← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

من المشركين، فقد قالوا: كيف يمكن أن يقاطع الرجل أباه وأخاه وابنه، فرد الله عليهم بذلك، أي أن مقاطعة الرجل أهله في الدين واجبة فالمؤمن لا يوالي الكافر وإن كان أباه وأخاه وابنه. (إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمانِ) إن شرطية واستحبوا فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط والكفر مفعول استحبوا وعلى الايمان جار ومجرور متعلقان باستحبوا المتضمن معنى اختاروا. (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويتولهم فعل الشرط وقد روعي فيه اللفظ فأفرد، ومنكم حال والفاء رابطة وأولئك مبتدأ وهم ضمير فصل أو ضمير مبتدأ والظالمون خبر أولئك أو هم والجملة خبر أولئك وقد روعي فيه جانب المعنى لمن. (قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ وَأَزْواجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَتِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَمَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهادٍ فِي سَبِيلِهِ) إن شرطية وكان واسمها وما بعده عطف عليه وأحب خبر كان وإليكم حال ومن الله جار ومجرور متعلقان بأحب ورسوله وجهاد في سبيله عطف على الله أي من الهجرة إليهما. (فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ) الفاء رابطة وتربصوا فعل أمر وفاعل وحتى حرف غاية وجر ويأتي منصوب بأن مضمرة بعد حتى والله فاعل وبأمره جار ومجرور متعلقان بيأتي والله مبتدأ وجملة لا يهدي القوم الفاسقين خبر ومعنى الأمر هنا التهديد ومفعوله محذوف، أي انتظروا عقوبة عاجلة أو آجلة، وهذه الآية من أشد الآيات تهديدا وإرعادا وإبراقا وردعا لكل من تسول له نفسه إيثار الفانية على الباقية ومراعاة جانب الأهل والعشيرة وترك جانب الله.

стр. 1752

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧) اللغة: (المواطن) جمع موطن والمواطن مثل الوطن، وفي المصباح: «الوطن مكان الإنسان ومقره، والجمع أوطان مثل سبب وأسباب، والموطن مثل الوطن والجمع مواطن كمسجد ومساجد، والموطن أيضا: المشهد من مشاهد الحرب» وعبارة الزمخشري: «مواطن الحرب مقاماتها وموافقها قال: وكم موطن لولاي طحت كما هوى ... بأجرامه من قلة النيق منهوي أي كثير من مواطن الحرب لولاي موجود لطحت بكسر الطاء وضمها، من باع وقال أي هلكت فيها كما هوى منهو أي ساقط من قلة النيق أي من رأس الجبل. ومذهب سيبويه أن لولا حرف جر إذا وليها ضمير نصب ومذهب الأخفش أنه وضع ضمير النصب موضع ضمير الرفع على الابتداء، أما المبرد فقد أنكر وروده وهو محجوج بهذا

стр. 1753

البيت وغيره، وأراد الله تعالى بالمواطن الكثيرة الأماكن التي وقعت فيها وقعات بدر وقريظة والنضير والحديبية وخيبر وفتح مكة. وفي القاموس: الموطن: الوطن والمشهد من مشاهد الحرب، فلا حاجة عندئذ لتقدير مضاف كما ذهب بعضهم، والفعل منه وطن يطن من باب ضرب وطنا وأوطن إيطانا بالبلد أقام به، واستوطن البلد: اتخذه وطنا. (حُنَيْنٍ) هو واد بين مكة والطائف، أي يوم قتالكم فيه هوازن وذلك في شوال سنة ثمان فهي عقيب الفتح وستأتي الإشارة الى هذه الوقعة في باب الفوائد. (رَحُبَتْ) في المختار: الرحب بالضم السعة يقال منه: فلان رحيب الصدر، والرحب بالفتح الواسع وبابه ظرف وقرب، والمصدر رحابة كظرافة ورحب كقرب اه. الإعراب: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ) جملة مستأنفة مسوقة لتذكير المؤمنين بآلائه عليهم واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ونصركم الله فعل ومفعول به وفاعل وفي مواطن جار ومجرور متعلقان بنصركم وكثيرة صفة. (وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ) الواو عاطفة ويوم ظرف معطوف على قوله مواطن، ولا مانع من عطف الظرفين المكاني والزماني أحدهما على الآخر كعطف أحد المفعولين على الآخر والفعل واحد، إذ يجوز أن تقول: ضرب زيد عمرا في المسجد ويوم الجمعة، كما تقول ضربت زيدا وعمرا ولا يحتاج الى إضمار فعل جديد غير الأول هذا مع أنه لا بد من تغاير الفعلين الواقعين بالمفعولين في

стр. 1754

الحقيقة. فإنك إذا قلت: اضرب زيدا اليوم وعمرا غدا لم يشك في أن الضربين متغايران بتغاير الظرفين، ومع ذلك الفعل واحد في الصناعة، فعلى هذا يجوز في الآية بقاء كل واحد من الظرفين على حاله غير مؤول الى الآخر، على أن الزمخشري وغيره يوجبون تعدد الفعل وتقدير ناصب لظرف الزمان غير الفعل الأول وإن كانا جميعا زمانين لعلة أن كثرتهم لم تكن ثابتة في جميع المواطن ولذلك قدر الزمخشري محذوفا قال: «فإن قلت كيف عطف الزمان على المكان وهو يوم حنين على المواطن؟ قلت: معناه وموطن يوم حنين أو في أيام مواطن كثيرة ويوم حنين، ويجوز أن يراد بالموطن الوقت كمقتل الحسين ومقدم الحاج، على أن الواجب أن يكون يوم حنين منصوبا بفعل مضمر لا بهذا الظاهر وموجب ذلك أن: إذ أعجبتكم بدل من يوم حنين فلو جعلت ناصبه هذا الظاهر لم يصح لأن كثرتهم لم تعجبهم في جميع تلك المواطن ولم يكونوا كثيرا في جميعها، فبقي أن يكون ناصبة فعلا خاصا به» . وإذ ظرف لما مضى منصوب على البدلية من يوم حنين كما تقدم أو منصوب بإضمار اذكر وجملة أعجبتكم مضافة للظرف وأنفسكم فاعل. ومنع بعضهم إبدال إذ من يوم حنين بل هو منصوب بفعل مقدر أي اذكروا إذ أعجبتكم كثرتكم. (فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) الفاء عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتغن مضارع مجزوم بلم وشيئا مفعول مطلق أو مفعول به. (وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ) وضاقت عطف على ما تقدم عليكم جار ومجرور متعلقان بضاقت والأرض فاعل والباء حرف جر بمعنى مع وما مصدرية أي مع رحبها على أن الجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسة برحبها كقولك: دخلت عليه بثياب السفر، أي ملتبسا بها تعني مع ثياب السفر. (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) عطف على ما تقدم ومدبرين حال من التاء في وليتم. (ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ)

стр. 1755

ثم حرف عطف وتراخ وأنزل الله فعل وفاعله وسكينته مفعول به وعلى رسوله جار ومجرور متعلقان بأنزل وعلى المؤمنين عطف على رسوله. (وَأَنْزَلَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها) وأنزل جنودا عطف على ما تقدم وجملة لم تروها صفة لجنودا. (وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ) عطف أيضا وذلك مبتدأ وجزاء الكافرين خبره (ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عطف على ما تقدم مقترن بالتراخي ومن بعد ذلك حال وعلى من يشاء متعلقان بيتوب والله مبتدأ وغفور رحيم خبراه. الفوائد: استفاضت السير في الروايات لهذه الوقعة ويؤخذ منها أن المسلمين كانوا اثني عشر ألفا الذين حضروا فتح مكة منضما إليهم ألفان من الطلقاء عند ما التقوا مع هوازن وثقيف فيمن ضامّهم من امداد سائر العرب فكانوا الجم الغفير، فلما التقوا قال رجل من المسلمين: لن نغلب اليوم من قلة فساءت رسول الله ﷺ فاقتتلوا اقتتالا شديدا، وأدركت المسلمين نشوة الإعجاب بالكثرة، وزل عنهم أن الله هو الناصر لا كثرة الجنود، فانهزموا حتى بلغ فلهم مكة وبقي رسول الله ﷺ وحده وهو ثابت، في مركزه لا يتحلحل، ليس معه إلا عمه العباس آخذا بلجام دابته وأبو سفيان ابن الحارث ابن عمه، روى أبو جعفر بن جرير بسنده عن عبد الرحمن عن رجل كان في المشركين يوم حنين قال: لما التقينا نحن وأصحاب رسول الله ﷺ يوم حنين لم يقوموا لنا حلب شاة، فلما لقيناهم جعلنا نسوقهم في آثارهم حتى انتهينا الى صاحب البغلة

стр. 1756

البيضاء فإذا هو رسول الله، قال فتلقّانا عنده رجال بيض الوجوه حسان فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا فانهزمنا وركبنا أكتافنا. وهناك روايات كثيرة تختلف في سردها وتتفق في معناها على أن ذلك الموقف كان شهادة صدق على تناهي شجاعة النبي ورباطة جأشه، وأن الرجال تكثر بالنصر وتقل بالخذلان. ٢- قال الصفاقسي: ظاهر كلام الزمخشري أولا منع عطف الزمان على المكان، ولم أر من نص عليه وفيه نظر، وأما وجوب إضمار الفعل فهو مبني على اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في متعلقات الفعل وهو ممنوع، وقد أشار الى منعه ابن الحاجب في مختصره في الأصول. والتحقيق والتدقيق إن قوله يوم حنين، إن جعلته عطفا على مواطن فالواو قائم مقام حرف الجر وهو «في» فكأنه قال: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة في يوم حنين، وهذا المعنى باطل لأنه يعين مكان النصرة وزمانها. ولا شك أنه ليس زمان النصرة في المواطن الكثيرة يوم حنين سواء أجعلت «إذ أعجبتكم» بدلا أم لا وأما إذا عطفت «ويوم حنين» على محل «في مواطن» كما هو الظاهر فحرف العطف قائم مقام «نصركم» العامل «في مواطن» فكأنه قال: لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين خاصة وحينئذ جاز أن يكون «إذ أعجبتكم» بدلا من يوم، وهذا كما تقول: رأيت مرارا في مصر وليلة العيد إذ أفاض الناس من عرفة. هذا هو الصدق الحق الذي لا غطاء على وجهه المنير فلا تخش من قعقعة سلاح الزمخشري فإنها جعجعة من غير طحن ولكن جواد كبوة.

стр. 1757

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٢٨ الى ٢٩] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٨) قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صاغِرُونَ (٢٩) اللغة: (نَجَسٌ) في القاموس: «النجس بالفتح وبالكسر وبالتحريك ككتف وعضد ضد الطاهر، وقد نجس كسمع وكرم وأنجسه ونجّسه فتنجّس، وداء ناجس ونجيس ككريم إذا كان لا يبرأ منه وتنجس فعل فعلا يخرج به عن النجاسة، والتنجيس اسم شيء من القذر أو عظام الموتى أو خرقة الحائض كان يعلق على من يخاف عليه من ولوع الجن به والمعوّذ منجّس» وجاء في شرح التاج على القاموس تعليقا على قوله المعوذ منجس: «قال ثعلب قلت لابن الاعرابي: لم قيل للمعوذ منجّس وهو مأخوذ من النجاسة؟ فقال: إن للعرب أفعالا تخالف معانيها ألفاظها يقال فلان يتنجّس إذا فعل فعلا يخرج به عن النجاسة» وفي سجعات الأساس: «إذا جاء القدر لم يغن المنجم ولا المنجس، ولا الفيلسوف ولا المهندس» ، وعن الحسن في رجل تزوج امرأة كان قد زنى بها هو أنجسها فهو أحق بها. (عَيْلَةً) فقر، وفي المصباح: العيلة بالفتح الفقر وهي مصدر عال يعيل من باب سار فهو عائل والجمع عالة وهو في تقدير فعلة مثل كافر

стр. 1758

وكفرة، وعيلان بالفتح اسم رجل ومنه قيس بن عيلان قال بعضهم: ليس في كلام العرب عيلان بالعين المهملة إلا هذا، وفي المختار: وعيال الرجل من يعولهم وواحد العيال عيل والجمع عيائل كجيائد، وأعال الرجل كثرت عياله فهو معيل والمرأة معيلة، قال الأخفش أي صار ذا عيال» . (الْجِزْيَةَ) سميت جزية لأنها طائفة مما على أهل الذمة أن يجزوه أي يقضوه أو لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالإعفاء من القتل، ومن غريب أمر الجيم والزاي أنهما إذا وقعتا فاء وعينا للكلمة دلتا على معنى الأخذ والشدة، فجزأت الشيء تجزئة، وشيء مجزأ أي مبعض، وذلك لا يتأتى إلا بالقوة والشدة، وبعير مجزىء قوي سمين لأنه يجزىء الراكب والحامل، وجزر لهم الجزّار نحر لهم جزورا وهم نحّارون للجزر، وأخذ الجازر جزارته وهي حقه وإياكم وهذه المجازر، ومنه الجزر والمدّ، والجزيرة والجزائر ويقال جزيرة العرب لأرضها ومحلتها لأن بحر فارس وبحر الحبش ودجلة والفرات قد أحدقت بها، وجزّ الشعر والزرع والنخيل، وهذا زمن الجزاز، ويقال: جزّوا ضأنهم وحلقوا معزهم، وجزع الوادي قطعة عرضا قال أبو تمام: إليك جزعنا مغرب الملك كلما ... قطعنا ملا صلت عليك سباسبه وهم بجزع الوادي وهو منعطفه، وتجزّع الشيء: تقطّع وتفرق، قال الراعي: ومن فارس لم يحرم السيف خطّه ... إذا رمحه في الدارعين تجزّعا

стр. 1759

ومنه الجزع الظفاري لأن لونه قد يجزّع الى بياض وسواد، قال امرؤ القيس: كأن عيون الوحش حول خبائنا ... وأرحلنا الجزع الذي لم يثقّب وجزف كذا اتباعه منه جزافا وبالجزاف، وجازفه في البيع مجازفة وجزافا، وحطب جزل قاس يابس. وأنشد ثعلب: فويها لقدرك ويها لها ... إذا اختير في المحل جزل الحطب وقال: فأصبحت أنى تأتها تستجر بها ... تجد حطبا جزلا ونارا تأججا وضرب الصيد فجزله جزلتين أي قطعتين، ومن المجاز رجل جزل: ذو عقل ورأي وقد جزل وما أبين الجزالة فيه، وهو جزل العطاء، وإن فعلت كذا فلك الذكر الجميل والثواب الجزيل، وامرأة جزلة ذات أرداف، وجزمت ما بيني وبينه قطعته، وجزم اليمين قطعها البتة، وجزم على كذا عزم عليه، وتقول هذا حكم جزم وقضاء حتم. فإذا رجعنا لجزى رأينا عجبا من هذه المادة تقول يجزيك الله عني ويجازيك قال لبيد: وإذا جوزيت قرضا فاجزه ... إنما يجزى الفتى ليس الجمل وقال الحطيئة: من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) إنما كافة ومكفوفة والمشركون نجس مبتدأ وخبر أي ذوو نجس لأن معهم

стр. 1760

الشرك الذي هو بمنزلة النجس، أو لأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يجتنبون النجاسات فلا تنفك تلابسهم، أو جعلوا كأنهم النجاسة عينها مبالغة في وصفهم بها، والنجس مصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والجمع، أو هو مجاز عن خبث الباطن وفساد العقيدة. (فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) الفاء الفصيحة ولا ناهية ويقربوا مضارع مجزوم بها والواو فاعل والمسجد مفعول به والحرام صفة. (بَعْدَ عامِهِمْ هذا) الظرف متعلق بيقربوا وعامهم مضاف إليه وهذا نعت لعامهم أو بدل منه وهو العام التاسع للهجرة. وفي هذا الحكم مسائل فقهية يرجع إليها في المظانّ المطولة. (وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شاءَ) الواو عاطفة وإن شرطية وخفتم فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط وعيلة مفعول به، فسوف الفاء رابطة وسوف حرف استقبال ويغنيكم الله فعل مضارع ومفعول به وفاعل والجملة في محل جزم جواب الشرط ومن فضله جار ومجرور متعلقان بيغنيكم وإن شرطية وشاء فعلها والجواب محذوف دل عليه ما قبله أي فسوف يغنيكم. (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) ان واسمها وخبراها. (قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) جملة مستأنفة مسوقة للأمر بغزو المشركين، وقاتلوا فعل أمر وفاعل والذين مفعول به وجملة يؤمنون صلة وبالله متعلقان بيؤمنون ولا باليوم الآخر عطف على بالله. (وَلا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) عطف على ما تقدم وما مفعول يحرمون وجملة حرم الله ورسوله صلة. (وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ) الواو عاطفة ودين الحق يجوز أن يكون مصدر يدينون فهو مفعول مطلق، ويجوز أن يكون مفعولا به مع تضمين يدينون معنى يعتقدون. ويجوز أن يكون منصوبا بنزع الخافض أي بدين الحق ولعله أظهر. (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) حال من الضمير في يدينون أو من الذين الأولى مع ما في حيزها وجملة أوتوا الكتاب صلة والكتاب مفعول به

стр. 1761

ثان. (حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ) حتى حرف غاية وجر ويعطوا منصوب بأن مضمرة بعد حتى والجزية مفعول به وعن يد حال وسيأتي مزيد بحث عنها في باب البلاغة (وَهُمْ صاغِرُونَ) حال ثانية وهم مبتدأ وصاغرون خبر. البلاغة: في قوله تعالى «عن يد» كناية عن الانقياد، يقال: أعطى فلان بيده إذا سلم وانقاد، لأن من أبى وامتنع لم يعط يده، بخلاف المطيع المنقاد كأنه قيل: قاتلوهم حتى يعطوا الجزية عن طيب نفس وانقياد دون أن يكرهوا عليها ثم إن المراد بها إما يد المعطي وإما الآخذ ومعناه على إرادة يد المعطي حتى يعطوها عن يد مؤاتية غير ممتنعة لأن من أبى وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ألا ترى الى قولهم: نزع يده عن الطاعة كما يقال: خلع ربقة الطاعة عن عنقه، وأما يد الآخذ فمعناه حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية، أو عن إنعام عليهم لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم نعمة عظيمة عليهم، هذا وقد تقدمت مباحث الكناية وسيرد الكثير منها في حينه. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٠ الى ٣٢] وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١) يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢)

стр. 1762

اللغة: (يُضاهِؤُنَ) في المصباح: ضاهأه مضاهأة مهموز عارضه وباراه، ويجوز التخفيف فيقال: ضاهيته مضاهاة وهي مشاكلة الشيء بالشيء. (يُؤْفَكُونَ) يصرفون. (أَحْبارَهُمْ) في المختار: الحبر الذي يكتب به وموضعه المحبرة بالكسر، والحبر أيضا الأثر وفي الحديث: يخرج رجل من النار قد ذهب حبره وسبره، قال الفراء: أي هيئته ولونه. وقال الأصمعي: الجمال والبهاء وأثر النعمة وتحبير الخط والشعر وغيرهما تحسينه. والحبر بالفتح الحبور وهو السرور، وحبره أي سره، وبابه نصر، وحبرة أيضا بالفتح ومنه قوله تعالى: «فهم في روضة يحبرون» أي يسرون وينعمون ويكرمون، والحبر بالفتح والكسر واحد أحبار اليهود والكسر أفصح لأنه يجمع على أفعال دون فعول، وقال الفراء: هو بالكسر، وقال أبو عبيدة: هو بالفتح. وقال الأصمعي: لا أدري أنه بالفتح أو بالكسر، وقال: الحبر بالكسر منسوب الى الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب والحبرة كالعنبة برد يماني والجمع حبر كعنب وحبرات بفتح الباء. وفي المنجد: الحبر والحبر بالفتح

стр. 1763

والكسر: العالم الصالح، السرور والنعمة، رئيس من رؤساء الدين، الحبر الأعظم: خلف السيد المسيح على الأرض، رئيس الكهنة عند اليهود، والجمع أحبار وحبور. (رُهْبانَهُمْ) جمع راهب وهو من اعتزل الناس الى دير طلبا للعبادة والمؤنث راهبة وجمعها راهبات ورواهب. الإعراب: (وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) الواو استئنافية وقالت اليهود فعل وفاعل وعزير مبتدأ وابن الله خبر ولذلك أثبتت ألف ابن لأنها تحذف إذا وقعت ابن صفة أو بدلا بين علمين، ونوّن عزير لأنه عربي فلم يبق فيه إلا علة واحدة وهي العلمية وقرىء بمنع الصرف باعتباره أعجميا، وقرىء قوله تعالى: «وقالت اليهود عزير ابن الله» على وجهين: بتنوين عزير لأن ابنا خبر عن عزير فجرى مجرى قولك زيد ابن عمرو، والقراءة الأخرى بمنع التنوين وهي على وجهين: أحدهما أن يكون عزير خبرا لمبتدأ محذوف وابن وصفا له فحذف التنوين من عزير لأن ابنا وصف له فكأنهم قالوا: هو عزير بن الله والوجه الآخر أن يكون جعل ابنا خبرا عن عزير وحذف التنوين لالتقاء الساكنين. (وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) جملة مماثلة معطوفة على سابقتها وجملة المبتدأ والخبر مقول القول. (ذلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْواهِهِمْ) ذلك مبتدأ وقولهم خبر وبأفواههم حال وسيرد في باب البلاغة سر ذكر الأفواه. (يُضاهِؤُنَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ) الجملة حالية وقول مفعول به والذين مضاف إليه وجملة كفروا صلة ومن قبل

стр. 1764

حال. (قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) قاتلهم الله فعل ومفعول به وفاعل والجملة دعائية لا محل لها وأنى اسم استفهام بمعنى كيف في محل نصب حال مقدم ويؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل أي كيف يصرفون عن الحق. (اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ) اتخذوا فعل وفاعل وأحبارهم مفعول به ورهبانهم عطف على أحبارهم وأربابا مفعول به ثان ومن دون الله صفة لأربابا والمسيح عطف على أحبارهم والمفعول الثاني بالنسبة إليه محذوف أي ربا وابن صفة للمسيح أو بدل منه وثبتت الألف فيه لأنه صفة بين علمين والمسيح لقب واللقب من أقسام العلم (وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهاً واحِداً) الواو للحال وما نافية وأمروا فعل ماضي مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلا أداة حصر واللام للتعليل ويعبدوا منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وواحدا صفة إلها. (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الجملة صفة ثانية لإلها وقد تقدم القول مفصلا في اعراب «لا إله إلا الله» . (سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) سبحان مفعول مطلق والهاء مضاف إليه وهو مصدر بمعنى التنزيه الله عن الإشراك به وعما متعلقان بسبحانه وجملة يشركون صلة ما. (يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ) جملة يريدون حالية لتمثيل حالهم في محاولتهم أن يبطلوا نبوة محمد بالتكذيب بحال من يريد أن ينفخ في نور عظيم وسيأتي بحث ذلك في باب البلاغة وأن وما في حيزها مفعول يريدون ونور الله مفعول به وبأفواههم جار ومجرور متعلقان بيطفئوا. (وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ) ويأبى الله عطف على يريدون وإلا أداة حصر لأن الكلام على تقدير النفي لأن يأبى تجري مجرى لم يرد وأن وما في حيزها مفعول يأبى ولو الواو حالية ولو شرطية جوابها محذوف لدلالة ما قبله عليه تقديره لأتمه ولم يبال بكراهتهم والجملة

стр. 1765

حالية والمعنى لا يريد الله إلا إتمام نوره ولو كرهوه وقد قيل: كيف دخلت «إلا» الاستثنائية على يأبى ولا يجوز كرهت أو أبغضت إلا زيدا، وقال الفراء: إنما دخلت لأن في الكلام طرفا من الجحد، وقال الزجاج: إن العرب تحذف مع أبى والتقدير ويأبى الله كل شيء إلا أن يتم نوره، وقال علي بن سليمان: إنما جاز هذا في أبى لأنها منع أو امتناع فضارعت النفي، قال النحاس: وهذا أحسن كما قال الشاعر: وهل لي أم غيرها إن تركتها ... أبى الله إلا أن أكون لها ابنا البلاغة: في قوله تعالى: «ذلك قولهم بأفواههم» إيهام بأن القول لا يكون إلا بالفم فما معنى ذكر أفواههم؟ ولكن السر كامن في الأفواه وهو أن ما تندبه لا يكون إلا مجرد قول لا يؤبه له ولا يعضده برهان ولا تنهض به حجة فما هو إلا لفظ فارغ وهراء لا طائل تحته كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم لا تنطوي على معان وما لا معنى له لا يعدو الشفتين. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٣ الى ٣٥] هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)

стр. 1766

اللغة: (يَكْنِزُونَ) يجمعون ويدفنون، وفي المصباح: كنزت المال كنزا من باب ضرب جمعته وادخرته، وكنزت التمر في وعائه كنزا أيضا، وهذا زمن الكناز قال ابن السكيت: لم يسمع إلا بالفتح، وحكى الأزهري: كنزت التمر كنازا وكنازا بالفتح والكسر، والكنز المال المدفون معروف تسميته بالمصدر والجمع كنوز مثل فلس وفلوس، واكتنز الشيء اكتنازا اجتمع وامتلأ، وفي الأساس: وإنه لكنيز اللحم مكتنزه: صلبه، وناقة كناز اللحم، ومن المجاز: معه كنز من كنوز العلم وقال زهير: عظيمين في عليا معد وغيرها ... ومن يستبح كنزا من المجد يعظم وهذا كتاب مكتنز بالفوائد. (الذَّهَبَ) معروف وهو يذكر ويؤنث، وله أسماء عديدة وهي: نضر، نضار، نضير، زبرج، زخرف، عسجد، عقيان. الإعراب: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ) الجملة مستأنفة

стр. 1767

وهو مبتدأ والذي خبره وجملة أرسل رسوله صلة وبالهدى أي بالقرآن متعلق بأرسل ودين الحق عطف على الهدى. (لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) اللام للتعليل ويظهر منصوب بأن مضمرة والهاء مفعول به يعود على الرسول، وعلى الدين جار ومجرور متعلقان بيظهره وكله تأكيد للدين والواو حالية ولو شرطية وصلية وكره المشركون فعل وفاعل والمفعول به محذوف أي ذلك. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها. (إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ) إن واسمها ومن الأحبار صفة لكثيرا والرهبان عطف على الأحبار وليأكلون اللام المزحلقة، وجملة يأكلون خبر إن وأموال الناس مفعول به بالباطل حال وسيأتي تحقيق الأكل في باب البلاغة. (وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) عطف على يأكلون. (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة يكنزون صلة والذهب مفعول يكنزون والفضة عطف على الذهب ولا ينفقونها عطف على يكنزون وفي سبيل الله متعلقان بينفقونها. (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الفاء رابطة لما في الشرط من معنى العموم ورائحة الشرط وبشرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب جار ومجرور متعلقان ببشرهم وأليم صفة وجملة بشرهم خبر، والأحسن أن يكون الذين منصوبا بتقدير بشر الذين يكنزون (يَوْمَ يُحْمى عَلَيْها فِي نارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ) الظرف متعلق بقوله بعذاب أليم وقيل بمحذوف يدل عليه عذاب أي يعذبون يوم يحمى أو بمحذوف تقديره اذكر وجملة يحمى مضافة للظرف ويحمى يحتمل أن يكون من حميت وأحميت ثلاثيا ورباعيا يقال حميت الحديدة وأحميتها أي أوقدت عليها لتحمى ونائب الفاعل المحذوف هو النار تقديره يوم تحمى النار عليها، فلما

стр. 1768

حذف نائب الفاعل ذهبت علامة التأنيث لذهابه كقولهم رفعت القصة الى الأمير ثم تقول رفع الى الأمير، وعليها في محل رفع نائب فاعل كما تقدم وفي نار جهنم متعلق بيحمى، فتكوى الفاء عاطفة وتكوى عطف على تحمى وبها متعلقان بتكوى وجباههم نائب فاعل وجنوبهم وظهورهم عطف على جباههم وسيأتي سر تخصيص هذه الأعضاء في باب البلاغة . (هذا ما كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ) الجملة مقول القول محذوف أي يقال لهم، وهذا مبتدأ وما خبره وجملة كنزتم صلة ولأنفسكم متعلقان بكنزتم. (فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ) الفاء الفصيحة وذوقوا فعل أمر وفاعل وما مفعول به وجملة كنتم تكنزون صلة وجملة تكنزون خبر كنتم. البلاغة: في هذه الآيات فنون عديدة من أفانين البلاغة نجملها فيما يلي: ١- الاستعارة في أكل الأموال إذ هي مما لا يؤكل ولكن الأكل استعير للأخذ ومعنى أكلهم بالباطل، أنهم كانوا يأخذون الرشا في الأحكام. ٢- أفرد الضمير في قوله «ينفقونها» مع أنه ذكر شيئين وهما الذهب والفضة ذهابا بالضمير الى المعنى دون اللفظ لأن كل واحد منهما جملة وافية وعدة كثيرة. ٣- خصص الجباه والوجوه والظهور لأنهم كانوا يتوخون من جمع الأموال واكتنازها الأغراض الدنيوية التي يرفعون بها جباههم ويصونون ماء وجوههم، يحتفل بهم الناس لدى رؤيتهم إياهم ويطرحون مناعم الثياب على ظهورهم، وهذه أسرار انفرد بها القرآن العزيز.

стр. 1769

الفوائد: روى التاريخ أن أبا ذر قال: نزلت هذه الآيات في أهل الكتاب وفي المسلمين ووجه هذا القول أن أهل الكتاب موصوفون بالحرص على أخذ المال من أي وجه، ثم ذكر الله بعد ذلك وعيد من جمع المال ومنع الحقوق الواجبة فيه سواء أكان من أهل الكتاب أم من المسلمين. روى مسلم عن زيد بن وهب قال: مررت بالربذة فإذا أبو ذرّ فقلت له: ما أنزلك هذا المنزل؟ قال كنت بالشام فاختلفت أنا ومعاوية في هذه الآية: «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله» فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب، وقلت أنا: نزلت فينا وفيهم، فكان بيني وبينه في ذلك كلام، فكتب الى عثمان يشكوني فكتب إلي أن أقدم المدينة، فقدمتها فازدحم علي الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبا منا فهذا هو الذي أنزلني هذا المنزل ولو أمروا عليّ عبدا حبشيا لسمعت وأطعت. حديث هام عن الذهب والفضة: وروى سالم بن الجعد انها لما نزلت قال رسول الله ﷺ : تبا للذهب تبا للفضة، قالها ثلاثا، فقالوا له: أيّ مال نتخذ؟ قال: لسانا ذاكرا وقلبا خاشعا وزوجة تعين أحدكم على دينه. هذا وقد اختلف العلماء في حد رأس المال فقال علي: أربعة آلاف فما دونها نفقة، فما زاد فهو كنز، وردوا عليه بأن هذا معقول قبل أن تفرض الزكاة وهناك كلام طويل يرجع إليه في المطولات وليس هو من غرض هذا الكتاب.

стр. 1770

[سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٦ الى ٣٧] إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (٣٦) إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٣٧) اللغة: (النَّسِيءُ) مصدر نساء إذا أخره، يقال: نسأه نسئا ونسيئا ونساء كقولك مسّه مسّا ومساسا ومسيسا، وقيل هو فعيل بمعنى مفعول من نسأه إذا أخره فهو منسوء، ثم حوّل مفعول إلى فعيل كما حوّل مقتول الى قتيل، وفي المختار: والنسيئة كالفعيلة التأخير، وكذا النساء بالفتح والمد التأخير والنسيء في الآية فعيل بمعنى مفعول من قولك نسأه من باب قطع أي أخره فهو منسوء فحوّل منسوء الى نسيء كما حول مقتول الى قتيل والمراد به هنا تأخير حرمة المحرم الى صفر وسيأتي في باب الفوائد تفصيل ذلك. الإعراب: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً) إن واسمها والشهور مضاف إليه وعند الله ظرف متعلق بمحذوف حال أي في حكمه واثنا

стр. 1771

خبر إن مرفوع بالألف لأنه مثنى وعشر جزء عددي مبني على الفتح وشهرا تمييز وهي الشهور القمرية المعروفة. (فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ) في كتاب الله صفة لاثني عشر ويوم ظرف متعلق بمحذوف أو بكتاب الله إن جعل مصدرا والمعنى: إن هذا أمر ثابت في نفس الأمر منذ خلق الله الكائنات وقيل يوم خلق بدل من قوله عند الله والتقدير ان عدة الشهور عند الله في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض، وفائدة الإبدالين تقرير الكلام في الأذهان، وجملة خلق مضاف إليها الظرف. (مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ) منها خبر مقدم وأربعة مبتدأ مؤخر وحرم صفة والجملة صفة ثانية لاثني عشر شهرا وهي ثلاثة سرد: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، وواحد فرد وهو رجب. (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) ذلك مبتدأ والدين خبر والقيم صفة. (فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ) الفاء الفصيحة ولا الناهية وتظلموا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفيهن متعلقان بتظلموا وأنفسكم مفعول به. (وَقاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَما يُقاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) الواو عاطفة وقاتلوا فعل أمر والواو فاعل والمشركين مفعول به وكافة حال من الفاعل أو المفعول وهي في الأصل مصدر معناه جميعا ولا يثنى ولا يجمع ولا تدخله أل ولا يتصرف فيه بغير الحال، هذا ما قرره النحاة بشأن كافة، ولكن صحح الشهاب الخفاجي أن يقال جاءت الكافة، وأطال البحث فيه في شرح الشفاء، وقال شارح اللباب: إنه استعمل مجرورا واستدل له بقول عمر بن الخطاب: «على كافة بيت مال المسلمين» ، وقال ابراهيم الكوراني: من قال من النحاة: إن كافة لا تخرج عن النصب فحكمه ناشىء عن استقراء ناقص، واستعملها الزمخشري مجرورة بالكاف في خطبة كتابه «المفصل» فقال: «محيط بكافة الأبواب» كما استعملها في غير الأناسي. كما الكاف بمعنى مثل صفة لمصدر محذوف أو هي حرف جر وما مصدرية مؤولة

стр. 1772

مع ما في حيزها بمصدر صفة لمصدر محذوف أي قتالا كقتالكم وقد تقدمت له نظائر فجدد به عهدا. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) أن وما في حيزها سدت مسد مفعولي اعلموا وأن واسمها ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر. (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ) إنما كافة ومكفوفة والنسيء مبتدأ وزيادة خبر وفي الكفر متعلق بزيادة. (يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا) فعل وفاعل وبه متعلقان به والذين كفروا فاعله وقرىء يضل به الذين كفروا بالبناء للمجهول والجملة خبر ثان للنسيء. (يُحِلُّونَهُ عاماً وَيُحَرِّمُونَهُ عاماً) الجملة تفسيرية للضلال فلا محل لها ويجوز أن تعرب حالية وعاما ظرف متعلق بيحلونه. (لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللَّهُ) اللام للتعليل وهي مع مجرورها المؤول متعلقة بيحرمونه أو بيحلونه حسب قانون التنازع وعدة مفعوله وما موصول مضاف إليه وجملة حرم الله صلة. (فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللَّهُ) عطف على ليواطئوا وما مفعول يحلوا. (زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمالِهِمْ) الجملة حالية من الفاعل أي مزينين أو استئنافية ولعله أولى، ولهم متعلقان بزين وسوء أعمالهم فاعل. (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) مبتدأ وجملة لا يهدي خبر. الفوائد: ما يقوله التاريخ عن النسيء: روى التاريخ أن العرب في الجاهلية كانت تعتقد حرمة الأشهر الحرم وتعظيمها وكانت عامة معايش العرب من الصيد والغارة وكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر متوالية وربما وقعت حروب في بعض الأشهر الحرم فكانوا يكرهون تأخير حروبهم الى الأشهر الحلال فنسئوا يعني: أخروا تحريم شهر الى شهر آخر فنزلت.

стр. 1773

وقال المبرد في كامله: «نسأ الله في أجلك، ونسأ الله أجلك، وأنسأ الله أجلك، والنسيء من هذا ومعناه تأخير شهر عن شهر، وكانت النسأة من بني مذلج بن كنانة فأنزل الله «إنما النسيء زيادة في الكفر» لأنهم كانوا يؤخرون الشهور فيحرمون غير الحرام ويحلون غير الحلال لما يقدرونه من حروبهم وتصرفهم فاستوت الشهور لما جاء الإسلام» . [سورة التوبة (٩) : الآيات ٣٨ الى ٤٠] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيلٌ (٣٨) إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلاَّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)

стр. 1774

اللغة: (اثَّاقَلْتُمْ) أصله تثاقلتم فأبدلت التاء ثاء ثم أدغمت في الثاء ثم اجتلبت همزة الوصل توصلا للنطق بالساكن وأنشد الكسائي: تولي الضجيع إذا ما اشتاقها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتّابع القبل (الغار) الكهف ويجمع على أغوار وغيران، وألفه منقلبة عن واو وغار حراء نقب في جبل ثور عن يمين مكة على مسيرة ساعة. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها. (ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ) ما اسم استفهام مبتدأ ولكم خبر وإذا طرف مستقبل متعلق باثاقلتم وقيل فعل ماض مبني للمجهول ولكم جار ومجرور متعلقان به وانفروا فعل أمر وفاعل والجملة مقول القول وفي سبيل الله متعلقان بانفروا وجملة اثاقلتم حال وإلى الأرض متعلقان باثاقلتم، والمعنى: أي شيء لكم من الأعذار حالة كونكم متثاقلين في وقت قول الرسول لكم انفروا أي اخرجوا الى الجهاد في سبيل الله وكان ذلك في غزوة تبوك في سنة تسع بعد رجوعهم من الطائف وقد استنفروا في وقت عسرة وقحط وقيظ مع بعد الشقة وتكالب العدو فشق عليهم. (أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ) الاستفهام للانكار والتوبيخ المقترنين بالتعجب ورضيتم فعل وفاعل وبالحياة جار ومجرور متعلقان برضيتم والدنيا صفة ومن الآخرة متعلقان بمحذوف حال أي بديلا

стр. 1775

من الآخرة. (فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) الفاء الفصيحة وما نافية ومتاع مبتدأ والحياة مضاف إليه والدنيا صفة وفي الآخرة متعلقان بمحذوف حال أي محسوبا في جنب الآخرة وإلا أداة حصر وقليل خبر متاع ويجوز تعليق في الآخرة بقليل وقد سمى الشهاب «في» الداخلة على الآخرة قياسية أي بالقياس الى الآخرة ولعمري ليس ببعيد. (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ) إن شرطية ولا نافية وتنفروا فعل الشرط ويعذبكم جوابه وعذابا مفعول مطلق وأليما صفة ويستبدل عطف على يعذبكم وقوما مفعول به وغيركم صفة ل «قوما» . (وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ولا تضروه عطف على يستبدل والواو فاعل والهاء مفعول به وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر والله مبتدأ وقدير خبره وعلى كل متعلقان بقدير. (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ) إن شرطية ولا نافية وقد أدغمتا كما تقدم وتنصروه فعل الشرط والفاء رابطة وجملة قد نصره الله جواب الشرط وقد علله الزمخشري تعليلا حسنا إذ قال: «فإن قلت كيف يكون قد نصره الله جوابا للشرط قلت فيه وجهان أحدهما إلا تنصروه في المستقبل فسينصر من نصره حين لم يكن معه إلا رجل واحد ولا أقل من الواحد فدل بقوله قد نصره الله على أنه ينصره في المستقبل كما نصره في ذلك الوقت، والثاني أنه أوجب له النصرة وجعله منصورا في ذلك الوقت فلن يخذل من بعده، واتفق المفسرون على أن الجواب محذوف لأن غزوة تبوك في التاسعة، وقوله إذ أخرجه الذين كفروا قبل ذلك بكثير وقالوا فقد نصره الله بمثابة تعليل للجواب المحذوف وهذا قريب من قول الزمخشري الأول. (إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ) الظرف متعلق بنصره الله وجملة أخرجه في محل جر باضافة الظرف إليها والذين فاعل وجملة كفروا صلة

стр. 1776

وثاني اثنين حال من الهاء في أخرجه والتقدير إذ أخرجه الذين كفروا حال كونه منفردا عن جميع الناس إلا أبا بكر، واثنين مضاف إليه وإذ بدل من إذ الأولى أي فيفرض زمن إخراجه ممتدا بحيث يصدق على زمن استقرارهما في الغار وزمن القول المذكور فهو بدل بعض من كل، وهما مبتدأ وفي الغار خبر والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها. (إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا) إذ بدل أيضا وجملة لا تحزن مقول القول وجملة إن الله معنا تعليلية وإن واسمها والظرف متعلق بمحذوف خبرها. (فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها) الفاء عاطفة وأنزل الله سكينته فعل وفاعل ومفعول به وعليه متعلقان بأنزل وأيده عطف على أنزل وبجنود جار ومجرور متعلقان بأيده وجملة لم تروها صفة لجنود (وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا) الواو عاطفة أيضا وجعل فعل ماض وفاعله مستتر يعود على الله وكلمة مفعول به والذين مضاف إليه وجملة كفروا صلة والسفلى مفعول به ثان لجعل وكلمة الواو حالية وكلمة الله مبتدأ وهي ضمير فصل أو مبتدأ والعليا خبر كلمة أو خبر هي والجملة خبر كلمة. (وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الله مبتدأ وعزيز حكيم خبراه. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤١ الى ٤٣] انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالاً وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤١) لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (٤٢) عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ (٤٣)

стр. 1777

اللغة: (خِفافاً وَثِقالًا) اختلفت عبارات المفسرين فيهما ولكنها ترجع الى منبع واحد، أي انفروا على الصفة التي يخفّ عليكم فيها الجهاد، وعلى الصفة التي يثقل عليكم فيها الجهاد، وهذان الوصفان من العموم والشمول بحيث تندرج تحتهما جميع الأقسام وستأتي قصة والي حمص في باب الفوائد. (عَرَضاً) العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها ومن أقوالهم: الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر. (قاصِداً) : السفر القاصد هو الوسط المقارب. (الشُّقَّةُ) : المسافة الشاطة الشاقة. الإعراب: (انْفِرُوا خِفافاً وَثِقالًا وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) انفروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وخفافا وثقالا حالان وجاهدوا عطف على انفروا وبأموالكم جار ومجرور متعلقان بجاهدوا وأنفسكم عطف على بأموالكم وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بجاهدوا أيضا. (ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) ذلكم مبتدأ أي المذكور من الأمرين وهما انفروا وجاهدوا وخير خبر ولكم

стр. 1778

متعلقان بخير وإن شرطية وكنتم فعل الشرط وجملة تعلمون خبر كنتم وجواب الشرط محذوف أي فجاهدوا أو فلا تثاقلوا. (لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ) لو شرطية امتناعية وكان عرضا كان واسمها مستتر تقديره الشأن أي ما دعوا إليه وعرضا خبرها، وسفرا قاصدا عطف عليه، لاتبعوك: اللام واقعة في جواب لو واتبعوك فعل وفاعل ومفعول به والجملة لا محل لها. (وَلكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ) الواو حالية ولكن حرف استدراك مهمل للتخفيف وبعدت عليهم الشقة فعل وفاعل وعليهم متعلقان ببعدت والجملة حالية. (وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ) الواو استئنافية والسين للاستقبال وبالله متعلقان بيحلفون وجملة لو استطعنا جواب القسم وجملة لخرجنا جواب لو ولك أن تجعل جملة لو استطعنا مقول قول محذوف منصوب على الحال أي قائلين فتكون لخرجنا سادّة مسد القسم والشرط جميعا ومعكم ظرف متعلق بخرجنا. (يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ) جملة يهلكون أنفسهم بدل من سيحلفون أو حال أي مهلكين وأنفسهم مفعول به والله مبتدأ وجملة يعلم خبر وان واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي يعلم. (عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ) جملة دعائية قدم «عفا» فيها في معرض المعاتبة تليينا لقلب الرسول ورأفة به وقد أخطأ الزمخشري إذ فسره بقوله: أخطأت وبئس ما فعلت، ولقد أحسن من قال في هذه الآية إن من لطف الله تعالى بنبيه أن بدأه بالعفو قبل العتب ولو قال له ابتداء لم أذنت لهم لتفطر قلبه. ولم: اللام حرف جر دخل على ما الاستفهامية فحذف ألفها وقد تقدم حكمها وكلتا اللامين متعلقة بالإذن لاختلافهما في المعنى، فالأولى للتعليل والثانية للتبليغ والضمير المجرور لجمع المستأذنين وتوجيه الإنكار الى الإذن لشموله الجميع. (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ) حتى حرف

стр. 1779

غاية وجر أي الى أن يتبين لك من صدق في عذره ممن كذب فيه ولك متعلقان بيتبين والذين فاعل وجملة صدقوا صلة وتعلم عطف على يتبين والكاذبين مفعول به. الفوائد: قصة والي حمص والدمشقي: ونروي بصدد الجهاد والدعوة الى الاستنفار القصة الرائعة التالية ونكتفي بها لأن مباحث الجهاد والاستنفار مبسوطة في المطولات: فعن صفوان بن عمر قال: كنت واليا على حمص فلقيت شيخا كبيرا قد سقط حاجباه من أهل دمشق على راحلته يريد الغزو فقلت: يا عم لقد أعذر الله إليك فرفع حاجبيه وقال: يا ابن أخي استنفرنا الله خفافا وثقالا، إلا أن من يحبه الله يبتليه. تكثير السواد وحفظ المتاع: وعن الزهري: خرج سعيد بن المسيب الى الغزو وقد ذهبت إحدى عينيه فقيل له: انك عليل صاحب ضرر فقال: استنفرنا الله الخفيف والثقيل فإن لم يمكني الحرب كثرت السواد وحفظت المتاع. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٤ الى ٤٧] لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥) وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ (٤٦) لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلاَّ خَبالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٤٧)

стр. 1780

اللغة: (وَلَأَوْضَعُوا) أي لسعوا بينكم بالنمائم وإفساد ذات البين، وأصل الإيضاع الإسراع. الإعراب: (لا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الجملة استئنافية مسوقة لتقرير ما يستدل منه على أن المؤمنين ليس من عادتهم أن يستأذنوك في أن يجاهدوا ويستأذنك فعل مضارع ومفعول به والذين فاعل وجملة يؤمنون صلة وبالله جار ومجرور متعلقان بيؤمنون واليوم الآخر معطوف على الله. (أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ) أن وما في حيزها منصوب بنزع الخافض أي في الجهاد وهو متعلق بيستأذنك وبأموالهم جار ومجرور متعلقان بيجاهدوا وأنفسهم عطف على أموالهم والله مبتدأو عليم خبر وبالمتقين متعلقان بعليم.

стр. 1781

(إِنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إنما كافة ومكفوفة وما بعده تقدم إعرابه والمعنى إن الذين يستأذنون هم المترددون المتحيرون، أما المستبصرون المؤمنون فهم مستقرون على ما عزموا عليه وما هو واجب عليهم، وهذا من أرقى أفانين الأدب الواجبة الاحتذاء، فانه لا يليق بالمرء أن يستأذن أخاه في أن يسدي إليه معروفا كما لا يليق بالمضيف أن يستأذن ضيفه في أن يقدم إليه، فإن الاستئذان في هذا الموطن دليل التكلف، وخليق بذوي المروءة وأرباب الفتوة أن لا يتثاقلوا إذا ندبوا الى أمر جدير بالمروءة قال طرفة: إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أكسل ولم أتبلد وقال آخر: إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا وأشعارهم طافحة بذلك. (وَارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ) عطف على لا يؤمنون وارتابت قلوبهم فعل وفاعل أي شكت في الدين، فهم الفاء عاطفة وهم مبتدأ وفي ريبهم جار ومجرور متعلقان بيترددون وجملة يترددون خبر. (وَلَوْ أَرادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً) كلام معطوف أيضا ولك أن تجعله مستأنفا ولو شرطية وأرادوا الخروج فعل وفاعل ومفعول به واللام واقعة في جواب لو وأعدوا فعل وفاعل وله متعلقان بأعدوا وعدة مفعول به. (وَلكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعاثَهُمْ) الواو عاطفة على محذوف كأنه

стр. 1782

قيل ما خرجوا ولكن كره الله انبعاثهم. (فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقاعِدِينَ) الفاء عاطفة وثبطهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وقيل فعل ماض مبني للمجهول لأن القائل محتمل أن يكون عائدا الى الله ويحتمل أن يكون عائدا الى ما ركز في أنفسهم من الشقاء وسوء المصير واقعدوا فعل أمر وفاعل ومع ظرف متعلق باقعدوا والقاعدين مضاف إليه وسيرد في باب البلاغة سر قوله مع القاعدين. (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ ما زادُوكُمْ إِلَّا خَبالًا) كلام مستأنف مسوق لتقرير المفاسد المترتبة على خروجهم وخرجوا فعل وفاعل وفيكم متعلقان بخرجوا وجملة ما زادوكم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وزادوكم فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر وخبالا مفعول به ثان والاستثناء هنا متصل لا منقطع لأن الاستثناء المنقطع هو أن بكون المستثنى من غير جنس المستثنى منه كقولك: ما زادوكم خيرا إلا خبالا والمستثنى منه غير مذكور في الآية وإذا لم يذكر وقع الاستثناء من أعم العام الذي هو الشيء فكان استثناء متصلا لأن الخبال بعض أعمّ العام كأنه قيل ما زادوكم شيئا إلا خبالا، والخبال الفساد والشر وذلك بتخذيل المؤمنين وإدخال الوهن في قلوبهم. (وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ) ولأوضعوا معطوف على ما زادوكم واللام واقعة في جواب لو وخلالكم منصوب على الظرفية ومتعلق بأوضعوا أي سعوا بينكم بالنمائم والإغراء، وجملة يبغونكم حال من فاعل أوضعوا أي لأسرعوا فيما بينكم باغين فتنتكم، والفتنة مفعول يبغونكم والكاف منصوب بنزع الخافض أي يبغون لكم الفتنة. (وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) الواو للحال وفيكم خبر مقدم وسماعون مبتدأ مؤخر ولهم متعلقان بسماعون والمعنى وفيكم عيون لهم يتجسسون عليكم وينقلون إليهم أخباركم ويكشفون لهم خططكم، والله مبتدأ وعليم خبر وبالظالمين متعلق بعليم.

стр. 1783

البلاغة: في الآية التميم بذكر مع القاعدين وعدم الاكتفاء بذكر اقعدوا، لأنه لو اقتصر على الأمر لم يفد سوى القعود، ولكنه أراد أن ينظمهم في سلك الزمنى والمرضى وأصحاب العاهات والمعتوهين والنساء والصبيان الذين من شأنهم الجثوم في البيوت بأنهم الموصوفون عند الناس بالتخلف والتقاعد والموسومون بسمة التلكؤ والجبانة. وسيرد المزيد من هذا الفن العجيب. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٤٨ الى ٥١] لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ (٤٨) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠) قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلاَّ ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا هُوَ مَوْلانا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١) الإعراب: (لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ) اللام جواب لقسم

стр. 1784

محذوف وابتغوا الفتنة فعل وفاعل ومفعول به ومن قبل متعلقان بابتغوا وبنيت على الضم لقطعها عن الإضافة لفظا لا معنى أي من قبل غزوة تبوك، وقلبوا لك الأمور: عطف على ما سبقه وتقليب الإمر تصريفه على أوجه شتى لتدبير الحيلة والمكيدة، ويقال للرجل المتصرف في وجوه الحيل: حول وقلب. (حَتَّى جاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كارِهُونَ) حتى حرف غاية وجر أي واستمروا على تقليب الأمور وحوك الدسائس وتبييت المكائد، وجاء الحق فعل وفاعل وظهر أمر الله فعل وفاعل أيضا وهم كارهون الواو للحال وهم كارهون مبتدأ وخبر والجملة نصب على الحال. (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي) الواو عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن موصول مبتدأ مؤخر وجملة يقول صلة وائذن فعل أمر ولي جار ومجرور متعلقان به والواو عاطفة ولا ناهية وتفتني مجزوم بلا والنون للوقاية والياء مفعول به. (أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا) ألا أداة تنبيه وفي الفتنة متعلقان بسقطوا وجمع الضمير والقائل واحد مراعاة للمعنى. (وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة ومحيطة خبر إن وبالكافرين متعلقان بمحيطة، والكلام معطوف على الجملة السابقة داخل في نطاق التنبيه. (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ) إن شرطية وتصبك فعل الشرط والكاف مفعول به وحسنة فاعل وتسؤهم جواب الشرط. (وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنا أَمْرَنا مِنْ قَبْلُ) عطف على ما تقدم ومعنى أخذنا أمرنا أي تلافينا وتفادينا كل خطأ وأخذنا بأسباب الحيطة والحذر والتوقي والحزم. (وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ) ويتولوا عطف على يقولوا أي ويعرضوا عن مجلس النبي والواو للحال وهم فرحون مبتدأ وخبر والجملة الاسمية حالية من الضميرين في يقولوا ويتولوا لا من الأخير فقط لمقارنة الفرح لهما معا. (قُلْ لَنْ يُصِيبَنا إِلَّا ما كَتَبَ اللَّهُ لَنا) جملة لن يصيبنا مقول القول وإلا أداة حصر وما فاعل وجملة كتب الله

стр. 1785

لنا صلة أي قل لهم ذلك للإطاحة بما بنوا عليه مسرتهم وغبطتهم من اعتقاد مزيف (هُوَ مَوْلانا) مبتدأ وخبر، والجملة حال من الله (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) الفاء للتعليل وعلى الله جار ومجرور متعلقان بيتوكل واللام لام الأمر ويتوكل مجزوم باللام والمتوكلون فاعل. البلاغة: المجاز المرسل في قوله تعالى «ألا في الفتنة سقطوا» والعلاقة الحالية أي في جهنم فأطلق الحال وأريد المحل لأن الفتنة لا يسقط فيها الإنسان لأنها معنى من المعاني وإنما يحل في مكانها فاستعمال الفتنة في مكانها مجاز أطلق فيه الحالّ وأريد المحل. الفوائد: روى التاريخ أن النبي ﷺ لما تجهز الى غزوة تبوك قال للجد بن قيس: يا أبا وهب هل لك في جلاد بني الأصفر، وهم ملوك الروم، فقال الجد: قد علمت الأنصار أني مستهتر بالنساء فلا تفتني ببنات الأصفر يعني نساء الروم، ولكن أعينك بمالي فاتركني. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٢ الى ٥٤] قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلاَّ إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢) قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ (٥٣) وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسالى وَلا يُنْفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كارِهُونَ (٥٤)

стр. 1786

الإعراب: (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) هل حرف استفهام وتربصون فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه أي تنتظرون وبنا متعلقان بتربصون وإلا أداة حصر وإحدى الحسنيين مفعول به. (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينا) الواو عاطفة أو حالية ونحن مبتدأ وجملة نتربص خبر وبكم متعلقان بنتربص وأن وما في حيزها مفعول به والله فاعل وبعذاب متعلقان بيصيبكم ومن عنده صفة لعذاب أو بأيدنيا عطف على من عنده أي بعذاب بأيدينا. (فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ) الفاء الفصيحة وتربصوا فعل أمر أي إذا أردتم أن تعلموا النتائج وما يلقاه كل منا ومنكم فتربصوا وإن واسمها ومعكم ظرف متعلق بمتربصون ومتربصون خبر إنا. (قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً) جملة أنفقوا مقول القول والواو فاعل وطوعا وكرها مصدر ان نصبا على الحال أي طائعين أو مكرهين. (لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْماً فاسِقِينَ) لن حرف نفي ونصب واستقبال ويتقبل بالبناء للمجهول مضارع منصوب بلن ومنكم متعلقان بيتقبل وان واسمها وجملة كنتم قوما من كان واسمها وخبرها خبر إن وفاسقين صفة قوما (وَما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ) الواو عاطفة وما نافية، منعهم فعل ومفعول به وأن تقبل أن وما في حيزها مفعول منع

стр. 1787

الثاني ومنهم متعلقان بتقبل ونفقاتهم نائب فاعل وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها فاعل منع أي ما منعهم قبول نفقاتهم شيء من الأشياء إلا كفرهم وما عطف عليه. (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسالى) الواو عاطفة ولا نافية ويأتون الصلاة فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر وهم كسالى مبتدأ وخبر والواو للحال والجملة حالية. (وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كارِهُونَ) عطف على ما تقدم. البلاغة: فن التعطف أو المشاركة: وهو أن يعلق المتكلم لفظة من الكلام بمعنى، ثم يردها بعينها ويعلقها بمعنى آخر، وهما مفترقتان كل لفظة منهما في طرف من الكلام وهو في قوله تعالى: «قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده فتربصوا إنا معكم متربصون» فقد أتى التعطف من صدر الآية في قوله: «تربصون بنا» ومن عجزها في قوله: «فتربصوا إنا معكم متربصون» مع تجنيس الازدواج ووقع مع التعطف مقابلة معنوية خرج الكلام فيها مخرج إيجاز الحذف فإن مقتضى البلاغة أن يكون تقدير ترتيب اللفظ قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين: أن يصيبنا الله بعذاب من عنده أو بأيديكم ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، فحذف لتوخي الإيجاز تفسير الحسنيين من الجملة الأولى، وأثبت في الجملة الثانية فرارا من تكرار اللفظ وتكثيره، كما حذف الحسنيين من الجملة الثانية استغناء بذكرها أولا، فحصل في الآية

стр. 1788

التعطف والمقابلة والإيجاز والتفسير فاكتملت فيها أربعة أضرب من البديع وهذا هو السحر الحلال، وإن من البيان لسحرا. [سورة التوبة (٩) : الآيات ٥٥ الى ٦٠] فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ (٥٥) وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلاً لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧) وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ (٥٨) وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ وَالْمَساكِينِ وَالْعامِلِينَ عَلَيْها وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقابِ وَالْغارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠) اللغة: (تُعْجِبْكَ) الإعجاب بالشيء أن يسرّ به سرور راض به متعجب

стр. 1789

من حسنة. والمعنى فلا تستحسن ولا يستهويك ما أوتوا من زينة الدنيا وبهارجها، وفي المصباح: ويستعمل التعجب على وجهين: أحدهما ما يحمده الفاعل ومعناه الاستحسان والإخبار عن رضاه به، والثاني ما يكرهه ومعناه الإنكار والذم له، ففي الاستحسان يقال: أعجبني، وفي الذم والإنكار: عجبت وزان تعبت. (يَفْرَقُونَ) يخافون، وفي المختار: فرق فرقا من باب تعب خاف ويتعدى بالهمزة فيقال أفرقته. (مَغاراتٍ) جمع مغارة وهي المكان المنخفض في الأرض أو في الجبل. والغور بالفتح من كل شيء قعره، والغور المطمئن في الأرض، وغار الرجل غورا أتى الغور وهو المنخفض من الأرض، وأغار بالألف مثله، والغار والمغار والمغارة كالكهف في الجبل، والكهف كالبيت في الجبل والجمع كهوف، ثم انظر الى الدقة في الترتيب مما يتناهى فيه نظم الكلام الى أسمى الحدود، ذكر أولا الأمر الأعم وهو الملجأ من أي نوع كان ثم ذكر الغيران التي يختفى فيها في أعلى الأماكن وهي الجبال، ثم الأماكن التي يختفى فيها في الأماكن السافلة وهي التي عبر عنها بالمدخل. (يَجْمَحُونَ) يسرعون إسراعا لا يردهم شيء، من الفرس الجموح وهو الذي إذا حمل لم يرده اللجام، وفي المصباح: جمح الفرس براكبه يجمح بفتحتين من باب خضع جماحا بالكسر وجموحا استعصى حتى غلبه فهو جموح بالفتح وجامح يستوي فيه المذكر والمؤنث. (يَلْمِزُكَ) يعيبك في قسمة الصدقات ويطعن عليك وفي المصباح: «لمزه لمزا من باب ضرب عابه وقرأ بها السبعة، ومن باب قتل لغة، وأصله الإشارة بالعين ونحوها» فهو أخص من الغمز إذ هو الإشارة

стр. 1790

بالعين ونحوها سواء أكان على وجه الاستنقاص أولا، وأما اللمز فهو خاص بكونه على وجه العيب، وفي المصباح: غمزه غمزا من باب ضرب أشار اليه بعين أو حاجب. الإعراب: (فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ) الفاء عاطفة وسيأتي سر استعمالها ولا ناهية وتعجبك مضارع مجزوم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره أنت، والخطاب وإن كان منصرفا الى النبي ﷺ إلا أن المراد به جميع المؤمنين، وأموالهم فاعل ولا أولادهم عطف عليه (إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِها فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) إنما كافة ومكفوفة ويريد الله فعل مضارع وفاعل واللام للتعليل ويعذبهم منصوب بأن مضمرة وأورد اللام للتقوية والأصل يريد أن يعذبهم، وبها متعلقان بيعذبهم وفي الحياة الدنيا حال. (وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كافِرُونَ) عطف «تزهق» على «ليعذبهم» وأنفسهم فاعل والواو حالية وهم مبتدأ وكافرون خبر. (وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَما هُمْ مِنْكُمْ) الواو استئنافية ويحلفون فعل مضارع وفاعل وبالله جار ومجرور متعلقان بيحلفون وإن واسمها واللام المزحلقة ومنكم خبرها والواو للحال وما نافية حجازية وهم اسمها ومنكم خبرها والجملة حالية (وَلكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ) الواو عاطفة ولكن واسمها وقوم خبرها وجملة يفرقون صفة. (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغاراتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) لو شرطية ويجدون ملجأ فعل مضارع وفاعل ومفعول به أو مغارات أو مدخلا معطوفان على ملجأ. لولوا اللام واقعة في جواب لو وإليه
следующие страницы →