Полный текст (5 784 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
متعلقان بيخرجهم والى النور متعلقان بيخرجهم لاختلاف المعنيين، أي بدءا من الظلمات وانتهاء الى النور أو حال من الموصول (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) الواو عاطفة والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة الموصول (أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ) مبتدأ وخبر والجملة الاسمية خبر الذين والرابط الضمير (يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ) تقدم إعراب شبيهها (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ) مبتدأ وخبر والنار مضاف اليه والجملة حالية (هُمْ فِيها خالِدُونَ) مبتدأ وخبر وفيها متعلقان بخالدون والجملة حال ثانية.
البلاغة:
١- العروة الوثقى: استعارة تصريحية تمثيلية، فقد شبّه من يسلك سبيل الله بمن أخذ بحبل وثيق مأمون لا ينقطع، فهو آمن من الانزلاق، والتردّي في مهاوي الخطل والضلال.
٢- الاستعارة التصريحية في استعارة الظلمات والنور للضلال والهدى.
٣- في قوله تعالى: «يخرجونهم من النور الى الظلمات» فن نفي الشيء بايجابه وهو فن عجيب فحواه أن المتكلم يثبت شيئا في كلامه وينفي ما هو من سببه مجازا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة هو الذي أثبته. وحاصل ما ذكرناه أن الذين كفروا لم يسبق لهم نور حتى يخرجوا منه، فقد يوهم ظاهر الكلام أنه كان لهم نور في الأصل، ثم أخرجوا منه، والمراد نفي النور عنهم أصلا. ومثله قول مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني:
стр. 387
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
ومثله قول أبي الطيب المتنبي:
أفدي ظباء فلاة ما عرفن بها ... مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
ولا برزن من الحمّام ماثلة ... أوراكهنّ صقيلات العراقيب
فظاهر الكلام عدم بروزهن من الحمام على تلك الحالة، والمراد في باطنه عدم الحمام مطلقا، وسيأتي المزيد من بحثه في هذا الكتاب.
وقد يجوز أن يكون من باب المشاكلة، وقد تقدمت. وحاصلها أن ذكر الإخراج الثاني مشاكله للأول على حد قوله: «قلت اطبخوا لي جبة وقميصا» مع التسليم بأن المراد بالذين كفروا الذين لم يسبق لهم إيمان أصلا، فتأمل.
٤- جمع الظلمات وأفرد النور لسر بلاغي عجيب. وهو ينطوي على الإشارة إلى وحدة الحق وتعدد أنواع الظلمات التي هي الضلالات وما أكثرها، ولأن طريق الحق واضحة المعالم لا لبس فيها، ولا تشعّب في مسالكها أما طريق الضلال فهي ملتبسة على من يسلكها.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٥٨ الى ٢٥٩]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قالَ إِبْراهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٢٥٨) أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها قالَ أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قالَ كَمْ لَبِثْتَ قالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)
стр. 388
اللغة:
(حَاجَّ) غالب خصمه بالحجة ومن أقوالهم: كانت بينهما محاجّة وملاجّة.
(خاوِيَةٌ) : ساقطة أو خالية من أهلها.
(يَتَسَنَّهْ) : الهاء أصلية أو للسكت. أي لم تمرّ السنة عليها، والشيء عادة يتغير بمرور الزمان. فلام السنة واو أو هاء. وقيل:
أصلها يتسنّن، من الحمأ المسنون. وسيرد في الإعراب تفصيل واف عن هذه اللفظة.
(نُنْشِزُها) نحركها ونرفع بعضها الى بعض للتركيب.
стр. 389
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْراهِيمَ فِي رَبِّهِ) كلام مستأنف مسوق للتعجب من قصة أحد الطواغيت، والخطاب للنبي ﷺ ، والمراد العموم. فالهمزة للاستفهام التعجبي ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والى الذي جار ومجرور متعلقان ب «تر» ولا بد من حذف مضاف، أي الى قصة الذي حاجّ، وحاجّ فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وابراهيم مفعول به وفي ربّه جار ومجرور متعلقان بحاجّ (أَنْ آتاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ) أن حرف مصدري ونصب، آتاه فعل ماض في محل نصب بأن والهاء مفعول به والمصدر المنسبك من أن والفعل بعدها في محل نصب مفعول لأجله بتقدير اللام، لأن شرطا من شروط المفعول لأجله قد فقد وهو اتحاد الفاعل وحذف اللام قياسي قبل أن وأنّ. والمراد أقدم على محاجّة إبراهيم وملاحاته لبطره وصلفه، وكان الأجدر به أن يشكر على النعمة، ويتواضع عند الرفعة. وهذا أولى من جملة ظرفا بمعنى وقت إيتاء النعمة. والمصادر قد تقع ظروفا مثل خفوق النجم ومقدم الحاجّ (إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بحاج وأجاز الزمخشري والجلال أن يكون بدلا من «أن آتاه» إذا جعل بمعنى الوقت، ولكن النحاة نصّوا على أنه لا يقوم مقام ظرف الزمان إلا المصدر المصرح بلفظه، فلا يجوز: أجيء أن يصيح الديك، ولا: جئت أن صاح الديك، وقال ابراهيم فعل وفاعل والجملة في محل جر بالاضافة (رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) ربي مبتدأ والذي خبره وجملة يحيي صلة الموصول لا محل لها ويميت عطف على يحيي وجملة ربي إلخ مقول القول
стр. 390
(قالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ) الجملة مستأنفة وقال فعل ماض وفاعله ضمير مستتر تقديره هو وأنا مبتدأ وأحيي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا والجملة خبر أنا وجملة أنا أحيي جملة اسمية في محل نصب مقول القول، وأميت عطف على أحيي (قالَ إِبْراهِيمُ) فعل وفاعل والجملة مستأنفة مسوقة للانتقال من حجة الى حجة أظهر (فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ) الفاء الفصيحة وهي الواقعة في جواب شرط مقدر. أي إذا كنت قادرا كما تدعي كذبا وافتئاتا. فإن الله يأتي بالشمس من المشرق ... ، وإن واسمها، وجملة يأتي خبرها والجملة بعد الفاء لا محل لها لأنها جواب شرط مقدر غير جازم والجار والمجرور «بالشمس» متعلقان بيأتي ومن المشرق جار ومجرور متعلقان بيأتي أيضا (فَأْتِ بِها مِنَ الْمَغْرِبِ) كرر الفاء الفصيحة للتأكيد وإرهاصا بالحجة وأت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل أنت، بها متعلقان بأت، من المغرب متعلقان به أيضا (فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ) الفاء عاطفة وبهت من الأفعال التي أتت مبنية للمجهول والذي نائب فاعل أي على اللفظ ويجوز أن يكون فاعلا باعتبار المعنى، ولعله أولى.
وكفر فعل ماض وفاعل مستتر والجملة صلة الذي (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) الواو استئنافية، الله مبتدأ وجملة لا يهدي خبره والقوم مفعول به الظالمين صفة (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى قَرْيَةٍ) تقدير الكلام: أو أرأيت مثل الذي، فأو حرف عطف والكاف اسم بمعنى مثل، فحذف لدلالة «ألم تر» عليه، ومثل هذا النظم يحذف منه فعل الرؤية كثيرا، والغرض من ذلك التعجب، فيقال: ألم تر الى الذي صنع كذا، بمعنى انظر اليه. وعلى كل حال فالكاف الاسمية معطوفة على «الذي حاج ابراهيم» والذي مضاف اليه وجملة «مر على قرية» صلة الموصول، والقرية قيل:
стр. 391
أراد بها بيت المقدس حين خربها بختنصّر (وَهِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها) الواو للحال وهي مبتدأ وخاوية خبر وعلى عروشها جار ومجرور متعلقان بخاوية. والمعنى سقطت السقوف أولا ثم تلتها الأبنية.
وهذا التصوير تجسيد شعري لفناء المحدثات، يبدأ الفناء بالعوالم والكائنات الحية ثم تتلوها الجمادات، وقد رمق من طرف خفي أبو الطيب المتنبي سماء هذا المعنى البديع فنقله نقلا دقيقا أسرع من تنقّل الطيوف في الأجفان فقال يرثي:
أين الذي الهرمان من بنيانه؟ ... ما قومه؟ ما يومه؟ ما المصرع؟
تتخلف الآثار عن أصحابها ... حينا ويدركها الفناء فتتبع
والبيت الثاني هو المقصود، ومعناه أن الآثار وهي المباني تبقى بعد أربابها لتدلّ على تمكنهم وقوتهم، ثم ينالها بعدهم ما نالهم من الفناء، وسيدركها الخراب فتسقط متداعية ثم تسقط فوقها العروش، والسقوف المشيدة، فتذهب الآثار، وقد ذهب المفسرون في قصة هذا المارّ مذاهب طريفة يحلو الرجوع إليها في المطولات، وهل قال ما قال بمعرض الإنكار للبعث؟ وهل كان كافرا؟ هذه كلها حدوس تتألف منها قصة مجنحة، فمن لنا بالكاتب المبدع؟ (قالَ: أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِها) قال: فعل وفاعله هو، وأنى فيها وجهان: أحدهما أن تكون بمعنى متى فتكون ظرفا متعلقا بيحيي. وثانيهما أن تكون بمعنى كيف فتكون حالا من هذه، والعامل فيها يحيي. وجملة يحيي في محل جر بالاضافة إذا كانت «أنى» ظرفا. أو مقولا للقول إذا كانت بمعنى كيف. ويحيي فعل مضارع وهذه مفعول مقدم والله فاعل مؤخر وبعد موتها ظرف زمان متعلق بيحيي أيضا. وجملة قال مستأنفة مسوقة للتّلهّف عليها، والتشوق الى عمارتها مع استشعار اليأس منها
стр. 392
(فَأَماتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عامٍ) الفاء عاطفة وأماته الله فعل ومفعول به وفاعل ومائة ظرف زمان متعلق بأماته وعام مضاف اليه (ثُمَّ بَعَثَهُ) عطف على أماته، وعطف بثم للإشعار بالتراخي وطول المدة (قالَ: كَمْ لَبِثْتَ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال قد يساور الخاطر كأنه قيل:
فماذا قال الله تعالى له حين بعثه بعد الموت؟ وكم اسم استفهام في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بلبثت ومميزها محذوف كأنه قيل:
كم وقتا لبثت؟ ولبثت فعل وفاعل والجملة في محل نصب مقول القول (قالَ: لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) جملة القول مستأنفة لتكون بمثابة الرد على السؤال وجملة لبثت في محل نصب مقول القول ويوما ظرف زمان متعلق بلبثت وأو حرف عطف وبعض يوم عطف على يوما، منتظم في سلك الظرف الزمني (قالَ: بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عامٍ) جملة قال استئنافية، بل حرف عطف عاطفة على جملة محذوفة، لا بد من تقديرها، والتقدير:
ما لبثت؟ يوما أو بعض يوم؟ بل لبثت مائة عام ومائة عام ظرف.
والجملة مقول القول (فَانْظُرْ إِلى طَعامِكَ وَشَرابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ) الفاء الفصيحة، وهي هنا جواب لشرط مقدر تقديره: إذا حصل لك ارتياب وعدم طمأنينة في أمر البعث فانظر. وانظر فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والى طعامك جار ومجرور متعلقان بانظر وشرابك عطف على طعامك ولم حرف نفي وقلب وجزم ويتسنه فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه السكون إذا كانت الهاء أصلية، وإذا كانت الهاء للسكت كان الفعل مجزوما بحذف حرف العلة، وعندئذ تثبت هاء السكت في الوقف لا في الوصل وسيأتي حكمها. وإذا كان الفعل من التّسنّن الذي هو التغير كان مجزوما بالسكون المقدر على حرف العلة المحذوف الذي أبدلت النون الثانية منه وجملة لم يتسنه حال.
(وَانْظُرْ إِلى حِمارِكَ) عطف على ما تقدم، وإنما خصه بالذكر لأن المارّ
стр. 393
كان يركبه، ولأن العبرة بالكائنات الحية أشد تأثيرا وقد تقدم إعراب مثلها (وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ) الواو عاطفة واللام للتعليل ونجعلك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، واللام والمصدر المجرور بها متعلقان بفعل محذوف، أي: فعلنا ذلك كله لنجعلك آية والفاعل ضمير مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به أول، وآية مفعول به ثان وللناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية (وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها) الواو عاطفة وانظر فعل أمر والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والى العظام جار ومجرور متعلقان بانظر، وكيف اسم استفهام في محل نصب حال وصاحب الحال الضمير المنصوب في ننشزها والجملة بدل من العظام وهي في محل جر أو نصب لأن نظر البصرية تتعدى بإلى وهي معلقة عن العمل بسبب الاستفهام فتكون في محل نصب، أي الى حال العظام وننشزها فعل مضارع مرفوع والهاء مفعول به والفاعل مستتر تقديره نحن (ثُمَّ نَكْسُوها لَحْماً) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ونكسوها فعل مضارع ينصب مفعولين أولهما الهاء ولحما وهو المفعول الثاني (فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ) الفاء عاطفة على مقدر يستوجبه السياق كأنه قال: فأنشزها الله وكساها لحما، فنظر إليها فتبين له كيف يتم الإحياء والبعث. ولما ظرفية غير جازمة متعلقة بالجواب، وتبين فعل ماض مبني على الفتح الظاهر، وفاعل تبين ضمير مستكن يعود على كيفية الإحياء، وقدّره الزمخشري تقديرا طريفا، قال: «فلما تبين له ما أشكل عليه» وقدره الجلال: فلما تبين له ذلك بالمشاهدة. والجار والمجرور متعلقان بتبين وجملة تبين في محل جر بالإضافة (قالَ: أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) قال فعل وفاعله مستتر، وجملة أعلم مقول القول وجملة القول لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وأن واسمها وخبرها سدت مسد مفعولي أعلم.
стр. 394
الفوائد:
١- ينوب عن الظرف المصدر إذا كان مضافا اليه وأن يكون معينا لوقت أو مقدار نحو جئتك صلاة العصر ومقدم الحاج.
٢- هاء السكت: سميت بذلك لأنه يسكت عليها دون آخر الكلمة، ولها ثلاثة مواضع:
آ- الفعل المعتلّ بحذف آخره لجزم أو سكون مثل: لم يتسنه ولم يغزه ولم يخشه ولم يرمه واغزه واخشه وارمه ومنه قوله تعالى: «فبهداهم اقتده» وهي في كل هذا جائزة لا واجبة، إلا في مسألة واحدة، وهي أن يكون الفعل قد دخله الحذف وبقي على حرف واحد، كالأمر من وعى يعي، فإنك تقول: عه، بحذف فائه ولامه.
ب- ما الاستفهامية المجرورة بالحرف، وذلك أنه يجب حذف ألفها إذا جرت، نحو عمّ ومم وبم وفيم. فإذا وقفت عليها ألحقتها الهاء حفظا للفتحة الدالة على الألف.
ج- كل مبني على حركة بناء ولم يشبه المعرب، وذلك كياء المتكلم وهو وهي، فإنك تقف عليها بهاء السكت محافظة على الفتحة، وفي القرآن: «ماهيه» و «ماليه» و «سلطانيه» ، وقال حسان:
إذا ما ترعرع منا الغلام ... فما إن يقال له: ما هوه؟
وحق هاء السكت أن تكون ساكنة وتحريكها لحن عند البصريين. وكان أبو الطيب المتنبي يراغم النحاة فقال:
стр. 395
وأحرّ قلباه ممن قلبه شبم ... ومن بجسمي وحالي عنده سقم
وهو- كما تعلم- كوفي، والكوفيون يجيزون ذلك، والواقع أن علماء النحو اضطربوا كثيرا في هذه المسألة، ووفقوا حائرين أمام قول عروة في حبيبته عفراء:
يا مرحباه بحمار عفرا ... ويا مرحباه بحمار ناجيه
وقد دافع أبو البقاء العكبري عن أبي الطيب المتنبي في شرحه لديوانه في بحث شيق حبذا لو رجعت اليه.
٣- الاستفهام في هذه الآية خرج عن معناه الأصلي، فالأول «ألم تر» معناه التعجب، أي: أعجب يا محمد من هذه القصة، والاستفهام الثاني للاستعظام، وهو «أنى يحيي هذه الله بعد موتها» .
لمحة تاريخية لا بدّ منها:
كان عزيز بن شرخيا من سكان بيت المقدس، وقد كان في جملة من سباهم بختنصّر، فلما خلص من السبي وجاء ورآها على تلك الحالة، وكان راكبا على حمار، دخلها وطاف فيها، فلم ير أحدا فيها.
وكان أغلب أشجارها حاملا، فأكل من الفاكهة، واعتصر من العنب، ثم ربط حماره بحبل، وجعل فضل الفاكهة في سلة، وفضل العصير في زق أو ركوة، ثم ألقى الله عليه النوم فنام، ولما نام نزع الله منه الروح، وأمات حماره، وبقي عصيره وتينه عنده، فلما مضى من وقت موته سبعون سنة سلط الله ملكا من ملوك فارس، فسار بجنوده حتى أتى بيت المقدس فعمره، وصار أحسن مما كان، وعاد أهلها إليها
стр. 396
وأعمى الله العيون عن عزير هذه المدة. فلما مضت المائة أحياه الله ثم أخذ ينظر الى حماره تدب فيه الروح وتتلملم الأوصال، الى آخر تلك القصة التي نتمنى أن يعمد إليها كاتب قصصي بارع فيجعل منها قصة فنية. وهي تشجب أقوال اليهود في عزير أنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك.
ملاحظات هامة:
١- تحدثنا عن قوله تعالى: «ألم تر» في باب الإعراب، وقد عثرنا على تقرير هام للتفتازاني خلاصته: تقرير هذا أن كلا من لفظ «ألم تر» و «أرأيت» مستعمل لقصد التعجب، إلا أن الأول تعلق با لمتعجّب منه فيقال: ألم تر الى الذي صنع كذا بمعنى انظر اليه، فتعجب من حاله. والثاني تعلق بمثل المتعجب منه فيقال: أرأيت مثل الذي صنع كذا؟ بمعنى أنه من الغرابة بحيث لا يرى له مثل. ولا يصح:
ألم تر الى مثله، إذ يصير التقدير: انظر الى المثل وتعجب من الذي صنع. فلذا لم يستقم عطف «كالذي مرّ» على «الذي حاج» واحتيج الى التأويل في المعطوف بجعله متعلقا بمحذوف، أي أرأيت الى، أو في المعطوف عليه، نظرا الى أنه في معنى: أرأيت كالذي حاج، فيصح العطف عليه حينئذ.
قلت: وهذه دقة نظر وبعد غور لا حدّ لهما، واستقصاء علمي منقطع النظير، ولم نصحح إعرابنا كما ارتآه، واكتفينا بإثبات هذه الملاحظة.
٢- قال أبو السعود العماري مفتي التخت العثماني الذي تقلد
стр. 397
الإفتاء الإسلامي مدة ثلاثين سنة، وصاحب التفسير المسمى «إرشاد السليم الى مزايا الكتاب الكريم» والمتوفى سنة ألف وخمسمائة وأربع وسبعين للميلاد في صدد بحثه عن الكاف في قوله «أو كالذي» :
والكاف إما اسمية كما اختاره قوم، جيء بها للتنبيه على تعدد الشواهد وعدم انحصارها فيما ذكر، كقولك: الفعل الماضي مثل نصر، وإما زائدة كما ارتضاه آخرون والمعنى: أولم تر الى الذي مر على قرية كيف هداه الله وأخرجه من ظلمة الاشتباه الى نور العيان والشهود، أي قد رأيت ذلك وشاهدته.
٣- قال ابن هشام في المغني: «ومن الوهم في هذا الباب قول بعضهم في قوله تعالى «وانظر الى العظام كيف ننشزها» أن جملة الاستفهام حالية، والصواب أن «كيف» وحدها حال من مفعول ننشزها، وأن الجملة بدل من العظام» .
وأورد الدسوقي في حاشيته على ابن هشام أن هذه الجملة لا تحلّ محل المبدل منه، وهو شرط في صحة البدل. وفات الدسوقي أن الالتفات للمعنى أي الى العظام وكيفية نشوزها، على أن هذه القاعدة أغلبية.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٠]
وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)
стр. 398
اللغة:
(فَصُرْهُنَّ) : بضم الصاد ويجوز كسرها، فعل أمر من صار يصور أو من صار يصير بمعنى ضمّ أو مال، قال:
وفرع يصير الجيد وحف كأنه ... على الليت قنوان الكروم الدّوالح
يصف شعر محبوبته بأنه يميل عنقها لنقله عليه ويشبهه بعناقيد الكروم المثقلات بالحمل. وقال في مختار الصحاح: «وصاره أماله، من باب قال وباع، وقرىء فصرهن إليك بضم الصاد وكسرها، وصار الشيء أيضا من البابين قطعه وفصله، فمن فسره بهذا جعل في الآية تقديما وتأخيرا، أي فخذ إليك أربعة من الطير فصرهن» .
الإعراب:
(وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق لإيراد دليل آخر على رعاية الله للمؤمنين، وفيه تنويه بأن الرؤية والعيان لا بد منهما لتدعيم الاعتقاد وترسيخه، إذ لم يكن إبراهيم شاكا في إحياء الله للموتى، وإذ ظرف متعلق بما ذكر مقدرا وقال ابراهيم فعل وفاعل والجملة في محل جر بالإضافة (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة، والجملة في محل نصب مقول القول. وأرني فعل أمر من الإراءة البصرية المتعدية لواحد، وبدخول الهمزة صارت متعدية لاثنين. وأصل أرني أرئيني، فحذفت الياء الأولى فصار أرئني، ثم نقلت حركة الهمزة الى الراء وحذفت الهمزة،
стр. 399
وأرني فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والنون للوقاية وياء المتكلم مفعول به أول، وكيف استفهام حال وتحيي فعل مضارع وفاعله مستتر والموتى مفعول به وجملة كيف تحيي الموتى في محل نصب مفعول أرني الثاني (قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ) قال فعل ماض والفاعل هو والجملة مستأنفة بمثابة التقرير للواقع، أي: أتسأل ولم تؤمن، والهمزة للاستفهام التقريري، لأن الاستفهام إنما هو عن أمر متقرر الوجود عند السائل والمسئول على السواء. والواو عاطفة ولم حرف نفي وقلب وجزم وتؤمن فعل مضارع مجزوم بلم والجملة الاستفهامية في محل نصب مقول القول (قالَ بَلى) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير الإيمان، وأتى ب «بلى» التي هي حرف جواب لتثبت الإيمان المنفي، ولو كان الجواب بنعم لكان كفرا (وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي) الواو عاطفة على جملة محذوفة تقديرها: «سألتك» ، ولكن حرف استدراك مهمل وليطمئن اللام للتعليل ويطمئن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة ولا بد من تقدير محذوف ليصح تعليق اللام، أي ولكن سألتك كيفية الإحياء ليطمئن قلبي، وقلبي فاعل مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف اليه (قالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ) جملة مستأنفة مسوفة للتدليل على ولاية الله تعالى للمؤمنين والسير بهم في آماد الطريق المستقيم، والفاء هي الفصيحة أي إذا أردت معرفة ذلك عيانا فخذ، وخذ فعل أمر والفاعل أنت وأربعة مفعول به ومن الطير جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لأربعة (فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ) الفاء عاطفة وصرهنّ فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به والنون علامة النسوة لا محل لها من الإعراب وإليك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي مضمومات إليك (ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً)
стр. 400
ثم حرف عطف للترتيب والتراخي واجعل فعل أمر والفاعل أنت وعلى كل جار ومجرور متعلقان باجعل على أنه مفعول ثان ل «اجعل» وجبل مضاف اليه ومنهن جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «جزءا» فلما تقدمت على الموصوف أعربت حالا وجزءا هو المفعول الأول (ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً) عطف أيضا وادعهن فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والفاعل أنت والهاء مفعول به والنون علامة التأنيث لا محل لها ويأتينك فعل مضارع مبني على السكون في محل جزم جواب الطلب والنون فاعل والكاف مفعول به والجملة جواب الطلب لا محل لها وسعيا مفعول مطلق أي مشيا سريعا. ولك أن تعربها حالا، أي مسرعات (وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) الواو عاطفة واعلم فعل أمر والفاعل أنت وان واسمها وخبراها سدت مسد مفعولي اعلم.
البلاغة:
في هذه الآية إيجاز بالحذف وقد حذف تتمة القصة، إذ حكى سبحانه أوامره، ولم يتعرض لامتثال إبراهيم ﵇ لها، لأن ذلك مدرك بالبداهة.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦١ الى ٢٦٢]
مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)
стр. 401
اللغة:
(السنبلة) معروفة، وزنها فنعلة، فالنون زائدة، يقال:
أسبل الزرع: أرسل ما فيه. وحكى بعض اللغويين: سنبل الزرع، فتكون النون أصلية، ووزنه فعلل. وقد روى الأساس واللسان:
«وأسبل الزرع وسنبل: خرج سبله وسنبله» .
(المن) أن يعتدّ على من أحسن اليه بإحسانه.
الإعراب:
(مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لضرب المثل لإنفاق الأموال في سبيل الله، ولا بد من حذف مضاف، أي: مثل نفقتهم. ومثل مبتدأ والذين مضاف اليه وجملة ينفقون لا محل لها لأنها صلة الموصول وأموالهم مفعول به وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بينفقون (كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، ولا بد من حذف مضاف أيضا، أي كمثل باذر حبة. وأنبتت فعل ماض والفاعل هي وسبع مفعول به وسنابل مضاف اليه وعلامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع وجملة أنبتت صفة لحبة (فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ) في كل الجار والمجرور متعلقان بمحذوف
стр. 402
خبر مقدم وسنبلة مضاف اليه، ومائة حبة مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صفة لسنابل فتكون في محل جر، أو صفة لسبع فتكون في محل نصب (وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ) الواو استئنافية والله مبتدأ ويضاعف فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى وجملة يضاعف في محل رفع خبر للمبتدأ «الله» ولمن الجار والمجرور متعلقان بيضاعف وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة من (وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) الواو عاطفة والله مبتدأ وواسع خبر أول وعليم خبر ثان (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لك أن تجعلها تابعة للجمل السابقة على أنها مبدلة منها، ولك أن تجعلها مستأنفة مسوقة لذكر الإنفاق غير المشوب بالمن. والذين مبتدأ أو بدل من الذين الأولى وجملة ينفقون أموالهم لا محل لها لأنها صلة وفي سبيل الله متعلقان بينفقون (ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ ما أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً) ثم حرف عطف للترتيب والتراخي في الزمان والرتبة، ولا نافية ويتبعون فعل مضارع معطوف على ينفقون وما اسم موصول مفعول به أول وجملة أنفقوا صلة ما ومنا مفعول به ثان ولا أذى عطف على «منا» (لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الجار والمجرور خبر مقدم وأجرهم مبتدأ مؤخر والظرف متعلق بمحذوف حال وربهم مضاف اليه والجملة الاسمية في محل رفع خبر الذين إذا كانت مبتدأ، أما إذا كانت بدلا فالجملة استئنافية (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تقدم إعراب هذه الآية بحروفها.
البلاغة:
١- التشبيه التمثيلي: فقد شبه نفقة المنفقين في سبيل الله بالحبة في مضاعفة الأجر، فهي عند ما يغرسها الغارس تنبت ساقا
стр. 403
يتشعّب منه سبع شعب، لكل واحد سنبلة. وفيه تجسيد بديع بعقد المماثلة بين المشبّه والمشبه به. والغرض من التشبيه هنا توضيح المعنى وتقريبه للأذهان أولا، ثم تأييده بالدليل المحسوس الذي لا يكابر فيه المكابر، ولا يتعنّت فيه المتعنّت ثانيا، ثم تزيين المشبه وتجميله، وإلهاب الرغبة فيه، بحيث لا يتردد أحد في الإنفاق بعد أن رأى بعينه سلفا ما أعد له من جزاء ثالثا.
٢- «ثم» في أصل وضعها تشير الى أن ثمة تراخيا بين المعطوف بها والمعطوف عليه، وهذا التراخي قد اختلف فيه، فبعضهم يقول:
إنه تراخي الزمن وبعد ما بينهما. والزمخشري يرحمه الله يحمله على التفاوت في الرتبة، فإلى أيهما يعتزي في هذه الآية؟
لقد أفاض علماء البيان في هذا الباب، فقال قوم: المراد التراخي في الزمن نظرا للغالب من أن وقوع المنّ والأذى يكون يعد الإنفاق حتما، بل هما مترتبان عليه، ولا يمكن تصورهما قبل وقوعه، وهذا حسن جميل، وذهب الزمخشري الى أن التراخي هنا محمول على التفاوت في المراتب والتباعد بينهما، حيث لا يمكن حملها على الزمان لسياق يأبى ذلك في الآية. وحاصله أنها استعيرت من تباعد الأزمنة لتباعد المرتبة، وهذا من أبدع ما يصل اليه الفكر الراجح والذكاء البعيد الغور، فإن است خراج هذه الاستعارة على هذا الشكل لا يدركه قصار النظر والابتدائيون، وعلى هذا يقال: معناها الأصلي تراخي زمن وقوع الفعل وحدوثه، ومعناها المستعارة اليه دوام وجود الفعل وتراخي زمان بقائه.
стр. 404
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٣ الى ٢٦٥]
قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ (٢٦٣) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى كَالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ عَلَيْهِ تُرابٌ فَأَصابَهُ وابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ (٢٦٤) وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٦٥)
اللغة:
(رِئاءَ) مصدر راءى مراءاة ورئاء، والأصل: ريايا، فالهمزة الأولى بدل من ياء هي عين الكلمة. والثانية بدل من ياء هي لام الكلمة لأنها وقعت طرفا بعد ألف زائدة. والمفاعلة على بابها من المشاركة، لأن المرائي يري الناس أعماله حتى يروه الثناء عليه والاحترام له.
(صَفْوانٍ) : حجر كبير أملس.
стр. 405
(الوابل) : المطر الكثير. قال الأصمعي: أخف المطر وأضعفه الطلّ، ثم الرذاذ أقوى منه، ثم البغش والدّث، ومثله الرّكّ والرهمة. وقال النضر بن شميل: أول المطر رش وطش، ثم طل ورذاذ، ثم نضح ونضخ، ثم هطل وتهتان، ثم وابل وجود.
(صلد) : صلب أملس أو أجرد نقي من التراب الذي كان عليه.
الإعراب:
(قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أَذىً) قول مبتدأ وساغ الابتداء بالنكرة لأنها وصفت، معروف: صفة لقول ومغفرة عطف على قول، خير خبر، من صدقة جار ومجرور متعلقان بخير، يتبعها فعل مضارع والهاء مفعول به والجملة صفة لصدقة، أذى فاعل، (وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وغني حليم خبراه. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها كثيرا (لا تُبْطِلُوا صَدَقاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذى) كلام مستأنف مسوق لبيان حكم هذه المسألة، وهي إبطال الصدقات بالمن والأذى. ولا ناهية وتبطلوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وصدقاتكم مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف مضاف اليه وبالمن جار ومجرور متعلقان بتبطلوا والأذى عطف على المن (كَالَّذِي) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف نعت لمصدر محذوف، فهو مفعول مطلق أي لا تبطلوها إبطالا كإبطال الذي ... أو حال من ضمير المصدر المقدر، كما نص عليه سيبويه، أو من فاعل تبطلوا. أي لا تبطلوا صدقاتكم مشبهين الذي ينفق ماله رئاء الناس والوجهان
стр. 406
جيدان. (يُنْفِقُ مالَهُ رِئاءَ النَّاسِ) جملة ينفق ماله صلة الموصول لا محل لها ورئاء الناس مفعول لأجله وقد استكمل شروط النصب فلا يعدل عنه الى وجه آخر كما زعم بعض المعربين (وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الواو حرف عطف، لا نافية، يؤمن فعل مضارع وفاعله هو، وبالله متعلقان بيؤمن، واليوم الآخر معطوف على الله (فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوانٍ) الفاء استئنافية جيء بها لمجرد الربط بين الجمل، ومثله مبتدأ وكمثل الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، أو الكاف اسم بمعنى مثل خبر وهو مضاف ومثل مضاف اليه وصفوان مضاف الى مثل (عَلَيْهِ تُرابٌ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وتراب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية في محل جر صفة لصفوان (فَأَصابَهُ وابِلٌ) الفاء عاطفة عطفت أصابه على متعلق عليه، أي: استقر عليه فأصابه، والهاء مفعول به ووابل فاعل (فَتَرَكَهُ صَلْداً) الفاء عاطفة وترك فعل ماض ينصب مفعولين أولهما الهاء والثاني صلدا (لا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ) الجملة مستأنفة مسوقة للرد على سؤال، كأنه قيل فماذا كان مآلهم؟
فقيل: لا يقدرون، ولا نافية ويقدرون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وعلى شيء جار ومجرور متعلقان بيقدرون، وأعاد الضمير مجموعا وهو في الظاهر مفرد، لأن «الذي» يراد به الفريق الذي ينفق والجنس الذي ينفق (مِمَّا كَسَبُوا) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لشيء وجملة كسبوا لا محل لها لأنها صلة الموصول ما (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكافِرِينَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة للتعريض بأن المن والأذى من صفات الكفار والله مبتدأ وجملة لا يهدي خبر والقوم مفعول به والكافرين صفة للقوم (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ) الواو عاطفة على «فمثله» ومثل مبتدأ ولا بد من تقدير مضاف تقديره نفقات، والذين مضاف
стр. 407
اليه وجملة ينفقون أموالهم لا محل لها لأنها صلة الموصول (ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) مفعول لأجله وشروط النصب متوفرة فيه ومرضاة الله مضاف اليه (وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) عطف على ابتغاء، ومن أنفسهم متعلقان ب «تثبيتا» أي منطلقا من أصل أنفسهم، وقال ابن عطية:
«ولا يصح أن يكون ابتغاء مفعولا من أجله لعطف «تثبيتا» عليه، ولا يصح «تثبيتا» أنه مفعول من أجله لأن الانفاق ليس من أصل التثبيت» ، ولهذا رجّح أبو حيان أن يكون «ابتغاء» مصدرا في موضع الحال، أي: متغين، وكذلك «وتثبيتا» . وفي كلامهما شيء غير قليل من بعد الغور وحسن التقدير. ولكن يمكن القول أن التثبيت من أفعال القلوب، لأنه صادر عنها، وهو يحدو صاحب القلب الى التثبيت، ولهذا نرجح ما أعربناه (كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر للمبتدأ «مثل الذين» وبربوة جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لجنة (أَصابَها وابِلٌ) فعل ومفعول به وفاعل والجملة صفة لجنة أيضا (فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ) الفاء عاطفة وآتت فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هي يعود على جنة وأكلها مفعول به والهاء مضاف اليه وضعفين حال (فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ) الفاء استئنافية وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم ويصبها فعل مضارع مجزوم ب «لم» في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وطل خبر لمبتدأ محذوف أي فالذي يصيبها طلّ والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ والجار والمجرور متعلقان ببصير وجملة تعملون صلة الموصول وبصير خبر الله.
стр. 408
البلاغة:
١- التشبيه التمثيلي الأول: فقد شبه إنفاق الأموال رئاء الناس ثم إتباع ذلك بالمنّ والتطاول بالإحسان بالتراب الذي يوضع على الصخر الأملس يأتي عليه الوابل من المطر فيذروه ويذهب به ولا يترك له أثرا.
٢- التشبيه التمثيلي الثاني: فقد شبه إنفاق الأموال الخالص من الرياء في سبيل الله وابتغاء مرضاته بالبستان الوريف الظلال فوق ربوة عالية يكفيها القليل من المطر لتربو وتهتز وتمرع وتخصب.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٦]
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ وَأَصابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ فَأَصابَها إِعْصارٌ فِيهِ نارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢٦٦)
اللغة:
(نَخِيلٍ) النخيل: قيل: هو اسم جمع، واحدته نخلة. وقيل:
هو جمع نخل، ونخل اسم جنس.
(الأعناب) : جمع عنب، أو هو اسم جنس، واحدته عنبة (إِعْصارٌ) : ريح شديدة مرتفعة، وقيل: هو الريح السموم.
سميت بذلك لأنها تلتف كما يلتف الثوب المعصور، وقيل لأنها تعصر السحاب. ويجمع الإعصار على أعاصير.
стр. 409
الإعراب:
(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ) جملة مستأنفة مسوقة لضرب مثل آخر لنفقة المرائين والمانّين. والهمزة للاستفهام ويود فعل مضارع وأحدكم فاعله والكاف مضاف اليه (أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ) أن وما بعدها مصدر في محل نصب مفعول يود وله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدّم وجنة اسمها المؤخر. (مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لجنة وأعناب عطف على نخيل (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) تجري فعل مضارع ومن تحتها جار ومجرور متعلقان بتجري والهاء مضاف اليه والأنهار فاعل والجملة صفة ثانية لجنة (لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وفيها جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ومن كل الثمرات الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة للمبتدأ المؤخر والمحذوف أي له رزق كائن من كل الثمرات حالة كونه فيها، والجملة صفة ثالثة لجنة (وَأَصابَهُ الْكِبَرُ) الواو حالية وجملة أصابه الكبر في محل نصب حال ولا بد من تقدير «قد» (وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفاءُ) الواو حالية وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وذرية مبتدأ مؤخر وضعفاء صفة لذرية والجملة في محل نصب على الحال من الهاء في «أصابه» (فَأَصابَها إِعْصارٌ) الفاء حرف عطف وأصاب فعل ماض والهاء مفعول به وإعصار فاعل والجملة معطوفة على صفة الجنة (فِيهِ نارٌ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ونار مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صفة لإعصار (فَاحْتَرَقَتْ) عطف على أصابها (كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) الجار والمجرور «كذلك» متعلقان بمحذوف صفة لمفعول مطلق محذوف أو في محل نصب حال ويبين فعل مضارع مرفوع والله فاعل يبين ولكم متعلقان بيبين والآيات مفعول به منصوب
стр. 410
بالكسرة وجملة يبين استئنافية (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) لعل واسمها وجملة تتفكرون خبرها وجملة الرجاء في محل نصب على الحال.
البلاغة:
في هذه الآية يسمو البيان القرآني الى أعلى ذروة يتصورها العقل البشري، وجميع آي القرآن من البيان الرفيع السامي. ولكن هذه هذه الآية وآيات كثيرة وردت وسترد في مواطنها استوفت من الناحية البيانية الغاية، وأربت على النهاية، وهي بمثابة المثل لنفقة المرائي الذي ينفق للتبجح وإعلان حب النفس، وإيهام الناس بأنه بالغ أقصى الغايات، بينما تذهب أعماله سدى. وسنبسط القول فيها بسطا يتفق مع مراميها البعيدة، وفيما يلي ما أدركناه منها:
١- الاستفهام في قوله: أيود؟ للإنكار والنفي. أما مصب النفي فهو في قوله: «فأصابها إعصار» لأنه مناطه ومثابته. وجميل قول ابن عباس فيها: «هو مثل لرجل عمل بالطاعات ثم زين له الشيطان فعمل بالمعاصي حتى أحرق أعماله وطاح بها» .
٢- وفي هذه الآية فن التتميم وقد تقدمت الاشارة اليه.
ونزيده هنا بسطا، فنقول: هو أن يأتي الشاعر أو الكاتب في كلامه بكلمات لو طرحت لنقص معناه أو صوره مع بقاء الكلام سليما.
وإليك الصور التي اندرجت فيها:
آ- لما ذكر سبحانه الجنة لم يكتف بذكرها مجردة من كل قيد، لأن الجنة في اللغة لفظ يصدق على كل شجر متكاثف ملتف، يستر من يتفيأ بظلاله الوريفة. ومن هذا الشجر ما هو محدود النفع كالأثل والخمط وغيرهما من الأشجار التي لا تصلح إلا للحطب، ومنها
стр. 411
ما يتضاعف نفعه فيؤكل ثمره وتستخرج منه مواد أخرى نافعة ثم يكون حطبه صالحا للوقود، فتمم ذلك النقص بقوله: «من نخيل وأعناب» ، وفهم بالبداهة أن هذه الجنة تميزت بأن أشجارها من الصنف الثاني المتضاعف النفع أي أن احتراق تلك الجنة- ولو كانت تضم الأثل والخمط ونحوهما مما هو محدود النفع- يشجي صاحبها، فكيف إذا كانت من نخيل وأعناب؟ ألا يكون الأسف عليها أشد؟
والشجا باحتراقها أعظم؟
ب- ثم تمم ذلك بذكر الأنهار الجارية للدلالة على ديمومة الخصب. إذ ما الفائدة منها إذا نضبت فيها الأمواه؟ ألا يكون مآلها الى اليبس والذبول؟
ج- ولدفع الإيهام الذي يخيل الى السامعين أن هذه الجنة قد تكون مقتصرة على هذين الضربين من الثمرات، وهما: النخيل والأعناب تمم بقوله «له فيها من كل الثمرات» ، أي أنها تجمع جميع أفانين الثمر، فالحسرة إذن على احتراقها أشد، والأسف على فنائها أعمّ.
د- ولما فرغ من وصف الجنة شرع في وصف الحادث المهلك الذي أدى الى فناء الجنة بقوله: «فأصابها إعصار» يجتاح الأخضر واليابس ويهلك الحرث والنسل.
هـ- على أن الإعصار مهما يبلغ تأثيره فانه ربما كان مؤجل الإهلاك، فدفع هذا الإيهام بقوله: «فيه نار» فأحرقها بعد أن أودى بأشجارها. ولم يكتف بذكر النار لأنها قد تأتي على شيء مما تحرقه ويبقى بعد ذلك شيء آخر منها فدفع هذا الإيهام مرة أخرى بذكر الاحتراق.
стр. 412
البحتريّ والتّتميم:
ومن التتميم في الشعر قول البحتري في وصف الإبل التي براها السير والسّرى:
كالقسيّ المعطّفات بل الأسهم مبريّة بل الأوتار فقد شبه الإبل بالقسي المعطفات، وهو تشبيه جميل لما فيه من تنويه بالنحول، ولما في خلق الإبل من الحدب والانحناء. ثم جعلها مبرية على طريق الإضراب الذي يلمح الى الغلط، ثم ترقى في ذلك فجعلها كالأوتار. وهذا كله من أوابد البحتري التي أطلق عليها اسم «سلاسل الذهب» كما كان يسميها النقاد القدامى، على أني وقفت بعد ذلك على حديث للرسول العربي محمد ﷺ فعلمت أن البحتري لم يبتكر هذه المعاني العميقة المصوغة في أجمل بيان، وأنه رمق سماء الحديث النبوي، وأنه أخذه أخذا يسبق أسهمه المبرية، وهو قوله ﷺ : «لو صليتم لله حتى تعودوا كالقسيّ، وصمتم حتى تعودوا كالأوتار» . وهذا مما أخذ بنصه وفصه.
٣- وفي هذه الآية أيضا فنّ «الطاعة والعصيان» وقد أطلق هذه التسمية شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء أبو العلاء المعري عند ما نظر في شعر أبي الطيب المتنبي، وتحدث عنه في كتابه «معجز أحمد» ، يعني أحمد المتنبي فأتى على قوله:
يردّ يدا عن ثوبها وهو قادر ... ويعصي الهوى في طيفها وهو راقد
وقال: «أراد المتنبي الطّباق فعصاه وأطاعه الجناس فانه أراد أن يقول: يرد يدا عن ثوبها وهو مستيقظ، فعصاه ذلك لامتناع
стр. 413
دخوله في الوزن فقال وهو قادر لأن القادر مستيقظ وزيادة، ليكون بينها وبين القافية تجانس، فأطاعه الجناس المقلوب بين قادر وراقد، وعصته المطابقة بين راقد ومستيقظ» .
أقول: هذا ما ذكره أبو العلاء المعري، وليس في بيت المتنبي شيء من ذلك، ولو أراد أن يقول: «يردّ يدا عن ثوبها وهو ساهر» أو «متنبها» بحذف لفظة «وهو» لحصل له غرضه من الطباق ولم يعصه الوزن، وإنما مراده بيان العفاف من القادر لا من غيره، أي أنه مع قدرته عليها لا يبيح لنفسه مدّ يده الى إزارها، كما أنه إذا رأى خيالها في المنام امتنع عنه كما يمتنع عنه في اليقظة. يصف نفسه ببعد الهمة عن مغازلة النساء، إذن ففن الطاعة والعصيان الذي ابتدعه المعري ولم يوفق في التمثيل له أثبته علماء البيان ومثلوا له بقول ابن النبيه:
بيضاء حجّبها الواشون حين سرت ... عني فلو لمحت صبغ الدجى لمحت
أراد أن يقول: فلو لمحت سواد الدجى، ليأتي نوع التدبيج بقوله بيضاء وسواد، فعصاه الوزن فقال: «صبغ الدجى» وهو مرادف للسواد، فصدق عليه أنه عصاه التدبيج وأطاعه فن الإرداف.
ومثله قول الأرّجانيّ:
كم رعت هذا الحي إما زائرا ... فردا وإما سائرا في جحفل
أراد أن يقول: وإما محاربا، لتكون المقابلة بين زائر ومحارب، ولا شك أن الزائر يكون مسالما بين قوله «فردا» وقوله «في جحفل» فعصاه الوزن وأعطاه لجناس اللاحق بين زائر وسائر. أما في الآية
стр. 414
الكريمة التي نحن بصددها فإنها وقع فيها التتميم، وقد تحدثنا عنه قبل قليل فيها. ولما كان المتكلم في الأصل يقصد المساواة في كل ما يتكلم به فإذا عصته المساواة للأغراض الآنفة الذكر أطاعه التتميم فتنبه لهذا فإنه من دقائق الفنون.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢٦٧]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)
اللغة:
(تُغْمِضُوا) الإغماض: غضّ البصر، وأغمضت العين إغماضا وغمّضتها تغميضا: أطبقت الأجفان. والمراد به هنا التجاوز والتسامح والمساهلة.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها، وجملة النداء وما يليه مستأنفة مسوقة لبيان ما ينفق منه، أي أنفقوا من حلال ما كسبتم وجيده (أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّباتِ ما كَسَبْتُمْ) أنفقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل ومن طيبات الجار والمجرور متعلقان بأنفقوا وما اسم موصول في محل جر بالاضافة وجملة كسبتم صلة الموصول (وَمِمَّا أَخْرَجْنا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ) ومما عطف على من طيبات وجملة أخرجنا لا محل لها لأنها صلة الموصول ولكم جار ومجرور متعلقان بأخرجنا ومن الأرض متعلقان بأخرجنا. ولك أن تعلقهما بمحذوف
стр. 415
حال، أي: ناجما من الأرض. ويرحم الله الفقهاء ما أثقب أذهانهم فأبو حنيفة أبقاه على عمومه في الزكاة، والشافعي خصه بما يزرعه الآدميون وكلاهما صحيح (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ) الواو عاطفة ولا ناهية وتيمموا فعل مضارع مجزوم بلا وأصل تيمموا: تتيّمموا بتاءين حذفت إحداهما تخفيفا والواو فاعل والخبيث مفعول به ومنه متعلقان بمحذوف حال من الخبيث (تُنْفِقُونَ) الجملة حالية ومفعول تنفقون محذوف أي تنفقونه (وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ) الواو حالية وليس واسمها والباء حرف جر زائد وآخذيه مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وحذفت النون للإضافة والهاء مضاف اليه، والجملة حال من فاعل تنفقون أي الواو (إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) أداة حصر وأن وما في حيزها مصدر منصوب بنزع الخافض أي بأن تغمضوا، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، فهو استثناء من أعم الأحوال، ولك أن تعلقهما بآخذيه، وهو أسهل (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) الواو استئنافية واعلموا فعل أمر والواو فاعل وأن واسمها وخبراها سدت مسد مفعولي اعلموا.
البلاغة:
في هذه الآية استعارة تصريحية وذلك في قوله: «إلا أن تغمضوا فيه» شبه التجاوز عن الشيء الجدير بالمؤاخذة بغض العين عما يتفادى المرء رؤبته مما يكره.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٦٨ الى ٢٧٠]
الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦٨) يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُولُوا الْأَلْبابِ (٢٦٩) وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ (٢٧٠)
стр. 416
اللغة:
(الفحشاء) : المراد بها هنا البخل، والفاحش البخيل. قال طرفة بن العبد:
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدّد
قال الكلبي: «كل فحشاء في القرآن فالمراد بها الزنى، الا هذا الموضع» .
الإعراب:
(الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) كلام مستأنف مسوق للتحذير من الإصاخة للشيطان ووساوسه. والشيطان مبتدأ وجملة يعدكم خبر والفقر مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ) عطف على: «يعدكم الفقر» والجار والمجرور متعلقان بيأمركم (وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا) عطف على الجملة المستأنفة، ومغفرة مفعول به ثان ومنه: جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لمغفرة، وفضلا: عطف على مغفرة (وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وواسع عليم خبران لله (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ) الجملة خبر ثالث لله أو جملة مستأنفة ويؤتي فعل مضارع مرفوع وفاعله ضمير مستتر تقديره هو والحكمة مفعول به أول ومن اسم موصول في محل
стр. 417
نصب مفعول به ثان وجملة يشاء صلة الموصول (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويؤت فعل الشرط مبني للمجهول وعلامة جزمه حذف حرف العلة ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو والحكمة مفعول به ثان (فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) الفاء رابطة لجواب الشرط وقد حرف تحقيق وأوتي فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وخيرا مفعول به ثان وكثيرا صفة والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) الواو عاطفة وما نافية ويذكر فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر وأولو فاعل مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم، والألباب مضاف اليه (وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ) الواو عاطفة وما اسم شرط جازم في محل نصب مفعول به مقدم لأنفقتم ومن نفقة جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، وجعلها كثيرون زائدة، وهو أسهل، ولكنه غير مقيس (أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ) عطف على ما تقدم (فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ) الفاء رابطة لجواب الشرط وإن واسمها وجملة يعلمه خبرها والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (وَما لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ) الواو استئنافية وما نافية وللظالمين جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن حرف جر زائد وأنصار مبتدأ مؤخر.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧١ الى ٢٧٢]
إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٧١) لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَما تُنْفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ (٢٧٢)
стр. 418
الإعراب:
(إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقاتِ فَنِعِمَّا هِيَ) كلام مستأنف مسوق لتفصيل ما أجمل في الجملة الشرطية السابقة ولذلك ترك العاطف، وإن حرف شرط جازم وتبدوا فعل مضارع فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والصدقات مفعول به، فنعما: الفاء رابطة لأن الجواب فعل جامد قال بعضهم في مواضع ربط الجواب بالفاء:
اسمية طلبية وبجامد ... وبما ولن وبقد وبالتنفيس
ونعم فعل ماض جامد لإنشاء المدح وما نكرة تامة بمعنى شيء في محل نصب على التمييز وفاعل نعم ضمير مستتر مفسر ب «ما» هي: ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ خبره جملة نعما لأنه المخصوص بالمدح وجملة نعما هي جملة اسمية في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ تُخْفُوها وَتُؤْتُوهَا الْفُقَراءَ) الواو عاطفة وإن شرطية وتخفوها فعل مضارع فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والهاء مفعول به وتؤتوها عطف عليه والهاء مفعول به أول والفقراء مفعول به ثان (فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) الفاء رابطة للجواب وهو ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ وخير خبر ولكم جار ومجرور متعلقان بخير والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط (وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئاتِكُمْ) الواو استئنافية ويكفّر فعل مضارع مرفوع والجملة خبر لمبتدأ محذوف أي والله يكفر عنكم وعنكم جار ومجرور متعلقان بيكفر وقرىء بالجزم عطفا على موضع الفاء في قوله
стр. 419
«فهو خير لكم» لأنه جواب الشرط ومن سيئاتكم متعلقان بمحذوف صفة لمفعول به محذوف أي: شيئا من سيئاتكم، نص على ذلك سيبويه، وهو أولى من جعلها زائدة في الكلام الموجب، كما صنع المعربون كأبي البقاء وغيره (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وخبير خبره والجار والمجرور متعلقان بخبير وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة (لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ) كلام مستأنف مسوق للتشدد في العقيدة والنهي عن التساهل مع أعداء الله وأعداء دينه، ومعلوم أنه كانت هنا قرابات ومصاهرات في اليهود، فنهى رسول الله ﷺ عن التصدق عليهم لحملهم على الانضواء الى الدين القويم. وليس فعل ماض ناقص وعليك خبرها المقدم وهداهم اسمها المؤخر وهو مصدر مضاف لمفعوله (وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ) الواو اعتراضية لا محل لها والجملة لا محل لها ولكن واسمها وجملة يهدي خبرها ومن اسم موصول مفعول يهدي وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ) الواو عاطفة على ما قبلها وما شرطية جازمة في محل نصب مفعول به مقدم لتنفقوا وتنفقوا فعل الشرط ومن خير في محل نصب حال والفاء رابطة لجواب الشرط ولأنفسكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف والتقدير: فهو لأنفسكم، والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَما تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ اللَّهِ) الواو عاطفة وما نافية وتنفقون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله وإلا اداة حصر وابتغاء مفعول لأجله فالاستثناء من أعم العلل ووجه الله مضاف اليه (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) تقدم إعرابها (يُوَفَّ إِلَيْكُمْ) جواب الشرط مجزوم وعلامة جزمه حذف حرف العلة ونائب الفاعل مستتر تقديره هو وإليكم جار ومجرور
стр. 420
متعلقان بيوفّ (وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ) الواو حالية وأنتم مبتدأ وجملة لا تظلمون خبر أنتم، والجملة الاسمية في محل نصب حال. ولك أن تجعل الواو استئنافية فتكون الجملة مستأنفة لا محل لها.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٣ الى ٢٧٤]
لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢٧٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)
اللغة:
(أُحْصِرُوا) أحصرهم الجهاد وأرصدهم للمناضلة في سبيل الله، وصرف نفوسهم عن الاشتغال بأي شيء سواه. وأرصد الشيء أعدّه لأمر من الأمور، وفي الحديث: «إلا أن أرصده لدين عليّ» ويستعملونها اليوم خطأ، فيكتبون: «رصد المبلغ لكذا» والصواب:
«أرصد» فتنبّه.
(سيماهم) السيما: بالقصر العلامة، ويجوز مدها: السيماء.
وبعض بني أسد وثقيف يقولون: بسيميائهم. ومن ذلك قول ابن عنقاء الفزاري:
стр. 421
غلام رماه الله بالحسن يافعا ... له سيمياء لا تشق على البصر
(الإلحاف) شدة الإلحاح في المسألة وفي الحديث: «من سأل وله أربعون درهما فقد ألحف» .
الإعراب:
(لِلْفُقَراءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، أي: صدقاتكم للفقراء، والذين صفة للفقراء وجملة أحصروا في سبيل الله لا محل لها لأنها صلة الموصول والجار والمجرور متعلقان بأحصروا (لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الْأَرْضِ) الجملة في موضع نصب على الحال، وجملة للفقراء مستأنفة مسوقة لتكون جوابا عن سؤال نشأ مما سبق كأنهم سألوا لما أمروا بالصدقات: لمن هي؟ فقيل: إنها لهؤلاء. ولا نافية ويستطيعون فعل مضارع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل وضربا مفعول به وفي الأرض جار ومجرور متعلقان بضربا (يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) الجملة حال ثانية للفقراء ويحسبهم فعل مضارع والهاء مفعول يحسب الأول، والجاهل فاعل وأغنياء مفعول به ثان ومن التعفف جار ومجرور في موضع نصب على أنه مفعول لأجله، وجرّ ب «من» لأنه فقد شرطا من أهم شروطه وهو اتحاد الفاعل، ففاعل الحسبان هو الجاهل وفاعل التعفف هم الفقراء (تَعْرِفُهُمْ بِسِيماهُمْ) الجملة حال ثالثة للفقراء وبسيماهم جار ومجرور متعلقان بتعرفهم (لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ إِلْحافاً) الجملة حال رابعة ولا نافية ويسألون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والناس مفعول به وإلحافا يجوز فيه أن يعرب مفعولا مطلقا لفعل محذوف، أي:
يلحفون إلحافا، أو مصدرا مؤولا في موضع الحال، أي لا يسألون
стр. 422
حالة كونهم ملحفين، أو مفعولا من أجله وقد استوفى شروطه (وَما تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ) تقدم إعرابه قريبا (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) الفاء رابطة وان واسمها والجملة خبرها، والجملة اسمية في محل جزم جوان الشرط وبه جار ومجرور متعلقان بالخبر «عليم» (الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً) جملة مستأنفة مسوقة للشروع في بيان صفة الصدقة ووقتها. ونزول الآية في أبي بكر أو علي بن أبي طالب لا ينزع عنها صفة شمول الحكم وعمومه. والذين مبتدأ وينفقون فعل مضارع والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول والواو فاعل وأموالهم مفعول به بالليل جار ومجرور متعلقان بتنفقون، والنهار معطوف على الليل، وسرا وعلانية مصدران منصوبان على الحالية أو بنزع الخافض (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) الفاء رابطة للدلالة على سببية ما قبلها لما بعدها ولما في الموصول من رائحة الشرط والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وأجرهم مبتدأ مؤخر والظرف عند متعلق بمحذوف حال وربهم مضاف اليه والجملة خبر للموصول «الذين» (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) تقدم إعرابها بحروفها كثيرا.
البلاغة:
في قوله تعالى: «لا يسألون الناس إلحافا» فن من أبدع الفنون البيانية ويسمونه «نفي الشيء بإيجابه» وحدّه أن يثبت الشاعر أو الكاتب شيئا في ظاهر كلامه ثم ينفي ما هو من سببه. وهو كثير في القرآن الكريم. أما في هذه الآية فالمنفيّ في ظاهر الكلام هو الإلحاف في السؤال، لا نفس السؤال مجازا، والمنفي في باطن الكلام حقيقة نفس السؤال، إلحافا كان أو غير إلحاف. وهذا الذي يقتضيه المديح،
стр. 423
وهو، كما ترى، من طرائف علم البيان ومن بارعة قول علي بن أبي طالب في وصف رسول الله ﷺ في مجلسه:
«لا تثنى فلتاته» ، أي: لا تذاع سقطاته. فظاهر هذا اللفظ أنه كان ثمّ فلتات، غير أنها لا تذاع. وليس المراد ذلك، ولكن المراد أنه لم يكن ثم فلتات للنبي فتثنى. وهذا من أغرب ما توسعت فيه لغتنا العربية. وزعم ابن الأثير في كتابه «المثل السائر» أنه قليل في الشعر، وأنه لم يسمع منه غير بيت واحد لامرىء القيس، وهو قوله:
على لاحب لا يهتدي بمناره ... إذا ساقه العود الدّيافيّ جرجرا
فقوله: «لا يهتدي بمنارة» يوهم أن له منارا، إلا أنه لا يهتدى به. وليس المراد ذلك بل المراد أن لا منارا له يهتدى به. وقد نسي ابن الأثير قول مسلم بن الوليد الملقب بصريع الغواني:
تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل
لا يعبق الطيب خديه ومفرقه ... ولا يمسح عينيه من الكحل
فإن ظاهر الكلام نفي عبق الطيب ومسح الكحل. والمراد نفي الطيب والكحل مطلقا، لانهماكه في قيادة الجيوش وحفظ الثغور والحراسة على خطوط القتال.
٢- وفي الآية فن المقابلة، فقد تكرر الطباق بين الليل والنهار، وبين السر والعلانية.
стр. 424
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٧٥ الى ٢٧٦]
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهى فَلَهُ ما سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢٧٥) يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ (٢٧٦)
اللغة:
(الرِّبا) الإرباء. الزيادة على الشيء، يقال منه: أربى فلان على فلان إذا زاد عليه. وإنما قيل للرابية رابية لزيادتها في العظم والإشراف على ما استوى من الأرض مما حولها.
(الْمَسِّ) : الجنون.
الإعراب:
(الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا) كلام مستأنف مسوق لذكر حكم الربا وهي الزيادة في المعاملة بالنقود. والذين مبتدأ وجملة يأكلون الربا لا محل لها لأنها صلة الموصول (لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ) لا نافية ويقومون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعل والجملة الفعلية في محل رفع خبر الذين وإلا أداة حصر وكما يقوم الكاف حرف جر وما مصدرية وهي مع مدخولها في تأويل مصدر في محل نصب مفعول مطلق أو حال وجملة يقوم لا محل لها
стр. 425
لأنها واقعة بعد موصول حرفي والذي فاعل وجملة يتخبطه الشيطان لا محل لها لأنها صلة الموصول ومن المس جار ومجرور متعلقان بيقومون أي لا يقومون من جراء المس إلا كما يقوم المصروع، ولك أن تعلقهما بيقوم أي كما يقوم المصروع من جنونه. واختار أبو حيّان تعليقهما بيتخبطه على سبيل التأكيد ورفع ما يتحمله «يتخبطه» من المجاز، وهو وارد، وما اخترناه أولى (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا) اسم الإشارة مبتدأ والإشارة الى العذاب النازل بهم، والباء حرف جر وان واسمها وخبرها في تأويل مصدر مجرور بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر «ذلك» أي: بسبب قولهم وجملة الإشارة استئنافية وقالوا فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل (إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا) إنما كافة ومكفوفة مهملة والبيع مبتدأ ومثل خبر البيع والربا مضاف إليه علامة جره الكسرة المقدرة والجملة في محل نصب مقول القول (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا) الواو حالية بتقدير قد بعدها، وفيه دلالة على أن القياس يهدمه النص، لأنه قد يكون فاسدا، وليس ثمة أفسد من قياسهم لتحليل ما حرم الله. وأحل فعل ماض والله فاعله والبيع مفعول به وحرم الربا عطف والجملة بعد الواو حالية (فَمَنْ جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ) الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ وجاءه فعل ومفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط وموعظة فاعل ومن ربه جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لموعظة (فَانْتَهى) الفاء عاطفة، انتهى عطف على جاءه وفاعله هو (فَلَهُ ما سَلَفَ) الفاء رابطة لجواب الشرط والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر وجملة سلف صلة الموصول (وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ) الواو عاطفة أو حالية وأمره مبتدأ والى الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر وجملة فله ما سلف في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ عادَ فَأُولئِكَ أَصْحابُ
следующие страницы →