Полный текст (5 784 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
وقالوا ما تشاء البيت..
وأرقت: سهرت والواو للمعية والمضيق المكان الضيق وعمق بكسر فسكون شجر ببلاد الحجاز وبضم ففتح موضع منخفض عند مكة ولعله سكن هنا للوزن والبرق متعلق بأرقت أي سهرت في هذا الموضع لأجل برق من تهامة جهة محبوبتي ويحتمل أن الواو حالية وحجتي مبتدأ خبره بمضيق عمق وإذا كان أصحابه فيه فهو فيه فرجع الى الاول ومستطير: منتشر وتكنفوني أحاطوا بي وعداة جمع عاد بمعنى عدو وقيل جمع عدو أي هم أعداء الله من أجل كذبهم وزورهم وهي جملة اعتراضية ويحتمل أن عداة بدل من ضمير الفاعل أي أحاطوا بي وقالوا: ما الذي تريده؟ فقلت ألهو أي هو أن ألهو فأن مقدرة معنى ان ولم ينتصب الفعل لفظا وقال الجوهري في الصحاح: «يقال افعل هذا آثر ذي أثير أي أول كل شيء» فأشار الى أن آثر نصب على الظرفية المجازية أو الحالية أي افعله حال كونه أول كل شيء يؤثر فهو أفعل تفضيل بمعنى المفعول.
٢- خاض المعربون كثيرا في اعراب هذه الآية وقد لخص أبو البقاء أقوالهم جميعا في ثلاثة نوردها فيما يلي بنص كلامه:
«ومن آياته يريكم البرق» فيه ثلاثة أوجه أحدها أن من آياته حال من البرق أي يريكم البرق كائنا من آياته إلا أن حق الواو أن تدخل هنا على الفعل ولكن لما قدم الفعل وكانت من جملة المعطوف أولاها الواو وحسن ذلك أن الجار والمجرور في حكم الظرف فهو كقوله: آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة، والوجه الثاني أن أن محذوفة أي ومن آياته أن يريكم وإذا حذفت أن في مثل هذا جاز رفع الفعل
стр. 3992
والثالث أن يكون الموصوف محذوفا أي ومن آياته آية يريكم فيها البرق فحذف الموصوف والعائد ويجوز أن يكون التقدير: ومن آياته شيء أو سحاب ويكون الفاعل ضمير شيء المحذوف» والوجه الثاني هو الذي اخترناه وهو الظاهر والأبعد عن التكلف وهو الموافق لاخواته التي ذكر فيها الحرف المصدري.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧) ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلاً مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨) بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٩)
الإعراب:
(وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ) الواو عاطفة وهو مبتدأ والذي خبر وجملة يبدأ الخلق صلة الذي والخلق في الأصل مصدر ولكنه إعادة الضمير في يعيده عليه بمعنى المخلوق فهو استخدام وسيأتي بحث هذا الفن الرفيع في باب البلاغة وهو الواو حالية أو عاطفة وهو مبتدأ وأهون خبره وعليه متعلقان بأهون وسيأتي السر في تذكير الضمير في قوله وهو مع أن المراد به الاعادة كما سيأتي
стр. 3993
معنى أهون عليه وسر تأخير الجار والمجرور وهو عليه. (وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلى فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) الواو عاطفة وله خبر مقدم والمثل مبتدأ مؤخر والأعلى صفة وفي السموات حال والأرض عطف على السموات وهو مبتدأ والعزيز خبر أول والحكيم خبر ثان.
(ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ) ضرب فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو ومعنى ضرب هنا جعل ولكم في محل نصب مفعول ثان ومثلا هو المفعول الأول ومن أنفسكم صفة لمثلا أي كائنا من أنفسكم فمن معناه الابتداء كأنه قال أخذ مثلا وانتزعه من أقرب شيء منكم.
(هَلْ لَكُمْ مِنْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ مِنْ شُرَكاءَ فِي ما رَزَقْناكُمْ) هل حرف استفهام ولكم خبر مقدم ومما حال من شركاء لأنه في الأصل نعت نكرة فقدم عليها وجملة ملكت صلة وأيمانكم فاعل ملكت ومن حرف جر زائد وشركاء مبتدأ مؤخر وفيما رزقناكم متعلقان بشركاء وما في مما ملكت بمعنى النوع والتقدير هل شركاء فيما رزقناكم كائنون من النوع الذي ملكت أيمانكم مستقرون لكم، فكائنون هو الوصف المتعلق به مما ملكت فلما قدم صار حالا ومستقرون هو الخبر الذي تعلق به ولكم.
(فَأَنْتُمْ فِيهِ سَواءٌ تَخافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) الفاء واقعة في جواب الاستفهام وأنتم مبتدأ وفيه متعلقان بسواء وسواء خبر وجملة تخافونهم خبر ثان لأنتم أو في موضع الحال من ضمير الفاعل في سواء أي فتساووا خائنا بعضكم من بعض مشاركته له في المال، وكخيفتكم نعت لمصدر محذوف أي خيفة مثل خيفتكم والمصدر مضاف لفاعله وأنفسكم مفعول به للمصدر وكذلك نعت لمصدر محذوف أيضا ونفصل الآيات فعل مضارع وفاعل
стр. 3994
مستتر تقديره نحن والآيات مفعول به ولقوم متعلقان بنفصل وجملة يعقلون صفة لقوم.
(بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْواءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ) حرف إضراب وعطف واتبع عطف على طريق الالتفات والذين فاعل اتبع وجملة ظلموا صلة الذين وأهواءهم مفعول به وبغير علم حال. (فَمَنْ يَهْدِي مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) الفاء الفصيحة ومن اسم استفهام في محل رفع مبتدأ وجملة يهدي خبر ومن مفعول يهدي وجملة أضل الله صلة والعائد محذوف أي أضله الله والواو حرف عطف وما نافية ولهم خبر مقدم ومن حرف جر زائد وناصرين مجرور لفظا مبتدأ مؤخر محلا ويجوز أن تجعل ما حجازية عند من يجيز تقديم خبرها على اسمها.
البلاغة:
١- فن الاستخدام:
في قوله «وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده» فن الاستخدام كما قررنا في الاعراب وهو فن دقيق غامض المسلك وفيه قولان: الأول أن يأتي المتكلم بلفظة مشتركة بين معنين اشتراكا أصليا متوسطة بين قرينتين أو متقدمة عليهما أو متأخرة عنهما يستخدم كل قرينة منهما في معنى من معنيي تلك الكلمة المشتركة وهذا مذهب ابن مالك سواء كان الاستخدام بضمير أو بغير ضمير، قال الله تعالى «لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت» فإن لفظة كتاب تحتمل الأجل المحتوم والكتاب المكتوب وقد توسطت بين لفظي أجل، ويمحو إذ استخدمت أحد مفهوميها وهو الأجل بقرينة ذكر الأجل واستخدمت المفهوم الآخر وهو المكتوب بقرينة يمحو.
стр. 3995
والقول الثاني انه اطلاق لفظ مشترك بين معنيين مطلقا فيريد بذلك اللفظ أحد المعنيين ثم يعيد عليه ضميرا يريد به المعنى الآخر أو يعيد عليه ضميرين يريد بأحدهما أحد المعنيين وبالآخر المعنى الآخر بعد استعماله في معناه الثالث وهذا هو المذهب المشهور في الاستخدام وهو طريقة صاحب الإيضاح ومن تبعه ومنه الآية التي نحن بصددها فقد أعاد الضمير وهو قوله «وهو أهون عليه» على الخلق بمفهومه الآخر وهو المخلوق لا بمفهومه الأول وهو المصدر ومنه قول البحتري:
فسقى الغضا والساكنيه وان هم ... شبوه بين جوانحي وضلوعي
فقد أعاد ضمير شبوه على الغضا بمفهومه الآخر وهو الشجر تكون ناره قوية وبها يضرب المثل فيقال جمر الغضا مع أنه يريد مكانا معينا تنزل فيه محبوبته.
٢- وفي هذه الآية أيضا فن «المذهب الكلامي» وقيل ان أول من اخترعه الجاحظ وزعم أنه لا يوجد منه شيء في القرآن الكريم وهو مشحون به وتعريفه انه احتجاج المتكلم على ما يريد إثباته بحجة تقطع المعاند له على طريقة أرباب الكلام ومنه نوع منطقي تستنتج فيه النتائج الصحيحة من المقدمات الصادقة وقد ساق الرماني في إعجازه المترجم بالنكت وفي تفسيره الجامع الكبير في الضرب الخامس من باب المبالغة من الاعجاز: إخراج الكلام مخرج الشك للمبالغة في العدل للاحتجاج.
٣- سر تذكير الضمير:
تذكير الضمير:
تذكير الضمير في قوله «وهو أهون» مع أنه عائد على الاعادة
стр. 3996
باعتبار كونها ردا وارجاعا أو مراعاة للخبر وهو أهون قال الكرخي:
«وذكر الضمير فيه مع أنه راجع الى الاعادة المأخوذة من لفظ يعيده نظرا الى المعنى دون اللفظ وهو رجعه أو رده كما نظر اليه في قوله:
«لنحيي به بلدة ميتا» أي مكانا ميتا أو تذكيره باعتبار الخبر.
٤- تأخير الصلة وتأخير الجار والمجرور وهو «عليه» مع أنه مقدم في قوله:
«هو عليّ هين» لأن المقصود مما نحن فيه هنا خلاف المقصود هناك فإنه اختصاص الله بالقدرة على إيلاد الهم والعاقر، وأما المقصد هنا فلا معنى للاختصاص فيه كيف والأمر مبني على ما يعتقدونه في المشاهد من أن الإعادة أسهل من الابتداء فلو قدمت الصلة لتغير المعنى، وهذا سؤال مشهور تعورف بينهم وهو انه كيف قال تعالى «وهو أهون عليه» والافعال كلها بالنسبة الى قدرته تعالى متساوية في السهولة؟ وإيضاحه أن الأمر مبني على ما ينقاس على أصولكم ويقتضيه معقولكم من أن الاعادة للشيء أهون من ابتدائه لأن من أعاد منكم صنعة شيء كانت أسهل عليه وأهون من إنشائها فالإعادة محكوم عليها بزيادة السهولة وهناك جواب آخر وهو أن تكون أهون ليست للتفضيل بل هي صفة بمعنى هين كقولهم الله أكبر أي كبير.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٠ الى ٣٢]
فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ (٣٠) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٣١) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٣٢)
стр. 3997
اللغة:
(حِزْبٍ) : الحزب: الجماعة من الناس، السلاح، جند الرجل وأصحابه الذين على رأيه، النصيب، القسم من القرآن أو غيره والجمع أحزاب وكل قوم تشاكلت قلوبهم وأعمالهم فهم أحزاب وإن لم يلق بعضهم بعضا.
الإعراب:
(فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً) الفاء الفصيحة وأقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ووجهك مفعول به وللدين متعلقان بأقم وحنيفا حال من فاعل أقم أو من مفعوله أو من الدين. (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها) مفعول به لفعل محذوف أي الزموا فطرة الله أي خلقته وإنما أضمرناه على خطاب الجماعة لقوله فيما بعد منيبين اليه كما سيأتي وقيل هي مصدر لفعل محذوف أي فطركم فطرة والتي صفة للفطرة وجملة فطر الناس صلة وعليها متعلقان بفطر. (لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) الجملة تعليل للأمر بلزوم فطرته ولا نافية للجنس وتبديل اسمها المبني على الفتح ولخلق الله خبر. (ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) ذلك مبتدأ والدين خبره والقيم صفة والواو حالية أو استئنافية ولكن واسمها وجملة لا يعلمون خبرها. (مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) منيبين حال من فاعل الزموا المضمر كما أشرنا اليه آنفا وهو أحسن من جعله حالا من فاعل أقم واتقوا الله عطف على الزموا المضمرة وكذلك قوله وأقيموا الصلاة ولا ناهية وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا الناهية
стр. 3998
والواو اسمها ومن المشركين خبرها. (مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً) من الذين بدل من قوله من المشركين بإعادة العامل وجملة فرقوا دينهم صلة وكانوا شيعا كان واسمها وخبرها. (كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) كل حزب مبتدأ وبما متعلقان بفرحون ولديهم الظرف متعلق بمحذوف صلة للموصول وفرحون خبر كل والجملة مفسرة مقررة لما قبلها.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٣ الى ٣٧]
وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣) لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣٤) أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥) وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٣٧)
اللغة:
(سُلْطاناً) : السلطان: الحجة تقول له سلطان مبين أي حجة والملك وعبارة القاموس: «والسلطان الحجة وقدرة الملك وتضم لامه، والوالي مؤنث لأنه جمع سليط للدهن كأن يضيء الملك أو لأنه بمعنى الحجة وقد يذكر ذهابا الى معنى الرجل» وفي الأساس: «وله
стр. 3999
عليهم سلطان» ، «وما كان لي عليكم من سلطان» وله سلطان مبين:
حجة وسنابك سلطات: طوال قال الجعدي يصف فرسا:
مدلّا على سلطات النسو ... رشمّ السنابك لم تقلب
وروّى ذباله بالسليط وهو الزيت الجيد» وقال أبو البقاء:
«والسلطان يذكر لأنه بمعنى الدليل ويؤنث لأنه بمعنى الحجة وقيل هو جمع سليط كرغيف ورغفان» (يَقْنَطُونَ) : ييئسون من الرحمة وفي المصباح هو بفتح النون وكسرها سبعيتان وبابه ضرب وتعب وفي القاموس: «قنط كنصر وضرب وحسب وكرم قنوطا وكفرح قنطا وقناطة وكمنع وحسب وهاتان على الجمع بين اللغتين يئس فهو قنط كفرح وقنّطه تقنيطا آيسه والقنط المنع وزبيب الصبي» .
الإعراب:
(وَإِذا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ) كلام مستأنف مسوق لتصوير طبائع الناس المتقلبة وترجحهم بين الرجاء والقنوط، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة مس في محل جر بإضافة الظرف إليها والناس مفعول به مقدم وضر فاعل مؤخر وجملة دعوا ربهم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وربهم مفعول به ومنيبين حال من فاعل دعوا واليه متعلقان بمنيبين. (ثُمَّ إِذا أَذاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ) ثم حرف عطف للترتيب والتراخي وإذا شرطية وجملة أذاقهم في محل جر بإضافة الظرف إليها ومنه حال لأنه كان في الأصل صفة لرحمة ورحمة مفعول به ثان وإذا الفجائية
стр. 4000
وهي رابطة لجواب إذا الأولى بشرطها فهي تخلف الفاء في الربط وفريق مبتدأ ومنهم صفة وبربهم متعلقان بيشركون وجملة يشركون خبر.
(لِيَكْفُرُوا بِما آتَيْناهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ) اللام للتعليل أو العاقبة والصيرورة وقيل هي لام الأمر والمراد بالأمر التهديد والوعيد ويكفروا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وبما متعلقان بيكفروا وجملة آتيناهم صلة، فتمتعوا الفاء عاطفة وتمتعوا فعل أمر التفت فيه من الغيبة الى الخطاب للمبالغة في زجرهم والفاء واقعة في جواب الأمر وسوف حرف استقبال وتعلمون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل. (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِما كانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ) أم حرف عطف منقطعة فهي بمعنى بل وأنزلنا فعل وفاعل وعليهم متعلقان بأنزلنا وسلطانا مفعول به والفاء حرف عطف وهو مبتدأ وجملة يتكلم خبر وبما جار ومجرور متعلقان بيتكلم وجملة كانوا صلة ويجوز أن تكون ما مصدرية وكان واسمها وبه متعلقان بيشركون وجملة يشركون خبر كانوا.
(وَإِذا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِها) عطف على ما تقدم وجملة فرحوا بها لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وجملة أذقنا في محل جر بإضافة الظرف إليها. (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذا هُمْ يَقْنَطُونَ) عطف أيضا وتصبهم فعل الشرط وسيئة فاعل والباء سببية وما اسم موصول في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بتصبهم وجملة قدمت لا محل لها وإذا الفجائية وقد نابت عن الفاء في ربط الجواب بالشرط وهم مبتدأ وجملة يقنطون خبر وجملة إذا هم يقنطون في محل جزم جواب الشرط. (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ) الهمزة للاستفهام الانكاري المفيد للتقرير والواو
стр. 4001
عاطفة على محذوف يقتضيه السياق ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم وأن وما في حيزها سدت مسد مفعولي يروا وان واسمها وجملة يبسط الرزق خبرها ولمن متعلقان بيبسط وجملة يشاء صلة ويقدر عطف على يبسط. (إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ) تقدم إعراب نظائرها كثيرا.
البلاغة:
في قوله (أَمْ أَنْزَلْنا عَلَيْهِمْ سُلْطاناً فَهُوَ يَتَكَلَّمُ) مجاز عقلي كما تقول كتابه ناطق بكذا وهذا مما نطق به القرآن ومعناه الدلالة والشهادة فهو يشهد بشركهم أو بالذي يشركون به.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٣٨ الى ٤٠]
فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨) وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)
الإعراب:
(فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن مقدر تقديره إن عرفت أن السيئة أصابتهم بما قدمت
стр. 4002
أيديهم فآت. وآت فعل أمر مبني على حذف حرف العلة وفاعله مستتر تقديره أنت وذا القربى مفعول به أول وحقه مفعول به ثان، وقد احتج أبو حنيفة بهذه الآية على وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين وعاجزين عن الكسب والشافعي قاس القرابات على ابن العم لأنه لا ولادة بينهم. والمسكين عطف على ذا القربى وكذلك ابن السبيل.
(ذلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) ذلك مبتدأ وخير خبر وللذين متعلقان بخير وجملة يريدون صلة والواو فاعل ووجه الله مفعول به أي ثوابه وأولئك مبتدأ وهم مبتدأ ثان والمفلحون خبر هم والجملة خبر أولئك. (وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ) الواو عاطفة وما شرطية في محل نصب مفعول به مقدم لآتيتم وآتيتم فعل وفاعل ومن ربا حال وليربوا اللام للتعليل ويربوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بآتيتم وفي أموال الناس متعلقان بيربوا وسيأتي معنى الظرفية في باب البلاغة والفاء رابطة لجواب الشرط ولا نافية ويربوا فعل مضارع مرفوع والجملة في محل جزم جواب الشرط وعند الله متعلق بيربوا. (وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ) عطف على ما تقدم ومعنى قوله فأولئك هم المضعفون ذوو الأضعاف من الثواب وسيأتي سر الالتفات في باب البلاغة.
(اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) الله مبتدأ والذي خلقكم خبره وجملة خلقكم صلة وما بعده عطف عليه.
(هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) هل حرف استفهام ومن شركائكم خبر مقدم ومن للتبعيض، ومن يفعل مبتدأ مؤخر ومن ذلكم متعلق بمحذوف حال من شيء لأنه
стр. 4003
كان في الأصل صفة له ومن حرف جر زائد وشيء مجرور بمن لفظا مفعول به ليفعل محلا وزيدت له لأن النكرة في حيز الاستفهام المتضمن معنى النفي وسبحانه مفعول مطلق لفعل محذوف وتعالى فعل ماض وعما متعلقان بتعالى وما مصدرية أو موصولية.
البلاغة:
١- الكناية:
في قوله «ليربوا في أموال الناس» كناية لأن الزيادة التي يأخذها المرابي من أموال الناس لا يملكها أصلا فالظرفية هي موضع الكناية.
٢- الالتفات:
في قوله «فأولئك هم المضعفون» التفات عن الخطاب الى الغيبة للتعظيم فهو أمدح من أن يقول لهم فأنتم المضعفون وفيه حذف المفعول به أي ثوابهم.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤١ الى ٤٥]
ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤١) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ (٤٢) فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣) مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٤٥)
стр. 4004
الإعراب:
(ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ) كلام مستأنف مسوق لتقرير ما عم في مختلف الأنحاء من البر والبحر من مفسدة وظلم ولهو ولعب وسائر ما يطلق عليه الفساد الذي هو ضد الصلاح. وظهر الفساد فعل وفاعل وفي البر والبحر متعلقان بظهر أو بمحذوف حال ولعله أرجح وبما متعلقان بظهر أي بسبب كسبهم فما مصدرية أو بسبب الذي كسبوه فهي موصولية وأيدي الناس فاعل كسبت. (لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) اللام لام التعليل ويذيقهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والأولى أن يعلق الجار والمجرور بمحذوف أي عاقبهم بذلك وقيل اللام ليست للتعليل بل للصيرورة لأن ذلك هو مآلهم وصيرورتهم وأجاز أبو البقاء تعليقه بظهر، والهاء مفعول به أول ليذيق وبعض الذي عملوا مفعوله الثاني ولعل واسمها وجملة يرجعون خبرها. (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ) جملة سيروا في الأرض مقول القول فانظروا عطف على سيروا وكيف اسم استفهام في محل نصب خبر كان المقدم وكان واسمها والجملة في محل نصب بانظروا المعلقة بالاستفهام ومن قبل متعلقان بمحذوف صلة الذين. (كانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن ما أصابهم كان لفشو الشرك في أكثرهم والفساد والمعاصي في أقلهم. (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) الفاء الفصيحة وأقم فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت يعود على الرسول ﷺ والمراد أمته ووجهك مفعول به وللدين متعلقان بأقم والقيم صفة للدين أي اجعل وجهتك اتباع الدين القيم البليغ الاستقامة وقد تقدم تفسير هذه الكلمة.
стр. 4005
(مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ) من قبل متعلقان بمحذوف حال وان وما بعدها في تأويل مصدر مضاف اليه ويوم فاعل يأتي ولا نافية للجنس ومرد اسمها وله خبرها والجملة صفة ليوم ومن الله لك أن تعلقه بيأتي أي يأتي من الله يوم لا يرده أحد ولك أن تعلقه بمحذوف يدل على المصدر المنسبك من أن ويرده ولا يجوز تعليقه بمرد لأنه يصبح عندئذ شبيها بالمضاف فيعرب، ويومئذ ظرف أضيف لمثله متعلق بيصدعون والتنوين عوض عن جملة ويصدعون مضارع حذفت إحدى تاءيه أي يتفرقون يوم إذ يأتي هذا اليوم، يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه يفرق شعب الرأس، وقال الشاعر:
وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر حتى قيل لن يتصدعا
(مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صالِحاً فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ) الجملة مفسرة لا محل لها مسوقة لتفسير قوله يصدعون ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وكفر فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وعليه خبر مقدم وكفره مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من، ومن عمل صالحا عطف على ما سبقه مماثل له في إعرابه وقوله صالحا يجوز أن يكون مفعولا به وأن يكون نعتا لمصدر أي عملا صالحا والفاء رابطة ولأنفسهم متعلقان بيمهدون والجملة جواب الشرط أي يمهدون فرشهم الوثيرة ويوطئونها لئلا تنبوبهم فتتجافى مضاجعهم ويتنغص عيشهم. (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) اللام للتعليل ويجزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بيمهدون أو بيصدعون
стр. 4006
أو بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي ذلك كائن ليجزي والذين مفعول يجزي وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على يجزي ومن فضله متعلقان بيجزي وان واسمها وجملة لا يحب خبرها والكافرين مفعول به والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها تعليلية.
البلاغة:
في قوله (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ) جناس المناسبة اللفظي لأن للجناس أصلين وهما جناس المزاوجة وجناس المناسبة وقد تقدم ذكر هذا مستوفى.
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٤٦ الى ٥٠]
وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٤٦) وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلاً إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧) اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٨) وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ (٤٩) فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)
стр. 4007
اللغة:
(الرِّياحَ) : أحد جموع الريح والريح مؤنثة وتجمع أيضا على أرواح وأرياح وريح، وجمع الجمع أراويح وأراييح، والرياح أربع:
الجنوب وهي القبلية، والشمال وهي الشمالية، والصبا وهي الشرقية، والدبور وهي الغربية، والثلاثة الأول رياح الرحمة والرابعة هي ريح العذاب، وقد تقدم أن لفظ الريح لم يأت في القرآن إلا في الشر وجاء الجمع في الخير ومن ذلك نرى أن العربية غنية بمدلولاتها واننا إذا أوغلنا في الألفاظ المخصصة لبعض الأمور استنبطنا مفاهيم ربما كنا لا نعيرها التفاتا في كتابتنا الحديثة.
(كِسَفاً) : بكسر ففتح ويجوز تسكين السين جمع كسفة أي قطعة وفي القاموس: «الكسفة بالكسر القطعة من الشيء والجمع كسف وكسف وجمع الجمع أكساف وكسوف وكسفه يكسفه قطعه» .
(الْوَدْقَ) : المطر.
الإعراب:
(وَمِنْ آياتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّياحَ مُبَشِّراتٍ) كلام مستأنف مسوق لعرض آياته تعالى ومن آياته خبر مقدم وأن وما في حيزها مبتدأ مؤخر والرياح مفعول به ومبشرات حال وهذا هو الغرض الأول في إرسالها.
(وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) الواو عاطفة والجملة عطف على قوله مبشرات لأن الحال
стр. 4008
والصفة تتعاوران في إفهام العلة فكأن التقدير ليبشركم وليذيقكم، وعبارة الزمخشري بهذا الصدد: «فإن قلت بم يتعلق وليذيقكم؟
قلت: فيه وجهان: أن يكون معطوفا على مبشرات على المعنى كأنه قيل ليبشركم وليذيقكم وأن يتعلق بمحذوف تقديره وليذيقكم وليكون كذا وكذا أرسلناها» ومن رحمته متعلقان بيذيقكم وسيأتي معنى هذا المجاز في باب البلاغة ولتجري الفلك عطف أيضا وبأمره حال ولتبتغوا من فضله عطف أيضا ولعلكم تشكرون لعل واسمها وجملة تشكرون خبرها.
َ لَقَدْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلى قَوْمِهِمْ فَجاؤُهُمْ بِالْبَيِّناتِ)
كلام مستأنف مسوق لتسليته ﷺ وتأنيسا له وإيذانا بالنصر، واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ومن قبلك حال ورسلا مفعول به والى قومهم جار ومجرور متعلقان بأرسلنا فجاءوهم عطف على أرسلنا وبالبينات متعلقان بجاءوهم أو بمحذوف حال. َانْتَقَمْنا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)
الفاء عاطفة على محذوف تقديره فكذبوهم فانتقمنا ومن الذين متعلقان بانتقمنا وجملة أجرموا صلة وكان الواو استئنافية وكان فعل ماض ناقص وحقا خبرها المقدم وعلينا متعلقان بحقا أو بمحذوف صفة له ونصر المؤمنين اسمها المؤخر وهذا هو الاعراب المستقيم وقد تكلف بعض المعربين فأجازوا أن يكون حقا مصدرا وعلينا الخبر وأن يكون في كان ضمير الشأن وحقا مصدر وعلينا نصر مبتدأ وخبرا في موضع نصب خبر كان وفي هذا الكلام من تعظيم أمر المؤمنين وتأهيلهم للكرامة واستحقاق الاثابة والنصر ما فيه وفي تعريف المؤمنين تنويه بهم وإلماع الى أن من تخلّف عن مراتبهم لا يستحق هذه
стр. 4009
المنّة الكبرى. (اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُهُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ) كلام مستأنف أيضا لتفصيل ما أجمله من ذكر الرياح وأحوالها والله مبتدأ والذي خبره وجملة يرسل الرياح صلة فتثير عطف على يرسل وسحابا مفعول به والفاء عاطفة ويبسطه عطف على تثير أيضا وفي السماء متعلقان بيبسطه وكيف أداة شرط وتعليق كقولهم كيف تصنع أصنع وكيف تكون أكون إلا أنه لا يجزم بها وجوابها محذوف لدلالة ما قبلها عليه وكذلك مفعول يشاء وقد تقدم أن المفعول بعد يشاء يكون محذوفا في الغالب والتقدير كيف يشاء بسطه يبسطه فحذف بسطه لأنه مفعول يشاء وحذف يبسطه لدلالة يبسطه الأول عليه وكيف منصوب على الحال بالفعل بعده والمعنى على أي حال شاء أن يبسطه يبسطه وسيأتي مزيد بحث عن كيف الشرطية في باب الفوائد. (وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) ويجعله عطف على يبسطه والهاء مفعول يجعل الاول وكسفا مفعوله الثاني، فترى عطف على ما تقدم وفاعل ترى مستتر تقديره أنت والودق مفعول به وجملة يخرج حالية لأن الرؤية هنا بصرية ومن خلاله متعلقان بيخرج.
(فَإِذا أَصابَ بِهِ مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ إِذا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة أصاب في محل جرّ بإضافة الظرف إليها وبه متعلقان بأصاب ومن يشاء مفعول أصاب ومن عباده حال وإذا فجائية واقعة في جواب إذا الاولى وهم مبتدأ وجملة يستبشرون خبر. (وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) الواو حالية أو عاطفة وإن مخففة من الثقيلة مهملة أو عاملة في ضمير شأن محذوف وكان واسمها ومن قبل متعلقان بمحذوف حال
стр. 4010
وأن وما في حيزها مصدر مؤول مضاف لقبل وينزل فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بأن وعليهم متعلقان به ونائب الفاعل مستتر تقديره هو واللام الفارقة ومبلسين خبرها ومن قبله الثانية قيل هي تكرير وتوكيد لمن قبل الأولى قال الزمخشري: «من باب التكرير والتوكيد كقوله تعالى فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها. ومعنى التوكيد فيه الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبعد فاستحكم يأسهم وتمادى إبلاسهم فكان الاستبشار على قدر اغتمامهم بذلك» وقال ابن عطية: «وفائدة هذا التأكيد الاعلام بسرعة تقلب قلوب البشر من الإبلاس الى الاستبشار وذلك أن قوله: من قبل أن ينزل عليهم يحتمل الفسحة في الزمان أي من قبل أن ينزل بكثير فجاء قوله من قبله بمعنى أن ذلك متصل بالمطر فهو تأكيد مفيد» .
(فَانْظُرْ إِلى آثارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) الفاء الفصيحة أي إذا أردت أن تعرف ما يترتب على إنزال المطر فانظر، وانظر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والى آثار رحمة الله متعلقان بانظر وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وهي معلقة لانظر عن العمل والأرض مفعول به وبعد موتها ظرف متعلق بيحيي والجملة بدل من آثار فهي في حيز النصب بنزع الخافض والمعنى بعد كل هذا فانظر الى إحيائه البديع للأرض بعد موتها والمراد التنبيه على عظيم قدرته وسعة رحمته. (إِنَّ ذلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتى وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إن واسمها أي إن ذلك القادر واللام المزحلقة ومحيي الموتى خبرها وهو مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بقدير وقدير خبر هو.
البلاغة:
في قوله «وليذيقكم من رحمته» استعارة ومجاز فالاستعارة
стр. 4011
في قوله ليذيقكم وقد تقدمت كثيرا وهي استعارة مكنية والمجاز المرسل في قوله من رحمته وهو مجاز مرسل علاقته الحالية لأن الرحمة تحل في الخصب والمطر فأطلق الحال وأريد المحل وفسر بعضهم الرحمة بقوله: «أي من نعمته من المياه العذبة والأشجار الرطبة وصحة الأبدان وما يتبع ذلك من أمور لا يحصيها إلا الله» .
الفوائد:
كيف أيضا:
جاء في المغني ما نصه: «وتستعمل على وجهين: أحدهما أن تكون شرطا فيقتضي فعلين متفقي اللفظ والمعنى غير مجزومين نحو كيف تصنع أصنع ولا يجوز كيف تجلس أذهب باتفاق ولا كيف تجلس أجلس بالجزم عند البصريين إلا قطربا لمخالفتها لأدوات الشرط بوجوب موافقة جوابها لشرطها كما مر، وقيل يجوز مطلقا وإليه ذهب قطرب والكوفيون، وقيل يجوز بشرط اقترانها بما، قالوا ومن ورودها شرطا «ينفق كيف يشاء» «يصوركم في الأرحام كيف يشاء» «فيبسطه في السماء كيف يشاء» وجوابها في ذلك كله محذوف لدلالة ما قبلها وهذا يشكل على إطلاقهم أن جوابها يجب مماثلته لشروطها» وقد استدرك بعض المعلقين على المغني فقال «أجاب بعضهم بأنه يمكن أن يقدر الجواب موافقا للشرط بأن يقدر الجواب فعل مشيئته متعلقة بالفعل السابق وهو دال عليه لأن الفعل الاختياري يستلزم المشيئة والأصل كيف يشاء أمرا يشاء التصوير في الأرحام، كيف يشاء أمرا يشاء الانفاق، كيف يشاء أمرا يشاء بسطه، غاية الأمر أن متعلق الفعلين مختلف وهذا جواب بعيد لأنهم قالوا لدلالة ما قبلها لأن المتبادر انه دال على الجواب وعلى دفع الاشكال فيكون
стр. 4012
ما قبلها دالا على متعلق جوابها لا على نفس جوابها وقد علمت دفع هذا بأن الفعل الاختياري وهو الفعل الواقع قبلها يستلزم المشيئة وهو الجواب المحذوف» .
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥١ الى ٥٤]
وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١) فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَما أَنْتَ بِهادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلاَّ مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣) اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (٥٤)
الإعراب:
(وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم دخلت على حرف الشرط وأرسلنا فعل وفاعل في محل جزم فعل الشرط وريحا مفعول أرسلنا فرأوه عطف على أرسلنا وهو فعل وفاعل ومفعول به ومصفرا حال ولظلوا اللام واقعة في جواب القسم وظلوا فعل ماض ناقص والواو اسمها والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم وقد أغنت عن جواب الشرط حسب القاعدة المشهورة:
واحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم
стр. 4013
ومن بعده حال وجملة يكفرون خبر ظلوا. (فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ) الفاء تعليلية والجملة تعليل لمحذوف أي لا تجزع ولا تحزن على عدم ايمانهم فإنهم موتى صم عمي، وان واسمها وجملة لا تسمع الموتى خبرها ولا تسمع الصم الدعاء عطف على الجملة السابقة والصم مفعول تسمع الاول والدعاء مفعول تسمع الثاني وإذا ظرف مستقبل متعلق بتسمع وجملة ولوا مضاف إليها الظرف وولوا فعل وفاعل ومدبرين حال من الواو.
(وَما أَنْتَ بِهادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ) الواو عاطفة وما نافية حجازية وأنت اسمها والباء حرف جر زائد وهادي مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ما والعمي مضاف اليه وعن ضلالتهم متعلقان بالعمي أو بهادي على تضمين هادي معنى صارف وقد تقدم نظيره.
(إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآياتِنا فَهُمْ مُسْلِمُونَ) إن نافية وتسمع فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنت وإلا أداة حصر ومن مفعول به وجملة يؤمن صلة من وبآياتنا متعلقان بيؤمن، فهم الفاء عاطفة على المعنى وهم مبتدأ ومسلمون خبر. (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ) الله مبتدأ والذي خبر وجملة خلقكم صلة ومن ضعف متعلقان بخلقكم.
(ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً) ثم حرف عطف وتراخ وجعل فعل ماض ومن بعد ضعف مفعول جعل الثاني أو متعلق بجعل وقوة مفعول جعل.
(ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ) ثم وما بعدها عطف على ما تقدم وجملة يخلق ما يشاء حالية وهو مبتدأ والعليم خبر أول والقدير خبر ثان.
стр. 4014
[سورة الروم (٣٠) : الآيات ٥٥ الى ٦٠]
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥) وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٥٦) فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧) وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ (٥٨) كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ (٥٩)
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ (٦٠)
اللغة:
(السَّاعَةُ) : القيامة سميت بذلك لأنها تقوم في آخر ساعة من ساعات الدنيا أو لأنها تقع بغتة وبديهة وجرت علما لها كالنجم للثريا والكوكب للزهرة وفي القاموس: «والساعة جزء من أجزاء الجديدين والوقت الحاضر والجمع ساعات وساع والقيامة أو الوقت الذي تقوم فيه القيامة والهالكون كالجاعة للجياع» والساعة أيضا آلة يعرف بها الوقت بحسب الساعات (موالدة) ومنها الساعة الرملية والساعة الشمسية.
стр. 4015
(يُسْتَعْتَبُونَ) : يطلب منهم العتبى أي الرجوع، من قولك استعتبني فلان فأعتبته أي استرضاني فأرضيته وذلك إذا كنت جانيا عليه وحقيقة أعتبته أزلت عتبه، ألا ترى الى قوله:
غضبت تميم أن تقتل عامرا ... يوم النسار فأعتبوا بالصيلم
كيف جعلهم غضابا ثم قال فأعتبوا أي أزيل غضبهم، والغضب في معنى العتب، والصيلم ماء لبني عامر والصيلم الداهية والسيف كما في الصحاح. وفي المصباح: «عتب عليه عتبا من بابي ضرب وقتل ومعتبا أيضا لامه في سخط فهو عاتب وعتاب مبالغة وبه سمي ومنه «عتّاب ابن أسيد» وعاتبه معاتبة وعتابا، قال الخليل: حقيقة العتاب مخاطبة الإدلال ومذاكرة الموجدة، وأعتبني الهمزة للسلب أي أزال الشكوى والعتاب واستعتب طلب الإعتاب والعتبى اسم من الإعتاب» .
(يَسْتَخِفَّنَّكَ) : يحملنك على الخفة والطيش بترك الصبر.
الإعراب:
(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ) الظرف متعلق بيقسم وجملة تقوم الساعة في محل جر باضافة الظرف إليها ويقسم المجرمون فعل وفاعل وما نافية ولبثوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها واقعة في جواب القسم وغير ساعة ظرف متعلق بلبثوا.
(كَذلِكَ كانُوا يُؤْفَكُونَ) كذلك نعت لمصدر محذوف أي يصرفون عن الحق وهو الصدق كما صرفوا عن الحق وهو البعث وكان واسمها
стр. 4016
وجملة يؤفكون خبرها ويؤفكون فعل مضارع مبني للمجهول.
(وَقالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ) الواو عاطفة وقال الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا صلة والعلم مفعول به ثان لأوتوا والايمان عطف على العلم وجملة لقد لبثتم مقول القول واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق ولبثتم فعل وفاعل وفي كتاب الله حال أي محسوبة في علم الله وقدره والى يوم البعث متعلقان بلبثتم. (فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الفاء الفصيحة لأنها أفصحت عن شرط مقدر كأنه قال إن كنتم منكرين للبعث فهذا يوم البعث أي فقد تبين بطلان قولكم. ولكنكم الواو حالية ولكن واسمها وجملة كنتم خبرها وجملة لا تعلمون خبر كنتم.
(فَيَوْمَئِذٍ لا يَنْفَعُ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَعْذِرَتُهُمْ وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ) الفاء تفصيل لما قبلها مما يفهم من أن تقليل مدة اللبث فهي الفصيحة أيضا ويومئذ ظرف أضيف الى مثله وهو متعلق بينفع والتنوين عوض عن جملة محذوفة أي يوم إذ قامت الساعة وحلف المشركين كاذبين ورد عليهم الذين أوتوا العلم والايمان من الملائكة وغيرهم ولا نافية وينفع فعل مضارع والذين ظلموا مفعوله المقدم ومعذرتهم فاعل ينفع وقرئ ينفع بالياء والتاء لأن معذرتهم مؤنث غير حقيقي أو بمعنى العذر والواو حرف عطف ولا نافية وهم مبتدأ وجملة يستعتبون خبر ويستعتبون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
(وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ) الواو استئنافية واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وللناس متعلقان بضربنا وفي هذا القرآن متعلقان بمحذوف حال ومن كل مثل صفة لمفعول به محذوف أي موعظة أو قصة من كل مثل أو تكون من
стр. 4017
للتبعيض ويكون الجار والمجرور في موضع نصب على أنه مفعول ضربنا أي وصفنا لهم كل صفة كأنها مثل في غرابتها وطرافتها.
(وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ) الواو عاطفة واللام موطئة للقسم وإن شرطية وجئتهم فعل وفاعل ومفعول به في موضع فعل الشرط وبآية متعلقان بجئتهم وليقولن اللام واقعة في جواب القسم ويقولن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقلية فاللام مفتوحة باتفاق القراء والفاعل هو الاسم الموصول من باب اقامة الظاهر مقام المضمر وقد تقدم ذكره كثيرا وجملة كفروا صلة وإن نافية وأنتم مبتدأ وإلا أداة حصر ومبطلون خبر أنتم والجملة مقول القول. (كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) الكاف نعت لمصدر محذوف أي مثل ذلك الطبع يطبع الله على قلوب الجهلة الذين لا يعلمون وجملة لا يعلمون صلة الذين.
(فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ) الفاء الفصيحة أي إذا علمت أن حالهم بهذه المثابة فاصبر، واصبر فعل أمر والفاعل مستتر تقديره أنت وجملة إن وعد الله حق تعليل للأمر بالصبر ولا الواو عاطفة ولا ناهية ويستخفنك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وهو في محل جزم بلا الناهية والكاف مفعول به مقدم والذين فاعل يستخفنك المؤخر وجملة لا يوقنون صلة.
البلاغة:
في قوله «ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة» جناس تام وقد تقدم البحث في هذا الفن ونريد الآن أن نستوفي أبحاثه فهو ضروب كثيرة منها الماثلة وهي أن تكون اللفظة واحدة باختلاف
стр. 4018
المعنى نحو قول زياد الأعجم وقيل الصلتان العبدي يرثي المغيرة ابن المهلب:
فانع المغيرة للمغيرة إذ بدت ... شعواء مشعلة كنبح النابح
فالمغيرة الاولى: رجل، والمغيرة الثانية: الفرس وهي ثانية الخيل التي تغير، وقال أبو نواس في ابن الربيع:
عباس عباس إذا احتدم الوغى ... والفضل فضل والربيع ربيع
وقال أبو تمام:
ليالينا بالرقمتين وأهلنا ... سقى العهد منك العهد والعهد والعهد
فالعهد الأول المسقى: هو الوقت، والعهد الثاني هو الحفاظ من قولهم فلان ماله عهد، والعهد الثالث الوصية من قولهم عهد فلان الى فلان وعهدت إليه أي وصّاني ووصيّته، والعهد الرابع المطر وجمعه عهاد، واستثقل قوم هذا التجنيس وحق لهم.
هذا وقد ولع أبو تمام بالتجنيس كثيرا فأجاد في بعضه وأسف في بعضه الآخر وقد أوردنا فيما سبق من هذا الكتاب نماذج من حسناته وسيئاته ويبدو التكلف ظاهرا فيه.
стр. 4019
أما ابن الرومي فليس من هواة الصناعة اللفظية ولم يكن يشغل باللفظ كثيرا وانما كان يجانس لمعنى يراه هو ولا يجانس لتزويق فارغ ولهو سخيف، ومن مليح ما جاء له:
للسود في السود آثار تركن بها ... لمعا من البيض تثني أعين البيض
فالسود الأول: الليالي، والسود الآخر: شعرات الرأس واللحية والبيض الأول الشيبات والبيض الآخر النساء.
وقوله:
فيسبيك بالسحر الذي في جفونه ... ويصبيك بالسحر الذي هو نافثه
أو مثل هذا البيت:
تصيب إذا حكمت وإن طلبنا ... لديك العرف كنت حيا تصوب
أو مثل هذا البيت:
ليس ينفكّ طيرها في اصطحاب ... تحت أظلال أيكها واصطخاب
وهكذا كان في كل تجنيسه الذي لا تعسف فيه وليس هو بالكثير البارز في ديوانه الكبير فإذا جنس في غير ذلك فهو عابث متعمد للعبث وليس بملفق محسّنات ولا بطالب تزويق كما قال:
стр. 4020
لو تلفّفت في كساء الكسائي ... وتلبّست فروة الفرّاء
وتخلّلت بالخليل وأضحى ... سيبويه لديك رهن سباء
وتكوّنت من سواد أبي الاسو ... د شخصا يكنى أبا السوداء
لأبى الله أن يعدك أهل العلم إلا من جملة الأغبياء ومن علماء البيان من جعل له اسما سماه به وهو الترديد أي أن اللفظة الواحدة رددت فيه، وهو أن يأتي الشاعر بلفظة متعلقة بمعنى ثم يرددها بعينها متعلقة بمعنى آخر في البيت نفسه أو في قسم منه، قال أبو تمام:
خفّت دموعك في إثر القطين لدن ... خفّت من الكثب القضبان والكثب
الترديد في خفت ولو جعلت الكثب ترديدا لجاز.
وقال أبو الطيب المتنبي وأحسن ما شاء:
أمير أمير عليه الندى ... جواد بخيل بأن لا يجودا
والترديد في أول البيت، والعلماء بالشعر مجمعون على تقديم أبي حية النميريّ في قوله:
ألا حيّ من أجل الحبيب المغانيا ... لبسن البلى مما لبسن اللياليا
стр. 4021
إذا ما تقاضى المرء يوما وليلة ... تقاضاه شيء لا يملّ التقاضيا
وما أجمل قول أبي نواس:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
صفراء لا تنزل الأكدار ساحتها ... لو مسها حجر مستها سراء
وكذلك قول أبي تمام:
راح إذا ما الراح كنّ مطيّها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء
ردد مطيّها ومطايا الشوق.
ونعود للآية الكريمة فنذكر أن ابن أبي الحديد قد نازع في كتابه المسمى بالفلك الدائر على المثل السائر في هذا وقال:
ان المعنى واحد في الآية، فان يوم القيامة وان طال فهو عند الله تعالى كالساعة الواحدة عند أحدنا، وحينئذ فاطلاق الساعة عليه مجاز كقولنا رأيت أسدا وزيد أسد، وأردنا بالأول حيوانا وبالثاني الرجل الشجاع.
ولم نر أحدا نازع فيما ذكرناه غير ابن أبي الحديد، فتدبر.
стр. 4022
(٣١) سورة لقمان مكيّة وآياتها اربع وثلاثون
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١ الى ٧]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الم (١) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤)
أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (٦) وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٧)
اللغة:
(لَهْوَ الْحَدِيثِ) اللهو كل باطل ألهى عن الخير يقال لهوت لهوا وفلان مشتغل بالملاهي وفيهن ملهى وملعب، قال زهير:
وفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعيّن الناظر المتوسم
стр. 4023
الملهى اللهو أو موضعه، يقول: وفي هؤلاء النسوان لهو أو موضع لهو للمتأنق الحسن المنظر ومناظر معجبة لعين الناظر المتتبع محاسنهن وسمات جمالهن.
(وَقْراً) : صمما.
الإعراب:
(الم تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْحَكِيمِ هُدىً وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ) ألم تقدم اعرابها، وتلك مبتدأ وآيات الكتاب خبر والحكيم صفة للكتاب وسيأتي معنى إسناد الحكمة اليه في باب البلاغة، وهدى ورحمة حالان من الآيات والعامل فيهما ما في تلك من معنى الاشارة، وقرأ حمزة بالرفع على أنهما خبر لمبتدأ محذوف أي هو هدى ورحمة وللمحسنين متعلقان بمحذوف صفة أو بنفس المصدر. (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) الذين نعت للمحسنين وجملة يقيمون الصلاة صلة ويؤتون الزكاة عطف عليها داخل في حيز الصلة وهم مبتدأ وبالآخرة متعلقان بيوقنون وهم الثاني تأكيد للأول وجملة يوقنون خبر هم. (أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) تقدمت الآية بلفظها في سورة البقرة.
(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ) كلام مستأنف مسوق لتقرير حال اللاهين الذين يستنزفون أوقات فراغهم باللهو ومضاحيك الكلام ولغو الحديث وباطله، وسيأتي في باب الفوائد ما قالوه في أسباب نزولها. ومن الناس خبر مقدم ومن اسم موصول مبتدأ مؤخر ومن مفرد لفظا جمع معنى وروعي لفظها أولا في ثلاثة ضمائر يشتري ويضل ويتخذ وروعي معناها في موضعين
стр. 4024
وهما أولئك لهم ثم رجع الى اللفظ في خمسة ضمائر وهي وإذا تتلى الى آخر الآية كما سيأتي وجملة يشتري لهو الحديث صلة وليضل اللام للتعليل ويضل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيشتري وعن سبيل الله متعلقان بيضل وبغير علم حال من فاعل يشتري أي يشتري غير عالم بحال ما يشتريه وقد تقدم تقرير الاستعارة في الاشتراء في سورة البقرة. (وَيَتَّخِذَها هُزُواً أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) ويتخذها بالنصب عطفا على ليضل وقرئ بالرفع عطفا على يشتري والضمير للسبيل لأنها مؤنثة ويتخذها فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره هو والهاء مفعول يتخذ الاول وهزوا مفعوله الثاني وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر ومهين صفة والجملة خبر أولئك.
(وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا وَلَّى مُسْتَكْبِراً) الواو عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة تتلى في محل جر باضافة الظرف إليها وتتلى فعل مضارع مبني للمجهول وعليه متعلقان بتتلى وآياتنا نائب فاعل وجملة ولى لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومستكبرا حال. (كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْها كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) كأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة لم يسمعها خبرها والجملة نصب على الحال من فاعل ولى وكأن حرف تشبيه ونصب وفي أذنيه خبر كأن المقدم ووقرا اسم كان المؤخر والجملة حال أيضا من فاعل لم يسمعها أو بدل من جملة كأن لم يسمعها وأجاز الزمخشري أن تكون جملتا التشبيه استئنافيتين، فبشره الفاء الفصيحة وبشره فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به والأمر بالبشارة هو للتهكم وبعذاب متعلقان ببشره وأليم صفة.
стр. 4025
البلاغة:
١- الاسناد المجازي:
في قوله تعالى «الكتاب الحكيم» إسناد مجازي ويجوز أن يكون بمعنى ذي الحكمة، وقال الزمخشري: «ويجوز أن يكون الأصل الحكيم قائله فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه فبانقلابه مرفوعا بعد الجر استكن في الصفة المشبهة بعد» وهذا من أروع التعليل.
٢- الإيجاز:
وفي قوله: «للمحسنين» إيجاز بليغ أي الذين يعملون الحسنات وهي لا تحصى ولكنه خص منها هذه الثلاث، ونظير هذا الإيجاز قول أوس بن حجر في مرثاته لفضالة بن كلدة:
الألمعي الذي يظن بك الظن ... كأن قد رأى وقد سمعا
حكي عن الأصمعي أنه سئل عن الألمعي فأنشده ولم يزد، وهذه المرثاة من أفضل ما سمع في الرثاء وأولها:
أيتها النفس أجملي جزعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا
إن الذي جمع السماحة والنجد ... ة والبر والتقى جمعا
الألمعي الذي يظن إلخ ...
أودى فلا تنفع الاشاحة من ... أمر لمن يحاول البدعا
стр. 4026
يقول: يا نفس احتملي جزعا عظيما إن الذي تخافين منه قد حصل، وبيّنه بقوله إن الذي جمع.... وأودى: هلك، وجمعا بالضم توكيد للصفات قبله والألمعي نصب على النعت للذي وفسره بأنه الذي يظن بك يعني كل مخاطب أي يظن الظن الحق كأنه قد رأى وسمع ما ظنه أو يظن الظن فيصيب كأنه قد رآه إن كان فعلا أو سمعه إن كان قولا وفيه نوع من البديع يسمى التفسير وهو أن يؤتى بمعنى لا يستقل الفهم بمعرفته دون تفسيره.
الفوائد:
١- قصة النضر بن الحارث:
اعلم أن المقصود بآيات الله أن يتوجه الخطاب فيها الى العموم ولكن أسباب النزول خاصة، ثم تسري أحكامها فيما بعد على العموم وقد ذكروا في أسباب نزول قوله «ومن الناس من يشتري لهو الحديث» الآية أن النضر بن الحارث كان يأتي الحيرة فيتجر ويشتري كتب أخبار الأعاجم ويحدث بها أهل مكة ويقول: إن محمدا يحدثكم بأحاديث عاد وثمود وأنا أحدثكم بأحاديث فارس والروم فيستملحون حديثه ويتركون استماع القرآن. والحيرة بكسر الحاء مدينة بقرب الكوفة.
٢- معنى الإضافة:
إضافة اللهو الى الحديث معناها التبيين وهي الاضافة بمعنى من وضابطها أن يكون المضاف بعد المضاف إليه صالحا للاخبار به عنه كخاتم فضة، وقد مر هذا البحث في مكان آخر من هذا الكتاب.
стр. 4027
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ٨ الى ١١]
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ (٨) خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (١١)
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) كلام مستأنف مسوق لبيان حال المؤمنين وان واسمها وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات عطف على آمنوا ولهم خبر مقدم وجنات النعيم مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر إن. (خالِدِينَ فِيها وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) خالدين حال مقدرة من المجرور باللام في لهم أي مقدرا لهم الخلود فيها إذا دخلوها وفيها متعلقان بخالدين ووعد الله حقا: مصدران مؤكدان الأول مؤكد لنفسه والثاني مؤكد لغيره لأن معنى لهم جنات النعيم وعدهم الله بها فأكد معنى الوعد بالوعد وحقا دال على معنى الثبات أكد به معنى الوعد، وعاملها مختلف فتقدير الأولى وعد الله ذلك وعدا وتقدير الثانية وحقه حقا ومؤكدهما جميعا واحد وهو قوله لهم جنات النعيم وهو مبتدأ والعزيز. خبر أول والحكيم خبر ثان. (خَلَقَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها) الجملة مستأنفة مسوقة للتدليل على قدرته وعزته سبحانه. وخلق فعل ماض
стр. 4028
وفاعله مستتر تقديره هو والسموات مفعول به وبغير عمد في موضع نصب على الحال أي حالية من عمد وقد مر نظيره في الرعد وجملة ترونها صفة لعمد أي بغير عمد مرئية. (وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دابَّةٍ) وألقى عطف على خلق وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله وفي الأرض متعلقان بألقى ورواسي صفة مفعول به محذوف أي جبالا رواسي وان وما في حيزها في محل نصب مفعول لأجله أي أن لا تميد بكم أو كراهة أن تميد بكم وبكم متعلقان بتميد وبثّ عطف على ألقى وفيها متعلقان ببث ومن كل دابة صفة لمفعول به محذوف أي حيوانات من كل دابة.
(وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ) وأنزلنا عطف على طريق الالتفات عن الغيبة الى التكلم وأنزلنا فعل وفاعل ومن السماء متعلقان بأنزلنا وماء مفعول به فأنبتنا عطف على أنزلنا وفيها متعلقان بمحذوف حال ومن كل زوج متعلقان بأنبتنا أو صفة لمفعول محذوف أي نباتا من كل زوج وكريم صفة لزوج. (هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ماذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ) هذا مبتدأ والاشارة الى ما ذكر من مخلوقاته وخلق الله خبر والخلق بمعنى المخلوق، فأروني الفاء الفصيحة وأروني فعل أمر يحتاج لثلاثة مفاعيل الياء أولها وجملة الاستفهام المعلقة سدت مسد المفعولين الباقيين ويجوز أن تكون أروني بمعنى أخبروني فتتعدى لمفعولين الأول مفرد صريح وهو ضمير المتكلم والثاني الجملة الاستفهامية، وماذا اسم استفهام في محل نصب مفعول مقدم لخلق أو ما اسم استفهام مبتدأ وذا اسم موصول خبر وخلق الذين فعل وفاعل ومن دونه صلة الذي. (بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) بل إضراب انتقالي والظالمون مبتدأ وفي ضلال خبر ومبين صفة لضلال.
стр. 4029
[سورة لقمان (٣١) : الآيات ١٢ الى ١٣]
وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (١٢) وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)
الإعراب:
(وَلَقَدْ آتَيْنا لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) كلام مستأنف مسوق لبيان بطلان الشرك واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا فعل وفاعل ولقمان مفعول به أول والحكمة مفعول به ثان وسيأتي الكلام مفصلا عن لقمان وترجمته. (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ) يجوز أن تكون أن هي المفسرة لأن الإيتاء فيه معنى القول أي قلنا له اشكر ويجوز أن تكون على بابها فهي في تأويل مصدر في موضع نصب كما حكى سيبويه كتبت إليه أن قم والأول أظهر، ولله متعلقان باشكر ومن الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويشكر فعل الشرط والفاء رابطة وانما كافة ومكفوفة والجملة في محل جزم جواب الشرط ومن كفر عطف على ومن يشكر داخلة في حيزها والجملة خبر من.
(وَإِذْ قالَ لُقْمانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ) الظرف متعلق بمحذوف أي اذكر وجملة قال لقمان في محل جر باضافة الظرف إليها ولابنه متعلقان بقال والواو واو الحال وهو مبتدأ وجملة يعظه خبر والجملة حالية.
(يا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) الجملة مقول القول ولا ناهية وتشرك فعل مضارع مجزوم بلا وبالله متعلقان بتشرك وجملة
стр. 4030
إن الشرك تعليل للنهي لا محل لها وان واسمها واللام المزحلقة وظلم خبرها وعظيم صفة.
الفوائد:
لقمان وترجمته ولمح من أخباره:
قيل هو اسم أعجمي فهو ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة وقيل عربي فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون والأول أظهر وأورده صاحب القاموس في مادة لقم وقال «ولقمان الحكيم اختلف في نبوته وأكثر الأقاويل أنه كان حكيما ولم يكن نبيا» .
ولطرافة شخصيتة وما نسج حولها من الأساطير نورد الأقوال السبعة فيه باختصار:
١- قال قتادة: خيّره الله بين النبوة والحكمة فاختار الحكمة فقذفت عليه وهو نائم فأصبح ينطق بالحكمة فسئل عن ذلك فقال:
لو أرسل الله إليّ النبوة عزمة لرجوت الفوز بها ولكنه خيرني فخفت أن أضعف عن النبوّة.
وقيل: كان من النوبة قصيرا أفطس الأنف وقيل كان حبشيا.
٢- قال سعيد بن المسيّب: كان أسود من سودان مصر ذا مشفر حكمته من حكمة الأنبياء، وقيل كان خيّاطا وقيل راعيا فرآه رجل كان يعرفه قبل ذلك فقال: ألست عبد بني فلان؟ كنت ترعى بالأمس؟ قال: بلى، قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: وما يعجبك من أمري؟ قال: وطء الناس بساطك وغشيانهم بابك ورضاهم بقولك،
следующие страницы →