Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
اللغة:
(أُمُّ الْكِتابِ) : أصله الذي يرتد إليه فكل كائن مكتوب فيه والأم أصل الشيء والعرب تسمي كل ما يجري مجرى الأصل للشيء أمّا له ومنه أم الرأس للدماغ وأم القرى لمكة.
(مُعَقِّبَ) : المعقب في الأصل هو الذي يتعقب الشيء بالابطال ومنه قيل الحق معقب لأنه يتعقب غريمه بالطلب والمعقب هو الذي يكر على الشيء فيبطله.
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ) الواو للاستئناف والجملة مستأنفة مسوقة لابطال الشبهات التي كانوا يوردونها لابطال النبوة وقد أنهاها المفسرون إلى ست شبهات ويمكن الرجوع إليها في المطولات واللام مواطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ورسلا مفعول به ومن قبلك متعلقان بأرسلنا. (وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً) وجعلنا فعل وفاعل ولهم في موضع المفعول الثاني وأزواجا هو المفعول الأول وذرية عطف على أزواجا وهذا إبطال للشبهة الأولى من شبهاتهم وهي قولهم: لو كان رسولا من عند الله لما اشتغل بالنسوة ولما انهمك في تعدد الزوجات ولا نصرف الى النسك والزهادة فأجاب بأن الرسل الذين سبقوك كانت لهم زوجات كثيرة فلم يقدح ذلك في نبوتهم.
стр. 2312
(وَما كانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص ولرسول خبر كان المقدم وأن وما في حيزها اسمها المؤخر وبآية جار ومجرور متعلقان بيأتي وإلا أداة حصر وبإذن الله استثناء من أعم الأحوال فالجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال. (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ) لكل خبر مقدم وأجل مضاف اليه وكتاب مبتدأ مؤخر. (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ) يمحو الله فعل مضارع وفاعل وما مفعول به وجملة يشاء صلة ويثبت عطف على يمحو وعنده الظرف خبر مقدم وأم مبتدأ مؤخر والكتاب مضاف وهذا رد على شبهة ثانية كانوا يوردونها تعطيلا وإرجافا وهي أن محمدا يأمر أصحابه اليوم بأمر كاستقبال بيت المقدس ثم يأمرهم في الغد بخلافه كاستقبال الكعبة فرد عليهم مفندا شبهتهم بأنه سبحانه إنما شرع الشرائع كلها لإصلاح أحوالهم ورأب صدوعهم واختيار الأنفع لهم ولكنهم معطلة لا يأبهون لصلاح أمورهم ومقتضيات أحوالهم. (وَإِنْ ما نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسابُ) الواو عاطفة وإن الشرطية أدغمت بما الزائدة ونرينك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبعض مفعول به ثان والذي مضاف اليه وجملة نعدهم صلة الذي وأو حرف عطف ونتوفينك عطف على نرينك ويقدر المعربون جواب الشرط محذوفا أي فذلك شافيك ودليل صدقك ويعربون الفاء في قوله فإنما للتعليل لهذا المحذوف ولا داعي لهذا التكلف بل الأسهل أن يكون قوله فانما هو الجواب وتقدير الكلام ومهما يكن من أمر وكيفما دارت الأحوال وإن أريناك مصارعهم وأنزلنا بهم ما أوعدناهم به من عذاب أو توفيناك قبل أن ترى شيئا من ذلك فما يترتب عليك وليس قصاراك إلا تبليغ الرسالة فحسب. وإنما كافة ومكفوفة وعليك خبر مقدم والبلاغ مبتدأ مؤخر وعلينا خبر مقدم
стр. 2313
والحساب مبتدأ مؤخر. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على محذوف- كما تقدم- تقديره أأنكروا نزول ما أوعدناهم وشكوا في ذلك وامتروا فيه ألم ينظروا في ذلك؟ ألم يروا؟ ألم تكن لهم في تلك المشاهد الكافية والدلائل الوافية عبرة لهم؟ ولم حرف نفي وقلب وجزم وأن واسمها سدت مسد مفعولي يروا وجملة نأتي خبر أن وفاعل نأتي مستتر تقديره نحن والأرض مفعول به وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين. (وَاللَّهُ يَحْكُمُ) لفظ الجلالة مبتدأ وجملة يحكم خبر. (لا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسابِ) لا نافية للجنس ومعقب اسمها المبني على الفتح ولحكمه خبر لا وهو الواو عاطفة وهو مبتدأ وسريع الحساب خبر هو وجملة لا معقب لحكمه حال أيضا من فاعل نأتي على الالتفات كأنه قيل والله يحكم نافذا حكمه وستأتي الفائدة من الالتفات في باب البلاغة. (وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعاً) الواو استئنافية وقد حرف تحقيق وجملة مكر الذين من قبلهم استئنافية مسوقة لتسليته ﷺ وقد مر بحث اسناد المكر الى الله كثيرا فعرج عليه، فلله المكر الفاء عاطفة على محذوف بمثابة التعليل أي فلا تأبه لمكرهم ولا تخش ضيرا منه فحذف هذا اكتفاء
بدلالة القصر المستفاد من التعليل، والله خبر مقدم والمكر مبتدأ مؤخر وجميعا حال وشتان بين مكرهم ومكره. (يَعْلَمُ ما تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ) الجملة تفسير لقوله فلله المكر جميعا ويعلم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة تكسب صلة وكل نفس فاعل.
(وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ) السين للاستقبال ويعلم الكفار وفي قراءة الكافر فعل وفاعل ولمن اللام حرف جر ومن اسم استفهام في محل
стр. 2314
جر باللام والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وعقبى الدار مبتدأ مؤخر. (وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا) الجملة مستأنفة مسوقة لاجمال الشبهات الست التي أوردوها والتي تنتهي في اعتقادهم الى هذه النتيجة وهي إبطال رسالته ﷺ وجملة لست مرسلا مقول قولهم وهو مجمل شبهاتهم وليس واسمها وخبرها.
(قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ) كفى فعل ماض تقدم بحثه مستوفى وبالله الباء حرف جر زائد ولفظ الجلالة مجرور لفظا مرفوع محلا وشهيدا تمييز وبيني وبينكم ظرفان متعلقان بشهيدا ومن عطف على الله وعنده الظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وعلم الكتاب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة من.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها والله يحكم لا معقب في حكمه» التفات بليغ، وقد سبق ذكر الالتفات مشفوعا بالأمثلة والشواهد ونزيده هنا بسطا بصدد ما يتعلق بالآية فتقول: الرجوع عن خطاب النفس الى الغيبة في الآية وبناء الحكم على الاسم الجليل ينطوي على أعظم الأسرار وأبهرها فإنه لما أبرز الكلام لهم في معرض المناصحة المشوبة بالتحذير كان لا بد أن يتوجه إليهم بالخطاب ليريهم مكان القوة والعظمة لديه، عاد الى تصوير الفخامة والمهابة، وتحقيق مضمون الخبر بالاشارة الى العلة التي هي السبب في إتيان الأرض وانتقاص أطرافها وإدالة الأمر من قوم لقوم، ونقل السيطرة من الظالمين بالأمس الى المظلومين ومن الغالبين بالأمس الى المغلوبين وهذه الفخمية لا تتأتى إلا بإيراد الكلام في معرض الغيبة فقال ملتفتا والله يحكم في خلقه بما يشاء لا راد لحكمه ثم أردف ذلك بقوله لا معقب
стр. 2315
لحكمه ولا مبطل لمشيئته وثلث بقوله وهو سريع الحساب فكل شيء محسوب لديه وعما قليل يحاسبهم في الآخرة بعد عذاب الدنيا وستأتي شواهد بديعة من هذا الفن الرفيع.
٢- الاستخدام:
وفي قوله «لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب» فن رفيع من فنون البلاغة أطلق عليه علماء هذا الفن اسم:
«فن الاستخدام» وعزفوه بتعريفات لا تخلو من غموض وسنحاول بسط ما أجملوه فأما تعريفه كما أورده ابن أبي الإصبع وابن منقذ وصاحب نهاية الأرب فهو: أن يأتي المتكلم بلفظة لها محملان ثم يأتي بلفظتين تتوسط تلك اللفظة بينهما وتستخدم كل لفظة منهما أحد محملي اللفظة المتوسطة، ففي الآية المذكورة لفظة «كتاب» تحتمل الأمد المحتوم بدليل قوله تعالى في البقرة «حتى يبلغ الكتاب أجله» أي حتى يبلغ الكتاب أمده أي أمد العدة وأجله منتهاه والكتاب المكتوب وقد توسطت لفظه كتاب بين لفظتي «أجل» و «يمحو» فاستخدمت لفظة أجل أحد مفهوميها وهو الأمد واستخدمت لفظة يمحو مفهومها الآخر وهو المكتوب فيكون التقدير على ذلك لكل حد مؤقت مكتوب يمحي ويثبت.
وهنالك تعريف آخر يتمشى على طريقة صاحب الإيضاح ومشى عليه كثير من الناس وهو أن الاستخدام اطلاق لفظ مشترك بين معنيين فتريد بذلك اللفظ أحد المعنيين ثم تعيد عليه ضميرا تريد به المعنى الآخر أو تعيد عليه إن شئت ضميرين تريد بأحدهما أحد المعنيين وبالآخر المعنى الآخر ومثال هذا النوع قول القائل:
стр. 2316
إذا نزل السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا
فلفظة السماء يراد بها المطر وهو أحد المعنيين والضمير في رعيناه يراد به المعنى الآخر وهو النبات وأما شاهد الضميرين فمثاله قول البحتري:
فسقى الغضا والساكنيه وان هم ... شبّوه بين جوانحي وضلوعي
فإن لفظة الغضا محتملة الموضع والشجر والسقيا صالحة لكل منهما فلما قال والساكنيه أحد معنى اللفظة وهو الموضع بدلالة القرينة عليه ولما قال شبوه استعمل المعنى الآخر وهو الشجر بدلالة القرينة عليه، وقد أورد الشيخ عز الدين الموصلي في شرح بديعيته نقدا حسنا لبيت البحتري فقد قال: «شرط علماء البديع أن يكون اشتراك لفظة الاستخدام اشتراكا أصليا والنظر هنا في اشتراك لفظة الغضا فإنه ليس بأصلي لأن أحد المعنيين منقول من الآخر والغضا في الحقيقة الشجر وسموا الوادي غضا لكثرة نبته فيه وقالوا جمر الغضا لقوة ناره فكل منقول من أصل واحد.
ومن الاستخدام قول أبي العلاء في داليته الشهيرة:
قصد الدهر من أبي حمزة الأ ... واب مولى حجا وخدن اقتصاد
وفقيها أفكاره شدن للنعمان ما لم يشده شعر زياد فالنعمان يحتمل هنا أبا حنيفة ﵀ ويحتمل النعمان بن المنذر وقد أراد أبو العلاء بلفظ النعمان أبا حنيفة بدليل قوله وفقيها وأراد
стр. 2317
بالضمير المحذوف النعمان بن المنذر ملك الحيرة بدليل زياد وهو النابغة وكان معروفا بمدح النعمان بن المنذر وقد انتقدوه أيضا لأن ضمير يشده لم يعد على واحد منهما لأن شرط الضمير في الاستخدام أن يكون عائدا على اللفظة المشتركة ليستخدم بها معناها الآخر كما قال البحتري في شبوه فهذا الضمير عائد على الغضا وهذا قد جعل الضمير في يشده غير عائد على اللفظة المشتركة التي هي النعمان فصار طيب الذكر الذي شيده زياد لا يعلم لمن هو لأن الضمير لا يعود على النعمان.
стр. 2318
(١٤) سورة ابراهيم مكيّة وآياتها ثنتان وخمسون
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١ الى ٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (١) اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ (٢) الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ (٣) وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤)
الإعراب:
(الر كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) الر تقدم إعرابها وكتاب خبر مبتدأ محذوف أي هذا كتاب وجملة أنزلناه صفة وإليك متعلقان بأنزلناه واللام لام التعليل وتخرج فعل
стр. 2319
مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والناس مفعول به ومن الظلمات متعلقان بتخرج والى النور متعلقان بتخرج أيضا. (بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) بإذن متعلقان بمحذوف حال أي حال كونك مأذونا من ربك وربهم مضاف اليه والى صراط بدل من قوله الى النور باعادة العامل والعزيز مضاف اليه والحميد صفة. (اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الله بالجر بدل أو عطف بيان للعزيز الحميد وقرىء بالرفع على أنه خير لمبتدأ محذوف أي هو الله المتصف بملك ما في السموات وما في الأرض، والذي صفته وله خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر والجملة صلة الذي وفي السموات صلة ما وما في الأرض عطف على ما في السموات. (وَوَيْلٌ لِلْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ شَدِيدٍ) ويل مبتدأ سوغ الابتداء به قصد الدعاء على الكافرين وسيأتي مزيد بحث عن هذه الكلمة في باب الفوائد والجملة دعائية لا محل لها وللكافرين خبر ومن عذاب نعت لويل أو متعلقان بويل فعلى الأول تكون من بيانية وعلى الثاني تكون للتعدية وشديد صفة وفي تفسير أبي السعود: ومن عذاب شديد متعلقان بويل على معنى يولولون ويضجون منه قائلين يا ويلاه كقوله دعوا هنالك ثبورا، ومنع أبو حيان تعليقها بويل قال: «ومن عذاب شديد في موضع الصفة لويل ولا يضير الفصل بالخبر بين الصفة والموصوف ولا يجوز أن يكون متعلقا بويل لأنه مصدر ولا يجوز الفصل بين المصدر وما يتعلق به الخبر. (الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَياةَ الدُّنْيا عَلَى الْآخِرَةِ) الذين نعت للكافرين أو مبتدأ خبره جملة أولئك في ضلال بعيد الآتية أو خبر لمبتدأ محذوف أي هم الذين يستحبون وجميع هذه الأوجه متساوية في الأرجحية فلذلك ذكرناها وجملة يستحبون صلة والحياة مفعول به والدنيا صفة وعلى الآخرة متعلقان بيستحبون، لأنها بمعنى
стр. 2320
الإيثار والاختيار وهي استفعال من المحبة لأن المؤثر للشيء على غيره كأنه يطلب من نفسه أن يكون أحبّ إليها وأفضل عندها من الآخر.
(وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَها عِوَجاً) ويصدون عطف على يستحبون وعن سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيصدون ويبغونها عطف على يصدون ويبغون فعل وفاعل والهاء نصب بنزع الخافض أي يبغون لها وعوجا مفعول به. (أُولئِكَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ) اسم الاشارة مبتدأ وفي ضلال خبره وبعيد صفة لضلال وفي جعل الضلال ظرفا فن بلاغي سنعرض له في باب البلاغة. (وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لبيان وسيلة المخاطبة التي يظطلع بها كل رسول لأمته وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن زائدة ورسول مجرور لفظا منصوب على المفعولية محلا وإلا أداة حصر وبلسان قومه حال أي ملتبسا بلسان قومه فهو استثناء من أعم الأحوال وليبين اللام للتعليل ويبين مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل ولهم متعلقان بيبين. (فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الفاء استئنافية ويضل مرفوع على الاستئناف ولا يجوز عطفه على يبين كما يتوهم لأن المعطوف كالمعطوف عليه في المعنى والرسل أرسلت للبيان لا للإضلال، قال الفراء: إذا ذكر فعل وبعده فعل آخر فإن لم يكن النسق مشاكلا للأول فالرفع على الاستئناف هو الوجه، على أن الزجاج قال: «ولو قرىء بنصبه على أن اللام لام العاقبة جاز» ويضل الله فعل مضارع وفاعل ومن مفعول به ويشاء صلة ويهدي من يشاء عطف على يضل الله من يشاء. (وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) هو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان.
стр. 2321
البلاغة:
انطوت هذه الآيات الأربع على فنون من البلاغة نوجزها فيما يلي:
١- الظلمات والنور استعارتان تصريحيتان للضلال والهدى وقد تقدم نظائرها فلا حاجة للاعادة.
٢- في اسناد البعد الى الضلال مجاز عقلي لأن البعد في الحقيقة الضال لأنه هو الذي يتباعد عن الطريق فوصف به فعله كما تقول جد جده وداهية دهياء.
٣- في جعل الضلال ظرفا مجاز أيضا كأنه قد أحاط بهم وجلببهم بسوادة فهم منغمسون فيه الى الأذقان يتخبطون في متاهاته ويتعسفون في ظلماته.
٤- في جعل اللسان لغة مجاز علاقته السببية لأنه آلة النطق لأن معنى بلسان قومه: بلغة قومه واللسن واللسان كالريش والرياش وسيأتي في باب الفوائد تفصيل مسهب عن لغة القرآن واللهجات السبع التي قرىء بها. ووحد اللسان لأن المراد اللغة، وقد قيل في هذه الآية إشكال لأن النبي ﷺ أرسل الى الناس جميعا ولغاتهم متباينة وألسنتهم مختلفة وأجيب بأنه إن كان ﷺ مرسلا الى الناس كافة لكن لما كان قومه العرب وكانوا أخص به وأقرب اليه كان إرساله بلسانهم أولى من إرساله بلسان غيرهم وهم يبينونه لمن كان على غير لسانهم ويوضحونه حتى يصير فاهما له كفهمهم إياه ولو نزل القرآن بجميع لغات من أرسل إليهم وبينه رسول الله ﷺ لكل قوم بلسانهم لكان ذلك مظنة للاختلاف وفتحا لباب التنازع على
стр. 2322
مصراعيه لأن كل أمة قد تدعي من المعاني في لسانها مالا يعرفه غيرها، وربما كان أيضا مفضيا الى التحريف والتصحيف بسبب الدعاوى الباطلة التي يقع فيها المتعصبون.
٥- الطباق بين يضل ويهدي وجميع هذه الفنون تقدم بحثها في مظانها.
الفوائد:
في هذه الآيات من الفوائد ما يستوعب الاجلاد ولكننا جريا على نهج الكتاب سنجتزىء بما لا بد من ذكره فيما يلي:
١- (وَيْلٌ) :
كلمة وعيد وتهديد وهو نقيض الوأل أي النجاة اسم بمعنى الهلاك إلا أنه لا يشتق منه فعل إنما يقال ويلا له فينصب نصب المصادر ثم يرفع رفعها لإفادة معنى الثبات فيقال ويل له كسلام عليك وفي المختار الوائل الملجأ وقد وأل اليه أي لجأ وبابه وعد وءولا بوزن وجود، وويل زيد وويحه منصوبان على المصدرية وقيل ويل كلمة عذاب وويح كلمة ترحّم.
٢- لغة القرآن ورأي الدكتور طه حسين:
لغة القرآن:
علم قائم بذاته ويظهر أن الحديث الشريف «نزل القرآن على سبعة أحرف» كان سببا في نشوء هذا العلم من علوم القرآن وأحدث الدراسات فيه وأقومها ما قرره الدكتور طه حسين في كتابه الأدب
стр. 2323
الجاهلي وفيما يلي خلاصة هذا البحث القيم: يثبت الدكتور طه أن هنالك خلافا جوهريا بين اللغة التي يصطنعها الناس في جنوب البلاد العربية واللغة التي كانوا يصطنعها في شمال هذه البلاد وينتهي من إثبات ذلك الى القول بأن القدماء المحدثين مضطربون في تحديد ما ينبغي أن يفهم من لفظ العرب وفي تحديد ما ينبغي أن يفهم من لفظ اللغة العربية وهذا الاضطراب ليس من شأنه أن يعين على التحقيق العلمي ثم يمضي الأستاذ في ذكر الفروق بين لغة عرب الجنوب وعرب الشمال ويورد بعض النصوص التي كشفها الأستاذ جويدي من اللغة الحميرية وكيف أنها تختلف اختلافات كثيرة جدا عن اللغة الحجازية القرشية التي نعرفها ومثال هذا النص الذي يقول: «وهبم واخهو بنو كلبت هقنيو الى مقه ذهرن ذن فرندن حجن وقههمو بمسألهو لو فيهمو وسعدهمو نعمتم» ومعناها: «وهاب (اسم رجل) وأخوه بنو كلب أعطوا المقة (اسم إله في هران) هذا اللوح لأنه أجابهم عن سؤالهم وسلمهم وساعدهم بنعمته» ويمضي في هذا البحث الطويل الى أن يقول: «إن القرآن الذي تلي بلغة واحدة ولهجة واحدة هي لغة قريش ولهجتها لم يكد يتناوله القراء من القبائل المختلفة حتى كثرت قراءاته وتعددت اللهجات فيه وتباينت تباينا كثيرا حيّر القراء والعلماء المتأخرون في ضبطه وتحقيقه وأقاموا له علما أو علوما خاصة ولسنا نشير هنا الى هذه القراءات التي تختلف فيما بينها اختلافا كثيرا في ضبط الحركات سواء أكانت حركة بنية أو حركة إعراب، لسنا نشير الى اختلاف القراء في نصب الطير في الآية: «يا جبال أوّبي معه والطير» أو رفعها ولا إلى اختلافهم في ضم الفاء أو فتحها في الآية «لقد جاءكم رسول من أنفسكم» انما نشير الى اختلاف آخر في القراءات يقبله العقل ويسيغه النقل وتقتضيه ضرورة اختلاف اللهجات بين قبائل العرب التي
стр. 2324
لم تستطع أن تغير حناجرها وألسنتها وشفاهها لتقرأ القرآن كما كان يتلوه النبي وعشيرته من قريش فقرأته كما كانت تتكلم فأمالت حيث لم تكن تميل، وقصرت حيث لم تكن تقصر وسكنت حيث لم تكن تسكن وأدغمت أو أخفت أو نقلت حيث لم تكن تدغم ولا تخفي ولا تنقل.
وقفة لا بد منها:
وهنا وقفة لا بد منها ذلك أن قوما من رجال الدين فهموا أن هذه القراءات السبع متواترة عن النبي نزل بها جبريل على قلبه فمنكرها كافر في غير شك ولا ريبة ولم يوفقوا الى دليل يستدلون به على ما يقولون سوى ما روي في الصحيح أنه ﵊ قال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، والحق أن هذه القراءات السبع ليست من الوحي في قليل ولا كثير وليس منكرها كافرا ولا فاسقا ولا مغتمزا في دينه وإنما قراءات مصدرها اللهجات واختلافها، للناس أن يجادلوا فيها وأن ينكروا بعضها ويقبلوا بعضها وقد جادلوا فيها بالفعل وتماروا وخطأ فيها بعضهم بعضا ولم نعرف أن أحدا من المسلمين كفّر أحدا لشيء من هذا، وليست هذا القراءات بالأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها وانما هي شيء وهذه الأحرف شيء آخر فالأحرف جمع حرف والحرف: اللغة فمعنى أنزل القرآن على سبعة أحرف أنه أنزل على سبع لغات مختلفة في لفظها ومادتها يفسر ذلك قول ابن مسعود: إنما هو كقولك هلم وتعال وأقبل ويفسر ذلك قول أنس في الآية: «إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأصوب قيلا» أصوب وأقوم وأهدى واحد ويفسر ذلك قراءة ابن مسعود «ما ينظرون إلا زقية واحدة» مكان «ما ينظرون إلا صيحة واحدة» .
стр. 2325
الأحرف غير القراءات:
الأحرف إذن اللغات التي تختلف فيما بينها لفظا ومادة فأما هذه القراءات التي تختلف في القصر والمد وفي الحركة والسكون وفي النقل والإثبات وفي حركات الاعراب فليست من الأحرف في شيء لأنها اختلاف في الصورة والشكل لا في المادة واللفظ وقد اتفق المسلمون على أن القرآن أنزل على سبعة أحرف أي على سبع لغات مختلفة في ألفاظها ومادتها، واتفق المسلمون على أن أصحاب النبي تماروا في هذه الأحرف السبعة كل يقرأ على الحرف الذي سمعه من النبي فاشتد الخلاف والمراء في ذلك حتى كادت الفتنة تقع بين الناس ولا سيما في جيوش المسلمين التي كانت تغزو وترابط في الثغور بعيدة عن مهبط الوحي ومستقر الخلافة فرفع الأمر الى الخيفة عثمان ﵁ فجزع له وأشفق على المسلمين أن يقع بينهم مثل ما وقع بين النصارى من الاختلاف في نص القرآن كما اختلفوا في نص الإنجيل فجمع لهم المصحف وأذاعه في الأمصار وأمر بما عداه من المصاحف فمحي محوا وعلى هذا محيت الأحرف الستة ولم يبق إلا حرف واحد هو هذا الحرف الذي نقرؤه في مصحف عثمان وهو حرف قريش وهو الحرف الذي اختلفت لهجات القراء فيه فمدّ بعضهم وقصر بعضهم وفخّم فريق ورقّق فريق ونقلت طائفة وأثبتت طائفة ثم أورد الدكتور طه ما ورد في الجزء الأول من تفسير ابن جرير الطبري لتأييد رأيه.
خلاصة قول الطبري:
قال ابن جرير ما ملخصه: إن قوما من العلماء ذهبوا إلى أن الأحرف السبعة هي سبعة معان جملتها: الأمر والنهي والوعد والوعيد
стр. 2326
والجدل والقصص والمثل، ولكنه يعارض هذا ويقول: إن الأحرف السبعة هي سبع لغات من لغات احياء من قبائل العرب مختلفة الألسن وذكر أن أصحاب رسول الله تماروا في تلاوة بعض القرآن فاختلفوا في قراءته دون تأويله وأنكر بعض قراءة بعض مع دعوى كل قارئ منهم قراءة منها أن رسول الله أقرأه ما قرأه بالصفة التي قرأ ثم احتكموا الى رسول الله فكان من حكم رسول الله بينهم أن صوّب قراءة كل قارئ منهم على خلاف قراءة أصحابه الذين نازعوه فيها وأمر كل امرئ منهم أن يقرأ كما علم حتى خالط قلب بعضهم الشك في الإسلام لما رأى من تصويب رسول الله قراءة كل منهم على اختلافها ثم جلاه الله ببيان رسول الله له أن القرآن على سبعة أحرف.
وعرض الطبري لنقطة هامة وهي الرد على سؤال المستفسرين:
فما بال الأحرف الأخر الستة غير موجودة، وقد أقرأهن رسول الله أصحابه وأمر بالقراءة بهن وأنزلهن الله من عنده على نبيه؟ أنسخت فرفعت؟ فما الدلالة على نسخها ورفعها؟ أم نسيتهن الأمة؟ فذلك تضييع ما قد أمروا بحفظه أم ما القصة في ذلك؟ وأجاب ابن جرير على هذه الأسئلة المحرجة جوابا بارعا فقال: لم تنسخ الأحرف الستة فترفع ولا ضيّعتها الأمة وهي مأمور بحفظها ولكن الأمة أمرت بحفظ القرآن وخيرت في قراءته وحفظه بأي تلك الأحرف السبعة شاءت وضرب لها مثلا في الفقه: إذا حنث موسر في يمين فله أن يختار كفارة من ثلاث كفارات: اما بعتق أو اطعام أو كسوة، فكذلك الأمة أمرت بحفظ القرآن وقراءته وخيرت في قراءته بأي الأحرف السبعة شاءت قرأت، ولعلة من العلل أوجبت عليها الثبات على حرف واحد قراءته بحرف واحد ورفض القراءة بالأحرف الستة الباقية ولم تحظر قراءته بجميع حروفه على قارئه بما أذن له في قراءته به.
стр. 2327
رأي السيوطي في الإتقان:
أما السيوطي فقد أكد في كتابه «الإتقان» صحة الحديث بشهادة واحد وعشرين صحابيا ذكروه ثم أراد عثمان بن عفان أن يستوثق من صحته فطلب من المسلمين وهم مجتمعون في المسجد أن يقف منهم من سمع هذا الحديث فوقف من في المسجد كلهم، فقال وأنا أشهد معهم، وانتقل السيوطي الى بحث الأقوال التي قيلت في هذا الحديث فإذا هي نحو أربعين قولا وبدأ فأضاف إشكالا الى الإشكالات الموجودة في هذا الموضوع فقال: انه ليس المراد بالسبعة حقيقة العدد، بل المراد التيسير والتسهيل والسعة ولفظ السبعة يطلق على ارادة الكثرة في الآحاد كما يطلق السبعون في العشرات ولكنه ردّ هذا القول بأن في القرآن آيات كثيرة تقرأ على أكثر من سبعة أوجه ومنها ما يقرأ على أقل ومنها ما تغيرت حركته ولم يتغير معناه ولا صورته (مادة اللفظ) ومنها ما ذكره الطبري من اختلاف الألفاظ واتفاق المعاني وذكر الطحاوي أن ذلك كان رخصة لما كان يتعسر على كثير منهم التلاوة بلفظ واحد لعدم علمهم بالكتابة والضبط وإتقان الخط ثم نسخ بزوال العذر وتيسر الكتابة والحفظ وضرب مثلا لهذا أن عبد الله بن مسعود كان يعلّم رجلا القرآن فتلا عليه (طَعامُ الْأَثِيمِ) فقال الرجل: طعام اليثيم فردّها عليه فلم يستقم لسانه بها فقال: أتستطيع أن تقول طعام الفاجر؟ قال:
نعم، قال: فافعل.
وقول آخر ذهب اليه الكثير من العلماء مثل أبي عبيد وثعلب والزهري وهو: ان الأحرف السبعة هي لغات سبع فلما قيل لهم إن لغات العرب أكثر من سبع أجابوا أن المراد هو أفصحها.
стр. 2328
ولأبي عبيد رأي قيم وهو أن في القرآن سبع لغات متفرقة فيه فبعضه بلغة قريش، وبعضه بلغة هذيل، وبعضه بلغة هوازن وبعضه بلغة اليمن وغيرهم أي أن في القرآن ألفاظا وجملا مما كانت تعرف هذه القبيلة وهذه القبيلة.
ومضى السيوطي يعرض طائفة أخرى من الأقوال لا أهمية لها ثم أنهى كلامه بقوله: لقد ظن كثير من العوام أن المراد بالأحرف السبعة القراءات السبع وهو جهل قبيح.
خلاصة وافية:
ويطول بنا البحث إن رحنا نتقصى ما قيل في هذا الصدد أو نبحث الأصول التي تمتد إليها اللغة العربية فبا مكان القارئ أن يرجع إليها في الكتب المؤلفة بهذا الشأن وحسبنا أن نقول الآن: ان القرآن نزل باللغة العربية القرشية التي ذابت فيها اللغات الأخرى ولغات القبائل المجاورة بنوع خاص وقد فهم الصحابة القرآن إجمالا ولكن ألفاظا غير قليلة استغلقت عليهم بل ان بعضها لا يزال مستغلقا علينا اليوم بالرغم من أن وسيلة العلم ببعض اللغات القديمة قد توفرت لدينا وقد روي أن عمر بن الخطاب لم يفهم كلمة «أبا» من قوله «وفاكهة وأبا» وله العذر فهي كلمة حبشية وروي عن ابن عباس أن اعرابيين اختصما لديه في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها وعارضه الثاني، قال ابن عباس:
ففهمت حينئذ معنى قوله تعالى «فاطر السموات والأرض» وروي عن ابن عباس أيضا انه لم يكن يفهم معنى الآية «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق» حتى سمع فتاة من اليمن «بنت ذي يزن» تنادي زوجها:
أنا تحك تقصد أحاكمك.
стр. 2329
وقد ذكر ابن النقيب في خصائص القرآن أن القرآن احتوى على جميع لغات العرب وأنزل فيه بلغات غيرهم من الروم والفرس والحبشة شيء كثير وقد سبق أن أوردنا هذا القول ومن الألفاظ غير العربية التي فطن الأقدمون الى وجودها في القرآن ما يأتي:
ل ١ إستبرق: يونانية ابلعي ماءك: هندية أو حبشية الأرائك: حبشية إصر/ اي/ عهد: نبطية أواب: المسيح بالحبشية بطائنها: أي ظواهرها بالقبطية تنور: فارسية جهنم: يونانية أو فارسية حواريون: أي غسالون بالحبشية دري: أي مضيء بالحبشية السجل: الكتاب بالحبشية الرس: أي البئر باليونانية سريا: قيل سريانية أو نبطية أو
يونانية
الصراط: الطريق بلغة الروم عدن: الكروم بالسريانية غيض: أي نقص بالحبشية القسط: العدل بالفارسية قسورة: الأسد بالحبشية كفلين: ضعفين بالحبشية ل ٢ مشكاة: الكوة بالحبشية منسأة: عصا بالنبطية اب: حبشية أخلد: عبرية أسفار: سريانية أو نبطية أليم: موجع قالوا زنجية أو عبرية الاداة: الموقن بالحبشية حصب: بمعنى حطب في الزنجية دينار: فارسية.
رهوا: سهلا بالسريانية.
سجيل: فارسية سندس: فارسية وهندية الطاغوت: الكاهن بالحبشية غساق: المنتن البارد بالتركية الفردوس: البستان بالرومية القسطاس: الميزان بالفارسية كافور: بالفارسية اليم: البحر بالسريانية والقبطية ناشئة الليل: بالحبشية وزر: الملجأ بالنبطية
стр. 2330
ل ١ كوّرت: أي غورت بالفارسية مرقوم: مكتوب بالعربية مناص: فرار بالنبطية المهل: الزيت بلسان البربر هونا: بالسريانية ل ٢ هيت لك: بالقبطية ياقوت: بالفارسية يحور: يرجع بالحبشية يعهد: أي ينضج بالبربرية الفوم: الحنطة بالعبرية وقد أورد السيوطي في الإتقان هذه الألفاظ وغيرها كما أورد مئات الألفاظ وردت في القرآن بغير لغة الحجاز ومنها لغات اليمن وقد نص على كثير من الألفاظ الحميرية بالذات فقد ذكر مثلا أن أسطورا بلغة حمير تعني الكتاب وعلى هذا يفهم قوله: «وكتاب مسطور» وذكر أن اللهو تعني المرأة بلغة اليمن وعلى هذا تفهم الآية «لو أردنا أن نتخذ لهوا» ترى ما الذي يمنع وقد صح لدينا أن أمر الألفاظ القرآنية والمصادر العديد التي جاءت منها أن تكون الأحرف السبعة هي هذه اللغات العديدة التي ذابت في لغة قريش والتي علم النبي بعضها والتي تضمنتها ألفاظ القرآن.
اننا نرجح مبدئيا وليس لدينا وسائل الجزم النهائي أن هذا هو الصواب في شأن الأحرف السبعة فهي تشير الى ألفاظ كثيرة من لغات عدة استعملها القرآن منها الفارسية واليونانية والآرامية والكلدانية والحبشية والحميرية والعبرية والسريانية والمصرية وكلها أضيفت الى لغة قريش فقوت من شأنها وأزالت الركاكة والغثاثة التي كانت موجودة في لغة القبائل الأخرى التي كانت تفد الى الحج وهي التي تلتزم حروفا بدل حروف مثل ابدال كاف المؤنث شيئا فيقولون كتابش بدل كتابك وعليه قوله:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكن عظم الساق منش دقيق
стр. 2331
وأصله:
فعيناك عيناها وجيدك جيدها ... ولكن عظم الساق منك دقيق
وهي قبيلة قيس ومثل الذين لا يستطيعون النطق بالسين فيستبدلون بها تاء فالناس عندهم النات وهم قبيلة تميم.
خلا القرآن من هذه اللهجات الكثيرة والتزم الاعراب في أواخر الكلمات جميعا ولم يكن ملتزما في كثير من اللغات الاخرى وعرف النبي وهو متلقي الوحي ومعلم القرآن الأول تفسير ما أنزل عليه كله وما سأله عنه أصحابه كان يخبرهم به ولعلهم كانوا يتحاشون سؤاله في كثير من الألفاظ بدليل جهلهم بها بعد وفاته ونهيهم عن التكلف والتعمق أي البحث في معنى كل لفظ والتنقيب وراءه وليس هذا الذي نقوله في أمر ألفاظ القرآن وإنها هي الأحرف السبعة قولا شاذا لم يقل به أحد وانما قال به كثيرون منهم أبو عبيد القاسم بن سلام وثعلب وأبو حاتم السجستاني وغيرهم.
واذن فمن الخطأ كل الخطأ أن نقول أن قرآنا نزل ليكون معجزة نبي ثم نقول: إنا قادرون على أن نبدل لفظا مكان لفظ لأن لدينا الكثير من الألفاظ أي المترادفات. استمع الى هذه الآية: «للذين آمنوا انظرونا» ثم نقرؤها على الأحرف التي يقولون عنها هكذا «للذين آمنوا امهلونا» أو «للذين آمنوا ارقبونا» ولنترك للقارىء أن يدقق النظر قليلا ويطيل التفكير ليرى هل يتفق معنى هذه التعابير كلها وهل يبقى لها مكانها من الاعجاز وهي بهذه الصورة واسمع الى الآية الأخرى:
«كلما أضاء لهم مشوا فيه» و «كلما أضاء لهم مروا فيه» و «كلما
стр. 2332
أضاء لهم سعوا فيه» من يقل أن مشى وسعى ومر متساوية في الاستعمال فهو جاهل كل الجهل خابط في عشواء من الضلال.
الأحرف السبعة، إذن، شيء آخر غير هذه التعديلات والتبديلات وأدنى الى الصواب في توضيحها ما ذكرناه من تضمن القرآن الكثير من الألفاظ الأعجمية التي دخلت اليه والى لغة قريش من الشعوب المحيطة بشبه الجزيرة وسيأتي مزيد بيان لهذا البحث الجليل الذي طال قليلا ولم يكن من شرط الكتاب.
ونذكر بهذه المناسبة أن المرحوم الأستاذ عباس محمود العقاد وضع كتابيه: «أبو الأنبياء: الخليل ابراهيم» و «الثقافة العربية أسبق من ثقافة اليونان والعبريين» وتصدى فيهما لقضية لغة خليل الرحمن ابراهيم ﵊ ورد على المنحرفين الذين يريدون أن ينحرفوا ببحوثهم في اتجاه معين مسبوق بتخطيط ينسلخ بسببه العرب عن صلتهم بالخليل وأثبت صلة ابراهيم الوثيقة بالعروبة في وقت مبكر يقع بين القرنين التاسع عشر والثامن عشر قبل الميلاد ونرى تتميما لبحثه الرفيع أن نورد حديثا ساقه الامام البخاري في صحيحه ورواه بسنده عن ابن عباس ﵄ وقد استوعب هذا الحديث صفحات عدة من هذا السفر العظيم نوجز تلخيصه وتحديد موضوعاته فيما يأتي:
١- تحدّث عن الشخصيات الطاهرة التي نزلت بمكة وقت كان ليس بها أحد ولا ماء وهم: الخليل ابراهيم وهاجر وابنها الرضيع إسماعيل.
٢- نبع زمزم لهاجر وولدها.
стр. 2333
٣- قدوم بطن عربي جرهمي واستئذانه هاجر في السماح له بالإقامة في مكة راضين بشرطها «أن لا حق لهم في الماء» واستقدموا أهلا لهم وقد شب إسماعيل ﵇ بينهم وتزوج منهم مرتين.
٤- زيارات ثلاث للخليل الى مكة لوديعته عدا الأولى التي قدم فيها بأهله إليها، وكان آخرها تلك الزورة مع ولده وأمر فأذن في الناس بالحج.
وهذا الحديث يعطي حقائق موضوعية هامة توضح بعض ما غاب عن التاريخ في منهجه الحديث.
أولها: بيانه الواضح عن مبدأ تاريخ العمران في مكة.
ثانيها: يوضح حلقة مفقودة لدى المؤرخين عن ممالك الاسماعيليين في شمال الجزيرة العربية.
ثالثهما: لغة الخليل فقد زار الخليل مكة أربع زيارات وتزوج إسماعيل امرأتين من جرهم وكان يخاطبهما ويحاورهما بالعربية حتما دون مترجم، فصحّ ما قاله العقاد ولسنا نقول أنه تحدث بالعربية التي هي عربيتنا أعني لغة القرآن الكريم لكنها عربية زمانه الوثيقة الصلة أصولا وفروعا بعربية القرآن الكريم.
стр. 2334
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٥ الى ٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (٥) وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)
اللغة:
(يَسُومُونَكُمْ) يذيقونكم وأصله من سام السلعة يسوم سوما وسواما عرضها وذكر ثمنها، وسام المشتري السلعة طلب بيعها أو ثمنها وسامت الماشية خرجت الى المرعى وسامه الأمر كلفه إياه وسامه خسفا أذله، قال عمرو بن كلثوم:
إذا ما الملك سام الناس خسفا ... أبينا أن نقر الذل فينا
وسام الطير على الشيء حام عليه وسامت الريح مرّت واستمرّت وسام ناقته على الحوض: عرضها عليه.
ومن المجاز سمت المرأة المعانقة: أردتها منها وعرضتها عليها وللسين مع الواو فاء وعينا خاصة عجيبة انهما تفيدان الكلمة معنى الإحاطة بالشيء والهيمنة عليه وشموله وتغطيته لأن المحيط بالأشياء شامل لها مهيمن عليها فالسوء القبح وهو يحيط بصاحبه ويلفه، كما يحيط بمن يمتد إليهم ويصيبهم وقال تعالى «عليهم دائرة السوء» وفلان يحيط الحسنى بالسوأى، وهذا مما ساءك وناءك ومما يسوءك وينوءك قال الجاحظ: هو من السوء: البرص وقال أبو زبيد:
لم يهب حرمة النديم وحقّت ... يا لقومي للسوءة السواء
стр. 2335
وسوّج وسيّج الكرم ونحوه أو على الكرم عمل عليه سياجا يحوطه ويصونه والسياج بكسر السين الحائط وما أحيط به على كرم ونحوه وجمع السياج سياجات وأسوجة وسوج وعملت سفينة نوح من ساج وهي خشب سود رزان لا تكاد الأرض تبليها، ولبسوا السيجان وهي الطيالسة المدورة الواسعة، والساحة فضاء بين دور الحي يحيط بها لا بناء فيه ولا سقف وجمعه ساح وسوح وساحات ويقولون: احمر اللّوح واغبرّت السوح إذا وقع الجدب وقال أبو ذؤيب:
وكان سيّان أن لا يسرحوا نعما ... أو يسرحوه بها واغبرت السّوح
وساخت قوائم الدابة في الأرض وهذه أرض تسوخ بها الأقدام وساخت بهم الأرض، وساد قومه يسودهم كأنما أحاطهم بنعمته وغلبته وساده أي غلبه عند المغالبة والسواد خلاف البياض وهو لون يحيط بالجسم أو بالشيء والسواد الشخص سواد البلدة ما حولها من الريف والقرى ومنه سواد العراق لما بين البصرة والكوفة ولما حولهما من القرى وقد أبدع شوقي في قوله:
قف تمهل وخذ أمانا لقلبي ... من عيون المها وراء السواد
والأسود معروف والأسود الحية العظيمة السوداء وهي المعروفة بالحنش وفلان أسود الكبد أي عدو وهم سود الأكباد أي أعداء والسوداء والسويداء عند الأطباء خلط مقره في الطحال مرض الماليخوليا وهو فساد الفكر في حزن وسوداء القلب وسويداؤه حبته، وساوره
стр. 2336
وثب عليه وله سورة في الحرب وتسورت الحائط والسور حائط يطوف بالمدينة ويحيط بها وسورة الخمر وسوارها حدتها والسوار حلية كالطوق تلبسه المرأة في زندها وهو بكسر السين وضمها ويقال الإسوار، والوالي يسوس الرعية ويسوس أمرهم وسوس فلان أمر قومه بالبناء للمجهول قال الحطيئة:
لقد سوّست أمر بنيك حتى ... تركتهم أدق من الطحين
والسياسة استصلاح الخلق بإرشادهم الى الطريق المنجي في العاجل أو الآجل ولا جرم من يسوس القوم يحيط بأمورهم، وساطه يسوطه سوطا ضربه بالسوط ولا يضرب إلا من هيمن على الآخر وعليه، والساعة الوقت المعلوم وهو يحيط بالموجودات جميعها فلا يندّ عنها شيء، وساغ الشراب سهل فكأنه غالب لا يقف شيء في طريقه، وساف الشيء شمّه وفيه معنى الإحاطة والهيمنة وسوّفه مطّله وقال له مرة بعد مرة وكم مسافة هذه الأرض والمسافة تحيط بما يمتلكه صاحب الأرض وبينهم مساوف جمع مسافة، قال ذو الرمة:
فقام الى حرف طواها بطية ... بها كل لمّاع بعيد المساوف
وساق النعم فانساقت والسوق معروفة تحيط بما يعرض فيها من شخوص وبضائع وأمتعة، وساك يسوك سوكا دلك، وسوّل الشيطان له أمرا غلبه على أمره فزين له الشر، وسوّى بين الناس ساوى بينهم وسويت المعوج فاستوى والرحمن على العرش استوى أي استولى ورآه في سواء المكان: في وسطه وسوي الرجل استقام أمره ولا يستقيم الأمر إلا لمن غلب وهما سواء وهم سواسية في الشر وهذا من عجيب أمر هذه اللغة.
(يَسْتَحْيُونَ) : يستبقون.
стр. 2337
الإعراب:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في تفصيل ما أجمله عن الرسل في قوله تعالى «وما أرسلنا من رسول» واللام جواب قسم محذوف، وأرسلنا فعل وفاعل وموسى مفعول به وبآياتنا متعلقان بمحذوف حال أي مصحوبا بآياتنا ومعززا بها. (أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ) ان مفسرة والضابط لها موجود وهو أن يتقدمها جملة فيها معنى القول دون حروفه وأرسلنا فيه معنى قلنا أي قلنا له أخرج ويجوز أن تكون أن المصدرية الناصبة للفعل وانما صلح أن توصل بفعل الأمر لأن الغرض وصلها بما تكون معه في تأويل المصدر وهو الفعل والأمر وغيره سواء في الفعلية وتكون مع مدخولها منصوبة بنزع الخافض والتقدير بأن اخرج قومك والجار والمجرور متعلقان بمحذوف منصوب على الحال أي قائلين له اخرج قومك وعلى هذا يكون اعرابها تفسيرية أقل عناء ما دام التقديران يرتدان الى أصل واحد. وقومك مفعول به لأخرج ومن الظلمات الى النور متعلقان بأخرج. (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ) الواو عاطفة وذكرهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبأيام الله متعلقان بذكرهم وسترى بحثا مفيدا عن قوله أيام الله في باب الفوائد. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة للتوكيد وآيات اسم ان المؤخر ولكل صفة وصبار مضاف اليه وشكور صفة لصبار. (وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) الظرف متعلق بمحذوف يفسره ما بعده وهو اذكروا أي اذكر وجملة قال موسى مضاف إليها الظرف ولقومه متعلقان بقال واذكروا فعل أمر والواو
стр. 2338
فاعل ونعمة الله مفعول به وعليكم متعلقان بمحذوف حال أي كائنة عليكم. (إِذْ أَنْجاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ) الظرف متعلق بنعمة الله إذا كانت بمعنى الإنعام أي إنعامه ذلك الوقت ويجوز أن تكون بدلا من النعمة لأن النعمة تشتمل على النجاة فيكون بدل اشتمال ومن آل فرعون جار ومجرور متعلقان بأنجاكم. (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ) أحوال ثلاثة من آل فرعون أو من ضمير المخاطبين. (وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) الواو عاطفة وفي ذلكم خبر مقدم وبلاء مبتدأ مؤخر ومن ربكم صفة بلاء وعظيم صفة ثانية.
الفوائد:
(أيام الله) في- كما في القاموس- نعمه، ويوم أيوم: شديد، وآخر يوم في الشهر وفي المختار: وربما عبروا عن الشدة باليوم. وهذا من باب المجاز العقلي ووجهه أن العرب تتجوز بنسبة الحدث الى الزمان مجازا فتضيفه اليه كقولهم نهاره صائم وليله قائم ومكر الليل ويترجح تفسير أيام الله ببلائه ونعمائه وجنح الزمخشري الى تفسير أيام الله بوقائعه التي وقعت على الأمم قبلهم قوم نوح وعاد وثمود. قال ومنه أيام العرب لحروبها وملاحمها كيوم ذي قار ويوم الفجار وغيرها وقد عبر عنها عمر بن كلثوم بقوله:
وأيام لنا غر طوال ... عصينا الملك فيها أن ندينا
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ٧ الى ١٢]
وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ (٧) وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨) أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩) قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى قالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ (١٠) قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)
وَما لَنا أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (١٢)
стр. 2339
اللغة:
(تَأَذَّنَ) : أذن ونظير تأذن توعد وأوعد وتفضل وأفضل ولا بد في تفعل زيادة معنى ليس في أفعل لما في التفعل من التكلف والمبالغة.
стр. 2340
الإعراب:
(وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) وإذ عطف على نعمة الله عليكم كأنه قيل: وإذ قال موسى لقومه اذكروا نعمة الله عليكم واذكروا حين تأذن ربكم ويجوز عطفه على إذ أنجاكم وجملة تأذن مضاف إليها الظرف وربكم فاعل تأذن وجملة لئن شكرتم مقول قول محذوف أو أجري تأذن مجرى قال لأنه ضرب من القول فلا حاجة لتقدير القول واللام موطئة للقسم وإن شرطية وشكرتم فعل الشرط ولأزيدنكم اللام جواب القسم وجملة لأزيدنكم لا محل لها لأنها جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم وفاقا للقاعدة. (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ) جملة معطوفة على نظيرتها وجواب القسم محذوف ولكنه مدلول عليه ضمنا بقوله: إن عذابي لشديد أي لأعذبنكم وانما حذفه هنا وأظهره في مقام الشكران لأن من عادة الله وهو الكريم أن يصرح بالوعد ويعرض بالوعيد، وإن واسمها وخبرها.
(وَقالَ مُوسى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ) وقال موسى فعل وفاعل وجملة إن تكفروا مقول القول وان شرطية وتكفروا فعل الشرط والواو فاعل وأنتم تأكيد للواو ومن عطف على الواو وفي الأرض صلة من وجميعا حال والفاء رابطة وان واسمها واللام المزحلقة وحميد خبرها. (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَؤُا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأت فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والكاف مفعول به ونبأ فاعل والذين مضاف اليه ومن قبلكم صفة. (قَوْمِ نُوحٍ وَعادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ) قوم بدل من الذين ونوح مضاف اليه وعاد وثمود معطوفان والذين من بعدهم
стр. 2341
مبتدأ وجملة لا يعلمهم إلا الله خبر والجملة الاسمية معترضة بن المفسر وهو نبأ الذين من قبلكم وتفسيره وهو جاءتهم عليهم بالبينات ويجوز أن تكون والذين من بعدهم عطف على ما قبله وهو قوم نوح أو الذين من قبلكم وقوله لا يعلمهم إلا الله معترضة. (جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ) جملة مستأنفة أو خبر ثان للذين ورسلهم فاعل وبالبينات متعلقان بجاءتهم. (فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْواهِهِمْ وَقالُوا: إِنَّا كَفَرْنا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ) الفاء عاطفة وردوا فعل وفاعل وأيديهم مفعول به وفي أفواههم متعلقان بردوا أو بمحذوف حال وسيأتي بحث عن هذا التعبير في باب البلاغة وقالوا عطف على ردوا وان واسمها وجملة كفرنا خبر وبما متعلقان بكفرنا وجملة أرسلتم صلة وبه متعلقان بأرسلتم (وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنا إِلَيْهِ مُرِيبٍ) وإنا عطف على إنا السابقة وان واسمها واللام المزحلقة وفي شك خبر ومما متعلقان بشك أو صفة له وجملة تدعوننا صلة وإليه متعلقان بتدعوننا ومريب صفة لشك. (قالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ) جملة مستأنفة مبنية على سؤال مقدر يقتضيه المقام كأنه قيل فماذا قالت رسلهم فأجيب بأنهم قالوا منكرين فالهمزة الاستفهامية للانكار من مقالتهم الحمقاء وفي الله خبر مقدم وشك مبتدأ مؤخر وقيل شك فاعل أفي الله لاعتماده على الاستفهام ورجحه النحاة القدامى وجميع المعربين لئلا يلزم على الوجه الاول الفصل بين الصفة والموصوف بأجنبي وهو المبتدأ بخلاف الفاعل الذي هو كالجزء من رافعه والحق ان هذا كله لا أساس له والوجه هو الاول.
(فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ) فاطر صفة لله أو بدل منه وجملة يدعوكم حالية أي حالة كونه يدعوكم الى الايمان بإرساله إيانا واللام للتعليل ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيدعوكم ومن ذنوبكم
стр. 2342
متعلقان بيغفر وهي بمعنى التبعيض قال في الكشاف: «فإن قلت ما معنى التبعيض في قوله من ذنوبكم قلت: ما علمته جاء إلا هكذا في خطاب الكافرين» لئلا يسوي بينهم وبين المؤمنين وقال الرازي: «أما قول صاحب الكشاف المراد تمييز خطاب المؤمن من خطاب الكافر فهو من باب الطامات لأن هذا التبعيض إن حصل فلا حاجة الى ذكر الجواب وإن لم يحصل كان هذا الكلام فاسدا» . وقال بعضهم هي للبدل أي بدل عقوبة ذنوبكم ويحتمل أن يضمن يغفر معنى يخلص أي يخلصكم من ذنوبكم واختار أبو عبيدة زيادتها تبعا للأخفش الذي يجيز زيادتها في الموجب. (وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) ويؤخركم عطف على يغفر والى أجل متعلقان بيؤخركم ومسمى نعت لأجل. (قالُوا: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا) إن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلنا صفة.
(تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونا عَمَّا كانَ يَعْبُدُ آباؤُنا) جملة تريدون صفة ثانية لبشر أو تكون مستأنفة وتريدون فعل وفاعل وأن وما في حيزها مفعول تريدون وعما متعلقان بتصدونا وجملة كان صلة وجملة يعبد خبر كان وآباؤنا فاعل يعبد. (فَأْتُونا بِسُلْطانٍ مُبِينٍ) الفاء الفصيحة وائتونا فعل أمر وفاعل ومفعول به وبسلطان متعلقان بأتونا ومبين صفة. (قالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) قالت لهم رسلهم فعل وفاعل ولهم متعلقان بقالت وإن نافية ونحن مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلكم صفة. (وَلكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) الواو حالية أو عاطفة ولكن واسمها وجملة يمن خبرها وعلى من متعلقان بيمن وجملة يشاء صلة ومن عباده حال. (وَما كانَ لَنا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص ولنا خبر كان المقدم وأن ومدخولها في تأويل مصدر اسم كان المؤخر وبسلطان متعلقان بنأتيكم وإلا أداة حصر وبإذن الله حال أي ملتبسا بإذن الله. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة
стр. 2343
وعلى الله متعلقان بيتوكل والفاء عاطفة أيضا واللام لام الأمر ويتوكل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر والمؤمنون فاعل يتوكل. (وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا) الواو عاطفة وما استفهامية والاستفهام هنا معناه النفي أي لا مانع لنا ولا عذر نتشبث بأهدابه، وهو في محل رفع مبتدأ ولنا الخبر وان وما في حيزها في موضع نصب على الحال أي الجار والمجرور فهو منصوب بنزع الخافض والواو للحال وقد حرف تحقيق وهدانا فعل وفاعل مستتر ومفعول به وسبلنا نصب بنزع الخافض والمعنى: والحال أنه قد هدانا وفعل بنا ما يوجب التوكل ويستدعيه حيث هدانا سبلنا أي ارشد كلامنا سبيله ومنهاجه. (وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا) الواو عاطفة واللام جواب قسم محذوف ونصبرن فعل مضارع مبني على الفتح، وعلى ما: على حرف جر وما مصدرية وآذيتمونا فعل وفاعل ومفعول والواو للاشباع ويجوز أن تكون ما موصولة أي على الذي آذيتمونا به. (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) تقدم اعرابها وكرر الأمر بالتوكل لأن الأول لاستحداث التوكل والثاني لاثباته.
البلاغة:
رد الأيدي في الأفواه بقوله تعالى: «فردوا أيديهم في أفواههم» وعض الأنامل وحرق الارم كناية عن الغيظ والضجر عند حدوث ما لا تهواه النفس وتريده. قال أبو عبيدة: هو ضرب مثل أي لم يؤمنوا ولم يجيبوا والعرب تقول للرجل إذا أمسك عن الجواب وسكت:
قد ردّ يده في فيه وهكذا قال الأخفش واعترض ذلك القتيبي فقال لم يسمع أحد من العرب يقول رد يده في فيه إذا ترك ما أمر به. وقيل:
المراد برد الأيدي في الأفواه هنا الضحك والاستهزاء كمن غلبه الضحك فوضع يده على فيه وقيل ان المراد بالأيدي والأفواه غير الجارحتين
стр. 2344
فقيل المراد بالأيدي النعم ومعناه ردوا ما لو قبلوه لكان نعمة عليهم يقال:
لفلان عندي يد أي نعمة والمراد بالأفواه تكذيبهم الرسل والمعنى كذبوا بأفواههم وردوا قولهم، وهناك أقوال أخرى ضربنا عنها صفحا لأن أقوى الوجوه هو الأول لأن اقناطهم الرسل من الايمان قولا وفعلا بوضع اليد في الفم هو المناسب لحسدهم في الكفر وتصدير العبارة بالحرف المؤكد ومواجهة الرسل بضمير الخطاب وإعادة ذلك مبالغة في التأكيد دل على قنوطهم بالمرة.
[سورة إبراهيم (١٤) : الآيات ١٣ الى ١٨]
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ (١٤) وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ (١٧)
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ (١٨)
стр. 2345
اللغة:
(عادٍ) : لها معان كثيرة وهي هنا بمعنى صار فتلحق بها وتعمل عملها ويقال: عاد إليّ من فلان مكروه أي صار منه إلي ومن معانيها عاده يعوده عودا: صرفه وعاد السائل: رده وعاد فلانا بالمعروف صنعه معه ومن معانيها عاده عودا: صيره عادة وكذلك عاد يعود عودا وعيادا وعيادة وعوادة المريض زاره فهو عائد. وفي القاموس: عاد يعود الشيء عودا وعيادا بدأه وباشره ثانيا، قيل ومنه المثل:
«العود أحمد» .
(اسْتَفْتَحُوا) : استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى: «إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح» وقيل استحكموا الله وسألوه القضاء بينهم من الفتاحة وهو الحكومة كقوله تعالى: «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق» وفي القاموس: والفتح كالفتاحة بضم الفاء وكسرها:
الحكم بين الخصمين.
(صَدِيدٍ) : هو ما يسيل من جلود أهل النار.
(يَتَجَرَّعُهُ) : يتكلف جرعه أي ابتلاعه وفي الأساس: «جرعت الماء واجترعته بمرة وتجرعته شيئا بعد شيء وما سقاني إلا جرعة وجريعة وجرعا وبتنا بالأجرع وبالجرعاء ونزلوا بالأجارع وهي أرضون حزنة يعلوها رمل.
(يُسِيغُهُ) : من أساغ الطعام أو الشراب سهل دخوله في الحلق.
стр. 2346
الإعراب:
(وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا) قال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولرسلهم جار ومجرور متعلقان بقال واللام موطئة للقسم ونخرجنكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ومن أرضنا متعلقان بنخرجنكم والجملة مقول القول. (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا) أو حرف عطف بمعنى إلا وسيأتي مزيد بحث عن أو في باب الفوائد.
ولتعودن عطف على نخرجنكم غير أن الفعل هنا معروب لعدم مباشرة نون التوكيد له وهو مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة وقد تقدم له نظائر وفي ملتنا متعلقان بتعودن أو خبرها. (فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة وأوحى إليهم ربهم فعل وفاعل ولنهلكن اللام جواب للقسم المحذوف ونهلكن الظالمين فعل مضارع مبني على الفتح وفاعل مستتر ومفعول به والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها مفسرة.. (وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) الواو عاطفة ونسكننكم فعل مضارع مبني على الفتح وفاعل ومفعول به والأرض نصب بنزع الخافض أو مفعول به على السعة وقد تقدم القول في دخل وسكن ونحوهما ومن بعدهم حال. (ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ) ذلك مبتدأ ولمن خبر وجملة خاف صلة وفاعله مستتر تقديره هو ومقامي مفعول به وهو مصدر مضاف للفاعل أي قيامي عليه بالحفظ أو اسم مكان قال الزجاج مكان وقوفه بين يدي للحساب، وخاف فعل ماض أيضا ووعيد مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة لمراعاة الفواصل.
(وَاسْتَفْتَحُوا وَخابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ) واستفتحوا فعل ماض والواو
стр. 2347
فاعل والضمير يعود على الرسل أي واستنصروا الله على أعدائهم وقيل يعود على الكفار أي واستفتح الكفار على الرسل والأولى انه يعود على كلا الفريقين لأن كلّا من الجانبين يلتمس النصر على صاحبه فالواو استئنافية والجملة مستأنفة وخاب كل جبار فعل وفاعل وعنيد صفة لجبار ومعنى خاب هلك أو خسر، والعنيد: المعاند للحق والمجانب له وهو مأخوذ من العند وهو الناحية أي أخذ في ناحيته معرضا قال الشاعر:
إذا نزلت فاجعلوني وسطا ... إني كبير لا أطيق الغدا
وقال الزجاج: العنيد الذي يعدل عن القصد. (مِنْ وَرائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ) من ورائه خبر مقدم وجهنم مبتدأ مؤخر ومعنى من ورائه: من بين يديه أي من أمامه وخلفه والجملة صفة ثانية لجبار ويسقى الواو عاطفة على مقدر جوابا عن سؤال سائل وكأنه قيل: فماذا يكون إذن؟ قيل يلقى فيها ويسقى. ويسقى فعل مضارع مبني للمجهول ومن ماء متعلقان بيسقى وصديد بدل من ماء أو عطف بيان له كأنه قال ويسقى من ماء ثم أراد أن يبين ما أبهمه فأردف بقوله صديد لأن الصديد هو الماء ولكنه السائل من جلود أهل النار خاصة قال أبو حيان «وقال ابن عطية: هو نعت لماء كما تقول: هذا خاتم حديد وليس بماء ولكنه لما كان بدل الماء في العرف عندنا يعني أطلق عليه ماء وقيل هو نعت على إسقاط أداة التشبيه كما تقول: مررت برجل أسد التقدير مثل صديد فعلى قول ابن عطية هو نفس الصديد وليس بماء حقيقة وعلى هذا القول لا يكون صديدا ولكنه ما يشبه الصديد وقال الزمخشري: صديد عطف بيان لماء قال ويسقى من ماء فابهمه إبهاما ثم بينه بقوله صديد» والبصريون لا يجيزون عطف البيان
стр. 2348
في النكرات وأجازه الكوفيون وتبعهم الفارسي فأعرب زيتونة عطف بيان لشجرة مباركة» . وجملة يسقى معطوفة على محذوف تقديره من ورائه جهنم يلقى فيها ما يلقى من ماء شديد يتميز عن عذابها بما هو أشدّ وأبلغ في الإيلام. (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) الجملة صفة لماء ويتجرعه فعل وفاعل مستتر ومفعول به ولا بأس بجعل الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال كأنه قيل فماذا يفعل به؟ فقيل يتجرعه أي يتكلف جرعه مرة بعد مرة إطفاء لسورة العطش وحرارة الغليل، ولا الواو عاطفة ولا نافية ويكاد من أفعال المقاربة واسمها مستتر تقديره هو وجملة يسيغه خبر وسيأتي المزيد من بحث هذا التركيب العجيب في باب البلاغة. (وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكانٍ) الواو عاطفة ويأتيه الموت فعل وفاعل مؤخر ومفعول مقدم أي أسباب الموت كأنها تظاهرت عليه فهي تأتيه من كل مكان والجار والمجرور في موضع نصب على الحال أي تأتيه محيطة به من جميع جهاته. (وَما هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرائِهِ عَذابٌ غَلِيظٌ) الواو للحال وما نافية حجازية وهو اسمها والباء حرف جر زائد وميت مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ما ومن ورائه خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وغليظ صفة لعذاب. (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمالُهُمْ كَرَمادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عاصِفٍ) مثل الذين مبتدأ محذوف الخبر عند سيبويه تقديره وفيما يقص عليكم مثل وقد تقدمت نظائره وجملة كفروا بربهم صلة وأعمالهم مبتدأ والكاف بمعنى مثل خبر أو هي حرف مع مجرورها في محل رفع خبر والجملة مستأنفة للاجابة على سؤال مقدر نشأ عن تقدير المثل كأنه قال وما ذلك المثل فقيل أعمالهم كرماد ويجوز أن يكون مثل مبتدأ وأعمالهم مبتدأ ثانيا وكرماد خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول وقد رد أبو حيان هذا الوجه بقوله «وهو لا يجوز لأن الجملة الواقعة خبرا عن المبتدأ الذي هو
стр. 2349
مثل عارية من رابط يعود على المثل وليست نفس المبتدأ في المعنى فلا تحتاج الى رابط» ، ويجوز- وهو وجه جميل- أن يكون مثل مبتدأ وأعمالهم بدل اشتمال منه وكرماد خبر مثل وأعمالهم معا وجملة اشتدت به الريح صفة لرماد وفي يوم عاصف حال من الريح. (لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلى شَيْءٍ ذلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ) الجملة حالية من فاعل كفروا ويقدرون فعل وفاعل ومما كسبوا حال لأنه كان في الأصل صفة لشيء وقد تقدم عليه وعلى شيء متعلقان بيقدرون وجملة كسبوا صلة وذلك مبتدأ وهو مبتدأ ثان والضلال خبر الثاني والثاني وخبره خبر الاول والبعيد صفة.
البلاغة:
في هذه الآيات أفانين متعددة من البلاغة نوردها فيما يلي:
١- في ألفاظ الآيات الواردة مورد التهديد والوعيد مراعاة النظير وقد تقدم بحثه فجميع ألفاظها متضافرة على التعبير عن المخيف القارع للقلوب.
٢- في قوله تعالى: (يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ) فنون عديدة فيما يلي أهمها:
آ- الاستقصاء وهو أن يتناول المتكلم معنى فيستقصيه أي يأتي بجميع عوارضه ولوازمه بعد أن يستقصي جميع أوصافه الذاتية بحيث لا يترك لمن يتناوله بعده فيه مقالا يقوله فقد استقصى المعنى الذي أراده في الآية وهو كراهية الصديد الذي يشربه بأنه يتجرعه وفيه احتمالات أولها انه مطاوع جرعته بالتشديد نحو علمته فتعلم وثانيها انه
стр. 2350
للتكلف وقد اخترناه في الاعراب أي يتكلف جرعه ولم يذكر الزمخشري غيره وثالثها انه دال على المهلة نحو تفهمته أي يتناوله شيئا فشيئا بالجرع كما يتفهم شيئا فشيئا بالتفهيم ورابعها انه بمعنى جرعه المجرد وفي جميع هذه الأحوال استقصى غاية ما يمكن أن يتناوله شارب الماء.
ب- المبالغة في قوله «ولا يكاد» فدخول فعل يكاد للمبالغة، يعني: ولا يقارب أن يسيغه فكيف تكون الاساغة؟ كقوله «لم يكد يراها» أي لم يقرب من رؤيتها فكيف يراها.
ج- ذكر الموت وأراد أسبابه وهذا مجاز.
د- وصف العذاب بالغلظة كناية عن قوته واتصاله لأن الغلظة تستوجب القوة وتستدعي أن يكون متصلا تتصل به الأزمنة كلها فلا انفصال بينها.
هـ- الغلو: بذكر كاد وهذا يطرد في كل كلام تستعمل فيه أداة المقاربة كقول الفرزدق:
يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم
وقد أفرط أبو العلاء في استعمالها قال:
تكاد قسيه من غير رام ... تمكن في سيوفهم النبالا
تكاد سوابق حملته تغني ... تجد الى رقابهم انسلالا
تكاد سوابق حملته تغني ... عن الأقدار صونا وابتذالا
سرى برق المعرة بعد وهن ... فبات براحة يصف الكلالا
شجا ركبا وأفراسا وإبلا ... وزاد فكاد أن يشجو الرحالا
следующие страницы →