Полный текст (5 784 стр.). Показаны 4901–4940 · переход к 4906.
стр. 4901
تكلفني ليلى وقد شطّ وليّها ... وعادت عواد بيننا وخطوب
وقال الجرجاني هو ما حول من الويل فهو أفعل منه لكن فيه قلب» . وقال الجلال في تفسير سورة القيامة «والكلمة اسم فعل واللام للتبيين» أي مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب والفاعل ضمير مستتر يعود على ما يفهم من السياق وهو كون هذه الكلمة تستعمل في الدعاء بالمكروه وقوله للتبيين المفعول وهي في المعنى زائدة على حدّ سقيا لك. وعبارة القاموس «وأولى لك هي كلمة تهديد ووعيد والمعنى قد قاربك الشر فاحذر» قال شارحه وقيل معناه الويل لك أو أولاك الله ما تكرهه فتكون اللام زائدة» (طاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) طاعة وقول كلام مستقل محذوف منه أحد الجزأين إما الخبر وتقديره أمثل وهو مذهب سيبويه والخليل، وإما المبتدأ وتقديره الأمر أو أمرنا طاعة وتقدم أنه يجوز أن يكون خبر الأولى وهناك أعاريب أخرى ضربنا عنها صفحا لبعدها وتكلفها، فإذا الفاء حرف عطف وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بصدقوا نحو إذا جاءني بطعام فلو جئتني أطعمتك، وجملة عزم الأمر في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة لجواب إذا ولو شرطية غير جازمة وصدقوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب إذا ولفظ الجلالة مفعول به ولكان اللام واقعة في جواب لو وكان فعل ماض ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره هو أي الصدق وخيرا خبرها ولهم متعلقان بخيرا (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ) الفاء استئنافية وعسيتم فعل ماض من أفعال الرجاء والتاء اسمها وسيأتي مزيد بحث عنها في باب الفوائد وإن شرطية وتوليتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والجواب محذوف لدلالة فهل عسيتم عليه أو هو نفس فهل عسيتم عند من يرى تقديمه وجملة الشرط وجوابه معترضة لا محل
стр. 4902
لها وأن تفسدوا خبر عسى وفي الأرض متعلقان بتفسدوا (وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ) عطف على أن تفسدوا في الأرض (أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمى أَبْصارَهُمْ) أولئك مبتدأ والذين خبره وجملة لعنهم الله صلة والفاء عاطفة وأصمّهم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وأعمى أبصارهم عطف على فأصمّهم (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة على مقدّر يقتضيه السياق ولا نافية ويتدبرون القرآن فعل مضارع وفاعل ومفعول به وأم منقطعة بمعنى بل والهمزة للتسجيل عليهم بأن قلوبهم مقفلة لا يتوصل إليها ذكر وعلى قلوب خبر مقدم وأقفالها مبتدأ مؤخر وجوبا وسيأتي سرّ التنكير في باب البلاغة (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ) إن حرف مشبّه بالفعل والذين اسمها وجملة ارتدوا صلة الموصول وعلى أدبارهم حال ومن بعد متعلقان بارتدّوا وما المصدرية وما في حيزها في محل جر بالإضافة إلى الظرف ولهم متعلقان بتبين والهدى فاعل والشيطان مبتدأ وجملة سوّل لهم خبر الشيطان والجملة الاسمية خبر إن ومعنى سوّل لهم سهّل لهم من السول وهو الاسترخاء وأملى لهم عطف على سوّل لهم (ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا ما نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ) ذلك مبتدأ وبأنهم خبره وأن واسمها وجملة قالوا خبرها وللذين متعلقان بقالوا وجملة كرهوا صلة وما مفعول به وجملة نزّل الله صلة وجملة سنطيعكم مقول القول وفي بعض الأمر متعلقان بنطيعكم (وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرارَهُمْ) الواو للحال والله مبتدأ وجملة يعلم إسرارهم خبر وإسرارهم مفعول به وهو بكسر الهمزة مصدر أسرّ وقرئ بفتحها جمع سر (فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ) الفاء عاطفة وكيف اسم استفهام في محل رفع خبر مقدم أي كيف حالهم ويجوز أن تعرب مفعولا لفعل محذوف أي فكيف يصنعون، وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط
стр. 4903
متعلق بالمبتدأ المحذوف وجملة توفتهم الملائكة في محل جر بإضافة الظرف إليها وجملة يضربون حال من الفاعل
أو من المفعول ووجوههم مفعول به وأدبارهم عطف على وجوههم (ذلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا ما أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمالَهُمْ) ذلك مبتدأ وبأنهم خبر وجملة اتبعوا خبر أن وما مفعول به وجملة أسخط الله صلة وكرهوا رضوانه عطف على جملة اتبعوا ما أسخط الله، فأحبط عطف على ما تقدم وأعمالهم مفعول به.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «فهل عسيتم إن توليتم» إلى آخر الآية التفات من الغيبة إلى الخطاب وقد تقدم القول مطولا في الالتفات، والسرّ فيه هنا أنه جاء لتأكيد التوبيخ وتشديد التقريع وتسجيل ذلك عليهم مشافهة وخطابا، ولقائل أن يقول كيف يصحّ الاستفهام من الله تعالى وهو عالم بما كان وما يكون؟ والجواب أنه لما عهد منكم أحرياء بأن يقول لكم كل من سبر أغواركم وعرف تمريضكم ورخاوة عقدكم في الإيمان يا هؤلاء ما ترون؟ هل يتوقع منكم إذا توليتم أمور الناس ونيطت بكم شئونهم وأصبحتم حكاما هل يتوقع منكم أن تفسدوا في الأرض بالتناخر على الملك والتهالك على الدنيا والتناور والتناهب وقطع الأرحام بمقاتلة بعض الأقارب ووأد البنات وأخذ الرشاوة والعودة إلى الجاهلية الأولى.
٢- التنكير والاستعارة: وفي قوله تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها» التنكير في قلوب مع إضافة الأقفال إليها على طريق الاستعارة المكنية، أما التنكير فهو إما لتهويل حالها كأنه قيل على قلوب منكرة مبهم أمرها أو إما لأن المراد بها قلوب بعض منهم وهم قلوب المنافقين، أما الاستعارة فهي أنه شبّه قلوبهم بالصناديق واستعار لها
стр. 4904
شيئا من لوازمها وهي الأقفال المختصّة بها لاستبعاد فتحها واستمرار انغلاقها فلا تطلع مخبآتها على أحد ولا يطّلع على مخبآتها أحد.
الفوائد:
يجوز كسر سين عسى في لغة من قال هو عسى بكذا مثل شج من شجى، وليس ذلك الجواز مطلقا سواء أسندته إلى ظاهر أو مضمر بل يتقيد بأن يسند إلى ضمير يسكن معه آخر الفعل كالتاء أو النون أو نا وبهما قرئ في السبع، قرأ نافع بالكسر لمناسبة الياء وقرأ الباقون بالفتح وهو المختار لجريانه على الألسن.
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٢٩ الى ٣٣]
أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ (٣٠) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ (٣١) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ (٣٢) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣)
اللغة:
(أَضْغانَهُمْ) أحقادهم وفي المصباح: «ضغن صدره ضغنا من باب
стр. 4905
تعب حقد والاسم ضغن والجمع أضغان مثل حمل وأحمال وهو ضغن وضاغن» وقال عمرو بن كلثوم:
وإن الضغن بعد الضغن يبدو ... عليك ويخرج الداء الدفينا
ومن عجيب أمر الضاد والغين أنهما إذا اجتمعتا فاء وعينا للكملة دلّتا على معنى متقارب وهو الشيء الكامن في الخفاء كما تقدم في الضغن ويقال ضغن عليّ فلان واضطغن وأبعد الله كل مضاغن لأخيه مشاحن لمواليه وما زلت به حتى سللت بقية ضغنه وأخليت صدره عمّا كان في ضمنه، وضغبت الأرنب صوّتت إذا أخذت، وضربه بضغث أي بقبضة من قضبان صغار أو حشيش بعضه في بعض ومن مجازه هذه أضغاث أحلام وهي ما التبس وكمن منها، وضغط الشيء عصره وضيّق عليه وأعوذ بالله من ضغطة القبر وهي كامنة لا يعلمها إلا الله، وسمعت ضغيل الحجام وهو صوت مصّه وضغمه ضغمة الأسد وهي العضة بملء الفم وفرسه الضيغم والضياغمة وهو الأسد، وضغا فلان ضغاء تضوّر من ضرب أو أذى وتقول أضغيته إضغاء ثم أغضيت عنه إغضاء وبات صبيانه يتغاضون من الجوع ويتضاغون وهذا من العجب العجاب.
(بِسِيماهُمْ) بعلامتهم وفي القاموس «والسومة بالضم والسيمة والسيماء والسيمياء بكسرهنّ: العلامة» .
(لَحْنِ الْقَوْلِ) نحوه وأسلوبه وقيل اللحن: إن تلحن بكلامك أي تميله إلى نحو من الأنحاء ليفطن له صاحبك كالتعريض والتورية قال:
ولقد لحنت لكم لكيما تفهموا ... واللحن يعرفه ذوي الألباب
فاللحن العدول بالكلام عن الظاهر والمخطئ لاحن لعدوله عن الصواب أي لكي تفهموا دون غيركم فإن اللحن يعرفه أرباب الألباب
стр. 4906
دون غيرهم قال في المصباح: «اللحن بفتحتين الفطنة وهو مصدر من باب تعب والفاعل لحن يتعدى بالهمزة فيقال ألحنته فلحن أي أفطنته ففطن وهو سرعة الفهم وهو ألحن من زيد أي أسبق فهما ولحن في كلامه لحنا من باب نفع أخطأ في العربية قال أبو زيد لحن في كلامه لحنا بسكون الحاء ولحونا إذا أخطأ الإعراب وخالف وجه الصواب ولحنت بلحن فلان لحنا أيضا تكلمت بلغته ولحنت له لحنا قلت قولا فهمه عني وخفي على غيره من القوم وفهمته من لحن كلامه وفحواه ومعاريضه بمعنى، قال الأزهري: لحن القول كالعنوان وهو كالعلامة تشير لها فيفطن المخاطب لغرضك» .
والخلاصة أن للحن معنيين صواب وخطأ فالصواب صرف الكلام وإزالته عن التصريح إلى المعنى والتعريض وهذا ممدوح من حيث البلاغة ومنه قوله ﷺ : «فلعلّ بعضكم ألحن بحجته من بعض» وقال الشاعر:
منطق صائب وتلحن أحيا ... نا وخير الحديث ما كان لحنا
وإليه قصد بقوله «ولتعرفنّهم في لحن القول» وأما اللحن المذموم فظاهر وهو صرف الكلام عن الصواب إلى الخطأ بإزالة الإعراب أو التصحيف، ومعنى الآية: وإنك يا محمد لتعرفنّ المنافقين فيما يعرضون به من القول من تهجين أمرك وأمر المسلمين وتقبيحه والاستهزاء به فكان بعد هذا لا يتكلم منافق عند النبي ﷺ إلا عرفه بقوله ويستدل بفحوى كلامه على فساد باطنه ونفاقه.
الإعراب:
(أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغانَهُمْ) أم حرف إضراب وعطف وحسب الذين فعل وفاعل وفي قلوبهم خبر مقدّم
стр. 4907
ومرض مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية صلة الموصول وأن وما في حيزها سدّت مسدّ مفعولي حسب وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويخرج فعل مضارع منصوب بلن والجملة خبر أن والله فاعل وأضغانهم مفعول به (وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ) الواو عاطفة ولو شرطية ونشاء فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره نحن واللام واقعة في جواب لو وأريناكهم فعل ماض ونا فاعل والكاف مفعول أول والهاء مفعول ثان والرؤية هنا بصرية فلذلك لم تنصب سوى مفعولين والفاء عاطفة واللام عطف على اللام الأولى الواقعة جوابا وكررت للتأكيد وعرفتهم فعل وفاعل ومفعول وجملة لأريناكهم لا محل لها لأنها جواب لو وجملة فلعرفتهم عطف عليها وبسيماهم متعلقان بعرفتهم (وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ) الواو حرف عطف واللام واقعة مع النون في جواب قسم محذوف وتعرفنّهم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التأكيد الثقيلة والفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به وفي لحن القول متعلقان بتعرفنّهم أو بمحذوف حال أي حال كونهم لاحنين والله مبتدأ وجملة يعلم أعمالكم خبر والجملة استئنافية. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ) اللام واقعة جواب قسم محذوف مع النون ونبلونّكم فعل وفاعل مستتر ومفعول به وحتى حرف غاية وجر أو تعليل وجر ونعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والمجاهدين مفعول به ومنكم حال والصابرين عطف على المجاهدين ونبلو عطف على نعلم وأخباركم مفعول به (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمالَهُمْ) إن واسمها وجملة كفروا صلة وجملة صدّوا عن سبيل الله عطف على جملة كفروا وشاقوا الرسول عطف أيضا ومن بعد متعلقان بشاقوا وما مصدرية وهي مع مدخولها في تأويل مصدر
стр. 4908
مضاف لبعد ولهم متعلقان بتبين والهدى فاعل ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويضرّوا الله فعل مضارع منصوب بلن والجملة خبر إن وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر، ولك أن تعربه مفعولا به، وسيحبط الواو حرف عطف والسين حرف استقبال ويحبط أعمالهم فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ) تقدم إعراب نظير هذه الآية كثيرا وقد اشتجر الخلاف بين أهل السنّة والاعتزال حول الكبائر وهل تحبط الحسنات فليرجع إليها من شاء في مختلف المظان.
[سورة محمد (٤٧) : الآيات ٣٤ الى ٣٨]
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ (٣٥) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ (٣٦) إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ (٣٧) ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ (٣٨)
اللغة:
(السَّلْمِ) بفتح السين وكسرها الصلح وقد قرئ بهما.
стр. 4909
(يَتِرَكُمْ) ينقصكم من وترت الرجل إذا قتلت له قتيلا من ولد أو أخ أو حميم من الوتر وهو الانفراد وفي المختار: «ووتره حقه يتره بالكسر وترا بالكسر أيضا نقصه وقوله تعالى: ولن يتركم أعمالكم أي في أعمالكم كقولهم دخلت البيت أي في البيت وأوتره أفذّه ومنه أوتر صلاته، وأوتر فرسه وتّرها توتيرا بمعنى» وفي المصباح: «يقال وترت العدد وترا من باب وعد أفردته وأوترته بالألف مثله ووترت الصلاة وأوترتها جعلتها وترا ووترت زيدا حقّه أثره من باب وعد أيضا نقصته ومنه من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله بنصبها على المفعولية» .
(فَيُحْفِكُمْ) يبالغ في طلبها حتى يستأصلها فيجهدكم بذلك فالإحفاء المبالغة وبلوغ الغاية في كل شيء ويقال أحفى شاربه استأصله وفي القاموس: «وحفا شاربه بالغ في أخذه كأحفاه» .
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) إن واسمها وجملة كفروا صلة وصدّوا عطف على كفروا وعن سبيل الله متعلقان بصدّوا (ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ) ثم حرف عطف وماتوا فعل وفاعل وجملة فلن يغفر الله لهم خبر إن ودخلت الفاء لما في الموصول من معنى الشرط (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) الفاء الفصيحة أي إذا علمتم وجوب الجهاد فلا تضعفوا ولا تهنوا، ولا ناهية وتهنوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وتدعوا عطف على فلا تهنوا مجزوم مثله وإلى السلم متعلقان بتدعوا والواو للحال وأنتم الأعلون مبتدأ وخبر والجملة حالية (وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ) الواو للحال أيضا والله مبتدأ ومعكم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والواو عاطفة ولن حرف
стр. 4910
نفي ونصب واستقبال ويتركم فعل مضارع منصوب بلن وأعمالكم منصوب بنزع الخافض كما نصّ صاحب المختار ومفهوم كلام صاحب المصباح أنه يجوز أن تكون مفعولا به (إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ) إنما كافة ومكفوفة والحياة الدنيا مبتدأ ولعب وخبر ولهو عطف على لعب (وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ) الواو عاطفة وإن شرطية وتؤمنوا فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل وتتقوا عطف على تؤمنوا ويؤتكم جواب الشرط والكاف مفعول يؤتكم الأول وأجوركم مفعول يؤتكم الثاني والواو حرف عطف ولا نافية ويسألكم عطف على يؤتكم والكاف مفعول يسأل الأول وأموالكم مفعول يسأل الثاني أي لا يأمركم بإخراج جميع أموالكم في الزكاة بل يأمر بإخراج ما فرض عليكم في الزكاة وهو معروف ومبسوط في كتب الفقه (إِنْ يَسْئَلْكُمُوها فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغانَكُمْ) إن شرطية ويسألكموها فعل الشرط مجزوم والكاف مفعوله الأول والهاء مفعوله الثاني والميم علامة جمع الذكور والواو للإشباع، فيحفكم عطف على فعل الشرط وتبخلوا جواب الشرط ويخرج عطف على الجواب وأضغانكم مفعول به والفاعل يعود على الله تعالى لأنكم قوم تحبّون الماء ومن نوزع في حبيبه ظهرت كوامنه التي يخفيها (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ها أنتم هؤلاء تقدم القول مشبعا في نظيرها ونعيد بعض ما تقدم فنقول ها للتنبيه وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره وجملة تدعون مستأنفة وأعربه بعضهم ها للتنبيه وأنتم مبتدأ وجملة تدعون خبره وهؤلاء منادى معترض بين المبتدأ والخبر وجنح الزمخشري إلى إعراب هؤلاء اسم موصول بمعنى الذين وهو الخبر وجملة تدعون صلة وتبعه البيضاوي وكررت ها التنبيه للتأكيد قال أبو حيان: «وكون هؤلاء موصولا إذا تقدمها ما الاستفهامية باتفاق أو من الاستفهامية باختلاف» والكوفيون لا يشترطون ذلك فتبع الزمخشري مذهبهم. ولتنفقوا اللام للتعليل وتنفقوا فعل مضارع منصوب
стр. 4911
بأن مضمرة بعد لام التعليل والواو فاعل في سبيل الله متعلقان بتنفقوا (فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ، وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّما يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ) الفاء عاطفة للتفريع ومنكم خبر مقدم ومن مبتدأ مؤخر وجملة يبخل صلة ولا بدّ من تقدير جملة ليتم التفريع أي ومنكم من يجود وإنما حذف هذا المقابل لأن المقام مقام استدلال على البخل والواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويبخل فعل الشرط والفاء رابطة وإنما كافّة ومكفوفة وجملة فإنما وما بعدها في محل جزم جواب الشرط ويبخل فعل مضارع مرفوع وعن نفسه متعلقان بيبخل لأنه يتعدى بعلى وبعن لتضمينه معنى الإمساك والتعدّي يقال بخلت عليه وعنه وكذلك ضننت عليه وعنه (وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَراءُ) الواو استئنافية والله مبتدأ والغني خبره وأنتم الفقراء عطف على والله الغني (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ) الواو عاطفة على الجملة الشرطية السابقة وإن شرطية وتتولوا فعل الشرط والواو فاعل ويستبدل جواب الشرط وقوما مفعول به وغيركم نعت لقوما وثم حرف ولا نافية ويكونوا معطوف على الجواب مجزوم والواو اسم يكون وأمثالكم خبرها.
стр. 4912
(٤٨) سورة الفتح مدنية وآياتها تسع وعشرون
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (٤)
لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (٦) وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (٧) إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً (٩)
стр. 4913
الإعراب:
(إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً) إن واسمها وجملة فتحنا خبرها ولك متعلقان بفتحنا وفتحا مفعول مطلق ومبينا صفة والمراد بالفتح فتح مكة وقيل هو صلح الحديبية والصلح قد يسمى فتحا، وعبر بالماضي مع أن الفتح لم يقع بعد لأن إخبار الله تعالى في تحققها وتيقنها بمنزلة الكائن الموجود وسيأتي مزيد بيان لهذا الإخبار في باب البلاغة (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) اللام للتعليل ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بفتحنا وسيأتي سر جعل فتح مكة علّة للمغفرة في باب البلاغة، ولك متعلقان بيغفر والله فاعل وما مفعول به وجملة تقدم صلة ومن ذنبك حال وما تأخر عطف على ما تقدم (وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطاً مُسْتَقِيماً) ويتم عطف على ليغفر ونعمته مفعول به وعليك متعلقان بنعمته أو بيتم ويهديك عطف أيضا والكاف مفعول به أول وصراطا مستقيما مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض (وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْراً عَزِيزاً) عطف على ما تقدم ونصرا مفعول مطلق وعزيزا نعت وسيأتي سر هذا الإسناد في باب البلاغة (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدادُوا إِيماناً مَعَ إِيمانِهِمْ) هو مبتدأ والذي خبر وجملة أنزل السكينة صلة وفي قلوب المؤمنين متعلقان بأنزل، وليزدادوا: اللام للتعليل ويزدادوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وإيمانا تمييز ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف نعت لإيمانا (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) الواو عاطفة ولله خبر مقدم وجنود السموات والأرض مبتدأ مؤخر وكان الله كان
стр. 4914
واسمها وعليما خبرها الأول وحكيما خبرها الثاني (لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها) اللام للتعليل ويدخل فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بمحذوف قدره الجلال أمر بالجهاد ليدخل وعبارة أبي حيان «والذي يظهر أنها تتعلق بمحذوف يدل عليه الكلام وذلك أنه قال: ولله جنود السموات والأرض كان في ذلك دليل على أنه تعالى يبتلي بتلك الجنود من شاء فيقبل الخير من قضى له بالخير والشر من قضى له بالشر ليدخل المؤمنين جنات ويعذب الكفّار فاللام تتعلق بيبتلي هذه وما تعلق بالابتلاء من قبول الإيمان والكفر» والمؤمنين مفعول به ليدخل والمؤمنات عطف على المؤمنين وجنات مفعول به ثان ليدخل على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات وخالدين فيها حال (وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَكانَ ذلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزاً عَظِيماً) عطف على ما تقدم وسيئاتهم مفعول يكفر وكان واسمها وفوزا عظيما خبر وعند الله ظرف مكان متعلق بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة لفوزا وتقدم عليه (وَيُعَذِّبَ الْمُنافِقِينَ وَالْمُنافِقاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ) عطف أيضا والظانّين نعت للمنافقين والمشركين وبالله متعلقان بالظانّين وظن السوء مفعول مطلق والسوء بفتح السين ومعناه الذم وبضمها معناه العذاب والهزيمة والشر وقيل هما لغتان غير أن المفتوح غلب في أن يضاف إليه ما يراد ذمّه والمضموم جرى مجرى الشر وكلاهما في الأصل مصدر والإضافة ليست من قبيل إضافة الموصوف إلى صفته فإنها غير جائزة عند البصريين لأن الصفة والموصوف عبارة عن شيء واحد فإضافة أحدهما إلى الآخر إضافة الشيء إلى نفسه بل السوء صفة لموصوف محذوف أي ظن الأمر السوء فحذف المضاف إليه وأقيمت صفة مقامه. وعليهم خبر مقدم ودائرة السوء مبتدأ مؤخر والجملة دعائية لا محل لها والدائرة
стр. 4915
في الأصل عبارة عن الخطر المحيط بالمركز ثم استعملت في الحادثة المحيطة بمن وقعت عليه إلا أن الغالب في استعمالها للمكروه وإضافة الدائرة إلى السوء من إضافة العام إلى الخاص فهي للبيان كخاتم فضة والمراد الإحاطة والشمول بحيث لا يتخطاهم السوء ولا يتجاوزهم (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) الواو حرف عطف وغضب الله فعل وفاعل وعليهم متعلقان بغضب ولعنهم عطف أيضا وأعدّ لهم جهنم عطف أيضا وساءت مصيرا عطف أيضا ومصيرا تمييز (وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) الواو استئنافية
ولله خبر مقدّم وجنود السموات والأرض مبتدأ مؤخر وكان الله عزيزا حكيما تقدم إعرابها قريبا وسيأتي سرّ التكرير في باب البلاغة (إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً) إن واسمها وجملة أرسلناك خبرها وشاهدا حال ومبشرا ونذيرا عطف على شاهدا (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا) اللام للتعليل وتؤمنوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بأرسلناك لأنه علّة الإرسال وبالله متعلقان بتؤمنوا ورسوله عطف على الله وتعزروه وما بعده عطف على لتؤمنوا والتعزير النصر والتوقير الاحترام والتعظيم وقرئت كلها بالياء والضمير للناس وبكرة وأصيلا ظرفان لتسبّحوه أي بالغداة والعشي، وعن ابن عباس ﵄ صلاة الفجر وصلاة الظهر والعصر.
البلاغة:
في هذه الآيات أفانين رفيعة من علوم البلاغة فأولها:
١- التعبير بالماضي: في قوله إنّا فتحنا، فقد جاء الإخبار بالفتح على لفظ الماضي لأنها نزلت حين رجع ﵊ من
стр. 4916
الحديبية قبل عام الفتح والسرّ في ذلك أن أخبار الله تعالى لما كانت محققة نزلت منزلة الكائنة الموجودة وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر وصدقه ما لا يخفى على من له مسكة من عقل.
٢- التعليل: وجعل تعالى فتح مكة علة للمغفرة لأن الفتح من حيث كونه جهادا وعبادة سبب للغفران وقيل السرّ فيه اجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة والهداية والنصر العزيز كأنه قيل يسّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك لتجمع لك عزّ الدارين وأغراض العاجلة والآجلة.
٣- الإسناد المجازي: وذلك في قوله تعالى «وينصرك الله نصرا عزيزا» فقد أسند العزّ والمنعة إلى النصر وهو للمنصور فإن صيغة فعيل هنا للنسبة فالعزيز بمعنى ذي العزة.
٤- التكرير: فقد قال تعالى أولا «وكان الله عليما حكيما» وقال ثانيا «وكان الله عزيزا حكيما» لأنه ذكر قبل الآية الأولى «ولله جنود السموات والأرض» ولما كان فيهم من هو أهل للرحمة ومن هو أهل للعذاب ناسب أن يكون خاتمة الأولى «وكان الله عليما حكيما» ولما بالغ تعالى في تعذيب المنافق والكافر وشدّته ناسب أن يكون خاتمة الثانية «وكان الله عزيزا حكيما» فالأولى دلّت على أنه المدبّر لأمر المخلوقات بمقتضى حكمته والثانية دلّت على التهديد والوعيد وأنهم في قبضة المنتقم وقد حاول بعضهم أن ينفي التكرير ولا داعي لذلك لأن للتكرير أسرارا مرّ بعضها وسيأتي منها ما هو أوغل في الإعجاب وأدعى إلى التأمل.
стр. 4917
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٠ الى ١٢]
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١٠) سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً (١٢)
اللغة:
(يُبايِعُونَكَ) يعاهدونك، سمّيت المعاهدة بالمبايعة التي هي مبادلة المال بالمال تشبيها لها بالمبايعة في اشتمال كل واحدة منهما على معنى المبادلة لأن المعاهدة أيضا مشتملة على المبادلة بين التزام الثبات في محاربة الكافرين وبين ضمانه ﵇ لمرضاة الله عنهم وإثابته إياهم بجنّات النعيم في مقابلة محاربة الكافرين وسيأتي مزيد من التفصيل في باب البلاغة.
(بُوراً) البور الهلاك وهو يحتمل أن يكون مصدرا أخبر به عن الجمع ويجوز أن يكون جمع بائر كحائل وحول وبازل وبزل والأول أرجح ويوصف به المفرد المذكر والمفردة المؤنثة والمثنى والجمع منهما قال ابن الزبعرى:
يا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور
стр. 4918
والبور من الأرض ما لم يزرع.
الإعراب:
(إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ) كلام مستأنف مسوق لبيان أن من بايع الرسول ﵊ صورة فقد بايع الله حقيقة.
وإن واسمها وجملة يبايعونك صلة الموصول وإنما كافّة ومكفوفة وجملة إنما يبعايعون الله خبران والمراد بهذه البيعة بيعة الرضوان في الحديبية (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ) يد الله مبتدأ وفوق أيديهم ظرف متعلق بمحذوف خبر يد الله والجملة خبر ثان لإن ويجوز أن تكون حالية من ضمير الفاعل في يبايعونك ويجوز أن تكون مستأنفة أيضا، فمن: الفاء استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ونكث فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وإنما كافّة ومكفوفة وينكث فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره هو وعلى نفسه متعلقان بينكث والجملة في محل جزم جواب الشرط (وَمَنْ أَوْفى بِما عاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الواو حرف عطف ومن اسم شرط جازم مبتدأ وأوفى فعل الشرط وهو بمعنى وفي يقال وفى بالعهد وأوفى به وهي لغة تهامة وبما متعلقان بأوفى وجملة عاهد صلة وعليه متعلقان بعاهد وضمّت الهاء مع أنها تكسر بعد الهاء لمجيء سكون بعدها فيجوز الضم والكسر ولفظ الجلالة مفعول به والفاء رابطة لجواب الشرط ويؤتيه فعل وفاعل مستتر ومفعول به وأجرا مفعول به ثان وعظيما نعت (سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا) السين حرف استقبال ويقول فعل مضارع مرفوع ولك متعلقان بيقول والمخلفون فاعل ومن الأعراب حال وجملة شغلتنا أموالنا مقول القول وأهلونا عطف على أموالنا وعلامة رفعه الواو لأنه ملحق بجمع المذكر
стр. 4919
السالم أي عن الخروج معك، فاستغفر الفاء عاطفة واستغفر فعل أمر ولنا متعلقان باستغفر ومفعول استغفر محذوف أي الله (يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ) الجملة مقول قوله تعالى ويقولون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل وبألسنتهم متعلقان بيقولون وما مفعول به وليس فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو وفي قلوبهم خبر والجملة صلة ما (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعاً) قل فعل أمر والفاء عاطفة ومن اسم استفهام معناه النفي في محل رفع مبتدأ ويملك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره هو والجملة خبر من والجملة مقول قل ولكم متعلقان بيملك ومن الله حال وشيئا مفعول يملك وإن حرف شرط وأراد فعل الشرط والجواب محذوف دلّ عليه ما قبله أي فمن يملك وبكم متعلقان بأراد وخيرا مفعول أراد وجملة أو أراد بكم نفعا عطف على الجملة السابقة (بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) بل حرف إضراب انتقالي من موضوع إلى آخر وكان واسمها وبما متعلقان بخبيرا وجملة تعملون صلة وخبيرا خبر كان (بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً) بل حرف إضراب انتقالي أيضا، أضرب عن بيان بطلان اعتذارهم إلى بيان الحامل لهم على التخلّف، وظننتم فعل وفاعل وأن وما في حيزها سدّت مسدّ مفعولي ظننتم وأن مخفّفة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولن حرف نفي ونصب واستقبال وينقلب فعل مضارع منصوب بلن والرسول فاعل والمؤمنون عطف على الرسول وإلى أهليهم متعلقان بينقلب وأبدا ظرف متعلق بينقلب أيضا (وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً) وزين فعل ماض مبني للمجهول وذلك نائب فاعل وفي قلوبكم متعلقان بزين وظننتم عطف على وزين وظن السوء مفعول مطلق وكان واسمها وقوما خبرها وبورا نعت قوما.
стр. 4920
البلاغة:
١- في قوله «إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله» استعارة تصريحية تبعية في الفعل كما تقدم، أطلق اسم المبايعة على هذه المعاهدة وتجد تفاصيلها في كتب التاريخ.
٢- وفي قوله «يد الله فوق أيديهم» استعارة مكنية، شبّه تعالى نفسه بالمبايع وأثبت له ما هو من لوازم المبايع حقيقة وهو اليد على طريق الاستعارة المكنية الأصلية، وفي إثبات اليد لله تعالى والله منزّه عن الجوارح عن صفات الأجسام لتأكيد معنى المشاكلة.
٣- وفي قوله «فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرّا أو أراد بكم نفعا» فن اللف، وكان الأصل: فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرّا ومن يحرمكم النفع إن أراد بكم نفعا لأن مثل هذا النظم يستعمل في الضرّ وقد ورد في الكتاب العزيز مطّردا كذلك قال:
«فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم» وقوله «ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا» ومنه قوله ﵊ في بعض الحديث «إنني لا أملك شيئا» يخاطب عشيرته وسرّ اختصاصه بدفع المضرّة أن الملك مضاف في هذه المواضع باللام ودفع المضرّة نفع يضاف للمدفوع عنه وليس كذلك حرمان المنفعة فإنه ضرر عائد عليه لا له، فإذا ظهر ذلك فإنما انتظمت الآية على هذا الوجه لأن القسمين يشتركان في أن كل واحد منهما نفي لدفع المقدّر من خير وشر فلما تقاربا أدرجهما في عبارة واحدة وخصّ عبارة دفع الضرّ لأنه هو المتوقع لهؤلاء إذ الآية في سياق التهديد أو الوعيد الشديد وهي نظير قوله: «قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة» فإن العصمة إنما تكون من السوء لا من الرحمة.
стр. 4921
الفوائد:
الأهلون: جمع أهل ويقال أهلات على تقدير تاء التأنيث كأرض وأرضات، والذي حسن جمع أهل هذا الجمع كونه يرد بمعنى الوصف كقولهم الحمد لله أهل الحمد وكونه في الواقع للعقلاء.
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٣ الى ١٦]
وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً (١٣) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً (١٤) سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥) قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٦)
الإعراب:
(وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّا أَعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيراً) الواو عاطفة لتقرير بوارهم وبيان كيفيته، ومن اسم شرط جازم أو موصولة في محل رفع مبتدأ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويؤمن فعل مضارع مجزوم
стр. 4922
بلم وبالله متعلقان بيؤمن ورسوله عطف على الله وجواب الشرط محذوف أي فإنه كافر والفاء عاطفة على الجواب وإن واسمها وجملة أعتدنا خبر إن وللكافرين متعلقان بأعتدنا وسعيرا مفعول به وجملة الشرط والجواب خبر من إن كانت شرطية وجملة فإنّا أعتدنا هي الخبر إن كانت موصولة ودخلت الفاء لما في الموصول من معنى الشرط (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً) الواو عاطفة ولله خبر مقدم وملك السموات والأرض مبتدأ مؤخر وجملة يغفر حالية، ولمن متعلقان بيغفر وجملة يشاء صلة ويعذب من يشاء عطف على جملة الصلة وكان واسمها وخبراها (سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ) السين حرف استقبال ويقول المخلفون فعل مضارع وفاعل وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بيقول أي سيقولون وقت انطلاقكم وجملة انطلقتم في محل جر بإضافة الظرف إليها وإلى مغانم متعلقان بانطلقتم وجملة ذرونا مقول قولهم أي دعونا وقد تقدم أن العرب ماتوا ماضيه ومصدره واسم فاعله، ونتبعكم فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الطلب (يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ) جملة يريدون حالية من الفاعل وهو المخلفون ولك أن تجعلها مستأنفة وجعلها أبو البقاء حالا من ضمير المفعول به في ذرونا وفيه تكلّف وبعد، وأن وما بعدها مفعول يريدون وكلام الله مفعول يبدلوا وفي قراءة كلم الله جمع كلمة (قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذلِكُمْ قالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتتبعونا فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل ونا مفعول به والجملة مقول القول وكذلكم نعت لمصدر محذوف أي قولا مثل هذا القول الصادر عنّي وهو لن تتبعونا (فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا) الفاء عاطفة والسين حرف استقبال ويقولون فعل مضارع مرفوع وبل حرف إضراب أو عطف والإضراب عن
стр. 4923
أن يكون حكم الله أن لا يتبعوهم وإثبات ما هو شر من ذلك وهو الحسد، وتحسدوننا عطف على سيقولون وهو فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به وبل إضراب ثان عن وصفهم بإضافة الحسد إلى المؤمنين إلى ما أطمّ منه وهو الجهل وقلة الفقه، وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة، وكان واسمها وجملة لا يفقهون خبرها وإلا أداة حصر وقليلا نعت لمصدر محذوف أي إلا فهما قليلا فلا معنى لقول الجلال «إلا قليلا منهم» لأنهم جميعا مشتركون في الوصف بالغباء والبلادة (قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إِلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وللمخلفين متعلقان بقل ومن الأعراب حال وجملة ستدعون مقول القول، وسيأتي سرّ التكرير، وإلى قوم متعلقان بتدعون وأولي بأس شديد نعت لقوم وجملة تقاتلونهم نعت ثان أو حال ولك أن تجعلها مستأنفة وأو حرف عطف ويسلمون عطف على تقاتلونهم ولك أن ترفع الفعل المضارع على الاستئناف والتقدير أو هم يسلمون أي ينقادون. (فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْراً حَسَناً) الفاء عاطفة وإن شرطية وتطيعوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل ويؤتكم جواب الشرط والكاف مفعول به أول والله فاعل وأجرا مفعول به ثان وحسنا نعت لأجرا (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَما تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً) الواو عاطفة وإن شرطية وتتولوا فعل الشرط وكما نعت لمصدر محذوف وما مصدرية وقد تقدم هذا الإعراب كثيرا وإن جنح سيبويه إلى إعراب الكاف في مثل هذا التركيب حالا، ومن قبل متعلقان بتوليتم وبنى قبل على الضم لانقطاعه عن الإضافة لفظا لا معنى ويعذبكم جواب الشرط والكاف مفعوله وعذابا مفعول مطلق وأليما نعت لعذابا.
стр. 4924
البلاغة:
١- المبالغة: في قوله تعالى «فسيقولون بل تحسدوننا بل كانوا لا يفقهون إلا قليلا» فالإضراب الأول معروف وهو ديدنهم ودليل لجاجهم وتماديهم في التعنّت والإصرار على السفه، أما الإضراب الثاني فهو الذي تتجسد فيه بلادتهم وغباؤهم لأن الإضراب الأول فيه نسبة إلى جهل في شيء مخصوص وهو نسبتهم الحسد إلى المؤمنين والثاني فيه نسبة إلى جهل عام على الإطلاق.
٢- التكرير: وكرر ذكر القبائل الذين تخلفوا بهذا الاسم مبالغة في الذم وإظهارا لبشاعة التخلف كأن الذم يتوالى عليهم كلما تكرر ذكرهم به ووسمهم بميسمه، واختلف المفسرون في هؤلاء القوم الذين دعوا إلى محاربتهم والموصوفين بالبأس الشديد، فقيل هم هوازن ومن حارب الرسول في حنين، وقيل هم الروم الذين خرج إليهم عام تبوك، وقيل هم أهل الردّة الذين حاربهم أبو بكر. والتفاصيل يرجع إليها في مظانها.
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ١٧ الى ٢١]
لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً (١٧) لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً (١٨) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٩) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٢٠) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً (٢١)
стр. 4925
الإعراب:
(لَيْسَ عَلَى الْأَعْمى حَرَجٌ وَلا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ) كلام مستأنف مسوق لبيان حكم الزمنى وذوي العاهات بالنسبة للجهاد ونفي الحرج عنهم في التخلّف عنه. وليس فعل ماض ناقص وعلى الأعرج خبر ليس المقدم وحرج اسمها المؤخر وما بعده عطف عليه وقد روعي في الترتيب أي هؤلاء أولى برفع الحرج عنه فقدّم الأعمى لأن عذره واضح مستمر والانتفاع منه معدوم البتة وقدّم الأعرج على المريض لأن عاهة العرج قد يمكن الانتفاع منها في حالات معينة كالحراسة ونحوها أما المريض فإن إمكان زوال المرض عنه متوقع في كل وقت (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ) الواو حرف عطف ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويطع الله ورسوله فعل الشرط ويدخله جوابه وجنات مفعول به ثان على السعة وجملة تجري من تحتها الأنهار صفة لجنات (وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذاباً أَلِيماً) عطف على ما تقدم (لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) كلام مستأنف لتقرير الرضا عن المبايعين ولذلك سمّيت بيعة الرضوان وتفاصيلها في كتب السير والتاريخ، واللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق ورضي الله فعل وفاعل وعن المؤمنين متعلقان برضي
стр. 4926
وإذ ظرف ماض متعلق برضي وجملة يبايعونك مضاف إليها الظرف، وكان مقتضى المقام أن يأتي بالماضي ولكنه عدل عنه لسر يأتي في باب البلاغة، وتحت الشجرة ظرف متعلق بيبايعونك (فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً) الفاء عاطفة وعلم فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى والجملة معطوفة على يبايعونك لما تقدم من أنه بمعنى الماضي وما موصول مفعول به وفي قلوبهم متعلقان بمحذوف صلة ما، فأنزل عطف على فعلم والسكينة مفعول به وأثابهم عطف أيضا والهاء مفعول به أول وفتحا مفعول به ثان وقريبا نعت (وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) الواو حرف عطف ومغانم عطف على فتحا قريبا وجملة يأخذونها صفة لمغانم وكان واسمها وخبرها (وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها) كلام مستأنف على طريق الالتفات ووعدكم الله فعل ماض ومفعول به مقدم وفاعل مؤخر ومغانم مفعول به ثان وكثيرة صفة وجملة تأخذونها صفة ثانية (فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ) الفاء عاطفة وعجّل فعل ماض والفاعل مستتر يعود على الله ولكم متعلقان بعجل وهذه مفعول به وكفّ أيدي الناس عنكم عطف على ما سبق (وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) الواو عاطفة على مقدّر أي لتشكروه وهي مقحمة عند الكوفيين واسم تكون ضمير مستتر تقديره هي وآية خبرها وللمؤمنين نعت لآية ويهديكم عطف على ولتكون والكاف مفعول به أول وصراطا مستقيما مفعول به ثان (وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً) وأخرى الواو حرف عطف وأخرى معطوفة على هذه أي فعجّل لكم هذه المغانم ومغانم أخرى وأجازوا أن تكون أخرى مبتدأ وجملة لم تقدروا عليها صفتها وجملة قد أحاط الله بها خبرها وقال الزمخشري: «ويجوز في أخرى النصب بفعل مضمر يفسره قد أحاط الله بها تقديره وقضى الله أخرى قد أحاط بها» وأجازوا أيضا أن تكون
стр. 4927
مجرورة بربّ مقدرة وتكون الواو واو ربّ وفي المجرور بعد واو ربّ خلاف مشهور أهو بربّ مقدرة أو بنفس الواو، وقال أبو حيان في معرض ردّه على هذا الإعراب: «وهذا فيه غرابة لأن رب لم تأت في القرآن جارّة مع كثرة ورود ذلك في كلام العرب فكيف يؤتى بها مضمرة» واقتصر القرطبي على الوجه الأول وعبارة أبي البقاء: «وأخرى أي ووعدكم أخرى أو أثابكم أخرى ويجوز أن تكون مبتدأ ولم تقدروا صفة وقد أحاط الخبر» وكان واسمها وخبرها وعلى كل شيء متعلقان بقديرا.
البلاغة:
في قوله «إذ يبايعونك» عدول عن المضارع إلى الماضي والسرّ فيه استحضار صورة المبايعة لأنها جديرة بالتجسيد لتكون عبرة الأجداد للأحفاد، وخلاصة قصتها أن النبي ﷺ حين نزل الحديبية بعث خراش بن أمية الخزاعي لما رأى إخفاق سفراء قريش في مساعيهم وضياع نصائحهم إلى قومهم رسولا إلى مكة فانبعث أشقى قريش وقتئذ عكرمة بن أبي جهل فعقر ناقة السفير وهمّ بقتله لولا أن تداركه بعضهم فأنقذوه وردّوه إلى قومه فلما رآه النبي ﷺ دعا بعمر ﵁ ليبعثه فقال: إني أخافهم على نفسي لما عرف من عذوتي إياهم ولكني أدلك على رجل هو أعزّ بها منّي وأحبّ إليهم عثمان بن عفان فبعثه وزوده بكتاب من لدنه يشرح فيه الغرض من مجيئه وأوصاه أن يزور مسلمي مكة المستضعفين معزيا ومصبّرا حتى يأتي نصر الله والفتح، لم تثن سفارة عثمان ﵁ من عزم قريش فأصرّت على عنادها مقررة منع الرسول وأصحابه من الطواف مهما كانت النتيجة، وغاية ما سمحت به أنها أذنت لعثمان وحده أن يطوف بالبيت فأبى عثمان إلا أن يكون في صحبته رسول الله صلى الله
стр. 4928
عليه وسلم فغاظ هذا القول قريشا وهاج حفيظتها فأمرت بسجن عثمان ثلاثة أيام حتى تنظر في أمره فتناقل الناس الخبر مكبّرا حتى وصل معسكر الرسول أن عثمان قد قتل، هنا قام النبي ﷺ خطيبا قائلا: ان كان حقا ما سمعنا فلن نبرح حتى نناجز القوم، البيعة البيعة أيّها الناس، فتوافد الناس يبايعون رسول الله تحت الشجرة وكانت سمرة وكان أول من بايعه سنان الأسدي فقال له وهو يبايعه: أبايعك على ما في نفسي فقال له النبي ﷺ : وما في نفسك؟
قال سنان: أضرب بسيفي بين يديك حتى يظهرك الله أو اقتل وبايعه الناس على ما بايعه سنان وكان عدد المبايعين ألفا وخمسمائة وخمسة وعشرين إلى آخر تلك القصة الممتعة التي يرجع إليها من شاء في كتب السير.
الفوائد:
روى ابن سعد بإسناد صحيح عن نافع أن عمر بلغه أن قوما يأتون الشجرة يصلّون عندها فتوعدهم ثم أمر بقطعها فقطعت والحكمة في ذلك أن لا يحصل الافتتان بها.
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٢ الى ٢٦]
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً (٢٣) وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (٢٤) هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً (٢٥) إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً (٢٦)
стр. 4929
اللغة:
(الْهَدْيَ) تقدم تفسيره وفيه ثلاث لغات حكاها ابن خالويه:
الهدي وهي الشهيرة، والهدي بتشديد الياء، والهداء وهو ما يهدى إلى الكعبة.
(مَعْكُوفاً) محبوسا يقال عكفت الرجل عن حاجته إذا حبسته عنها، وأنكر الفارسي تعدية عكف بنفسه وهو محجوج كما يقول الأزهري وابن سيده ببناء اسم المفعول منه.
(مَعَرَّةٌ) مفعلة من عره بمعنى عراه إذا داهاه ما يكره وفي القاموس واللسان: المعرة المساءة والإثم والأذى والجناية والعيب والأمر القبيح والشدّة والمسبة وتلوّن الوجه غضبا وكوكب دون المجرة وبلد معروف.
стр. 4930
الإعراب:
(وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) الواو استئنافية ولو شرطية وقاتلكم فعل ومفعول به مقدّم والذين فاعل وجملة كفروا صلة، ولولّوا اللام واقعة في جواب لو وولّوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب لو والأدبار مفعول به وثم حرف عطف ولا نافية ويجدون فعل مضارع مرفوع وفاعل ووليّا مفعول به ولا نصيرا عطف عليه (سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا) سنّة مفعول مطلق لأنه مصدر مؤكد أي سنّ الله غلبة أنبيائه سنّة، والتي صفة لسنّة الله وجملة قد خلت صلة التي ومن قبل متعلقان بخلت والواو عاطفة ولن حرف نفي ونصب واستقبال وتجد فعل مضارع منصوب بلن ولسنّة الله متعلقان بتجد وتبديلا مفعول به (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ) كلام مستأنف وهو مبتدأ والذي خبره وجملة كفّ صلة وأيديهم مفعول به وعنكم متعلقان بكفّ وأيديكم عنهم عطف على أيديهم عنكم وببطن مكة بيان للموقع وهو الحديبية فهو متعلق بمحذوف حال أي كائنين ببطن مكة والحديبية ملاصقة للحرم ومن بعد متعلقان بكف أيضا وأن وما في حيزها في محل جر بالإضافة إلى الظرف وعليهم متعلقان بأظفركم (وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً) كان واسمها وبصيرا خبرها وبما تعملون متعلقان ببصيرا (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) كلام مستأنف لبيان الذين صدّوا النبي ﷺ عن المسجد الحرام، وهم مبتدأ والذين خبره وجملة كفروا صلة وصدّوكم عطف على الصلة وعن المسجد متعلقان بصدّوكم والحرام نعت والهدي عطف على الضمير المنصوب في صدّوكم وهو الكاف ويجوز أن تكون مفعولا معه والواو للمعية ومعكوفا
стр. 4931
حال، وأن يبلغ أن وما في حيزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض أي عن أن يبلغ أو من أن يبلغ وحينئذ يجوز في هذا الجار المقدّر أن يتعلق بصدّوكم وأن يتعلق بمعكوفا أي محبوسا عن بلوغ محله ويجوز أن يكون المصدر المؤول في موضع نصب على أنه مفعول من أجله لأنه علة الصدّ والتقدير صدّوا الهدي كراهة أن يبلغ محله أو هو علة لمعكوفا أي لأجل أن يبلغ محله، وأعربه بعضهم بدل اشتمال من الهدي أي مسددا بلوغ الهدي محله (وَلَوْلا رِجالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَؤُهُمْ) الواو عاطفة ولولا حرف امتناع لوجود ورجال مبتدأ خبره محذوف تقديره موجودون بمكة ومؤمنون نعت رجال ونساء مؤمنات عطف على رجال مؤمنون وجملة لم تعلموهم صفة للرجال والنساء جميعا وأن وما في حيزها في تأويل مصدر بدل اشتمال منهم أو من الضمير المنصوب في تعلموهم (فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ) الفاء سببية وتصيبكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية والكاف مفعول به ومنهم متعلقان بتصيبكم ومعرّة فاعل تصيبكم وبغير علم متعلقان بمحذوف حال من الكاف أو بمحذوف صفة لمعرّة وسيأتي الكلام في جواب لولا (لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذاباً أَلِيماً) اللام للتعليل ويدخل مضارع منصوب بأن مضمرة جوازا بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بمقدر أي كان انتفاء التسليط على أهل مكة وانتفاء العذاب ليدخل الله فهو علّة لما دلّ عليه كفّ الأيدي المفهوم من السياق عن أهل مكة صونا لمن فيها من المؤمنين وفي رحمته متعلقان بيدخل ومن يشاء مفعول به وجملة يشاء صلة ولو شرطية وتزيلوا فعل ماض وفاعل أي لو تميز بعضهم من بعض واللام رابطة وجملة عذبنا لا محل لها لأنها جواب لو وقد دلّ على جواب لولا وسيأتي مزيد من هذا البحث في باب البلاغة وعذبنا فعل وفاعل والذين كفروا مفعول به ومنهم حال وعذابا مفعول
стр. 4932
مطلق وأليما صفة (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بعذبنا أو بصدّوهم عن المسجد الحرام ولك أن تنصبه بإضمار اذكر وجملة جعل في محل جر بإضافة الظرف إليها
والذين فاعل وجملة كفروا صلة وفي قلوبهم متعلقان بجعل إذا كانت بمعنى ألقى أو بمحذوف مفعول به ثان لجعل إن كانت بمعنى صيّر والحمية مفعول به أول وحمية الجاهلية بدل والحمية الأنفة يقال حميت عن كذا حمية إذا أنفت عنه وداخلك عار وأنفة لفعله، قال المتلمس:
ألا إنني منهم وعرضي عرضهم ... كذا الرأس يحمي أنفه أن يهشما
(فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها) الفاء عاطفة على مقدّر لا بدّ منه يفهم من السياق أي فهمّ المسلمون أن يخالفوا كلام رسول الله ﷺ في الصلح ودخلوا من ذلك في أمر موبق أو يساور قلوبهم الشك فأنزل. والله فاعله وسكينته مفعول به وعلى رسوله متعلقان بأنزل وعلى المؤمنين عطف على ما تقدم وألزمهم عطف أيضا والهاء مفعول أول وكلمة التقوى مفعول به ثان وسيأتي المراد بها في باب الفوائد وكانوا عطف على ما تقدم وأحقّ خبر كانوا وبها متعلقان بأحق وأهلها عطف على أحق عطف تفسير (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً) كان واسمها وبكل شيء متعلقان بعليما وعليما خبرها.
البلاغة:
في هذه الآية لطائف معنوية وهو أنه تعالى أبان غاية البون بين الكافر والمؤمن، باين بين الفاعلين إذ فاعل جعل هو الكفار وفاعل أنزل هو الله تعالى، وبين المفعولين إذ تلك حمية وهذه سكينة، وبين
стр. 4933
الإضافتين أضاف الحمية إلى الجاهلية وأضاف السكينة إلى الله تعالى، وبين الفعل جعل وأنزل فالحمية مجعولة في الحال في العرض الذي لا يبقى والسكينة كالمحفوظة في خزانة الرحمة فأنزلها والحمية قبيحة مذمومة في نفسها وازدادت قبحا بالإضافة إلى الجاهلية والسكينة حسنة في نفسها وازدادت حسنا بإضافتها إلى الله تعالى والعطف في فأنزل بالفاء لا بالواو يدل على المقابلة تقول أكرمني زيد فأكرمته فدلّت على المجازاة للمقابلة ولذلك جعل فأنزل، ولما كان الرسول ﷺ هو الذي أجاب أولا إلى الصلح وكان المؤمنون عازمين على القتال لا يرجعوا إلى أهلهم إلا بعد فتح مكة أو النحر في المنحر وأبوا إلا أن يكتبوا محمد رسول الله ﷺ وباسم الله قال تعالى «على رسوله» ولما سكن هو ﷺ للصلح سكن المؤمنون فقال «وعلى المؤمنين» ولما كان المؤمنون عند الله تعالى ألزموا تلك الكلمة قال تعالى «إن أكرمكم عند الله أتقاكم» .
[سورة الفتح (٤٨) : الآيات ٢٧ الى ٢٩]
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً (٢٧) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٢٨) مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً (٢٩)
стр. 4934
اللغة:
(شَطْأَهُ) بسكون الطاء وفتحها وهما قراءتان سبعيتان وفي المختار «شطء الزرع والنبات فراخه وقال الأخفش طرفه وأشطأ الزرع خرج شطؤه» وفي القاموس: الشطء فراخ النخل والزرع أو ورقه وشطأ كمنع شطئا وشطوءا أخرجها ومن الشجرة ما خرج حول أصله والجمع أشطاء وأشطأ أخرجها والرجل بلغ ولده فصار مثله.
الإعراب:
(لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ) اللام موطئة للقسم وقد حرف تحقيق وصدق الله فعل وفاعل ورسوله مفعول به والرؤيا منصوب بنزع الخافض أي في رؤياه وقيل كذب يتعدى إلى مفعولين يقال كذبني الحديث وكذا صدق كما في الآية لكنه غريب لأنه لم يعهد تعدّي المخفف إلى مفعولين والمشدد إلى واحد وعبارة أبي حيان «وصدق يتعدى إلى اثنين الثاني بنفسه وبحرف الجر تقول صدقت زيدا الحديث وصدقته في الحديث» وهذا ما جرى عليه في القاموس وعبارة الزمخشري «صدقه في رؤياه ولم يكذبه تعالى الله عن الكذب وعن كل قبيح علوّا كبيرا فحذف الجار وأوصل الفعل كقوله تعالى: صدقوا ما عاهدوا الله عليه» وبالحق متعلق بصدق أو حال من الرؤيا (لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ
стр. 4935
الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ)
اللام جواب لقسم محذوف وتدخلن فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال لأنه من الأفعال الخمسة والواو المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل والنون نون التوكيد الثقيلة والمسجد مفعول به على السعة والحرام صفة وإن شرطية وشاء الله فعل الشرط والجواب محذوف لدلالة ما قبله، وفي تعليق بالوعد بالمشيئة مع أنه تعالى خالق للأشياء كلها وعالم بها قبل وقوعها أقوال نلخصها فيما يلي: ١- أنه حكاية قول الملك للرسول ﷺ ، قاله ابن كيسان.
٢- هذا التعليق تأدب بآداب الله تعالى وإن كان الموعود به محقق الوقوع حيث قال تعالى «ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله» . ٣- وقال ثعلب استثنى فيما يعلم ليستثني الخلق فيما لا يعلمون. ٤- وزعم الكوفيون أن إن هنا بمعنى إذ التي تذكر لتعليل ما قبلها، قالوا وليست شرطية لأن الشرط مستقبل وهذه القصة قد مضت، وأصح ما يقال ما أورده الزمخشري ونصه: «فإن قلت ما وجه دخول إن شاء الله في إخبار الله قلت فيه وجوه: أن يعلق عدّته بالمشيئة تعليما لعباده أن يقولوا في عداتهم مثل ذلك متأدبين بأدب الله ومقتدين بسنّته» وآمنين حال من الواو المحذوفة من لتدخلن لالتقاء الساكنين أي حال مقارنة للدخول والشرط معترض والمعنى آمنين في حال الدخول ومحلقين حال ثانية متداخلة ورؤوسكم مفعول به ولا نافية وتخافون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة مستأنفة أو حالية من فاعل لتدخلن أو من الضمير في آمنين أو في محلقين (فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً) الفاء عاطفة على جملة صدق الله وعلم فعل ماض وفاعل مستتر تقديره هو وما مفعول به وجملة لم تعلموه صلة ما، فجعل: الفاء عاطفة ومن دون ذلك متعلقان بجعل وفتحا مفعول به وقريبا نعت (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى
стр. 4936
الدِّينِ كُلِّهِ)
هو مبتدأ والذي خبره وجملة أرسل رسوله صلة الموصول وبالهدى متعلقان بمحذوف حال من المفعول به أي ملتبسا بالهدى ودين الحق عطف على الهدى واللام للتعليل ويظهره فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور متعلقان بأرسل أي ليعليه على الدين كله، وكله تأكيد للدين وأل في الدين للجنس يريد الأديان المختلفة (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) كفى فعل ماض والباء حرف جر زائد ولفظ الجلالة مجرور لفظا فاعل كفى محلا وشهيدا تمييز (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) محمد مبتدأ ورسول الله خبره والذين مبتدأ ومعه ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة وأشداء خبر وعلى الكفار متعلقان بأشداء ورحماء خبر ثان وبينهم ظرف متعلق برحماء جمع رحيم (تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً) الجملة خبر ثالث ولك أن تجعلها مستأنفة وتراهم فعل مضارع وفاعل مستتر تقديره أنت والهاء مفعول به وركّعا سجّدا حالان وجملة يبتغون مستأنفة كأنها جواب لسؤال نشأ عن مواظبتهم على الركوع والسجود كأنه قيل ماذا يريدون بذلك فقيل يبتغون أو حال ثالثة وفضلا مفعول به ومن الله متعلقان بيبتغون ورضوانا عطف على فضلا (سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ) سيماهم مبتدأ وفيها ثلاث لغات السيما والسيماء والسيمياء وهي العلامة وفي وجوههم خبر ومن أثر السجود حال (ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى الوصف الآنف وهو كونهم أشدّاء رحماء وسيماهم في وجوههم، ومثلهم خبره وفي التوراة حال (وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ) ومثلهم مبتدأ وفي الإنجيل حال وكزرع خبر مثلهم وجملة أخرج شطأه صفة لزرع وهناك أعاريب أخرى ستأتي الإشارة إليها في باب الفوائد، فآزره عطف على أخرج وكذلك فاستغلط وقوله فاستوى وعلى سوقه متعلقان باستوى أو بمحذوف حال أي كائنا على
стр. 4937
سوقه قائما عليها والسوق جمع ساق (يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ) الجملة حالية أي حال كونه معجبا والزراع مفعول يعجب، وليغيظ: اللام للتعليل والفعل المضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بفعل دلّ عليه السياق أي شبّهوا بذلك فالتعليل للتشبيه، قال الزمخشري: «فإن قلت قوله ليغيظ بهم الكفار تعليل لماذا؟ قلت لما دلّ عليه تشبيههم بالزرع من نمائهم وترقيهم في الزيادة والقوة ويجوز أن يعلل به وعد الله الذين آمنوا» فهو متعلق بوعد (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) وعد فعل ماض والله فاعل والذين مفعوله وجملة آمنوا صلة وجملة وعملوا الصالحات عطف على الصلة ومنهم حال ومغفرة مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض يقال: وعده الأمر وبه، وأجرا عطف على مغفرة وعظيما نعت.
стр. 4938
(٤٩) سورة الحجرات مدنية وآياتها ثمانى عشرة
[سورة الحجرات (٤٩) : الآيات ١ الى ٥]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤)
وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)
اللغة:
(تَحْبَطَ) في المختار: «حبط عمله بطل ثوابه وبابه فهم وحبوطا أيضا» . وقال الزمخشري: «والحبوط من حبطت الإبل إذا أكلت الخضر فنفخ بطونها وربما هلكت ومنه قوله ﵊: وإن مما ينبت الربيع لما يقتل حبطا» وفي القاموس: «الحبط محركة آثار الجرح
стр. 4939
أو السياط بالبدن بعد البرء أو الآثار الوارمة التي لم تشقّق فإن تقطعت ودميت فعلوب ووجع ببطن البعير من كلأ يستوبله أو من كلأ يكثر منه فينتفخ منه» إلى أن يقول: «وحبط عمله كسمع وضرب حبطا وحبوطا بطل ودم القتل هدرا» .
(امْتَحَنَ) في القاموس «محنه كمنعه اختبره كامتحنه والاسم المحنة بالكسر» وفي الكشاف: والامتحان افتعال من محنه وهو اختبار بليغ أو بلاء جهيد قال أبو عمرو: كل شيء جهدته فقد محنته وأنشد:
أتت رذايا باديا كلالها ... قد محنت واضطربت آطالها
نقول: والرذايا: جمع رذية وهي الناقة المهزولة والآطال جمع أطل وهو الخاصرة كأسباب وسبب، يقول الشاعر:
أتت المطايا مهازيل ظاهرا ملالها ... وتعبها من السير قد أجهدت
تلك النون بالمسير أو قد تدلت واضطربت خواصرها من شدة الجوع وفي الصحاح «الأيطل الخاصرة وجمعه أياطل وكذلك الأطل وجمعه آطال» .
(الْحُجُراتِ) جمع حجرة وهي فعلة بمعنى مفعولة كالغرفة وجمعها الحجرات بضمتين والحجرات بفتح الجيم والحجرات بتسكينها وقرئ بهنّ جميعا والحجرة القطعة من الأرض المحجورة بحائط أو نحوه.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) يا حرف نداء للمتوسط وأيّها منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب والهاء للتنبيه والذين بدل من أيّها وجملة آمنوا صلة الموصول ولا ناهية
стр. 4940
وتقدموا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل وفيه وجهان أحدهما أنه متعدّ حذف مفعوله لقصد التعميم أو ترك المفعول للقصد إلى نفس الفعل كقولهم: هو يعطي ويمنع والثاني أنه لازم نحو وجه وتوجه ويؤيده قراءة ابن عباس والضحاك ويعقوب:
تقدموا بفتح التاء والقاف والدال. وبين مفعول فيه ظرف مكان متعلق بتقدموا ويدي الله مضاف إليه وعلامة جرّه الياء نيابة عن الكسرة لأنه مثنى ولفظ الجلالة مضاف إليه ورسوله عطف على لفظ الجلالة (وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) الواو حرف عطف واتقوا فعل أمر وفاعل ولفظ الجلالة مفعول به وإن واسمها وخبراها والجملة تعليلية لا محل لها من الإعراب (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ) لا ناهية وترفعوا فعل مضارع مجزوم بلا والواو فاعل وأصواتكم مفعول به وفوق ظرف متعلق بترفعوا وصوت النبي مضاف إليه (وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ) الواو عاطفة ولا ناهية وتجهروا فعل مضارع مجزوم بلا وله متعلقان بتجهروا وبالقول متعلقان بتجهروا أيضا والكاف في محل نصب صفة لمصدر محذوف أي لا تجهروا له جهرا مثل جهر بعضكم لبعض، ولبعض متعلقان بجهر لأنه مصدر وأن وما في حيزها في موضع نصب على أنه مفعول لأجله على حذف مضاف أي خشية الحبوط والخشية منهم وقد تنازعه لا ترفعوا ولا تجهروا وعبارة أبي السعود: «وقوله أن تحبط أعمالكم إما علّة للنهي أي لا تجهروا خشية أن تحبط أو كراهة أن تحبط كما في قوله تعالى: يبيّن الله لكم أن تضلّوا وإما علّة للمنهي أي لا تجهروا لأجل الحبوط فإن الجهر حيث كان بصدد الأداء إلى الحبوط فكأنه فعل لأجله على طريقة التمثيل كقوله تعالى: ليكون لهم عدوا وحزنا» وقد فرّق الزمخشري بين الوجهين تفريقا تراه في باب الفوائد.
وأعمالكم فاعل تحبط والواو حالية وأنتم مبتدأ وجملة لا تشعرون خبر
следующие страницы →