Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
اللغة:
(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ) أي من وقت زوالها يقال دلكت الشمس أي غربت وقيل زالت واشتقاقه من الدلك لأن الإنسان يدلك عينيه عند النظر إليها فإن كان الدلوك الزوال فالآية جامعة للصلوات الخمس المفروضة وإن كان الغروب فقد خرجت منها الظهر والعصر، وأصل هذه المادة أي ما كانت فاؤه وعينه دالا ولاما يدل على التحول والانتقال فالدلبة واحدة الدّلب وهو شجر عظيم الورق لا زهر له ولا ثمر وهي تتسامى صعدا في الجو كأنها انتقلت من الأسفل الى الأعلى ومنه قولهم: «هو من أهل الدّربة، بمعالجة الدّلبة» ومنه تتخذ النواقيس أي هو نصراني. وسقى أرضه بالدّولاب بفتح الدال وهم يسقون بالدواليب وهي تستعمل لنقل المياه من مكان الى مكان لسقاية الأرض ودلج من الدلجة وهي سير الليل والانتقال فيه من مكان الى آخر ودلج ومنه وكفت عيناه وكيف غربي دالج وهو الذي يختلف بالدلو من البئر الى الحوض وبات لبلته يدلج دلوجا قال:
كأنها وقد براها الإخماس ... ودلج الليل وهاد قياس
شرائح النبع براها القوّاس ودلح بالحاء المهملة إذا مشى مشيا متثاقلا ودلدل أعضاءه دلدلة أي حركها في المشي وتدلدل في مشيه اهتز واضطرب، ودلس الظلام معروف وخرج في الدّلس والغلس ودلّس المحدّث في حديثه أتى فيه بغير الراهن كأنما انتقل من واقعة الى واقع آخر ومنه تدليس البائع يكتم المساويء فيما يبيعه ويظهر المحاسن وأرض دلصتها السيول
стр. 2662
انتقلت بها من حال الى حال فجعلتها ملساء ومنه درع دلاص قال أبو الطيب:
لأمة فاضة أضاة دلاص ... أحكمت نسجها يدا داوود
ودلع وأدلع لسانه أخرجه من فمه ودلع بنفسه واندلع خرج واسترخى من كرب أو عطش كما يدلع الكلب ومن المجاز: اندلع السيف من غمده واندلق، واندلعت ألسنة النيران والمدلّع المتربي في العز والنعمة والاسم الدلاعة وهو من كلام العامة فهو عامي فصيح، ودلف إذا مشى مشي المقيد يقال دلف الشيخ والمقيّد دليفا ودلوفا وهو فوق الدبيب وشيخ دالف وعجائز دوالف قال طرفة:
لا كبير دالف من هرم ... أرهب الناس ولا كلّ الظفر
وجاء يدلف بحمله لثقله. ودلق عليهم السيل ودلقت عليهم الخيل واندلقت، ودلقوا عليهم الغارة شنوها ودلق البعير شقشقته أخرجها، وضربه فاندلقت أقتاب بطنه، ودلك الشيء مرسه بيده وقد تقدم ودله على الطريق وهو دليل المفازة، ودلت تدلّ وهي حسنة الدل والدلال، أي أخرجت كل ما لديها من مفاتن جسمية لتستهوي بها الآخرين ودله فلان دلها تحير وذهب عقله من هم أو عشق ففيه انتقال معنوي وأدليت دلوي في البئر أرسلتها فيها ودلى رجليه من السرير وتدلت الثمرة من الشجرة همت بالانتقال منها وأدلى بحقه وبحجته أحضرها فكأنه نقلها الى مكان النقاش ويطول بنا القول إن رحنا تنقصى ما في هذه المادة العجيبة.
(غَسَقِ اللَّيْلِ) : الغسق الظلمة وقيل دخول أول الليل قاله النضر بن شميل وقيل هو سواد الليل وظلمته وأصله من السيلان يقال:
стр. 2663
عسقت العين أي سال دمعها فكأن الظلمة تنصب على العالم وتسيل عليهم وفي الأساس: «يقولون من الغسق الى الفلق وهو دخول أول الليل حين يختلط الظلام وقد غسق الليل يغسق غسقا، وبنو تميم على أغسق، قال ابن قيس:
إن هذا الليل قد غسقا ... واشتكيت الهمّ والأزقا
وقال جساس:
أزور إذا ما أغسق الليل خلّتي ... حذار العدى أو أن يرجّم قائل
(فَتَهَجَّدْ) : الهجود ترك النوم للصلاة وفيه خلاف بين أهل اللغة فقيل هو النوم وقيل الهجود مشترك بين النائم والمصلّي وقال ابن الأعراب ي تهجد صلى من الليل وتهجد نام وهو قول أبي عبيد والليث ووزن تفعّل يأتي للسلب نحو تحرّج وتأثم وتحوّب وفي الأساس:
وهجد الرجل هجودا وتهجّد: ترك الهجود للصلاة (فَتَهَجَّدْ بِهِ) وبات فلان متهجدا: متوحدا، وهجّدنا مكّنا من الهجود قال لبيد:
قال هجّدنا فقد طال السّرى ... وقدرنا إن خنى الدهر غفل
وفي القاموس والتاج: «الهجود النوم بالنهار والهجوع النوم بالليل والتهجد صلاة الليل» .
(نافِلَةً) : زائدة.
الإعراب:
(أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى غَسَقِ اللَّيْلِ) أقم الصلاة فعل أمر وفاعل مستتر تقديره أنت ومفعول به ولدلوك في هذه اللام وجهان
стр. 2664
أحدهما أن تكون بمعنى بعد أي بعد دلوك الشمس كقولهم كتبت كتابي لثلاث خلون وستأتي معاني اللام في باب الفوائد والثاني أن تكون على بابها أي لأجل دلوكها وقد انتفى اتحاد الوقت واتحاد الفاعل في أقم الصلاة لدلوك الشمس، ففاعل القيام المخاطب وفاعل لدلوك هو الشمس، وزمنهما مختلف فزمن الاقامة متأخر عن زمن الدلوك فلذلك جر بلام التعليل، وقيل هي لابتداء الغاية وان في الكلام حذف مضاف، والجار والمجرور متعلقان بأقم على كل حال. والى غسق الليل فيه وجهان أحدهما أن تعلقه بأقم أيضا لانتهاء غاية إقامة الصلاة والثاني انه متعلق بمحذوف حال من الصلاة أي أقمها ممتدة إلى غسق الليل. (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً) الواو عاطفة وقرآن عطف على الصلاة أو نصب على الإغراء فالأول معناه وأقم صلاة الصبح عبّر عن الصلاة بالقراءة وهي أحد أركانها والثاني معناه وعليك قرآن الفجر أي الزمه والأول أقل تكلفا كما انه لم يسمع إضمار أسماء الأفعال وهي عاملة وجملة إن قرآن إلخ تعليل للأمر وإن واسمها وجملة كان مشهودا خبرها، ومشهودا خبر كان واسمها مستتر تقديره هو. (وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ) الواو عاطفة ومن الليل متعلقان بتهجد أي تهجد بالقرآن بعض الليل ولك أن تعلقهما بمحذوف أي قم قومة من الليل وقال الحوفي من متعلقة بفعل دل عليه معنى الكلام تقديره واسهر من الليل بالقرآن، والفاء عاطفة وتهجد فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وبه متعلقان بتهجد ونافلة حال ولك صفة لنافلة أي صل حال كون الصلاة نافلة لك ويجوز أن تكون نافلة مصدرا كالعافية والعاقبة فتكون مفعولا مطلقا والمعنى فتنفل نافلة ولا أدري كيف أعربها بعضهم مفعولا لتهجد وهو فعل لازم إلا أن يقال انه ضمنه معنى أعبد وما أغنانا عن ذلك. (عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً) عسى من أفعال الرجاء والرجاء من الله قطعي الوقوع واسم عسى مستتر
стр. 2665
وأن يبعثك خبرها وربك فاعل يبعثك أو المسألة من باب التنازع ومقاما نصب على الظرف أي يبعثك في مقام أو مفعول مطلق لأن يبعثك هنا معناها يقيمك أو حال أي يبعثك ذا مقام ومحمودا صفة مقاما.
(وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ) رب منادى محذوف منه حرف النداء وأدخلني فعل دعاء وفاعل مستتر والياء مفعول به ومدخل صدق مفعول مطلق لأنه مصدر ميمي وإضافته لصدق من إضافة الموصوف الى صفته أو للبيان وأخرجني مخرج صدق عطف على الجملة المماثلة. (وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً) واجعل عطف على ادخلني وأخرجني ولي مفعول ثان لاجعل وسلطانا مفعول أول لاجعل ونصيرا صفة ومن لدنك حال لأنه كان صفة لسلطانا أو متعلق بما تعلق به الأول. (وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ) أي قل عند دخولك مكة فاتحا وجملة جاء الحق مقول القول وزهق الباطل عطف عليه. (إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً) ان واسمها وجملة كان خبرها وزهوقا خبر كان.
البلاغة:
في قوله «وقل جاء الحق وزهق الباطل ان الباطل كان زهوقا» .
فن التذييل وهو أن يذيل الناظم والناثر كلامه بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتجري منه مجرى المثل لزيادة التحقيق والفرق بينه وبين التكميل أن التكميل يرد على معنى يحتاج الى الكمال والتذييل لم يفد غير تحقيق الكلام الأول وتوكيده وهذه الآية من أعظم الشواهد عليه فالجملة الأخيرة هي
стр. 2666
التذييل الذي خرج مخرج المثل السائر ومن شواهده في النظم قول النابغة الذبياني:
ولست بمستبق أخا لا تلمّه ... على شعث أيّ الرجال المهذّب
أي المنفي الفعال المرضي الخصال فصدر البيت دل بمفهومه على نفي الكامل من الرجال وعجزه تأكيد لذلك وتقرير لأن الاستفهام فيه للانكار أي لا مهذب في الرجال وقد اتفق علماء البديع على ان قوله:
أي الرجال المهذب، من أحسن تذييل وقع في شعر لأنه خرج مخرج المثل ومن ثم قالوا ان النابغة كان أشعر الناس بربع بيت.
الفوائد:
١- تحققت البشارة، وأتى أمر الله ودخل محمد مكة فاتحا، كما هو معروف في تاريخ السيرة، وقال جبريل لمحمد- ﷺ عند ما نزل بهذه الآية يوم الفتح: خذ مخصرتك ثم ألقها فجعل يأتي صنما صنما وهو ينكث بالمخصرة في عينه ويقول: جاء الحق وزهق الباطل فينكب الصنم لوجهه حتى ألقاها جميعا وبقي منها صنم خزاعة فوق الكعبة وكان من قوارير صفر فقال: يا علي ارم به فصعد فرمى به فكسره إلى آخر هذه القصة الفريدة.
٢- معاني اللام الجارة:
أورد ابن هشام في مغني اللبيب أن لّلام الجارة اثنين وعشرين معنى واكتفى غيره بذكر اثني عشر معنى فقط وأنكر أن يكون لها هذه المعاني الأخرى وفيما يلي تلخيص مفيد لذلك:
стр. 2667
١- الملك نحو «الله ما في السموات» .
٢- شبه الملك. وجعل ابن هشام هذا القسم قسمين وهما الاختصاص نحو: السرج للدابة والاستحقاق وهي الواقعة بين معنى وذات نحو «العزة لله» والأمر لله.
٣- التعدية الى المفعول به نحو «فهب لي من لدنك وليا» ورجح ابن هشام وغيره أن يمثل لها بنحو: ما أضرب زيدا لعمرو لأن ضرب متعد في الأصل ولكنه لما بني منه فعل التعجب نقل الى فعل بضم العين فصار لازما فعدي بالهمزة إلى زيد وباللام الى عمرو.
٤- التعليل كقول أبي صخر الهذلي:
وإني لتعروني لذكراك هزة ... كما انتفض العصفور بلّله القطر
أي لأجل ذكري إياك.
٥- التوكيد وهي الزائدة وهي أنواع منها:
آ- اللام المعترضة بين الفعل المتعدي ومفعوله كقول ابن ميادة الرماح يمدح عبد الملك بن مروان:
وملكت ما بين العراق ويثرب ... ملكا أجار لمسلم ومعاهد
أي أجار مسلما ومعاهدا.
ب- ومنها اللام المقحمة بين المتضايفين كقول زهير بن أبي سلمى:
سئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولا لا أبا لك يسأم
стр. 2668
والأصل لا أباك موجود وهو تعبير يحتمل المدح والذم وانجرار ما بعدها بالاضافة.
ح- ومنها لام المستغاث، فإنها زائدة عند المحققين بدليل صحة إسقاطها.
٦- تقوية العامل الذي ضعف إما بكونه فرعا في العمل كالمصدر واسمي الفاعل والمفعول وأمثلة المبالغة نحو «مصدقا لما معهم» ونحو «فعّال لما يريد» واما بتأخره عن المعمول نحو «إن كنتم للرؤيا تعبرون» والأصل إن كنتم تعبرون الرؤيا فلما أخر الفعل وقدم معموله عليه ضعف عمله فقوي باللام وجعلها ابن هشام في المغني زائدة والأصح أنها ليست كذلك.
٧- موافقة «الى» أي لانتهاء الغاية نحو «كل يجري لأجل مسمى» أي الى أجل مسمى.
٨- القسم وتختص بالجلالة لأنها خلف عن التاء نحو:
لله لا يؤخر الأجل.
٩- التعجب نحو: لله درك أي ما أكثر درك وأكثر ما تستعمل في النداء كقول امرئ القيس:
فيا لك من ليل كأن نجومه ... بكل مغار الفتل شدت بيذبل
١٠- الصيرورة أو العاقبة أو المآل نحو «فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا» وقول أبي العتاهية:
لدوا للموت وابنوا للخراب فإن الموت ليس علة للولد والخراب ليس علة للبناء ولكن صار
стр. 2669
عاقبتهما ومآلهما الى ذلك وأنكرها الزمخشري وقال: والتحقيق انها لام العلة وان التعليل فيها وارد على المجاز دون الحقيقة» .
١١- البعدية نحو «أقم الصلاة لدلوك الشمس» وقد تقدم ذكرها لأن الوقت إنما يدخل ونعلمه بالدلوك فلا تقام الصلاة إلا بعد الدلوك وهو ميل الشمس عن الاستواء ومنه قوله ﷺ :
«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته» وقول متمم بن نويرة:
فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نبت ليلة معا
١٢- الاستعلاء أي موافقة على حقيقة نحو «يخرون للأذقان» جمع ذقن أي عليها ومجازا نحو «وإن أسأتم فلها» أي عليها.
١٣- موافقة في نحو «قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو» أي لا يجليها في وقتها إلا هو.
١٤- موافقة «عند» كقراءة الحجوري «بل كذبوا بالحق لما جاءهم» بكسر اللام وتخفيف اللام أي عند مجيئه إياهم.
١٥- موافقة «مع» كقول متمم بن نويرة الآنف الذكر: فلما تفرقنا إلخ.
١٦- موافقة «من» نحو سمعت له صراخا وقول جرير:
لنا الفضل في الدنيا وأنفك راغم ... ونحن لكم يوم القيامة أفضل
أي ونحن منكم أفضل.
١٧- التبليغ نحو «قل لعبادي» وضابطها أن تجر اسم السامع لقول.
стр. 2670
١٨- موافقة «عن» إذا استعملت مع القول نحو «وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه» .
١٩- التمليك نحو: وهبت لزيد دينارا.
٢٠- التعليل نحو قول امرئ القيس:
ويوم عقرت للعذارى مطيتي ... فيا عجبا من كورها المتحمل
ومنها اللام الداخلة لفظا على المضارع نحو «وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس» وانتصاب الفعل بعدها بأن مضمرة.
٢١- توكيد النفي وهي الداخلة في اللفظ على الفعل مسبوقا بما كان أو بلم يكن نحو «وما كان الله ليطلعكم على الغيب» ويسميها أكثر النحاة لام الجحود.
٢٢- التبيين وقد تقدم ذكرها ونعيدهاهنا مفصلة فنقول هي ثلاثة أقسام:
آ- ما تبين المفعول من الفاعل وضابطها أن تقع بعد فعل تعجب أو اسم تفضيل مفهمين حبا أو بغضا تقول ما أحبني وما أبغضني فإن قلت لفلان: أنت فاعل الحب والبغض وهو مفعولهما وإن قلت: الى فلان فالأمر بالعكس.
ب وج- ما يبين فاعلية غير ملتبسة بمفعولية وما يبين مفعولية غير ملتبسة بفاعلية ومصحوب كل منهما إما غير معلوم مما قبلها أو معلوم لكن استؤنف بيانه تقوية للبيان وتوكيدا له واللام في ذلك كله
стр. 2671
متعلقة بمحذوف، مثال المبينة للمفعولية: سقيا لزيد وجدعا له، فهذه اللام ليست متعلقة بالمصدرية ولا بفعليهما المقدرين لانهما متعديان ولا هي مقوية للعامل لضعفه بالفرعية وإنما هي لام مبينة للمدعو له أو عليه.
واختلف في قوله تعالى «هيهات هيهات لما توعدون» فقيل اللام زائدة وما فاعل وقيل الفاعل ضمير مستتر راجع الى البعث والإخراج فاللام للتبيين والبحث في اللام طويل ومرجعه للمطولات.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٢ الى ٨٤]
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَساراً (٨٢) وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً (٨٣) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلاً (٨٤)
اللغة:
(نَأى) : النأي بالجانب أن يوليه عطفه ويوليه ظهره وأراد الاستكبار لأن ذلك ديدن المستكبرين وفي المصباح: «ونأى نأيا من باب نفع بعد» ويتعدى بنفسه وبالحرف وهو الأكثر فيقال نأيته ونأيت عنه ويتعدى بالهمزة فيقال أنأيته.
(شاكِلَتِهِ) : مذهبه وطريقته التي تشاكل حاله في الهدى والضلالة من قولهم طريق ذو شواكل وهي الطريق التي تتشعب منه والمعنى كل
стр. 2672
إنسان يعمل حسب جوهر نفسه فإن كانت نفسه شريفة طاهرة صدرت عنه أفعال جميلة وإن كانت نفسه كدرة خبيثة صدرت عنه أفعال خبيثة فاسدة.
الإعراب:
(وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) الواو عاطفة وننزل فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن ومن القرآن حال على أن من للتبيين ويجوز أن تكون لابتداء الغاية أو تبعيضية فهي متعلقة بننزل كما اختار أبو حيان وما مفعول به وهو مبتدأ وشفاء خبر والجملة صلة الموصول ورحمة عطف على شفاء وللمؤمنين متعلقان بشفاء.
(وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَساراً) الواو حالية ولا نافية ويزيد الظالمين فعل وفاعل مستتر ومفعول به وإلا أداة حصر وخسارا مفعول به ثان.
(وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ) الواو حرف عطف وإذا ظرف مستقبل وجملة أنعمنا مضافة للظرف وهو فعل وفاعل وعلى الإنسان متعلقان به وجملة أعرض لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ونأى عطف على أعرض وبجانبه متعلقان بنأى. (وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً) عطف على ما تقدم وجملة مسه الشر مضافة للظرف وجملة كان لا محل لها واسم كان مستتر تقديره هو ويئوسا خبر كان. (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ) كل مبتدأ أي كل أحد وجملة يعمل خبر وعلى شاكلته متعلقان بيعمل. (فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدى سَبِيلًا) الفاء استئنافية وربكم مبتدأ وأعلم خبره وبمن متعلقان بأعلم وهو مبتدأ وأهدى خبر والجملة صلة وسبيلا تمييز.
стр. 2673
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٥ الى ٨٧]
وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٥) وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلاً (٨٦) إِلاَّ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً (٨٧)
الإعراب:
(وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) الواو استئنافية ويسألونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وعن الروح متعلقان بيسألونك والضمير يعود على اليهود المتعنتين الذين سألوه تجنيا منهم عن أصحاب الكهف وعن ذي القرنين وعن الروح فبين لهم القصتين وأبهم أمر الروح وهو مبهم في التوراة. (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا) الروح مبتدأ ومن أمر ربي خبر أي انه مما استأثر الله بعلمه والواو عاطفة أو حالية وما نافية وأوتيتم فعل ماض مبني للمجهول ومن العلم متعلقان بأوتيتم وإلا أداة حصر وقليلا مفعول به ثان لأوتيتم أي شيئا قليلا بالنسبة الى علمه تعالى وان كان كثيرا في حد ذاته. (وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وان شرطية وشئنا فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط واللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف أي ذهبنا به على القاعدة في اجتماع الشرط والقسم من حذف جواب المتأخر استغناء عنه بجواب المتقدم وبالذي متعلقان بنذهبن وجملة أوحينا صلة وإليك متعلقان بأوحينا.
(ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وَكِيلًا) ثم حرف عطف ولا نافية وتجد فعل
стр. 2674
مضارع مرفوع وفاعله أنت ولك متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لوكيلا وبه متعلقان بتجد وعلينا متعلقان بوكيلا ووكيلا مفعول به أي لا تجد من يتوكل علينا باسترداده بعد رفعه.
(إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كانَ عَلَيْكَ كَبِيراً) يجوز في هذا الاستثناء أن يكون متصلا لأن الروح يندرج في قوله وكيلا أي إلا رحمة فيكون مستثنى أو بدلا من وكيلا ويجوز أن يكون منقطعا. وإلا بمعنى لكن فتعرب رحمة مفعولا من أجله والتقدير حفظناه عليك للرحمة أو مفعولا مطلقا والتقدير لكن رحمناك رحمة ومن ربك صفة لرحمة وان واسمها وجملة كان خبرها وعليك حال لأنه كان صفة لكبيرا وكبيرا خبر كان.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٨٨ الى ٨٩]
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً (٨٨) وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُوراً (٨٩)
الإعراب:
(قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ) لئن اللام موطئة للقسم وإن شرطية واجتمعت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والانس فاعل والجن عطف على الانس وعلى أن يأتوا: أن وما في حيزها في محل جر بعلى والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال
стр. 2675
أي متظاهرين ومتعاونين وبمثل متعلقان بيأتوا وهذا مضاف لمثل والقرآن بدل. (لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً) لا يأتون لا نافية ويأتون فعل مضارع مرفوع لأنه جواب القسم المحذوف لتقدمة لا جواب الشرط والواو فاعل وبمثله متعلقان بيأتون ولو: الواو حالية ولو وصلية وكان فعل ماض ناقص وبعضهم اسم كان ولبعض متعلقان بظهيرا وظهيرا خبر كان وجملة لو كان إلخ حالية ولهذا التركيب قاعدة نوردها في باب الفوائد . (وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصرفنا فعل وفاعل وفي هذا متعلقان بصرفنا والقرآن بدل ومن كل مثل صفة للمفعول به المحذوف أي من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه. (فَأَبى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُوراً) فأبى عطف على صرفنا وأكثر الناس فاعل وإلا أداة حصر لأن أبى متأول بالنفي كأنه قيل فلم يرضوا إلا كفورا، وكفورا مفعول به.
الفوائد:
إذا أتى حرف العطف قبل لو الوصلية كان عاطفا على مقدر ويكون حذف المعطوف عليه مطردا لدلالة المعطوف دلالة واضحة عليه ففي قوله تعالى «ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا» فالعطف هنا على مقدر أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضهم ظهيرا لبعض ولو كان بعضهم ظهيرا لبعض فإن الإتيان بمثله حيث انتفى عند التظاهر فلأن ينتفي عند عدمه أولى وعلى هذه النكتة يدور ما في إن ولو الوصليتين من التأكيد ومحله النصب على الحال حسبما عطف عليه أي لا يأتون بمثله على كل حال مفروض ولو في هذه الحال المنافية لعدم الإتيان به فضلا عن غيرها.
стр. 2676
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٠ الى ٩٣]
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاَّ بَشَراً رَسُولاً (٩٣)
اللغة:
(يَنْبُوعاً) : الينبوع بفتح الياء عين غزيرة لا ينصب ماؤها وهو يفعول من نبع الماء كيعبوب من عب الماء إذا زخر وكثرت أمواجه وللنون مع الباء فاء وعينا للكلمة سرّ عجيب مطرد وهو أنها تدل على الظهور والبروز وقد أحصيناها في جميع تراكيبها فرأيناها لا تنفك عن أداء هذا المعنى: فنبأ معناها ارتفع والنبأ الخبر والنبوءة، والنبوة الاخبار عن الغيب أو المستقبل، والنابئ المكان المرتفع المحدودب وسيل نابىء طارئ من حيث لا يدرى وكل شيء يظهر، قال:
ألا فاسقياني وانفيا عنكما القذى ... وليس القذى بالعود يسقط في الخمر
стр. 2677
ولكن قذاها كل أشعث نابىء ... أتتنا به الأقدار من حيث لا ندري
ونبّ التيس نبا: صاح عند الهياج وليس أظهر من ذلك ورمح مطرد الأنابيب وشرب من أنبوب الكوز وله أنبوب من نخل وغيره، قال:
أو من مشعشعة ورهاء نشوتها ... أو من أنابيب رمّان وتفّاح
ونبت المكان صار ذا نبت ظاهر وظهر النبت والنبات في الأرض والنابتة مؤنث النابت والناشئة من الأولاد والأنعام ونبث التراب من الحفرة استخرجه، ونبثوا عن الأمر: بحثوا عنه ولا يزالون يتنابثون عن الأسرار ويتباحثون عن الأخبار والانبوثة بضم الهمزة: لعبة للصبيان يدفنون شيئا في حفيرة فمن استخرجه غلب، وانه لنفّاج نبّاج ليس معه إلا الكلام، ونبحته الكلاب معروفة واستنبح الضيف الكلاب عند ظهوره، قال الأخطل وهو أهجى بيت:
قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار
ونبذ الشيء من يده طرحه ورمى به وصبي منبوذ والتقط فلان منبوذا ونبذ أمري وراء ظهره ونبذ النبيذ وهو أن يلقي الثمر في الجرّ وغيره، والنبيذ التمر المنبوذ والخمر المعتصر من العنب وغيره وجمعه أنبذة والنبّاذ بائع النبيذ، ونبر الغلام ترعرع ونبر المغنّي رفع صوته بعد خفض ونبر الحرف همزه والمنبر محل مرتفع يرتقيه الخطيب أو
стр. 2678
الواعظ يكلم منه الجمع سمي بذلك لارتفاعه وكسرت الميم على التشبيه بالآلة والجمع منابر، والنبز اللقب ونبزه بكذا لقبه ليعرف به وهو شائع في الألقاب القبيحة، ونبس بالمجلس ونبّس تكلم وأكثر استعماله بعد النفي يقال: ما نبس بكلمة وتقول كلّمته فعبس وما نبس، ونبش الشيء المستور أبرزه وأظهره ونبش الكنز من الأرض كشفه واستخرجه وهو ينبش الأسرار، قال:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وهو ينبش لعياله ويحترش إذا استخرج رزقهم من هنا وهنا واحتال، وانتبش العروق من الأرض استخرجها قال الكميت:
موتهنّ انتباشهن من الأر ... ض ويحيين ما سكنّ القبورا
أي ما دامت العروق تحت الأرض كانت حية فإذا انتبشت ماتت، والنبّاش فعال للمبالغة الذي ينبش القبور، ونبص الغلام بالطائر والكلب وهو أن يضمّ شفتيه ويدعوه، ونبض عرقه نبضا ونبضانا وتقول: رأيت ومضة برق كنبضة عرق، ونبط الماء نبع، واستنبط البئر أخرج ماءها واستنبط العرب صاروا نبطا، قال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن بقيلة: أعرب أنتم أم نبيط؟ فقال: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا، وقال أبو العلاء المعري:
أين امرؤ القيس والعذارى ... إذ مال من تحته الغبيط
استنبط العرب في الموامي ... بعدك واستعرب النبيط
стр. 2679
وتقدم القول في النبع والينوع ونبغ الشيء خرج وظهر ونبغ الرجل: قال الشعر وأجاده ويقال إن النابغة قال الشعر على كبر سنه فاجاد فسمي النابغة وقيل بل لقوله:
وحلت في بني القين بن جسر ... فقد نبغت لنا منهم شئون
وهو نابغة من النوابغ ونبغ في العلم وفي كل صناعة. ونبق الشيء ينبق ظهر والنّبق والنّبق والنّبق والنّبق: حمل شجر السدر الواحدة نبقة وعن بعض العرب: ان النبق ليعجبني وان النّبق لي لمؤذ وفي الحديث «ونبقها كقلال هجر» ، ووقعنا في نبك من الأرض ونباك جمع نبكة وهي الأكمة المحددة الرأس ونبك المكان ارتفع وهضاب نوابك، قال ذو الرمة:
طواهن تغويري إذا الآل أرفلت ... به الشمس أزر الحزورات النوابك
ونبل الرجل كان ذا نبالة وفضل ظاهرتين ورجل نابل ونبّال معه نبل قال امرؤ القيس:
أيقتلني والمشرفيّ مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبّال
ورجل تنبال: قصير، ونبه ينتبه للأمر فطن له وكان ذا نباهة وشرف، ونبا السيف عن الضريبة نبوّا ونبوة وسيف ناب ولكل صارم نبوة، قال:
стр. 2680
أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه
وقد رمق سماء هذا المعنى حافظ ابراهيم فقال:
لا تلم كفي إذا السيف نبا ... صّح مني العزم والدهر أبى
(كِسَفاً) : قطعا يقال: كسفت الثوب قطعته وقال الزجاج كسف الشيء بمعنى غطاه قيل ولا يعرف هذا لغيره وفي الأساس: «وهذه كسفة وكسف وكسف من السحب وأعطني كسفة من الثوب:
قطعة» .
(قَبِيلًا) : كفيلا بما تقول شاهدا بصحته وقيل مقابلة وعيانا وقيل هو جمع قبيلة أي بأصناف الملائكة قبيلة قبيلة يشهدون بصحة ما تقول واللغة تحتمل الجميع.
(زُخْرُفٍ) ذهب وهو المراد هنا ولها معان شتى منها حسن الشيء وزخرف الكلام أباطيله المموهة وزخرف الأرض ألوان نباتها والجمع زخارف وزخرف الشيء حسنه وزينه، والكلام موّهه بالكذب.
الإعراب:
(وَقالُوا: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) الواو عاطفة وقالوا فعل وفاعل ولن حرف نفي ونصب واستقبال ونؤمن نصب بها وفاعل نؤمن مستتر تقديره نحن ولك متعلقان بنؤمن وحتى حرف غاية وجر وتفجر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى ولنا جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ومن الأرض متعلقان بتفجر وينبوعا
стр. 2681
مفعول به. (أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيراً) أو حرف عطف وتكون عطف على تفجر وهو المطلب الثاني من مطالبهم الستة. ولك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون المقدم، وجنة اسمها المؤخر، فتفجر: الفاء عطف وتفجر عطف على تكون وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والأنهار مفعول به وخلالها ظرف متعلق بمحذوف حال أي كائنة خلالها وتفجيرا مفعول مطلق. (أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفاً) أو حرف عطف وتسقط عطف على ما تقدم وهو المطلب الثالث والسماء مفعول به والكاف حرف جر أو اسم بمعنى مثل وهي مع ما المصدرية المؤولة بمصدر نعت لمصدر محذوف أو نصب على الحال وعلينا متعلقان بتسقط وكسفا حال من السماء والاشارة الى قوله تعالى «إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء» . (أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا) وهذا هو المطلب الرابع من مطالبهم المتعنتة وبالله متعلقان بتأتي والملائكة عطف على الله وقبيلا حال من الله والملائكة وقد تقدم معناها في باب اللغة. (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ) وهذان هما المطلبان الخامس والسادس. ولك خبر يكون المقدم وبيت اسم يكون المؤخر ومن زخرف متعلقان بمحذوف صفة لبيت أو حرف عطف وترقى عطف على ما تقدم وبه تكتمل المطالب الستة المتعنتة وفي السماء جار ومجرور متعلقان بترقى ومعنى الرقي الصعود في السماء.
(وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتاباً نَقْرَؤُهُ) الواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال ونؤمن منصوب بها وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن ولرقيك متعلقان بنؤمن وحتى حرف غاية وجر وتنزل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وعلينا متعلقان بتنزل وكتابا مفعول به وجملة نقرؤه نعت لكتابا أو حال مقدرة من نا في علينا. (قُلْ سُبْحانَ
стр. 2682
رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا)
قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت أي قل في الرد على العناد واللجاج وسبحان ربي مفعول مطلق والجملة مقول القول ومعناها التعجب من هذا اللجاج وتنزيه الله سبحانه عن أن يشاركه أحد في قدرته وهل حرف استفهام معناه النفي والإنكار وكنت فعل ماض ناقص والتاء اسمها وإلا أداة حصر وبشرا خبر كنت أو حال ورسولا نعت أو خبر كنت.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٤ الى ٩٦]
وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلاَّ أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولاً (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولاً (٩٥) قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً (٩٦)
الإعراب:
(وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى) الواو عاطفة أو استئنافية وما نافية ومنع فعل ماض والناس مفعول به مقدم وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول به ثان لمنع وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بمنع أي وما منع الناس الايمان وقت مجيء الهدى وجملة جاءهم الهدى مضاف إليها الظرف. (إِلَّا أَنْ قالُوا: أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَراً رَسُولًا) إلا أداة حصر وأن وما في حيزها في محل رفع فاعل منع والهمزة للاستفهام الانكاري وما أنكروه هو المنكر، وبعث الله فعل وفاعل وبشرا حال من رسولا لأنه كان نعتا له وتقدم عليه كما هي القاعدة ورسولا مفعول به. (قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ
стр. 2683
مُطْمَئِنِّينَ)
قل فعل أمر ولو شرطية وكان فعل ماض ناقص وفي الأرض متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم وملائكة اسمها المؤخر وجملة يمشون صفة لملائكة ومطمئنين حال ويجوز في كان التمام وملائكة هي الفاعل (لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكاً رَسُولًا) اللام واقعة في جواب لو ونزّلنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بنزلنا ومن السماء متعلقان بنزلنا أيضا وملكا حال من رسولا، ورسولا مفعول نزلنا. (قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ) كفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والله مجرور بالباء لفظا وهو فاعل كفى محلا وشهيدا تمييز وبيني الظرف متعلق بشهيدا وبينكم عطف على الظرف الأول. (إِنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيراً بَصِيراً) إن واسمها وجملة كان خبرها وخبيرا بصيرا خبران لكان.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ٩٧ الى ١٠٠]
وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً (٩٧) ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً (٩٨) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً (٩٩) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً (١٠٠)
стр. 2684
الإعراب:
(وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم ليهد، ويهد فعل الشرط والله فاعل فهو الفاء رابطة لجواب الشرط لأنه جملة اسمية وهو مبتدأ والمهتدي خبره وتحذف الياء في رسم المصحف وجملة هو المهتدي في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من على الأصح. (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِهِ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على سابقتها ولهم متعلقان بأولياء ومن دونه حال. (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمًّا) ونحشرهم الواو استئنافية ونحشرهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به ويوم القيامة متعلق بنحشرهم وعلى وجوههم حال من الهاء في نحشرهم وعميا وما عطف عليه أحوال أيضا.
(مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً) مأواهم جهنم جملة مستأنفة مؤلفة من مبتدأ وخبر وكلما ظرف متضمن معنى الشرط وقد تقدم وهو متعلق بالجواب وهو زدناهم وسعيرا مفعول به ثان وجملة كلما خبت حال من جهنم. (ذلِكَ جَزاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنا) ذلك اسم اشارة مبتدأ وجزاؤهم خبره وبأنهم أن وما في حيزها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بجزاؤهم ويجوز أن يكون جزاؤهم بدلا من ذلك وبأنهم هو الخبر وجملة كفروا خبر أن وبآياتنا متعلقان بكفروا (وَقالُوا أَإِذا كُنَّا عِظاماً وَرُفاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) الهمزة للاستفهام الانكاري وإذا ظرف مستقبل وكنا عظاما كان واسمها وخبرها ورفاتا عطف على عظاما والهمزة للاستفهام الإنكاري أيضا وان واسمها واللام المزحلقة ومبعوثون خبر إنا وخلقا حال وجديدا نعت ولك أن تجعل خلقا مفعولا مطلقا من معنى الفعل أي نبعث بعثا جديدا.
стр. 2685
(أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ قادِرٌ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري للرد على إنكارهم، والواو عاطفة على محذوف وقد تقدم تحقيقه كثيرا وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يروا والذي صفة لله وجملة خلق السموات والأرض صلة وقادر خبر أن وعلى أن متعلقان بقادر ومثلهم صفة للمفعول المحذوف أي خلقا مثلهم وتقرير ذلك أن مثل الشيء مساويا له في حال فجاز أن يعبر به عن الشيء نفسه. (وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لا رَيْبَ فِيهِ) الواو عاطفة وجعل معطوف على أو لم يروا لأنه في تقدير قد رأوا والمعنى قد علموا بالدلائل العقلية أن من قدر على خلق السموات والأرض هو قادر على خلق أمثالهم وجعل أجل لهم، ولهم متعلقان بمحذوف مفعول جعل الثاني وأجلا مفعول جعل لأول ولا ريب فيه الجملة صفة لأجلا ولا نافية للجنس وريب اسمها المبني على الفتح وفيه خبرها. (فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُوراً) تقدم تقريره قريبا فجدد به عهدا. (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي) لو شرطية وحقها أن تدخل على الأفعال دون الأسماء فلا بد من تقدير فعل يفسره ما بعده أي لو تملكون فلما أضمر على شريطة التفسير انفصل الضمير فأنتم تأكيد للفاعل المستتر في الفعل المحذوف الذي يفسره ما بعده وسيأتي بحث ذلك مفصلا في باب الفوائد.
وغلط من أعرب أنتم فاعلا لأن ضمير المخاطب لا يجوز إظهاره وجملة تملكون مفسرة لا محل لها وخزائن رحمة ربي مفعول به.
(إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفاقِ وَكانَ الْإِنْسانُ قَتُوراً) اذن حرف جواب وجزاء مهمل، ولأمسكتم اللام واقعة في جواب لو والجملة لا محل لها وخشية الانفاق مفعول لأجله والواو حالية وكان الإنسان قتورا كان واسمها وخبرها والجملة نصب على الحال وسيرد تقرير هذا المعنى في باب الفوائد.
стр. 2686
الفوائد:
١- «لو» والاسم بعدها:
تقدم القول في غير موضع من هذا الكتاب أن الشرط لا يكون إلا بالأفعال لأنك تعلق وجود غيرها على وجودها والأسماء ثابتة موجودة لا يصح تعليق وجود شيء على وجودها ولذلك لا يلي حرف الشرط إلا الفعل ويقبح أن يتقدم الاسم فيه على الفعل، ولو داخلة في هذا التحديد وإذا وقع بعدها الاسم وبعده الفعل فالاسم محمول على فعل قبله مضمر يفسره الظاهر وذلك لاقتضائها الفعل دون الاسم ومن كلام حاتم «لو ذات سوار لطمتني» على تقدير لو لطمتني ذات سوار.
٢- معنى «وكان الإنسان قتورا» :
أورد بعض المتعنتين سؤالا اعترض فيه على قوله تعالى «وكان الإنسان قتورا» وقال على طريق التعنت والجدل اللفظي: كيف يصح هذا السلب الكلّيّ؟ وكيف يكون عموم الجنس الانساني ممسكا بخيلا ونحن نرى من بني الإنسان الجواد الكريم؟ والجواب في غاية البساطة وهو أن بناء أمر الإنسان في الأصل قائم على الحاجة والبخل بما يحتاج إليه للحفاظ على ما فيه قوام معيشته وملاك أمره وكسب الذكر الجميل والثناء العطر غاية لما يبذله حتى أن من بينهم- كما قال المعترض- لا الجواد الكريم فحسب بل الذي يرى بذل النفس والنفيس على حد قوله:
يجود بالنفس إن ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود
стр. 2687
٣- ذهب بعض المتأخرين من النحاة الى قياس إذا الظرفية على إذ في إلحاق التنوين بها و «إذا» ذا حذفت الجملة التي تضاف هي إليها عوض عنها التنوين كقوله تعالى «وإذا لآتيناهم» و «إذا لأمسكتم» و «إذا لأذقناك» و «إذا لا يلبثون» و «إنكم إذا لمن المقربين» قالوا وليست إذا في هذه الأمثلة الناصبة للمضارع لأن تلك تختص به ولذا عملت فيه ولا يعمل إلا ما يختص وهذه لا تختص به بل تدخل على الماضي وعلى الاسم وممن ذكر هذا الكافجي وأبو حيان في تذكرته والزركشي في البرهان وما نحسبه بعيدا قالوا «وتقول لمن قال أنا آتيك إذا أكرمك» بالرفع على معنى إذا أتيتني أكرمتك فحذف أتيتني وعوض التنوين من الجملة فسقطت الألف لالتقاء الساكنين.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠١ الى ١٠٤]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً (١٠١) قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلاَّ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً (١٠٢) فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً (١٠٣) وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً (١٠٤)
стр. 2688
اللغة:
(بَصائِرَ) : عبر وبينات جمع بصيرة قال قس بن ساعدة الإيادي:
في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر
وله فراسة ذات بصيرة وذات بصائر وهي الصادقة ورأيت عليك ذات البصائر قال الكميت:
ورأوا عليك ومنك في المهد النهى ذات البصائر (مَثْبُوراً) هالكا أو مصروفا عن الخير وفي المصباح: «وثبر الله الكافر ثبورا من باب قعد أهلكه وثبر هو يتعدى ويلزم» .
(لَفِيفاً) : قيل هو مصدر لف يلف لفيفا نحو النذير والنكير من لف الشيء يلفه لفا والألف المتداني الفخذين أو عظيم البطن وقيل هو اسم جمع لا واحد له من لفظه والمعنى جئنا بكم جميعا.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به أول وتسع آيات مفعول به ثان وبينات صفة للعدد فهي منصوبة أو صفة للمعدود فهي مجرورة وقد تقدم ذكر هذه الآيات وما فيها من خلاف ونوجزها هنا في رواية ابن عباس قال: هي العصا واليد والجراد والقمل والضفادع والدم والحجر والبحر والطور الذي نتقه على بني إسرائيل وعن الحسن
стр. 2689
هي الطوفان والسنون ونقص الثمرات مكان الحجر والبحر والطور وقيل غير ذلك ممالا علاقه له بكتابنا هذا. (فَسْئَلْ بَنِي إِسْرائِيلَ إِذْ جاءَهُمْ فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ: إِنِّي لَأَظُنُّكَ يا مُوسى مَسْحُوراً) الفاء الفصيحة إذا كان الخطاب لمحمد ﷺ وقيل الخطاب لموسى فتكون عاطفة على قول محذوف أي فقلنا له اسأل بني إسرائيل أي اسأل فرعون، وبني إسرائيل مفعول ثان وإذ ظرف لما مضى متعلق بآتينا على الأول وبالقول المقدر على الثاني وجملة جاءهم مضافة إليها الظرف فقال له عطف على مقدر أي إذ جاءهم وبلغهم الرسالة، فقال له فرعون فعل وفاعل وله متعلقان بقال، وإني ان واسمها واللام المزحلقة وأظنك فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا ومفعول به ويا موسى يا حرف نداء وموسى منادى مفرد علم ومسحورا مفعول به ثان أي سحرت فخولط عقلك واختل كلامك. (قالَ لَقَدْ عَلِمْتَ ما أَنْزَلَ هؤُلاءِ إِلَّا رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ بَصائِرَ) قال فعل ماض وفاعله مستتر أي موسى واللام جواب للقسم المحذوف وعلمت فعل وفاعل وما نافية وأنزل فعل ماض وهؤلاء مفعول به أي الآيات التي جئت بها وإلا أداة حصر ورب السموات والأرض فاعل وبصائر حال أي أنزلها بصائر وإنما احتجنا الى هذا التقدير لأن ما بعد إلا لا يكون معمولا لما قبلها وأجازه بعضهم فهي حال من هؤلاء. (وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً) الواو عاطفة وان واسمها واللام المزحلقة وجملة أظنك خبر إن ويا فرعون نداء ومثبورا مفعول ثان لأظنك. (فَأَرادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ) الفاء عاطفة وأراد فعل وفاعل مستتر أي فرعون وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول أراد ومن الأرض متعلقان بيستفزهم. (فَأَغْرَقْناهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعاً) الفاء عاطفة وأغرقناه فعل وفاعل ومفعول به ومن الواو واو المعية ومن مفعول معه ويجوز عطفه على الهاء وسيأتي تفصيل ذلك في باب الفوائد ومعه
стр. 2690
ظرف مكان صلة من وجميعا حال. (وَقُلْنا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرائِيلَ) وقلنا عطف على ما تقدم ومن بعده حال ولبني إسرائيل متعلقان بقلنا.
(اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذا جاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ جِئْنا بِكُمْ لَفِيفاً) جملة اسكنوا مقول القول والأرض مفعول به على السعة وقد تقدم تفصيل ذلك فإذا الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل وجاء وعد الآخرة فعل وفاعل وجملة جئنا لا محل لها وبكم متعلقان بجئنا ولفيفا حال.
الفوائد:
حالات المفعول معه:
للمفعول معه خمس حالات:
١- وجوب العطف نحو: كل رجل وعمله ونحو اشترك زيد وعمرو لأن الاشتراك لا يتأتى الا من اثنين.
٢- ترجيح العطف نحو: جاء زيد وعمرو، لأنه الأصل.
٣- وجوب المفعول معه نحو: مالك وزيدا، لامتناع العطف، ونحو: مات زيد وطلوع الشمس لأن العطف يقتضي التشريك وهو باطل هنا.
٤- ترجيح المفعول معه نحو قوله:
فكونوا أنتم وبني أبيكم ... مكان الكليتين من الطحال
ونحو قمت وزيدا، ففي المثال الأول يكون المعنى مع العطف كونوا لهم وليكونوا لكم وذلك خلاف المقصود وفي المثال الثاني
стр. 2691
لا يحسن العطف على الضمير المتصل المرفوع إلا بعد توكيده بضمير منفصل.
٥- امتناع كليهما نحو:
علفتها تبنا وماء باردا ... حتى غدت همالة عيناها
وقول الآخر:
إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا
أما امتناع العطف فلانتفاء المشاركة لأن الماء لا يشاركه التبن في العلف والعيون لا تشارك الحواجب في التزجيج لأن تزجيج الحواجب تدقيقها وتطويلها يقال رجل أزج وامرأة زجاء إذا كانت حاجباهما دقيقين طويلين وأما امتناع المفعول معه فلانتفاء المعية في البيت الأول لأن الماء لا يصاحب التبن في العلف وانتفاء فائدة الاعلام بمصاحبة العيون للحواجب في البيت الثاني إذ أن المعلوم أن العيون مصاحبة للحواجب فلا فائدة في الاعلام بذلك ويجب في ذلك إضمار فعل ناصب للاسم الواقع بعد الواو على أنه مفعول به أي علفتها تبنا وسقيتها ماء باردا، وزججن الحواجب وكحلن العيون.
[سورة الإسراء (١٧) : الآيات ١٠٥ الى ١١١]
وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً (١٠٥) وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلاً (١٠٦) قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ سُجَّداً (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً (١٠٩)
قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلاً (١١٠) وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً (١١١)
стр. 2692
اللغة:
(مُكْثٍ) بتثليث الميم أي تطاول في المدة وعلى مهل وتؤدة ولم ترد قراءة بالكسر.
(الْأَذْقانِ) : جمع ذقن وهو مجتمع اللحيتين وسيأتي تفصيل واسع في باب البلاغة.
(تُخافِتْ) : تسر، يقال خفت الصوت من بابي ضرب وجلس إذا سكن ويعدى بالباء فيقال خفت الرجل بصوته إذا لم يرفعه وخافت بقراءته مخافته إذا لم يرفع صوته بها وخفت الزرع ونحوه مات فهو خافت.
стр. 2693
الإعراب:
(وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ) الكلام هنا مرتبط بما تقدم من كلامه تعالى عن القرآن وقوله: «قل لئن اجتمعت الانس والجن» إلخ على طريق الاستطراد المتبع في أساليب العرب حيث ينتقلون من الصدد الذي هم فيه إلى غيره ثم يعودون إليه، وعلى كل فالواو استئنافية وبالحق متعلقان بأنزلناه وأنزلناه فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بنزل فالباء سببية فيهما ولك أن تجعلها للملابسة فيتعلق الجار والمجرور بمحذوف حال أي ملتبسا والحال من المفعول به أو ملتبسين بالحق فالحال من الفاعل وسيأتي المزيد من هذا البحث في باب البلاغة.
(وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً) الواو عاطفة وما نافية وأرسلناك فعل وفاعل ومفعول به وإلا أداة حصر ومبشرا حال ونذيرا معطوف عليه وسيأتي الحديث عن هذا القصر في باب البلاغة. (وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا) وقرآنا منصوب على الاشتغال بفعل محذوف يفسره ما بعده فتكون جملة فرقناه مفسرة أي جعلنا نزوله مفرقا منجما حسب الحوادث والوقائع ومقتضيات الأحوال، ولتقرأه اللام للتعليل وتقرأه مضارع منصوب بأن مضمرة والجار والمجرور متعلقان بفرقناه وفرقناه فعل وفاعل ومفعول به وعلى الناس متعلقان بتقرأه وعلى مكث في موضع الحال من الفاعل أي متريثا متمهلا وشيئا بعد شيئا رعاية لمصالح العباد ومعايشهم، ونزلناه فعل وفاعل ومفعول به وتنزيلا مفعول مطلق. (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا) جملة آمنوا مقول القول والأمر للاحتقار أي سواء علينا إيمانكم أو عدمه فما أنتم بمن يؤبه لهم أو لا تؤمنوا وأو حرف عطف ولا ناهية وتؤمنوا مجزوم بلا. (إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ
стр. 2694
لِلْأَذْقانِ سُجَّداً)
ان واسمها وجملة أوتوا العلم صلة والعلم مفعول ثان لأوتوا والأول نائب الفاعل وهو الواو ومن قبله حال والجملة تعليلية للقول على سبيل التسلية له ﷺ وإذا ظرف مستقبل متعلق بيخرون وجملة يتلى مضاف إليها الظرف وعليهم متعلقان بيتلى وجملة يخرون لا محل لها لأنها جواب إذا وللأذقان متعلقان بيخرون وسجدا حال. (وَيَقُولُونَ سُبْحانَ رَبِّنا إِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولًا) ويقولون عطف على يخرون وسبحان ربنا مفعول مطلق وإن مخففة مهملة واسمها ضمير الشأن وجملة كان خبرها ووعد ربنا اسم كان واللام الفارقة ومفعولا خبرها. (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً) الجملة معطوفة على سابقتها وسيأتي سر هذا التكرير في باب البلاغة وجملة يبكون حالية والواو للحال ويزيدهم فعل وفاعل مستتر والهاء مفعول به أول وخشوعا مفعول به ثان وسيأتي سر هذين الحالين المتتابعين في باب البلاغة. (قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمنَ) سمعوا محمدا يدعو مرة في سجوده ويقول يا الله يا رحمن فقال أبو جهل إن محمدا ينهانا عن آلهتنا وهو يدعو إلهين اثنين فنزلت، وجملة ادعوا الله مقول القول والدعاء بمعنى التسمية لا بمعنى النداء وهي تنصب مفعولين حذف أحدهما استغناء عنه للعلم به ولفظ الجلالة مفعول به وأو للتخيير فهي عاطفة وادعوا معطوف على ادعوا الأولى والرحمن مفعول به أي سموه بهذا الاسم أو بذاك (أَيًّا ما تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى) أيا شرطية وهي منصوبة بتدعوا على أنها مفعول مقدم وما زائدة للابهام المؤكد وتدعوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وله خبر مقدم والأسماء مبتدأ مؤخر والحسنى صفة وقيل ما شرطية وجمع بين أداتي الشرط للتأكيد ولاختلاف اللفظين ولا داعي لهذا وستأتي الأسماء
стр. 2695
الحسنى في باب الفوائد. (وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا) الواو عاطفة ولا ناهية وتجهر مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت نهي عن المجاهرة تفاديا لشتائمهم وهذا من محاسن الأخلاق ولا تخافت عطف على ولا تجهر أي لا تجعلها غير مسموعة لمن خلفك من المصلين وابتغ فعل أمر بني على حذف حرف العلة وبين ظرف متعلق بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لسبيلا وذلك مضاف للظرف والاشارة إلى اثنين وهما المجاهرة والمخافتة ولذلك صح دخول بين، وسبيلا مفعول ابتغ. (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً) جملة الحمد لله مقول القول والحمد مبتدأ ولله خبر والذي صفة وجملة لم يتخذ ولدا صلة وترتيب الحمد على عدم اتخاذ الولد لأن من كان هذا وصفه فهو القادر ولا شك على إسباغ النعم وايلائها أما صاحب الولد فهو مستهدف للتلهي بولده عن غيرهم والاشتغال بهم عمن سواهم.
(وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ) عطف على لم يتخذ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم وله خبرها المقدم وشريك اسمها المؤخر وفي الملك متعلقان بشريك ونفي الشريك أدعى الى الحمد لعدم وجود المزاحم الذي تتعارض إرادته معه. (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً) عطف على ما تقدم ونفي النصير يدل على الاستغناء وإنما يستغني القوي القادر على زيادة الإنعام ومن الذل متعلقان بولي أي ناصر وكبّره عطف على قل وهو فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وتكبيرا مفعول مطلق للتأكيد.
البلاغة:
حفلت خواتم سورة الاسراء بطائفة من فنون البلاغة نوجزها فيما يلي فأولها:
стр. 2696
١- الذكر أو التصريح:
بقوله تعالى «وبالحق أنزلناه وبالحق نزل» فإنه لو ترك الإظهار وعدل عنه الى الإضمار كما يقتضي السياق فقال: وبالحق أنزلناه وبه نزل، لم يكن فيه من الفخمية ما فيه الآن ويسميه بعضهم بالتصريح ويورد عليه شاهدا قول البحتري:
قد طلبنا فلم نجد لك في السوء ... دد والمجد والمكارم مثلا
والمعنى قد طلبنا مثلا فلم نجده وحذف لأن هذا المدح إنما يتم في المثل وأما الطلب فكالشيء الذي يذكر ليبنى عليه الغرض المطلوب وإذا كان ذلك كذلك فقد قال قد طلبنا مثلا في السؤدد والمجد فلم نجده ومنه قوله تعالى «قل هو الله أحد الله الصمد» فلو ترك الإظهار إلى الإضمار فقال: قل هو الله وهو الصمد، لم يكن له الوقع الملائم.
٢- فن الاستطراد:
الاستطراد: ذكر الحاتمي في قواعد الشعر: انه نقل هذه التسمية عن البحتري الشاعر وسماه ابن المعتز الخروج من معنى إلى معنى وعرفه غيره بأنه أن يكون المتكلم في غرض من الأغراض يوهم أنه مستمر فيه لم يخرج منه إلى غيره لمناسبة بينهما ثم يرجع إلى الأول ويقطع الكلام فقد انتقل سبحانه من كلامه عن القرآن وان الانس والجن عاجزون عن الإتيان بمثله في فصاحته وبلاغته ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، انتقل إلى ما في منطوياته من مثل وعبر وبصائر وانساق الكلام إلى تعنت
стр. 2697
الكافرين وتماديهم في اللجاج وسدورهم في الغي والمكابرة وطمس الحقائق وإنكار الوقائع ثم أورد شاهدا على ذلك ما لاقاه موسى من مكابرة فرعون وملئه وضرب مثلا في المغبة التي نالها فرعون ومن معه ثم عاد الى الموضوع الذي شرع فيه وهو كون القرآن نازلا بالحق واليه هادفا ومن طريف الاستطراد قول عبد المطلب المشهور:
لنا نفوس لنيل المجد عاشقة ... فإن تسلّت أسلناها على الأسل
لا ينزل المجد إلا في منازلنا ... كالنوم ليس له مأوى سوى المقل
فقد استطرد من ذكر المجد إلى النوم وقد استغله الشعراء للهجاء قال بعضهم يهجو شعر خالد الكاتب:
وشادن بالدلال عاتبني ... ومنيتي في تدلل العاتب
فكان ردي عليه من خجلي ... أبرد من شعر خالد الكاتب
فما أجمل هذا الاستطراد، لقد كان يتغزل بالشادن، وليس ثمة أبرد ممن يعاتب الحلو الجميل، ويرد عليه إذا تدلل أو عتب، وان من يتكلف مثل هذا الرد لن يأتي إلا بالبارد من الكلام الذي يشبه شعر خالد الكاتب، وجميل قول بعضهم يهجو قاضي القضاة منتقلا من وصف البستان إلى ما هو بصدده قال:
لله بستان حللنا دوحه ... في جنة قد فتحت أبوابها
والبان تحسبه سنانيرا رأت ... قاضي القضاة فنفشت أ. ذنابها
وأورد الباخرزي في دمية القصر للظاهر الحرمي هذه الأبيات بهجو فيها مغنيا اسمه البرقعيدي وهي:
стр. 2698
وليل كوجه البرقعيدي ظلمة ... وبرد أغانيه وطول قرونه
قطعت دياجيه بنوم مشرّد ... كعقل سليمان بن فهد ودينه
على أولق فيه التفات كأنه ... أبو جابر في خبطه وجنونه
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه ... سنا وجه قرواش وضوء جبينه
٣- القصر وطرقه:
وفي قوله: «وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا» قصر إضافي، والقصر هو تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص وينقسم إلى حقيقي وإضافي فالحقيقي ما كان الاختصاص فيه بحسب الواقع والحقيقة لا بحسب الإضافة الى شيء آخر نحو لا كاتب في المدينة إلا علي إذا لم يكن فيها غيره من الكتاب، والإضافي ما كان الاختصاص فيه بحسب الإضافة الى شيء معين نحو ما علي إلا قائم أي أن له صفة القيام لا صفة القعود وكل منهما ينقسم الى قصر صفة على موصوف نحو لا فارس إلا علي وقصر موصوف على صفة نحو وما محمد إلا رسول.
والقصر الإضافي ينقسم باعتبار حال المخاطب الى ثلاثة أقسام قصر إفراد إذا اعتقد المخاطب الشركة وقصر قلب إذا اعتقد العكس وقصر تعيين إذا اعتقد واحدا غير معين.
وللقصر طرق أربع مشهورة وطرق كثيرة غير مشهورة أما الأربع المشهورة فهي:
آ- النفي والاستثناء وهنا يكون المقصور عليه ما بعد أداة
стр. 2699
الاستثناء مثل: لا يفوز إلا المجد فالفوز مقصور والمجد مقصور عليه وهو قصر صفة على موصوف.
ب- «انما» ويكون المقصور عليه مؤخرا وجوبا وقد تقدم كلام عبد القاهر على انما نحو: انما الحياة تعب فالحياة مقصورة والتعب مقصور عليه وهو قصر موصوف على صفة.
ج- العطف بلا أو بل أو لكن فإن كان العطف بلا كان المقصور عليه مقابلا لما بعدها نحو: الأرض متحركة لا ثابتة وإن كان العطف ببل أو لكن كان المقصور عليه ما بعدهما نحو ما الأرض ثابتة بل متحركة وما الأرض ثابتة لكن متحركة.
هـ- تقديم ما حقه التأخير وهنا يكون المقصور عليه هو المقدم نحو على الرجال العاملين نثني.
وهناك طرق أخرى للقصر غير هذه الأربع منها ضمير الفصل نحو علي هو الشجاع ومنها التصريح بلفظ «وحده» الحالية أو ليس غير نحو أكرمت عليا وحده ولكنها لا تعدّ من طرقه الاصطلاحية.
٤- التكرير المعنوي:
وقد تقدم بحث التكرير في اللفظ وهذا التكرير الذي نحن بصدده يتعلق بالمعنى فقد كرر الخرور للذقن وهو السقوط على الوجه لاختلاف الحالين فالأول خرورهم في حال كونهم ساجدين والثاني خرورهم في حال كونهم باكين أو الأول في حالة سماع القرآن أو قراءته والثاني في سائر الحالات ثم عقب الحالين بحال ثالثة وهي
стр. 2700
زيادتهم خشوعا كلما قرءوا وكلما سجدوا فاستوفى بذلك سائر أحوالهم وهم الكملة الذين أوتوا العلم ومما لا بد من التنويه انه أتى بالحال الأولى اسما وهي قوله سجدا للدلالة على الاستمرار وأتى بالحال الثانية فعلا للدلالة على التجدد والحدوث فكأنما بكاؤهم يتجدد بتجدد الأحوال الطارئة والعظات المتتالية وهذا موضع من التكرير مشكل وتدق معرفته على الأغمار ومما ورد منه حديث حاطب بن بلتعة في غزوة الفتح وذاك أن النبي ﷺ أمر علي بن أبي طالب والزبير والمقداد ﵃ فقال: اذهبوا الى روضة خاخ فإن بها ظعينة معها كتاب فأتوني به، قال علي ﵁: فخرجنا تتعادى بنا خيلنا حتى أتينا الروضة وإذا فيها الظعينة فأخذنا الكتاب من عقاصها وأتينا به رسول الله ﷺ وإذا هو من حاطب بن بلتعة إلى ناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض شأن رسول الله ﷺ فقال له: ما هذا يا حاطب؟ فقال: يا رسول الله لا تعجل عليّ إني كنت امرأ ملصقا في قريش ولم أكن من أنفسهم، وكان من معك من المهاجرين لهم قرابة يحمون بها أموالهم وأهليهم بمكة فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب أن أتخذ عندهم بدا يحمون قرابتي وما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام فقال رسول الله ﷺ : «انه قد صدقكم» . فقوله: ما فعلت ذلك كفرا ولا ارتدادا عن ديني ولا رضا بالكفر بعد الإسلام من التكرير الحسن يظنه بعض الجهال تكريرا لا فائدة فبه، فإن الكفر والارتداد عن الدين سواء وكذلك الرضا بالكفر بعد الإسلام وليس كذلك والذي يدل عليه اللفظ هو اني لم أفعل ذلك وأنا كافر: أي باق على الكفر ولا مرتدا: أي اني كفرت بعد إسلامي، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام:
أي ولا إيثارا لجانب الكفار على جانب المسلمين وهذا حسن حسن
следующие страницы →