← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

متعلقان بمحذوف خبر (وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ) الواو حالية أو مستأنفة وما نافية ويذكر فعل مضارع مرفوع وإلا أداة حصر وأولو فاعل يذكر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والألباب مضاف إليه. الفوائد: ١- أفرد بعضهم هذه المسألة بكتاب خاص لسعة الكلام فيها، وقد استدل القاضي البيضاوي والزمخشري قبله على اختيارهما الوقوف على «العلم» لأن في ذلك حفزا للعقول على التفكير والإبداع، وقال الحشويّة ما خلاصته: الوقف على قوله تعالى: «وما يعلم تأويله إلا الله» واجب حتى يكون قوله: «والراسخون» كلاما مستأنفا، فاذا لم يقف عليه بل وقف على قوله «والراسخون في العلم» ليكون عطفا على قوله: «إلا الله» كان لا بد أن يبتدىء بقوله: «يقولون آمنا به» أراد به: قائلين، وهو حال، وهو باطل، لأنه لا يخلو إما أن يكون حالا عن «الله» أو عن الراسخين في العلم، كان كان الله سبحانه والراسخين في العلم قالوا: آمنا به كل من عند ربنا. وذلك في حقه تعالى محال، أو يكون حالا عن الراسخين في العلم فقط، وعندئذ يتخصص المعطوف بالحال دون المعطوف عليه، وهو أيضا غير جائز، لأنه مناف للقاعدة المقررة في العربية، وهي أن المعطوف في حكم المعطوف عليه، فثبت أن الوقف على قوله: «إلا الله» واجب. وإذا كان الوقف عليه واجبا فقد خاطبنا الله بما لا نفهمه وهو المهمل. قلت: لا يخفى ما في حذلقة الحشويين من براعة مبنية على المغالطة فهم يجيزون الخطاب بالمهمل، فإنه يجوز تخصيص المعطوف بالحال حيث لا لبس،

стр. 457

وهو كثير في القرآن. ومنه: «ووهبنا له إسحق ويعقوب نافلة» فإن «نافلة» حال من المعطوف فقط، وهو «يعقوب» لأن النافلة هو ولد الولد وإنما هو يعقوب دون إسحق. ما يقوله الرازي: واستدل الامام فخر الدين الرازي في مفاتيح الغيب على أن الوقف الصحيح على قوله «إلا الله» بستة أوجه، ملخص الثاني منها أن الآية دلت على أن طلب التأويل مذموم لقوله تعالى: «فأما الذين في قلوبهم زيغ» الى آخر الآية، ولو كان التأويل جائزا لما ذمّه الله. وملخص الرابع: أنه لو كانت الواو في قوله: «والراسخون» عاطفة لصار قوله: «يقولون آمنا به» ابتداء، وهو بعيد عند ذوي الفصاحة، بل كان الأولى أن يقولوا: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون: آمنا به، ولهذا كله أسغنا الوجهين. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٨ الى ١٠] رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) الإعراب: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا) الجملة مقول قول محذوف وربنا منادى مضاف ولا ناهية وهي هنا بمعنى الدعاء وتزغ فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل أنت وقلوبنا مفعول به والظرف الزماني متعلق بتزغ

стр. 458

وهو مضاف الى الظرف الذي هو إذ وإذ ظرف لما مضى من الزمن وجملة هديتنا في محل جر بالإضافة وقيل خرجت إذ عن الظرفية فهي بمعنى «أن» ولكن حكمها لم يتغير فهي ملازمة للإضافة إليها، وهو قول جميل (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) الواو عاطفة وهب فعل أمر ولنا جار ومجرور متعلقان بهب ومن لدنك جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال ولدن ظرف مبني على السكون في محل جر بمن والكاف مضاف إليه ورحمة مفعول به (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) الجملة تعليل للدعاء لا محل لها وإن واسمها، وأنت ضمير منفصل في محل رفع مبتدأ والوهاب خبر أنت والجملة الاسمية في محل رفع خبر إن ويجوز أن تعرب أنت ضمير فصل لا محل له والوهاب خبر إن (رَبَّنا إِنَّكَ جامِعُ النَّاسِ) ربنا منادى مضاف، وإن واسمها، وجامع الناس خبرها والجملة داخلة في حيز مقول القول (لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) الجار والمجرور متعلقان بجامع ولا نافية للجنس وريب اسمها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبرها. وجملة لا ريب فيه في محل جر صفة ليوم (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ) الجملة تعليلية للحكم فإنه في مقام التماس الإنعام وإن واسمها، وجملة لا يخلف الميعاد مفعول به بمعنى المصدر وهو الوعد، وقد قلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) الجملة مستأنفة وإن واسمها، وجملة كفروا صلة الموصول ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتغني فعل مضارع منصوب بلن والجملة خبر إن وعنهم متعلقان بتغني وأموالهم فاعل تغني ولا أولادهم عطف على أموالهم، ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة ل «شيئا» فلما تقدم أعرب حالا على القاعدة المشهورة، والتقدير لن تدفع عنهم الأموال

стр. 459

والأولاد شيئا من عذاب الله وشيئا مفعول به أو في موضع المصدر تقديره غنى، فيكون مفعولا مطلقا (وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتقرير عدم الإغناء، ولك أن تجعل الواو عاطفة والجملة معطوفة على خبر إن وأولئك اسم إشارة في محل رفع مبتدأ وهم مبتدأ ثان ووقود النار خبر «هم» والجملة الاسمية خبر اسم الإشارة، ويجوز أن يكون هم ضمير فصل ووقود النار خبر أولئك وقد تقدم تقريره كثيرا. الفوائد: (لدن ولدى) ظرفان للمكان والزّمان مبنيّان على السكون، والغالب في لدن أن تجر بمن كما في الآية، وإذا أضيفت إلى ياء المتكلم لزمتها نون الوقاية نحو لدني، وقد تترك هذه النون فيقال لدني. وتضاف إلى المفرد وإلى الجملة. وتقع بعد لدن «غدوة» فيجوز جر غدوة بالإضافة، ويجوز نصبها على التمييز، أو على أنها خبر كان المقدرة مع اسمها، أي: لدن كان الوقت غدوة. والفرق بين لدن ولدى أن لدن لا تقع عمدة في الكلام ولدي تقع، فلا يقال: لدنه علم، ولكن يقال لديه علم. [سورة آل عمران (٣) : آية ١١] كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (١١) اللغة: (الدأب) مصدر دأب في العمل من باب قطع إذا كدح فيه، غلب استعماله في العادة والشأن، ومنه قول امرئ القيس:

стр. 460

كدأبك من أم الحويرث قبلها ... وجارتها أمّ الرباب بمأسل الإعراب: (كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) الكاف اسم بمعنى مثل في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والتقدير دأب هؤلاء كدأب من قبلهم. ولك أن تجعل الكاف حرف جر فيكون الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لذلك المبتدأ المحذوف. ويجوز نصب محل الكاف ومدخولها على المفعولية المطلقة أو الحال وقد تقدم كثيرا. وآل مضاف إليه وفرعون مضاف إليه أيضا مجرور وعلامة جره الفتحة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) الواو حرف عطف على آل فرعون والجار والمجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة الموصول (كَذَّبُوا بِآياتِنا) فعل وفاعل وبآياتنا جار ومجرور متعلقان بكذبوا والجملة تفسيرية لا محل لها. ولك أن تعرب الواو استئنافية فيكون الذين مبتدأ خبره جملة كذبوا (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) الفاء عاطفة وأخذهم الله فعل ومفعول به وفاعل والجار والمجرور متعلقان بأخذهم فتكون الباء للسببية أو بمحذوف حال فتكون الباء للملابسة أي متلبسين بذنوبهم (وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ) جملة مستأنفة مسوقة لتقرير العقاب والواو استئنافية والله مبتدأ وشديد العقاب خبره. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٢] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ (١٢) الإعراب: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) جملة مستأنفة مسوقة للرد على اليهود الذين

стр. 461

ركبوا رؤوسهم بعد موقعة بدر وقالوا للنبي ﷺ الذي حاول حقنا لدمائهم أن يحذرهم من عواقب الغرور والطيش: لا تحسب أنّا أغما رأي غير مجربين على القتال. وقل فعل أمر وفاعله ضمير مستتر يعود على النبي ﷺ أي أنت. وللذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول (سَتُغْلَبُونَ) السين حرف استقبال وتغلبون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون والواو نائب فاعل والجملة في محل نصب مقول القول (وَتُحْشَرُونَ) الواو حرف عطف وجملة تحشرون معطوفة على ستغلبون داخلة في حيز القول (إِلى جَهَنَّمَ) الجار والمجرور متعلقان بيحشرون وجرت جهنم بالفتحة لأنها ممنوعة من الصرف للعلمية والتأنيث وسيأتي القول عنها في مكان آخر (وَبِئْسَ الْمِهادُ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على ما قبلها داخلة في حيز القول ويجوز أن تكون الواو استئنافية والجملة مسوقة لردعهم وتهويل جهنم لهم وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمهاد فاعل بئس والمخصوص بالذّم محذوف تقديره جهنم وإنما حذف لفهم المعنى. وفيه تأييد لمذهب سيبويه وهو إعراب المخصوص بالذّم أو المدح مبتدأ خبره الجملة قبله، ومذهب غيره أنه خبر لمبتدأ محذوف، ويرد عليه أنه يلزم من ذلك حذف الجملة برأسها من غير أن يبقى ما يدل عليها، وذلك لا يجوز حتما لأن حذف المفرد أهون من حذف الجملة. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٣] قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ (١٣)

стр. 462

اللغة: الفئة: الجماعة ولا واحد لها من لفظها وجمعها فئات وقد تجمع بالواو والنون جبرا لما نقص، وإنما سميت الجماعة فئة لأنه يفاء إليها، أي يرجع في وقت الشدة. وقال الزّجاج: الفئة: الفرقة، مأخوذ من قولهم: فأوت رأسه بالسيف أي قطعته. (العبرة) : الاتعاظ، يقال منه: اعتبر، وهو الاستدلال بشيء على شيء يشبهه، واشتقاقها من العبور وهو مجاوزة الشيء إلى الشيء، ومنه عبر النهر بفتح العين: وهو شطه، والمعبر السفينة، والعبارة يعبر بها إلى المخاطب بالمعاني، وعبرت الرؤيا مخففا ومثقلا نقلت ما عندك من علمها إلى الرّائي أو غيره ممن يجهل، وكان الاعتبار انتقالا من منزلة الجهل إلى منزلة العلم، ومنه العبرة بفتح العين وهي الدمع لأنها تجاوز العين. الإعراب: (قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ) الجملة داخلة في حيز القول السابق أي قل لليهود: ستغلبون وقل لهم: قد كان وقيل: هي عامة وإن الخطاب لجميع الكفار فتكون مستأنفة أو لجميع المؤمنين، والعبرة لا تختص بأحد، وقد حرف تحقيق وكان فعل ماض ناقص ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان المقدم وآية اسمها المؤخر (فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لآية وجملة التقتا صفة للفئتين والتاء تاء التأنيث الساكنة وحركت بالفتحة لمناسبة ألف الاثنين التي هي فاعل وقد كان ذلك اللقاء يوم بدر (فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فئة خبر لمبتدأ

стр. 463

محذوف أي إحداهما فئة ويجوز جر فئة على البدلية من فئتين وهي إحدى القراءات وجملة تقاتل صفة لفئة وفي سبيل الله متعلقان بتقاتل (وَأُخْرى كافِرَةٌ) الواو عاطفة وأخرى عطف على فئة وكافرة صفة فمن رفع الأول رفعه ومن جر الأول جرّه (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) جملة يرونهم نعت للفئة التي تقاتل في سبيل الله وهم النبي وصحابته، ويرونهم فعل وفاعل ومفعول به والرؤية بصرية أو بمثابتها لشدة الالتحام ومثليهم حال ورأي العين مفعول مطلق مؤكد لعامله (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يؤيد خبر وبنصره متعلقان بيؤيد ومن اسم موصول مفعول به وجملة يشاء لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ) الجملة مستأنفة مسوقة للحث على الاعتبار وإن حرف مشبه بالفعل وفي ذلك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم واللام المزحلقة وعبرة اسم إن المؤخر ولأولي جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة لعبرة وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والأبصار مضاف اليه. البلاغة: انطوت هذه الآية على أرفع الخصائص البيانية فمنها: ١- الاحتباك وهو الحذف من كلامين متقابلين وكل منهما يدل على المحذوف من الآخر ففي قوله تعالى: «فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة» حذف من الكلامين، وتقديره: فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله وفئة أخرى كافرة تقاتل في سبيل الشيطان. فحذف من الأول ما يفهم من الثاني، وحذف من الثاني ما يفهم من الأول.

стр. 464

٢- الكلام الموجه لأن المعنى إما أن يفهم منه شيء واحد لا يحتمل غيره وإما أن يحتمل منه الشيء وغيره، وتلك الغيرية إما أن تكون ضدا أو لا، وهذه الآية احتملت معنيين متغايرين، وتلك الغيرية ضد إذا احتملت رؤية الكثرة أن تكون للمسلمين أو للمشركين في وقت واحد، وليس هناك ما يرجح واحدا على الآخر لأن كلا منهما يصح إطلاقه في الآية. وقد ورد في الحديث من التوجيه قول النبي ﷺ «إذا لم تستح فاصنع ما شئت» وهذا يشتمل على معنيين متضادين أحدهما إن المراد به إذا لم تفعل فعلا تستحي منه فاصنع ما شئت، والآخر: أن المراد به إذا لم يكن لك حياء يزعك عن فعل ما يستحيا منه فافعل ما شئت. وهذان معنيان ضدان، أحدهما مدح والآخر ذمّ. المتنبي والكلام الموجه وقد رمق أبو الطيب المتنبي هذه السماء العالية واستغلها في مدائحه لكافور، حاكم الأخشيد في مصر، فقد كان مضطرا إلى مجاملته لتفادي المكروه إن جابهه بما يكنه من احتقار، فجنح إليه في أماديح ليكون ظاهرها المديح وباطنها الهجاء، فمن ذلك قوله فيه: وأظلم أهل الظلم من بات حاسدا ... لمن في نعمائه يتقلب وهذا البيت يحتمل معنيين ضدين أحدهما أن المنعم عليه يحسد المنعم، فيكون مدحا. وكذلك أورده ليوهم كافورا أنه يريد ذلك. وثانيهما أن المنعم يحسد المنعم عليه ليقرر حقيقة رسخت في هذا المخلوق الذي قذفت به المقادير ليكون ملكا فهو ينعم على الآخرين ثم ما يلبث أن يحسدهم على ما نالوه من نعمائه. وهذا من أعجب ما اتفق

стр. 465

في الشعر، وهو من خصائص هذا الشاعر العجيب. وكثيرا ما كان يجنح أبو الطيب إلى هذا اللون من الشعر في أماديحه لكافور، ومن ذلك قوله فيه من قصيدة مطلعها: عدوّك مذموم بكل لسان ... ولو كان من أعدائك القمران ثم قال فيه: ولله سر في علاك وإنما ... كلام العدا ضرب من الهذيان فما لك تعنى بالأسنة والقنا ... وجدك طعان بغير سنان أي دع أعداءك يقولوا ما أرادوا ويحدسوا في الأسباب التي جعلت منك ملكا فإن ذلك من أسرار الله في خلقه، يرفع الوضيع ويغني البليد ويرزق الفدم الغبي، ثم يقول له مخاطبا: إنك لم تبلغ ما بلغته بسعيك واهتمامك بل بحظك وسعدك، وهذا مما لا فضل فيه، ويستوي فيه الفدم وغير الفدم. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٤] زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) اللغة: (القناطير) جمع قنطار، مأخوذ من قنطر الشيء إذا أحكه وهو هنا يعني المال الكثير. والقنطار يختلف مع الأيام والبلاد، وقد اختلف علماء اللغة في نونه فقال فريق: إنها أصلية، وإن وزنه

стр. 466

فعلال كقرطاس، وقيل: إنها زائدة وإن وزنه على فنعال. وقد خبط فيه صاحب المنجد خبطا عجيبا. (الْمُسَوَّمَةِ) وصف للخيل أي المعلمة بعلامة تعرف بها، والخيل فيه قولان: أحدهما أنه جمع لا واحد له من لفظه بل مفرده فرس، والثاني أن واحده خائل فهو نظير راكب وركب وتاجر وتجر وطائر وطير، وسيبويه يدرجه مع قوم ورهط ونساء، ويجعله اسم جمع، وغيره يجعله جمع تكسير. واشتقاق الخيل إما من الاختيال وهو العجب، سميت بذلك لاختيالها في مشيتها، والثاني من التخيل، لأنها تتخيل في صورة هي أعظم منها. (الْأَنْعامِ) جمع نعم بفتحتين، والنعم اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو يذكر ويؤنث، ويطلق على الإبل والبقر والغنم. وسيرد المزيد من بحثه في سورة الأنعام. (الْمَآبِ) يصح أن يكون مصدرا صحيحا أو اسما للمكان أو الزمان، وهو على كل حال مفعل بفتح العين من آب يئوب أي رجع، وأصله مأوب، فنقلت حركة الواو إلى الهمزة الساكنة قبلها فقلبت الواو ألفا. الإعراب: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ) كلام مستأنف لا محل له مسوق لبيان حقارة أعراض الدنيا. زين فعل ماض مبني للمجهول وللناس جار ومجرور متعلقان ب «زين» وحب الشهوات نائب فاعل (مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ) من بيانية وهي مع مجرورها متعلقان بمحذوف حال والبنين: الواو عاطفة والبنين معطوف على النساء مجرور وعلامة جره الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم والمقنطرة صفة للقناطير

стр. 467

(مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ) من بيانية أيضا وهي ومجرورها متعلقان بمحذوف حال وما بعده عطف عليه (ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا) اسم الإشارة مبتدأ ومتاع الحياة خبر والدنيا صفة والجملة مستأنفة أيضا مسوقة لبيان حقارة ذلك كله لأنه فان لا يبقى (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) الواو استئنافية وما بعدها كلام مستأنف مسوق للدلالة على أنه ليس فيما عدد من ظواهر النعمة خير ولا ينفع، والله مبتدأ والظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم وحسن المآب مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر «الله» . البلاغة: في الآية فن مراعاة النظير، وهو أن يجمع الشاعر أو الناثر بين أمر وما يناسبه مع إلغاء ذكر التضاد لتخرج المقابلة والمطابقة، وقد جمع سبحانه في هذه الآية معظم وسائل النعيم الآيلة بالمرء إلى الانهماك في الفتنة والانسياق مع دواعي النفوس الجموح، وقد زينت للناس واستهوتهم بالتعاجيب والمفاتن، ابتلاء لهم. وللمتكلمين مناظرات وجولات حول تزيين هذه الشهوات، والمزين لها، ويشتجر الخلاف بين أهل السنة وأهل الاعتزال، مما لا سبيل إلى ذكره لأنه خارج عن نطاق كتابنا، ولكننا نجتزي بالإلماع إليه، ليرجع من يشاء إلى المظان المعروفة. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٥] قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (١٥)

стр. 468

الإعراب: (قُلْ) : فعل أمر وفاعله أنت، أي: يا محمد، والكلام مستأنف مسوق لتقرير وتحقيق الخير لما عند الله وأفضليته على شهوات الدنيا (أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ) الهمزة للاستفهام التقريري وأنبئ فعل مضارع مرفوع والفاعل ضمير مستتر تقديره أنا والكاف مفعول به وبخير جار ومجرور متعلقان بأنبئكم على أنه ناب مناب المفعول الثاني كما سيأتي في باب الفوائد ، ومن ذلك جار ومجرور متعلقان بخير والإشارة إلى أنواع الشهوات الآنفة الذكر. وجملة الاستفهام في محل نصب مقول القول (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم وجملة اتقوا لا محل لها لأنها صلة الموصول وعند ربهم ظرف متعلق بمحذوف حال من جنات لأنه كان في الأصل صفة لها فلما تقدم عليها أعرب حالا. وجنات مبتدأ مؤخر. ولك أن تعلق الظرف بما تعلق به «للذين» من الاستقرار لأنه من جملة الخير، ولك أن تجعل الكلام موصولا فلا تقف عند ذلكم وعندئذ يكون للذين نعتا للخير وجنات خبر لمبتدأ محذوف (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الجملة صفة لجنات والأنهار فاعل تجري ومن تحتها متعلقان بتجري (خالِدِينَ فِيها) حال من الذين اتقوا وفيها جار ومجرور متعلقان بخالدين (وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ) أزواج عطف على جنات ومطهرة نعت لأزواج (وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ) عطف على جنات أيضا (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) الواو استئنافية والله مبتدأ وبصير خبر وبالعباد متعلقان ببصير. الفوائد: (أنبأ ونبأ) فعلان يتعديان إلى ثلاثة مفاعيل إذا كانا بمعنى العلم.

стр. 469

وأما في الآية فهو بمعنى الاخبار، فيتعديان لاثنين فقط. والحقيقة أن الذي يتعدى لثلاثة مفاعيل فعلان، وهما أرى وأعلم، أما الخمسة الباقية وهي أخبر وخبّر وأنبأ ونبأ وحدث فقد ألحقت في بعض استعمالاتها بأعلم المتعدية إلى ثلاثة مفاعيل، ومنه قول الحارث بن حلزة اليشكريّ: إن منعتم ما تسألون فمن حدّ ... ثتموه له علينا العلاء فهو شاهد على أنه متعد لثلاثة مفاعيل، فالتاء هي المفعول الأول والميم علامة جمع الذكور والواو لإشباع ضمة الميم والهاء هي المفعول الثاني وجملة له علينا العلاء جملة اسمية في موضع المفعول الثالث فافهم ذلك جيدا لأنه عزيز المنال. هذا وتستعمل هذه الأفعال الخمسة متعدية لواحد بأنفسها وإلى مضمون الثاني والثالث بالباء نحو حدثتك بأمر. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ١٦ الى ١٨] الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَقِنا عَذابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) اللغة: (الأسحار) جمع سحر كفرس وأفراس: أواخر الليل، وسميت بذلك لما فيها من الخفاء. والسّحر: وقت إدبار الليل وإقبال النهار فهو متنفّس الصبح. واختلف أهل اللغة في تحديده بالضبط فقال الزّجاج وجماعته: إنه الوقت قبل طلوع الفجر، وقال الرّاغب في مفرداته:

стр. 470

السحر اختلاط ظلام آخر الليل بضياء النهار، ثم جعل اسما لذلك الوقت. وأما السّحر بسكونه فهو منتهى قصبة الحلقوم. ومنه قول عائشة ﵂: «قبض رسول الله ﷺ بين سحري ونحري» . ومن مجاز العرب قولهم: انتفخت مساحره، إذا ملّ وجبن. (القسط) : العدل. يقال أقسط أي عدل، وقسط أي جار، فهو مدح في الرباعي وذم في الثلاثي. الإعراب: (الَّذِينَ يَقُولُونَ) اسم الموصول يجوز فيه الرفع على إنه خبر لمبتدأ محذوف أي: هم الذين، والنصب على المدح بفعل محذوف أي أمدح الذين، والجرّ على أنه بدل من اسم الموصول في الآية السابقة أو نعت له يقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والجملة صلة (رَبَّنا إِنَّنا آمَنَّا) الجملة مقول القول وربنا منادى محذوف منه حرف النداء، وإن واسمها وجملة آمنا خبرها (فَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا) الفاء للتعليل، لأن الإيمان علة الغفران واغفر فعل أمر للدعاء ولنا متعلقان به وذنوبنا مفعول به (وَقِنا عَذابَ النَّارِ) الواو حرف عطف وق فعل أمر للدعاء مبني على حذف حرف العلة وحذفت واو المثال كما هي القاعدة، والفاعل أنت ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به أول وعذاب النار مفعول به ثان (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ) الصابرين منصوب على المدح بفعل محذوف وما بعده عطف عليه، وهي في الأصل صفات قطعت عن الوصفية بتوسط واو العطف بينها للدلالة على انفرادهم بأنواع الكمالات كما سيأتي في باب البلاغة والجملة استئنافية (شَهِدَ اللَّهُ) فعل وفاعل والجملة مستأنفة

стр. 471

مسوقة لتعداد أصول الدين وفضائله وقد وردت فيها أحاديث كثيرة (أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) أن وما بعدها في موضع نصب بنزع الخافض أي بأنه، والجار وما بعده متعلقان بشهد وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة فجدد به عهدا (وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ) الواو حرف عطف والملائكة عطف على الله وأولو العلم عطف أيضا. ورفع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم (قائِماً بِالْقِسْطِ) حال لازمة من الله أو من الضمير المنفصل الواقع بعد إلا، ولعله أولى. وجاز مجيء الحال بعد معطوفين لأمن الالتباس، فلو لم يؤمن الالتباس لم يجز مجيء الحال، نحو جاء عليّ وخالد ضاحكا لعدم العلم بمن هو الضاحك. وواضح أن القيام بالقسط من خصائص الله تعالى فيكون بمثابة التتمة لكمال الأفعال بعد كمال الذات. وهنا بحث هام سيأتي في باب الفوائد (لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) تقدم إعرابها (الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) خبران لمبتدأ محذوف تقديره هو ولك أن تعربهما بدلين من «هو» . البلاغة: ١- في دخول الواو على الصفات مع أن الموصوف واحد تفخيم للموصوف لأنه إيذان بأن كل صفة مستقلة بمدح الموصوف ثم إن الموصوف ليس واحدا كما يبدو للنظرة العجلى. ٢- وفي الآية الأخيرة رد العجز على الصدر، فقد رد «العزيز» إلى تفرده بالوحدانية التي تقتضي العزة، ورد «الحكيم» إلى العدل الذي هو القسط، فهو تعالى حكيم لا يتحيفه جور أو انحراف. الفوائد: ١- المثال الذي فاؤه حرف علة إذا بني منه فعل أمر حذفت واوه

стр. 472

أو ياؤه، فتقول في وعد: عد فإذا كان لفيفا مفروقا أي إذا كانت فاؤه ولامه حرفي علة أصبح على حرف واحد لأن الحرفين يحذفان، فتقول في وعي: ع، وفي وقى ق وفي وفى ف وفي وأى إ وعلى هذا يتخرج اللغز المشهور الذي يتندر به صغار المعربين وهو: إن هند المليحة الحسناء ... وأي من أضمرت لخل وفاء وإيضاحه كما يلي: إن: فعل أمر مبني على حذف حرف العلة والنون نون التوكيد الثقيلة، ومعنى إ: عد، وفعله وأى، أي عدي يا هند وعد امرأة أضمرت الوفاء لخلها. وهند منادى مفرد علم محذوف منه حرف النداء مبني على الضم والمليحة نعت على اللفظ والحسناء نعت ثان لهند على المعنى ووأي مفعول مطلق. وإنما نبهنا إلى إعرابه لنبين أنّ للنحاة المتأخرين أمورا متكلفة يجدر بنا اجتنابها لأنها تفسد الذوق وتعطل الملكة الفنية وهي أشبه بالأعيب. ٣- الأصل في الحال أن تكون متنقلة لا ثابته، وتقع وصفا ثابتا في ثلاث مسائل: آ- أن تكون مؤكدة لمضمون جملة قبلها، نحو: زيد أبوك عطوفا، فإن الأبوة من شأنها العطف، وذلك مستفاد من مضمون الجملة. أو لعاملها نحو «ويوم أبعث حيا» فإن البعث من لازمه الحياة فمعناها مستفاد من دون ذكرها. ب- أن يدل عاملها على تجديد ذات صاحبها وحدوثه أو تجدد صفة له، فالأول نحو قولهم: «خلق الله الزرافة يديها أطول من رجليها» فيديها بدل من الزرافة بدل بعض من كل، وأطول حال ملازمة من يديها ومن رجليها متعلقان بأطول لأنه اسم تفضيل، وعامل الحال خلق،

стр. 473

والثاني نحو قوله تعالى «وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا» فالكتاب قديم والإنزال حادث، أي محدث النزول لا الوجود. ج- أن يكون مرجعها إلى السماع نحو «قائما بالقسط» . على أن بعضهم أعرب «قائما» بأنه نصب على المدح كما في قول امرئ القيس: إذا قلت: هاتي نوليني تمايلت ... عليّ هضيم الكشح ريا المخلخل فهضيم نصب بتقدير أمدح لا حال، لأنها صفة لازمة. بقي الاعتذار عن جهة تأخيره عن المعطوفين فقال التفتازاني كأنها للدلالة على علو مرتبتهما، أي الملائكة وأولي العلم حيث قرنا به تعالى من غير فاصل، فتنبه لهذا الفصل، فله على الفصول الفضل. [سورة آل عمران (٣) : آية ١٩] إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ (١٩) الإعراب: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ) الجملة مستأنفة مؤكدة للأولى وإن واسمها، وعند الله ظرف مكان متعلق بمحذوف حال والإسلام خبر إن. وقد اعترض أبو البقاء على مجيء الحال بعد إن، وهو اعتراض مردود، لأنهم جوزوا في «ليت» وفي «كأن» وفي هاء التنبيه أن تعمل في الحال، لما تضمنت هذه الأحرف من معاني التمني والتشبيه والتنبيه، وإن للتأكيد فلتعمل في الحال أيضا فلا تتقاعد عن «ها»

стр. 474

التي للتنبيه، بل هي أولى منها، وذلك أنها عاملة، و «ها» التي للتنبيه ليست عاملة فهي أقرب لشبه الفعل من «ها» ، ولك أن تجعلها حالا من الدين أي كائنا وثابتا عند الله. والإسلام خبر إن (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان سبب الاختلاف وما نافية واختلف الذين فعل وفاعل وجملة أوتوا صلة الموصول وأوتوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول والكتاب مفعول به ثان (إِلَّا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْعِلْمُ) إلا أداة حصر ومن بعد جار ومجرور متعلقان باختلف وما مصدرية مؤولة مع ما بعدها بمصدر في محل جر بالإضافة أي من بعد مجيء العلم لهم وجاءهم فعل ومفعول به والعلم فاعله (بَغْياً بَيْنَهُمْ) مفعول لأجله وبينهم ظرف مكان متعلق بمحذوف صفة (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآياتِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويكفر فعل الشرط وبآيات الله جار ومجرور متعلقان بيكفر (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ) الفاء رابطة لجواب الشرط وإن واسمها، وسريع الحساب خبرها والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من» . البلاغة: اشتملت هذه الآية على ضروب من المبالغات في ذم اليهود، وذلك على النحو التالي: آ- وصفهم بأنهم أهل الكتاب، والاختلاف بحد ذاته قبيح، ولكنه بعد إتيان الكتاب والعلم بنواجمه أقبح. ب- ثم ترقى في المبالغة فوصفهم بأنهم بعد أن أوتوا كتابا

стр. 475

جاءهم علم آخر يوضح لهم طريق الصواب، ولكن طبيعة اللجاج المركوزة في نفوسهم أبت إلا التمادي في الضلال وركوب متن الشطط فكان القبح أزيد. ج- ثم ترقى مرة أخرى في المبالغة فجعل الاختلاف بعد ظهور العلم لديهم مرتين متتاليتين لم يكن إلا بغيا منهم وهذا ما تعالمه الناس منهم واشتهروا به إلى اليوم، وبذلك استوفت المبالغة غايتها فسبحان المتفرّد بالبيان. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٠] فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ (٢٠) اللغة: (حَاجُّوكَ) : خاصموك يقال: حاجّه حجاجا ومحاجّة أي خاصمه وجادله. الإعراب: (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ) الفاء استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لتضيق الخناق على اليهود الذين أخذوا يحرجون النبي فيكيدون له وإن شرطية وحاجوك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والواو فاعل والكاف مفعول به والفاء رابطة وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ

стр. 476

لِلَّهِ) الجملة في محل نصب مقول القول وأسلمت فعل وفاعل ووجهي مفعول به والجار والمجرور متعلقان بأسلمت (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) الواو للعطف أو للمعية ومن اسم موصول معطوف على التاء في أسلمت أو مفعول معه وجملة اتبعن صلة الموصول، والنون للوقاية وقد حذفت ياء المتكلم وقفا ووصلا موافقة للرسم. والذي حسن ذلك أنها فاصلة ورأس آية. وسيرد أمثالها مثل أكرمن وأهانن. وقال بعض النحاة: حذفت مع نون الوقاية خاصة، فإن لم تكن هناك نون فالكثير إثباتها. على أن هذه الياء أثبتت في بعض القراءات السبع. (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ) الواو عاطفة وقل فعل أمر وللذين جار ومجرور متعلقان بقل وجملة أوتوا الكتاب صلة والواو نائب فاعل والكتاب مفعول به ثان (وَالْأُمِّيِّينَ) عطف على الذين أوتوا الكتاب وعلامة جره الياء لأنه جمع مذكر سالم، والمراد بهم مشركو العرب، وإن كانوا يكتبون ويقرؤون، لأنه لم ينزل عليهم كتاب بعد (أَأَسْلَمْتُمْ) الجملة الاستفهامية في محل نصب مقول القول ومعنى الاستفهام التنديد والتعبير كما سيأتي في البلاغة (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا) الفاء استئنافية وإن شرطية وأسلموا فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وقد حرف تحقيق واهتدوا فعل ماض مبني على الضم المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين والواو فاعل والجملة المقترنة في محل جزم جواب الشرط (وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) الجملة معطوفة على الجملة الأولى وإنما كافة ومكفوفة وعليك جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والبلاغ مبتدأ مؤخر والجملة في محل جزم جواب

стр. 477

الشرط (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) الواو استئنافية والله مبتدأ بصير خبر وبالعباد متعلقان ببصير. البلاغة: ١- المجاز المرسل في قوله: أسلمت وجهي تعبيرا عن الكل بأشرف أعضائه وهو الوجه، والعلاقة هنا الكلية. ٢- الاستفهام في قوله: «أأسلمتم» معناه التنديد والتعبير، كأنما قد أفرغ جهده في مناصحتهم، ولم يترك وسيلة إلا تشبث بها لإفهامهم، ولكنهم لم يفهموا. وفي هذا الضرب من الاستفهام استركاك لعقولهم وامتهان لأفهامهم، فكأنما أصبحت الحجج عندهم كلا حجج. وأصبحت البراهين أضيع ما يكون لديهم، فلم يبق أمامه سوى أن يسألهم منددا: أأسلمتم بعد هذا كله؟ أم لا يجدي الضرب على الحديد البارد؟ [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢١ الى ٢٢] إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٢١) أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (٢٢) اللغة: (حَبِطَتْ) : ذهبت سدى وفسدت، وهو من مجاز اللغة. والأصل في الحبوط أو الحبط بالسكون أن تأكل الماشية خضرة فتستوبلها وتهلك. ومنه حبط دم القتيل بكسر الباء أي هدر وبطل.

стр. 478

الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للحديث عن اليهود الذين كانوا في زمن النبي ﷺ ، فقد قتل آباؤهم الأنبياء من قبل، وهم اليوم يحاولون التشبه بآبائهم الأولين، ويرضون بفعلهم، فيتحينون الفرص لقتل النبي ﷺ ، ولكن الله أحبط أعمالهم. وإن واسمها، وجملة يكفرون صلة الموصول والجار والمجرور متعلقان بيكفرون (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) الواو عاطفة ويقتلون فعل مضارع معطوف على يكفرون والنبيين مفعول به منصوب بالياء وبغير حق جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي ظالمين، وإنما قيد القتل. وقتل النبيين لا يكون إلا كذلك، زيادة في التشنيع عليهم (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) عطف على ما تقدم ومن الناس جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أي كائنين منهم (فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ) الفاء واقعة في جواب الموصول لما فيه من رائحة الشرط، ودخول إن على الموصول لا يؤثر في خبريته فالجملة خبر إن لأن المعنى لم يتغير بل ازداد تأكيدا وذلك شائع في القرآن وفي الشعر العربي، قال: فو الله ما فارقتكم قاليا لكم ... ولكن ما يقضى فسوف يكون ولكن إذا دخلت ليت أو لعل على «الذي» امتنع دخول الفاء لنسخ الخبرية، وتحول الكلام إلى إنشاء لا يحتمل الصدق والكذب كما هو مقرر في علم المعاني، وسيأتي في باب الفوائد بحث هام في أسرار الحروف. وبشرهم فعل أمر والهاء مفعول به والفاعل أنت وبعذاب متعلقان ببشرهم وأليم صفة والجملة المقترنة بالفاء في محل رفع خبر إن

стр. 479

(أُولئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) الجملة مفسرة للذين يقتلون لا محل لها وأولئك مبتدأ والذين خبر وجملة حبطت أعمالهم صلة الموصول والجار والمجرور متعلقان بحبطت (وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ) الواو عاطفة وما نافية ولهم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم ومن حرف جر زائد لفظا وناصرين مجرور لفظا مرفوع محلا لأنه مبتدأ مؤخر. الفوائد: جرى النحاة والمعربون على القول بزيادة بعض الحروف، ولا يعنون بزيادتها أنها جاءت لغوا أو عبثا وإنما هي عندهم زائدة للتأكيد ولكننا نريد أن نميط اللثام عن شيء غفل عنه هؤلاء جميعا، ورددوه وهم لا يكتنهون فحواه حتى صار من المقولات البديهية، وقد مر بك حتى الآن وسيمر معك الكثير من الأحرف التي قالوا بزيادتها، ومع ذلك قصروا عملها على الشكل دون المعنى، فقوله: «وما لهم من ناصرين» لا غنى عن إيراد «من» الزائدة لفظا فالخبر بطبيعته وفي أصل وضعه اللغوي يحتمل الصدق والكذب، و «من» هي التي نقلته من أصل وضعه الأول إلى دلالة النفي الباتّ والإنكار الحاسم، وسيطالع القارئ في كتابنا ما يذهله من أسرار هذه الحروف التي يمر النحاة بها مرورا سريعا، فهم يقولون بزيادتها ويتركون الطالب في مهامة الحيرة، لأن كتاب الله لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٣ الى ٢٤] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)

стр. 480

الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق للتعجب من حالهم وسوء صنيعهم والهمزة للاستفهام التعجبيّ ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل أنت وإلى الذين متعلقان ب «تر» والرؤية هنا بصرية، وجملة أوتوا صلة الموصول والواو نائب فاعل ونصيبا مفعول به ثان ومن الكتاب متعلقان بمحذوف صفة لنصيبا (يُدْعَوْنَ إِلى كِتابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ) جملة يدعون حاليّة ويدعون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وإلى كتاب الله جار ومجرور متعلقان بيدعون وليحكم اللام للتعليل ويحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيدعون وبينهم ظرف مكان متعلق بيحكم (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ويتولى فعل مضارع مرفوع والفريق فاعل والجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة (وَهُمْ مُعْرِضُونَ) الواو حالية وهم مبتدأ ومعرضون خبر والجملة في محل نصب على الحال (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا) ذلك مبتدأ والجملة استئنافية والإشارة إلى التولي عن مجلس النبي ﷺ وبأنهم الباء حرف جر وإن مع مدخولها في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر أي ذلك التولّي بسبب قولهم وجملة قالوا خبر إن (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُوداتٍ)

стр. 481

الجملة في محل نصب مقول قولهم ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتمسنا فعل مضارع منصوب بلن ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به والنار فاعل تمسنا وإلا أداة حصر وأياما ظرف متعلق بتمسنا ومعدودات صفة وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ) الواو عاطفة وغرهم فعل ومفعول به وفي دينهم متعلقان بغرهم وما اسم موصول في محل رفع فاعل وجملة كانوا يفترون صلة الموصول وكان واسمها وجملة يفترون خبرها. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٢٥ الى ٢٧] فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٢٥) قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦) تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ (٢٧) اللغة: (تُولِجُ) تدخل، من أولج الشيء أدخله. وولج يلج من باب وعد ولوجا، ولجة: دخل. الإعراب: (فَكَيْفَ إِذا جَمَعْناهُمْ) هذا التركيب من المشكلات ويتلخّص من الأوجه التي أوردها المعربون، وجهان جديران بالاعتبار:

стр. 482

١- كيف اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم والمبتدأ محذوف تقديره حالهم، وتكون جملة قائمة بذاتها، وكيف عندئذ لا يستغنى عنها، كما مر في قاعدة كيف. ٢- كيف اسم استفهام في محل نصب حال من فعل محذوف هو جراب إذا، أي استقرت. وإذا على الوجه الأول متعلقة بالاستقرار الذي تعلقت به «كيف» و «إذا» غير متضمنة معنى الشرط، بل هي للظرفية المحضة، وعلى الوجه الثاني هي ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلقة بالجواب المحذوف وهو استقرت. وعلى هذا الوجه يتخرج البيت المشهور: أشوقا ولمّا يمض لي غير ليلة ... فكيف إذا جد المطي بنا عشرا وقد رجح ابن هشام وأبو البقاء الحالية. ونحن نرى الوجه الأول أبعد عن التكلف، لأننا لا نرى أثرا للشرطية في «إذا» بهذا التركيب العجيب، فتأمل. وجملة جمعناهم في جر بالإضافة والفاء الداخلة على كيف استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لإبطال ما غرهم ولتهويل ما سيحيق بهم من الأهوال (لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) الجار والمجرور متعلقان بجمعناهم ولا نافية للجنس وريب اسمها مبني على الفتح في محل نصب وفيه متعلقان بمحذوف خبرها وجملة لا ريب فيه في محل جر صفة ليوم (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ) الواو عاطفة ووفيت فعل ماض مبني للمجهول وكل نفس نائب فاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة كسبت صلة الموصول (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ) الواو حالية وهم مبتدأ ولا نافية ويظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وجملة لا يظلمون في محل رفع خبرهم والجملة الاسمية المقترنة بالواو في محل نصب على الحال (قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ) كلام مستأنف مسوق للرد

стр. 483

على المنافقين الذين لم يصدقوا قوله: إن أمتي ظاهرة. وقل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت واللهم: منادى مفرد علم والميم المشددة عوض عن «يا» لا محل لها ومالك الملك منادى ثان حذف منه حرف النداء أي يا مالك الملك، وإنما لم يجعل نعتا لأن الميم المشددة تمنع التبعية كما قرر سيبويه إذ قال: «إن الميم أخرجت هذه اللفظة عن نظائرها من الأسماء» . قال ابن يعيش: «واعلم أن سيبويه لا يرى نعت «اللهم» لأنه لفظ لا يقع إلا في النداء، فهو لا ينعت» . وخالفه أبو العباس المبرد واستدل بقوله تعالى: «اللهم فاطر السموات والأرض» . سيبويه يحمل فاطر السموات على أنه نداء ثان لا نعت، وقال المبرد: إن الميم بدل من «يا» والمنادى مع «يا» لا يمتنع وصفه، فكذا مع ما هو عوض عنها (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشاءُ) لك أن تجعل هذه الجملة حالية من المنادى لأنه بمثابة المفعول به وتؤتي فعل مضارع فاعله مستتر تقديره أنت والملك مفعول به أول ومن اسم موصول مفعول به ثان وجملة تشاء صلة الموصول (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشاءُ) عطف على ما تقدم (وَتُعِزُّ مَنْ تَشاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشاءُ) عطف أيضا (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والخير مبتدأ مؤخر والجملة حالية أيضا (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) جملة مستأنفة بمثابة التعليل لما تقدم (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ) الجملة حالية أيضا (وَتُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ) عطف على الجملة الآنفة (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) عطف أيضا (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) عطف أيضا ومن اسم موصول في محل نصب مفعول به وجملة تشاء صلة والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال من فاعل ترزق. البلاغة: ١- الاستعارة التصريحية إذ أراد بالحي والميت المسلم والكافر،

стр. 484

فقد حذف المشبه وأبقى المشبه به. وإذا أراد النطفة والبيضة كان الكلام جاريا على جانب الحقيقة، لا على جانب المجاز. ٢- الاكتفاء في قوله: «بيدك الخير» فاقتصر على الخير من باب الاكتفاء بالمقابل أي والشر، كقوله تعالى: «سرابيل تقيكم الحر» أي والبرد، ولأن الخير هو المرغوب فيه. ٣- المقابلة فقد طابق بين «تؤتي وتنزع» وبين «تغر وتذل» وبين «الليل والنهار» وبين «الحي والميت» . ٤- وخرج بالاستفهام عن معناه الحقيقي بقوله: «فكيف» إلى معنى التهويل واستفظاع ما أعد الله لهم في يوم عصيب تحار فيه الأبصار والبصائر، وتشخص فيه القلوب والضمائر. الفوائد: (اللَّهُمَّ) قد تخرج عند النداء المحض فيكون لها معنيان: آ- أن يذكرها المجيب تمكينا للجواب في نفس السامع، فإذا حدثك أحد بشيء قلت: اللهم نعم. ب- أن تستعمل للدلالة على الندرة وقلة وقوع المذكور معها، كقولك لمن كان متكاسلا: إنك ناجح اللهم، إن بذلت مجهودا أكبر، وقد علمت أنه غير باذل أي مجهود، أو إن ذلك مستبعد منه، وعلى هذا يخطىء كتابنا في استعمالها قبل إلا. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٨] لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)

стр. 485

اللغة: (تُقاةً) أصلها وقية بضم الواو، فأبدلت الواو تاء والياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها، فهي مصدر تقية كرمية. الإعراب: (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) كلام مستأنف مسوق للنهي عن موالاتهم، كما نشاهد اليوم. ولا ناهية يتخذ فعل مضارع مجزوم بلا، المؤمنون فاعل والكافرين مفعول به أول وأولياء مفعول به ثان ومن دون المؤمنين متعلقان بمحذوف حال من الفاعل، أي: حال كون المؤمنين متجاوزين موالاة المؤمنين، أو من المفعول أي حال كون الكافرين ناصرين من دون المؤمنين (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) الواو اعتراضية والجملة كلها اعتراضية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويفعل فعل الشرط مجزوم وذلك اسم اشارة في محل نصب مفعول به الفاء رابطة لجواب الشرط وليس فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر يعود على «من» . ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة الشيء فلما تقدم أعرب حالا، وفي شيء: متعلقان بمحذوف خبر ليس (إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقاةً) إلا أداة حصر وأن وما في حيزها مصدر منصوب بنزع الخافض والجار والمجرور في موضع نصب مفعول لأجله، والمعنى لا يتخذ المؤمن الكافر وليا لأمر من الأمور إلا للتقية، ومنهم متعلقان بتتقوا، وتقاة منصوب على المفعولية المطلقة والمعنى تتقوا اتقاء، والمصادر يتناوب بعضها بعضا، ويجوز أن يكون مفعولا به على تضمين «تتقوا» معنى الخوف أي إلا أن تخافوا من جهتهم أمرا يجب اتقاؤه (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) الواو

стр. 486

استئنافية ويحذركم فعل مضارع والكاف مفعول به والله فاعل ونفسه مفعول به ثان ليحذركم لأنه في الأصل يتعدى لواحد فازداد بالتضعيف آخر (وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) الواو استئنافية والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم والمصير مبتدأ مؤخر. البلاغة: أ- في هذه الآية التفات بديع من الغيبة إلى الخطاب، ولو جرى على سنن الكلام لقال: إلا أن يتقوا. ولكنه عدل عن الغيبة والخطاب لسر كأنه أخذة السحر. فإن موالاة الكفار والأعداء وكل من يتآمر على سلامة الأوطان أمر مستسمج مستقبح. ينكره الطبع ولا يليق أن يواجه به الأصفياء والأولياء، فجاء به غائبا كأنه يرسم لهم خطا بيانيا. على أن هذا إنما يكون فيما لا ضرر فيه، ولكن التآمر على الكيان، وسلامة أرواح المؤمنين، ولكن التقية لا تجوز مع الأعداء الذين لا هم لهم سوى اغتصاب الأرض وامتصاص الطاقات فهؤلاء لا تسوغ معهم مهادنة، ولا يجوز بحال عقد أي عهد معهم، لأنهم لا يعتمون أن ينقضوه. وقد يستغلونه للانقضاض على من اطمأنوا إليهم وركنوا إلى عهودهم، على حد قولي: أيّ شأن العهود قطعت ... ثم أضحت ترهات بعد حين لا تغرنك قصاصات غدت ... شركا ينصب للمستضعفين حذار من العدو- لمحة تاريخية: وهنا يجدر بنا أن نأتي على ما يرويه التاريخ بصدد نزول هذه

стр. 487

الآية، فقد روي أن جماعة من المسلمين كانوا يوادّون اليهود، فأنزل الله هذه الآية، ناهيا عن الاسترسال في ذلك. وقيل: إنّ عبادة بن الصامت كان له حلفاء من اليهود، فقال يوم الأحزاب: يا رسول الله إن معي خمسمائة من اليهود، وقد رأيت أن أستظهر بهم على العدو. فنزلت هذه الآية، إذ لا تتفق موالاة الوليّ وموالاة العدو في وقت واحد قال: تود عدوي ثم تزعم أنني ... صديقك ليس النّوك عنك بعازب ٢- المشاكلة في قوله تعالى: «ويحذركم الله نفسه» . وإطلاق ذلك عليه جائز في المشاكلة كقوله أيضا: «تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك» . وقيل: الكلام مجاز مرسل معناه: ويحذركم الله عقابه، مثل «واسأل القرية» مجاز مرسل، فجعلت النفس في موضع الإضمار، وفي ذلك تهديد شديد وتخويف عظيم لعباده أن يتعرضوا لعقابه بموالاة أعدائه. [سورة آل عمران (٣) : آية ٢٩] قُلْ إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩) الإعراب: (قُلْ: إِنْ تُخْفُوا ما فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ) كلام مستأنف مسوق ليكون بيانا لقوله: «ويحذركم الله نفسه» وقل فعل أمر فاعله ضمير مستتر تقديره أنت وإن شرطية وتخفوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وما اسم موصول في محل نصب مفعول به وفي صدوركم: جار ومجرور متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة ما،

стр. 488

وأو حرف عطف وتبدوه معطوف على تخفوا وجملة الشرط وجوابه الآتي في محل نصب مقول القول (يَعْلَمْهُ اللَّهُ) جواب الشرط والهاء مفعول به والله فاعل (وَيَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو استئنافية ويعلم فعل مضارع مرفوع وفاعله هو يعود على الله، وإنما جيء به مستأنفا لا معطوفا لأن علم الله تعالى غير متوقف على شرط، فهو من باب ذكر العام بعد الخاص. والأحسن أن يقدر مبتدأ محذوف فتكون جملة «يعلم» خبره والتقدير: وهو يعلم، والجملة بعد الواو مستأنفة لا محل لها، وما مفعول به وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة ما، وما في الأرض عطف على «ما في السموات» (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بمحذوف بقدير وقدير خبر الله. [سورة آل عمران (٣) : آية ٣٠] يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ (٣٠) اللغة: (الأمد) : الغاية والمنتهى، والفرق بينه وبين الأبد أن الأمد مدة من الزمن محدودة، وإن يكن الحدّ مجهولا، أما الأبد فهو مدة من الزمن غير محدودة. الإعراب: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً) يوم ظرف متعلق تقديره:

стр. 489

«اذكر» وجملة تجد في محل جر بالإضافة، «وتجد» يجوز أن تكون بمعنى تصادف وتصيب فتتعدى لواحد ويجوز أن تكون بمعنى تعلم فتتعدى لاثنين، وكل نفس فاعل تجد وما اسم موصول مفعول به وجملة عملت صلة والعائد محذوف أي عملته ومن خير متعلقان بمحذوف حال ومحضرا حال على الأول ومفعول به ثان على الثاني، والجملة كلها مستأنفة لا محل لها (وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) الواو استئنافية وما اسم موصول مبتدأ وجملة عملت صلة ومن سوء متعلقان بمحذوف حال (تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) جملة تود خبر ما ولو الواقعة بعد تود مصدرية، ولكن يشكل هنا دخول الحرف على مثله، فالأولى أن تبقى شرطية وأن حرف مشبه بالفعل مصدري وبينها ظرف متعلق بمحذوف خبر مقدم لأنّ وبينه عطف على الظرف. ويكون جواب «لو» محذوفا تقديره: لفرحت واطمأنت، وأن وما بعدها في محل رفع مبتدأ والخبر محذوف تقديره ثابت، أو فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت. ويلاحظ عندئذ أن المحذوفات كثرت، فقد حذف مفعول تود وجواب لو وخبر أن أو فعل الفاعل، ولذلك كان اعتبارها مصدرية أسهل لولا المانع الفني وهو دخول الحرف المصدري على حرف مصدري مماثل (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) تقدم إعرابها قريبا وكررها ليكون الخوف من الله نصب أعينهم (وَاللَّهُ رَؤُفٌ بِالْعِبادِ) الواو استئنافية والله مبتدأ ورؤوف خبره وبالعباد جار ومجرور متعلقان برؤوف. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣١ الى ٣٢] قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ (٣٢)

стр. 490

الإعراب: (قُلْ: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) كلام مستأنف مسوق لبيان معنى محبة الله، وقل فعل أمر وفاعله ضمير مستتر تقديره أنت وإن شرطية وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط والتاء اسمها وجملة تحبون الله خبرها والفاء رابطة لجواب الشرط واتبعوني فعل أمر والواو فاعل والنون للوقاية والياء مفعول به والجملة في محل جزم جواب الشرط وجملة إن كنتم مقول القول (يُحْبِبْكُمُ) جواب الطلب مجزوم والكاف مفعول به (اللَّهَ) فاعل (وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) عطف على يحببكم (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وغفور رحيم خبران للمبتدأ (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف أيضا وجملة أطيعوا في محل نصب مقول القول (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكافِرِينَ) الفاء استئنافية وإن شرطية وتولوا فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين وهو فعل الشرط والجملة لا محل لها. ويجوز أن يكون فعلا ماضيا مسندا لضمير الغيبة، فيكون من باب الالتفات من المخاطب إلى الغائب والجملة في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة لجواب الشرط وإن واسمها، وجملة لا يحب الكافرين خبرها وجملة فإن الله في محل جزم جواب الشرط. البلاغة: المجاز المرسل في حب العباد لله تعالى وحبه لهم والعلاقة ما يكون. فأما حبهم له فالمراد ما تئول إليه المحبة من اختصاصه بالعبادة دون غيره، وأما حبه لهم فالمراد منه ما يئول إليه من الرضا عنهم والغفران لذنوبهم. وهذه لمحة لا مندوحة عن إيرادها عن الحب:

стр. 491

الحب عند الفلاسفة: أما الفلاسفة فيقررون كما يتحدث عنهم سويد نبرغ السويدي أن الحب هو حياة الإنسان، وأن الله وحده هو عين الحب، لأنه هو عين الحياة، فالمحبة لغة- ميل المتصف بها إلى أمر ملذّ واللذات الباعثة على المحبة منقسمة إلى مدرك بالحس كلذة الذوق في الطّعوم ولذة النظر واللمس في الصور المستحسنة ولذة الشم في الروائح العطرية ولذة السمع في النغمات الحسنة وإلى لذة تدرك بالعقل كلذة الجاه والرياسة والعلوم وما يجري مجراها. وإذا تفاوتت البواعث، فليس معلوم أكمل ولا أجمل من المعبود الحق، وإذا حصلت هذه المحبة بعثت على الطاعات والموافقات. الحب عند المتصوفة: أما المتصوفة فهم يقولون: إن الحب هو سكر المشاهدة وشجاعة الباذل وإيمان الولي والأصل الأصيل للتحقق الخلقي والإدراك الروحي. قال الثوري لرابعة العدوية: ما حقيقة إيمانك؟ قالت: ما عبدته خوفا من ناره ولا حبا لجنته فأكون كالأجير السوء، بل عبدته حبا له وشوقا إليه. وأنشدت: أحبك حبين: حب الهوى ... وحبا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى ... فشغلي بذكرك عما سواكا وأما الذي أنت أهل له ... فكشفك لي الحجب حتى أراكا والكلام يطول فحسبنا ما تقدم. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٣ الى ٣٤] إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)

стр. 492

اللغة: (نوح) علم أعجمي لا اشتقاق له، وقيل: إنه مشتق من النوح وهو منصرف على كل حال، لأنه علم أعجمي ثلاثي ساكن الوسط (عمران) علم أعجمي أيضا ممنوع من الصرف وإن قيل إنه عبري مشتق من العمر فهو ممنوع للعلمية وزيادة الألف والنون. الإعراب: (إِنَّ اللَّهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً) إن واسمها، وجملة اصطفى آدم ونوحا خبر (وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ) عطف على آدم (عَلَى الْعالَمِينَ) الجار والمجرور متعلقان باصطفى والجملة استئنافية (ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ) ذرية: بدل من آدم ومن عطف عليه، أو من الآلين أي أن الآلين ذرية واحدة، ويجوز نصبها على الحال والعامل فيه «اصطفى» . وبعضها مبتدأ ومن بعض جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة صفة لذرية (وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وسميع عليم خبران له. البلاغة: ١- في الآية فن التوشيح، وهو كما يقول قدامة في نقد الشعر: أن يكون في أول الكلام معنى إذا علم علمت منه القافية، إن كان شعرا أو السجع إن كان نثرا. فإن معنى اصطفاء المذكورين في الآية يعلم منه الفاصلة، لأن المذكورين صنف مندرج في العالمين. وفي هذه الآية أيضا فن براعة التخلص، فإنه وطّأ

стр. 493

بهذه الآية إلى سياق خبر ميلاد المسيح ﵇، فقد خلص إلى ذكر امرأة عمران ليسوق قصة حملها بمريم وكفالة زكريا لها، وذكر ولده يحيى، وقصة حمل مريم بالمسيح، وما تخلل ذلك من آيات باهرات، وعبر بالغات. [سورة آل عمران (٣) : الآيات ٣٥ الى ٣٦] إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (٣٦) اللغة: (مُحَرَّراً) معتقا خالصا لخدمة بيت المقدس. روي أن حنة- وهو اسمها- كانت عاقرا لم تلد إلى أن عجزت، فبينما هي في ظل شجرة وريف بصرت بطائر يطعم فرخا له فتحركت نفسها للولد وتمنته، فقالت: اللهم إن لك علي نذرا إن رزقتني ولدا لأتصدقن به على بيت المقدس فيكون من سدنته. فحملت بمريم وهلك عمران وهي حامل بمريم. الإعراب: (إِذْ قالَتِ امْرَأَتُ عِمْرانَ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق باذكر محذوفا وتكون الجملة مستأنفا مسوقة لتقرير اصطفاء آل عمران، وجملة قالت امرأة عمران في محل جر بإضافة الظرف إليها وعلقه بعضهم بقوله:

стр. 494

سميع عليم وليس ثمة ما يمنع ذلك (رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ ما فِي بَطْنِي مُحَرَّراً) رب منادى مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة بدليل الكسرة عليها، وإن واسمها، وجملة نذرت خبرها وجملة إني نذرت مقول القول ولك متعلقان بنذرت وما اسم موصول مفعول به وفي بطني متعلقان بمحذوف لا محل له لأنه صلة ما ومحررا حال من «ما» (فَتَقَبَّلْ مِنِّي) الفاء استئنافية وتقبل فعل أمر وفاعله أنت ومني متعلقان بتقبل (إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) إن واسمها، وأنت مبتدأ أو ضمير فصل لا محل له والسميع العليم خبر ان لأنت والجملة الاسمية خبر لإن، أو خبران لان وجملة إن وما في حيزها تعليلية لا محل لها (فَلَمَّا وَضَعَتْها قالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُها أُنْثى) الفاء استئنافية ولما ظرفية حينيه أو حرف للربط ووضعتها فعل وفاعل مستتر ومفعول به وجملة قالت لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ورب منادى مضاف لياء المتكلم المحذوفة وإن واسمها، وجملة وضعتها خبر إن وأنثى حال مؤكدة أو مبنية وسيأتي الفرق بينهما وجملة النداء مقول القول (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما وَضَعَتْ) الواو اعتراضية والله مبتدأ وأعلم خبر وبما جار ومجرور متعلقان بأعلم وجملة وضعت لا محل لها لأنها صلة ما (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثى) الواو عاطفة وليس فعل ماض ناقص والذكر اسمها والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر، أو الكاف اسمية وهي الخبر والأنثى مضاف إليه (وَإِنِّي سَمَّيْتُها مَرْيَمَ) الواو عاطفة والجملة معطوفة على جملة «اني وضعتها» ، وإن واسمها، وجملة سميتها خبرها، والهاء مفعول سميت الأول ومريم مفعوله الثاني (وَإِنِّي أُعِيذُها بِكَ وَذُرِّيَّتَها مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ) الواو عاطفة أيضا والجملة معطوفة على جملة «إني سميتها» وإن واسمها، وجملة أعيذها خبر إن والهاء مفعول به وبك متعلقان بأعيذها وذريتها عطف على الهاء أو مفعول معه ومن الشيطان متعلقان بأعيذها والرجيم صفة للشيطان.

стр. 495

البلاغة: ١- فائدة الخبر في قوله: «إني وضعتها» للتحسر، وليس مرادها الإخبار بمفهومه، لأن الله عالم بما وضعت بل المراد إظهار الحسرة لما فاتها من تحقيق وعدها والوفاء بما التزمت به والاعتذار حيث أتت بمولود لا يصلح للقيام بما نذرته. ٢- تكررت إن أربع مرات، وفي الثلاث الأولى كان خبرها فعلا ماضيا، وفي المرة الرابعة عدلت عن الماضي إلى المضارع، فقالت: أعيذها، لنكتة بلاغية، وهي ديمومة الاستعاذة وتجددها دون انقطاع بخلاف الأخبار السابقة فإنها انقطعت. ٣- المراد بالخبر في قوله تعالى حكاية عن نفسه: «والله أعلم بما وضعت» لازم الفائدة، والقصد منه إفادتها دون التصريح بما سيكون من شأن المولود الذي لم تأبه له بادىء الأمر، وهي جاهلة مآل أمر هذه المولودة التي ستلد رسول الرأفة والسلام. ٤- المراد بالخبر في قوله: «وليس الذكر كالأنثى» نفي الاعتقاد السائد بين الناس بوجود تفاوت بين الأولاد، وإن هذا التفاوت الذي يبدو للوهلة الأولى، إنما هو أمر ظاهري لا يثبت عند الابتلاء والتجربة، فإن الغيب أعمق غورا من أن يسبروه، وأبعد منالا من أن يدركوه، وكم من النساء من فاقت الرجال وأربت عليهم في الدرجات وقد تعلق أبو الطيب المتنبي بأذيال هذا المعنى البديع بقوله: ولو كان النساء كمن فقدنا ... لفضلت النساء على الرجال وما التأنيث لاسم الشمس عيب ... ولا التذكير فخر للهلال ٥- الإطناب في قوله تعالى: «وإني سميتها مريم» والغرض من التصريح بالتسمية التقرب إلى الله والازدلاف إليه بخدمة بيت المقدس
следующие страницы →