← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.

стр. 3606

أقول له ارحل لا تقيمنّ عندنا ... وإلّا فكن في السرّ والجهر مسلما فلا تقيمنّ عندنا بدل اشتمال من ارحل لما بينهما من المناسبة اللزومية وليس توكيدا له لاختلاف لفظيهما، لا بدل بعض من كل لعدم دخوله في الأول، ولا بدل بدلا مطابقا لعدم الاعتداد به، ولم يشترط النحاة الضمير في بدل البعض والاشتمال في الأفعال والجمل لتعذر عود الضمير عليها، وقد تبدل الجملة من المفرد بدلا مطابقا كقول الفرزدق: إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف يلتقيان أبدل جملة كيف يلتقيان من حاجة وأخرى وهما مفردان وانما صح ذلك لرجوع الجملة الى التقدير بمفرد أي الى الله أشكو هاتين الحاجتين تعذر التقائهما، فتعذر مصدر مضاف الى فاعله وهو بدل من هاتين، ولم يسلم بعض النحاة بذلك لاحتمال أن تكون جملة كيف يلتقيان مستأنفة نبه بها على سبب الشكوى وهو استبعاد اجتماع هاتين الحاجتين. قال بعضهم: وهل يجوز عكسه؟ أعني ابدال المفرد من الجملة أو لا، وصرح أبو حيان في البحر بأن المفرد يبدل من الجملة كقوله تعالى «ولم يجعل له عوجا قيما» فقيما عنده بدل من جملة لم يجعل له عوجا لأنها في معنى المفرد أي جعله مستقيما، وقال ابن هشام في مغني اللبيب: «ان جملة «كيف خلقت» بدل من الإبل بدل اشتمال والمعنى الى الإبل كيفية خلقها ومثله «ألم تر الى ربك كيف مد الظل» وكل جملة فيها كيف من اسم مفرد» .

стр. 3607

فائدة هامة: إذا أبدل اسم من اسم استفهام أو اسم شرط وجب ذكر همزة الاستفهام أو «إن» الشرطية مع البدل ليوافق المبدل منه في المعنى نحو: كم مالك؟ أعشرون أم ثلاثون فكم اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم ومالك مبتدأ مؤخر وعشرون بدل من كم ويسميه النحاة بدل تفصيل وهو ينحصر في المطابق، ومن جاءك أعلي أم خالد؟ فمن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة جاءك خبره وعليّ بدل من «من» الاستفهامية بدل تفصيل، ونحو: من يجتهد إن علي أو خالد فأكرمه: فمن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ والجملة بعده خبره وإن حرف شرط لا عمل له هنا لأنه جيء به لبيان المعنى لا للعمل وعليّ بدل من الضمير المستتر في يجتهد وخالد معطوف على عليّ وجملة فأكرمه في محل جزم جواب الشرط، ونحو: حيثما تنتظرني في المدرسة وإن في الدار أوافك، فحيثما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول فيه متعلق بتنتظرني وفي المدرسة جار ومجرور في موضع النصب على البدلية من محل حيثما. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٤١ الى ١٥٩] كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٤٢) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٤٣) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٤٤) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٤٥) أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ (١٤٩) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) ما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦) فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)

стр. 3608

اللغة: (نَخْلٍ) : النخل والنخيل شجر التمر المعروف له ساق مستقيم طويل ذو عقد واحدته نخلة ونخيلة وفي المصباح ما ملخصه: النخل اسم جمع الواحدة نخلة وكل اسم جمع كذلك يؤنث ويذكر وأما النخيل بالياء فمؤنثة اتفاقا. (طَلْعُها هَضِيمٌ) ما يطلع منها كنصل السيف في جوفها شماريخ القنو، وتشبيهه بنصل السيف من حيث الهيئة والشكل وفي المختار: «ويقال للطلع هضيم ما لم يخرج لدخول بعضه في بعض» من قولهم كشح هضيم، وفي القاموس والتاج: «الطلع: المقدار، تقول: الجيش طلع ألف ومن النخل شيء يخرج كأنه نعلان مطبقان والحمل بينهما منضود والطرف محدد أو ما يبدو من ثمرته في أول ظهورها» والهضيم النضيج الرخص اللين اللطيف.

стр. 3609

(فارِهِينَ) : وقرئ فرهين: بطرين حاذقين في العمل من الفره وهو شدة الفرح، وقال في الكشاف: «والفراهة الكيس والنشاط ومنه خيل فرهة» . (شِرْبٌ) : بكسر الشين أي نصيب. (فَعَقَرُوها) : أي ضربها بعضهم بالسيف في ساقيها وكان اسمه قدار وسنورد القصة التي نسجت حول هذه القصة لتكون حافزا للأقلام على صوغ قصة فنية منها. الإعراب: (كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في القصة الخامسة وهي فعل وفاعل ومفعول وثمود اسم قبيلة صالح سميت باسم أبيها وهو ثمود جد صالح وفي التعبير عن صالح بالجمع ما تقدم. (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صالِحٌ أَلا تَتَّقُونَ) الظرف متعلق بكذبت والجملة تقدم إعرابها. (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) تقدم إعرابها أيضا. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) تقدم إعرابها أيضا. (وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) تقدم إعرابها أيضا. (أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتتركون فعل مضارع مبني للمجهول وفيما متعلقان بتتركون وها حرف تنبيه وهنا اسم إشارة في محل نصب ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة للموصول وآمنين حال من الواو في تتركون أي في الذي استقر في هذا المكان من النعيم ثم فسره بقوله: (فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُها هَضِيمٌ) في جنات بدل من قوله فيما هاهنا بإعادة الجار، وما بعده

стр. 3610

عطف على جنات وطلعها مبتدأ وهضيم خبر والجملة صفة لنخل. (وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً فارِهِينَ) الواو حرف عطف وتنحتون عطف على تتركون فهو في حيز الاستفهام الانكاري التوبيخي ومحل جملة الاستفهام التوبيخية نصب على الحال ومن الجبال جار ومجرور متعلقان بتنحتون وبيوتا مفعول به وفارهين حال وقد مرت جملة مماثلة فيها النحت الذي هو النحر والبري. (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ) تقدم إعرابها. (وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ) الواو للحال ولا ناهية وتطيعوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وأمر المسرفين مفعول وسيأتي معنى إطاعة الأمر في باب البلاغة. (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ) الذين صفة للمسرفين وجملة يفسدون صلة وفي الأرض متعلقان بيفسدون ولا يصلحون عطف على قوله يفسدون وسيأتي سر العطف في باب البلاغة. (قالُوا: إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) إنما كافة ومكفوفة وأنت مبتدأ ومن المسحرين خبر أي الذين سحروا كثيرا حتى غلب السحر على عقولهم والجملة مقول القول. وقيل المسحر هو المعلّل بالطعام والشراب فيكون المسحر الذي له سحر وهو الرئة فكأنهم قالوا: إنما أنت بشر مثلنا تأكل وتشرب. (ما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) ما نافية وأنت مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلنا صفة، فأت الفاء الفصيحة أي إن كنت صادقا كما تزعم فأت، وبآية متعلقان بقوله فأت وإن شرطية وكنت كان واسمها وهو في محل جزم فعل الشرط ومن الصادقين خبر كنت وجواب إن محذوف دل عليه ما قبله أي فأت بآية. (قالَ هذِهِ ناقَةٌ لَها شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ) هذه مبتدأ وناقة خبر والجملة مقول القول ولها خبر مقدم وشرب مبتدأ مؤخر والجملة صفة

стр. 3611

لناقة ولكم خبر مقدم وشرب يوم مبتدأ مؤخر ومعلوم صفة ليوم. (وَلا تَمَسُّوها بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الواو عاطفة ولا ناهية وتمسوها فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والهاء مفعول به وبسوء متعلقان بتمسوها فيأخذكم الفاء هي السببية ويأخذكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء والكاف مفعول به وعذاب فاعل ويوم مضاف اليه وعظيم صفة يوم. (فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ) الفاء عاطفة وعقروها فعل وفاعل ومفعول به، فأصبحوا الفاء عاطفة وأصبحوا نادمين فعل ماض ناقص والواو اسمها ونادمين خبرها، ولك أن تجعل أصبحوا تامة والواو فاعل ونادمين حال وسيأتي في قصة صالح ما يرجح أنها تامة. (فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) الفاء عاطفة وأخذهم فعل ماض ومفعول به مقدم والعذاب فاعل مؤخر وجملة إن في ذلك لآية تعليل للأخذ والواو حالية أو عاطفة وما نافية وكان واسمها وخبرها. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تقدم إعرابها كثيرا. البلاغة: ١- في قوله «ولا تطيعوا أمر المسرفين» مجاز عقلي لأن الأمر لا يطاع وإنما هو صاحبه أي ولا تطيعوا المسرفين في أمرهم. ٢- الارداف: فقد كان يكفي أن يقول «الذين يفسدون في الأرض» ولكنه لما كان قوله يفسدون لا ينفي صلاحهم أحيانا أردفه بقوله «ولا يصلحون» لبيان كمال افسادهم وإسرافهم فيه.

стр. 3612

الفوائد: قصة صالح: في القرطبي: «أوحى الله إلى صالح أن قومك سيعقرون ناقتك فقال لهم ذلك، فقالوا: ما كنا لنفعل، فقال لهم صالح: انه سيولد في شهركم هذا غلام يعقرها ويكون هلاككم على يديه، فقالوا: لا يولد في هذا الشهر ذكر إلا قتلناه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر فذبحوا أبناءهم ثم للعاشر فأبى أن يذبح أبنه وكان لم يولد له قبل ذلك، فكان ابن العاشر أزرق أحمر فنبت نباتا سريعا فكان إذا مر بالتسعة فرأوه قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء لكانوا مثل هذا، وغضب التسعة على صالح لأنه كان سببا لقتلهم أبناءهم فتعصبوا وتقاسموا بالله لنبيتنه وأهله فقالوا: نخرج الى سفر فيرى الناس سفرنا فنكون في غار حتى إذا كان الليل وخرج صالح الى مسجده أتيناه فقتلناه ثم قلنا ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون فيصدقونا ويعلمون أنا قد خرجنا الى سفر، وكان صالح لاينام معهم في القرية بل كان ينام في المسجد فإذا أصبح أتاهم فوعظهم فلما دخلوا الغار أرادوا أن يخرجوا فسقط عليهم الغار فقتلهم فرأى ذلك الناس ممن كان قد اطلع على ذلك فصاحوا في القرية: يا عباد الله أما رضي صالح أن أمر بقتلهم أولادهم حتى قتلهم فاجتمع أهل القرية على عقر الناقة. رواية عقر الناقة: وروي أن مسطعا ألجأ الناقة الى مضيق في شعب فرماها بسهم فأصاب رجلها فسقطت ثم ضربها قدار وقيل انه قال لا أعقرها حتى

стр. 3613

ترضوا أجمعين فكانوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: أترضين؟ فتقول: نعم وكذلك صبيانهم. هذا وقد ضرب بقدار المثل في الشؤم فقال زهير مشيرا إليه وقد غلط فجعله أحمر عاد مع أنه أحمر ثمود وذلك في أبيات له يصف الحرب ويحذر قومه من مغابها ونوردها هنا جملة لأهميتها: وما الحرب إلا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجم متى تبعثوها تبعثوها ذميمة ... وتضر إذا ضرّيتموها فتضرم فتعرككم عرك الرحى بثفالها ... وتلقح كشافا ثم تنتج فتئثم فتنتج لكم غلمان أشأم كلهم ... كأحمر عاد ثم ترضع فتفطم أي أنها تلد لكم أبناء كل واحد منهم يضاهي في الشؤم عاقر الناقة وهو قدار بن سالف. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٦٠ الى ١٧٥] كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) قالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلاَّ عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٤) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٧٥)

стр. 3614

اللغة: (الذُّكْرانَ) : أحد جموع الذكر والذكر خلاف الأنثى وفي المختار: الذكر ضد الأنثى وجمعه ذكور وذكران وذكارة كحجارة» وأورد له في القاموس جموعا عديدة فقال «وجمعه ذكور وذكورة وذكران وذكار وذكارة وذكرة» . (الْقالِينَ) : المبغضين والقلى البغض الشديد كأنه بغض يقلي الفؤاد والكبد وفي المصباح: «وقليت الرجل أقليه من باب رمى قلى بالكسر والقصر وقد يمد إذا أبغضته ومن باب تعب لغة» وعبارة القاموس: «قلاه كرماه ورضيه قلى وقلاء ومقلية أبغضه وكرهه غاية الكراهة فتركه أو قلاه في الهجر وقليه في البغض» .

стр. 3615

(الْغابِرِينَ) : قال في الكشاف «ومعنى الغابرين في العذاب والهلاك: غير الناجين» وفي المصباح: «غبر غبورا من باب قعد بقي وقد يستعمل فيما مضى أيضا فيكون من الأضداد، وقال الزبيدي: غبر غبورا مكث وفي لغة بالمهملة للماضي وبالمعجمة للباقي وغبّر الشيء وزان سكر بقيته» وفي القاموس: «غبر غبورا مكث وذهب ضد، وهو غابر من غبّر كركّع وغبر الشيء بالضم بقيته» . الإعراب: (كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في القصة السادسة. (إِذْ قالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلا تَتَّقُونَ) لم يكن لوط أخاهم في النسب وانما جعله أخاهم جريا على أساليبهم كما تقدم أو باعتبار انه كان ساكنا ومجاورا لهم في قريتهم. (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) صدّر كل قصة بهذه الآيات وقد تقدم إعرابها فجدد به عهدا. (أَتَأْتُونَ الذُّكْرانَ مِنَ الْعالَمِينَ) الهمزة للاستفهام الانكاري التوبيخي وتأتون الذكران فعل مضارع وفاعل ومفعول به ومحل جملة الاستفهام التوبيخية النصب على الحال ومن العالمين حال. (وَتَذَرُونَ ما خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْواجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ) وتذرون عطف على تأتون داخل في حيز الاستفهام التوبيخي وهو فعل مضارع وفاعل وما مفعول به وجملة خلق لكم ربكم صلة ومن أزواجكم حال على أن «من» للتبيين ويجوز أن تكون للتبعيض وسيأتي تفصيل هذا كله في باب البلاغة، وبل حرف إضراب انتقالي وأنتم مبتدأ وقوم خبر وعادون صفة أي متجاوزون الحلال الى الحرام لأن معنى العادي

стр. 3616

المتعدي في ظلمه المتجاوز فيه الحد. (قالُوا: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) قالوا فعل ماض وفاعل ولئن اللام موطئة للقسم وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتنته فعل مضارع مجزوم بلم ولتكونن اللام واقعة في جواب القسم وتكونن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والواو اسم تكونن ومن المخرجين خبر أي من جملة من أخرجناهم وسيأتي تفصيل مسهب عن هذا التعبير في باب البلاغة. (قالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقالِينَ) إن واسمها ولعملكم متعلقان بالقالين ومن القالين خبر إن والجملة مقول القول وتشدد بعضهم فقال في حواشي البيضاوي ما يلي: «من القالين» متعلقان بمحذوف أي لقال من القالين وذلك المحذوف خبر إن ومن القالين صفة ولعملكم متعلقان بالخبر المحذوف ولو جعل من القالين خبر إن لعمل القالين في لعملكم فيفضي الى تقديم معمول الصلة على الموصول وهو أل مع أنه لا يجوز. قلت: وهذا على دقته وملاءمته للقواعد فيه تكلف شديد يخرجه الى الإحالة ولا داعي لهذا التشدد مع أن استعمال أل موصولا يكاد يكون نادرا. (رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ) رب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وقد حذف منه حرف النداء ونجني فعل أمر للدعاء والياء مفعول به وأهلي مفعول معه أو معطوف على الياء ومما متعلقان بنجني وجملة يعملون صلة ما. (فَنَجَّيْناهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ) الفاء عاطفة على محذوف مقدر لتتساوق القصة ونجيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وأهله مفعول معه أو معطوف على الهاء وأجمعين تأكيد. (إِلَّا عَجُوزاً فِي الْغابِرِينَ) إلا أداة استثناء وعجوزا مستثنى بإلا وهي امرأته وفي الغابرين صفة لعجوزا كأنه قيل إلا عجوزا غابرة. (ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ) عطف على ما تقدم. (وَأَمْطَرْنا عَلَيْهِمْ مَطَراً فَساءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ)

стр. 3617

وأمطرنا عطف على دمرنا وعليهم متعلقان بأمطرنا ومطرا مفعول به، فساء الفاء حرف عطف وساء فعل للذم ومطر المنذرين فاعل ساء والمخصوص بالذم محذوف وهو مطرهم والمراد بالمطر الحجارة التي انثالت عليهم. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ) إن وخبرها المقدم واسمها المؤخر والواو حالية وما نافية وكان واسمها وخبرها. (وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تقدم إعرابها كثيرا. البلاغة: ١- قوله تعالى «وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم» في هذه الآية الإبهام بقوله «ما خلق لكم» وقد أراد به إقبالهنّ، وفي ذلك مراعاة للحشمة والتصون و «من» تحتمل البيان وتحتمل التبعيض. ٢- العدول الى الصفة: في قوله «لتكونن من المخرجين» وقوله «من القالين» عدول عن الجملة الفعلية الى الصفة، وكثيرا ما ورد في القرآن خصوصا في هذه الصورة العدول عن التعبير بالفعل الى التعبير بالصفة المشتقة ثم جعل الموصوف بها واحدا من جمع كقول فرعون «لأجعلنك من المسجونين» وأمثاله كثيرة، والسر في ذلك أن التعبير بالفعل إنما يفهم وقوعه خاصة، وأما التعبير بالصفة ثم جعل الموصوف بها واحدا من جمع فانه يفهم أمرا زائدا على وقوعه وهو أن الصفة المذكورة كالسمة للموصوف ثابتة العلوق به كأنها لقب وكأنه من طائفة صارت من هذا النوع المخصوص المشهور ببعض السمات الرديئة، استمع الى قوله

стр. 3618

تعالى «رضوا بأن يكونوا مع الخوالف» كيف ألحقهم لقبا رديئا وصيّرهم من نوع رذل مشهور بسمة التخلف حتى صارت له لقبا لاصقا به، وهذا عام في كل ما يرد عليك وورد فيما مضى من أمثال ذلك فتدبره واقدره قدره. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٧٦ الى ١٩١] كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَما أَنْتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٩١)

стр. 3619

اللغة: (الْأَيْكَةِ) : في اللغة الشجرة الكثيفة وجمعها أيك، قال في القاموس «أيك يأيك من باب تعب أيكا واستأيك الشجر: التف وصار أيكة والأيك الشجر الكثيف الملتف الواحدة أيكة» فتطان الأيكة على الواحدة من الأيك وعلى غيضة شجر ملتفة قرب مدين، قالوا: وكان شجرهم الدوم وهي قرية شعيب سميت باسم بانيها مدين بن ابراهيم بينها وبين مصر مسيرة ثمانية أيام، وقد اختلف المفسرون واللغويون فيها وسننقل لك بعض ما قالوه. قال الزمخشري: «قرئ أصحاب الأيكة بالهمزة وبتخفيفها وبالجر على الاضافة وهو الوجه، ومن قرأ بالنصب وزعم أن ليكة بوزن ليلة اسم بلد فتوهم قاد إليه خط المصحف حيث وجدت مكتوبة في هذه السورة وفي سورة (ص) بغير ألف، وفي المصحف أشياء كتبت على خلاف قياس الخط المصطلح عليه وإنما كتبت في هاتين السورتين على حكم لفظ اللافظ كما يكتب أصحاب النحو لان ولولا على هذه الصورة لبيان لفظ المخفّف وقد كتبت في سائر القران على الأصل والقصة واحدة على أن ليكة اسم لا يعرف وروي أن أصحاب الأيكة كانوا أصحاب شجر ملتف وكان شجرهم الدوم» . وقال الجلال السيوطي: «وفي قراءة بحذف الهمزة وإلقاء حركتها على اللام وفتح الهاء وهي غيضة شجر قرب مدين» وهذا الصنيع يقتضي أن اللام الموجودة

стр. 3620

لام التعريف وحينئذ لا يصح قوله وفتح الهاء إذ الاسم المقرون بأل سواء كانت معرفة أو غيرها يجر بالكسرة سواء وقع فيه نقل أم لا، ووجه بعضهم فتح الهاء بأن الاسم بوزن ليلة فاللام من بنية الكلمة ولا نقل بل حركة اللام أصلية فجره بالفتحة حينئذ ظاهر. وقال الشهاب الخفاجي: «وقد استشكل هذه القراءة أبو علي الفارسي وغيره بأنه لا وجه للفتح لأن نقل حركة الهمزة لا يقتضي تغيير الاعراب من الكسر الى الفتح وأجيب بأن ليكة على هذه القراءة اسم البلدة وهي غير مصروفة للعلمية والتأنيث واللام فيها جزء من الكلمة لا المعرفة لأنها توجب الصرف فقول القائل انها على النقل غير صحيح وبهذا اندفع ما قاله النحاة فانهم نسبوا هذه القراءة الى التحريف» . وقد أطال السمين الحلبي في توجيه هذه القراءة جدا ونصه: قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ليكة بلام واحدة وفتح التاء جعلوه اسما غير معرف بأل مضافا إليه أصحاب هنا وفي «ص» خاصة، والباقون الأيكة معرفا بأل موافقة لما أجمع عليه في «الحجر» وفي «ق» وقد اضطربت أقوال الناس في القراءة الأولى وتجرأ بعضهم على قارئها وسأذكر لك من ذلك طرفا: فوجهها على ما قال أبو عبيدة أن ليكة اسم للقرية التي كانوا فيها والأيكة اسم للبلاد كلها فصار الفرق بينهما شبيها بما بين مكة وبكة» . وقال صاحب القاموس: «ومن قرأ الأيكة فهي الغيضة ومن قرأ ليكة فهي اسم القرية وموضعه اللام ووقع في البخاري اللائكة جمع أيكة وكأنه وهم» .

стр. 3621

وقال شارحه في التاج: «قوله وكأنه وهم لأنه ليس له وجه ولم يتكلم به أحد من الأئمة ولكنه ﵁ ثقة فيما ينقل فينبغي أن يحسن الظن به وقد أجاب عنه شراحة وصححوه» . وقال أبو البقاء: «أصحاب الأيكة يقرأ بكسر التاء مع تحقيق الهمزة وتخفيفها بالإلقاء وهو مثل الأنثى والأنثى قرئ ليكة بياء بعد اللام وفتح التاء وهذا لا يستقيم إذ ليس في الكلام ليكة حتى يجعل علما فإن أدعي قلب الهمزة لا ما فهو في غاية البعد» . الأيك والحمام في الشعر: هذا وقد استهوى الأيك وحمامه الشعراء فكثرت أشعارهم فيه، أنشد أبو حاتم لرجل من بني نهشل: ألام على فيض الدموع وإنني ... بفيض الدموع الجاريات جدير أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... وأصبر عنها إنني لصبور وأنشد الرياشي عن الأصمعي، قال: أنشدني منتجع بن نبهان لرجل من بني الصيّداء:

стр. 3622

دعت فوق أفنان من الأيك موهنا ... مطوقة ورقاء في إثر آلف فهاجت عقابيل الهوى إذ ترنمت ... وشبت ضرام الشوق تحت الشراسف بكت بجفون دمعها غير ذارف ... وأغرت جفوني بالدموع الذّوارف والطريف في هذا الباب قول عوف بن محلّم: ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وغصنك ميّاد ففيم تنوح أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح ولوعا فشطّت غربه دار زينب ... فها أنا أبكي والفؤاد جريح (القسطاس) : بكسر القاف وضمها وقد قرئ بهما: الميزان السوي فإن كان من القسط وهو العدل وجعلت العين مكررة فوزنه فعلاس وإلا فهو رباعي وقيل هو بالرومية العدل. (وَلا تَعْثَوْا) : ولا تفسدوا يقال عثا في الأرض وعثي وذلك نحو قطع الطريق والغارة وإهلاك الزروع وفي المختار: «عثا في الأرض

стр. 3623

أفسد وبابه سما وعثي بالكسر عثوا أيضا وعثى بفتحتين بوزن فتى قال الله تعالى: «ولا تعثوا في الأرض مفسدين» قلت قال الأزهري: القراء كلهم متفقون على فتح الثاء دل على أن القرآن نزل باللغة الثانية» . (وَالْجِبِلَّةَ) : بكسر الجيم والباء وتشديد اللام المفتوحة: الخلق المتحد الغليظ وفي القاموس «الجبلة والجبلة والجبلة والجبلّة وهي التي قرئ بها: الوجه وما استقبلك منه والخلقة والطبيعة والأصل والقوة وصلابة الأرض» والجبل بفتح الجيم مع سكون الباء مصدر جبله الله على كذا أي طبعه وخلقه واسم الطبيعة جبلة، ولهذه الكلمة بهذا المعنى ألفاظ كثيرة وهي الجبلة والخيم والطبع والنحيزة والطبيعة والنبيتة والضريبة والسجية والشنشنة والخليقة والسليقة والسليقة والشيمة والغريزة والنجار وقد نظم بعضهم معاني الجبل فقال: قد جبل الله الطباع جبلا ... وسمي المال الكثير جبلا وعدد الناس الكثير جبلا ... بالضم إن أردت أو بالكسر وجه وقوة وغيث جبلة ... وامرأة غليظة والجبلة جماعة أو كثرة كالجبله ... لقدح من خشب ذي كبر (كِسَفاً) : بكسر الكاف وفتح السين وقرئ كسفا بسكون السين وكلاهما جمع كسفة نحو قطع وسدر وقال أبو عبيدة: «الكسف جمع كسفة مثل سدر وسدرة وقرأ السلمي وحفص كسفا جمع كسفة أيضا وهي القطعة والجانب مثل كسرة وكسر» وفي الصحاح: «الكسفة من الشيء يقال أعطني كسفة من ثوبك أي قطعة ويقال الكسف والكسفة واحد» وقال الأخفش «من قرأ كسفا من السماء جعله واحد ومن قرأ كسفا جعله جمعا» .

стр. 3624

(الظُّلَّةِ) : المظلة الضيقة وما يستظل به من الحر أو البرد وما أظلك كالشجر والجمع ظلل وظلال ويوم الظلة اشتهر بعذابهم فقد رنقت فوقهم سحابة أظلتهم بعد جر شديد أصابهم فأمطرت عليهم نارا فاحترقوا. الإعراب: (كَذَّبَ أَصْحابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ) كلام مستأنف مسوق لذكر القصة السابعة والأخيرة في هذه السورة. (إِذْ قالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلا تَتَّقُونَ) تقدمت هذه الآية وما بعدها في جميع القصص السبع وسيأتي سر ذلك في باب البلاغة. ولم يقل أخوهم كما قال في الأنبياء قبله لأنه لم يكن من أصحاب الأيكة في النسب، فلما ذكر مدين قال أخاهم شعيبا لأنه كان منهم. (إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ، وَما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلى رَبِّ الْعالَمِينَ) آيات تقدمت في القصص السبع. (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ) أوفوا فعل أمر وفاعل والكيل مفعول به والواو حرف عطف ولا ناهية وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا والواو اسمها ومن المخسرين خبر تكونوا، قال الزمخشري: «الكيل على ثلاثة أضرب: واف وطفيف وزائد، فأمر بالواجب الذي هو الإيفاء ونهى عن المحرم الذي هو التطفيف ولم يذكر الزائد وكأن تركه عن الأمر والنهي دليل على أنه إن فعله فقد أحسن وإن لم يفعله فلا عليه» . (وَزِنُوا بِالْقِسْطاسِ الْمُسْتَقِيمِ) اعرابها واضح. (وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتبخسوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل والناس مفعول به أول وأشياعهم مفعول به ثان.

стр. 3625

وفي أقوالهم «لا تبخس أخاك حقه» . ولا تعثوا عطف على ولا تبخسوا وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بتعثوا ومفسدين حال مؤكدة لمعنى عاملها وأما لفظهما فمختلف. (وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ) الواو عاطفة واتقوا فعل أمر وفاعل والذي مفعول به وجملة خلقكم صلة والجبلة عطف على الذي والأولين صفة للجبلة. (قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) إنما كافة ومكفوفة وأنت مبتدأ ومن المسحرين خبر والجملة مقول القول. (وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ) الواو عاطفة وما نافية وأنت مبتدأ وإلا أداة حصر وبشر خبر ومثلنا نعت لبشر والواو حرف عطف وإن مخففة من الثقيلة واسمها محذوف ونظنك فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به واللام الفارقة ومن الكاذبين خبر قال الزمخشري: «فإن قلت إن المخففة من الثقيلة ولامها كيف تفرقتا على فعل الظن وثاني مفعوليه؟ قلت: أصلهما أن تتفرقا على المبتدأ والخبر كقولك إن زيد لمنطلق فلما كان البابان أعني باب كان وباب ظننت من جنس باب المبتدأ والخبر فعل ذلك في البابين فقيل إن كان زيد لمنطلقا وإن ظننته لمنطلقا» . (فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء الفصيحة وأسقط فعل أمر وعلينا متعلقان بأسقط وكسفا مفعول به ومن السماء صفة لكسفا وإن شرطية وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومن الصادقين خبر كنت وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله أي فأسقط علينا. (قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ) ربي مبتدأ وأعلم خبر والجملة مقول القول وبما متعلقان بأعلم وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل وفاعل ومفعول به فأخذهم فعل ومفعول به وعذاب يوم الظلة فاعل وان واسمها

стр. 3626

وجملة كان خبرها، واسم كان ضمير مستتر تقديره هو وعذاب خبر كان ويوم مضاف اليه وعظيم صفة. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ) تقدم اعرابها. البلاغة: فن التكرير: في هذه القصص السبع كرر في أول كل قصة وفي آخرها ما كرر مما أشرنا اليه لأن في التكرير تقريرا للمعاني في الأنفس وترسيخا لها في الصدور مع تعليق كل واحدة بعلة، وفن التكرير فن دقيق المأخذ وربما اشتبه على أكثر الناس بالاطناب مرة وبالتطويل مرة أخرى، وهو ينقسم الى قسمين: القسم الاول من التكرير: يوجد في اللفظ والمعنى كقولك لمن تستدعيه: أسرع أسرع ومنه قول أبي الطيب المتنبي: ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام القسم الثاني من التكرير: يوجد في المعنى دون اللفظ كقولك: أطعني ولا تعص أوامري، فإن الأمر بالطاعة نهي عن المعصية. وعلى كل حال ليس في القرآن مكرر لا فائدة في تكريره.

стр. 3627

وزعم قوم أن أبا الطيب المتنبي أتى بتكرير لا حاجة به إليه في قوله: العارض الهتن بن العارض الهتن بن العا ... رض الهتن بن العارض الهتن وليس في هذا البيت من تكرير فإنه كقولك الموصوف بكذا وكذا ابن الموصوف بكذا وكذا أي انه عريق النسب في هذا الوصف، وقد ورد في الحديث النبوي مثله كقوله ﷺ في وصف يوسف النبي: «الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن ابراهيم» فالبيت كالحديث النبوي من جهة المعنى لكنه انحط عن الحديث من جهة ألفاظه، وهي ألفاظ إذا استعملت مفردة كانت حسنة ولكن إيرادها على هذا الوجه المتداخل هو الذي شوه جمالها وأحالها الى ضرب من المغالطة اللفظية غضت منها وهذا أمر مرده الى الذوق وحده فهو الفيصل الذي يحكم في هذه الأمور وما أحسن ما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير «ذوقك أستاذك» . التكرير غير المفيد: أما إذا كان التكرير غير مفيد فهو العي الفاحش، ومن العجيب أن يتورط شاعر كأبي الطيب المتنبي فيورد البيت الذي أوردناه في مستهل هذا البحث وهو: ولم أر مثل جيراني ومثلي ... لمثلي عند مثلهم مقام ألا ترى أنه يقول لم أر مثل جيراني في سوء الجوار ولا مثلي في

стр. 3628

مسايرتهم ومقامي عندهم إلا أنه قد كرر هذا المعنى في البيت مرتين، ومثله قوله: وقلقلت بالهم الذي قلقل الحشا ... قلاقل دهر كلهن قلاقل وكذلك قوله: عظمت فلما لم تكلم مهابة ... تواضعت وهو العظم عظما على عظم قال أحد النقاد القدامى فيه: «ولو سمي هذا البيت جبانة لكان لائقا به» والظاهر أن هذا الناقد يكره التكرير وقد صور له كرهه إياه قصيدة ابن الرومي في المرأة التي أولها: أجنت لك الوجد أغصان وكثبان ... فيهنّ نوعان تفّاح ورمان غير جميلة أو من هذا الضرب فقال: «هذه دار البطيخ فاقرءوا نسيبها تعلموا ذلك» . ولسنا ننكر أن ابن الرومي قد بالغ في غزلها وأكثر من ذكر العناب والبان والنرجس ولكنه واقع موقعه ولا سبيل الى النيل منه. ونعود الى أبي الطيب فقد أكثر من التكرير حتى أسف في كثير من أبياته مع أنه شاعر العربية الأول فقال:

стр. 3629

أسد فرائسها الأسود يقودها ... أسد تصير له الأسود ثعالبا قال ابن رشيق: «ما أدري كيف تخلص من هذه الغابة المملوءة أسودا» وقال الاصمعي لمن أنشده قوله: فما للنوى جذ النوى قطع النوى ... كذاك النوى قطّاعة لوصال «لو سلط الله على هذا النوى شاة لأكلته كله» . وأما قول أبي نواس: أقمنا بها يوما ويوما وثالثا ... ويوما له يوم الترحل خامس فقال ابن الأثير في المثل السائر: «مراده أنهم أقاموا أربعة أيام ويا عجبا له يأتي بمثل هذا البيت السخيف الدال على العي الفاحش في ضمن تلك الأبيات العجيبة الحسن وهي: ودار ندامى عطلوها وأدلجوا ... بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جر الزقاق على الثرى ... وأضغاث ريحان جنيّ ويابس حبست بها صحبي فجددت عهدهم ... وإني على أمثال تلك لحابس

стр. 3630

تدار علينا الراح في عسجدية ... حبتها بأنواع التصاوير فارس قرارتها كسرى وفي جنباتها ... مها تدريها بالقسيّ الف وارس فللرّاح ما زرّت عليه جيوبها ... وللماء ما دارت عليه القلانس وقد أخطأ ابن الأثير وفهم البيت خطأ ولم يمعن النظر فيه فنقده ولو أنه أمعن النظر لما قال فيه هذا القول، والمعنى الصحيح: ان المقام سبة أيام لأنه قال وثالثا ويوما آخر له اليوم الذي رحلنا فيه خامس. وأبو نواس أجل قدرا من أن يسف ويأتي بهذه العبارة لغير معنى طائل وله في الخمر أبيات منقطعة النظير وقد تدق على الافهام، حكي عنه أنه ذكر عند الرشيد قوله: فاسقني البكر التي اعتجرت ... بخمار الشيب في الرحم فقال الرشيد لمن حضر: ما معناه؟ فقال أحدهم: إن الخمر إذا كانت في دنّها كان عليها شيء مثل الزبد فهو الشيب الذي أراده، وكان الاصمعي حاضرا فقال: يا أمير المؤمنين إن أبا علي أجل خطرا وان معانيه لخفية فاسألوه عن ذلك فأحضر وسئل فقال: إن الكرم أول ما يخرج العنقود في الزرجون يكون عليه شيء يشبه القطن فقال الأصمعي: ألم أقل لكم إن أبا نواس أدق نظرا مما قلتم.

стр. 3631

عود الى الآيات: ونعود فنقول إنما كرر القرآن هذه الآيات في أول كل قصة وآخرها لأن هذه القصص قرعت بها آذان أصابها وقر وقلوب غلف، فلم يكن بد من مراجعتها بالترديد والتكرير لعل ذلك يفتح مغالقها ويجلو ما تحيفها من صدأ. وسيأتي من التكرير في القرآن ما يسكر النفوس ويخلب الألباب. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ١٩٢ الى ٢٠٣] وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦) أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ (١٩٧) وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩) كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ (٢٠١) فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٢٠٢) فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣) اللغة: (الْأَعْجَمِينَ) : قال الزمخشري: الأعجم الذي لا يفصح وفي نسانه عجمة واستعجام والاعجمي مثله إلا أن فيه لزيادة ياء النسبة زيادة تأكيد، وقرأ الحسن: الأعجميين، ولما كان من يتكلم بلسان غير

стр. 3632

لسانهم لا يفقهون كلامه قالوا له أعجم وأعجمي شبهوه بمن لا يفصح ولا يبين، وقالوا لكل ذي صوت من البهائم والطيور وغيرها أعجم قال حميد: ولا عربيا شاقه صوت أعجما قلت: وهذا عجز بيت وصدره: «ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها» والبيت من أبيات لحميد بن ثور وقد رحلت صاحبته ومنها: وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وتندما عجبت لها أنّى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بسنطقها فما ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما وساق حر مركب إضافي وهو ذكر الحمام مطلقا يقول: وما حرك هذا الشوق وبعثه فتوقد في قلبي إلا حمامة دعت ذكرها، والترحة: الحزن ضد الفرحة، والتندم: التأسف على ما فات، ويروى وترنما وهو تحسين الصوت وهما نصب على الحالية أي حزينة ومتأسفة أو ذات ترحة وذات تندم، وأنى اسم استفهام بمعنى كيف والاستفهام معناه هنا التعجب وفغر فاه يفغره من باب نفع فتحه أي والحال أنها لم تفتح فمها بنطقها وانما يخرج صوتها من صدرها، وشاقه تسبب له في الشوق، والعربي المفصح والأعجم الذي لا يفصح من الحيوان نقلته العرب لمن لا يفهمون كلامه ولا يفقهون مراده وربما ألحقوه ياء النسب للمبالغة في شدة العجمة، وبينه وبين عربي طباق التضاد.

стр. 3633

واستشكل كيف يجمع الأعجم جمع المذكر السالم وهو وصف على وزن أفعل في المذكر وعلى وزن فعلاء في المؤنث وشرط الجمع بالياء والنون أو بالواو والنون أن لا يكون الوصف كذلك، وأجيب بأنه جمع أعجمي بياء النسب وحذفت للتخفيف كأشعرين في أشعري، والكوفيون يجيزون جمع أفعل فعلاء جمع المذكر السالم وقال صاحب التحرير: «قوله على بعض الأعجمين جمع أعجمي ولولا هذا التقدير لم يجز أن يجمع جمع سلامة» . وعبارة القاموس: «العجم بالضم وبالتحريك خلاف العرب رجل وقوم أعجم والأعجم من لا يفصح كالأعجمي والأخرس وزياد الشاعر والموج لا يتنفس فلا ينضح ماء ولا يسمع له صوت والعجمي من جنسه العجم وان أفصح وجمعه عجم» . الإعراب: (وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير حقيقة تلك القصص وتأكيد نبوة محمد ﷺ فإن إخباره عن الأمم المتقدمة وهو الأمي الذي لا يقرأ ولا يكتب لا يكون إلا عن طريق الوحي والضمير يعود على القرآن لأن هذه القصص جزء منه. وان واسمها واللام المزحلقة وتنزيل رب العالمين خبرها. (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ) الجملة صفة لتنزيل وبه في موضع الحال أي ملتبسا به فالباء للملابسة والروح فاعل والأمين صفة وعلى قلبك متعلقان بنزل واللام للتعليل وتكون فعل مضارع ناقص منصوب بأن مضمرة بعد اللام ومن المؤمنين خبر تكون. (بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ) بلسان جار ومجرور متعلقان بالمنذرين لأنه اسم مفعول أي من الذين أنذروا بهذا اللسان العربي وهم هود وصالح

стр. 3634

وشعيب وإسماعيل ومحمد عليهم الصلاة والسلام، أو انه بدل من قوله به بإعادة العامل أي نزل بلسان عربي أي باللغة العربية. (وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ) عطف على ما تقدم وان واسمها واللام المزحلقة وفي زبر الأولين خبر إن يعني أن ذكره مثبت في الكتب السماوية. (أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي التقريعي والواو عاطفة على مقدر ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلم ولهم متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لآية وتقدم عليها وآية خبر يكن المقدم وأن يعلمه في تأويل مصدر اسم يكن وعلماء بني إسرائيل فاعل بعلمه. وهؤلاء العلماء هم خمسة قد أخبروا بالقرآن وهم عبد الله بن سلام وأسد وأسيد وثعلبة وابن يامين وقد أسلموا وحسن إسلامهم. (وَلَوْ نَزَّلْناهُ عَلى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ) الواو عاطفة ولو شرطية امتناعية ونزلناه فعل ماض وفاعل ومفعول به وعلى بعض الأعجمين متعلقان بنزلناه. (فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ ما كانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ) الفاء عاطفة وقرأه فعل ماض وفاعل مستتر يعود على بعض الأعجمين ومفعول به وعليهم متعلقان بقرأه وجملة ما كانوا مؤمنين لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبه متعلقان بمؤمنين ومؤمنين خبر كانوا. (كَذلِكَ سَلَكْناهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ) الكاف نعت لمصدر محذوف مقدم أي مثل هذا السلك سلكناه في قلوبهم وقررناه فيها وسلكناه فعل وفاعل ومفعول به وفي قلوب المجرمين متعلقان بسلكناه. (لا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ) الجملة مستأنفة أو حالية من الهاء في سلكناه أو من المجرمين فعلى الأول تكون الجملة بمثابة الإيضاح والتلخيص لما تقدم وعلى الثاني يكون التقدير سلكناه حالة كونه غير مؤمن به، ولا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع وفاعل وبه متعلقان بيؤمنون وحتى حرف غايه

стр. 3635

وجر ويروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والواو فاعل والعذاب مفعول به والأليم صفة. (فَيَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الفاء حرف للتعقيب قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى التعقيب في قوله فيأتيهم بغتة فيقولوا ... ؟ قلت: ليس المعنى ترادف رؤية العذاب ومفاجأته وسؤال النظرة فيه في الوجود، وانما المعنى ترتبها في الشدة كأنه قيل لا يؤمنون بالقرآن حتى تكون رؤيتهم للعذاب فما هو أشد منها وهو لحوقه بهم مفاجأة فما هو أشد منه وهو سؤالهم النظرة مع القطع بامتناعها ومثال ذلك أن تقول لمن تعظه، إن أسأت مقتك الصالحون فمقتك الله فإنك لا تقصد بهذا الترتيب أن مقت الله عقيب مقت الصالحين، وإنما قصدك إلى ترتيب شدة الأمر على المسيء» وهكذا سبر الزمخشري أغوار القرآن الكريم وألمّ بخفاياه إلمام الخبير بمواقع الأسرار. ويأتيهم معطوف على يروا والفاعل مستتر تقديره هو والهاء مفعول به وبغتة حال والواو واو الحال وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر. (فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ) الفاء عاطفة كما تقدم والكلام كله مقدم من تأخير ويقولوا عطف على يأتيهم وهل حرف استفهام ونحن مبتدأ ومنظرون خبر والجملة مقول القول ومعنى الاستفهام هنا التحسر والاستبعاد لما هو محال وهو إمهالهم بعد حلول العذاب بهم. الفوائد: شروط جمع المذكر السالم: يشترط في كل ما يجمع جمع المذكر السالم من اسم أو صفة ثلاثة شروط:

стр. 3636

آ- الخلو من تاء التأنيث فلا يجمع هذا الجمع من الأسماء نحو طلحة، ولا من الصفات نحو علّامة بتشديد اللام لئلا يجتمع فيهما علامتا التأنيث والتذكير. ب- أن يكون لمذكر فلا يجمع هذا الجمع علم المؤنث نحو زينب ولا صفة المؤنث نحو حائض. ج- أن يكون لعاقل لأن هذا الجمع مخصوص بالعقلاء فلا يجمع نحو وأشق علما لكلب وسابق صفة لفرس، ثم يشترط أن يكون إما علما غير مركب تركيبا مزجيا ولا استناديا فلا يجمع المركب المزجي نحو معدي كرب وسيبويه، وقيل إن المختوم بويه يجمع هذا الجمع فيقال سيبويهون ومنهم من يحذف وبه فيقول سيبون، أما المركب الاضافي فيجمع أول المتضايفين ويضاف للثاني فيقال غلامو زيد وغلامي زيد، والكوفيون يجمعونهما معا، وأما صفة تقبل التاء المقصود بها معنى التأنيث فلا يجمع هذا الجمع نحو علامة ونسابة لأن التاء فيهما لتأكيد المبالغة لا لقصد معنى التأنيث، أو صفة لا تقبل التاء ولكنها تدل على التفضيل فالصفة التي لا تقبل التاء نحو قائم ومذنب تقول قائمة ومذنبة والصفة التي تدل على التفضيل نحو أفضل فهذه الصفات الثلاث تجمع هذا الجمع كما تجمع بالألف والتاء فيقال قائمون ومذنبون وأفضلون كما يقال قائمات ومذنبات وفضليات، فلا يجمع هذا الجمع نحو جريح بمعنى مجروح وصبور بمعنى صابر وسكران وأحمر وأعجم فإنها لا تقبل التاء ولا تدل على تفضيل لأن جريحا وصبورا مما يستوي فيه المذكر والمؤنث وسكران مؤنثه سكرى وأحمر مؤنثه حمراء وأعجم مؤنثة عجماء فلا يقال جريحون وصبورون وسكرانون وأحمرون كما

стр. 3637

لا يقال جريحات وصبورات وسكرانات وحمراوات وعجماوات فلو جعلت أعلاما جاز الجمعان. [سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٠٤ الى ٢٢٠] أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤) أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧) وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلاَّ لَها مُنْذِرُونَ (٢٠٨) ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ (٢٠٩) وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ (٢١٠) وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ (٢١١) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢) فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣) وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢١٦) وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠) الإعراب: (أَفَبِعَذابِنا يَسْتَعْجِلُونَ) الهمزة للاستفهام التوبيخي والتهكمي والإنكاري والفاء عاطفة على مقدر يقتضيه المقام وقد سبق تقريره والتقدير: أيكون حالهم كما ذكر من طلب الإنظار عند نزول العذاب الأليم فيستعجلون، هكذا قدره بعض المعربين ولكنه لا يخلو من إيهام،

стр. 3638

فالأولى أن يقدر: أيغفلون عن ذلك مع تحققه وتقرره فيستعجلون، وقدم الجار والمجرور لأمرين: لفظي وهو مراعاة الفواصل ومعنوي وهو الإيذان بأن مصب الإنكار والتوبيخ كون المستعجل به العذاب، والجار والمجرور متعلقان بيستعجلون. (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ سِنِينَ) الهمزة للاستفهام والفاء حرف عطف ورأيت معطوف على فيقولوا وما بينهما اعتراض والتاء فاعل رأيت ورأيت بمعنى أخبرني فتتعدى الى مفعولين أحدهما مفرد والآخر جملة استفهامية غالبا وإن شرطية ومتعناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به وسنين ظرف متعلق بمتعناهم. (ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ) ثم حرف عطف وجاءهم فعل ومفعول به وما فاعل جاءهم وجملة كانوا صلة والواو اسم كان وجملة يوعدون خبرها. ثم: تنازع أفرأيت وجاءهم في قوله «ما كانوا يوعدون» فإن أعملت الثاني وهو جاءهم كما تقدم في الاعراب رفعت به «ما كانوا» فاعلا به، ومفعول أرأيت الأول ضميره ولكنه حذف والمفعول الثاني هو الجملة الاستفهامية في قوله «ما أغنى عنهم» ولا بد من رابط بين هذه الجملة وبين المفعول الاول المحذوف وهو مقدر تقديره: أفرأيت ما كانوا يوعدونه، وإن أعملت الاول نصبت به «ما كانوا» مفعولا به وأضمرت في جاءهم فاعلا به والجملة الاستفهامية مفعول ثان أيضا والعائد مقدر على ما تقرر في للوجه قبله والشرط معترض وجوابه محذوف. وقد تقدم البحث مستوفى في هذا التعبير في سورة الأنعام وهذا كله إنما يتأتى على قولنا إن «ما» استفهامية ولا يضيرنا تفسيرهم لها بالنفي فإن الاستفهام قد يرد للنفي، وأما إذا جعلتها نافية، فتكون حرفا، ولا يتأتى ذلك لأن مفعول أرأيت الثاني

стр. 3639

لا يكون إلا جملة استفهامية وقد ذكر هذا مفصلا كما ذكرت أقوال المعربين في سورة الانعام فجدد به عهدا. (ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ) ما استفهامية كما تقدم مفعول مقدم لأغنى وأغنى فعل ماض وعنهم متعلقان بأغنى وما مصدرية أو موصولة وعلى كل حال هي ومدخولها أو هي وحدها فاعل أغنى والتقدير ما أغنى عنهم تمتعهم أو ما كانوا يمتعون به من متاع الحياة الدنيا، والاستفهام إنكاري بمعنى النفي وقيل ما نافية ولا فرق بينهما كما تقدم. (وَما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَها مُنْذِرُونَ) الواو عاطفة أو استئنافية وما نافية وأهلكنا فعل وفاعل ومن حرف جر زائد وقرية مجرور بمن لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أهلكنا وإلا أداة حصر ولها خبر مقدم ومنذرون مبتدأ مؤخر والجملة صفة لقرية أو حال منه وسوغ ذلك سبق النفي وقد تقدم الزمخشري رأي جميل في مثل هذا التعبير ونعيده هنا قال: «فإن قلت كيف عزلت الواو عن الجملة بعد إلا ولم تعزل عنها في قوله: وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم؟ قلت: الأصل عزل الواو لأن الجملة صفة لقرية وإذا زيدت فلتأكيد وصل الصفة بالموصوف كما في قوله: سبعة وثامنهم كلبهم» . (ذِكْرى وَما كُنَّا ظالِمِينَ) مفعول لأجله على معنى أنهم ينذرون لأجل الموعظة والتذكرة، وجوز أبو البقاء أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هذه ذكرى والجملة اعتراضية، وأعربها الكسائي حالا أي مذكرين، وأعربها الزجاج مصدر والعامل منذرون لأنه في معنى مذكرون ذكرى أي هذه ذكرى والجملة اعتراضية، وأعرابها الكسائي حالا أي مذكرين، (وَما تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّياطِينُ) الواو عاطفة وما نافية وتنزلت فعل ماض وبه جار ومجرور متعلقان بتنزلت والضمير للقرآن والشياطين فاعل تنزلت (وَما يَنْبَغِي لَهُمْ وَما يَسْتَطِيعُونَ) الواو عاطفة وما نافية وينبغي فعل مضارع وفاعله مستتر يعود على

стр. 3640

القرآن ولهم متعلقان بينبغي وما يستطيعون عطف على ما ينبغي ومفعول يستطيعون محذوف تقديره ذلك. (إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ) الجملة تعليل لعدم استطاعتهم أن يتنزلوا به وان واسمها وعن السمع متعلقان بمعزولون واللام المزحلقة ومعزولون خبر إن. (فَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) الفاء الفصيحة والخطاب للنبي ﷺ والمقصود غيره، ولا ناهية وتدع فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل مستتر تقديره أنت ومع ظرف متعلق بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لإلها وتقدم عليه وإلها مفعول به وآخر صفة لإلها، فتكون الفاء فاء السببية وتكون فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء واسم تكون مستتر تقديره أنت ومن المعذبين خبر تكون. (وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) الواو عاطفة وأنذر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعشيرتك مفعول به والأقربين صفة، وسيأتي بحث واف عن هذا الانذار في باب الفوائد. (وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) عطف أيضا واخفض جناحك فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ولمن متعلقان بأخفض وجملة اتبعك صلة من ومن المؤمنين حال. (فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ) الفاء عاطفة وإن شرطية وعصوك فعل ماض وفاعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط، فقل الفاء رابطة للجواب وان واسمها وبريء خبرها ومما متعلقان ببريء وجملة تعملون صلة وجملة اني بريء مقول القول ولذلك كسرت همزة إن. (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ) عطف على ما تقدم وعلى العزيز متعلقان بتوكل. (الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ) الذي صفة للعزيز الرحيم وجملة يراك صلة وحين ظرف متعلق بيراك وجملة تقوم مجرورة بإضافة الظرف إليها ومتعلق تقوم

стр. 3641

محذوف أي الى الصلاة (وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ) عطف على الكاف في يراك وفي الساجدين حال وفي بمعنى مع أي مصليا مع الجماعة، وعن مقاتل أنه سأل أبا حنيفة ﵁: هل تجد الصلاة في الجماعة في القرآن؟ فتلا هذه الآية، وقال بعضهم المراد بالساجدين المؤمنون أي يراك متقلبا في أصلاب وأرحام المؤمنين منذ زمن آدم وحواء الى عبد الله وآمنة (إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ان واسمها وهو ضمير فصل أو مبتدأ والسميع العليم خبران لإن أو للضمير والجملة الاسمية خبر إن. الفوائد: أمر الله تعالى رسوله ﷺ أن ينذر الأقرب فالأقرب، فلما أنزل الله تعالى «وأنذر عشيرتك الأقربين» دعاهم الى دار عمه أبي طالب وهم يومئذ أربعون رجلا يزيدون رجلا أو ينقصونه وفيهم أعمامه، فأنذرهم فقال يا بني عبد المطلب: لو أخبرتكم أن بسفح هذا الجبل خيلا أكنتم مصدقيّ؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. وروي انه قال: يا بني عبد المطلب، يا بني هاشم، يا بني عبد مناف افتدوا أنفسكم من النار فإني لا أغني عنكم شيئا، ثم قال: يا عائشة بنت أبي بكر، ويا حفصة بنت عمر، ويا فاطمة بنت محمد، ويا صفية عمة محمد اشترين أنفسكن من النار فإني لا أغني عنكن شيئا. وهناك روايات أخرى لا تخرج عن هذا المعنى نجتزىء بما تقدم منها.

стр. 3642

[سورة الشعراء (٢٦) : الآيات ٢٢١ الى ٢٢٧] هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢) يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ (٢٢٣) وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ (٢٢٦) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧) الإعراب: (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ) كلام مستأنف مسوق لإبطال كونه كاهنا يتلقى من الشياطين، وهل حرف استفهام وأنبئكم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به أول وعلى من جار ومجرور متعلقان بتنزل وقدم للاهتمام به ولأن للاستفهام صدر الكلام، وهو معلق لفعل التنبئة عن العمل والجملة سدت مسد المفعولين الثاني والثالث وتنزل فعل مضارع حذفت إحدى تاءيه والأصل تتنزل، والشياطين فاعل تنزل. (تَنَزَّلُ عَلى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ) الجار والمجرور متعلقان بتنزل، وهو بدل من الجار والمجرور قبله وأفاك مضاف الى كل وأثيم صفة وهم الكهنة والمتنبئة كشق وسطيح ومسيلمة وطلحة. (يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كاذِبُونَ) يلقون فعل مضارع والواو فاعل وهو يعود على الشياطين فتكون الجملة حالية أو يعود على كل أفاك أثيم من حيث أنه جمع في المعنى فتكون الجملة مستأنفة أو صفة لكل أفاك أثيم، ومعنى إلقائهم

стр. 3643

السمع إنصاتهم الى الملأ الأعلى ليسترقو شيئا أو إلقاء الشيء المسموع الى الكهنة، والسمع مفعول به والواو حالية وأكثرهم مبتدأ وكاذبون خبر والجملة حالية. (وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ) كلام مستأنف أيضا مسوق لإبطال كونه شاعرا كما زعموا وسيأتي بحث ضاف عن الشعر ومن هم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون في باب الفوائد والشعراء مبتدأ وجملة يتبعهم خبر ويتبعهم فعل مضارع ومفعول به مقدم والغاوون فاعل مؤخر. (أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ) الجملة مفسرة والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت وأن وما بعدها سدت مسد مفعولي تر وفي كل واد متعلقان بيهيمون ويهيمون فعل مضارع وفاعل والجملة خبر أنهم، ويجوز أن تعلق الجار والمجرور بمحذوف هو الخبر وجملة يهيمون حالية، وتمثيل ذهابهم في كل شعب من القول بالوادي سيأتي بحثه في باب البلاغة. (وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ) جملة معطوفة. (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً) إلا أداة استثناء والذين مستثنى من الشعراء المذمومين وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا داخل في حيز الصلة وذكروا الله عطف أيضا وكثيرا صفة لمفعول مطلق محذوف أي ذكروا الله ذكرا كثيرا أو صفة لظرف زمان محذوف أي وقتا كثيرا. (وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ ما ظُلِمُوا) عطف على ما تقدم وما مصدرية أي من بعد ظلمهم من إضافة المصدر لمفعوله. (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) الواو استئنافية والسين حرف استقبال ويعلم فعل مضارع والذين فاعله وجملة ظلموا صلة وأي منقلب منصوب على المفعولية المطلقة لأن أيا تعرب بحسب ما تضاف إليه وقد علقت يعلم

стр. 3644

عن العمل، هذا والعامل في أي هو ينقلبون لا يعلم لأن أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها، قال النحاس: «وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر فلو عمل فيه لدخل بعض المعاني في بعض» . البلاغة: في قوله تعالى: «ألم تر أنهم في كل واد يهيمون» استعارة تمثيلية لطيفة وليس ثمة واد ولا شعاب ولا هيام وانما هو تغلغل الى مناحي القول، واعتساف في الأوصاف والتغزل والتشبيب والنسيب وقلة مبالاة بما يهتكونه من أعراض، ويرجفون به من أقوال، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام على الشعر في باب الفوائد ، وعن الفرزدق أن سليمان بن عبد الملك سمع قوله: فبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض إغلاق الختام فقال قد وجب عليك الحد، فقال يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله «وأنهم يقولون ما لا يفعلون» . الفوائد: ١- فضل الشعر: واستثناء الشعراء الصالحين الذين ينافحون دون الأوطان، ويدعون الى الفضائل والإصلاح، ويصورون عيوب المجتمع وسيئاته لرأب صدوعه، يدل على ما للشعر من مكانة سامية ومنزلة عالية، وقد

стр. 3645

روى البخاري عن أبيّ بن كعب أن رسول الله ﷺ قال: إن من الشعر حكمة، وعن ابن عباس قال: جاء أعرابي الى النبي ﷺ فجعل يتكلم بكلام فقال: إن من البيان سحرا وان من الشعر حكمة. أخرجه أبو داود، وقالت عائشة ﵂: الشعر كلام منه حسن ومنه قبيح فخذ الحسن ودع القبيح، وقال الشعبي: كان أبو بكر يقول الشعر وكان عمر يقول الشعر وكان عثمان يقول الشعر وكان علي أشعر من الثلاثة ﵃ أجمعين. بين النظم والنثر: وقال صاحب العمدة: «وكلام العرب نوعان: منظوم ومنثور، ولكل منهما ثلاث طبقات: جيدة ومتوسطة ورديئة، فإذا اتفق الطبقتان في القدر وتساوتا في القيمة ولم يكن لإحداهما فضل على الأخرى كان الحكم للشعر ظاهرا في التسمية لأن كل منظوم أحسن من كل منثور من جنسه في معترف العادة، ألا ترى أن الدر، وهو أخو اللفظ ونسيبه، إليه يقاس وبه يشبه، إذا كان منثورا لم يؤمن عليه ولم ينتفع به في الباب الذي له كسب ومن أجله انتخب، وإن كان أعلى قدرا وأغلى ثمنا، فإذا نظم كان أصون له من الابتذال، وأظهر لحسنه مع كثرة الاستعمال، وكذلك اللفظ إذا كان منثورا تبدد في الأسماع وتدحرج عن الطباع. الكذب مذموم إلا من الشعراء: ومن فضائله أن الكذب الذي اجتمع الناس على قبحه حسن فيه، وحسبك ما حسّن الكذب واغتفر له قبحه، فقد أوعد رسول الله ﷺ كعب بن زهير لما أرسل الى أخيه بجير ينهاه عن الإسلام
следующие страницы →