلْزَامِهِ بِهَذِهِ الْحِيلَةِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْحِيلَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَا يَمِينَ فِيهَا لِأَنَّ الدَّعْوَى فِيهَا عَلَى حَاضِرٍ فَكَانَتْ أَسْهَلَ وَأَرْفَقَ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ مَا يُؤَيِّدُ سَمَاعَ الدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ كَمَا ذُكِرَ لَكِنْ ظَاهِرُ كَلَامِ الْجَوَاهِرِ خِلَافُهُ فَإِنَّهُ قَالَ لَوْ اُدُّعِيَ عَلَى الْغَائِبِ أَنَّهُ ابْتَاعَ مِنْهُ الْعَيْنَ أَوْ اتَّهَبَهَا وَخَشِيَ جُحُودَهُ فَطَلَبَ سَمَاعَهَا لَمْ يَتَسَمَّعْ لِأَنَّ سَمَاعَهَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ إنْكَارِهِ. اهـ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ وَعَلَيْهِ فَالْحِيلَةُ الْأُولَى مُتَعَيِّنَةٌ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهَا بِالدَّعْوَى عَلَى الْغَائِبِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالسَّمَاعِ أَنَّ بَيِّنَةَ السَّمَاعِ يَسْمَعُهَا الْقَاضِي لِيَبْعَثَ الْقَاضِي الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ بِالْعَيْنِ إلَى الْقَاضِي الْكَاتِبِ لِيُشْهِدَ عَلَى عَيْنِهَا فِي بَلَدِ الْكَاتِبِ وَبَيِّنَةُ الثُّبُوتِ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُنْقَلَ إلَى قَاضٍ آخَرَ أَوْ لَا إذْ هِيَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا حُكْمٌ وَمِنْ ثَمَّ جَازَ رُجُوعُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا اتَّصَلَ بِهَا حُكْمٌ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ بَعْدَ ثُبُوتِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَكَانَ الْمُدَّعَى بِهِ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينٌ فَجُرِحَ الشَّاهِدُ بَعْدَ يَمِينِهِ جَرْحًا شَرْعِيًّا فَهَلْ يُعْتَدُّ بِهَذِهِ الْيَمِينِ مَعَ إقَامَةِ شَاهِدٍ آخَرَ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ أُخْرَى مَعَ الشَّاهِدِ الْآخَرِ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَا بُدَّ مِنْ يَمِينٍ أُخْرَى لِأَنَّ الْيَمِينَ الْأُولَى بَطَلَتْ بِتَبَيُّنِ فِسْقِ الشَّاهِدِ إذْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا إلَّا بَعْدَ شَهَادَةِ الشَّاهِدِ وَثُبُوتِ عَدَالَتِهِ فَإِذَا بَانَ بُطْلَانُ شَهَادَتِهِ بَانَ بُطْلَانُهَا. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ وَلِيَ قَضَاءَ بَلَدٍ لَيْسَ فِيهَا وَظِيفَةٌ وَلَا فِيهَا سُلْطَانٌ مُسْلِمٌ وَلَا بَيْتُ مَالٍ وَلَا هُنَاكَ مُتَبَرِّعٌ يَقُومُ بِكِفَايَتِهِ سِوَى أَنَّ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ عَيَّنُوا عَلَى كُلِّ حِمْلٍ مِنْ الْحُبُوبِ وَالْأَدْهَانِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّا يَجِيءُ بِهِ أَهْلُ الْبَوَادِي شَيْئًا مَعْلُومًا ثُمَّ إنَّهُمْ يَصْرِفُونَ مَا يَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنِ لِلْقَاضِي وَأَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ وَالْمُؤَذِّنِينَ وَإِصْلَاحِ الْمَسَاجِدِ هَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَغَيْرِهِ قَبُولُ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَإِذَا تَوَرَّعَ الْقَاضِي عَنْ قَبُولِ مَا ذُكِرَ تَصِيرُ الْقَرْيَةُ مُعَطَّلَةً عَنْ الْحُدُودِ فَهَلْ يَجُوزُ أَخْذُهُ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَوْ لَا. وَهَلْ يَحِلُّ لِلْقَاضِي قَبُولُ النَّذْرِ وَالْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ وَالْحُضُورُ فِي الطَّعَامِ الَّذِي يُصْنَعُ لِمَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ . (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ قَبُولُ ذَلِكَ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ مَكْسٌ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَلَا شُبْهَةٍ فَقَاتَلَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْتَرِعَ

стр. 1265

ذَلِكَ وَمُؤَسِّسَهُ وَالدِّينُ الْقَيِّمُ وَالشَّرِيعَةُ الْوَاضِحَةُ الْغَرَّاءُ الْبَيْضَاءُ غَنِيَّةٌ عَنْ أَنْ يُحْتَاجَ فِي الْقِيَامِ بِهَا إلَى أَمْثَالِ هَذِهِ الْقَبَائِحِ الْمَهَالِكِ زَادَ اللَّهُ تَعَالَى تَنْزِيهَ الْقَائِمِينَ بِهَا عَنْ هَذِهِ الْأَدْنَاسِ وَالْقَاذُورَاتِ وَوَفَّقَ لِلْقِيَامِ بِهَا فِي هَذَا الْقُطْرِ تَبَرُّعًا لِلَّهِ بَعْضَ أَهْلِ الدِّينِ وَالْمُرُوآتِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْقَاضِي قَبُولُ مَا نُذِرَ لَهُ أَوْ لِوَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَلَا قَبُولُ هِبَةٍ. أَوْ هَدِيَّةٍ بِتَفْصِيلِهَا الْمَعْرُوفِ فِي مَحَلِّهَا. وَقَدْ اسْتَوْفَيْته أَتَمَّ اسْتِيفَاءٍ وَبَسَطْته أَحْسَنَ بَسْطٍ وَضَبَطْته أَكْمَلَ ضَبْطٍ فِي كِتَابِي الَّذِي أَلَّفْتُهُ فِي ذَلِكَ لَمَّا جَاءَنِي أَسْئِلَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْ الْيَمَنِ وَسَمَّيْته إيضَاحُ الْأَحْكَامِ لِمَا يَأْخُذُهُ الْعُمَّالُ وَالْحُكَّامُ وَلِلْقَاضِي حُضُورُ الْوَلَائِمِ وَالْأَوْلَى لَهُ التَّنَزُّهُ عَنْهَا. (وَسُئِلَ) عَنْ قَاضٍ مِنْ قُضَاةِ الْمُسْلِمِينَ يُشَدِّدُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَحْكُمُ إلَّا بِالْقَوْلِ الصَّحِيحِ وَلَا يُزَوِّجُ مَنْ انْقَطَعَ حَيْضُهُنَّ إلَى بُلُوغِ سِنِّ الْيَأْسِ وَلَا يَسْلُكُ بِالنَّاسِ مَسْلَكَ التَّخْفِيفِ وَالتَّيْسِيرِ وَقَدْ قَالَ ﷺ «اللَّهُمَّ مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ عَلَيْهِمْ فَاشْقُقْ عَلَيْهِ وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ بِهِمْ فَارْفُقْ بِهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ أَيْضًا «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ مَا ذُكِرَ عَنْ هَذَا الْقَاضِي إنَّمَا يُعَدُّ مِنْ مَحَاسِنِهِ لَا مِنْ مَسَاوِيهِ فَجَزَاهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ دِينِهِ وَأَمَانَتِهِ خَيْرًا فَإِنَّهُ عَدِيمُ النَّظِيرِ الْآنَ وَكَيْفَ وَأَكْثَرُ قُضَاةِ هَذَا الْعَصْرِ وَمَا قَبْلَهُ بِأَعْصَارٍ صَارُوا خَوَنَةً مَكَسَةً لَا يُحَرِّمُونَ حَرَامًا وَلَا يَجْتَنِبُونَ آثَامًا بَلْ قَبَائِحُهُمْ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ وَأَظْهَرُ مِنْ أَنْ تُشْهَرَ حَتَّى قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ قُضَاةِ زَمَنِهِ إنَّهُمْ كَقَرِيبِي الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي قُضَاةِ تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ فَمَا بَالُك بِقُضَاةِ هَذَا الزَّمَنِ الَّذِي عُطِّلَتْ فِيهِ الشَّعَائِرُ وَغَلَبَتْ فِيهِ الْكَبَائِرُ وَقَلَّ فِيهِ الصَّالِحُونَ وَكَثُرَتْ فِيهِ الْمُفْسِدُونَ فَقِيَامُ هَذَا الْقَاضِي حِينَئِذٍ بِقَوَانِينِ مَذْهَبِهِ وَعَدَمُ الْتِفَاتِهِ إلَى التَّرْخِيصِ لِلنَّاسِ بِمَا لَا تَقْتَضِيهِ قَوَاعِدُ إمَامِهِ يَدُلُّ عَلَى صَلَاحِهِ وَنَجَاحِهِ وَفَلَاحِهِ وَعَجِيبٌ مِنْ السَّائِلِ كَيْفَ يُورِدُ فِي مِثْلِهِ حَدِيثَ مُسْلِمٍ الْمَذْكُورَ. فَإِنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ فَهْمِهِ لِلْحَدِيثِ وَإِحَاطَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ مَعْنَاهُ فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ مِثْلَ هَذَا الْقَاضِي بَلْ مِثْلَ الْقُضَاةِ الَّذِينَ شَرَحْنَا شَيْئًا مِنْ حَالِهِمْ وَبَيَّنَّا قَبِيحَ فِعَالِهِمْ إذْ الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ جَارَ فِي حُكْمِهِ بَيْنَهُمْ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَكَلَّفَهُمْ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ الشَّارِعُ وَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ مَعَهُمْ أَمْرَ الشَّرْعِ وَعَدَلَ فَهُوَ مَدْعُوٌّ لَهُ لَا عَلَيْهِ وَهَذَا أَمْرٌ وَاضِحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ وَمَعْنَى «يَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا» النَّهْيُ عَنْ التَّعْسِيرِ عَلَى النَّاسِ بِمَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّارِعُ وَأَمَّا مَنْ عَمِلَ بِمَذْهَبِ إمَامِهِ فَهُوَ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا اخْتَلَفَ تَرْجِيحُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَالشَّيْخَيْنِ مَا الْمُعْتَمَدِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ لَمَّا كُنَّا مُجَاوِرِينَ سَنَةَ خَمْسِينَ بِطَيْبَةَ الْمُنَوَّرَةِ عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ سَأَلَنَا بَعْضُ أَكَابِرِهَا وَفُضَلَائِهَا عَنْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَطَالَ فِي الِاحْتِجَاجِ وَالِانْتِصَارِ لِاعْتِمَادِ تَرْجِيحِ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَجَبْته بِجَوَابٍ مَبْسُوطٍ مُتَكَفِّلٍ لِرَدِّ جَمِيعِ أَدِلَّتِهِ وَفِي الِانْتِصَارِ لِاعْتِمَادِ تَرْجِيحِ الشَّيْخَيْنِ وَالْإِعْرَاضِ عَمَّا سِوَاهُ ثُمَّ قُرِئَ ذَلِكَ الْإِفْتَاءُ بِحَضْرَةِ فُضَلَاءِ الْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ فَلَمْ يُمْكِنْ أَحَدًا مِنْهُمْ أَنْ يُبْدِيَ فِيهِ شَيْئًا بَلْ وَافَقُوهُ وَعَلِمُوا أَنَّهُ الْحَقُّ وَقَدْ بَسَطْت الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا فِي خُطْبَةِ شَرْحِ الْعُبَابِ وَبَيَّنْت فِيهِ أَنَّ الْحَقَّ مَا دَرَجَ عَلَيْهِ مَشَايِخُنَا وَمَشَايِخُهُمْ وَهَلُمَّ جَرًّا مِنْ اعْتِمَادِ تَرْجِيحِ كَلَامِ الشَّيْخَيْنِ فِي الْإِفْتَاءِ وَغَيْرِهِ وَأَنَّهُ لَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِمَا بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَلَا بِالنَّصِّ وَلَا بِغَيْرِ ذَلِكَ وَبَيَّنْت فُرُوعًا اعْتَرَضُوا فِيهَا عَلَيْهِمَا بِالنَّصِّ ثُمَّ لَمَّا أَمْعَنْت التَّفْتِيشَ رَأَيْتهمَا اسْتَنَدَا لِنَصٍّ آخَرَ وَفُرُوعٍ أُخْرَى وَهِيَ الْأَكْثَرُ اعْتَرَضُوا عَلَيْهِمَا فِيهَا بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ. مَعَ أَنَّهُمَا صَرَّحَا فِي مَوَاضِعَ بِأَنَّهُمَا لَا يَتَقَيَّدَانِ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ بَلْ بِمَا يَتَرَجَّحُ عِنْدَهُمَا مِنْ قُوَّةِ الْمُدْرَكِ أَوْ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ فِي الْحَقِيقَةِ لَيْسَ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ فَإِنَّ مَنْ يَعْتَرِضُ بِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ رُبَّمَا عَدَّدَ جُمَلًا تَرْجِعُ إلَى وَاحِدٍ مِنْ الْأَصْحَابِ أَوْ اثْنَيْنِ مَثَلًا أَلَا تَرَى أَنَّ أَصْحَابَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ شَيْخَ الطَّرِيقَيْنِ قَدْ بَلَغُوا مِنْ الْكَثْرَةِ مَبْلَغًا عَظِيمًا. فَمَنْ رَأَى كُتُبَهُمْ وَفَتَاوِيَهُمْ مُتَّفِقَةً عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ يَظُنُّ أَنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَيْهِ وَفِي الْحَقِيقَةِ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ رَأْيُ رَجُلٍ

стр. 1266

وَاحِدٍ لِأَنَّ الْغَالِبَ مِنْ أَحْوَالِ الْأَصْحَابِ أَنَّ كُلَّ أَهْلِ طَرِيقَةٍ لَا يُخَالِفُونَ إمَامَ طَرِيقِهِمْ بَلْ يَكُونُونَ تَابِعِينَ لَهُ فِي تَفْرِيعِهِ وَتَأْصِيلِهِ فَتَفَطَّنْ لِهَذَا فَإِنَّهُ رَاجَ عَلَى كَثِيرِينَ اعْتَرَضُوا عَلَى الشَّيْخَيْنِ بِمُخَالَفَتِهِمَا لِكَلَامِ الْأَكْثَرِينَ وَفِي الْحَقِيقَةِ لَمْ يُخَالِفَا ذَلِكَ وَبِفَرْضِهِ وَتَسْلِيمِهِ فَقَدْ بَانَ أَنَّهُمَا لَا يَتَقَيَّدَانِ إلَّا بِقُوَّةِ الْمُدْرَكِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُ تَرْجِيحِهِمَا لِأَنَّهُمَا اللَّذَانِ أَجْمَعَ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا عَلَى أَنَّهُمَا مُبَالِغَانِ فِي التَّحَرِّي وَالِاحْتِيَاطِ وَالْحِفْظِ وَالتَّحْقِيقِ وَالْوِلَايَةِ وَالْمَعْرِفَةِ وَالتَّحْرِيرِ وَالتَّنْقِيرِ مَبْلَغًا لَمْ يَبْلُغْهُ أَحَدٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمَا فَكَانَ اعْتِمَادُ قَوْلِهِمَا هُوَ الْأَحْرَى وَالْأَحَقُّ وَالْإِعْرَاضُ عَنْ مُخَالِفِيهِ هُوَ الْأَوْلَى بِكُلِّ شَافِعِيٍّ لَمْ يَصِلْ لِمَرْتَبَةٍ مِنْ مَرَاتِبِ الِاجْتِهَادِ وَلَقَدْ بَيَّنْتُ فِي شَرْحِ الْعُبَابِ رَدَّ قَوْلِهِ خِلَافًا لِلشَّيْخَيْنِ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ إنَّمَا قَلَّدَ فِي ذَلِكَ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَنَّ الصَّوَابَ مَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ أَوْ أَحَدَهُمَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا إنْ اتَّفَقَا وَإِلَّا فَعَلَى النَّوَوِيِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى مَا لَمْ يُجْمِعْ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى أَنَّهُمَا وَقَعَا فِي سَهْوٍ أَوْ غَلَطٍ فَحِينَئِذٍ يُعْرَضُ عَمَّا قَالَاهُ وَأَيْنَ تَجِدُ مَوْضِعًا اتَّفَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى ذَلِكَ بَلْ كُلُّ مَحَلٍّ وَجَدْتُهُ تَجِدُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مَنْ يَعْتَمِدُ مَا قَالَاهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُخَالِفُهُ وَمَنْ تَأَمَّلَ إطْبَاقَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى تَغْلِيطِهِمَا فِيمَا قَالَاهُ أَنَّ النَّفَقَةَ لَا تَصِيرُ دَيْنًا إلَّا بِفَرْضِ الْقَاضِي مَبْلَغًا وَأَنْصَارُ الشَّمْسِ الْجَوْجَرِيِّ لَهُمَا فِي ذَلِكَ وَرَدَّهُ عَلَى أَكَابِرِ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلِمَ أَنَّهُ يَعِزُّ أَنْ يُوجَدَ مَحَلٌّ أَطْبَقَ الْمُتَأَخِّرُونَ كُلُّهُمْ عَلَى إلْغَاءِ تَرْجِيحِهِمَا فِيهِ فَالصَّوَابُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِمَا دُونَ غَيْرِهِمَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَافِعِيٍّ يَحْرِصُ عَلَى صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ فِي الْتِزَامِ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالتَّمَسُّكِ بِهِ وَيُدَرِّسُ لَهُ كُتُبَ الْحَنَفِيَّةِ وَإِذَا سُئِلَ شَافِعِيٌّ عَنْ التَّقْلِيدِ بِمَذْهَبٍ فَهَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالْتِزَامِ مَذْهَبِ إمَامِهِ أَوْ يَدُلُّهُ إلَى مَذْهَبٍ آخَرَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَسَائِرُ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرَ الْجَزَاءِ وَأَكْمَلَهُ وَحَشَرَنَا فِي زُمْرَتِهِمْ وَإِذَا كَانُوا كُلُّهُمْ عَلَى هُدًى مِنْ اللَّهِ فَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ أَرْشَدَ غَيْرَهُ إلَى التَّمَسُّكِ بِأَيِّ مَذْهَبٍ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَإِنْ خَالَفَ مَذْهَبَهُ وَاعْتِقَادَهُ لِأَنَّهُ أَرْشَدَهُ إلَى حَقٍّ وَهُدًى تَدْرِيسُ الشَّافِعِيِّ لِكُتُبِ غَيْرِ مَذْهَبِهِ لَا يَسُوغُ لَهُ إلَّا إنْ قَرَأَ ذَلِكَ الَّذِي يُدَرِّسُهُ عَلَى عَالِمٍ مَوْثُوقٍ بِهِ مِنْ أَئِمَّةِ ذَلِكَ الْمَذْهَبِ هَذَا إنْ أُرِيدَ بِهِ تَدْرِيسُ الْمُعْتَمَدِ فِي ذَلِكَ الْمَذْهَبِ وَأَمَّا إنْ أُرِيدَ مِنْهُ مُجَرَّدُ فَهْمِ الْعِبَارَةِ وَتَفْهِيمِهَا فَهَذَا لَا مَحْذُورَ فِيهِ. (وَسُئِلَ) عَنْ تَقْلِيدِ الْعَامِّيِّ لِأَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ غَيْرِ الْأَرْبَعَةِ بَعْدَ تَقَرُّرِ مَذَاهِبِهِمْ وَاشْتِهَارِهَا بِمَا هُوَ مَعْلُومٌ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ مَاذَا يَلْزَمُ الْمُقَلِّدَ لِذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ وَمَا حُكْمُ عِبَادَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى ذَلِكَ الِاجْتِهَادِ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ صِحَّةِ عِبَادَتِهِ هَلْ يَكُونُ عَاصِيًا فِي ذَلِكَ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْر أَمْ لَا وَإِذَا قُلْتُمْ بِجَوَازِ التَّقْلِيدِ لِغَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ هَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يُوَافِقَ اجْتِهَادُهُ أَحَدَ الْأَئِمَّةِ حَتَّى يَكُونَ التَّقْلِيدُ لَهُ كَأَنَّهُ تَقْلِيدٌ لِأَحَدِهِمْ أَمْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ نَقْلُ مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُجْتَهِدِ مُتَوَاتِرًا أَمْ لَا وَهَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ مُدَوَّنًا أَمْ يَكْفِي نَقْلُهُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَأَيْضًا ظَاهِرُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ جَوَازُ التَّقْلِيدِ لِكُلِّ مُجْتَهِدٍ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ شَيْءٍ سِوَى اعْتِقَادِ الْمُقَلِّدِ كَوْنَ مَذْهَبِ مُقَلَّدِهِ رَاجِحًا أَوْ مُسَاوِيًا فَهَلْ الْبِنَاءُ عَلَى هَذَا الظَّاهِرِ كَافٍ فِي الْحُكْمِ بِجَوَازِ تَقْلِيدِ كُلِّ مُجْتَهِدٍ أَمْ الْأَمْرُ عَلَى خِلَافِهِ بَيِّنُوا ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي تَحَرَّرَ أَنَّ تَقْلِيدَ غَيْرِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَا يَجُوزُ فِي الْإِفْتَاءِ وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَأَمَّا فِي عَمَلِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ فَيَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِغَيْرِ الْأَرْبَعَةِ مِمَّنْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لَا كَالشِّيعَةِ وَبَعْضِ الظَّاهِرِيَّةِ وَيُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهُ بِمَذْهَبِ الْمُقَلَّدِ بِنَقْلِ الْعَدْلِ عَنْ مِثْلِهِ وَتَفَاصِيلِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ أَوْ الْمَسَائِلِ الْمُقَلِّدِ فِيهَا وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى مَذْهَبِ ذَلِكَ الْمُقَلَّدِ وَعَدَمِ التَّلْفِيقِ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَضُمَّ إلَيْهَا أَوْ إلَى بَعْضِهَا تَقْلِيدَ غَيْرِ ذَلِكَ الْإِمَامِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ تَلْفِيقَ التَّقْلِيدِ كَتَقْلِيدِ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي عَدَمِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ ﵎ عَنْهُ -

стр. 1267

فِي مَسْحِ بَعْضِ الرَّأْسِ فَمُمْتَنِعٌ اتِّفَاقًا بَلْ قِيلَ إجْمَاعًا وَإِذَا وُجِدَتْ شُرُوطُ التَّقْلِيدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَغَيْرُهَا مِمَّا هُوَ مَعْلُومٌ فِي مَحَلِّهِ فَعِبَادَاتُ الْمُقَلِّدِ وَمُعَامَلَتُهُ الْمُشْتَمِلَةُ عَلَى ذَلِكَ صَحِيحَةٌ وَإِلَّا فَلَا وَيَأْثَمُ بِذَلِكَ فَيَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ فَوْرًا وَلَا يُشْتَرَطُ مُوَافَقَةُ اجْتِهَادِ ذَلِكَ الْمُقَلِّدِ لِأَحَدِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَلَا نَقْلُ مَذْهَبِهِ تَوَاتُرًا كَمَا أَشَرْتُ إلَيْهِ وَلَا تَدْوِينُ مَذْهَبِهِ عَلَى اسْتِقْلَالِهِ بَلْ يَكْفِي أَخْذُهُ مِنْ كُتُبِ الْمُخَالِفِينَ الْمَوْثُوقِ بِهَا الْمُعَوَّلِ عَلَيْهَا وَكَلَامُ جَمْعِ الْجَوَامِعِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لَا يُخَالِفُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا صُورَتُهُ مِنْ عَبْدِ الْبَاسِطِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى بْنِ أَبِي غِرَارَةَ الشَّافِعِيِّ إلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلَانَا الْعَلَّامَةِ الْحُجَّةِ الْفَهَّامَةِ عَالِمِ الْحِجَازِ أَحْمَدَ بْنِ حَجَرٍ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - إنَّا فِي أَرْضِ بَجِيلَةَ وَلَيْسَ عِنْدَنَا سُلْطَانٌ وَلَا قَاضٍ مَنْصُوبٌ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ وَأَهْلُ بَجِيلَةَ وَنَاصِرَةَ وَزَهْرَانَ وَغَامِدٍ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْقَبَائِلِ يَرُدُّونَ أُمُورَهُمْ وَأَحْكَامَهُمْ وَفَتْوَاهُمْ إلَيْنَا وَيَرْفَعُونَ إلَيْنَا قَضَايَاهُمْ الْعُرْفِيَّةَ وَالشَّرْعِيَّةَ وَيَرَوْنَا نَصْلُحُ لِذَلِكَ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ. إذَا اجْتَمَعَ بَعْضُ شُيُوخِهِمْ وَنَصَّبُونَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ الَّذِي لَا عِوَجَ فِيهِ وَلَا مَحِيدَ عَنْهُ يَجُوزُ لَنَا ذَلِكَ وَيَنْفُذُ مِنَّا مَا يَنْفُذُ مِنْ الْقَاضِي مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَجْنُونَةِ وَبَيْعِ مَالِ الْمَدْيُونِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَحِفْظِ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَالسَّعْيِ لَهُمْ وَالشِّرَاءِ بِالْمَصْلَحَةِ وَإِنْكَاحِ مَنْ عَضَلَ وَلِيُّهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْقَاضِي أَمْ لَا يَجُوزُ لَنَا فِي ذَلِكَ. الْمَسْئُولُ مِنْكُمْ بَيَانُ ذَلِكَ فَقَدْ نَقَلَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ عَمَّا إذَا عُدِمَ فِي قُطْرٍ ذُو شَوْكَةٍ وَحَاكِمٌ وَلَمْ يُوجَدْ لِلْمَرْأَةِ وَلِيٌّ وَلَا لِلْأَطْفَالِ وَصِيٌّ وَنَحْوُهُ. فَهَلْ لِجَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ نَصْبُ فَقِيهِ يَتَعَاطَى الْأَحْكَامَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَبْضَاعِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ نَعَمْ إذَا لَمْ يَكُنْ رَئِيسٌ يَرْجِعُ أَمْرُهُمْ إلَيْهِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَنَصَّبُوا قَاضِيًا صِفَتُهُ صِفَةُ الْقُضَاةِ وَيُشْتَرَطُ فِي الثَّلَاثَةِ صِفَةُ الْكَمَالِ كَمَا فِي نَصْبِ الْإِمَامِ قَالَ الْإِمَامُ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَيْسُورَ لَا يَسْقُطُ بِالْمَعْسُورِ فَحَيْثُ تَعَذَّرَ الْإِمَامُ وَأَمْكَنَ نَصْبُ الْقَاضِي وَجَبَ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ دَاعِيَةٌ إلَيْهِ فَيَأْثَمُ أَهْلُ تِلْكَ الْبِلَادِ بِتَرْكِهِ وَقَوْلُهُ صِفَتُهُ صِفَةُ الْقُضَاةِ أَيْ الَّتِي يُمْكِنُ وُجُودُهَا فِي زَمَانِهِمْ فَكَمَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ تَوْلِيَةُ الْمُقَلِّدِ لِلضَّرُورَةِ يَتَعَيَّنُ عَلَى هَؤُلَاءِ تَوْلِيَتُهُ. فَإِذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ الْمَوْصُوفِينَ بِصِفَةِ الْكَمَالِ عَلَى نَصْبِ مُقَلِّدٍ قَاضِيًا تَمَّ ذَلِكَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ فَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ بِمَا يَعْلَمُهُ مِنْ مَذْهَبِ إمَامِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالتَّمَادِي عَلَى تَرْكِ إقَامَةِ قَاضٍ فِي قُطْرٍ مِنْ الْأَقْطَارِ مَعْصِيَةٌ تَعُمُّ أَهْلَهُ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ إقَامَتَهُ لَيْسَتْ مُتَوَقِّفَةً عَلَى وُجُودِ الْإِمَامِ الَّذِي يَعْسُرُ عَلَيْهِمْ وَلَا عَلَى الْمُجْتَهِدِ بَلْ الضَّرُورَةُ مُقْتَضِيَةٌ لِمَا ذَكَرْنَا. اهـ. كَلَامُ السَّمْهُودِيِّ قَالَ جَدِّي وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الْإِشَارَاتِ إذَا اجْتَمَعَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى أَنْ لَا يَلِيَ أَحَدٌ فِيهِمْ الْقَضَاءَ أَثِمُوا لِمَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ لَا يُقَدِّسُ أُمَّةً لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يَأْخُذُ لِلضَّعِيفِ حَقَّهُ» . اهـ. قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ نَاصِرٍ فِي بَعْضِ أَجْوِبَتِهِ إنَّ الْبَلَدَ الَّذِي لَا حَاكِمَ فِيهِ تَجِبُ الْهِجْرَةُ مِنْهُ لِقَوْلِهِمْ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ حَاكِمٍ يَأْخُذُ عَلَى يَدِ الظَّالِمِ لِلْمَظْلُومِ وَيُنْصِفُ النَّاسَ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ قَالَ جَدِّي وَقَدْ سُئِلَ الْقَاضِي جَمَالُ الدِّينِ بْنُ ظَهِيرَةَ عَمَّا إذَا كَانَتْ قَرْيَةٌ مِنْ الْقُرَى وَأَهْلُهَا يَمْلِكُ كِبَارُهُمْ الْحَلَّ وَالْعَقْدَ فِيهَا دُونَ غَيْرِهَا فَهَلْ يَصِحُّ نَصْبُهُمْ لِرَجُلٍ يُمْضِي فِيهِمْ مَا يُمْضِي الْحَاكِمُ وَقَدْ أَظْهَرُوا لَهُ الطَّاعَةَ فِيمَا يُقَرِّبُهُمْ مِنْ اللَّهِ وَبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ مُعْتَقِدٌ مِنْهُمْ عَدَمَ الْوَفَاءِ ثُمَّ لَمْ يَفُوا بِالْأَكْثَرِ أَوْ بِالْجَمِيعِ هَلْ يَنْفُذُ مِنْهُ مَا يَنْفُذُ مِنْ الْحَاكِمِ مِنْ تَزْوِيجِ الْمَجْنُونَةِ وَبَيْعِ مَالِ الْمَدْيُونِ لِحَقِّ الْغُرَمَاءِ وَحِفْظِ أَمْوَالِ الْيَتَامَى وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ بِالْمَصْلَحَةِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ وَمَا يُشْتَرَطُ فِيهِ فِي نَفْسِهِ وَمَا لَا يُشْتَرَطُ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ يَجُوزُ لِلْكُبَرَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يُوَلُّوا قَاضِيًا فِي الْقَرْيَةِ الْمَذْكُورَةِ يَحْكُمُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ صَحَّ وَنَفَذَتْ أَحْكَامُهُ وَصَحَّ تَزْوِيجُ الْمَجْنُونَةِ وَغَيْرِهَا وَبَيْعُ مَالِ الْمَدْيُونِ عِنْدَ امْتِنَاعِهِ وَيَحْفَظُ مَالَ الْيَتِيمِ وَيَتَصَرَّفُ

стр. 1268

فِيهِ وَيَحْفَظُ أَمْوَالَ الْغَائِبِينَ وَيَتَوَلَّى جَمِيعَ مَا يَتَوَلَّاهُ الْحُكَّامُ وَكَذَا لَوْ كَانَ لِلْقَرْيَةِ شَيْخٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فِي أُمُورِهِمْ وَيُقَدِّمُونَهُ عَلَيْهِمْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فَلَهُ أَنْ يُنَصِّبَ حَاكِمًا يَحْكُمُ بَيْنَ أَهْلِ الْقَرْيَةِ كَمَا يُنَصِّبُهُ الْإِمَامُ وَنَائِبُهُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الشَّيْخِ الْمَذْكُورِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا بَلْ لَوْ لَمْ يَكُنْ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ شَيْخٌ وَلَا كَبِيرٌ يَرْجِعُونَ إلَيْهِ فَلَهُمْ أَنْ يُنَصِّبُوا قَاضِيًا يَقْضِي بَيْنَهُمْ وَيَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ وَتَنْفُذُ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَفْتَى بِذَلِكَ كُلِّهِ الشَّيْخُ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عُجَيْلٍ الْيَمَنِيُّ فِيمَا وَقَفْت عَلَيْهِ لَهُ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَنْصُوبِ الْمَذْكُورِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَاضِي وَالشُّرُوطُ الْمُعْتَبَرَةُ مَفْقُودَةٌ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ مِنْ قَبْلِهِ بِدَهْرٍ طَوِيلٍ. وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي وَسِيطِهِ وَحَكَاهُ عَنْهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّ مَنْ وَلَّاهُ ذُو شَوْكَةٍ نَفَذَ حُكْمُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا أَوْ فَاسِقًا لِلضَّرُورَةِ. وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِهَذَا الزَّمَانِ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْحَاوِي الصَّغِيرِ وَإِنْ تَعَذَّرَ مَنْ وَلَّاهُ ذُو شَوْكَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. اهـ. قَالَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِبَارَةُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي إذَا خَلَا بَلَدٌ عَنْ قَاضٍ وَخَلَا الْعَصْرُ عَنْ إمَامٍ فَقَلَّدَ أَهْلُ الِاخْتِيَارِ أَوْ بَعْضُهُمْ بِرِضَا الْبَاقِينَ وَاحِدًا وَأَمْكَنَهُمْ نُصْرَتُهُ وَتَقْوِيَةُ يَدِهِ جَازَ تَقْلِيدُهُ وَلَوْ انْتَفَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ تَقْلِيدُهُ كَذَا قَالَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ. قَالَ جَدِّي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَسُئِلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ رَجُلٍ فِي بِلَادٍ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ هَلْ يَجُوزُ حُكْمُهُ إذَا حَكَّمَهُ الْخَصْمَانِ فَأَجَابَ إذَا حَكَّمَهُ الْخَصْمَانِ وَرَضِيَا بِحُكْمِهِ وَكَانَ أَهْلًا لِلْحُكْمِ جَازَ وَنَفَذَ حُكْمُهُ وَسُئِلَ أَيْضًا بَعْضُ عُلَمَاءِ مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ عَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ إمَامٌ مُوَلًّى وَرَضِيَتْ الْعَامَّةُ بِأَحْكَامِ رَجُلٍ عِنْدَهُمْ أَيَلْزَمُ حُكْمُهُ أَمْ لَا بُدَّ مِنْ التَّوْلِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْحَاكِمِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ حَاكِمٌ مِنْ جِهَةِ السُّلْطَانِ وَلَا أَمِينِهِ هَلْ تَنْفُذُ أَحْكَامُ مَنْ رَضُوا بِهِ أَمْ لَا؟ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْبَلَدِ قَاضٍ وَكَانَ فِيهَا رَجُلٌ عَالِمٌ أَوْ عَدْلٌ ثِقَةٌ مَرْضِيٌّ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاكِمِ وَتَرَاضَى بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ وَنَصَّبُوهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِالشَّرْعِ فَأَحْكَامُهُ وَتَصَرُّفَاتُهُ فِي ذَلِكَ نَافِذَةٌ وَأَنْ يَكُونَ عَدْلًا لَا يَظْلِمُهُمْ. اهـ. جَوَابُهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ إذَا تَأَمَّلْت هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ وَجَدْتَ فِيهَا شُرُوطًا لَا تُوجَدُ فِيك وَلَا فِي الْمُوَلِّينَ فَلَا حَاجَةَ بِك إلَى الدُّخُولِ فِي وَرْطَةِ ذَلِكَ فَإِنَّ الَّذِينَ يُوَلُّونَك لَيْسُوا أَهْلَ شَوْكَةٍ وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى تَنْفِيذِ أَحْكَامِك وَإِنَّمَا يَأْخُذُونَ مِنْهَا مَا وَافَقَ أَغْرَاضَهُمْ وَمَا لَا يُوَافِقُهَا أَعْرَضُوا عَنْهُ وَيَسْتَحِيلُ فِيهِمْ بِمُقْتَضَى الْعَادَةِ اجْتِمَاعُهُمْ عَلَى كَلِمَةِ الْحَقِّ كَمَا هُوَ مُشَاهَدٌ مِنْ أَهْلِ بَجِيلَةَ وَنَوَاحِيهَا فَالْحَذَرُ أَنْ تَدْخُلَ فِي أُمُورِهِمْ إلَّا دُخُولَ السَّلَامَةِ بِأَنْ تَكُونَ مُصْلِحًا أَوْ يُحَكِّمَك الْخَصْمَانِ فِي أَمْرٍ ظَاهِرٍ مَعْلُومٍ مِنْ الْمَذْهَبِ بِالضَّرُورَةِ فَلَا بَأْسَ بِحُكْمِك بَيْنَهُمْ حِينَئِذٍ وَأَمَّا مَا عَدَا ذَلِكَ فَاحْذَرْ الدُّخُولَ فِيهِ إنْ أَرَدْت السَّلَامَةَ لِدِينِك وَاَللَّهُ يُوَفِّقُنَا وَإِيَّاكَ لِمَرْضَاتِهِ آمِينَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا كَانَ أَهْلُ نَاحِيَةٍ الْأَزْوَاجُ بِهَا وَالْأَوْلِيَاءُ لَا يُحْسِنُونَ عَقْدَ الْأَنْكِحَةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَلَا يَهْتَدُونَ إلَى اللَّفْظِ الْمُوصِلِ إلَى حِلِّ الْمُنَاكَحَةِ وَلَا يَعْرِفُونَ الشَّرَائِطَ وَالْأَرْكَانَ وَنَصَبَ الْقَاضِي بِتِلْكَ النَّاحِيَةِ عَلَيْهِمْ مَنْصُوبًا يَلْفِظُ الزَّوْجَ وَالْوَلِيَّ عِنْدَ إرَادَةِ التَّنَاكُحِ الْأَلْفَاظَ الْمُوصِلَةَ إلَى حِلِّ الْمُنَاكَحَةِ وَيَسْمَعُ بَيِّنَةَ مَنْ ادَّعَتْ طَلَاقًا مِنْ زَوْجٍ مُعَيَّنٍ وَيُحَلِّفُ مَنْ ادَّعَتْ أَنَّهَا خَلِيَّةٌ مِنْ الزَّوْجِ وَالْعِدَّةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الدِّينِيَّةِ وَنَهَى أَنْ يَتَعَاطَى أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ذَلِكَ غَيْرَ مَنْصُوبِهِ لِأَنَّ فِيهِ نَوْعُ وِلَايَةٍ مِنْ حَيْثُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّحْلِيفِ وَغَيْرِهِمَا فَهَلْ يَجُوزُ لِبَعْضِ الْآحَادِ مِنْ الْمُتَفَقِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ مُجَاهَرَةُ الْقَاضِي بِالْمُخَالَفَةِ وَتَعَاطِي ذَلِكَ اسْتِبْدَادًا مِنْهُمْ بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِالنَّهْيِ وَهَلْ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ لِلْإِيذَاءِ وَالْمُجَاهَرَةِ وَلِأَنَّهُ تَعَاطَى شَيْئًا لَمْ يَجُزْ لَهُ تَعَاطِيهِ كَمَا جَازَ تَعْزِيرُ مَنْ خَالَفَ تَسْعِيرَ الْإِمَامِ وَهَلْ يَكُونُ هَذَا أَوْلَى بِالتَّعْزِيرِ مِنْ مُخَالِفِ التَّسْعِيرِ لِأَنَّ فِي هَذَا مَصْلَحَةً عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ وَلَا يُتَعَاطَى مِثْلُهُ إلَّا بِوِلَايَةٍ مِنْ حَيْثُ سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَالتَّحْلِيفِ وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ أَيْضًا تَضْيِيقٌ عَلَى أَحَدٍ بِخِلَافِ مُخَالِفِ التَّسْعِيرِ فَإِنَّهُ جَازَ تَعْزِيرُهُ

стр. 1269

لِلْمُجَاهَرَةِ بِالْمُخَالَفَةِ مَعَ أَنَّ التَّسْعِيرَ حَرَامٌ وَفِيهِ نَوْعُ تَضْيِيقٍ عَلَى النَّاسِ فِي أَمْوَالِهِمْ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ تَعَاطَى ذَلِكَ الْمُتَفَقِّهُ أَوْ غَيْرُهُ عَقْدَ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهَا أَوْ عَقْدَ مَنْ يَتَوَقَّفُ عَقْدُهَا عَلَى بَيِّنَةٍ أَوْ حَلِفٍ مِنْ غَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي أَوْ السُّلْطَانِ عُزِّرَ عَلَى ذَلِكَ التَّعْزِيرِ الْبَلِيغِ وَإِنْ لَمْ يَنْهَهُ الْقَاضِي عَنْ ذَلِكَ أَوْ عَقْدَ مَنْ لَهَا وَلِيٌّ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَقْدُهَا عَلَى بَيِّنَةٍ وَلَا حَلِفٍ فَإِنْ نَهَاهُ السُّلْطَانُ أَوْ الْقَاضِي وَقَدْ أَذِنَ لَهُ السُّلْطَانُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ عُزِّرَ أَيْضًا وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْوَلِيُّ أَوْ أَذِنَتْ لَهُ الْمُوَلِّيَةُ وَإِنْ لَمْ يَنْهَ السُّلْطَانُ وَلَا أَذِنَ لِلْقَاضِي فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ لَمْ يُعْتَبَرْ نَهْيُ الْقَاضِي لِأَنَّ الْقَاضِيَ مُتَعَدٍّ بِالنَّهْيِ حِينَئِذٍ وَلَيْسَ فِي مُخَالَفَتِهِ شَقٌّ لِلْعَصَا وَلَا خَشْيَةُ فِتْنَةٍ فَلَيْسَ هُوَ فِي مَعْنَى الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُلْحَقَ بِهِ فِيهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ بِأَدْنَى تَأَمُّلٍ وَدَعْوَى أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ النَّاحِيَةِ لَا يُحْسِنُونَ الْعَقْدَ لَا يُفِيدُ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي مُتَفَقِّهٍ يُحْسِنُ ذَلِكَ وَقَدْ وَكَّلَهُ الْوَلِيُّ فِي الْعَقْدِ بِشَرْطِهِ أَوْ لَقَّنَ كُلًّا مِنْ الْوَلِيِّ وَالزَّوْجِ اللَّفْظَ الْوَاجِبَ فِي الْعَقْدِ وَإِذَا كَانَ هَذَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ فَنَهْيُ الْقَاضِي مِثْلَ هَذَا عَمَّا ذُكِرَ حَرَامٌ عَلَيْهِ يَأْثَمُ بِهِ وَلَعَلَّ سَبَبَهُ مَا اُعْتِيدَ الْآنَ مِنْ جَهَلَةِ الْقُضَاةِ أَنَّهُمْ يُرَتِّبُونَ عَلَى الْعُقُودِ دَرَاهِمَ يَأْخُذُونَهَا مِنْ الزَّوْجِ وَمَعْلُومٌ إجْمَاعًا أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ يَفْسُقُ بِهِ الْقَاضِي وَيَنْعَزِلُ بِهِ وَلَقَدْ بَحَثَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْقَاضِيَ إذَا كَانَ كَذَلِكَ جَازَ لِلزَّوْجَةِ الَّتِي لَا وَلِيَّ لَهَا وَلِلزَّوْجِ أَنْ يُحَكِّمَا عَدْلًا يُزَوِّجُهَا بِهِ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ الْقَاضِي الْمَذْكُورِ وَأَنَّ وُجُودَهُ كَفَقْدِهِ وَإِنَّ هَذَا لَيْسَ هُوَ مَحَلَّ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَشْهُورَةِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِهِ ﷺ «مَنْ طَلَبَ قَضَاءَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يَنَالَهُ فَغَلَبَ عَدْلُهُ جَوْرَهُ فَلَهُ الْجَنَّةُ» قَضَى لَهُ ﵊ بِأَغْلَبِ حَالَيْهِ وَالْفُقَهَاءُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَمْ يَقْضُوا لِلشَّخْصِ بِأَغْلَبِ حَالَيْهِ إلَّا فِي الصَّغَائِرِ وَأَمَّا غَيْرُهَا فَقَالُوا إنَّ الْقَاضِيَ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُخَالِفُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ الْعُمُومُ وَقَرِيبٌ مِنْ الْحَدِيثِ أَوْ فِي مَعْنَاهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَدْ تُكَفِّرُ الصَّلَاةُ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَصَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَالْوُضُوءُ بَعْضَ الْكَبَائِرِ إذَا لَمْ تَجِدْ صَغِيرَةً وَكَذَلِكَ الْعُبَابُ فِي الشَّهَادَاتِ قَالَ خَاتِمَةٌ قَدْ تُمْحَى الصَّغَائِرُ بِلَا تَوْبَةٍ بَلْ بِصَلَاةِ الْخَمْسِ وَصَوْمِ رَمَضَانَ وَالِاسْتِغْفَارِ وَاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَقَدْ يَمْحُو نَحْوُ الصَّلَاةِ بَعْضَ الْكَبَائِرِ إذَا لَمْ يَجِدْ صَغِيرَةً بِأَنْ كَفَّرَهَا غَيْرُهَا. وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَرَى ذَلِكَ بَلْ يَقُولُ إنَّ الْكَبِيرَةَ لَا يُكَفِّرُهَا إلَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا وَلَا تَعُودُ الْعَدَالَةُ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ بِسَنَةٍ وَإِنْ غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ لَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا وَلَا سَنَدًا فِي كُتُبِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي عَلَيْهَا الْمُعْتَمَدُ بَلْ فِي الْأَحَادِيثِ الْكَثِيرَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ عَذَابِ الْجَائِرِ وَقَبِيحِ فِعَالِهِ وَعَظَمَةِ عِقَابِهِ سَوَاءٌ أَغَلَبَ جَوْرَهُ عَدْلُهُ أَمْ لَا. وَحِينَئِذٍ فَلَا يَرِدُ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ لِأَنَّهُ بِنَاهُ عَلَى أَنَّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْلًا صَحِيحًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ وَلَّاهُ صَاحِبُ مِصْرٍ الْمُوَلَّى مِنْ قِبَلِ السُّلْطَانِ الْمُفَوَّضُ إلَيْهِ إعْطَاءُ الْمَنَاصِبِ مَنْصِبًا ثُمَّ وَلَّى السُّلْطَانُ آخَرَ فِي ذَلِكَ الْمَنْصِبِ فَمَنْ الْمُقَدَّمُ مَعَ أَنَّ السُّلْطَانَ لَمْ يُصَرِّحْ بِعَزْلِ الْأَوَّلِ وَهَلْ إذَا كَانَ الْعُرْفُ إلَّا تَأَخَّرَ تَارِيخُ مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ يَقْتَضِي تَقَدُّمَهُ يُعْمَلُ بِهِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا اطَّرَدَتْ الْعَادَةُ بِأَنَّ ذَلِكَ الْمَنْصِبَ لَا يُوَلَّى فِيهِ إلَّا وَاحِدٌ كَانَتْ التَّوْلِيَةُ الثَّانِيَةُ رَافِعَةً لِلْأُولَى وَإِنْ اتَّحَدَ الْمُوَلِّي سَوَاءٌ أَصَرَّحَ بِعَزْلِ الْأَوَّلِ أَمْ لَا وَإِنْ لَمْ تَطَّرِدْ بِذَلِكَ عَادَةٌ أَوْ اطَّرَدَتْ بِأَنَّ مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ وَلَّاهُ غَيْرُهُ قُدِّمَ مَنْ وَلَّاهُ السُّلْطَانُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِالْمَدِينَةِ الْمُشَرَّفَةِ عَلَى مُشَرِّفِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ ثَانِيَ شَوَّالٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَتِسْعِمِائَةٍ عَنْ امْرَأَةٍ عَامِّيَّةٍ تَزْعُمُ أَنَّهَا شَافِعِيَّةٌ تَزَوَّجَتْ بِمُحَلِّلٍ وَذَكَرَتْ أَنَّ أَحَدَ شُهُودِ عَقْدِهَا قَالَ حَالَةَ الْعَقْدِ زَوِّجِي نَفْسَك مِنْهُ عَلَى كَذَا كَذَا دِينَارًا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَنَّهَا عَلِمَتْ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَتْهُ وَرَضِيَتْ بِهِ فَزَوَّجَتْ نَفْسَهَا مِنْهُ وَقَبِلَ وَعِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْحَشَفَةِ حَصَلَ بَعْضُ انْتِشَارٍ لَهُ وَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِلشُّهُودِ وَذُهِلَ الشُّهُودُ عَنْ

стр. 1270

اسْتِحْضَارِ ذِكْرِ مَا ذَكَرَتْهُ مِنْ أَنَّ أَحَدَهُمَا ذَكَرَهُ لَهَا فَهَلْ الْقَوْلُ قَوْلُهَا وَيُكْتَفَى بِعِلْمِهَا بِمَا عُقِدَ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِ الْعَقْدِ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَذْكُورِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ لَهَا بِلَفْظِ التَّقْلِيدِ وَلَمْ تَعْلَمْ شُرُوطَهُ وَهَلْ تَقْلِيدُ الْعَوَامّ إلَّا هَذَا وَهَلْ يَضُرُّ ذُهُولُ الشُّهُودِ عَمَّا ذَكَرَتْهُ مَعَ جَزْمِهَا بِاسْتِحْضَارِهِ وَسَمَاعِهِ وَيُكْتَفَى بِيَسِيرِ الِانْتِشَارِ وَتَحِلُّ لِلزَّوْجِ مَعَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا بِمَا ذُكِرَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا قَصَدَتْ هِيَ وَالزَّوْجُ الْعَمَلَ بِذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كَانَ ذَلِكَ تَقْلِيدًا لَهُ فَحِينَئِذٍ يُعْتَبَرُ وُجُودُ شُرُوطِ الْعَقْدِ فِي مَذْهَبِهِ وَكَذَا شُرُوطُ وَطْءِ الْمُحَلِّلِ وَتَوَابِعُهُ فَإِذَا وُجِدَتْ كُلُّهَا وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّهَا شُرُوطٌ حَلَّتْ لِزَوْجِهَا الْأَوَّلِ إنْ قَلَّدَا أَبَا حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَيْضًا وَيَلْزَمُهُ الِاسْتِمْرَارُ عَلَى تَقْلِيدِهِ مَا دَامَتْ هَذِهِ الْمَرْأَةُ فِي عِصْمَتِهِ وَيَلْزَمُ أَيْضًا رِعَايَةُ عَدَمِ التَّلْفِيقِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَهَا ثَانِيًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ وَإِنْ كَانَ شَافِعِيًّا أُخْتُهَا وَلَا أَرْبَعٌ سِوَاهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا مِنْهُ وَعَلَى هَذَا الْمِثَالِ يُقَاسُ مَا أَشْبَهَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ جَمَاعَةٍ تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مَدْرَسَةٌ مِنْ مَدَارِسِ زَبِيدٍ يُبَاشِرُونَ وَظَائِفَهَا وَيَقْبِضُونَ غَلَّاتِهَا فَجَاءَ مَنْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ فَتَدَاعَوْا بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الْقُضَاةِ الشَّافِعِيَّةِ فَادَّعَوْا بِأَنَّ هَذِهِ الْمَدْرَسَةَ بَنَاهَا فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ وَوَقَفَ عَلَيْهَا هَذِهِ الْأَرَاضِي وَجَعَلَ النَّظَرَ وَالْوَظَائِفَ لِفُلَانٍ وَذُرِّيَّتِهِ وَهُوَ جَدُّ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ الَّذِينَ بِيَدِهِمْ الْمَدْرَسَةُ؟ فَأَجَابَ الْمُنَازِعُ لَهُمْ بِالْإِنْكَارِ فَأَثْبَتُوا بِالطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ مُدَّعَاهُمْ بِالْبَيِّنَةِ الْعَادِلَةِ الَّتِي شَهِدَتْ لَهُمْ عَلَى وَفْقِ دَعْوَاهُمْ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ الْقَاضِي وَاسْتَنَدُوا فِي ذَلِكَ إلَى الشُّهْرَةِ وَالِاسْتِفَاضَةِ لِكَوْنِ الْوَقْفِ الْمَذْكُورِ قَدِيمَ الْعَهْدِ مَعْدُومَ الرَّسْمِ فَكَتَبَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ لَهُمْ سِجِلًّا حُكْمِيًّا بِذَلِكَ وَحَكَمَ لَهُمْ بِمَا فِيهِ وَأَشْهَدَ جَمَاعَةَ مَجْلِسِهِ عَلَى ذَلِكَ فَجَاءَ هَذَا الْمُنَازِعُ بِبَعْضِ كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَفِيهِ أَنَّ بَيْنَ مَوْتِ الْوَاقِفِ وَمَوْتِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَعَلَى ذُرِّيَّتِهِ فَرْقًا كَبِيرًا وَذَلِكَ بِأَنَّ الْمُؤَرِّخَ نَقَلَ أَنَّ الْوَاقِفَ تُوُفِّيَ فِي أَثْنَاءِ سَبْعِمِائَةٍ وَالْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ تُوُفِّيَ فِي أَثْنَاءِ سَنَةِ ثَمَانِمِائَةٍ فَأَرَادَ الْقَاضِي الْمَذْكُورُ أَنْ يَنْقُضَ حُكْمَهُ السَّابِقَ بِمُجَرَّدِ مَا نُقِلَ عَنْ ذَلِكَ الْمُؤَرِّخِ فَهَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا وَهَلْ يُعَارِضُ أَخْبَارُ التَّوَارِيخِ الْبَيِّنَاتِ الْعَادِلَةَ وَتَتَرَجَّحُ عَلَيْهَا أَمْ لَا؟ بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ. (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِهِ بِقَوْلِهِ الْكَلَامُ عَلَى هَذِهِ الْوَاقِعَةِ يَسْتَدْعِي تَحْرِيرًا فَإِنَّ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ أَنَّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِمْ هُمْ وَاضِعُو الْيَدِ وَأَنَّ الْخَارِجَ أَجَابَ بِالْإِنْكَارِ عَجِيبٌ إذْ كَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ ذِي الْيَدِ أَنْ تُسْمَعَ لَهُ دَعْوَى عَلَى خَارِجٍ لَا يَدَ لَهُ بِمَا ذُكِرَ مَعَ أَنَّ شَرْطَ الدَّعْوَى أَنْ تَكُونَ مُلْزِمَةً وَلَا إلْزَامَ هُنَا وَفَرْضٌ مُصَحِّحٌ لِدَعْوَاهُمْ بِأَنْ يَقُولُوا إنَّهُ يُلَازِمُنَا وَيَمْنَعُنَا مِنْ اشْتِغَالِنَا لَا يَتَأَتَّى هُنَا مَعَ مَا ذُكِرَ فِي السُّؤَالِ أَنَّ الْخَارِجَ أَجَابَ بِإِنْكَارِ اسْتِحْقَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُمْ هَذَا دَعْوَى أُخْرَى فَإِذَا أَنْكَرَهَا قُبِلَ قَوْلُهُ وَلَمْ تُسْمَعْ مِنْهُمْ بَيِّنَةٌ بِاسْتِحْقَاقٍ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَيْهَا الْآنَ بَلْ لَا يُطَابِقُ دَعْوَاهُمْ فَعُلِمَ أَنَّ الْوَاقِعَ إنْ كَانَ كَمَا ذُكِرَ أَوْ لَا مِنْ دَعْوَى وَاضِعِي الْيَدِ فَالدَّعْوَى بَاطِلَةٌ. وَمَا تَرَتَّبَ عَلَيْهَا مِنْ الْحُكْمِ كَذَلِكَ فَتَبْقَى الْأَرْضُ بِيَدِ مَنْ هِيَ بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ بِأَنْ ادَّعَى خَارِجٌ عَلَى ذِي الْيَدِ بِأَنَّهُ الْمَالِكُ لِلرَّقَبَةِ أَوْ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمَنْفَعَةِ الْآنَ بِمُقْتَضَى كَذَا وَطَالَبَهُمْ بِرَفْعِ أَيْدِيهِمْ فَأَجَابُوا بِأَنَّهُمْ الْمُسْتَحِقُّونَ لِلْمَنْفَعَةِ فَأَنْكَرَ فَأَقَامُوا بَيِّنَةً وَشَرَطَ الْوَاقِفُ النَّظَرَ وَالِاسْتِحْقَاقَ لِجَدِّهِمْ وَذُرِّيَّتِهِ وَبِأَنَّهُمْ مِنْ تِلْكَ الذُّرِّيَّةِ وَلَمْ تَذْكُرْ الْبَيِّنَةُ أَنَّ مُسْتَنَدَهَا الِاسْتِفَاضَةُ أَوْ ذَكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْجَزْمِ لَا الشَّكِّ عَلَى خِلَافٍ فِيهِ فَحَكَمَ الْقَاضِي بِهَا صَحَّ حُكْمُهُ وَلَمْ يَجُزْ لَهُ وَلَا لِغَيْرِهِ نَقْضُهُ لِشَيْءٍ وَجَدَهُ مُخَالِفًا فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ وَفِي الرَّوْضَةِ كَالْإِحْيَاءِ أَنَّ كُتُبَ التَّوَارِيخِ لَا تَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ. وَالْعَجَبُ مَنْ تَوَهُّمِ هَذَا الْقَاضِي ذَلِكَ إذْ هَذَا لَا يَصْدُرُ إلَّا مِمَّنْ لَمْ يَشَمَّ لِكَلَامِ الشَّافِعِيَّةِ رَائِحَةً وَكَانَتْ أَمَارَاتُ الْجَهْلِ وَالتَّسَاهُلِ فِي الدِّينِ عَلَيْهِ لَائِحَةً وَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ مُتَوَهِّمٌ مَعَ اتِّفَاقِ أَئِمَّتِهِ عَلَى أَنَّ الْخَطَّ لَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُقْضَى بِمَا فِيهِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ إنْسَانٌ فِي وَاقِعَةٍ وَدَوَّنَهَا بِخَطِّهِ وَحَفِظَهُ عِنْدَهُ حِفْظًا تَامًّا بِحَيْثُ يَقْطَعُ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَزْوِيرُ شَيْءٍ فِيهِ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ مُعْتَمِدًا عَلَى خَطِّهِ حَتَّى يَتَذَكَّرَ

стр. 1271

الْوَاقِعَةَ أَيْ لِأَنَّ دَلَالَةَ الْخَطِّ ضَعِيفَةٌ مُحْتَمِلَةٌ فَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُهَا فِي الشَّهَادَاتِ وَنَحْوِهَا مَعَ قَوْلِهِ ﷺ «عَلَى مِثْلِ هَذِهِ فَاشْهَدْ» فَيَا لِلَّهِ الْعَجَبُ مِمَّنْ عَرَفَ ذَلِكَ مِنْ مُخْتَصَرَاتِ مَذْهَبِهِ الَّتِي بِأَيْدِي الْمُبْتَدَئِينَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا كَيْفَ يَتَوَهَّمُ أَنَّ حُكْمًا صَحَّ لِاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ يُنْقَضُ لِشَيْءٍ وُجِدَ مُخَالِفًا لَهُ لَا يُقَاوِمُهُ وَلَا يُعَارِضُهُ تَاللَّهِ لَا يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ إلَّا غَبِيٌّ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ وَضَعُفَ عَقْلُهُ وَتَقْوَاهُ عَلَى أَنَّا لَوْ تَنَزَّلْنَا. وَقُلْنَا إنَّ تِلْكَ التَّوَارِيخَ يُعْمَلُ بِهَا فِي ذَلِكَ لَمْ يُعْمَلْ بِهَا فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ جَزْمًا لِأَنَّهَا لَا تُنَافِي مَا حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي لِأَنَّ غَايَةَ مَا بَيْنَ تَارِيخِ وَفَاةِ الْوَاقِفِ وَوَفَاةِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ مِائَةُ سَنَةٍ وَنَحْوُ سَنَةٍ وَهَذَا لَا يَقْتَضِي أَنَّ وِلَادَةَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ تَأَخَّرَتْ عَنْ وَفَاةِ الْوَاقِفِ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الْمَوْقُوفَ عَلَيْهِ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَنَتَيْنِ وَهَذَا كَثِيرٌ بَلْ قَدْ رَأَيْنَا مَنْ جَاوَزَ الْمِائَةَ وَالْعِشْرِينَ وَمِنْهُمْ جَدِّي أَبُو أَبِي وَشَيْخُنَا وَلِيُّ اللَّهِ ذُو الْكَرَامَاتِ الْبَاهِرَةِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْحَمَائِلِ وَشَيْخُنَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ زَكَرِيَّا سَقَى اللَّهُ تَعَالَى عَهْدَهُ جَاوَزَ الْمِائَةَ بَلْ فِي الصَّحَابَةِ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ - أَجْمَعِينَ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ عَاشُوا مِائَةً وَسِتِّينَ سَنَةً بَلْ سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - جَاوَزَ الْمِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً اتِّفَاقًا عَلَى مَا نَقَلَهُ أَبُو الشَّيْخِ. وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الزَّائِدِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قِيلَ إنَّهُ عَاشَ سِتَّمِائَةِ سَنَةٍ وَقَوْلُ الذَّهَبِيِّ لَمْ يُجَاوِزْ الثَّمَانِينَ فِيمَا ظَهَرَ لَهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ وَقَدْ رَأَيْنَا بِمَكَّةَ مِنْ مُنْذُ سِنِينَ رَجُلًا هِنْدِيًّا يَزْعُمُ أَنَّ سِنَّهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَخَمْسُونَ سَنَةً وَأَنَّهُ مِنْ خَدَمَةِ رَتَنَ الْهِنْدِيِّ الْمُدَّعَى أَنَّهُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَنَّهُ حَمَلَ النَّبِيَّ ﷺ وَحَمَلَهُ حَتَّى جَاوَزَ بِهِ سَبِيلًا قُرَيْبَ جُدَّةَ وَأَنَّهُ وَفَدَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً بِمَكَّةَ وَمَرَّةً بِالْمَدِينَةِ وَانْتَصَرَ لَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ زَاعِمًا عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ تَابِعِيٌّ لِاجْتِمَاعِهِ بِهَذَا الصَّحَابِيِّ لَكِنْ بَالَغَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ فِي تَكْذِيبِ رَتَنَ فِي دَعْوَاهُ تِلْكَ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا اسْتِحَالَةَ وَلَا بُعْدَ فِي أَنَّ الشَّخْصَ يَعِيشُ مِائَةَ سَنَةٍ وَسَنَةٍ فَأَكْثَرَ لَمْ يَكُنْ مَا فِي تِلْكَ التَّوَارِيخِ مُنَافِيًا لِذَلِكَ الْحُكْمَ وَلَا مُعَارِضًا لَهُ بِوَجْهٍ فَتَوَهُّمُ الْقَاضِي أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ تِلْكَ التَّوَارِيخِ يُنَافِي حُكْمَهُ وَيَقْتَضِي نَقْضَهُ ذُهُولٌ عَجِيبٌ وَتَغَفُّلٌ مُرِيبٌ هَذَا كُلُّهُ إذَا تَنَزَّلْنَا. وَقُلْنَا بِمَا لَا يَقُولُ بِهِ شَافِعِيٌّ أَنَّ مَا فِي التَّوَارِيخِ يُعَارِضُ أَحْكَامَ الْقُضَاةِ الصَّحِيحَةِ بِالْبَيِّنَاتِ الْعَادِلَةِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْحُكْمُ بِالصِّحَّةِ وَالْحُكْمُ بِالْمُوجَبِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُطْلِقُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ عِلْمَ التَّارِيخِ لَا يَنْفَعُ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ مَعَ قَوْلِ الثَّوْرِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَاهِيَك بِهِ جَلَالَةً وَتَقَدُّمًا لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمْ التَّارِيخَ وَقَوْلِ حَسَّانِ بْنِ يَزِيدَ لَمْ يُسْتَعَنْ عَلَى الْكَذَّابِينَ بِمِثْلِ التَّارِيخِ. وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدِمَهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ أَمَرَ بِالتَّارِيخِ» وَقَوْلِ الْمُحَدِّثِينَ إنَّ التَّارِيخَ فَنٌّ عَظِيمُ الْوَقْعِ جَلِيلُ النَّفْعِ وَضَعْنَاهُ لِنَخْتَبِرَ بِهِ مَنْ جَهِلْنَا لَمَّا كَثُرَ الْكَذَّابُونَ حَتَّى ظَهَرَ بِهِ كَذِبُهُمْ وَبَطَلَ قَوْلُهُمْ الَّذِي يُرَوِّجُونَ بِهِ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ لَهُ بِالتَّارِيخِ كَمَا وَقَعَ لِجَمَاعَةٍ أَنَّهُمْ زَعَمُوا لِقَاءَ الْأَكَابِرِ وَأَخَذُوا عَنْهُمْ فَبُحِثَ عَنْ سِنِّ مَوْلِدِهِمْ وَوَفَاةِ أُولَئِكَ فَرُئِيَ بَيْنَهُمَا بَوْنٌ بَائِنٌ فَافْتُضِحُوا بِذَلِكَ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ وَقَوْلِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وُلِعَ بَعْضُ مَنْ لَا يُعْبَأُ بِهِ بِكَلَامِ الرَّوْضَةِ وَالْإِحْيَاءِ فِي ذَمِّ مُطْلَقِ التَّارِيخِ فَأَخْطَأَ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ إذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلْوُقُوفِ عَلَى اتِّصَالِ الْخَبَرِ وَشِبْهِهِ قُلْت هَذَا كُلُّهُ فِي وَادٍ وَكَلَامُ الْفُقَهَاءِ فِي وَادٍ آخَرَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا بَلْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ أَوْسَعُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ فَلَا يَلْزَمُ مَنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا فِي التَّوَارِيخِ الْمُعْتَمَدَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ مُؤَلِّفِيهَا الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ الْمُتَّصِلَةِ بِالْأَسَانِيدِ الصَّحِيحَةِ مِنْ تَكْذِيبِ رَاوٍ فِي دَعْوَاهُ أَوْ جَرْحِهِ أَوْ تَعْدِيلِهِ أَوْ تَدْلِيسِهِ أَوْ انْقِطَاعِهِ أَوْ إرْسَالِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِمَا فِيهَا عَلَى بُطْلَانِ حُكْمِ قَاضٍ بِبَيِّنَةٍ شَرْعِيَّةٍ عَادِلَةٍ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمَحْكُومِ لَهُ وَنَفَذَ الْحُكْمُ لَهُ بِذَلِكَ ظَاهِرًا مُطْلَقًا وَبَاطِنًا كَذَلِكَ عِنْدَ جَمْعٍ مُجْتَهِدِينَ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُوَافِقَ بَاطِنُ الْأَمْرِ ظَاهِرَهُ عِنْدَنَا فَلَا يُرْفَعُ إلَّا بِمَا يُعَادِلُ ذَلِكَ كَبَيِّنَةٍ أُخْرَى مُسْتَوْفِيَةٍ لِشُرُوطِ الْبَيِّنَاتِ وَالتَّعَارُضِ شَهِدَتْ بِمَا يَقْتَضِي بُطْلَانَ ذَلِكَ الْحُكْمِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَرْفَعُهُ. وَأَمَّا مُجَرَّدُ شَيْءٍ يُوجَدُ فِي تَارِيخٍ أَوْ تَوَارِيخَ فَذَلِكَ

стр. 1272

لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْبَيِّنَاتِ فِي شَيْءٍ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي تَقْوِيَةِ سَنَدٍ أَوْ ضَعْفِهِ أَوْ عَدَالَةٍ أَوْ جَرْحٍ أَوْ نَحْوِهَا وَكُلُّ هَذِهِ لِلْقَرَائِنِ فِيهَا مَدْخَلٌ لِأَنَّ مَدَارَهَا وَمَبْنَاهَا لَيْسَ إلَّا عَلَى الْقَرَائِنِ كَمَا لَا يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى مَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِمَعْلُومِ الْحَدِيثِ وَاصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُ التَّارِيخِ وَالْمُسْتَدِلُّونَ بِهِ وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَلَا مَدْخَلَ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ فِي قَوَاعِدِهِمْ الْمُقَرَّرَةِ فِي أَحْكَامِ الْقُضَاةِ وَالشُّهُودِ وَنَحْوِهِمَا وَقَوْلُ الرَّوْضَةِ وَالْإِحْيَاءِ السَّابِقُ مِنْ الْوَاضِحِ أَنَّهُ مَفْرُوضٌ فِي تَوَارِيخَ لَيْسَ فِيهَا إلَّا مُجَرَّدُ ذِكْرِ حَوَادِثَ وَوَقَائِعَ لَا يَرْتَبِطُ بِهَا نَفْعٌ فِي الدِّينِ وَلَا فِي الدُّنْيَا. وَأَمَّا تَوَارِيخُ الْمُحَدِّثِينَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ نَحْوِ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَوَفَيَاتِ الرُّوَاةِ وَرَحَلَاتِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَهِيَ مِنْ أَجَلِّ الْكُتُبِ النَّافِعَةِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُحَدِّثُونَ وَالنَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْهُمْ بَلْ مِنْ أَجَلِّهِمْ كَمَا شَهِدَ بِذَلِكَ تَقْرِيبُهُ وَغَيْرُهُ فَإِنْ قُلْت قَدْ اُسْتُدِلَّ بِالتَّارِيخِ فِي مِثْلِ قَضِيَّتِنَا فَقَدْ حَكَى الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ أَنَّ بَعْضَ يَهُودِ خَيْبَرَ أَظْهَرَ صَحِيفَةً فِيهَا إسْقَاطُ الْجِزْيَةِ عَنْهُمْ وَفِيهَا شَهَادَةُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بِذَلِكَ فَنَظَرَ الْأَئِمَّةُ فِي حَالِ أُولَئِكَ الشُّهُودِ فَوَجَدُوا بَعْضَهُمْ قَدْ مَاتَ قَبْلَ فَتْحِ خَيْبَرَ كَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبَعْضُهُمْ مَا أَسْلَمَ إلَّا بَعْدَ فَتْحِ خَيْبَرَ فَأُبْطِلَتْ تِلْكَ الصَّحِيفَةُ قُلْت شَتَّانَ مَا بَيْنَ هَذِهِ وَقَضِيَّتِنَا لِأَنَّ هَذِهِ مِنْ بَابِ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ﷺ أَنَّهُ أَسْقَطَ الْجِزْيَةَ عَنْهُمْ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُعْمَلُ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقَرَائِنِ وَقَضِيَّتُنَا مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّا لَا نُسَلِّمَ أَنَّ بُطْلَانَ الصَّحِيفَةِ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا حُكِيَ هَذَا لِأَنَّهُ قَرِينَةٌ فَقَطْ وَأَمَّا أَصْلُ بُطْلَانِهَا فَإِنَّمَا هُوَ لِأُصُولٍ أُخْرَى مِنْهَا مُخَالَفَتُهَا لِلْقَطْعِيِّ وَهُوَ الْإِجْمَاعُ عَلَى عُمُومِ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءٍ وَمِنْ ثَمَّ كَانَتْ صَحِيفَتُهُمْ بَاطِلَةً وَإِنْ فُرِضَ أَنَّ تِلْكَ الْقَرِينَةَ لَمْ تُوجَدْ فَبَانَ أَنَّهَا مُقَوِّيَةٌ فَقَطْ وَمِمَّا يُبْطِلُهَا أَيْضًا أَنَّهُ لَوْ فُرِضَ أَنْ لَا إجْمَاعَ أَنَّ إسْقَاطَهَا عَنْ هَؤُلَاءِ بِخُصُوصِهِمْ تَخْصِيصٌ لِلْقُرْآنِ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا بِقَاطِعٍ عِنْدَ جَمَاعَةٍ وَعَلَى مُقَابِلِ الْأَصَحِّ أَنَّهُ يَكُونُ بِالسُّنَّةِ وَلَوْ ظَنِّيَّةً يُشْتَرَطُ فِي تِلْكَ السُّنَّةِ أَنْ يَرْوِيَهَا الْعَدْلُ عَنْهُ ﷺ بِسَنَدٍ مُتَّصِلٍ عُرِفَتْ رِجَالُهُ وَعَدَالَتُهُمْ وَعَدَمُ عِلَّةٍ قَادِحَةٍ فِيهِمْ أَوْ فِي مُرُوءَتِهِمْ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الصَّحِيفَةُ لَمْ يُوجَدْ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَكَيْفَ يَتَوَهَّمُ مَنْ لَهُ أَدْنَى مُسْكَةٍ أَنَّ بُطْلَانَهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى تِلْكَ الْقَرِينَةِ حَتَّى تُجْعَلَ الْقَرِينَةُ هِيَ الْمُبْطِلَةَ لَهَا ثُمَّ يَقِيسُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ بُطْلَانَ الْحُكْمِ فِي قَضِيَّتِنَا لَا يَتَوَهَّمُ ذَلِكَ إلَّا غَبِيٌّ جَاهِلٌ عَلَى أَنَّهُ صَحَّتْ نُصُوصٌ تُبْطِلُهَا أَيْضًا فَقَدْ صَحَّ مِنْ طُرُقٍ أَنَّهُ ﷺ نَصَّ عَلَى إجْلَائِهِمْ مِنْ خَيْبَرَ بَلْ مِنْ الْحِجَازِ وَعَمِلَ بِهَا عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَأَجْلَاهُمْ وَأَخَذَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ. وَوَافَقَهُ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - عَلَى ذَلِكَ وَتَدَبَّرْهُ لِيَظْهَرَ لَك أَنَّ مَا حُكِيَ عَنْ ذَلِكَ الْقَاضِي إنْ صَحَّ عَنْهُ دَلَّ عَلَى فَرْطِ جَهْلِهِ وَقِلَّةِ دِينِهِ وَاقْتَضَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى عُلَمَاءِ بَلَدِهِ السَّعْيُ فِي عَزْلِهِ مَا أَمْكَنَ وَإِلَّا لَزِمَهُمْ الْإِعْلَامُ بِحَالِهِ حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِهِ الْجَاهِلُونَ وَتَوْلِيَةُ مِثْلِ هَذَا غَيْرُ عَجِيبٍ فَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي قُضَاةِ زَمَنِهِ إنَّهُمْ كَقَرِيبِي عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ فَالِامْتِحَانُ بِالْجَهَلَةِ قَدِيمٌ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. (وَسُئِلَ) عَمَّا إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِأَمْرٍ مُوَافِقٍ لِمَذْهَبٍ مُعْتَبَرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ الْمَذْهَبِ فَضْلًا عَنْ تَقْلِيدِهِ فَهَلْ يَتَعَيَّنُ تَنْفِيذُ أَمْرِهِ بِذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ نَعَمْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَعِبَارَتُهُ إذَا أَمَرَ السُّلْطَانُ بِأَمْرٍ مُوَافِقٍ لِمَذْهَبٍ مُعْتَبَرٍ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْمُعْتَبَرِينَ فَإِنَّا نُنَفِّذُهُ وَلَا يَجُوزُ لَنَا نَقْضُهُ وَلَا نَقُولُ يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يَعْلَمَ بِالْخِلَافِ كَغَيْرِهِ مِنْ الْحُكَّامِ لِأَنَّ الْخَوْضَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى فِتَنٍ عَظِيمَةٍ يَنْبَغِي سَدُّهَا انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ أَجَابَ بِجَوَابٍ مُعْتَرِضًا عَلَى جَوَابِ غَيْرِهِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ تَخْطِئَتُهُ وَالتَّشْنِيعُ عَلَيْهِ بِأَلْفَاظٍ قَبِيحَةٍ كَمَا يَفْعَلُهُ الْبَعْضُ سَوَاءٌ أَظَهَرَ الْخَطَأَ بِظُهُورِ النَّصِّ أَمْ كَانَ اعْتِرَاضُهُ بِحَسَبِ فَهْمِهِ أَمْ يَجُوزُ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ وَمَا هُوَ وَفِي الرَّوْضَةِ كَلَامٌ لَا يَخْفَى عَلَى شَرِيفِ عِلْمِكُمْ حَقِّقُوهُ أَثَابَكُمْ اللَّهُ بِثَوَابِهِ الْجَزِيلِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ إنْ كَانَ الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ لَيْسَ

стр. 1273

أَهْلًا لِلْإِفْتَاءِ أَوْ صَدَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْجَالِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي اسْتِبَانَةِ الْحُكْمِ فَالْمُعْتَرِضُ عَلَيْهِ مَعْذُورٌ وَإِنْ أَتَى مِنْ أَلْفَاظِ التَّنْفِيرِ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ بِمَا أَتَى لِأَنَّ بَيَانَ الْحَقِّ وَدَفْعَ غَيْرِ أَهْلِهِ عَنْ التَّعَرُّضِ لِمَا لَيْسُوا لَهُ بِأَهْلٍ وَاجِبَانِ عَلَى مُتَأَهِّلٍ لِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ أَهْلًا لِلْإِفْتَاءِ مُتَثَبِّتًا فِيمَا أَفْتَى بِهِ لَمْ يُعْذَرْ الْمُعْتَرَضُ عَلَيْهِ إلَّا إنْ بَيَّنَ سَبَبَ الْخَطَإِ بِالنَّصِّ الصَّرِيحِ مِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَوْ الْأَصْحَابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَمَعَ ذَلِكَ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ الْأَدَبُ مَعَهُ فَلَا يُبْرِزُ انْتِقَاصًا لَهُ فِي ذَاتِهِ أَصْلًا وَأَمَّا إذَا أَرَادَ التَّنْفِيرَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ فَوَاسِعٌ لَهُ أَنْ يَقُولَ عَنْهَا هَذِهِ خَطَأٌ أَوْ بَاطِلٌ أَوْ لَا يَجُوزُ لِشَافِعِيٍّ الْعَمَلُ بِهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُنَفِّرَةِ عَنْ الْمَقَالَةِ لَا غَيْرُ هَذَا كُلُّهُ إنْ تَأَهَّلَ الْمُعْتَرِضُ وَإِلَّا مُنِعَ مِنْ الْكَلَامِ مِنْ أَصْلِهِ وَعَلَى مَا ذَكَرْته مِنْ التَّفْصِيلِ يُحْمَلُ مَا وَقَعَ لِلْأَصْحَابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَمَا وَقَعَ لِلْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ الشَّيْخَيْنِ وَمَعَ بَعْضِهِمْ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَلْفَاظِ الْغَلِيظَةِ الَّتِي يَأْتُونَ بِهَا إلَّا التَّنْفِيرَ عَنْ تِلْكَ الْمَقَالَةِ لَا غَيْرُ. وَمَعَ ذَلِكَ الْأَوْلَى تَوْفِيَةُ اللِّسَانِ مَا أَمْكَنَ وَمَا فِي الرَّوْضَةِ إنْ فُرِضَ شُمُولُهُ لِمَسْأَلَتِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا ذَكَرْته فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ أَطْلَقَ بَعْضُ الْمُفْتِينَ أَنَّ مَنْ اسْتَعْمَلَ الْحَشِيشَةَ كَفَرَ فَهَلْ يُنْكَرُ عَلَيْهِ إطْلَاقُ هَذِهِ الْمَقَالَةِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ اُسْتُفْتِيَ عَنْ ذَلِكَ الْجَلَالُ السُّيُوطِيّ فَقَالَ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذَا الْإِطْلَاقُ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ فِي مَعْرِضِ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ كَقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ» فَيَكُونُ مُؤَوَّلًا عَلَى الْمُسْتَحِلِّ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ كُفْرَ النِّعْمَةِ لَا كُفْرَ الْمِلَّةِ وَالْعَالِمُ إذَا أَفْتَى بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ إنَّمَا يُطْلِقُهَا مُتَأَوِّلًا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا الْمُرَادُ بِالْمُقَلِّدِ الَّذِي لَا يَصِحُّ إيمَانُهُ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ نَشَأَ بِقُلَّةِ جَبَلٍ وَلَمْ يُرْزَقْ فِطْنَةً حَتَّى يَسْتَدِلَّ بِهَذَا الْعَالَمَ عَلَى أَنَّ لَهُ مُوجِدًا وَمُدَبِّرًا فَمَرَّ عَلَيْهِ شَخْصٌ فَقَالَ لَهُ ذَلِكَ فَاعْتَقَدَهُ وَجَزَمَ بِهِ تَقْلِيدًا لَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَفَطَّنَ لِذَلِكَ الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا نَادِرٌ جِدًّا وَأَمَّا مَنْ قَالَ يَلْزَمُ عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ إيمَانِ الْمُقَلِّدِ تَكْفِيرُ الْعَوَامّ فَإِنَّمَا يَتَمَشَّى كَلَامُهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُقَلِّدِ مَنْ لَمْ يُتْقِنْ الدَّلِيلَ عَلَى قَوَاعِدِ الِاسْتِدْلَالِ وَهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا فَإِنَّهُ ﷺ اكْتَفَى مِنْ كَثِيرِينَ مِنْ أَجْلَافِ الْأَعْرَابِ وَالنِّسَاءِ بِمَا هُوَ فِي طَبْعِ كُلِّ أَحَدٍ حَتَّى الْعَجَائِزِ وَالصِّبْيَانِ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِالنُّجُومِ وَالسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَالْأَنْهَارِ وَالْأَشْجَارِ وَالزُّرُوعِ عَلَى أَنَّ لَهَا خَالِقًا وَمُدَبِّرًا وَعَلَى هَذَا لَا تَجِدُ عَامِّيًّا مُقَلِّدًا أَصْلًا. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَخْصٍ يَقْرَأُ وَيُطَالِعُ الْكُتُبَ الْفِقْهِيَّةَ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْخٌ يُقَرِّرُ لَهُ الْمَسَائِلَ الدِّينِيَّةَ وَالدُّنْيَوِيَّةَ ثُمَّ إنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ مَسَائِلَ دِينِيَّةٍ وَدُنْيَوِيَّةٍ فَيُفْتِيهِمْ وَيَعْتَمِدُ عَلَى مُطَالَعَتِهِ فِي الْكُتُبِ وَلَمْ يَتَوَقَّفْ فِيمَا يُسْأَلُ عَنْهُ هَلْ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَإِذَا قُلْتُمْ بِعَدَمِ الْجَوَازِ فَمَاذَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ ﷺ ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَجُوزُ لِهَذَا الْمَذْكُورِ الْإِفْتَاءُ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ لِأَنَّهُ عَامِّيٌّ جَاهِلٌ لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ بَلْ الَّذِي أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ الْمَشَايِخِ الْمُعْتَبَرِينَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ مِنْ كِتَابٍ وَلَا مِنْ كِتَابَيْنِ بَلْ قَالَ النَّوَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا مِنْ عَشَرَةٍ فَإِنَّ الْعَشَرَةَ وَالْعِشْرِينَ قَدْ يَعْتَمِدُونَ كُلُّهُمْ عَلَى مَقَالَةٍ ضَعِيفَةٍ فِي الْمَذْهَبِ فَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُهُمْ فِيهَا بِخِلَافِ الْمَاهِرِ الَّذِي أَخَذَ الْعِلْمَ عَنْ أَهْلِهِ وَصَارَتْ لَهُ فِيهِ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ فَإِنَّهُ يُمَيِّزُ بَيْنَ الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِهِ وَيَعْلَمُ الْمَسَائِلَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَمَدِ بِهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُفْتِي النَّاسَ وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَاسِطَةً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا غَيْرُهُ فَيَلْزَمُهُ إذَا تَسَوَّرَ هَذَا الْمَنْصِبَ الشَّرِيفَ التَّعْزِيرُ الْبَلِيغُ وَالزَّجْرُ الشَّدِيدُ الزَّاجِرُ لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ الْقَبِيحِ الَّذِي يُؤَدِّي إلَى مَفَاسِدَ لَا تُحْصَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ وَظِيفَةٍ شَغَرَتْ بِمَوْتِ صَاحِبِهَا فَأَقَامَ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ شَخْصًا فِي الْوَظِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ فَبَاشَرَهَا نَحْوًا مِنْ سَنَةٍ فَأَنْهَى فِي خِلَالِ ذَلِكَ شَخْصٌ آخَرُ إلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ أَنَّ الْوَظِيفَةَ الْمَذْكُورَةَ شَاغِرَةٌ بِسَبَبِ وَفَاةِ صَاحِبِهَا الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِذِكْرِ مَنْ أُقِيمَ فِيهَا فَأَقَامَهُ فِيهَا وَلِيُّ

стр. 1274

الْأَمْرِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِعَزْلِ مَنْ أُقِيمَ فِيهَا أَوَّلًا فَهَلْ الْوِلَايَةُ الثَّانِيَةُ تُبْطِلُ الْأُولَى أَمْ هُمَا صَحِيحَتَانِ فَيَشْتَرِكَانِ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إذَا صَرَّحَ الْمُوَلِّي بِتَرْتِيبِ التَّوْلِيَةِ عَلَى إنْهَاءِ الشُّغُورِ الْحَقِيقِيِّ كَانَتْ بَاطِلَةً فَيُقَدَّمُ الْمُتَوَلِّي أَوَّلًا مُبَاشَرَةً وَمَعْلُومًا مِنْ غَيْرِ مُشَارَكَةٍ لَهُ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذَلِكَ وَلَا بِعَزْلِ الْأَوَّلِ وَلَا دَلَّتْ عَلَى عَزْلِهِ قَرِينَةٌ اشْتَرَكَ فِيهَا الْأَوَّلُ وَالثَّانِي فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ مَا فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أُخْبِرَ بِمَوْتِ الْقَاضِي أَوْ فِسْقِهِ فَوَلَّى قَاضِيًا ثُمَّ بَانَ خِلَافُهُ لَمْ يُقْدَحْ فِي تَوْلِيَةِ الثَّانِي قَالَ فِي الْخَادِمِ. وَمُقْتَضَاهُ الْجَزْمُ بِانْعِزَالِ الْأَوَّلِ أَيْ وَإِنْ كَانَ فِيهِ وَجْهَانِ فَيَكُونُ تَرْجِيحًا لِلْوَجْهِ الْقَائِلِ بِانْعِزَالِ الْأَوَّلِ ثُمَّ اسْتَشْكَلَهُ الزَّرْكَشِيُّ بِأَنَّهُ بِنَاءٌ عَلَى ظَنٍّ غَيْرِ مُطَابِقٍ ثُمَّ أَجَابَ بِأَنَّ لِلْإِمَامِ الْعَزْلَ مِنْ غَيْرِ مُوجِبٍ أَيْ لِمَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ قَالَ وَنَظِيرُهُ مَا لَوْ قَالَ لِمَنْ يَظُنُّهَا أَجْنَبِيَّةً أَنْتِ طَالِقٌ فَبَانَتْ زَوْجَتَهُ وَقَعَ الطَّلَاقُ قُلْت إذَا تَأَمَّلْت قَوْلِي إذَا صَرَّحَ إلَخْ وَقَوْلَ الزَّرْكَشِيّ إنَّهُ بَنَاهُ عَلَى ظَنٍّ وَبِتَنْظِيرِهِ الْمَذْكُورِ ظَهَرَ لَك عَدَمُ الْمُنَافَاةِ وَأَنَّ كَلَامَ الشَّيْخَيْنِ فِيمَا إذَا وَلَّى ظَانًّا صِحَّةَ الْخَبَرِ بِالْمَوْتِ أَوْ الْفِسْقِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَصْرِيحٌ بِتَرْتِيبِ التَّوْلِيَةِ عَلَى صِحَّةِ الْخَبَرِ فَصَحَّتْ لِأَنَّهَا وَجَدَتْ مَسَاغًا هُوَ أَنَّ لِلْإِمَامِ التَّوْلِيَةَ مَعَ سَبْقِ التَّوْلِيَةِ لِأَنَّهَا كَالْمُعَلَّقَةِ بِشَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ فَإِنْ قُلْتَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالتَّصْرِيحِ مَعَ أَنَّ كُلًّا فِيهِ التَّرْتِيبُ عَلَى مَا بَانَ خِلَافُهُ قُلْتُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ فَإِنَّ الْوِلَايَةَ مِنْ الْأُمُورِ الْمُتَوَقِّفَةِ عَلَى اللَّفْظِ وَمَا تَوَقَّفَ عَلَيْهِ كَالْبَيْعِ وَالطَّلَاقِ إنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيهِ التَّصْرِيحُ لَا الظَّنُّ وَقَوْلِي وَلَا دَلَّتْ عَلَى عَزْلِهِ قَرِينَةٌ أَخَذْتُهُ مِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَلَّدَ آخَرَ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِتَقْلِيدِهِ شَوَاهِدُ عَزْلِ الْأَوَّلِ كَانَ وَإِلَّا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى وِلَايَتِهِ (تَنْبِيهٌ ذَكَرَ أَجِلَّاءُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ هَذَا فِي الْأُمُورِ الْعَامَّةِ قَالُوا أَمَّا الْوَظَائِفُ الْخَاصَّةُ كَالْإِمَامَةِ وَالْخَطَابَةِ وَالتَّدْرِيسِ فَلَا يَجُوزُ عَزْلُ مُتَوَلِّيهَا مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ وَلَا يَنْفُذُ وَاسْتَدَلُّوا بِكَلَامِ الرَّوْضَةِ وَغَيْرُهُ وَيَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُهُ بِمَا إذَا كَانَ الْمُولِي غَيْرَ الْإِمَامِ أَوْ الْإِمَامَ وَلَمْ يَخْشَ مِنْهُ فِتْنَةً أَمَا إذَا كَانَ الْمُوَلِّي هُوَ الْإِمَامَ وَخَشِيَ مِنْ عَدَمِ نُفُوذِ تَوْلِيَتِهِ فِتْنَةً فَيَنْبَغِي صِحَّتُهَا مُطْلَقًا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَمَّا إذَا اسْتَنَابَ السُّلْطَانُ شَخْصًا بِقَرْيَةٍ مَخْصُوصَةٍ نِيَابَةً خَاصَّةً أَوْ عَامَّةً فَأَخْرَبَ السُّلْطَانُ الْمَذْكُورُ الْقَرْيَةَ الْمَذْكُورَةَ هَلْ يَنْعَزِلُ النَّائِبُ بِخَرَابِ مَوْضِعِ التَّوْلِيَةِ أَمْ لَا كَمَا لَا يَنْعَزِلُ بِمَوْتِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الَّذِي يَظْهَرُ فِي ذَلِكَ إنَّهُ إذَا قَيَّدَ التَّوْلِيَةَ بِتِلْكَ الْقَرْيَةِ بِأَنْ قَالَ وَلَّيْتُك بَقَرِيَّةِ كَذَا لَمْ يَنْعَزِلْ إلَّا بِخَرَابِهَا خَرَابًا مُسْتَأْصِلًا لَهَا بِحَيْثُ صَارَتْ لَا تُسَمَّى قَرْيَةً كَذَا لِزَوَالِ مَا أَنَاطَ التَّوْلِيَةَ بِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَصِرْ كَذَلِكَ لِبَقَاءِ مَا وُلِّيَ فِيهِ فَتَبْقَى التَّوْلِيَةُ بِبَقَائِهِ وَلَيْسَ هَذَا كَمَوْتِهِ إذْ لَا جَامِعَ بَيْنَهُمَا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ هَذَا كُلُّهُ إنْ لَمْ يَمْنَعْ السُّلْطَانُ النَّاسَ مِنْ سُكْنَاهَا وَإِلَّا كَانَ ذَلِكَ عَزْلًا لِقَاضِيهَا عَنْ الْحُكْمِ فِيهَا وَإِنْ بَقِيَ اسْمُهَا كَمَا هُوَ وَاضِحٌ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ إلْحَاقِ الْقَائِف] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَجُلٌ وَطِئَ جَارِيَةً لَهُ ثُمَّ تَرَكَهَا بِلَا وَطْءٍ نَحْوَ شَهْرَيْنِ فَظَنّ أَنَّهَا حَاضَتْ فَزَوَّجَهَا مِنْ عَبْدِهِ فَوَلَدَتْ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَنَحْوَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ مِنْ دُخُولِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا فَهَلْ الْوَلَدُ لَاحِقٌ بِالسَّيِّدِ أَوْ بِالزَّوْجِ وَالنِّكَاحُ صَحِيحٌ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) حَيْثُ لَمْ يَثْبُتْ حَيْضُهَا وَهِيَ مِنْ ذَوَاتِ الْحَيْضِ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ لَكِنَّ الْوَطْءَ وَطْءُ شُبْهَةٍ وَالْوَلَدُ مُمْكِنٌ مِنْهُمَا فَيُعْرَضُ عَلَى الْقَائِفِ فَإِنْ أَلْحَقهُ بِأَحَدِهِمَا لَحِقَهُ وَإِلَّا وُقِفَ أَمْرُهُ حَتَّى يُكَلَّفَ فَيُلْزَمَ وَلَوْ بِالْحَبْسِ بِالِانْتِسَابِ إلَى أَحَدِهِمَا إنْ وَجَدَ مَيْلًا إلَيْهِ وَإِلَّا وُقِفَ إلَى أَنْ يَجِدَهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الْقِسْمَةِ] (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ أَرَدْنَا قِسْمَةَ حُلِيٍّ مَغْشُوشٍ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ بَيْن أَيْتَامٍ أَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَبْتَاعَ لَهُمْ ذَلِكَ فَمَا الطَّرِيقُ فِي صِحَّةِ الْقِسْمَةِ وَالْبَيْعِ هَلْ يُجْزِئُ فِي ذَلِكَ التَّبَايُعِ بِعَرَضٍ احْتِيَالًا لِلصِّحَّةِ حَيْثُ اقْتَضَتْهُ الْمَصْلَحَةُ لِلْأَيْتَامِ كَمَا لَوْ جَرَى ذَلِكَ بَيْنَ رُشْدٍ أَوْ لَا وَهَلْ لَهُمْ طَرِيقٌ فِي الشَّرْعِ سِوَى

стр. 1275

ذَلِكَ أَمْ لَا فَإِنَّ فِي سَدِّ الْبَابِ عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَرَجِ مَا لَا يَخْفَى؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ الْحُلِيَّ إمَّا أَنْ تَسْتَوِيَ أَجْزَاؤُهُ أَوْ لَا فَإِنْ اسْتَوَتْ أَجْزَاؤُهُ جَازَتْ قِسْمَتُهُ حَيْثُ لَمْ تَنْقُصْ قِيمَتُهُ بِالْقِسْمَةِ لِأَنَّ الصَّحِيحَ فِي هَذِهِ الْقِسْمَةِ أَنَّهَا إفْرَازٌ لِلْحَقِّ لَا بَيْعٌ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ جَعْلُهُمْ الْغِشَّ مَقْصُودًا فِي بَابِ الْقِسْمَةِ كَالزَّكَاةِ وَالرِّبَا بِخِلَافِ الْمُعَامَلَةِ بِالْمَغْشُوشَةِ لِأَنَّ الْغِشَّ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ إلَّا حَيْثُ جُعِلَتْ بَيْعًا وَأَمَّا حَيْثُ كَانَتْ إفْرَازًا فَلَا يُنْظَرُ إلَيْهِ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي عَنْ الشَّيْخَيْنِ. وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَجْزَاؤُهُ امْتَنَعَتْ قِسْمَتُهُ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ بَيْعٌ وَبَيْعُ بَعْضِ الْمَغْشُوشِ بِبَعْضِهِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْتُهُ فَإِنَّهُمَا قَالَا وَحَيْثُ قُلْنَا الْقِسْمَةُ بَيْعٌ اُشْتُرِطَ فِي قِسْمَةِ الرِّبَوِيِّ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَامْتَنَعَتْ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ وَمَا عَقَدَتْ النَّارُ أَجَزَاءَهُ قَالَ غَيْرُهُمَا وَنَحْو ذَلِكَ وَمَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ نَحْوِ ذَلِكَ وَحَيْثُ قُلْنَا هِيَ إفْرَازٌ جَازَتْ قِسْمَةُ ذَلِكَ أَيْ وَمِنْ ثَمَّ جَازَتْ قِسْمَةُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ وَامْتَنَعَتْ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا بَيْعٌ وَحَيْثُ امْتَنَعَتْ قِسْمَةُ الْحُلِيِّ الْمَذْكُورِ إمَّا لِكَوْنِهَا بَيْعًا أَوْ لِكَوْنِهَا تَنْقُصُ قِيمَتُهُ بِالْكَسْرِ بَاعَهُ وَلَيُّ الْأَيْتَامِ أَوْ أَوْلِيَاؤُهُمْ بِذَهَبٍ إنْ كَانَ فِضَّةً أَوْ عَكْسَهُ لَا بِعَرْضٍ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ وَقَسَمُوا ثَمَنَهُ بَيْنَهُمْ عَلَى حَسَبِ شِرْكَتِهِمْ فِي الْمَبِيعِ هَذَا إنْ كَانَ الْبَيْعُ أَحَظَّ مِنْ إيجَارِهِ وَإِبْقَائِهِ لِمَنْ يَسْتَعْمِلهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فَأَكْثَرَ. أَمَّا إذَا اسْتَوَى الْبَيْعُ وَالْإِيجَارُ الْمَذْكُورَانِ فِي الْحَظِّ فَيَتَخَيَّرُ الْوَلِيُّ أَوْ الْأَوْلِيَاءُ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِيجَارُ أَحَظَّ مِنْ الْبَيْعِ فَيَجِبُ فِعْلُهُ وَاعْلَمْ أَنَّ آنِيَةَ الْقِنْيَةِ الَّتِي لِلْمَحْجُورِ إذَا كَانَتْ مِنْ صُفْرٍ وَنَحْوِهِ كَالْعَقَارِ فِيمَا ذَكَرُوهُ فِي بَيْعِ الْوَلِيِّ لَهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ إلَّا لِخَوْفِ تَلَفِهِ أَوْ لِحَاجَةٍ نَحْوِ نَفَقَةٍ مَا لَمْ يَجِدْ قَرْضًا يَنْتَظِرُ مَعَهُ غَلَّةً تَفِي بِالْقَرْضِ أَوْ لِغِبْطَةٍ ظَاهِرَةٍ كَبَيْعِهِ بِزِيَادَةِ عَلَى ثَمَنِ مِثْلِهِ وَهُوَ يَجِدُ مِثْلَهُ بِبَعْضِهِ أَوْ خَيْرًا مِنْهُ بِكُلِّهِ وَإِذَا كَانَتْ آنِيَةً نَحْوَ الصُّفْرِ كَالْعَقَارِ فِيمَا ذُكِرَ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَاعْتَمَدَهُ فَلْيَكُنْ الْحُلِيُّ الْمَذْكُورُ كَالْعَقَارِ فِيمَا ذَكَرنَا بِالْمُسَاوَاةِ أَوْ الْأَوْلَى فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ إلَّا لِأَحَدِ الْأَقْسَامِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ الْخَوْفِ أَوْ الْحَاجَةِ أَوْ الْغِبْطَةِ وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْأَيْتَامِ أَنْ يَتَوَلَّى الْقِسْمَةَ بَيْنَهُمْ بِنَفْسِهِ وَحْدَهُ قُلْنَا إنَّهَا بَيْعٌ سَوَاءَ أَكَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ أَمْ لَا وَكَذَا إنْ قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازٌ أَوْ كَانَ فِيهَا تَقْوِيمٌ لِقَوْلِهِمْ حَيْثُ كَانَ فِي الْقِسْمَةِ تَقْوِيمٌ فَلَا بُدَّ مِنْ اثْنَيْنِ يَشْهَدَانِ بِالْقِسْمَةِ وَكَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا تَقْوِيمٌ كَمَا فِي فَتَاوَى الْأَصْبَحِيِّ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَيْ بَيْنَ شَخْصَيْنِ أَرْضٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْبِنَاءِ أَوْ الشَّجَرِ دُونَ الْأَرْضِ أَوْ بِالْعَكْسِ مَعَ الْمُسَاوَاةِ بِالتَّعْدِيلِ فَهَلْ يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ أَوْ لَا وَلَوْ كَانَ الْبِنَاءُ أَوْ الشَّجَرُ لِأَجْنَبِيٍّ وَأَرَادَ الشُّرَكَاءُ قِسْمَةَ الْأَرْضِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِأَنَّ كَلَامَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى فِي السُّؤَالِ بِقِسْمَيْهَا وَذَلِكَ لِأَنَّهُمَا صَرَّحَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ وَاحِدَةٌ فِيهَا بِنَاءٌ أَوْ شَجَرَةٌ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا قِسْمَةَ الْأَرْضِ دُونَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ لَا يُجْبَرُ الْآخَرُ فَإِنْ تَرَاضَيَا دَخَلَ فِي الْأَرْضِ قِسْمَةُ الْإِجْبَارِ مَا دَامَا عَلَى هَذَا الِاتِّفَاقِ وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا إجْبَارًا بِالْقُرْعَةِ فَإِذَا رَجَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ الِاتِّفَاقِ زَالَتْ قِسْمَةُ الِاتِّفَاقِ اهـ. وَجَزَمَ بِهِ فِي الْأَنْوَارِ حَيْثُ قَالَ وَلَوْ كَانَ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ مَزْرُوعَةٌ وَأَرَادَ قِسْمَةَ الْأَرْضِ وَحْدَهَا جَازَ وَأُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ. اهـ. فَقَوْلُهُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ هُوَ مَسْأَلَتُنَا بِعَيْنِهِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْأَنْوَارِ أَيْضًا تَبَعًا لِلشَّيْخَيْنِ فِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَلَوْ كَانَتْ الشَّرِكَةُ لَا تَرْتَفِعُ بِالْقِسْمَةِ إلَّا عَنْ بَعْضِ الْأَعْيَانِ كَعَبْدَيْنِ بَيْنَ اثْنَيْنِ قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِائَةٌ وَالْآخَرِ مِائَتَانِ وَطَلَبَ أَحَدُهُمَا الْقِسْمَةَ لِيَخْتَصَّ مَنْ خَرَجَتْ لَهُ قُرْعَةُ الْخَسِيسِ بِهِ وَبِرُبُعِ النَّفِيسِ فَلَا إجْبَارَ. اهـ. وَعِبَارَةُ الشَّيْخَيْنِ الْأَصَحُّ لَا إجْبَارَ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَا تَرْتَفِعُ بِالْكُلِّيَّةِ وَهَذَا مِنْهُمَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَحَلَّ الْإِجْبَارِ إذَا ارْتَفَعَتْ الشَّرِكَةُ بَيْنَهُمَا بِالْكُلِّيَّةِ وَإِلَّا فَلَا إجْبَارَ فَيَكُونُ نَصًّا فِي مَسْأَلَتِنَا أَنَّهُ لَا إجْبَارَ فِي

стр. 1276

مَسْأَلَتِنَا وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الدَّارِمِيِّ إذَا كَانَ الْعُلُوُّ مُشْتَرَكًا فَتَرَاضَوْا عَلَى قِسْمَتِهِ جَازَ وَإِنْ طَلَبُوا الْإِجْبَارَ يَجُوزُ وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ لَا يَجُوزُ. اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَكَأَنَّ الصُّورَةَ فِيمَا إذَا كَانَ الْعُلُوُّ مُشْتَرَكًا فَقَطْ وَالسُّفْلُ لِأَحَدِهِمَا أَوْ لِغَيْرِهِمَا. اهـ. وَإِذَا كَانَتْ الصُّورَةُ كَذَلِكَ كَانَ كَلَامُ ابْنِ خَيْرَانَ ضَعِيفًا لِمَا عَلِمْتَ أَنَّ مَا قَالَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ حِينَئِذٍ يَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيِّ وَكَلَامُ الشَّيْخَيْنِ السَّابِقِ وَيُؤَيِّدهُ أَيْضًا اشْتِرَاطُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي قِسْمَةِ الْجِدَارِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ الْمَالِكَيْنِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَوْلِ بِالْإِجْبَارِ أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ لَهُمَا وَلَا يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُمْ فِي الْأَرْضِ الْمَزْرُوعَةِ إذَا طَلَبَ أَحَدُهُمَا قِسْمَتَهَا دُونَ الزَّرْعِ أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ لِأَنَّ لِلزَّرْعِ أَمَدًا يُنْتَظَرُ بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ وَكَأَنَّ السُّبْكِيّ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ حَيْثُ تَوَقَّفَ فِي الْإِجْبَارِ فِيمَا لَوْ كَانَ بَيْنَ اثْنَيْنِ شَرِكَةٌ فِي أَنْشَابٍ وَبَسَاتِينَ وَبِئْرٍ وَالْأَرْضُ مُسْتَأْجَرَةٌ لَهُمَا فَإِنَّهُ قَالَ لَا إجْبَارَ فِي الْبِئْرِ الْمُحْتَكَرَةِ وَلَا فِي الْأَنْشَابِ إنْ اخْتَلَفَ نَوْعُهَا أَوْ جِنْسُهَا أَوْ قِيمَتُهَا بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ التَّعْدِيلُ وَإِنْ اتَّحَدَ النَّوْعُ وَأَمْكَنَ التَّعْدِيلُ فَعِنْدِي فِيهِ تَوَقُّفٌ. اهـ. وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ الْمَنْقُولَ يَقْتَضِي هُنَا عَدَمَ الْإِجْبَارِ أَيْضًا لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ بَيْنَهُمَا فِي الْأَرْضِ فَلَمْ تُوجَدْ فَائِدَةُ الْقِسْمَةِ وَأَمَّا الصُّورَةُ الثَّانِيَة بِقِسْمَيْهَا فَوَاضِحٌ أَنَّهُ يُجْبِرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ الْقِسْمَةِ فِيهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى أَنَّ الْقِسْمَةَ هُنَا تُزِيلُ ضَرَرَ الشَّرِكَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا تُبْقِي بَيْنَهُمَا تَعَلُّقًا بَعْدهَا بِخِلَافِهَا فِي الْأُولَى فَإِنَّ التَّعَلُّقَ الْمُؤَدِّيَ إلَى الْمُنَازَعَةِ وَالْمُضَارَةِ بَاقٍ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَلَمْ يُجْبَرْ الْمُمْتَنِعُ مِنْهُمَا لِانْتِفَاءِ فَائِدَتِهَا مِنْ إزَالَةِ مَا هُوَ سَبَبٌ لِلْمُنَازَعَةِ وَالْمُضَارَةِ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ ثُمَّ رَأَيْتُ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَجَّهَ بِذَلِكَ أَيْضًا حَيْثُ قَالَ وَقَدْ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ بِأَنَّ قِسْمَةَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ دُونَ أَرْضِهِ لَا تَجُوزُ جَبْرًا وَتَجُوزُ اخْتِيَارًا وَوَجْهُهُ أَنَّ قِسْمَةَ التَّعْدِيلِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ تَقْطَعُ الْعَلَقَ بَيْنَهُمَا وَاعْتِرَاضُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ مِنْ الْقِسْمَةِ وَهَهُنَا لَوْ أُجْبِرْنَا لَمْ تَنْقَطِعْ الْعَلَقُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ بَيْنَهُمَا لِبَقَاءِ الشَّرِكَةِ فِي الْمَنْفَعَةِ فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَوِّضَ عَنْ شَجَرِهِ الَّذِي اُقْتُلِعَ لِاعْتِرَاضِهِ الْآخَر. اهـ. (وَسُئِلَ) فِي قِسْمَةِ النَّخْلِ هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهَا الْمُمْتَنِعُ إذَا اتَّحَدَ النَّوْعُ وَالْقِيمَةُ مِنْ غَيْرِ رَدٍّ كَمَا أَفْتَى بِهِ إسْمَاعِيلُ الْحَيَائِيُّ أَوْ الشَّرْطُ اتِّحَادُ الْجِنْسِ فَقَطْ كَمَا أَفْتَى بِهِ أَبُو شُكَيْل الْيَمَانِيَيْنِ فَمَا الْمُعْتَمَدُ مِنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي ذَلِكَ كَمَا يُعْلَمُ مِمَّا يَأْتِي عَنْ الشَّيْخَيْنِ وَكَلَامِ السُّبْكِيّ السَّابِقِ أَنَّهُ لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ مِنْ قِسْمَةِ النَّخْلِ إذَا اخْتَلَفَ نَوْعُهَا أَوْ جِنْسُهَا أَوْ قِيمَتُهَا إذَا لَمْ يُمْكِن التَّعْدِيلُ وَدَعْوَى أَبِي شُكَيْل أَنَّ الشَّرْطَ اتِّحَادُ الْجِنْسِ فَقَطْ مَمْنُوعَةٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَلِكَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الْقِسْمَةِ دُونَ الْإِجْبَارِ عَلَيْهَا عَلَى أَنَّ فِي إطْلَاقِ هَذَا نَظَرًا أَيْضًا فَفِي الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَالْمُشْتَرَكُ الَّذِي يَعْدِلُ بِالْقِيمَةِ مِنْهُ مَا يُعَدُّ شَيْئًا وَاحِدًا كَأَرْضٍ تَخْتَلِفُ قِيمَةُ أَجْزَائِهَا بِحَسَبِ قُوَّةِ الْإِنْبَاتِ. وَكَذَا بُسْتَانٌ بَعْضُهُ نَخْلٌ وَبَعْضُهُ عِنَبٌ وَدَارٌ بَعْضُهَا مَبْنِيٌّ بِآجُرٍّ وَبَعْضُهَا مَبْنِيٌّ بِخَشَبٍ وَطِينٍ هَذَا إنْ لَمْ يُمْكِنْ قِسْمَةُ الْجَيِّدِ وَحْدَهُ وَالرَّدِيءِ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَلَا إجْبَارَ وَمِنْهُ مَا يُعَدُّ شَيْئَيْنِ فَصَاعِدًا وَلَا إجْبَارَ فِيهِ ثُمَّ قَالَا وَالْعَبِيدُ وَالدَّوَابُّ وَالشَّجَرُ وَالثِّيَابُ وَنَحْوهَا إذَا كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ وَأَمْكَنَ التَّسْوِيَةُ عَدَدًا وَقِيمَةً أُجْبِرَ عَلَى الْقِسْمَةِ وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ التَّسْوِيَةُ أَوْ كَانَتْ الْأَعْيَانُ أَجْنَاسًا أَوْ أَنْوَاعًا فَلَا إجْبَارَ وَكَذَا لَوْ اخْتَلَطَتْ الْأَنْوَاعُ وَعَسُرَ التَّمْيِيزُ كَتَمْرٍ جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ. اهـ. مُلَخَّصًا وَعِبَارَةُ الْأَنْوَارِ كَمَا يَجْرِي الْإِجْبَارُ إذَا اخْتَلَفَتْ الصِّفَاتُ يَجْرِي إذَا اخْتَلَفَ الْجِنْسُ كَالْبُسْتَانِ الْوَاحِدِ بَعْضُهُ نَخْلٌ وَبَعْضُهُ عِنَبٌ. وَالدَّارُ الْمَبْنِيُّ بَعْضُهَا بِالْآجُرِّ وَبَعْضُهَا بِالطِّينِ وَالْخَشَبِ وَهَذَا إذَا لَمْ تُمْكِنْ قِسْمَةُ الْجَيِّدِ وَحْدَهُ وَالرَّدِيءِ وَحْدَهُ وَإِلَّا فَلَا يُجْبَرُ عَلَى قِسْمَةِ التَّعْدِيلِ ثُمَّ قَالَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَقَارًا كَالْعَبِيدِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَشْجَارِ وَنَحْوهَا فَإِنْ كَانَتْ نَوْعًا وَاحِدًا وَأَمْكَنَتْ التَّسْوِيَةُ عَدَدًا وَقِيمَةً أُجْبِرَ الْمُمْتَنِعُ وَإِلَّا فَلَا وَكَأَنَّ أَبَا شُكَيْل تَوَهَّمَ مَا ذُكِرَ عَنْهُ مِنْ مَسْأَلَةِ الْبُسْتَانِ الْمَذْكُورَةِ وَلَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ فَإِنَّ اخْتِلَافَ الْجِنْسِ فِيهَا أُلْغِيَ لِأَنَّ الْمَقْسُومَ بِالْقَصْدِ هُوَ أَرْضُ الْبُسْتَانِ فَلَا نَظَرَ لِاخْتِلَافِ جِنْسِ مَا فِيهَا بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا

стр. 1277

فَإِنَّ الْمُخْتَلِفَ الْجِنْسِ هُوَ الْمَقْسُومُ مِنْ غَيْرِ تَبَعٍ لِشَيْءٍ وَمِنْ ثَمَّ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِي الْأَشْجَارِ الْمُنْفَرِدَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ نَوْعِهَا وَإِمْكَانِ تَسْوِيَتِهَا عَدَدًا وَقِيمَةً فَلَا تَلْتَبِسُ عَلَيْكَ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ بِالْأُخْرَى كَمَا وَقَعَ فِيهِ أَبُو شُكَيْل إنْ صَحَّ مَا نُقِلَ عَنْهُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الرِّبَوِيَّاتِ كَالرُّطَبِ وَالْعِنَبِ هَلْ تَصِحُّ قِسْمَتُهَا كَيْلًا مَعَ اتِّحَادِ نَوْعِهِ وَاخْتِلَافِهِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَلَوْ اقْتَسَمَاهُ بِدُونِ كَيْلٍ بَلْ بِامْتِحَانٍ بِالْيَدِ أَوْ دُونِهِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَ الْكَيْلِ وَهَلْ يَقْدَحُ فِي الصِّحَّةِ اخْتِلَافُ حَبَّاتِهِ كُبْرًا وَصِغَرًا أَوْ اخْتِلَافُهُ رُطَبًا وَبَلَحًا أَوْ لَا وَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ بِكَيْلٍ أَوْ دُونِهِ وَهَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِأَنَّ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا أَنَّا حَيْثُ جَعَلْنَا الْقِسْمَةَ بَيْعًا فَاقْتَسَمَا رِبَوِيَّا وَجَبَ التَّقَابُضُ فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ تَجُزْ قِسْمَةُ الْمَكِيلِ وَزْنًا وَعَكْسُهُ وَلَا قِسْمَةُ رُطَبٍ وَعِنَبٍ وَمَا عَقَدَتْ النَّارُ أَجْزَاءَهُ وَلَا قِسْمَةُ ثَمَرٍ عَلَى شَجَرٍ خَرْصًا وَحَيْثُ جَعَلْنَاهَا إفْرَازًا وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ جَازَ كُلُّ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَفُوتُ إمْكَانُ الْقِسْمَةِ فَقَطْ نَعَمْ الثِّمَارُ عَلَى الشَّجَرِ غَيْر الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ لَا تَجُوزُ قِسْمَتُهَا خَرْصًا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الزُّرُوعِ. وَأَمَّا التَّمْرُ وَالْعِنَبُ فَيَجُوزُ قِسْمَتُهَا خَرْصًا عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وَاخْتَارَ السُّبْكِيّ قَوْلَ جَمْعٍ لَا يَجُوزُ خَرْصُهَا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا إفْرَازٌ قَالَ لِأَنَّ الْخَرْصَ ظَنٌّ لَا يُعْلَمُ بِهِ نَصِيبُ وَاحِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَفِي الزَّكَاةِ جَوَّزَ لِلْحَاجَةِ مَعَ كَوْنِ شَرِكَةِ الْمَسَاكِينَ لَيْسَتْ بِشَرِكَةٍ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَدَاءُ حَقِّهِمْ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ وَيُجَابُ بِأَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنْ خَرْصِ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُحَقَّقِ شَرْعًا فِي بَابِ الزَّكَاةِ وَالْعَرَايَا فَكَذَا هُنَا لِأَنَّ قِسْمَةَ الْإِفْرَازِ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنْ الْمُسَامَحَةِ يُجْعَلُ هَذَا مِنْهَا وَصَرَّحَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا بِأَنَّهُمَا لَوْ أَرَادَ قِسْمَةَ أَرْضٍ مَزْرُوعَةٍ مَعَ مَا فِيهَا وَقَدْ اشْتَدَّ الْحَبُّ أَوْ كَانَ بَذْرًا بَعْدُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ كَانَ فَصِيلًا جَازَ أَوْ قِسْمَةَ مَا فِيهَا وَحْدَهَا يَأْتِي فِيهِ هَذَا التَّفْصِيلُ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تُجْعَلَ الْقِسْمَةُ هُنَا إفْرَازً أَوْ بَيْعًا أَمَّا فِي الزَّرْعِ وَحْدَهُ فَلِأَنَّهُ مَجْهُولٌ وَأَمَّا فِي الزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ وَهُوَ بَذْرٌ أَوْ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ فَلِأَنَّهَا عَلَى الْإِفْرَازِ قِسْمَةُ مَعْلُومٍ وَمَجْهُولٍ وَعَلَى الْبَيْعِ بَيْعُ طَعَامٍ وَأَرْضٍ بِطَعَامٍ وَأَرْضٍ إذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ قِسْمَةُ الْحَبِّ فِي سُنْبُلِهِ مُطْلَقًا وَأَنَّهُ تَصِحُّ قِسْمَةُ الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ كَيْلًا وَوَزْنًا مَعَ اتِّحَادِ النَّوْعِ وَاخْتِلَافِهِ وَلَوْ رُطَبًا وَبَلَحًا وَمَعَ اخْتِلَافِ الْحَبَّاتِ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي قِسْمَةِ الْإِفْرَازِ تَعْدِيلُ السَّهْمِ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ كَالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ أَوْ الزَّرْعِ وَمِنْ ثَمَّ عُلِمَ أَنَّهُ لَا يَكْفِي عَنْ الْكَيْلِ مَثَلًا الِامْتِحَانُ بِالْيَدِ ثُمَّ مَا ذُكِرَ فِي الرُّطَبِ وَالْعِنَبِ إنَّمَا يَأْتِي إذَا قُلْنَا إنَّهُمَا مِثْلِيَّانِ وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْقَصَبِ وَصَحَّحَ فِي الْمَجْمُوعِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ تَبَعًا لِلنَّصِّ أَنَّهُمَا مُتَقَوَّمَانِ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ إنَّهُ الْمُفْتَى بِهِ لَكِنَّ الْقَائِلَ بِالْأَوَّلِ يَحْمِلُ النَّصَّ الْقَائِلَ بِوُجُوبِ قِيمَتِهَا عَلَى مَا إذَا فُقِدَ الْمِثْلُ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا مُتَقَوَّمَانِ تَكُونُ قِسْمَتُهُمَا قَسْمَةَ تَعْدِيلٍ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنْ شُرُوطِهَا السَّابِقَةِ فِي الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَ هَذَا. (وَسُئِلَ) فِي قِسْمَةِ اللَّحْمِ نِيئًا وَمَشْوِيًّا بِدُونِ نَزْعِ الْعِظَامِ وَدُونَ وَزْنِ اللَّحْمِ كَمَا عَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ أَوْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَمَا طَرِيقُ الصِّحَّةِ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فَلَوْ ضَحَّى جَمَاعَةٌ بِبَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ وَقُلْتُمْ إنَّ لَهُمْ قِسْمَةَ اللَّحْمِ فَهَلْ يَجِبُ أَنْ يَتَّصِلَ كُلٌّ مِنْهُمْ بِنَصِيبِهِ مِنْ الْكَبِدِ وَالْقَلْبِ وَالْكَرِشِ وَالشَّحْمِ وَاللَّحْمِ وَهِيَ أَجْنَاسٌ أَوْ يَجُوزُ أَنْ يَخْتَصَّ بَعْضُهُمْ بِبَعْضِهَا وَغَيْرُهُ بِالْبَعْضِ الْآخَرِ. (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ إنَّ اللَّحْمَ النِّيءَ مِثْلِيٌّ فَتَكُونُ قِسْمَةَ إفْرَازٍ وَحِينَئِذٍ فَتَصِحُّ بِشَرْطِ نَزْعِ عَظْمِهِ الَّذِي يَمْنَعُ مَعْرِفَةَ مَقَادِيرِ الْأَنْصِبَاءِ لَمَا مَرَّ فِي الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ شَرْطَ قِسْمَةِ الْإِفْرَازِ تَعْدِيلُ السِّهَامِ بِمَا يُعْلَمُ بِهِ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَلَا يَتَيَسَّرُ ذَلِكَ فِي نَحْوِ اللَّحْمِ إلَّا بِوَزْنِهِ فَلَا تَصِحُّ قِسْمَتُهُ جُزَافًا لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا قِسْمَةَ تَعْدِيلٍ وَهُوَ بَيْعٌ وَبَيْعُ الرِّبَوِيِّ الَّذِي دَخَلَ النَّارَ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ لَا يَجُوزُ وَإِذَا ضَحَّى جَمْعٌ بِبَدَنَةٍ. فَلَا بُدَّ مِنْ قِسْمَةِ كُلٍّ مِنْ أَجْزَائِهَا كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ عَلَى حِدَتِهِ لِأَنَّ قِسْمَتَهَا تَعْدِيلًا بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا بَيْعٌ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ فِي الرِّبَوِيَّاتِ الْمُخْتَلِفَةِ الْجِنْسِ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مِنْ قَاعِدَةِ مُدِّ عَجْوَةٍ كَمَا عُلِمَ مِمَّا قَدَّمْتُهُ فِي الْجَوَابِ.

стр. 1278

الَّذِي قَبْلَ هَذَا فِي تَقْدِيرِ بُطْلَانِ قِسْمَةِ الزَّرْعِ مَعَ الْأَرْضِ وَقَدْ بَدَا صَلَاحُهُ أَوْ كَانَ بَذْرًا بَعْدُ وَالْكَلَامُ حَيْثُ لَمْ يَرْضَوْا بِتَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ بِشَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ مَثَلًا أَمَّا إذَا رَضُوا بِذَلِكَ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ قَوْلِ الرَّوْضَةِ وَأَمَّا الْأَقْرِحَةُ الْأَرَاضِي فَإِنْ كَانَتْ مُتَفَرِّقَةً فَهِيَ كَالدُّورِ وَإِنْ كَانَتْ مُتَجَاوِرَةً فَفِي الشَّامِلِ أَنَّ أَبَا إِسْحَاقَ جَعَلَهَا كَالْقَرَاحِ الْوَاحِدِ الْمُخْتَلِفِ الْأَجْزَاءِ وَأَنَّ غَيْرَهُ قَالَ إنَّمَا تَكُونُ كَالْقَرَاحِ الْوَاحِدِ إذَا اتَّحَدَ الشُّرْبُ وَالطَّرِيقُ فَإِنْ تَعَدَّدَ فَهُوَ كَمَا لَوْ تَفَرَّقَتْ قَالَ وَهَذَا أَشْبَهُ بِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَمَا صُورَةُ الِاتِّحَادِ فِي الشُّرْبِ وَالطَّرِيقِ. هَلْ هُوَ فِي الشُّرْبِ مَا إذَا كَانَتْ الْأَقْرِحَةُ الْمُتَجَاوِرَةُ تَشْرَبُ مِنْ ثُقْبَةٍ وَاحِدَةٍ دُون مَا إذَا تَعَدَّدَتْ لِكُلِّ أَرْضٍ ثُقْبَةٌ تَخُصُّهَا مِنْ النَّهْرِ أَوْ كَيْفَ صُورَة الِاتِّحَادِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْأَقْرِحَةِ أَسْفَلُ مِنْ الْآخَرِ وَبَيْنَهُمَا حَاجِزٌ وَفِيهِ ثُقْبٌ يَمُرُّ الْمَاءُ فِيهَا مِنْ الْأَعْلَى إلَى الْأَسْفَلِ بِلَا سَدٍّ وَقَدْ يُسَدُّ بِحَيْثُ لَا يُرْسِلُ إلَى الْأَسْفَلِ إلَّا بَعْدَ رَيِّ الْأَعْلَى فَهَلْ يَجْرِي الْإِجْبَارُ فِي الصُّورَتَيْنِ أَمْ فِي الصُّورَة الْأُولَى فَقَطْ وَهَلْ مَا ثَبَتَ فِيهِ الْإِجْبَارُ بِالْقِسْمَةِ يَثْبُتُ فِي خَلْطَةِ الْجِوَارِ أَمْ الْحُكْمُ مُخْتَلِفٌ؟ أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ. (فَأَجَابَ) بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مَا رَجَّحَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ اتِّحَادِ الْأَقْرِحَةِ مِنْ اتِّحَادِ مَشْرَبِهَا وَطَرِيقِهَا بِأَنْ يَكُونَ النَّهْرُ الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُ وَاحِدًا وَتَكُونَ طَرِيقُهَا الَّتِي يَصِلُ فِيهَا مَاءُ النَّهْرِ إلَيْهَا وَاحِدَةً سَوَاءٌ وَصَلَ إلَيْهَا مِنْ ثُقْبَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ ثُقَب بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَ النَّهْرُ أَوْ اتَّحَدَ لَكِنْ اخْتَلَفَتْ طُرُقُهَا إلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا إجْبَارَ حِينَئِذٍ لِاخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ بِاخْتِلَافِ الْأَنْهَارِ وَبِاخْتِلَافِ الْقُرْبِ إلَيْهِ بِاخْتِلَافِ الطَّرِيقِ مَعَ تَلَاصُقِهَا كَمَا هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ يَخْتَلِفُ قُرْبُهَا وَبُعْدُهَا مِنْهُ فَامْتَنَعَ الْإِجْبَارُ حِينَئِذٍ بِخِلَافِ مَا إذَا تَلَاصَقَتْ وَاتَّحَدَ النَّهْرُ وَاتَّحَدَتْ طَرِيقُهَا إلَيْهِ فَإِنَّ الْأَغْرَاضَ حِينَئِذٍ لَا تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَعْيَانِهَا فَمِنْ ثَمَّ دَخَلَهَا الْإِجْبَارُ حِينَئِذٍ وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَا إجْبَارَ فِيمَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ بِقَوْلِهِ وَلَوْ أَنَّ أَحَدَ الْأَقْرِحَةِ أَسْفَلَ مِنْ الْآخَرِ إلَخْ لِأَنَّ الطَّرِيقَ حِينَئِذٍ إلَى النَّهْرِ لَمْ تَتَّحِدْ بَلْ اخْتَلَفَتْ قُرْبًا وَبُعْدًا وَمِنْ لَازِمِ اخْتِلَافِهَا كَذَلِكَ اخْتِلَافُ الْأَغْرَاضِ بِأَعْيَانِهَا وَمَعَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ كَذَلِكَ يُمْتَنَعُ الْإِجْبَارُ وَوَاضِحٌ أَنَّ خُلْطَةَ الْجِوَارِ لَا شَرِكَةَ فِيهَا فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ فِيهَا الْقِسْمَةُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُتَصَوَّرَ فِيهَا إجْبَارٌ أَوْ عَدَمُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَا ذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ أَنَّ الشَّيْءَ الَّذِي لَا تَتَأَتَّى قِسْمَتُهُ إجْبَارًا وَلَمْ يَرْضَ الشُّرَكَاءُ فِيهِ بِالْمُهَايَأَةِ أَنَّ الْحَاكِمَ يُؤَجِّرهُ وَهَلْ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُؤَجِّرَهُ لِبَعْضِ الشُّرَكَاءِ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ لَا فَهَلْ إجَارَتُهُ صَحِيحَةٌ أَوْ فَاسِدَةٌ وَلَوْ أَنَّ بَعْضَ الشُّرَكَاءِ طَلَبَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ هَلْ يُجَابُ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ قَضِيَّةُ قَوْلِهِمْ فِي امْتِنَاعِ الشِّرْكَيْنِ مِنْ الْمُهَايَأَةِ إنَّ الْحَاكِمَ يُؤَجِّرُهُ عَلَيْهِمَا وَتُوَزَّعُ الْأُجْرَةُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرهُ لِأَحَدِهِمَا وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ لِأَنَّهُ بِامْتِنَاعِهِمَا صَارَ نَائِبًا عَنْهُمَا شَرْعًا إذْ تَصَرُّفُهُ عَلَيْهِمَا إنَّمَا هُوَ بِنِيَابَةٍ اقْتَضَتْهَا الْوِلَايَةُ أَخْذًا مِمَّا قَالُوهُ فِي الْحَاكِمِ إذَا زَوَّجَ بِعَضَلِ الْوَلِيِّ أَوْ غَيْبَتِهِ مَثَلًا وَإِذَا كَانَ نَائِبًا عَنْهُمَا فَكَيْفَ يُؤَجِّرُ أَحَدَهُمَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَصَرِّفًا مَعَ مُسْتَنِيبِهِ فِيمَا هُوَ نَائِبٌ فِيهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ لِاسْتِلْزَامِهِ أَنَّ الْمَالِكَ يَسْتَأْجِرُ مَالَهُ مِنْ نَائِبِهِ. بَلْ لَوْ قُلْنَا إنَّ الْقَاضِيَ لَيْسَ نَائِبًا عَنْهُمَا وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِي ذَلِكَ بِحُكْمِ الْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ كَانَ الِامْتِنَاعُ وَاضِحًا أَيْضًا لِأَنَّهُ وَلِيٌّ عَلَى الْمُسْتَأْجَرِ مِنْهُ فِي حِصَّتِهِ وَالْوَلِيُّ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ مَعَ الْمُوَلَّى عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ وَلِيٌّ عَلَيْهِ فِيهِ فَإِنْ قُلْتَ يُمْكِنُ تَوْجِيهُ الصِّحَّةِ بِأَنَّ أَحَدِهِمَا إذَا رَضِيَ بِالِاسْتِئْجَارِ صَارَ الْقَاضِي غَيْرَ نَائِبٍ عَنْهُ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَنُوبُ عَنْ مُمْتَنِعٍ وَغَيْر مُوَلًّى عَلَيْهِ كَذَلِكَ أَيْضًا وَحِينَئِذٍ فَلَا يَتَأَتَّى مَا ذَكَرْتُهُ فِي تَوْجِيهِ الِامْتِنَاعِ قُلْتُ هَذَا وَإِنْ أَمْكَنَ أَنْ يُتَخَيَّلَ إلَّا أَنَّهُ عِنْدَ التَّأَمُّلِ وَاضِحُ الْفَسَادِ لِأَنَّ الْحَاكِمَ لَا يُؤَجِّرُهُ عَلَيْهِمَا إلَّا إذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا بِالْمُهَايَأَةِ وَإِذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا بِهَا فَوِلَايَةُ الْحَاكِمِ أَوْ نَائِبِهِ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَيْهِمَا وَإِنْ رَضِيَ أَحَدُهُمَا بِأَنْ يَسْتَأْجِرَهُ لِأَنَّ رِضَاهُ بِاسْتِئْجَارِهِ غَيْرُ رِضَاهُ بِالْمُهَايَأَةِ فَلَا يَكُونُ رِضَاهُ بِالِاسْتِئْجَارِ مُبْطِلًا لِوِلَايَةِ الْحَاكِمِ وَلَا لِنِيَابَتِهِ لِوُجُودِ السَّبَبِ

стр. 1279

الْمُقْتَضِي لَهَا وَهُوَ امْتِنَاعُهُمَا مِنْ الْمُهَايَأَة وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ إيجَارَ الْحَاكِمِ لِأَحَدِهِمَا فَاسِدٌ وَلَوْ بِأَكْثَرَ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْلِ لِأَنَّ مَلْحَظَ الْفَسَادِ مَا تَقَرَّرَ وَهُوَ مَوْجُودٌ مَعَ اسْتِئْجَارِهِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ أَوْ بِأَكْثَرَ مِنْهَا ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ عَبْسِينَ أَفْتَى بِخِلَافِ ذَلِكَ وَفِيمَا قَرَّرْتُهُ رَدٌّ لِجَمِيعِ كَلَامِهِ فَتَأَمَّلْهُ. (وَسُئِلَ) بَعْضُ النَّاسِ عَنْ رَجُلٍ مَاتَ وَخَلَّفَ خَمْسَةَ أَوْلَادٍ ذُكُورٍ دَاوُد وَأَحْمَدَ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ مَاتَ عُمَرُ عَنْ وَلَدٍ اسْمُهُ إدْرِيسُ ثُمَّ مَاتَ إدْرِيسُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَخَلَّفَ أَرْبَعَةَ أَعْمَامِ ثُمَّ مَاتَ أَحْمَدُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَانْحَصَرَ إرْثُهُ فِي إخْوَتِهِ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِينَ ثُمَّ مَاتَ دَاوُد وَخَلَّفَ وَلَدَيْنِ ذَكَرَيْنِ هُمَا عَبْدُ اللَّهِ وَيُوسُفُ وَبِنْتًا هِيَ فَاطِمَةُ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ وَخَلَّفَ وَلَدًا ذَكَرًا اسْمُهُ إدْرِيسُ ثُمَّ مَاتَ إدْرِيسُ الْمَذْكُورُ عَنْ غَيْرِ وَلَدٍ وَخَلَّفَ عَمًّا لَهُ وَهُوَ يُوسُفُ الْمَذْكُورُ وَعَمَّةً لَهُ هِيَ فَاطِمَةُ الْمَذْكُورَةُ ثُمَّ غَابَ عَلَى الْمَذْكُورِ فِي السَّفَرِ وَجُهِلَ مَكَانُهُ وَلَهُ مُدَّةُ سِتِّينَ سَنَةً لَمْ يُعْلَمْ أَهُوَ حَيٌّ أَمْ مَيِّتٌ وَتَرَكَ وَلَدًا لَهُ اسْمُهُ شُكْرٌ وَانْحَصَرَ الْآنَ إرْثُ عَبْدِ اللَّهِ الْجَدِّ فِي وَلَدِهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفِي أَوْلَادِ وَلَدِهِ دَاوُد وَفِي وَلَدِ وَلَدِهِ عَلَى الْغَائِبِ شُكْرٍ الْمَذْكُورِ وَلِلْجَدِّ عَبْدِ اللَّهِ أَرَاضٍ وَمَزَارِعُ بِالْيَمَنِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا عَمُّهُمَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْمَذْكُورُ وَقَسَمَ لِأَوْلَادِ دَاوُد وَأَوْلَادِ عَلِيِّ الْمَذْكُورِينَ قِطْعَتَيْنِ مِنْ الْأَرَاضِي الْمَذْكُورَةِ فِي بَيْتَيْنِ مِنْ ثُلْثِ الْأَرَاضِي الْمَتْرُوكَةِ وَمَسَكَ الثُّلُثَيْنِ بِيَدِهِ وَغَلَبَ عَلَى أَوْلَادِ إخْوَتِهِ. فَمَاذَا يَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ الْأَوْلَادِ وَأَوْلَادِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْأَرَاضِي بِحُكْمِ الْفَرِيضَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَأَجَابَ بِقَوْلِهِ حِصَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثُلْثٌ وَعَلِيٍّ ثُلْثٌ وَيُوسُفَ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِ ثُلُثٍ وَفَاطِمَةَ خُمْسُ ثُلُثٍ وَعَلَى الْغَائِبِ سِتِّينَ سَنَةً إذَا مَضَتْ مُدَّةٌ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ فَوْقَهَا فَيَجْتَهِدُ الْقَاضِي وَيَحْكُمُ بِمَوْتِهِ وَيُعْطِي مَالَهُ مَنْ يَرِثَهُ وَقْتَ الْحُكْمِ وَالْقِسْمَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إنْ كَانَتْ بِطَلَبِ الشُّرَكَاءِ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ أَمْ لَا وَهُمْ بَالِغُونَ رُشَدَاءُ وَلَمْ يَحْصُلْ حَيْفٌ فِي الْقِسْمَةِ فَالْقِسْمَةُ صَحِيحَةٌ إلَّا فِي حِصَّةٍ عَلَى الْغَائِبِ لِأَنَّهُ لَا يُحْكَمُ بِمَوْتِهِ إلَى الْآنَ وَإِنْ كَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ هُوَ الْقَاسِمَ بِاخْتِيَارِهِ فَكُلُّ أَحَدٍ مِنْ الْوَرَثَةِ عَلَى حِصَّتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ مِنْ كُلِّ أَرْضٍ وَمَزْرَعَةٍ. اهـ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ فَرُفِعَ هَذَا السُّؤَالُ إلَى شَيْخِنَا - فَسَحَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُدَّتِهِ وَرَضِيَ عَنْهُ وَقَمَعَ بِهِ جَرَاءَةَ مُتَهَجِّمٍ عَلَى الْعِلْمِ قَبْلَ دَرْيَتِهِ وَالْتَمَسَ مِنْهُ تَبْيِينَ الصَّوَابِ عَمَّا بِهِ - هَذَا الْمُفْتِي أَجَابَ. (فَأَجَابَ) نَفَعَ اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِ الْمُجِيبِ وَالْقِسْمَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَى آخِرِ جَوَابِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ لِأُمُورٍ مِنْهَا أَنَّ الْمُصَرَّحَ بِهِ فِي السُّؤَالِ وَالْجَوَابِ أَنَّ الْقَاسِمَ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَحَيْثُ تَوَلَّى بَعْضُ الشُّرَكَاءِ الْقِسْمَةَ بِنَفْسِهِ فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْبَاقُونَ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ عَنْهُمْ فَلَا يَحْتَاطُ لَهُمْ كَنَفْسِهِ وَمِنْهَا أَنَّهُ حَيْثُ كَانَ فِي الشُّرَكَاءِ غَائِبٌ فَلَا يَقْسِمُ عَنْهُمْ إلَّا الْقَاضِيَ بِشَرْطِهِ وَإِلَّا فَالْقِسْمَةُ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا وَهَذَانِ كَافِيَانِ فِي بُطْلَانِ جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْمُفْتِي فَالصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ بَاطِلَةٌ مِنْ أَصْلِهَا مُطْلَقًا وَأَنَّ مَا ذَكَرَهُ هَذَا الْمُفْتِي مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ بَاطِلٌ لَا يُعَوَّلُ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ هَلَكَ وَخَلَّفَ بِنْتًا وَأُخْتًا لِأَبٍ وَأُخْتًا لِأُمٍّ مَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فَإِنَّ فِي بَلَدِنَا مَنْ لَا يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ إلَّا مَنْ لَا يَعْلَمُ أَفْتُونَا كَيْف يُقْسَمُ الْمِيرَاثُ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ قَالُوا إنَّ الْوَلَدَ لِلْأَبِ يَمْنَعُ الْأَخَ لِلْأُمِّ مِنْ الْمِيرَاثِ وَكَذَا قَالُوا الْأَخَوَاتُ مَعَ الْبَنَاتِ عَصَبَاتٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ لِلْبِنْتِ النِّصْفُ وَلِلْأُخْتِ لِلْأَبِ النِّصْفُ الْبَاقِي وَلَا شَيْءَ لِلْأَخِ لِلْأُمِّ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ بِالْبِنْتِ لَا بِالْأُخْتِ وَلَمْ يَقُولُوا إنَّ وَلَدَ الْأَبِ يَمْنَعُ الْأَخَ لِلْأُمِّ مِنْ الْمِيرَاثِ خِلَافًا لِمَا ذَكَره السَّائِلُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ مَاتَ وَخَلَّفَ بِنْتًا وَابْنًا لِعَتِيقِهِ أَوْ بِنْتَ مُعْتِقِهِ وَقَبِيلَةٌ يُنْسَبُ إلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ بَلْ يُقَال إنَّهُ مِنْهُمْ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي هُوَ بِهَا فَقَالَ الْمِيرَاثُ بَيْن الْبِنْتِ وَابْن الْعَتِيقِ نِصْفَانِ هَلْ مَا فَعَلَ هَذَا عَنْ حَقِيقَةٍ أَوْ جَاهِلٌ فَنُعَرِّفُهُ فَإِنْ قَبِلَ وَإِلَّا رَفَعْنَا أَمْرَهُ أَمْ يَكُونُ النِّصْفُ لِلْبِنْتِ وَالنِّصْفُ لِلْعَصَبَةِ إذَا تَبَيَّنَ لَهُ عَصَبَةٌ وَحَيْثُ لَا بَيْتَ مَالٍ فَهَلْ يُحْكَمُ بِالرَّدِّ عَلَى الْبِنْتِ أَمْ

стр. 1280

يُرْصَدُ إذَا رَجَا أَنَّهُ يَكُونُ مِنْ حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءَ الْعَرَبِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ أَمَّا أَوْلَادُ الْعَتِيقِ فَلَا يَرِثُونَ مِنْ الْمُعْتَقِ شَيْئًا مُطْلَقًا سَوَاءً كَانُوا ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا وَأَمَّا بِنْتُ الْمُعْتَقِ فَلَا تَرِثُ مِنْ عَتِيقِ أَبِيهَا شَيْئًا وَحِينَئِذٍ فَتَسْتَحِقُّ بِنْتُ الْمَيِّتِ النِّصْفَ ثُمَّ إنْ ثَبَتَ انْحِصَارُ الْإِرْثِ فِيهَا بِأَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَارِثٌ غَيْرُهَا فَإِنْ كَانَ بَيْتُ الْمَالِ مُنْتَظِمًا فِي تِلْكَ الْأَرَاضِي أَخَذَ الْمُتَوَلِّي عَلَيْهِ النِّصْفَ الْبَاقِيَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُنْتَظِمًا أَخَذَتْ الْبِنْتُ النِّصْفَ الْبَاقِيَ أَيْضًا وَأَمَّا إذَا لَمْ يَثْبُتْ انْحِصَارُ الْإِرْثِ فِيهَا فَتُعْطَى النِّصْفَ فَقَطْ وَالْبَاقِي يُحْفَظُ بِأَنْ يُجْعَلَ تَحْتَ يَدِ قَاضٍ أَمِينٍ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ قَاضٍ أَمِينٌ اتَّفَقَ أَهْلُ تِلْكَ الْبَلَدِ عَلَى وَضْعِهِ عِنْد مَنْ يَرْضَوْنَ بِأَمَانَتِهِ وَدِيَانَتِهِ إلَى أَنْ يَظْهَرَ مُسْتَحِقُّهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُؤَالًا صُورَتُهُ أَيِسَ مِنْ صَاحِبِ دَيْنٍ فَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِتَرِكَةِ الْمَدْيُونِ مَعَ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ صَرَّحَ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي طِرَازِهِ فِي بَابِ الْقِسْمَةِ بِعَدَمِ تَعَلُّقِهِ لِئَلَّا يُؤَدِّيَ إلَى دَوَامِ حَجْرِ التَّرِكَةِ بِهِ لَا إلَى غَايَةٍ وَتَبِعَهُ الدَّمِيرِيُّ وَزَادَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُحْجَرُ بِدَيْنِ اللُّقَطَةِ إذَا تَمَلَّكَهَا الْمَيِّتُ وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكُهَا وَجَرَى عَلَيْهِ الزَّرْكَشِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي صُورَةِ اللُّقْطَةِ وَعَلَّلَهُ بِمَا ذُكِرَ وَإِطْلَاقُ الْأَصْحَابِ يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَمَا عَلَّلُوا بِهِ مَمْنُوعٌ فَإِنَّهُ إذَا أَيِسَ مِنْ مَالِكِهِ صَارَ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ فَيَتَوَلَّى نَاظِرُ بَيْتِ الْمَالِ قَبْضَهُ وَبِهِ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ فَلَمْ يَلْزَمْ دَوَامُ الْحَجْرِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - سُؤَالًا صُورَتُهُ زَيْدٌ وَشَقِيقَتُهُ فَوَلَدَتْ الشَّقِيقَةُ بِنْتًا وَوَلَدَتْ الْبِنْتُ وَلَدًا فَمَاتَتْ الشَّقِيقَةُ وَالْبِنْتُ فَزَعَمَ ابْنُ الْبِنْتِ أَنَّ الْبِنْتَ الشَّقِيقَةَ تَقَدَّمَ مَوْتُهَا قَبْلَ الْبِنْتِ فَالْوَارِثُ لِلشَّقِيقَةِ الْبِنْتُ وَالْأَخُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ فَزَعَمَ الْأَخُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ أَنَّ بِنْتَ الشَّقِيقَةِ تَقَدَّمَ مَوْتُهَا عَلَى مَوْتِ أُمِّهَا الَّتِي هِيَ الشَّقِيقَةُ فَالْوَارِثُ لِلشَّقِيقَةِ هُوَ أَيْ الْأَخُ الَّذِي هُوَ زَيْدٌ وَحْدَهُ فَمَنْ الْمُرَجَّحُ مِنْهُمَا وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ إذَا كَانَ الْمَالُ فِي يَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا أَوْ فِي يَدِ غَيْرِهِمَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ زَيْدًا الْأَخَ يَسْتَحِقُّ النِّصْفَ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ ثُمَّ النِّصْفُ الثَّانِي هُوَ يَزْعُمُ أَنَّ لَهُ أَيْضًا وَابْنُ الْبِنْتِ يَزْعُمُ أَنَّهُ لِأُمِّهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ وُقِفَ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أَوْ يَصْطَلِحَا كَمَا شَمِلَ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ مَتَى عُلِمَ تَقَدُّمُ مَوْتِ أَحَدِ مُتَوَارِثَيْنِ عَلَى الْآخَرِ وَنُسِيَ وُقِفَ مِيرَاثُ كُلٍّ إلَى الْبَيَانِ أَوْ الصُّلْحِ وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِالْوَقْفِ فِي جَمِيعِ مَالِ الشَّقِيقَةِ لِأَنَّ إرْثَ أَخِيهَا النِّصْفُ مِنْهُ مُحَقَّقٌ تَقَدَّمَتْ عَلَى بِنْتِهَا أَوْ تَأَخَّرَتْ فَلَا مُسَوِّغَ لِلْوَقْفِ فِيهِ إذْ لَا مُسَوِّغَ لَهُ إلَّا الشَّكَّ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَهُوَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي النِّصْفِ الثَّانِي فَقَطْ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ قَتَلَ أَبَاهُ وَلِلْقَاتِلِ وَلَدٌ وَلَيْسَ لِلْمَقْتُولِ وَارِثٌ سِوَى الْقَاتِلِ فَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ فَهَلْ يَرِثُ وَلَدُهُ أَمْ لَا فَإِذَا قُلْتُمْ يَرِثُهُ كَيْف يَرِثُ وَهُوَ بَعْضُ الْقَاتِلِ كَأَنَّهُ هُوَ وَهُوَ مَمْنُوعٌ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قِيَامُ مَانِعِ الْإِرْثِ بِشَخْصٍ يُصَيِّرُهُ كَالْعَدَمِ فَالْقَاتِلُ حِينَئِذٍ كَأَنَّهُ لَمْ يُوجَد فَيَرِثُ وَلَدُهُ بِالْقَرَابَةِ الَّتِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَيِّتِ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَتْلَ أَبِيهِ صَيَّرَهُ كَالْمَيِّتِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ مَاتَ وَخَلَّفَ بَنِي عَمَّةٍ وَخَالًا وَابْنَ خَالَةٍ وَقُلْنَا بِتَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ فَمَنْ الْوَارِثُ مِنْ هَؤُلَاءِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ لِبَنِي الْعَمَّةِ الثُّلُثَانِ وَالثُّلُثُ الْآخَرُ بَيْنَ الْخَالِ وَابْن الْخَالَةِ أَثْلَاثًا لِلْخَالِ ثُلُثَاهُ وَلِابْنِ الْخَالَةِ ثُلُثُهُ هَذَا مَا يَظْهَرُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ لِأَنَّا إذَا نَزَّلْنَا كُلَّ فَرْعٍ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ كَانَ بَنُو الْعَمَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَمَّةِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَبِ وَالْخَالُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ وَابْنُ الْخَالَةِ بِمَنْزِلَةِ أُمِّهِ الَّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ فَيُقَدَّرُ الْخَالُ وَالْخَالَةُ كَأَنَّهُمَا وَرِثَا أُخْتَهُمَا فَيَكُون لِلْخَالِ الثُّلُثَانِ وَلِلْخَالَةِ الثُّلُثُ وَمَالُهَا يَأْخُذُهُ وَلَدُهَا وَمِنْ ثَمَّ جَعَلْنَا كَأَنَّ الْأُمَّ وَالْأَبَ مَوْجُودَانِ فَمَا لِلْأَبِ وَهُوَ الثُّلُثَانِ يَكُونُ لِبَنِي الْعَمَّةِ وَمَا لِلْأُمِّ وَهُوَ الثُّلُثُ يَكُونُ لِمَنْ بِمَنْزِلَتِهَا وَهُمَا الْخَالُ وَابْنُ الْخَالَةِ أَمَّا الْخَالُ فَوَاضِحٌ وَأَمَّا ابْنُ الْخَالَةِ فَلِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ فِي الْمُسَاوَاةِ لِلْخَالِ فَلِمَ يُحْجَبْ بِهِ فَإِنْ قُلْتَ الْقِيَاسُ حَجْبُ الْخَالُ لَهُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الْوَارِثِ الْمُنْزَلَيْنِ مَنْزِلَتَهُ وَهُوَ الْأُمُّ قُلْتُ إنَّمَا يَتَأَتَّى هَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ الْقَرَابَةِ أَمَّا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ فَلَا لِأَنَّا

стр. 1281

عَلَى مَذْهَبِهِمْ نُنْزِلُ الْفَرْعَ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ ثُمَّ نَعْتَبِرُ حِينَئِذٍ السَّبْقَ إلَى الْوَارِث وَأَمَّا اعْتِبَارُ السَّبْقَ إلَيْهِ قَبْلَ التَّنْزِيلِ فَغَيْرُ مَقِيسٍ عَلَى مَذْهَبِ الْمُنْزَلِينَ ثُمَّ رَأَيْت ابْنَ الصَّلَاحِ. سُئِلَ عَمَّنْ تَرَكَ خَالًا وَابْنَيْ خَالَةٍ مَنْ يَرِثُ مِنْهُمَا؟ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِقَوْلِهِ يُصْرَفُ مِيرَاثُهُ إلَى مَنْ يُوَرِّثُهُ الْمُوَرِّثُونَ لِذَوِي الْأَرْحَامِ وَهَذَا الْجَوَابُ مُجْمَلٌ إذْ لَمْ يَتَبَيَّنْ مِنْهُ أَنَّ الْخَالَ يَحْجُبُ ابْنَيْ الْخَالَةِ أَمْ لَا. ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ تَرَكَتْ زَوْجًا وَعَمَّةً وَابْنَتَيْ أَخٍ شَقِيقٍ فَأَفْتَى بَعْدَ الِاسْتِخَارَةِ بِأَنَّ لِلزَّوْجِ النِّصْفَ وَالْبَاقِيَ بَيْنَ الثَّلَاثِ أَثْلَاثًا إلَّا أَنْ تَكُونَ الْعَمَّةُ لِلْأُمِّ فَحَسْبُ فَيَكُونُ الْبَاقِي بَيْنَ بِنْتَيْ الْأَخِ وَوَجَّهَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ أَنِّي وَجَدْتُ الْعَمَّةَ تَتَرَجَّحُ بِأَنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ التَّنْزِيلِ نَزَّلُوهَا أَبًا وَقَالُوا بِتَقْدِيمِهَا عَلَى ابْنَةِ الْأَخِ الَّتِي هِيَ مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْأَخِ عِنْدَ أَهْلِ التَّنْزِيلِ أَجْمَعِينَ وَوَجَدْتُ ابْنَةَ الْأَخِ تَتَرَجَّحُ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ أَنَّ أَهْلَ الْقَرَابَةِ كَالْبَغَوِيِّ وَالْمُتَوَلِّي قَالُوا بِتَقْدِيمِ بِنْتِ الْأَخِ وَوَافَقَهُمْ بَعْضُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَّلَ الْعَمَّةَ عَمًّا فَقَدَّمُوا ابْنَةَ الْأَخِ عَلَيْهَا. كَمَا يُقَدَّمُ الْأَخُ عَلَى الْعَمِّ فَرَأَيْتُ أَنْ لَا أُسْقِطُ إحْدَى الْجِهَتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَوَجَدْتُهُمَا مُتَعَادِلَتَيْنِ فَسَوَّيْتُ بَيْنَ الثَّلَاثِ وَهُوَ مَذْهَبُ بَعْضِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ وَمِنْهُمْ مَنْ نَزَّلَ الْعَمَّةَ لِغَيْرِ الْأُمِّ بِمَنْزِلَةِ الْجَدِّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ حِكَايَةِ مَذْهَبِ أَنَّ إعْطَاءَ ذَوِي الْأَرْحَامِ عَلَى سَبِيلِ الْمَصْلَحَةِ لَا الْإِرْثِ فَرَأَيْتُ وَالْحَالُ عَلَى مَا وَصَفْتُ الْإِفْتَاءَ بِالْجَمْعِ وَالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُنَّ أَقْرَبُ الْوُجُوهِ وَأَعْدَلُ الْمَذَاهِبِ وَأَرْعَاهَا لِلْجِهَاتِ فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ فِي الْمَصِيرِ إلَيْهِ كَلَامُهُ مُلَخَّصًا ثُمَّ قَالَ فِي بِنْتَيْ أَخٍ وَابْنِ بِنْتٍ اجْتَهَدْتُ أَيَّامًا وَأَفْتَيْتُ عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ بِأَنَّ لِابْنِ الْبِنْتِ النِّصْفَ وَلِبِنْتَيْ الْأَخِ النِّصْفَ بَيْنَهُمَا وَرَأَيْتُ الْمَيْلَ إلَى التَّنْزِيلِ أَقْرَبَ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ وَأَقْوَى اهـ. وَمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْأَخِيرَةِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ فِي الَّتِي قَبْلَهَا بِقِيَاسِ مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ أَنَّ الْمَالَ كُلَّهُ لِلْعَمَّةِ لِأَنَّهَا مُنَزَّلَةٌ مَنْزِلَةَ الْأَبِ وَبِنْتَا الْأَخِ مُنَزَّلَتَانِ مَنْزِلَةَ الْأَخِ وَالْأَبُ يَحْجُبُ الْأَخَ فَكَذَا الْمُدْلِي بِالْأَبِ يَحْجُبُ الْمُدْلِيَ بِالْأَخِ تَنْزِيلًا لِكُلِّ فَرْعٍ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ عَدَمِ حَجْبِ الْعَمَّةِ تَعَارَضَ فِيهَا مَذْهَبُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ وَالْقَرَابَةِ فَالْأَوَّلُونَ يُوَرِّثُونَهَا وَحْدَهَا وَأَهْلُ الْقَرَابَةِ يُوَرِّثُونَ بِنْتَيْ الْأَخِ وَحْدَهُمَا فَلِتَعَادُلِ الْمَذْهَبَيْنِ عِنْدَهُ قَالَ بِاشْتِرَاكِ الثَّلَاثِ وَفِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ مَذْهَبُ أَهْلِ الْقَرَابَةِ حَجْبُ الْخَالِ لِابْنِ الْخَالَةِ فَكَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ عَلَى مَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ بِبَادِي الرَّأْيِ لِأَنَّ الْخَالَ أَقْرَبُ إلَى الْوَارِثِ فَلَا جَامِعَ بَيْنَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَمَا قَدَّمْتُهُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بَلْ مَا ذَكَرْتُهُ فِي رَدِّهِ مِنْ حَجْبِ الْعَمَّةِ لِبِنْتِ الْأَخِ يُؤَيِّدُ حَجْبَ الْخَالِ لِابْنِ الْخَالَةِ إلَّا أَنْ يُفَرَّقَ بِأَنَّ الْعَمَّةَ تُدْلِي إلَى غَيْرِ مَنْ تُدْلِي إلَيْهِ بِنْتُ الْأَخِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْعَمَّةَ تُدْلِي إلَى الْأَبِ وَبِنْتَ الْأَخِ تُدْلِي إلَى وَارِثٍ آخَرَ غَيْرِهِ وَهُوَ الْأَخُ وَلَا كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا لِأَنَّ الْخَالَ يُدْلِي إلَى الْأُمِّ وَابْنُ الْخَالَةِ لَا يُدْلِي لِوَارِثٍ غَيْرِ الْأُمِّ. بَلْ إنَّمَا يُدْلِي لَهَا أَيْضًا بَعْد تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ الَّذِي هُوَ طَرِيقَةُ أَهْلِ التَّنْزِيلِ فَاسْتَوَيَا هُنَا فِي الْإِدْلَاءِ إلَى وَارِثٍ فَلِمَ يَحْجُبْ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَأَمَّا الْعَمَّةُ وَبِنْتُ الْأَخِ فَلَمْ يَسْتَوِيَا فِي ذَلِكَ بَلْ أَدْلَيَا بِوَارِثَيْنِ مُخْتَلِفِينَ فَنَظَرْنَا لِحَجْبِ أَحَدِهِمَا الْآخَرَ وَعَمِلْنَا بِذَلِكَ فَقُلْنَا بِحَجْبِ الْعَمَّةِ لِبِنْتِ الْأَخِ فَإِنْ قُلْتَ يُؤَيِّدُ حَجْبَ الْخَالِ لِابْنِ الْخَالَةِ قَوْلُ ابْنِ الصَّرْدِ فِي كَافِيهِ بِنْتُ خَالٍ وَخَالَةٍ أَمْ الْمَالُ لِخَالَةِ الْأُمِّ لِأَنَّكَ إذَا نَزَّلْتَهَا دَرَجَةً صَارَتْ جَدَّةً وَبِنْتُ الْخَالِ إذَا نَزَّلْتهَا دَرَجَةً صَارَتْ خَالًا وَلَمْ تَصِل إلَى الْوَارِثِ قُلْتُ الْفَرْقُ بَيْن هَذِهِ وَصُورَةِ السُّؤَالِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ بِنْتَ الْخَالِ بَعْد تَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ أَصْلِهَا لَا تُسَاوِي خَالَةَ الْأُمِّ فِي دَرَجَتِهَا بَلْ هِيَ بَعْد التَّنْزِيلِ أَعْلَى مِنْهَا بِدَرَجَةٍ فَلِذَلِكَ نَزَّلْنَا خَالَةَ الْأُمِّ مَنْزِلَةَ الْجَدَّةِ فَلَا تَسْبِقُهَا بِنْتُ الْخَالِ بِدَرَجَةٍ بَعْد تَنْزِيلِهَا مَنْزِلَةَ أَبِيهَا وَهُوَ الْخَالُ وَأَمَّا فِي مَسْأَلَتِنَا فَابْنُ الْخَالَةِ بَعْد تَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ يُسَاوِي الْخَالَ فِي دَرَجَتِهِ وَحِينَئِذٍ فَيَلْزَمُ اسْتِوَاءُ كُلٍّ مِنْهُمَا فِي الْقُرْبِ إلَى الْأُمِّ فَلَمْ يَبْقَ مُسَوِّغٌ لِحَجْبِ الْخَالِ لِابْنِ الْخَالَةِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِاسْتِوَائِهِمَا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الْكَافِي بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ التَّنْزِيلِ بَعْد أَنْ ذُكِرَ إنَّكَ تُنَزِّلُ كُلًّا مِنْهُمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يُدْلِي بِهِ فَإِنْ اسْتَوَيَا فِي دَرَجَةٍ فَإِنَّك تُوَرِّثُ كُلَّ وَاحِدٍ مِيرَاثَ مَنْ يُدْلِي بِهِ وَإِنْ سَبَقَ بَعْضُهُمْ إلَى وَارِثٍ بِدَرَجَةٍ انْفَرَدَ بِجَمِيعِ الْمَالِ

стр. 1282

وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَنْ يَحْجُبُ حَجَبْتَهُ كَمَا تَعْمَل فِي مَسَائِلِ الصُّلْبِ فَتَأَمَّلْ كَوْنَهُ اعْتَبَرَ الِاسْتِوَاءَ فِي الدَّرَجَةِ وَالسَّبْقِ إلَى الْوَارِثِ بَعْد تَنْزِيلِ الْفَرْعِ مَنْزِلَةَ أَصْلِهِ لَا قَبْلَهُ تَجِدْهُ شَاهِدًا لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ عَدَمِ حَجْبِ الْخَالِ لِابْنِ الْخَالَةِ لِاسْتِوَائِهِمَا بَعْدَ تَنْزِيلِ ابْنِ الْخَالَةِ مَنْزِلَةَ أُمِّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُشْكَلَةٌ وَأَنَّ فِي كَلَامِهِمْ ظَوَاهِرُ تَقْتَضِي حَجْبَ الْخَالِ لِوَلَدِ الْخَالَةِ وَظَوَاهِرُ تَقْتَضِي عَكْسَهُ وَأَنَّ الْأَوَّلَ أَقْرَبُ مِنْ مَدَارِكِهِمْ بِبَادِي الرَّأْيِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدَّرَ بَعْضُهُمْ مُدَّةً لِلْمَفْقُودِ بِسَبْعِينَ سَنَةً فَهَلْ تَتَقَدَّرُ بِذَلِكَ أَمْ كَيْف الْحَالُ أَفْتُونَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَبِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ أَنَّهَا لَا تَتَقَدَّرُ بِشَيْءٍ وَإِنَّمَا الْمَدَارُ عَلَى مُضِيِّ مُدَّةٍ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْحَاكِمِ أَنَّ الْمَفْقُودَ لَا يَعِيشُ إلَيْهَا وَقَدْ يَظْهَرُ لَهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ مَوْتُهُ فِي أَقَلِّ مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً نَعَمْ التَّقْدِيرُ بِهَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَخْذًا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «أَعْمَارُ أُمَّتِي مَا بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ» ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. [بَابُ الشَّهَادَاتِ] (مَسْأَلَة) قَالَ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ مَا لَفْظُهُ نَجِدُ كِتَابَ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ أَوْ غَيْرِهِمَا بِعَقَارِ أَوْ دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَوْ قَرْيَةٍ أَوْ نَحْوِهَا مُشْتَمِلٌ عَلَى حُدُودٍ يَقَعُ اخْتِلَافٌ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ وَبَطَلَتْ مِنَّا إثْبَاتُ تِلْكَ الْحُدُودِ كَمَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ وَمَا فَعَلَتُهُ قَطُّ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ فِي الْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ أَوْ نَحْوِهِمَا هُوَ الْعَقْدُ الصَّادِرُ عَلَى الْمَحْدُودِ بِتِلْكَ الْحُدُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ الشَّاهِدُ عَارِفًا بِتِلْكَ الْحُدُودِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا سَمِعَ لَفْظَ الْعَاقِدِ فَاَلَّذِي شَهِدَ بِهِ إقْرَارُهُ بِذَلِكَ وَالْحُدُودُ مِنْ كَلَامِهِ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي الْعُقُودِ وَالْأَقَارِيرِ وَظُهُورُهُ فِي الْأَقَارِيرِ أَكْثَرُ لِأَنَّهُمَا مِنْ كَلَامِ الْمُقِرِّ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ وَفِي الْعُقُودِ دُونَهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْعَقْدِ مِنْ كَلَامِ الشَّاهِدِ وَحِكَايَتِهِ عَنْ حُضُورِهِ الْعَقْدَ وَسَمَاعِهِ فَهُوَ شَاهِدٌ بِالْبَيْعِ وَالْوَقْفِ لَا بِالْإِقْرَارِ بِهِمَا فَلَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِ بِصُدُورِ الْبَيْعِ عَلَى الْمَبِيعِ وَالْوَقْفِ عَلَى الْمَوْقُوفِ. لَكِنَّا نَقُولُ إنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَدْعِي مَعْرِفَتِهِ لِلْمَبِيعِ وَالْمَوْقُوفِ لِجَوَازِ أَنْ يَقُولَ بِعْتُكَ الْبَلَدَ أَوْ الدَّارَ الَّتِي حَدُّهَا كَذَا وَلَا يَكُونُ عِنْد الشَّاهِدِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى جَرَيَانِ الْبَيْعِ عَلَى الْمَحْدُودِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ وَلَا حُدُودَهُ يَبْقَى عَلَيْنَا شَيْءٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَدْ يُشْكِلُ وَهُوَ الشَّهَادَةُ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَكَثِيرًا مَا يَقَعُ هَذَا فِي كُتُبِ الْمُبَايَعَاتِ وَالْأَوْقَافِ مُسْتَقِلًّا تَقُومُ بَيِّنَةٌ أَنَّ فُلَانًا مَالِكٌ حَائِزٌ لِلْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ الَّذِي حُدُودُهُ كَذَا وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَكَانُ مَعْرُوفًا مَشْهُورًا لَا مُنَازَعَةَ فِيهِ وَتَقَعُ الْمُنَازَعَةُ فِي حُدُودِهِ أَوْ فِي بَعْضِهَا وَالشُّهُودُ قَدْ مَاتُوا بَعْدَ أَنْ قَدْ ثَبَتَ الْمَكْتُوبُ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَقْصِدُ الَّذِي بِيَدِهِ الْمَكْتُوبُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ فِي الْحُدُودِ وَيَنْزِعُ مِنْ صَاحِبِ يَدٍ بَعْضَ مَا فِي يَدِهِ بِمُقْتَضَى ذَلِكَ الْمَكْتُوبِ وَيَدَّعِي أَنَّ تِلْكَ الْحُدُودِ ثَابِتَةٌ لَهُ بِمُقْتَضَى مَكْتُوبِهِ وَقَدْ طُلِبَ مِنِّي ذَلِكَ فَلَمْ أَفْعَلْهُ لِأَنِّي أَعْلَمُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ أَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَعْلَمُ مِلْكَ زَيْدٍ لِلْبَلَدِ الْفُلَانِيّ مَثَلًا عِلْمًا يُسَوِّغُ لَهُ الشَّهَادَةَ بِمِلْكِهِ وَيَدِهِ وَذَلِكَ الْبَلَدُ مُشْتَهِرٌ وَتَحْقِيقُ حُدُودِهِ قَدْ لَا يُحِيطُ عِلْمُ الشَّاهِدِ بِهَا فَيَسْتَسْمِيهَا مِمَّنْ هُوَ يَعْرِفُهَا هَكَذَا رَأَيْنَا الْعَادَةَ كَمَا يَشْهَدُ عَلَى زَيْدٍ الَّذِي يَعْرِفُهُ وَيَتَحَقَّقهُ وَلَا يَتَحَقَّقُ نَسَبَهُ فَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى وَاحِدٍ فِيهِ فَالتَّمَسُّكُ فِي إثْبَاتِ الْحُدُودِ كَالتَّمَسُّكِ فِي إثْبَاتِ الشَّرَفِ وَنَحْوِهِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى شَيْءٍ وَاحْتَمَلَ أَنْ تَكُونَ يَدُهُ بِحَقٍّ لَا تُزَالُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ أَنَّ يَدَهُ عَادِيَةُ وَلَا يُعْتَمَدُ فِي رَفْعِ يَدِهِ عَلَى كِتَابٍ قَدِيمٍ بِتِلْكَ الشَّهَادَةِ الَّتِي لَا يُدْرَى مُسْتَنَدُهَا وَقَالَ أَيْضًا مَسْأَلَةٌ تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى كَثِيرًا وَلَمْ أَرَ أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهَا وَتَكَرَّرَتْ فِي الْمُحَاكِمَاتِ كَثِيرًا يَأْتِي كِتَابُ مُبَايَعَةٍ أَوْ وَقْفٍ عَلَى عَقَارٍ مُشْتَمِلٍ عَلَى حُدُودٍ وَصِفَاتٍ وَيَجْرِي نِزَاعٌ فِي تِلْكَ الْحُدُودِ وَيُوجَد بَعْضُ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي يَدِ أَجْنَبِيٍّ غَيْر الْمُشْتَرِي أَوْ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ وَيُرَاد انْتِزَاعُ ذَلِكَ الْقَدْرِ مِمَّنْ هُوَ فِي يَدِهِ بِمُقْتَضَى مَا تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ وَيَكُون الْكِتَابُ فِي يَدِهِ مُدَّةً طَوِيلَةً أَوْ قَصِيرَةً. وَذَلِكَ الْكِتَابُ ثَابِتٌ وَقَدْ قَامَتْ فِيهِ بَيِّنَةٌ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ وَعِنْدِي تَوَقُّفٌ فِي الِانْتِزَاعِ بِمِثْلِ ذَلِكَ حَتَّى تَثْبُتَ بَيِّنَةٌ صَرِيحَةٌ أَنَّ هَذَا الْعَقَارَ الْمَبِيعَ أَوْ الْمَوْقُوفَ مِلْكُ

стр. 1283

الْبَائِعِ أَوْ الْوَاقِفِ إلَى هَذَا الْحَدِّ وَيَكُونُ الْحَدُّ مَشْهُودًا بِهِ وَالْوَاقِعُ لَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْوَاقِعَ كَمَا شَهِدْنَا أَنَّ الشُّهُودَ بِالْبَيْعِ أَوْ الْوَقْفِ إنَّمَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْإِنْشَاءِ فَإِنْ شَهِدُوا عَلَى الْإِقْرَارِ فَقَوْلُ الْمُقِرِّ دَارِي عَلَى جَارِهِ بِأَنَّ مِلْكَهُ يَنْتَهِي إلَى ذَلِكَ الْحَدِّ وَالْجَارُ لَمْ يُصَدِّقْهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْإِنْشَاءِ فَهُمْ إنَّمَا سَمِعُوا قَوْلَ الْمُنْشِئ وَالْغَالِبُ أَنَّهُمْ يَعْتَمِدُونَ فِي كِتَابَةِ الْحُدُودِ وَالصِّفَاتِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ هَكَذَا رَأَيْنَا الْكُتَّابَ وَالْوَرَّاقِينَ وَالشُّهُودَ يَفْعَلُونَ وَلَا يُحِيطُ عِلْمُهُمْ بِحَقِيقَةِ الْحَالِ وَالشُّهُودِ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ يَعْرِفُونَ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَةُ أَنَّ الدَّارَ الْفُلَانِيَّةَ وَالضَّيْعَةَ الْفُلَانِيَّةَ مِلْكٌ لِفُلَانِ وَلَوْ سُئِلُوا عَنْ تَحْرِيرِ حُدُودِهَا لَمْ يُصَرِّحُوا بِهِ وَلَمْ يُحَرِّرُوهُ وَلَا يَشْهَدُوهُ فَلَا يُكْتَفَى بِإِطْلَاقِ شَهَادَتِهِمْ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فِي ذَلِكَ وَلَا بِذِكْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الصِّفَةِ وَالتَّعْرِيفِ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ لَا يَكُونُ مَشْهُودًا بِهِ حَتَّى يَقُولُوا إنَّا نَشْهَدُ بِالْحُدُودِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ انْتِزَاعُهُ بِبَيِّنَةٍ أَمَّا بِدُونِ ذَلِكَ فَمَتَى انْتَزَعْنَاهُ بِدُونِ بَيِّنَةٍ وَالنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ «شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ» . فَاَلَّذِي أَرَاهُ هُنَا فِي حُكْمِ الْفَرْعِ أَنَّ الْيَمِينِ هُنَا عَلَى صَاحِبِ الْيَدِ وَلَا يُنْزَعُ وَلَا تُرْفَعُ يَدُهُ حَتَّى تَقُومَ بَيِّنَةٌ صَرِيحَةٌ بِأَنَّ الَّذِي فِي يَدِهِ مِلْكٌ لِغَيْرِهِ لِمَا قُلْنَا وَلِأُمُورٍ أُخْرَى مِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالْمِلْكِ أَمَسُّ فِي قَبُولِهَا خِلَاف وَالْكُتُبُ الْقَدِيمَةُ كَذَلِكَ وَمِنْهَا أَنَّ الْأَسْمَاءَ قَدْ تَتَغَيَّرُ وَالْأَحْوَالَ قَدْ تَتَغَيَّرُ فَقَدْ يَكُونُ الِاسْمُ الْمَذْكُورُ فِي كِتَابِ الْقَدِيمِ فِي حَدٍّ نُقِلَ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ الْمَكَانِ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ قَدْ يَقْوَى بَعْضَ الْأَوْقَاتِ وَقَدْ يَضْعُفُ لَكِنَّ مَقْصُودَنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي دَفْعِهِ مِنْ شَهَادَةٍ صَرِيحَةٍ حَتَّى يَكُونَ انْتِزَاعًا بِبَيِّنَةٍ وَمِنْهَا أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ طَرَأَ نَاقِلٌ لِبَعْضِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهَذَا فِي الْمِلْكِ مُحْتَمَلٌ احْتِمَالًا قَوِيًّا وَفِي الْوَقْفِ أَيْضًا مُحْتَمَلٌ مُبَادَلَةً عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَاهَا وَمِنْهَا أَنَّ الِاشْتِمَالَ عَلَى مَا يَدْخُلُ فِي الْحُدُودِ عُمُومٌ. وَقَدْ يَكُونُ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِإِخْرَاجِ بَعْضِهِ وَقُدِّمَتْ لِأَنَّهَا خُصُوصٌ وَتَكُون الْيَدُ مُسْتَنِدَةً إلَيْهَا وَالْخُصُوصُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعُمُومِ فَلَا يُكْتَفَى فِي رَفْعِ الْيَدِ الْخَاصَّةِ بِالْبَيِّنَةِ الْعَامَّةِ حَتَّى يُصَرَّحُ بِالْخُصُوصِ بَلْ أَقُولُ إنَّ الْيَدَ عَلَى الْبَعْضِ خُصُوصٌ وَالْبَيِّنَةَ بِالْكُلِّ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ الْبَعْضِ عُمُومٌ وَهُوَ وَإِنْ كَانَ مِنْ دَلَالَةِ الْكُلِّ عَلَى أَجْزَائِهِ وَلَيْسَ بِعُمُومٍ فِي الِاصْطِلَاحِ لَكِنْ لِضَعْفِهِ يَصِيرُ كَدَلَالَتِهِ عَلَى جُزْئِيَّاتِهِ بِأَدَاةِ الْعُمُومِ لَا سِيَّمَا فِي الْحُدُودِ فَقَدْ كَثُرَ فِيهَا ذَلِكَ وَضَعُفَتْ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ دَفْعًا لِمَا يَتَمَسَّكُ مِنْ الْبَيِّنَةِ الَّتِي قَدْ تَقُومُ بِالْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَالُ إنَّهَا رَافِعَةٌ لِلْيَدِ اهـ. كَلَامُ السُّبْكِيّ فِي فَتَاوِيهِ فَهَلْ مَا قَالَهُ مَعْمُولٌ بِهِ مُطْلَقًا أَوْ لَا وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. (الْجَوَابُ) مَا قَالَهُ فِي ذَلِكَ مَبْنِيٌّ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ أَوَاخِرَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ عَلَى مَسْأَلَةٍ ذَكَرهَا قَبْلَ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا وَقَالَ إنَّ بَيْنَهُمَا تَشَابُهًا وَتِلْكَ الْمَسْأَلَةُ هِيَ قَوْلُهُ فَرْعٌ لَيْسَ بِمَنْقُولٍ وَذَكَرَ أَنَّهُ اسْتَفْتَى فِيهِ بِالْقَاهِرَةِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً تَتَبَّعَ كَثِيرًا فِي مَكَاتِيبَ أَقَرَّ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ خَالِدٍ مَثَلًا لِفُلَانٍ بِكَذَا وَتَذَيَّلَ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ بِذَلِكَ وَهَمَ ذَاكِرُونَ لِلشَّهَادَةِ وَأَدَّوْهَا وَذَلِكَ الْمَكْتُوبُ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَقَعُ الِاخْتِلَافُ فِي نَسَبِ زَيْدٍ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي الْمَكْتُوبِ أَنَّهُ شَرِيفٌ حَسَنِيٌّ أَوْ حُسَيْنِيٌّ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَقْصِدُ إثْبَاتَهُ وَيُقَال إنَّ هَذَا الْمَكْتُوبَ ثَابِتٌ عَلَى الْقَاضِي الْفُلَانِيِّ فَهَلْ ذَلِكَ مُسْتَنَدٌ صَحِيحٌ أَمْ لَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَيْسَ مُسْتَنَدًا صَحِيحًا فِي إثْبَاتِ نَسَبِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ إنَّمَا هُوَ إقْرَارٌ بِكَذَا لِلْمُقَرِّ لَهُ وَهُوَ عَلَى حَالَيْنِ تَارَةً لَا يَعْرِفُهُ الشُّهُودُ فَيَشْهَدُونَ بِحِلِّيَّتِهِ وَالْأَخْلَصُ حِينَئِذٍ أَقَرَّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّ اسْمَهُ كَذَا وَعِنْدَ الْأَدَاءِ لَا يَشْهَدُونَ إلَّا عَلَى شَخْصِهِ فَهَذَا الْإِشْهَادُ فِيهِ نَسَبٌ وَتَارَةً لَا يَكْتُبُ الشُّهُودُ ذَلِكَ مَعَ عَدَمِ مَعْرِفَتِهِمْ وَهُوَ تَقْصِيرٌ مِنْهُمْ. وَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ كَثِيرًا لِأَنَّهُ قَدْ كَثُرَ ذَلِكَ وَعُرِفَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى تَسْمِيَةِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَقُولُوا هُوَ مَعْرُوفٌ وَقَدْ تَطُولُ مُعَاشَرَةُ الْإِنْسَانِ لِآخَرَ وَلَا يَعْرِفُ نَسَبُهُ فَإِذَا شَهِدَا عَلَيْهِ اعْتَمَدَا عَلَى إخْبَارِهِ أَوْ إخْبَارِ غَيْرِهِ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ عِنْدَهُ ظَنٌّ قَوِيٌّ يُسَوِّغُ لَهُ الشَّهَادَةَ بِذَلِكَ النَّسَبِ بَلْ كَثِيرٌ مِمَّنْ اشْتَهَرَ بَيْن النَّاسِ بِالشَّرَفِ وَيُطْلِقُونَهُ عَلَيْهِ لَيْلًا وَنَهَارًا فِي مُخَاطَبَاتِهِمْ وَلَوْ سُئِلُوا بِالشَّهَادَةِ لَهُ بِالشَّرَفِ لَامْتَنَعُوا وَمَنْ

стр. 1284

شَهِدَ مِنْهُمْ مُعْتَمِدًا عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُخَلِّصْهُ إذْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى تَوَاتُرٍ وَلَا اسْتِفَاضَةٍ وَلَا رُكُونٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ بَلْ إلَى ظَنٍّ ضَعِيفٍ وَهُوَ مُسَوِّغٌ لِلْمُخَاطَبَةِ لَا لِلشَّهَادَةِ فَإِذَا رَأَيْنَا مَكْتُوبًا لَيْسَ مَقْصُودُهُ إثْبَاتَ النَّسَبِ لَمْ نَحْمِلْهُ عَلَى إثْبَاتِ النَّسَبِ وَلَا يَجُوزُ التَّعَلُّقُ بِهِ فِي إثْبَاتِهِ إذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ غَيْرَهُ وَهُنَا بَحْثٌ نَذْكُرهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ وَهُوَ أَنَّ الْفُقَهَاءَ احْتَجُّوا عَلَى صِحَّةِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ ﵎ ﴿امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ﴾ [التحريم: ١١] الْآيَة. ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص: ٩] فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَضْعَ هَذَا الْكَلَامِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّهَا امْرَأَتُهُ فَلْيَكُنْ قَوْلُنَا قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو كَذَا إخْبَارًا بِأَنَّهُ ابْنُ عَمْرٍو فَتَحْصُلُ الشَّهَادَةُ بِهِ فَتَقْتَضِي ثُبُوتَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ دَلَالَةُ الْتِزَامٍ وَدَلَالَةُ الْإِخْبَارِ عَنْهَا بِالْقَوْلِ دَلَالَةُ مُطَابِقَةٍ وَاَللَّهُ عَالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وَمِنْ جُمْلَتِهِ أَنَّهَا هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ لَا فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ اقْتَضَى أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَيْسُوا عَالِمِينَ بِحَقَائِقِ الْأُمُورِ فَإِنْ قَالُوا نَشْهَدُ عَلَى زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو الْحُسَيْنِيِّ وَصَرَّحُوا بِالشَّهَادَةِ بِنَسَبِهِ وَنِسْبَتِهِ رَجَعَ إلَيْهِمْ وَإِلَّا لَمْ يُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِجَهْلِهِمْ بِحَقَائِقِ الْأَحْوَالِ وَالنَّسَبِ غَالِبًا وَإِنَّهُمْ إنَّمَا اعْتَمَدُوا عَلَى أَدْنَى ظَنٍّ فَضَعُفَتْ الدَّلَالَةُ الِالْتِزَامِيَّة فِي كَلَامِهِمْ بَلْ لَوْ قَوِيَتْ لَمْ تُعْتَمَدْ فِي الشَّهَادَةِ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الَّذِي يُقْصَدُ إثْبَاتُهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ الشَّاهِدُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً كَانَ أَوْ الْتِزَامًا فَافْهَمْ الْفَرْقَ بَيْن الْمَوْضِعَيْنِ. اهـ كَلَامُهُ مُلَخَّصًا وَهُوَ مَعْزُورٌ فِيهِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ بِأَنَّ هَذَا الْفَرْعَ لَيْسَ بِمَنْقُولٍ وَإِنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ فِيهِ. وَفِي مَسْأَلَتَيْ الْحُدُودِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بِرَأْيِهِ وَبِحَسَبِ مَا ظَهَرَ لَهُ وَذَلِكَ كُلُّهُ عَجِيبٌ مِنْهُ مَعَ سِعَةِ اطِّلَاعِهِ إذْ كَيْفَ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَسْأَلَةَ النَّسَبِ الْمُصَرَّحِ بِهَا فِي كَلَامِهِمْ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهَا ابْنُهُ تَاجُ الدِّينِ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ وَبِهَا يُعْلَمُ أَنَّ جَمِيعَ مَا قَالَهُ فِي مَسْأَلَةِ النَّسَبِ وَمَا يُشَابِهُهَا كَمَا قَالَ فِي مَسْأَلَتَيْ الْحُدُودِ رَأْيٌ لَهُ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ وَلِنُبَيِّنَ أَوَّلًا مَسْأَلَةَ النَّسَبِ الْمَنْقُولَةِ ثُمَّ نُبَيِّنَ مَا هُوَ مَقِيسٌ عَلَيْهَا مِنْ مَسْأَلَتَيْ الْحُدُود مُتَعَرِّضِينَ لِمَا فِي كَلَامِهِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ نَقْدٍ وَرَدٍّ. فَنَقُولُ قَالَ الْهَرَوِيُّ ﵀ ﵎ فِي الْإِشْرَاقِ وَالْمَاوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْحَاوِي وَالرُّويَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِمْ مَا حَاصِلُهُ لَوْ شَهِدَا أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَ فُلَانًا كَانَتْ شَهَادَةً بِالنَّسَبِ لِلْمُوَكَّلِ ضِمْنًا وَبِالتَّوْكِيلِ أَصْلًا لَتَضَمُّنِ ثُبُوتِ التَّوْكِيلِ الْمَقْصُودِ لِثُبُوتِ نَسَبِ الْمُوَكِّل لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَقِيلَ لَا كَمَا يَأْتِي وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى الْقَاعِدَةِ الْأُصُولِيَّةِ وَهِيَ أَنَّ مَوْرِدَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ النِّسْبَةُ الْإِسْنَادِيَّةُ كَالنِّسْبَةِ الَّتِي تَضَمَّنَهَا نَائِمٌ مِنْ قَوْلِكَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو نَائِمٌ لَا مَا يَقَعُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مِنْ النِّسَبِ التَّقْيِيدِيَّةِ كَبُنُوَّةِ زَيْدٍ لِعَمْرٍو فِي هَذَا الْمِثَالِ وَيُفَرَّعُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ وَهُوَ أَنَّ مَوْرِدَ الْخَبَرِ مَا ذُكِرَ قَوْلُ الْإِمَامِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا فِي مَسْأَلَةِ الْوَكَالَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّ الشَّهَادَةَ فِيهَا شَهَادَةٌ بِالتَّوْكِيلِ دُونَ نَسَبِ الْمُوَكِّلِ وَيَشْهَدُ لِلرَّاجِحِ عِنْدنَا وَهُوَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِهِمَا كَمَا مَرَّ اسْتِدْلَالُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ عَلَى صِحَّةِ أَنْكِحَةِ الْكُفَّارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى قَالَتْ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ. وَمَا فِي الْبُخَارِيِّ مَرْفُوعًا أَنَّهُ يُقَال لِلنَّصَارَى مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ فَيَقُولُونَ كُنَّا نَعْبُدُ الْمَسِيحَ ابْنَ اللَّهِ فَيُقَالُ كَذَبْتُمْ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ صَاحِبَةٍ وَلَا وَلَدٍ وَإِذَا تَقَرَّرَ لَك ذَلِكَ وَعَلِمْتَ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةً هَكَذَا وَإِنَّهَا مَشْهُورَةٌ خِلَافِيَّةٌ بَيْننَا وَبَيْنَ مَالِكٍ وَأَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِنَا وَافَقَ مَالِكًا وَأَنَّ الرَّاجِحَ مُخَالَفَتُهُ لِلْأَدِلَّةِ الَّتِي ذَكَرْت ظَهَرَ لَكَ وَاتَّضَحَ أَنَّ جَمِيعَ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مَسْأَلَةِ النَّسَبِ وَمَسْأَلَتَيْ الْحُدُودِ إنَّمَا هُوَ رَأْيٌ مُخَالِفٌ لِلْمَنْقُولِ وَأَنَّهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا الرَّأْيَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ لَيْسَتْ مَنْقُولَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ هُوَ بِقَوْلِهِ فَرْعٌ لَيْسَ بِمَنْقُولٍ وَبِمَا ذَكَرَهُ فِي خِلَالِ ذَلِكَ وَخِلَالَ مَسْأَلَتَيْ الْحُدُودِ وَأَنَّهُ لَوْ رَأَى مَسْأَلَةَ النَّسَبِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا لَمْ يَسَعْهُ مُخَالَفَتهَا وَلَمَّا أَجَابَ عَنْ إيرَادِهِ دَلِيلهَا عَلَيْهِ وَهُوَ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] . بِقَوْلِهِ إنَّ دَلَالَةَ الْآيَةِ عَلَى أَنَّهَا امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ دَلَالَةُ الْتِزَامِ إلَخْ وَإِذَا اتَّضَحَ

стр. 1285

لَك ذَلِكَ وَإِنَّ الْمَنْقُولَ أَنَّ الشَّهَادَةَ الضِّمْنِيَّةَ كَالْمُطَابَقَةِ اتَّضَحَ لَك أَنَّ الشَّاهِدَ مَتَى قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ الدَّارَ الْمَحْدُودَةَ بِكَذَا أَقَرَّ بِهَا فُلَانٌ أَوْ بَاعَهَا فُلَانٌ أَوْ وَقَفَهَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ شَهَادَةٌ بِالْإِقْرَارِ أَوْ الْعَقْدِ أَصْلًا وَبِالْحُدُودِ ضِمْنًا فَنَقْبَلُ كُلًّا مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ وَيُعْمَلُ بِهِمَا وَبِتَأَمُّلِ قَوْلِهِمْ إنَّ الشَّهَادَةَ بِالْبُنُوَّةِ ضِمْنِيَّةٌ يَنْدَفِعُ قَوْلُ السُّبْكِيّ فِي أَوَاخِرِ مَسْأَلَةِ النَّسَبِ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ الَّذِي يَقْصِدُ إثْبَاتَهُ لَا يُكْتَفَى فِيهِ بِدَلَالَةِ الِالْتِزَامِ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَذْكُرَهُ الشَّاهِدُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مُطَابَقَةً كَانَ أَوْ الْتِزَامًا وَوَجْهُ رَدِّهِ أَنَّ مَا هُنَا لَيْسَ مِنْ الدَّلَالَةِ الِالْتِزَامِيَّةِ فِي شَيْءٍ. وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الدَّلَالَةِ التَّضَمُّنِيَّةِ وَشَتَّانَ مَا بَيْنَ الدَّلَالَتَيْنِ وَبِهَذَا يَنْدَفِعُ أَيْضًا جَوَابُهُ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ بِآيَةِ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ﴾ [القصص: ٩] وَيَظْهَرُ صِحَّةُ اسْتِدْلَالِهِمْ لِلرَّاجِحِ أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالنُّبُوَّةِ مَقْصُودَةٌ أَيْضًا وَوَجْهُ دَلَالَتَهَا لِذَلِكَ أَنَّ الْقَصْدَ صُدُورُ ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْ الْمَرْأَةِ الْمَوْصُوفَةِ بِالزَّوْجِيَّةِ لِفِرْعَوْنَ فَوَصْفُهَا بِذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَقْصُودِ مِنْ الْخَبَرِ وَفَرْقُهُ بَيْنَ اللَّهِ وَالشُّهُودِ بِمَا مَرَّ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَا يُنْتِجُ مَا قَالَهُ وَيُرَدُّ مَا قَالُوهُ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا نَظَرُوا إلَى أَنَّ اللَّفْظَ لَهُ دَلَالَةٌ عَلَى ذَلِكَ مَعَ قَطْعِ النَّظَر عَنْ عِلْم الْمُتَكَلِّمِ وَكَوْنِهِ عَامًّا أَوْ خَاصًّا لِأَنَّ ذَاكَ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الدَّلَالَاتِ اللَّفْظِيَّة الَّتِي هِيَ وَضْعُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَمِمَّا يُوَضِّحُ لَكَ ذَلِكَ اسْتِدْلَالِهِمْ بِمَا مَرَّ عَنْ النَّصَارَى وَتَكْذِيبُهُمْ فِي أَنَّ عِيسَى ابْنُ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا فَلَوْلَا أَنَّ دَعْوَاهُمْ بُنُوَّتَهُ وَقَعَتْ فِي كَلَامِهِمْ مَقْصُودَةً لَمَا كَذَّبُوا إذْ التَّكْذِيبُ كَالتَّصْدِيقِ إنَّمَا يَكُونُ فِي النِّسَبِ الْخَبَرِيَّةِ سَوَاءٌ أَقَصَدْت مُطَابَقَةً أَمْ تَضَمُّنًا فَنَتَجَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ مِنْ مَسْأَلَتَيْ النِّسَبِ. وَالْحُدُودِ مِنْ النِّسَبِ الْخَبَرِيَّةِ الْمَقْصُودَةِ ضِمْنًا فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا إذَا وَقَعَتْ فِي لَفْظِ الشَّاهِدِ لَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّهَا مَقْصُودَةٌ نَعَمْ الْحَقُّ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الشَّاهِدِ الَّذِي يُقْبَل مِنْهُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَزِيدُ تَحَرٍّ وَضَبْطٍ وَمَعْرِفَةٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَا يَتَسَاهَلُ بِإِطْلَاقِ الْبُنُوَّةِ وَالْحُدُودِ فِي شَهَادَتِهِ مِنْ غَيْرِ مُسْتَنِدٍ لَهُ فِي ذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَا يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ لَهُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ كَقَوْلِ الْعَاقِدِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا لَا يُفِيدهُ ظَنًّا قَوِيًّا يَسْتَنِدُ إلَيْهِ فِي شَهَادَتِهِ وَكَلَامُهُمْ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا هُنَا أَعْنِي فِي مَسْأَلَةِ الْبُنُوَّةِ إلَّا أَنَّهُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى دَالٌ عَلَى ذَلِكَ وَبِهَذَا انْدَفَعَتْ تِلْكَ الِاحْتِمَالَاتُ وَالْقَرَائِنُ الَّتِي نَظَرَ إلَيْهَا السُّبْكِيّ وَجَعَلَهَا حُجَّةً لَهُ فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلْبُنُوَّةِ وَالْحُدُودِ. وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّا إذَا اعْتَبَرْنَا فِي الشَّاهِدِ تِلْكَ الصِّفَاتِ أَخْذًا مِنْ مُتَفَرِّقَاتِ كَلَامِهِمْ قَوِيَ الظَّنُّ بِقَبُولِ قَوْلِهِ الْمَقْصُودِ لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ وَإِذَا قَوَّى الظَّنُّ بِهِ وَجَبَ قَبُولُهُ وَالْحُكْمُ بِهِ وَقَوْلُهُ لَا يَكُونُ مَشْهُودًا بِهِ حَتَّى يَقُولُوا إنَّا نَشْهَدُ بِالْحُدُودِ مَمْنُوعٌ لِمَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ مَشْهُودٌ بِهِ ضِمْنًا وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ وَأَنَّ الضِّمْنِيَّ فِي ذَلِكَ كَالْمَقْصُودِ فَتَأَمَّلْ مَا قُلْنَاهُ الْمُسْتَنِدَ إلَى مَا قَالُوهُ وَصَرَّحُوا بِهِ يَظْهَرْ لَك بِهِ رَدُّ جَمِيعِ مَا قَالَهُ وَاسْتَنَدَ إلَيْهِ ثُمَّ رَأَيْتُنِي اُسْتُفْتِيتُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِمَا لَفْظُهُ مَا قَوْلكُمْ فِي مُسْتَنَدِ لَفْظِهِ هَذَا مَا اشْتَرَى فُلَانٌ جَمِيعَ الْعُزْلَةِ الَّتِي يَحُدُّهَا مِنْ الْمَشْرِقِ كَذَا وَمِنْ الْمَغْرِبِ كَذَا وَمِنْ الشَّامِ كَذَا وَمِنْ الْيَمَنِ الطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ اشْتِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا. ثُمَّ قَالَ شَاهِدُهُ لَمَّا تَكَامَلَ ذَلِكَ ثَبَتَ لَدَى فُلَانٍ الْحَاكِمِ الشَّرْعِيِّ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْهِ جَرَيَانُ عَقْدِ التَّبَايُعِ الْمَشْرُوحِ أَعْلَاهُ فِي جَمِيعِ الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ بِأَعَالِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوحِ فِيهِ شِرَاءً صَحِيحًا شَرْعِيًّا وَحُكِمَ بِمُوجَبِ ذَلِكَ حُكْمًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا فَهَلْ ذَلِكَ شَامِلٌ لِلْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَدَّ الْيَمَنِيَّ طَرِيقٌ مَسْلُوكٌ أَوْ لَا فَأَجَبْت نَعَمْ ذَلِكَ شَامِلٌ لِلْحُكْمِ بِمَا ذُكِرَ فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِنَظِيرِهِ حَيْثُ قَالُوا لَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ وَكَّلَ فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ هَذَا فِي كَذَا ثَبَتَ النَّسَبُ تَبَعًا لِلْوَكَالَةِ. وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ بِالشَّهَادَةِ كَمَا أَنَّ مَنْ شَهِدَ بِثَمَنٍ فِي بَيْعٍ أَوْ مَهْرٍ فِي نِكَاحٍ كَانَ شَاهِدًا بِالْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ بِشَهَادَتِهِ إلَّا الْمَالَ اهـ فَكَذَا فِي مَسْأَلَتِنَا إذَا شَهِدَا عِنْد الْحَاكِمِ بِجَرَيَانِ عَقْدِ التَّبَايُعِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى تَحْدِيدِهِمَا لِلْمَبِيعِ بِمَا ذُكِرَ كَانَ ذَلِكَ شَهَادَةً مِنْهُمَا بِأَنَّ الْحَدَّ الْيُمْنَى شَارِعٌ مَسْلُوكٌ فَإِذَا حَكَمَ الشَّافِعِيُّ بِجَمِيعِ مَا شَهِدَا بِهِ كَانَ حُكْمًا مِنْهُ بِأَنَّهُ شَارِعٌ اهـ فَإِنْ قُلْتَ يُفَرَّقُ بَيْنَ مَسْأَلَةِ الْحُدُودِ وَمَسْأَلَةِ الشَّهَادَةِ بِأَنَّ

стр. 1286

التَّوْكِيلَ مُتَضَمِّنٌ لِثُبُوتِ النَّسَبِ تَضَمُّنًا لَا انْفِكَاكَ عَنْهُ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ وُجُودُ تَوْكِيلِ فُلَانٍ إلَّا إنْ كَانَ ابْنُ فُلَانٍ لِأَنَّ الصُّورَةَ أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ فَإِنَّ الْقَصْدَ انْتِهَاؤُهَا إلَى كَذَا وَإِنْ لَمْ يَثْبُت كَذَا قُلْتُ هَذَا الْفَرْقُ خَيَالٌ بَاطِلٌ بَلْ هُمَا عَلَى حَدٍّ سَوَاء إذْ الْحُدُودُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا صِحَّةُ الْبَيْعِ أَيْضًا فَشَهَادَتُهُمَا بِبَيْعِ الْمَحَلِّ الْمَحْدُودِ بِكَذَا وَكَذَا شَهَادَةٌ بِأَنَّ الْمَبِيعَ يَنْتَهِي حَدُّهُ إلَى مِلْكِ فُلَانٍ فَمَتَى لَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ مِلْكُ فُلَان وَإِلَّا كَانَ الْحَدُّ غَيْرَ مَعْلُومٍ وَيَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ عِلْمِهِ بُطْلَانُ الشَّهَادَةِ بِالْبَيْعِ لِأَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ الشَّهَادَةِ كَالدَّعْوَى التَّحْدِيدُ مِنْ الْجِهَاتِ الْأَرْبَعِ مَا لَمْ يَحْصُل شُهْرَةٌ بِدُونِ ذَلِكَ فَظَهَرَ تَوَقُّفُ الْبَيْعِ الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى التَّحْدِيدِ كَمَا أَنَّ الْوَكَالَةَ الْمَشْهُودَ بِهَا مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْبُنُوَّةِ. فَإِذَا قَالُوا فِي الشَّهَادَةِ بِالْوَكَالَةِ الْمَذْكُورَةِ إنَّهَا شَهَادَةٌ بِالْبُنُوَّةِ فَكَذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْبَيْعِ الْمَذْكُورِ شَهَادَةٌ بِالْحُدُودِ بِلَا فَرْقٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ثُمَّ رَأَيْتُ فِي فَتَاوَى السَّيِّدِ السَّمْهُودِيِّ شَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى سَعْيَهُ مَا لَفْظُهُ مَسْأَلَةٌ ادَّعَى دَارًا فِي يَدِ رَجُلٍ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ شَرَاهَا مِنْ آخَرَ وَصُورَةُ مَكْتُوبِ الشِّرَاءِ الَّذِي شَهِدَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ اشْتَرَى فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ مَا هُوَ بِيَدِهِ وَمِلْكِهِ يَوْمَئِذٍ وَكَتَبَ كُلٌّ مِنْ الشُّهُودِ وَشَهِدَتْ بِمَضْمُونِهِ وَشَهِدَ كَذَلِكَ عِنْد الْحَاكِمِ فَهَلْ يُكْتَفَى بِذَلِكَ فِي ثُبُوتِ الْمِلْك لِلْبَائِعِ فِي ذَلِكَ التَّارِيخِ حَتَّى يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِهَا الْجَوَابُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ. نَقَلَ الْأَذْرَعِيُّ فِيهَا عَنْ الزَّبِيلِيِّ أَنَّ هَذِهِ الدَّارَ لَا تُثْبِتُ بِهَذِهِ الشَّهَادَةِ مِلْكًا لِلْبَائِعِ حِين بَاعَهَا قَالَ لِأَنَّ الْقَبَالَةَ مُكْتَتَبَةٌ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فَشَهِدُوا بِمَا سَمِعُوهُ مِنْهُمَا فَلَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِمْ مِلْكُ الْبَائِعِ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنَّهُ يَوْمَ بَاعَهَا كَانَتْ مِلْكًا لَهُ وَهَذَا حُكْمٌ آخَرُ لَيْسَ فِي الْقَبَالَةِ وَأَمَّا إذَا شَهِدُوا بِنَفْسِ الصَّكِّ لَمْ تُسْمَعْ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ اهـ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَقِبَهُ وَهَذَا وَاضِحٌ وَيَغْفُلُ عَنْهُ أَكْثَرُ قُضَاةِ عَصْرِنَا وَشُهُودِهِ بَلْ يَشْهَدُ الشَّاهِدُ بِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْقَبَالَةُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ مِنْهُ بِالشَّهَادَةِ لِلْبَائِعِ بِالْمَلَكِيَّةِ. وَيُرَتِّبُ الْحَاكِمُ عَلَى ذَلِكَ حُكْمَهُ غَفْلَةً عَنْ الْحَقَائِقِ اهـ قُلْتُ وَهَذَا شَاهِدٌ جَيِّدٌ لِمَا فِي فَتَاوَى السُّبْكِيّ فِي ضِمْنِ فُرُوعِ عُمُومِ الْبَلْوَى بِاشْتِمَالِ كُتُبِ الْمُبَايَعَاتِ وَنَحْوِهَا عَلَى حُدُودٍ قَالَ ثُمَّ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ وَيَطْلُبُ مِنَّا إثْبَاتُ أَنَّ الْحُدُودَ كَمَا تَضَمَّنَهُ ذَلِكَ الْكِتَابُ قَالَ وَمَا فَعَلْتُهُ قَطُّ لِأَنَّ الْمَشْهُودَ بِهِ فِي الْبِيَعِ مَثَلًا هُوَ الْعَقْدُ الصَّادِرُ عَلَى الْمَحْدُودِ بِتِلْكَ الْحُدُودِ وَقَدْ لَا يَكُونُ الشَّاهِدُ عَارِفًا بِتِلْكَ الْحُدُودِ أَلْبَتَّةَ وَإِنَّمَا يَسْمَعُ لَفْظَ الْعَاقِدِ وَالْحُدُودُ مَحْكِيَّةٌ عَنْ الْعَاقِدِ اهـ وَهُوَ جَيِّدٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لِذَلِكَ اهـ مَا فِي فَتَاوَى السَّمْهُودِيِّ وَإِطْلَاقِهِ أَنَّ مَا قَالَهُ السُّبْكِيّ جَيِّدٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَكَأَنَّهُ هُوَ أَيْضًا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى مَسْأَلَةِ النَّسَبِ السَّابِقَةِ. وَمَا ذَكَرَهُ الزَّبِيلِيُّ وَاعْتَمَدَهُ الْأَذْرَعِيُّ لَا يُنَافِي مَا قَدَّمْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحُدُودِ لِأَنَّهُ فَرَضَ ذَلِكَ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى إقْرَارِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِمَا سَمِعَهُ الشَّاهِدُ أَنَّ مِنْهُمَا وَالْحُكْمُ حِينَئِذٍ ظَاهِرٌ بِخِلَافِ مَا لَوْ صَرَّحَ الشَّاهِدَانِ بِذَلِكَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمَا فَيَثْبُتُ الْمِلْكُ ضِمْنًا كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي مَسْأَلَةِ الْحُدُودِ فَهُمَا سَوَاءٌ انْتَهَتْ. (وَسُئِلَ) ﵀ عَنْ قَوْلِ الْمِنْهَاجِ وَلَا يَقْضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ ابْنُ الْحُسَيْنِ الْمَدَنِيُّ فِي شَرْحِ تَكْمِلَةِ شَرْحِهِ يَعْنِي ولَا يَقْضِي الْقَاضِي بِخِلَافِ عِلْمِهِ بِلَا خِلَاف بَلْ إذَا عَلِمَ أَنَّ الْمُدَّعِيَ أَبْرَأَهُ عَمَّا ادَّعَاهُ وَأَقَامَ بَيِّنَةً أَوْ أَنَّ الْمُدَّعِيَ قَتَلَهُ حَيٌّ أَوْ رَأَى غَيْرَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ قَتْلَهُ أَوْ سَمِعَ مُدَّعِي الرِّقِّ قَدْ أُعْتِقَ وَمُدَّعِي النِّكَاحَ قَدْ طَلَّقَ ثَلَاثًا أَوْ تَحَقَّقَ كَذِبُ الشُّهُودِ امْتَنَعَ مِنْ الْقَضَاءِ وَكَذَا إذَا عَلِمَ فِسْقَ الشُّهُودِ إلَى آخِرِ كَلَامِ ابْن الْحُسَيْنِ الَّذِي يُحِيطُهُ عِلْمكُمْ فَهَلْ يَا شَيْخَ الْإِسْلَامِ بَلْ إمَامَ أَئِمَّةِ الْأَنَامِ الْمُحَكَّمُ كَالْحَاكِمِ فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ أَمْ لَا فَإِنْ قُلْتُمْ نَعَمْ فَإِذَا عَلِمَ الْمُحَكَّمُ أَنَّ الشَّاهِدَ لَا يَدْرِي عَنْ سَبَبِ اسْتِحْقَاقِ الْمُدَّعَى بِهِ فَهَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلهُ عَنْ سَبَبِهِ وَعَنْ سَبَبِ شَهَادَتِهِمْ كَمَا إذَا شَهِدُوا عَلَى زِنًا وَغَصْبٍ وَإِتْلَافٍ وَوِلَادَةٍ فَإِنَّهَا لَا تَتِمُّ شَهَادَتُهُمْ إلَّا بِالْإِبْصَارِ فَإِذَا شَهِدُوا فَهَلْ يَجِبُ عَلَى الْمُحَكَّمِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ هَلْ أَبْصَرُوا ذَلِكَ حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الشُّهُودَ لَمْ يُبْصِرُوا ذَلِكَ وَإِذَا سَأَلَهُمْ وَلَمْ يُبَيِّنُوا لَهُ الْإِبْصَارَ بَلْ اقْتَصَرُوا عَلَى الشَّهَادَةِ فَهَلْ يَقْبَلهُمْ أَمْ لَا يَقْبَلهُمْ لِكَوْنِهِ خِلَافَ عِلْمِهِ وَهَلْ إذَا قَالَ الْمُدَّعِي اُسْتُحِقَّ عَلَيْك كَذَا وَكَذَا وَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَهَلْ يَقْبَلُ الْمُحَكَّمُ

стр. 1287

الْبَيِّنَةَ وَيَحْكُمُ بِالْمُدَّعَى أَوْ لَا يَقْبَلُهَا حَتَّى يَسْأَلَ الشُّهُودَ لِكَوْنِهِ يَعْلَمُ أَيْ الْمُحَكَّمُ أَنَّ الشُّهُودَ لَا يَعْرِفُونَ الِاسْتِحْقَاقَ أَمْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِأَنَّ الْمُحَكَّمَ لَيْسَ كَالْحَاكِمِ فِي جَوَازِ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ كَمَا بَيَّنْتُهُ لَكُمْ فِي بَعْضِ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي هِيَ وَاصِلَةٌ إلَيْكُمْ فَحِينَئِذٍ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ وَلَا بِخِلَافِ عِلْمِهِ وَقَوْلُ السَّائِلِ فَإِذَا عَلِمَ الْمُحَكَّمُ إلَخْ جَوَابُهُ أَنَّ أَصْحَابَنَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الشَّاهِدَ هَلْ لَهُ أَنْ يَشْهَدَ بِاسْتِحْقَاقِ زَيْدٍ عَلَى عَمْرٍو دِرْهَمًا مَثَلًا إذَا عَرَفَ سَبَبَهُ كَأَنْ أَقَرَّ لَهُ بِهِ فَشَهِدَ أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دِرْهَمًا وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ. قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ عَنْ ابْنِ أَبِي الدَّمِ أَشْهَرُهُمَا لَا تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ وَإِنْ وَافَقَهُ فِي مَذْهَبِهِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ قَدْ يَظُنُّ مَا لَيْسَ بِسَبَبٍ سَبَبًا وَلِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُرَتِّبَ الْأَحْكَامَ عَلَى أَسْبَابِهَا بَلْ وَظِيفَتُهُ نَقْلُ مَا سَمِعَهُ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ عَقْدٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ مَا شَاهَدَهُ مِنْ الْأَفْعَالِ ثُمَّ الْحَاكِمُ يَنْظُرُ فِيهِ فَإِنْ رَآهُ سَبَبًا رَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ. وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّ الْأُمِّ وَالْمُخْتَصَرِ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ كَغَيْرِهِ بَعْد اطِّلَاعِهِ عَلَى النَّصِّ تُسْمَعُ شَهَادَتُهُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الرَّوْضَةِ وَأَصْلِهَا وَيُنْدَبُ لِلْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ الشَّاهِدَ عَنْ جِهَةِ الْحَقِّ إذَا لَمْ يَثِقْ بِشِدَّةِ عَقْلِهِ وَقُوَّةِ حِفْظِهِ وَاَلَّذِي يَتَّجِه حَمْلُ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ الْمُوَافِقِ لِلنَّصِّ عَلَى شَاهِدٍ غَيْرِ فَقِيهٍ فَلَا يَكْتَفِي الْحَاكِمُ مِنْهُ بِإِطْلَاقِ السَّبَبِ وَالثَّانِي عَلَى فَقِيهٍ لَا يَجْهَلُ تَرَتُّبَ الْمَشْهُودِ بِهِ عَلَى سَبَبِهِ فَلَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ شَهَادَتَهُ بِمُطْلَقِ الِاسْتِحْقَاقِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَسَائِلُ يَجِبُ فِيهَا تَفْصِيلُ الشَّهَادَةِ كَأَنْ أَقَرَّ لِغَيْرِهِ بِعَيْنٍ ثُمَّ ادَّعَاهَا وَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ بَيِّنَةً بِالْمِلْكِ الْمُطْلَقِ أَوْ بِتَلَقِّي الْمِلْكِ مِنْ غَيْرِ الْمُقَرِّ لَهُ فَلَا تُسْمَعُ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُصَرِّحَ الْمُدَّعِي وَالْبَيِّنَة بِنَاقِلٍ مِنْ جِهَةِ الْمُقَرِّ لَهُ لِأَنَّهُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ وَكَالشَّهَادَةِ بِالرِّدَّةِ عَلَى خِلَافٍ فِيهَا أَوْ بِالْإِكْرَاهِ أَوْ بِالسَّرِقَةِ أَوْ بِأَنَّ نَظَرَ الْوَقْفَ الْفُلَانِيِّ لِفُلَانٍ أَوْ بِأَنَّ هَذَا وَارِثُ فُلَانٍ أَوْ بِبَرَاءَةِ الْمَدِينِ مِنْ الدَّيْنِ الْمُدَّعَى بِهِ أَوْ بِاسْتِحْقَاقِ الشُّفْعَةِ أَوْ بِالرُّشْدِ أَوْ بِأَنَّ الْعَاقِدَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ زَائِلَ الْعَقْلِ فَيُبَيِّن زَوَالَهُ أَوْ بِالْجُرْحِ أَوْ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ أَوْ بِالرَّضَاعِ أَوْ بِالنِّكَاحِ أَوْ بِالْقَتْلِ أَوْ بِأَنَّ فُلَانًا طَلَّقَ زَوْجَتَهُ لِأَنَّ الْحَالَ يَخْتَلِفُ بِالصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ وَالتَّنْجِيزِ وَالتَّعْلِيقِ أَوْ بِأَنَّهُ بَلَغَ بِالسِّنِّ فَيُبَيِّنهُ لِلِاخْتِلَافِ فِيهِ بِخِلَافِ الشَّهَادَةِ بِمُطْلَقِ الْبُلُوغِ أَوْ بِأَنَّ فُلَانًا وَقَفَ دَارِهِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ مَصْرِفِ الْوَقْفِ بِخِلَافِهَا بِأَنَّ فُلَانًا أَوْصَى إلَى فُلَانٍ فَإِنَّهَا تُسْمَعُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ الْمَصْرِفَ وَلَا الْمُوصَى بِهِ وَإِنَّمَا وَجَبَ التَّفْصِيلُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الصُّوَرِ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي أَسْبَابِهَا وَأَحْكَامِهَا وَيُلْحَقُ بِهَا فِي ذَلِكَ مَا يُشَابِهُهَا نَعَمْ لَوْ شَهِدَا عَلَى امْرَأَةٍ بِاسْمِهَا وَنَسَبِهَا جَازَ فَإِنْ سَأَلَهُمَا الْحَاكِمُ هَلْ يَعْرِفَانِ عَيْنَهَا فَلَهُمَا أَنْ يَسْكُتَا أَوْ يَقُولَا لَا يَلْزَمُنَا الْجَوَابُ وَهَذَا فِي الشَّاهِدِ الضَّابِطِ الْعَارِفِ وَإِلَّا فَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُمَا وَتَلْزَمَهُمَا الْإِجَابَةُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (سُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ مَسْأَلَةٍ وَقَعَ فِيهَا جَوَابَانِ مُخْتَلِفَانِ صُورَتُهُمَا بِلَادٌ لَيْسَ فِيهَا سُلْطَانٌ وَلَا قَاضٍ وَفِيهَا قَبَائِلُ لَيْسَ فِيهَا مِنْ الْعُدُولِ إلَّا الْقَلِيلُ فَهَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ يُرِيد الْحُكْمَ بَيِّنَهُمْ أَنْ يَبْحَث عَنْ حَالِ الشُّهُودِ مِنْ عَدَالَةٍ وَفِسْقٍ أَمْ يَكْتَفِي بِظَاهِرِ الْحَالِ وَيَقْبَلُ مِنْهَا الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ. أَجَابَ الْأَوَّلُ فَقَالَ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ وَلَا يُقْبَل إلَّا عُدُولٌ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَ ﵎ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ﴾ [المائدة: ١٠٦] . وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: ٦] وَقُرِئَ فَتَثَبَّتُوا دَالٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْحُسَيْنِ فِي تَكْمِلَتِهِ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَإِذَا لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ فَلَا يَحِلُّ لِلْحَاكِمِ سَمَاعُ شَهَادَتِهِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرهُمَا قَالَ لِأَنَّهَا إعَانَةٌ عَلَى حَرَامٍ وَالْإِعَانَةُ عَلَى حَرَامٍ حَرَامٌ وَلِقَوْلِهِ ﵎ ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْفَاسِقُ غَيْرُ عَدْلٍ وَلَا يُرْضَى لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى دِينِهِ أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ لِدِينِهِ فَكَيْفَ يَنْظُرُ لِغَيْرِهِ. فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِرَدِّ شَهَادَةِ الْفُسَّاقِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - بَلْ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِ أَبْيَنُ خَطَأً مِنْ الْقَاضِي بِشَهَادَةِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] وَقَالَ تَعَالَى

стр. 1288

﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَلَيْسَ الْفَاسِقُ وَاحِدًا مِنْ هَذَيْنِ فَمَنْ قَضَى بِشَهَادَتِهِ فَقَدْ خَالَفَ حُكْمَ اللَّهِ وَعَلَيْهِ رَدُّ قَضَائِهِ فَإِنَّ الْفَاسِقَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ قَالَ فِي الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ وَلَوْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ اعْتَقَدَ عَدَالَتَهُمَا نُقِضَ حُكْمُهُ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْكَافِرِينَ اهـ وَعَلَّلَهُ الْإِمَامُ نُورُ الدِّينِ الْأَزْرَقُ بِأَنَّ عَدَالَةَ الشُّهُودِ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الْإِمَامَ نَجْمَ الدِّينِ بْنَ الرِّفْعَةِ وَغَيْرَهُ قَالَ لَيْسَ لِلْحَاكِمِ الْحُكْمُ بِشَهَادَةِ الْمَجْهُولِينَ قَبْلَ الْبَحْثِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] وَالْمَجْهُولُ قَبْلَ الْبَحْثِ غَيْرُ مُرْضٍ وَنَقَلَ الشَّيْخَانِ عَنْ الْإِمَامِ الْهَرَوِيِّ أَنَّ الْبَحْثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَنَقَلَ الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ وَالْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ الْأَذْرَعِيُّ عَنْ الْإِمَامِ ابْنِ الرِّفْعَةِ أَنَّ رِوَايَةَ مَجْهُولِ الْعَدَالَةِ لَا تُسْمَعُ بَلْ قَالَ الْإِمَامُ تَاجُ الدِّينِ ابْن الْإِمَامِ السُّبْكِيّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ أَنَّ رِوَايَتَهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا مَرْدُودَةٌ بِالْإِجْمَاعِ وَنَقَلَ الْإِمَامُ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مِنْهَاجِهِ عَنْ الْإِمَامِ الْبَاقِلَّانِيِّ أَنَّ مَنْ لَا تُعْرَفُ عَدَالَتُهُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ لِأَنَّ الْفِسْقَ مَانِعٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحَقُّقِ عَدَمِهِ كَالصِّبَا وَالْكُفْرِ وَالْعَدَالَةِ تُعْرَفُ بِالتَّزْكِيَةِ اهـ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - وَلَا يَكْتَفِي الْقَاضِي بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ حَتَّى يَعْرِفَ عَدَالَتَهُمْ الْبَاطِنَةَ سَوَاءٌ كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ فِي حَدٍّ أَوْ غَيْرِهِ اهـ قَالَ الْإِمَامُ الْمَقْدِسِيُّ فِي الْإِشَارَاتِ لَا يَنْفُذُ الْحُكْمُ بِالشَّهَادَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُ عَدَالَةُ الشُّهُودِ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ اهـ الْأَمْرُ الثَّالِثِ أَنَّ غَيْرَ الْقَاضِي يَعْسُرُ عَلَيْهِ مَعْرِفَتُهَا كَمَا قَالَهُ فِي الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا وَأَمَّا الْقَاضِي فَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ الْبَحْثُ عَنْهَا قَالَ الشَّيْخَانِ وَإِذَا لَمْ يَعْرِف الْقَاضِي مِنْ الشُّهُودِ عَدَالَةً وَلَا فِسْقًا فَلَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ شَهَادَتِهِمْ إلَّا بَعْدَ الِاسْتِزْكَاءِ وَالتَّعْدِيلِ قَالَ الْإِمَامُ الْأَذْرَعِيُّ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ سَوَاء فِي ذَلِكَ الشَّهَادَةُ بِالْمَالِ وَغَيْرِهِ قَالَ لِأَنَّ تَزْكِيَةَ الشُّهُودِ إلَى الْحَاكِمِ دُونَ غَيْرِهِ اهـ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ وَلَا أَدْرِي مَا الَّذِي يَعْتَذِرُ بِهِ مَنْ يُجَوِّزُ شَهَادَةَ غَيْرِ الْمُتَيَقَّنِ عَدَالَتُهُ الْأَمْرُ الرَّابِعُ أَنَّ الْإِمَامَ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ فِي الْكَلَامِ عَلَى التَّزْكِيَةِ اعْتِبَارُ الْعِلْمِ بِالْعَدَالَةِ وَالْفِسْقِ وَأَسْبَابِهِمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ ظَاهِرٌ فِي جَانِبِ التَّعْدِيلِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْعَدَالَةَ وَشُرُوطَهَا وَأَسْبَابَهَا وَمَوَانِعَهَا لَا يَدْرِي بِمَاذَا يَشْهَدُ قَالَ وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَا يَعْتَمِدهُ كَثِيرٌ مِنْ حُكَّامِ الْعَصْرِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ مِنْ قَبُولِ التَّزْكِيَةِ مِنْ الْعَوَامّ الْمَقْبُولِينَ عِنْدهمْ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّا نَقْطَعُ بِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَيَبْنُونَ الشَّهَادَةَ عَلَى مَا يَظْهَرُ مِنْ خَيْرٍ يَظُنُّونَهُ بِالْمُزَكَّى وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَجْهَلُ مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ وَأَسْبَابِهَا وَيَجْهَلُونَ اعْتِبَارَ الْمَعْرِفَةِ الْبَاطِنَةِ قَالَ فَيَجِبُ عَلَى الْقَاضِي الْبَحْثُ وَالسُّؤَالُ وَالِاسْتِفْسَارُ قَالَ وَإِذَا لَمْ يَعْرِفْ الْمُعَدِّلُ أَسْبَابَ الْفِسْقِ ظَنًّا بِمَا هُوَ فِسْقٌ لَيْسَ فِسْقًا فَيَعْدِل جَهْلًا اهـ كَلَامُ الْأَذْرَعِيِّ وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ الشَّيْخِ الْمَقْدِسِيِّ فِي الْإِشَارَاتِ الْعَامِّيُّ لَا يَعْرِفُ الْعَدْلَ مِنْ غَيْرِهِ اهـ وَمُعْظَمُ شَهَادَاتِ النَّاسِ يَشُوبُهَا جَهْلٌ وَغَيْرُهُ يُحْوِجُ الْحَاكِمَ إلَى الِاسْتِفْسَارِ وَإِنْ كَانُوا عُدُولًا كَذَا قَالَ الشَّيْخَانِ تَبَعًا لِلْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُ وَاخْتَارَهُ الْأَذْرَعِيُّ فِي مَوَاضِعَ فِي شَرْحِ الْمِنْهَاجِ وَقَالَ إنَّهُ الْحَقُّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَلَعَمْرِي إنَّ أَكْثَرَ شُهُودَ عَصْرِنَا غَيْرُ مَرْضِيِّينَ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُمْ الْعَدَالَةَ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي عَصْرِهِ فَمَا ظَنُّك بِمَا بَعْدَهُ الْأَمْرُ الْخَامِسُ أَنَّ الْإِمَامَ ابْن عُجَيْل الْيَمَنِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُئِلَ عَنْ أَهْلِ بِلَادٍ لَا يُقَسِّمُونَ لِلنِّسَاءِ مِيرَاثًا ظُلْمًا مِنْهُمْ وَيُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي الْبَاطِلِ وَلَيْسَ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ مِنْ الْعُدُولِ إلَّا نَاسٌ قَلِيلٌ فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ أَوْ لَا؟ فَأَجَابَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَقَالَ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُمْ وَلَا يُرْجَعُ إلَيْهِمْ فِي شَيْءٍ وَهُمْ مِنْ أَفْسَقِ الْفُسَّاقِ حَتَّى يُقَسِّمُوا لِلنِّسَاءِ مَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُنَّ وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا حَتَّى يَرُدُّوا الْحُقُوقَ إلَى أَهْلِهَا وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يُقَاتِلُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَاطِلِ حُكْمُهُمْ كَذَلِكَ لَا تُقْبَل شَهَادَتُهُمْ وَهُمْ فَسَقَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْفُسَّاقِ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى أَكْبَرُ الْكَبَائِرِ بَعْدَ الشِّرْكِ بِاَللَّهِ تَعَالَى قَالَ ﷺ «لَزَوَالُ الدُّنْيَا عِنْد اللَّهِ تَعَالَى أَهْوَنُ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ» اهـ جَوَابُهُ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ

стр. 1289

بَعْد أَنْ رَأَى جَوَابَهُ هَذَا الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ الْأَمْرُ السَّادِسُ أَنَّ الْإِمَامَ شِهَابَ الدِّينِ الْأَذْرَعِيَّ قَالَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ مِنْ شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا كَلَامًا فِيمَا إذَا فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فِي شُهُودِ الْحَاكِمِ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ قَبُولِ الشَّهَادَةِ كَمَا اخْتَارَهُ الْإِمَامُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا الْأَذْرَعِيُّ فِي الْقَضَاءِ مِنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَقَالَ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَا تَتَغَيَّرُ بِتَغَيُّرِ الْأَزْمَانِ وَيُؤَيِّدُهُ مَا أَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ فَوَاتَ الْعَدَالَةِ لَا يُغَيِّرُ مَا اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ مِنْ الْعَدَالَةِ وَالسِّتْرِ فِي شَاهِدِ عَقْدِ النِّكَاحِ مَثَلًا لِأَنَّ النِّكَاحَ يَقَعُ غَالِبًا بَيْنَ أَوْسَاطِ النَّاسِ وَالْعَوَامِّ وَفِي الْبَوَادِي وَالْقُرَى فَلَوْ كُلِّفُوا مَعْرِفَةَ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ لَطَالَ الْأَمْرُ وَشَقَّ بِخِلَافِ الْحُكْمِ فَإِنَّ الْحَاكِمَ يَسْهُلُ عَلَيْهِ مُرَاجَعَةُ الْمُزَكِّينَ وَمَعْرِفَةُ الْعَدَالَةِ الْبَاطِنَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ جَوَابُ الْأَوَّلِ. وَأَجَابَ الثَّانِي فَقَالَ: لَا يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ لِأُمُورٍ أَحَدُهَا أَنَّ بَعْضَ الشَّافِعِيَّةِ الْمُتَأَخِّرِينَ رَأَوْا اغْتِفَار مَا يَغْلِبُ مُخَالَطَةُ النَّاسِ لَهُ وَإِنْ كَانَ مُفَسَّقًا إذَا عُرِفَ صَاحِبُهُ بِالتَّصَوُّنِ عَنْ الْكَذِبِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ حُجَّةُ الْإِسْلَامِ الْغَزَالِيُّ فَصَرَّحَ بِهِ فِي بَعْضِ كُتُبِهِ وَيَدُلُّ لَهُ تَصْحِيحُ وِلَايَةِ الْقَضَاءِ لِمَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ لِفِسْقٍ وَغَيْرِهِ مَعَ الضَّرُورَةِ عَلَى مَا حُرِّرَ مِنْ الْفِقْهِ حَتَّى صَرَّحَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُ صَحَّتْ قَطْعًا وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الرِّفْعَةِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنَّهُ الْحَقَّ. الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الطَّاعَةَ وَنَدَرَتْ الْمَعْصِيَةُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَهُوَ عَدْلٌ وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ الصَّغَائِرَ فَهُوَ فَاسِقٌ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٨] ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] فَاعْتَبَرَ الْكَثْرَةَ وَالْغَلَبَةَ لِأَنَّ فِي النَّفْسِ دَوَاعِيَ الطَّاعَاتِ وَدَوَاعِيَ الْمَعَاصِي فَاعْتُبِرَ الْأَغْلَبُ وَهُوَ كَمَا يُعْتَبَر فِي الْمَاءِ إذَا اخْتَلَطَ بِمَائِعٍ وَفِي الرَّافِعِيِّ الْإِصْرَارُ بِالْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْفِعْلِ لَكِنَّهُ قَالَ هَلْ الْمُدَاوَمَة عَلَى نَوْعٍ مِنْ الصَّغَائِرِ أَوْ الْإِكْثَارُ مِنْ الصَّغَائِرِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ نَوْعٍ أَوْ أَنْوَاعٍ فِيهِ وَجْهَانِ كَلَامُ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَالْجُمْهُورِ يُوَافِقُ الثَّانِيَ فَعَلَى هَذَا لَا تَضُرُّ الْمُدَاوَمَةُ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الصَّغَائِرِ إذَا غَلَبَتْ الطَّاعَاتُ الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّا لَوْ كُلِّفْنَا الْبَحْثَ عَنْ حَالِ الشُّهُودِ فِي هَذِهِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ لَحَصَلَ عَلَيْهِمْ الضَّرَرُ وَلَاِتَّخَذَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبِلَادِ ذَرِيعَةً حَتَّى يَتَعَطَّلَ كَثِيرٌ مِنْ أَمْوَالِهِمْ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] وَقَالَ ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: ٧] وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - الْأَمْرُ إذَا ضَاقَ اتَّسَعَ سِيَّمَا أَنَّ الشَّيْخَ مُحْيِيَ الدِّينِ النَّوَوِيَّ قَالَ فِي بَابِ نَقْضِ الْكَعْبَةِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ إذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَمَفْسَدَةٌ وَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِ الْمَصْلَحَةِ وَتَرْكِ الْمَفْسَدَةِ بُدِئَ بِالْأَهَمِّ وَقَالَ فِي بَابِ الْخَدِيعَةِ مِنْ الشَّرْحِ الْمَذْكُورِ وَاحْتِمَالُ الْمَفْسَدَةِ الْيَسِيرَةِ لِدَفْعِ أَعْظَمَ مِنْهَا أَوْ لِتَحْصِيلِ مَصْلَحَةٍ أَعْظَمَ مِنْهَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ ذَلِكَ إلَّا بِذَلِكَ اهـ. وَجَوَابُ الثَّانِي فَمَا الرَّاجِحُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِأَنَّ الْمُعْتَمَدَ مِنْ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ أَوَّلُهُمَا وَهُوَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدَالَةِ الشُّهُودِ عِنْد الْحَاكِمِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا سَوَاءٌ أَكَانَتْ الْعُدُول فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ قَلِيلِينَ أَوْ كَثِيرِينَ لِمَا ذَكَره الْمُجِيبُ الْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِ كَلَامِهِ نَظَرٌ يُعْرَف لِلْمُتَأَمِّلِ فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا إلَخْ فَإِنَّ فِيهِ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ تَارَةً يَكُونُ فِسْقُهُ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَتَارَةً يَكُونُ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَفِي الْحَالَةِ الْأُولَى يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَشْهَدَ بِالْحَقِّ وَإِنْ خَفِيَ فِسْقُهُ كَذَا قَالَهُ الشَّيْخَانِ لَكِنْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ فِي تَحْرِيمِ الْأَدَاءِ مَعَ الْفِسْقِ الْخَفِيِّ نَظَرٌ لِأَنَّهُ شَهَادَةٌ بِحَقِّ وَإِعَانَةٌ عَلَيْهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَلَا إثْمَ عَلَى الْقَاضِي إذَا لَمْ يُقَصِّرْ بَلْ يَتَّجِهُ الْوُجُوبُ عَلَيْهِ إذَا كَانَ فِي الْأَدَاءِ إنْقَاذُ نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ بُضْعٍ قَالَ وَبِهِ صَرَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ وَفَرَّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفِسْقِ الظَّاهِرِ بِأَنَّ رَدَّ الشَّهَادَةِ بِالْخَفِيِّ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَبِالظَّاهِرِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَصَرَّحَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ فِيهِمَا مِنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ بِعَدَمِ التَّحْرِيمِ وَقَالَ إنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ وَنَقَلَ أَعْنِي الْأَذْرَعِيَّ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مَا يُوَافِقهُ وَهُوَ قَوْلُهُ لَوْ شَهِدَ أَبُو الْوَلَدِ لِوَلَدِهِ أَوْ الْعَدُوُّ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ الْفَاسِقُ بِمَا يَعْلَمُونَهُ مِنْ الْحَقِّ

стр. 1290

وَالْحَاكِمُ لَا يَشْعُرُ بِمَانِعِ الشَّهَادَةِ فَالْمُخْتَارُ جَوَازُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْمِلُوا الْحَاكِمَ عَلَى بَاطِلٍ بَلْ عَلَى إيصَالِ حَقٍّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْخَصْمِ وَلَا عَلَى الشَّاهِدِ وَالْحَالَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ مَا إذَا لَمْ يُجْمَع عَلَى فِسْقِهِ كَشَارِبِ النَّبِيذِ يَلْزَمهُ الْأَدَاءُ سَوَاءٌ أَكَانَ الْقَاضِي يَرَى التَّفْسِيقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةَ بِهِ أَمْ لَا فَقَدْ يَتَغَيَّرُ اجْتِهَادُهُ وَيَرَى قَبُولَهَا وَقَضِيَّةُ الْعِلَّةِ عَدَمُ اللُّزُومِ إذَا كَانَ الْقَاضِي مُقَلِّدًا لِمَنْ يَرَى التَّفْسِيقَ بِذَلِكَ كَالشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِي صُورَةِ النَّبِيذِ وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا نَظَرَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَلِّدَ غَيْرَ مُقَلَّدِهِ لِأَنَّ اعْتِبَارَ مِثْلِ ذَلِكَ بَعِيدٌ نَادِرٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الْأَشْبَاهِ وَالنَّظَائِرِ مِنْ نَقْضِ الْحُكْمِ بِشَهَادَةِ الْفَاسِقِينَ صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخَانِ كَالْأَصْحَابِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ نَقَضَ خَطَأَهُ فَكَانَ كَمَا لَوْ حَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ ثُمَّ بَانَ النَّصُّ بِخِلَافِهِ وَقَوْلُهُ الْأَمْرُ الثَّانِي لِأَنَّ الْإِمَامَ نَجْمَ الدِّينِ ابْنَ الرِّفْعَةِ إلَخْ عَجِيبٌ مِنْهُ نَقْلُ هَذَا وَأَمْثَالِهِ الْكَثِيرَةِ فِي كَلَامِهِ عَنْ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ مَعَ أَنَّهُ الْمَنْقُولُ الْمُعْتَمَدُ فِي كُتُبِ سَائِرِ الْأَصْحَابِ أَوْ أَكْثَرِهِمْ بَلْ وَقَعَ لَهُ رَدُّ رِوَايَةِ الْمَجْهُولِ عَنْ الْإِسْنَوِيِّ وَالْأَذْرَعِيِّ عَنْ ابْنِ الرِّفْعَة ثُمَّ انْتَقَلَ مِنْ ذَلِكَ بِبَلْ إلَى بَيَانِ أَنَّ ذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي هَذَا مِنْ التَّهَافُتِ فِي الْوَضْعِ مَا لَا يَخْفَى وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الْمُجِيبُ الثَّانِي فَكَلَامٌ وَاهٍ سَاقِطٌ ضَعِيفٌ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَأَمَّا مَا نَقَلَهُ عَنْ الْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهِ إمَّا بَاطِلٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ وَاسْتِدْلَالُهُ عَلَيْهِ بِصِحَّةِ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ لِلْفَاسِقِ غَيْرُ صَحِيحٍ فَقَدْ نَقَلَ مُحَقِّقُو الْمُتَأَخِّرِينَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يُفْهِمُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ وَاعْتَمَدُوهُ حَيْثُ قَالُوا لَوْ تَعَذَّرَ جَمِيعُ شُرُوطِ الْقَضَاءِ فَوَلَّى الْإِمَامُ فَاسِقًا أَوْ مُقَلِّدًا جَازَ لِلضَّرُورَةِ وَسَكَتُوا عَنْ نَظِيرِهِ فِي الشَّهَادَةِ وَهُوَ مَا لَوْ رَتَّبَ الْإِمَامُ شُهُودًا فِيهِمْ جَارِحُ الْفِسْقِ أَوْ غَيْرِهِ وَفِي قَوَاعِدِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ لَوْ فَاتَتْ الْعَدَالَةُ فِي شُهُودِ الْحَاكِمِ فَهَذَا فِيهِ وَقْفَةٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ مَصْلَحَةِ الْمُدَّعِي مُعَارِضَةٌ لِمَصْلَحَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهَا لَا تُقْبَلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْحُقُوقِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالذِّمَمِ وَالْأَبْدَانِ وَالظَّاهِرُ مِمَّا فِي الْأَيْدِي أَنَّهُ لِأَرْبَابِهَا وَلَا يَلْحَقُ بِتَنْفِيذِ وِلَايَةِ فَاقِدِ الْأَهْلِيَّةِ لِعَدَمِ الْمُعَارِضَةِ الْمَذْكُورَةِ. اهـ. فَتَأَمَّلْ مَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَمَا أَفْهَمَهُ كَلَامُهُ مِنْ الْفَرْقِ تَجِدهُ رَدًّا فِيمَا ذَكَره الْمُجِيبُ الثَّانِي وَقَوْلُهُ إنَّ الشَّافِعِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اعْتَبَرَ الْأَغْلَبَ إلَخْ يَدُلُّ عَلَى تَسَاهُلِهِ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَعَدَمِ إتْقَانِهِ بِمَا يَسْتَدِلُّ بِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّا لَا نَنْظُرُ إلَى غَلَبَةِ الطَّاعَاتِ أَوْ الْمَعَاصِي أَوْ اسْتِوَائِهِمَا إلَّا إذَا لَمْ تُوجَدْ كَبِيرَةٌ بِأَنْ وُجِدَتْ صَغَائِرُ أَوْ صَغِيرَةٌ وَدَاوَمَ عَلَيْهَا فَإِنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ أَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ فَيُعَدَّلُ وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهِ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ تِلْكَ الصَّغَائِرِ وَإِنْ لَمْ تَغْلِبْ طَاعَاتُهُ فَغَيْرُ عَدْلٍ لِأَنَّ غَلَبَةَ الْمَعَاصِي حِينَئِذٍ تُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ ارْتِكَابِ الْكَبِيرَةِ فَزَالَتْ بِهِ الْعَدَالَةُ وَأَمَّا إذَا ارْتَكَبَ كَبِيرَةً فَإِنَّهُ يَصِيرُ فَاسِقًا وَإِنْ غَلَبَتْ طَاعَاتُهُ عَلَى مَعَاصِيه لِأَنَّ ارْتِكَابَ الْكَبِيرَةِ مُزِيلٌ لِلْعَدَالَةِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى غَلَبَةِ طَاعَاتِهِ أَوْ عَدَمِهِ وَأَمَّا اسْتِدْلَاله بِمَا ذَكَره فِي الْأَمْرِ الثَّالِثِ وَبِكَلَامِ شَرْحِ مُسْلِمٍ فَغَيْرُ صَحِيحٍ أَيْضًا لِمَا مَرَّ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ أَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ تَعَارُضُ مَصْلَحَةٍ وَمَفْسَدَةٍ وَإِنَّمَا فِيهِ تَعَارُضُ مَصْلَحَتَيْنِ - وَلَا مُرَجِّحَ فَلَا يُعْمَلُ بِالشَّهَادَةِ وَتَرَكْنَا الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ بَقَاءِ الْحُقُوقِ فِي أَيْدِي أَرْبَابِهَا وَعَمِلْنَا بِالْأَصْلِ الثَّابِتِ فِي ذَلِكَ وَبَرَاءَةِ الذِّمَمِ وَنَحْوِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا لَوْ أَوْصَى شَخْصٌ لِآخَرَ بِشَيْءٍ فَادَّعَى عَصَبَةُ الْمُوصِي الرُّجُوعَ وَأَقَامُوا شَاهِدًا بَعْد أَنْ أَقَامَ الْمُوصَى لَهُ شَاهِدَيْنِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الْعَصَبَةِ غَيْرُهُ مِنْ غَيْرِ الْعَصَبَةِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَالْحَالُ أَنَّهُمْ إخْوَةٌ حَتَّى تَكْمُلَ الْحُجَّةُ وَتُرَجَّحَ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ ﵎ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنَّ عَصَبَةَ الْمُوصِي إنْ كَانُوا وَرَثَةً لَمْ تُقْبَل شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِالرُّجُوعِ عَنْ الْوَصِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا وَرَثَةً قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِذَا تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَانِ بِالرُّجُوعِ وَعَدَمِهِ قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الرُّجُوعِ لِأَنَّهَا نَاقِلَةٌ وَالْأُخْرَى مُسْتَصْحَبَةٌ أَوْ قَالَتْ الْأُخْرَى شَاهَدْنَاهُ بَعْد الْوَصِيَّةِ تَكَلَّمَ أَوْ فَعَلَ مَا يَكُون رُجُوعًا تَعَارَضَتَا وَبَقِيَتْ الْوَصِيَّةُ بِحَالِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مُسْتَوْدَعٍ مَأْذُونٍ لَهُ مِنْ الْمُودِع

стр. 1291

فِي دَفْعِ الْوَدِيعَةِ إلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ فَطَلَبَ الشَّخْصُ الْوَدِيعَةَ مِنْ الْمُسْتَوْدَع فِي غَيْبَةِ الْمُودِعِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً لَهُ بِالْإِذْنِ عِنْد حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ وَلَدُ الْمُسْتَوْدَعِ وَأَجْنَبِيُّ وَقَبِلَهُمَا الْحَاكِمُ وَحَكَمَ بِالدَّفْعِ ثُمَّ حَضَرَ الْمُودِعُ بَعْدَ الدَّفْعِ وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ فِي الدَّفْعِ فَأَقَامَ الْمُسْتَوْدَعُ الْبَيِّنَةَ الْمَحْكُوم بِهَا فَهَلْ تُقْبَلُ وَيَبْرَأُ الْمُسْتَوْدَعُ مِنْ الْوَدِيعَةِ بَعْد إنْكَارِ الْإِذْنِ مِنْ الْمُودِعِ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْبَيِّنَةِ أَمْ لَا أَمْ كَيْف الْحَالُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِأَنَّ الْوَدِيعَ كَانَ هُوَ الْمُقِيمَ لِلْبَيِّنَةِ الْمَذْكُورَةِ لَمْ تُقْبَل لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لَهُ بِمَا يَدَّعِيه عَلَى الْمُودِعِ مِنْ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الدَّفْعِ وَإِنْ كَانَ الْمُقِيمُ لَهَا غَيْرَ الْوَدِيعِ كَأَنْ ادَّعَى الْمَأْذُونُ لَهُ الْإِذْنَ وَأَنْكَرَهُ الْوَدِيعُ فَأَقَامَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ الْمَذْكُورَةَ قُبِلَتْ وَجَازَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِهَا وَلَا نَظَرَ حِينَئِذٍ إلَى أَنَّ أَحَدَهُمَا وَلَدُهُ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ حِينَئِذٍ عَلَيْهِ لَا لَهُ وَلَا نَظَرَ لِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ بَرَاءَةِ الْوَدِيعِ بِهَذَا الدَّفْعِ إذَا حَضَرَ الْمُودِعُ وَأَنْكَرَ الْإِذْنَ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ أَجْنَبِيٌّ عَنْ الْمُدَّعَى بِهِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِمَا ذَكَرْتُهُ قَوْلُ الشَّيْخَيْنِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرِهِمَا. وَالْعِبَارَةُ لِلرَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَبْدٌ فِي يَدِ زَيْدٍ ادَّعَى مُدَّعٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَمْرٍو بَعْدَ مَا اشْتَرَاهُ عَمْرٌو مِنْ زَيْدٍ صَاحِبِهِ وَقَبَضَهُ وَطَالَبَهُ بِالتَّسْلِيمِ وَأَنْكَرَ زَيْدُ جَمِيعَ ذَلِكَ فَشَهِدَ ابْنَاهُ لِلْمُدَّعِي بِمَا يَقُولهُ حَكَى الْقَاضِي أَبُو سَعِيدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَوْلَيْنِ أَحَدَهُمَا رَدّ شَهَادَتهمَا لِتَضَمُّنِهَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِأَبِيهِمَا وَأَصَحُّهُمَا الْقَبُولُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالشَّهَادَةِ فِي الْحَالِ الْمُدَّعِي وَهُوَ أَجْنَبِيٌّ عَنْهُمَا. اهـ. فَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَ الْقَبُولِ الَّذِي هُوَ الْأَصَحُّ بِمَا ذُكِرَ تَجِدهُ نَصًّا فِي مَسْأَلَتِنَا وَتَأَمَّلْ تَعْلِيلَ الْقَوْلِ الضَّعِيفِ بِتَضَمُّنِهَا إثْبَاتَ الْمِلْكِ لِأَبِيهِمَا تَعْلَمْ أَنَّ الصَّحِيحَ بِقَبُولِ شَهَادَتِهِمَا وَلَا يُنْظَر لِتَضَمُّنِهَا مَا ذُكِرَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالشَّهَادَةِ وَهَذَا كَمَا تَرَى صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ ابْنِ الْوَدِيعِ وَأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا بَرَاءَتُهُ إذَا أَنْكَرَ الْمُودِعُ الْإِذْنَ وَلَا نَظَرَ لِهَذَا التَّرْتِيبِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالشَّهَادَةِ فَإِنْ قُلْتَ هَلْ مَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ التَّصْوِيرِ قَيْدٌ لَا بُدَّ مِنْهُ فِي الْقَبُولِ قُلْتُ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَقِبَهُ لَا يُحْتَاجُ عِنْدِي لِهَذَا التَّصْوِيرِ بَلْ لَوْ ادَّعَى عَلَى زَيْدٍ أَنَّهُ بَاعَهُ فَشَهِدَ ابْنَاهُ قُبِلَتْ شَهَادَتَهُمَا. اهـ. وَهَذَا مِمَّا يَزِيدُ مَسْأَلَتِنَا إيضَاحًا كَمَا هُوَ جَلِيٌّ وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْتُهُ مِنْ أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى قَبُولِ الشَّهَادَةِ بَرَاءَةُ الْوَدِيعِ قَوْلُهُمْ مَحَلُّ عَدَم قَبُولِ الشَّهَادَةِ لِلْأَصْلِ وَالْفَرْعِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ ضِمْنًا فَإِنْ كَانَ قُبِلَتْ كَمَا إذَا ادَّعَى عَلَيْهِ نَسَبَ وَلَدٍ فَأَنْكَرَ فَشَهِدَ أَجْنَبِيٌّ وَأَبُو الْمُدَّعَى عَلَيْهِ عَلَى إقْرَارِهِ فَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَبِ فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ فِي ضِمْنِهِ الشَّهَادَةُ لِحَفِيدِهِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي فَتَاوِيهِ وَأَقَرَّهُ الْأَذْرَعِيُّ أَيْضًا وَالزَّرْكَشِيُّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرُهُمَا وَمَنْ ذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُ الْقَاضِي شُرَيْحٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَوْضَتِهِ إذَا شَهِدَ عَلَى مَوْلَى أُمِّهِمَا أَنَّهَا أَعْتَقَتْهُ عَلَى أَلْفٍ سُمِعَتْ فِي الْعِتْقِ وَهَلْ تُسْمَعُ فِي الْأَلْفِ فِيهِ قَوْلَانِ سَوَاءٌ أَقَرَّتْ أَمْ أَنْكَرَتْ. اهـ. قَالَ الْأَذْرَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهَذَا ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي أَدَبِ الْقَضَاءِ هَكَذَا وَقَالَ صَاحِبُهُ أَبُو سَعِيدٍ الْهَرَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْإِشْرَافِ وَأَنَا قَدْ بَيَّنْتُ أَنَّهُ يُفْصَلُ بَيْن مَا لَوْ سَبَقَ مِنْهُمَا الدَّعْوَى أَوْ لَمْ يَسْبِق عَلَى مَا حَكَيْته عَنْ الْإِمَامِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -. اهـ. قَالَ وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَهُوَ كَمَا قَالَ فَإِنَّهَا إذَا ادَّعَتْ تَكُونُ الشَّهَادَةُ بِالْأَلْفِ شَهَادَةً لَهَا بِمَالٍ قَصْدًا لَا ضِمْنًا إذْ الْأَمْرُ الضِّمْنِيّ لَا يَمْنَعُ قَبُولُ الشَّهَادَةِ بِهِ لِلْوَلَدِ أَوْ لِلْوَالِدِ قَالَ الشَّيْخَانِ رَحِمهمَا اللَّهُ تَعَالَى وَغَيْرهمَا وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّ أَبَاهُمَا قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِمَا فَفِي قَبُولِ شَهَادَتِهِمَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا الْمَنْعُ لِأَنَّ الْقَبُولَ يُحْوِجُهُ إلَى اللِّعَانِ وَهُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْفُرْقَةِ فَشَهَادَتُهُمَا تَجُرُّ نَفْعًا إلَى أُمِّهِمَا وَأَظْهَرهُمَا الْقَبُولُ وَلَا عِبْرَةَ بِمِثْلِ هَذَا الْجَرِّ لِأَنَّهُ ضِمْنِيٌّ لَا مَقْصُودٌ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا كَانَتْ أُمُّهُمَا تَحْتَهُ وَقَدْ شَهِدَ حِسْبَةً مِنْ غَيْرِ طَلَبِ الضَّرَّةِ وَإِلَّا قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا قَطْعًا لِضَعْفِ جَرِّ النَّفْعِ إلَى الْأُمِّ فِي الثَّانِيَةِ وَعَدَمِهِ فِي الْأُولَى وَلَوْ ادَّعَى الْأَبُ طَلَاقَهَا فِي زَمَنٍ سَابِقٍ لِيُسْقِطَ بِمَا يَدَّعِيه عَنْ نَفْسِهِ نَفَقَةً مَاضِيَةً وَنَحْوِهَا أَوْ أَنَّهُ خَالَعَهَا عَلَى مَالٍ بَذَلَتْهُ فَشَهِدَا لَهُ ابْنَاهُ لَمْ يُقْبَلَا قَطْعًا بِالنِّسْبَةِ لِلْمَالِ وَتَقَعُ

стр. 1292

قَطْعًا وَأَفْهَمُ تَقْيِيدَهُمْ عَدَمَ الْقَبُولِ بِدَعْوَى الْأَبِ أَنَّهُمَا لَوْ شَهِدَا بِالطَّلَاقِ الْمَذْكُورِ حِسْبَةٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمَا وَلَزِمَ الْمَالُ الْمَذْكُورُ لِأَنَّهُ ضِمْنِيٌّ لَا مَقْصُودٌ وَهُوَ مُتَّجَهٌ نَظِيرُ مَا مَرَّ قَالَ الشَّيْخَانِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى أَيْضًا وَلَوْ ادَّعَتْ الطَّلَاقَ فَشَهِدَ ابْنَاهَا لَمْ تُقْبَلْ وَلَوْ شَهِدَا حِسْبَةً قُبِلَا وَكَذَا فِي الرَّضَاعِ. اهـ. وَقَضِيَّةُ كِلَامِهِمَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْن أَنْ يَشْهَدَا بِذَلِكَ عَلَى أَبِيهِمَا أَوْ عَلَى زَوْجٍ أَجْنَبِيٍّ وَهُوَ مُتَّجَهٌ وَقَوْلُ الْكَرْخِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُحْتَمَلُ أَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمَا حِسْبَةً لِأَنَّ ذَلِكَ إزَالَةُ رِقٍّ عَنْ الْأُمِّ وَذَلِكَ نَفْعٌ إلَّا أَنْ يَتَمَشَّى هَذَا خَاصَّةً إذَا كَانَتْ الْأُمُّ مَنْكُوحَةً لِغَيْرِ الْأَبِ ضَعِيفٌ قَالَا أَيْضًا وَلَوْ شَهِدَ الْأَبُ مَعَ ثَلَاثَةٍ عَلَى امْرَأَةِ ابْنِهِ بِالزِّنَا فَإِنْ سَبَقَ مِنْ الِابْنِ قَذْفٌ فَطُولِبَ بِالْحَدِّ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ لِدَفْعِهِ لَمْ يُقْبَل وَإِنْ لَمْ يَقْذِفْ أَوْ لَمْ يُطَالِبْ بِالْحَدِّ وَشَهِدَ الْأَبُ حِسْبَةً قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ وَهَذَا كُلُّهُ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْتُهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا يَنْبَغِي بَعْدَ ذَلِكَ التَّوَقُّفُ فِيهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا ادَّعَى وَرَثَةُ مَيِّتٍ أَنَّهُ أَبَانَ زَوْجَتَهُ وَأَقَامُوا شَاهِدًا وَاحِدًا هَلْ يَكْفِي ذَلِكَ مَعَ أَيْمَانِهِمْ وَتُمْنَعُ مِنْ الْمِيرَاثِ قِيَاسًا عَلَى مَا أَفْتَى بِهِ الْغَزَالِيُّ وَقَرَّرَهُ الشَّيْخَانِ رَحِمهمَا اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا لَوْ ادَّعَتْ نِكَاحَ فُلَانٍ الْمَيِّت وَطَلَبَتْ الْإِرْثَ مِنْهُ حَيْثُ قَالُوا يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بِرَجُلٍ وَيَمِينٍ وَكَذَا لَوْ ادَّعَى وَارِثُهَا ذَلِكَ بَعْد مَوْتِهَا هَلْ الْحُكْمُ كَذَلِكَ بَيِّنُوا الرَّاجِحَ عِنْدكُمْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَأَمْعِنُوا النَّظَرَ فِي الْعِلَلِ وَالْمَدَارِكِ جَزَاكُمْ اللَّهُ عَنَّا وَعَنْ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ لَكُمْ أَجْرًا وَزَادَكُمْ بِالْعِلْمِ فَخْرًا وَلَا عَسَّرَ عَلَيْكُمْ أَمْرًا آمِينَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ؟ (فَأَجَابَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِأَنَّ الْقِيَاسَ الْمَذْكُورَ فِيهِ غَيْرُ بَعِيدٍ فَإِذَا حَلَفُوا مَعَ شَاهِدِهِمْ مُنِعَتْ مِنْ الْمِيرَاثِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا شَهِدَ اثْنَانِ وَاحِدٌ بِبَيْعٍ وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ هَلْ تُلَفَّقُ الشَّهَادَتَانِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إذَا شَهِدَ وَاحِدٌ بِبَيْعٍ مَثَلًا وَالْآخَرُ بِالْإِقْرَارِ بِهِ لَمْ تُلَفَّق الشَّهَادَتَانِ نَعَمْ لَوْ رَجَعَ أَحَدُهُمَا وَشَهِدَ بِمَا شَهِدَ بِهِ الْآخَرُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَحْضُرَ الْأَمْرَيْنِ. (وَسُئِلَ) ﵀ إذَا شَهِدَ شُهُودٌ أَنَّ مَالَ فُلَانٍ وَقْفٌ بِالسَّمَاعِ وَلَمْ يُبَيِّنُوا الْمَصْرِفَ هَلْ تَصِحُّ تِلْكَ الشَّهَادَةُ أَمْ لَا حَتَّى يُبَيِّنُوا الْمَصْرِفَ وَهَلْ تُسْمَعُ دَعْوَى وَقْفِ أَبُونَا هَذِهِ الْأَرْض وَلَمْ يَقُولُوا عَلَيْنَا مَثَلًا أَوْ حَتَّى يَقُولُوا عَلَيْنَا وَقَوْلُ الْقَائِلِ اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ فُلَانٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الثَّمَنَ أَمْ حَتَّى يُبَيِّنَ الثَّمَنَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْوَقْفِ عَلَى بَيِّنَةِ الْمِلْكِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنْ حَكَمَ حَاكِمٌ بِبَيِّنَةِ الْمِلْكِ وَلَمْ يَحْكُمْ حَاكِمٌ بِبَيِّنَةِ الْوَقْفِ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ غَيْرُ مُرَجِّحٍ وَلَا تُسْمَعُ الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةُ بِالْوَقْفِ إلَّا مَعَ بَيَانِ مَصْرِفِهِ بِخِلَافِ الشِّرَاءِ لَا يُشْتَرَطُ بَيَانُ قَدْرِ ثَمَنِهِ وَتُقَدَّمَ بَيِّنَةُ الْإِثْبَاتِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيمَنْ ادَّعَتْ فَسَادَ النِّكَاحِ لِصِغَرِهَا وَادَّعَى الزَّوْجُ بُلُوغَهَا بِالْحَيْضِ مَا كَيْفِيَّةُ صُورَةِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْحَيْضِ وَهَلْ لَهُ أَنْ يَدَّعِي حِسْبَةً بِشَيْءٍ ثُمَّ يَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ الشَّيْءِ وَأَيْضًا شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ هَلْ تُشْتَرَطُ بِحَضْرَةِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ تُقْبَلُ الْبَيِّنَةُ بِالْحَيْضِ وَقَوْلُهُمْ فِي مَوْضِعٍ يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ مُرَادُهُمْ بِهِ التَّعَسُّرَ فَإِنَّ مَا يُرَى قَدْ يَكُونُ دَمَ فَسَادٍ وَمَعَ ذَلِكَ إذَا جَزَمَ الشُّهُودُ بِأَنَّهُ دَمُ حَيْضٍ بِأَنْ احْتَفَّ بِقَرَائِنَ وَأَمَارَاتٍ يَعْرِفُهَا أَهْلُ الْخِبْرَةِ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِمْ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا تِلْكَ الْأَمَارَاتِ بَلْ لَوْ سُئِلُوا عَنْهَا فَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا يَلْزَمنَا الْجَوَابُ كَمَا ذَكَرُوهُ فِي نَظَائِرِ ذَلِكَ وَيَجُوزُ لِلشَّاهِدِ أَنْ يَدَّعِي حِسْبَةً ثُمَّ يَشْهَدُ لَأَنْ دَعْوَى الْحِسْبَةِ لَا يَتَوَقَّفُ الْأَمْرُ عَلَيْهَا فَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي سَمَاعِهَا. فَاَلَّذِي رَجَّحَهُ الْإِسْنَوِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَنَسَبَهُ الْإِمَامُ لِلْعِرَاقِيِّينَ الِاكْتِفَاءُ بِشَهَادَتِهَا بَلْ أَمَرَ فِيهِ بِالْإِعْرَاضِ وَالدَّفْعِ مَا أَمْكَنَ وَاَلَّذِي صَحَّحَهُ الْبُلْقِينِيُّ سَمَاعُهُمَا وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ مَحْضِ حُقُوقِ اللَّهِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا عَلَى كُلٍّ مِنْ الْقَوْلَيْنِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي سَمَاعِهَا وَالْمُعْتَمَدُ سَمَاعُهَا إلَّا فِي مَحْضِ حُدُودِ اللَّهِ وَلَا بُدَّ مِنْ حُضُورِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ كَمَا يُفِيدهُ قَوْلُهُمْ

стр. 1293

لَا تُسْمَعُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ حَتَّى يَقُولَ شُهُودُهَا ابْتِدَاءً لِلْقَاضِي نَشْهَدُ بِكَذَا عَلَى فُلَانٍ فَأَحْضِرْهُ لِنَشْهَدَ عَلَيْهِ. اهـ. فَاسْتُفِيدَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا فِي حَضْرَتِهِ كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ بِشَرْطِهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) فِي أَمْرِ السُّلْطَانِ لِلْقُضَاةِ بِأَنَّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ لَوْ أَتَى بِجَرْحِ الشُّهُودِ بَعْد ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا تَقْبَلُوا ذَلِكَ بَعْد الْحُكْمِ أَمْ شُهُود الْجَرْحِ تُقْبَلُ لِمَا ذُكِرَ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ وَهَلْ لَوْ احْتَجَّ مَنْ يُجَوِّزُ ذَلِكَ بِأَنَّ تَجْوِيزَ قَبُولِ الْجَرْحِ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ أَحْكَامٍ مُتَقَدِّمَة الْقَبُولِ أَمْ لَا أَفْتُونَا مَأْجُورِينَ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تُقْبَلُ بَيِّنَةُ الْجَرْحِ وَلَوْ بَعْدَ حُكْمِ الْحَاكِمِ وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ وَلَا نَظَر إلَى أَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى نَقْضِ أَحْكَامٍ مُتَقَدِّمَةٍ لِأَنَّا لَا نَقْبَلُ بَيِّنَةَ الْجَرْحِ إلَّا بِشُرُوطِهَا الْمَذْكُورَةِ فِي مَحِلِّهَا فَإِذَا وُجِدَتْ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهَا وَبَانَ أَنَّ تِلْكَ الْأَحْكَامَ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهَا وَمَتَى أَلْزَمَ السُّلْطَانُ الْقُضَاةَ بِمَا ذُكِرَ أَطَاعُوهُ خَوْفًا مِنْ شَقِّ الْعَصَا. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا حَقِيقَةُ النَّرْدِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَته بِقَوْلِهِ فَصٌّ أَوْ فُصُوص مِنْ نَحْو عَظْمٍ أَوْ خَشَبٍ فِيهَا نَقْطٌ تُطْرَحُ عَلَى لَوْحٍ فِيهِ بُيُوتٌ لِكُلِّ نُقْطَةٍ بَيْتٌ يُعْرَفُ بِهَا كَيْفِيَّةُ اللَّعِبِ وَهَذَا مَعَ أَنِّي لَمْ أَرَهُ أَخَذْتُهُ مِنْ قَوْلِ الْبَيْضَاوِيِّ وَضَعَهُ سابرزن ثَانِي مُلُوكِ السَّاسَانِ وَلِأَهْلِهِ يُقَال لَهُ النَّرْدَشِيرَ وَشَبَّهَ رُقْعَتَهُ بِالْأَرْضِ وَقَسَّمَهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ تَشْبِيهًا بِالْفُصُولِ الْأَرْبَعَةِ اهـ لَهُ وَمِنْ قَوْلِ الْمَاوَرْدِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقِيلَ إنَّهُ مَوْضُوعٌ عَلَى الْبُرُوجِ الِاثْنَا عَشَرَ وَالْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ لِأَنَّ بُيُوتَهُ اثْنَا عَشَرَ وَنَقْطُهُ مِنْ جَانِبِ الْفَصِّ يُتْبَعُ كَالْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ يَعْدِلُ بِهِ إلَى تَدْبِيرِ الْكَوَاكِبِ السَّبْعَةِ وَالْبُرُوجِ اهـ لَهُ وَمِنْ فَرْقِهِمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشِّطْرَنْج بِأَنَّ التَّعْوِيلَ فِي النَّرْدِ عَلَى مَا يُخْرِجهُ الْكَعْبَانِ فَهُوَ كَالْأَوْرَامِ وَفِي الشِّطْرَنْجِ عَلَى الْفِكْرِ وَالتَّأَمُّلِ وَأَنَّهُ يَنْفَعُ فِي تَدْبِيرِ الْحَرْبِ وَعَبَّرَ الزَّرْكَشِيُّ بَدَلَ الْكَعْبَيْنِ بِالْفُصُوصِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - نَسَخَ كِتَابًا وَأَعَانَهُ آخَرُونَ فِي نَسْخِهِ قَلِيلًا هَلْ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي آخِرِهِ كَتَبَهُ فُلَان يَعْنِي نَفْسَهُ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذِبًا لِكَوْنِهِ لَمْ يَكْتُبهُ كُلَّهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ لَهُ أَنْ يَكْتُبَ فِي الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ كَتَبَهُ فُلَانٌ مُرِيدًا بِهِ غَالِبه وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ الْكَذِبِ فَقَدْ قَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَيْسَ مِنْ الْكَذِبِ مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ الْمُبَالَغَةِ كَقَوْلِك جِئْتُكَ مِائَة مَرَّةٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ تَفْهِيم الْمُبَالَغَةِ لَا الْمَرَّاتِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ وَإِلَّا لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ لِلْكَذِبِ حِينَئِذٍ وَإِذَا جَازَ أَنْ يُعَبِّرَ عَنْ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ مَثَلًا بِمِائَةِ مَرَّةٍ مُبَالَغَةً فَلَأَنْ يَجُوزَ أَنْ يَكْتُبَ فِي كِتَابٍ كَتَبَ بِيَدِهِ أَكْثَرَهُ كَتَبَهُ فُلَانٌ بِالْأَوْلَى، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - شَاهِدٌ يَظْهَر عَلَيْهِ كَرَامَاتٌ مَعَ فِسْقِهِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَته بِقَوْلِهِ لَا تُقْبَل فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - لَوْ رَأَيْتُ صَاحِبَ كَبِيرَةٍ يَطِيرُ فِي الْهَوَاءِ لَمْ أَقْبَلْهُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْ بِدْعَتِهِ ذَكَره أَبُو نُعَيْمٍ وَقَدْ تَظْهَرُ الْكَرَامَةُ عَلَى يَدِ فَاسِقٍ بَلْ كَافِرٍ كَالسَّامِرِيِّ فَإِنَّهُ رَأَى فَرَسَ جِبْرِيلَ حَتَّى أَخَذَ مِنْ تُرَابِ حَافِرِهِمَا وَجَعَلَهُ فِي الْعِجْلِ فَخَارَ وَنَقَلَ ابْنُ الْعِمَادِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ النَّيْسَابُورِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ إخْفَاءُ الْكَرَامَةِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - جَرَحَتْ إحْدَى الْبَيِّنَتَيْنِ بَيِّنَةَ الْمُدَّعِي أَوْ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ الْأُخْرَى فَهَلْ تُسْمَعُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَا صَرَّحَ بِهِ الرُّويَانِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْبَحْرِ أَنَّهَا تُسْمَعُ وَأَفْتَى بِهِ جَمْعٌ يَمَنِيُّونَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا تُسْمَعُ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَإِذَا بَادَرْت بَيِّنَةٌ وَشَهِدَتْ بِفِسْقِ الْأُخْرَى قُبِلَتْ فَإِنْ شَهِدَتْ الْمَشْهُودُ بِفِسْقِهَا بِفِسْقِ الشَّاهِدَةِ لَمْ تُقْبَلُ لِثُبُوتِ جَرْحِهَا فَلَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهَا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَهِدَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ رَآهَا مُسْفِرَةً فَهَلْ يُقْبَل؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لِلرُّويَانِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهِ احْتِمَالَانِ رَجَّحَ مِنْهُمَا عَدَمَ الْقَبُولِ لِأَنَّ الْغَالِبَ سَتْرُ وُجُوهِهِنَّ قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِيهِ نَظَرٌ وَهُوَ كَمَا قَالَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ فِي الصَّرْفِ عَلَى عِمَارَةِ دَارٍ فِي

стр. 1294

مِلْكٍ أَوْ وَقْفٍ هَلْ يَجِبُ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ تَفْصِيلُ مَا صُرِفَ فِي ثَمَنِ أَحْجَارٍ وَخَشَبٍ وَأُجْرَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ بِأَنْ يَقُولَا صُرِفَ فِي أَحْجَارِ كَذَا وَفِي خَشَبِ كَذَا وَفِي أُجْرَةِ كَذَا وَكَذَا إلَخْ أَوْ يَكْفِي قَوْلُهُمَا أَنَّهُ صُرِفَ فِي عِمَارَةِ هَذِهِ الدَّارِ وَكَذَا وَكَذَا مُبْهَمًا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ يَكْفِي فِي الشَّاهِدَيْنِ بِعِمَارَةِ أَنْ يَقُولَا صُرِفَ فِي الْعِمَارَةِ كَذَا وَإِنْ لَمْ يُفَصِّلَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا حُكْمُ كَتْبُ الْوَثَائِقِ لِلذِّمِّيِّينَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَجُوزُ كَتْبُ الْوَثَائِقِ لِلذِّمِّيِّينَ لَكِنْ لَا يُعَظَّمُونَ فِيهَا بِأَلْقَابٍ وَلَا بِكُنًى وَلَا بِغَيْرِهِمَا بَلْ يُقَالُ اشْتَرَى مَثَلًا فُلَانٌ مِنْ فُلَانٍ الذِّمِّيِّ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ شَخْصٍ وَضَعَ خَطَّهُ بِشَهَادَةٍ فِي مَالٍ لِشَخْصٍ آخَرَ وَسَمِعَ شَخْصًا يُشْهِدُ شُهُودًا أَوْ يُثْبِتُ مَالًا عِنْد حَاكِمٍ شَرْعِيٍّ وَهُوَ حَاضِرٌ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلَّمُ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ فِيهِ مِلْكًا وَاسْتِحْقَاقًا هَلْ يَسْقُطُ حَقُّهُ بِذَلِكَ سَوَاءٌ عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَم أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ أَثَابَكُمْ اللَّهُ الْجَنَّةَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مُجَرَّدُ الْخَطِّ وَالسُّكُوتِ مَعَ حُضُورِ مَا ذُكِرَ لَا يُبْطِلُ حَقَّهُ مِمَّا تَبَيَّنَ لَهُ فَلَهُ الدَّعْوَى بِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - سُؤَالًا صُورَتُهُ سَبَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الشُّهُودَ فَهَلْ يُعَزَّرُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّه بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ يُعَزَّرُ إنْ سَبَّهُمْ بِالْكَذِبِ وَنَحْوه لِائْتِمَانِ الشَّارِعِ لَهُمْ وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُهُمْ إذَا سَبَّ الشُّهُودَ زَجْرَهُ الْقَاضِي ثُمَّ هَدَّدَهُ ثُمَّ عَزَّرَهُ أَمَّا سَبُّهُمْ بِذِكْرِ مُفَسِّقٍ كَشُرْبِ الْخَمْرِ أَوْ زِنًا فَلَا يُعَزَّرُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ بِهِ لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ قَدْ تَغِيبُ أَوْ تُنْسَى مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُقْصَدُ بِهِ السَّبُّ بَلْ دَفْعُ الْحُجَّةِ قِيلَ وَيُعَزَّرُ عَلَى تَفْسِيقِهِمْ بَعْد الْحُكْمِ لِأَنَّهُ سَبٌّ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ الشَّارِعُ. اهـ. وَفِي إطْلَاقِهِ نَظَرٌ بَلْ حَيْثُ أَرَادَ إقَامَةَ بَيِّنَةٍ بِهِ لَمْ يُعَزَّرْ عَلَيْهِ لِقَبُولِهَا بِهِ وَلَوْ بَعْدَ الْحُكْمِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ مَسْأَلَةٍ اخْتَلَفَ فِيهَا فُقَهَاءُ زَبِيدَ وَهِيَ إذَا سَبَقَ لِسَانُ الشَّاهِدِ بَيْنَ يَدَيَّ الْقَاضِي إلَى خِلَافِ التَّارِيخِ بِأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ سَنَة ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعمِائَةِ فَقَالَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ الْغَلَطِ إلَى الصَّوَابِ فَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ أَوْ لَا بَيِّنُوا لَنَا ذَلِكَ بَيَانًا شَافِيًا لَا عَدِمَكُمْ الْمُسْلِمُونَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي شَهَادَتِهِ حَيْثُ تَدَارَكَهَا فَوْرًا أَوْ بَعْد نَوْعِ مُهْلَةٍ وَلَمْ يَحْصُلْ لِلْقَاضِي نَوْعُ رِيبَةٍ فِي شَهَادَتِهِ كَمَا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ كُلِّهِ كَلَامُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ فَمَنْ بَعْدِهِمْ مِنْهُمْ الْقَاضِي حُسَيْن - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ إذَا ادَّعَى عَيْنًا وَأَقَامَ شَاهِدَيْنِ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مِلْكَهُ وَرِثَهَا مِنْ أَبِيهِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهَا مِلْكَهُ وَرِثَهَا مِنْ أُمِّهِ فَالْأَظْهَر أَنَّهَا شَهَادَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا وَقِيلَ تُقْبَلُ وَيَقْضِي بِهَا لِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَصْلِ الْمِلْك وَإِنَّمَا اخْتَلَفَا فِي شَيْءٍ زَائِدٍ فَلَوْ أَنَّهُمَا اتَّفَقَا بَعْد ذَلِكَ عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ فَشَهِدَا بِأَنَّهُ وَرِثَهُ مِنْ أَبِيهِ مَثَلًا أَوْ شَهِدَا بِالْمِلْكِ مُطْلَقًا قَالَ يُنْظَرُ إنْ وَقَعَ لِلْقَاضِي رِيبَةٌ كَمَا إذَا أَخَذَ شَيْئًا مِنْ الْمَشْهُودِ لَهُ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لَا يُقْبَلُ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ قُبِلَ وَقُضِيَ بِهِ قَالَ شَارِحُ الْأَنْوَارِ. وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ وَهُوَ أَنَّهَا شَهَادَةٌ مُخْتَلِفَةٌ لَا يُحْكَمُ بِهَا وَبِذَلِكَ يُعْلَمُ بِالْأَوْلَى قَبُولُ الشَّهَادَةِ فِي مَسْأَلَتِنَا فِي الْحَالَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَاهُمَا وَهُمَا إذَا تَدَارَكَ ذَلِكَ فَوْرًا لِأَنَّ تَدَارُكَهُ فَوْرًا قَرِينَةٌ ظَاهِرَةٌ جِدًّا عَلَى سَبْقِ لِسَانِهِ أَوْ بَعْدَ مُهْلَةٍ قُبِلَ الْحُكْمُ وَلَمْ يَقَع لِلْقَاضِي رِيبَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ مَا إذَا وَقَعَ لَهُ رِيبَةٌ فِيهِ وَمِنْهُمْ الْقَفَّالُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي فَتَاوِيهِ أَيْضًا لَوْ ذَكَر حُدُودًا فَشَهِدُوا لَهُ بِهَا ثُمَّ جَاءَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ وَأَقَامَ بَيِّنَةً بِأَنَّ الدَّارَ الَّتِي هِيَ فِي يَدِهِ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْحُدُودِ وَسَأَلَ الشُّهُودَ فَإِنْ قَالُوا غَلِطْنَا نُظِرَ فَإِنْ بَيَّنُوا وَجْهَ غَلَطِهِمْ بِأَنَّا رَأَيْنَا تِلْكَ الدَّارَ الَّتِي بِجَنْبِهِ بِيَدِ فُلَانٍ فَظَنَنَّا أَنَّهَا مِلْكُهُ فَحَدَّدْنَا هَذِهِ الدَّارَ بِتِلْكَ وَكَانَ مِثْله مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فَإِنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي شَهَادَتِهِمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يُعِيدُوا الشَّهَادَةَ مَرَّةً أُخْرَى وَلَا يُحْكَمُ بِمَا شَهِدُوا بِهِ أَوَّلًا. اهـ. فَانْظُرْ قَوْلَهُ وَكَانَ مِثْلُهُ مِمَّا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ فِي مَسْأَلَتِنَا مِنْ التَّفْصِيلِ وَإِطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ النَّقْل عَنْهُمْ أَنَّهُمْ إذَا أَخْطَئُوا فِي حَدٍّ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ كَمَا عَلِمْت لِأَنَّ النَّقْلَ إنْ كَانَ عَنْ فَتَاوِيه فَوَاضِحٌ إذْ الَّذِي فِيهَا هُوَ هَذَا التَّفْصِيلُ أَوْ عَنْ غَيْرِهَا فَالْغَالِبُ

стр. 1295

تَقْدِيمُ مَا فِي الْفَتَاوَى لِأَنَّ الِاعْتِنَاءَ بِتَحْرِيرِهِ أَكْثَرُ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ بِالْمَذْهَبِ بِخِلَافِ مَا فِي الْمُصَنَّفِ فِيهِمَا وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ فَإِنَّهُ قَالَ إذَا غَيَّرَ الشَّاهِدُ شَهَادَتَهُ فَزَادَ فِيهَا أَوْ نَقَصَ قَبْلَ الْحُكْمِ فَلَيْسَ لِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فِيهَا نَصٌّ. وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ ذَلِكَ يُقْبَلُ مِنْهُ لِأَنَّهُ مَا لَمْ يَحْكُم الْحَاكِمُ بِشَهَادَتِهِ فَلَيْسَ يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ حُكْمٌ وَقَدْ يَسْهُو ثُمَّ يَذْكُرُ بَعْد ذَلِكَ فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ فِي شَهَادَتِهِ. اهـ. قَالَ السَّيِّدُ السَّمْهُودِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَقَبُوله إذَا نَقَصَ أَوْلَى إلَّا أَنْ يَظْهَرَ لِلْقَاضِي دَلَالَةُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ ضَبْطِهِ. اهـ. وَقَوْلُهُ إلَّا إلَخْ لَيْسَ خَاصًّا بِحَالَةِ النَّقْصِ لِأَنَّهُ لَيْسَ اسْتِثْنَاءً مِنْ أَوْلَى كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ لِلْمُتَأَمِّلِ بَلْ مِنْ الْقَبُولِ الْمُقَدَّرِ الدَّالِّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ أَيْ شَرْطُ قَبُولِهِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لِلْقَاضِي ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ وَبِهَذَا التَّقْدِيرِ عُلِمَ أَنَّ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ مِنْ الْقَبُولِ حَالَةَ الزِّيَادَةِ وَالنَّقْصِ مُقَيَّدٌ بِمَا قَالَهُ السَّيِّدُ مِنْ التَّفْصِيلِ وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ التَّفْصِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّهَا نَظِيرَةُ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَرَضَ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ الْكَلَامَ فِيهَا. فَإِذَا قُيِّدَتْ هَذِهِ بِذَلِكَ التَّفْصِيلِ فَلْتُقَيَّدْ بِهِ نَظِيرَتُهَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا وَمِنْهُمْ الْأَذْرَعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ رَحِمهمَا اللَّه تَعَالَى لَوْ قَالَ الشَّاهِدَانِ لِلْقَاضِي بَعْد الشَّهَادَةِ تَوَقَّفْ فِي الْحُكْمِ تَوَقَّفَ وُجُوبًا لِأَنَّهُ يُوهِمُ رِيبَةً فَإِنْ قَالَا بَعْدُ اقْضِ فَإِنَّا عَلَى شَهَادَتِنَا قَضَى بِلَا إعَادَةِ الشَّهَادَةِ. اهـ. هَذَا مُشْكِلٌ وَيُشْبِهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ إلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي فَإِنْ لَمْ تَبْقَ عِنْدَهُ رِيبَةٌ حَكَمَ وَإِنْ دَامَتْ أَوْ زَادَتْ أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَسَاهُلِ فَلَا وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ ضَبْطِ الشُّهُودِ وَبُرُوزِ عَدَالَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَهُمْ الْقَاضِي عَنْ سَبَبِ التَّوَقُّفِ ثُمَّ الْجَزْمِ بَعْده لِيَظْهَرَ لَهُ الْحَالُ وَهَذَا مُتَعَيَّنٌ فِي الْعَامِّيِّ. اهـ. وَذُكِرَ فِي الْخَادِمِ نَحْوُهُ وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِهِ الْبُلْقِينِيُّ وَهُوَ بَحْثٌ مُتَّجَهٌ وَمِنْهُ يُسْتَفَادُ صِحَّةُ التَّفْصِيلِ الَّذِي قَدَّمْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ بِجَامِعِ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَسْأَلَتَيْنِ مَا يُوجِبُ الرِّيبَةَ فَمَتَى صَحِبَ ذَلِكَ قَرِينَةٌ تُزِيلهَا لَمْ تُؤَثِّر وَإِلَّا أَثَّرَتْ وَإِذَا اتَّضَحَ اسْتِوَاؤُهُمَا فِي ذَلِكَ تَعَيَّنَ إجْرَاءُ نَظِيرِ هَذَا التَّفْصِيلِ فِي مَسْأَلَةِ السُّؤَالِ لِأَنَّ أَحَدَ النَّظِيرِينَ يَثْبُتُ لَهُ مَا ثَبَتَ لِنَظِيرِهِ وَبِهَذَا الَّذِي قَرَّرْته مِنْ الْجَامِعِ بَيْن هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ مِنْ أَنَّهُ صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ فِي كُلٍّ مَا يُرِيبُ فَاحْتِيجَ فِي قَبُولِهِ إلَى مُزِيلِ الرِّيبَةِ يَتَّضِحُ الْجَامِعُ بَيْنَ صُورَةِ السُّؤَالِ وَصُورَةِ الْقَاضِي وَصُورَةِ الْقَفَّالِ وَصُورَةِ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ وَيُعْلَمُ أَنَّ هَذِهِ الصُّوَرَ الثَّلَاثَ مَعَ صُورَةِ الْأَذْرَعِيِّ مُسَاوِيَةٌ لِصُورَةِ السُّؤَالِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي كُلٍّ مِنْ هَذِهِ الْخَمْسِ مِنْ إجْرَاء هَذَا التَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ فَمَتَى بَقِيَ عِنْده رِيبَةٌ أَوْ زَادَتْ أَوْ دَلَّتْ قَرِينَةٌ عَلَى تَسَاهُلٍ لَمْ يُقْبَل وَإِنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ ضَبْطِ الشُّهُودِ وَبُرُوزِ عَدَالَتِهِمْ وَعِلْمِهِمْ. وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنْ قُلْتَ يُنَافِي مَا قَرَّرْته فِي صُورَةِ السُّؤَالِ قَوْلُهُمْ لَوْ رَجَعَ الشَّاهِدُ عَنْ شَهَادَتِهِ قَبْلَ الْحُكْمِ امْتَنَعَ قَبُولُهَا أَيْ وَإِنْ أَبْدَى لِغَلَطِهِ وَجْهًا مُحْتَمَلًا قُلْتُ لَا يُنَافِيهِ وَلَا يُلَاقِيهِ لِأَنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ فِي شَخْصٍ بَاقٍ عَلَى أَصْلِ شَهَادَتِهِ وَالْجَزْمِ بِهَا وَإِنَّمَا وَقَعَ لَهُ تَغْيِيرٌ فِي أَمْرٍ تَابِعٍ لَهَا فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ التَّغْيِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ هَلْ صَحِبَهُ مَا يُزِيل مَا فِيهِ مِنْ الْإِرَابَةِ أَوْ لَا فَلِذَلِكَ جَرَى فِيهِ التَّفْصِيلُ الَّذِي قَرَّرْتُهُ وَكَذَلِكَ بَقِيَّةُ نَظَائِرِهِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَأَمَّا الَّذِي فِي كَلَامِهِمْ فَهُوَ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ الشَّهَادَةِ مِنْ أَصْلِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّيَهَا كَمَا شَهِدَ بِهَا أَوَّلًا فَلَا يُقْبَلُ. وَإِنْ ادَّعَى غَلَطًا مُحْتَمَلًا لِأَنَّا الْآن شَاكُّونَ فِي حَقِيقَةِ مَا شَهِدَ بِهِ وَمِنْ ثَمَّ زَيَّفُوا قَوْلَ مَنْ قَالَ بِقَبُولِهِ بِأَنَّ احْتِمَالَ كَذِبِهِ فِي الرُّجُوعِ كَاحْتِمَالِ كَذِبِهِ فِي الشَّهَادَةِ فَلَا مُرَجِّحَ وَدَعْوَى الْغَلَطِ هُنَا لَا تَصْلُحُ مُرَجِّحَةً لِأَنَّهُ لَمَّا جَزَمَ بِالشَّهَادَةِ أَوَّلًا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُتَحَقِّقٌ مَا شَهِدَ بِهِ فَلَمَّا رَجَعَ عَنْ هَذَا الْجَزْمِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْهُ فَتَوَارَدَ مِنْهُ إثْبَاتُ التَّحَقُّقِ تَارَةً وَنَفْيُهُ أُخْرَى فَإِذَا أَرَادَ الْعَوْدَ إلَى التَّحَقُّقِ لَمْ يُمْكِنْ لِأَنَّهُ صَدَرَ مِنْهُ مَا أَزَالَ ظَنَّ صِدْقِهِ مِنْ هَذَا التَّنَاقُضِ فِي أَصْلِ الشَّهَادَةِ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ لِمَا قَدَّمْته مِنْ أَنَّ الْجَزْمَ بِهِ لَمْ يَزَلْ وَإِنَّمَا وَقَعَ تَغْيِيرٌ فِي وَصْفٍ تَابِعٍ لَهُ وَوُقُوعُهُ فِي هَذَا لَا يُوجِبُ رَدَّ الْأَصْلِ الْمَجْزُومِ بِهِ. فَكَانَ الْأَمْرُ فِيهِ أَخَفَّ فَأَثَّرَتْ فِيهِ الْقَرَائِنُ وَأُدِيرَ الْحُكْمُ عَلَيْهَا وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّغْيِيرَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ لَا يُنَافِي

стр. 1296

الْجَزْمَ وَفِيمَا فِي كَلَامِهِمْ يُنَافِيهِ وَإِنَّهُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فِي أَمْرٍ تَابِعٍ وَفِيمَا فِي كَلَامِهِمْ فِي الْمَتْبُوعِ الْمَقْصُودِ بِالذَّاتِ وَيُغْتَفَرُ فِي التَّابِعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ مُسْتَنَدٍ صُورَتُهُ بَعْد أَنْ ثَبَتَ لَدَى سَيِّدنَا فُلَانٍ بِشَهَادَةِ فُلَانٍ وَفُلَانٍ أَنَّ فُلَانًا وَكَّلَ وَلَدَهُ فِي إيقَافِ الْأَمْكِنَةِ الْكَائِنَةِ بِالْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ الْجَارِيَةِ فِي اسْتِحْقَاقِ مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ وَحِيَازَتِهِ إلَى حِينِ صُدُورِ هَذَا الْوَقْفِ الثُّبُوت الشَّرْعِيّ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمَذْكُورَةِ أَعْلَاهُ وَأَشْهَد عَلَيْهِ الْوَكِيلَ الْمَذْكُورَ أَنَّهُ وَقَفَ عَنْ وَالِدِهِ الْمُوَكِّلِ الْمَذْكُورِ كَذَا وَكَذَا وَذَكَرَ الْأَمْكِنَةِ وَحُدُودَهَا ثُمَّ بَعْد مَا ذَكَر قَالَ وَحَكَمَ سَيِّدُنَا بِمُوجَبِ ذَلِكَ حُكْمًا صَحِيحًا شَرْعِيًّا مُسْتَوْفِيًا شَرَائِطَهُ الشَّرْعِيَّةَ بَعْد أَنْ أَعْذَرَ فِي ذَلِكَ إلَى مَنْ تَوَجَّهَ لَهُ الْإِعْذَارُ شَرْعًا هَلْ قَوْله الثُّبُوتُ الشَّرْعِيّ بِالْبَيِّنَةِ الشَّرْعِيَّةِ قَاصِرٌ عَلَى ثُبُوتِ التَّوْكِيلِ أَوْ يَشْمَلُهُ وَيَشْمَلُ جَرَيَانَ الْأَمْكِنَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي مِلْكِ الْوَاقِفِ الْمَذْكُورِ إلَى حِينِ صُدُورِ الْوَقْفِ وَهَلْ قَوْلُهُ أَيْضًا وَحَكَمَ سَيِّدنَا بِمُوجَبِ ذَلِكَ مُشَارٌ بِهِ إلَى ثُبُوتِ الْوَكَالَةِ وَجَرَيَانِ الْأَمْكِنَةِ فِي الْمِلْكِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِمَا صُورَته قَوْلُهُ يَثْبُتُ إلَخْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ مَا فِي حَيِّزِهِ فَيَكُونَ الثَّابِتُ التَّوْكِيلَ وَالْجَرَيَانَ الْمَذْكُورَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ أَئِمَّتنَا - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - لَوْ شَهِدَا بِتَوْكِيلِ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ فُلَانًا كَانَتْ تِلْكَ الشَّهَادَةُ شَهَادَةً بِالنَّسَبِ لِلْمُوَكِّلِ ضِمْنًا وَبِالتَّوْكِيلِ أَصْلًا لِتَضَمُّنِ ثُبُوتِ التَّوْكِيلِ الْمَقْصُودِ لِثُبُوتِ نَسَبِ الْمُوَكِّل لِغَيْبَتِهِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ وَلِلشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَوْلٌ مَرْجُوحٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَنَّهَا شَهَادَةٌ بِالتَّوْكِيلِ دُون نَسَبِ الْمُوَكِّلِ نَظَرًا إلَى أَنَّ مَوْرِدَ الصِّدْقِ وَالْكَذِبِ فِي الْخَبَرِ كَقَامَ زَيْدُ بْنُ عَمْرٍو النِّسْبَة الَّتِي تَضَمَّنَهَا فَقَطْ دُون غَيْرِهَا وَهِيَ قِيَامُ زَيْدٍ لَا بُنُوَّتُهُ لِعَمْرٍو أَيْضًا إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْإِخْبَارَ بِهَا وَيُجَابُ بِأَنَّا وَإِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الْإِخْبَارَ بِالْبُنُوَّةِ. إلَّا أَنَّ هَذَا لَا يُعَارِضُ الرَّاجِحَ السَّابِقَ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّهَا ثَبَتَتْ قَصْدًا حَتَّى يَرِدَ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَالَ إنَّهَا ثَبَتَتْ ضِمْنًا لِوُجُودِ الْمُسَوِّغِ السَّابِقِ وَإِذَا عُلِمَ أَنَّ الرَّاجِحَ ثُبُوتُ الْبُنُوَّةِ ضِمْنًا فِي صُورَةِ التَّوْكِيلِ الَّتِي حَكَيْنَا فِيهَا الْخِلَافَ فَكَذَلِكَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ وَالْحِيَازَةُ فِي صُورَةِ السُّؤَالِ عَلَى فَرْضِ أَنَّ شَاهِدَيْ التَّوْكِيلِ ذَكَرَاهُ إمَّا عَلَى فَرْضِ أَنَّهُ ثَبَتَ عِنْد الْحَاكِمِ بِغَيْرِ شَاهِدَيْ التَّوْكِيلِ فَلَا إشْكَالَ فِي ثُبُوتِ الْمِلْكِ وَالْحِيَازَةِ حِينَئِذٍ وَعَلَى كُلٍّ فَهُمَا ثَابِتَانِ وَقَوْلُهُ بِمُوجَبِ ذَلِكَ عَائِدٌ إلَى جَمِيعِ مَا سَبَقَهُ وَهُمَا مِنْ جُمْلَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعْتَزِلَةِ إذَا تَبَيَّنَ مِنْهُمْ سَبُّ الصَّحَابَةِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُعْتَزِلَةِ وَالرَّافِضَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ سَائِرِ الْمُبْتَدِعَةِ مَا لَمْ نُكَفِّرهُمْ بِبِدْعَتِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلِيٌّ بِبَلْدَةٍ وَفُوِّضَ إلَيْهِ أُمُورُهَا بِأَنْ يَعْزِلَ وَيُنَصِّبَ وَيَحْكُمُ فَحَكَمَ بِحُرِّيَّةِ إنْسَانٍ وَقَبْلَ الْحُكْمِ نَادَى فِي الْقَرْيَةِ كُلُّ مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ بِرِقِّ الْعَبْدِ فَلْيَحْضُرْ فَحَضَرُوا وَقَالُوا لَيْسَ عِنْدَنَا شَهَادَةٌ وَبَعْد ذَلِكَ شَهِدُوا عِنْد حَاكِمٍ آخَرَ بِرِقِّهِ هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ بَعْدَ الْإِنْكَارِ وَالْجُحُودِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ إنْ كَانُوا قَالُوا ذَلِكَ حِينَ قَصَدُوا لِلشَّهَادَةِ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُمْ وَإِنْ كَانُوا قَالُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَتَحَمَّلُونَ بَعْدُ وَلَوْ قَالَ الشَّاهِدُ لَا شَهَادَةَ لِي عَلَى فُلَان ثُمَّ شَهِدَ وَقَالَ كُنْتُ نَسِيتُ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إنْ اشْتَهَرَتْ دِيَانَتُهُ وَإِلَّا فَلَا. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مَالًا لِنَفْسِهِ أَوْ لِأَيْتَامِهِ فَهَلْ يَصِيرُ بِذَلِكَ عَدُوًّا لَهُ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ لَا يَصِيرُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ عَدُوًّا لَهُ كَمَا أَفْتَى بِهِ الْأَصْبَحِيُّ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ أَنْكَرَ الشَّهَادَةَ ثُمَّ ادَّعَى النِّسْيَانَ وَأَرَادَ الْأَدَاءَ هَلْ تُسْمَعُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَطْلَقَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ وَخَصَّهُ الرَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا إذَا لَمْ يُمْكِن أَنْ يَتَحَمَّلَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ بَعْد إنْكَارِهِ وَابْنُ عُجَيْلٍ بِمَا إذَا لَمْ يَدَّعِ النِّسْيَانَ وَفَارَقَ قَوْلَ الْمُدَّعِي لَا بَيِّنَةَ لِي حَيْثُ تُقْبَلُ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ الْإِنْكَارَ هُنَا صَدَرَ مِنْ الشَّاهِدِ فَاقْتَضَى طَعْنًا فِيهِ وَثَمَّ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ بَلْ مِنْ

стр. 1297

خَارِجٍ عَنْهُ فَلَمْ يَقْتَضِ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ رَجُلٍ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ شَهَادَةٌ لَكِنَّهُ خَافَ مِنْ التَّجْرِيحِ فَهَلْ ذَلِكَ عُذْرٌ لَهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ عُذْرٍ وَلَوْ قِيلَ مَحِلُّهُ حَيْثُ لَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ وُقُوعُ تَجْرِيحٍ فِيهِ بِبَاطِلٍ لَمْ يَبْعُدْ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا صُورَته مَا يَتَعَاطَاهُ جَهَلَةُ الْمُتَصَوِّفَةِ مِنْ الطَّيَرَانِ وَالْقَصَبِ وَالْغِنَاءِ وَالصِّيَاحِ وَالرَّقْصِ وَاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ ذَلِكَ قُرْبَةٌ وَتَكْنِيَتُهُمْ عَنْ الْبَارِي بِهِنْدٍ وَلَيْلَى فَهَلْ يَحِلُّ لَهُمْ ذَلِكَ لَا سِيَّمَا فِي الْمَسَاجِدِ وَهَلْ نُقِلَ عَنْ السَّلَفِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ وَهَلْ ذَلِكَ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ وَهَلْ يُكَفَّرُ مَنْ اعْتَقَدَ التَّقَرُّبَ بِهِ إلَى اللَّهِ أَوْضِحُوا لَنَا ذَلِكَ وَبَيِّنُوهُ بَيَانًا شَافِيًا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ أَشْبَعَ الْأَئِمَّةُ كَالْعِزِّ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ وَلَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ عَلَيْهَا بِاخْتِصَارٍ فَنَقُولُ أَمَّا الدُّفُّ فَمُبَاحٌ مُطْلَقًا حَتَّى لِلرِّجَالِ كَمَا اقْتَضَاهُ إطْلَاقُ الْجُمْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ السُّبْكِيّ وَضَعَّفَ مُخَالَفَةَ الْحَلِيمِيِّ فِيهِ وَأَمَّا الْيَرَاعُ فَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - كَالْأَكْثَرِينَ حُرْمَتُهُ. وَأَمَّا اجْتِمَاعُهُمَا فَحَرَّمَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَخَالَفَهُ السُّبْكِيّ وَغَيْرُهُ فَإِنَّ الْحُرْمَةَ لَمْ تَتَأَتَّ مِنْ الِاجْتِمَاعِ وَلَمْ تَسْرِ إلَى الدُّفِّ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْيَرَاعُ الْمُسَمَّى بِالشَّبَّابَةِ وَأَمَّا الْغِنَاءُ وَسَمَاعُهُ بِلَا آلَةٍ فَمَكْرُوهَانِ وَقَوْلُ الْأُسْتَاذِ أَبِي مَنْصُورٍ الْمَذْهَبُ الْجَوَازُ إذَا سَمِعَهُ مِنْ الرَّجُلِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَلَمْ يَقْتَرِن بِهِ مَكْرُوهٌ ضَعِيفٌ بَلْ الْمُعْتَمَدُ الْكَرَاهَةُ مُطْلَقًا وَقَالَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ نَوَى بِهِ التَّرْوِيحَ لِلتَّقَوِّي عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ مُطِيعٌ وَأَمَّا الصِّيَاحُ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الصِّيَاحُ وَالتَّغَانِي إنْ كَانَ عَنْ حَالٍ لَا يَقْتَضِيهِ أَثِمَ مِنْ وَجْهَيْنِ إبْهَامِهِ الْحَالَ الْمُوجِبَةَ لِذَلِكَ وَتَصَنُّعِهِ بِهِ وَإِنْ كَانَ عَنْ حَالٍ يَقْتَضِيهِ أَثِمَ بِرِيَائِهِ لَا غَيْر وَنَتْفُ الشُّعُورِ وَضَرْبُ الصُّدُورِ وَتَمْزِيقُ الثِّيَابِ مُحَرَّمٌ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَأَمَّا الرَّقْصُ فَلَا يَحْرُم لِفِعْلِ الْحَبَشَةِ لَهُ فِي حَضْرَتِهِ ﷺ مَعَ تَقْرِيرِهِ عَلَيْهِ. وَقَالَ جَمَاعَةٌ يُكْرَهُ لِخَرْمِ الْمُرُوءَةِ وَفَصَّلَ الْغَزَالِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بَيْنَ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِوَجْدٍ فَيَجُوزُ لَهُمْ وَيُكْرَهُ لِغَيْرِهِمْ وَنُقِلَ عَنْ الْقَاضِي - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - رَدُّ الشَّهَادَةِ بِهِ لِغَيْرِ أَرْبَابِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ مُتَّجَهٌ حَيْثُ كَانَ لَهُمْ مَنْصِبٌ أَوْ فَخَامَةٌ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ خَارِمٌ لِمُرُوءَتِهِ غَيْرُ لَائِقٍ بِهِ تَعَاطِيهِ وَإِلَّا فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ الشَّهَادَةِ بِهِ لِأَنَّهُ غَيْرُ خَارِمٍ لِلْمُرُوءَةِ حِينَئِذٍ قَالَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَلَا حَاجَةَ لِاسْتِثْنَاءِ أَرْبَابِ الْأَحْوَال لِأَنَّهُ لَيْسَ بِالِاخْتِيَارِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُرْمَةٌ كَفِعْلِ الْمُخَنَّثِينَ وَإِلَّا حَرُمَ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُكْرَهُ وَقَالَ الْبُلْقِينِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إنْ كَانَ لِلتَّشَبُّهِ بِالْمُخَنَّثِ فَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالصَّحِيحُ التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا وَأَمَّا التَّصْفِيقُ بِالْيَدِ لِلرِّجَالِ فَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمه اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَرَامٌ وَجَزَمَ بِهِ الْمَرَاغِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَفِيهِ نَظَرٌ وَنِيَّةُ التَّقَرُّبِ بِذَلِكَ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ حَرَامٌ وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِصَرِيحِ لَفْظِ النَّاوِي فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُظَنَّ بِهِ ذَلِكَ وَلَوْ لِقَرِينَةٍ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ مِمَّنْ اُشْتُهِرَ عَنْهُ خَيْرٌ بَلْ رُبَّمَا يَكُون ظَنُّ ذَلِكَ بِمِثْلِ هَذَا جَالِبًا لِلْمَقْتِ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ وَتَسْمِيَةُ الْبَارِي جَلَّ وَعَلَا بِالْمَخْلُوقِينَ حَرَامٌ عِنْد كُلِّ أَحَدٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُظَنَّ ذَلِكَ أَيْضًا بِمِثْلِ مَنْ ذَكَرْنَاهُ وَحَاشَا مَنْ يُنْسَبُ إلَى أَدْنَى دَرَجَاتِ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُشَبِّهَ الْقَدِيمَ بِالْحَادِثِ وَأَمَّا فِعْلُ ذَلِكَ فِي الْمَسَاجِدِ فَلَا يَنْبَغِي لِأَنَّهَا لَمْ تُبْنَ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَلَا يَحْرُم ذَلِكَ إلَّا إنْ أَضَرَّ بِأَرْضِ الْمَسْجِدِ أَوْ حُصُرِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ شَوَّشَ عَلَى نَحْوِ مُصَلٍّ أَوْ نَائِمٍ بِهِ وَقَدْ رَقَصَ الْحَبَشَةُ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ ﷺ يَنْظُرهُمْ وَيُقِرّهُمْ عَلَى ذَلِكَ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَعْلِنُوا هَذَا النِّكَاحَ وَافْعَلُوهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَاضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ» وَفِيهِ إيمَاءٌ إلَى جَوَازِ ضَرْبِ الدُّفِّ فِي الْمَسَاجِدِ لِأَجْلِ ذَلِكَ فَعَلَى تَسْلِيمِهِ يُقَاسُ بِهِ غَيْرُهُ وَأَمَّا نَقْلُ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ فَقَدْ قَالَ الْوَلِيُّ أَبُو زُرْعَةَ فِي تَحْرِيرِهِ صَحَّ عَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُمَا سَيِّدَا الْمُتَأَخِّرِينَ عِلْمًا وَوَرَعًا وَنَقَلَهُ بَعْضُهُمْ

стр. 1298

عَنْ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَكَفَاكَ بِهِ وَرِعًا مُجْتَهِدًا وَأَمَّا دَلِيلُ الْحِلِّ لِمَا ذُكِرَ فَفِي الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ «سَمِعَ بَعْضَ جَوَارٍ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِّ وَهِيَ تَقُولُ وَفِينَا نَبِيٌّ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَالَ ﷺ دَعِي هَذَا وَقُولِي الَّذِي كُنْت تَقُولِينَ» وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ ﷺ «لَمَّا رَجَعَ مِنْ بَعْضِ غَزَوَاتِهِ أَتَتْهُ جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي نَذَرْتُ إنْ رَدَّك اللَّهُ تَعَالَى سَالِمًا أَنْ أَضْرِبَ بَيْنَ يَدَيْك بِالدُّفِّ فَقَالَ لَهَا إنْ كُنْتِ نَذَرْتِ فَأَوْفِ بِنَذْرِك» . (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ حَصَلَ فِي يَدِهِ مَالٌ مِنْ حَرَامٍ ثُمَّ جَهِلَ مَالِكَهُ وَلَمْ يَتَوَقَّع مَعْرِفَتَهُ فَمَا حُكْمُهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ فِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ عَنْ الْعَبَّادِيِّ وَالْغَزَالِيِّ أَنَّهُ يَدْفَعهُ لِقَاضٍ تُرْضَى سِيرَتُهُ وَدِيَانَتُهُ فَإِنْ تَعَذَّرَ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِنِيَّةِ الْغَرَامَةِ لَهُ إنْ وَجَدَهُ وَفِي أَصْلِ الرَّوْضَةِ أَوَاخِر الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ مَا لَفْظُهُ وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّن لَهُ مَالِكٌ وَحَصَلَ الْيَأْسُ مِنْ مَعْرِفَتِهِ. فَذَكَر بَعْضُهُمْ أَنَّ لَهُ أَيْ الْحَاكِمِ أَنْ يَبِيعَهُ وَيَصْرِفَ ثَمَنَهُ إلَى الْمَصَالِحِ وَأَنَّ لَهُ حِفْظَهُ قُلْت هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ مُتَعَيِّنٌ وَلَا يُعْرَف خِلَافُهُ. اهـ. وَمِنْ ثَمَّ قَالَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ مَا قَالُوهُ فِي الْمَالِ الضَّائِعِ مِنْ حِفْظِهِ إلَى ظُهُورِ مَالِكِهِ مَحَلَّهُ إنْ تُوُقِّعَتْ مَعْرِفَتُهُ وَإِلَّا كَانَ حِينَئِذٍ مَصْرُوفًا إلَى مَا يُصْرَفُ فِيهِ أَمْوَالُ بَيْتِ الْمَالِ. اهـ. وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ سُرَاقَةَ فِي التَّلْقِينِ. وَقَالَ فِي الْإِحْيَاءِ كُلُّ مَالٍ ضَائِعٍ فُقِدَ مَالِكُهُ يَصْرِفُهُ السُّلْطَانُ إلَى الْمَصَالِحِ فَعُلِمَ أَنَّ الْمَالَ الضَّائِعَ عِنْد الْيَأْسِ يَكُونُ كَمَالِ بَيْتِ الْمَالِ وَإِنْ أَوْهَمَ كَلَامُ الْعِزِّ بْنِ جَمَاعَةٍ تَغَايُرَهُمَا وَكَلَامُهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَحَلَّ مَا مَرَّ عَنْ الرَّوْضَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كَوْنِهِ يَدْفَعهُ إلَى الْإِمَامِ مَحَلَّهُ إنْ كَانَ عَادِلًا أَوْ لَهُ نَائِبٌ كَذَلِكَ قَالَ وَإِلَّا سَلَّمَهُ لِرَجُلٍ عَالِمٍ مَعْرُوفٍ مَوْثُوقٍ بِهِ وَأَعْلَمهُ بِالْحَالِ لِيَصْرِفَهُ فِي مَصَارِفِهِ وَلِلْعَالِمِ أَنْ يَصْرِفَهُ إلَيْهِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجُوزُ الصَّرْفُ إلَيْهِ وَلَهُ هُوَ أَنْ يَصْرِفَهُ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ إنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَهُوَ عَالِمٌ بِالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. اهـ. وَفِي فَتَاوَى الْبَغَوِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا يُؤَيِّدُهُ فَإِنَّهُ قَالَ الْمَالُ الضَّائِعُ يُصْرَفُ لِلْمَصَالِحِ فَإِذَا وَقَعَ فِي يَدِ إنْسَانٍ وَلَمْ يَظْفَرْ بِإِمَامٍ أَيْ عَادِلٍ لِمَا مَرَّ يَدْفَعهُ إلَيْهِ يَصْرِفُهُ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمَصَالِحِ وَإِنْ كَانَ أَهَمَّ مِنْهُ وَفِي قَوَاعِدِ الزَّرْكَشِيّ إذَا عَمَّ الْحَرَامُ قُطْرًا بِحَيْثُ لَا يُوجَدُ فِيهِ الْحَلَالُ إلَّا نَادِرًا جَازَ اسْتِعْمَالُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَقْتَصِر عَلَى الضَّرُورَةِ وَلَا يَتَبَسَّطُ فِيهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمه اللَّهُ تَعَالَى وَالصُّورَةُ أَنَّ مَعْرِفَةَ مُسْتَحِقِّهِ مُتَوَقَّعَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمَصَالِحِ لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ مَا جُهِلَ مَالِكُهُ. اهـ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ فِي الْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاجِدِ وَالْجِهَاتِ الْعَامَّةِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ نَعَمْ تُقْبَل بِلَا خِلَافٍ بِخِلَافِهَا فِي الْوَقْفِ عَلَى مُعَيَّنٍ وَلَوْ شَهِدَا بِأَنَّ فِي ذِمَّتِهِ لِلْمَسْجِدِ شَيْئًا سُمِعَتْ وَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ اشْتَرَى مِنْ غَلَّتِهِ أَوْ وَهَبَهُ لَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَلْ يَحِلُّ اللَّعِبُ بِالطَّابِ أَوْ لَا وَهَلْ الْمِنْقَلَةُ مِثْلُهُ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ مَا كَانَ مَدَارُهُ عَلَى الْحِرْزِ وَالتَّخْمِينِ يَحْرُمُ وَمَا كَانَ مَدَارُهُ عَلَى الْحِسَابِ لَا يَحْرُمُ وَهُوَ ظَاهِرُ فِي حُرْمَةِ الطَّابِ وَالْمِنْقَلَةِ التَّابِعَةِ لَهُ لِأَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مُعَلَّقٌ عَلَى مَا يُخْرِجهُ فَقَطْ وَفِي حِلِّ الْمَنْقَلَةِ الْمُسْتَقِلَّةِ وَنَحْوهَا وَيُوَجَّهُ بِأَنَّ الْأَوَّلَ عَبَثٌ رُبَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى النَّرْدِ فَكَانَ إلْحَاقُهُ بِهِ أَوْلَى بِخِلَافِ الثَّانِي فَإِنَّ الْأَمْرَ فِيهِ دَائِرٌ عَلَى حِسَابٍ وَمَزِيدِ فِطْنَةٍ فَبِتَكْرَارِهِ يَحْصُلُ لِلنَّفْسِ ذَلِكَ كَمَا فِي الشِّطْرَنْجِ فَتَعَيَّنَ إلْحَاقُهُ بِهِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا صُورَتُهُ لَعِبُ مُعْتَقِدِ حِلَّ الشِّطْرَنْجِ مَعَ مُعْتَقِدِ تَحْرِيمِهِ حَرَامٌ بِخِلَافِ تَبَايُعِ مَنْ لَا تَلْزَمهُ الْجُمُعَةُ مَعَ مَنْ تَلْزَمهُ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ يُفَرَّقُ بِأَنَّ التَّبَايُعَ الْقَصْدُ مِنْهُ غَالِبًا طَلَبُ الرِّبْحِ وَهُوَ غَرَضٌ صَحِيحٌ يُقْصَدُ فِي الْعَادَةِ لِأَكْثَرِ النَّاسِ فَلَمْ يُمْنَعْ مَنْ لَا تَلْزَمهُ الْجُمُعَةُ مِنْهُ وَلَا نَظَرَ لِكَوْنِهِ يُعِينُ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِخِلَافِ لَعِبِ الشِّطْرَنْجِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ غَرَضٌ يَغْلِبُ فِي الْعَادَةِ تَحْصِيلُهُ فَكَانَ دُونَ ذَلِكَ الْغَرَضِ فَمُنِعَ مُعْتَقِدُ حِلِّهِ مِنْ إعَانَةِ مُعْتَقِدِ حُرْمَتِهِ عَلَى حَرَامٍ فِي ظَنِّهِ وَأَيْضًا فَالْمَعْصِيَةُ فِي الْبَيْعِ

стр. 1299

لَيْسَتْ مِنْ حَيْثُ كَوْنُهُ بَيْعًا بَلْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ وَهُوَ التَّفْوِيتُ وَمَنْ لَا تَلْزَمهُ لَمْ يَقْصِدهُ بَلْ قَصَدَهُ لِحُصُولِ الرِّبْحِ مَثَلًا فَلَمْ تَتَحَقَّقْ فِيهِ إعَانَةٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ بِخِلَافِ اللَّعِب فَإِنَّ الْمَعْصِيَةَ فِيهِ لِذَاتِ الْفِعْلِ الصَّادِرِ مِنْهُمَا إذْ لَا يُمْكِن وُجُودُهُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ فَتَحَقَّقَتْ فِيهِ الْإِعَانَةُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يُمْكِن قَصْدُ أَمْرٍ خَارِجٍ يُجَوِّزُ لَهُ الْإِقْدَامَ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا عَلَيْهِ الْعَمَلُ مِنْ جَوَازِ الشَّهَادَةِ عَلَى الْمُنْتَقِبَةِ اعْتِمَادًا عَلَى إخْبَارِ عَدْلٍ أَوْ عَدْلَيْنِ فَهَلْ يَشْمَلُ عَدْلَ الرِّوَايَةِ أَوْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكْتَفِي بِعَدْلِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِخْبَارِ إذْ لَيْسَ لَنَا شَهَادَةٌ يُقْبَلُ فِيهَا وَاحِدٌ إلَّا فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ تَخْتَصُّ بِمَا يَقَعُ بَعْد دَعْوَى صَحِيحَةٍ عِنْد قَاضٍ أَوْ مُحَكَّمٍ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ. (وَسُئِلَ) - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْ عَبْدٍ أَذْنَبَ ثُمَّ نَدِمَ وَعَقَدَ تَوْبَةً نَصُوحًا ثُمَّ أَذْنَبَ ثُمَّ نَدِمَ وَعَقَدَ أَيْضًا ثُمَّ أَذْنَبَ وَعَقَدَ أَيْضًا وَهَذَا حَالُهُ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْخَشْيَةِ مِنْ اللَّهِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ الذَّنْبَ مُقَدَّرٌ وَمُحَتَّمٌ عَلَيْهِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالتَّوْبَةِ النَّصُوحِ وَقَدْ فَعَلَ مَا أُمِرَ بِهِ فَكَيْف خَلَاصُهُ مِنْ ذَلِكَ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ صِحَّةُ التَّوْبَةِ بِشُرُوطِهَا مِنْ الذَّنْبِ وَإِنْ تَكَرَّرَ فَعَلَى الْعَبْدِ عَقِبَ فِعْلِهِ أَنْ يَتُوبَ إلَى اللَّهِ وَيَجْتَهِدَ فِي تَحْقِيقِ شُرُوطِهَا فَإِنَّ مِنْ آفَةِ التَّسَاهُلِ فِي الشُّرُوطِ مَيْلَ النَّفْسِ إلَى الْعَوْدِ بَلْ سُرْعَةَ عَوْدِهَا إلَى الذَّنْبِ لِأَنَّهَا ذَاقَتْ حَلَاوَتَهُ وَلَمْ تُسَلَّ عَلَيْهَا سُيُوفُ الْمُجَاهَدَةِ وَالنَّدَمِ الْحَقِيقِيّ وَلَوْ حَقَّ نَدَمُهَا لَبَعُدَ عَوْدُهَا فَعَلَى الْعَبْدِ الِاجْتِهَادُ فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ وَتَقْرِيعُ نَفْسِهِ بِأَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهَا الْمَرَاهِمَ الْحَادَّةَ مِنْ مَظَاهِرِ الْجَلَالِ وَالِانْتِقَامِ حَتَّى يُكْسِبَهَا ذَلِكَ خَشْيَةً تَامَّة مِنْ سَطَوَاتِ الْحَقِّ وَانْتِقَامِهِ. وَيَكُون مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَضَرِّعًا إلَى اللَّهِ فِي قَبُولِهِ تَوْبَتَهُ وَغُفْرَانِ زَلَّتِهِ وَرَحْمَةِ حَوْبَتِهِ فَإِنَّ مَنْ أَدْمَنَ قَرْعَ بَابِ الْغَنِيِّ الْكَرِيمِ لَا بُدَّ وَأَنْ يَفْتَحَ لَهُ وَيَتَفَضَّلَ عَلَيْهِ بِمَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ فَعَلَيْك بِصِدْقِ الِابْتِهَالِ وَدَوَامِ الذِّلَّةِ وَالْخَشْيَةِ لِتَفُوزَ مِنْ رَبِّك بِأَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إنَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالُ تَابَ اللَّهُ عَلَيْنَا تَوْبَةً نَصُوحًا بِفَضْلِهِ وَأَدَامَ عَلَيْنَا هَوَاطِلَ جُودِهِ وَوَابِلَ عَفْوِهِ آمِينَ (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِمَا لَفْظُهُ رَأَيْتُ مَنْقُولًا عَنْ الْخُلَاصَةِ مَا لَفْظُهُ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُعَلِّمِ الصِّبْيَانِ فَإِنَّ عَقْلَ ثَمَانِينَ مُعَلِّمًا لَا يُسَاوِي عَقْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْأَيَّامِ مَعَ الصِّبْيَان وَفِي اللَّيَالِي مَعَ النِّسْوَانِ. اهـ. فَهَلْ هَذَا النَّقْلُ صَحِيحٌ ثَابِتٌ فِيهَا أَوْ لَا وَكَيْفَ الْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ قَدْ فَتَّشْتُ عَلَى هَذَا الْمَذْكُورِ عَنْ خُلَاصَةِ الْغَزَالِيِّ فَلَمْ أَرَهُ فِيهَا وَلَا أَظُنّهُ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِنَا لِأَنَّهُ إلَى السَّفْسَافِ أَقْرَبُ وَكَمْ مِنْ مُعَلِّمِ صِبْيَانٍ رَأَيْنَاهُ يُسْتَسْقَى بِهِ الْغَيْثُ لِبُلُوغِهِ فِي النَّزَاهَةِ وَالْعِفَّةِ وَالْعَدَالَةِ وَالصَّلَاحِ الْغَايَةَ الْقُصْوَى فَإِنْ صَحَّتْ تِلْكَ الْمَقَالَةُ بِإِطْلَاقِهَا عَنْ عَالِمٍ تَعَيَّنَ تَأْوِيلُهَا عَلَى مُعَلِّمٍ ظَهَرَتْ عَلَيْهِ أَمَارَاتُ الْجَهْلِ أَوْ الْفِسْقِ أَوْ الْجُنُونِ كَمَا هُوَ كَثِيرٌ الْآن فِيمَنْ يَتَعَاطَى هَذِهِ الْحِرْفَةَ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ الْحِرَفِ بِنَصِّهِ ﷺ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّا إذَا ادَّعَتْ الزَّوْجَةُ النِّكَاحَ لِثُبُوتِ الْمَهْرِ هَلْ يَثْبُتُ بِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَمْ لَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِعُلُومِهِ وَبَرَكَتِهِ بِقَوْلِهِ إذَا وَقَعَتْ الدَّعْوَى بِالْمَهْرِ ثَبَتَ بِمَا يَثْبُتُ بِهِ الْمَالُ حَتَّى الشَّاهِدُ وَالْيَمِينُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ فَقِيهٍ كَشَفَ رَأْسَهُ حَيْثُ لَا يُعْتَاد أَوْ قَبَّلَ زَوْجَتَهُ بِحَضْرَةِ النَّاسِ مَرَّةً وَاحِدَةً هَلْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ أَوْ تَكُونُ صَغِيرَةً؟ (فَأَجَابَ) بِقَوْلِهِ تُرَدُّ الشَّهَادَةُ بِخَارِمِ الْمُرُوءَةِ وَإِنْ لَمْ يَتَكَرَّر وَفَارَقَ الصَّغِيرَةَ بِأَنَّهَا لَا تَدُلُّ عَلَى عَدَم الْمُبَالَاةِ إلَّا إذَا تَكَرَّرَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ صَغَائِرَ أُخْرَى حَتَّى غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ طَاعَاتِهِ وَأَمَّا خَارِمُ الْمُرُوءَةِ فَإِنَّهُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِعَرْضِهِ وَخَرْمِهِ وَمَنْ لَا يُبَالِي بِذَلِكَ لَا يَتَوَقَّى الزُّورَ وَنَحْوَهُ كَالتَّسَاهُلِ فِي الشَّهَادَةِ فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ بِالْمَرَّةِ الْوَاحِدَةِ لِعَدَمِ الثِّقَةِ حِينَئِذٍ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْحَسُودِ إذَا صَدَرَتْ مِنْهُ صَغِيرَةٌ بِجَوَارِحِهِ بِسَبَبِ الْحَسَدِ الْبَاطِنِ الَّذِي هُوَ كَبِيرَةٌ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ هَلْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ

стр. 1300

أَمْ لَا وَكَذَلِكَ يُسْأَلُ فِي الْكِبْرِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِهِ بِقَوْلِهِ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ الْحَسَدِ وَالْكِبْرِ كَبِيرَةٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي كِتَابِ الزَّوَاجِرِ عَنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ وَحِينَئِذٍ فَكُلٌّ مِنْهُمَا بِمُجَرَّدِهِ يَقْتَضِي الْفِسْقَ وَرَدَّ الشَّهَادَةِ سَوَاءٌ وُجِدَتْ مَعَهُ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى أَمْ لَمْ تُوجَدْ مَعَهُ مَعْصِيَةٌ أَبَدًا لِأَنَّ كُلَّ مَا قِيلَ إنَّهُ كَبِيرَةٌ يَكُونُ بِمُفْرَدِهِ مُبْطِلًا لِلْعَدَالَةِ وَرَادًّا لِلشَّهَادَةِ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ زَنَى بِحَلِيلَةِ أَحَدٍ فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ تَوْبَتِهِ أَنْ يَسْتَحِلَّ زَوْجهَا مَا لَمْ يَخْشَ فِتْنَةً أَوْ مُطْلَقًا أَوْ لَا يَجِبُ ذَلِكَ مِنْ أَصْلِهِ؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ ذَكَرْتُ فِي كِتَابِي الزَّوَاجِرِ عَنْ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ مَا يُعْلَمُ مِنْهُ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ قَالَ الزَّرْكَشِيُّ رَأَيْتُ فِي مِنْهَاجِ الْعَابِدِينَ لَلْغَزَالِيِّ أَنَّ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْعِبَادِ إمَّا فِي الْمَالِ فَيَجِبُ رَدُّهُ عِنْد الْمُكْنَةِ فَإِنْ عَجَزَ لِفَقْرٍ اسْتَحَلَّهُ فَإِنْ عَجَزَ عَنْ اسْتِحْلَالِهِ لِغَيْبَتِهِ أَوْ مَوْتِهِ وَأَمْكَنَ التَّصَدُّقُ عَنْهُ فَعَلَهُ وَإِلَّا فَلْيُكْثِرْ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَيَرْجِعْ إلَى اللَّهِ وَيَتَضَرَّعْ إلَيْهِ فِي أَنَّهُ يُرْضِيهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَة وَأَمَّا فِي النَّفْسِ فَيُمَكِّنهُ أَوْ وَلِيَّهُ مِنْ الْقَوَدِ فَإِنْ عَجَزَ رَجَعَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي إرْضَائِهِ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِمَّا فِي الْعِرْضِ فَإِنْ اغْتَبْتَهُ أَوْ شَتَمْتَهُ أَوْ بَهَتّه فَحَقُّك أَنْ تُكَذِّبَ نَفَسَك بَيْن يَدَيْ مَنْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَعَهُ إنْ أَمْكَنَك بِأَنْ لَمْ تَخْشَ زِيَادَةَ غَيْظٍ وَهَيْجَ فِتْنَةٍ فِي إظْهَارِ ذَلِكَ فَإِنْ خَشِيتَ ذَلِكَ فَالرُّجُوعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك وَأَمَّا فِي حَرَمِهِ فَإِنْ خُنْتَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ وَلَدِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَلَا وَجْهَ لِلِاسْتِحْلَالِ وَالْإِظْهَارِ لِأَنَّهُ يُوَلِّدُ فِتْنَةً وَغَيْظًا بَلْ تَتَضَرَّعُ إلَى اللَّهِ لِيُرْضِيَهُ عَنْك وَيَجْعَلَ لَهُ خَيْرًا كَثِيرًا فِي مُقَابَلَتِهِ فَإِنْ أَمِنْتَ الْفِتْنَةَ وَالْهَيْجَ وَهُوَ نَادِرٌ فَتَسْتَحِلَّ مِنْهُ وَأَمَّا فِي الدِّينِ بِأَنْ كَفَّرْتَهُ أَوْ بَدَّعْته أَوْ ضَلَّلْته فَهُوَ أَصْعُبُ الْأَمْرِ فَتَحْتَاجُ إلَى تَكْذِيبِ نَفْسِك بَيْن يَدَيْ مَنْ قُلْتَ لَهُ ذَلِكَ وَأَنْ تَسْتَحِلَّ مِنْ صَاحِبِك إنْ أَمْكَنَكَ وَإِلَّا فَالِابْتِهَالُ إلَى اللَّهِ وَالنَّدَمُ عَلَى ذَلِكَ لِيُرْضِيَهُ عَنْك. اهـ. كَلَامُ الْغَزَالِيِّ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ وَهُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ اهـ. وَقَضِيَّةُ مَا ذَكَره فِي الْحُرَمِ الشَّامِل لِلزَّوْجَةِ وَالْمَحَارِم كَمَا صَرَّحُوا بِهِ أَنَّ الزِّنَا وَاللِّوَاطَ فِيهِمَا حَقٌّ لِلْآدَمِيِّ فَتَتَوَقَّفُ التَّوْبَةُ عَلَى اسْتِحْلَالِ أَقَارِبِ الْمَزْنِيِّ أَوْ الْمَلُوطِ بِهِ وَعَلَى اسْتِحْلَالِ زَوْجِ الْمَزْنِيِّ بِهَا هَذَا إنْ لَمْ يَخَفْ فِتْنَةً وَإِلَّا فَلْيَتَضَرَّعْ إلَى اللَّهِ فِي إرْضَائِهِمْ عَنْهُ وَيُوَجَّهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ فِي الزِّنَا وَاللِّوَاطِ إلْحَاقُ عَارٍ أَيِّ عَارٍ بِالْأَقَارِبِ وَتَلْطِيخِ فِرَاشِ الزَّوْجِ فَوَجَبَ اسْتِحْلَالُهُمْ حَيْثُ لَا عُذْرَ فَإِنْ قُلْت يُنَافِي ذَلِكَ جَعْلُ بَعْضِهِمْ مِنْ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ آدَمِيٍّ وَطْءَ الْأَجْنَبِيَّةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَتَقْبِيلهَا مِنْ الصَّغَائِرِ وَالزِّنَا وَشُرْبَ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الزِّنَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ آدَمِيٍّ فَلَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى اسْتِحْلَالٍ قُلْت هَذَا لَا يُقَاوِمُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ الْأَذْرَعِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ وَالتَّحْقِيقِ فَالْعِبْرَةُ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى زِنًا بِمَنْ لَا زَوْجَ لَهَا وَلَا قَرِيبَ فَهَذِهِ يَسْقُطُ فِيهَا الِاسْتِحْلَالُ لِتَعَذُّرِهِ وَالثَّانِي عَلَى مَنْ لَهَا ذَلِكَ وَأَمْكَنَ الِاسْتِحْلَالُ بِلَا فِتْنَةٍ فَتَجِبُ وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ بِدُونِهِ وَقَدْ يُجْمَعُ أَيْضًا بِأَنَّ الزِّنَا مِنْ حَيْثُ هُوَ فِيهِ حَقٌّ لِلَّهِ إذْ لَا يُبَاحُ بِالْإِبَاحَةِ وَحَقٌّ لِآدَمِيٍّ فَمَنْ نَظَر إلَى حَقِّ اللَّهِ لَمْ يُوجِبْ الِاسْتِحْلَالَ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ وَهُوَ مُجْمَلُ عِبَارَةِ غَيْرِ الْغَزَالِيِّ وَمَنْ نَظَر إلَى حَقِّ الْآدَمِيِّ أَوْجَبَ الِاسْتِحْلَالَ وَيُؤَيِّدهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي مَنْ أَخَذَ مَالًا فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ هَلْ عَلَيْهِ الْإِعْلَامُ بِهِ إنْ غَلَّبْنَا عَلَيْهِ حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يَجِبْ الْإِعْلَامُ بِهِ وَإِنْ غَلَّبْنَا فِي عَلَيْهِ حَقَّ الْآدَمِيِّ وَجَبَ إعْلَامُهُ لِيَسْتَوْفِيَهُ الْإِمَامُ بِهِ ثُمَّ رَأَيْتُ ابْنَ الرِّفْعَةِ مَثَّلَ نَقْلًا عَنْ الْأَصْحَابِ لِلْمَعْصِيَةِ الَّتِي لَا حَقَّ فِيهَا لِلْعِبَادِ بِتَقْبِيلِ الْأَجْنَبِيَّةِ وَهُوَ يَفْهَمُ أَنَّ وَطْأَهَا فِيهِ حَقٌّ لِلْعِبَادِ وَحِينَئِذٍ فَيُوَافِقُ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ انْتَهَتْ عِبَارَةُ الزَّوَاجِرِ وَفِيهَا الْجَوَابُ الصَّرِيحُ عَمَّا فِي السُّؤَالِ وَزِيَادَة، وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. (وَسُئِلَ) - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَمْرِ الْوَاعِظِ أَوْ الْمُرَبِّي لِمَنْ يَتُوبُ بِقَصِّ بَعْضِ شَعْرِهِ أَوْ حَلْقِ كُلِّهِ هَلْ لَهُ مُسْتَنَدًا وَلَا؟ (فَأَجَابَ) نَفَعَنَا اللَّهُ بِعُلُومِهِ بِقَوْلِهِ حَلْقُ الشَّعْرِ سُنَّةٌ فِي النُّسُكِ وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ فَإِنْ شَقَّ تَعَهُّدُ الشَّعْرِ فَهُوَ أَفْضَلُ وَإِلَّا فَالتَّرْكُ أَفْضَلُ وَعِنْد
следующие страницы →