← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

ـ[إعراب القرآن وبيانه]ـ المؤلف: محيي الدين درويش الناشر: دار الإرشاد للشئون الجامعية - حمص - سورية، (دار اليمامة - دمشق - بيروت) ، (دار ابن كثير - دمشق - بيروت) الطبعة: الرابعة، ١٤١٥ هـ عدد الأجزاء: ١٠ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

стр. 2

ترجمة المؤلف (*) محيي الدين درويش (١٣٢٦ - ١٤٠٣ هـ = ١٩٠٨ - ١٩٨٢ م) محيي الدين بن أحمد مصطفى درويش. ولد في مدينة حمص (سورية) ، وفيها توفي. عاش في سورية. تلقى علومه في مدارس حمص، حيث كانت في ذلك الوقت عبارة عن كتاتيب يتلقى فيها طلاب العلم القرآن الكريم وعلومه، ظهرت نجابته فأنهى دراسته للقرآن الكريم وهو في سن العاشرة؛ مما أهله للالتحاق بمدرسة دار المعلمين العليا في دمشق. عمل مدرسًا للأدب العربي في مدارس حمص التجهيزية بعد أن اختارته وزارة المعارف لهذا العمل في عام ١٩٣٢م، وفي عام ١٩٦٣ م أصدر مجلة «الخمائل الأدبية» التي كانت متنفس الأدباء والشعراء داخل القطر السوري وخارجه، وكان قد رأس تحرير عدد من الجرائد. كان عضوًا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعية. من أعماله: - إعراب القرآن وبيانه - دار ابن كثير - دمشق ١٩٨٨ - تحقيق «ديوان ديك الجن» بالاشتراك - مطابع الفجر - حمص ١٩٦٠ - الرواد الأوائل للشعر في مدينة حمص - مجلة العمران العددان (٢٧ و٢٨) - حمص مارس ١٩٦٩ - نشرت له مجلة الخمائل عددًا من المقالات منها: * الشريف الرضي في غزله - العدد (٢١) - سبتمبر ١٩٦٢ * الصور الفنية المقتبسة من القرآن - العدد (١٤) - يناير ١٩٦٣ * أبو العلاء المعري في رسالة الغفران - في عشر حلقات منذ عام ١٩٦٤. الإنتاج الشعري: - أورد له كتاب «الحركة الشعرية المعاصرة في حمص» العديد من النماذج الشعرية - أورد له كتاب «من أعلام حمص» نماذج من شعره - نشرت له مجلة «الرسالة» عددًا من القصائد منها: * «بقية حلم» - العدد (١٦٦) - القاهرة سبتمبر ١٩٣٦، * «مساء القرية» - العدد (١٧٣) - القاهرة أكتوبر ١٩٣٦ - نشرت له مجلة الخمائل عددًا من القصائد منها: * «اليتيم» - العددان (٢٥ و٢٦) - حمص ديسمبر ١٩٦٤. مصادر الدراسة: ١ - أدهم آل جندي: أعلام الأدب والفن (جـ ٢) - مطبعة الاتحاد - دمشق ١٩٥٨. ٢ - عبد القادر عياش: معجم المؤلفين السوريين في القرن العشرين - دار الفكر - دمشق ١٩٨٥. ٣ - عبد المعين الملوحي: بلدي الصغير الحبيب حمص - غرفة التجارة والصناعة - حمص ٢٠٠٢. ٤ - محمد غازي التدمري: الحركة الشعرية المعاصرة في حمص١٩٠٠ - ١٩٥٦ - مطبعة سورية - دمشق ١٩٨٠. : من أعلام حمص (جـ ١) - دار المعارف - حمص ١٩٩٩. ٥ - لقاء أجراه الباحث أحمد هواش مع عبد المعين الملوحي أحد تلاميذ المترجم له - حمص ٢٠٠٣

стр. 3

[المجلد الاول] مقدمة أما بعد حمد الله على آلائه، والصلاة والسلام على خاتمة رسله وأنبيائه، فهذا كتاب «اعراب القرآن وبيانه» ، أتيح له أن يظهر بعد أن طال احتجابه، وكثر طلابه، ولعله أول كتاب جمع البيان فأوعى، ورسم لشداة الآداب السبيل الأقوم والأسنى، ولست أدل به لأنه عن أئمة البيان مقتبس، وفيه لمن رام البيان نعم الملتمس، ولن أتحدث عنه فهو أولى بالحديث عن نفسه، والمسك ما قد شف عنه ذاته ... لا ما غدا ينعته بائعه وقد جعلته بعدد أجزاء القرآن الكريم، ليسهل تناوله فلا يحتاج مقتنيه إلى كتاب في الإعراب والبيان، وقد قطعت جهيزة قول كلّ خطيب بعد الآن. محيي الدين الدرويش جمادى الأولى ١٤٠٠ حمص نيسان ١٩٨٠

стр. 4

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم اللغة: (أعوذ) : أعتصم وأمتنع (الشيطان) : إمّا أن يكون على وزن فعلان من شاط يشيط بقلب ابن آدم أي مال به وأهلكه، وإمّا أن يكون على وزن فيعال من شطن أي بعد كأنه بعد عن الخير أو بعد غوره في الشّر. (الرجيم) : فعيل بمعنى مفعول والمرجوم في اللّغة: المطرود الملعون أو فعيل بمعنى فاعل أي يرجم غيره بالإغواء والتضليل وإلقاء النفس في المتالف. الإعراب: (أعوذ) فعل مضارع مرفوع وهو فعل معتل أجوف لأن عين الفعل واو والأصل أعوذ على وزن أفعل فاستثقلت الضمة على الواو فنقلت الى العين فصارت أعوذ وهذه علّة ما كان من هذا الباب وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره: أنا. (بالله) : جار ومجرور متعلقان بأعوذ (من الشيطان) جار ومجرور متعلقان بأعوذ أيضا ومن لابتداء الغاية كما أن إلى لمنتهى الغاية فإذا قلت: لزيد من الحائط إلى الحائط فقد بيّنت به طرفي ماله، وإذا قال الرجل: لزيد عليّ من واحد الى عشرة فجائز أن يكون عليه ثمانية إذا أخرجت الحدّين وجائز أن يكون عليه عشرة إذا ادخلت الحدّين معا، وجائز أن يكون عليه تسعة إذا أدخلت حدّا وأخرجت حدّا. (الرجيم) نعت حقيقي للشيطان وجملة الاستعاذة ابتدائية لا محل لها من الإعراب.

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) سورة الفاتحة مكّيّة وهي سبع آيات [سورة الفاتحة (١) : الآيات ١ الى ٧] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧) اللغة: (اسم) اختلف علماء اللغة في اشتقاق الاسم فذهب البصريّون إلى أنه من السّموّ وهو العلوّ وذهب الكوفيون إلى أنه مشتق من السّمة وهي العلامة وكلاهما صحيح من جهة المعنى وفيه خمس لغات: اسم بكسر الهمزة، واسم بضمها، وسم بكسر السين، وسم بضمها، وسمى بوزن هدى، هذا والاسم هو واحد الأسماء العشرة التي بنوا أوائلها على السكون فإذا نطقوا بها مبتدئين زادوا همزة تفاديا للابتداء بالسّاكن لسلامة لغتهم من كل لكنة وإذا وقعت في درج الكلام لم تفتقر إلى شيء. (الله) علم لا يطلق إلا على المعبود بحقّ خاص لا يشركه فيه غيره وهو مرتجل غير مشتق عند الأكثرين واليه ذهب سيبويه في أحد قوليه فلا يجوز حذف الألف واللام منه وقيل: هو مشتق وإليه ذهب سيبويه أيضا ولهم في اشتقاقه قولان: آ- ان أصله إلاه على وزن فعال من قولهم: أله الرّجل يأله إلاهة أي عبد عبادة ثم حذفوا الهمزة تخفيفا لكثرة وروده واستعماله ثم أدخلت الألف واللام للتعظيم ودفع الشّيوع الذي ذهبوا إليه من تسمية أصنامهم وما يعبدونه آلهة من دون الله. ب- أن أصله لاه ثم أدخلت الألف واللام عليه واشتقاقه من لاه يليه إذا تستر كأنّه، سبحانه، يسمّى بذلك لاستتاره واحتجابه عن إدراك الأبصار وما أجمل قول الشريف الرّضي الشاعر:

стр. 6

«تاهت العقلاء في ذاته تعالى وصفاته، لاحتجابها بأنوار العظمة. وتحيّروا أيضا في لفظ الجلالة كأنه انعكس إليه من تلك الأنوار أشعة بهرت أعين المستبصرين، فاختلفوا: أسريانيّ هو أم عربي؟ اسم أو صفة؟ مشتقّ وممّ اشتقاقه؟ وما أصله؟ أو غير مشتق؟ علم أو غير علم؟» . (الرَّحْمنِ) : صيغة فعلان في اللغة تدل على وصف فعليّ فيه معنى المبالغة للصفات الطارئة كعطشان وغرثان. (الرَّحِيمِ) صيغة فعيل تدل على وصف فعليّ فيه معنى المبالغة للصفات الدائمة الثابتة ولهذا لا يستغنى بأحد الوصفين عن الآخر. الإعراب: (بِسْمِ) جار ومجرور متعلقان بمحذوف والباء هنا للاستعانة أو للالصاق، وتقدير المحذوف أبتديء فالجار والمجرور في محل نصب مفعول به مقدم أو ابتدائي فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف وكلاهما جيد و (اللَّهِ) مضاف اليه و (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) صفتان لله تعالى وجملة البسملة ابتدائية لا محلّ لها من الإعراب. البلاغة: في البسملة طائفة من فنون البلاغة: آ- الأولى في متعلق بسم الله أن يكون فعلا مضارعا لأنه الأصل في العمل والتمسّك بالأصل أولى ولأنه يفيد التجدّد الاستمراري وإنما حذف لكثرة دوران المتعلق به على الألسنة وإذا كان المتعلق به اسما فإنه يفيد الديمومة والثبوت كأنما الابتداء باسم الله حتم دائم في كل ما نمارسه من عمل ونردده من قول.

стр. 7

ب- الإيجاز بإضافة العام إلى الخاص ويسمى إيجاز قصر. ح- إذا جعلنا الباء للاستعانة فيكون في الكلام استعارة مكنية تبعية لتشبيهها بارتباط يصل بين المستعين والمستعان به وإذا جعلنا الباء للالصاق فيكون في الكلام مجاز علاقته المحلية نحو مررت بزيد أي يمكان يقرب منه لا يزيد نفسه. الفوائد: في البسملة فوائد لا يجوز الجهل بها ومنها: آ- اعلم أن البسملة آية من سورة الحمد وآية من أوائل كل سورة عند الشافعي وليست آية في كل ذلك عند مالك وعند أبي حنيفة وأحمد بن حنبل هي آية من أول الفاتحة وليست آية في غير ذلك، والاحتجاج لذلك مبسوط في كتب الفقه والتفسير فارجع إليها. ب- لم يوصف بالرحمن في العربية بالألف واللام إلا الله تعالى، وقد نعتت العرب مسيلمة الكذاب به مضافا فقالوا: رحمان اليمامة. قال شاعر منهم يمدح مسيلمة: سموت بالمجد يا ابن الأكرمين أبا ... وأنت غيث الورى لا زلت رحمانا ح- تكتب بسم الله بغير ألف في البسملة خاصة استغناء عنها بباء الاستعانة بخلاف قوله تعالى: «اقرأ باسم ربك الذي خلق» . د- تحذف الألف من الرحمن لدخول الألف واللام عليها.

стр. 8

هـ- يقال لمن قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ: مبسمل وهو ضرب من النحت اللغوي وقد ورد ذلك في شعر لعمر بن أبي ربيعة: لقد بسملت ليلى غداة لقيتها ... فيا حبذا ذاك الحبيب المبسمل ومثل بسمل حوقل إذا قال: لا حول ولا قوة إلا بالله وهيلل إذا قال: لا إله إلا الله وسبحل إذا قال: سبحان الله وحمدل إذا قال: الحمد لله وحيصل وحيعل إذا قال: حي على الصلاة وحي على الفلاح وجعفل إذا قال: جعلت فداك. هذا والنحت عند العرب خاص بالنسبة أي أنهم يأخذون اسمين فينحتون منهما اسما واحدا فينسبون إليه كقولهم: حضرميّ وعبقسيّ وعبشيّ نسبة إلى حضرموت وعبد القيس وعبد شمس على أن الفراء ذكر عن بعض العرب: معي عشرة فأحد هنّ لي أي صيرهنّ أحد عشر، وقال الفراء: معنى اللهمّ: يا الله أمّنا بخير أي اقصدنا بخير فكثرت في كلام العرب ونحت العرب من اسمين فقيل عن الصّلدم إنه من الصّلد والصّدم ومنه بلحارث لبني الحارث ولعل الحقّلد وهو السّيء الخلق والثقيل الروح منحوت من الحقد والثقل ونحتوا من فعل وحرف فقالوا: الأزليّ وهو منحوت من لم يزل، ونحتوا من اسم وحرف فقالوا: من من لا شيء تلاشى ونحتوا من حرفين فقال الخليل: إن كلمة (لن) منحوتة من لا وأن وانها تضمّنت بعد تركيبها معنى لم يكن في أصليها مجتمعين وانما أوردنا هذه الأقوال، لا لأنها قاطعة فهي موضع خلاف كما رأيت، ولكننا استأنسنا بها لتتوافر هم المشتغلين باللّغة على النحت ففيه ثروة جديدة للغتنا وتسهيل لكثير من التعابير الحديثة التي نفتقر إليها، فالنحت من أبرز الظواهو في اللغات الأجنبية الحديثة بفضل ما

стр. 9

يلحق بالأصل من لواحق سابقة أو لاحقة، أو بفضل ما يعطونه للغتهم من مرونة حين يؤلفون كلمة جديدة من اسمين أو صفتين أو فعلين حى إذا تألفت الكلمة، وأعطت مدلولا خاصا سارت على الأفواه كل مسير، ومن أمثلة ذلك في اللغة الفرنسية قولهم المؤلف من فعل واسم- للمنديل المعد لتنشيف الأيدي وقولهم المؤلف من فعلين:- للإذن المكتوب للمرور وقولهم المؤلف من اسمين: لنوع من طير صغير وغيرها. وكانت قريش قبل البعثة تكتب في أول كتبها: «باسمك اللهمّ» وكان أميّة بن أبي الصّلت أول من كتب باسمك اللهم إلى أن جاء الإسلام ونزلت بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ، وروى محمد بن سعد في طبقاته أن رسول الله ﷺ كان يكتب كما تكتب قريش: باسمك اللهم حتى نزل قوله تعالى: «وَقالَ ارْكَبُوا فِيها بِسْمِ اللَّهِ مَجْراها وَمُرْساها» فكتب: باسم الله حتى نزل قوله تعالى: «قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ» فكتب باسم الله الرحمن حتى نزل قوله تعالى: «إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» فكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ.

стр. 10

اللغة: (الْحَمْدُ) : الثناء بالجميل والنداء عليه باللسان، والشكر هو الثناء على النعمة خاصة فبينهما عموم وخصوص (رَبِّ) الرب: هو السيّد والمالك والثّابت والمعبود والمصلح وزاد بعضهم الصّاحب مستدلا بقوله: فدنا له رب الكلاب بكفّه ... بيض رهاف ريشهنّ مقزّع والمربي: الذي يسوس من يربيه ويدبره فهو اسم فاعل حذفت ألفه كما قيل: بارّ وبرّ وقيل: مصدر وصف به ويقيّد بالاضافة نحو رب الدّار من ربّه يربّه وقيل: هو صفة مشبّهة مصوغة من فعل متعدّ فلا بد من تقديره لازما بالنقل الى فعل بالضم (الْعالَمِينَ) جمع عالم بفتح اللام وجمع جمع المذكر السالم العاقل تغليبا والمراد به جميع الكائنات ولذلك أدرجه النّحاة فيما ألحق بجمع المذكر والنّكتة فيه هي أن هذا اللفظ لا يطلق عند العرب على كل كائن وموجود كالحجر والتراب وإنما يطلقونه على كل جملة متمايزة لأفرادها صفات تقربها من العاقل الذي جمعت جمعه وان لم تكن منه فيقال: عالم الإنسان، وعالم الحيوان وعالم النبات والعالم لا واحد له من لفظه ولا من غير لفظه لأنه جمع لأشياء مختلفة (الدِّينِ) : الجزاء ويوم الدّين: يوم الجزاء ومنه قول العرب: «كما تدين تدان» وقول الشاعر: ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا والدّين ايضا: الطاعة كقوله تعالى «في دين الملك» ، والدّين أيضا: الملّة قال المثقّب العبديّ: تقول إذا درأت لها وضيني ... أهذا دينه أبدا وديني

стр. 11

(الصِّراطَ) : الطّريق الواضح والمنهاج، قال جرير: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوجّ الموارد مستقيم وفي الصراط أربع لغات: السّراط بالسّين من سرط الشيء إذا بلعه وسمي الطريق سراطا لجريان الناس فيه كما يجري الشيء المبتلع والصراط وبالزاي خالصة وبإشمام الصاد الزاي وكل هذه اللغات قد قرىء به ويذكّر ويؤنّث وتذكيره أكثر. الإعراب: (الْحَمْدُ) مبتدأ (لِلَّهِ) جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر (رَبِّ) : صفة لله أو بدل منه (الْعالَمِينَ) مضاف إليه مجرور وعلامة جره الياء نيابه عن الكسرة لأنه ملحق بجمع المذكّر السالم (الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) صفتان لله تعالى ايضا (مالِكِ) صفة رابعة لله وقرىء ملك وبينهما فرق دقيق وهو أن المالك هو ذو الملك بكسر الميم والملك ذو الملك بضمّها قال أهل النحو: إن ملكا أمدح من مالك وذلك ان المالك قد يكون غير ملك ولا يكون الملك إلا مالكا وجمع الملك أملاك وملوك وجمع المالك ملاك ومالكون (يَوْمِ الدِّينِ) مضاف إليه (إِيَّاكَ) ضمير منفصل في محل نصب مفعول به مقدّم للاختصاص (نَعْبُدُ) فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن (وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) عطف على إياك نعبد ونستعين فعل مضارع مرفوع وهو معتلّ أجوف والأصل فيه نستعون فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت الى العين فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها فصار نستعين (اهْدِنَا) فعل أمر مبني على حذف العلّة وهو هنا بمعنى الدّعاء ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت (الصِّراطَ) مفعول به ثان

стр. 12

أو منصوب بنزع الخافض لأنّ هدى لا تتعدى إلا الى مفعول واحد وتتعدى الى الثاني باللام كقوله تعالى: «يهدي للتي هي أقوم» أو بإلى كقوله تعالى «وإنك لتهدى الى صراط مستقيم» ولكن غلب عليها الاتّساع فعداها بعضهم إلى اثنين وقد نظم بعض الظرفاء أبياتا ضمّنها الأفعال التي تتعدى الى واحد والى الثاني بحرف جر وهي: تعدى من الافعال طورا بنفسه ... وحينا بحرف الجر للثان ما ترى دعا في الندا سمّى كذا كنى ... وزوجه واستغفر اختار غيرا أمرت صدقت الوعد كلت وزنته ... عفا وهدى منّى كذا سأل اذكرا ومجموعها ستة عشر فعلا (الْمُسْتَقِيمَ) صفة للصراط وهو معتلّ وعين الفعل فيه واو والأصل مستقوم فاستثقلت الكسرة على الواو فنقلت الى القاف فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها (صِراطَ) بدل مطابق من الصراط (الَّذِينَ) اسم موصول مضاف اليه في محل جر (أَنْعَمْتَ) فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير رفع متحرك والتاء ضمير متصل في محل رفع فاعل وجملة أنعمت لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (عَلَيْهِمْ) جار ومجرور متعلقان بأنعمت (غَيْرِ) بدل من الضّمير في عليهم أو من الذين أو نعت للذين وسيأتي بحث مسهب عن غير في باب الفوائد (الْمَغْضُوبِ) مضاف اليه (عَلَيْهِمْ) جار ومجرور في محل رفع نائب فاعل للمغضوب لأنه اسم مفعول (وَلَا) الواو حرف عطف ولا زائدة لتأكيد معنى النفي وهو ما في غير من معنى النفي وهذه الزيادة مطّردة (الضَّالِّينَ) معطوفة على المغضوب عليهم مجرور وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم.

стр. 13

البلاغة: اشتملت هذه السورة، على قصرها، على أفانين متعددة من البلاغة ندرجها فيما يلي: ١- جملة الحمد لله خبر لكنها استعملت لإنشاء الحمد وفائدة الجملة الاسمية ديمومة الحمد واستمراره وثباته. ٢- في قوله إياك نعبد وإياك نستعين فنّ التّقديم فقد قدّم الضمير لحصر العبادة والاستعانة بالله وحده، وقدمت العبادة على الاستعانة لأن الاستعانة ثمرتها وإعادة إياك مع الفعل الثاني تفيد أن كلّا من العبادة والاستعانة مقصود بالذات فلا يستلزم كل منهما الآخر ولأن الكاف التي مع إيّا هي الكاف التي كانت تتصل بالفعل أعني بقوله نعبد لو كانت مؤخرة بعد الفعل وهي كناية عن اسم المخاطب المنصوب بالفعل فكثّرت بإيّا متقدمة وكان الأفصح إعادتها مع كل فعل. ٣- وفي قوله لله فن الاختصاص للدلالة على أن جميع المحامد مختصة به وكذلك بالاضافة في قوله مالك يوم الدين لزوال المالكين والأملاك عن سواه في ذلك اليوم. ٤- وفي هذه السورة فن الالتفات من لفظ الغيبة الى لفظ الخطاب ومن لفظ الخطاب الى لفظ الغيبة والغرض من هذا الفن التّطرية لنشاط الذهن جريا على أساليبهم، ولأنه لما أثنى على الله بما هو أهل له وأجرى عليه تلك الصفات العظيمة ساغ له أن يطلب الاستعانة منه بعد أن مهد لذلك بما يبرر المطالبة وهو، تعالى، خليق بالاستجابة، وللاشعار بأن اولى ما يلجأ اليه العباد لطلب ما يحتاجون اليه هو عبادته تعالى والاعتراف له بصفات الألوهية، البالغة، وقال «صراط

стр. 14

الذين أنعمت عليهم» فأصرح الخطاب لما ذكر النّعمة ثم قال: غير المغضوب عليهم فزوى لفظ الغضب عنه تحنّنا ولطفا وهذا غاية ما يصل اليه البيان، وهذه مراتب الالتفات في هذه السورة: آ- عدل عن الغيبة الى الخطاب بقوله: إياك نعبد وإياك نستعين بعد قوله: الحمد لله رب العالمين لأن الحمد دون العبادة في المرتبة ألا تراك تحسد نظيرك ولا تعبده فلما كانت الحال بهذه المثابة استعمل لفظ الحمد لتوسطه مع الغيبة في الخبر ولم يقل الحمد لك. ب- ولما صار الى العبادة وهي قصارى الطاعات قال: «إياك نعبد وإياك نستعين» فخاطب بالعبادة إصراحا بها، وتقرّبا منه بالانتهاء الى عدد محدود منها. ح- وعلى نحو من ذلك جاء آخر السّورة فقال: «صراط الذين أنعمت عليهم» فأصرح الخطاب لما ذكر النعمة ثم قال: «غير المغضوب عليهم عطفا على الأول، لأن الأول موضع التقرّب من الله بذكر نعمه وآلائه فلما صار إلى ذكر الغضب جاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب فأسند إليه النعمة لفظا وزوى عنه لفظ الغضب تحنّنا ولطفا. د- وأتى بنون الجمع في قوله: «نعبد» و «نستعين» والمتكلم واحد لأنه ورد في الشّريعة أنه من باع أجناسا مختلفة صفقة واحدة ثم ظهر للمشتري في بعضها عيب فهو مخيّر بين ردّ الجميع أو إمساكه وليس له تبعيض الصّفقة، بردّ المعيب وإبقاء السّليم، وهنا لما رأى العابد أن عبادته ناقصة معيبة لم يعرضها على الله مفردة بل جنح الى ضمّ عبادة جميع العابدين إليها وعرض الجميع صفقة كاملة راجيا قبول عبادته في ضمنها لأنّ الجميع لا يردّ البتّة، إذ بعضه مقبول

стр. 15

وردّ المعيب، وابقاء السليم تبعيض للصفقة وقد نهى سبحانه عباده عنه، وهو لا يليق بكرمه العظيم، وفضله العميم فبقي قبول الجميع. ٥- وعلى ذكر استهلال القرآن بالفاتحة نذكر هذا الفنّ في الفاتحة، وهو براعة الاستهلال، وهو من أرقّ فنون البلاغة وأرشقها، وحدّه أن يبتدىء المتكلم كلامه بما يشير الى الغرض المقصود من غير تصريح بل بإشارة لطيفة، وإيماءة بعيدة أو قريبة، والاستهلال في الأصل: هو رفع الصوت، وسمي الهلال هلالا لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته ومن أمثلته في الشعر قول أبي تمام في مطلع قصيدته: «فتح عمورية» : السّيف أصدق أنباء من الكتب ... في حدّه الحدّ بين الجدّ والّلعب فقد استهلّ قصيدته بذكر السيف وفيه إيماءة قريبة جدا الى الموضوع الذي نظمت القصيدة بصدده وقد اشتهر ابو الطيب ببراعة مطالعه ومن روائعها قوله: أتراها لكثرة العشّاق ... تحسب الدّمع خلقة في المآقي فقد ألمع الى موضوع قصيدته وهو الغزل برشاقة زادها ابتكار المعنى في حسبان الدمع خلقة في المآقي حسنا وجمالا. ٦- الاستعارة التّصريحيّة في قوله: «اهدنا الصراط المستقيم» فقد شبه الدين الحق بالصراط المستقيم الذي ليس به أدقّ انحراف قد يخرجه عن حدود الاستقامة لأن الخط المستقيم هو أقصر بعد بين نقطتين ووجه الشبه بينهما أن الله سبحانه وإن كان متعاليا عن

стр. 16

الأمكنة لكن العبد الطالب الوصول لا بد له من قطع المسافات، ومس الآفات، ليكرم الوصول والموافاة. ٧- التفسير بعد الإبهام وذلك في قوله تعالى: صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ» . ٨- التسجيع في الرحيم والمستقيم وفي «نستعين» و «الضالين» والتسجيع هو اتفاق الكلمتين في الوزن والرّويّ. الفوائد: انطوت هذه السورة على فوائد لا تحصى وسنورد ما تهم معرفته منها: ١- الألف واللام في الحمد للجنس على الأصح لأن حقيقة المحامد ثابتة لله تعالى. ٢- وسميت هذه السورة «الفاتحة» لأنها أول القرآن وبراعة استهلاله وتسمى أمّ الكتاب لانطوائها على المثل السامية وهي مكية على الأصح ومن أسمائها السبع المثاني والوافية، والكافية والشافية، والرّقية، والكنز والأساس وغيرها. ٣- غير: لفظ غير مذكر مفرد أبدا إلا أنه إذا أريد به مؤنّث جاز تأنيث فعله المسند اليه تقول قامت غير هند وأنت تعني امرأة وهي في الأصل صفة بمعنى اسم الفاعل وهو مغاير ولذلك لا تتعرف بالاضافة، وقد يستثنى بها حملا على إلّا كما يوصف بإلا حملا عليها وهي من الألفاظ الملازمة للاضافة لفظا أو تقديرا فادخال الألف واللام عليها خطأ.

стр. 17

٤- آخر الفاتحة «ولا الضّالّين» وأما لفظ آمين فليس منها ولا من القرآن مطلقا وهو اسم بمعنى استجب ويسنّ ختم الفاتحة به وفيه لغتان: المدّ والتقصير قال ابو نواس في المد: صلى الإله على لوط وشيعته ... أبا عبيدة قل بالله: آمينا وقال آخر في القصر: تباعد مني فطحل إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا ٥- قد يقال: إن المؤمنين مهتدون فما معنى طلبها؟ والجواب ان المطلوب هو الثبات على الهدى أو زيادته وليس في كون بعض الناس لم يهتدوا ما يخرجه عن أن يكون هدى فالشمس شمس وإن لم يرها الضّرير، والعسل عسل، وان لم يجد طعمه المرور، فالخيبة كل الخيبة لمن عطش والماء زاخر، ولمن بقي في الظلمة والبدر زاهر، وخبث والطّيب حاضر. ٦- الأرجح أن الفاتحة هي أول سورة كاملة نزلت وأمر النبي ﷺ بجعلها أول القرآن وانعقد على ذلك الإجماع ونزول أول سورة العلق وهو «اقرأ باسم ربك الذي خلق» يعتبر بمثابة تمهيد للوحي المجمل والمفصّل فلا ينافي كونها أول سورة من القرآن وذكر السيوطي في الإتقان: أن أول ما نزل من آي القرآن اقرأ باسم ربك، ويا أيها المدثر وسورة الفاتحة.

стр. 18

(٢) سورة البقرة مدنيّة وهي مائتان وست وثمانون آية [سورة البقرة (٢) : الآيات ١ الى ٥] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الم (١) ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) اللغة: (الم) : الحروف التي ابتدئ بها كثير من السور هي على الأرجح اسماء للسور المبتدأة بها أما ماهيتها والحكمة منها فقد اختلفت في ذلك الآراء، وتشعبت المقاصد، حتى ليتعذّر إن لم نقل يستحيل على الباحث أن يستوفيها ويمكننا أن نصنف هذه الآراء إلى صنفين: ١- انها من المتشابه به الذي نفوض الأمر فيه إلى الله ويسعنا في ذلك ما وسع صحابة رسول الله ﷺ وتابعيهم، قال هؤلاء: ليس من الدين في شيء أن يتنطّع متنطّع فيخترع ما يشاء من العلل، التي قلّما يسلم مخترعها من الزّلل. ٢- انها كغيرها من الكلام الوارد في القرآن فيجب أن نتكلم بها ونسبر اغوارها ونكتنه المعاني المندرجة في مطاويها عملا بقوله

стр. 19

تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن» ؟ وعلى هذا الرأي نرجح أن معناها التحدي والارهاص بأن هذا القرآن مؤلف من نفس الحروف التي ينظم بها العرب أشعارهم، ويؤلفون خطبهم وأسجاعهم وهم مع ذلك عاجزون عن الإتيان بمثله أو محاكاته وهذا تفسير يتمشى مع إعجاز القرآن الذي تميز به، وتقول دائرة المعارف الاسلامية في بحثها عن القرآن ما خلاصته: إن العلماء تعبوا كثيرا في فهم المقصود من هذه الحروف وقد وردت هذه الحروف في تسع وعشرين سورة كلها من العهد المكّيّ إلا ابتداء سورتي البقرة وآل عمران فقد وردا في العهد المدني وجملة الحروف التي تكررت في هذه الابتداءات أربعة عشر حرفا. وقد اعجبنا بحث كتبه الدكتور زكي مبارك في كتابه «النثر الفني» فأحببنا أن نقتبس منه ما يروق قال صاحب النثر الفني ما خلاصته: كنت أتحدث عن فواتح السور مع المسيو بلا نشو فعرض علي تأويلا جديرا بالاعتبار، جديرا بالدرس والتحقيق وفحواه: ان الحروف: الم. الر. حم. طسم هي الحروف:.. التي توجد في بعض المواطن من:- فهي ليست إلا إشارات وبيانات موسيقية يشار الى الحانها بحرف أو حرفين أو ثلاثة فهي رموز صوتية فليس من المستبعد أن تكون فواتح السور إشارات صوتية لتوجيه الترتيل، ولعل ما أورده الدكتور زكي مبارك يتصل اتصالا قريبا أو بعيدا بما أوردناه من معنى التحدي وقرع العصا للمكابرين الذين سبروا أغوار القرآن وأدركوا بفطرتهم البلاغية ما يتميز به من بيان، وللسيوطي في كتابه الممتع «الإتقان» رأي يؤيد ما ذهبنا إليه إذ قال: انه أريد مفاجأة العرب، وهم أهل الفصاحة والبلاغة، برموز وإشارات لا عهد لهم بها ليزداد التفاتهم،

стр. 20

وتتنبه أذهانهم ونفوسهم (رَيْبَ) : الريب: الشّكّ وقلق النّفس واضطرابها وفي الحديث: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» هذا وللريب في اللغة ثلاثة معان أحدها: الشك وهو المراد هنا، وثانيها التهمة قال جميل: بثينة قالت: يا جميل اربتني ... فقلت: كلانا يا بثين ريب وثالثها الحاجة قال: قضينا من تهامة كل ريب ... وخيبر ثم أجمعنا السيوفا (يُنْفِقُونَ) نفق الشيء ونقد بمعنى واحد وكل ما جاء مما فاؤه نون وعينه فاء دالّ على معنى النّفاد والخروج والذهاب يقال: نفث الشيء من فيه: رمى به ونفث في العقد ومن أقوالهم: «لا بد للمصدور أن ينفث» و «هذه نفثة مصدور» ونفق الحمار: مات والتقصّي في هذا الباب، يضيق عنه صدر هذا الكتاب وهو من عجائب ما تميّزت به لغتنا الشريفة وسيأتيك الكثير من أمثاله في هذا الكتاب العجيب (الْمُفْلِحُونَ) الفائزون ببغيتهم الذين انفتحت أمامهم وجوه الظفر وكل ما جاء ممّا فاؤه فاء وعينه لام دال على معنى الانفتاح والشّقّ نحو فلق وفلح. الإعراب: (الم) كلمة أريد لفظها دون معناها في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف أي هذه ألم (ذلِكَ) اسم اشارة في محل رفع مبتدأ واللام للبعد والكاف للخطاب (الْكِتابُ) خبر ذلك وهو اولى من جعله بدلا من اسم الاشارة لأنه قصد به الإخبار بأنه الكتاب المقدس المستحق لهذا

стр. 21

الاسم تدعيما للتّحدّي، والجملة ابتدائية لا محل لها من الإعراب على أنه يجوز جعله بدلا من اسم الاشارة فتكون جملة لا ريب فيه خبرا لاسم الاشارة (لا رَيْبَ فِيهِ) لا نافية للجنس وريب اسمها المبني على الفتح في محل نصب اسم لا والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها والجملة خبر لذلك أو حال من الكتاب (هُدىً) خبر ثالث لذلك (لِلْمُتَّقِينَ) جار ومجرور متعلقان بهدى لأنه مصدر ولك أن تجعله صفة لهدى (الَّذِينَ) اسم موصول في محل جر صفة للمتقين (يُؤْمِنُونَ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الافعال الخمسة والواو ضمير متصل في محل رفع فاعل والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (بِالْغَيْبِ) جار ومجرور متعلقان بيؤمنون (وَيُقِيمُونَ) الجملة عطف على جملة يؤمنون داخلة في حيّز الصّلة (الصَّلاةَ) مفعول به (وَمِمَّا) الواو حرف عطف ومما جار ومجرور متعلقان بينفقون (رَزَقْناهُمْ) فعل ماض وفاعل ومفعول به وجملة رزقناهم لا محل لها من الإعراب لأنها صلة ما والعائد محذوف أي رزقناهم إياه (يُنْفِقُونَ) فعل مضارع مرفوع معطوف على يقيمون داخل في حيز الصلة أيضا (وَالَّذِينَ) الواو حرف عطف واسم الموصول معطوف على الموصول الأول مندرج معه في سلك المتقين (يُؤْمِنُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (بِما) الجار والمجرور متعلقان بيؤمنون (أُنْزِلَ) فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقديره هو يعود على ما اي القرآن والجملة لا محل لها من الإعراب لانها صلة الموصول (إِلَيْكَ) الجار والمجرور متعلقان بأنزل (وَما) الواو حرف عطف وما عطف على بما أنزل إليك وجملة (أُنْزِلَ) لا محل لها لانها صلة الموصول (مِنْ قَبْلِكَ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال وهو اولى من تعليقها بأنزل (وَبِالْآخِرَةِ) الواو حرف عطف والجار والمجرور متعلقان بيوقنون (هُمْ) ضمير منفصل

стр. 22

في محل رفع مبتدأ (يُوقِنُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعله والجملة الاسمية معطوفة على الجملة الفعلية وهي «ومما رزقناهم ينفقون» وسيأتي سر المخالفة بين الجملتين في باب البلاغة (أُولئِكَ) اسم اشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ والكاف للخطاب (عَلى هُدىً) جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لأولئك (مِنْ رَبِّهِمْ) جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لهدى والجملة استئنافية لا محل لها (وَأُولئِكَ هُمُ) أولئك مبتدأ، وهم ضمير فصل أو عماد لا محل له (الْمُفْلِحُونَ) خبر أولئك ولك أن تعرب هم مبتدأ والمفلحون خبره والجملة الاسمية خبر أولئك. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة نوردها فيما يلي: ١- التعريف: في تعريف الكتاب بالألف واللّام تفخيما لأمره وهو في الأصل مصدر قال تعالى: «كتاب الله عليكم» . ٢- التقديم: فقد قدم الريب على الجار والمجرور لأنه اولى بالذكر استعدادا لصورته حتى تتجسّد أمام السّامع. ٣- وضع المصدر هدى موضع الوصف المشتق الذي هو هاد وذلك أوغل في التعبير عن ديمومته واستمراره. ٤- المجاز المرسل: في قوله «هدى للمتقين» وعلاقته اعتبار ما يئول اليه أي الصّائرين الى التقوى. ٥- الإيجاز: في ذكر المتقين لأن الوقاية اسم جامع لكل ما تجب الوقاية منه.

стр. 23

٦- الاستعارة التّصريحية التّبعيّة في قوله: «على هدى» تشبيها لحال المتقين بحال من اعتلى صهوة جواده فحذف المشبه واستعيرت كلمة على الدالة على الاستعلاء لبيان أنّ شيئا تفوق واستعلى على ما بعدها حقيقة نحو: زيد على السطح أو حكما نحو: عليه دين فالدين للزومه وتحمله كأنه ركب عليه وتحمله، والدقة فيه أن الاستعارة بالحرف، ويقال في إجرائها: شبه مطلق ارتباط بين هدى ومهدي بمطلق ارتباط بين مستعل ومستعلى عليه بجامع التمكن في كل منها فسرى التشبيه من الكليات الى الجزئيات ثم استعيرت على وهي من جزئيات المشبه به لجزئي من جزئيات المشبه على طريق الاستعارة التصريحية التبعية ومثل الآية الكريمة قوله: لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الآباء نتكل فتأمل هذا البحث فانه من الدقة والحسن بمكان، وسيرد في القرآن الكريم نماذج منه كالسحر الحلال. ٧- التكرار في قوله: «يؤمنون بالغيب» و «يؤمنون بما انزل إليك» وفي تكرار اسم الموصول وإن كان الموصوف واحدا، وقد يكون الموصوف مختلفا فهو تكرار للفظ دون المعنى. وفائدته الترسيخ في الذهن، والتأثير في العاطفة ويكثر في الشعر. ٨- الحذف في قوله «الم» أي هذه الم و «هدى» أي هو هدى فحذف المبتدأ وفي قوله «ينفقون» أي المال فحذف المفعول به وقد استهوى الإنفاق في سبيل المحامد والمآثر نفوس شعراء العرب وما أجمل قول دعبل: قالت سلامة: اين المال؟ قلت لها: ... المال ويحك لاقى الحمد فاصطحبا

стр. 24

٩- حسن التقسيم وهو فن من فنون البلاغة فحواه استيعاب المتكلم جميع اقسام المعنى الذي هو آخذ فيه بحيث لا يغادر منه شيئا فقد استوعبت هذه الآيات جميع الأوصاف المحمودة، والعبادات التي يعكف عليها المؤمنون لأن العبادات كلها تنحصر في نوعين: بدنية ومالية، ولا بد من استيفائهما لتكون العبادات كلها مقبولة وما أجمل الحديث الشريف القائل: «يقول العبد مالي مالي وإنما له من ماله ثلاث: ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى أو أعطى فاقتنى، وما سوى ذلك فهو ذاهب وتاركه للناس» وقوله: مالي مالي مفعول به لفعل محذوف أي أحبّ مالي والثاني تأكيد للأول. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٦ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وَعَلى أَبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (٧) اللغة : (سَواءٌ) اسم بمعنى الاستواء أجري مجرى المصادر فلذلك لا يثنّى ولا يجمع قالوا: هما وهم سواء فإذا أرادوا لفظ المثنّى قالوا: سيّان وإن شئت قلت سواءان وفي الجمع هم أسواء وأيضا على غير القياس: هم سواس وسواسية أي متساويان ومتساوون والسّواء: العدل الوسط بين حدّين يقال: ضرب سواءه أي وسطه وجئته في سواء النهار أي في منتصفه، وإذا كانت سواء بعد همزة التّسوية فلا بدّ من أم اسمين كانت الكلمتان، أم فعلين وإذا كان بعدها فعلان بغير همزة التّسوية عطف الثاني بأو، نحو: سواء عليّ قمت أو قعدت وإذا كان بعدها مصدران عطف الثاني بالواو أو بأو، نحو سواء عليّ

стр. 25

قيامك وقعودك. وقيامك أو قعودك (غِشاوَةٌ) فعالة من غشاه أو غشيه إذا غطّاه وهذا البناء لما يشتمل على الشيء كالعصابة والعسامة ويجوز في الغين الكسر والضّمّ والفتح. الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ) إنّ واسمها وجملة (كَفَرُوا) من الفعل والفاعل لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (سَواءٌ) خبر مقدم أو خبر إنّ (عَلَيْهِمْ) جار ومجرور متعلقان بسواء (أَأَنْذَرْتَهُمْ) همزة الاستفهام بمعنى التسوية وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر مبتدأ مؤخّر أو فاعل نسواء الذي أجري مجرى المصادر والجملة خبر إنّ (أَمْ) عاطفة متصلة وسيأتي حكمها في باب الفوائد (لَمْ تُنْذِرْهُمْ) لم: حرف نفي وقلب وجزم وتنذرهم فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره أنت والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به والجملة معطوفة على جملة أأنذرتهم (لا) نافية (يُؤْمِنُونَ) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وجملة لا يؤمنون خبر بعد خبر ولك أن تجعلها تفسيرية لا محل لها من الإعراب (خَتَمَ) فعل ماض (اللَّهُ) فاعل (عَلى قُلُوبِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بختم (وَعَلى سَمْعِهِمْ) عطف على قوله على قلوبهم (وَعَلى أَبْصارِهِمْ) الواو استئنافية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم (غِشاوَةٌ) مبتدأ مؤخر (وَلَهُمْ) الواو حرف عطف والجار والمجرور متعلقان بمحذوف (عَذابٌ) مبتدأ مؤخر (عَظِيمٌ) نعت لعذاب والجملة معطوفة على الجملة السابقة. البلاغة: ١- في إسناد الختم الى القلوب استعارة تمثيلية فقد شبّهت

стр. 26

قلوبهم في نبوّها عن الحقّ وعدم الإصغاء إليه بحال قلوب ختم الله عليها وهي قلوب البهائم وهو تشبيه معقول بمحسوس أو هو مجاز عقليّ وهو باب واسع عند العرب يقولون: سال بهم الوادي إذا هلكوا وطارت بفلان العنقاء إذا طالت غيبته. ٢- وحدّ السمع لوحدة المسموع دون القلوب والابصار لتنوّع المدركات والمرئيات. ٣- تنكير العذاب هنا فيه إشارة الى أنه نوع منه مجهول الكمّ والكيف ووصفه بعظيم لدفع الإيهام بقلّته وندرته، والتأكيد بأنه بالغ حد العظمة. الفوائد: ١- همزة التسوية هي الواقعة بين سواء وبعد ما أبالي وما أدري وليت شعري وضابطها: أنها الهمزة التي تدخل على جملة يصح حلول المصدر محلها كما تقدم. ٢- أم: لها حالان: آ- متصلة وهي منحصرة في نوعين وذلك لأنها إما أن تتقدّم عليها همزة التسوية كما في الآية أو همزة يطلب بها التّعيين نحو: أزيد في الدّار أم عمرو؟ وسميت متصلة لأن ما قبلها وما بعدها لا يستغنى بأحدهما عن الآخر وتسمى أيضا معادلة لمعادلتها الهمزة في النوع الأول إذ كلتاهما تفيد التسوية. ب- منقطعة وهي المسبوقة بالخبر المحض نحو قوله تعالى:

стр. 27

«تنزيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين أم يقولون افتراه» وسميت منقطعة لانقطاع ما بعدها عما قبلها فكل منهما كلام مستقل لا ارتباط له بالآخر. [سورة البقرة (٢) : الآيات ٨ الى ١٠] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَما يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَهُمُ اللَّهُ مَرَضاً وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) اللغة: (النَّاسِ) اسم جمع لا واحد له من لفظه ومادّته عند سيبويه والفراء همزة ونون وسين، وحذفت همزته شذوذا وأصله أناس وقد نطق القرآن بهذا الأصل قال تعالى: «يوم ندعو كلّ أناس بإمامهم» ، وذهب الكسائيّ الى أن مادته نون وواو وسين مشتقّ من النّوس وهو الحركة يقال: ناس ينوس نوسا والنّوس تذبذب الشيء في الهواء ومنه نوس القرط في الأذن وسمّي أبو نواس بذلك لأن ذؤابتين كاتنا تنوسان عند أذنيه واسمه الحقيقي الحسن بن هانيء، وإنما أطلنا في هذا البحث لأن بعض المعاجم الحديثة خلط في أصله فأورده في مادة أنس وبعضها أورده في مادة نوس وأضاعوا بذلك الطالب والمراجع في متاهات لا منافذ منها. (يُخادِعُونَ) الخداع في الأصل: الإخفاء ومنه الأخدعان وهما عرقان مستبطنان في العنق ومنه أيضا المخدع وهو داخل البيت ثم أطلق على اظهار غير ما في النفس.

стр. 28

(يَشْعُرُونَ) الشعور: ادراك الشيء من وجه يدقّ ويخفى وهو مشتق من الشعر لدقته، وقيل هو الإدراك بالحاسة فهو مشتقّ من الشعّار وهو ثوب يلي الجسد ومشاعر الإنسان: حواسّه وشعر بالأمر من بابيّ نصر وكرم: علم به وفطن له، ومنه يسمى الشاعر شاعرا لفطنته ودقة معرفته. والتحقيق أنّ الشعور إدراك ما دقّ من حسّيّ وعقليّ. (مَرَضٌ) : المرض: مصدر مرض ويطلق في اللغة على الضّعف والفتور وقالوا: المرض في القلب: الفتور عن الحق، وفي البدن فتور الأعضاء، وفي العين فتور النظر وهو جميل يتغنّى به الشعراء قال: مرضي من مريضة الأجفان ... علّلاني بذكرها علّلاني ويطلق المرض فيراد به الظّلمة قال: في ليلة مرضت من كلّ ناحية ... فما يحس بها نجم ولا قمر الإعراب: (وَمِنَ النَّاسِ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لذكر المنافقين الذين آمنوا بألسنتهم وكفروا بقلوبهم فقد افتتح سبحانه، بذكر المتقين ثم ثنّى بالكافرين ظاهرا وباطنا، وثلّث بالمنافقين، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم (مِنَ) اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخّر ويجوز أن تكون من نكرة موصوفة في محل رفع مبتدأ مؤخر كأنه قيل: ومن الناس ناس وسيأتي بحثها (يَقُولُ) فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر فيه تقديره هو والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب صلة لمن إذا كانت موصولة وصفة لها إذا كانت

стр. 29

نكرة موصوفة (آمَنَّا) فعل وفاعل والجملة الفعلية في محل نصب مقول للقول (بِاللَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بآمنا (وَبِالْيَوْمِ) عطف على بالله (الْآخِرِ) نعت لليوم (وَما) الواو حاليّة وما نافية حجازية تعمل عمل ليس (هُمْ) ضمير منفصل في محل رفع اسم ما (بِمُؤْمِنِينَ) الباء حرف جر زائد للتوكيد لأنه ليس في القرآن حرف جر زائد ولكنه الاصطلاح النحوي جرى على ذلك فهو عند البلاغيين حرف لا يستغنى عنه والجملة الاسمية في محل نصب على الحال (يُخادِعُونَ) فعل مضارع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل والجملة الفعلية مستأنفة كأنه قيل: لم يتظاهرون بالايمان؟ فقيل: يخادعون ويحتمل أن تكون حالية من الضمير المستكنّ في يقول، أي مخادعين الله والذين آمنوا (اللَّهَ) مفعول به ليخادعون (وَالَّذِينَ) عطف على الله (آمَنُوا) الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَما) الواو حالية وما نافية (يَخْدَعُونَ) فعل مضارع مرفوع وعلامه رفعه ثبوت النون والواو فاعل (إِلَّا) أداة حصر (أَنْفُسَهُمْ) مفعول به والهاء ضمير متصل في محل جر بالاضافة (وَما) الواو عاطفة أو استئنافية وما نافية (يَشْعُرُونَ) فعل مضارع مرفوع والجملة عطف على جملة وما يخدعون أو مستأنفة (فِي قُلُوبِهِمْ) الجار والمجرور خبر مقدم (مَرَضٌ) مبتدأ مؤخر (فَزادَهُمُ) الفاء حرف عطف وزاد فعل ماض والهاء مفعول به والجملة عطف على ما تعلق به الخبر ويحتمل أن تكون الفاء استئنافية وجملة زادهم الله دعائية لا محل لها (اللَّهُ) فاعل زادهم (مَرَضاً) مفعول به ثان وزاد يستعمل لازما ومتعديا لاثنين ثانيهما غير الأول (وَلَهُمْ) الواو عاطفة أو استئنافية والجار والمجرور خبر مقدم (عَذابٌ) مبتدأ مؤخر (أَلِيمٌ) صفة لعذاب (بِما) الباء حرف جر للسببية وما اسم موصول في محل جر بالباء (كانُوا) كان واسمها (يَكْذِبُونَ) فعل مضارع وفاعل والجملة خبر كانوا وجملة كان واسمها

стр. 30

وخبرها لا محل لها لأنها صلة الموصول ويجوز أن تكون مصدرية والمعنى على الأول بالذي يكذبونه وعلى الثاني بسبب كونهم يكذبون والجار والمجرور صفة ثانية لعذاب أو مصدر أي بسبب كونهم يكذبون. البلاغة: ١- المشاكلة في قولهم يخادعون الله لأن المفاعلة تقتضي المشاركة في المعنى وقد أطلق عليه تعالى مقابلا لما ذكره من خداع المنافقين كمقابلة المكر بمكرهم ومن أمثلة هذا الفنّ في الشعر قول بعضهم: قالوا: التمس شيئا فجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا ٢- المجاز: في الخداع المنسوب اليه لتعاطيهم أفعال المخادع ظنا منهم أنهم يستطيعون ذلك لصدق نفيه ولذلك قال: وما يخدعون إلا أنفسهم. ٣- الاستعارة التصريحية في قوله: في قلوبهم مرض حيث استعير المرض لما ران على قلوبهم من جهل وسوء عقيدة وما الى ذلك من ضروب الجهالات المؤدية الى المتالف. الفوائد: ١- تأتي من نكرة موصوفة في موضع يختص بالنكرة كقول سويد بن أبي كاهل: ربّ من أنضجت غيظا قلبه ... لو تمنّى لي موتا لم يطع

стр. 31

٢- ما الحجازية هي العاملة عمل ليس وإنما سميت حجازية لأن التنزيل جاء بلغة أهل الحجاز وأحكامها مبسوطة في كتب النحو. [سورة البقرة (٢) : الآيات ١١ الى ١٣] وَإِذا قِيلَ لَهُمْ لا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قالُوا إِنَّما نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَما آمَنَ النَّاسُ قالُوا أَنُؤْمِنُ كَما آمَنَ السُّفَهاءُ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ (١٣) اللغة: (الفساد) : خروج الشيء عن حال استقامته ونقيضه الصلاح، والفساد في الأرض: تهييج الحروب، وإثارة الفتن، والإخلال بمعايش الناس. (السُّفَهاءُ) : جمع سفيه وهو المنسوب للسّفه والسّفه: خفّة رأي وسخافة يقتضيهما نقصان العقل، ويقابله الحلم يقال سفه بكسر الفاء وضمّها. الإعراب: (وَإِذا) الواو استئنافية والجملة بعدها مستأنفة لا محل لها ويجوز أن تكون الواو عاطفة والجملة بعدها معطوفة على جملة يكذبون فتكون في موضع نصب عطفا على خبر كان والمعطوف على الخبر خبر فهي بهذه المثابة جزء من السبب الذي استحقوا به العذاب الأليم وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه (قِيلَ) فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر فيه تقديره يعود على الله تعالى وفي هذا التعبير بحث هام سيأتي في باب الفوائد وجملة قيل في محل جرّ بإضافة

стр. 32

الظرف إليها (لَهُمْ) الجار والمجرور متعلقان بقيل (لا) الناهية الجازمة (تُفْسِدُوا) فعل مضارع مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة والواو فاعل (فِي الْأَرْضِ) الجار والمجرور متعلقان بتفسدوا (قالُوا) فعل وفاعل والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (إِنَّما) كافة ومكفوفة (نَحْنُ) مبتدأ (مُصْلِحُونَ) خبر نحن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم والجملة في محل نصب مقول القول (أَلا) حرف تنبيه يستفتح بها الكلام (إِنَّهُمْ) إن حرف مشبه بالفعل والهاء اسمها (هُمُ) ضمير فصل أو عماد لا محل له من الإعراب ولك أن تعرب هم مبتدأ (الْمُفْسِدُونَ) خبره والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن (وَلكِنْ) الواو عاطفة ولكن مخففة من الثقيلة لمجرد الاستدراك (لا) نافية (يَشْعُرُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة معطوفة على ما تقدم (وَإِذا قِيلَ) الواو استئنافية أو عاطفة وقد تقدم الكلام عنها وجملة فيل الفعلية في محل جر بإضافة الظرف إليها (لَهُمْ) الجار والمجرور متعلقان بقيل وجملة قيل في محل جر بإضافة الظرف إليها (آمِنُوا) فعل أمر مبني على حذف النون والواو والجملة لا محل لها لأنها مفسرة ونائب الفاعل مصدر وهو القول وقد أضمر لأن الجملة بعده تفسرة والتقدير: وإذا قيل لهم قول هو آمنوا لأن الأمر والنهي قول وقد منع النحاة أن تكون الجملة قائمة مقام الفاعل لأن الجملة لا تكون فاعلا فلا تقوم مقامه (كَما) الجار والمجرور نعت لمصدر محذوف والتقدير آمنوا إيمانا كإيمان الناس، واختار سيبويه أن يكون في محل نصب على الحال سواء أكانت الكاف حرفا أم اسما بمعنى مثل وصاحب الحال هو المصدر المفهوم من الفعل المتقدم وما مصدرية (آمَنَ النَّاسُ) فعل وفاعله (قالُوا) فعل وفاعل وإذا متعلقة بقالوا والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (أَنُؤْمِنُ) الهمزة للاستفهام الإنكاري

стр. 33

ونؤمن فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا تقديره نحن (كَما) تقدم إعرابها قريبا (آمَنَ السُّفَهاءُ) فعل وفاعل (أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهاءُ وَلكِنْ لا يَعْلَمُونَ) تقدم إعراب نظير هذه الجملة قريبا. البلاغة: ١- في الآية خروج الاستفهام من معناه الأصلي وهو طلب العلم إلى أغراض أخرى تفهم من مضمون الكلام وتفصيله في علم المعاني ومردّ ذلك الى الذوق السليم وقد صدق فولتير حيث يقول: «ذوقك أستاذك» . ٢- التغاير: وهو فنّ يكاد يكون من المرقص فقد وردت في الفاصلة الأولى «لا يشعرون» ووردت في الفاصلة الثانية «لا يعلمون» لسرّ عجيب لا يدركه إلا الملهمون وتفصيل ذلك: أن أمر الديانة، والوقوف على أن المؤمنين هم على الحقّ وأما المنافقون فهم على الباطل، هو أمر يحتاج الى بعد نظر واستدلال حتى يكتسب الناظر العلم والمعرفة وأما النفاق وما فيه من البغي المؤدي الى اشتجار الفتنة، واستبحار الفساد في الأرض، فأمر دنيويّ مبنيّ على العادات، وهو معلوم عند الناس، بل هو بمثابة المحسوس عندهم فلذلك قال فيه: لا يشعرون وأيضا فإنه لما ذكر السّفه في الآية الثانية وهو جهل مطبق كان ذكر العلم أكثر ملاءمة فقال: لا يعلمون وهذا من الدقائق فتنبّه له. الفوائد: ١- نائب فاعل قيل: يقدره النحاة ضميرا لمصدره وجملة النهي مفسرة لذلك الظرف وقيل الظرف نائب الفاعل فالجملة في محل نصب

стр. 34

واختلفوا في وقوع الجملة فاعلا أو نائب فاعل والوجه أن الجملة التي يراد بها لفظها يحكم لها بحكم المفردات ولهذا تقع مبتدأ نحو لا حول ولا قوة كنز من كنوز الجنة وفي المثل: زعموا مطيّة الكذب ولهذا لم يحتج الخبر الى رابط. ٢- (أَلا) قيل: هي حرف بسيط يفتتح به الكلام وينبّه على أن ما بعده متحقّق لا محالة، وقيل: هي حرف مركب من همزة الاستفهام وحرف النفي، والاستفهام إذا دخل على النفي أفاد تحقيقا وأختها (أما) التي هي من مقدمات اليمين على حدّ قوله: أما والذي بكى وأضحك والذي ... أمات وأحيا والذي أمره الأمر [سورة البقرة (٢) : الآيات ١٤ الى ١٥] وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلَوْا إِلى شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) اللغة: (الطّغيان) مصدر طغى طغيانا بضم الطاء وكسرها، ولام طغى قيل: ياء وقيل: واو ومعناها مجاوزة الحدّ. (يَعْمَهُونَ) العمه: التردد والتحير وهو قريب من العمى إلا أنّ بينهما عموما وخصوصا لأن العمى يطلق على ذهاب نور العين وعلى الخطأ في الرأي والعمه لا يطلق إلا على الخطأ في الرأي.

стр. 35

الإعراب: (وَإِذا) عطف على ما تقدّم وقد تكرر إعراب إذا فيقاس على ما تقدّم (لَقُوا) أصله لقيوا وهو فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة استثقلت الضمة على الياء فحذفت ونقلت حركتها الى القاف والواو فاعل والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها (الَّذِينَ) اسم موصول مفعول به (آمَنُوا) فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (قالُوا) فعل وفاعل والجملة الفعلية لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (آمَنَّا) فعل وفاعل والجملة الفعلية مقول القول (وَإِذا) عطف على وإذا المتقدمة (خَلَوْا) فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو فاعل والجملة في محل جر باضافة الظرف إليها (إِلى شَياطِينِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بخلوا والى معناها انتهاء الغاية وسيأتي بحثها في باب الفوائد (قالُوا) فعل ماض والجملة لا محل لها من الإعراب (إِنَّا) إن حرف مشبه بالفعل ونا ضمير متصل في محل نصب اسمها (مَعَكُمْ) مع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر إن والكاف مضاف اليه وجملة إنا معكم اسمية في محل نصب مقول القول (إِنَّما) كافة ومكفوفة (نَحْنُ) ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ (مُسْتَهْزِؤُنَ) خبر نحن مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم والجملة الاسمية تأكيد لجملة إنا معكم فهي داخلة في حيّز مقول القول ولك أن تجعلها مستأنفة لا محل لها مبنية على سؤال نشأ من ادعاء المعيّة كأنه قيل لهم عند قولهم: إنا معكم فما بالكم تشايعون المؤمنين بكلمة الايمان؟ فقالوا: إنما نحن مستهزئون أو انها تعليلية للمعيّة (اللَّهُ) مبتدأ (يَسْتَهْزِئُ) فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا يعود على الله والجملة الفعلية

стр. 36

خبر (بِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بيستهزىء (وَيَمُدُّهُمْ) الواو عاطفة ويمدهم فعل مضارع مرفوع عطفا على يستهزىء والفاعل مستتر تقديره هو والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به (فِي طُغْيانِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بيمدهم (يَعْمَهُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة الفعلية في محل نصب على الحال من الضمير في يمدهم. البلاغة: انطوت هاتان الآيتان على فنون عديدة من فنون البلاغة نوجزها فيما يلي: ١- المفارقة بين الجمل فقد خاطبوا المؤمنين بالجملة الفعلية وهي جملة آمنا وخاطبوا شياطينهم بالجملة الاسمية وهي جملة إنا معكم وذلك لأن الجملة الاسمية أثبت من الجملة الفعلية فإيمانهم قصير المدى لا يعدو تحريك اللسان، أو مدة التقائهم بالمؤمنين وركونهم الى شياطينهم دائم الاستمرار والتجدد وهو أعلق بنفوسهم، وأكثر ارتباطا بما رسخ فيها. ٢- المخالفة بين جملة مستهزئون وجملة يستهزىء لأن هزء الله بهم متجدد وقتا بعد وقت، وحالا بعد حال، يوقعهم في متاهات الحيرة والارتباك زيادة في التنكيل بهم. ٣- المشاكلة: فقد ثبت أن الاستهزاء ضرب من العبث واللهو وهما لا يليقان بالله تعالى، وهو منزه عنهما ولكنه سمّى جزاء الاستهزاء استهزاء فهي مشاكلة لفظية لا أقل ولا أكثر.

стр. 37

٤- الفصل الواجب في قوله: «الله يستهزىء بهم» لأن في عطفها على شيء من الجمل السابقة مانعا قويا لأنها تدخل عندئذ في حيز مقول المنافقين والحال أن استهزاء الله بهم وخذلانه إياهم ثابتان مستمران سواء خلوا الى شياطينهم أم لا فالجملة مستأنفة على كل حال لأنها مظنّة سؤال ينشأ فيقال ما مصير أمرهم؟ ما عقبى حالهم؟ فيستأنف جوابا عن هذا السؤال. الفوائد: ذكر النحاة معاني لإلى الجارة أحدها الانتهاء وهو الأصل فيها وثانيها المعية كقوله تعالى: «مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ» أي مع الله وثالثها التبيين وهي المبينة لفاعلية مجرورها بعد ما يفيد حبا أو بغضا من فعل تعجب أو اسم تفضيل نحو: «رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ» ورابعها مرادفة اللام نحو «وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ» وخامسها موافقة (في) كقول النابغة الذبياني: فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطليّ به القار أجرب وسادسها موافقة (عند) كقول أبي كبير الهذلي: أم لا سبيل الى الشباب وذكره ... أشهى إليّ من الرحيق السّلسل وسابعها التوكيد كقراءة بعضهم: «أفئدة من الناس تهوى إليهم» بفتح الواو في تهوى على تضمين تهوى معنى تميل.

стр. 38

[سورة البقرة (٢) : الآيات ١٦ الى ١٧] أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ وَما كانُوا مُهْتَدِينَ (١٦) مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ (١٧) الإعراب: (أُولئِكَ) اسم إشارة مبني على الكسر في محل رفع مبتدأ (الَّذِينَ) خبر أولئك (اشْتَرَوُا) فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو فاعل (الضَّلالَةَ) مفعول به (بِالْهُدى) الجار والمجرور متعلقان باشتروا والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول (فَما) الفاء حرف للعطف مع التعقيب وما نافية (رَبِحَتْ) فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة (تِجارَتُهُمْ) فاعل ربحت (وَما) الواو عاطفة وما نافية (كانُوا) كان فعل ماض ناقص والواو اسمها (مُهْتَدِينَ) خبرها وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم (مَثَلُهُمْ) مبتدأ (كَمَثَلِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مثلهم أو الكاف اسم بمعنى مثل خبر ومثل مضاف اليه (الَّذِي) اسم موصول في محل جر بالاضافة (اسْتَوْقَدَ) فعل ماض مبني على الفتح بمعنى أوقد وهي استفعل بمعنى أفعل ومثله أجاب واستجاب، وأخلف واستخلف والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو وجملة استوقد لا محل لها من الإعراب لأنها صلة الموصول واستعمل الذي في موضع الذين ولذلك قال فيما بعد: «بنورهم» (ناراً) مفعول به، وجملة مثلهم مستأنفة مسوقة لضرب المثل لحال المنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى استحضارا للصورة ورفعا للأستار عن الحقائق (فَلَمَّا) الفاء حرف عطف ولما ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط وقيل: هي حرف

стр. 39

وجوب لوجوب وسماها ابن هشام رابطة (أَضاءَتْ) فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هي (ما) اسم موصول بمعنى المكان مفعول به (حَوْلَهُ) ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة ما وزعم بعض اللغويين أن أضاء فعل لازم فيتعيّن أن تكون ما زائدة أي أضاءت حوله (ذَهَبَ اللَّهُ) فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (بِنُورِهِمْ) الجار والمجرور متعلقان بذهب (وَتَرَكَهُمْ) فعل ماض وفاعل مستتر فيه جوازا ومفعول به أول (فِي ظُلُماتٍ) الجار والمجرور في موضع المفعول الثاني لتركهم (لا) نافية (يُبْصِرُونَ) فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة في موضع نصب على الحال المؤكدة لأن من كان في الظلمة لا يبصر. البلاغة: في هاتين الآيتين من فنون البلاغة ما تضيق عنه الصحف وسنحاول تلخيص هذه الفنون: ١- الاستعارة التصريحية الترشيحية والمعنى اختاروا واستبدلوا وقرينة الاستعارة الضلالة ثم رشح لهذه الاستعارة بقوله: فما ربحت تجارتهم فأسند الربح الى التجارة فالمستعار منه الذي هو الشراء رشّح لفظي الربح والتجارة للاستعارة لما بين الشراء والربح من الملاءمة، والترشيح هو أن يبرز المجاز في صورة الحقيقة ثم يحكم عليه ببعض أوصاف الحقيقة فينضاف مجاز الى مجاز ومن ذلك قول حميدة بنت النعمان بن بشير:

стр. 40

؟؟ بكى الخزّ من روح وأنكر جلده ... وعجّت عجيجا من جذام المطارف ؟؟ فد أقامت الخز مقام شخص حين باشر روحا بكى من عدم ملاءمته بقولها: وأنكر جلده ثم زادت في ترشيح المجاز بقولها: وعجّت أي صاحت مطارف الخز من قبيلة روح هذا وهي قبيلة جذام ومعنى البيت ان روحا وقبيلته جذام لا يصلح لهم لباس الخز ومطارفه لأنهم لا عادة لهم بذلك فكنى عنهم بما كنى في البيت. ٢- الفرق بين اشتروا واستبدلوا من وجهين: ا- ان الاستبدال لا يكون شراء إلا إذا كان فيه فائدة يقصدها المستبدل منه سواء كانت حقيقية أم وهمية. ب- ان الشراء يكون بين متبايعين بخلاف الاستبدال فاذا أخذت ثوبا من ثيابك بدل آخر يقال: انك استبدلت ثوبا بثوب فالمعنى الذي تؤدي إليه الآية أن أولئك القوم اختاروا الضلالة على الهدى لفائدة لهم بإزائها يعتقدون الحصول عليها من الناس فهو معاوضة بين طرفين يقصد بها الربح وهذا هو معنى الاشتراء ومثلهما البيع والابتياع ولا يؤديه مطلق الاستبدال، إذا عرفت هذا أدركت السرّ في اختيار اشتروا على استبدلوا، وتبينت أن القرآن وهو أعلى درج البلاغة لا يختار لفظا على لفظ من شأنه أن يقوم مقامه إلا لحكمة في ذلك، وخصوصية لا توجد في غيره. ٣- التتميم في قوله: «وما كانوا مهتدين» وحدّه أن يأتي
следующие страницы →