Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
البلاغة:
١- معنى الخوف والحزن:
لقائل أن يقول: ما الفرق بين الخوف والحزن حتى عطف أحدهما على الآخر في قوله «ولا تخافي ولا تحزني» ؟ ثم أليس من التناقض أن يثبت الخوف في قوله «فإذا خفت عليه» ثم ينفيه بقوله «ولا تخافي» والجواب على التناقض المزعوم أن الخوف الأول المثبت هو غرقه في النيل والثاني هو خوف الذبح فاندفع ما يتوهم من تناقض، وأما الاعتراض الاول فهو مندفع بأن هذا من باب الاطناب بل هو قسم نادر من أجمل أقسامه، وهو أن يذكر الشيء فيؤتى فيه بمعان متداخلة إلا أن كل معنى مختص بخصيصة ليست للآخر، فقد قلنا في باب اللغة أن الخوف هو غم يصيب الإنسان الأمر يتوقع نزوله في المستقبل أما الحزن فهو غم يصيبه لأمر وقع فعلا ومضى فنهيت عنهما جميعا ومنه قول أبي تمام وقد كان بارعا فيه:
قطعت إليّ الزابيين هباته ... والتاث مأمول السحاب المسبل
من منة مشهورة وصنيعة ... بكر وإحسان أغر محجل
فقوله منة مشهورة، وصنيعة بكر، وإحسان أغر محجل تداخلت معانيه، إذ المنة والصنيعة والإحسان متقارب بعضه من بعض وليس ذلك بتكرير كما يتوهم لأنه لو اقتصر على قوله منة وصنيعة وإحسان لجاز أن يكون تكريرا ولكنه وصف كل واحدة من هذه الثلاث بصفة أخرجتها عن حكم التكرير فقال «منه مشهورة» فوصفها بالاشتهار لعظم شأنها و «صنيعة بكر» فوصفها بالبكارة أي أنها لم يؤت بمثلها من قبل و «احسان أغر محجل» فوصفه بالغرة والتحجيل
стр. 3782
أي هو ذو محاسن متعددة فلما وصف هذه المعاني المتداخلة التي تدل على شيء واحد بأوصاف متباينة صار ذلك إطنابا ولم يكن تكريرا.
وقد اشتملت هذه الآية «وأوحينا الى أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين» على أمرين وهما «أرضعيه، فألقيه» ونهيين وهما «لا تخافي، ولا تحزني» وخبرين وهما: «إنا رادوه إليك، وجاعلوه من المرسلين» وبشارتين في ضمن الخبرين وهما رده إليها وجعله من المرسلين.
٢- الكناية:
وذلك في قوله «وأصبح فؤاد أم موسى فارغا» فإن ذلك كناية عن فقدان العقل وطيش اللب والمعنى أنها حين سمعت بوقوعه في يد فرعون طاش صوابها وطار عقلها لما انتابها من فرط الجزع والدهش ومثله قوله تعالى «وأفئدتهم هواء» أي جوف لا عقول فيها ومنه بيت حسان:
ألا أبلغ أبا سفيان عني ... فأنت مجوّف نخب هواء
وهذا البيت من قصيدة مطولة لحسان بن ثابت يهجو بها أبا سفيان قبل إسلامه وبعده:
بأن سيوفنا تركت عبيدا ... وعبد الدار سادتها الإماء
هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
أتهجوه ولست له بكفء ... فشرّ كما لخير كما الفداء
стр. 3783
أمن يهجو رسول الله منكم ... ويمدحه وينصره
سواء فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء
وألا أداة للتنبيه والاستفتاح والمأمور بالإبلاغ غير معين، ثم التفت ليثير غيظ أبي سفيان، وكان مقتضى السياق أن يقول «فإنه» أي أبا سفيان لكن مخاطبته ومشافهته بالذم أمض للنفس وأقذع في الهجاء، والمجوف والنخب والهواء خالي الجوف أو فارغ القلب من العقل والشجاعة واسناد الترك للسيوف مجاز عقلي لأنها آلة للفعل وعبيد بالتصغير قبيلة وكذلك عبد الدار سادتها مبتدأ والإماء خبره والجملة في محل المفعول الثاني لتركت أي صيرت عبيدا لا سادة لها إلا النساء وصيرت عبد الدار كذلك وأتهجوه الاستفهام إنكاري توبيخي والواو بعده للحال أي لا ينبغي لك ذلك وشر وخير اسما تفضيل واختصا بحذف همزتهما تخفيفا لكثرة استعمالهما لكن المراد بهما هنا أصل الوصف لا الزيادة فيه والشر أبو سفيان وجملة فشر كما لخير كما الفداء دعائية دعا عليه أن يكون فداء لرسول الله وأبرزه في صورة الإبهام لأجل الانصاف في الكلام ولذلك لما سمعه الحاضرون قالوا هذا أنصف بيت قالته العرب وأمن يهجو استفهام انكاري أي ليس من يهجوه منكم ومن يمدحه وينصره منا مستويين ويحتمل أن الهمزة للتنبيه أو للنداء والمنادى محذوف أي يا قوم أبي سفيان إن الذي يهجو رسول الله منكم والذي يمدحه وينصره منكم مستويان في عدم الاكتراث بهما والوقاء ما يتوقى به المكروه وزان الحزام والرباط فهو إما بمعنى اسم مفعول أو اسم آلة.
стр. 3784
الفوائد:
١- قصة موسى وفرعون:
نلخص هنا قصة موسى وفرعون كما رويت لطرافتها وكما جرينا عليه في هذا الكتاب، فموسى معناه ماء وشجر لأن مو بالقبطية هو الماء وشا هو الشجر فعربت وسمي موسى لأنهم وجدوه بينهما، وهو موسى بن عمران يمت بالنسبة الى يعقوب بن اسحق بن إبراهيم ولم يزل بنو إسرائيل من عهد يوسف تحت أيدي الفراعنة حتى كان فرعون الذي بعث موسى اليه، ولم يكن منهم فرعون أعتى منه ولا أطول عمرا وكان شديد الغلظة واسمه الوليد بن مصعب وكان قد اتخذ بني إسرائيل خولا فصنف منهم يبنون، وصنف يحرثون ومن لا عمل له وظف عليه الجزية، فرأى في منامه أن نارا أقبلت من المقدس فأحرقت القبط فسأل عن رؤياه فقيل له: يخرج من هذا البلد أي الذي جاء بنو إسرائيل منه رجل يكون على يديه هلاك مصر فأمر بقتل كل مولود حتى كاد يفنيهم فقيل له إنما هم خولك وإنك إن تفنهم ينقطع النسل فأمر بقتل الغلمان عاما واستحيائهم عاما فولد هرون في السنة التي يستحيون فيها وولد موسى في السنة التي يقتلون فيها فلما وضعته حزنت فأوحى الله إليها أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم فعملت تابوتا جعلته فيه وألقته في اليم وهو النيل وقالت لأخته قصيه فحمله الماء حتى أدخله بين أشجار متكاثفة تحت قصر فرعون فخرجت جواري فرعون يغتسلن فوجدن التابوت فأدخلنه الى آسية امرأة فرعون فلما رأته أحبته وأخبرت به فرعون فأراد ذبحه وخشي أن يكون المولود الذي حذر منه فلم تزل به آسية حتى تركه لها وذلك قوله «فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا» وستأتي تتمة القصة.
стр. 3785
٢- لام العاقبة أو الصيرورة:
واللام في «ليكون» للعاقبة وقد أبرز مدخولها في معرض العلة لا لتقاطهم تشبيها له في الترتب عليه بالغرض الحامل له وتسمى لام الصيرورة ولام المآل، وقد أنكر البصريون لام العاقبة قال الزمخشري: «والتحقيق أنها لام العلة وأن التعليل فيها وارد على طريق المجاز دون الحقيقة لأنه لم يكن داعيهم الى الالتقاط أن يكون لهم عدوا وحزنا ولكن المحبة والتبني، غير أن ذلك لما كانت نتيجة التقاطهم له وثمرته شبه بالداعي الذي يفعل الفاعل الفعل لأجله وهو الإكرام الذي هو نتيجة المجيء والتأدب الذي هو ثمرة الضرب في قولك ضربته ليتأدب وتحريره أن هذه اللام حكمها حكم الأسد حيث استعيرت لما يشبه التعليل كما يستعار الأسد لمن يشبه الأسد» .
٣- أعاريب في «قرة أعين» :
تفادينا في هذا الكتاب إيراد الأعاريب المرجوحة بله المتهافتة لأننا آثرنا اختيار أفضل الوجوه وأمثلها، غير أننا لا نرى إغفال بعض الأعاريب المتهافتة التي تبناها بعض المعربين فقد قلنا إن قرة أعين خبر مبتدأ مضمر ولي ولك صفتان، وقد أجاز بعضهم وجها لا يجوز إيراده البتة وهو أن تكون قرة أعين مبتدأ والخبر جملة لا تقتلوه لأن فيه الإخبار بالانشاء عن الخبر وهذا هين بالنسبة لمخالفة الضمير لأنه يجب أن يقول لا تقتلوها واحتجوا بأنه لما كان المراد مذكرا ساغ ذلك، وما أغناها عن ذلك التمحّل الذي لا يليق بالقرآن، ونقل ابن الانباري بسنده الى ابن عباس انه وقف على «لا» أي هو قرة عين لي فقط
стр. 3786
ولك لا، أي ليس هو قرة عين، ثم يبتدىء بقوله تقتلوه وهذا مضحك لا يمكن أن ينسب الى ابن عباس ولا إلى ابن الأنباري نفسه وكيف يبقى تقتلوه من غير نون رفع ولا مقتضى لحذفها ولذلك قال الفراء:
هو لحن.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٤ الى ١٧]
وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٤) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)
الإعراب:
(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لتتمة قصة يوسف بعد بلوغه الأشد، ولما حينية أو رابطة وقد تقدم ذلك وبلغ فعل ماض وفاعله مستتر تقديره وهو وأشده مفعول به، وقد مضى تفسير الأشد والأقوال فيه أكثر من مرة، واستوى عطف على بلغ،
стр. 3787
والمراد انه انتهى شبابه وتكامل عقله، وجملة آتيناه لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وآتيناه فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وحكما مفعول به ثان وعلما عطف على حكما وكذلك نعت لمصدر محذوف ونجزي المحسنين فعل مضارع وفاعل ومفعول به. (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها) ودخل المدينة عطف على محذوف أي وغاب عن فرعون مدة طويلة لأنه أقام في مصر ثلاثين سنة ثم ذهب الى مدين وأقام فيها عشر سنين، ودخل المدينة فعل وفاعل ومفعول على السعة، قيل المراد بالمدينة منف بضم فسكون وهي ممنوعة من الصرف للعلمية والعجمة وقيل غير ذلك، وعلى حين غفلة حال من المدينة أو من فاعل دخل أي مختلسا ومن أهلها صفة لغفلة قيل كان الوقت بين العشاءين وقيل وقت القائلة وقيل يوم عيد ومعنى «على» هنا الظرفية أي على حين. (فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ) فوجد عطف على دخل وفيها متعلقان بوجد ورجلين مفعول به وجملة يقتتلان صفة لرجلين وهذا مبتدأ ومن شيعته خبر والجملة صفة ثانية لرجلين وقيل حال، والحال من النكرة أجازه سيبويه من غير شرط، وهذا من عدوه عطف عليها. والعرب تشير بهذا الى الغائب لأنها حكاية حال ماضية، فعبر عن غائب ماض باسم الاشارة.
(فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ) الفاء عاطفة واستغاثه فعل ماض ومفعول به والذي فاعل ومن شيعته متعلقان بمحذوف صلة واستغاث يتعدى بنفسه تارة كما هنا وتارة بالباء.
(فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ) فوكزه عطف أيضا أي دفعه بجمع كفه، وقال الكسائي لكمه، وموسى فاعل فقضى عليه عطف على فوكزه، قال فعل ماض والجملة
стр. 3788
مستأنفة وهذا مبتدأ ومن عمل الشيطان خبر والجملة مقول القول، وجملة إنه عدو تعليل، ولا يقدح ذلك في عصمته لكونه خطأ ولكونه غير مقصود وإنما عدّه من عمل الشيطان وسماه ظلما واستغفر منه هضما لنفسه واستعظام الهنات اليسيرة التي تبدر منهم، وان واسمها وعدو خبرها ومضل صفة ومبين صفة ثانية. (قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)
رب منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وإن واسمها وجملة ظلمت نفسي خبر إن فاغفر لي الفاء عاطفة واغفر فعل دعاء ولي متعلقان باغفر فغفر له عطف وان واسمها وهو ضمير فصل والغفور خبر والرحيم خبر ثان، ويجوز أن تعرب هو مبتدأ والغفور الرحيم خبران لهو والجملة خبر ان.
(قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ) بما الباء حرف قسم وجر وجواب القسم محذوف تقديره أقسم بإنعامك عليّ بالمغفرة لأتوبن، وما مصدرية والمصدر في محل جر بباء القسم والفاء عاطفة على الجواب المحذوف ولن حرف نفي ونصب واستقبال وأكون فعل مضارع ناقص واسمها مستتر تقديره أنا وظهيرا خبرها وللمجرمين متعلقان بظهيرا ويجوز أن يكون الكلام استعطافا كأنه قال رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من الكفرة فلن أكون إن عصمتني ظهيرا للمجرمين فتتعلق الباء ومدخولها باعصمني المقدر ولا تحتاج الى جواب وتكون الفاء في فلن أكون هي الفصيحة لأنها جواب شرط مقدر كما ذكرنا، هذا وهناك أقوال أخرى كلها سديدة موعدنا بها باب الفوائد .
الفوائد:
١- تتمة قصة موسى:
واتخذه فرعون ولدا وارتادوا له المرضعات فلم يقبل ثدي
стр. 3789
واحدة منهن ولما غاب أمره عن أمه كاد قلبها يطير وجدا عليه فبعثت أخته كأنها تلتمس رضاعه فلما رأت أسفهم عليه حيث لم يقبل على مرضعة قالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم فأجابوا ملتمسها فذهبت فجاءت بأمه وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها فأعطته ثديها فأخذ يرضعه فربته في قصر فرعون ثم عرضته آسية على فرعون فلما أخذه مد موسى يده إلى لحيته فنتفها فقال فرعون عليّ بالذباحين فإنما هو هذا فقالت آسية هو قرة عين لي ولك لا تقتلوه فإنه صبي لا يعقل ودعت له بجمر وياقوت فطرح جبريل يده في النار فوضعها موسى في فمه فأحرقته فتركه فرعون فكبر في حجره فلما ترعوع تبناه فكان يركب مراكبه ويلبس ملابسه ويدعى ابن فرعون، ثم ان موسى أخبر أن فرعون قد ركب فركب أثره فأدركه ببلدة منف فدخلها وقد أخليت لفرعون وليس في طرقها أحد فرأى إسرائيليا مع قبطي يقتتلان فاستغاثه الاسرائيلي فوكز القبطي فقضى عليه فكان من قصتهما ما قص الله تعالى في سورة القصص حتى خرج خائفا يترقب الى مدين وستأتي البقية قريبا.
٢- اختلاف المعربين في «بما أنعمت عليّ» :
أوردنا الوجهين الراجحين في إعراب هذه الآية وهي «قال رب بما أنعمت علي فلن أكون ظهيرا للمجرمين» وقد اختارهما الزمخشري أيضا قال: «وأراد بمظاهرة المجرمين إما صحبة فرعون وانتظامه في جملته وتكثيره سواده حيث كان يركب بركوبه كالولد مع الوالد وكان يسمى ابن فرعون وأما مظاهرة من أدت مظاهرته الى الجرم والإثم كمظاهرة الاسرائيلي المؤدية الى القتل الذي لم يحل له»
стр. 3790
وكذلك اختارهما أبو البقاء في كتابه «إعراب القرآن» وقيل ليس هذا خبرا بل هو دعاء أي فلا أكون بعد هذا ظهيرا أي فلا تجعلني يا رب ظهيرا للمجرمين.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ١٨ الى ٢١]
فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ (١٨) فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩) وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)
الإعراب:
(فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً يَتَرَقَّبُ) الفاء عاطفة وأصبح فعل ماض ناقص أو تام وعلى الاول اسمها مستتر تقديره هو وفي المدينة حال وخائفا خبر أصبح أو في المدينة خبر أصبح وخائفا حال، وعلى الثاني يكون فاعل أصبح مستترا تقديره هو وفي المدينة متعلقان به وخائفا حال وجملة يترقب على الوجهين حال ثانية أو خبر ثان أو حال من الضمير في خائفا فتكون حالا متداخلة ومفعول يترقب محذوف أي
стр. 3791
يترقب المكروه ويبعد أن يترقب الفرج لأن السياق يستبعده.
(فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ) الفاء عاطفة وإذا فجائية وقد تقدم القول في ظرفيتها أو حرفيتها والذي مبتدأ وجملة استنصره صلة وبالأمس متعلقان باستنصره وجملة يستصرخه خبر الذي ومتعلق يستصرخه محذوف أي على قبطي آخر. (قالَ لَهُ مُوسى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ) قال فعل ماض وله متعلقان به وموسى فاعل وانك إن واسمها واللام المزحلقة وغوي مبين خبران لإن. (فَلَمَّا أَنْ أَرادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُما) الفاء عاطفة ولما حينية أو رابطة وأن زائدة وتطرد زيادتها بعد لما وقبل لو مسبوقة بقسم كقول الشاعر:
فأقسم أن لو التقينا وأنتم ... لكان لكم يوم من الشر مظلم
وإنما زاد «أن» للاشعار بأن موسى لم تكن مسارعته الى قتل الثاني كما كانت مسارعته الى قتل الأول بل كان عنده إبطاء في بسط يده إليه فعبر القرآن عن ذلك الإبطاء بزيادة أن وقد تقدم في سورة يوسف ما يماثل هذا في قوله تعالى «فلما أن جاءه البشير ألقاه على وجهه» فجدد به عهدا.
وأراد فعل ماض وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول أراد وبالذي متعلقان بيبطش وهو مبتدأ وعدو خبر ولهما صفة والجملة صلة الذي. (قالَ يا مُوسى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَما قَتَلْتَ نَفْساً بِالْأَمْسِ) قال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الاسرائيلي المستغيث قال ذلك وقد ظن أن موسى يريد أن يبطش به، وقيل يعود على القبطي وليس ببعيد ورجحه زاده في حاشيته على البيضاوي، وكأنه توهم من زجر موسى الاسرائيلي انه هو الذي قتل الرجل بالأمس، أتريد
стр. 3792
الهمزة للاستفهام الانكاري وتريد فعل مضارع مرفوع وان وما في حيزها مفعول تريد وكما قتلت نعت لمصدر محذوف وقد تقدمت له نظائر ونفسا مفعول به وبالأمس متعلقان بقتلت. (إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّاراً فِي الْأَرْضِ وَما تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ) إن نافية وتريد فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنت وإلا أداة حصر وأن وما بعدها في تأويل مصدر مفعول تريد وجبارا خبر تكون وفي الأرض صفة لجبارا وما تريد أن تكون من المصلحين عطف على الجملة المماثلة السابقة. (وَجاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعى) الواو عاطفة على محذوف يقدر من سياق الكلام أي فذهب القبطي الذي سمع ما قاله الإسرائيلي وقد علم أن موسى هو قاتل القبطي الأول إلى فرعون وأخبره بجلية الأمر فغضب فرعون وأمر بقتل موسى وإلقاء القبض عليه. وجاء رجل فعل وفاعل وهو مؤمن من آل فرعون وردت الإشارة إليه في مكان آخر من القرآن قيل هو ابن عم فرعون ومن أقصى المدينة صفة لرجل وجملة يسعى صفة ثانية أو حال لأن قوله «رجل» تخصص بالوصف كما هي القاعدة المشهورة، ويجوز تعليق من أقصى المدينة بجاء فتكون جملة يسعى صفة فقط.
(قالَ يا مُوسى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ) إن الملأ إن واسمها وجملة يأتمرون خبر وبك متعلقان بيأتمرون أي يتشاورون والائتمار التشاور يقال: الرجلان يتآمران ويأتمران بمعنى واحد لأن كل واحد فيهما يأمر صاحبه بشيء أو يشير عليه بأمر وقيل معناه يأمر بعضهم بعضا بقتلك ولعل هذا أوضح وقد أورد صاحب التاج المعنيين قال: «ائتمروا وتآمروا: تشاوروا وائتمروا بفلان هموا به وأمر بعضهم بعضا بقتله» وبك متعلقان بيأتمرون وليقتلوك اللام تعليلية والمضارع منصوب بأن مضمرة بعدها،
стр. 3793
فاخرج الفاء الفصيحة أي إن سمعت نصيحتي فاخرج وإني تعليل لأمره بالخروج وإن واسمها ولك متعلقان بمحذوف حال وعليه اقتصر الزمخشري ومنع تعليقه بالناصحين وأجاز غيره. أن يتعلق بالناصحين للاتساع في الظروف أو بما يدل عليه لفظ الناصحين أي ناصح لك من جملة الناصحين. (فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة على محذوف أي فعمل موسى بنصيحته فخرج ومنها متعلقان بخرج وخائفا حال وجملة يترقب حال ثانية ومفعول يترقب محذوف أي الشر أو لحوقهم به وقيل يترقب غوث الله والأول أنسب بالسياق ورب منادى ونجني فعل دعاء والياء مفعول به ومن القوم متعلقان بنجني والظالمين صفة.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٥]
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ (٢٢) وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ (٢٣) فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (٢٤) فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٥)
стр. 3794
اللغة:
(تِلْقاءَ) : تقدم ذكر المصادر التي وردت على هذا الوزن والمعنى هنا الجهة.
(مَدْيَنَ) : بلدة في مصر تقع على بحر القلزم محاذية لتبوك فيها البئر التي استقى منها موسى ومدين اسم قبيلة ذكرها ياقوت، قال الجلال: «وهي قرية شعيب مسيرة ثمانية أيام من مصر سميت بمدين ابن ابراهيم ولم يكن يعرف طريقها» .
(سَواءَ السَّبِيلِ) : وسطه ومعظم نهجه من إضافة الصفة للموصوف أي الطريق الوسط.
(تَذُودانِ) : تدفعان أغنامهما عن الماء. ومنه قول الشاعر:
أبيت على باب القوافي كأنما ... أذود بها سربا من الوحش نزّعا
(ما خَطْبُكُما) : ما شأنكما قال الزمخشري: «وحقيقته ما مخطوبكما أي مطلوبكما من الذياد فسمى المخطوب خطبا كما سمي المشئون شأنا في قولك ما شأنك؟ يقال شأنت شأنه أي قصدت قصده» وفي القاموس وشرحه «الخطب مصدر والشأن يقال: ما خطبك؟ أي ما شأنك وما الذي حملك عليه والخطب: الأمر صغر أو عظم وغلب استعماله للأمر العظيم المكروه» ولهذه المادة معان كثيرة يرجع إليها في المعاجم المطولة ولكثرتها نظم بعضهم هذه المعاني بقوله:
стр. 3795
ومرّة الوعظ تسمى خطبة ... ثم التماس للنكاح الخطبة
وما به يخطب فهو الخطبة ... وحمرة أي في سواد الشعر
فحمرة في كدرة تدعى خطب ... وخطبة النكاح جمعها خطب
وجمع خطبة بمنبر خطب ... والخطب سهل أي سبيل الأمر
فالأمر مع صرف الزمان خطب ... والخطبة الخاطب كل خطب
جمع لأخطب وخطبا خطب ... في كل ذي اختلاف لون يجري
وفي الوعظ قل وفي النكاح خطبا ... نعم وفي كدرة لون خطبا
وإن ترد صار خطيبا خطبا ... أتى بسجع في الكلام النثر
(يُصْدِرَ الرِّعاءُ) : الصدر عن الشيء: الرجوع عنه، يقال في فعله صدر من باب نصر وضرب، والصدر بفتحتين اسم مصدر منه
стр. 3796
ويتعدى بنفسه فيقال صدره غيره أي رجعه أي رده، ويستعمل رباعيا فيقال أصدره غيره. والرعاء: جمع راع على غير القياس لأن فاعلا الوصف المعتل اللام كقاض قياسه فعله كقضاة ورماة خلافا للزمخشري في قوله إنه جمع راع على فعال قياس كصيام وقيام، أما جمع فعال فيطرد في ستة أنواع نوردها فيما يلي:
١- اسم أو صفة ليست عينهما ياء على وزن فعل أو فعلة، فالاسم ككعب وكعاب وثوب وثياب ونار ونيار وقصعة وقصاع وجنة وجنان، والصفة كصعب وصعبة وصعاب وضخم وضخمة وضخام، وندر مجيئه من معتل العين: كضيعة وضياع وضيف وضياف.
٢- اسم صحيح اللام غير مضاعف على وزن فعل أو فعلة كجمل وجمال وجبل وجبال ورقبة ورقاب وثمرة وثمار.
٣- اسم على وزن فعل كذئب وذئاب وظل وظلال وبئر وبئار.
٤- اسم على وزن فعل ليست عينه واوا ولا لامه ياء كرمح ورماح وريح ورياح ودهن ودهان، وأما الدهان في قوله تعالى:
«فكانت وردة كالدهان» فسيأتي انه اسم مفرد ومعناه الجلد الأحمر.
٥- صفة صحيحة اللام على وزن فعيل أو فعيلة ككريم وكريمة وكرام ومريض ومريضة ومراض وطويل وطويلة وطوال.
٦- صفة على وزن فعلان أو فعلى أو فعلانة أو فعلانة كعطشان وعطشى وعطاش وريان وريا ورواء وندمان وندمى وندام وخمصان وخمصانة وخماص.
стр. 3797
وما جمع على فعال من غير ما ذكر فهو على غير القياس وذلك كراع وراعية ورعاء وقائم وقائمة وقيام وصائم وصائمة وصيام وأعجف وعجفاء وعجاف وخيّر وخيار وجيّد وجياد وجواد وجياد وأبطح وبطاح وقلوص وقلاص وأنثى وإناث ونطفة ونطاف وفصيل وفصال وسبع وسباع وضبع وضباع ونفساء ونفاس وعشراء وعشار.
هذا ولا ندري كيف ند هذا عن الزمخشري فقال في كشافه:
«وأما الرعاء بالكسر فقياس كصيام وقيام» .
(اسْتِحْياءٍ) : الاستحياء والحياء الحشمة والانقباض والانزواء قال في المصباح: «يقال استحيت بياء واحدة وبياء واحدة وبياءين ويتعدى بنفسه وبالحرف فيقال استحيته واستحيت منه» .
(الْقَصَصَ) بفتحتين: مصدر بمعنى المقصوص وقد سمي به فيما بعد المقصوص يقال قص عليه الخبر حدثه به ومصدره قصص بفتحتين أما القصص بكسر القاف فهو جمع قصة.
الإعراب:
(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ) الواو استئنافية ولما حينية أو رابطة وتوجه فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وتلقاء مدين ظرف مكان متعلق بتوجه وتلقاء يستعمل مصدرا واسما للقاء ومكانا له وقد ذكرنا فيما مضى أن لدينا عشرة مصادر أتت مخالفة فجاءت بكسر أولها، وجعله شارح القاموس اسما للمصدر فقال تعليقا على القاموس «قوله والاسم التلقاء أي اسم
стр. 3798
المصدر ولكن يعكر عليه قوله ولا نظير له غير التبيان إذ لم يقل أحد بأن التبيان اسم مصدر بل هو مصدر نادر» وعبارة المحكم: «التلقاء اسم مصدر لا مصدر وإلا لفتحت التاء وقيل مصدر لا نظير له غير التبيان» ومدين مضاف إليه ومنعت من الصرف للعلمية والتأنيث وجملة قال لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وعسى فعل ماض جامد من أفعال الرجاء وربي اسمها وان وما في حيزها خبرها وسواء السبيل مفعول ثان أو منصوب بنزع الخافض. (وَلَمَّا وَرَدَ ماءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ) وجد فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وعليه متعلقان بوجد لأن وجد بمعنى لقي وأمة مفعول به أي جماعة كثيفة ومن الناس صفة لأمة وجملة يسقون صفة ثانية أو حال ومفعول يسقون محذوف للعلم به أي مواشيهم. (وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودانِ) ووجد عطف على وجد الأولى ومن دونهم متعلقان بوجد أيضا أي في مكان أسفل منهم، وامرأتين مفعول به أول وجملة تذودان صفة لامرأتين. (قالَ ما خَطْبُكُما قالَتا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعاءُ وَأَبُونا شَيْخٌ كَبِيرٌ) ما اسم استفهام مبتدأ وخطبكما خبر والجملة مقول القول، قالتا فعل ماض والتاء تاء التأنيث الساكنة وحركت بالفتح لمناسبة ألف التثنية والألف فاعل وجملة لا نسقي مقول قولهما وحتى حرف غاية وجر ويصدر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والرعاء فاعل والواو حالية وأبونا مبتدأ وشيخ خبر وكبير صفة وسيأتي في باب البلاغة سر الجملة الحالية. (فَسَقى لَهُما ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) الفاء عاطفة على محذوف مقدر يفهم من سياق الكلام وسقى فعل ماض ولهما متعلقان به والمفعول به محذوف أي غنمهما لأجلهما، ثم حرف عطف وتولى فعل ماض والى الظل متعلقان بتولي أي الى ظل شجرة كانت هناك. (فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) رب منادى
стр. 3799
وان واسمها ولما اللام حرف جر وما نكرة بمعنى شيء أو اسم موصول أي لأي شيء أو للذي أنزلت والجار والمجرور متعلقان بفقير وأنزلت فعل وفاعل والجملة إما صفة لما إن كانت نكرة أو صلة وإليّ متعلقان بأنزلت ومن خير حال وفقير خبر إن وعدي فقير بحرف الجر لأنه ضمن معنى سائل أو طالب وإلا فهو يتعدى بإلى.
(فَجاءَتْهُ إِحْداهُما تَمْشِي عَلَى اسْتِحْياءٍ) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من سياق الكلام أي فرجعتا الى أبيهما في زمن أقل مما كانتا تستنز فانه في السقي فسألهما عن سبب ذلك فأخبرتاه بقصة من سقى لهما فقال لإحداهما أدعية لي فجاءته، وإحداهما فاعل وجملة تمشي حال من الفاعل وعلى استحياء حال من الفاعل المضمر في تمشي أي مستحيية خفرة وقيل واضعة كم درعها على وجهها حياء منه.
(قالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا) إن واسمها وجملة يدعوك خبر وليجزيك اللام للتعليل ويجزيك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيدعوك والكاف مفعول به أول وأجر مفعول به ثان وما مصدرية وهي وما بعدها في تأويل مصدر مضاف لأجر أي أجر سقايتك ولنا متعلقان بسقيت.
(فَلَمَّا جاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) الفاء عاطفة على محذوف والتقدير فأجابها لا ليأخذ الأجر ولكن لأجل التبرك بأبيها لما سمع منهما انه شيخ كبير، فمشت أمامه فجعلت الريح تضرب ثوبها فتكشف ساقيها أو ألزقت الريح ثوبها بجسدها فوصفته فقال لها: امشي خلفي ودليني على الطريق ففعلت الى أن دخل عليه فلما جاءه وقص عليه، قص فعل ماض وعليه متعلقان بقص والقصص مفعول به وجملة قال لا محل لها ولا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم
стр. 3800
بلا ونجوت فعل وفاعل ومن القوم متعلقان بنجوت والظالمين صفة وإنما هدأ روعه وطمأنه لأن مدين لم تكن في سلطان فرعون.
البلاغة:
١- الإيجاز:
كثر الإيجاز في هذه الآيات فقد حذف المفعول به في أربعة أماكن أحدها مفعول يسقون أي مواشيهم والثاني مفعول تذودان أي مواشيهما والثالث لا نسقي أي مواشينا والرابع فسقى لهما أي مواشيهما وعلة الحذف أن الغرض هو أن يعلم انه كان من الناس سقي ومن البنتين ذود وأنهما قالتا لا نسقي أي لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء وانه كان من موسى سقي فأما كون المسقي غنما أو إبلا أو غير ذلك فذلك أمر خارج عن نطاق الغرض.
٢- الكناية:
في قوله «وأبونا شيخ كبير» فقد أرادتا أن تقولا له: إننا امرأتان ضعيفتان مستورتان لا نقدر على مزاحمة الرجال ومالنا رجل يقوم بذلك وأبونا شيخ طاعن في السن قد أضعفه الكبر وأعياه فلا مندوحة لنا عن ترك السقيا وأرجائها الى أن يقضي الناس أوطارهم من الماء وبذلك طابق جوابهما سؤاله لأنه سألهما عن علة الذود فقالتا ما قالتاه وإنما ساغ لنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه بامتهان سقيا الماشية على ما فيها من تبذل واطراح حشمة لأن الضرورات تبيح المحظورات مع أن الأمر في حد ذاته ليس بمحظور فالدين لا يأباه
стр. 3801
والعادات متباينة ومذهب أهل البدو غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة.
٣- الإشارة:
وذلك في قوله «على استحياء» فقد أشار بلمح خاطف يشبه لمح الطرف وبلغة هي لغة النظر إلى وصف جمالها الرائع الفتان باستحياء لأن الخفر من صفات الحسان ولأن التهادي في المشي من أبرز سماتهن، قال الأعشى:
كأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل
وأبدع ابن الرومي ما شاء له الإبداع إذ قال:
جرت تدافع من وشي لها حسن ... تدافع الماء في وشي من الجب
وان رمق سماء امرئ القيس بقوله:
سموت إليها بعد ما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال
وعمر بن أبي ربيعة في رائيته البديعة:
فلما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشي وأنور
стр. 3802
وغاب قمير كنت أرجو غيابه ... وروّح رعيان وهوّم سمر
وخفض عني الصوت أقبلت مشية ... الحباب وركني خيفة القوم ازور
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٦ الى ٢٨]
قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦) قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧) قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ (٢٨)
الإعراب:
(قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ) قالت إحداهما فعل وفاعل وهي الكبرى التي تزوجها موسى فيما بعد، ويا أبت تقدم إعرابه كثيرا واستأجره فعل أمر وفاعل ومفعول به (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للأمر قبلها وسيأتي معنى هذا الكلام الجامع المانع في باب البلاغة، وإن واسمها ومضاف إليه وجملة استأجرت لا محل لها لأنها صلة الموصول والقوي خبر أول
стр. 3803
والأمين خبر ثان. (قالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ) إن واسمها وجملة أريد خبرها والجملة مقول القول وأن أنكحك في تأويل مصدر مفعول أريد وفاعل أنكحك ضمير مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به أول وإحدى ابنتي مفعول به ثان وابنتي مضاف لإحدى وهاتين صفة لابنتي والاشارة لتمييزها من بين بقية أخواتهما فقد كان له كما يروى سبع بنات. (عَلى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمانِيَ حِجَجٍ) على حرف جر دخل على أن وما يليها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف في موضع الحال إما من الفاعل أو من المفعول أي مشروطا عليّ أو عليك ذلك وتأجرني فعل مضارع من أجرته إذا كنت له أجيرا كقولك أبوته أي كنت له أبا ومفعول تأجرني الثاني محذوف أي نفسك وثماني حجج ظرف لتأجرني وحجج أعوام، وتكلف الزمخشري وجها ما أدري كيف استقام له وهو أن يكون ثماني مفعولا ثانيا لتأجرني، وقد احتاج الى تقدير مضاف أي رعي ثماني حجج ولا داعي لهذا التكلف، هذا فضلا عن أن المعنى لا يستقيم معه لأن العمل هو الذي تقع به الإثابة لا الزمان فكيف يوجه الاجارة على الزمان؟
(فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْراً فَمِنْ عِنْدِكَ) الفاء عاطفة وإن شرطية وأتممت فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وعشرا مفعول به والفاء رابطة للجواب لأنه جملة اسمية ومن عندك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فالتمام من عندك وليس في الأمر إلزام وتحتيم.
(وَما أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) الواو عاطفة وما نافية وأريد فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنا وأن وما في حيزها مفعول أريد وعليك متعلقان بأشق، ستجدني فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره أنت والنون للوقاية والياء مفعول به
стр. 3804
وجملة إن شاء الله اعتراضية لا محل لها وجواب ان محذوف ومن الصالحين متعلقان بتجدني ومعنى أشق عليك أجعل الأمر صعبا، قال الزمخشري: «فإن قلت: ما حقيقة شققت عليه وشق عليه الأمر؟
قلت: حقيقته ان الأمر إذا تعاظمك فكأنه شق عليك ظنك باثنين تقول تارة أطيقه وتارة لا أطيقه» وسيأتي مزيد من ذلك في باب البلاغة .
(قالَ ذلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلا عُدْوانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلى ما نَقُولُ وَكِيلٌ) ذلك مبتدأ وبيني وبينك خبره أي ذلك الذي عاهدتني وشارطتني عليه قائم وثابت بيننا لا نحيد عنه كلانا، وأيما الأجلين:
أي اسم شرط جازم في محل نصب مفعول مقدم لقضيت وما زائدة للإبهام وسيأتي بحث مستفيض عن أي في باب الفوائد وقيل ان «ما» نكرة بمعنى شيء والأجلين بدل منها وقضيت فعل وفاعل والفاء رابطة للجواب ولا نافية للجنس وعدوان اسمها المبني على الفتح وعلي خبر لا والله مبتدأ وعلى ما نقول متعلقان بوكيل ووكيل خبر الله.
البلاغة:
١- الكلام الجامع المانع:
في قوله تعالى: «إن خير من استأجرت القوي الأمين» في هذه الآية فنون عديدة ولذلك أطلق عليها علماء البلاغة أنها من الكلام الجامع المانع الحكيم الذي لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان في القائم بأمرك والمتعهد لشئونك وهما الكفاية والأمانة فقد فرغ بالك وتم أمرك وسهل مرادك، ولأنه ذهب مذهب المثل المضروب ليذهب في مرّ العصور وقادمات الدهور، وفيه التعميم
стр. 3805
الذي هو أجمل وأليق في مدح النساء للرجال من المدح الخاص وأبقى للتحشم والتصوّن وخصوصا بعد أن فهمت غرض أبيها وهو تزويجها منه وقد كان عمر بن الخطاب يعجب بهذا التعبير ويرمق سماءه في دعائه فيقول: «أشكو الى الله ضعف الأمين وخيانة القوي» .
وهذا الإيهام من ابنة شعيب قد سلكته زليخا مع يوسف ولكن شتان ما بين الحياء المجبول والحياء المستعمل، ليس التكحل في العينين كالكحل حيث قالت: «ما جزاء من أراد بأهلك سوءا إلا أن يسجن أو عذاب أليم» وهي تعني ما جزاء يوسف مما أرادني من السوء إلا أن تسجنه أو تعذبه عذابا أليما، ولكنها أو همت زوجها الحياء والخفر وأن تنطق بالعصمة منسوبا إليها الخنا إيذانا منها بأن هذا الحياء منها الذي يمنعها أن تنطق بهذا الأمر من مراودة يوسف بطريق الأحرى والأولى، ففي هذه الآية كما رأيت الإيجاز والمثل والتعميم والإيهام وفيها أيضا التقديم فقد قدم ما هو أولى بالتقديم وجعل اسما ل «إن» وهو خير وورد بلفظ الفعل الماضي للدلالة على أن الأمر ليس بدعا وانه معروف مبتوت فيه قد جرب وتعورف. ومن التقديم البديع قول أبي الشغب العبسي يتحزّن على خالد بن عبد الله القسري حين أسره يوسف بن عمرو.
ألا إن خير الناس حيا وهالكا ... أسير ثقيف عندهم في السلاسل
لعمري لئن عمرتم السجن خالدا ... وأوطأتموه وطأة المتثاقل
стр. 3806
لقد كان نهّاضا بكل ملمة ... ومعطي اللهى غمرا كثير النوافل
وخير الناس اسم تفضيل مضاف الى المعرف بأل وهو اسم إن وحيا وهالكا حالان منه وأسير ثقيف خبر إن، وثقيف علم القبيلة والعلم أعرف من المحلى بأل فخبر إن المضاف اليه أعرف من اسمها المضاف المحلّى بأل وقد قدم الاسم للاهتمام به، وعندهم في السلاسل حال أو خبر بعد خبر، ولعمري قسم إن عمرتم أي أدخلتم وأسكنتم خالدا السجن وأوطأتموه أي صيرتموه يطأ الأرض برجله كوطأة المتثاقل أي الحامل لشيء ثقيل لجعل القيد في رجليه فهو كناية عن ذلك، لقد كان نهاضا جواب القسم وجواب الشرط محذوف أي كان سريع القيام بكل نازلة ثقيلة وكان معطى اللهى بالفتح جمع لهاة كحصى وحصاة أي اللحمة في أقصى الفم لكنها هنا بمعنى الفم نفسه ويجوز أن يكون اللهى بضم اللام جمع لهوة كغرف وغرفة بمعنى العطية من أي نوع كانت.
٢- الإيجاز:
وفي قوله «وما أريد أن أشق عليك» إيجاز بليغ فقد ذكرنا معنى شق عليه الأمر وانه مترجح بين اليأس والرجاء، وفيه إيماء الى أولئك المعاسرين الذين يكلفون عمالهم أعمالا تربو على طوقهم وتتجاوز حدود قدرتهم المعهودة، وعلى هذا درجت الشرائع في حسن المعاملة والأخذ بالأسهل والأيسر ومنه الحديث «كان رسول الله ﷺ شريكي فكان لا يداري ولا يشاري ولا يماري» .
стр. 3807
الفوائد:
«أيّ» المشددة:
تأتي «أيّ» المشددة على خمسة أوجه:
١- أن تكون شرطا نحو «أيما الأجلين قضيت» وقد تزاد ما بعدها للتوكيد.
٢- أن تكون استفهامية: «أيكم زادته هذه إيمانا» .
٣- موصولة: «ثم لننزعنّ من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا» .
٤- أن تكون دالة على معنى الكمال فتقع صفة للنكرة نحو زيد رجل أي رجل أي كامل في صفات الرجال وحالا من المعرفة كمررت بعبد الله أي رجل، قال أبو العتاهية وقد وردت صفة:
إن الشباب والفراغ والجده ... مفسدة للمرء أي مفسده
٥- أن تكون وصلة الى نداء ما فيه أل نحو يا أيها الرجل.
هذا وقد أورد صاحب المغني بيتا لأبي الطيب فيه «أي» وهو:
أي يوم سررتني بوصال ... لم ترعني ثلاثة بصدود
وقال: «ليست فيه أي موصولة لأن الموصولة لا تضاف إلا إلى المعرفة، قال أبو علي في التذكرة في قوله:
стр. 3808
أرأيت أي سوالف وخدود ... برزت لنا بين اللوى فزرود
لا تكون أي فيه موصولة لإضافتها الى نكرة» وتابع صاحب المغني كلامه فقال: ولا شرطية لأن المعنى حينئذ إن سررتني يوما بوصالك آمنتني ثلاثة أيام من صدودك، وهذا عكس المعنى المراد وإنما هي للاستفهام الذي يراد به النفي كقولك لمن ادعى أنه أكرمك:
أي يوم أكرمتني؟ والمعنى ما سررتني يوما بوصالك إلا روعتني ثلاثة بصدودك، والجملة الأولى مستأنفة قدم ظرفها لأن له الصدر والثانية اما في موضع جر صفة لوصال على حذف العائد أي لم ترغني بعده كما حذف في قوله تعالى: «واتقوا يوما لا تجزي نفس» الآية، أو نصب حالا من فاعل سررتني أو مفعوله والمعنى أي يوم سررتني غير رائع لي أو غير مروع منك وهي حال مقدرة مثلها في «طبتم فادخلوها خالدين» أو لا محل لها على أن تكون معطوفة على الأولى بفاء محذوفة كما قيل في «وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة قالوا: أتتخذنا هزوا قال أعوذ بالله» وكذا في بقية الآية وفيه بعد، والمحققون في الآية على أن الجمل مستأنفة بتقدير: فما قالوا له؟ فما قال لهم؟ ومن روى ثلاثة بالرفع لم يجز عنده كون الحال من فاعل سررتني لخلو ترعني من ضمير ذي الحال.
وقال أبو البقاء العكبري في شرحه لديوان المتنبي: «أي نصب وهو استفهام خرج مخرج النفي كما تقول لمن يدعي أنه أكرمك: أي يوم أكرمتني قط كما قال الهذلي:
اذهب فأي فتى في الناس أحرزه ... من حتفه ظلم دعج ولا جبل
стр. 3809
ولا يجوز أن تكون «أي» شرطية تتعلق الجملة بالجملة تعلق الجزاء بالشرط، وإذا حملته على الشرط كان مناقضا للمعنى الذي أراده فكأنه يقول: إن سررتني يوما بوصالك أمنتني ثلاثة من صدودك وهذا عكس مراده.
وهذا البيت من جملة أبيات غزلية استهل بها أبو الطيب قصيدة قالها في صباه ونورد هنا الأبيات الغزلية لنفاستها ونعرب بعض ما فيه فائدة منها:
كم قتيل كما قتلت شهيد ... ببياض الطّلى وورد الخدود
وعيون المها ولا كعيون ... فتكت بالمتيم المعمود
درّ درّ الصّبا أأيام تجر.... ير ذيولي بدار أثلة عودي
عمرك الله هل رأيت بدورا ... طلعت في براقع وعقود
راميات بأسهم ريشها الهد.... ب تشقّ القلوب قبل الجلود
يترشّفن في فمي رشفات ... هن فيه أحلى من التوحيد
كلّ خمصانة أرقّ من الخم.... ر بقلب أقسى من الجلمود ذات فرع كأنما ضرب العن.... بر فيه بماء ورد وعود حالك كالغداف مثل دجو.... جيّ أثيث جعد بلا تجعيد تحمل المسك عن غدائرها الري.... ح وتفتّر عن شتيت برود جمعت بين جسم أحمد والسق.... م وبين الجفون والتسهيد أهل ما بي من الضنى بطل صي.... د بتصفيف طرّة وبجيد
стр. 3810
كل شيء من الدماء حرام ... شربه ما خلا دم العنقود
فاسقنيها فدى لعينيك نفسي ... من غزال وطارفي وتليدي
شيب رأسي وذلتي ونحو لي ... ودموعي على هواك شهودي
أي يوم سررتني ... (البيت) إعراب بعض الكلمات:
(كم) خبرية وتمييزها مجرور بالاضافة إليها أو بمن وقد تقدم القول فيها مطولا وهي هنا في محل رفع مبتدأ خبره ببياض، وكما قتلت نعت لمصدر محذوف، هذا ولهم في العشق حديث طويل، وخبره عند أرباب التصوف معقول قال الجنيد: «العشقة ألفة رحمانية وإلهام شوقي أوجبهما كرم الله على كل ذي روح لتحصل به اللذة العظمى التي لا يقدر على مثلها إلا بتلك الألفة وهي موجودة في الأنفس مقدرة مراتبها عند أربابها فما أحد إلا عاشق لأمر يستدل به على قدر طبقته من الخلق ولأجل ذلك كان أشرف المراتب في الدنيا مراتب الذين زهدوا فيها مع كونها معاينة ومالوا الى الآخرة مع كونها مغيبة عنهم» وقد وصف الله تعالى نفسه بالحب فقال: «يحبهم ويحبونه» وقد تقدم القول فيه مطولا، وأما العشق فلم يرد في لسان الشرع، وقال الفضيل بن عياض كلاما جميلا منه: «لو رزقني الله تعالى دعوة مجابة لدعوته تعالى أن يغفر للعشاق لأن حركاتهم اضطرارية لا اختيارية، وما أحسن قول أبي فراس الحمداني:
وكم في الناس من حسن ولكن ... عليك لشقوتي وقع اختياري
стр. 3811
وقال رجل من العرب لبعض بني عذرة: ما لأحدكم يموت عشقا في هوى امرأة ألفها وليس ذلك إلا ضعف نفس أو خور تجدونه، يا بني عذرة فقال: أما والله لو رأيتم الحواجب الزّجّ، فوق النواظر الدعج، تحتها المباسم الفلج، لاتخذتموها اللات والعزى» هذا وقد استند أبو الطيب في قوله «شهيد» الى حديث يروونه هو: «إن من عشق وعف وكتم فمات مات شهيدا» .
(عمرك الله) : مصدر يقال: أطال الله عمرك وعمرك بالضم والفتح وهما وإن كانا مصدرين بمعنى إلا أنه استعمل أحدهما في القسم وهو المفتوح العين فإذا أدخلت عليه لام الابتداء رفعته بالابتداء والخبر محذوف والتقدير لعمر الله قسمي فإن لم تأت باللام نصبته نصب المصادر وقلت عمر الله ما فعلت كذا وعمرك الله ما فعلت كذا فكأنك قلت بتعميرك الله أي باقرارك له بالبقاء، ومنه قول عمر ابن أبي ربيعة:
أيها المنكح الثّريا سهيلا ... عمرك الله كيف يلتقيان
يريد سألت الله أن يطيل عمرك وهو في قول أبي الطيب مصدر ومعناه: سألت الله أن يعمرك تعميرا.
(أحلى من التوحيد) قال الواحدي: «كنّ يمصصن ريقي لحبهنّ إياي فكانت الرشفات في فمي أحلى من كلمة التوحيد وهي لا إله إلا الله وهذا إفراط وتجاوز حد» .
قال ابن القطاع: ذهب كثير من الناس الى أن لفظة أفعل من كذا توجب تفضيل الأول على الثاني في جميع المواضع وذلك غلط والصحيح أن أفعل يجيء في كلام العرب على خمسة أوجه:
стр. 3812
أحدها: أن يكون الأول من جنس الثاني ولم يظهر لأحدهما حكم يزيد على الأول به زيادة يقوم عليها دليل من قبل التفضيل فهذا يكون حقيقة في الفضل لا مجازا وذلك كقولك زيد أفضل من عمرو وهذا السيف أصرم من هذا.
والثاني: أن يكون الأول من جنس الثاني أو قريبا منه ومحتملا للحاق به وقد سبق للثاني حكم أوجب له الزيادة بالدليل الواضح فهذا يكون على المقاربة في التشبيه لا التفضيل نحو قولك الأمير أكرم من حاتم وأشجع من عمرو، وبيت المتنبي من هذا القبيل أي يترشفن من فمي رشفات هنّ قريب من التوحيد.
والثالث: أن يكون الأول من جنس الثاني أو قريبا منه والثاني دون الاول فهذا يكون على الإخبار المحض نحو قولك: الشمس أضوأ من القمر والأسد أجرأ من النمر.
والرابع: أن يكون الأول من غير جنس الثاني وقد سبق للثاني حكم أوجد له الزيادة واشتهر الأول من جنسه بالفضيلة فيكون هذا على سبيل التشبيه المحض والغرض أن يحصل للأول بعض ما يحصل للثاني نحو قولك: زيد أشجع من الأسد وأمض من السيف.
والخامس: أن يكون الأول من غير جنس الثاني والأول دون الثاني في الصفة جدا فيكون هذا على المبالغة المحضة نحو قامته أتمّ من الرمح ووجهه أضوأ من الشمس وجاء في الحديث: «ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء أصدق لهجة من أبي ذر» ذهب من لا يعرف معاني الكلام أن أبا ذر أصدق العالم أجمع وليس الأمر كذلك وإنما
стр. 3813
نفى ﵊ أن يكون أحد أعلى منه رتبة في الصدق ولو أراد ما ذهبوا إليه لقال: أبو ذر أصدق من كل من أظلت وأقلت.
(كل خمصانة) : يجوز فيه الرفع على البدل من الضمير في يترشفن وعلى هذا يرفع أرق حملا على كل، ويجوز نصب كل حملا على النعت لقوله بدورا أو على البدلية منها والخمصانة الضامرة والذكر خمصان.
(أهل ما بي من الضنى بطل) أهل مبتدأ خبره بطل أو خبر لمبتدأ محذوف والمعنى أنا أهل ما بي وحقيق به وأنا بطل صيد.
(ما خلا دم العنقود) : إذا قلت جاء القوم ما خلا زيدا فليس إلا النصب لأن خلا يتحتم كونها فعلا لدخول ما المصدرية عليها، وإذا قلت جاء القوم خلا زيد كان الجر لا غير.
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٢٩ الى ٣٢]
فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ (٣٠) وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ (٣٢)
стр. 3814
الإعراب:
(فَلَمَّا قَضى مُوسَى الْأَجَلَ وَسارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جانِبِ الطُّورِ ناراً) الفاء عاطفة على محذوف يفهم من السياق والتقدير فتم العقد بينهما على الإجارة والنكاح ومارس المهمة التي أنيطت به على أحسن وجه وأكمله فلما. ولما حينية أو رابطة وجملة قضى موسى الأجل لا محل لها وسار عطف على قضى وبأهله جار ومجرور متعلقان بسار وجملة آنس لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن جانب الطور متعلقان بآنس ونارا مفعول به ولك أن تجعل من جانب الطور حالا لأنه كان صفة لنارا وتقدم عليها. (قالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ ناراً) لأهله متعلقان بقال وجملة امكثوا مقول القول وجملة إني تعليل للأمر بالمكث وإن واسمها وجملة آنست خبرها ونارا مفعول به.
(لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ) جملة الرجاء حال أي راجيا ولعل واسمها وجملة آتيكم خبرها والكاف مفعول به ومنها حال لأنه كان صفة لخبر وبخبر متعلقان بآتيكم وأو حرف عطف وجذوة عطف على خبر وهي مثلثة الجيم: الشعلة من النار والقطعة من الحطب وجمعها جذا، قال ابن مقبل:
باتت حواطب ليلى يلتمسن لها ... جزل الجذا غير خوار ولا ذعر
стр. 3815
ومن النار نعت لجذوة وجملة الرجاء حال أيضا ولعل واسمها وجملة تصطلون خبرها. (فَلَمَّا أَتاها نُودِيَ مِنْ شاطِئِ الْوادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ) الفاء عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فسار نحوها فلما أتاها، وجملة نودي لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومن شاطىء الوادي متعلقان بنودي والأيمن صفة لشاطيء وفي البقعة حال من الشاطئ والمباركة صفة للبقعة ومن الشجرة بدل من قوله من شاطىء الوادي بدل الاشتمال لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ وقد تقدم نظيره في قوله: «لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم» أي أتاه النداء من شاطىء الوادي من قبل الشجرة.
(أَنْ يا مُوسى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ) أن مفسرة لأن النداء قول والتقدير أي يا موسى، وأجاز أبو البقاء وغيره أن تكون مخففة من الثقيلة واسمها محذوف يفسره جملة النداء أي نودي بأنه أي الشأن، وإني إن واسمها وهي مكسورة الهمزة باتفاق القراء لأن النداء قول وأنا ضمير فصل أو مبتدأ والله خبر إن أو خبر أنا والجملة خبر إن ورب العالمين نعت لله أو بدل منه. (وَأَنْ أَلْقِ عَصاكَ فَلَمَّا رَآها تَهْتَزُّ كَأَنَّها جَانٌّ وَلَّى مُدْبِراً وَلَمْ يُعَقِّبْ) الواو عاطفة وأن مفسرة معطوفة على سابقتها وألق فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وعصاك مفعول به، فلما الفاء عاطفة على مقدر يقتضيه السياق أي فألقاها فصارت ثعبانا ورآها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة تهتز حالية وجملة كأنها جان حال من فاعل تهتز وكأن واسمها وجان خبرها وجملة ولى لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وفاعل ولى مستتر تقديره هو ومدبرا حال والواو عاطفة وجملة لم يعقب عطف على ولى أي ولم يرجع. (يا مُوسى أَقْبِلْ وَلا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ) أقبل فعل أمر
стр. 3816
وفاعله مستتر تقديره أنت ولا تخف لا ناهية وتخف فعل مضارع مجزوم بلا وإن واسمها ومن الآمنين خبرها والجملة تعليل للأمر بالإقبال والنهي عن الخوف. (اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ) اسلك يدك فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وفي جيبك متعلقان باسلك من سلك الشيء في الشيء أنفذه فيه، وتخرج فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب والفاعل مستتر تقديره هي وبيضاء حال ومن غير سوء متعلقان ببيضاء وقد تقدم تعليل ذلك في سورة طه فجدد به عهدا. (وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ مِنَ الرَّهْبِ) قال الزمخشري:
«فإن قلت ما معنى قوله واضمم إليك جناحك من الرهب؟ قلت:
فيه معنيان أحدهما أن موسى ﵇ لما قلب العصا حية فزع واضطرب فاتقاها بيده كما يفعل الخائف من الشيء فقيل له: إن اتقاءك بيدك فيه غضاضة عند الأعداء فإذا ألقيتها فكما تنقلب حية فأدخل يدك تحت عضدك مكان اتقاءك بها ثم أخرجها بيضاء ليحصل الأمران: اجتناب ما هو غضاضة عليك وإظهار معجزة أخرى. والمراد بالجناح اليد لأن يدي الإنسان بمنزلة جناحي الطائر وإذا أدخل يده اليمنى تحت عضد يده اليسرى فقد ضم جناحه إليه، والثاني أن يراد بضم جناحه اليه تجلده وضبطه نفسه وتشدّده عند انقلاب العصا حية حتى لا يضطرب ولا يرهب استعاره من فعل الطائر لأنه إذا خوّف نشر جناحيه وأرخاهما وإلا فجناحاه مضمومان إليه مشمران.
ومنه ما يحكى عن عمر بن عبد العزيز أن كاتبا له كان يكتب بين يديه فانفلت منه فلتة ريح، فخجل وانكسر فقام وضرب بقلمه الأرض فقال له عمر خذ قلمك واضمم إليك جناحك وليفرخ روعك فإني ما سمعتها من أحد أكثر مما سمعتها من نفسي» .
стр. 3817
واضمم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإليك متعلقان باضمم وجناحك مفعول به ومن الرهب متعلقان باضمم بمثابة التعليل له أي من أجل الرهب وقيل بولي أي هرب من الفزع، وقيل بمدبرا، وقيل بمحذوف أي يسكن من الرهب، والرهب بفتح الراء والهاء وبفتح الراء واسكان الهاء. وسيأتي مزيد تفصيل في باب البلاغة .
(فَذانِكَ بُرْهانانِ مِنْ رَبِّكَ إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ) الفاء الفصيحة أي إذا تأملت بذلك واستيقنت منه فذانك، وذانك اسم إشارة وهي تثنية ذاك ومن قرأ ذانّك بالتشديد جعلها تثنية ذلك بلام البعد ويكون التشديد عوضا عنها وبرهانان خبر ومن ربك صفة لبرهانان أي مرسلان من ربك والى فرعون متعلقان بمرسلان وملئه عطف على فرعون وجملة إنهم تعليل لإرسال البرهانين وان واسمها وجملة كانوا خبرها وكان واسمها وقوما خبرها وفاسقين صفة لقوما.
البلاغة:
تقدم معظم ما في هذه الآيات من فنون البلاغة من استعارة واحتراس، ونضيف الى ما تقدم ما أورده الامام الزمخشري بأسلوبه الساحر وهذا نصه: «فإن قلت قد جعل الجناح وهو اليد في أحد الموضعين مضموما وفي الآخر مضموما إليه وذلك قوله: «واضمم إليك جناحك» وفي طه «واضمم يدك الى جناحك» فما التوفيق
стр. 3818
بينهما؟ قلت: المراد الجناح المضموم هو اليد اليمنى والمضموم اليه هو اليد اليسرى وكل واحدة من يمنى اليدين ويسراهما جناح» .
وقال الزمخشري أيضا: «فإن قلت لم سميت الحجة برهانا؟
قلت لبياضها وإنارتها من قولهم للمرأة البيضاء برهرهة بتكرير العين واللام معا» وهذا تعليل لطيف لا يحسن استنباطه غير هذا الامام ومعنى ذلك أن النون في البرهان زائدة، يقولون أبره الرجل إذا جاء بالبرهان ونظيره تسميتهم الحجة أيضا سلطانا من السليط وهو الزيت لإنارتها، وفي معاجم اللغة: وأبره أتى بالبرهان أو بالعجائب وغلب الناس وهذا هو قول الزمخشري والمحققين، وزعم صاحب القاموس في أحد قوليه أن النون أصلية قال وبرهن عليه أقام البرهان، والبرهان بالضم الحجة فتدبر.
الفوائد:
عصا موسى أيضا:
قدمنا في سورة طه بحثا مستفيضا عن العصا ونضيف هنا ما يتعلق بعصا موسى خاصة، روى التاريخ أن شعيبا كانت عنده عصي الأنبياء فقال لموسى بالليل ادخل ذلك البيت فخذ عصا من تلك العصي فأخذ عصا كان شعيب مفتونا بها وكان مكفوفا فضن بها فقال:
غيرها فما وقع في يده إلا هي سبع مرات فعلم أن له شأنا، وقيل أمر شعيب ابنته أن تعطي موسى عصا يدفع بها السباع عن غنمه فوقعت في يدها سبع مرات كما تقدم وفي كتب التفسير طرائف عن تلك العصا لا مجال لها في كتابنا.
стр. 3819
[سورة القصص (٢٨) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
قالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما بِآياتِنا أَنْتُما وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغالِبُونَ (٣٥) فَلَمَّا جاءَهُمْ مُوسى بِآياتِنا بَيِّناتٍ قالُوا ما هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُفْتَرىً وَما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٣٦) وَقالَ مُوسى رَبِّي أَعْلَمُ بِمَنْ جاءَ بِالْهُدى مِنْ عِنْدِهِ وَمَنْ تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدَّارِ إِنَّهُ لا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٣٧)
اللغة:
(رِدْءاً) : معينا، يقال ردأته: أعنته والرّدء اسم ما يعان به فعل بمعنى مفعول به كما أن الدفء اسم لما يدفأ به. قال سلامة ابن جندل:
وردئي كل أبيض مشرفي ... شحيذ الحدّ عضب ذي فلول
أي وردئي الذي أتوقى به المكاره كل سيف أبيض، وعبّر بكل لأن المراد بيان الجنس لا الشخص ومشرفي نسبة الى مشارف اليمن وهي قرى منها وقيل من الشام، وشحيذ الحد مرهفه من شحذ المدية أي حددها، والعضب: القاطع، والفلول: جمع فلّ وهو كسر
стр. 3820
في حد السيف وانثلام أي به فلول من قراع الكتائب. وقال النحاس:
يقال ردأته وأردأته.
(العضد) : بفتح العين وضم الضاد وبالضم وبالكسر: غليظ الذراع وهو من المرفق الى الكتف جمعه أعضاد وأعضد وهو قوام اليد وبشدته تشتد. قال طرفة، وقيل لأوس ابن حجر:
أبني لبيني لستمو بيد ... إلا يدا ليست لها عضد
وللعين مع الضاد فاء وعينا للكلمة خاصة القوة والصلابة والاصطلام تقول عضه يعضه عضا أمسكه بأسنانه ويقال أيضا عض به وعض عليه وعضه الزمان اشتد عليه وأعضّ السيف بساق البعير، قال لبيد:
ولكنا نعض السيف منها ... بأسوق عافيات الشحم كوم
وعضته الحرب، قال الأخطل:
ضجوا من الحرب إذ عضت غواربهم ... وقيس عيلان من عاداتها الضجر
وملك عضوض: غشوم، وعن أبي بكر: «سترون بعدي ملكا عضوضا وأمة شعاعا» وبئر عضوض: بعيدة القعر كأنها تعض الماتح بما تشق عليه، وعضبته بلساني شتمته، ورجل عضّاب: شتام، وعضبته عن حاجة: قطعته، ومالك تعضبني عما أنا فيه، والعضب بالسيف القاطع والرجل الحديد الكلام، وعضبر الكلب: استأسد والعضبارة: حجر الرحى وصخرة يقصر القصّار الثوب عليها،
следующие страницы →