← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

وللسين مع الطاء فاء وعينا للكلمة صفة الامتداد، تقول رأيتهم قاعدين على المساطب وهي الدكاكين الممتدة حول رحبة المسجد وبات فلان على المسطبة وتقول: كم أبات هذا البيت رجالا على المساطب، وأوقعهم في المتالف والمعاطب تريد فسر في بلاد الله، وتقول: إما أن يبيتك على المسطبة، أو يرفعك الى المسطبة وهي المجرّة، وسطح الشيء: بسطه وسواه ومنه سطح الخبز بالمسطح وهو المحور وسطح الثريدة في الصحفة ومنه سطح البيت وسطح مسطح: مستو وأنف مسطح منبسط جدا وبسط لنا المسطح والمساطح وهو الحصير من الخوص وضربه فسطحه إذا بطحه على قفاه ممتدا فانسطح وهو سطيح ومنسطح وبه سمي سطيح وضربه بالمسطح وهو عمود الخباء وشرب من السطيحة وهي المزادة، وسطر واستطر كتب وكتب سطرا من كتابه وسطرا وأسطرا وسطورا وأسطارا وهو مسيطر علينا ومتسيطر، ونار ساطعة ممتدة ونور ساطع وسطع الفجر وسطع الغبار سطوعا وسطع البعير والظليم مدّ عنقه الى السماء قال ذو الرمة يصف ظليما: يظلّ مختضعا طورا فتنكره ... حينا ويسطع أحيانا فينتسب وسطع بيديه رفعهما مصفقا بهما ومن المجاز سطعت رائحة المسك وأعجبني سطوع رائحته، واغتسلت بالسّطل والسّيطل وهما القدس الذي يتطهر به في الحمّام، وحرك النار بالاسطام وسيف مصقول السّطام وهو الحدّ وأنشد سيبويه لكعب بن جعيل: وأبيض مصقول السطام مهنّدا ... وذا حلق من نسج داود مسردا

стр. 3292

ومن المجاز ليل طما أسطمّه وهو في أسطمّة قريش في وسطهم وعاد الملك في اسطمّه: في أصله، قال: يا ليتها قد خرجت من فمّه ... حتى يعود الملك في اسطمّه والعرب سطام الناس. (الذُّبابُ) : اسم جنس واحده ذبابة يقع على المذكر والمؤنث ويجمع على ذبّان بالكسر كغربان وذبان بالضم كقضبان وعلى أذبّة كأغربة وهو أجهل الحيوانات لانه يرمي نفسه في المهلكات ومدة عيشه أربعون يوما وأصل خلقته من العفونات ثم يتوالد بعضه من بعض يقع روثه على الشيء الأبيض فيرى أسود وعلى الأسود فيرى أبيض، والذباب مأخوذ من ذب إذا طرد وآب إذا رجع لأنك تذبه فيرجع عليك وقد ذكره امرؤ القيس في شعره قال: أرانا موضعين لأمر غيب ... ونسحر بالطعام وبالشراب عصافير وذبّان ودود ... وأجرأ من مجلّحة الذئاب وسيأتي بحث مسهب عنه في باب البلاغة. الإعراب: (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطاناً) الواو استئنافية والجملة مستأنفة ويعبدون فعل مضارع والواو فاعل ومن دون الله حال وما موصول مفعول به وجملة لم ينزل صلة ما وبه حال لأنه كان في الأصل صفة لسلطانا وسلطانا مفعول به. (وَما لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) وما عطف على ما الاولى وجملة ليس صلة ولهم

стр. 3293

خبر ليس المقدم وبه متعلقان بعلم وعلم اسم ليس المؤخر وما الواو عاطفة وما نافية وللظالمين خبر مقدم ومن حرف جر زائد ونصير مجرور لفظا مرفوع محلا مبتدأ مؤخر. (وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة تتلى في محل جر بإضافة إذا إليها وتتلى فعل مضارع مبني للمجهول وعليهم متعلقان بتتلى وآياتنا نائب فاعل وبينات حال وجملة تعرف لا محل لها لأنها جواب إذا وفي وجوه متعلقان بتعرف والذين مضاف اليه وجملة كفروا صلة والمنكر مفعول به وفيه وضع الظاهر موضع المضمر وهو الذين كفروا تشنيعا عليهم وتسجيلا للشهادة عليهم بالكفر. (يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا) جملة يكادون حال من الموصول وان كان مضافا لأن المضاف جزؤه ويجوز أن يكون حالا من وجوه لأن المراد بها أصحابها ويكادون من أفعال المقاربة، والواو اسمها وجملة يسطون خبرها وبالذين متعلقان بيسطون وجملة يتلون صلة وعليهم متعلقان بيتلون وآياتنا مفعول به. (قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذلِكُمُ النَّارُ) قل فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت والجملة مستأنفة، أفأنبئكم الهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على محذوف أي أخاطبكم فأنبئكم وأنبئكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به وبشر متعلقان بأنبئكم ومن ذلكم متعلقان بشر والنار خبر لمبتدأ محذوف، أو النار مبتدأ وخبره جملة وعدها والجملة لا محل لها لأنها مفسرة لشر. (وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) جملة وعدها الله إما خبر ثان واما خبر النار ووعدها الله فعل ومفعول به أول وفاعل والذين كفروا مفعول به ثان لوعدها ويجوز أن يكون الضمير هو المفعول الثاني والذين كفروا هو المفعول الاول ولعل هذا أرجح لسر سيأتي في باب الفوائد وبئس المصير فعل وفاعل والمخصوص بالذم

стр. 3294

محذوف أي هي. (يا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ) كلام مستأنف مسوق لضرب المثل وهو إن يكن أشبه بالقصة إلا انه في سيرورته واستغرابه سمي مثلا، يا أيها الناس تقدم اعرابها كثيرا وضرب مثل فعل ماض مبني للمجهول ونائب فاعل، فاستمعوا الفاء الفصيحة واستمعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وله متعلقان باستمعوا. (إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ) الجملة مفسرة للمثل وان واسمها وجملة تدعون صلة ومن دون الله حال وجملة لن يخلقوا ذبابا خبر ان وذبابا مفعول به ولو الواو عاطفة على محذوف هو حال أي انتفى خلقهم الذباب على كل حال ولو في هذه الحال التي اجتمعوا لها ولو شرطية واجتمعوا فعل وفاعل وله متعلقان باجتمعوا. (وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) الواو عاطفة وان شرطية ويسلبهم فعل الشرط والهاء مفعول به والذباب فاعل وشيئا مفعول به ثان ولا نافية ويستنقذوه جواب الشرط والواو فاعل والهاء مفعول به ومنه متعلقان بيستنقذوه وجملة ضعف الطالب والمطلوب حال. و (ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ) الواو استئنافية مسوقة للرد على أحبار اليهود ورؤسائهم الذين قالوا ان الله فقير ونحن أغنياء وما نافية وقدروا فعل وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به وحق قدره مفعول مطلق وجملة ان الله تعليل لما تقدم وان واسمها واللام المزحلقة وقوي خبر إن الاول وعزيز خبر إن الثاني. البلاغة: سلامة الاختراع: وهو أن يخترع الشاعر أو الكاتب معنى لم يسبق اليه ولم يتبع

стр. 3295

فيه فقوله تعالى «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً» الآية من أبلغ ما أنزله الله في تجهيل الكافرين واستركاك عقولهم لغرابة التمثيل الذي تضمن الافراط في المبالغة مع كونها جارية على الحق خارجة مخرج الصدق وذلك حين اقتصر سبحانه على ذكر أضعف المخلوقات وأقلها سلبا لما تسلبه وتعجيز كل من دونه سبحانه كائنا من كان عن خلق مثله مع التضافر والاجتماع ثم نزل في التمثيل عن رتبة الخلق إذ هما مما يعجز عن مثلهما كل قادر غير الله الى استنقاذ النزر التفه الذي يسلبه هذا الخلق الضعيف على ضعفه ويعجز كل قادر من المخلوقين عن استنقاذه منه فتنقل في النزول في التمثيل على ما تقتضيه البلاغة على الترتيب في هذا المكان، لما علم سبحانه انه لا مبالغة في تعجيزهم عن الخلق والاختراع الذي لا يدعيه جبار ولا يتعاطاه من المخلوقين أحد وإن أوتي قدرة وأعطي قوة وكان فيه من التغالي بالكفر والجهل ما يدعي معه الالهية وينتحل الربوبية، فنزل بهم الى استنقاذ ما يسلبه هذا المخلوق الضعيف على ضعفه وقوتهم ليريهم عجزهم فتستيقنه نفوسهم وإن لم تقرّ به ألسنتهم فجاء بما يقضي الظاهر أنه أيسر من الخلق وهو الحقيقة مثله في العمر فإن الظفر بنفس هذا المخلوق أيسر من الظفر بما يسلبه فاستنقاذ ما يسلبه في العجز عنه مثل خلقه ولم يسمع مثل هذا التمثيل في بابه لأحد قبل نزول الكتاب العزيز. هذا وقد قسم علماء البيان سلامة الاختراع إلى ضربين: أولهما: يبتدعه صاحبه من غير أن يقتدي فيه بمن سبقه وهذا الضرب يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، وينتبه له عند الأمور الطارئة فمن ذلك ما ورد في شعر لأبي تمام في قصيدة له يمدح بها المعتصم بالله ويذكر حرق الافشين ومطلعها:

стр. 3296

الحق أبلج والسيوف عوار ... فحذار من أسد العرين حذار وفيها يخترع وصف المصلبين فيقول: بكروا وأسروا في متون ضوامر ... قيدت لهم من مربط النّجّار لا يبرحون ومن رآهم خالهم ... أبدا على سفر من الأسفار وهذا المعنى مما يعثر عليه عند الحوادث المتجددة، والخاطر في مثل هذا المقام ينساق الى المعنى المخترع من غير كبير كلفة لشاهد الحال الحاضرة، ومما قاله فيها في صفة من أحرق بالنار: ما زال سر الكفر بين ضلوعه ... حتى اصطلى سرّ الزناد الواري نارا يساور جسمه من حرها ... لهب كما عصفرت شقّ إزار طارت لها شعل يهدّم لفحها ... أركانه هدما بغير غبار فصّلن منه كلّ مجمع مفصل ... وفعلن فاقرة بكل فقار مشبوبة رفعت لأعظم مشرك ... ما كان يرفع ضوءها للساري صلى لها حيا وكان وقودها ... ميتا ويدخلها مع الفجار

стр. 3297

وقد ذيل البحتري على ما ذكره أبو تمام في وصف المصلبين فقال: كم عزيز أباده فغدا ير ... كب عودا مركّبا في عود أسلمته الى الرقاد رجال ... لم يكونوا عن وترهم برقود تحسد الطير فيه ضبع البوادي ... وهو في غير حالة المحسود غاب عن صحبه فلا هو موجو ... د لديهم وليس بالمفقود وكأن امتداد كفيه فوق الجذع في محفل الردى المشهود طائر مدّ مستريحا جناحيه استراحات متعب مكدود أخطب الناس راكبا فإذا أر ... جل خاطبت منه عين البليد ومن هذا الضرب ما جاء في شعر أبي الطيب المتنبي في وصفه الحمى: وزائرتي كأن بها حياء ... فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا ... فعافتها وباتت في عظامي كأن الصبح يطردها فتجري ... مدامعها بأربعة سجام أراقب وقتها من غير شوق ... مراقبة المشوق المستهام ومن بديع ما أتى به في هذا الموضع أن سيف الله بن حمدان كان مخيما بأرض ديار بكر على مدينة ميا فارقين، فعصفت الريح بخيمته فتطّير الناس لذلك وقالوا فيه أقوالا فمدحه أبو الطيب بقصيدة يعتذر فيها عن سقوط الخيمة أولها: أينفع في الخيمة العذّل ... وتشمل من دهرها يشمل

стр. 3298

ومما أحسن فيه غاية الإحسان وعدّ من أوابده التي لا تبلى قوله: تضيق بشخصك أرجاؤها ... ويركض في الواحد الجحفل وتقصر ما كنت في جوفها ... وتركز فيها القنا الذّبّل وكيف تقوم على راحة ... كأن البحار لها أنمل فليت وقارك فرّقته ... وحملت أرضك ما تحمل فصار الأنام به سادة ... وسدتهم بالذي يفضل رأت لون نورك في لونها ... كلون الغزالة لا يغسل وأنّ لها شرفا باذخا ... وأن الخيام بها تخجل فلا تنكرنّ لها صرعة ... فمن فرح النفس ما يقتل ولو بلّغ الناس ما بلّغت ... لخانتهم حولك الأرجل ولما أمرت بتطنيبها ... أشيع بأنك لا ترحل فما اعتمد الله تقويضها ... ولكن أشار بما تفعل وعرّف انك من همه ... وأنك في نصره ترفل فما العاندون وما أمّلوا ... وما الحاسدون وما قوّلوا هم يطلبون فمن أدركوا؟ ... وهم يكذبون فمن يقبل؟ وهم يتمنّون ما يشتهون ... ومن دونه جدّك المقبل والمعاني المخترعة فيها واضحة للعيان وكفى المتنبي فضلا أن يأتي بمثلها.

стр. 3299

وفي كتاب الروضة لأبي العباس المبرد، وهو كتاب جمعه واختار فيه أشعار شعراء بدأ فيه بأبي نواس ثم بمن كان في زمانه فقال مما أورده من شعره: وله معنى لم يسبق اليه بإجماع وهو قوله: تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدّريها بالقسيّ الفوارس فللراح ما زرت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس فالمعنى مخترع ولكنه- كما يقول الجاحظ- من المعاني المشاهدة فإن هذه الخمر لم تحمل إلا ماء يسيرا وكانت تستغرق صور هذه الكأس الى مكان جيوبها وكان الماء فيها قليلا بقدر القلانس التي على رؤوسها وهذا حكاية حال مشاهدة بالبصر. وثانيهما: المعاني التي تستخرج من غير شاهد حال متصورة فانها أصعب منالا مما يستخرج بشاهد الحال وقد قيل: إن أبا تمام أكثر الشعراء المتأخرين ابتداعا للمعاني وقد عدت معانيه المبتدعة فوجدت ما يزيد على عشرين معنى: فمن ذلك قوله: يا أيها الملك النائي برؤيته ... وجوده لمراعي جوده كثب ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجّى حين تحتجب

стр. 3300

وكذلك قوله في الهجاء: وأنت تدير قطب رحى عليا ... ولم نر للرحى العلياء قطبا ترى ظفرا بكل صراع قرن ... إذا ما كنت أسفل منه جنبا وكذلك قوله: وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود وكذلك له في الشيب: شعلة في المفارق استودعتني ... في صميم الفؤاد ثكلا صميما يستثير الهموم ما اكتنّ منها ... صعدا وهي تستثير الهموما على أن ابن الرومي فاق شعراء العربية جميعا في خلق الأشكال للمعاني المجردة أو خلق الرموز لبعض الاشكال المحسوسة بل فاق بها شعراء الدنيا جميعا. استمع لوصفه لحركة الرقاق في يد الخباز:

стр. 3301

ما أنس لا أنس خبازا مررت به ... يدحو الرقاقة مثل اللمح بالبصر ما بين رؤيتها في كفه كرة ... وبين رؤيتها قوراء كالقمر إلا بمقدار ما تنداح دائرة ... في صفحة الماء يرمى فيه بالحجر ووصفه للحركة البطيئة في سير السحائب: سحائب قيست في البلاد فألفيت ... غطاء على أغوارها ونجودها حدتها النّعامى مثقلات فأقبلت ... تهادى، رويدا، سيرها كركودها وله: وإذا امرؤ مدح امرأ لنواله ... وأطال فيه فقد أراد هجاءه لو لم يقدر فيه بعد المستقى ... عند الورود لما أطال رشاءه

стр. 3302

وله قوله الممتع: عدوك من صديقك مستفاد ... فلا تستكثرنّ من الصحاب فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام والشراب وكذلك قوله: لما تؤذن الدنيا به من صروفها ... يكون بكاء الطفل ساعة يولد وإلا فما يبكيه منها وانها ... لأوسع مما كان فيه وأرغد إذا أبصر الدنيا استهل كأنه ... بما هو لاق من أذاها يهدد قول جامع للجاحظ: وللجاحظ فصل ممتع انتهى فيه الى وصف الذباب الذي نحن بصدد الحديث عنه قال: «ولا يعلم في الأرض شاعر تقدم في تشبيه مصيب تام وفي معنى غريب عجيب أو في معنى شريف كريم أو في بديع مخترع إلا وكل من جاء من الشعراء من بعده أو معه إن هو لم يقدر على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره فإنه لا يدع أن يستعين بالمعنى

стр. 3303

ويجعل نفسه شريكا فيه كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء فتختلف ألفاظهم وأعاريض أشعارهم ولا يكون أحد منهم أحق بذلك المعنى من صاحبه، أو لعله يجحد أنه سمع بذلك المعنى قط وقال انه خطر على بالي من غير سماع كما خطر على بال الأول هذا إذا قرعوه به إلا ما كان من عنترة في صفة الذباب فإنه وصفه فأجاد وصفه فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرضوا له قال عنترة: جادت عليها كلّ عين ثرّة ... فتركن كل حديقة كالدرهم فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنّم غردا يحكّ ذراعه بذراعه ... فعل المكبّ على الزناد الأجذم يريد فعل الأقطع المكب على الزناد، والأجذم المقطوع اليدين فوصف الذباب إذا كان واقعا ثم حك إحدى يديه بالأخرى فشبهه عند ذلك برجل مقطوع اليدين يقدح بعودين ومتى سقط الذباب فهو يفعل ذلك» . قصة قاضي البصرة: وبعد أن تحدث الجاحظ طويلا كعادته في الاستطراد عن الذباب روى قصة قاضي البصرة وهي طويلة تصور إلحاح الذباب وقدرته على العض وهي مثبتة في كتاب الحيوان للجاحظ فليرجع اليه من شاء. الفوائد: متى اجتمع بعد ما يتعدى الى اثنين شيئان ليس ثانيهما عبارة عن الأول فالفاعل المعنوي رتبته التقديم وهو المفعول الأول ويعني بالمفعول

стр. 3304

الأول من يتأتى منه فعل فإذا قلت: وعدت زيدا دينارا فالدينار هو المفعول الثاني لأنه لا يتأتى من فعل وهو نظير أعطيت زيدا درهما فزيد هو الفاعل لأنه آخذ للدرهم. [سورة الحج (٢٢) : الآيات ٧٥ الى ٧٨] اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٧٦) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (٧٨) الإعراب: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير اصطفائه تعالى الرسل والله مبتدأ وجملة يصطفي خبر ومن الملائكة حال لأنه كان في الأصل صفة لرسلا وتقدم عليه ولك أن تعلقه بيصطفي ورسلا مفعول به ومن الناس عطف على من

стр. 3305

الملائكة وحذف من الثاني لدلالة الاول عليه أي ويصطفي من الناس رسلا وجملة إن الله سميع بصير تعليلية لما تقدم أي سميع لما يقولونه بصير بمن يتخذه رسولا وان واسمها وسميع خبرها الاول وبصير خبرها الثاني. (يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) جملة يعلم خبر ثالث أو مستأنفة ويعلم فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو وما موصول مفعول به وبين أيديهم الظرف متعلق بمحذوف صلة وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم والى الله الواو عاطفة والى الله متعلقان بترجع وترجع فعل مضارع مبني للمجهول والأمور نائب فاعل. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ) يا أيها الذين آمنوا تقدم اعرابها وجملة آمنوا صلة واركعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل واسجدوا عطف على اركعوا واعبدوا ربكم عطف أيضا. (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) وافعلوا الخير عطف على ما تقدم وجملة لعلكم تفلحون حال من الواو في اركعوا وما عطف عليه أي افعلوا هذه الأمور حال كونكم راجين الفلاح. (وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ) وجاهدوا عطف أيضا وفي الله متعلقان بجاهدوا ولا بد من حذف مضاف بعد حذف مفعول جاهدوا أي جاهدوا أعداءكم في ذات الله ومن أجله ففي للسببية وحق جهاده مفعول مطلق. (هُوَ اجْتَباكُمْ وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) هو مبتدأ وجملة اجتباكم أي اختاركم خبر والجملة حال من الله وما الواو عاطفة وما نافية وجعل فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وعليكم متعلقان بمحذوف مفعول به ثان لجعل وفي الدين حال ومن حرف جر زائد وحرج مجرور لفظا منصوب محلا لأنه مفعول جعل الأول. (مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا) ملة في

стр. 3306

نصبها أوجه أظهرها ما ذكره الزمخشري ونصه: «نصب الملة بمضمون ما تقدمها كأنه قيل وسع دينكم توسعة ملة أبيكم ثم حذف المضاف وأقيم المضاف اليه مقامه ويجوز نصبها على الاختصاص أي أخص بالدين ملة أبيكم» أو بتقدير فعل مضمر تقديره اتبعوا وهناك أوجه أخرى لا تخرج عن هذه الأوجه، وأبيكم مضاف اليه وابراهيم بدل من أبيكم وهو مبتدأ وجملة سماكم خبر والجملة حال من ابراهيم وسماكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به أول والمسلمين مفعول به ثان ومن قبل حال أي من قبل هذا الكتاب وفي هذا عطف على من قبل أي وفي هذا القرآن. (لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ) اللام للتعليل وقيل للعاقبة ويكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام واللام ومدخولها متعلقة بسماكم والرسول اسم يكون وشهيدا خبر يكون وعليكم متعلقان بشهيدا وتكونوا شهداء على الناس عطف على نظيرتها. (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) الفاء الفصيحة وأقيموا الصلاة فعل أمر وفاعل ومفعول به وما بعده عطف عليه. (هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَنِعْمَ النَّصِيرُ) الجملة حالية من الله وهو مبتدأ ومولاكم خبر فنعم المولى الفاء استئنافية ونعم فعل ماض جامد لانشاء المدح والمولى فاعل والمخصوص بالمدح محذوف أي هو، ونعم النصير عطف على نعم المولى.

стр. 3307

(٢٣) سورة المؤمنون مكية وآياتها ثمانى عشرة ومائة [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١ الى ١١] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ (٤) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ (٥) إِلاَّ عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ (٧) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ (٨) وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ (٩) أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) اللغة: (اللَّغْوِ) : اللغو: كل من كان حراما أو مكروها أو مباحا لم تدع اليه ضرورة ولا حاجة، واللغو كل مالا يعنيك من قول أو فعل كاللعب والهزل وما توجب المروءة إلغاءه واطراحه وكل مالا يعتد به. (لِفُرُوجِهِمْ) : الفروج جمع فرج وهو من الإنسان العورة.

стр. 3308

الإعراب: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) قد حرف تحقيق وأفلح فعل ماض والمؤمنون فاعل. (الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ) الذين صفة للمؤمنون وهم مبتدأ وفي صلاتهم متعلقان بخاشعون، وخاشعون خبر «هم» والجملة صلة الذين، وقدم الجار والمجرور على متعلقه للاهتمام به وحسنه كون متعلقه فاصلة. (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) والذين عطف على الذين وهم مبتدأ وعن اللغو متعلقان بمعرضون، ومعرضون خبر «هم» والجملة صلة الذين. (وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ) والذين عطف على الذين وهم مبتدأ وفاعلون خبر وللزكاة متعلقان بفاعلون وضمن فاعلون معنى مؤدون وقيل اللام زائدة في المفعول به لتقدمه على عامله. (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ) والذين عطف على ما تقدم وهم مبتدأ وحافظون خبر ولفروجهم متعلقان بحافظون. (إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) إلا أداة استثناء وعلى أزواجهم في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن قال الزمخشري: «من قولك كان فلان على فلانة فمات عنها فخلف عليها فلان ونظيره كان زياد على البصرة أو واليا عليها ومنه قولهم: فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشا والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم أو تعلق «على» بمحذوف يدل عليه «غير ملومين» كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما أطلق لهم فإنهم غير ملومين عليه أو تجعله صلة لحافظين من قولك احفظ علي عنان فرسي على تضمينه معنى النفي كما ضمن قولهم نشدتك بالله إلا فعلت معنى ما طلبت منك إلا فعلك» وذهب الفراء الى أن «على» بمعنى «من» أي إلا من أزواجهم كما جاءت «من»

стр. 3309

بمعنى «على» في قوله «ونصرناه من القوم» ، وأو حرف عطف وما عطف على أزواجهم وجملة ملكت أيمانهم صلة وعبر بما دون «من» وان كان المقام لها لنقصهن لأنهن السراري والسرية: الأمة التي بوأتها بيتا وهي فعلية منسوبة الى السر وهو الجماع أو الإخفاء لأن الإنسان كثيرا ما يسرها ويسترها عن حرّته، وضمت السين لأن الأبنية قد تغير في النسب كما قالوا في النسب الى الدهر دهري والى الأرض السهلة سهلي بضم أولهما والجمع سراري وقال الأخفش هي مشتقة من السرور لأن الإنسان يسرّ بها، وعبارة المصباح: «والسرية فعلية قيل مأخوذة من السر بالكسر وهو النكاح فالضم على غير قياس فرقا بينها وبين الحرّة إذا نكحت سرا فإنه يقال لها سرية بالكسر على القياس وقيل من السر بالضم بمعنى السرور لأن مالكها يسر بها فهو على القياس» . (فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ) الجملة تعليل للاستثناء وان واسمها وغير ملومين خبرها. (فَمَنِ ابْتَغى وَراءَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ العادُونَ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ وابتغى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره هو ووراء الظرف متعلق بمحذوف صفة وهذا المحذوف مفعول ابتغى أي ابتغى شيئا كائنا وراء ذلك ولك أن تجعل وراء بمعنى خلاف فتنصبه على أنه مفعول به وذلك مضاف اليه والفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ ثان والعادون خبر أولئك أو هم ضمير فصل والعادون خبر والجملة خبر أولئك. (وَالَّذِينَ هُمْ لِأَماناتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ راعُونَ) والذين عطف على ما تقدم وهم مبتدأ وراعون خبره ولأماناتهم متعلقان براعون وعهدهم عطف على أماناتهم. (وَالَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ) تقدم اعرابها وهي عطف على ما تقدم. (أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ) أولئك مبتدأ وهم ضمير فصل والوارثون خبر وقد تقدم انه يجوز اعراب هم مبتدأ ثانيا ولكن

стр. 3310

الأحسن أن يكون للفصل للدلالة على التخصيص. (الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ) الذين خبر ثان أو صفة للوارثون وجملة يرثون صلة والفردوس مفعول به وهم مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون، وخالدون خبر هم وأنث الفردوس باعتبار المعنى أن الجنة وجملة هم فيها خالدون حال. البلاغة: ١- التفصيل: تميزت السورة ببراعة استهلالها لأنها ذكرت أحوال المؤمنين على جهة التفصيل، والتفصيل على قسمين: متصل ومنفصل، فالمتصل كل كلام وقع فيه أما أو ما كقوله تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ» الى آخر الكلام، وأما المنفصل فهو ما يأتي مجمله في مكان ومفصله في مكان آخر كقوله تعالى: «قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ» الى قوله تعالى «والذين هم لفروجهم حافظون» الى قوله تعالى «فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون» فإن قوله تعالى وراء ذلك إجمال المحرمات وقد تقدمت مفسّرة في سورة النساء بقوله تعالى: «وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ» الى قوله تعالى «وَأُحِلَّ لَكُمْ ما وَراءَ ذلِكُمْ» فإن هذه الآية اشتملت على خمسة عشر محرما من أصناف النساء، ذوات الأرحام ثلاثة عشر صنفا ومن الأجانب صنفان. ٢- الطباق: وفي قوله تعالى «الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ، وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ» طباق إيجاب، فقد جمع سبحانه للمؤمنين في هذا

стр. 3311

الوصف بين الفعل والترك إذ وصفهم بالخشوع في الصلاة وترك اللغو وهذا كله من طباق الإيجاب المعنوي، وقد حمدوا الخشوع كثيرا، روي عن النبي ﷺ أنه أبصر رجلا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: «لو خشع قلبه خشعت جوارحه» ونظر الحسن الى رجل يعبث بالحصى وهو يقول: اللهم زوجني بالحور العين فقال: بئس الخاطب أنت تخطب وأنت تعبث. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٢ الى ١٦] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦) الإعراب: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) الجملة لا محل نها من الاعراب لأنها جواب قسم محذوف واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل والإنسان مفعول به ومن سلالة متعلقان بخلقنا، فمن للابتداء ومن طين صفة لسلالة أو متعلقان بسلالة لأنها بمعنى مسلولة، فمن للبيان، ولا تلتفت الى قول بعض المعربين ان الواو عاطفة جملة كلام على جملة كلام فالكلام مستأنف لا علاقة له بما قبله. (ثُمَّ جَعَلْناهُ

стр. 3312

نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ) ثم حرف عطف وجعلناه فعل وفاعل ومفعول به ونطفة مفعول به ثان وفي قرار مفعول به ثالث ومكين صفة. (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) ثم حرف عطف وخلقنا فعل وفاعل والنطفة مفعول به أول وعلقة مفعول به ثان لأن خلقنا متضمن معنى صيرنا. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً) الفاء حرف عطف وخلقنا فعل وفاعل والعلقة مفعول به أول ومضغة مفعول به ثان، فخلقنا فعل وفاعل والمضغة مفعول به أول وعظاما مفعول به ثان. (فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ) الفاء حرف عطف وكسونا فعل وفاعل والعظام مفعول به أول ولحما مفعول به ثان ثم حرف عطف وأنشأناه فعل وفاعل ومفعول به وخلقا حال وآخر صفة فتبارك الفاء استئنافية وتبارك فعل ماض والله فاعل وأحسن بدل من الله والخالقين مضاف اليه وليس بصفة لأنه نكرة وإن أضيف، لأن المضاف إليه عوض من «من» وهكذا جميع باب اسم التفضيل، ومميز أحسن محذوف للعلم به أي خلقا. (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ) ثم حرف عطف وتراخ وان واسمها وبعد ذلك الظرف متعلق بمحذوف حال أو بميتون، واللام المزحلقة وميتون خبر ان، ثم انكم عطف على ما تقدم وجملة تبعثون خبر ان. البلاغة: ١- المخالفة في حروف العطف: في حروف العطف المتتابعة في هذه الآيات أسرار لطيفة المأخذ دقيقة المعنى، فقد ذكر تعالى تفاصيل حال المخلوق في تنقله فبدأ بالخلق الاول وهو خلق آدم من طين، ولما عطف عليه الخلق الثاني الذي هو

стр. 3313

خلق النسل عطفه بثم لما بيتهما من التراخي وحيث صار الى التقدير الذي يتبع بعضه بعضا من غير تراخ عطفه بالفاء، ولما انتهى الى جعله ذكرا أو أنثى وهو آخر الخلق عطفه بثم، ونحن نعلم أن الزمن الذي تصير فيه النطفة علقة طويل ولكن الحالتين متصلتان فأحيانا ينظر الى طول الزمان فيعطف بثم وأحيانا ينظر الى اتصال الحالين ثانيهما بأولهما من غير فاصل بينهما بغيرهما فيعطف بالفاء، ومثل هذا تزوج محمد فولد له. وشيء آخر، وهو ان صيرورة التراب نطفة أمر مستبعد في ظاهر الحال ومثل ذلك صيرورة النطفة علقة لاختلاف إحداهما عن الاخرى اختلافا ظاهرا ولكن صيرورة العلقة مضغة لا غرابة فيه لتقاربهما فلهذا الوجه عطف في قوله تعالى «يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ» بثم، وفي الآية التي نحن بصددها لوحظت أطوار الخلق وتباعد الأوقات بين كل طورين. وفي حاشية الشهاب الخفاجي على البيضاوي ما خلاصته: اختلاف العواطف بالفاء وثم لتفاوت الاستحالات يعني ان بعضها مستبعد حصوله مما قبله وهو المعطوف بثم فجعل الاستبعاد عقلا أو رتبة بمنزلة التراخي والبعد الحسي لأن حصول النطفة من أجزاء ترابية غريب جدا وكذا جعل النطفة البيضاء ماء أحمر بخلاف جعل الدم لحما مشابها له في اللون والصورة وكذا تصليبها حتى تصير عظما لأنه قد يحصل ذلك بالمكث فيما يشاهد وكذا مد لحم المضغة عليه ليستره وذلك يقتضي عطف الجميع بثم إن نظر لآخر المدة وأولها، ويقتضي العطف بالفاء ان نظر لآخرها فقط. ٢- تشبيه الرحم بالقرار: في قوله تعالى «فِي قَرارٍ مَكِينٍ» استعارة تصريحية فقد حذف

стр. 3314

المشبه وأبقى المشبه به، والمشبه هو الرحم وقد شبهه بالقرار أي موضع الاستقرار ثم وصفه بمكين بمعنى متمكن لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال أو لتمكن ما يحل فيه كقولهم طريق سائر أي يسار فيه. وبقي إيضاح قوله تعالى «خَلْقاً آخَرَ» وقد كثرت فيه الأقوال واضطربت، وخير ما يقال فيه انه عام والمراد مباينته للخلق الأول مباينة بعيدة جدا حيث جعله حيوانا وكان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم، وبصيرا وكان أعمى أكمه، وأودع باطنه وظاهره وكل عضو من أعضائه وكل جزء من أجزائه عجائب لا توصف وغرائب لا تدرك. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ١٧ الى ٢١] وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ (١٧) وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ (١٨) فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (١٩) وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠) وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ (٢١) اللغة: (طَرائِقَ) : جمع طريقة وهي السيرة والحالة والمذهب والخط

стр. 3315

في الشيء، وفي الأساس واللسان: «ووضع الأشياء طرقة طرقة وطريقة طريقة: بعضها فوق بعض وهي طرق وطرائق، وطرّق طريقا سهّله حتى طرقه الناس بسيرهم» وسميت السموات طرقا لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة. (طُورِ سَيْناءَ) : وطور سنين قال الزمخشري: «لا يخلو إما أن يضاف فيه الطور الى بقعة اسمها سيناء وسينون وإما أن يكون اسما للجبل مركبا من مضاف ومضاف اليه كامرىء القيس وكبعلبك فيمن أضاف، فمن كسر سين سيناء فقد منع من الصرف للتعريف والعجمة أو التأنيث لأنها بقعة وفعلاء لا يكون ألفه للتأنيث كعلباء وحرباء، ومن فتح فلم يصرف لأن الألف للتأنيث كصحراء» هذا وسيناء شبه جزيرة يحدها البحر الأبيض المتوسط شمالا وقناة السويس وخليج السويس غربا وفلسطين وخليج العقبة شرقا تنتهي جنوبا عند رأس محمد في البحر الأحمر، وسيناء جبل واقع في شبه جزيرة سيناء جنوبا والمراد بالشجرة شجرة الزيتون وخصت بطور سيناء مع أنها تخرج في غيره لأن أصلها منه ثم نقلت الى غيره. الإعراب: (وَلَقَدْ خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ وَما كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غافِلِينَ) جملة مستأنفة مسوقة لذكر خلق السموات التي تعلو الإنسان بعد ذكر خلقه واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وخلقنا فعل وفاعل وفوقكم ظرف متعلق بخلقنا وسبع طرائق مفعول خلقنا وطرائق مضاف لسبع، وما الواو حالية وما نافية وكان واسمها وعن الخلق متعلقان بغافلين وغافلين خبر كنا. (وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي

стр. 3316

الْأَرْضِ) وأنزلنا عطف على خلقنا ومن السماء متعلقان بأنزلنا وماء مفعول به وبقدر صفة لماء أو حال من الضمير أي بتقدير يسلمون معه من المضرة ويصلون الى المنفعة، فأسكناه عطف على أنزلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به وفي الأرض متعلق بأسكناه. (وَإِنَّا عَلى ذَهابٍ بِهِ لَقادِرُونَ) الواو عاطفة وان واسمها وعلى ذهاب متعلقان بقادرون وبه متعلقان بذهاب وقادرون خبر إنا واللام المزحلقة. (فَأَنْشَأْنا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) الفاء عاطفة وأنشأنا فعل وفاعل ولكم متعلق بأنشأنا وبه متعلقان بأنشأنا أيضا أو بمحذوف حال فتكون الباء للملابسة وجنات مفعول به ومن نخيل صفة لجنات وأعناب عطف على نخيل. (لَكُمْ فِيها فَواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ) لكم خبر مقدم وفيها حال وفواكه مبتدأ مؤخر وكثيرة صفة ومنها متعلقان بتأكلون، وتأكلون فعل مضارع وفاعل وجملة لكم فيها الآية حال من جنات أو صفة كما هي القاعدة. (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْناءَ) الواو حرف عطف وشجرة عطف على جنات وجملة تخرج صفة لشجرة ومن طور سيناء جار ومجرور متعلقان بتخرج. (تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ) الجملة صفة ثانية لشجرة وبالدهن في موضع نصب على الحال أي ملتبسة بالدهن ومصحوبة به، والدهن عصارة كل شيء ذي دسم، وصبغ عطف على الدهن جار على إعرابه عطف أحد وصفي الشيء على الآخر أي تنبت بالشيء الجامع بين كونه دهنا يدهن به ويسرج منه وكونه إداما يصبغ به الخبز أي يغمس فيه للائتدام به، وللآكلين صفة لصبغ. (وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها) الواو حرف عطف وان حرف مشبه بالفعل ولكم خبرها المقدم وفي الأنعام حال واللام المزحلقة وعبرة اسم ان وجملة نسقيكم تفسيرية لعبرة أو مستأنفة والكاف مفعول به ومما متعلقان بنسقيكم وفي بطونها متعلقان بمحذوف

стр. 3317

صلة ما. (وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ) تقدم اعرابها قريبا فجدد به عهدا. البلاغة: في قوله تعالى «وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ» استعارة تصريحية شبه الادام من المائعات بالصبغ ثم حذف المشبه وأبقى المشبه به بجامع التلون بلونه إذا غمس به. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٢ الى ٢٨] وَعَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٢٦) فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلاَّ مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧) فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨)

стр. 3318

الإعراب: َ عَلَيْها وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ) الواو عاطفة وعليها متعلقان بتحملون والضمير يعود على الإبل التي هي من جملة الانعام ولأنها هي المحمول عليها في العادة وقرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر. (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً إِلى قَوْمِهِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لرد خمس قصص أولاها قصة نوح، واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به والى قومه متعلقان بأرسلنا. (فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) الفاء حرف عطف وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة واعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وما نافية ولكم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وإله مبتدأ مؤخر محلا مجرور بمن لفظا وغيره صفة لإله على المحل وقرىء بالجر على اللفظ وهو جائز وجملة مالكم من إله غيره مستأنفة تجري مجرى التعليل للأمر بالعبادة، والهمزة للاستفهام والفاء عاطفة على مقدر أي أفلا تخافون أن ترفضوا عبادة الله الذي هو ربكم وخالقكم ورازقكم. (فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ: ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ) الفاء عاطفة وقال الملأ فعل وفاعل والذين صفة للملأ وجملة كفروا صلة ومن قومه حال وجملة ما هذا مقول القول وما نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلكم صفة وهذه هي الشبهة الأولى من الشبه الخمس التي ذكروها. (يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً) جملة يريد صفة وأن وما في حيزها مفعول يريد وعليكم جار ومجرور متعلقان بيتفضل والواو حالية أو استئنافية وشاء الله فعل وفاعل، ومفعول المشيئة محذوف يفهم من مضمون جواب لو أي لو

стр. 3319

شاء إنزال رسول، واللام واقعة في جواب لو وجملة أنزل ملائكة لا محل لها لأنها جواب شرط جازم وهذه هي الشبهة الثانية. (ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ) الجملة مستأنفة مسوقة لحكاية شبهتهم الثالثة وما نافية وسمعنا فعل وفاعل وبهذا متعلقان بسمعنا وفي آبائنا في محل نصب حال أي في قصص آبائنا والأولين صفة لآبائنا. (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ) جملة مستأنفة مسوقة لحكاية شبهتهم الرابعة وإن نافية وهو مبتدأ وإلا أداة حصر ورجل خبر هو وبه خبر مقدم وجنة أي جنون مبتدأ مؤخر والجملة صفة رجل فتربصوا الفاء الفصيحة أي إن أردتم أن تتبينوا حقيقته فتربصوا، ويجوز أن تكون استئنافية وهذه هي شبهتهم الخامسة، وتربصوا فعل أمر أي انتظروا والواو فاعل وبه متعلقان بتربصوا وحتى حرف غاية وجر وحين مجرور بحتى والجار والمجرور متعلقان بتربصوا أيضا أي اصبروا عليه واحتملوه الى زمان حتى ينجلي لكم أمره عن مغبته فإن أفاق من جنته وإلا قتلتموه. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) كلام مستأنف مسوق لطلب الانتصاف منهم والانتصار عليهم من ربه بعد أن يئس من إيمانهم، ورب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وانصرني فعل أمر والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به والباء حرف جر وما مصدرية مؤولة مع الفعل بعدها بمصدر مجرور بالباء أي بسبب تكذيبهم إياي فالباء للسببية ويجوز أن تكون للبدل أي انصرني بدل تكذيبهم إياي، كما تقول هذا بذاك أي بدل ذاك ومكانه، والجار والمجرور متعلقان بانصرني. (فَأَوْحَيْنا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا) الفاء استئنافية وأوحينا فعل وفاعل واليه متعلقان بأوحينا وأن مفسرة لوقوعها بعد أوحينا وهو فعل فيه معنى القول دون حروفه واصنع فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والفلك مفعول به وبأعيننا

стр. 3320

حال من الضمير المستكن في اصنع أي بحفظنا وكلاءتنا، ووحينا عطف على أعيننا أي وأمرنا. (فَإِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) الفاء عاطفة لترتيب مضمون ما بعدها على تمام صنع الفلك والمراد بالأمر العذاب، وجملة جاء مضاف إليها الظرف وأمرنا فاعل وفار التنور عطف على جاء أمرنا وقد تقدم بحث هذا في سورة هود. فاسلك الفاء رابطة لجواب إذا واسلك فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وفيها متعلقان باسلك ومن كل جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان صفة لاثنين واثنين مفعول اسلك وقد تقدم اعراب هذا في هود أيضا. (وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ) وأهلك عطف على اثنين وإلا أداة استثناء ومن مستثنى متصل من موجب فهو واجب النصب وجملة سبق صلة وعليه متعلقان بسبق، والقول فاعل ومنهم حال أي بالإهلاك. (وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتخاطبني فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به وفي الذين متعلقان بتخاطبني أي بترك إهلاكهم وذلك بعد أن لزمتهم الحجة البالغة، وبعد أن أملى لهم الدهر المتطاول، لم يبق إلا أن يجعلوا عبرة للمعتبرين، وجملة ظلموا صلة وجملة إنهم مغرقون تعليل للنهي عن المخاطبة بشأنهم وان واسمها وخبرها. (فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ) الفاء استئنافية وإذا ظرف مستقبل وجملة استويت في محل جر بالاضافة إليها وأنت تأكيد للتاء ومن عطف على التاء ومعك ظرف متعلق بمحذوف صلة لمن وعلى الفلك متعلقان باستويت أي اعتدلت عليه. (فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الفاء رابطة لجواب إذا وقل فعل أمر وأفرده بالأمر إظهارا لفضله واشعارا بأن في دعائه مندوحة عن دعائهم، والحمد مبتدأ ولله خبره والجملة مقول القول وجملة القول

стр. 3321

لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والذي صفة لله وجملة نجانا صلة ومن القوم متعلقان بنجانا والظالمين صفة للقوم. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٢٩ الى ٣٦] وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ (٣٠) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ (٣١) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٣٢) وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ (٣٤) أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ (٣٦) الإعراب: (وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ) الواو عاطفة وقل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ورب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وحرف النداء محذوف وأنزلني فعل أمر للدعاء والفاعل مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به ومنزلا اسم مكان

стр. 3322

أو مصدر مفعول به ثان أو مفعول مطلق ومباركا صفة وأنت الواو حالية وأنت مبتدأ وخير المنزلين خبر. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ) الجملة مستأنفة مسوقة لتعليل ما ذكر وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم ولآيات اللام المزحلقة وآيات اسم إنّ، وإن مخففة من الثقيلة والغالب إهمالها وكنا كان واسمها واللام الفارقة ومبتلين خبر كنا ويجوز أن يكون اسمها ضمير الشأن والجملة خبرها ويجوز أن تكون إن نافية واللام بمعنى إلا. (ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْناً آخَرِينَ) ثم حرف عطف للتراخي وأنشأنا فعل وفاعل ومن بعدهم حال وقرنا مفعول به أي قوما وآخرين صفة وهم قوم عاد. (فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ) الفاء حرف عطف وأرسلنا فعل وفاعل وفيهم متعلق بأرسل ورسولا مفعول به ومنهم صفة. (أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) أن مفسرة لأن في الإرسال معنى القول دون حروفه أي قلنا لهم على لسان الرسول اعبدوا الله ثم إن إرسال الرسل هو للتبليغ، ويجوز أن تكون مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر في موضع نصب بنزع الخافض أي بأن اعبدوا والجار والمجرور متعلقان بأرسلنا وما بقي تقدم إعرابه قريبا بنصه فجدد به عهدا. (وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) الواو عاطفة وقال الملأ فعل وفاعل، والجملة من كلامهم الباطل معطوفة على كلامه الحق فالعطف هنا لبيان المفارقة، وقد سبق مثل هذا التعبير في سورة الأعراف مجردا من الواو كأنه جواب سؤال مقدر فلم يحتج إليها، ومن قومه حال والذين صفة لقومه وجملة كفروا صلة وما بعدها عطف عليه داخل في حيزها، وأسهب في وصفهم لبيان فداحة ما ارتكبوه من كفران للنعم وجحود للنعم المترادفة عليهم ليورد بعد ذلك على لسانهم شبهتين من شبهات الملاحدة وبنوا عليها انكارهم البعث

стр. 3323

والطعن في رسالته ﵇. (ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ) ما نافية وهذا مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلكم صفة وجملة يأكل صفة ثانية ومما متعلقان بيأكل وجملة تأكلون صلة ولك أن تجعلها مصدرية أي من مأكولكم وكذلك قوله ويشرب مما يشربون، وحذف العائد من الثاني اكتفاء بالعائد الأول وهو منه والجملة كلها مقول القول وهي تتضمن الشبهة الاولى. (وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأطعتم فعل وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وبشرا مفعول به ومثلكم صفة وإن واسمها واللام المزحلقة وخاسرون خبرها، وإذن: هذه ليست هي الناصبة للفعل المضارع وانما هي إذا الشرطية حذفت جملتها التي تضاف وعوض عنها التنوين كما في يومئذ ولهذا لا يختص دخولها على المضارع بل تدخل على الماضي وعلى الاسم وقد وردت في القرآن كثيرا مثل «إنكم إذن من المقربين» فقد دخلت هنا على الاسم ومن دخولها على الماضي قوله «وإذن لآتيناهم» وهذا تقرير عن شبهتهم الثانية. والجملة جواب القسم لأنه المتقدم حسب القاعدة. (أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُراباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري الاستبعادي وجملة يعدكم مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبله من زجرهم عن اتباعه بانكار وقوع ما يدعوهم الى الايمان به واستبعاده. ويعدكم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به وأن وما في حيزها في محل نصب مفعول به ثان وأن واسمها ومخرجون خبرها وإذا ظرف متعلق بمخرجون وجملة متم في محل جر باضافة الظرف إليها وكنتم ترابا وعظاما عطف على إذا متم وأنكم الثانية تأكيد للأولى لما طال الفصل بين اسم ان وهو الكاف وخبرها وهو مخرجون ولما كانت لمجرد التأكيد

стр. 3324

اللفظي لم تحتج الى الخبر، وهذا أحد أوجه ذكرها النحاة وسنأتي على ذكرها في باب الفوائد لأنها كلها صحيحة وما ذكرناه أسهلها. (هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ) هيهات اسم فعل ماض بمعنى بعد وسيأتي الكلام عليها مطولا في باب الفوائد والثانية تأكيد لفظي لها واللام زائدة وما اسم موصول فاعل لاسم الفعل وهو هيهات ومحله القريب الجر باللام الزائدة ومحله البعيد الرفع على أنه فاعل هيهات، ويجوز أن تكون ما مصدرية، والمصدر المؤول فاعل هيهات، وسيأتي مزيد من الأوجه في اعراب هذا التركيب في باب الفوائد. الفوائد: ١- في قوله تعالى «أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذا مِتُّمْ» الآية: اختلفت آراء الأئمة النحاة والمفسرين في اعراب هذه الآية وقد ذكرنا في الاعراب ما رأيناه أقرب الى التناول وأدنى الى المنطق وسنورد لك هنا ما قالوه لوجاهته، ولترى ما تختار فقال سيبويه: إن خبر «أن» الأولى محذوف لدلالة خبر الثانية عليه تقديره «أنكم مخرجون» وهو العامل في الظرف و «أن» الثانية وما في حيزها بدل من الأولى. وذهب الجرمي والمبرد والفراء: الى أن خبر «أن» الأولى هو مخرجون وهو العامل في «إذا» وكررت الثانية توكيدا لما طال الفصل وهذا هو الوجه الذي اخترناه. واختار أبو البقاء أن اسم الأولى محذوف أقيم مقام المضاف اليه تقديره: أن إخراجكم، و «إذا» هو الخبر و «أنكم مخرجون» تكرير لأن «أن» وما عملت فيه للتوكيد أو للدلالة على المحذوف.

стр. 3325

وقيل «أنكم مخرجون» مبتدأ وخبره الظرف مقدما عليه والجملة خبر عن «أنكم» الأولى والتقدير: أيعدكم انكم إخراجكم كائن أو مستقر وقت موتكم، ولا يجوز أن يكون العامل في «إذا» مخرجون لأن ما في حيز «أن» لا يعمل فيما قبلها ولا يعمل فيها «متم» لأنه مضاف اليه، وانكم وما في حيزه في محل نصب أو جر بعد حذف حرف الجر إذ الأصل أيعدكم بأنكم، ويجوز أن لا يقدر حرف جر فيكون في محل نصب فقط نحو وعدت زيدا خيرا. ٢- هيهات: في هذه اللفظة لغات كثيرة تزيد على الأربعين ونذكر فيما يلي أشهرها وما قرىء به، فالمشهور هيهات بفتح التاء من غير تنوين بني لوقوعه موقع المبني أو لشبه الحرف وبها قرأ العامة وهي لغة الحجازيين، وهيهاتا بالفتح والتنوين، وهيهات بالضم والتنوين، وبالضم من غير تنوين، وهيهات بالكسر والتنوين، وبالكسر من غير تنوين، وهيهات بإسكان التاء، وهيهه بالهاء آخرا ووصلا ووقفا، وأيهات بابدال الهاء همزة مع فتح التاء. فهذه تسع لغات وقد قرىء بهن ولم يتواتر منهن غير الأولى، ويجوز ابدال الهمزة من الهاء الاولى في جميع ما تقدم فيكمل بذلك ست عشرة لغة، وايهان بالنون آخرا وايها بالألف آخرا، ويقع الاسم بعدها مرفوعا بها ارتفاع الفعل بفعله لأنها جارية مجرى الفعل فاقتضت فاعلا كاقتضائه الفعل. قال جرير: فهيهات هيهات العقيق ومن به ... وهيهات خلّ بالعقيق نواصله والعقيق واد بالمدينة يقول فيه جرير ويبدع:

стр. 3326

ولم أنس يوما بالعقيق تخايلت ... ضحاه وطابت بالعشي أصائله رزقنا به الصيد العزيز ولم نكن ... كمن نبله محرومة وحبائله وقال الزمخشري: «فان قلت ما توعدون هو المستبعد ومن حقه أن يرتفع بهيهات كما ارتفع في قوله: «فهيهات هيهات العقيق وأهله» فما هذه اللام؟ قلت: قال الزجاج في تفسيره: البعد لما توعدون أو بعد لما توعدون فيمن نوّن فنزله منزلة المصدر وفيه وجه آخر وهو أن يكون اللام لبيان المستبعد ما هو بعد التصويت بكلمة الاستبعاد كما جاءت اللام في هيت لك لبيان المهيت به» وما اخترناه في الاعراب أسهل وأقرب. [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٣٧ الى ٤٣] إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧) إِنْ هُوَ إِلاَّ رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ (٣٨) قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ (٣٩) قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ (٤٢) ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ (٤٣)

стр. 3327

اللغة: (غُثاءً) : الغثاء: ما يحمله السيل ومثله الجفاء وهو ما تكسر وتهشّم أيضا من المرعى إذا يبس، ويجمع على أغثية كغراب وأغربة وعلى غثيان كغراب وغربان، وقال الزجاج هو البالي من ورق الشجر إذا جرى السيل فخالط زبده، وقيل ما يلقيه السيل والقذر مما لا ينتفع به، ولامه واو لأنه من غثا الوادي يغثو غثوا وكذلك القدر، وأما غثيث نفسه تغثى غثيانا أي خبثت فهو قريب من معناه ولكنه من مادة الياء وقال الزمخشري: «شبههم في دمارهم بالغثاء وهو حميل السيل مما بلي وأسود من بلي العيدان والورق» . الإعراب: (إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير معتقدهم بأن العالم قديم بالطبع ولم يزل كذلك ولم يحدث باحداث محدث والناس كالنبات ينبتون ويعودون بالموت هشيما وهذا كفر صريح وضلال بعيد وسيأتي في باب الفوائد مزيد من معتقد الدهريين. وان نافيه وهي مبتدأ وإلا أداة حصر وحياتنا خبر والدنيا صفة وجملة نموت ونحيا حالية أو مفسرة لما ادعوه من أن حياتهم هي الحياة الدنيا أي يموت بعضنا وينقرض بعضنا الى انقراض العصر، والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وبمبعوثين الباء حرف جر زائد ومبعوثين مجرور بالباء لفظا خبر ما محلا. (إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ) ان نافية وهو مبتدأ وإلا أداة حصر ورجل خبر وجملة افترى صفة وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا

стр. 3328

مفعول به، والواو حرف عطف وما نافية حجازية ونحن اسمها وله متعلقان بمؤمنين ومؤمنين محله القريب مجرور بالباء الزائدة ومحله البعيد خبر ما. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ورب منادى محذوف منه حرف النداء مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وانصرني فعل أمر معناه الدعاء والنون للوقاية والفاعل مستتر تقديره أنت وبما الباء حرف جر وما موصولة أو مصدرية وكذبوني فعل وفاعل ومفعول به والجملة صلة ما والجار والمجرور متعلقان بانصرني. (قالَ عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ) عما قليل: عن حرف جر وما زائدة وقليل مجرور بعن والجار والمجرور متعلقان بيصبحن أو بنادمين أو بمحذوف تقديره عما قليل ننصر فحذف لدلالة ما قبله وهو رب انصرني، واللام موطئة للقسم ويصبحن فعل مضارع ناقص والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين اسمها وهو مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة ونادمين خبر يصبحن. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ بِالْحَقِّ فَجَعَلْناهُمْ غُثاءً فَبُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة وأخذتهم الصيحة فعل ومفعول به وفاعل وبالحق حال من الصيحة، فجعلناهم عطف على فأخذتهم والهاء مفعول به أول وغثاء مفعول به ثان والفاء حرف عطف وبعدا مصدر يذكر بدلا من اللفظ بفعله فهو مفعول مطلق لفعل محذوف واجب الإضمار لأنه بمعنى الدعاء عليهم والأصل بعدوا بعدا وللقوم صفة لبعدا ولا تتعلق به لأنه لا يحفظ حذف هذه اللام ووصول المصدر الى مجرورها البتة ووضع الظاهر موضع المضمر للتعليل. (ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُوناً آخَرِينَ) ثم حرف عطف وتراخ وأنشأنا فعل وفاعل ومن بعدهم متعلقان بمحذوف حال وقرونا مفعول به وآخرين صفة. (ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ) ما نافية وتسبق فعل مضارع ومن حرف جر

стр. 3329

زائد وأمة مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه فاعل تسبق وأجلها مفعول به وما يستأخرون عطف على ما سبق وذكر الضمير بعد تأنيثه لمراعات المعنى لأن أمة بمعنى قوم. الفوائد: في شرح النهج لابن أبي حديد: «قال قاضي القضاة: ان أحدا من العقلاء لم يذهب الى نفي الصانع للعالم ولكن قوما من الورّاقين اجتمعوا ووضعوا بينهم مقالة لم يذهب أحد إليها وهي أن العالم قديم لم يزل على هيئته هذه ولا إله للعالم ولا صانع له أصلا وإنما هو هكذا ما زال ولا يزال من غير صانع ولا مؤثر، ومن أشهر الذين أخذوا هذه المقالة من العرب ابن الراوندي وقد أخذ هذه المقالة ونصرها في كتابه المعروف بكتاب التاج» قلت: قد ذكر أبو العلاء المعري ابن الراوندي وتاجه هذا في رسالة الغفران ومما قاله: «وأما ابن الراوندي فلم يكن الى المصلحة بمهدي، وأما تاجه فلا يصلح أن يكون فعلا وهل تاجه إلا كما قالت الكاهنة أف وتف وجورب وخف» . وفي هؤلاء يقول أبو العلاء في لزومياته: ضل الذي قال البلاد قديمة ... بالطبع كانت والأنام كنبتها وأمامنا يوم تقوم هجوده ... من بعد إبلاء العظام ورفتها [سورة المؤمنون (٢٣) : الآيات ٤٤ الى ٥٠] ثُمَّ أَرْسَلْنا رُسُلَنا تَتْرا كُلَّ ما جاءَ أُمَّةً رَسُولُها كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنا بَعْضَهُمْ بَعْضاً وَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ فَبُعْداً لِقَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (٤٤) ثُمَّ أَرْسَلْنا مُوسى وَأَخاهُ هارُونَ بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ (٤٥) إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ فَاسْتَكْبَرُوا وَكانُوا قَوْماً عالِينَ (٤٦) فَقالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنا وَقَوْمُهُما لَنا عابِدُونَ (٤٧) فَكَذَّبُوهُما فَكانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ (٤٨) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٤٩) وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)

стр. 3330

اللغة: (تَتْرا) سترد في باب الإعراب. (رَبْوَةٍ) : الربوة والرباوة: الأرض المرتفعة وفي رائهما الحركات الثلاث وقد اختلف المفسرون في المراد بها فقيل بيت المقدس وقيل دمشق وغوطتها، وعن الحسن فلسطين والرملة. (مَعِينٍ) : اسم مفعول من عان يعين كباع يبيع فهو معين كسبيع فالميم زائدة وأصله معيون كمبيوع وقد دخله الاعلال، والمعين: الماء الظاهر الجاري على وجه الأرض وقد اختلف في زيادة ميمه وأصالته، فوجه من جعله مفعولا أنه مدرك بالعين لظهوره من عانه إذا أدركه بعينه نحو ركبه إذا ضربه بركبته، ووجه من جعله فعيلا أنه نفاع بظهوره وجريه من الماعون وهو المنفعة، وقال الراغب: هو من معن الماء جرى وسمي مجرى الماء معيان، وأمعن الفرس تباعد في عدوه، وأمعن بحقي ذهب به، وفلان معن في حاجته أي سريع.
следующие страницы →