Полный текст (5 784 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
صفة لمرفقا ومرفقا مفعول به. (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ) في الكلام إيجاز بحذف عدة جمل وتقدير الكلام فأووا الى الكهف كما قرروا بينهم وشعروا بالتعب فناموا واسترسلوا في النوم، وأجاب الله دعاءهم إذ قالوا: «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيىء لنا من أمرنا رشدا» فالواو استئنافية وترى فعل مضارع وفاعله أنت والشمس مفعول به وإذا ظرف مستقبل متعلق بتزاور وهو الجواب وتزاور فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هي والجملة لا محل لها وعن كهفهم متعلقان بتزاور وذات اليمين ظرف متعلق بتزاور (وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها في اعرابها. (وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ) الواو للحال وهم مبتدأ، وفي فجوة خبر ومنه صفة لفجوة وذلك مبتدأ ومن آيات الله خبر.
(مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِداً) من شرطية في محل نصب مفعول مقدم ويهد فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وهو مبتدأ والمهتدي خبره وحذفت الياء بخط المصحف ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا عطف على ما تقدم والجملة مماثلة لسابقتها. (وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقاظاً وَهُمْ رُقُودٌ) الواو استئنافية وتحسبهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وأيقاظا مفعول به ثان وهم الواو حالية وهم مبتدأ ورقود خبر والجملة في محل نصب حال. (وَنُقَلِّبُهُمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَذاتَ الشِّمالِ وَكَلْبُهُمْ باسِطٌ ذِراعَيْهِ بِالْوَصِيدِ) ونقلبهم الواو عاطفة ونقلبهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وذات اليمين ظرف متعلق بنقلبهم وذات الشمال عطف على ذات اليمين وكلبهم الواو للحال وكلبهم مبتدأ وباسط خبر وذراعيه مفعول به وبالوصيد متعلقان بباسط. (لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِراراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْباً) لو شرطية واطلعت فعل وفاعل
стр. 2732
وعليهم متعلقان باطلعت ولوليت اللام واقعة في جواب لو ووليت فعل وفاعل ومنهم متعلقان بفرارا وفرارا مفعول مطلق مطلق من معنى الفعل قبله لأنه مرادفه ويجوز أن يعرب مصدر في موضع الحال أي فارا، ولملئت عطف على لوليت ومنهم متعلقان برعبا ورعبا تمييز ورجح أبو حيان أن يكون مفعولا ثانيا لملئت.
البلاغة:
في قوله تعالى «وتحسبهم أيقاظا وهم رقود تشبيه وطباق أما الطباق فهو ظاهر بين أيقاظ ورقود وأما التشبيه فهو قسم من أقسام التشبيه جاءت فيه الأداة فعلا من أفعال الشك واليقين تقول حسبت زيدا في جرأته الأسد وعمرا في جوده الغمام فحاصل ذلك تشبيه زيد بالأسد وعمرو بالغمام وفي الآية حاصلة تشبيه أهل الكهف في حال نومهم بالايقاظ في بعض صفاتهم لأنه قيل انهم كانوا مفتحي العيون في حال نومهم.
الفوائد:
استدل الكسائي بقوله «وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد» على أن اسم الفاعل يعمل عمل الفعل ولو كان بمعنى الماضي ومنع البصريون ذلك وقالوا لا حجة للكسائي ومن تبعه في أن اسم الفاعل هنا بمعنى الماضي وعمل في ذراعيه النصب وانه على ارادة حكاية الحال الماضية أي انه يقدر الهيئة الواقعة في الزمن الماضي واقعة في حال التكلم والمعنى يبسط ذراعيه فيصح وقوع المضارع موقعه بدليل أن الواو في وكلبهم واو الحال ولذا قال سبحانه ونقلبهم بالمضارع الدال على الحال ولم يقل وقلبناهم بالماضي.
стр. 2733
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ١٩ الى ٢٠]
وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً (١٩) إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً (٢٠)
اللغة:
(بِوَرِقِكُمْ) الورق بفتح الواو وكسر الراء الفضة مضروبة كانت أو غير مضروبة ومنه الحديث أن عرفجة أصيب أنفه يوم الكلاب فاتخذ أنفا من ورق فأنتن فأمره رسول الله ﷺ أن يتخذ أنفا من ذهب» والكلاب بالضم اسم ماء كانت عنده الوقعة كما في الصحاح قال:
أعطيتني ورقا لم تعطني ورقا ... قل لي بلا ورق ما ينفع الورق؟
(أَزْكى) : أطيب وفي القاموس: زكا يزكو زكاء وزكوّا الزرع فما والأرض طابت والزكي ما كان ناميا طيبا صالحا.
الإعراب:
(وَكَذلِكَ بَعَثْناهُمْ لِيَتَسائَلُوا بَيْنَهُمْ) الكاف نعت لمصدر محذوف
стр. 2734
أي كما أنمناهم هذه النومة الطويلة كذلك بعثناهم، وبعثناهم فعل وفاعل ومفعول به، ليتساءلوا اللام للتعليل ويتساءلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والظرف متعلق بمحذوف حال. (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) قال قائل فعل وفاعل وكم اسم استفهام في محل نصب على الظرفية والمميز المنصوب محذوف تقديره كم يوما بدليل الجواب عليه ومنهم صفة لقائل، قالوا فعل وفاعل وجملة لبثنا مقول القول ويوما ظرف متعلق بلبثنا أو حرف عطف، بعض يوم عطف على يوما وأو هنا للشك منهم. (قالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما لَبِثْتُمْ) قالوا فعل وفاعل وربكم مبتدأ وأعلم خبره، بما جار ومجرور متعلقان بأعلم ولبثتم صلة ما وما أجمل تفويضهم أمر العلم بمدة اللبث الى الله، وما ينطوي عليه هذا التفويض من حسن الأدب فقد استرابوا في أمرهم بعد أن راعوا الى أنفسهم ونظروا الى طول شعورهم وأظفارهم.
(فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّها أَزْكى طَعاماً) الفاء عاطفة على محذوف أي فدعوا التساؤل وخذوا فيما هو أهم وأجدى لنا في موفقنا هذا فابعثوا، وأحدكم مفعول به وبورقكم متعلقان بابعثوا أو بمحذوف حال من أحدكم والباء للملابسة أي ملتبسا بها ومصاحبا لها وهذه نعت لورقكم وإلى المدينة متعلقان بابعثوا، فلينظر الفاء عاطفة واللام لام الأمر وينظر مضارع مجزوم بلام الأمر وأيها يجوز أن تكون استفهامية ويجوز أن تكون موصولة وقد تقدم ذلك في قوله «أيهم أحسن عملا» فجدد به عهدا وهي مبتدأ خبره أزكى وطعاما تمييز محول عن المضاف اليه أي أيّ أطعمة المدينة أزكى وأحلّ وأرخص وأطيب. (فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَداً) الفاء عاطفة واللام لام الأمر ويأت مجزوم بلام الأمر والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وبرزق متعلقان بيأتكم ومنه صفة لرزق
стр. 2735
وليتلطف عطف على فليأتكم ولا الواو عاطفة ولا ناهية ويشعرن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والفاعل مستتر تقديره هو وبكم متعلقان بيشعرن واحدا مفعول به. (إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ) إن واسمها وإن شرطية ويظهروا فعل الشرط والواو فاعل وعليكم متعلقان بيظهروا ويرجموكم جواب الشرط أو يعيدوكم عطف على يرجموكم وفي ملتهم متعلقان بيعيدوكم أي يردوكم إلى ملتهم التي كنتم عليها قبل أن يهديكم الله أو المراد بالعود هنا الصيرورة على تقدير انهم لم يكونوا على ملتهم وإيثار كلمة «في» على كلمة «الى» للدلالة على الاستقرار. (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذاً أَبَداً) الواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتفلحوا فعل مضارع منصوب بلن والواو فاعل وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وأبدا ظرف متعلق بتفلحوا.
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢١ الى ٢٦]
وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً (٢١) سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ قَلِيلٌ فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِراءً ظاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً (٢٢) وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً (٢٣) إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً (٢٤) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً (٢٥)
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً (٢٦)
стр. 2736
اللغة:
(أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ) : أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين وفي الأساس:
«وعثر على كذا اطلع عليه وأعثره على كذا أطلعه وأعثره على أصحابه:
دله عليهم ويقال للمتورط «وقع في عاثور» وفلان يبغي صاحبه العواثين وأصله: حفرة تحفر للأسد وغيره يعثر بها فيطيح فيها» .
(رَجْماً بِالْغَيْبِ) رميا بالخبر الخفي وإتيانا به وفي المصباح: الرجم بفتحتين الحجارة ورجمته رجما من باب قتل ضربته بالرجم وهي الحجارة الصغار ورجمته بالقول رمبته بالفحش قال تعالى: «رجما بالغيب» أي ظنا من غير دليل ولا برهان كقول زهير بن أبي سلمى يصف الحرب:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم
стр. 2737
أي المظنون وسيرد في باب البلاغة مزيد من البحث حول هذا التعبير.
(تُمارِ) : تجادل وفي القاموس: «مارى مراء ومماراة: جادل ونازع ولاجّ وتماريا تجادلا وامترى في الشيء: شك والمرية بكسر الميم والمرية بضمها: الجدل يقال ما في ذلك مرية أي جدل وشك» .
الإعراب:
(وَكَذلِكَ أَعْثَرْنا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ فِيها) الكاف نعت لمصدر محذوف أي وكما أنمناهم وبعثناهم أطلعنا عليهم قومهم والمؤمنين، وأعثرنا فعل وفاعل والمفعول به محذوف كما قدرناه في باب اللغة وعليهم متعلقان بأعثرنا وليعلموا اللام للتعليل ويعلموا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي ليعلموا وأن واسمها وحق خبرها وأن الساعة عطف وان واسمها ولا نافية للجنس وريب اسمها وفيها خبرها وجملة لا واسمها وخبرها في محل رفع خبر أن والمراد بوعد الله البعث لأن من قدر على إنامتهم هذه النومة الطويلة وبعثهم بعدها قادر على أن يحييهم بعد الموت. (إِذْ يَتَنازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ) الظرف متعلق بأعثرنا أي أعثرنا عليهم قومهم حين يتنازعون ويختلفون في حقيقة البعث فكان بعضهم يقول: تبعث الأرواح دون الأجساد وبعضهم يقول: تبعث الأجساد مع الأرواح وجملة يتنازعون في محل جر باضافة الظرف إليها وبينهم ظرف مكان متعلق بيتنازعون وأمرهم نصب بنزع الخافض أي في أمرهم وقيل تنازعوا تنصب مفعولا إذا كانت بمعنى التجاذب فيكون في الكلام استعارة. (فَقالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْياناً) الفاء عاطفة وقالوا فعل
стр. 2738
وفاعل وجملة ابنوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وعليهم متعلقان بابنوا وبنيانا مفعول به أي قالوا ذلك حين توفى الله أصحاب الكهف وأكثر الروايات على أنهم ماتوا حين حدث تمليخا حامل الورق حديثهم موتا حقيقيا ورجع من كان يساوره الشك في بعث الأجساد الى اليقين أي ابنوا عليهم بنيانا ضنا بتربتهم ومحافظة عليها وجملة ابنوا عليهم بنيانا مقول قولهم. (رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ) الجملة إما تتمة لمقولهم قالوا ذلك تفويضا للعلم الى الله سبحانه وقيل هو مقول كلام لله سبحانه ردا لقول المتنازعين فيهم أي دعوا ما أنتم فيه من التنازع فإني أعلم بهم منكم والكلام مبتدأ وخبر وبهم متعلقان بأعلم. (قالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِداً) قال الذين فعل وفاعل وجملة غلبوا صلة الموصول وعلى أمرهم متعلقان بغلبوا وهم المؤمنون وكانت الكلمة لهم آنذاك ولنتخذن اللام موطئة للقسم ونتخذن فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستر تقديره نحن وعليهم حال ومسجدا مفعول به.
(سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ) السين للاستقبال اشارة الى أن النزاع في أمرهم حصل في زمن النبي ﷺ أي في المستقبل البعيد بالنسبة لقصتهم ويقولون فعل مضارع وفاعل والضمير يعود الى الخائضين في قصتهم زمن النبي من أهل الكتاب والمؤمنين. قال أبو حيان: «وجاء بسين الاستقبال لأنه كأنه في الكلام طي وإدماج، والتقدير فإذا أجبتهم عن سؤالهم وقصصت عليهم قصة أهل الكهف فسلهم عن عددهم فإنهم إذا سألتهم سيقولون ولم يأت بالسين فيما بعده لأنه معطوف على المستقبل فدخل في الاستقبال أو لأنه أريد به معنى الاستقبال الذي هو صالح له.
وثلاثة خبر لمبتدأ محذوف أي هم ثلاثة أشخاص وانما قدرنا أشخاصا لأن رابعهم اسم فاعل أضيف الى الضمير والمعنى أنه ربعهم أي جعلهم
стр. 2739
أربعة وصيرهم إلى هذا العدد فلو قدر ثلاثة رجال استحال أن يصير ثلاثة رجال أربعة لاختلاف الجنسين، ورابعهم مبتدأ وكلبهم خبر وجملة ثلاثة مقول القول وجملة رابعهم كلبهم في محل نصب على الحال أي حال كون كلبهم جاعلهم أربعة بانضامه إليهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة في اعرابها ورجما منصوب على المصدرية بفعل محذوف أي يرجمون رجما والمعنى يرمون رميا بالخبر الخفي المظنون أو على الحال بمعنى راجمين وبالغيب متعلقان برجما. (وَيَقُولُونَ: سَبْعَةٌ وَثامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ) الواو عاطفة ويقولون فعل وفاعل وسبعة خبر لمبتدأ محذوف والواو فيها أقوال تربو على الحصر وقد شغلت العلماء والأدباء فصنّفوا فيها المطولات وسنأتي على ذكرها وخلاصة ما قيل فيها في باب الفوائد وأولى ما يقره المنطق أن تكون هي الواو التي تدخل على الجملة الواقعة صفة للنكرة تشبيها لها بالجملة الواقعة حالا بعد المعرفة نحو جاء زيد ومعه رجل آخر وذلك لتأكيد لصوق الصفة بالموصوف بمعنى أن اتصافه بها أمر مستقر راسخ في الأذهان وهذا ما اختاره الزمخشري وابن هشام وانتظر التفاصيل وجملة ثامنهم كلبهم صفة لسبعة وقد ردّ أبو حيان هذا القول وعبارته:
«وكون الواو تدخل على الجملة الواقعة صفة دالة على لصوق الصفة بالموصوف وعلى ثبوت اتصاله بها شيء لا يعرفه النحويون بل قرروا انه لا تعطف الصفة التي ليست بجملة على صفة أخرى إلا إذا اختلفت المعاني حتى يكون العطف دالا على المغايرة وأما إذا لم يختلف فلا يجوز العطف في هذه الأسماء المفردة وأما الجمل التي تقع صفة فهي أبعد من أن يجوز ذلك فيها وقد ردوا على من ذهب الى أن قول سيبويه:
وأما ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل هو على ان وليس باسم ولا فعل صفة لقوله لمعنى وان الواو دخلت في الجملة بأن ذلك ليس من كلام
стр. 2740
العرب مررت برجل ويأكل على تقدير الصفة واما قوله تعالى: «إلا ولها كتاب معلوم» فالجملة حالية» . (قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ ما يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ) ربي مبتدأ وأعلم خبره والجملة مقول القول وبعدتهم متعلقان بأعلم وجملة ما يعلمهم حالية وما نافية ويعلمهم فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر وقليل فاعل يعلمهم والتفضيل بالنسبة للكيفية لأن مراتب اليقين متفاوتة في القوة وليس التفضيل بالنسبة إلى الطائفتين الأولين الذين جنحا الى الرجم بالغيب والحدس والتخمين دون الحقيقة والاطلاع على الواقع. (فَلا تُمارِ فِيهِمْ إِلَّا مِراءً ظاهِراً) الفاء الفصيحة أي إن عرفت هذا وحق لك أن تعرفه فلا تجادل، ولا ناهية وتمار مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وإلا أداة حصر ومراء مفعول مطلق وظاهرا صفة. (وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً) الواو عاطفة ولا ناهية وتستفت مجزوم بها وعلامة جزمه حذف حرف العلة أيضا والفاعل مستتر تقديره أنت وفيهم متعلقان بتستفت ومنهم حال لأنه كان في الأصل صفة لأحدا وأحدا مفعول به لأن فيما أوحي إليك مندوحة لك عن السؤال. (وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فاعِلٌ ذلِكَ غَداً إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ) الواو حرف عطف ولا ناهية وتقولن فعل مضارع مبني للفتح لاتصاله بنون التوكيد في محل جزم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ولشيء متعلقان بتقولن أي لأجل شيء تقدم عليه وتهتم به وقيل اللام بمعنى في وقد تقدم ذكر ذلك وكسرت همزة إن لسبقها بالقول وان واسمها مقول القول وفاعل خبر إن وذلك مفعول لفاعل وغدا ظرف متعلق بفاعل وإلا أن يشاء الله استثناء مفرغ من أعم الأحوال أي لا تقل لشيء في حال من الأحوال إلا في حال تلبسك بالمشيئة والتعليق عليها فأن وما بعدها حال والتقدير لا تقولن أفعل غدا إلا قائلا إن شاء الله وقيل التقدير إلا بأن يشاء الله فالمصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع
стр. 2741
النصب على الحال أي إلا متلبسا بقول إن شاء الله وقيل إن الاستثناء منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على الاستثناء.
وقد أجاد في إعراب هذه الآية أبو البقاء العكبري ونصه: «في المستثنى منه ثلاثة أوجه أحدها هو من النهي والمعنى لا تقولن افعل غدا إلا أن يؤذن لك في القول والثاني هو من فاعل تقولن أي لا تقولن اني فاعل غدا حتى تقرن به قول إن شاء الله والثالث انه منقطع وموضع أن يشاء الله نصب على وجهين أحدهما على الاستثناء والتقدير لا تقولن ذلك في وقت إلا وقت أن يشاء الله أي يأذن فحذف الوقت وهو مراد والثاني هو حال والتقدير لا تقولن افعل غدا إلا قائلا إن شاء الله فحذف القول وهو كثير وجعل قوله أن يشاء في معنى إن شاء وهو مما حمل على المعنى وقيل: التقدير إلا بأن يشاء الله أي متلبسا بقول إن شاء الله» والخلاصة ان الغرض من هذا النهي عن هذا القول هو عدم اقترانه بقول المشيئة وهذا نهي تأديب حين قالت اليهود لقريش سلوا محمدا عن الروح وعن أصحاب الكهف وذي القرنين فسألوه فقال ائتوني غدا أخبركم ولم يستثن فأبطأ عليه الوحي حتى شق عليه وكذبته قريش، وسيأتي في باب الفوائد ذكر انقطاع الوحي.
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ وَقُلْ عَسى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هذا رَشَداً) واذكر عطف على ما تقدم وربك مفعول به ولا بد من حذف مضاف أي مشيئة ربك وإذا ظرف متعلق باذكر أي إذا فرط منك نسيان وجملة نسيت في محل جر بإضافة الظرف إليها وجوابها محذوف دل عليه ما قبله أي فاذكر وقل عطف على اذكر وعسى من أفعال الرجاء واسمها مستتر تقديره هو وأن يهديني أن وما في حيزها هي الخبر وربي فاعل يهديني ولأقرب متعلق بيهديني ومن هذا متعلقان بأقرب ورشدا تمييز
стр. 2742
أو مفعول مطلق أي يهديني هداية فيكون ملاقيا لعامله بهذا المعنى والأول أقرب أي لشيء أقرب إرشادا للناس ودلالة على ذلك والاشارة في قوله هذا لما تقدم من نبأ أصحاب الكهف وقصتهم العجيبة التي اختتمت الآن. (وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعاً) ولبثوا عطف على ما تقدم حسما للخلاف وإماطة للشبهة الناجمة عن الاختلاف في أمرهم ومدة لبثهم وفي كهفهم متعلقان بلبثوا وثلاث ظرف ومائة مضاف اليه وسنين عطف بيان لثلاثمائة أو بدل ولا يصح أن يكون تمييزا لأن تمييز المائة مجرور وجره بالاضافة والتنوين مانع منها وسيأتي بحث العدد مفصلا في باب الفوائد وازدادوا فعل وفاعل وتسعا مفعول به أي تسع سنين. (قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما لَبِثُوا) الله مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة لبثوا صلة الموصول أي بالزمن الذي لبثوه. (لَهُ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ) له خبر مقدم وغيب السموات والأرض مبتدأ مؤخر وأبصر صيغة تعجب وهو فعل ماض أتى على صيغة الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا للفظ وسيأتي البحث في صيغتي التعجب في باب البلاغة واسمع عطف على ابصر. (ما لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَداً) ما نافية ولهم خبر مقدم ومن دونه حال ومن حرف جر زائد وولي مبتدأ مؤخر محلا ولا الواو عاطفة ولا نافية ويشرك فعل مضارع وفاعل مستتر وفي حكمه متعلقان بيشرك وأحدا مفعول به.
البلاغة:
الكلام يطول جدا على هذه الآيات وما اشتملت عليه من فنون بلاغية وسنجنح الى الاختصار ما أمكن فنقول:
стр. 2743
١- الاستعارة المكنية:
في قوله تعالى «يتنازعون بينهم أمرهم» استعارة مكنية فقد شبه أمرهم بشيء كثر النزاع حوله ثم حذف ذلك الشيء واستعير النزاع القائم حوله.
وفي قوله تعالى «رجما بالغيب» استعارة مكنية أيضا فقد شبه الغيب والخفاء بشيء يرمى بالحجارة واستعير الرجم له.
٢- واو الثمانية والخلاف المشتجر حولها:
وعدناك بأن نأتي بالأقوال حول الواو الداخلة على ثامنهم في قوله تعالى «ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم» وقد قدمنا في الاعراب ما اخترناه من هذه الأقوال فقال عدد من كبار الأدباء انها واو الثمانية قال ابن هشام: «واو الثمانية ذكرها جماعة من الأدباء كالحريري ومن النحويين الضعفاء كابن خالويه ومن المفسرين كالثعلبي وزعموا أن العرب إذا عدوا قالوا ستة سبعة وثمانية إيذانا بأن السبعة عدد تام وان ما بعده عدد مستأنف واستدلوا على ذلك بآيات احداها «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم» الى قوله سبحانه «وثامنهم كلبهم» وقيل هي في ذلك لعطف جملة على جملة إذ التقدير هم سبعة ثم قيل الجميع كلامهم وقيل العطف من كلام الله تعالى والمعنى نعم هم سبعة وثامنهم كلبهم وان هذا تصديق لهذه المقالة كما ان رجما بالغيب تكذيب لتلك المقالة» وبعد كلام طويل قال: «وأقول لو كان لواو الثمانية حقيقة لم تكن الآية منها إذ ليس فيها ذكر عدد البتة وانما فيها ذكر الأبواب وهي جمع لا يدل على عدد خاص ثم الواو ليست داخلة عليه بل على جملة هو فيها» .
стр. 2744
وقال آخرون في الرد على من زعم وجود واو الثمانية: وهو أن في اللغة واوا تصحب الثمانية وتختص بها فأين ذكر العدد في أبواب الجنة حتى ينتهي الى الثامن فتصحبه الواو وربما عدوا من ذلك «والناهون عن المنكر» وهو الثامن من قوله تعالى «التائبون» وهذا مردود أيضا بأن الواو إنما اقترنت بهذه الصفة لتربط بينها وبين الأولى التي هي الآمرون بالمعروف لما بينهما من التناسب والربط ألا ترى اقترانهما في جميع مصادرهما ومواردهما كقوله: يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وكقوله: وأمر بالمعروف وانه عن المنكر، وربما عد بعضهم من ذلك الواو في ثيبات وأبكارا لأنه وجدها مع الثامن وهذا غلط فاحش فإن هذه واو التقسيم ولو ذهبت تحذفها فتقول ثيبات أبكارا لم يستدل الكلام فقد وضح أن المراد في جميع هذه المواضع المعدودة ورادة لغير ما زعمه هؤلاء.
قلت: لو سقطت الواو من أبكار لاختل المعنى لأنهن لا يكنّ ثيبات أبكارا في وقت معا فاضطر الى الواو لتدل على المغايرة. هذا وقد كان القاضي الفاضل صاحب الطريقة المصنوعة في الإنشاء يعتقد زيادة الواو في هذه الآية ويتبجح باستخراجها ويقول هي واو الثمانية الى أن ذكر ذلك بحضرة الشيخ أبو الجود المقري فبين له أنه وأهم وان الضرورة تدعو الى دخولها وإلا فسد المعنى بخلاف واو الثمانية فانه يؤتى بها لا لحاجة فقال أرشدتنا يا أبا الجود.
هذا وممن أيد وجود واو الثمانية الإمام فخر الدين الرازي وقال العلامة الكافيجي قولا طريفا منصفا في هذا الصدد نورده بنصّه:
«هي في التحقيق واو العطف لكن لما اختص استعمالها بمحل مخصوص وتضمنت أمرا غريبا واعتبارا لطيفا ناسب أن تسمى باسم غير جنسها
стр. 2745
فسميت واو الثمانية لمناسبة بينها وبين سبعة وذلك لأن السبعة عندهم عقد تام كعقود العشرات لاشتمالها على أكثر مراتب أصول الأعداد فان الثمانية عقد مستأنف فكان بينهما اتصال من وجه وانفصال من وجه وهذا هو المقتضي للعطف وهذا المعنى ليس موجودا بين السبعة والستة.
وأقول: ان توجيه تمام السبعة هو أن العدد إما فرد وإما مركب من فردين وهو الزوج أو من زوج وفرد أو من زوجين والثلاثة الأول من الثلاثة فان في ضمنها الواحد والاثنين والآخر من الأربعة. ومجموع الثلاثة والأربعة سبعة فتمت بها الأصول وما يأتي تكرار فالثمانية زوج وزوج قد مضى والتسعة زوج وفرد وهكذا.
هذا وسيأتي المزيد من هذا البحث عند الكلام على «وفتحت أبوابها» وعلى «ثيبات وأبكارا» فقد طال البحث جدا.
الفوائد:
١- أحكام العدد وتمييزه:
مميز العدد على ضربين منصوب ومجرور فالمجرور على ضربين مفرد ومجموع فالمفرد مميز المائة والألف والمجموع مميز الثلاثة الى العشرة والمنصوب مميز أحد عشر الى تسعة وتسعين ولا يكون إلا مفردا ومما شذ عن ذلك قولهم ثلاثمائة الى تسعمائة اجتزءوا بلفظ الواحد عن الجمع وقد رجع الى القياس من قال:
ثلاث مئين للملوك وفي بها ... ردائي وجلت عن وجوه الاهاتم
فجاء بتمييز الثلاث جمعا من لفظ المائة على ما يقتضيه القياس وإن كان
стр. 2746
شاذا في الاستعمال ويجوز في التمييز حينئذ وجهان أحدهما الاتباع على البدل نحو ثلاثة أثواب والنصب على التمييز نحو ثلاثة أثوابا وقوله تعالى ثلاثمائة سنين نصب على البدل أو عطف البيان لثلاثمائة.
هذا رأي أبي اسحق الزجاج قال: ولا يجوز أن يكون تمييزا لأنه لو كان تمييزا لوجب أن يكون أقل ما لبثوا تسعمائة سنة لأن المفسر يكون لكل واحد من العدد وكل واحد سنون وهو جمع والجمع أقل ما يكون ثلاثة فيكونون قد لبثوا تسعمائة سنة وأجاز الفراء أن يكون سنين تمييزا على حد قوله:
فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأعصم
قال وذلك انه جاء في التمييز سودا وهو جمع لأن الصفة والموصوف شيء واحد والمذهب الأول لأن الثواني يجوز فيها مالا يجوز في الأوائل ألا ترى أنك تقول يا زيد الطويل ولو قلت يا الطويل لم يجز.
هذا والبيت لعنترة من معلقته التي مطلعها:
هل غادر الشعراء من متردّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم
وقبل البيت المستشهد به:
ما راعني إلا حمولة أهلها ... وسط الديار تسف حب الخمخم
وراعني أفزعني والحمولة: الإبل التي يحمل عليها ووسط ظرفه وإذا لم يكن ظرفا حركت السين فقلت وسط الدار واسع، وتسف:
стр. 2747
تأكل يقال: سففت الدواء أسفه، والحلوبة المحلوبة تستعمل في الواحد والجمع على لفظ واحد، والخوافي أواخر ريش الجناح مما يلي الظهر، والأسحم الأسود، واثنتان مرفوع بالابتداء وأربعون معطوف عليه وقوله سودا نعت لحلوبة لأنها في معنى الجمع والمعنى من الحلائب والكاف في قوله كخافية في موضع نصب والمعنى سودا مثل خافية الغراب الأسحم ومما ذكرناه في تفسير الحلوبة وصلاحيتها للاطلاق على الواحد والجمع تعلم ما في قولهم ان الشاهد في هذا البيت جواز وصف المميز المفرد بالجمع وادعائهم ان حلوبة مفرد مميز للعدد وانه وصف بالجمع وهو سود الذي هو جمع سوداء وزعم الأعلم ان قوله سودا ليس بوصف وانما هو حال من قوله اثنتان وأربعون قال: «وهو حال من نكرة ويجوز رفعه على النعت ولا يكون نعتا لحلوبة لأنها مفردة إذا كانت تمييزا للعدد وسودا جمع ولا ينعت الواحد بالجمع» وليس بشيء لأنهم غفلوا عن السر وهو إطلاق حلوبة على الواحد والجمع.
هذا ونلخص فيما يلي أحكام العدد عامة:
ألفاظ العدد من ثلاثة إلى تسعة تكون على عكس المعدود في التذكير والتأنيث سواء كانت مفردة كقوله تعالى «سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما» أو مركبة كخمسة عشر قلما وست عشرة ورقة أو معطوفا كثلاثة وعشرين يوما وأربع عشرين ساعة، وأما واحد واثنان منهما على وفق المعدود في الأحوال الثلاثة، وأما مائة وألف فلا يتغير لفظهما في التذكير والتأنيث، وكذلك ألفاظ العقود كعشرين وثلاثين إلا عشرة فهي على عكس معدودها إذا كانت مفردة، وعلى وفقه إذا كانت مركبة.
стр. 2748
هذا ويصاغ من اسم العدد وصف على وزن فاعل مطابق لموصوفه، أما تعريف العدد، فالمضاف تدخل ال على المضاف إليه، والمركب تدخل ال على جزئه الأول، والمعطوف تدخل ال على الجزأين.
واما اعراب الاعداد فعلى ثلاثة أشكال:
١- بالحركات من واحد الى عشرة على أن تكون هذه مفردة غير مركبة ويستثنى منها العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث فانهما لفظان ملحقان بالمثنى.
وكذلك العددان مائة وألف.
٢- بالحروف وهو العدد اثنان للمذكر واثنتان للمؤنث والعقود.
٣- بالبناء على الفتح وهي الأعداد المركبة أي من أحد عشر الى تسعة عشر ومن الحادي عشر الى التاسع عشر ما عدا الجزء الاول من اثني عشر لأنه يلحق بالمثنى كما تقدم.
اسم الفاعل المشتق من العدد:
يستعمل اسم الفاعل المشتق من العدد على معنيين:
أحدهما: أن يكون المراد به واحدا من جماعة.
وثانيهما: أن يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين.
فالأول نحو ثاني اثنين وثالث ثلاثة قال الله تعالى: «لقد كفر الذين قالوا: إن الله ثالث ثلاثة» وقال : «إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين» فما كان من هذا الضرب فإضافة محضة لأن معناه أحد
стр. 2749
ثلاثة وبعض ثلاثة فكما أن إضافة هذا صحيحة فكذلك ما هو في معناه ولا يجوز فيه أن ينون وينصب في قول أكثر النحويين لأنه ليس مأخوذا من فعل عامل وأما الثاني وهو ما يكون فاعلا كسائر أسماء الفاعلين نحو ثالث اثنين ورابع ثلاثة وخامس أربعة فهذا غير الوجه الأول إنما معناه هو الذي جعل الاثنين ثلاثة بنفسه فمعناه الفعل كأنه قال الذي ثلثهم وربعهم وخمسهم وعلى هذا قوله تعالى: «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم» ومثله: «سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم.... رجما بالغيب» ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم وعلى هذا الوجه يجوز أن ينون وينصب ما بعده فتقول: هذا ثالث اثنين ورابع ثلاثة لأنه مأخوذ ثلثهم وربعهم فهو بمنزلة هذا ضارب زيدا والأول أكثر قال سيبويه: قلما تريد العرب هذا يعني خامس أربعة فإن أضفته فهو بمنزلة ضارب زيد فتكون الاضافة غير محضة هذا إذا أريد به الحال أو الاستقبال فان أريد به الماضي لم يجز فيه إلا حذف التنوين والإضافة كما كان كذلك في قولك هذا ضارب زيد أمس.
٢- التعجب وصيغة في العربية:
التعجب انفعال يحدث في النفس عند الشعور بأمر خفي سببه ولهذا يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب ولا يطلق على الله انه متعجب إذ لا شيء يخفى عليه وما وقع مما ظاهره ذلك في القرآن فمحمول على انه مصروف الى المخاطب نحو قوله تعالى فما أصبرهم على النار أي أن حالهم في ذلك اليوم ينبغي لك أيها المخاطب أن تتعجب وقيل التعجب هو استعظام فعل فاعل ظاهر المزية فيه، وقوله تعالى هنا «أبصر به وأسمع» ذهب العلماء فيه ثلاثة مذاهب:
١- انه بلفظ الأمر ومعناه الخبر والباء مزيدة في الفاعل إصلاحا
стр. 2750
للفظ فإن قلت كيف تكون الهاء فاعلا وهي ضمير نصب أو جر قلت إنما هو اصطلاح وساغ ذلك لوجود الباء لفظا قبلها ولأن الباء إنما زيدت ليصير على صورة المفعول.
٢- ان الفاعل ضمير المصدر.
٣- ان الفاعل ضمير المخاطب واحتج القائلون بذلك على انه لا يعهد استعمال الأمر في الماضي وانما التزم إفراده وتذكيره فلم يثن ولم يجمع ولم يؤنث لأنه كلام جرى مجرى المثل وهذه إحدى صيغ التعجب القياسية.
والثانية ما أفعله وهاتان الصيغتان هما المبوب لهما في كتب النحو وهما القياسيتان ومعنى ما كما قال سيبويه انها نكرة تامة بمعنى شيء وابتدئ بها لتضمنها معنى التعجب وما بعدها من الجملة الفعلية في موضع رفع خبرها وهذا هو المذهب الصحيح لأن قصد المتعجب الإعلام بأن المتعجب منه ذو مزية إدراكها جلي وسبب الاختصاص بها خفي فاستحقت الجملة المعبر بها عن ذلك أن تفتح بنكرة غير مختصة ليحصل بذلك إبهام متلو بافهام.
وهنالك صيغ أخرى للتعجب واردة في الكتاب والحديث ولسان العرب فمن الكتاب «كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم» ومن الحديث قوله ﷺ لأبي هريرة «سبحان الله ان المؤمن لا ينجس» ومن كلام العرب «لله دره فارسا» ولكن النحاة لم يبوبوا لهذه الصيغ لأنها لم تدل على التعجب بالوضع بل بالقرينة.
مسائل هامة:
١- لا يتعجب الا من معرفة أو نكرة مختصة فلا يقال ما أسعد رجلا لأنه لا فائدة من ذلك.
стр. 2751
٢- يجوز حذف المتعجب منه إذا كان ضميرا كقول علي بن أبي طالب كما قيل:
جزى الله عني والجزاء بفضله ... ربيعة خيرا ما أعف وأكرما
أي ما أعفها وأكرمها وإنما قلنا كما قيل لأن هذا البيت لم يثبت لعلي وفي القاموس في مادة «ودق» نقلا عن المازني وصوبه الزمخشري انه لم يصح انه تكلم بشيء من الشعر غير بيتين وهما قوله:
تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربك لا برّوا ولا ظفروا
وإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر
وفي باب أفعل به إن كان معطوفا على آخر مذكور معه كما في الآية: «أبصر به وأسمع» وانما حذف مع كونه فاعلا لأن لزومه للجر كساه صورة الفضلة وشذ حذفه دون أن يعطف على مثله كقول عروة ابن الورد:
فذلك إن يلق المنية يلقها ... حميدا وإن يستغن يوما فأجدر
فحذف المتعجب منه ولم يكن معطوفا على مثله.
هذا ولا يبنى هذان الفعلان إلا مما اجتمعت فيه ثمانية شروط:
١- أن يكون فعلا وشذ قولهم ما أذرع المرأة بنوه من قولهم امرأة ذراع والذراع كسحاب: الخفيفة اليدين بالغزل وروى ابن القطاع في الأفعال ذرعت المرأة خفت يدها في العمل فهي ذراع وعلى هذا لا شذوذ في قولهم ما أذرع المرأة ومن ذلك قولهم ما أجدره بكذا
стр. 2752
وما أقمنه بكذا فالأول بنوه من قولهم هو قمين بكذا والثاني من قولهم هو جدير بكذا والمعنى فيهما ما أحقه بكذا ولا فعل لهما ولكن قال في القاموس «وقد جدر ككرم جدارة وإنه لمجدرة أن يفعل ومجدور أي مخلقة وجدره جعله جديرا» وطاح كلام النحاة من أساسه.
٢- أن يكون الفعل ثلاثيا فلا يبنيان من رباعي مجرد ولا مزيد فيه ولا ثلاثي مزيد بحرف أو حرفين أو ثلاثة إلا وزن أفعل فقيل يجوز بناؤهما منه سواء كانت الهمزة فيه للنقل أم لا نحو ما أظلم الليل وما أفقر هذا المكان وقيل هو شاذ يحفظ ما سمع منه كما تقدم ولا يقاس عليه وقالوا: ما أعطاه للدرهم وما أولاه للمعروف وما أتقاه الله وشذا كذلك ما أخصره لأنه من اختصر.
٣- أن يكون الفعل متصرفا لأن التصرف فيما لا يتصرف نقض لوضعه وشذ ما أعساه وأعسى به.
٤- أن يكون معناه قابلا للتفاضل أو التفاوت فلا يبنيان من نحو فني ومات وغرق لأنه لا مزية فيه لبعض فاعليه على بعض حتى يتعجب منه.
٥- أن يكون مبنيا للمعلوم فلا يبنيان من المبني للمجهول وبعضهم استثنى ما كان ملازما للبناء على المجهول نحو عنيت بحاجتك وزهي علينا فيجيز التعجب لعدم اللبس فتقول ما أعناه بحاجتك وما أزهاه علينا.
٦- أن يكون تاما فلا يبنيان من نحو كان وكاد وصار لأنهن نواقص وحكى ابن السراج والزجاج: ما أكون زيدا قائما.
٧- أن يكون مثبتا فلا يبنيان من منفي سواء كان ملازما للنفي نحو ما عاج بالدواء أي ما انتفع به ومضارعه يعيج ملازم للنفي أيضا
стр. 2753
كذا قال النحاة وطاح كلامهم بوروده غير منفي، روى أبو علي القالي في نوادره: أنشدنا ثعلب عن ابن الاعرابي:
ولم أر شيئا بعد ليلى ألذه ... ولا مشربا أروى به فأعيج
أي أنتفع به أم غير ملازم للنفي لئلا يلتبس المنفي بالمثبت.
٨- أن لا يكون اسم فاعله على وزن أفعل فعلاء فلا يبنيان من نحو عرج فهو أعرج من العيوب وشهل فهو أشهل من المحاسن وخضر الزرع فهو أخضر من الألوان ولمي فهو ألمى من الحلي لأن الألوان والعيوب والمحاسن الظاهرة جرت مجرى الخلق الثابتة التي لا تزيد ولا تنقص كاليد والرجل وسائر الأعضاء في عدم التعجب منها.
شرط تاسع:
وهناك شرط تاسع أغفله الكثير من النحاة مع أنه مهم جدا وهو أن لا يستغنى عنه بالمصوغ من غيره نحو قال من القائلة فانهم لا يقولون ما أقيله استغناء بقولهم ما أكثر قائلته، ذكره سيبويه ونحو سكر وقعد وجلس فانهم لا يقولون ما أسكره وأقعده وأجلسه استغناء بقولهم ما أشد سكره وأكثر قعوده وجلوسه وزادّ ابن عصفور قام وغضب ونام، وحكى سيبويه ما أنومه وقالوا أنوم من فهد.
كيف يتم التوصل الى التعجب مما فقد بعض الشروط:
ويتوصل الى التعجب من الزائد على الثلاثي ومما وصفه على أفعل فعلاء بما أشد ونحوه وبنصب مصدرهما بعده وبأشدد ونحوه وبجر مصدرهما بعده فتقول ما أشد انطلاقه أو حمرته وأشدد بانطلاقه وحمرته والمنفي والمبني للمجهول يكون مصدرهما مؤولا لا صريحا
стр. 2754
نحو ما أكثر أن لا يقوم وما أشد ما ضرب واشدد بهما وأما الناقص فيؤتى بمصدره إن كان له مصدر على نحو ما تقدم نحو ما أشد صيرورته جميلا وأما الجامدة وغير القابل للتفاوت فلا يتعجب منهما البتة.
٣- القول في أحد، والفرق بين الأحد والواحد:
أحد أكمل من الواحد ألا ترى أنك إذا قلت: فلان لا يقوم له واحد جاز في المعنى أن يقوم له اثنان فأكثر بخلاف قولك لا يقوم له أحد وفي الأحد خصوصية ليست في الواحد تقول ليس في الدار أحد فيجوز أن يكون من الدواب والطير والوحش والإنس فيعم الناس وغيرهم بخلاف ليس في الدار واحد فإنه مخصوص بالآدميين.
ويأتي الأحد في كلام العرب بمعنى الواحد فيستعمل في النفي والإثبات نحو «قل هو الله أحد» أي واحد، وأول «فابعثوا أحدكم بورقكم» وبخلافهما فلا يستعمل إلا في النفي تقول ما جاءني من أحد ومنه قوله تعالى: «أيحسب أن لن يقدر عليه أحد» وواحد يستعمل فيهما مطلقا وأحد يستعمل في المذكر والمؤنث قال تعالى «لستنّ كأحد من النساء» بخلاف الواحد فلا يقال كواحد من النساء بل كواحدة، وأحد يصلح للأفراد والجمع ولهذا وصف به في قوله «من أحد عنه حاجزين» بخلاف الواحد والأحد له جمع من لفظه وهو الأحدون والآحاد وليس للواحد جمع من لفظه فلا يقال واحدون بل اثنان وثلاثة، والأحد ممتنع من الدخول في شيء من الحساب بخلاف الواحد فتلخص من ذلك سبعة فروق.
стр. 2755
٤- قصة انقطاع الوحي لفترة محدودة:
ولا بد هنا من تفصيل قصة انقطاع الوحي فقد ذكر الرواة أن قريشا لجأت الى وسيلة رهيبة لتكافح بها تأثير القرآن فأوفدت الى يهود يثرب فدا يسألها عن الوسائل التي تستطيع أن تقاوم بها هذا الذي جاء به محمد فطلب منهم اليهود أن يسألوا النبي عن أمور فلما عادوا الى مكة ذهبوا اليه وقالوا يا محمد أخبرنا عن فتية ذهبوا في الدهر الأول قد كانت لهم قصة عجب وعن رجل كان طوافا قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها، وأخبرنا عن الروح ما هي؟ فقال لهم النبي:
- أخبركم عما سألتم غدا.
وكان رسول الله ينتظر أن ينزل عليه وحي فيه جواب ما سألت عنه قريش ولكن الوحي أبطأ على النبي خمسة عشر يوما وطارت قريش فرحا بعجزه عن الجواب وقالت وعدنا محمد غدا واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا منها لا يخبرنا بشيء مما سألناه وقد أحزن النبي انقطاع الوحي عنه حزنا شديدا وزاد في قلقه ما كان يتكلم به أهل مكة وفي ختام هذا اليوم نزل جبريل فابتدره بقوله:
- لقد احتبست عني يا جبريل حتى سؤت ظنا فرد عليه جبريل بالآية الكريمة: «وما نتنزل إلا بأمر ربك، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا» ثم أخذ جبريل يلقن النبي سورة «الكهف» وفيها- كما سيأتي- رد على ما سألت قريش وتفصيل رائع لكثير من الأمور التي تشغل الأذهان إذ ذاك وقد أخذت عليهم إجابات سورة الكهف السبيل فلم يحيروا ردا ولا جوابا.
стр. 2756
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٨]
وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٧) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً (٢٨)
اللغة:
(مُلْتَحَداً) : ملتجأ تجنح اليه لائذا إن هممت بالتبديل للقرآن وفي المصباح: «قال أبو عبيدة: ألحد إلحادا جادل ومارى ولحد جار وظلم وألحد في الحرم استحل حرمته وانتهكها والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ» وفي القاموس: «التحد عن الدين بمعنى ألحد والتحد إلى كذا مال والتحد إلى فلان التجأ» .
(وَلا تَعْدُ عَيْناكَ) لا تنصرف يقال عداه إذا جاوزه ومنه قولهم عدا طوره وجاءني القوم عدا زيد فحق الكلام أن يقال بالنصب أي لا تعد عينيك وانما عدل الى الرفع لأنه أراد صاحب العينين فهو من المجاز وسيأتي مزيد شرح له في باب البلاغة.
(فُرُطاً) : بضمتين أي مجاوزا الحد وقد تقدم شرح هذه المادة مفصلا.
стр. 2757
الإعراب:
(وَاتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتابِ رَبِّكَ) الواو عاطفة واتل فعل أمر مني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وما مفعول به وجملة أوحي صلة وإليك متعلقان بأوحي ومن كتاب ربك حال من ما.
(لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) لا نافية للجنس ومبدل اسمها مبني على الفتح ولكلماته خبر والجملة حالية ولن تجد عطف ومن دونه حال وملتحدا مفعول به. (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ) واصبر عطف وهو فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت ونفسك مفعول به ومعنى الصبر هنا حبس النفس وتثبيتها وفي المختار: الصبر حبس النفس عن الجزع وبابه ضرب وصبره حبسه قال تعالى: «واصبر نفسك» وقال أبو ذؤيب يرثي ابنه:
فصبرت عارفة لذلك جسرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع
أي حبست نفسا عارفة لذلك البلاء وضمّن عارفة معنى صابرة فعداه باللام وجسرة أي قوية صلبة ويروى حرة تسكن إذا طلعت نفس الجبان من مستقرها وطارت شعاعا. ومع الذين ظرف مكان متعلق باصبر وجملة يدعون ربهم صلة وربهم مفعول به وبالغداة والعشي متعلقان بيدعون وجملة يريدون وجهه حال. (وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا) عطف على واصبر ولا ناهية وتعد مجزوم بلا وعلامة جزمه حذف حرف العلة وعيناك فاعل وعنهم متعلقان بتعد وجملة تريد زينة الحياة الدنيا حال والدنيا صفة وسيأتي القول مفصلا عنها في باب الفوائد. (وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) الواو عاطفة على ما تقدم ولا ناهية وتطع مجزوم بها والفاعل مستتر ومن مفعول به وجملة أغفلنا صلة وقلبه مفعول به وعن
стр. 2758
ذكرنا متعلقان بأغفلنا واتبع هواه فعل ماض وفاعل مستتر ومفعول به والواو عاطفة وكان واسمها وخبرها.
البلاغة:
المجاز العقلي:
في قوله «ولا تعد عيناك» مجاز عقلي لأنه أسند فعل عدا أي تجاوز الى العينين ومن حقه أن يسندهما إليه لأن عدا متعد بنفسه كما تقدم وانما جنح الى المجاز لأنه أبلغ من الحقيقة فكأن عينيه ثابتتان في الرنو إليهم وكأنما أدركتا ما لا تدركان وأحستا بوجوب النظر الى هؤلاء وصبر النفس ورياضتها على ملازمتهم.
وقيل هو من باب التضمين فقد ضمن عدا معنى نبا وعلا من قولهم نبت عينه عنه إذا اقتحمته ولم تعلق به والغرض من هذا التضمين إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى مفرد أي لا تقتحمهم عيناك مجاوزتين الى غيرهم وهو جميل أيضا.
الفوائد:
القاعدة في اسم التفضيل انه إذا كان مقترنا بأل امتنع وصله بمن الجارة فلا يقال فلان الأفضل من فلان ووجبت مطابقته لما قبله إفرادا وتثنية وجمعا وتذكيرا وتأنيثا وقد شذ وصله بمن في قول الشاعر:
ولست بالأكثر منهم حصى ... وإنما العزة للكاثر
وإذا تجرد من أل والاضافة فلا بد من إفراده وتذكيره في جميع
стр. 2759
أحواله وأن تتصل به من المجارة ولو تقديرا نحو قوله تعالى «وللآخرة خير وأبقى» .
وإذا أضيف الى نكرة وجب إفراده وتذكيره وامتنع وصله بمن الجارة.
وإذا أضيف الى معرفة امتنع وصله بمن الجارة وجاز فيه وجهان:
الإفراد والتذكير كالمضاف الى نكرة ومطابقته لما قبله وقد ورد الاستعمالان في القرآن فمن الأول «ولتجدنهم أحرص الناس على حياة» ولم يقل أحرصي الناس ومن الثاني «وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها» .
حكم الدنيا: هذا والقياس أن تأتي الدنيا بالألف واللام لأنها صفة في الأصل على وزن فعلى والمذكر الأدنى له فمن حقها المطابقة كما أتت في الآية التي نحن بصددها على أنهم استعملوها استعمال الأسماء فهم لا يكادون يذكرون معها الموصوف فاستعملوها بغير ألف ولام كسائر الأسماء قال العجاج:
يوم ترى النفوس ما أعدت ... من نزل إذا الأمور غبت
في سعي دنيا طالما قد مدت ... حتى انقضى قضاؤها فأدت
وقال بشامة بن حزن النهشلي وقيل للمرقش الأكبر:
وإن دعوت الى جلى ومكرمة ... يوما سراة كرام الناس فادعينا
فقيل جلى مؤنث أجل على حد الأكبر والكبرى وبذلك يجري مجرى دنيا في سيرورة الاستعمال استعمال الأسماء وقيل هو مصدر
стр. 2760
كالرجعى والبشرى بمعنى الرجوع والبشارة فأما قول أبي نواس الحسن ابن هانىء يصف الخمر:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
فقد عابه بعضهم لكونه استعملها نكرة وهذا الضرب من الصفات لا يستعمل إلا معرفة والاعتذار عنه انه استعملها استعمال الأسماء لكثرة ما يجيء منه بغير تقدم موصوف ويجوز أن يكون لم يرد فيه التفضيل بل معنى الفاعل كأنه قال كأن صغيرة وكبيرة من فواقعها على حد قوله تعالى «وهو أهون عليه» وقيل ان «من» المذكورة زائدة وكبرى مضافة الى فواقعها لكن يرد على هذا أن زيادة من في الموجب لا تجوز.
وقال ابن الأثير في المثل السائر: «ألا ترى أن أبا نواس كان معدودا في طبقات العلماء مع تقدمه في طبقات الشعراء وقد غلط فيما لا يغلط مثله فيه فقال في صفة الخمر:
كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء در على أرض من الذهب
وهذا لا يخفى على أبي نواس فإنه من ظواهر علم العربية وليس من غوامضه في شيء لأنه أمر نقلي يحمله ناقله فيه على النقل من غير تصرف وقول أبي نواس «صغرى وكبرى» غير جائز فإن فعلى أفعل لا يجوز حذف الألف واللام منها وانما يجوز حذفها من فعلي التي لا أفعل لها نحو حبلى إلا أن تكون فعلى أفعل مضافة وهاهنا قد عريت
стр. 2761
عن الاضافة وعن الألف واللام فانظر كيف وقع أبو نواس في مثل هذا الموضع مع قربه وسهولته» .
ورد ابن أبي حديد في كتاب «الفلك الدائر» على هذا القول بأن قال: «لا ينكر أن كثيرا من أئمة العربية طعن في هذا البيت ولكن انتصر لأبي نواس كثير منهم فقالوا: وجدنا فعلى أفعل في غير موضع واردة بغير لام ولا إضافة ولا من مثل دنيا في قول الراجز: في سعي دنيا طالما قد مدت، وقول الآخر: وإن دعوت الى جلى ومكرمة، وقول الآخر لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة، وقالوا: طوبى لك. وفي البيت وجه آخر وهو أن تكون من في قوله من فواقعها زائدة على مذهب أبي الحسن الأخفش في زيادة من في الواجب فإنه يذهب الى ذلك ويحتج بقوله تعالى: «فيها من برد» أي فيها برد وهذا يرجح أن يكون صغرى وكبرى في البيت مضافتين» .
وقال الشيخ بهاء الدين بن النحاس: هذا عجيب من مثل هذا الرجل الفاضل أما إيراده دنيا وأخواتها فكل وجوهها مذكورة في كتب النحاة بما يغني عن الإطالة بذكره بخلاف صغرى وكبرى، وأما قوله بزيادة من فكأنه يظن أن من إذا كانت زائدة كان الجر بالإضافة أو كانت الإضافة باقية وهذا لا وجه له وإنما الجر بحرف الجر لأن حروف الجر لا تعلق وأما زيادة حرف الجر بين المتضايفين فلم بقل به إلا في مثل لا أبا لك على شذوذ وليس هذا منه ولا يريد الأخفش بقوله ان من تزاد في الواجب ما أراد ابن أبي الحديد» ومثله قول العروضيين فاصلة صغرى وفاصلة كبرى أي صغيرة وكبيرة لا يريدون التفضيل وانما يريدون الاسم وقول أبي تمام يصف الربيع:
دنيا معاش للورى حتى إذا ... حل الربيع فإنما هي منظر
стр. 2762
غلبت الاسمية عليها حتى لم يعد يلمح لأصل التفضيل فيها.
وننتهز الفرصة لنورد أبياتا من القصيدة التي منها هذا البيت لأبي نواس لحسنها، ومطلعها:
ساع بكأس إلى ناس على طرب ... كلاهما عجب في منظر عجب
قامت تريني وستر الليل منسدل ... صبحا تولد بين الماء والعنب
كأن صغرى وكبرى.... البيت وبعده
كأن تركا صفوفا في جوانبها ... تواتر الرمي بالنشاب من كثب
في كف ساقية ناهيك ساقية ... في حسن قدّ وفي ظرف وفي أدب
[سورة الكهف (١٨) : الآيات ٢٩ الى ٣١]
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً (٣٠) أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً (٣١)
стр. 2763
اللغة:
(أَعْتَدْنا) : أعددنا وهيأنا وفي القاموس «عتّد وأعتد الشيء:
هيأه وأعده وعتد الشيء يعتد من باب ظرف وجمل عتادا تهيأ، وتعتد في صنعته تأنّق فيها والعتاد: ما أعد لأمر ما، وكل ما هيء من سلاح وآلة حرب والجمع أعتد وعتد وأعتدة» .
(سُرادِقُها) : السرادق بضم السين وكسر الدال: الفسطاط الذي يمد فوق صحن البيت والخيمة والغبار والدخان المرتفع المحيط بالشيء والجمع سرادقات وفي الكشاف: «شبه ما يحيط بهم من النار بالسرادق وهو الحجرة التي تكون حول الفسطاط وبيت مسردق ذو سرادق وقيل هو دخان يحيط بالكفار قبل دخول النار وقيل حائط من نار يطيف بهم» وقال الراغب: «السرادق: فارسي معرب وليس في كلامهم اسم مفرد ثالث حروفه ألف بعدها حرفان إلا هذا وفي المختار: السرادق مفرد والجمع سرادقات الذي يمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف أي قطن فهو سرادق ويقال بيت مسردق.
قال الجوهري: والسرادق واحد السرادقات وهي التي تمد فوق صحن الدار وكل بيت من كرسف فهو سرادق ومنه قول رؤبة:
стр. 2764
يا حكم بن المنذر بن جارود ... سرادق المجد عليك ممدود
وقال الشاعر:
هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيت مسردق
يقوله سلام بن جندل لما قتل ملك الفرس ملك العرب النعمان ابن المنذر تحت أرجل الفيلة.
(المهل) : بضم الميم اسم يجمع معدنيات الجواهر كالفضة والحديد والصفر، ما كان منها ذائبا، القطران الرقيق، الزيت الرقيق، السم، القيح أو صديد الميت خاصة، ما يتحات عن الخبز من الرماد وقيل هو كعكر الزيت أي ما بقي في الإناء منه والخلاصة هو اسم جامع لكل المستقذرات التي تغثى منها النفس وتتألم وتنفر.
(مُرْتَفَقاً) : تقدم ذكر هذه المادة في هذه السورة وهي هنا متكأ من المرفق وهذا لمشاكلة قوله وحسنت مرتفقا الآتي وإلا فلا ارتفاق لأهل النار ولا اتكاء وقد يكون من وادي قوله:
إني أرقت فبت الليل مرتفقا ... كأن عيني فيها الصاب مذبوح
والارتفاق الاتكاء على المرفق مع نصب الساعد وهي هيئة المتحزن المتحسّر، والصاب نبت مرّ كالحنظل، والمذبوح المشقوق وهو كناية عن البكاء وانصباب الدموع والبيت لأبي ذؤيب الهذلي.
(السندس) : ما رقّ من الديباج.
(الاستبرق) : ما غلظ من الديباج والإستبرق يونانية والسندس
стр. 2765
فارسية وقيل هندية وقد تقدم ذكرهما في جدول أحصينا فيه الألفاظ الأعجمية.
الإعراب:
(وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شاءَ فَلْيَكْفُرْ) الحق خبر لمبتدأ محذوف ومن ربكم حال ويجوز أن يكون الحق مبتدأ ومن ربكم خبره، فمن شاء الفاء استئنافية ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاعل مستتر تقديره هو والفاء رابطة للجواب لأن الجملة طلبية واللام لام الأمر ويؤمن مضارع مجزوم بلام الأمر ومن شاء فليكفر عطف على سابقتها. (إِنَّا أَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ ناراً أَحاطَ بِهِمْ سُرادِقُها) إن واسمها وجملة أعتدنا خبرها وللظالمين متعلقان بأعتدنا ونارا مفعول به وأحاط بهم سرادقها الجملة صفة لنار، وأحاط فعل ماض وبهم متعلقان بأحاط وسرادقها فاعل أحاط.. (وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغاثُوا بِماءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ) الواو عاطفة وإن شرطية ويستغيثوا فعل الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل ويغاثوا جواب الشرط وبماء متعلقان بيغاثوا وكالمهل صفة لماء وجملة يشوي الوجود صفة ثانية أو حال والوجوه مفعول به. (بِئْسَ الشَّرابُ وَساءَتْ مُرْتَفَقاً) بئس فعل ماض جامد من أفعال الذم، والشراب فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي وساءت عطف على بئس ومرتفا تمييز محول عن الفاعل أي مرتفقها ولا تلتفت لمن أعربها مصدرا. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا) إن واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا، إنا لا نضيع يجوز أن تكون هذه الجملة خبر إن أو يجوز أن تجعلها معترضة وان واسمها وجملة لا نضيع خبرها وفاعل نضيع مستتر تقديره نحن وأجر مفعول
стр. 2766
به ومن موصول مضاف اليه وجملة أحسن صلة وعملا تمييز ويجوز أن يكون مفعولا به وفاعل أحسن ضمير هو الرابط إذا جعلت إنا لا نضيع خبر إن الذين أو الرابط هو تكرر الظاهر بمعناه. (أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ) الجملة خبر ثان لإن الذين أو خبر إذا جعلت جملة إنا لا نضيع معترضة وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وجنات عدن مبتدأ مؤخر والمبتدأ الثاني وخبره خبر أولئك وجملة تجري من تحتهم الأنهار حال من جنات أو صفة لها فصار لهم بذلك نوعان من الثواب من خمسة أنواع والثلاثة الباقية هي:
(يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِياباً خُضْراً مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ) يحلون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفيها حال أي حال كونهم في الجنة أو متعلقان بيحلون ومن أساور متعلقان بمحذوف صفة لمفعول محذوف أي حليا من ذهب، ومن ذهب صفة لأساور ويلبسون عطف على يحلون والواو فاعل وثيابا مفعول به وخضرا صفة ومن سندس صفة أو حال من ثيابا وإستبرق عطف على سندس ومتكئين حال من أولئك وفيها حال أيضا فهي متداخلة وعلى الأرائك متعلقان بمتكئين فتمت بذلك النعم السوابغ الخمس. (نِعْمَ الثَّوابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقاً) تقدم اعراب نظيرتها فجدد به عهدا.
البلاغة:
في هذه الآيات فنون كثيرة من البلاغة تقدم ذكر معظمها فنكتفي بالاشارة إليها:
١- التهكم:
في قوله تعالى «يغاثوا بماء كالمهل» فقد سمى أعلى أنواع العذاب
стр. 2767
إغاثة والإغاثة هي الإنقاذ من العذاب تهكما بهم وتشفيا منهم والتهكم فن طريف من فنونهم من تهكمت البئر إذا تهدمت أو من التهكم بمعنى الغضب الشديد أو الندم على أمر فائت فالبشارة فيه إنذار والوعد معه وعيد والإجلال للمخاطب المتهكم به تحقير وهذه الآية من أحسن شواهده إذ جعل الإغاثة ضد الإغاثة نفسها ففيه الى جانب التهكم مشاكلة أيضا وقد افتتن الشعراء بهذا المعنى وأخذه بعضهم بلفظه فأجاد من جهة وأسف من جهة التركيب وذلك بقوله يهجو بخيلا:
أبات الضيوف على سطحه ... فبات يريهم نجوم السماء
وقد فتت الجوع أكبادهم ... وان يستغيثوا يغاثوا بماء
وقد برع فيه من شعرائنا ابن الرومي وأوردنا نماذج من تهكمه ونورد الآن أبياتا له يتهكم فيها بصاحب لحية طويلة:
ارع فيها الموسى فإنك منها ... يشهد الله في اثام كبير
أيما كوسج يراها فيلقى ... ربه بعدها صحيح الضمير
هو أحرى بأن يشك ويغرى ... باتهام الحكم في التقدير
لحية أهملت فسالت وفاضت ... فإليها تشير كف المشير
ما رأتها عين امرئ ما رآها ... قط إلا أهلّ بالتكبير
روعة تستخفه لم يرعها ... من رأى وجه منكر ونكير
فاتق الله ذا الجلال وغيّر ... منكرا فيك ممكن التغيير
أو فقصّر منها فحسبك منها ... نصف شبر علامة التذكير
стр. 2768
ومغالطته بادية من دخيلة إحساسه بهيبة اللحية حتى البحتري لم تسلم لحيته من هجوه إذ يقول:
البحتري ذنوب الوجه تعرفه ... وما رأينا ذنوب الوجه ذا أدب
٢- التشبيه المؤكد:
في قوله تعالى «إنا اعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها» فقد شبه النار المحيطة بهم بالسرادق المضروب على من يحتويهم وأضيف السرادق الى النار فذلك هو التشبيه المؤكد وهو أن يضاف المشبه الى المشبه به كقول بعضهم:
والريح تعبث بالغصون وقد جرى ... ذهب الأصيل على لجين الماء
فقد أضاف الأصيل وهو المشبه الى الذهب وهو المشبه به كما أضاف الماء الذي هو المشبه الى اللجين الذي هو المشبه به وقد رمقه شوقي فقال في وصف دمشق:
دخلتها وحواشيها زمردة ... والشمس فوق لجين الماء عقيان
والمراد بالتشبيه المؤكد قوله لجين الماء أما حواشيها زمردة والشمس عقيان فهو من التشبيه البليغ المضمر الأداة.
٣- المشاكلة:
وذلك في قوله «وساءت مرتفقا» فقد ذكر الارتفاق مشاكلة لقوله فيما بعد في وصف أهل الجنة «وحسنت مرتفقا» لأن ارتفاق
стр. 2769
اليد في النار لا يصح بل فيها العذاب والضرر وقد ذكرنا في باب اللغة انه يجوز أن يكون الارتفاق ناشئا عن الهم والعذاب كقول الهذلي المتقدم فلا مشاكلة ومن طريف المشاكلة قول بعضهم وقد دعاه إخوانه الى صبوح وليس لديه ثياب يلبسها فكتب إليهم:
إخواننا قصدوا الصبوح بسحرة ... وأتى رسولهم إليّ خصيصا
قالوا التمس شيئا نجد لك طبخة ... قلت اطبخوا لي جبة وقميصا
ومن المفيد أن نشير الى تأنيث حسنت وساءت وذلك على المعنى أي ساءت النار مرتفقا وحسنت الجنة مرتفقا.
٤- الاستتباع:
وهو فن جميل يتقصى الشيء الذي تتصدى للكتابة عنها باستقصاء الأوصاف المحيطة به والملائمة له فلا يكاد المتكلم يذكر معنى من المعاني أو يتناول غرضا من الأغراض حتى يستتبع معنى آخر من جنسه يقتضي زيادة في وصفه فقد ذكر تعالى الجنة جزاء للذين آمنوا وعملوا الصالحات فوصفها بأن الأنهار تجري خلالها من تحتهم ثم ذكر الأساور حلية لهم ونكرها لإبهام أمرها في الحسن وجمع بين السندس والإستبرق وهما ما رقّ وغلظ من ألبسة الحرير على عادة المترفين الذين يعدون ثيابا للصيف تصلح له وللشتاء لباسا أخرى تلائم حالات البرد الشديد وخص الاتكاء بالذكر لأنه هيئة المنعّمين المترفين المسترخين على المقاعد والسرر في الابهاء الممتعة والقصور المنيفة فسبحان قائل هذا الكلام.
стр. 2770
ومن الاستتباع في الشعر قول المتنبي:
نهبت من الأعمار ما لو حويته ... لهنئت الدنيا بأنك خالد
فقد استتبع مدحه بالشجاعة مدحه بأنه سبب لصلاح الدنيا حيث جعلها مهنأة بخلوده لأنه سبب عمرانها ومثله قوله أيضا:
الى كم ترد الرسل عما أتوا به ... كأنهم فيما وهبت ملام
فقد مدح سيف الدولة بالشجاعة أيضا واستتبع في باقي البيت مدحه بالكرم لعصيان الملام في الهبات والمعنى انك تردهم عما يطلبون من الهدنة ردك لوم اللائمين لك في العطاء أي كما انك لا تصغي الى ملامة لائم في سخائك فكذلك لا تقبل الهدنة وهذا من أروع ما تبتكره الأذهان ومن الفائدة أن نورد أبياتا مختارة من هذه القصيدة التي قالها في مديح سيف الدولة وقد وردت عليه رسل الروم يطلبون الهدنة في سنة أربع وأربعين وثلاثمائة وأولها:
أراع كذا؟ كل الملوك همام ... وسح له رسل الملوك غمام؟
يقول هل راع ملك جميع الملوك كما أرى من روعك إياهم وهل تقاطرت الرسل على ملك كما تقاطرت عليك جعل توالي الرسل عليه كسح الغمام وفي البيت براعة استهلال لأنه أشار فيه وهو مطلع القصيدة الى موضوع الرسل، ثم قال:
ودانت له الدنيا فأصبح جالسا ... وأيامها فيما يريد قيام
следующие страницы →