Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.
стр. 3921
الإعراب:
(وَلُوطاً إِذْ قالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفاحِشَةَ ما سَبَقَكُمْ بِها مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعالَمِينَ) عطف على إبراهيم أو منصوب بفعل محذوف تقديره اذكر، والظرف بدل اشتمال من لوطا وجملة قال في محل جر باضافة الظرف إليها ولقومه متعلقان بقال وجملة إنكم لتأتون مقول القول وان واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبرها والواو فاعل والفاحشة مفعول به وجملة ما سبقكم مستأنفة مسوقة لتقرير فحشها وهجنة فاعلها ورجح أبو حيان أن تكون حالية كأنه قال: أتأتون الفاحشة مبتدعين لها غير مسبوقين بها، وما نافية وسبقكم فعل ماض ومفعول به وبها متعلقان بسبقكم ومن حرف جر زائد وأحد مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل سبقكم ومن العالمين صفة لأحد.
(أَإِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نادِيكُمُ الْمُنْكَرَ) الهمزة للاستفهام الانكاري وانكم إن واسمها واللام المزحلقة وجملة تأتون خبر إن والرجال مفعول به وتقطعون السبيل عطف على تأتون الرجال، قيل انهم كانوا يفعلون الفاحشة بمن يمر بهم من المسافرين، فلما فعلوا ذلك ترك الناس المرور بهم فقطعوا السبيل بهذا السبب، وتأتون عطف أيضا وفي ناديكم متعلقان بتأتون والمنكر مفعول به.
(فَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ) الفاء عاطفة وما نافية وكان فعل ماض ناقص وجواب خبر كان المقدم وإلا أداة حصر وأن وما في حيزها اسم كان المؤخر وجملة ائتنا مقول القول وائتنا فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وبعذاب الله متعلقان بائتنا وإن شرطية وكنت فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها ومن الصادقين خبرها وجواب إن محذوف
стр. 3922
دل عليه ما قبله أي فائتنا بعذاب الله. (قالَ رَبِّ انْصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ) رب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وحرف النداء محذوف وانصرني فعل دعاء والفاعل مستتر والنون للوقاية والياء مفعول به وعلى القوم متعلقان بانصرني والمفسدين صفة للقوم.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣١ الى ٣٥]
وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ (٣١) قالَ إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٢) وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلاَّ امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤) وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)
اللغة:
(ذَرْعاً) : الذرع: الطاقة والقوة وفي المصباح: «ضاق بالأمر ذرعا عجز عن احتماله وذرع الإنسان طاقته التي يبلغها» وعبارة الزمخشري: «وقد جعلت العرب ضيق الذراع والذرع عبارة عن فقد الطاقة كما قالوا رحب الذراع بكذا إذا كان مطيقا له والأصل فيه
стр. 3923
أن الرجل إذا طالت ذراعه نال ما لا يناله القصير الذراع فضرب ذلك مثلا في العجز والقدرة» وفي الأساس واللسان العجيب من مجاز هذه الكلمة إذ يقال: ضاق بالأمر ذرعا وذراعا إذا لم يطقه وأبطرت ناقتك ذرعها كلفتها ما لم تطق واقصد بذرعك واربع على ظلعك:
ارفق بنفسك، وما لك عليّ ذراع أي طاقة وطفت في مذارع الوادي وهي أضواحه ونواحيه وقد أذرع في كلامه هو يذرع فيه إذراعا وهو الإكثار وفلان ذريعتي إليك وقد تذرعت به إليه أي توسلت وسألته عن أمره فذرّع لي منه شيئا وذرعت لفلان عند الأمير:
شفعت له وأنا ذريع له عنده ووقع فيهم موت ذريع: سريع فاش وذلك إذا لم يتدافنوا واستوى كذراع العامل وهو صدر القناة وهو لك مني على حبل الذراع أي حاضر قريب وجعلت أمرك على ذراعك أي اصنع ما شئت.
هذا والذراع من الرجل من طرف المرفق الى طرف الإصبع الوسطى والساعد مؤنثة فيهما وقد تذكّر والذراع من المقاييس طوله بين الخمسين والسبعين سنتيمترا.
(رِجْزاً) : الرجز والرجس: العذاب من قولهم ارتجز وارتجس إذا اضطرب لما يلحق المعذب من القلق والاضطراب.
الإعراب:
(وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ) الواو عاطفة على محذوف يقتضيه السياق أي فاستجاب الله دعاء لوط وأرسل ملائكة لإهلاكهم وأمرهم أن يبشروا ابراهيم بالذرية
стр. 3924
الطيبة فجاءوا أولا إلى ابراهيم. ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءت رسلنا ابراهيم فعل وفاعل ومفعول به وبالبشرى متعلقان بجاءت وجملة قالوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة إنا مقول القول وإن واسمها ومهلكو خبرها وأهل هذه مضافين والقرية بدل من هذه وهي سذوم أو سدوم وقد تقدم تفصيل ذكرها فجدد به عهدا. (إِنَّ أَهْلَها كانُوا ظالِمِينَ) الجملة لا محل لها لأنها تعليل للإهلاك وان واسمها وجملة كانوا خبرها وظالمين خبر كانوا.
(قالَ: إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها) إن حرف مشبه بالفعل وفيها خبرها المقدم ولوطا اسمها المؤخر وسيأتي معنى هذا الإخبار في باب البلاغة وقالوا فعل وفاعل ونحن مبتدأ وأعلم خبر وبمن متعلقان بأعلم وفيها صلة من. (لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) اللام موطئة للقسم وننجينه فعل مضارع مبني على الفتح وفاعله مستتر تقديره نحن وأهله عطف على الهاء أو مفعول معه وإلا أداة استثناء وامرأته مستثنى وقد تقدم هذا وجملة كانت حالية وكانت فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هي ومن الغابرين خبرها أي الباقين في العذاب.
(وَلَمَّا أَنْ جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ وَضاقَ بِهِمْ ذَرْعاً) أن زائدة بعد لما تفيد المهلة مع الترتيب في وقتين متجاورين لا فاصل بينهما وقد تقدم نظيرها في يوسف وجملة سيء بهم لا محل لها وسيء فعل ماض مبني للمجهول وبهم متعلقان بسيء ونائب الفاعل هو ضمير المصدر أي جاءته المساءة والغم بسببهم على حد قوله:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
стр. 3925
وسيأتي تفصيل لهذا في باب الفوائد. وضاق بهم عطف على سيء وذرعا تمييز محول عن الفاعل أي ضاق ذرعه بهم، ويحتمل أن نائب الفاعل ضمير يعود على لوط (وَقالُوا لا تَخَفْ وَلا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ) الواو استئنافية وقالوا فعل وفاعل وإنا وإن واسمها ومنجوك خبرها والكاف في موضع جر بالإضافة وعلى هذا تنصب وأهلك بفعل محذوف أي وننجي أهلك، وما بعده تقدم إعرابه. (إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ) ان واسمها ومنزلون خبرها وعلى أهل هذه القرية متعلقان بمنزلون ورجزا مفعول به لمنزلون لأنه اسم فاعل ومن السماء صفة لرجز وبما الباء سببية وما مصدرية أي بسبب فسقهم، وكان واسمها وجملة يفسقون خبرها. (وَلَقَدْ تَرَكْنا مِنْها آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وتركنا فعل وفاعل ومنها متعلقان بتركنا أو هو المفعول الثاني لها وآية مفعولها الاول وبينة صفة لأن «ترك» اختلف فيها النحاة فمنهم من جعلها تتعدى الى واحد ومنهم من جعلها بمعنى صير فإلى مفعولين وهو اختيار ابن مالك وأنشد:
وربيته حتى إذا ما تركته ... أخا القوم واستغنى عن المسح ساربه
ولقوم متعلقان ببينة وجملة يعقلون صفة لقوم.
стр. 3926
البلاغة:
فن الاشارة:
في قوله «ان فيها لوطا» فن الاشارة وقد تقدم ذكره كثيرا في هذا الكتاب فليس المراد إخبارهم بكون لوط في القرية وانما هو جدال في شأنه لأنهم ذكروا أن أهلها سيهلكون بسبب امعانهم في الظلم فاعترض عليهم بأن فيها من هو بريء الساحة من الذنب لم يجترح ذنبا ولم يقترف إثما ولم يشارك قومه فيما هم ممعنون فيه من غي وارتكاس وفي هذا كله أيضا إشارة الى أن من واجب الإنسان المؤمن أن يتحزن لأخيه وأن يسارع الى رد الحيف عنه ويتشمر للدفع عنه وهذا من بليغ الاشارة وخفيها.
الفوائد:
نائب الفاعل:
ينوب عن الفاعل بعد حذفه واحد من أربعة:
١- المفعول به نحو «وغيض الماء وقضي الأمر» .
٢- المجرور بحرف الجر نحو «ولما سقط في أيديهم» شريطة أن لا يكون حرف الجر للتعليل فلا يقال وقف لك ولا من أجلك ويقال في إعرابه انه مجرور لفظا بحرف الجر مرفوع محلا على أنه نائب فاعل، غير انه إذا كان مؤنثا لا يؤنث فعله بل يبقى مذكرا فلا يقال ذهبت بفاطمة بل ذهب بفاطمة.
٣- الظرف المتصرف المختص نحو مشي يوم كامل وصيم رمضان، والمراد بالظرف المتصرف ما يصح الإسناد اليه كيوم وليلة
стр. 3927
ودهر وشهر وغير المتصرف ما لا يصح الاسناد اليه كحيث وعند، والمراد بالمختص أن يكون مفيدا غير مبهم ويكون مختصا بالوصف نحو جلس مجلس مفيد أو بالاضافة نحو سهرت ليلة القدر أو بالعلمية نحو صيم رمضان فلا تنوب عن الفاعل الظروف المبهمة نحو زمان ووقت ومكان غير مضافة.
٤- المصدر المتصرف المختص نحو «فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة» فنفخة نائب الفاعل وهو مصدر متصرف يصح الإسناد إليه ومختص لكونه موصوفا ويمتنع سير سير لعدم الفائدة، وقد ينوب عن الفاعل في المصدر المتصرف المختص ومنه قول الفرزدق:
يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلّم إلا حين يبتسم
فيكون المعنى يغضي الإغضاء المعهود وهو إغضاء الإجلال من مهابته فنائب الفاعل ضمير الإغضاء المفهوم من يغضي، ولا يجوز أن يكون من مهابته في موضع الرفع على أنه نائب الفاعل لأن حرف الجر هنا للتعليل فهو في محل نصب على أنه مفعول من أجله، ومن أمثلته أيضا قول طرفة بن العبد البكري:
فيا لك من ذي حاجة حيل دونها ... وما كل ما يهوى امرؤ هو نائله
فيكون المعنى حيل الحول المعهود، ولا يصح أن يكون الظرف لأنه غير متصرف.
стр. 3928
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٣٦ الى ٤٠]
وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٣٦) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ (٣٧) وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ (٣٩) فَكُلاًّ أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٠)
اللغة:
(وَلا تَعْثَوْا) : ولا تفسدوا وفي المصباح: «عثا يعثو وعثي يعثى من باب قال وتعب أفسد فهو عاث» وفي القاموس: «وعثا كرمى وسعى ورضي عثيّا وعثيّا وعثيانا، وعثا يعثو عثوّا أفسد» .
стр. 3929
(الرَّجْفَةُ) : الزلزلة الشديدة وفي الأساس: «ورجفت الأرض «فأخذتهم الرجفة» «يوم ترجف الأرض والجبال» ورجف الشجر وأرجفته الريح ورجف البعير تحت الرحل والمطي تحت رحالها رواجف ورجّف، وجاءنا شيخ ترجف عظامه. ومن المجاز: خرجوا يسترجفون الأرض نجدة وارتجفت بهم دفتا الشرق والغرب وأرجفوا في المدينة بكذا إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصيح عندهم وهذا من أراجيف الغواة والإرجاف مقدمة الكون وتقول: إذا وقعت المخاويف، كثرت الأراجيف» .
(حاصِباً) : ريحا عاصفة فيها حصباء وفي المختار: «عصفت الريح اشتدت وبابه ضرب» .
الإعراب:
(وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ) الواو عاطفة والى مدين متعلقان بمحذوف معطوف على أرسلنا في قصة نوح أي وأرسلنا الى مدين شعيبا وأخاهم مفعول به وشعيبا بدل أو عطف بيان والفاء عاطفة وقال فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ويا حرف نداء وقوم منادى مضاف الى ياء المتكلم المحذوفة وقد مر حكم المنادى المضاف الى ياء المتكلم واعبدوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وارجوا عطف على اعبدوا واليوم مفعول به والآخر صفة لليوم. (وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتعثوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وفي الأرض متعلقان بتعثوا ومفسدين حال. (فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ جاثِمِينَ) الفاء عاطفة وكذبوه فعل ماض وفاعل ومفعول به، فأخذتهم الفاء عاطفة وأخذتهم فعل ماض ومفعول به مقدم والرجفة فاعل مؤخر فأصبحوا
стр. 3930
عطف على فأخذتهم والواو اسم أصبح وفي دارهم متعلقان بجاثمين وجاثمين خبر أصبحوا. (وَعاداً وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَساكِنِهِمْ) الواو عاطفة وعادا مفعول به لفعل محذوف معطوف على ما قبله أي وأهلكنا عادا، وثمودا عطف على عادا بالصرف وتركه والواو عاطفة وقد حرف تحقيق وتبين فعل ماض وفاعل مستتر تقديره إهلاكهم وقدره بعضهم آيات بينات تتعظون بها وتتفكرون فيها ومن مساكنهم متعلقان بتبين أي من جهة مساكنهم إذا عرجتم بها. (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكانُوا مُسْتَبْصِرِينَ) الواو عاطفة وزين فعل ماض ولهم متعلقان بزين والشيطان فاعل وأعمالهم مفعول به فصدهم عطف على زين وعن السبيل متعلقان بصدهم والواو حالية وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها ومستبصرين خبرها أي والحال أنهم كانوا متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم أصموا آذانهم وأغشوا عيونهم عن الحق ورؤية معالمه.
(وَقارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهامانَ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مُوسى بِالْبَيِّناتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَما كانُوا سابِقِينَ) وقارون معطوف على عاد، وفرعون وهامان عطف عليه وقدم قارون لقرابته من موسى أي أهلكناهم جميعا والواو عاطفة واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وجاءهم فعل ومفعول به مقدم وموسى فاعل وبالبينات متعلقان بجاءهم فاستكبروا عطف على جاءهم وفي الأرض متعلقان باستكبروا والواو حالية وما نافية وكانوا كان واسمها وسابقين خبرها أي أنهم لجوا في طغيانهم ولكنهم لم يكونوا فائتين فأدركهم عذابنا. (فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً) الفاء الفصيحة أي إن شئت أن تعرف مصيرهم فقد أخذنا كلا منهم بذنبه. وكلّا مفعول مقدم
стр. 3931
لأخذنا وأخذنا فعل وفاعل، فمنهم الفاء عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وهي نكرة موصوفة وأرسلنا صفة وعليه متعلقان بأرسلنا وحاصبا مفعول أرسلنا. (وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا) الواو عاطفة ومنهم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة أخذته الصيحة صفة، ومنهم من خسفنا به الأرض:
عطف على سابقتها وكذلك ومنهم من أغرقنا. (وَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) الواو عاطفة وما نافية وكان الله كان واسمها واللام لام الجحود ويظلمهم منصوب بأن مضمرة وجوبا بعد لام الجحود والواو حالية ولكن مخففة مهملة وكانوا كان واسمها وأنفسهم مفعول مقدم وجملة يظلمون خبر كانوا.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤١ الى ٤٤]
مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلاَّ الْعالِمُونَ (٤٣) خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (٤٤)
اللغة:
(الْعَنْكَبُوتِ) : دويّبة معروفة تنسج من لعابها خيوطا وتصيد بذلك النسيج طعامها والجمع عناكب وعنكبوتات والعنكب ذكرها
стр. 3932
والجمع عناكب وعناكيب والعنكبة والعنكباة والعكنباة أنثاها والجمع عناكب وعناكيب، وقال علماء التصريف «والعنكبوت معروف ونونه أصليه والواو والتاء مزيدتان بدليل قولهم في الجمع عناكب وفي التصغير عنيكيب ويذكر ويؤنث وهذا مطرد في أسماء الأجناس» وقال ابن يعيش في شرح المفصل «ومن ذلك فعللوت قالوا عنكبوت وتخربوت ولم يأت صفة فالعنكبوت معروفة وهي دويبة تنسج لها بيوتا من خيوط واهية والتخربوت الناقة الفارهة والواو والتاء في آخرهما زائدتان زيدا في آخر الرباعي كما زيدا في آخر الثلاثي من نحو ملكوت ورهبوت» وسيأتي البحث عن التشبيه المتعلق ببيت العنكبوت في باب البلاغة.
الإعراب:
(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ) حال من اتخذ الأصنام أولياء وعبدها واعتمدها راجيا نفعها وشفاعتها كحال العنكبوت كما سيأتي في باب البلاغة. ومثل مبتدأ والذين مضاف اليه وجملة اتخذوا صلة وهو فعل وفاعل ومن دون الله حال وأولياء مفعول به وكمثل خبر وقد تقدم نظيره، العنكبوت مضاف اليه وجملة اتخذت بيتا حالية.
(لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) لو شرطية وكان واسمها وجملة يعلمون خبرها وجواب لو محذوف تقديره لما عبدوها. (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الجملة تعليل لما قبله وان واسمها وجملة يعلم خبرها وما اسم موصول مفعول يعلم وجملة يدعون صلة والعائد محذوف أي يعلم الذين يدعونهم ويعلم أحوالهم والمراد بالتعليل التوكيد لما ضربه من مثل ومن دونه حال ومن شيء متعلقان
стр. 3933
بيدعون ويجوز أن تكون ما نافية ومن شيء مفعول يدعون على أن من زائدة لسبقها بالنفي وجملة ما يدعون في محل نصب مفعول يعلم وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان. وقال بعضهم:
«ما استفهامية أو نافية أو موصولة ومن للتبعيض أو مزيدة للتوكيد، وقيل ان هذه الجملة على إضمار القول أي قل للكافرين إن الله يعلم أي شيء يدعون من دونه» . (وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ) الواو عاطفة وتلك مبتدأ والأمثال بدل وجملة نضربها للناس خبر ويجوز أن يكون الأمثال خبرا وجملة نضربها حال يكون أو خبرا ثانيا، والواو حالية وما نافية ويعقلها فعل مضارع ومفعول به وإلا أداة حصر والعالمون فاعل يعقلها وسيأتي بحث الأمثال في باب البلاغة .
(خَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف للشروع في تسلية المؤمنين بعد أن خامرهم اليأس من إيمان الكفار. وخلق الله السموات فعل وفاعل ومفعول به وبالحق حال والباء للملابسة وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبر إن المقدم واللام المزحلقة وآية اسم إن المؤخر وللمؤمنين صفة لآية.
البلاغة:
في قوله «وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت» فن التمثيل وقد تقدمت نماذج مختارة منه وبعضهم يجعله ضربا من ضروب الاستعارة ويمثل له بقول امرئ القيس:
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتّل
стр. 3934
فمثّل عينيها بسهمي الميسر يعني المعلّى وله سبعة أنصباء، والرقيب وله ثلاثة أنصباء فصار جميع أعشار قلبه للسهمين اللذين مثل بهما عينيها، ومثّل قلبه بأعشار الجزور فتمت له جهات الاستعارة والتمثيل. وفي الآية مثّل ما اتخذوه متكلا ومعتمدا في دينهم وتولوه من دون الله بما هو مثل عند الناس في الوهن وضعف القوة وهو نسج العنكبوت، أي كما صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت فقد صح أن دينهم أضعف الأديان وأوهنها.
ومن جيد التمثيل قول عمر بن أبي ربيعة وكانوا يسمون شعره «الفستق المقشر» :
أيها المنكح الثريا سهيلا ... عمّرك الله كيف يلتقيان
هي شامية إذا ما استهلت ... وسهيل إذا استقل يماني
يعني الثريا بنت علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر.
وكانت نهاية في الحسن والكمال، وسهيل بن عبد الرحمن بن عوف وكان غاية في القبح والدمامة، فمثّل بينهما وبين سمييهما ولم يرد إلا بعد ما بينهما وتفاوته خاصة لأن سهيلا اليماني قبيح لا دميم.
وعليه ورد قول المتنبي أيضا من قصيدة يذكر فيها خروج شبيب الخارجي ومخالفته كافورا:
برغم شبيب فارق السيف كفه ... وكانا على العلات يصطحبان
стр. 3935
كأن رقاب الناس قالت لسيفه ... رفيقك قيسي وأنت يماني
فإن شبيبا الخارجي الذي خرج على كافور الاخشيدي وقصد دمشق وحاصرها وقتل على حصارها كان من قيس ولم تزل بين قيس واليمن عداوات وحروب، وأخبار ذلك مشهورة والسيف الذي يقال له يماني في نسبته الى اليمن، ومراد المتنبي أن شبيبا لما قتل وفارق كفه السيف فكأن الناس قالوا لسيفه: أنت يماني وصاحبك قيسي ولهذا جانبه السيف وفارقه.
التمثيل في رأي عبد القاهر:
وسبب آخر يذكره عبد القاهر مبينا به روعة التمثيل ويراه محيطا بأطراف الباب وذلك ان لتصور الشبه من الشيء في غير جنسه وشكله بابا آخر من الظرف واللطف ومذهبا من مذاهب الاحساس لا يخفى موضعه من العقل وإذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كانت الى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب والتمثيل أخص شيء بهذا الشأن.
قال عبد القاهر: «وهل تشك في أنه يعمل عمل السحر في تأليف المتباينين حتى يختصر بعد ما بين المشرق والمغرب وهو يريك المعاني الممثلة شبها في الاشخاص الماثلة، وينطق لك الأخرس، ويعطيك البيان من الأعجم، ويريك الحياة في الجماد ويريك التئام عين الأضداد، ويجعل الشيء قريبا بعيدا معا» ونكتفي الآن بهذا القدر على أن نعود إلى هذا البحث في موطن آخر من هذا الكتاب.
стр. 3936
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٤٥ الى ٤٩]
اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ (٤٥) وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٤٦) وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الْكافِرُونَ (٤٧) وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨) بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلاَّ الظَّالِمُونَ (٤٩)
الإعراب:
(اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ) كلام مستأنف مسوق للحث على تلاوة الكتاب وتدبر منطوياته والعمل بأحكامه، وإقامة الصلاة المكتوبة المؤداة بالجماعة لتوحيد الكلمة وتصفية النفس من أدران الشوائب، وأتل فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت أي يا محمد والخطاب له ليشمل كل فرد من أفراد أمته وما مفعول به وجملة أوحي صلة وإليك متعلقان بأوحي
стр. 3937
ومن الكتاب حال وأقم فعل أمر معطوف على أتل والفاعل مستتر تقديره أنت أيضا والصلاة مفعول به. (إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ) الجملة تعليل للأمر بإقامة الصلاة، وان واسمها وجملة تنهى عن الفحشاء والمنكر خبرها والواو استئنافية واللام لام الابتداء وذكر الله مبتدأ وأكبر خبر والله الواو وعاطفة والله مبتدأ وجملة يعلم خبر وفاعله مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة تصنعون صلة. (وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان إرشاد أهل الكتاب وكيفية مجادلتهم، ولا ناهية وتجادلوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية والواو فاعل وأهل الكتاب مفعول به وإلا أداة حصر وبالتي متعلقان بتجادلوا وموصوف الموصول محذوف أي بالمجادلة التي، وهي مبتدأ وأحسن خبر والجملة صلة التي وإلا أداة استثناء والذين استثناء من الجنس وفي المعنى وجهان أوردهما أبو البقاء قال: «أحدهما إلا الذين ظلموا منهم فلا تجادلوهم بالحسنى بل بالغلظة لأنهم يغلظون لكم فيكون مستثنى من التي هي أحسن لا من الجدل والثاني لا تجادلوهم البتة بل حكّموا فيهم السيف لفرط عنادهم» .
(وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) الواو عاطفة وقولوا فعل أمر وفاعل وجملة آمنا مقول القول وبالذي متعلقان بآمنا وجملة أنزل صلة وإلينا متعلقان بأنزل وأنزل إليكم عطف على أنزل إلينا ففي الكلام حذف الموصول الاسمي أي والذي أنزل إليكم وإلهنا الواو عاطفة وإلهنا مبتدأ وإلهكم عطف على إلهنا وواحد خبر ونحن مبتدأ وله متعلقان بمسلمون
стр. 3938
ومسلمون خبر نحن وفي هذا القول منتهى المناصحة والنصفة والاقناع.
(وَكَذلِكَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الانزال أنزلنا، وأنزلنا فعل وفاعل وإليك متعلقان بأنزلنا والكتاب مفعول به. (فَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) الفاء تفريعية والذين مبتدأ وجملة آتيناهم صلة وهو فعل وفاعل ومفعول به والكتاب مفعول به ثان وجملة يؤمنون به خبر الذين. (وَمِنْ هؤُلاءِ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الْكافِرُونَ) الواو عاطفة ومن هؤلاء خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يؤمن به صلة وهذا من قبيل الاخبار بالمغيبات وهي إحدى ميزات القرآن الكريم والواو حالية وما نافية ويجحد فعل مضارع مرفوع وبآياتنا متعلقان به وإلا أداة حصر والكافرون فاعل يجحد. (وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ) كلام مستأنف للشروع في إيراد الدليل على إعجاز القرآن، وما نافية وكنت كان واسمها وجملة تتلو خبرها وفاعل تتلو مستتر تقديره أنت ومن قبله حال لأنه كان صفة لكتاب ويجوز تعليقه بتتلو ومن حرف جر زائد وكتاب مجرور بمن لفظا منصوب محلا على أنه مفعول تتلو والواو حرف عطف ولا نافية وتخطه فعل مضارع معطوف على تتلو وبيمينك متعلقان بتخطه وإذن حرف جواب وجزاء مهمل وقد تضمن معنى الجواب لشرط محذوف أي لو كان شيء من ذلك أي من التلاوة والخط، ولارتاب اللام واقعة في جواب إذن وارتاب المبطلون فعل ماض وفاعل.
(بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ) بل إضراب عن ارتيابهم أي ليس فيه ما يدعو الى الارتياب فيه وهو محفوظ في الصدور وهو مبتدأ وآيات خبر وبينات صفة لآيات وفي صدور
стр. 3939
متعلقان بمحذوف خبر ثان لهو أي هو مثبت محفوظ في صدورهم والذين مضاف اليه وجملة أوتوا العلم صلة والعلم مفعول به ثان لأوتوا. (وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا الظَّالِمُونَ) تقدم اعراب نظيرها قريبا.
البلاغة:
الاطناب:
في قوله «ولا تخطه بيمينك» إطناب لا بد منه فذكر اليمين وهي الجارحة التي يزاول بها الخط فيه زيادة في التصوير واستحضار لنفي كونه كاتبا، وقد قدمنا أن الاطناب يرد حقيقة ومجازا، وهذا من النوع الاول ومثله قولهم: رأيته بعيني وقبضته بيدي، ووطئته بقدمي، وذقته بفمي، وكل هذا يظنه الظان المبتدئ والسطحي انه من قبيل الزيادة والفضول وانه لا حاجة اليه ويقول: إن الرؤية لا تكون إلا بالعين والقبض لا يكون إلا باليد والوطء لا يكون إلا بالقدم والذوق لا يكون إلا بالفم وليس الأمر كما توهم بل هذا يقال في كل شيء يعظم مناله ويعز الوصول اليه وهو كثير في القرآن الكريم وقد تقدم بعضه وسيأتي الكثير منه أيضا.
الفوائد:
١- أثارت دائرة المعارف إشكالا في قوله تعالى: «وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذن لارتاب المبطلون» فتقول: «إنها تدل على أنه تعلم القراءة في الكبر أي بعد نزول القرآن وإن كان التعبير غامضا أيضا» وليس التعبير غامضا ولكن التخريج الذي خرجته دائرة المعارف الاسلامية فاسد من أساسه، إذ أن لفظ
стр. 3940
الآية صريح كل الصراحة في الدلالة على أن أهل مكة عرفوا عن النبي قبل نزول الوحي أنه لم يكن يتلو كتابا ولا يكتب بيمينه ولو أنه كان كذلك إذن لارتاب المبطلون بأن يذكروا للناس انه كان يخلو الى نفسه فيكتب القرآن ويعده ثم يخرج للناس فيتلوه عليهم، ولم تقف دائرة المعارف الاسلامية عند هذا الحد فأوردت آية الفرقان وهي «وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا» وواضح أن مفهوم هذه الآية لا يدل على شيء مما تخرصت به دائرة المعارف الاسلامية إذ أنها تدل في بساطة تامة على أن كفار قريش كانوا يدعون أن رسول الله ﷺ يكتب ما يملى عليه من أساطير الأولين وليس كل ما يدعي الكفار صوابا بل هو هجوم يقصد منه تجريح القرآن وإضعاف شأنه ويدل على مغالطة دائرة المعارف الاسلامية انها تغافلت الآية السابقة إذ يقول تعالى: «وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا أساطير الأولين» ... الآية وقد أوردنا حملة فقهاء الشرق والغرب على أبي الوليد الباجي لزعمه أنه ﵇ كتب يوم الحديبية.
٢- كيف تمّ تدوين القرآن:
ورد في كتاب الإتقان للسيوطي عن زيد بن ثابت قال «قبض النبي ﷺ ولم يكن القرآن جمع في شيء» وعن زيد ابن ثابت أيضا قال: كنا عند رسول الله نؤلف القرآن من الرقاع» قال الخطابي: «إنما يجمع النبي ﷺ القرآن في المصحف لما كان يترقبه من ورود ناسخ لبعض أحكامه أو تلاوته فلما انقضى نزوله بوفاته ألهم الله الخلفاء الراشدين ذلك وفاء بعهده
стр. 3941
الصادق بضمان حفظه على هذه الأمة فكان ابتداء ذلك على بد الصديق بمشورة عمر» .
وأخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تكتبوا عني شيئا غير القرآن» وعلق السيوطي على هذا الحديث بقوله: «لا ينا في ذلك لأن الكلام في كتابة مخصوصة على صفة مخصوصة وقد كان القرآن كتب كله في عهد رسول الله ﷺ لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور» .
وقال الحارث المحاسبي في كتاب فهم السنن: «كتابة القرآن ليست بمحدثة فانه ﷺ كان يأمر أصحابه بكتابته ولكنه كان مفرقا في الرقاع والأكتاف والعسب فانما أمر الصديق بنسخها من مكان الى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول الله فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع جامع وربطها بخيط لا يضيع منها شيء» .
قال السيوطي: «وقد تقدم في حديث زيد أنه جمع القرآن من العسب واللخاف وفي رواية والرقاع وفي أخرى وقطع الأديم وفي أخرى الأكتاف وفي أخرى والأضلاع وفي أخرى والاقتاب والعسب» .
جمع عسيب وهو جريد النخل كانوا يكشطون الخوص ويكتبون في الطرف العريض، واللخاف جمع لخفة وهي الحجارة الرقاق، وقال الخطابي: صفائح الحجارة، والرقاع جمع رقعة وقد تكون من جلد أو ورق أو كاغد، والأكتاف جمع كتف وهو العظم الذي للبصير ليركب عليه.
стр. 3942
وروى البخاري في تفسيره في ذلك رواية له: «قال علي ﵇ أن رسول الله أوصاني إذا واريته في حفرته أن لا أخرج من بيتي حتى أؤلف كتاب الله فإنه في جرائد النخل وفي أكتاف الإبل» والذي نراه ونستخلصه من مجموع هذه الأقوال أن النبي كان يبيح للمسلمين كتابة القرآن لمن كان يستطيع الكتابة منهم وانه كان يأمر كتابه بتدوينه ولكن التدوين لم يكن وفق نظام مقرر بحيث يقطع الى أن النبي خلف القرآن كله مدونا مرتب السور مجموعا.
ولما قبض الرسول بدأ التفكير في جمع المصحف، وفي البخاري عن زيد بن ثابت أنه قال: أرسل إليّ أبو بكر عقب مقتل أهل اليمامة فإذا عمر بن الخطاب عنده قال أبو بكر:
- إن عمر أتاني فقال إن القتل قد استحر بالمواطن فيذهب كثير من القرآن وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن، فقال زيد لعمر:
- كيف تفعل ما لم يفعله رسول الله؟ قال عمر:
- هذا والله خير.
فلم يزل يراجعني حتى شرح الله صدري لذلك، قال أبو بكر:
- إنك رجل «شاب عاقل» لا نتّهمك، وقد كنت تكتب الوحي لرسول الله فتتبع القرآن فاجمعه. قال زيد: فو الله لو كلفوني نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من جمع القرآن.
قلت: فلم يزل أبو بكر يراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح
стр. 3943
له صدر أبي بكر وعمر فتتبعت القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة الأنصاري لم أجدها مع غيره «لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص» الى آخر براءة.
وواضح من هذا أن أبا بكر وعمر وغيرهما خشوا وقد اندفع المسلمون في حروب الردة ثم في حروب الفتح أن يهمل أمر القرآن وهو معجزة رسول الله الكبرى ودعامة الإسلام الأولى فاتفقوا على جمعه من هذه الصحائف المتفرقة التي كان يكتبها عارفو الكتابة من الصحابة ومن صدور الناس فكتب القرآن أو على الأصح نقل ما كان منه مكتوبا وأكمل بما كان محفوظا في صدور الرجال.
وعلى الرغم من كثرة النصوص التي نقلنا بعضها، لا يزال هناك بعض الغموض يحيط بالطريقة التي اتبعها زيد بن ثابت في جمع صحف القرآن، فقد ذكر أنه كان يحفظ القرآن كله، ومن المرجح أن عددا من الصحابة كانوا يحفظون القرآن منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وربما أبو بكر وعمر فلماذا لم يجتمع هؤلاء ويتموا عملهم مستعينين بالصحف التي أملاها النبي وبذاكرتهم؟ ويظهر لنا أن هذه الطريقة الطبيعية التي اتبعت حتى تم لهم جمع المصحف بطريقة هادئة لا ارتجال فيها وهو ما عنته الآية الكريمة «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» ولما كان عهد عثمان بن عفان جد من المناسبات ما دعا الى إعادة النظر في أمر هذه الصحف التي كتبها زيد بن ثابت.
روى البخاري عن أنس أن حذيفة بن اليمان قدم على عثمان وكان يغازي أهل الشام في فتح أرمينية وأذربيجان مع أهل العراق
стр. 3944
فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال لعثمان: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا فأرسل عثمان الى حفصة بنت عمر بن الخطاب وزوج رسول الله ﷺ أن أرسلي إلينا هذه الصحف ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة الى عثمان فأمر زيد بن ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص وعبد الرحمن بن الحارث ابن هشام فنسخوها في المصاحف، وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنه إنما أنزل بلسانهم ففعلوا حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف رد عثمان الصحف الى حفصة وأرسل عثمان الى كل أفق بمصحف مما نسخوا وأمر بما سواه من القرآن في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق. قال زيد:
«ففقدت آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف وقد كنت أسمع رسول الله يقرأ بها فالتمسناها فوجدناها مع خزيمة بن ثابت الأنصاري وهي «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه» فألحقناها مع سورتها في المصحف.
ترتيب المصحف:
أما بصدد ترتيب المصحف فيقول السيوطي: «الإجماع والنصوص على أن ترتيب الآيات توقيفي لا شبهة في ذلك، وذلك أن رسول الله كان يدل على مكان كل آية في سورتها ويؤيد هذا الرأي قول عثمان بن أبي العاص: «كنت جالسا عند رسول الله ﷺ إذ شخص ببصره ثم صوبه ثم قال: أتاني جبريل فأمرني أن أضع هذه الآية هذا الموضع من هذه السورة: «إن الله يأمر بالعدل
стр. 3945
والإحسان وإيتاء ذي القربى» الى آخرها وقد التزم عثمان في تدوين المصحف ما علم أنه رأي رسول الله في ترتيب الآيات.
وأما ترتيب السور فهو متروك لاجتهاد المسلمين ولكننا نثبت رواية عن ابن عباس: روى ابن عباس قال: قلت لعثمان ما حملكم على أن عدتم الى الأنفال وهي من المثاني والى براءة وهي من المئين فقرنتم بينهما ولم تكتبوا بينهما سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتموها في السبع الطوال؟ فقال عثمان: كان رسول الله ﷺ تنزل عليه السورة ذات العدد فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعض من كان يكتب فيقول ضعوا هؤلاء الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا وكانت الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة وكانت براءة من آخر القرآن نزولا وكانت قصتها شبيهة بقصتها فظننت أنها منها فقبض رسول الله ولم يبين لنا أنها منها، فمن أجل ذلك قرئت بينهما ولم أكتب سطر بسم الله الرحمن الرحيم ووضعتها في السبع الطوال.
وفي كتاب الإتقان طائفة هامة جدا من الترتيبات حسب أسباب النزول وفيما يلي الترتيب التاريخي كما رواه ابن عباس.
«السور المكية»
١- اقرأ، ٢- ن، ٣- المزمل، ٤- المدثر، ٥- تبت، ٦- الشمس، ٧- الأعلى، ٨- الليل، ٩- الفجر، ١٠- الضحى، ١١- ألم نشرح، ١٢- العصر، ١٣- العاديات، ١٤- الكوثر، ١٥- التكاثر، ١٦- الماعون، ١٧- الكافرون، ١٨- الفيل،
стр. 3946
١٩- الفلق، ٢٠- الناس، ٢١- الإخلاص، ٢٢- النجم، ٢٣- عبس، ٢٤- القدر، ٢٥- الضحى، ٢٦- البروج، ٢٧- التين، ٢٨- قريش، ٢٩- القارعة، ٣٠- القيامة، ٣١- الهمزة، ٣٢- المرسلات، ٣٣- ق، ٣٤- البلد، ٣٥- الطارق، ٣٦- الساعة، ٣٧- ص، ٣٨- الأعراف، ٣٩- الجن، ٤٠- يس، ٤١- الفرقان، ٤٢- الملائكة، ٤٣- مريم، ٤٤- طه، ٤٥- الواقعة، ٤٦- الشعراء، ٤٧- النمل، ٤٨- القصص، ٤٩- بني إسرائيل، ٥٠- يونس، ٥١- هود، ٥٢- يوسف، ٥٣- الحجر، ٥٤- الانعام، ٥٥- الصافات، ٥٦- لقمان، ٥٧- سبأ، ٥٨- الزمر، ٥٩- المؤمنون، ٦٠- السجدة، ٦١- الشورى، ٦٢- الزخرف، ٦٣- الدخان، ٦٤- الجاثية، ٦٥- الأحقاف، ٦٦- الذاريات، ٦٧- الغاشية، ٦٨- الكهف، ٦٩- النحل، ٧٠- نوح، ٧١- ابراهيم، ٧٢- الأنبياء، ٧٣- المؤمنون، ٧٤- السجدة، ٧٥- الطور، ٧٦- تبارك، ٧٧- الحاقة، ٧٨- المعارج، ٧٩- النبأ، ٨٠- النازعات، ٨١- الانفطار، ٨٢- الانشقاق، ٨٣- الروم، ٨٤- العنكبوت، ٨٥- المطففين.
«السور المدينة»
٨٦- البقرة، ٨٧- الأنفال، ٨٨- آل عمران، ٨٩- الأحزاب، ٩٠- الممتحنة، ٩١- النساء، ٩٢- الزلزلة، ٩٣- الحديد، ٩٤- القتال، ٩٥- الرعد، ٩٦- الرحمن، ٩٧- الإنسان، ٩٨- الطلاق، ٩٩- البينة، ١٠٠- الحشر، ١٠١- النصر، ١٠٢- النور، ١٠٣- الحج، ١٠٤- المنافقون،
стр. 3947
١٠٥- المجادلة، ١٠٦- الحجرات، ١٠٧- التحريم، ١٠٨- الجمعة، ١٠٩- التغابن، ١١٠- الصف، ١١١- الفتح، ١١٢- المائدة، ١١٣- براءة.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٠ الى ٥٥]
وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ (٥٢) وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٥٤)
يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٥٥)
الإعراب:
(وَقالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آياتٌ مِنْ رَبِّهِ) كلام مستأنف لتقرير نوع آخر من أنواع لجاجهم ومكابرتهم، وقالوا فعل ماض والواو فاعل يعود على كفار مكة ولولا حرف تحضيض بمنزلة هلا وأنزل
стр. 3948
فعل ماض مبني للمجهول وعليه متعلقان بأنزل وآيات نائب فاعل ومن ربه صفة لآيات أو متعلقان بأنزل. (قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) إنما كافة ومكفوفة والآيات مبتدأ وعند الله ظرف متعلق بمحذوف هو الخبر أي ينزلها كيف يشاء من غير دخل لأحد في ذلك قطعا، وإنما الواو عاطفة أو حالية وإنما كافة ومكفوفة وأنا مبتدأ ونذير خبر ومبين صفة. (أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري التقريري والواو عاطفة على محذوف مقدر يقتضيه المقام أي أقصّر محمد ولم يكفهم، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويكفهم فعل مضارع مجزوم بلم والهاء مفعول به وأن وما بعدها فاعل يكفهم وان واسمها وجملة أنزلنا عليك الكتاب خبر أن وجملة يتلى عليهم حالية. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة ورحمة اسمها المؤخر وذكرى عطف على رحمة ولقوم صفة لذكرى وجملة يؤمنون صفة لقوم. (قُلْ كَفى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيداً يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) كفى فعل ماض والباء حرف جر زائد ولفظ الجلالة مجرور بالباء لفظا فاعل كفى المرفوع محلا وبيني ظرف متعلق بشهيدا وبينكم عطف على شهيدا وشهيدا تمييز وجملة يعلم حال وما مفعول يعلم وفي السموات صلة والأرض عطف على السموات.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْباطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ) الذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وبالباطل متعلقان بآمنوا وكفروا بالله عطف على آمنوا بالباطل وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ أو ضمير فصل والخاسرون خبر هم أو خبر أولئك والجملة خبر الذين.
(وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجاءَهُمُ الْعَذابُ) كلام
стр. 3949
مستأنف مسوق للتعجب أو الاستهزاء بهم ويستعجلونك فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والكاف مفعول به وبالعذاب متعلقان بيستعجلونك ولولا حرف امتناع لوجود وأجل مبتدأ ومسمى صفته والخبر محذوف واللام رابطة للجواب وجاءهم العذاب فعل ومفعول به وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم.
(وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم ويأتينهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره هو والهاء مفعول به وبغتة حال والواو حالية وهم مبتدأ وجملة لا يشعرون خبر وجملة هم لا يشعرون حالية.
(يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ) يستعجلونك بالعذاب تقدم اعرابها وكرر الجملة للتعجب من حماقاتهم لأن من هدد بشيء التمس أسباب الوقاية منه أما هؤلاء فيستعجلونه. والواو حالية وان واسمها واللام المزحلقة ومحيطة خبر إن وبالكافرين متعلقان بمحيطة، وعبر بالحال وأراد الاستقبال أي ستحيط بهم وذلك للدلالة على التحقق والمبالغة، ويجوز أن يراد بجهنم أسبابها المؤدية إليها فلا تأويل في قوله محيطة.
(يَوْمَ يَغْشاهُمُ الْعَذابُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ) الظرف متعلق بمحيطة وجملة يغشاهم العذاب في محل جر بإضافة الظرف إليها ومن فوقهم حال ومن تحت أرجلهم عطف على من فوقهم.
(وَيَقُولُ ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) الواو عاطفة ويقول فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الموكل بالعذاب وقرئ ونقول وعلى كل حال الجملة معطوفة على يغشاهم وجملة ذوقوا مقول القول وهو فعل أمر وفاعل وما مفعول به على تقدير مضاف أي جزاء ما وجملة كنتم صلة وجملة تعملون خبر كنتم.
стр. 3950
البلاغة:
خص نار جهنم بالجانبين الأعلى والأسفل ولم يذكر اليمين ولا الشمال ولا الخلف ولا الأمام لإظهار الفرق بينها وبين نار الدنيا التي تحيط بجميع الجوانب، فنار جهنم لا تطفأ بالدوس عليها ولكنها تنزل من فوق.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٥٦ الى ٥٩]
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ (٥٨) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٥٩)
الإعراب:
(يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ)
يا حرف نداء وعبادي منادى مضاف لياء المتكلم والذين صفة لعبادي وجملة آمنوا صلة وإن واسمها وخبرها والفاء الفصيحة أي إن ضاق بكم موضع فإياي فاعبدوا، وإياي مفعول لفعل محذوف تقديره اعبدوا إياي فاستغنى بأحد الفعلين عن الفعل الثاني، فاعبدوني الفاء عاطفة على الفاء الأولى وجملة اعبدوني مفسرة وهي فعل أمر وفاعل ومفعول به وهي الياء المحذوفة. (كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنا تُرْجَعُونَ) كل نفس مبتدأ وذائقة الموت خبرها والمراد مرارته ومشقته
стр. 3951
ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وإلينا متعلقان بترجعون وترجعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها نِعْمَ أَجْرُ الْعامِلِينَ) والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وجملة عملوا الصالحات عطف على جملة آمنوا واللام موطئة للقسم ونبوئنهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقلية والفاعل مستتر تقديره نحن والهاء مفعول به وجملة القسم خبر الذين، ولك أن تنصب الذين بفعل محذوف دل عليه الفعل المذكور بعده وهو نبوئنهم ومن الجنة حال وغرفا مفعول به ثان لأن بوأ يتعدى لاثنين وقد مرّ نظيره في يونس والحج وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لغرفا وخالدين فيها حال ونعم فعل ماض جامد لانشاء المدح وأجر العاملين فاعل نعم والمخصوص بالمدح محذوف أي أجرهم.
(الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) الذين نعت للعاملين ولك أن تقطعه فترفعه على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو تنصبه على أنه منصوب على المدح بفعل محذوف تقديره أمدح وجملة صبروا صلة وعلى ربهم متعلقان بيتوكلون ويتوكلون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعله والصبر هنا عام يشمل الهجرة ومفارقة الوطن وأذى المشركين وغير ذلك مما استهدف له المسلمون في مستهل أمرهم وتجري أحكامه على كل من امتحنته نوائب الأيام وحدثان الزمان.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٠ الى ٦٤]
وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٠) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١) اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٢) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٦٣) وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)
стр. 3952
اللغة:
(يَقْدِرُ) : يضيق ويقتر، ولهذا الفعل خصائص عجيبة فهو يتوزع على طائفة من المعاني سنتنا ولها فيما يلي:
يقال: قدر الرزق: قسمه وباب نصر وضرب وقدر وقدّر على عياله ضيق وقتر، قال في الأساس: «وقدر عليه رزقه وقدّر:
قتر» وقدر يقدر من باب علم قدرا وقدرة ومقدرة ومقدرة ومقدرة ومقدارا وقدارة وقدورة وقدورا وقدرانا وقدارا وقدرا على الشيء قوي عليه، وقدر يقدر من باب ضرب قدرا الأمر دبره وقدر الشيء بالشيء فاسه به وجعله على مقداره وقدر يقدر ويقدر من بابي نصر وجلس الله عظمه، وقدر الرجل فكر في تسوية أمره وتدبيره وقدر يقدر من باب تعب قدرا بفتحتين قصرت عنقه، وقدر على الشيء اقتدر.
(الْحَيَوانُ) : مصدر حي وقياسه حييان فقلبت الياء الثانية واوا كما قال سيبويه، سمي ما فيه حياة حيوانا، قالوا: اشتر الموتان
стр. 3953
ولا تشتر الحيوان أي اشتر الأرض والدور ولا تشتر الرقيق الدواب، وفي بناء الحيوان زيادة معنى ليس في بناء الحياة وهي ما في بناء فعلان من معنى الحركة والاضطراب كالنزوان واللهبان وما أشبه ذلك والحياة حركة كما أن الموت سكون فمجيئه على بناء دال على معنى الحركة مبالغة في معنى الحياة ولذلك اختيرت على الحياة في هذا المقام المقتضى للمبالغة.
الإعراب:
(وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا) كلام مستأنف مسوق لتقرير التوكل على الله وعدم الجزع، وكأين تقدم إعرابها مفصلا وهي هنا مبتدأ ومن دابة تمييزها المجرور بمن وجمل لا تحمل رزقها صفة لدابة وقوله: (اللَّهُ يَرْزُقُها وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) هو الخبر والله مبتدأ وجملة يرزقها خبر الله وإياكم عطف على الهاء والواو عاطفة وهو مبتدأ والسميع خبر أول والعليم خبر ثان. (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وإن شرطية وسألتهم فعل ماض والتاء فاعل والهاء مفعول به وهو في محل جزم فعل الشرط ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة خلق السموات والأرض خبر من والجملة في محل نصب مفعول ثان لسألتهم المعلقة للاستفهام وسخر الشمس والقمر عطف على خلق السموات والأرض واللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون المشددة نون التوكيد الثقيلة والله خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو أو مبتدأ والخبر محذوف تقديره الله خلق السموات
стр. 3954
والفاء الفصيحة وأنى اسم استفهام في محل نصب حال ويؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل. (اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) الله مبتدأ وجملة يبسط الرزق خبر ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ومن عباده حال ويقدر فعل مضارع معطوف على يبسط وله متعلقان بيقدر والضمير راجع لمن وان واسمها وعليم خبرها وبكل شيء متعلقان بعليم.
(وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) عطف على الجملة السابقة وهي مماثلة لها في اعرابها.
(قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ) الحمد مبتدأ ولله خبر والجملة مقول القول وبل حرف إضراب وأكثرهم مبتدأ وجملة لا يعقلون خبر.
(وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ) الواو استئنافية وما نافية وهذه مبتدأ والحياة بدل والدنيا نعت للحياة وإلا أداة حصر ولهو خبر هذه ولعب عطف على لهو. (وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ) الواو عاطفة وان واسمها والآخرة نعت للدار واللام المزحلقة وهي مبتدأ والحيوان خبر والجملة خبر إن ولو شرطية وكان واسمها وجملة يعلمون خبرها وجواب لو محذوف أي ما آثروا الحياة الدنيا.
[سورة العنكبوت (٢٩) : الآيات ٦٥ الى ٦٩]
فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٦٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ (٦٧) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ (٦٨) وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)
стр. 3955
الإعراب:
(فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن محذوف دل عليه ما وصفهم وشرح من أمرهم هم على ما وصفوا به من الشرك والعناد ولا يبعد أن تكون استئنافية ليتطرق الى نمط آخر من عنادهم. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ركبوا في محل جر بإضافة الظرف إليها وفي الفلك متعلقان بركبوا وجملة دعوا الله لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومخلصين حال وله متعلقان بمخلصين والدين مفعول به لمخلصين لأنه اسم فاعل. (فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) الفاء عاطفة ولما ظرفية حينية أو رابطة ونجاهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به والى البر جار ومجرور متعلقان بنجاهم وإذا فجائية وهي مع مدخولها جملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب لما وهم مبتدأ وجملة يشركون خبر هم. (لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ وَلِيَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) اللام لام كي ويتمتعوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام كي وبما متعلقان بيكفروا وجملة آتيناهم صلة ما وليتمتعوا عطف على ليكفروا فهي مثلها ويجوز أن تكون اللام فيهما لام العاقبة والمآل ويحتمل أن تكون اللام فيهما لام الأمر وقرى وليتمتعوا
стр. 3956
بسكون اللام أمر تهديد وسيأتي بحث واف عن معنى الأمر في باب البلاغة كما سيأتي بحث الخليل بن أحمد عن أقسام اللام في اللغة العربية في باب الفوائد والفاء الفصيحة وسوف حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع وفاعل. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ) الهمزة للاستفهام الانكاري المفيد للتقرير لأن همزة الاستفهام الانكاري إذا دخلت على النفي أفادت التقرير لأن الكلام يصير إيجابا، والواو عاطفة على محذوف تقدير لقد جعلنا آمنين قارين في مكة ولم يعلموا ذلك ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم والواو فاعل وان وما بعدها سدت مسد مفعولي يروا وان واسمها وجملة جعلنا خبرها ومفعول جعلنا الأول محذوف أي جعلنا بلدهم مكة وحرما مفعول به ثان وآمنا صفة والواو حالية ويتخطف فعل مضارع مبني للمجهول والناس نائب فاعل ومن حولهم حال.
(أَفَبِالْباطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) الهمزة للاستفهام الانكاري والفاء عاطفة على محذوف وبالباطل متعلقان بيؤمنون وبنعمة الله يكفرون معطوف على ما قبله. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِالْحَقِّ لَمَّا جاءَهُ) الواو استئنافية ومن اسم استفهام متضمن معنى النفي في محل رفع مبتدأ وأظلم خبر وممن متعلقان بأظلم وجملة افترى على الله صلة وكذبا مفعول به وأو حرف عطف وكذب عطف على افترى وبالحق متعلقان بكذب ولما ظرفية حينية أو رابطة وجاءه فعل وفاعل مستتر ومفعول به. (أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ) الهمزة للاستفهام التقريري وليس فعل ماض ناقص وفي جهنم خبر ليس المقدم ومثوى اسمها المؤخر وللكافرين صفة لمثوى
стр. 3957
وسيأتي معنى التقرير في باب البلاغة . (وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) والذين مبتدأ وجملة جاهدوا صلة ومفعول جاهدوا محذوف وسيأتي سر حذفه في باب البلاغة وفينا متعلقان بجاهدوا في حقنا ومن أجلنا ولو جهنا خالصا واللام موطئة للقسم وجملة نهدينهم خبر الذين سبلنا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض وان واسمها ومع المحسنين ظرف متعلق بمحذوف خبر إن.
البلاغة:
١- معنى الأمر:
قال الزمخشري: «فإن قلت: كيف جاز أن يأمر الله بالكفر وبأن يفعل العصاة ما شاءوا وهو ناه عن ذلك ومتوعد عليه؟ قلت:
هو مجاز عن الخذلان والتخلية وإن ذلك الأمر متسخط الى غاية، ومثاله أن ترى الرجل قد عزم على أمر وعندك أن ذلك الأمر خطأ وأنه يؤدي الى ضرر جسيم فتبالغ في نصحه واستنزاله عن رأيه فإذا لم تر منه إلا الإباء والتصميم حردت عليه (أي غضبت) وقلت: أنت وشأنك وافعل ما شئت فلا تريد بهذا حقيقة الأمر وكيف والآمر بالشيء مريد له وأنت شديد الكراهة متحسّر ولكنك كأنك تقول له:
فإذا قد أبيت قبول النصيحة فأنت أهل ليقال لك افعل ما شئت ليتبين لك إذا فعلت صحة رأي الناصح وفساد رأيك» .
٢- الاستفهام التقريري:
قلنا إن همزة الإنكار إذا دخلت على النفي صار إيجابا فيرجع
стр. 3958
الى معنى التقرير ومنه في الشعر قول جرير يمدح عبد الملك بن مروان:
ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح
قال بعضهم لو كان استفهاما ما أعطاه الخليفة مائة من الإبل وقيل لما بلغ جرير هذا البيت في القصيدة كان عبد الملك متكئا فاستوى جالسا فرحا وقال هكذا مدحنا وأعطاه مائة من الإبل.
٣- الحذف:
تقدم القول في حذف المفعول به للإيجاز وهو هنا في قوله «والذين جاهدوا فينا» فقد أطلق المجاهدة ولم يقيدها بمفعول لتتناول كل ما يجب مجاهدته من النفس الأمارة بالسوء والشيطان وهذا أحسن من تقدير مفعول به خاص كما فعل الكثيرون من المفسرين ليتناول جميع الطاعات والمزدلفات.
الفوائد:
ذكر اللامات للخليل بن أحمد الفراهيدي:
ذكر الخليل بن أحمد شيخ سيبويه في مصنف صغير له أن عدد اللامات إحدى وأربعون لاما ونوردها مع إلماع يسير إلى أحكامها كما أوردها الخليل ثم نعلق على ما بعض نراه جديرا بالتعليق منها:
١- لام القسم وهي مفتوحة وبعدها نون مشددة وذلك مثل قوله «لترون الجحيم ثم لترونها عين اليقين ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم» .
стр. 3959
٢- لام جواب القسم وهي تشبه لام القسم وتقوم مقامها.
٣- لام الأمر وهي لا تأتي أبدا إلا بعد واو أو فاء مثل قوله تعالى «فليعبدوا ربّ هذا البيت» «ولتأت طائفة» وما أشبه ذلك فإن عدمت واو أو فاء كانت اللام مكسورة نحو قوله : «لينفق ذو سعة من سعته» .
٤- لام جواب الأمر وهي تشبه لام الأمر، وأنا لا أعرف إلا حرفا واحدا وهو قوله : «ولنحمل خطاياكم» لا غير.
٥- لام الوعد وهي تشبه لام الأمر وتقوم مقامها، وأنا لا أعرف في القرآن إلا حرفين وهما في قوله تعالى:
«فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي» .
٦- لام الوعيد وهي تشبه لام الأمر وتقوم مقامها، وأنا لا أعرف في القرآن إلا أربعة أحرف وهي في قوله : «فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفّر» ومثلها:
«فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا» لا غير.
٧- لام التوكيد وهي مفتوحة وقبلها نون مشددة لا تأتي إلا بعد إن وإنا وأ إنك وإنكم وإنهم، وانهما، وإنه، وذلك مثل قوله تعالى «وإن الله لعليم حليم» و «إن الله لغفور رحيم» و «إننا لفي شك» و «يقول أإنك لمن المصدقين» «وإنكم لتمرون عليهم مصبحين» «وإنه لحب الخير لشديد» «إن هؤلاء لشرذمة قليلون» .
стр. 3960
٨- لام العماد وهي مفتوحة ولا تأتي إلا بعد الكيد أعني «وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم» «وإن كادوا ليستفزونك» وما أشبه ذلك.
٩- لام الجحد وهي مكسورة في ذاتها ناصبة للفعل ولا تأتي إلا بعد كان وما كنا وما كانوا أعني بذلك الكون وذلك مثل قوله: «وما كان الله ليطلعكم على الغيب» «وما كانوا ليؤمنوا» وما أشبه ذلك.
١٠- لام كي وهي مكسورة في ذاتها ناصبة للفعل ولا تأتي أبدا إلا بعد فعل قد مضى وذلك مثل قوله :
«ولتجري الفلك» وما أشبه ذلك.
١١- لام إن الخفيفة وهي مكسورة وتشبه لام كي وتقوم مقامها مثل قوله تعالى: «وأمرنا لنسلم لرب العالمين» «يريدون ليطفئوا نور الله بأفواهم» «ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى» .
١٢- لام الغاية وهي تشبه لام كي وتقوم مقامها وذلك مثل قوله «ليضلوا عن سبيلك» .
١٣- لام الترجي وهي مفتوحة وذلك مثل قوله تعالى «لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا» «لعلك باخع نفسك» «لعله يذكّر أو يخشى» .
١٤- لام التمني وهي مفتوحة وذلك مثل قوله تعالى «يا ليتني كنت ترابا» «يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا» .
следующие страницы →