← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5146–5185 · переход к 5151.

стр. 5146

مبتدأ ومولاكم خبر، ومولاكم يصح أن يكون بمعنى أولى بكم قال لبيد: فغدت كلا الفرجين تحسب أنه ... مولى المخافة خلفها وأمامها وهو من معلقته يصف بقرة وحشية والفرج: موضع المخافة وما بين قوائم الدواب فما بين اليدين فرج وما بين الرجلين فرج، وقال ثعلب إن المولى في هذا البيت بمعنى الأولى بالشيء كقوله تعالى: «مأواكم النار هي مولاكم» أي أولى بكم، يقول: فغدت تلك البقرة وهي تحسب أن كلا فرجيها مولى المخافة أي موضعها وصاحبها أو تحسب أن كل فرج من فرجيها هو الأولى بالمخافة منه أي بأن يخاف منه، وقال الأصمعي: أراد بالمخافة الكلاب وبمولاها صاحبها أي غدت وهي لا تعرف أن الكلاب والكلاب خلفها أم أمامها فهي تظن كل جهة من الجهتين موضعا للكلاب، والضمير الذي هو اسم إن عائد إلى كلا وهو مفرد اللفظ وإن كان يتضمن معنى التثنية ويجوز حمل الكلام بعده على لفظه مرة، وعلى معناه أخرى والحمل على اللفظ أكثر وتمثيلهما كلا أخويك سبّني وكلا أخويك سبّاني وقال الشاعر: كلاهما حين جدّ الجري بينهما ... قد أقلعا وكلا أنفيهما رابي حمل أقلعا على معنى كلا وحمل رابيا على لفظه وقال الله : «كلتا الجنتين قد آتت أكلها» حملا على لفظ كلتا وخلفها وأمامها خبر مبتدأ محذوف تقديره هو خلفها وأمامها ويجوز أن يكون بدلا من كلا الفرجين وتقديره فغدت كلا الفرجين خلفها وأمامها تحسب أنه مولى المخافة وحقيقة مولاكم محراكم ومقمنكم يقال هو حري أن يفعل كذا وهو قمين أن يفعله أي جدير بذلك وحقيق به أي مكانكم الذي يقال فيه هو أولى بكم كما قيل هو مئنة للكرم أي مكان لقول القائل: أنه لكريم فيكون اسم مكان لا كغيره من أسماء الأمكنة فإنها

стр. 5147

مكان للحدث بقطع النظر عمّن صدر عنه وهذا مثل للمفضل على غيره الذي هو صفته فهو ملاحظ فيه معنى أولى لأنه مشتق منه كما أن المئنة مأخوذة من إن وليست مشتقة منها ويجوز أن يراد هو ناصركم أي لا ناصر لكم إلا النار وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمصير فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي النار. البلاغة: ١- في قوله «من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا» استعارة تصريحية تبعية، فقد شبّه الإنفاق في سبيل الله بإقراضه ثم حذف المشبّه وأبقى المشبه به، والجامع بينهما إعطاء شيء بعوض ومعنى كونه حسنا أي خالصا من شوائب الرياء. أما القرض الذي يدفع إلى الإنسان من المال بشرط ردّ بدله فهو سنّة مؤكدة وقد يجب للمضطر ويحرم على من يستعين به على معصية. ٢- وفي قوله «يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم» استعارة تصريحية أصلية» فالنور استعارة عن الهدى والرضوان الذي هم فيه فحذف المشبّه وأبقى المشبّه به. ٣- وفي قوله «خالدين فيها» بعد قوله «بشراكم اليوم» التفات من الخطاب إلى الغيبة، وقد تقدم القول في الالتفات كثيرا. ٤- وفي قوله «فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب» فنّان رفيعان أولهما الاستعارة التمثيلية، شبّه بقاء المنافقين في حندس نفاقهم وظلامه بمن ضرب بينهم وبين النور الهادي سور يحجب كل نور، والفن الثاني المقابلة فقد طابق بين باطنه وظاهره وبين الرحمة والعذاب.

стр. 5148

[سورة الحديد (٥٧) : الآيات ١٦ الى ٢٠] أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦) اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧) إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨) وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩) اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠) اللغة: (يَأْنِ) مضارع أنى يأني من باب رمى فهو معتل حذفت منه الياء التي هي لامه للجازم كما يأتي في الإعراب ومعنى أنى إذا جاء إناه أي وقته، وأنشد ابن السكّيت:

стр. 5149

ألما يأن لي أن تجلّى عمايتي ... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى لنا الإعراب: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) الهمزة للاستفهام ولم حرف نفي وقلب وجزم ويأن فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وللذين متعلقان بمحذوف تقديره أعني، فهي للتبيين، وهذا ما اختاره أبو البقاء ولا داعي له، فيتعلق الجار والمجرور بيأن، وجملة آمنوا صلة الموصول لا محل لها وأن وما في حيزها فاعل يأن أي ألم يقرب وقت خشوع قلوبهم ويجيء وقته، ومنه قول الشاعر: ألم يأن لي يا قلب أن أترك الجهلا ... وأن يحدث الشيب المنير لنا عقلا ولذكر الله متعلقان بتخشع والواو حرف عطف وما اسم موصول معطوف على ذكر الله وجملة نزل صلة ومن الحق متعلقان بمحذوف حال (وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ) الواو حرف عطف ولا نافية ويكونوا عطف على تخشع ويجوز أن تكون لا ناهية ويكون ذلك انتقالا إلى نهي المؤمنين عن كونهم مشبهين لمن تقدمهم ويكونوا فعل مضارع ناقص والواو اسمها وكالذين خبرها وجملة أوتوا صلة والكتاب مفعول به ثان ومن قبل متعلقان بأوتوا، فطال عطف على أوتوا وعليهم متعلقان بطال والأمد فاعل (فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) فقست قلوبهم عطف على فطال عليهم الأمد وكثير مبتدأ ومنهم صفة لكثير ولذلك ساغ الابتداء به وفاسقون خبر كثير (اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها) كلام مستأنف مسوق لخطاب المؤمنين المذكورين على طريق الالتفات، واعلموا فعل أمر مبني على حذف

стр. 5150

النون والواو فاعل وأن وما في حيزها سدّت مسدّ مفعولي اعلموا وأن واسمها وجملة يحيي الأرض خبر أن والظرف متعلق بيحيي وموتها مضاف إليه (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) قد حرف تحقيق وبينّا فعل وفاعل ولكم متعلقان ببيّنّا والآيات مفعول ولعلّ واسمها وجملة تعقلون خبرها (إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ) إن واسمها والمصدقات عطف على المصدقين وأقرضوا عطف على معنى الفعل في المصدقين لأن اللام بمعنى الذين واسم الفاعل بمعنى اصدّقوا كأنه قيل إن الذين اصدّقوا وأقرضوا، ولفظ الجلالة مفعول به وقرضا مفعول مطلق وحسنا نعت ويضاعف فعل مضارع مبني للمجهول ولهم قائم مقام الفاعل ويجوز أن يكون القائم مقام الفاعل مضمرا يعود على ضمير التصدّق ولا بدّ من حذف مضاف أي ثواب التصدّق، ولهم متعلقان بيضاعف والواو عاطفة ولهم خبر مقدّم وأجر مبتدأ مؤخر وكريم نعت (وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ) الواو استئنافية والذين مبتدأ وجملة آمنوا صلة وبالله متعلقان بآمنوا ورسله عطف على الله وأولئك مبتدأ ثان، وهم يجوز أن يكون فصلا والصدّيقون خبر أولئك وأولئك وخبره خبر الأول ويجوز أن يكون هم مبتدأ ثالثا والصدّيقون خبرهم وهو مع خبره خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول (وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) يجوز أن تنسق الشهداء على ما قبله فالوقف عنده تام، أخبر عن الذين آمنوا أنهم صدّيقون شهداء، ويجوز أن تكون الواو استئنافية والشهداء مبتدأ ولك في خبره وجهان أحدهما أنه الظرف بعده والثاني أنه قوله لهم أجرهم ولهم خبر مقدّم وأجرهم مبتدأ مؤخر ونورهم عطف على أجرهم والظرف متعلق بمحذوف حال (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ) والذين مبتدأ وجملة كفروا صلة وكذبوا عطف على كفروا وبآياتنا متعلقان بكفروا وأولئك مبتدأ وأصحاب

стр. 5151

الجحيم خبره (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ) كلام مستأنف مسوق لتحقير الدنيا وهوان أمرها، واعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وأن ما في حيزها سدّت مسدّ مفعولي اعلموا وأنما هنا كافّة ومكفوفة والحياة مبتدأ والدنيا نعت لها ولعب خبر الحياة وما بعدها منسوق عليها وبينكم ظرف متعلق بمحذوف صفة لتفاخر وفي الأموال نعت لتكاثر (كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً) الكاف خبر لمبتدأ محذوف أو الجار والمجرور خبر لمبتدأ محذوف أو في موضع نصب حال من معنى ما تقدم أي ثبتت لها هذه الصفات مشبهة بغيث، وجملة أعجب نعت لغيث والكفّار مفعول مقدّم لأعجب وهم الزارع ونباته فاعل مؤخر ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ويهيج فعل مضارع مرفوع وفاعله هو يعود إلى النبات أي ييبس وهاج الثلاثي معناه يبس، فتراه عطف على يهيج وفاعل تراه أنت والهاء مفعول به مصفرّا حال لأن الرؤية بصرية، ثم يكون حطاما عطف على ما تقدم (وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ) الواو عاطفة وفي الآخرة خبر مقدّم وعذاب مبتدأ مؤخر وشديد نعت لعذاب ومغفرة عطف على عذاب ومن الله صفة لمغفرة ورضوان عطف على مغفرة، وسيأتي المزيد من أسرار هذا التركيب في باب البلاغة (وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ) الواو عاطفة وما نافية والحياة مبتدأ والدنيا نعت للحياة وإلا أداة حصر والغرور مضاف إليه والإضافة بيانية والغرور بالضم ما اغترّ به الشخص من متاع الدنيا. البلاغة: ١- الاستعارة التمثيلية: في قوله «اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها» استعارة تمثيلية، شبّه تليين القلوب بالذكر والتلاوة بعد قساوتها

стр. 5152

ونبوّها عن استماع الحق والعمل بأوامره بإحياء الأرض الميتة بالغيث من حيث اشتمال كل واحد منهما على بلوغ الشيء إلى كماله المتوقع بعد خلوّه عنه أو يكون استعارة تمثيلية لإحياء الأموات بأنه شبّه إحياءها بإحياء الأرض الميتة، وأن من قدر على الثاني قادر على الأول فحقّه أن تخشع القلوب لذكره. ٢- وفي قوله «كمثل غيث أعجب الكفّار نباته» الآية استعارة تمثيلية أيضا، فهو تمثيل للحياة الدنيا في سرعة انقضائها وقلّة جدواها بحال نبات أنبته الغيث فاستوى وأعجب به الحراث أو الكافرون- على خلاف بين المفسرين- لأن هؤلاء وأولئك أشدّ إعجابا بزينة الحياة الدنيا. ٣- الطباق: وطابق في قوله «وفي الآخرة عذاب» بين العذاب، والمغفرة في قوله «ومغفرة من الله ورضوان» ولكنه طباق بين واحد وشيئين فهو من باب لن يغلب عسر يسرين وسيأتي تفصيله في سورة الانشراح. [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢١ الى ٢٥] سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١) ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤) لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)

стр. 5153

الإعراب: (سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) كلام مستأنف مسوق لبيان أسباب وذرائع المفاخرة الحقيقية التي يصحّ التفاخر بها، وسابقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وإلى مغفرة متعلقان بسابقوا ومن ربكم نعت لمغفرة (وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) وجنة عطف على مغفرة وعرضها مبتدأ وكعرض السموات خبر والجملة نعت لجنة والأرض عطف على السموات وأعدّت فعل ماض مبني للمجهول ونائب الفاعل المستتر تقديره هي والجملة نعت ثان لجنة ويجوز أن تكون مستأنفة وللذين متعلقان بأعدّت وجملة آمنوا صلة للموصول لا محل لها وبالله متعلقان بآمنوا ورسله عطف على بالله (ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) ذلك مبتدأ وفضل الله خبر وجملة يؤتيه في محل نصب حال ويؤتيه فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول به ومن اسم موصول في محل نصب مفعول ثان وجملة يشاء صلة من والله مبتدأ وذو الفضل العظيم خبر (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها) ما نافية وأصاب فعل ماض، ومن مصيبة: من حرف جر

стр. 5154

زائد ومصيبة مجرور لفظا مرفوع محلا على أنه فاعل أصاب وذكر الفعل لأن تأنيث المصيبة مجازي، وفي الأرض نعت لمصيبة أو متعلقان بأصاب أو بنفس مصيبة، ولا في أنفسكم عطف على في الأرض وإلا أداة حصر وفي كتاب حال من مصيبة لتخصصها بالوصف أو بالعمل إذا علق في الأرض بها أو بمحذوف تقديره إلا هي كائنة في كتاب فهو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف ومن قبل متعلقان بما تعلق به قوله في كتاب أي إلا ثابتة في كتاب من قبل أن نبرأها، ونبرأها فعل مضارع منصوب بأن والفاعل مستتر يعود على الله تعالى والهاء ضمير متصل في محل نصب مفعول به وهو يعود على المصيبة وقيل على الأنفس وقيل على الأرض وأن وما في حيزها في محل جر بإضافة الظرف إليها والجملة في محل جر صفة لكتاب والضمير في نبرأها عائد إلى المصيبة أو إلى الأنفس أو إلى الأرض أو إلى جميع ذلك ومعنى نبرأها نخلقها (إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) إن واسمها وعلى الله متعلقان بيسير ويسير خبر إن (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ) اللام حرف جر وكي حرف مصدري بمنزلة أن وليست للتعليل لأنها لو كانت كذلك لم يدخل عليها حرف تعليل آخر ولا نافية وتأسوا فعل مضارع منصوب بكي وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل وأصله تأسيون تحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفا فصار تأساون فالتقى ساكنان الألف والواو التي هي الفاعل فحذفت الألف لالتقاء الساكنين. وفي المصباح: وأسي أسى من باب تعب حزن فهو أسي على فعيل مثل حزين. واللام الجارّة وما في حيزها متعلقان بمحذوف تقديره: وأعلمناكم أو أخبرناكم وقدّره بعضهم اختبرناكم، والواو حرف عطف ولا نافية وتفرحوا عطف على تحزنوا وبما متعلقان بتفرحوا وجملة آتاكم صلة ومتعلق فاتكم وآتاكم محذوف تقديره من النعم (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ) والله مبتدأ وجملة لا يحبّ خبر وكل مختال مفعول به وفخور نعت (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ

стр. 5155

النَّاسَ بِالْبُخْلِ) الذين بدل من قوله كل مختال فخور كأنه قال: لا يحبّ الذين يبخلون ويجوز أن يكون محله رفعا على الابتداء ويكون خبره محذوفا والتقدير فإنهم يستحقون العذاب ويصحّ أن يكون خبرا لمبتدأ محذوف أي هم الذين أو منصوبا على الذم بفعل محذوف تقديره أذمّ وهذه الأوجه كلها متساوية في الترجيح وجملة يبخلون صلة الموصول لا محل لها ويأمرون عطف على يبخلون والناس مفعول به وبالبخل متعلقان بيأمرون. واستبعد بعضهم البدلية والوصفية وجعله كاملا مستأنفا لا تعلق له بما قبله (وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويتولّ فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلّة والفاء رابطة لجواب الشرط لوقوعه جملة اسمية وإن واسمها وهو ضمير فصل وفي قراءة بسقوطه مما يرجح كونه فعلا لا مبتدأ والغني خبر إن والحميد خبر ثان والجملة في محل جزم جواب الشرط (لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ) اللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وأرسلنا فعل وفاعل ورسلنا مفعول به وبالبيّنات حال والجملة استئنافية (وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ) وأنزلنا عطف على أرسلنا ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال أي وأنزلنا الكتاب حال كونه آئلا وصائرا لأن يكون معهم إذا وصل إليهم في الأرض، والكتاب مفعول به والميزان عطف على الكتاب واللام للتعليل ويقوم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام وبالقسط أي بالعدل متعلقان بمحذوف حال أي قاسطين عادلين، ولك أن تعلقه بيقوم واللام ومجرورها متعلقان بأرسلنا وأنزلنا لأنها علّة الإرسال والإنزال (وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) الواو عاطفة وأنزلنا فعل وفاعل والحديد مفعول به وفيه خبر مقدّم وبأس مبتدأ مؤخر والجملة حالية من الحديد وشديد صفة أي فيه قوة ومنعة، والكلام في ذلك طويل، ومنافع للناس عطف على بأس شديد، وقلّما تخلو صناعة من الحديد (وَلِيَعْلَمَ

стр. 5156

اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) الواو عاطفة وليعلم معطوف على محذوف دلّت عليه جملة فيه بأس شديد فهو علّة للتعليل لا علّة للإرسال والإنزال وبذلك تعلم فساد قول بعض المعربين كالجلال وغيره أنه معطوف على ليقوم، والله فاعل ومن مفعول به وجملة ينصره صلة من ورسله عطف على الهاء أي وينصر رسله أيضا وبالغيب حال من هاء ينصره أي غائبا عنهم في الدنيا وإن واسمها وخبراها. الفوائد: العطف على الظاهر والضمير: يعطف على الظاهر والضمير المنفصل مرفوعا كان أو منصوبا، والضمير المتصل المنصوب بلا شرط كقام زيد وعمرو وأنا وأنت قائمان وإياك والأسد، والعطف على الضمير المتصل المنصوب نحو جمعناكم والأولين فالأولين عطف على الكاف، ولا يحسن العطف على الضمير المرفوع المتصل بارزا كان أو مستترا إلا بعد توكيده بضمير منفصل نحو «لقد كنتم أنتم وآباؤكم» ونحو «اسكن أنت وزوجك الجنة» وقد أشار ابن مالك في الخلاصة إلى ذلك بقوله: وإن على ضمير رفع متصل ... عطفت فافصل بالضمير المنفصل [سورة الحديد (٥٧) : الآيات ٢٦ الى ٢٩] وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦) ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨) لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)

стр. 5157

اللغة: (وَقَفَّيْنا) التقفية جعل الشيء في إثر الشيء على الاستمرار فيه ولهذا قيل لمقاطع الشعر قواف إذ كانت تتبع البيت على إثره مستمرة في غيره على منهاجه، وفي المختار: «قفا أثره اتبعه وبابه عدا وقفى على أثره بفلان أي اتبعه إياه ومنه قوله تعالى: ثم قفينا على آثارهم برسلنا ومنه الكلام المقفى» . (وَرَهْبانِيَّةً) الرهبانية: المبالغة في العبادة والرياضة والانقطاع عن الناس منسوبة إلى الرهبان وهو المبالغ في الخوف من رهب كالخشيان من خشي وقرئت بالضم كأنها نسبت إلى الرهبان جمع راهب كراكب وركبان، وعبارة القاموس: «والراهب واحد رهبان النصارى ومصدره الرهبة والرهبانية أو الرهبان بالضم قد يكون واحد وجمعه رهابين

стр. 5158

ورهابنة ورهبانون ولا رهبانية في الإسلام هي كالإخصاء واعتناق السلاسل ولبس المسوح وترك اللحم ونحوها» واكتفى صاحب المنجد بالقول: «الرّهبانية والرهبانية: طريقة الرهبان» وعرف الراهب بقوله: «من اعتزل الناس إلى دير طلبا للعبادة» وسيأتي المزيد من معناها في باب الإعراب . (كِفْلَيْنِ) نصيبين ضخمين والكفل الحظ ومنه الكفل الذي يتكفل به الراكب وهو كساء أو نحوه يحويه على الإبل إذا أراد أن يرقد فيحفظه من السقوط ففيه حظ من التحرّز من الوقوع. الإعراب: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ) الواو حرف عطف واللام جواب للقسم المحذوف وقد حرف تحقيق وتكرير القسم لإظهار مزيد العناية بالأمر، وأرسلنا فعل وفاعل ونوحا مفعول به وإبراهيم عطف على نوحا، وجعلنا عطف على أرسلنا وفي ذريتهما في موضع المفعول الثاني والنبوّة مفعول جعلنا الأول والكتاب عطف على النبوّة وأراد بالكتاب الجنس أي الكتب الأربعة (فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) الفاء تفريعية ومنهم خبر مقدّم ومهتد مبتدأ مؤخر وكثير مبتدأ ومنهم نعت لكثير وفاسقون خبر كثير (ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا) ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي وقفينا فعل وفاعل وعلى آثارهم متعلقان بقفينا والباء حرف جر زائد ورسلنا مجرور لفظا منصوب محلا (وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ) وقفينا عطف على قفينا الأولى وبعيسى الباء حرف جر زائد وعيسى مجرور لفظا مفعول به محلا وبن بدل ومريم مضاف إليه، وآتيناه الواو عاطفة وآتيناه فعل وفاعل ومفعول به أول والإنجيل مفعول به ثان (وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً

стр. 5159

وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها ما كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ) وجعلنا فعل وفاعل وفي قلوب في موضع المفعول الثاني والذين مضاف إليه وجملة اتبعوه من الفعل والفاعل والمفعول به صلة ورأفة مفعول به أول ورحمة مفعول به ثان، ورهبانية فيها وجهان: ١- أولهما أنها منسوقة على رأفة ورحمة وجملة ابتدعوها نعت لها وإنما خصّت بذكر الابتداع لأن الرحمة والرأفة في القلب أمر غريزي لا تكسّب للإنسان فيه بخلاف الرهبانية فإنها من أفعال البدن وللإنسان فيها تكسّب. ٢- الثاني أنها منصوبة بفعل مقدّر يفسّره الظاهر فتكون المسألة من باب الاشتغال وإلى هذا الإعراب نحا الزمخشري وأبو علي الفارسي والمعتزلة، وذلك أنهم يقولون ما كان من فعل الإنسان فهو مخلوق له فالرأفة والرحمة لما كانتا من فعل الله نسب خلقهما أو تصييرهما إليه والرهبانية لما لم تكن من فعل الله تعالى بل من فعل العبد نسب خلقها إليه وإلى القارئ نص عبارة أبي حيان: «ورهبانية معطوف على ما قبله فهي داخلة في الجمل وجملة ابتدعوها جملة في موضع الصفة لرهبانية وخصّت الرهبانية بالابتداع لأن الرأفة والرحمة في القلب لا تكسب للإنسان فيها بخلاف الرهبانية فإنها أفعال بدن مع شيء في القلب ففيها موضع للتكسّب، قال قتادة: الرحمة من الله والرهبانية هم ابتدعوها» والرهبانية رفض الدنيا وشهواتها من النساء وغيرهنّ واتخاذ الصوامع، وجعل أبو علي الفارسي ورهبانية مقتطعة من العطف على ما قبلها من رأفة ورحمة فانتصب عنده ورهبانية على إضمار فعل يفسّره ما بعده فهو من باب الاشتغال أي وابتدعوا رهبانية ابتدعوها واتبعه الزمخشري فقال: «وانتصابها بفعل مضمر يفسّره الظاهر تقديره وابتدعوا رهبانية ابتدعوها يعني وأحدثوها من عند أنفسهم ونذروها» وهذا إعراب المعتزلة وكان أبو علي معتزليا وهم يقولون ما كان مخلوقا لله لا يكون مخلوقا للعبد، والرأفة والرحمة من خلق الله والرهبانية من ابتداع الإنسان فهي مخلوقة

стр. 5160

له، وهذا الإعراب الذي لهم ليس بجيد من جهة صناعة العربية لأن مثل هذا مما لا يجوز فيه الرفع بالابتداء ولا يجوز الابتداء هنا بقوله ورهبانية لأنها نكرة لا مسوغ لها من المسوغات للابتداء بالنكرة. وقال ابن المنير متعقبا الزمخشري: «في إعراب هذه الآية تورّط أبو علي الفارسي وتحيز إلى فئة الفتنة وطائفة البدعة فأعرب رهبانية على أنها منصوبة بفعل مضمر يفسّره الظاهر وعلّل امتناع العطف فقال: ألا ترى أن الرهبانية لا يستقيم حملها على جعلنا مع وصفها بقوله ابتدعوها لأن ما يجعله هو تعالى لا يبتدعونه هم، والزمخشري أيضا ورد مورده الذميم وأسلمه شيطانه الرجيم فلما أجاز ما منعه أبو علي من جعلها معطوفة أعذر لذلك بتحريف الجعل إلى معنى التوفيق فرارا مما فرّ منه أبو علي من اعتقاد أن ذلك مخلوق لله تعالى وجنوحا إلى الإشراك واعتقاد أن ما يفعلونه هم لا يضلّه الله تعالى ولا يخلقه وكفى بما في هذه الآية دليلا بعد الأدلة القطعية والبراهين العقلية على بطلان ما اعتقداه فإن ذكر محل الرحمة والرأفة مع العلم بأن محلها النصب فجعل قوله في قلوب الذين اتبعوه تأكيدا لخلقه هذه المعاني وتصويرا لمعنى الخلق بذكر محله، ولو كان المراد أمرا غير مخلوق في قلوبهم لله تعالى كما زعما لم يبق لقوله في قلوب الذين اتبعوه موقع ويأبى الله أن يشتمل كتابه الكريم على ما لا موقع له» . أما أبو البقاء فقد جمع بين الرأيين فقال: «قوله تعالى: ورهبانية هو منصوب بفعل دلّ عليه ابتدعوها لا بالعطف على الرحمة لأن ما جعله الله تعالى لا يبتدعونه، وقيل هو معطوف عليها وابتدعوها نعت له والمعنى فرض عليهم لزوم رهبانية ابتدعوها ولهذا قال: ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله» . أما ابن هشام فقد قال في المغني: «وقول الفارسي في ورهبانية ابتدعوها أنها من باب زيدا ضربته واعترضه ابن الشجري بأن المنصوب في هذا الباب شرطه أن يكون مختصّا ليصحّ رفعه بالابتداء والمشهور أنه عطف

стр. 5161

على ما قبله وابتدعوها صفة ولا بدّ من تقدير مضاف أي وجد رهبانية وإنما لم يحمل أبو علي الآية على ذلك لاعتزاله فقال: لأن ما يبتدعونه لا يخلقه الله » . وخلاصة الخلاف أنه لو جعل ورهبانية عطفا على ما قبله لكان في الكلام تناقض وذلك أن مفاد الكلام يقتضي أن تكون الرهبانية مخلوقة لله والوصف بالابتداع يقتضي أنها مخلوقة لهم وما كان مخلوقا لهم لا يخلقه الله فهو تناقض فعدل الفارسي وتبعه الزمخشري عن العطف وجعله من باب الاشتغال. وإنما أوردنا هذه الأقوال لنريك ما للإعراب من تأثير في توجيه المعتقد ولهذا لم نر لأنفسنا مساغا للترجيح فتدبر. ونعود إلى تتمة إعراب الآية فنقول: وجملة ابتدعوها إما صفة لرهبانية وإما مفسّرة على القولين وما نافية وكتبناها فعل وفاعل ومفعول به والجملة صفة لرهبانية على كل حال ويجوز أن تكون مستأنفة وإلا أداة استثناء إذا اعتبرنا الاستثناء منقطعا أو أداة حصر إذا اعتبرناه متصلا، فعلى الأول تعرب ابتغاء استثناء منقطعا وتكون إلا بمعنى لكن والمعنى لم نفرضها عليهم ولكنهم ابتدعوها، وعلى الثاني تعرب ابتغاء مفعولا من أجله والمعنى ما كتبناها عليهم لشيء من الأشياء إلا لابتغاء مرضاة الله ويكون كتب بمعنى قضى. واكتفى الزمخشري بالوجه الأول (فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها) الفاء عاطفة وما نافية ورعوها فعل وفاعل ومفعول به وحق رعايتها مفعول مطلق (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ) الفاء حرف عطف وآتينا فعل وفاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا لا محل لها لأنها صلة الموصول ومنهم حال وأجرهم مفعول به ثان وكثير مبتدأ ومنهم نعت وفاسقون خبر (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ) يا حرف نداء وأي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم والهاء للتنبيه والذين بدل وجملة آمنوا صلة واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وآمنوا فعل أمر معطوف على اتقوا وبرسوله متعلقان بآمنوا ويؤتكم فعل

стр. 5162

مضارع مجزوم لأنه جواب الأمر وعلامة جزمه حذف حرف العلّة والكاف مفعول به أول وكفلين مفعول به ثان ومن رحمته نعت لكفلين (وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ) عطف على يؤتكم ولكم متعلقان بيجعل أو في موضع المفعول الثاني ونورا مفعول يجعل وجملة تمشون به نعت لنورا (وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عطف على ما تقدم ولكم متعلقان بيغفر والله مبتدأ وغفور خبر أول ورحيم خبر ثان (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ) اللام لام التعليل وأن حرف مصدري ونصب ولا زائدة ويعلم فعل مضارع منصوب بأن أي ليعلم أعمالكم بذلك فاللام متعلقة بمحذوف مقتبس من معنى الجملة الطلبية وأهل الكتاب فاعل يعلم وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن ولا نافية وجملة يقدرون خبر أن والمعنى أنهم لا يقدرون وعلى شيء متعلقان بيقدرون ومن فضل الله نعت لشيء وأن وما في حيزها سدّت مسدّ مفعولي يعلم (وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ) الواو عاطفة وأن وما في حيزها عطف على أن لا يقدرون داخل في حيّز المعلوم وأن واسمها وبيد الله خبر أن وجملة يؤتيه مستأنفة أو خبر ثان لأن والهاء مفعول به أول ومن مفعول به ثان وجملة يشاء صلة (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) الله مبتدأ وذو الفضل خبره والعظيم نعت للفضل. الفوائد: قد يعترض الكلام نفي فيلزم إظهار «أن» بعد لام التعليل التي لحقتها «لا» ولو أضمرت «أن» هنا لم يجز لأن إضمارها يؤدي إلى مباشرة حرف الجر حرف النفي وذلك غير جائز.

стр. 5163

[المجلد العاشر] (٥٨) سورة المجادلة مدينة وآياتها ثنتان وعشرون [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١ الى ٤] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١) الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلاَّ اللاَّئِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ (٤)

стр. 5164

اللغة: (يَظْهَرُونَ) مضارع ظاهر وقرىء يظهرون بتشديد الظاء والهاء، ويتظاهرون مضارع تظاهر ويتظهرون مضارع تظهر والمراد به كله الظهار وهو قول الرجل لزوجته أنت عليّ كظهر أمي يريد في التحريم كأنه إشارة إلى الركوب إذ عرفه في ظهور الحيوان والمعنى أنه لا يعلوها كما لا يعلو أمه، وفي القاموس: «والظهار قوله لامرأته أنت عليّ كظهر أمي وقد ظاهر منها وتظهّر وظهّر» وسيأتي المزيد من بحث هذه المادة في باب الفوائد. الإعراب: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ) قد حرف تحقيق وسمع الله فعل ماض وفاعل وأدغم الكسائي الدال في السين، وقول مفعول به والتي اسم موصول في محل جر بالإضافة وجملة تجادلك لا محل لها لأنها صلة الموصول وتجادلك فعل مضارع والفاعل مستتر يعود إلى المرأة المذكورة، وسيأتي حديثها في باب الفوائد، والكاف مفعول به- ولهذا سمّيت السورة المجادلة بكسر الدال على أنها اسم فاعل وقيل بفتحها وكسرها كما في حاشية الشهاب على البيضاوي والكسر أرجح على كل حال لأنه أنسب بالسياق- وفي زوجها متعلقان بتجادلك ولا بدّ من حذف مضاف أي في شأن زوجها وتشتكي عطف على تجادلك ويجوز أن تكون الواو حالية والجملة في موضع نصب على الحال وإلى الله متعلقان بتشتكي (وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) الواو حالية والله مبتدأ وجملة يسمع خبر والفاعل مستتر يعود على الله وتحاوركما مفعول به والحوار في الكلام معروف وفي المصباح: «وحاورته راجعته الكلام وتحاورا وأحار الرجل الجواب

стр. 5165

بالألف ردّه وما أحاره: ما ردّه» وإن واسمها وخبراها والجملة تعليلة لما قبلها (الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ) كلام مستأنف مسوق للشروع في بيان أحكام المظاهر، والذين مبتدأ وجملة يظاهرون صلة لا محل لها ومنكم حال أي حال كونهم منكم أيّها العرب ولا يخفى ما في هذه الحال من التهجين لعاداتهم والتوبيخ لهم، ومن نسائهم متعلقان بيظاهرون أي يحرمون نساءهم على أنفسهم كتحريم الله عليهم ظهور أمهاتهم وما نافية حجازية وهنّ اسمها وأمهاتهم خبرها ونصب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم والجملة خبر المبتدأ الذي هو الموصول (إِنْ أُمَّهاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ) إن نافية وأمهاتهم مبتدأ وإلا أداة حصر واللائي اسم موصول في محل رفع خبر وجملة ولدنهم صلة وولدنهم فعل وفاعل ومفعول به (وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً) الواو عاطفة وانهم إن واسمها واللام المزحلقة ويقولون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة خبر أنهم ومنكرا صفة لمصدر محذوف أي قولا منكرا وزورا عطف على منكرا (وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) الواو عاطفة وإن واسمها واللام المزحلقة وعفوّ خبر أول وغفور خبر ثان (وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) كلام مستأنف مسوق لتفصيل حكم الظهار بعد بيان كونه منكرا ولك أن تعطف الكلام على ما تقدم لينتظم الحكم انتظاما أوليا، والذين مبتدأ وجملة يظاهرون صلة ومن نسائهم متعلقان بيظاهرون وثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ويعودون عطف على يظاهرون ولما اللام حرف جر وما مصدرية والمصدر المؤول في محل جر باللام والجار والمجرور متعلقان بيعودون أي يعودون لقولهم ولك أن تجعل ما موصولة والجملة صلتها والعائد محذوف أي لما قالوه، والفاء رابطة لما في الموصول من معنى الشرط وتحرير رقبة مبتدأ خبره محذوف أي عليه تحرير رقبة والجملة خبر الذين ومن قبل متعلق

стр. 5166

بمحذوف حال وأن وما بعدها في تأويل مصدر في محل جر بالإضافة (ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) ذلكم مبتدأ والإشارة إلى الحكم المذكور وجملة توعظون خبر فإن الغرامات زواجر عن اقتراف الجنايات والله مبتدأ وبما متعلق بخبير وجملة تعملون صلة وخبير خبر الله (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا) الفاء عاطفة ومن اسم موصول مبتدأ ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجد فعل مضارع مجزوم بلم والفاعل مستتر تقديره هو، فصيام الفاء رابطة وصيام مبتدأ وشهرين مضاف إليه ومتتابعين صفة والخبر محذوف أي عليه والجملة خبر من، ومن قبل أن يتماسّا تقدم إعرابها (فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً) تقدم إعرابها ومسكينا تمييز (ذلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى ما سلف من البيان والتعليم، ولتؤمنوا لام التعليل ومدخولها خبر ذلك ويجوز أن تعرب اسم الإشارة نصبا بمضمر أي فعلنا ذلك لتؤمنوا وبالله متعلقان بتؤمنوا ورسوله عطف على الله (وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ) الواو عاطفة وتلك مبتدأ وحدود الله خبر والواو عاطفة وللكافرين خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر وأليم نعت لعذاب. البلاغة: في آية الظهار فن عجيب من فنون البلاغة وهو السلب والإيجاب وقد تقدمت الإشارة إليه وأنه بناء الكلام على نفي الشيء من جهته وإيجابه من جهة أخرى أو أمر بشيء من جهة ونهي عنه من جهة ثانية وفي قوله «الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هنّ أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم» نفي لصيرورة المرأة أما بالظهار وإثبات الأمومة للتي ولدت الولد.

стр. 5167

الفوائد: قال في الكشاف: «قالت عائشة ﵂: الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، لقد كلّمت المجادلة رسول الله ﷺ في جانب البيت وأنا عنده لا أسمع وقد سمع لها، وعن عمر أنه كان إذا دخلت عليه أكرمها وقال: قد سمع الله لها» أما المرأة فهي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت ابن عمّها رآها تصلّي وكانت قسيمة حسنة الجسم فلما سلّمت طلب وقاعها فأبت فغضب وكان به لمم فقال: أنت عليّ كظهر أمي فأتت رسول الله وشكت إليه أمرها، وروي أنها قالت له إن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إليّ جاعوا فقال: ما عندي في أمرك شيء، وروي أيضا أنه قال لها: ما أراك إلا قد حرّمت عليه ولم أؤمر في شأنك بشيء فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووجدي فنزلت هذه الآيات. وأحكام الظهار ومذاهب الأئمة فيه مبسوطة في كتب الفقه فارجع إليها إن شئت. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٥ الى ٧] إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ (٥) يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (٦) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سادِسُهُمْ وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)

стр. 5168

اللغة: (يُحَادُّونَ) يعادون ويشاقون، وعبارة الزجّاج: المحادة أن تكون في حدّ يخالف حدّ صاحبك، فتكون المحادة كناية عن المعاداة لكونها لازمة للمعاداة. وفي معاجم اللغة «حاده: عاداه وغاضبه» . (كُبِتُوا) أخذوا وأهلكوا وقيل ذلّوا وفي المصباح: «كبت الله العدو كبتا من باب ضرب أهانه وأذلّه وكبته لوجهه صرعه» . الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَما كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) كلام مستأنف مسوق لزفّ البشرى إلى رسول الله ﷺ والمؤمنين بكبت أعدائهم وإذلالهم وفصم عراهم وشقّ عصاهم. وإن واسمها وجملة يحادون صلة والله مفعول به ورسوله عطف على الله وجملة كبتوا خبر إن وكما نعت لمصدر محذوف وجملة كبت لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي والذين نائب فاعل ومن قبلهم متعلقان بمحذوف صلة الذين (وَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ بَيِّناتٍ وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ مُهِينٌ) الواو حالية وقد حرف تحقيق وأنزلنا فعل وفاعل وآيات مفعول به وبيّنات صفة لآيات وللكافرين خبر مقدم وعذاب مبتدأ مؤخر ومهين نعت (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) يجوز أن يتعلق الظرف بمهين وقيل عامله عذاب وقيل عامله الاستقرار الذي تعلق به الخبر وهو للكافرين وقيل منصوب بإضمار اذكر، وجملة يبعثهم في محل جر بإضافة الظرف إليها والله فاعل يبعثهم وجميعا حال، فينبئهم

стр. 5169

عطف على يبعثهم وبما عملوا في موضع المفعول الثاني وجملة عملوا صلة الموصول وجملة أحصاه الله استئنافية والواو حالية وجملة نسوه في محل نصب على الحال من مفعول أحصى بإضمار قد أو بدونها (وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) الله مبتدأ وعلى كل شيء متعلقان بشهيد وشهيد خبر الله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة وأن واسمها وجملة يعلم خبرها وقد سدّت مسدّ مفعولي تر وما مفعول يعلم وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول وما في الأرض عطف على ما في السموات (ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سادِسُهُمْ) كلام مستأنف مسوق لتقرير سعة علمه تعالى وتبيان كيفيته، وما نافية ويكون فعل مضارع تام ومن حرف جر زائد ونجوى مجرور بمن لفظا فاعل يكون محلا وثلاثة مضاف لنجوى وإلا أداة حصر وهو مبتدأ ورابعهم خبر والجملة في محل نصب على الحال فالاستثناء مفرغ من أعمّ الأحوال، ولا خمسة إلا هو ساسدهم عطف على ما تقدم (وَلا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا) الواو عاطفة ولا نافية وأدنى عطف على لفظ نجوى وقرىء بالرفع عطفا على محلها وقيل على الابتداء، ومن ذلك متعلق بأدنى، ولا أكثر عطف على ولا أدنى وإلا أداة حصر وهو مبتدأ ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والجملة حالية على قراءة النصب أو العطف على المحل وخبر للمبتدأ على قراءة الرفع وأينما ظرف مكان متعلق بالاستقرار الذي تعلق به معهم أي مصاحب لهم بعلمه في أي مكان استقروا فيه وكانوا فعل وفاعل فهي كان التامة والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها لأن «ما» زيدت فيه، ويجوز أن تكون ما مصدرية فتكون الجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول الحرفي (ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِما عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) ثم

стр. 5170

حرف عطف للترتيب وينبئهم فعل مضارع وفاعل مستتر يعود على الله وبما في موضع المفعول الثاني وجملة عملوا لا محل لها ويوم القيامة متعلق بينبئهم وإن واسمها وخبرها. البلاغة: في قوله تعالى «ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم» فن الانفصال وقد تقدمت الإشارة إليه ونعيده هنا لإتمام الفائدة فنقول: هو فنّ فحواه أن يقول المتكلم كلاما يتوجه عليه فيه دخل فلا يقتصر عليه حتى يأتي بما ينفصل به عن ذلك إما ظاهرا أو باطنا يظهره التأويل، فإن هذه الآية الكريمة يتوجه على ظاهرها عدد من الأسئلة منها: ١- لم ألغي فيها الابتداء بالإثنين وهي أول رتبة بين المتناجيين؟ ٢- لم انتقل من الثلاثة إلى الخمسة وعدل عن الترتيب في الانتقال من الثلاثة إلى الأربعة؟ ٣- لم لم يتجاوز الخمسة كما تجاوز الثلاثة؟ ٤- لم لم يقل من نجوى ثلاثة ويقف عند ذلك ويستغني بقوله بعدها «ولا أدنى من ذلك ولا أكثر» فيتناول الأدنى من الاثنين والأكثر من الأربعة إلى ما لا نهاية له من الأعداد؟ ٥- لم عدل عن الأوجز إلى الأطول مع توفية الأوجز بالمعنى المراد؟ وقبل أن نبيّن الانفصال عن ذلك لا بدّ من ذكر لمحة تاريخية ينجلي بها الرين وقد اختلف في سبب نزولها فقيل: اجتمع المشركون جماعات على هذين العددين ثلاثة ثلاثة

стр. 5171

وخمسة خمسة يتناجون في رسول الله ﷺ وهم يظنّون أن ذلك يخفى عنه فنزلت ليعلم الله نبيّه بحالهم. وقيل: إنه اجتمع ثلاثة نفر من قريش وهم ربيعة وحبيب ابنا عمرو وصفوان بن أمية يوما كانوا يتحدثون فقال أحدهم: أترى الله يعلم ما نقول؟ فقال الآخر: يعلم بعضا ولا يعلم بعضا وقال الثالث: إن كان يعلم بعضا فهو يعلم الكل فنزلت، وقد صحّح أهل التفسير هذه الرواية الثانية. وقال الزمخشري في الجواب عن بعض ما تقدم من الاعتراض على ظاهر الآية بعد نقل سبب النزول الذي ذكرناه أن البارئ قصد وهو أعلم أن يذكر ما جرت به العادة من أعداد أهل النجوى وأهل الشورى والمنتدبون لذلك ليسوا كل الناس وإنما هم طائفة مجتباة من أهل النهي والأحلام ورهط من أولي التجارب والرأي وأول عددهم الاثنان فصاعدا إلى الستة على ما تقتضيه الحال ويحكم به الاستصواب، ألا ترى أن عمر بن الخطاب ﵁ ترك الشورى في ستة ولم يتجاوز بها إلى سابع، هذا نص كلام الزمخشري حكيته بلفظه، لم أغادر منه شيئا، ولم تتبدل فيه لفظة بلفظة، وأما ما حكاه من الرواية الأولى فلا إشكال فيه ولا دخل عليه وأما الرواية الثانية التي وقع التصحيح فيها وهي مرويّة عن ابن عباس ﵁ فيتوجه عليها الإشكال. وأما قول الزمخشري: إن الكلام جاء على عادة العرب في أهل النجوى وأهل الشورى لأن عدد هاتين الطائفتين لا يتجاوز الستة، وأما استشهاده بقضية عمر وجعله الشورى في ستة وتأكيده ذلك بقوله: ألا تراه لم يتجاوز بها معنى الشورى إلى سابع فما أدري من أين له ذلك؟ وكيف تصحّ دعواه في أن عادة العرب إنما يكون أهل النجوى وأهل الشورى على هذين العددين دون سائر الأعداد، وقد جاء القرآن

стр. 5172

العزيز بخلاف ذلك قال الله تعالى في الإخبار عن أولاد يعقوب: «فلما استيئسوا منه خلصوا نجيا» وكانوا عشرة فسمى سبحانه محاورتهم تناجيا، وقال حكاية عن ملأ فرعون وأسروا النجوى «إن هذان لساحران» وكانوا لا يحصون كثرة وقال تعالى: «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقة» ومناجوا الرسول يحتمل أن يكونوا هم الاثنين فصاعدا إلى منتهى عدد الأمة، فإن الخطاب لكافة المؤمنين والمناجون لم يحصر سبحانه عددهم في كمية معينة، وقال سبحانه: «فلا تتناجوا بالإثم والعدوان ومعصية الرسول» غير حاصر ذلك في عدد مضبوط وقال سبحانه: «وأمرهم شورى بينهم» لغير عدد معين، وبعض هذه الآيات وإن نزلت في واقعة مخصوصة فقد أنزل الله معناها بلفظ العموم لتتناول كل الأمة فالحكم فيها عام، وأما قضية عمر ﵁ فمن المعلوم أنه لم يجعل الأمر شورى في تلك الستة مراعاة لهذا العدد وإنما راعى من يصلح للأمر فإن الستة الذين جعل الأمر فيهم هم أعيان الصحابة وأفضل من بقي بعد رسول الله ﷺ وبعد الشيخين وأنه لا يجوز أن يخرج هذا الأمر عنهم ولا يتجاوزهم إلى غيرهم ولو كان الصلحاء لهذا الأمر أكثر من هذا العدد أو أقل لجعل الأمر فيهم ولم يقل نقصوا عن هذه العدّة أم زادوا عليها والذي يصلح أن يكون جوابا ينفصل به عن الإشكال المقرر في أول الكلام أن يقال: الذين صحّ نزول الآية فيهم هم الثلاثة الذين سمّاهم ابن عباس ﵄ ولما كان هذا العدد أعني الثلاثة هو المقصود بالآية ذكر مقدما فيها على العدد الأخير ليعلم أئمتهم به فإن المتكلم إذا كانت له عناية بشيء قدّم ذكره في كلامه على غيره في مثل هذه المعاني، ثم ذكر الأدنى والأكثر ليرفع الاحتمال الذي قدّمناه وإذا كانت هذه هي الواقعة التي نزلت الآية بسببها سقط السؤال الأول الذي

стр. 5173

قيل فيه: لم لم يذكر أول رتب المتناجين واستغنى بذكر الأدنى بعد ذكر الثلاثة ليتناول الاثنين أو الأكثر لتناول ما فوق الثلاثة. والجواب عن قوله ما الفائدة في ذكر الخمسة بعد ذكر الثلاثة وقوله تعالى: «ولا أكثر» يغني عنها وعن غيرها إلى ما لا يتناهى أنه سبحانه أراد أن يعرّفنا كيفية التنقل في هذه الأعداد صاعدا من الثلاثة إلى الخمسة ليعلم أن الإشارة إلى جميع رتب الأعداد وأن كيفية التنقل في البقية ككيفية في الخمسة فإن قيل: فلم كان هذا التعريف بالأربعة التي ألفيت وكان ذكرها أولى لأن الانتقال من الثلاثة إلى الأربعة أصحّ من الانتقال من الثلاثة إلى الخمسة فإن مجيء العدد على ترتيب أصح من مجيئه على غير ترتيب وكان يحصل الغرض من تعريف كيفية الانتقال بذلك؟ قلت: منع من ذلك أمران: أحدهما الخشية من مجيء نظم الكلام معيبا لثقله على النطق والسمع لبشاعة تكرار لفظ التربيع بغير حاجز تباعد أحد اللفظين عن الآخر فإنه لو قيل «إلا هو رابعهم» ولا أربعة، لثقل الكلام لمجاورة لفظتين فيهما أربعة أحرف من حروف الحلق وهما العينان والهاءان وقد عاب الآمدي على أبي تمام مثل هذا في قوله: كريم متى أمدحه أمدحه والورى ... معي وإذا ما لمته لمته وحدي وسمّاه معاظلة وهي أفظع العيوب التي نفاها عمر بن الخطاب عن شعر زهير حين وضعه وإن كان غير الآمدي قد عدّ المعاظلة غير هذا، والأمر الثاني الذي منع من ذكر الأربعة فرار ناظم الكلام البليغ من تكرار المعاني والألفاظ بغير فائدة ولو انتقل إلى الأربعة لتكرار الحكم فإن الحكم عليها قد جرى في الخمسة، فإن الخمسة أربعة وزيادة فالأربعة داخلة فيها، فما جرى عليها من الأحكام جرى على الأربعة، وللفرار أيضا من ذكر الشفع والعدول عنه إلى ذكر الوتر من المزايا التي

стр. 5174

يستوجب بها الذكر دون الشفع ما ليس لغيره وفي هذا الجواب الذي جاء عن السؤال الثاني جواب عن السؤال الثالث، وأما الجواب عن السؤال الرابع وهو قوله: لم لم ينتقل من الخمسة إلى السبعة كما انتقل من الثلاثة إلى الخمسة وينتهي إلى ذلك الحد ولا يهمل هذا العدد المختص بخصائص أودعها الله تعالى فيه من أجلها جاء وفقه عدد السموات والأرض وأيام الدهر وأقاليم الأرض وأشياء لا يتّسع المكان لذكرها فنقول: كان المراد تعريف كيفية الانتقال وقد حصل ذلك بذكر الخمسة فإعادته في عدد آخر إطالة لا فائدة فيها قد استغني عنها بما قبلها، ولو روعي للسبعة ما لها من الخصائص لوجب أن يراعى للتسعة ما لها من الخصائص أيضا وليس المراد من الآية التنبيه على خصائص الأعداد إنما المراد ما ذكرناه وإلا متى اعتبرت خصائص الأعداد وجدت الخمسة مختصّة بما لم يختصّ بها غيرها من العدد، فمن خصائصها التي انفردت بها أنها أول عدد جمع ثلاثة أوتار الواحد والثلاثة والخمسة ومنها أن عدد أوتارها وتر وهذا ليس لغيرها من جميع أعداد مرتبة الآحاد ولا ما بني على أصلها وتفرّع منه فإن الثلاثة إنما جمعت وترين وعدد أوتارها شفع كذلك، والسبعة فإن جمعت أربعة أوتار فعدد أوتارها شفع وهي مركبة بالنسبة إلى الخمسة لأنها خمسة وزيادة والخمسة بسيطة بالنسبة إليها والبسيط أصل المركب والتسعة وإن جمعت أكثر من السبعة وجاء عدد أوتارها وترا فهي مركبة بالنسبة إلى السبعة التي هي مركبة بالنسبة إلى الخمسة فالخمسة بالنسبة إليها أصل الأصل ولما كانت بهذه المثابة كان ذكرها أولى من ذكر السبعة ووجب الإتيان به لينبّه على ما لها من الشرف والفضل دون غيرها ويجب الوقوف عندها ويقتصر في تعريف الانتقال عليها، وبذلك يتحقق أن مجيء نظم الآية على ما جاء عليه أبلغ مما توهمه مورد السؤال ومفرد الإشكال. وقال الكرخي: «وخصّ الثلاثة والخمسة بالذكر لأن قوما من

стр. 5175

المنافقين تخلّفوا للتناجي وكانوا بعدّة العدد المذكور مغايظة للمؤمنين فنزلت الآية بصفة حالهم وتعريفا بهم، أو لأن العدد المفرد أشرف من الزوج لأن الله تعالى وتر يحب الوتر فخصّ العددان المذكوران بالذكر تنبيها على أنه لا بدّ من رعاية الأمور الإلهية في جميع الأمور ثم بعد ذكرهما زيد عليهما ما يعمّ غيرهما من المتناجين» . وللخازن عبارة لطيفة نوردها فيما يلي استيفاء للبحث قال: «فإن قلت: لم خصّ الثلاثة والخمسة؟ قلت: لأن أقل ما يكفي في المشاورة ثلاثة حتى يتم الغرض فيكون الاثنان كالمتنازعين في النفي والإثبات والثالث كالمتوسط الحاكم بينهما فحينئذ تحمد المشاورة ويتم الغرض وكذا كل جمع يجتمع للمشاورة لا بدّ من واحد يكون حكما بينهم مقبول القول، وقيل إن العدد الفرد أشرف من الزوج فلهذا خصّ الله تعالى الثلاثة والخمسة» . [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ٨ الى ١٠] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٨) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)

стр. 5176

الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ) كلام مستأنف مسوق لبيان نمط آخر من تناجيهم وتغامزهم فيما بينهم وهم اليهود والمنافقون كلما رأوا المؤمنين يريدون بذلك إثارتهم وإذكاء حفيظتهم وطالما نهاهم النبي ﷺ عن ذلك بيد أنهم لا يكادون ينتهون حتى يعودوا لمثل فعلهم. والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وإلى الذين متعلقان بتر وجملة نهوا لا محل لأنها صلة الموصول ونهوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وعن النجوى متعلقان بنهوا، ثم حرف عطف للترتيب مع التراخي ويعودون فعل مضارع مرفوع، وعدل عن صيغة الماضي المناسبة للعطف لسر لطيف وهو استحضار صورة العود وتجدده وتجسيده، ولما متعلقان بيعودون وجملة نهوا صلة وعنه متعلقان بنهوا (وَيَتَناجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) الواو عاطفة ويتناجون فعل مضارع معطوف على يعودون، وفي صيغة المضارع ما تقدم آنفا من تجسيد واستحضار وتجدد، وبالإثم متعلقان بيتناجون والعدوان عطف على الإثم ومعصية الرسول عطف أيضا (وَإِذا جاؤُكَ حَيَّوْكَ بِما لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ) الواو عاطفة وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن وجملة جاءوك في محل جر بإضافة الظرف إليها والواو فاعل والكاف مفعول به وجملة حيّوك لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم وبما متعلقان بحيّوك أي خاطبوك ولم حرف نفي وقلب وجزم ويحيك فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والكاف مفعول به

стр. 5177

والله فاعل أي بما لم يشرّعه الله ويأذن به، وفي المصباح: «وحيّاه تحية أصله الدعاء بالحياة ومنه التحيات لله أي البقاء وقيل الملك ثم كثر حتى استعمل في مطلق الدعاء ثم استعمله الشرع في دعاء مخصوص وهو سلام عليك» (وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِما نَقُولُ) الواو عاطفة أو حالية ويقولون فعل مضارع والواو فاعل وفي أنفسهم حال ولولا حرف تحضيض أي هلّا ويعذبنا الله فعل مضارع ومفعول به مقدّم وفاعل مؤخر وبما متعلقان بيعذبنا وما مصدرية أي بقولنا ويجوز أن تكون موصولة والعائد محذوف أي بالذي نقوله والجملة مقول القول (حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَها فَبِئْسَ الْمَصِيرُ) حسبهم مبتدأ وجهنم خبر وجملة يصلونها حال والفاء الفصيحة وبئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم والمصير فاعل والمخصوص بالذم محذوف أي هي (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا تَناجَيْتُمْ فَلا تَتَناجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّسُولِ) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وجملة تناجيتم في محل جر بإضافة الظرف إليها والفاء رابطة لجواب إذا ولا ناهية وتتناجوا فعل مضارع مجزوم بلا والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبالإثم متعلقان بتتناجوا والعدوان عطف على قوله بالإثم ومعصية الرسول عطف أيضا (وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) الواو عاطفة وتناجوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وبالبرّ متعلقان بتناجوا والتقوى عطف على البرّ، واتقوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به والذي صفة لله وإليه متعلقان بتحشرون وتحشرون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل والجملة لا محل لأنها صلة الموصول (إِنَّمَا النَّجْوى مِنَ الشَّيْطانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) إنما كافّة ومكفوفة والنجوى مبتدأ ومن الشيطان خبر واللام لام التعليل ويحزن فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام واللام ومجرورها خبر ثان، ويقال حزنه وأحزنه بمعنى، والذين مفعول به وجملة آمنوا لا محل لها

стр. 5178

لأنها صلة وقيل إن الموصول فاعل يحزن (وَلَيْسَ بِضارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) الواو حالية وليس فعل ماض ناقص واسمها مستتر تقديره هو والباء حرف جر زائد وضارّهم مجرور لفظا منصوب محلا على أنه خبر ليس وشيئا مفعول مطلق أي شيئا من الضرر وإلا أداة حصر وبإذن الله متعلقان بضارّهم (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ) الواو عاطفة وعلى الله متعلقان بيتوكل. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١١ الى ١٣] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١١) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٢) أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ (١٣) اللغة: (تَفَسَّحُوا) توسعوا ولا تتضايقوا وفي الأساس: «افسحوا لأخيكم في المجلس وتفسحوا له وأما لك في هذا المكان منفسح» . (انْشُزُوا) انهضوا للتوسعة على المقبلين وفيه الأساس: «علوت

стр. 5179

نشزا من الأرض ونشزا وأنشازا، ونشز الشيء ارتفع ونشز عن مكانه ارتفع ونهض وإذا قيل انشزوا فانشزوا وأنشزه رفعه من مكانه» وللنون مع الشين فاء وعينا خاصة عجيبة وهي الدلالة على السرعة والارتفاع يقال: أنشأ الله الخلق فنشئوا وأنشأ قصيدة وشعرا وعمارة وأنشأ يفعل كذا ومن أين نشأت وأنشأت أي نهضت، ونشب العظم في الحلق والصيد في الحبالة ومخالب الجارح في الأخيذة وتنشب وأنشب فيه مخالبه ورماه بنشابة وتراموا بالنّشّاب والنشاشيب وفي جميع ذلك يبدو معنى السرعة واضحا ونشب الشر والحرب بينهم نشوبا ولم ينشب أن قال بمعنى ما لبث، ونشج الباكي نشيجا وهو الغصص بالبكاء وارتفاعه وتردده في الصدر، وأنشدني شعرا إنشادا حسنا لأن المنشد يرفع بالمنشد صوته، ونشر الثواب والكتاب ونشّر الثياب والكتب وصحف منشّرة وملاء منشّر ونشر الله الموتى نشرا وله نشر طيب وهو ما انتشر وارتفع من رائحته قال المرقش يصف نساء: النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكفّ عنم ونشّ اللحم في المقلاة نشيئا والخمر تنش إذا أخذت تغلي، ورجل نشيط طيب النفس للعمل مسرع فيه، ونشع الصبي الدواء وأنشعه أوجره فانتشعه والإسراع ملحوظ فيه وإنه لمنشوع بأكل اللحم إذا كان مشغوفا به، ونشف الماء بنفسه أسرع في النضوب، ونشق الظبي في الحبالة نشب فيها وقد مرّ معنى ذلك واستنشقت الريح وتنشقتها قال المتلمس: فلو أن محموما بخيبر مدنفا ... تنشّق رياها لأقلع صالبه ونشل اللحم من القدر بالمنشل والمنشال وهو حديدة في رأسها

стр. 5180

عقّافة، ونشّم اللحم أسرع إليه الفساد وأروح قال علقمة: وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... خضر المزاد ولحم فيه تنشيم أي يطعمون الماء المطحلب واللحم المروح، غلّب فقال طعامهم، ونشّموا في الشر ودقوا بينهم عطر منشم قال زهير: تداركتما عبسا وذبيان بعد ما ... تفانوا ودقّوا بينهم عطر منشم ورجل نشوان أسرعت النشوة إليه وامرأة نشوى وقوم نشاوى ونشيت منه رائحة طيبة واستنشيت وهذا من عجائب ما تتميز به اللغات. الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ) إذا ظرف لما يستقبل من الزمن متضمن معنى الشرط وجملة قيل في محل جر بإضافة الظرف إليها ولكم متعلقان بقيل وتفسحوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل وجملة تفسحوا مقول القول وفي المجالس متعلقان بتفسحوا والفاء رابطة لجواب الشرط غير الجازم والجملة لا محل لها وافسحوا فعل أمر والواو فاعل ويفسح فعل مضارع مجزوم لأنه جواب الأمر الواقع جوابا للشرط والله فاعل ولكم متعلقان بيفسح والمراد بالمجالس مجالس رسول الله ﷺ وقرىء بالإفراد أي في المجلس وقيل هو المجلس من مجالس القتال ومراكز الغزاة وقيل هو مطلق في كل ما يبتغيه الناس للمنفعة وفي كل مجلس أو ناد وهو الأولى والأقرب لأسلوب القرآن الكريم في تعليم الأدب الرفيع (وَإِذا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ) الواو عاطفة، وإذا قيل انشزوا فانشزوا: تقدم إعراب نظيرها، ويرفع فعل مضارع مجزوم لأنه جواب

стр. 5181

الطلب والله فاعل والذين مفعول به وجملة آمنوا صلة والذين معطوف على الذين الأولى أو هو منصوب بفعل مضمر تقديره ويخصّ الذين أوتوا العلم وجملة أوتوا صلة وأوتوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل والعلم مفعول به ثان ومنكم حال ودرجات ظرف أو منصوب بنزع الخافض (وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) الواو استئنافية والله مبتدأ وبما تعملون متعلقان بخبير وخبير خبر إن (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ناجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقَةً) إذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة ناجيتم في محل جر بإضافة الظرف إليها وناجيتم فعل وفاعل والرسول مفعول به والفاء رابطة وقدّموا فعل أمر والواو فاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبين ظرف متعلق بقدّموا ويدي مضاف إليه وعلامة جرّه الياء ونجواكم مضاف ليدي وصدقة مفعول به لقدموا وسيأتي مزيد بحث في باب البلاغة حول هذه الآية (ذلِكَ خَيْرٌ لَكُمْ وَأَطْهَرُ) ذلك مبتدأ والإشارة إلى تقديم الصدقة على المناجاة وخير خبر ولكم متعلقان بخير وأطهر عطف على خير (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الفاء عاطفة وإن شرطية ولم حرف نفي وقلب وجزم وتجدوا فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف النون وهو فعل الشرط والفاء رابطة لجواب محذوف أي فلا تثريب عليكم وجملة إن الله غفور رحيم تعليل لرفع الحرج والتثريب (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْواكُمْ صَدَقاتٍ) الهمزة للاستفهام التقريري وأشفقتم فعل وفاعل أي أخفتم وأن وما في حيّزها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض أي من أن تقدموا والجار والمجرور متعلقان بأشفقتم وقيل مفعول من أجله ومفعول تقدموا هو صدقات ومفعول أشفقتم محذوف (فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ) الفاء استئنافية وإذ فيها أقوال: ١- أنها ظرف لما مضى من الزمن والمعنى أنكم تركتم ذلك فيما مضى فتداركوه بإقامة الصلاة وإيتاء

стр. 5182

الزكاء. ٢- أنها ظرف بمعنى إذا كقوله تعالى: «إذ الأغلال في أعناقهم» وقد تقدم القول فيها مبسوطا فارجع إليها إن شئت. ٣- أنها بمعنى إن الشرطية. ولم حرف نفي وقلب وجزم وتفعلوا فعل مضارع مجزوم بلم، وتاب الواو حالية أو استئنافية أو اعتراضية والجملة معترضة بين الشرط وجوابه وتاب الله فعل وفاعل وعليكم متعلقان بتاب والفاء رابطة وأقيموا الصلاة فعل أمر وفاعل ومفعول به وآتوا الزكاة عطف على فأقيموا الصلاة وكذلك قوله وأطيعوا الله ورسوله (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ) ابتداء وخبر وجملة تعملون صلة ما والجار والمجرور متعلقان بخبير. البلاغة: ١- في قوله تعالى «يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات» تعميم ثم تخصيص وتفصيل ذلك أن الجزاء برفع الدرجات هنا مناسبة للعمل لأن المأمور به تفسيح المجالس كيلا يتنافسوا في القرب من المكان الرفيع حوله ﷺ فيتضايقوا وذلك لا يليق بآداب المجلس التي من أولها تفادي إزعاج المجالسين وترنيق صفوهم، واجتناب ما يكدّر صفاءهم وينغص بالهم، ولما كان المتمثّل لذلك الأمر يخفض نفسه عمّا يتنافس فيه من الرفعة امتثالا وتواضعا جوزي على تواضعه برفع الدرجات، ثم لما علم أن أهل العلم بحيث يستوجبون عند أنفسهم وعند الناس ارتفاع مجالسهم خصّهم بالذكر عند الجزاء ليسهّل عليهم ترك ما لهم من الرفعة في المجلس تواضعا لله تعالى، وفي هذا التخصيص إلماع إلى فضل العلم، وحسبنا أن نورد حديث ابن مسعود ﵁ وهو أنه كان إذا تلا هذه الآية قال: يا أيّها الناس افهموا هذه الآية ولترغبكم في العلم، وعنه صلّى الله عليه

стр. 5183

وسلم: «بين العالم والعابد مائة درجة ما بين كل درجتين حضر الجواد المضمر سبعين سنة» وعنه ﵊ «يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء» فأعظم بمرتبة بين النبوّة والشهادة، وعن الأحنف: كاد العلماء يكونون أربابا وكل عزّ لم يوطد بعلم فإلى ذلك ما يصير. وما دمنا بصدد العلم ودرجته السامية فلا بدّ من الإشارة إلى نكتة بليغة وهي أنه قرن حين خصّ العلماء برفع الدرجات لما جمعوا بين العلم والعمل فإن العلم مع سموّ درجته وأنافة مرتبته يقتضي العمل المقرون به. ٢- وفي قوله «بين يدي نجواكم» استعارة ممّن له يدان وقد تقدم تحقيق هذه الاستعارة في آية الحجرات فجدّد بها عهدا. [سورة المجادلة (٥٨) : الآيات ١٤ الى ١٧] أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١٧) الإعراب: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْماً غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) كلام مستأنف

стр. 5184

مسوق للتعجب من حال المنافقين الذين كانوا يتخذون اليهود أولياء يناصحونهم ويفشون إليهم بأسرار المؤمنين وقال السدي: بلغنا أنها نزلت في عبد الله بن نفيل من المنافقين، والهمزة للاستفهام التقريري ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل مستتر تقديره أنت وإلى الذين متعلقان بتر وجملة تولوا صلة لا محل لها والواو فاعل وقوما مفعول به وجملة غضب الله عليهم نعت لقوما (ما هُمْ مِنْكُمْ وَلا مِنْهُمْ) الجملة مستأنفة أو صفة ثانية لقوما أو حال من فاعل تولوا وما نافية حجازية وهم اسمها ومنكم خبرها، ولا الواو حرف عطف ولا نافية ومنهم عطف على منكم (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) الواو عاطفة ويحلفون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والجملة معطوفة على تولوا فهي داخلة في حيّز الصلة وعلى الكذب حال والواو حالية وهم مبتدأ وجملة يعلمون خبرهم والجملة حال (أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذاباً شَدِيداً إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ) فعل وفاعل ومفعول به وإن واسمها وخبرها (اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) الجملة مستأنفة أو صفة ثالثة لقوما أو حال واتخذوا فعل ماض والواو فاعل وأيمانهم مفعول به أول وجنة مفعول به ثان لاتخذوا أي سترا ووقاية لأنفسهم وأموالهم، فصدّوا الفاء عاطفة وصدّوا فعل ماض وفاعل وعن سبيل الله متعلقان بصدّوا (فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ) الفاء عاطفة ولهم خبر مقدّم وعذاب مبتدأ مؤخر ومهين نعت لعذاب أي ذو إهانة (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) لن حرف نفي ونصب واستقبال وتغني فعل مضارع منصوب بلن وعنهم متعلقان بتغني وأموالهم فاعل ولا أولادهم عطف على أموالهم ومن الله متعلقان بتغني على حذف مضاف أي من عذاب الله، وشيئا مفعول مطلق أي قليلا من الإغناء (أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ)

стр. 5185

أولئك مبتدأ وأصحاب النار خبره وهم مبتدأ وفيها متعلقان بخالدون وخالدون خبرهم. البلاغة: ذكر علماء البلاغة في حدّ الصدق والكذب أقوالا أربعة: ١- أن الصدق مطابقة حكم الخبر للواقع والكذب عدم مطابقته له ولو كان الاعتقاد بخلاف ذلك في الحالين. ٢- وهو للنظام من كبار المعتزلة: أن الصدق المطابقة لاعتقاد المخبر ولو خطأ والكذب عدم مطابقته للاعتقاد ولو صوابا وما الاعتقاد معه على هذا القول داخل في الكذب لا واسطة. ٣- وهو للجاحظ أحد شيوخ المعتزلة أيضا: أن الصدق المطابقة للخارج مع اعتقاد المخبر المطابقة والكذب عدم المطابقة للواقع مع اعتقاد عدمها وما عدا ذلك ليس بصدق ولا كذب أي واسطة بينهما، وهو أربع صور: المطابق ولا اعتقاد لشيء والمطابق مع اعتقاد عدم المطابقة وغير المطابق مع اعتقاد المطابقة وغيره ولا اعتقاد. ٤- وهو للراغب، وهو مثل قول الجاحظ غير أنه وصف الصور الأربع بالصدق والكذب باعتبارين فالصدق باعتبار المطابقة للخارج أو للاعتقاد والكذب من حيث انتفاء المطابقة للخارج أو للاعتقاد. هذا واستدل النظام بقوله تعالى: «إن المنافقين لكاذبون» أي في قولهم: «إنك لرسول الله» لعدم مطابقته لاعتقادهم وردّ استدلاله بأن المراد لكاذبون في الشهادة أي في ادّعائهم مواطأة القلب للسان لتضمن قولهم: إنك إلخ ... شهادتنا من صميم القلب وهذا كذب.
следующие страницы →