← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

(إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) الجملة تعليلية أيضا وحذف العاطف بينهما فالجملتان من جملة مقولهم، وان واسمها وجملة ساءت خبرها وفاعل ساءت ضمير مستتر مبهم مفسر بنكرة ومستقرا تمييز ومقاما عطف على مستقرا والمخصوص بالذم محذوف تقديره هي، وقد أجاز المعربون كالزمخشري والسمين أن تكون ساءت بمعنى أحزنت فلا نكون من أفعال الذم بل تكون فعلا متصرفا ناصبا للمفعول به وهو هنا محذوف أي وأحزنت أصحابها وداخليها، عندئذ يجوز في مستقرا أن يكون تمييزا وأن يكون حالا. الفوائد: ١- مناقشة حول «سلاما» : قال القرطبي في تفسيره: «قال النحاس: ولا نعلم لسيبويه كلاما في معنى الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية قال سيبويه: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على الكفار لكنه على معنى قوله سلمنا منكم ولا خير بيننا وبينكم ولا شر، وقال المبرد كان ينبغي أن يقول: لم يؤمر المسلمون يومئذ بحربهم ثم أمروا بحربهم، وقال أي محمد بن يزيد المبرد: أخطأ سيبويه في هذا وأساء العبارة، وقال ابن العربي: لم يؤمر المسلمون يومئذ أن يسلموا على المشركين ولا نهوا عن ذلك بل أمروا بالصفح والهجر الجميل وقد كان ﵊ يقف على أنديتهم ويحييهم ويدانيهم ولا يداهنهم» . قلت: ولا حاجة الى ادعاء النسخ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة وأصون للعرض وأوفر له.

стр. 3537

٢- فعل بات: قال في القاموس: «وبات يفعل كذا يبيت ويبات بيتا وبياتا ومبيتا وبيتوتة أي يفعله ليلا وليس من النوم» ومعنى قوله: «وليس من النوم» أي وليس الفعل من النوم فإذا نام ليلا لا يصح أن يقال بات ينام، ومنه قول الشريف الرضي: أتبيت ريان الجفون من الكرى ... وأبيت منك بليلة الملسوع ذكر ابن هشام في مغني اللبيب عن رجل كبير من الفقهاء أنه استشكل قول الشريف الرضي الآنف الذكر وقال كيف ضم التاء من تبيت وهي للمخاطب لا للمتكلم وفتحها من أبيت وهو للمتكلم؟ فبينت للحاكي أن الفعلين مضارعان وأن التاء فيهما لام الكلمة وان الخطاب في الأول مستفاد من الهمزة والأول مرفوع لحلوله محل الاسم والثاني منصوب بأن مضمرة بعد واو المصاحبة على حد قول الحطيئة: ألم أك جاركم ويكون بيني ... وبينكم المودة والإخاء هذا ونعود إلى بيت الشريف فنقول: هو من أرق الشعر وأجمله وفيه استعارة تبعية حيث شبه امتلاء جفون المحبوب من النوم بالري وهو امتلاء الجوف بالماء المذهب للأوار بجامع حصول الراحة في كل منهما، واستعير اسم المشبه به للمشبه، واشتق من الري ريان بمعنى ممتلىء الجفون، وفيه أيضا كناية وذلك أنه كنى بليلة الملسوع عن ليلة السهر لأن السهر والأرق من لوازم ذلك، وفيه أيضا طباق بين النوم المستفاد من الصدر صريحا والسهر المستفاد من العجز كناية، فقد استكمل البيت ثلاثة فنون من البيان فإذا أضفت إلى ذلك خروج

стр. 3538

الاستفهام عن معناه الأصلي إلى البث والشكوى فقد استكمل أربعة فنون يضاف إليها خامس وهو فن حسن النسق وسلاسة الأسلوب. وهو من أبيات نذكر منها الباقة التالية: يا صاحب القلب الصحيح أما اشتفى ... ألم الجوى من قلبي المصدوع هيهات لا تتكلفنّ لي الهوى ... فضح التطبع شيمة المطبوع كم قد نصبت لك الحبائل طامعا ... فنجوت بعد تعرض لوقوع وتركتني ظمآن أشرب غلتي ... أسفا على ذاك اللمي الممنوع كم ليلة جرّ عته في طولها ... غصص الملام ومؤلم التقريع أبكي ويبسم والدجى ما بيننا ... حتى أضاء بثغره ودموعي قمر إذا استعجلته بعتابه ... لبس الغروب ولم يعد لطلوع

стр. 3539

لو حيث يستمع السرار وفقتما ... لعجبتما من عزه وخ ضوعي أهون علي إذا امتلأت من الكرى ... أني أبيت بليلة الملسوع وتكون بات تامة مكتفية بمرفوعها عن منصوبها إذا كانت بمعنى عرس وهو النزول آخر الليل نحو قول ابن عمر ﵁: «أما رسول الله فقد بات بمنى» أي عرس بها، وقال امرؤ القيس بن عانس بالنون وهو غير امرؤ القيس بن حجر الكندي: وبات وباتت له ليلة ... كليلة ذي العائر الأرمد أي وعرس، والعائر بالعين المهملة اسم فاعل من العور وهو القذى في العين تدمع له، وقيل الرمد والأرمد صفة له، وقالوا بات بالقوم أي نزل بهم ليلا. [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٦٧ الى ٧١] وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً (٦٧) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً (٦٨) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً (٦٩) إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحاً فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٠) وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً (٧١)

стр. 3540

اللغة: (يَقْتُرُوا) : في المختار «وقتر على عياله أي ضيق عليهم في النفقة وبابه ضرب ودخل وقتر تقتيرا وأقتر أيضا ثلاث لغات» وقد قرئ بفتح أوله وضمه. (قَواماً) : بفتح القاف وكسرها وقد قرئ بهما والقوام بالفتح العدل بين الشيئين لاستقامة الطرفين، ونظير القوام من الاستقامة السواء من الاستواء، والقوام بالكسر: ما يقام به الشيء يقال أنت قوامنا بمعنى ما تقام به الحاجة لا يزيد عنها ولا ينقص. (أَثاماً) : الأثام كالوبال والنكال وزنا ومعنى: جزاء الإثم الذي هو الذنب نفسه، قال: جزى الله ابن عروة حيث أمسى ... عقوقا والعقوق له أثام وفي المختار: «أثمه الله في كذا بالقصر يأثمه بضم الثاء وكسرها أثاما عده عليه إثما فهو مأثوم، وقال الفراء: أثمه الله يأثمه اثما وأثاما جازاه جزاء الإثم فهو مأثوم أي مجزي جزاء إثمه» . الإعراب: (وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً) والذين عطف على ما تقدم وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أنفقوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة لم يسرفوا ولم يقتروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والواو عاطفة أو حالية وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر أي وكان الانفاق، وبين

стр. 3541

ظرف متعلق بمحذوف حال لأنه كان صفة لقواما وذلك مضاف إليه وقواما خبر كان. قال الزمخشري: «والمنصوبان أعني بين ذلك قواما جائز أن يكونا خبرين معا، وأن يجعل بين ذلك لغوا وقواما مستقرا، وان يكون الظرف خبرا وقواما حالا مؤكدة» . (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ) والذين عطف على ما تقدم أيضا وجملة لا يدعون صلة ومع الله متعلق بيدعون وإله مفعول به وآخر صفة. (وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ) ولا يقتلون عطف على ولا يدعون والنفس مفعول به والتي صفة وجملة حرم الله صلة وإلا أداة حصر وبالحق متعلقان بيقتلون أو بمحذوف حال فالاستثناء من أعم الأحوال أي إلا مستحقين، ولا يزنون معطوفة. (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً) الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويفعل فعل الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على من وذلك مفعول به ويلق جواب الشرط وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وأثاما مفعول به ويضاعف بدل من يلق لأنهما في معنى واحد وسيأتي في باب الفوائد بحث إبدال الفعل من الفعل لأن مضاعفة العذاب لقي الآثام، وله متعلقان بيضاعف والعذاب نائب فاعل ويوم القيامة ظرف متعلق بيضاعف أيضا ويخلد عطف على يضاعف وفيه متعلقان بيخلد ومهانا حال من فاعل يخلد. (إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صالِحاً) إلا أداة استثناء ومن استثناء من الجنس في موضع نصب وجملة تاب صلة وآمن عطف على تاب وكذلك عمل وعملا مفعول مطلق أو مفعول به وصالحا صفة. (فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وأولئك مبتدأ والإشارة الى الموصول وهو من، والجمع باعتبار معناها، وجملة يبدل خبر أولئك والله فاعل وسيئاتهم

стр. 3542

مفعول، وحسنات مفعول ثان ليبدل أو نصب على نزع الخافض وكان الواو استئنافية وكان واسمها وغفورا خبرها الأول ورحيما خبرها الثاني. (وَمَنْ تابَ وَعَمِلَ صالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتاباً) الواو عاطفة أو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ وتاب فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وعمل عطف على تاب وصالحا صفة لمفعول مطلق أو لمفعول به محذوف أي عملا صالحا، فإنه الفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية وان واسمها وجملة يتوب خبر والى الله جار ومجرور متعلقان بيتوب ومتابا مفعول مطلق لأنه مصدر ميمي. الفوائد: إبدال الفعل من الفعل: يبدل كل من الاسم والفعل والجملة من مثله وينطبق عليه أحكام البدل فيكون بدل كل من كل أو بدلا مطابقا كقوله تعالى «ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف» فيضاعف بدل من يلق بدل كل من كل أو بدلا مطابقا، قال الخليل لأن مضاعفة العذاب هي لقي الآثام، وبدل البعض نحو: إن تصل تسجد لله يرحمك، فتسجد بدل من تصل بدل بعض من كل، وبدل الاشتمال كقوله: إن عليّ الله أن تبايعا ... تؤخذ كرها أو تجيء طائعا لأن الأخذ كرها والمجيء طائعا من صفات المبايعة والله منصوب على نزع الخافض أي والله، وأن تبايعا اسم إن والألف في تبايعا للإطلاق وهو من بايع أي عاهد وعلي متعلق بالخبر وتؤخذ وما عطف

стр. 3543

عليه بدل اشتمال من حيث المعنى، أما ابدال الجملة فيطرد في البدل المطابق نحو قعدت جلست في دار زيد. وفي بدل البعض من الكل كقوله تعالى: «أمدكم بما تعلمون: أمدكم بأنعام وبنين» فجملة أمدكم الثانية أخص من الأولى باعتبار متعلقيهما فتكون داخلة في الأولى لأن «ما تعلمون» تشمل الأنعام وغيرها، وبدل الاشتمال كقوله: أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما ف «لا تقيمن عندنا» بدل اشتمال من «ارحل» لما بينهما من المناسبة اللزومية وليس توكيدا له لاختلاف لفظيهما ولا بدل بعض لعدم دخوله في الأول ولا بدل كل من كل لعدم الاعتداد به كما تقدم. وقد تبدل الجملة من المفرد بدل كل كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان فقد أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان، أما ابدال المفرد من الجملة فقد صرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما بدل من جملة لم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما. [سورة الفرقان (٢٥) : الآيات ٧٢ الى ٧٧] وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً (٧٢) وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً (٧٣) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً (٧٤) أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً (٧٥) خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً (٧٦) قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً (٧٧)

стр. 3544

الإعراب: (وَالَّذِينَ لا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً) والذين عطف على الموصولات السابقة وجملة لا يشهدون صلة، والزور: إن كانت يشهدون بمعنى الشهادة المعلومة فيكون الزور منصوبا بنزع الخافض أي بالزور وإن كانت يشهدون بمعنى يحضرون فيكون الزور مفعولا به، وإذا الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مروا مجرورة بإضافة الظرف إليها ومروا فعل وفاعل وباللغو متعلقان بمروا وجملة مروا الثانية لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وكراما حال أي ربئوا بأنفسهم عن الوقوف عليه والاسهام فيه. (وَالَّذِينَ إِذا ذُكِّرُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْها صُمًّا وَعُمْياناً) جملة لم يخروا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعليها متعلقان بيخروا وسيأتي معنى هذا النفي في باب البلاغة وصما حال وعميانا حال ثانية. (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنا وَذُرِّيَّاتِنا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنا لِلْمُتَّقِينَ إِماماً) عطف على ما تقدم وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وهب فعل أمر فيه معنى الدعاء ولنا متعلقان

стр. 3545

بهب ومن أزواجنا حال وسيأتي بحث هذا التجريد في باب البلاغة وقرة أعين مفعول هب وتقدم أن قرة العين سرورها والمراد به ما يحصل به السرور وسيأتي سر تقليل الأعين في باب البلاغة، واجعلنا فعل أمر متضمن معنى الدعاء وفاعله مستتر ومفعول أول وللمتقين حال لأنه كان في الأصل صفة لإماما وإماما مفعول به ثان وفيه أربعة أوجه: ١- انه مصدر مثل قيام وصيام فلم يجمع لذلك والتقدير ذوي امام. ٢- انه جمع إمامة مثل قلادة وقلاد. ٣- هو جمع آم من أم يؤمّ. ٤- انه واحد اكتفى به عن أئمة كما قال تعالى «نخرجكم طفلا» . (أُوْلئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِما صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيها تَحِيَّةً وَسَلاماً) الجملة حالية من المتقين أو خبر عباد الرحمن على أحد القولين وأولئك مبتدأ وجملة يجزون الغرفة خبره والغرفة مفعول به ثان ليجزون والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، وبما متعلقان بيجزون وما مصدرية والباء للسببية أي بسبب صبرهم على المشاق في الطاعات والابتعاد عن الشهوات ومكابدة المجاهدات ويلقون عطف على يجزون وفيها حال وتحية مفعول به ثان ليلقون لأنه مبني للمجهول والواو نائب فاعل وسلاما عطف على تحية. (خالِدِينَ فِيها حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً) خالدين حال وفيها متعلقان بخالدين وحسنت فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الغرفة ومستقرا تمييز ومقاما عطف على مستقرا وجملة حسنت

стр. 3546

حال ثانية من الغرفة. (قُلْ ما يَعْبَؤُا بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعاؤُكُمْ) ما اسم استفهام في محل نصب مفعول مطلق ويعبأ فعل مضارع وبكم متعلقان بيعبأ وربي فاعل أي انه يكترث بكم ويعبأ بكم ويعلي ذكركم لأجل عبادتكم ولولا عبادتكم لم تكونوا شيئا يؤبه له، ويجوز أن تكون ما نافية ولولا حرف امتناع لوجود ودعاؤكم مبتدأ محذوف الخبر وجوبا وجواب لولا محذوف كما قدرناه سابقا ودعاؤكم مصدر أضيف لفاعله والمفعول محذوف أي إياه. (فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزاماً) الفاء الفصيحة أي إني إذا أعلمتكم أني لا أعتد بكم ولا أقيم لكم وزنا إلا لأجل عبادتكم فقد خالفتم بتكذيبكم حكمي فسوف تتحملون مسؤولية تكذيبكم. ويكون فعل مضارع ناقص واسمها هو أي التكذيب ولزاما خبرها وهو مصدر بمعنى اسم الفاعل أي ملازما لكم. البلاغة: ١- النفي والإثبات: في قوله تعالى «لم يخرّوا عليها صما وعميانا» نفي واثبات، فقد أثبت الخرور لأنهم طالما خروا ساجدين خاشعين في هدوء الليل ووسط الدجى ولكنهم إن خروا ساجدين سلمت لهم أبصارهم وآذانهم فلم يبصروا إلا مرائي الهيبة وتعاجيب الألوهية وأنوار السنا الساطعة، ولم يسمعوا إلا الآيات تتردد في آذانهم وتهجس في مخيلاتهم فإذا الورى آي وعبر، وإذا الحوبة لا عين ولا أثر، تقول ما يلقاني زيد ماشيا إنما هو نفي للمشي لا للقاء وعبارة ابن قتيبة: «المعنى لم يتغافلوا عنها كأنهم صم لم يسمعوها وعمي لم يبصروها» .

стр. 3547

٢- التقريع للكافرين: وفيها أيضا تنديد وتقريع للكافرين لأنهم صم بكم عمي لا ينتفعون بما يقرءون، ولا يعتبرون بما يشاهدون، ولا يتجاوز آذانهم ما يسمعون ٣- التنكير والتقليل: وفي قوله تعالى «قرة أعين» نكتتان الأولى التنكير، وإنما جنح إليه لأجل تنكير القرة، والمضاف لا يمكن تنكيره إلا بتنكير المضاف إليه ليكون السرور غير متناه ولا محدود، وإنما قلل الأعين أي جمع جمع القلة لأن أعين المتقين قلة بالإضافة الى غيرهم، يدل على ذلك قوله «وقليل من عبادي الشكور» وهناك وجه آخر لعله أبلغ مما تقدم وهو أن المحكي كلام كل أحد من المتقين فكأنه قال: يقول كل واحد من المتقين اجعل لنا من ذرياتنا قرة أعين، فإن المتقين وإن كانوا بالإضافة إلى غيرهم قليلا إلا أنهم في أنفسهم على كثرة من العدد، والمعتبر في إطلاق جمع القلة أن يكون المجموع قليلا في نفسه لا بالنسبة والإضافة.

стр. 3548

(٢٦) سورة الشّعراء مكيّة وآياتها سبع وعشرون ومائتان [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١ الى ٩] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ طسم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (٢) لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ (٤) وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلاَّ كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ (٥) فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (٦) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٩) اللغة: (باخِعٌ) : تقدم تفسير هذه الكلمة، والبخع أن يبلغ بالذبح البخاع بالباء وهو عرق مستبطن الفقار وذلك أقصى حد للذابح، وفي المصباح: «وبخع نفسه بخعا من باب نفع قتلها من وجد أو غيظ وبخع لي بالحق بخوعا انقاد وبذله» .

стр. 3549

الإعراب: (طسم، تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ) طسم تقدم إعرابها والحديث عن فواتح السور، وتلك مبتدأ وآيات الكتاب خبر والمبين صفة لكتاب. (لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) لعل للاشفاق أي فالترجي هنا بمعنى الأمر أي ارحم نفسك وارفق بها، والكاف اسمها وباخع خبرها ونفسك مفعول به لباخع وأن وما في حيزها مفعول لأجله أي خيفة أن لا يؤمنوا أو لامتناع إيمانهم، ومؤمنين خبر يكونوا. (إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْناقُهُمْ لَها خاضِعِينَ) كلام مستأنف مسوق لتعليل الأمر بإشفاقه على نفسه من الاسترسال في التحسّر والغم على عدم إيمانهم، وان شرطية ونشأ فعل الشرط وفاعله مستتر تقديره نحن ومفعول المشيئة محذوف لأنه مضمون الجواب أي إيمانهم وننزل جواب الشرط وعليهم متعلقان بننزل ومن السماء حال لأنه كان في الأصل صفة لآية والفاء حرف عطف وظلت فعل ماض ناقص معطوف على ننزل فهو مجزوم محلا ويجوز أن تكون الفاء استئنافية وظلت بمعنى المضارع أي تظل تدوم، وإليه جنح الجلال فيكون قد فسره بالمرفوع، وأعناقهم اسم ظلت ولها متعلقين بخاضعين وخاضعين خبر ظلت، وسيأتي سر المخالفة في العطف وسر مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق في باب البلاغة. (وَما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ إِلَّا كانُوا عَنْهُ مُعْرِضِينَ) الواو عاطفة وما نافية ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به ومن حرف جر زائد وذكر مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه فاعل يأتيهم ومن الرحمن صفة لذكر ومحدث صفة ثانية أي تجدد انزاله وفق مقتضيات الأحوال وإلا أداة حصر وجملة كانوا

стр. 3550

استثناء من أعم الأحوال فهي حالية وكان واسمها وعنه متعلقان بمعرضين ومعرضين خبر كانوا. (فَقَدْ كَذَّبُوا فَسَيَأْتِيهِمْ أَنْبؤُا ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ) الفاء الفصيحة كأنه قيل إذا شئت أن تعرف ماذا كان موقفهم من الذكر حين أعرضوا عنه وصدفوا عن التأمل فيه فقد كذبوا. وقد حرف تحقيق وكذبوا فعل ماض وفاعل فسيأتيهم عطف على ما تقدم للوعيد والتهديد ويأتيهم فعل مضارع ومفعول به وأنباء فاعل وما مضاف إليه وجملة كانوا صلة والواو اسم كان وبه متعلقان بيستهزئون وجملة يستهزئون خبر كانوا. (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) الهمزة للاستفهام الانكاري والواو عاطفة على مقدر وقد تقدم مثل هذا التعبير كثيرا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل والرؤية هنا بصرية ولذلك تعدت بإلى والى الأرض متعلقان بيروا وكم خبرية في محل نصب مفعول أنبتنا وأنبتنا فعل ماض وفاعل ومن كل زوج تمييز كم الخبرية ويجوز أن يكون حالا كما ذكر أبو البقاء وكريم صفة لزوج، وأراد بالزوج الصنف من النبات والنوع وسيأتي مزيد بحث عنه في باب البلاغة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسم إن وما الواو حالية وما نافية وكان أكثرهم مؤمنين كان واسمها وخبرها أي سبق ذلك في علم الله، وقال سيبويه كان زائدة وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب الفوائد. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) الواو استئنافية وان واسمها واللام المزحلقة وهو ضمير فصل أو مبتدأ والعزيز خبر إن أو خبر هو والجملة خبر إن والرحيم خبر ثان.

стр. 3551

البلاغة: انطوت هذه الآيات على الكثير من فنون البلاغة ندرجها فيما يلي: ١- المخالفة في العطف: فقد خالف في العطف، فعطف «فظلت» على «ننزل» ولو قيل أنزلنا لكان صحيحا ولعله كان مما يقتضيه السياق ولكنه خولف لأن في عطف الماضي على المستقبل إشعارا بتحقيقه وأنه كائن لا محالة، لأن الفعل الماضي يدل على وجود الفعل وكونه مقطوعا، وله في القرآن نظائر سترد في مواضعها. ٢- المجاز العقلي: المجاز العقلي في إسناد الخضوع للأعناق، فقد يقال كيف صح مجيء خاضعين خبرا عن الأعناق والخضوع من خصائص العقلاء، وقد كان أصل الكلام «فظلوا لها خاضعين» والسر في ذلك انه لما وصفت بالخضوع الذي هو للعقلاء قيل خاضعين كما تقدم في قوله «لي ساجدين» وهناك أقوال أخرى أوصلها علماء البيان إلى سبعة نلخصها فيما يلي: آ- المراد الرؤساء كما قيل لهم وجوه وصدور. ب- انه على حذف مضاف أي فظل أصحاب الأعناق، ثم حذف وبقي الخبر على ما كان عليه قبل الحذف مراعاة للمحذوف. ج- انه لما أضيف الى العقلاء اكتسب منهم هذا الحكم كما يكتسب التأنيث بالاضافة.

стр. 3552

د- ان الأعناق جمع عنق من الناس وهم الجماعة يقال جاءنا عنق من الناس أي فوج وليس المراد الجارحة المعلومة. هـ- إقحام الأعناق لبيان موضع الخضوع وترك الكلام على أصله. وما ذكره من أنها عوملت معاملة العقلاء لما أسند إليها ما يكون عادة من أفعال العقلاء على طريق المجاز العقلي. ز- انه لما أضاف الأعناق إلى المذكر وكانت الأعناق متصلة بهم في الخلقة والتكوين أجري عليها حكمهم. وعن ابن عباس ﵄: نزلت هذه الآية فينا وفي بني أمية، قال: ستكون لنا عليهم الدولة فتذل لنا أعناقهم بعد صعوبة ويلحقهم هو ان بعد عزة. ٣- التتميم: بقوله «أولم يروا الى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم» فقد كان يكفي أن يقال كم أنبتنا فيها من زوج كريم وما معنى الجمع بين كم وكل والجواب أن كلّا إنما دخلت للإحاطة بأزواج النبات وكم دلت على أن هذا المحاط مفرط بالكثرة، وبذلك تنبيه على تمام القدرة وكمالها، وهذا هو مقتضى التتميم الذي تقدمت الاشارة إليه، وتعريفه: أن تأتي في الكلام كلمة إذا طرحت من الكلام نقص معناه في ذاته أو في صفاته ولفظه تام كما أن المقصود هنا في الآية آحاد الأزواج ويدل عليه أنه لو أسقطت «كل» فقلت: انظروا الى الأرض كم أنبت الله فيها

стр. 3553

من الصنف الفلاني لكنت مكنيا عن آحاد ذلك الصنف المشار اليه، فإذا أدخلت كلّا فقد أديت بتكريره آحاد كل صنف لا آحاد صنف معين. ٤- التتميم أيضا: وتمم كذلك بوصفه الزوج بالكريم وذلك لأمرين: آ- ان النبات- كما هو معلوم- نوعان نافع وضار فدل بكلمة كريم أنه يقصد النوع النافع فذكر كثرة من أنبت في الأرض من جميع أصناف النبات النافع وخلى ذكر الضار. ب- أنه يقصد كلا النوعين النافع والضار ويصفهما جميعا بالكرم تنبيها على أنه ما خلق شيئا إلا لفائدة وربما خفيت عليكم أسرارها وصعب عليكم اكتناهها ولكنه تعالى عالم بما تجهلون. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٠ الى ١٧] وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ (١١) قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قالَ كَلاَّ فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ (١٧)

стр. 3554

الإعراب: (وَإِذْ نادى رَبُّكَ مُوسى: أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) كلام مستأنف مسوق للشروع في سرد سبع قصص هي على التوالي: قصة موسى وقصة ابراهيم وقصة نوح وقصة هود وقصة صالح وقصة لوط وقصة شعيب. والظرف متعلق بمحذوف تقديره اذكر يا محمد لقومك عساهم يتعظون بها ويعتبرون بما آل اليه مصير أولئك الأقوام الذين جنحوا الى المكابرة والتعنت ولجئوا الى اللجاج والسفسطة التي لا طائل تحتها، وجملة نادى في محل جر بإضافة الظرف إليها وربك فاعل نادى وموسى مفعول به وأن ائت يجوز في «أن» أن تكون مفسرة وأن تكون مصدرية وهي مع مدخولها في موضع نصب بنزع الخافض وائت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت والقوم مفعول به والظالمين صفة. (قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ) قوم فرعون بدل من القوم الظالمين أو عطف بيان ولعله أولى لأنهما عبارتان تعتقبان على مدلول واحد، ولما كان القوم الظالمين يوهم الاشتراك أتى عطف البيان بإزالته، والهمزة للاستفهام الانكاري ولا نافية ويتقون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة استئنافية والمقصود منها التعجب أي تعجب من عدم تقواهم، ولا بد من تقدير معنى التعجب لأن الاستفهام الإنكاري معناه النفي ولا نافية ودخول النفي على النفي اثبات فيئول المعنى الى أنهم اتقوا الله وذلك فاسد، ويحتمل أن تكون الجملة حالية من الضمير الذي تحمله اسم الفاعل وهو الظالمون أي يظلمون غير متقين، واختار بعض المعربين أن تكون ألا للعرض وآخرون اختاروا أنها للتنبيه. (قالَ رَبِّ إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ) رب منادى مضاف حذف منه حرف النداء وإني إن واسمها وجملة أخاف خبرها وأن وما في

стр. 3555

حيزها مفعول أخاف وحذفت ياء المتكلم من يكذبوني لمراعاة الفواصل (وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلا يَنْطَلِقُ لِسانِي فَأَرْسِلْ إِلى هارُونَ) الواو عاطفة ويضيق معطوف على خبر إن أي على أخاف فهو مرفوع مثله ويجوز عطفه على يكذبون فهو منصوب مثله وقد قرئ به والفرق بين المعنيين أن الرفع يفيد فيه ثلاث علل أو معاذير وهي: خوف التكذيب، وضيق الصدر، وامتناع انطلاق اللسان، وأما الرفع فيفيد أن خوفه متعلق بهذه الثلاثة، وصدري فاعل ولا ينطلق لساني عطف على ما قبله لحبسة في لسانه، فأرسل الفاء الفصيحة وأرسل فعل أمر معناه الالتماس والى هارون متعلقان بأرسل وليس مراد موسى الامتناع من أداء الرسالة أو التلكؤ فيها بل أراد أن يظهر عجزه عن الاضطلاع بهذا العبء الخطير وطلب المعونة من ربه بأن يعضده بأخيه حتى يتساندا ويتضافرا على تنفيذ الأمر وتبليغ الرسالة. (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) عطف على ما تقدم ولهم خبر مقدم وعلي حال وذنب مبتدأ مؤخر وهو قتله القبطي الذي قيل إنه كان خباز فرعون، والمعنى لهم علي تبعة ذنب وهي قود ذلك القتيل فأخاف أن يقتلوني به فحذف المضاف أو سمى تبعة الذنب ذنبا كما سمى جزاء السيئة سيئة. (قالَ: كَلَّا فَاذْهَبا بِآياتِنا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ) كلا حرف ردع نابت عن الفعل وهو ارتدع يا موسى ولذلك عطف عليها بالفاء من قوله فاذهبا، واذهبا فعل أمر وألف الاثنين فاعل وبآياتنا متعلقان باذهبا وجملة إنا معكم مستمعون تعليلية للأمر وإن واسمها ومستمعون خبرها والظرف متعلق بمحذوف حال أو خبر ثان أو بمستمعون نفسها ومفعول مستمعون محذوف أي ما يدور بينكما وبين فرعون وقومه، وفي هذا الكلام مجاز سيأتي ذكره في باب البلاغة. َأْتِيا فِرْعَوْنَ فَقُولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ) الفاء عاطفة وأتيا فرعون فعل أمر وفاعل ومفعول به فقولا عطف، وإنا

стр. 3556

ان واسمها أي إن كلا منا، ليطابق اسم ان خبرها ورسول خبرها ورب العالمين مضاف إليه وسيأتي في باب الفوائد مزيد من هذا التطابق. (أَنْ أَرْسِلْ مَعَنا بَنِي إِسْرائِيلَ) الأرجح أن تكون أن هنا مصدرية لأنها مسبوقة بجملة فيها معنى القول وحروفه والمصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض، وأصر الزمخشري على أنها تفسيرية بمعنى أي وجعلها غير مسبوقة بقوله فقولا بل بما تضمنه لفظ الرسول من معنى الإرسال، تقول أرسلت إليك أن أفعل كذا لما في الإرسال من معنى القول كما في المناداة والكتابة ونحوهما، والظرف متعلق بأرسل وبني إسرائيل مفعول به. البلاغة: في قوله تعالى «إنا معكم مستمعون» مجاز معناه: إنا معكم نستمع ما يجري بينكم وبينه وأنا الناصر لكما عليه، فالاستماع قرينة للكلام المجازي لأن من سمع محاورة خصمين كان مستطيعا الحكم بينهما ومشايعة أيهما رآه أقرب الى الحق وأدنى من الصواب، فإذا اعترض معترض بأن الله تعالى مستمع حقيقة وسامع ولا يجوز اجراء المجاز عليه تعالى قلنا إن الاستماع يقتضي الإصغاء بالأذن كما الإبصار يتطلب تقليب الحدقتين من العين، وكل ذلك من خواص المحدثين. الفوائد: يجوز أن يكون الرسول بمعنى الرسالة فجازت التسوية فيه إذ وصف به بين الواحد والتثنية والجمع، كما يفعل بالصفة بالمصادر نحو صوم وزور قال أبو ذؤيب:

стр. 3557

ألكني إليها وخير الرسو ... ل أعلمهم بنواحي الخبر فجعله للجماعة لأن الرسول في الأصل مصدر فجاز افراده مع تعدد معناه ولذلك عاد إليه ضمير الجمع في أعلمهم، وشبه الخبر بمكان ذي جهات على طريق الاستعارة المكنية، والنواحي تخييل، أو شبه توابع الخبر التي يسأل عنها تبعا له بالنواحي على طريق الاستعارة التصريحية، يعني أنه أعلم من غيره بذلك، وألكني: أرسلني مصحوبا بالرسالة. ومن مجيء الرسول بمعنى الرسالة قول كثير عزة: حلفت برب الراقصات الى منى ... خلال الملا يمددن كلّ جديل لقد كذب الواشون ما فهت عندهم ... بسر ولا أرسلتهم برسول فلا تعجلي يا عزّ أن تتفهمي ... بنصح أتى الواشون أم بحبول والراقصات: المطايا السائرات إلى منى في الحج، وخلال الملا أي في أثناء الناس فيكون مخففا من الملأ أو في الصحراء لأن الملا الصحراء والمتسع من الأرض، والجديل الرسن في عنقها، والواشي الذي يحسن الكلام ويموهه ويخلط الصدق بالكذب ويحرف الكلم عن مواضعه، وما نافية أي ما تفوهت عندهم بسر، ولا أرسلتهم الى أحد برسول أي برسالة فهو في الأصل مصدر وقد يطلق على المرسل، والأصل يا عزة فرخم بحذف التاء، وأن تتفهمي أي في أن تتفهمي أو لأجل أن تتفهمي، وبنصح

стр. 3558

أي أبنصح أتى الواشون إليك أم بحبول؟ وهي جمع حبل بالكسر وهي الداهية العظيمة ولا أدهى من الكذب. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٨ الى ٢٢] قالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ (١٩) قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠) فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١) وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ (٢٢) الإعراب: (قالَ: أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ) لا بد من تقدير مقدر محذوف أي فانطلقا إلى باب فرعون فلم يؤذن لهما سنة حتى قال البواب إن هاهنا إنسانا يزعم أنه رسول رب العالمين فقال: ائذن له لعلنا نضحك منه، فأديا إليه الرسالة فعرف موسى لأنه نشأ في بيته فقال له: ألم نربك. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم ونربك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وفينا متعلقان بنربك ووليدا حال ولبثت فعل وفاعل وفينا متعلقان بلبثت ومن عمرك حال لأنه كان صفة لسنين وسنين ظرف متعلق بلبثت أيضا. (وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ) الواو عاطفة وفعلت فعل وفاعل وفعلتك مفعول به أو مفعول مطلق والتي نعت وجملة فعلت صلة والواو حالية وأنت مبتدأ ومن الكافرين خبر أي الجاحدين لنعمتي

стр. 3559

والفعلة التي فعلها موسى هي قتل خبازه القبطي. (قالَ فَعَلْتُها إِذاً وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) قال فعل ماض أي موسى وفعلتها فعل وفاعل ومفعول به أو مفعول مطلق أي فعلت الفعلة وإذن حرف جزاء بمثابة الجواب والواو واو الحال وأنا مبتدأ ومن الضالين خبر أي عما آتاني الله بعدها من العلم والرسالة وربأ بمحل النبوة عن تلك الصفة التي أطلقها عليه فروعون وهي قوله له وأنت من الكافرين فقال من الضالين أي المخطئين كمن يقتل خطأ من غير تعمد للقتل. (فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ) الفاء عاطفة وفررت فعل وفاعل ومنكم متعلقان بفررت ولما حينية كما يقول الفارسي ورابطة كما يقول سيبويه، وجملة خفتكم مضاف إليها الظرف، فوهب عطف على ففررت ولي متعلقان بوهب وربي فاعل وحكما مفعول به وجعلني من المرسلين عطف على ما تقدم، دفع قدحه في نبوته بهذا القول أي ان موهبة الحكم والنبوة كانت بعد تلك الحادثة، ثم كرّ على امتنانه عليه بالتربية فدحضه وأبطله من أصله واجتثه من أساسه بقوله: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّها عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرائِيلَ) كلام مستأنف مسوق لنسف الاتهام الذي وجهه إليه فرعون، وتلك مبتدأ ونعمة خبر وجملة تمنها صفة لنعمة وعلي متعلقان بتمنها وأن وما في حيزها عطف بيان لتلك لأن الإشارة إلى خطة شنعاء وخصلة شوهاء لا تكتنه حقيقتها إلا بتفسيرها فجاء عطف البيان مفسرا ما أبهم فاتحا ما أغلق، ويجوز أن يعرب المصدر المؤول بدلا من نعمة أو يكون في محل نصب على أنه مفعول لأجله، ونمنها فعل مضارع وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والهاء منصوب بنزع الخافض لأن منّ فعل لازم يتعدى بالباء أي تمن بها. وأشار الجلال في تفسيره المختصر الى أن بعضهم قدر أول الكلام همزة أي قبل وتلك وأصل الكلام أو تلك؟ أي ليست هذه نعمة حتى

стр. 3560

تمن بها علي، والمقدر هو الأخفش، وهذه الهمزة للاستفهام الانكاري المتضمن معنى النفي كما شرحنا. البلاغة: الإبهام: في قوله «وفعلت فعلتك التي فعلت» إبهام من غير تفسير وهو قسمان: إبهام مفسر وإبهام من غير تفسير فإن قوله «التي فعلت» يذهب فيها الوهم كل مذهب وتحمل الكثير من المعاني وهو كثير شائع في القرآن الكريم. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٣ الى ٣١] قالَ فِرْعَوْنُ وَما رَبُّ الْعالَمِينَ (٢٣) قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) الإعراب: (قالَ فِرْعَوْنُ: وَما رَبُّ الْعالَمِينَ) قال فرعون فعل وفاعل والواو عاطفة لتعطف القول على قول موسى «إنا رسول رب العالمين» وما اسم

стр. 3561

استفهام مبتدأ ورب العالمين خبره وانما أجاب بما لأنه سأل عن صفاته وأفعاله ولو أراد عينه لقال من؟ (قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ) قال موسى هو رب فرب خبر لمبتدأ محذوف وما عطف على الجنسين فلا يرد اعتراض على التثنية وهي راجعة على الجمع وبينهما ظرف متعلق بمحذوف صلة وإن شرطية وكنتم فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط وكان واسمها وخبرها وجواب إن محذوف أي إن كنتم ممن يرجى منهم النظر الصحيح والاعتبار السليم نفعكم هذا الجواب، أو تقدره إن كنتم توقنون بشيء فهذا أولى ما توقنون به لسطوعه وإنارة دليله. (قالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ) قال فرعون، ولمن متعلقان بقال وحوله ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة وهم أشراف قومه والهمزة للاستفهام ولا نافية وتستمعون فعل مضارع وفاعله ومفعوله محذوف أي جوابه الذي لم يطابق السؤال. (قالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبائِكُمُ الْأَوَّلِينَ) قال موسى، وربكم خبر لمبتدأ محذوف أي هو كان داخلا ومنتظما في قوله رب السموات والأرض وما بينهما لإغاظته وتحديه، وسيأتي سر ذكر الخاص بعد العام في باب البلاغة. (قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) قال فرعون، وجملة إن رسولكم مقول القول وان واسمها والذي صفة وجملة أرسل إليكم صلة للموصول واللام المزحلقة ومجنون خبر إن. وهذا شأن المبطلين المتحكمين عند ما يسقط في أيديهم يلجئون إلى نعت صاحب الحق بالجنون أو غيره لأنهم لا يملكون الدليل على معارضته. (قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ) قال موسى زيادة في إغاظته والتدليل على إسفافه: هو رب المشرق والمغرب وما بينهما، وسيأتي سر هذا الطباق في باب البلاغة، وإن كنتم تعقلون شرط وجوابه محذوفه

стр. 3562

أي إن كان لكم مسكة من عقل علمتم أن لا جواب لكم غير المكابرة والسفه والشطط في القول، قال أولا إن كنتم موقنين لأن المقام مقام تدليل واقناع ثم لما يئس واشتد اللجاج غالظهم وقابل لجاجتهم ونسبتهم إياه الى الجنون بمثلها فنفى عنهم العقل الذي يمكنهم من التمييز بين الأمور. (قالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهَاً غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ) قال فرعون، لئن اللام موطئة للقسم وإن شرطية واتخذت فعل ماض وفاعل وهو في محل جزم فعل الشرط وإلها مفعول به وغيري صفة واللام جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم بناء على القاعدة المشهورة وأجعلنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا ومن المسجونين في موضع نصب على أنه المفعول الثاني. (قالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ) قال موسى، والهمزة للاستفهام والواو للحال وكل ما كان على هذا التركيب يكون قد سبقه فعل محذوف أي أتفعل ذلك ولو ... ، ولو شرطية وجئتك فعل ماض وفاعل ومفعول به وبشيء متعلقان بجئتك ومبين صفة لشيء أي ببرهان ساطع على نبوتي. (قالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) قال فرعون، فأت الفاء الفصيحة أي إن كنت صادقا في دعواك فأت، وبه متعلقان بقوله فأت وإن شرطية وكنت فعل الشرط وكان واسمها ومن الصادقين خبر كنت وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله. البلاغة: العموم والخصوص: بعد أن ذكر العموم بقوله «رب السموات والأرض وما بينهما» إذ استوعب به الخلائق كلها عاد الى التخصيص بذكرهم وذكر آبائهم

стр. 3563

والمطابقة بين المشرق والمغرب ليتأملوا في أنفسهم لأن أقرب المنظور فيه من العاقل نفسه ومن ولد منه وما شاهد وعاين من الدلائل على الصانع والناقل من هيئة الى هيئة ومن حال الى حال من وقت ميلاده الى وقت وفاته، وطابق بين المشرق والمغرب لأن طلوع الشمس من أحد الخافقين وغروبها في الآخر على تقدير مستقيم ونظام ثابت لا خلل فيه في فصول السنة وحساب مستقيم أيضا، من أظهر ما يمكن الاستدلال به. وعمم ثانيا بجعله من المسجونين ولم يقل لأسجننك للاشارة الى أن ذلك ديدنه فقد كان يأخذ من يريد سجنه فيطرحه في وهذة عميقة الغور وحيدا لا يرى الضوء فيها ولا يسمع الصوت من داخلها فكان ذلك أنكى من القتل، وهو ديدن المعاند المكابر المحجوج حين تواتيه الأيام ويبتسم له الزمان يعتقد حين يملك قطرا في غفلة من الدهر أن على أهله أن يعبدوه، فاللام في قوله من المسجونين للعهد أي ممن عرفت شأنهم وعهدت حالهم في سجوني، فالتعميم هنا أبلغ كما أن التخصيص فيما سبق أبلغ، ولله أسلوب القرآن إنه يتعالى على الأذهان السطحية البدائية ويدق على البداءة الأولى. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٣٢ الى ٣٧] فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣) قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَماذا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)

стр. 3564

اللغة: (ثُعْبانٌ) : الثعبان الحية يطلق على الذكر والأنثى ويجمع على ثعابين، واشتقاق الثعبان من ثعب الماء فجره فانثعب، وقد ظهرت هذه الثعبانية على العصا حين ألقاها. وللثاء مع العين خاصة التلون والتحيل والارهان، يقال ثعّ يثع من باب ضرب ثعا قاء ما أكله، وانثعّ الأكل من فمه والدم من أنفه أو جرحه أي انصب، ومن أقوالهم: سالت الثّعبان كما انساب الثعبان جمع ثعب وهو المسيل، قال: وما ثعب باتت تطرّده الصبا ... بسرّاء واد منجد غير اتهما ومن المجاز: صاح به فانثعب اليه إذا وثب يجري إليه، وشدّ أثعوب قال: لها إذا حرّ الحرار واللوب ... قوائم «عوج» وشدّ أثعوب وقال أبو دؤاد: وكل قائمة تهوي لوجهتها ... لها أتي كفرغ الدلو أثعوب وكلاهما من باب الاستعارة إلا أن الطريق مختلف، وثعب عليهم الغارة: شنّها، وثعب البعير شقشقته: أخرجها. وثعلت أسنانه تثعل من باب فتح ثعلا تراكبت احداها على الأخرى فهو أثعل وفيه معنى التلوّن والتحيل، وأثعل الأمر عظم وتفاقم، والثّعل بضم الثاء المشددة دويبة تظهر في السقاء إذا خبثت ريحه، وثعالة علم على أنثى الثعلب لا ينصرف، وثعلب وتثعلب: راغ أو تشبه بالثعلب في روغانه، والثعلب حيوان مشهور بالتحيل والرّوغان يتساقط شعره كل سنة،

стр. 3565

ومنه داء الثعلب وهو عملية تساقط الشعر ويقال للأنثى ثعلبة وللذكر ثعلبان وكلمة ثعلب تقع على المذكر والمؤنث ويجمع على ثعالب وثعال، والثعلب أيضا طرف الرمح الداخل في جبة السنان، قال بشار: وجيش كجنح الليل يزحف بالحصى ... وبالشوك والخطي حصر ثعالبه والثعلبة أيضا العصعص والاست. وبالجملة فهذه المادة ظاهرة الثعلبة والثعبانية. (أَرْجِهْ) : وأرجئه كما قرئ أيضا بالهمز وبالتخفيف وهما لغتان يقال: أرجأته وأرجيته إذا أخرته ومنه المرجئة. الإعراب: (فَأَلْقى عَصاهُ فَإِذا هِيَ ثُعْبانٌ مُبِينٌ) الفاء عاطفة وألقى فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وعصاه مفعول به فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وهي ظرف أو حرف وقد تقدم بحثها مفصلا وهي مبتدأ وثعبان خبر ومبين صفة. وقد تقدم بحث المسألة الزنبورية وخلاف سيبويه مع الكسائي في حضرة يحيى البرمكي حولها. (وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذا هِيَ بَيْضاءُ لِلنَّاظِرِينَ) الجملة معطوفة على سابقتها وهي مماثلة لها في اعرابها. (قالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هذا لَساحِرٌ عَلِيمٌ) قال فرعون، وللملأ متعلقان بقال وحوله ظرف متعلق بمحذوف حال وللزمخشري تفنن في اعرابها نورده لروعته: «فإن قلت: ما العامل في حوله؟ قلت: هو منصوب نصبين نصب

стр. 3566

في اللفظ ونصب في المحل فالعامل في النصب اللفظي ما يقدر في الظرف والعامل في النصب المحلي هو النصب على الحال» . وإن حرف مشبه بالفعل وهذا اسمها واللام المزحلقة وساحر خبر وعليم خبر ثان. (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ) الجملة صفة لساحر، وهي بيت كامل من مجزوء الرجز وليس شعرا لانتفاء القصد وقد تقدم بحث ذلك مفصلا. وأن وما في حيزها مفعول يريد ومن أرضكم متعلقان بيخرجكم وبسحره متعلقان بيخرجكم أيضا. (فَماذا تَأْمُرُونَ) الفاء عاطفة وماذا اسم استفهام مفعول به لقوله تأمرون أو مفعول مطلق لكونه في معنى المصدر أو ما اسم استفهام وذا اسم موصول خبر وجملة تأمرون صلة، قال ذلك بعد أن بهره ما شاهد واستولى عليه الدهش والبهر. (قالُوا أَرْجِهْ وَأَخاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) قالوا فعل وفاعل وأرجه فعل أمر والهاء مفعول به وأخاه مفعول معه أو عطف على الهاء وابعث عطف على أرجه وفي المدائن متعلق بابعث وحاشرين صفة لمفعول به محذوف أي شرطا يحشرون السحرة ويجمعونهم. (يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ) يأتوك فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الأمر وبكل سحار متعلقان بيأتوك وعليم صفة لسحار. الفوائد: الشّرط: واحده شرطي وهم الطائفة من خيار أعوان الولاة، وفي أيامنا هم رؤساء الضابطة ورجالها سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها، وفي الصحاح: «الشرط محركة الحرس سموا بذلك لأنهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بها» والشرط أيضا أول كتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت.

стр. 3567

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٣٨ الى ٤٤] فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ (٤٠) فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ (٤١) قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢) قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣) فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ (٤٤) الإعراب: (فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) الفاء عاطفة على مقدر وجمع فعل ماض مبني للمجهول والسحرة نائب فاعل ولميقات جار ومجرور متعلقان بجمع ويوم مضاف اليه ومعلوم صفة واليوم المعلوم هو يوم الزينة وميقاته هو وقت الضحى، وقد مر ذكره في طه فجدد به عهدا. (وَقِيلَ لِلنَّاسِ: هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ؟) وقيل معطوف على ما تقدم وللناس متعلقان به وهل حرف استفهام وأنتم مبتدأ ومجتمعون خبر والجملة مقول القول وفي الاستفهام معنى الأمر كأنهم يستبطئهم ويستحثهم على الاجتماع ومنه قول تأبط شرا: هل أنت باعث دينار لحاجتنا ... أو عبد رب أخا عوف بن مخراق فهل استفهام استبطائي فيه حث على الفعل ودينار اسم رجل ورب كذلك ونصب لأنه معطوف على محل دينار لأنه مفعول معنى وأخا عوف نعت له وقيل منادى وعوف ومخراق اسمان لرجلين ويروى

стр. 3568

عون بالنون. (لَعَلَّنا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كانُوا هُمُ الْغالِبِينَ) الجملة في محل نصب حال لأن الترجي باعتبار حالة الغلبة المقتضية للاتباع وان كان مقصودهم الأصلي أن لا تتبعوا موسى، والمعنى: راجين أن تكون الغلبة لهم فلا تتبع موسى. ولعل واسمها وجملة تتبع خبرها والسحرة مفعول به وإن شرطية وكانوا فعل الشرط وهو كان واسمها وهم ضمير فصل والغالبين خبر كانوا. (فَلَمَّا جاءَ السَّحَرَةُ قالُوا لِفِرْعَوْنَ أَإِنَّ لَنا لَأَجْراً إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغالِبِينَ) الفاء عاطفة ولما حينية ظرفية أو رابطة وجاء السحرة فعل وفاعل وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ولفرعون متعلقان بقالوا والهمزة للاستفهام وإن حرف مشبه بالفعل ولنا خبرها المقدم وأجرا اسمها المؤخر وإن شرطية وكنا كان واسمها وهو فعل الشرط ونحن ضمير فصل والغالبين خبر كنا وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله لأن قوله أئن لنا لأجرا في معنى جواب الشرط لدلالته عليه. (قالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذاً لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) قال فرعون، ونعم حرف جواب أي لكم الأجر وزادهم بقوله وإنكم فهو عطف وان واسمها وإذن حرف جواب وجزاء واللام المزحلقة ومن المقربين خبر إن، وعدهم بالأجر وبالقربى والزلفى لديه. (قالَ لَهُمْ مُوسى أَلْقُوا ما أَنْتُمْ مُلْقُونَ) قال لهم موسى فعل وفاعل ولهم متعلقان بقال وجملة ألقوا مفول القول وما مفعول به وجملة أنتم ملقون صلة وأنتم مبتدأ وملقون خبر. (فَأَلْقَوْا حِبالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغالِبُونَ) الفاء عاطفة وألقوا فعل وفاعل وحبالهم مفعول به وعصيهم عطف على حبالهم وقالوا عطف على فألقوا، وبعزة: الباء حرف قسم وجر وعزة مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف تقديره نقسم ونحلف بعزة فرعون وإنا إن واسمها وكسرت همزتها وجوبا لوقوعها

стр. 3569

بعد القسم كما تقدم واللام المزحلقة ونحن ضمير فصل أو مبتدأ والغالبون خبر إنا أو خبر نحن والجملة خبر إنا. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٤٥ الى ٥١] فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ (٤٦) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ (٤٨) قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩) قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١) الإعراب: (فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ) الفاء عاطفة وألقى موسى عصاه فعل وفاعل ومفعول به فإذا الفاء عاطفة وإذا فجائية وهي مبتدأ وجملة تلقف خبر وما مفعول به وجملة يأفكون صلة ما أي تبتلع ما يقلبونه بتمويههم عن وجهه ويزورونه. (فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ) الفاء عاطفة وألقي فعل ماض مبني للمجهول والسحرة نائب فاعل، والفاعل الذي ناب عنه المفعول به لو صرح به هو الله بما ألهمهم من التوفيق أو إيمانهم أو ما عاينوه من المعجزة الباهرة التي ضؤل أمر السحر عندها، وسيأتي مزيد بحث عن الإلقاء في باب البلاغة، وماجدين حال. (قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ) جملة آمنا من الفعل والفاعل

стр. 3570

مقول القول وبرب العالمين متعلقان بآمنا وجملة القول بدل اشتمال من أنقي أو حالية بتقدير قد. (رَبِّ مُوسى وَهارُونَ) رب بدل من رب العالمين أو عطف بيان وموسى وهارون مضاف اليه. (قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ) جملة آمنتم مقول القول وله متعلقان بآمنتم والظرف كذلك وأن وما في حيزها في محل جر بالاضافة ولكم متعلقان بآذن. (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) تعليل لانصياعهم لموسى وهارون وللتلبيس على قومه لئلا يعتقدوا أن السحرة آمنوا على بصيرة وظهور حق. وان واسمها واللام المزحلقة وكبيركم خبر إن والذي صفة وجملة علمكم صلة والكاف مفعول به أول والسحر مفعول به ثان، فلسوف: الفاء الفصيحة أي إن استمررتم في فعلكم فلسوف تعلمون وبال ما فعلتموه واللام موطئة للقسم وسوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع وفاعل والمفعول محذوف كما قدرناه. (لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ) اللام موطئة للقسم وأقطعن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا والجملة لا محل لها لأنها مفسرة بمثابة بيان لما أبهمه بقوله فلسوف تعلمون وأيديكم مفعول به وأرجلكم عطف على أيديكم ومن خلاف حال أي مضمومة يد كل واحد اليمنى ورجله اليسرى وقد تقدم القول فيها، ولأصلبنكم عطف على لأقطعن وأجمعين تأكيد للكاف. (قالُوا: لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ) لا نافية للجنس وضمير اسمها المبني على الفتح وخبرها محذوف أي لا ضمير علينا ولا بأس وجملة إنا تعليل لعدم الضمير وإن واسمها والى ربنا متعلقان بمنقلبون ومنقلبون خبر إنا. (إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ) إن واسمها وجملة نطمع خبر والفاعل مستتر تقديره نحن وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي

стр. 3571

في غفران خطايانا أو على تضمين نطمع معنى نرجو فتكون إن وما في حيزها في محل نصب على المفعولية وربنا فاعل يغفر وخطايانا مفعول به وأن وما في حيزها نصب بنزع الخافض أي لأن كنا أو الباء فالتقدير بسبب أن كنا، وكان واسمها وأول المؤمنين خبرها أي أول من آمن من رعية فرعون. البلاغة: في قوله «فألقي السحرة ساجدين» استعارة مكنية كأنهم أخذوا فطرحوا على وجوههم وقد زاد هذه الاستعارة جمالا المشاكلة لأنه عبر بألقي عن الخرور فلم يقل فخروا ساجدين لمشاكلة الالقاءات المتقدمة. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٥٢ الى ٦٨] وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦٨)

стр. 3572

اللغة: (لَشِرْذِمَةٌ) : الشرذمة: الجماعة القليلة من الناس وتجمع على شراذم وشراذيم، وثياب شراذم ممزقة، وشرذ الجمع بالتشديد فرّقه. (حاذِرُونَ) : متيقظون وهي مبالغة اسم الفاعل وقد قرئ حاذرون قال أبو عبيدة: هما بمعنى واحد يقال رجل حذر وحاذر بمعنى وقيل بل بينهما فرق فالحذر المتيقظ والحاذر الخائف وقيل الحذر المخلوق مجبولا على الحذر والحاذر من عرض فيه ذلك، وفي المصباح: «حذر حذرا من باب تعب واحتذر واحترز كلها بمعنى واستعد وتأهب فهو حاذر وحذر والاسم منه الحذر مثل حمل، وحذر الشيء إذا خافه فالشيء محذور أي مخوف، وحذرته الشيء فحذره» وفي قراءة حادرون بالدال المهملة، والحادر السمين القوي قال: أحب الصبي السوء من أجل أمه ... وأبغضه من بغضها وهو حادر

стр. 3573

أي أن مدار حب الولد على حب أمه لا على حسن أوصافه، وضمير أبغضه عائد على الصبي بدون وصفه ولكن هذه شيمة المنهمك في حب النساء. (مُشْرِقِينَ) : داخلين في وقت الشروق من شرقت الشمس شروقا إذا طلعت. (فِرْقٍ) : بكسر الفاء أي قطعة. (الطود) : الجبل أو عظيمه كما في القاموس والجمع أطواد وطاد يطود إذا ثبت. (وَأَزْلَفْنا) : قربنا. الإعراب: (وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنْ أَسْرِ بِعِبادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة للشروع في الأمر الموجه الى موسى بأن يسير بقومه الى جهة البحر ليلا وذلك بعد ثلاثين سنة من الحوادث الآنفة الذكر. وأوحينا فعل وفاعل والى موسى جار ومجرور متعلقان بأوحينا وأن مفسرة لأن في الإيحاء معنى القول دون حروفه وأسر فعل أمر من أسرى أي سار ليلا، وفي قراءة بكسر النون ووصل همزة أسر من سرى لغة أسرى، وبعبادي متعلقان بأسر أو حال أي مصحوبا بعبادي وجملة إنكم متبعون تعليل للأمر بالإسراء. (فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدائِنِ حاشِرِينَ) الفاء عاطفة وإن كان في الوقت انقطاع لأنهم كما يروى شغلوا بدفن موتاهم من الوباء الذي اجتاح مصر، وأرسل فرعون

стр. 3574

فعل وفاعل وفي المدائن حال وحاشرين مفعول به. (إِنَّ هؤُلاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ) الجملة مقول قول محذوف منصوب على الحال أي قائلا وإن واسمها واللام المزحلقة وشرذمة خبرها وقليلون صفة لأنهم كانوا أقلية فسئيلة؟؟؟ بالنسبة لقوم فرعون وسيأتي في باب البلاغة سر الجمع بالمذكر السالم لقليل. (وَإِنَّهُمْ لَنا لَغائِظُونَ) الواو عاطفة أو حالية وإن واسمها ولنا متعلقان بغائظون واللام المزحلقة وغائظون خبر إن أي فاعلون ما يغيظنا. (وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حاذِرُونَ) الواو عاطفة أو حالية وان واسمها واللام المزحلقة وجميع خبر أول وحذرون خبر ثان أي ونحن قوم عادتنا التيقظ والحذر واستعمال الحزم في الأمور، أراد فرعون أن يغطي الصدع الذي أصاب هيبته فوصف نفسه ورهطه بأبلغ الأوصاف الدالة على أصالة المنزلة وقوة الشكيمة. (فَأَخْرَجْناهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ) الفاء استئنافية وأخرجناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن جنات وعيون متعلقان بأخرجناهم، وأراد البساتين التي كانت على جانبي النيل والأنهار الصغيرة المتفرعة من النيل والموزعة على الدور، وسيأتي وصف مسهب لمصر في باب الفوائد. (وَكُنُوزٍ وَمَقامٍ كَرِيمٍ) عطف على جنات وعيون، وأراد بالكنوز الأموال التي تحت الأرض وخصها لأن ما فوقها انطمست معالمه أو لأنهم لم ينفقوها فيما يجب إنفاقه من خير. (كَذلِكَ وَأَوْرَثْناها بَنِي إِسْرائِيلَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي أخرجناهم مثل ذلك الإخراج ويجوز أن تعرب الكاف صفة لمقام كريم أي مقام مثل ذلك المقام الذي كان لهم ويجوز أن تعرب الكاف رفعا على أنها خبر لمبتدأ محذوف أي الأمر كذلك، وأورثناها الواو عاطفة أو اعتراضية ولعله أرجح وأورثناها فعل وفاعل ومفعول به أول وبني إسرائيل مفعول به ثان أي بعد إغراق فرعون وقومه. (فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ) الفاء عاطفة وأتبعوهم فعل ماض وفاعل ومفعول به ثان أي

стр. 3575

لحقوهم ومشرقين حال. (فَلَمَّا تَراءَا الْجَمْعانِ قالَ أَصْحابُ مُوسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة وتراءى الجمعان فعل ماض وفاعل أي تقابلا ورأى كل واحد منهما الآخر وجملة قال لا محل لها لأنها جواب لما وأصحاب فاعل قال، وجملة إنا لمدركون مقول القول. (قالَ كَلَّا إِنَّ مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ) قال موسى، وكلا حرف ردع وزجر وأراد موسى أن ينحي عليهم باللائمة لخور أعصابهم وفتور عزائمهم أي لن يدركونا وإن معي تعليل لهذا الردع وان حرف مشبه بالفعل والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وربي اسمها المؤخر وجملة سيهدين استئنافية وغلط من أعربها حالا وسيأتي التفصيل في باب الفوائد. (فَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ) الفاء عاطفة وأوحينا فعل وفاعل والى موسى متعلقان بأوحينا وأن مفسرة واضرب بعصاك البحر فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعصاك متعلقان باضرب فانفلق الفاء الفصيحة وقد تقدمت كثيرا أي فضرب فانفلق. (فَكانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) الفاء عاطفة وكان واسمها والكاف اسم بمعنى مثل خبرها أو هو جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر والعظيم صفة للطود. (وَأَزْلَفْنا ثَمَّ الْآخَرِينَ) الواو عاطفة وأزلفنا فعل وفاعل وثم ظرف بمعنى هناك والآخرين مفعول به وأراد بهم قوم فرعون أي قربناهم من قوم موسى. (وَأَنْجَيْنا مُوسى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ) وأنجينا عطف على ما تقدم وهو فعل وفاعل وموسى مفعول به ومن عطف على موسى ومعه ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة من وأجمعين تأكيد لمن. (ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ) عطف على ما تقدم. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) تعليل لما تقدم أي إنما جعلنا ذلك وقدرناه ليكون آية وموعظة للناس
следующие страницы →