Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
اللغة:
(رَتْقاً) : في المختار: «الرتق: ضد الفتق وقد رتقت الفتق من باب نصر سددته فارتتق أي التأم ومنه قوله تعالى: كانتا رتقا ففتقناهما، والرتق بفتحتين مصدر قولك امرأة رتقاء أي لا يستطاع جماعها لارتتاق ذلك الموضع منها» وفي الأساس: «رتق الفتق حتى ارتتق وقرئ كانتا رتقا ورتقا وعن ابن الكلبي كانتا رتقاوين ففتق الله السماء بالماء وفتق الأرض بالنبات وامرأة رتقاء بينة الرّتق إذا لم يكن لها خرق إلا المبال» .
(رَواسِيَ) : جمع راسية من رسا الشيء إذا ثبت ورسخ وفي المختار: «والرواسي من الجبال الرواسخ واحدتها راسية» وفي المصباح: «رسا الشيء يرسو رسوا ورسوّا ثبت فهو راس وجبال راسية وراسيات ورواس» .
(تَمِيدَ) : في المصباح: «ماد يميد ميدا من باب باع وميدانا بفتح الياء تحرك» وفي الأساس: «غصن مائد مائل وماد يميد ميدانا ومن المجاز مادت المرأة وماست وتميّدت وتميّست ومادت به الأرض دارت، ورجل مائد: يدار به والمطعون يميد في الرمح» .
(فِجاجاً) : في المختار: «الفج بالفتح: الطريق الواسع بين الجبلين والجمع فجاج بالكسر مثل سهم وسهام والفج بالكسر البطيخ الشامي وكل شيء من البطيخ والفواكه لم ينضج فهو فج بالكسر» وفي القاموس: الفج وجمعه فجاج، والفجاج: الطريق الواسع بين جبلين.
стр. 3117
الإعراب:
(أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو حرف عطف على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم والذين فاعل وجملة كفروا صلة وان وما بعدها سدت مسد مفعولي رأى لأن الرؤية قلبية وان واسمها وجملة كانتا خبرها والالف اسم كان ورتقا خبرها وفي الاخبار به ما تقدم في زيد عدل أي كانت الشمس والأرض نفس الرتق، ففتقناهما الفاء عاطفة وفتقناهما فعل وفاعل ومفعول به والجملة معطوفة على كانتا والميم والالف حرفان دالان على التثنية، قال الأخفش: إنما قال كانتا لأنهما صنفان أي جماعتا السموات والأرضين كما قال سبحانه: «إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا» وقال الزجاج: انما قال كانتا لأنه يعبر عن السموات بلفظ الواحد لأن السموات كانت سماء واحدة وكذلك الأرضون. (وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤْمِنُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وجعلنا فعل وفاعل بمعنى خلق ومن الماء متعلقان بجعلنا لأنها بمعنى خلقنا أو بمحذوف حال من كل شيء لأنه كان في الأصل وصفا له فلما قدم عليه نصب على الحال ولك أن تجعل وجعلنا بمعنى صير متعديا لاثنين فيكون من الماء في محل نصب على أنه مفعول ثان وكل شيء مفعول أول، أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل.
(وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ) وجعلنا عطف على جعلنا وفي الأرض إما مفعول ثان ورواسي هو المفعول الاول وإما متعلقان بجعلنا أو بمحذوف حال ورواسي مفعول به وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي كراهة أن تميد أو لئلا تميد وبهم متعلقان بتميد.
стр. 3118
(وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ) وجعلنا عطف على ما تقدم وفيها هو المفعول الثاني أو متعلق بجعلنا وفجاجا حال لأنه كان صفة لسبلا وتقدم عليه وسبلا مفعول به ولعل واسمها وجملة يهتدون خبرها.
(وَجَعَلْنَا السَّماءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً وَهُمْ عَنْ آياتِها مُعْرِضُونَ) وجعلنا السماء فعل وفاعل ومفعول به أول وسقفا مفعول به ثان وهم مبتدأ وعن آياتها متعلقان بمعرضون ومعرضون خبرهم والجملة حالية أو استئنافية.
(وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة خلق صلة وفاعل خلق ضمير مستتر تقديره هو والليل مفعول به وما بعده عطف عليه وكل مبتدأ وساغ الابتداء لما فيه من معنى العموم وفي فلك متعلقان بيسبحون وجملة يسبحون خبر كل وجملة كل في فلك يسبحون محلها النصب على الحال من الشمس والقمر، وانما جعل الضمير واو العقلاء للوصف بفعل هو من خصائص العقلاء هو السباحة وتقدم نظيره في قوله «رَأَيْتُهُمْ لِي ساجِدِينَ» .
الفوائد:
١- بحث شيق في المفعول لأجله:
هذا بحث طريف أفرد له سيبويه فصلا خاصا في كتابه وهو بتعلق بالمفعول لأجله المؤول وهو هنا في قوله «وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ» قال ما خلاصته: هو من وادي قولهم: أعددت هذه الخشبة أن يميل الحائط فأدعمه قال ومعناه «ان ادعم الحائط إذا مال» وانما قدم ذكر الميل اهتماما بشأنه ولأنه أيضا هو السبب في الإدغام، وادعام سبب في إعداد الخشبة فعامل سبب السبب معاملة
стр. 3119
السبب وعليه حمل قوله تعالى «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى» كذلك ما نحن بصدده يكون الأصل وجعلنا في الأرض رواسي لأجل أن تثبتها إذا مادت بهم فجعل الميد هو السبب كما جعل الميل في المثل المذكور سببا وصار الكلام وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد فتثبتها ثم حذف فتثبتها لأمن الإلباس إيجازا واختصارا» وهذا لعمري أولى مما درجنا عليه في الاعراب لأن مقتضى ما ذكرناه وذكره أكثر المعربين والمفسرين يقتضي أن لا تميد الأرض بأهلها لأن الله كره ذلك ومكروه الله تعالى محال أن يقع كما أن مراده واجب أن يقع والمشاهد خلاف ذلك فكم من زلزلة مادت لها الأرض وكادت تقلب عاليها سافلها واما على تقرير سيبويه فالمراد أن الله تعالى يثبت الأرض بالجبال إذا مادت وهذا لا يأبى وقوع الميد، وهذا بحث جليل قلّ من ينتبه له إلا بعد هذا التفصيل فتأمله تر السحر الحلال وان من البيان لسحرا.
٢- ذهب سيبويه والجمهور الى القول بأن لفظي كل وبعض معرفتان بنية الاضافة ولذلك يأتي الحال منهما كقولهم مررت بكل قائما وببعض جالسا، وأصل صاحب الحال التعريف وذهب الفارسي إلى أنهما نكرتان وألزم من قال بتعريفهما أن يقول إن نصفا وسدسا وثلثا وربعا ونحوها معارف لأنها في المعنى مضافات وهي نكرات بإجماع، ورد بأن العرب تحذف المضاف وتريده وقد لا تريده ودلّ مجيء الحال بعد كل وبعض على إرادته، بقي هنا سؤال واحد وهو لم أتى بصيغة الجمع وهما اثنان؟ والجواب ان الضمير عائد عليهما مع الليل والنهار وذلك لأن الليل والنهار يسبحان أيضا لأن الليل ظل الأرض وهو يدور على محيط كرة الأرض على حسب دوران الأرض وكذلك النهار يدور أيضا لأنه يخلف الليل في المحيط.
стр. 3120
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٣٤ الى ٤٠]
وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٣٥) وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ (٣٦) خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧) وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٣٨)
لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)
الإعراب:
(وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم خلود البشر جوابا لقولهم أن محمدا سيموت، وما نافية وجعلنا فعل وفاعل ولبشر في محل نصب مفعول ثان ومن قبلك صفة لبشر والخلد مفعول جعلنا الاول والهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة وإن شرطية ومت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وهم مبتدأ والخالدون خبر والجملة في محل جزم جواب الشرط وهي بنية التقديم لأن أصل الكلام أفهم
стр. 3121
الخالدون إن مت، قال الفراء: جاء بالفاء لتدل على الشرط لأنه جواب قولهم سيموت قال ويجوز حذف الفاء واضمارها والمعنى إن مت فهم يموتون أيضا فلا شماتة في الموت. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ) كل مبتدأ ونفس مضاف اليه وذائقة الموت خبر والجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على عدم الخلود فلا مجال للشماتة ورحم الله القائل:
فقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا
(وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ) الواو استئنافية أيضا ونبلوكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبالشر متعلقان بنبلوكم والخير عطف على الشر أي نختبركم بما يجب فيه الصبر وبما يجب فيه الشكر وفتنة مصدر مؤكد لنبلوكم من غير لفظه لأن الابتلاء فتنة فكأنه قيل نفتنكم فتنة ويجوز أن يعرب مفعولا من أجله أو نصبا على الحال من فاعل نبلوكم أي فاتنين لكم وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة معطوفة على نبلوكم أو حالية. (وَإِذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُواً) لك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة مسوقة لتقرير موقفهم من النبي محمد ﷺ وأن تجعلها عاطفة فتكون الجملة معطوفة على قوله الآنف «وَأَسَرُّوا النَّجْوَى» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة رآك مضاف لها الظرف وفاعل رآك الذين والكاف مفعول به وجملة كفروا صلة وإن نافية ويتخذونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإن النافية وما في حيزها جواب إذا وسيأتي ذكر السبب في عدم اقتران الجواب بالفاء في باب الفوائد وإلا أداة حصر وهزوا مفعول به ثان اما على الوصف بالمصدر مبالغة
стр. 3122
وقد مرت له نظائر واما على حذف مضاف، هذا ويجوز ان تكون ان النافية وما بعدها جملة معترضة فيكون الجواب قوله الآتي:
(أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمنِ هُمْ كافِرُونَ) الهمزة للاستفهام والاستفهام معناه السخرية والجملة اما جواب إذا كما تقدم وإما مقول قول محذوف أي يقول بعضهم لبعض على سبيل السخرية والهزء أهذا، وهذا مبتدأ والذي خبره وجملة يذكر صلة وآلهتكم مفعول به والواو حالية وهم مبتدأ وبذكر متعلقان بكافرون والرحمن مضاف اليه وهم تأكيد لهم الأولى تأكيدا لفظيا وكافرون خبر هم والجملة حال إما من فاعل يتخذونك وإما من فاعل القول المقدر كما أسلفنا ومفعول يذكر محذوف وسيرد بحثه في باب البلاغة.
(خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آياتِي فَلا تَسْتَعْجِلُونِ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على استعجالهم العذاب وخلق فعل ماض مبني للمجهول والإنسان نائب فاعل ومن عجل متعلقان بخلق أو بمحذوف حال وسيأتي معنى هذا التركيب في باب البلاغة وسأريكم السنين للاستقبال وأريكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وآياتي مفعول به ثان والفاء عاطفة ولا ناهية وتستعجلون فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والياء المحذوفة للرسم مفعول به وجملة سأريكم مستأنفة أيضا مسوقة لتأكيد العجلة وعاقبتها التي هي رؤية العذاب. (وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإيراد نمط من استعجالهم المذموم ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومتى اسم استفهام في محل نصب على الظرفية وهو متعلق بمحذوف خبر مقدم وهذا مبتدأ مؤخر والوعد بدل وإن شرطية وكنتم كان
стр. 3123
واسمها في محل جزم فعل الشرط وصادقين خبر كنتم وجواب ان محذوف تقديره فعينوا موعده وخطابهم للنبي وأصحابه.
(لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) لو شرطية ويعلم فعل مضارع والذين فاعل وجملة كفروا صلة وحين يجوز أن يكون مفعول يعلم أي الوقت الذي يستعجلون فيه بقولهم متى هذا الوعد وهو وقت صعب ضنك تحيط بهم النار من كل مكان لما كانوا بتلك المثابة من الكفر فجواب لو محذوف وقد تقدمت الاشارة اليه كثيرا ويجوز أن يكون يعلم متروكا بلا تعدية بمعنى لو كان معهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا متعجلين وحين منصوب بمضمر أي حين لا يكفوا عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل والأرجح ان مفعول يعلم محذوف لدلالة ما قبله عليه أي لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي سألوا عنه واستبطئوه وحين منصوب بالمفعول الذي هو مجيء وجملة لا يكفون مضافة الى الظرف وعن وجوههم متعلقان بيكفون والنار مفعول به ولا عن ظهورهم معطوفة، والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة ينصرون خبر وينصرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) بل حرف إضراب وعطف وتأتيهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على النار وبغتة حال أتى مصدرا وقيل مفعول مطلق وسيأتي مزيد بحث عنه في باب الفوائد، فتبهتهم عطف على تأتيهم فلا يستطيعون عطف أيضا وردها مفعول يستطيعون ولا هم ينظرون عطف أيضا وهم مبتدأ وجملة ينظرون خبر كما أنظروا وأمهلوا من قبل.
стр. 3124
البلاغة:
١- التذييل: في قوله تعالى: «وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ. كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» فن طريف من فنون البلاغة أطلق عليه علماؤها اسم «التذييل» وعرفوه بأنه تذييل الكلام بعد تمامه وحسن السكوت عليه بجملة تحقق ما قبلها من الكلام وتزيده توكيدا وتخرجه مخرج المثل السائر ليشيع الكلام بعد دورانه على الألسنة فإن لم تكن الزيادة تفيد ذلك فلا يسمى تذييلا وبعضهم يسميه آنذاك تذييلا ولكنه يقول عنه أنه معيب وما أجدر المعيب أن ينتفى عن فنون البلاغة أو يندرج في سلكها وهو شائع في القرآن الكريم وستأتي أمثلة كثيرة منه، أما في الآية التي نحن بصددها فإن المعنى مستوفى في الاخبار بأنه سبحانه لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد ثم ذيل ذلك الاخبار بما أخرجه مخرج تجاهل العارف وهو قوله «أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ» ثم ذيل هذا التذييل بما أخرجه مخرج المثل السائر حيث قال: «كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ» .
ومن أروع أمثلة التذييل في الشعر قول شاعر الخلود أبي الطيب:
تمسي الأماني صرعى دون مبلغه ... فما يقول لشيء ليت ذلك لي
يقول أبو الطيب: لا تصل الأماني الى قلبه فتستميله، ولا الى لسانه فتجري عليه لأنه لا يحتاج أن يتمنى شيئا إلا وله خير منه أو صار له ذلك الشيء فالأماني تقصر عن بلوغ قدره، وتقصر عن جلالة أمره وتمسي صرعى دون إدراك مجده فما يتمنى في الرفعة أكثر مما
стр. 3125
قد بلغه، ولم يزل سيف الدولة لهجا بهذا البيت معظما له، مثنيا عليه، مقرا له بأنه لا يلحق سبقا ولا يأتي أحد في بابه من المبالغة بمثل ما أتى به.
وقال ابن نباتة السعدي وأجاد:
لم يبق جودك لي شيئا أؤمله ... تركتني أصحب الدنيا بلا أمل
لقد حقق له جميع آماله ومشتهياته فلم يعد لديه ما يؤمله وهبه صبا الى شيء فإنه واثق بحضوره فغدا بلا آمال.
٢- الإيجاز بالحذف: وذلك في حذف مفعول يذكر في قوله تعالى:
«أَهذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ» والذكر يكون بالخير والشر فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد كقولك للرجل: سمعت فلانا يذكرك فإن كان الذاكر صديقا فهو ثناء وإن كان عدوا فذم ومن جهة ثانية لم يقولوا: أهذا الذي يذكر آلهتكم بكل سوء لأنهم استفظعوا حكاية ما يقوله النبي من القدح في آلهتهم رميا بأنها لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر ورئبوا بها عن نقل ذمها تفصيلا وتصريحا فنقلوه إجمالا وتلميحا، بل أومئوا اليه بالاشارة المذكورة كما يتحاشى المؤمن من حكاية كلمة الكفر وان كان قائلها غير كافر فيومىء إليها بلفظ يفهم المقصود بطريق التعريض فسبحان من أضلهم حتى تأدبوا مع الأوثان، وأساءوا الأدب على الرحمن.
٣- الاستعارة المكنية في قوله «خُلِقَ الْإِنْسانُ مِنْ عَجَلٍ» فقد شبه العجل الذي طبع عليه الشخص وصار له كالجبلة بأصل مادته وهي الطين ثم حذف المشبه به ورمز اليه بشيء من لوازمه وهو قوله «خلق» وقيل لا استعارة فيه وانما هو من باب القلب والأصل خلق العجل من
стр. 3126
الإنسان لشدة صدوره عنه وملازمته له والقلب موجود كثيرا في كلامهم وقد تقدمت الإشارة اليه والأول أولى وأقعد بالبلاغة ومن بدع التفاسير ما قالوه من أن العجل هو الطين بلغة حمير وقال شاعرهم:
النبع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل
يقول النبع وهو شجر تتخذ منه القسي في الصخرة الصماء الصلبة لا في غيرها منبته أي نباته والنخل ينبت في الأرض اللينة الريانة فهو بين الماء والعجل أي الطين وهذه لغه حمير كما قيل والظاهر أن الشطر الأول تمثيل للصعب البخيل والثاني للسهل الجواد أو الاول للشجاع والثاني للجبان لشدة الاول ورخاوة الثاني وعلى كل حال هذا المعنى غير وارد في الآية الكريمة لأن السياق يأباها فهم يستعجلون والله سبحانه ينعى عليهم عجلتهم.
وفي هذه الآية الاستعارة المكنية بقوله «ذائقة الموت» وليس الموت مما يذاق ولكنه شبهه بطعام غير مريء ولا مستساغ ولكنه لحتمية وقوعه وكونه أمرا لا بد منه أصبح بمثابة المريء المستساغ فلا مندوحة لنفس عن ذوقه وقد تقدمت نظائر لهذه الاستعارة.
الفوائد:
١- جواب «إذا» :
تخالف «إذا» أدوات الشرط جيمعا، فإن أدوات الشرط متى أجيبت بأن النافية أو بما النافية وجب الإتيان بالفاء كما في هذه الآية وكما في قوله تعالى أيضا: «وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ ما كانَ حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا» .
стр. 3127
٢- مجيء المصدر حالا:
جاءت مصادر تعرب أحوالا بكثرة في النكرات كطلع زيد بغتة وجاء ركضا وقتلته صبرا وهو أن تحبسه حيا ثم يرمى حتى يقتل وذلك كله على كثرته مؤول بالوصف فيؤول بغتة بوصف من باغت لأنها بمعنى مفاجأة أي مباغتا ويؤول ركضا بوصف الفاعل من ركض أي راكضا ويؤول صبرا بوصف المفعول من صبر أي مصبورا محبوسا ومع كثرة وروده قال سيبويه: لا ينقاس مطلقا وقاسه بعضهم بما يمكن الرجوع اليه في المطولات.
ونعود الى بغتة فقد أكد بعضهم أنه يجوز جعلها مفعولا مطلقا وكذلك القول في الأمثلة المتقدمة إذ هي نوع من عاملها فهي كرجع القهقرى.
ويتحصل مما ذكره النحاة أن المصدر المنصوب فيه أقوال ثلاثة:
١- مذهب سيبويه ان المصدر هو الحال وهو الأصل.
٢- مذهب المبرد والأخفش انه مفعول مطلق غير منصوب بالعامل قبله وانما هو منصوب بالعامل المحذوف من لفظه وذلك المحذوف هو الحال وهو قول جميل كما ترى.
٣- مذهب الكوفيين انه مفعول مطلق منصوب بالعامل قبله وليس في موضع الحال.
стр. 3128
ومما يرد في هذا المجال اعراب «أسفا» من قول أبي الطيب:
أبلى الهوى أسفا يوم النوى بدني ... وفرق الهجر بين الجفن والوسن
روح تردّد في مثل الخلال إذا ... أطارت الريح عنه الثوب لم يبن
كفى بجسمي نحولا إنني رجل ... لولا مخاطبتي إياك لم ترني
فالحال هنا غير واردة لأن المعنى يأباها والمفعول لأجله لا يصح لاختلاف الفاعل فلم يبق إلا المفعولية المطلقة والتقدير أسفت أسفا ودل على فعله ما تقدمه لأن إبلاء الهوى بدنه يدل على أسفه كأنه قال أسفت أسفا، وتعسف ابن هشام فحاول أن يبرر نصبه على أنه مفعول لأجله فقال: فمن لم يشترط اتحاد الفاعل فلا إشكال (والقائل بهذا هو ابن خروف) واما من اشترطه فهو على إسقاط لام العلة توسعا كما في قوله «يَبْغُونَها عِوَجاً» (أي يبغون لها عوجا) أو الاتحاد موجود تقديرا إما على أن الفعل المعلل مطاوع أبلى محذوفا أي فبليت أسفا ولا تقدر فبلي بدني لأن الاختلاف حاصل إذ الأسف فعل النفس لا البدن أو لأن الهوى لما حصل بتسببه كأنه قال أبليت بالهوى بدني ولا طائل تحت هذه التأويلات المتعسفة.
стр. 3129
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤١ الى ٤٧]
وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٤١) قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ (٤٢) أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣) بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ (٤٥)
وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ (٤٦) وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ (٤٧)
اللغة:
(يَكْلَؤُكُمْ) : في المصباح: «كلأه الله يكلؤه مهموز بفتحتين من باب قطع كلاءة بالكسر والمد حفظه ويجوز التخفيف فيقال كليته أكلاه وكلئته أكلؤه من باب تعب لغة لقريش لكنهم قالوا: مكلوّ بالواو
стр. 3130
أكثر من مكليّ بالياء» وفي القاموس: «كلأ يكلأ بالفتح كلئا وكلاءة وكلاء بكسر الكاف الله فلانا حرسه وحفظه وكلأه بالسوط ضربه به وكلأ بصره في الشيء ردّده فيه وكلأ النجم متى يطلع: رعاه» وفي الأساس: «الله يكلؤك، وتداركه الله بكلاءته واكتلأت منه: احترست قال كعب بن زهير:
أنخت قلوصي واكتلأت بعينها ... وآمرت نفسي أيّ أمري أفعل
أي احترست بعينها لأنها إذا رأت شيئا ذعرت، وكلأ دينه كلوءا: تأخر فهو كالىء ونهي عن «بيع الكالئ بالكالئ» وكلّأته أنا تكلئة واستكلأت كلأة وتكلأت: استلفت سلفا وتقول: «إن الكلى تذيب شحم الكلى» جمع كلأة» .
(خَرْدَلٍ) : الخردل: نبات له حبّ صغير جدا أسود مقرح والواحدة خردلة ويقال خردل الطعام: أكل خياره وخردل اللحم قطع أعضاءه والخرادل القطع من اللحم.
الإعراب:
(وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتسلية النبي ﷺ ومواساته واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق واستهزئ فعل ماض مبني للمجهول وبرسل قام مقام نائب الفاعل ومن قبلك نعت لرسل.
(فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء عاطفة وحاق فعل ماض وبالذين متعلقان بحاق وجملة سخروا لا محل لها لأنها صلة
стр. 3131
الموصول ومنهم حال من فاعل سخروا وما فاعل حاق وجملة كانوا صلة الموصول وكان واسمها وبه متعلقان بقوله يستهزئون ويستهزئون جملة فعلية في محل نصب خبر كانوا. (قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ) من اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يكلؤكم خبر والجملة مقول القول وبالليل متعلقان ييكلؤكم والنهار عطف على الليل ومن الرحمن أي من عذابه وأمره وهما متعلقان بيكلؤكم. (بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ) بل حرف إضراب وهم مبتدأ وعن ذكر ربهم متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر هم وهو إضراب عما تضمنه الكلام من النفي والتقدير ليس لهم كالىء ولا مانع غير الرحمن مع انهم لا يخطرونه في بالهم فضلا عن أن يخافوا بأسه وعذابه. (أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنا) أم حرف عطف وإضراب فهي بمعنى بل ولهم خبر مقدم وآلهة مبتدأ مؤخر وهمزة الاستفهام مقدرة والتقدير ألهم آلهة تمنعهم وجملة تمنعهم صفة لآلهة ومن دوننا صفة لآلهة أيضا.
(لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير أن من ليس بقادر على نصر نفسه ومنعها ولا بمصحوب من الله بالنصر والتأييد كيف يمنع غيره وينصره ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وفاعل ونصر أنفسهم مفعول به ولا الواو عاطفة ولا نافية وهم مبتدأ ومنا متعلقان بيصحبون ويصحبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة يصحبون خبرهم، تقول العرب أنا لك صاحب من فلان أي مجير لك منه وتقول أيضا: صحبك الله أي حفظك وأجارك. (بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ) بل حرف إضراب انتقالي ومتعنا فعل وفاعل وهؤلاء اسم اشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به وآباءهم عطف على هؤلاء وحتى حرف غاية وجر وطال فعل ماض وعليهم متعلقان بطال والعمر فاعل طال.
стр. 3132
(أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على مقدر وقد تكرر هذا التعبير حتى لم يعد ثمة موجب لإعادته ولا نافية ويرون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وان وما في حيزها سدت مسد مفعولي يرون لأن الرؤية هنا علمية ويجوز أن تكون بصرية وان واسمها وجملة نأتي الأرض خبرها وجملة ننقصها من أطرافها حالية من فاعل نأتي أو من مفعوله أي نفتحها أرضا بعد أرض بما ينقص من أطراف المشركين ويزيد في أطراف المؤمنين وقد تقدم بسط هذا مفصلا في سورة الرعد فجدد به عهدا وسيأتي السر في اسناد الفعل الى نفسه في باب البلاغة وقوله أفهم الهمزة للاستفهام الانكاري التقريعي والفاء عاطفة على مقدر وهم مبتدأ والغالبون خبر (قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ) إنما كافة ومكفوفة وأنذركم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبالوحي متعلقان بأنذركم ولا يسمع الواو عاطفة ويجوز أن تكون حالية ولا نافية ويسمع الصم الدعاء فعل مضارع وفاعل ومفعول به وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وهي لمجرد الظرفية متعلقة بيسمع أي وقت إنذارهم، وما زائدة وينذرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة ينذرون في محل جر باضافة الظرف إليها وسيأتي تفصيل لهذه الآية في باب البلاغة.
(وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا إِنَّا كُنَّا ظالِمِينَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية ومستهم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والهاء مفعول به ونفحة فاعل والمراد بالنفحة القليل مأخوذ من نفح المسك قاله ابن كيسان ومنه قول النعمان بن بشير:
وعمرة من سروات النسا ... ء تنفح بالمسك أردانها
стр. 3133
وقال المبرد: النفحة الدفعة من الشيء التي دون معظمه يقال نفحه نفحة بالسيف إذا ضربه ضربة خفيفة، وقيل: هي النصيب، وقيل هي الطرف والمعنى متقارب أي ولئن مسهم أقل شيء من العذاب، ومن عذاب ربك صفة لنفحة، ليقولن اللام واقعة في جواب القسم لأنه سبق ويقولنّ فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون للتوكيد ويا ويلنا إما نداء للويل ليحضر فهذا أوانه واما ان يا للتنبيه وويلنا مفعول مطلق لفعل محذوف وإنا إن واسمها وجملة كنا خبرها ونا اسم كان وظالمين خبرها. (وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً) جملة مستأنفة مسوقة لبيان ما سيقع عند إتيان ما أنذروه ونضع فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن والموازين مفعول به والقسط وصف الموازين وقد وصفت بنفس المصدر مبالغة من قسط إذا عدل وليوم القيامة متعلق بنضع واللام بمعنى «في» كقولهم مضى لسبيله وقيل يمعنى عند قال الزمخشري: «مثلها في قولك جئته لخمس خلون من الشهر ومنه بيت النابغة:
توسمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع
ومعناه تتبعت رسومها وآثارها فعرفتها أي في تلك المواضع المذكورة في البيت قبله وقوله لستة أعوام أي تمام ستة أعوام مضت من عهدها وهذا العام الحاضر الذي نحن فيه هو السابع ولو قال لسبعة أعوام لأفاد أن السبعة كلها مضت وليس مرادا فقول بعضهم انه كان يكفيه أن يقول لسبعة أعوام فعجز عن إتمامه وكمله بما لا معنى له ولا وجه إلا عدم التبصر. فلا الفاء عاطفة وتظلم فعل مضارع مبني للمجهول ونفس نائب فاعل وشيئا مفعول مطلق أو مفعول ثان لتظلم.
стр. 3134
(وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ) الواو عاطفة وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط واسمها مستتر تقديره هو يعود على العمل ومثقال حبة خبر كان ومن خردل صفة لحبة وأتينا بها في محل جزم جواب الشرط وكفى الواو عاطفة وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد وحاسبين تمييز أو حال وأنث ضمير المثقال لأنه أضيف الى الحبة وقد مرت قاعدته.
البلاغة:
١- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ» فن لطيف يمكن تسميته وضع الظاهر موضع المضمر والفائدة منه التسجيل عليهم فقد كان مقتضى السياق أن يقول ولا يسمعون ولكنه صرح بالصم وتجاوز بالظاهر عن ضميره للدلالة على تصامهم وسدهم أسماعهم إن أنذروا، وللدلالة على صدور إنكار شديد وغضب عظيم وتعجب من نبو أسماعهم عن الوحي وعدم إصاختهم لما ينفعهم وإمعانهم في ركوب الغي والتعسف في متاهات الضلال وهذا فن عجيب تميز به القرآن الكريم وسيرد عليك الكثير من نماذجه.
٢- اسناد الضمير الى الله تعالى في قوله تعالى: «أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها» أسند سبحانه الضمير الى نفسه تعظيما للمسلمين الذين أجرى على أيديهم الانتصار العظيم وافتتاح البلاد والأمصار وان عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين وتأتيها غالبة عليها
стр. 3135
ناقصة من أطرافها فأصله تأتي جيوش المسلمين ولكنه أسند الإتيان الى نفسه تنويها بقدر المجاهدين وتعظيما لما أتوا به من جلائل الأعمال وناهيك بمن يعمل عملا ينسبه الله الى نفسه ألا يصح فيه أن يكون مصداقا لقوله في حديثه «كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها» الى آخر الحديث القدسي.
٣- مبالغات ثلاث:
وفي قوله تعالى: «وَلَئِنْ مَسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِنْ عَذابِ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ يا وَيْلَنا» ثلاث مبالغات:
آ- ذكر المس وهو أقل شيء بل هو شيء رفيق جدا فما بالك إذا انثال عليهم؟ أي يكفي للدلالة على ذلهم وهوان أمرهم ووهن عزيمتهم أن أقل مس يكفيهم ليذعنوا ويتطامنوا ويعلنوا ذلهم وخضوعهم والإقرار على أنفسهم بأنهم تصاموا وأعرضوا وقد رمق المتنبي سماء هذه المبالغة فقال في وصف قوم جبناء:
وضاقت الأرض حتى كاد هاربهم ... إذا رأى غير شيء ظنه رجلا
ب- وما في النفحة من معنى القلة والنزارة يقال: نفحته الدابة ونفحه بعطية.
ج- بناء المرة من النفح فمصدر المرة يأتي على فعلة أي نفحة واحدة لا ثاني لها تكفي لتشتيت أمرهم وتوهين كيانهم وتصدع صفوفهم فكيف إذا عززت بثانية أو ثالثة؟.
стр. 3136
الفوائد:
مصدرا المرة والهيئة:
مصدر المرة هو ما يذكر لبيان عدد الفعل ويبنى من الثلاثي المجرّد على وزن فعلة بفتح الفاء وسكون العين مثل: وقفت وقفة ووقفتين ووقفات فإن كان الفعل فوق الثلاثي ألحقت بمصدره التاء مثل أكرمته إكرامة وفرّحته تفريحة وتدحرج تدحرجة إلا ان كان المصدر ملحقا في الأصل بالتاء فيذكر بعده ما يدلّ على العدد مثل رحمته رحمة واحدة وأقمت إقامة واحدة واستقمت استقامة واحدة.
أما مصدر النوع أو الهيئة فهو ما يذكر لبيان نوع الفعل وصفته نحو وقفت وقفة ويبنى من الثلاثي المجرد على وزن فعلة بكسر الفاء مثل عاش عيشة حسنة ومات ميتة سيئة وفلان حسن الجلسة وفلانة هادئة المشية فإن كان الفعل فوق الثلاثي يصير مصدره بالوصف مصدر نوع مثل أكرمته إكراما عظيما.
هذا وهنا تنبيه هام نبه عليه الشيخ أبو حيان وهو أن هذه التاء الدالة على المرة الواحدة لا تدخل على كل مصدر بل على المصادر الصادرة عن الجوارح المدركة بالحس نحو قومة وضربة وقعدة وأكلة، وأما مصادر الأفعال الباطنة والخصال الجليلة الثابتة نحو الظرف والحسن والجبن والعلم فلا يقال من ذلك علمته علمة ولا فهمته فهمة ولا صبرته صبرة.
стр. 3137
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٤٨ الى ٥٥]
وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ (٤٨) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩) وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠) وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢)
قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ (٥٣) قالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٥٤) قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللاَّعِبِينَ (٥٥)
اللغة:
(التَّماثِيلُ) : جمع تمثال بكسر التاء أي الصورة المصورة أو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة وهذا الوزن فيه زائدان أحدهما قبل الفاء والآخر قبل اللام وقد جاء اسما وصفة. فالاسم تمثال للصورة ويجمع على تماثيل وقالوا تجفاف وتبيان فالتجفاف واحد تجافيف الفرس وهو ما يلبس عند الحرب والزينة وتبيان بمعنى البيان فمنهم من يجعله مصدرا من قبيل الشاذ لأن المصادر إنما تجيء على تفعال بالفتح نحو التلعاب والتهدار ولم يجيء بالكسر إلا تبيان وتلقاء، وسيبويه يجعلهما من الأسماء التي وضعت
стр. 3138
موضع المصادر كالغارة وضعت موضع الإغارة. وقال غير واحد من علماء اللغة: التمثال هو الصورة المصنوعة من رخام أو نحاس أو خشب شبيهة بخلق الآدمي.
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى وَهارُونَ الْفُرْقانَ وَضِياءً وَذِكْراً لِلْمُتَّقِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للشروع في قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تسلية لرسوله ﷺ فيما يكابده من قومه وتقوية لقلبه وحفزا لاستدامته في تأدية الرسالة وذكر منها في هذه السورة عشر قصص وستأتي. واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وموسى مفعول به وهارون معطوف على موسى والفرقان مفعول به ثان وضياء عطف على الفرقان وذكرا عطف على ضياء وللمتقين متعلقان بضياء وعطف الصفات جائز فهو من هذا الوادي واختار الزمخشري أن يعرب حالا وعامله محذوف دل عليه ما قبله وقدره: وآتينا به ضياء، أما ما ارتآه بعضهم من أن الواو زائدة وضياء حال من الفرقان فهذا مجرد تحكم لا نتردد في رده.
(الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ) الذين اسم موصول في محل جر صفة للمتقين ولك أن تعربه خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين وجملة يخشون صلة والواو فاعل وربهم مفعول به وبالغيب حال من الفاعل في يخشون وهم الواو عاطفة أو حالية وهم مبتدأ ومن الساعة جار ومجرور متعلقان بمشفقون ومشفقون خبرهم وسيأتي سر التعبير بالاسمية في باب البلاغة. (وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة لخطاب أهل مكة ومحاورتهم حول القرآن الكريم الذي أنزل بلسانهم، وهذا مبتدأ وذكر خبر ومبارك صفة وجملة أنزلناه صفة لذكر وهو فعل وفاعل
стр. 3139
ومفعول به والهمزة للاستفهام التوبيخي لأنه خطاب للعرب وهم أهل اللسان العربي ومعادن الفصاحة فما أجدرهم باكتناه أسرار القرآن وإدراك بلاغته والفاء عاطفة على محذوف وأنتم مبتدأ وله متعلقان بمنكرون ومنكرون خبر أنتم. (وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ) الواو عاطفة واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل وابراهيم مفعول به أول ورشده مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل موسى وهارون وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وبه متعلقان بعالمين وعالمين خبر كنا. (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ؟) الظرف متعلق بفعل محذوف أي اذكر ولك أن تعلقه بعالمين وعلقه الزمخشري بآتينا أو برشده أيضا وليس ثمة ما يمنع من ذلك وجملة قال مضاف إليها الظرف ولأبيه متعلقان بقال وقومه عطف على لأبيه، وما اسم استفهام مبتدأ وهذه خبر والتماثيل بدل من اسم الاشارة والتي صفة وجملة أنتم لها عاكفون صلة الموصول وأنتم مبتدأ وعاكفون خبر ولها متعلقان بعاكفون وسيأتي السر في عدوله عن القول عليها عاكفون الى لها عاكفون في باب البلاغة. (قالُوا وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ) قالوا فعل وفاعل ووجدنا فعل وفاعل والجملة مقول القول وآباءنا مفعول وجدنا الأول ولها متعلقان بعابدين وعابدين مفعول وجدنا الثاني. (قالَ: لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكنتم كان واسمها وأنتم تأكيد للتاء وآباؤكم عطف على التاء وفي ضلال خبر كنتم ومبين صفة لضلال. (قالُوا: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ) الهمزة للاستفهام وجئتنا فعل وفاعل ومفعول به وبالحق متعلقان بجئتنا وأم حرف عطف معادل للهمزة وأنت مبتدأ ومن اللاعبين خبره.
стр. 3140
البلاغة:
١- العدول عن الفعلية الى الاسمية: في قوله تعالى: «وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ» عدول عن الخطاب بالجملة الفعلية كما هو مقتضى السياق الى الخطاب بالجملة الاسمية وانما يعدل عن أحد الخطابين وإن كان السياق يقتضيه لضرب من التأكيد والمبالغة وقد جيء بها هنا تنويها بالخاص بعد العام فالخشية من الله ملازمة لهم ولكنها من الساعة أكثر ملازمة وأشد امتلاكا لقلوبهم وأسرا لجوارحهم، ما يريمون عن تذكرها، وتفادي كل ذنب خشية مواجهتها بما هم فيه، وأمر ثان هو الديمومة والاستمرار اللذان تفيدهما الجملة الاسمية أكثر مما تفيدهما الجملة الفعلية التي تتوزع على الأزمنة.
٢- في قوله تعالى: «ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ» عدول عن «على» التي يتعدى فعل العكوف بها ولكنه أم يقصد التعدية ولو قصد التعدية لقال عليها ولكنه عدل عنها الى اللام لأنه قصد من العكوف معنى العبادة ليجيبوه بقولهم «وَجَدْنا آباءَنا لَها عابِدِينَ» وانهم لا ينفكون عن التقليد الأعمى وفي ذلك ما فيه من التنديد بالتقليد والقول بغير برهان والانجرار الى ما عليه آباؤهم ولو بالأرسان، وكفى أهل التقليد سبة أن عبدة الأوثان والأصنام منهم وقيل إن اللام بمعنى على وقد نص النحاة على مجيئها بمعنى على ولكن تفوت بذلك النكتة التي ألمعنا إليها فالأولى بقاؤها على بابها من الاختصاص الذي هو معنى رئيسي للام.
٣- خولف بين الجملتين في الآية «قالُوا أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ» لملاحظة تجدد في إحداهما فبرزت في صورة الفعلية وثبات
стр. 3141
في الأخرى فبرزت في صورة الاسمية والمعنى: أحدثت عندنا الإتيان بالحق وهو التوحيد فيما نسمعه منك أم أنت على ما كنت عليه من اللعب منذ أيام الصبا وأرادوا بالتجدد في الجملة الاولى أن التوحيد أمر محدث مخترع وبالثبات في الثانية أنه على عادتهم المستمرة من اللعب تحقيرا له، وما أقبح ضلالهم في تقليد آبائهم في عبادة جماد هو دونهم في الرتبة حيث ينحتونها بأيديهم ثم يعفرون وجوههم وجباههم دونها.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٥٦ الى ٦١]
قالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ (٦٠)
قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)
اللغة:
(جُذاذاً) : في القاموس الجذاذ بتثليث الجيم: ما تكسر من الشيء وفعله جذّ يجذّ من باب نصر وقد تقدمت الخصائص لاجتماع الجيم والذال فاء وعينا للكلمة.
стр. 3142
الإعراب:
(قالَ: بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) بل حرف إضراب وربكم مبتدأ ورب السموات والأرض خبر والذي صفة لرب وجملة فطرهن صلة والضمير يعود على السموات والأرض أو على التماثيل ورجح الزمخشري الثاني لكونه «أدخل في تضليلهم وأثبت للاحتجاج عليهم» ويدل على ذلك أيضا قوله «وَأَنَا عَلى ذلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ» كأنه قال وسأبين لكم ذلك وأبرهن عليه، وأنا مبتدأ خبره من الشاهدين وعلى ذلك متعلقان بالشاهدين. (وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وهذا شروع في تأكيد الطريقة الفعلية أو الدليل العملي كما يقال فالواو عاطفة والتاء تاء القسم وسيرد بحث هام عن حروف القسم الجارة في باب الفوائد والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره أقسم واللام جواب القسم وأكيدن فعل مضارع مبني على الفتح لوجوب توكيده بنون التوكيد الثقيلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنا وأصنامكم مفعول به وبعد ظرف متعلق بأكيدن وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف الى الظروف ومدبرين حال أي تعودوا الى مجتمعاتكم. (فَجَعَلَهُمْ جُذاذاً إِلَّا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) الفاء عاطفة على محذوف تقديره فولوا وعادوا الى مجتمعاتهم وذهب معهم ابراهيم فلما كان ببعض الطريق ألقى بنفسه وقال إني سقيم أشتكي رجلي فتركوه ومضوا فرجع إبراهيم الى بيت الأصنام وقبالة الباب صنم عظيم والى جنبه أصغر منه وهكذا دواليك فقال لهم إبراهيم ألا تأكلون فلم ينبس أحد فانهال عليهم تكسيرا فجعلهم ... والقصة بكاملها مروية في الخازن وغيره.
стр. 3143
وجعلهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول وجذاذا مفعول به ثان وإلا أداة استثناء لأن الكلام تام موجب وكبيرا مستثنى من الهاء أي لم يكسره وتركه لحبك النكتة واستكمال الهزء بهم، ولعل واسمها واليه متعلقان بيرجعون وجملة يرجعون خبر لعل وفي هذا من التهكم ما فيه.
(قالُوا مَنْ فَعَلَ هذا بِآلِهَتِنا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ) قالوا فعل وفاعل ومن اسم استفهام قصد به الإنكار مبتدأ وجملة فعل خبر وهذا مفعول فعل وبآلهتنا متعلقان بفعل ولم يشيروا إليها بهؤلاء وهي أمامهم لوضع الظاهر موضع المضمر وقد تقدم بحثه وجملة إنه لمن الظالمين مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم وتأكيد استنكارهم لما حدث وان واسمها واللام المزحلقة ومن الظالمين خبران. (قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ) جملة سمعنا مقول القول وفتى مفعول سمعنا وجملة يذكرهم مفعول به ثان وستأتي خاصة فعل سمع في باب الفوائد وجملة يقال صفة لفتى وله متعلقان بيقال وابراهيم: في رفعه عدة أوجه متساوية الرجحان أولها انه نائب فاعل، يقال أي يقال له هذا اللفظ قال الزمخشري: وهو الصحيح لأن المراد الاسم لا المسمى وثانيها أنه خبر مبتدأ محذوف أي هو ابراهيم أو هذا ابراهيم وثالثها أنه مبتدأ محذوف الخبر أي ابراهيم فاعل ذلك ورابعها انه منادى وحرف النداء محذوف أي يا ابراهيم. (قالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ) فأتوا الفاء الفصيحة وأتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبه متعلقان بقوله فأتوا، وعلى أعين الناس في محل نصب على الحال من الضمير المجرور بالباء أي ائتوا به حال كونه معاينا مشاهدا وسيأتي سر الاستعلاء في هذا التعبير ولعلهم لعل واسمها وجملة يشهدون خبرها أي يشهدون عليه انه الفاعل.
стр. 3144
الفوائد:
في هذه الآيات فوائد كثيرة نورد أهمها فيما يلي:
١- حروف القسم:
أصل حروف القسم الباء والواو مبدلة منها وانما قلنا ذلك لأنها حرف الجر الذي يضاف به فعل الحلف الى المحلوف وذلك الفعل أحلف أو أقسم أو نحوهما ولكنه لما كان الفعل غير متعد وصلوه بالباء المعدية فصار أحلف بالله أو أقسم بالله، قال الله تعالى: «وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ» وقال الشاعر:
أقسم بالله وآلائه ... والمرء عما قال مسئول
وقال زهير بن أبي سلمى:
فأقست بالبيت الذي طاف حوله ... رجال بنوه من قريش وجرهم
وانما خص الباء بذلك دون غيرها من حروف الجر لأمور:
آ- انه يجوز ذكر فعل القسم معها كما رأيت في الشواهد المتقدمة ولا يجوز ذلك في الواو والتاء فلا تقول أقسم والله ولا أقسم تالله.
ب- جواز دخولها على الضمير دون غيرها من الحروف تقول:
بك لأفعلن ولا تقول تك ولا وك، ومعروف أن الضمير يرد الشيء الى أصله.
стр. 3145
ج- استعمالها في القسم الاستعطافي وذلك أن القسم جملة انشائية يقصد بها تأكيد جملة أخرى فإن كانت هذه الجملة الاخرى انشائية أيضا فذلك هو القسم الاستعطافي نحو بالله هل قام زيد أي أسألك بالله مستحلفا. ومن القسم الاستعطافي بالباء قول المجنون:
بربك هل ضممت إليك ليلى ... قبيل الصبح أو قبلت فاها
د- اختصاص الباء دون الواو والتاء بمجيئها لغير القسم وهو ظاهر.
ولما كثر استعمال ذلك في الحلف آثروا التخفيف فحذفوا الفعل من اللفظ وهو مراد ليعلق حرف الجر به ثم أبدلوا الواو من الباء توسعا في اللغة ولأنها أخف لأن الواو أخف من الباء وحركتها أخف من حركة الباء وانما خصوا الواو بذلك لأمرين:
آ- انها من مخرج الباء أي من الشفتين.
ب- من جهة المعنى وذلك ان الباء معناها الإلصاق والواو معناها الاجتماع، والشيء إذا لاصق الشيء فقد جاء معه.
وأما التاء فهي مبدلة من الواو لأنه قد كثر إبدالها في نحو تكأة وتراث وتخمة لشبهها من جهة اتساع المخرج وهي من الحروف المهموسة فناسب همسها لين حروف اللين، ولما كانت الواو بدلا من الباء والبدل ينحط عن درجة الأصل فلذلك لا تدخل إلا على كل ظاهر ولا تدخل على المضمر لانحطاط الفرع عن درجة الأصل لأنه من المرتبة الثانية والتاء لما كانت بدلا من الواو وكانت من المرتبة الثالثة انحطت عن
стр. 3146
درجة الواو فاختصت باسم الله تعالى لكثرة الحلف به وقد يكون فيها معنى التعجب قال الله تعالى: «تَاللَّهِ تَفْتَؤُا تَذْكُرُ يُوسُفَ» على طريق التعجب وكالآية التي نحن بصددها كأنه تعجب من تسهيل الكيد على يده وتأتيه لأن ذلك كان أمرا مقنوطا منه أو مشكوكا فيه على الأقل لتعذره وصعوبته.
٢- خصائص فعل سمع:
لهذا الفعل خصائص عجيبة وذلك انه إذا دخل على ما لا يسمع تعدى لاثنين كما في الآية الكريمة فالمفعول الأول فتى والثاني يذكرهم بخلاف ما لو دخلت على ما يسمع كأن قلت سمعت كلام زيد فانها تتعدى لواحد.
٣- معنى الاستعلاء:
معنى الاستعلاء العلو فالسين والتاء للعلو لا للطلب ويكون الاستعلاء على نوعين حقيقي نحوَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ»
ومجازي نحو «أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ» «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» شبه التمكن من الهدى والأخلاق العظيمة الشريفة والثبوت عليها بمن على دابة يصرفها كيف شاء وكذلك قولهم: عليه دين كأن شيئا اعتلاه وكما في قوله «عَلى أَعْيُنِ النَّاسِ» أي يثبت إتيانه في الأعين ويتمكن منها ثبات الراكب على المركوب وتملكه منه.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٦٢ الى ٧٠]
قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ (٦٢) قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ (٦٦)
أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٦٧) قالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (٦٨) قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ (٦٩) وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)
стр. 3147
الإعراب:
(قالُوا: أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ؟) الهمزة للاستفهام وأنت مبتدأ وجملة فعلت خبر وهذا مفعول به وبآلهتنا متعلقان بفعلت ويا حرف نداء وابراهيم منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب منادى. (قالَ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ) بل حرف إضراب وفعله كبيرهم فعل ومفعول به وفاعل مؤخر وهذا نعت لكبيرهم أو بدل منه والفاء الفصيحة واسألوهم فعل أمر وفاعل ومفعول به وإن شرطية وكانوا فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والواو اسمها وجملة ينطقون خبرها وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فاسألوهم. (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ) الفاء عاطفة ورجعوا فعل ماض وفاعل والى أنفسهم متعلقان برجعوا فقالوا عطف على فرجعوا وإنكم ان واسمها وجملة أنتم الظالمون خبرها ولك أن تجعل أنتم ضمير فصل والظالمون خبر إن. (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى
стр. 3148
رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ)
ثم حرف عطف للتراخي وسيأتي معنى التنكيس في باب البلاغة ونكسوا فعل ونائب فاعل وعلى رءوسهم حال أي كائنين على رءوسهم ولك أن تعلقه بنفس الفعل ومعنى التنكيس القلب يقال نكس رأسه ونكسه مخففا ومشددا أي طأطأه حتى صار أعلاه أسفله واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وعلمت فعل وفاعل والخطاب لابراهيم والجملة معمول لقول محذوف في موضع الحال وما نافية حجازية وهؤلاء اسمها وجملة ينطقون خبرها وجملة ما هؤلاء ينطقون في موضع المفعولين لعلمت أو في موضع المفعول الواحد إن كانت علمت بمعنى عرفت. (قالَ: أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وتعبدون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل ومن دون الله حال وما مفعول به وجملة لا ينفعكم صلة وشيئا مفعول مطلق ولا يضركم عطف على لا ينفعكم. (أُفٍّ لَكُمْ وَلِما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ) أف اسم فعل مضارع وقد تقدمت اللغات فيها ومعناه أتضجر ولكم متعلقان بمحذوف حال لأن اللام للبيان بالنسبة للمتأفف ولما تعبدون عطف على لكم وجملة تعبدون صلة ومن دون الله حال أفلا الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف ولا نافية وتعقلون فعل مضارع والواو فاعل. (قالُوا: حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ) حرقوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والجملة مقول القول وانصروا فعل أمر وفاعل وآلهتكم مفعول به وإن شرطية وكنتم فعل الشرط والتاء اسم كان وفاعلين خبرها وجواب ان محذوف دل عليه ما قبله أي فحرقوه وانصروا آلهتكم. (قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) لا بد من تقدير جمل محذوفة أي فأزمعوا أمرهم على حرقه فجمعوا الحطب الكثير وأضرموا النار وأوثقوا ابراهيم وجعلوه
стр. 3149
في منجنيق ورموه في النار، وقلنا فعل وفاعل ويا حرف نداء ونار منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب وكوني فعل أمر ناقص والياء اسمها وبردا خبرها وسلاما عطف على بردا وعلى ابراهيم صفة سلاما. (وَأَرادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْناهُمُ الْأَخْسَرِينَ) الواو حرف عطف وأرادوا فعل ماض وفاعل وبه متعلقان بأرادوا وكيدا مفعول به، فجعلناهم الفاء حرف عطف وجعلناهم عطف على أرادوا والأخسرين مفعول به ثان.
البلاغة:
١- تجاهل العارف: في قوله: «أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ» فن طريف من فنونهم يسمى تجاهل العارف وهو سؤال المتكلم عما يعلمه حقيقة تجاهلا منه ليخرج الكلام مخرج المدح أو الذم أو ليدل على شدة الوله في الحب أو لقصد التعجب أو التوبيخ أو التقرير وهو على قسمين موجب ومنفي والآية التي نحن بصددها من التجاهل الموجب الجاري مجرى التقرير.
٢- التعريض: في قوله «فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ» فن التعريض، وقد تقدمت الاشارة اليه أكثر من مرة، أراد ﵊ أن يبين لهم أن من لا يتكلم ولا يعلم ليس بمستحق للعبادة ولا يصح في العقل أن يطلق عليه أنه إله، فأخرج الكلام مخرج التعريض لهم بما يوقعهم في الاعتراف بأن الجمادات التي عبدوها ليست بآلهة لانهم إذا قالوا لا ينطقون قال لهم: فكيف تعبدون من يعجز عن النطق ويقصر عن أن يعلم بما يقع عنده في المكان الذي هو فيه، فهذا الكلام من فرض الباطل مع الخصم حتى تلزمه الحجة ويعترف بالحق فإن ذلك أقطع لشبهته وأدفع لمكابرته.
стр. 3150
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧١ الى ٧٥]
وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ (٧١) وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلاًّ جَعَلْنا صالِحِينَ (٧٢) وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ (٧٣) وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)
الإعراب:
(وَنَجَّيْناهُ وَلُوطاً إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها لِلْعالَمِينَ) الواو عاطفة ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ولوطا معطوف على الهاء أو مفعول معه والواو واو المعية وهو ابن أخيه فنقلناه من أرض نمروذ بالعراق، الى الأرض متعلقان بنجيناه أو بمحذوف حال والتي صفة للأرض وجملة باركنا فيها للعالمين صلة وفيها حال وللعالمين متعلقان بباركنا وهي قرى بيت المقدس بفلسطين وسيأتي بحث هام عن فلسطين لغة في باب الفوائد (وَوَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ نافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنا صالِحِينَ) الواو حرف عطف ووهبنا فعل وفاعل وله متعلقان بوهبنا واسحق مفعول به ويعقوب عطف على اسحق ونافلة حال من يعقوب أي أعطي يعقوب زيادة من غير سؤال وإذا جعلت معنى نافلة عطية فيكون انتصابها على المفعولية
стр. 3151
المطلقة من معنى العامل وهو وهبنا لأن الهبة والعطية متقاربان في المعنى وكلّا مفعول أول لجعلنا مقدم وجعلنا فعل وفاعل وصالحين مفعول به ثان. (وَجَعَلْناهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا) وجعلناهم فعل وفاعل ومفعول به وأئمة مفعول به ثان وجملة يهدون بأمرنا صفة لأئمة وبأمرنا حال أي يهدون الى ديننا ملتبسين بأمرنا. (وَأَوْحَيْنا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْراتِ وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ وَكانُوا لَنا عابِدِينَ) وأوحينا عطف على ما تقدم وإليهم متعلقان بأوحينا وفعل الخيرات مفعول به وإقام الصلاة عطف على فعل الخيرات وكذلك إيتاء الزكاة، وكانوا الواو عاطفة وكانوا كان واسمها وعابدين خبرها ولنا متعلقان بعابدين. (وَلُوطاً آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً) ولوطا منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده أي آتينا لوطا فهو من باب الاشتغال وجملة آتيناه مفسرة لا محل لها وحكما مفعول ثان لآتيناه وعلما معطوف على حكما.
(وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فاسِقِينَ) ونجيناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القرية متعلقان بنجيناه والتي صفة للقرية وجملة كانت صلة واسم كانت ضمير مستتر تقديره هي وجملة تعمل الخبائث خبر كانت وجملة انهم تعليلية لا محل لها وان اسمها وجملة كانوا خبرها وقوم خبر كانوا وسوء مضاف لقوم وفاسقين صفة لقوم. (وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) في رحمتنا متعلقان بأدخلناه وجملة انه من الصالحين تعليلية وان واسمها والجار والمجرور خبرها.
البلاغة:
في هذه الآيات مجازان الأول في قوله «وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ تَعْمَلُ الْخَبائِثَ» والمراد أهلها لأنهم كانوا يمارسون الخبائث أي
стр. 3152
الأعمال القبيحة من اللواط والرمي بالبندق واللعب بالطيور وغيرها.
والثاني في قوله «وَأَدْخَلْناهُ فِي رَحْمَتِنا» أي في جنتنا لأنها مكان الرحمة فهو مجاز مرسل علاقته المحلية.
الفوائد:
١- فلسطين:
فلسطين بفتح الفاء وكسرها مع فتح اللام لا غير قرى بيت المقدس وفي القاموس: «فلسطون وفلسطين وقد تفتح فاؤهما: كورة بالشام وقرية بالعراق تقول في حال الرفع بالواو وفي حال النصب والجر بالياء أو تلزمها الياء في كل حال والنسبة فلسطي» هذا ويجوز في هذا النوع أي المسمى بجمع المذكر السالم أن يعرب بالحركات الثلاثة ظاهرة على النون حال كونه لم يكن أعجميا وإن كان أعجميا أعرب إعراب ما لا ينصرف أي لا ينون ويجر بالفتحة ويجوز فيه أن يعرب اعراب جمع المذكر السالم.
٢- إقام الصلاة وإيتاء الزكاة:
(إِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ) القاعدة في مصدر الفعل الرباعي على وزن أفعل أن يأتي على إفعال إن كان صحيح العين نحو أكرم إكراما وأوجد إيجادا فان اعتلت عينه نحو اقام وأعان وأبان جاء مصدره على إفالة كإقامة وإعانة وابانة حذفت عين المصدر وعوض منها تاء التأنيث والأصل أقوام وإعوان وإبيان فنقلت حركة الواو والياء وهي الفتحة الى الحرف الساكن قبلهما ثم حذفتا فرارا من اجتماع الساكنين وعوض
стр. 3153
منهما التاء وقد تحذف هذه التاء من المصدر إذا أضيف كقوله تعالى «وَإِقامَ الصَّلاةِ وَإِيتاءَ الزَّكاةِ» وما كان منه معتلّ اللام مثل أعطى وأهدى وأولى قلبت لامه في المصدر همزة مثل إعطاء وإهداء وإيلاء والأصل إعطاو وإهداي وايلاي قال في شرح القاموس «العرب تهمز الواو والياء إذا جاءتا بعد ألف لأن الهمزة أحمل للحركة منهما ولأنهم يستثقلون الوقف على الواو وكذلك الياء مثل الرداء أصله رداي» هذا ويرجع في هذا الى بحث الابدال في كتب النحو المطولة.
[سورة الأنبياء (٢١) : الآيات ٧٦ الى ٨٢]
وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧) وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلاًّ آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ (٧٩) وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شاكِرُونَ (٨٠)
وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلى الْأَرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عالِمِينَ (٨١) وَمِنَ الشَّياطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلاً دُونَ ذلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حافِظِينَ (٨٢)
стр. 3154
اللغة:
(الْحَرْثِ) : الزرع وبابه نصر أو كتب كما في المختار وفي القاموس:
الحرث مصدر والأرض التي تستنبت بالبذر والنوى والغرس قال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الحرث كان كرما قد تدلت عناقيده وقيل كان زرعا.
(نَفَشَتْ) : تفرقت وانتشرت فيه فرعته وأفسدته وفي المختار:
«نفشت الغنم والإبل أي رعت ليلا بلا راع من باب جلس ... والنفش بفتحتين اسم منه ومنه قوله تعالى «إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ» ولا يكون النفش إلا بالليل» ونفش الصوف والقطن من باب نصر والنفش تشعيب الشيء بأصابعك حتى ينتشر.
(لَبُوسٍ) : اللبوس اللباس قال: «البس لكل حال لبوسها» والمراد الدرع، قال قتادة: كانت صفائح فأول من سردها وخلقها داود فجمعت الخفة والتحصين وهي المسماة بالدرع والدرع كما في المختار مؤنثة، وقال أبو عبيدة تؤنث وتذكر.
الإعراب:
(وَنُوحاً إِذْ نادى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنا لَهُ فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ) ونوحا عطف على لوطا فيكون مشتركا معه في عامله الذي هو آتينا المفسر بآتينا الظاهر وكذلك داود وسليمان والتقدير ونوحا آتيناه حكما وداود وسليمان آتيناهما حكما فإذ بدل اشتمال من نوحا وداود وسليمان ولك أن تعربه مفعولا به لفعل محذوف أي واذكر
стр. 3155
نوحا وداود وسليمان أي اذكر خبرهم وقصتهم فتكون إذ منصوبة بنفس المضاف المقدر أي خبرهم الواقع في وقت كذا، وجملة نادى مضاف إليها ومن قبل متعلقان بنادى فاستجبنا عطف على نادى وله متعلقان باستجبنا، فنجيناه عطف على استجبنا ومن الكرب متعلقان بنجيناه والعظيم صفة. (وَنَصَرْناهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ)
ونصرناه فعل وفاعل ومفعول به ومن القوم متعلقان بنصرناه والذين صفة للقوم وجملة كذبوا بآياتنا صلة وان واسمها وجملة كانوا خبرها وجملة انهم تعليلية لا محل لها وقوم سوء خبر كانوا فأغرقناهم عطف على ما تقدم وأجمعين تأكيد للهاء.
(وَداوُدَ وَسُلَيْمانَ إِذْ يَحْكُمانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهِدِينَ) وداود وسليمان تقدم اعرابهما وإذ ظرف بدل من المضاف المحذوف أي اذكر قصة داود وسليمان وجملة يحكمان مضافة إليها وفي الحرث متعلقان بيحكمان وإذ ظرف متعلق بدل من المضاف المحذوف وجملة نفشت مضاف إليها وفيه جار ومجرور متعلقان بنفشت وغنم القوم فاعل وستأتي خلاصة القصة في باب الفوائد، وكنا الواو عاطفة وكان واسمها وشاهدين خبرها ولحكمهم متعلقان بشاهدين وجمع الضمير لأنه أرادهما والمتحاكمين إليهما، أو انه ضمير يراد به المثنى وانما وقع الجمع مقام التثنية مجازا أو لأن التثنية جمع وأقل الجمع اثنان، ويدل على أن المراد التثنية قراءة ابن عباس لحكمهما بصيغة التثنية. (فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً) ففهمناها عطف على يحكمان لأنه بمعنى الماضي أي فهمناه الصواب فيها وفهمناها فعل وفاعل ومفعول به وسليمان مفعول به ثان وكلّا مفعول أول مقدم لآتينا وحكما وعلما مفعول به ثان لآتينا. (وَسَخَّرْنا مَعَ داوُدَ الْجِبالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فاعِلِينَ) وسخرنا فعل وفاعل ومع ظرف مكان
следующие страницы →