← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

فعل ما يسخطهما وجملة لعنهم الله خبر إن وفي الدنيا والآخرة متعلقان بلعنهم. (وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً) عطف على جملة الخبر وعذابا مفعول أعد ولهم متعلقان بأعد. (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا) الذين مبتدأ وجملة يؤذون المؤمنين والمؤمنات صلة وبغير متعلقان بيؤذون وما موصولة أو مصدرية وعلى كل فهي أو المصدر مضافان الى غير. (فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الفاء رابطة لما في الموصول من رائحة الشرط وقد حرف تحقيق واحتملوا فعل وفاعل والجملة خبر الذين وبهتانا مفعول احتملوا وإثما عطف على بهتانا ومبينا صفة. (يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف مسوق لأمر المستهدفات للأذى بفعل ما يبعد الأذى عنهن من التستر. ولأزواجك متعلقان بقل وما بعده عطف عليه. (يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ) جملة يدنين مقول القول محذوف يدل عليه جوابه أي قل لهن أرنيه ويحتمل أن يكون مجزوما بجواب الأمر وجوزوا أن يكون يدنين بمعنى ليدنين فهو مجزوم بلام الأمر ويكون هذا اهو المقول وقد تقدم في الرعد بحث نظيره مفصلا فارجع اليه. وعليهن حال ومن جلابيبهن متعلقان بيدنين على أنه مفعوله، قال الزمخشري: «فإن قلت: ما معنى من في جلابيبهن قلت هو للتبعيض إلا أن معنى التبعيض محتمل وجهين أحدهما أن يتجلببن ببعض ما لهن من الجلابيب والمراد أن لا تكون الحرة مبتذلة في درع وخمار كالأمة والماهنة ولها جلبابان فصاعدا في بيتها والثاني أن ترخي المرأة بعض جلبابها وفضله على وجهها تتقنع حتى تتميز من الأمة» وقوله الماهنة مؤنث الماهن وهو الخادم. وذلك

стр. 4167

مبتدأ وأدنى خبر وأن يعرفن المصدر المؤول نصب بنزع الخافض أي أقرب إلى أن يعرفن والفاء عاطفة ولا نافية ويعرفن فعل مضارع مبني على السكون لاتصاله بنون النسوة وهو معطوف على أن يعرفن. (وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الواو عاطفة وكان واسمها وخبراها. [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٠ الى ٦٣] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلاَّ قَلِيلاً (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلاً (٦١) سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٦٢) يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً (٦٣) اللغة: (الْمُرْجِفُونَ) : قال في الأساس: «وأرجفوا في المدينة بكذا إذا أخبروا به على أن يوقعوا في الناس الاضطراب من غير أن يصح عندهم. وهذا من أراجيف الغواة والإرجاف مقدمة الكون، وتقول: إذا وقعت المخاويف كثرت الأراجيف» وجاء في غيره ما نصه: «أرجف: خاص في الأخبار السيئة والفتن قصد أن يهيج الناس، وأرجف القوم بالشيء وفيه: خاضوا فيه، وأرجفت الريح الشجر: حركته، وأرجفت الأرض بالبناء للمجهول: زلزلت، وأصل الإرجاف

стр. 4168

التحريك مأخوذ من الرجفة وهي الزلزلة ووصفت به الأخبار الكاذبة لكونها متزلزلة غير ثابتة» . وسمي البحر رجافا لاضطرابه، ومنه قول الشاعر: المطعون اللحم كلّ عشية ... حتى تغيب الشمس في الرّجاف (مَلْعُونِينَ) : قال في الأساس واللسان: «لعنه أهله: طردوه وأبعدوه وهو لعين طريد وقد لعن الله إبليس: طرده من الجنة وأبعده من جوار الملائكة، ولعنت الكلب والذئب: طردتهما ويقال للذئب: اللعين ولعنّه وهو ملعّن: مكثّر لعنه، وتلاعن القوم وتلعّنوا والتعنوا والتعن فلان: لعن نفسه ورجل لعنة ولعنة كضحكة وضحكة، ولا تكن لعّانا: طعّانا، ولاعن امرأته ولا عن القاضي بينهما، ووقع بينهما اللعان وتلاعنا والتعنا، ومن المجاز: أبيت اللعن وهي تحية الملوك في الجاهلية أي لا فعلت ما يستوجب به اللعن وفلان ملعّن القدر، قال زهير: ومرهّق النيران يحمد في اللأ ... واء غير ملعّن القدر ونصب اللعين في مزرعته وهو الفزّاعة، والشجرة الملعونة: كل من ذاقها لعنها وكرهها» . (ثُقِفُوا) : وجدوا وأدركوا وفي الأساس: «وطلبناه فثقفناه في مكان كذا أي أدركناه وثقفت العلم أو الصناعة في أوحى مدة: إذا أسرعت أخذه وغلام ثقف لقف وثقف لقف وقد ثقف ثقافة وثاقفة مثاقفة: لاعبه بالسلاح وهي محاولة أخذ الغرّة في المسايفة

стр. 4169

وغيرها وفلان من أهل المثاقفة وهو مثاقف: حسن الثّقافة بالسيف بالكسر ولقد تثاقفوا فكان فلان أثقفهم، وخلّ ثقيف وثقّيف وفي كتاب العين: ثقيف وقد ثقف ثقافة ومن المجاز: أدّبه وثقّفه ولولا تثقيفك وتوقيفك لما كنت شيئا وهل تهذبت وتثقفت إلا على يدك» وعبارة القاموس: «ثقف ككرم وفرح ثقفا وثقفا وثقافة صار حاذقا خفيفا فطنا فهو ثقف كحبر وكتف وأمير» . الإعراب: (لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ) اللام موطئة للقسم وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وينته فعل مضارع مجزوم بلم وهو بمثابة فعل الشرط والمنافقون فاعله والذين عطف على المنافقون وفي قلوبهم خبر مقدم ومرض مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة الموصول. (وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ) والمرجفون عطف أيضا فاستوفى به الأوصاف الثلاثة لشيء واحد فقد كانوا اقساما ثلاثة فمنهم المنافقون وأهل الفجور مرضى القلوب والمرجفون بأخبار السوء عن سرايا رسول الله أو هو عام في كل إرجاف وتأليف لأخبار السوء. وفي المدينة متعلقان بالمرجفون واللام واقعة في جواب القسم وجواب الشرط محذوف دل عليه جواب القسم ونغرينك فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره نحن والكاف مفعول به وبهم متعلقان بنغرينك. (ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وإنما أوثر حرف العطف الدال على التراخي لأن الجلاء عن

стр. 4170

الأوطان كان أعظم عليهم من جميع ما أصيبوا فتراخت حاله عن حال المعطوف عليه، وفيه إشارة الى أن من توجه عليه إخلاء منزل مملوك للغير بوجه شرعي يمهل ريثما ينتقل بنفسه ومتاعه وعياله برهة من الزمان حتى يتحصل له منزل آخر على حسب الاجتهاد. ولا نافية ويجاورونك فعل مضارع معطوف على نغرينك فهو مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو فاعله والكاف مفعوله وفيها متعلقان بمحذوف حال وإلا أداة حصر وقليلا ظرف زمان متعلق بيجاورونك أو مصدر- أي إلا جوارا- أي زمنا قليلا ريثما يرتحلون ويلتقطون أنفسهم وعيالاتهم. (مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا) ملعونين حال من مقدر حذف هو وعامله أي ثم يخرجون أو من فاعل يجاورونك وقد دخل حرف الاستثناء على الظرف والحال معا كما في قوله «إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناه» وقال الزمخشري: «ولا يصح أن ينتصب عن أخذوا لأن ما بعد كلمة الشرط لا يعمل فيما قبلها وقيل في قليلا هو منصوب على الحال أيضا ومعناه لا يجاورونك إلا أقلاء أذلاء ملعونين» وأجاز الكسائي والفراء أن ينتصب عن أخذوا لأنهما يجيزان تقديم معمول الجواب على أداة الشرط نحو: خيرا إن تأتيني تصب. وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية وهو متعلق بأخذوا أي بجوابه وثقفوا فعل ماض مبني للمجهول وهو في محل جزم فعل الشرط وأخذوا فعل ماض مبني للمجهول أيضا وهو جواب الشرط وقتلوا فعل ماض مبني للمجهول وتقتيلا مفعول مطلق. (سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) سنة الله في موضع نصب على المصدرية أي أنه مصدر مؤكد أي سن

стр. 4171

الله في الذين ينافقون أن يقتلوا حيثما ثقفوا، وفي الذين حال وجملة خلوا صلة ومن قبل متعلقان بخلوا ولن الواو عاطفة ولك أن تجعلها حالية ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن ولسنة الله متعلقان بتبديلا وتبديلا مفعول به. (يَسْئَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ) كلام مستأنف مسوق لحكاية حال المستهزئين من المشركين واليهود الذين كانوا يسألون النبي عن الساعة استعجالا بطريق الاستهزاء. ويسألك فعل مضارع ومفعول به مقدم والناس فاعل وعن الساعة متعلقان بيسألك. (قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ اللَّهِ) إنما كافة ومكفوفة وعلمها مبتدأ وعند الله ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر. (وَما يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيباً) الواو عاطفة وما اسم استفهام للانكار مبتدأ وجملة يدريك خبره ولعل واسمها وجملة تكون خبرها والجملة معلقة بالاستفهام فهي في محل نصب مفعول ثان وقريبا خبر تكون على أن الموصوف محذوف أي شيئا قريبا، وقل قريبا كثر استعماله استعمال الظروف فهو هنا ظرف في موضع الخبر، وقد أشار الزمخشري الى الوجهين بقوله «قريبا شيئا قريبا أو لأن الساعة في معنى اليوم أو في زمان قريب» . [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٤ الى ٦٨] إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً (٦٤) خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٦٥) يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولا (٦٦) وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً (٦٨)

стр. 4172

اللغة: (سادَتَنا) : جمع تكسير على وزن فعلة بفتحتين وهو شائع في وصف لمذكر عاقل صحيح اللام نحو كامل وكملة وساحر وسحرة وسافر وسفرة وبار وبررة، قال الله تعالى: «وجاء السحرة» «بأيدي سفرة، كرام بررة» فخرج بالوصف الاسم نحو واد وباز، وبالتذكير نحو حائض وطالق، وبالعقل نحو سابق ولا حق صفتي فرسين وبصحة اللام نحو قاض وغاز فلا يجمع شيء من ذلك على فعلة بفتحتين باطراد وشذّ في غير فاعل نحو سيد وسادة فوزنها فعلة، ويجوز أن يكون جمعا لسائد نحو فاجر وفجرة وكافر وكفرة وهو أقرب الى القياس كما رأيت، على أن صاحب القاموس لم يلتزم بالقاعدة فقال: «والسائد السيد أو دونه والجمع سادة وسيايد وقرأ ابن عامر ساداتنا فجمعه ثانيا بالألف والتاء وهو غير مقيس أيضا» . الإعراب: (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً) إن واسمها وجملة لعن الكافرين خبرها وأعد عطف على لعن ولهم متعلقان بأعدّ وسعيرا مفعول به والسعير النار المسعورة الشديدة الإيقاد ولذلك أعاد الضمير

стр. 4173

عليها مؤنثة. (خالِدِينَ فِيها أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) حال من الكافرين وفيها متعلقان بخالدين وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين أيضا وجملة لا يجدون حال ثانية ووليا مفعول يجدون ولا نصيرا عطف على وليا. (يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا) يوم ظرف زمان متعلق بيقولون أو متعلق بمحذوف تقديره اذكر وعلقه أبو البقاء بقوله لا يجدون أو بنصيرا وجملة تقلب في محل جر بإضافة الظرف إليها وهو فعل مضارع مبني للمجهول ووجوههم نائب فاعل وفي النار متعلقان بتقلب وجملة يقولون إما مستأنفة وإما حالية من ضمير وجوههم أو من نفس الوجوه وسيأتي في باب البلاغة سر تخصيص الوجوه ومعن تقليبها، ويا حرف تنبيه أو حرف نداء والمنادى محذوف وليت واسمها وجملة أطعنا الله خبرها وأطعنا الرسولا عطف على أطعنا الله. (وَقالُوا رَبَّنا إِنَّا أَطَعْنا سادَتَنا وَكُبَراءَنا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا) كلام مستأنف مسوق لامتهاد العذر لأنفسهم ولك أن تعطفه على يقولون على طريق العدول عن المضارع الى الماضي للدلالة على أن قولهم هذا ليس مستمرا كقولهم السابق بل هو ضرب من الاعتذار غير الوارد وغير المقبول. وربنا منادى مضاف وإن واسمها وجملة أطعنا سادتنا وكبراءنا خبرها، فأضلونا عطف على أطعنا وأضلونا فعل ماض وفاعل ومفعول به أول والسبيلا مفعول به ثان يقال ضل السبيل وأضله إياه وزيادة الألف لإطلاق الصوت جعلت فواصل الآي كقوافي الشعر وفائدتها الوقف والاشارة الى أن الكلام قد انقطع وأن وما بعده مستأنف. (رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) آتهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به أول وضعفين مفعول به ثان ومن

стр. 4174

العذاب صفة لضعفين والعنهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به ولعنا مفعول مطلق وكبيرا نعت للعنا. البلاغة: في قوله «يوم تقلب وجوههم في النار» تخصيص الوجوه بالذكر لإنافة الوجه على جميع الأعضاء وهو مثابة المقابلة، ومعنى تقليبها تصريفها في الجهات المختلفة كاللحم يشوى في النار أو توضع في ماء القدر وهو يغلي فيترامى بها الغليان الى كل جانب. [سورة الأحزاب (٣٣) : الآيات ٦٩ الى ٧٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً (٦٩) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً (٧١) إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولاً (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (٧٣)

стр. 4175

اللغة: (وَجِيهاً) : الوجيه: سيد القوم ذو الجاه والوجاهة يقال وجه الرجل يوجه وجاهة فهو وجيه. (سَدِيداً) : صوابا، يقال سدّ يسدّ من باب ضرب صار سديدا والسداد بفتح السين: القصد الى الحق والقول بالعدل أما السداد بالكسر فكل شيء سددت به شيئا وذلك مثل سداد القارورة وسداد الثغر، وجاء في أخبار النحويين أن النضر بن شميل المازني استفاد بإفادة هذا الحرف ثمانين ألف درهم قال: كنت أدخل على المأمون في سمره فدخلت ذات ليلة وعليّ قميص مرقوع فقال يا نضر ما هذا التقشف حتى تدخل على أمير المؤمنين بهذه الخلقان؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحرّ مرو شديد فأبترد بهذه الخلقان. قال: لا ولكنك قشف، ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ إذا تزوج الرجل الزوجة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز فأورده بفتح السين. قال: فقلت صدق يا أمير المؤمنين هشيم، حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسن عن علي ابن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ : إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد من عوز. قال: وكان المأمون متكئا فاستوى جالسا وقال: يا نضر كيف قلت سداد؟ قلت: لأن السّداد هنا لحن. قال: أو تلحنني؟ قلت: إنما لحن هشيم وكان لحّانة فتبع أمير المؤمنين لفظه. قال فما الفرق بينهما؟ قلت: السداد

стр. 4176

بالفتح القصد في الدين والسبيل وبالكسر البلغة وكل ما سددت به شيئا فهو سدادة قال: أو تعرف العرب ذلك؟ قلت: نعم هذا العرجي يقول: أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر فقال المأمون: قبح الله من لا أدب له وأطرق مليا ثم قال: ما مالك يا نضر؟ قلت: أريضة لي بمرو أتمزّزها، قال: أفلا نفيدك مالا معها؟ قلت: إني الى ذلك لمحتاج، قال: فأخذ القرطاس وأنا لا أدري ما يكتب ثم قال: كيف تقول إذا أمرت أن يترب؟: أترب، قال: فهو ماذا؟ قلت: مترب، قال: فمن الطين؟ قلت: طنه، قال: فهو ماذا؟ قلت: مطين، قال: هذه أحسن من الأولى ثم قال: يا غلام أتربه وطنه. ثم صلى بنا العشاء وقال لخادمه: تبلغ معه الى الفضل ابن سهل. قال: فلما قرأ الفضل الكتاب قال يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم ثم أمر لي الفضل بثلاثين ألف فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني هذا وقد نظم بعضهم هذا الفرق بين الفتح والكسر مع ذكر الضم بقوله: والاستقامة هي السّد ... وبلغة من عيش السّداد وجمع سدّة أتى سداد ... وهي زكام مانع للنشر وقال في القاموس: السّداد: داء في الأنف يمنع تنشم الريح. (أَشْفَقْنَ) : خفن.

стр. 4177

الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسى) لا ناهية وتكونوا فعل مضارع ناقص مجزوم بلا والواو اسمها وكالذين خبرها على أن الكاف اسم بمعنى مثل والذين مضاف إليه ويجوز أن تكون جارة والجار والمجرور خبر تكونوا وجملة آذوا موسى صلة قيل انهم قرفوه بعيب في جسده من برص أو أدرة وسيأتي حديث مسلم بهذا الصدد في باب الفوائد. (فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا وَكانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهاً) الفاء عاطفة وبرأه الله فعل ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومما: يجوز أن تكون ما موصولة أو مصدرية أي من الذي قالوه أو من قولهم وعلى كل هو متعلق ببراءة والواو عاطفة وكان فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو يعود على موسى وعند الله متعلق بوجيها ووجيها خبر كان. (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيداً) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعوله وقولوا فعل أمر وفاعل وقولا مفعول مطلق وسديدا نعت. (يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) جزم يصلح جوابا للطلب ولكم متعلقان بيصلح وأعمالكم مفعول به وجملة ويغفر لكم ذنوبكم عطف على الجملة السابقة. (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزاً عَظِيماً) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويطع الله فعل الشرط، فقد الفاء رابطة للجواب لاقترانه بقد وفاز فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على من وفوزا مفعول مطلق وعظيما نعت والجملة في محل جزم جواب الشرط. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ) كلام مستأنف مسوق للتنويه بشأن

стр. 4178

الأمانة وتفخيم أمرها وسيأتي مزيد بسط فيها في باب البلاغة ، وان واسمها وجملة عرضنا خبرها والأمانة مفعول عرضنا وعلى السموات متعلقان بعرضنا وما بعده عطف على السموات. (فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها) الفاء عاطفة وأبين فعل ماض وفاعل وأن وما في حيزها مفعول أبين وأشفقن عطف على أبين ومنها متعلقان بأشفقن. (وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا) الواو عاطفة وحملها فعل ماض ومفعول به مقدم والإنسان فاعل مؤخر وإن واسمها وجملة كان خبرها وظلوما خبرها الأول وجهولا خبرها الثاني. (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ) اللام متعلقة بحملها وقيل بعرضنا فاللام للتعليل على طريق المجاز لأن التعذيب نتيجة حمل الأمانة ويعذب فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والله فاعل والمنافقين مفعول به وما بعده عطف عليه. (وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) ويتوب الله عطف على يعذب الله وعلى المؤمنين متعلقان بيتوب والمؤمنات عطف على المؤمنين وكان واسمها وخبراها. البلاغة: التمثيل: في قوله «إنا عرضنا الأمانة على السموات إلخ» فن التمثيل والمراد بالأمانة الطاعة عامة ولا مجال لتخصيصها، وعرضها على السموات والأرض والجبال تمثيل فهي استعارة تمثيلية وقد سبق القول فيها، ولكن عبد القاهر جعل فرقا بين الاستعارة والتمثيل فهو يفرق

стр. 4179

أول ما يفرق بينهما بأن الاستعارة تكون في لفظ ينقل عن أصله اللغوي ويجري على ما لم يوضع له من أجل شبه ما نقل اليه وما نقل عنه فإذا قلت رأيت أسدا تريد به الرجل الشجاع كانت الاستعارة في كلمة الأسد، أما التمثيل فهو التشبيه المنتزع من مجموع أمور لا تحصل إلا بجملة من الكلام أو أكثر وقد تجد الألفاظ في الجمل التي يعقد منها جارية على أصولها وحقائقها في اللغة، هذا ويقوم التمثيل هنا على ما هو متخيل في الذهن فإن عرض الأمانة على الجماد وإباءه وإشفاقه محال في نفسه غير مستقيم فالمشبه به إذن غير معقول ولكنك تتخيل حال التكليف في صعوبته وثقل محمله بحاله المفروضة لو عرضت على السموات والأرض والجبال لأبين أن يحملنها وأشفقن منها، والأمانة التي هي الطاعات كأنها راكبة للمؤمن وهو حاملها ألا تراهم يقولون: ركبته الديون ولي عليه حق فإذا أداها لم تبق راكبة له ولا هو حاملا لها، ونحوه قولهم لا يملك مولى لمولى نصرا يريدون أنه يبذل النصرة له ويسامحه بها ولا يمسكها كما يمسكها الخاذل على حد قول القطامي وقيل ذي الرمة. أخوك الذي لا تملك الحس نفسه ... وترفض عند المحفظات الكتائف أي لا يمسك الرقة والعطف إمساك المالك الضنين ما في يده بل يبذل ذلك ويسمح به، وحسّ له حسا رقّ وعطف والحس أيضا العقل والتدبير والنظر في العواقب والارفضاض من الترشرش والتناثر. واحفظه إحفاظا فالمحفظات المغضبات والكتائف جمع كتيفة وهي الضغينة والسخيمة والحقد. يقول: هو أخوك الذي لا تملك نفسه

стр. 4180

الرحمة بل يبذلها لك أو لا تقدر نفسه على التدبر بالتأني كي يسرع إليك بغتة وترتعد وتذهب ضغائنه من جهتك عند الأمور المغضبة لك لأنها تغضبه أيضا. الفوائد: هذه الآيات نزلت في شأن زيد وزينب وما راج فيه من قالة الناس وما أرجف به بعض المرجفين، وقيل في أذى موسى أقوال شتى، روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم الى سوءة بعض وكان موسى ﵇ يغتسل وحده فقالوا: والله ما منع موسى أن يغتسل معنا إلا أنه آدر، قال: فذهب يوما يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه قال فجعل موسى ﵇ يعدو أثره يقول ثوبي حجر، ثوبي حجر حتى نظرت بنو إسرائيل الى سوءة موسى فقالوا: والله ما بموسى من بأس فقام الحجر حتى نظروا إليه قال: فأخذ ثوبه فاستتر به وطفق بالحجر ضربا. قال أبو هريرة: والله إن به ندبا ستة أو سبعة من ضرب موسى، وفي القاموس: «الندبة أثر الجرح الباقي على الجلد والجمع ندب مثل شجرة وشجر وأنداب وندوب» والأدرة بضم الهمزة وسكون الدال المهملة وراء مفتوحة مرض تنتفخ منه الخصيتان وتكبران جدا لانصباب مادة أو ريح غليظ فيهما ورجل آدر بالمد كآدم به أدره.

стр. 4181

(٣٤) سورة سبإ مكيّة وآياتها اربع وخمسون [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١ الى ٦] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١) يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ (٣) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥) وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٦)

стр. 4182

اللغة: (يَعْزُبُ:) في المصباح: «وعزب الشيء من بابي قتل وضرب غاب وخفي» وفي الأساس: «يقال: عزب عنه حلمه وأعزب حلمه كقولك أضل بعيره وأعزب الله عقلك وروض عازب وعزيب ومال عزب وجشر ولا يكون الكلأ العازب إلا بفلاة حيث لا زرع، وفلان معزاب ومعزابة لمن عزب بإبله، ويقال عزب ظهر المرأة إذا أغابت، ومن المستعار قول النابغة: وصدر أراح الليل عازب همه ... تضاعف فيه الحزن من كل جانب ولك أن تقول امرأة عزبة والمعزابة الذي طالت عزوبته وتمادت ويقال ليس لفلان امرأة تعذبه أي تذهب بعزوبته» وفي القاموس: «العزب محركة من لا أهل له كالمعزابة والعزيب ولا تقل أعزب أو قليل جمعه أعزاب وهي عزبة وعزب والاسم العزبة والعزوبة بضمتين والفعل كنصر وتعزّب ترك النكاح والعزوب الغيبة يعزب ويعزب والذهاب» ومن غريب أمر العين والزاي أنهما إذا كانتا فاء وعينا للكلمة دلت على معنى الذهاب والبعد والانفراد والغلبة وفي الحديث: من قرأ القرآن في أربعين ليلة فقد عزّب أي أبعد العهد بأوله. وعز الرجل صار عزيزا أي أبعد عن غيره بصفاته حتى سما عليهم وعز الشيء قلّ فكاد لا يوجد وعز عليّ أن أسوءك أي اشتد وغلب وتقول للرجل: أتحبني؟ فيقول لعزّما ولشدّما واستعزّ به المرض أي غلب واشتد. وتعزز لحم الناقة اشتد وصلب «فعززنا بثالث»

стр. 4183

أي قوينا وعزّز بهم أي شدد عليهم ولم يرخّص ومنه حديث عمر ﵁: أن قوما اشتركوا في صيد فقالوا له: أعلى كلّ واحد منا جزاء أم جزاء واحد؟ فقال: إنه لمعزّز بكم إذن بل عليكم جزاء واحد. وعزف عن الشيء عافه وزهد فيه والعزف صوت الرياح وصوت الدف تقول: فلان ألهاه ضرب المعازف عن ضروب المعازف، وسلكت مفازة فيها للجن عزيف. وعزله يعزله من باب ضرب عن كذا نحاه عنه وعزل فلانا عن منصبه: نحاه عنه وصرفه وتقول: مالي أراك في معزل عن أصحابك؟ وأنا بمعزل عن هذا الأمر واعتزلت الباطل وتعزلته قال الأحوص: يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل وأعوذ بالله من الأعزل على الأعزل أي من الرجل الذي لا سلاح معه على الفرس المعوج العسيب فهو يميل ذنبه الى شق قال امرؤ القيس: ضليع إذا استدبرته سدّ فرجه ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل واعتزم الفرس في عنانه إذا مرّ جامحا لا ينثني، قال: سبوح إذا اعتزمت في العنان ... مروح ململمة كالحجر وعزمت على الأمر واعتزمت عليه ولا يكون ذلك إلا عن شدة وغلبة وهو عزهاة عن اللهو والنساء إذا لم يردهنّ وابتعد عنهنّ، قال:

стр. 4184

إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبا ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا وعزا الشيء أو فلانا الى فلان نسبه ورفعه إليه، وإن فلانا ليعزى الى الخير ويعتزي اليه وهذا الحديث يعزى الى رسول الله ﷺ ورأيتهم حوله عزين أي جماعات. وهذا من أسرار لغتنا الشريفة. (رِجْزٍ) : بكسر الراء وضمها العذاب أو سيئه والإثم والذنب والقذر. الإعراب: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الحمد مبتدأ ولله خبره والذي نعت وله خبر مقدم وما مبتدأ مؤخر وفي السموات صلة وما في الأرض عطف على ما في السموات. (وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) الواو عاطفة وله خبر مقدم والحمد مبتدأ مؤخر وفي الآخرة حال وهو مبتدأ والحكيم خبر أول والخبير خبر ثان. (يَعْلَمُ ما يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها) لك أن تجعلها جملة خبرية فتكون خبرا ثالثا لهو كأنها تفصيل لبعض ما يحيط به علمه تعالى من الأمور المتعلقة بمصالح العباد الدينية والدنيوية ولك أن تجعلها حالا مؤكدة ولك أن تجعلها مستأنفة مسوقة لتقرير ما تقدم. ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى وما مفعول به وجملة يلج صلة وفي الأرض متعلقان بيلج وما يخرج عطف على ما يلج في الأرض. (وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ

стр. 4185

وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ) عطف على ما تقدم وضمن العروج معنى الاستقرار فعدّاه بفي دون إلى. (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة ولا نافية وتأتينا الساعة فعل مضارع ومفعول به وفاعل وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وبلى حرف جواب لاثبات النفي أي ليس الأمر إلا إتيانها وربي: الواو حرف قسم وجر وربي مجرور بواو القسم، أكد إيجاب النفي بما هو الغاية في التأكيد والتشديد وهو القسم بالله واللام جواب للقسم وتأتينكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والكاف مفعول به وهو تأكيد ثالث. (عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ) عالم صفة لربي أو بدل ويجوز أن يرفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف أو مبتدأ وخبره جملة لا يعزب وقد قرىء بهما وجملة لا يعزب إما خبر أو حال وعنه متعلقان بيعزب ومثقال ذرة فاعل وفي السموات حال ولا في الأرض عطف على في السموات. (وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ) الواو عاطفة ولا نافية وأصغر من ذلك مبتدأ ومن ذلك خبر ولا أكبر عطف على ولا أصغر وإلا أداة حصر وفي كتاب مبين خبر أصغر ولك أن تنسق الكلام فتعطف ولا أصغر على مثقال ويكون في كتاب في محل نصب على الحال والأول أولى. (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) ليجزي اللام للتعليل ويجزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجارّ والمجرور متعلقان بتأتينكم كأنه علة وبيان لما يقتضيه إتيانها أو بقوله لا يعزب فكأنه قال يحصي ذلك ليجزي والذين مفعول به وجملة آمنوا

стр. 4186

صلة الذين وعملوا الصالحات عطف على آمنوا وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم ومغفرة مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر أولئك ورزق عطف على مغفرة وكريم صفة. (وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ لَهُمْ عَذابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ) الواو إما عاطفة فيكون الذين منسوقا على ما قبله أي ويجزي الذين سعوا ويجوز أن تكون استئنافية فيكون الذين مبتدأ وجملة سعوا صلة وفي آياتنا متعلقان بسعوا على تقدير مضاف أي في إبطال آياتنا بالطعن فيها أو وصفها بالسحر والشعر وغير ذلك ومعاجزين حال، قال الراغب: «أصل معنى العجز التأخر لكون المتأخر خلف عجز السابق أو عنده ثم تعورف فيما هو معروف ظاهرا فالمراد هنا بالمعاجزة التأخر المسبوق بتقدم السابق ومعنى المفاعلة غير مقصود هنا إذ المقصود السبق وعدم قدرة غيرهم عليهم لغلبتهم وذلك كله بناء على مزاعمهم الفاسدة وأهوائهم المتخيلة. وأولئك مبتدأ ولهم خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية مستأنفة على الوجه الأول أو خبر الذين على الوجه الثاني ومن رجز صفة لعذاب وأليم صفة ثانية. (وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ) ويرى في موضع الرفع على أنه مستأنف أو في موضع النصب فهو منسوق على يجزي والذين فاعل يرى وجملة أوتوا العلم صلة والذي مفعول يرى الأول لأنها قلبية وجملة أنزل صلة وإليك متعلقان بأنزل ومن ربك حال أو متعلقان بأنزل أيضا وهو ضمير فصل لا محل له والحق هو المفعول الثاني ليرى. (وَيَهْدِي إِلى صِراطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ) ويهدي عطف على الحق وساغ العطف لأن الفعل في تأويل الاسم كأنه قيل وهاديا ولك أن

стр. 4187

تجعل الواو حالية والجملة في محل نصب على الحال ويجوز أن تكون مستأنفة وفاعل يهدي ضمير مستتر يعود على الذي أنزل إليك وإلى صراط متعلقان بيهدي والعزيز مضاف الى صراط والحميد نعت. البلاغة: ١- في قوله «الحمد لله» التعبير بالجملة الاسمية يفيد الاستمرار والثبوت، والحمد لغة الوصف بالجميل الاختياري على قصد التعظيم، والوصف لا يكون إلا باللسان فيكون مورده خاصا، وهذا الوصف يجوز أن يكون بإزاء نعمة وغيرها فيكون متعلقه عاما، والشكر اللغوي على العكس لكونه فعلا ينبىء عن تعظيم المنعم من حيث أنه منعم على الشاكر فيكون مورده اللسان والجنان والأركان ومتعلقه النعمة الواصلة الى الشاكر فكل منهما أعم وأخص من الآخر بوجه، ففي الفضائل حمد فقط وفي أفعال القلب والجوارح شكر فقط وفي فعل اللسان بإزاء الانعام حمد وشكر. ٢- شكر المنعم واجب أم لا: قال الأشاعرة: شكر المنعم ليس بواجب أصلا ومثلوها بتمثيل فقالوا: ليس مثله إلا كمثل الفقير حضر مائدة ملك عظيم يملك البلاد شرقا وغربا، ويعم البلاد وهبا ونهبا، فتصدق عليه بلقمة خبز فطفق يذكره في المجامع ويشكره عليها بتحريك أنملته دائما لأجله فإنه يعد استهزاء بالملك فكذا هنا بل اللقمة بالنسبة الى الملك وما يملكه أكثر مما أنعم الله به على العبد بالنسبة الى الله، وشكر العبد أقل قدرا في جنب الله من شكر الفقير بتحريك أصابعه. وقالت المعتزلة: التمثيل

стр. 4188

المناسب للحال أن يقال: إذا كان في زاوية الخمول وهاوية الذهول رجل أخرس اللسان مشلول اليدين والرجلين فاقد السمع والبصر بل جميع الحواس الظاهرة والمشاعر الباطنة فأخرجه الملك من تلك الهاوية وتلطف عليه بإطلاق لسانه وإزالة شلل أعضائه ووهب له الحواس لجلب المنافع ودفع المضار ورفع رتبته على كثير من أتباعه وخدمه ثم إن ذلك الرجل بعد وصول تلك النعم الجليلة اليه وفيضان تلك التكريمات عليه طوى عن شكر ذلك الملك كشحا وضرب عنه صفحا ولم يظهر منه ما ينبىء عن الاعتناء بشيء من غير فرق بين وجودها وعدمها فلا ريب أنه مذموم بكل لسان، مستحق للإهانة والخذلان. [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ٧ الى ٩] وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ (٨) أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٩) الإعراب: (وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا: هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ) الواو استئنافية وقال الذين فعل وفاعل وجملة كفروا صلة أي قال بعضهم لبعض وهل حرف استفهام وندلكم فعل مضارع وفاعل

стр. 4189

مستتر ومفعول به وعلى رجل متعلقان بندلكم والمراد به محمد ﷺ ، وسيأتي سر تنكيره في باب البلاغة، وجملة ينبئكم صفة لرجل وإذا ظرف مستقبل متعلق بمحذوف تقديره تبعثون أو تحشرون خلفا جديدا ولا يجوز تعليقه بينبئكم لأن التنبئة لم تقع ذلك الوقت ولا بمزقتم لأنه مضاف اليه والمضاف إليه لا يعمل في المضاف، ولا بجديد لأن إن ولام الابتداء يمنعان من ذلك لأن لهما الصدر، وأيضا فالصفة لا تعمل فيما قبل الموصوف ولا يسوغ أن يقال قدرها خالية من معنى الشرط فتغني عن جوابها وتكون معمولة لما قبلها وهو قال أو ندلكم أو ينبئكم لأن هذه الأفعال لم تقع وقت التمزيق فلا تكون إذا ظرفا لها إذ لا يقال لهم بعد تمزيقهم وإنما وقعت حال حياتهم، وكان الرجل من الكفار يقول لأصحابه استهزاء بالنبي ﷺ : هل أدلكم على رجل ... إلخ. ومزقتم فعل ماض مبني للمجهول والتاء نائب فاعل وكل ممزق مفعول مطلق لأن كلّا بحسب ما تضاف إليه وقد أضيفت الى ممزق وهو مصدر ميمي بمعنى تمزيق، وأجاز الزمخشري أن يكون اسم مكان قال: «فإن قلت قد جعلت الممزق مصدرا كبيت الكتاب: ألم تعلم مسرحي القوافي ... فلا عيابهن ولا اجتلابا فهل يجوز أن يكون مكانا؟ قلت نعم ومعناه ما حصل في بطون الطير وما مرت به السيول فذهبت به كل مذهب وما سفته الريح فطرحته في كل مطرح» وعلى هذا يكون كل ظرف مكان. (إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) إن وما بعدها سدت مسد مفعولي ينبئكم وإنما كسرت همزتها لدخول اللام المزحلقة في خبرها وان واسمها واللام المزحلقة

стр. 4190

المؤكدة وفي خلق خبر إن وجديد صفة خلق وهو فعيل بمعنى فاعل وقيل بمعنى مفعول. (أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) الهمزة للاستفهام واستغنى بها عن همزة الوصل في التوصل للنطق بالساكن وعلى الله متعلقان بافترى وكذبا مفعول افترى وأم حرف عطف معادل لهمزة الاستفهام وبه خبر مقدم وجنة مبتدأ مؤخر أي جنون. (بَلِ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذابِ وَالضَّلالِ الْبَعِيدِ) بل حرف عطف وإضراب والذين مبتدأ وجملة لا يؤمنون صلة وبالآخرة متعلقان بيؤمنون وفي العذاب خبر المبتدأ والضلال عطف على العذاب والبعيد نعت للضلال وسيأتي معنى هذا النعت في باب البلاغة. (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلى ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ) كلام مستأنف مسوق لتهويل ما اجترءوا عليه وقالوه والهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة على محذوف يقدر بحسب المقام أي أعموا فلم يروا أو أن الهمزة مقدمة على حرف العطف وقد تقدم تقرير هذا، ولم حرف نفي وقلب وجزم ويروا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل والى ما متعلقان بيروا والظرف متعلق بمحذوف صلة ما وأيديهم مضاف إليه وما خلفهم عطف على ما بين أيديهم ومن السماء حال والأرض عطف على السماء. (إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مِنَ السَّماءِ) إن شرطية ونشأ فعل الشرط ونخسف جوابه وبهم متعلقان بنخسف والأرض مفعول به وأو حرف عطف ونسقط عطف على نخسف وعليهم متعلقان بنسقط وكسفا مفعول به ومن السماء صفة لكسفا.

стр. 4191

(إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) إن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآية اسمها المؤخر ولكل عبد صفة لآية ومنيب صفة لعبد. البلاغة: المجاز العقلي في قوله «والضلال البعيد» لأن البعد وصف الضال إذا بعد عن الجادة المستقيمة وكلما أوغل في البعد عنها أوغل في الضلال. [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٠ الى ١٣] وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلاً يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١) وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ (١٢) يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ (١٣)

стр. 4192

اللغة: (أَوِّبِي) : فعل أمر من التأويب والأوب أي رجعي معه التسبيح أو راجعي معه في التسبيح لأنه إذا رجعه فقد رجع فيه. (سابِغاتٍ) : دروعا واسعة ضافية. (وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) : السرد نسج الدرع قال في الأساس: «سرد النعل وغيرها خرزها، قال الشماخ يصف حمرا: شككنا باحساء الذناب على هوى ... كما تابعت سرد العنان الخوارز أي تتابعن على هوى الماء. وثقب الجلد بالمسرد والسّراد وهو الأشفى الذي في طرفه خرق وسرد الدرع إذا شك طرفي كل حلقتين وسمرهما ودرع مسرودة ولبوس مسرّد» وقال أبو الطيب يصف قميصه: مفرشي صهوة الحصان ولكن ... قميصي مسرودة من حديد المسرودة المنسوجة من الحديد وهي الدروع. ومعنى التقدير في السرد أي لا تجعل المسامير دقاقا فتقلق ولا غلاظا فتفصم الحلق والمراد جعل السرد على قدر الحاجة، وذهب الخطيب في تفسيره مذهبا طريفا قال: «قوله تعالى: وقدر في السرد أي انك غير مأمور به أمر إيجاب وإنما هو اكتساب والكسب يكون بقدر الحاجة وباقي الأيام

стр. 4193

والليالي للعبادة فقدر في ذلك العمل ولا تشتغل جميع أوقاتك بالكسب بل حصل فيه القوت فحسب» ولكن سياق الحديث يبعد هذا التأويل لأنه في صدد الحديث عن الدروع ونسجها وأحكامها وتقدير صنعها. وفي المختار: «سرد الدرع أي نسجها وهو إدخال الحلق بعضها في بعض يقال سرد الدرع سردا من باب نصر» . (غُدُوُّها) : سيرها غدوة وهي ما بين الفجر وطلوع الشمس، يقال: غدا يغدو غدوا ذهب غدوة ويستعمل بمعنى صار فيرفع المبتدأ وينصب الخبر. (رَواحُها) : سيرها في الرواح أي العشي. (الْقِطْرِ) : بكسر القاف النحاس المذاب وسيأتي سر تسميته بعين القطر في باب البلاغة. (مَحارِيبَ) : المحاريب: المساكن والابنية الشريفة المصونة عن الابتذال سميت محاريب لأنه يذب عنها ويحارب عليها ثم نقل الى الطاق التي يقف الامام فيها وهي مما أحدث في المساجد والمفرد محراب. (تَماثِيلَ) : جمع تمثال وهو الصورة المصوّرة أو هو ما تصنعه وتصوره مشبها بخلق الله من ذوات الروح والصورة، روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أظله النسران بأجنحتهما. (جِفانٍ) : جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة.

стр. 4194

(كَالْجَوابِ) جمع جابية وهي الحوض الكبير وسمي جابية لأن الماء يجبى فيه أي بجمع، قال الأعشى يمدح المحلق: نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية السيح العراقي تفهق الجفنة قصعة الثريد والجابية الحوض يجبي الماء أي يجمعه الى الحوض والسيح الماء الكثير الجاري وفهق يفهق كفرح يفرح اتسح وامتلأ حتى يتصبب، قيل كان يقعد على الجفنة ألف رجل. (قُدُورٍ راسِياتٍ) : القدور جمع قدر بكسر القاف وهو إناء يطبخ فيه، وراسيات ثابتات لها قوائم لا تتحرك عن أماكنها. الإعراب: (وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا) الواو استئنافية واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وآتينا داود فعل ماض وفاعل ومفعول به ومنا متعلقان بآتينا أو بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لفضلا وفضلا مفعول به ثان. (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ) جملة النداء معمول قول محذوف أي وقلنا، وأجاز الزمخشري أن تكون بدلا من فضلا ويا حرف نداء وجبال منادى نكرة مقصودة وأوّبي فعل أمر مبني على حذف النون والياء فاعل ومعه ظرف مكان متعلق بأوّبي والطير عطف على محل جبال وهو النصب وقرىء بالرفع عطفا على اللفظ وسيأتي حكم المنسوق على المنادى في باب الفوائد، وألنّا عطف على آتينا وألنّا فعل ماض وفاعل وله

стр. 4195

متعلقان بألنّا والحديد مفعول به. (أَنِ اعْمَلْ سابِغاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ) أن مصدرية مؤولة بما بعدها بمصدر منصوب بنزع الخافض أي لأن أعمل واختار أبو البقاء أن تكون مفسرة وتبعه الجلال وهذا مردود لأن شرط أن المفسرة أن يتقدم عليها ما هو بمعنى القول دون حروفه وقدر بعضهم فعلا فيه معنى القول فقال: التقدير أمرناه أن اعمل، وسابغات صفة لمفعول به محذوف أي دروعا سابغات، والسابغات الكوامل الواسعات، وقدر فعل أمر وفي السرد متعلقان بقدر. (وَاعْمَلُوا صالِحاً إِنِّي بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) واعملوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وصالحا مفعول به أو صفة لمفعول مطلق محذوف أي عملوا عملا صالحا وإن واسمها وبما تعملون متعلقان ببصير وبصير خبر إن. (وَلِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ وَرَواحُها شَهْرٌ) الواو عاطفة ولسليمان متعلقان بالفعل المحذوف أي وسخرنا لسليمان الريح فالريح مفعول للفعل المحذوف وذلك على قراءة النصب وعلى قراءة الرفع هي مبتدأ مؤخر ولسليمان خبر مقدم وجملة غدوها شهر المؤلفة من المبتدأ والخبر حال من الريح وقيل هي مستأنفة وجملة ورواحها شهر عطف عليها. (وَأَسَلْنا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ) عطف على سخرنا المقدرة وأسلنا فعل ماض وفاعل وله متعلقان بأسلنا وعين القطر مفعول به. (وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ) لك أن تعلق من الجن بفعل مقدر تقديره وسخرنا له فتكون من مفعولا به للفعل المقدر ولك أن تجعل الجار والمجرور خبرا مقدما فتكون مبتدأ مؤخرا وجملة يعمل صلة وبين يديه الظرف متعلق بيعمل وبإذن ربه متعلقان بمحذوف حال. (وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنا نُذِقْهُ مِنْ عَذابِ السَّعِيرِ)

стр. 4196

الواو عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويزغ فعل الشرط ومنهم حال وعن أمرنا متعلقان بيزغ ونذقه فعل الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ ومن عذاب السعير متعلقان بنذقه. (يَعْمَلُونَ لَهُ ما يَشاءُ مِنْ مَحارِيبَ وَتَماثِيلَ وَجِفانٍ كَالْجَوابِ وَقُدُورٍ راسِياتٍ) الجملة بدل من يعمل لتفصيل ما ذكر من عملهم وله متعلقان بيعملون وما مفعول به وجملة يشاء صلة ومن محاريب في موضع الحال من مفعول يشاء المحذوف أي يشاؤه ومنعت محاريب من الصرف لأنها جمع على صيغة منتهى الجموع وتماثيل عطف على محاريب وجفان عطف أيضا وكالجواب صفة لجفان وحذفت ياء الجواب في خط القرآن وقدور راسيات عطف أيضا. (اعْمَلُوا آلَ داوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ) كلام مستأنف مسوق للمنة على آل داود واعملوا فعل أمر وفاعل وآل داود منادى محذوف منه حرف النداء وشكرا مفعول لأجله أي لأجل الشكر وقيل مصدر من معنى اعملوا كأنه قيل اشكروا شكرا أو على الحال أي شاكرين وأجاز الزمخشري أن ينتصب باعملوا مفعولا به ومعناه إنا سخرنا لكم الجن يعملون لكم ما شئتم فاعملوا أنتم شكرا على طريق المشاكلة والواو حالية وقليل خبر مقدم والشكور مبتدأ مؤخر ومن عبادي صفة لقليل. الفوائد: لتابع المنادى أقسام أربعة: ١- ما يجب نصبه مراعاة لمحل المنادى وهو ما اجتمع فيه أمران أحدهما أن يكون التابع نعتا أو بيانا أو توكيدا، والثاني أن يكون التابع مضافا مجردا من ال.

стр. 4197

٢- ما يجب رفعه مراعاة للفظ المنادى وهو تابع أي وتابع اسم الاشارة. ٣- ما يجوز رفعه ونصبه وهو نوعان أحدهما النعت المضاف المقرون بأل، والثاني ما كان مفردا من نعت أو بيان أو توكيد أو كان معطوفا مقرونا بأل ومنه الآية التي نحن بصددها. ٤- ما يعطي تابعا ما يستحقه إذا كان منادى مستقلا وهو البدل والمنسوق المجرد من أل فيضم ان كان مفردا وينصب ان كان مضافا. [سورة سبإ (٣٤) : آية ١٤] فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلاَّ دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ (١٤) اللغة: (مِنْسَأَتَهُ) : المنسأة مفعلة اسم آلة وهي العصا لأنه ينسأ بها أي يطرد ويؤخر كالمكنسة والمكسحة والمقعصة وقرأ نافع وأبو عمرو وجماعة منساته بألف. الإعراب: (فَلَمَّا قَضَيْنا عَلَيْهِ الْمَوْتَ ما دَلَّهُمْ عَلى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ) الفاء استئنافية ولما ظرفية حينية أو رابطة متضمنة معنى الشرط وجملة قضينا مضاف إليها الظرف على الوجه الأول ونا فاعل

стр. 4198

وعليه متعلقان بقضينا والموت مفعول به وما نافية ودلهم فعل ماض ومفعول به وعلى موته متعلقان بدلهم وإلا أداة حصر ودابة الأرض فاعل دلهم والجملة لا محل لها لأنها جواب لما على الوجهين ودابة الأرض هي الدويبة التي يقال لها السرقة فأضيفت إليه يقال أرضت الخشبة أرضا إذا أكلتها الأرضة وجملة تأكل منسأته حال من دابة الأرض. (فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ ما لَبِثُوا فِي الْعَذابِ الْمُهِينِ) الفاء عاطفة ولما تقدم القول فيها قريبا وخرّ فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على سليمان وجملة تبينت الجن جواب لما لا محل لها وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولو شرطية وجملة كانوا خبر أن وأن وما في حيزها بدل اشتمال من الجن على حد قولك تبين زيد جهله، وقدره أبو البقاء بدلا من محذوف أي تبين أمر الجن وهو أنهم لو كانوا يعلمون الغيب، وأجاز أيضا أن يكون موضع أن وصلتها النصب أي تبينت الجن جهلها ولا مانع من هذين التقديرين، وجملة يعلمون الغيب خبر كانوا وجملة ما لبثوا لا محل لها لأنها جواب لو وفي العذاب متعلقان بلبثوا والمهين صفة للعذاب. الفوائد: أفاض المفسرون في الحديث عن قصة وفاة سليمان مما يخرج بنا عن نطاق كتابنا ولكننا نورد بعضا مما قيل في دابة الأرض لعلاقته باللغة، ويتلخص مما أوردوه أن فيها وجهين: أظهرهما ما قدمناه في باب البلاغة من أنها الدويبة التي تأكل الخشب وفي القاموس والتاج: «والدابة ما دبّ من الحيوان وغلب على ما يركب ويقع على المذكر، ودابة الأرض من أشراط الساعة أو أولها تخرج بمكة من جبل الصفا

стр. 4199

ينصدع لها والناس سائرون الى منى أو من الطائف أو بثلاثة أمكنة ثلاث مرات معها عصا موسى وخاتم سليمان ﵉ تضرب المؤمن بالعصا وتطبع وجه الكافر بالخاتم فينتقش فيه هذا كافر» والثاني أن الأرض مصدر قولك أرضت الدابة الخشبة تأرضها أرضا بفتح عين المصدر وقد قرأ بها ابن عباس والعباس ابن الفضل وقد تقدم البحث في حركة عين فعل الثلاثي فجدد به عهدا. [سورة سبإ (٣٤) : الآيات ١٥ الى ١٩] لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلاَّ الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ (١٨) فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (١٩) اللغة: (الْعَرِمِ) : لم نجد كلمة اختلف فيها المفسرون كهذه الكلمة

стр. 4200

ولذلك، سنورد ما نختاره من أقوال ثم نعمد الى الترجيح بينها ونبدأ بما ذكره صاحب القاموس قال في مادة عرام: «عرام الجيش حدتهم وشدتهم وكثرتهم ومن العظم والشجر العراق وما سقط من قشر العوسج ومن الرجل الشراسة والأذى، عرم كنصر وضرب وكرم وعلم عرامة وعراما بالضم فهو عارم وعرم اشتد والصبي علينا أشر ومرح أو بطر أو فسد ويوم عارم نهاية في البرد وعرم العظم نزع ما عليه من لحم كتعرّمه والصبي أمه رضعها والإبل الشجر نالت منه وفلانا أصابه بعرام وعرم العظم كفرح فتر والعرم محركة والعرمة بالضم سواد مختلط ببياض في أي شيء كان أو هو تنقيط بهما من غير أن تتسع كل نقطة وبياض بمرمة الشاة وهو أعرم وهي عرماء وبيض القطا عرم والعرماء الحية الرّقشاء والأعرم المتلون والأبرش والقطيع من ضأن ومعزى والأقلف والجمع عرمان وجمع الجمع عرامين والعرمة محركة رائحة الطبيخ والكدس المدوس لم يذرّ ومجتمع الرمل وأرض صلبة تتاخم الدّهناء ويقابلها عارض اليمامة وكفرحه سد يعترض به الوادي والجمع عرم أو هو جمع بلا واحد أو هو الأحباس تبنى في الأودية والجرذ الذكر والمطر الشديد وواد وبكل فسر قوله تعالى: سيل العرم» واختار الجلال أن يكون العرم جمع عرمة وهو ما يمسك الماء من بناء وغيره الى وقت حاجته وهذا ما نعبر عنه اليوم بالسدود وهو أولى ما تفسر به الآية وقد يحدث تصدع السدود وانهيارها بأسباب مختلفة. (ذَواتا) : مثنى ذوات أو ذات ولفظ ذوات مفرد لأن أصله ذوية فالواو عين الكلمة والياء لامها لأنه مؤنث ذو وذو أصله ذوى فلما تحركت الياء وانفتح ما قبلها قلبت ألفا فصار ذوات ثم حذفت

стр. 4201

الواو تخفيفا فعندما يراد تثنيته يجوز أن ينظر للفظه فيقال ذاتان ويجوز أن ينظر الى أصله فيقال ذواتان. هذا وذات مؤنث ذو ومثناها ذواتان والجمع ذوات ويعرب المؤنث والمثنى والجمع إعراب نظيره من الأسماء المفردة والمثناة والمجموعة، يقال لقيته ذات يوم أو ذات ليلة أو ذات مرة أي يوما ما ومرة ما، وكان ذلك ذات العويم أي السنة الماضية وجلس ذات اليمين أي عن اليمين ولقيته أول ذات يدين أي بادىء بدء وذات الصدر الفكر أو السر وذات اليمين أي جهتها وذات البين: الحال يقال أصلحوا ذات بينكم أي حالكم التي تجتمعون عليها وذات شفة كلمة يقال: كلمته فماردّ عليّ ذات شفة وذات اليد ما تملكه يقال: قلّت ذات يده أي ما ملكت يده ويقال ألقت الدجاجة ذات بطنها أي باضت أو سلحت وذات الجنب عند الأطباء: التهاب يحدث في غلاف الرئة فيحدث منه سعال وحمى ونخس في الجنب وذات الرئة وذات الصدر وذات الكبد علل فيها، والذات أيضا: ما يصلح لأن يعلم ويخبر عنه وذات الشيء: نفسه وعينه وجوهره واسم الذات عند النحاة ما علق على ذات كالرجل والأسد ويقابله اسم المعنى كالعلم والشجاعة، والذوات عند المولدين: أكابر القوم. (أُكُلٍ خَمْطٍ) : الأكل بضمتين وبضم فسكون الثمر أو ما يؤكل والخمط المر والحامض يقال خمر خمطة: حامضة ولبن خامض: قارص متغير وفي المختار: «الخمط ضرب من الأراك له حمل يؤكل» وعن أبي عبيدة: «كل شجر ذي شوك» وقال الزجاج: «كل نبت أخذ طعما من مرارة حتى لا يمكن أكله» . (أَثْلٍ) : الأثلة: السمرة وقيل شجر من العضاه طويلة

стр. 4202

مستقيمة الخشبة تعمل منها القصاع والأقداح فوقعت مجازا في قولهم: نحت أثلته إذا تنقّصه، وفلان لا تنحت أثلته، قال الأعشى: ألست منتهيا عن نحت أثلتنا ... ولست ضائرها ما أطّت الإبل ولفلان أثلة مال أي أصل مال ثم قالوا أثّلت مالا وتأثلته وشرف مؤثّل وأثيل. (سِدْرٍ) : السدر: شجر النبق يطيب أكله ولذا يغرس في البساتين وقيل ان السدر صنفان صنف يؤكل ثمره وينتفع بورقه في غسل الأيدي وصنف له ثمرة غضة لا تؤكل أصلا وهو الضال. الإعراب: (لَقَدْ كانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص ولسبأ خبرها المقدم وفي مسكنهم حال من سبأ أي حال كونهم في مسكنهم وآية اسم كان المؤخر وقد تقدم القول مفصلا في سبأ في سورة النمل فجدد به عهدا. (جَنَّتانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمالٍ) جنتان بدل من آية أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره الآية جنتان وعن يمين وشمال صفة لجنتان ويبدو أن في بمعنى عند فإن المساكن محفوفة بالجنتين لا مظروفة لهما. (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ) الجملة مقول قول محذوف أي وقيل لهم بلسان الحال أو بلسان المقال وكلوا فعل أمر وفاعل والمراد بهذا الأمر الإباحة ومن رزق ربكم متعلقان بكلوا وبلدة خبر لمبتدأ محذوف يعني هذه البلدة بلدة طيبة وطيبة صفة ورب غفور عطف على ما تقدم أي وربكم الذي رزقكم وطلب شكركم رب غفور. (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ) الفاء عاطفة وأعرضوا فعل ماض

стр. 4203

وفاعل ومتعلقه محذوف أي عن شكره فأرسلنا عطف على فأعرضوا وعليهم متعلقان بأرسلنا وسيل العرم مفعول به. (وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ) وبدلناهم الواو عاطفة وبدلناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به وبجنتهم متعلقان ببدلناهم وجنتين مفعول به ثان وذواتى صفة وأكل مضاف إليه وخمط صفة كأنه قيل أكل بشع وقرىء بالإضافة وعبارة أبي البقاء: «أكل خمط: يقرأ بالتنوين والتقدير أكل أكل خمط فحذف المضاف لأن الخمط شجر والأكل ثمره وقيل التقدير أكل ذي خمط وقيل هو بدل منه وجعل خمط أكلا لمجاورته إياه وكونه سببا له ويقرأ بالإضافة وهو ظاهر» وأثل عطف على أكل وشيء عطف أيضا ومن سدر صفة لشيء وقليل صفة ثانية. (ذلِكَ جَزَيْناهُمْ بِما كَفَرُوا وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ) ذلك مفعول ثان لجزيناهم مقدم عليه لأنه ينصب مفعولين أي جزيناهم ذلك التبديل وجزيناهم فعل ماض وفاعل ومفعول به أول وبما متعلقان بجزيناهم والباء للسببية وما مصدرية أي بسبب صبرهم وهل حرف استفهام بمنى النفي ونجازي فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن وإلا أداة حصر والكفور مفعول به. (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً) الواو عاطفة وجعلنا فعل وفاعل وبينهم الظرف متعلق بمحذوف مفعول به ثان لجعلنا وبين القرى عطف على بينهم والتي صفة للقرى وجملة باركنا فيها صلة للموصول وقرى مفعول به أول وظاهرة نعت والجملة معطوفة على ما قبلها عطف قصة على قصة فقد ذكر أولا ما أسبغ

стр. 4204

عليهم من نعمة الجنتين ثم تبديلهما بما سلف ذكره ثم جعل بلادهم متفاصلة متشتتة بعد أن كانت متواصلة ملمومة الشمل. (وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّاماً آمِنِينَ) وقدرنا الواو عاطفة وقدرنا فعل ماض وفاعل وفيها متعلقان بقدرنا أو بالسير والسير مفعول به وجملة سيروا في محل نصب مقول قول محذوف وفيها متعلقان بسيروا وليالي وأياما ظرفان متعلقان بسيروا أيضا وآمنين حال ولم يتوجه معنا إعراب القرطبي لليالي وأياما فقد قال أنهما منصوبان على الحال وسيأتي سر تنكيرهما في باب البلاغة. (فَقالُوا رَبَّنا باعِدْ بَيْنَ أَسْفارِنا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْناهُمْ أَحادِيثَ) الفاء عاطفة وقالوا فعل وفاعل وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وباعد فعل أمر وبين ظرف متعلق بباعد وأسفارنا مضاف إليه وظلموا عطف على فقالوا وأنفسهم مفعول وذلك لأنهم بطروا وبشموا من طيب العيش وبلهنة الحال فطلبوا الكد والتعب والتنقل في البلاد، فجعلناهم عطف على ظلموا أنفسهم وأحاديث مفعول به ثان لجعلناهم. (وَمَزَّقْناهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ومزقناهم عطف أيضا وكل ممزق نائب مفعول مطلق أي فرقناهم تفريقا لا التئام بعده. قال الشعبي «فلحقت الأنصار بيثرب وغسان بالشام والأزد بعمان وخزاعة بتهامة فكانت العرب تضرب بهم المثل فتقول تفرقوا أيادي سبأ وقد تقدم معنى هذا المثل وإعرابه في النمل فجدد به عهدا. وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك خبرها المقدم واللام المزحلقة وآيات اسمها المؤخر ولكل صبار صفة لآيات وشكور صفة لصبار.

стр. 4205

البلاغة: ١- المشاكلة: في قوله «جنتين» فن المشاكلة وقد تقدم أنه ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته فقد سمى البدل جنتين للمشاكلة وفيه نوع من التهكم بهم، قال أبو تمام: والدهر ألأم من شرقت بلؤمه ... إلا إذا أشرقته بكريم أي اقتصرت عليه بكريم فقال أشرقته مشاكلة. ٢- التنكير: وفي تنكير ليالي وأياما إلماع إلى قصر أسفارهم فقد كانت قصيرة لأنهم يرتعون في بحبوحة من العيش ورغد منه لا يحتاجون إلى مواصلة الكد وتجشم عناء الأسفار للحصول على ما يرفه عيشهم. ٣- التذييل: وفي قوله: «ذلك جزيناهم» الآية فن التذييل وقد تقدم بحثه أيضا وهو قسمان الأول ما جرى مجرى المثل وقد تقدم بحثه أيضا، والثاني ما لم يخرج مخرج المثل وهو أن تكون الجملة الثانية متوفقة على الأولى في إفادة المراد أي وهل يجازى ذلك الجزاء المخصوص، ومضمون الجملة الأولى أن آل سبأ جزاهم الله تعالى بكفرهم ومضمون الثانية أن ذلك العقاب المخصوص لا يقع إلا للكفور وفرق بين قولنا
следующие страницы →