Полный текст (5 784 стр.). Показаны 5391–5430 · переход к 5396.
стр. 5391
الظالمين قلت على قوله رب إنهم عصوني على حكاية كلام نوح ﵇ بعد قال وبعد الواو النائبة عنه ومعناه قال رب إنهم عصوني وقال لا تزد الظالمين إلا ضلالا أي قال هذين القولين وهما في محل النصب لأنهما مفعولا قال» ولا ناهية وتزد فعل مضارع مجزوم بلا والظالمين مفعول وإلا أداة حصر وضلالا مفعول به وعبارة أبي حيان: «ولا تزد عطف على قد أضلّوا لأنها محكية بقال مضمرة ولا يشترط التناسب في الجمل المتعاطفة بل يعطف خبر على طلب وبالعكس خلافا لمن اشترطه» وعبارة الشهاب الخفاجي: «يعني لا تزد مقول ثان لنوح ﵇، عطف الله أحد مقوليه على الآخر والواو فيه من كلامه تعالى لا من كلام نوح لاستلزامه عطف الإنشاء على الإخبار فحكى الله أحد مقوليه بتصديره بلفظ قال وحكى قوله الآخر بعطفه على قوله الأول بالواو النائبة عن لفظ قال» (مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً) من حرف جر وما زائدة وخطيئاتهم مجرور بمن التعليلية والجار والمجرور متعلقان بأغرقوا وأغرقوا فعل ماض مبني للمجهول، فأدخلوا عطف على أغرقوا وجعل دخولهم النار متعقبا لإغراقهم نظرا لاقترابه ولأنه كائن لا محالة فكأنه قد كان ونارا مفعول به ثان على السعة (فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً) عطف متعقب أيضا ولم حرف نفي وقلب وجزم ويجدوا فعل مضارع مجزوم بلم ولهم في موضع المفعول الثاني ليجدوا ومن دون الله حال وأنصارا مفعول يجدوا الأول (وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّاراً) الواو عاطفة وقال نوح فعل ماض وفاعل ورب منادى محذوف منه حرف النداء وهو مضاف إلى ياء المتكلم المحذوفة ولا ناهية وتذر فعل مضارع مجزوم بلا وعلى الأرض متعلقان بتذر ومن الكافرين حال لأنه كان في الأصل صفة لديارا وديارا مفعول تذر (إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً) إن واسمها والجملة تعليل لطلب نوح ﵇، فإن قيل كيف علم أن أولادهم
стр. 5392
يكونون مثلهم أجيب بأنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فاكتنه دخائلهم وسبر أغوارهم فقد كان الرجل منهم ينطلق بابنه ويقول له:
احذر هذا فإنه كذاب وإن أبي قد حذرني منه فيموت الكبير وينشأ الصغير على ما كان والده قد لقنه وعلمه من قبل. وإن شرطية وتذرهم فعل الشرط والهاء مفعول به ويضلّوا جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر إنك وعبادك مفعول به والواو حرف عطف ولا نافية ويلدوا فعل مضارع معطوف على يضلوا والواو فاعل وإلا أداة حصر وفاجرا مفعول يضلّوا وكفّارا نعت (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِناً وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ) رب منادى مضاف وقد تقدمت له نظائر، واغفر فعل دعاء ولي متعلقان باغفر ولوالدي عطف على لي ولمن عطف أيضا وجملة دخل بيتي صلة الموصول ومؤمنا حال وللمؤمنين والمؤمنات عطف أيضا (وَلا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَباراً) الواو عاطفة ولا ناهية دعائية وتزد فعل مضارع مجزوم بلا والظالمين مفعول به أول وإلا أداة حصر وتبارا مفعول به ثان والاستثناء مفرغ وفي المصباح «وتبر يتبر من بابي قتل وتعب إذ هلك ويتعدى بالتضعيف فيقال تبره والاسم التبار، والفعال بالفتح يأتي كثيرا من فعّل نحو كلم كلاما وسلّم سلاما وودّع وداعا» .
البلاغة:
في قوله «ولا يلدوا إلا فاجرا كفّارا» مجاز مرسل علاقته ما يئول إليه لأنهم لم يفجروا وقت الولادة بل بعدها بزمن طويل على كل حال.
стр. 5393
(٧٢) سورة الجنّ مكيّة وآياتها ثمان وعشرون
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١ الى ٩]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً (٢) وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً (٣) وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً (٤)
وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً (٥) وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً (٦) وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً (٧) وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً (٩)
اللغة:
(نَفَرٌ) النفر: الجماعة ما بين الثلاثة إلى العشرة وفي القاموس
стр. 5394
«والنفر الناس كلهم وما دون العشرة من الرجال كالنفير والجمع أنفار» وفي شرح القاموس: «قال أبو العباس النفر والرهط والقوم هؤلاء معناها الجمع لا واحد لها من لفظها والنسب إليه نفري قال الزجّاج النفير جمع نفر كالعبيد» .
(جَدُّ رَبِّنا) عظمته من قولك جدّ فلان في عيني أي عظم وفي حديث عمر ﵁ كان الرجل منّا إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ فينا، وسيأتي مزيد من بحثه في باب البلاغة.
الإعراب:
(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت أي يا محمد وأوحي فعل ماض مبني للمجهول وإليّ متعلقان بأوحي وأن وما في حيّزها في محل رفع نائب فاعل وأن واسمها وجملة استمع خبرها ونفر فاعل استمع ومن الجن صفة لنفر، فقالوا عطف على استمع وإن واسمها وجملة سمعنا خبر إنّا وقرآنا مفعول به وعجبا نعت أي يتعجب منه لفصاحته وبلاغته وما ينطوي عليه من معان سامية وغير ذلك (يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً) جملة يهدي إلى الرشد صفة ثانية لقرآنا وإلى الرشد متعلقان بيهدي، فآمنّا عطف على سمعنا وبه متعلقان بآمنّا، ولن الواو حرف عطف ولن حرف نفي ونصب واستقبال ونشرك فعل مضارع منصوب بلن وبربنا متعلقان بنشرك وأحدا مفعول به لنشرك (وَأَنَّهُ تَعالى جَدُّ رَبِّنا مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) الواو حرف عطف وأن وما في حيّزها عطف على ما تقدم وأن واسمها وتعالى فعل ماض وجدّ ربنا فاعل والجملة معترضة بين الاسم والخبر وجملة ما اتخذ خبر أن ولا ولدا عطف على صاحبة (وَأَنَّهُ كانَ يَقُولُ سَفِيهُنا عَلَى اللَّهِ شَطَطاً) عطف على
стр. 5395
ما تقدم وأن واسمها وجملة كان خبرها واسم كان مستتر تقديره هو وسفيهنا فاعل وعلى الله متعلقان بيقول وشططا نعت لمصدر محذوف أي قولا شططا أي غلوا في الكذب وذلك بوصفه بالصاحبة والولد وجملة يقول خبر كان (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ تَقُولَ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى اللَّهِ كَذِباً) وأنّا عطف على ما تقدم وأن واسمها وجملة ظننا خبرها، وظن فعل ماض من أفعال القلوب ونا فاعل وأن مخففة واسمها ضمير الشأن وجملة لن تقول خبرها ولن حرف نفي ونصب واستقبال والإنس فاعل والجن عطف على الإنس وعلى الله متعلقان بتقول وكذبا نعت لمصدر محذوف (وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ فَزادُوهُمْ رَهَقاً) وأنه عطف أيضا وأن واسمها وجملة كان خبرها ورجال اسم كان ومن الإنس نعت لرجال وجملة يعوذون خبر كان وبرجال متعلقان بيعوذون ومن الجن نعت لرجال، فزادوهم عطف على كان رجال وزادوهم فعل وفاعل ومفعول به أول ورهقا مفعول ثان (وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَما ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) وأنهم عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة ظنوا خبرها وكما نعت لمصدر محذوف وجملة ظننتم لا محل لها لأنها موصولة للموصول الحرفي وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظنوا وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف ولن حرف نفي ونصب واستقبال ويبعث فعل مضارع منصوب بلن والجملة خبر أن والله فاعل يبعث وأحدا مفعوله (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة لمسنا خبرها والسماء مفعول به، وسيأتي معنى لمس السماء في البلاغة، والفاء حرف عطف ووجدناها فعل وفاعل ومفعول به وجملة ملئت مفعول به ثان وملئت فعل ماض مبني للمجهول والتاء تاء التأنيث الساكنة ونائب الفاعل مستتر تقديره هي أي السماء وحرسا تمييز وشديدا نعت وشهبا عطف على حرسا وقيل وجدناها هنا متعدية لواحد فجملة
стр. 5396
ملئت حال لأن معناها صادفناها (وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها وجملة كنّا خبرها وكان واسمها وجملة نقعد خبر كنّا ومنها متعلقان بمقاعد ومقاعد ظرف مكان متعلق بنقعد وللسمع متعلقان بمضمر هو صفة لمقاعد أي مقاعد كائنة للسمع والفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويستمع فعل الشرط والآن ظرف حالي مستعار للاستقبال وهو متعلق بيستمع ويجد جواب الشرط وله في موضع المفعول الثاني ليجد وشهابا مفعول يجد الأول ورصدا نعت لشهابا وهو بمعنى اسم المفعول أي أرصد وأعدّ له.
البلاغة:
١- في قوله تعالى «تعالى جدّ ربنا» استعارة تصريحية لأنها استعارة من الحظ الذي هو البخت والدولة لأن الأغنياء هم المجدودون، والمعنى وصفه بالتعالي عن الصاحبة والولد لعظمته واستغنائه.
٢- وفي قوله: «وأنّا لمسنا السماء» مجاز مرسل لأن المسّ هو اللمس، واللامس هو طالب متعرف قال:
مسسنا من الآباء شيئا وكلنا ... إلى نسب في قومه غير واضع
والبيت ليزيد بن الحاكم الكلابي ومسسنا أي نلنا، فالمسّ مجاز مرسل فكلّ منّا ينتمي إلى نسب في قومه غير منخفض ويروى إلى حسب فاستوينا من جهة الآباء في التفاخر فلما بلغنا فيه ذكر الأمهات وجدتم أقاربكم كرام المضاجع كناية عن الأزواج أو عبر باسم المحل عن الحال فيه وهنّ الأزواج مجازا مرسلا وكرم النساء مذموم لأنه كناية
стр. 5397
عن الخنا، كما يكنّى ببخلهنّ عن العفّة فلسنا سواء في الأمهات وبعده:
فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ١٠ الى ١٩]
وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً (١٠) وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً (١١) وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً (١٢) وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً (١٣) وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً (١٤)
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً (١٥) وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً (١٧) وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً (١٨) وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً (١٩)
اللغة:
(قِدَداً) جمع قدّة بالكسر وهي الطريقة وفي المصباح: «والقدّة الطريقة والفرقة من الناس والجمع قدد مثل سدرة وسدر وبعضهم يقول
стр. 5398
الفرقة من الناس إذا كان هوى كل واحد على حدة» ويؤخذ من اللسان وغيره أنه يقال: كنّا طرائق قددا أي فرقا مختلفة الأهواء وتجمع أيضا على أقدّة.
(الْقاسِطُونَ) الجائرون بكفرهم والقاسط الجائر لأنه عدل عن الحق والمقسط العادل إلى الحق من قسط إذا جار وأقسط الرباعي بمعنى عدل وعن سعيد بن جبير أن الحجاج قال له حين أراد قتله: ما تقول فيّ؟ قال: قاسط عادل فقال القوم: ما أحسن ما قال حسبوا أنه يصفه بالقسط والعدل فقال الحجاج: يا جهلة إنه سمّاني ظالما مشركا وتلا لهم قوله تعالى: «وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا» «ثم الذين كفروا بربهم يعدلون» .
(تَحَرَّوْا رَشَداً) أي قصدوا هداية وطلبوها باجتهاد وفيه التحرّي في الشيء يقال حرى الشيء يحريه أي قصد حراه أي جانبه وتحرّاه كذلك. كذلك قال الراغب والذي في المعاجم أن حرى الشيء نقص.
(غَدَقاً) الغدق بفتح الدال وكسرها لغتان في الماء الغزير ومنه الغيداق للماء الكثير وللرجل الكثير العدو والكثير النطق وفي المصباح:
«غدقت العين غدقا من باب تعب كثر ماؤها فهي غدقة وفي التنزيل:
لأسقيناهم ماء غدقا أي كثيرا وأغدقت إغداقا كذلك وغدق المطر غدقا وأغدق إغداقا مثله وغدقت الأرض تغدق من باب ضرب إذا ابتلت بالغدق» .
(صَعَداً) بفتح الصاد والعين مصدر صعد بكسر العين كفرح.
(لِبَداً) بكسر اللام وقرىء بفتحها فهما لغتان جمع لبدة بكسر اللام كسدرة وسدر على اللغة وعلى اللغة الثانية كغرفة وغرف وفي المختار: «اللبد بوزن الجلد واحد اللبود واللبدة أخصّ منه قلت
стр. 5399
وجمعها لبد ومنه قوله تعالى: كادوا يكونون عليه لبدا» وعبارة القرطبي:
«قال مجاهد لبدا أي جماعات وهو من تلبد الشيء على الشيء أي تجمع ومنه اللبد الذي يفرش لتراكم صوفه وكل شيء ألصقته إلصاقا شديدا فقد لبدته ويقال للشعر الذي على ظهر الأسد لبدة وجمعها لبد ويقال للجراد الكثير لبد وفيه أربع لغات وهي قراءات: بفتح الباء وكسر اللام وهي قراءة العامة وضم اللام وفتح الباء وهي قراءة مجاهد وابن محيصن وهشام من أهل الشام واحدتها لبدة بضم اللام وكسرها وبضم اللام والباء وهي قراءة أبي حيان وأبي الأشهب والعقيلي والجحدري وأحدها لبد مثل سقف في سقف ورهن في رهن وبضم اللام وتشديد الباء المفتوحة وهي قراءة الحسن وأبي العالية والجحدري أيضا واحدها لا بدّ مثل راكع وركع وساجد وسجد» .
الإعراب:
(وَأَنَّا لا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً) وأنا عطف على ما تقدم وأن واسمها وجملة لا ندري خبرها وأشر فيه وجهان: الرفع بفعل مضمر على الاشتغال والثاني الرفع على الابتداء وجملة أريد هي الخبر والأول أرجح لتقدّم ما هو طالب للفعل وهو همزة الاستفهام وبمن متعلقان بأريد ونائب فاعل أريد مستتر وعلى الوجه الأول تكون جملة أريد مفسّرة لا محل لها وفي الأرض صلة من وأم حرف عطف معادلة وبهم متعلقان بأراد وربهم فاعل ورشدا مفعول به، وسيأتي مزيد من بحث هذه الآية في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ) عطف أيضا ومنّا خبر مقدم والصالحون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا خبر مقدم ودون ظرف متعلق بمحذوف هو المبتدأ المؤخر والتقدير ومنّا فريق أو فوج دون ذلك وأجاز الأخفش وغيره أن تكون دون بمعنى غير أي ومنّا غير الصالحين وهو مبتدأ وإنما فتح
стр. 5400
لإضافته إلى غير متمكّن كقوله: لقد تقطع بينكم في قراءة من نصب على أحد الأقوال والأول أرجح وحذف الموصوف مع من التبعيضية كثير كقولهم منّا ظعن ومنّا أقام أي منّا فريق ظعن ومنّا فريق أقام، وذلك مضاف إليه (كُنَّا طَرائِقَ قِدَداً) فيه أوجه أحدها أن التقدير كنّا ذوي طرائق أي ذوي مذاهب مختلفة، الثاني أن التقدير كنّا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة، الثالث أن التقدير كنّا في طرائق مختلفة، الرابع أن التقدير: كانت طرائقنا قددا على حذف المضاف الذي هو الطرائق وإقامة الضمير المضاف إليه مقامه، وعلى كل حال كان واسمها وطرائق خبرها وقددا نعت، وعلى الوجه الثالث تكون طرائق منصوبة بنزع الخافض والجار والمجرور خبر كنّا، ولم يرتض أبو حيان هذا الوجه وقال: «وأما التقدير الثالث وهو أن ينتصب على إسقاط «في» فلا يجوز ذلك إلا في الضرورة وقد نصّ سيبويه على أن عسل الطريق شاذ فلا يخرج القرآن عليه» أراد أبو حيّان بعسل الطريق قول ساعدة ابن جؤية في وصف رمح:
لدن بهز الكف يعسل متنه ... فيه كما عسل الطريق الثعلب
والشاهد فيه قوله عسل الطريق حيث حذف حرف الجر ونصب الاسم الذي كان مجرورا به، وأصل الكلام عسل في الطريق وهو ضرورة (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَباً) عطف أيضا وظننا فعل وفاعل وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة لن نعجز الله خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي ظننا وفي الأرض حال ولن نعجزه عطف على لن نعجز الله وهربا مصدر في موضع الحال تقديره لن نعجزه كائنين في الأرض أينما تنقلنا فيها ولن نعجزه هاربين إلى السماء موغلين فيها (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ) عطف أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو حينية وسمعنا فعل
стр. 5401
وفاعل والهدى مفعول به وجملة آمنّا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وبه متعلق بآمنّا (فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْساً وَلا رَهَقاً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويؤمن فعل الشرط وفاعله هو وبربه متعلقان بيؤمن والفاء رابطة ولا نافية ويخاف فعل مضارع مرفوع وفاعله هو وجملة لا يخاف خبر لمبتدأ محذوف أي فهو لا يخاف والجملة الاسمية المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وبخسا مفعول به ولا رهقا عطف على بخسا، وسيأتي سبب رفع الفعل وتقدير مبتدأ قبله حتى يقع خبرا له في باب البلاغة (وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ) عطف على ما تقدم أيضا وأن واسمها ومنّا خبر مقدم والمسلمون مبتدأ مؤخر والجملة خبر أنّا ومنّا القاسطون عطف على منّا المسلمون (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَداً) الفاء عاطفة ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ وأسلم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة وأولئك مبتدأ وجملة تحرّوا خبر ورشدا مفعول بهَ أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَباً)
الواو عاطفة وأما حرف شرط وتفصيل والقاسطون مبتدأ والفاء واقعة في جواب الشرط غير الجازم وكانوا فعل ماض ناقص والواو اسمها والجملة خبر القاسطون ولجهنم حال لأنه كان في الأصل صفة لحطبا وتقدمت وحطبا خبر كانوا والجملة خبر القاسطون (وَأَنْ لَوِ اسْتَقامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْناهُمْ ماءً غَدَقاً) عطف أيضا على أنه استمع وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف أي وأوحي إليّ أن لو استقاموا، ولو شرطية وجملة استقاموا خبر أن وعلى الطريقة متعلقان باستقاموا واللام واقعة في جواب لو وأسقيناهم فعل وفاعل ومفعول به أول وماء مفعول به ثان وعذقا نعت لماء (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذاباً صَعَداً) اللام لام التعليل ونفتنهم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بأسقيناهم وفيه متعلقان بنفتنهم والمعنى لنختبرهم في الماء فنعلم علم
стр. 5402
ظهور للخلائق كيف يشكرون وكيف يكفرون وإلا فهو سبحانه عالم لا يخفى عليه شيء، والواو عاطفة ومن شرطية مبتدأ ويعرض فعل الشرط وعن ذكر ربه متعلقان بيعرض ويسلكه جواب الشرط والهاء مفعول به أي يدخله وعذابا منصوب بنزع الخافض والأصل نسلكه في عذاب كقوله تعالى واختار موسى قومه سبعين رجلا، وصعدا نعت وصعدا مصدر صعد بكسر العين كفرح ووصف به العذاب على تأويله باسم الفاعل أي عذابا عاليا يغمره ويعلو عليه ويجتاحه (وَأَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً) عطف على أنه استمع أي أوحي إليّ أن المساجد لله أي مختصّة به، وأن واسمها ولله خبرها والفاء عاطفة ولا ناهية وتدعوا فعل مضارع مجزوم بلا الناهية وعلامة جزمه حذف النون ومع الله ظرف متعلق بتدعوا وأحدا مفعول تدعوا (وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَداً) عطف على أنه استمع أيضا وأن واسمها ولما رابطة أو ظرفية حينية متضمنة معنى الشرط وقام عبد الله فعل ماض وفاعل وجملة يدعوه حال أي داعيا والمراد به محمد ﷺ أي مصليا صلاة الصبح أو مجرد العبادة ببطن نخلة، وجملة كادوا لا محل لها لأنها
جواب ولما وشرطها وجوابها خبر أنه وكاد من أفعال المقاربة والواو اسمها وجملة يكونون خبرها والواو في يكونون اسم يكون وعليه متعلقان بمحذوف حال ولبدا خبر يكونون.
البلاغة:
١- في قوله «وأنّا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا» اختلاف صورة الكلام لاختلاف الأحوال فإن ما قبل أم صورة من الكلام تخالف صورة ما بعدها لأن الأولى فيها فعل الإرادة مبني للمجهول والثانية فيها فعل الإرادة مبني للمعلوم والحال الداعي لذلك نسبة الخير إليه سبحانه في الثانية ومنع نسبة الشر إليه في الأولى
стр. 5403
قال ابن المنير: «ومن عقائدهم- أي الجن- إن الرشد والضلال جميعا مرادان لله تعالى بقولهم: وأنّا لا ندري «الآية» ولقد أحسنوا الأدب في ذكر إرادة الشر محذوفة الفاعل والمراد بالمريد هو الله وإبرازهم لاسمه عند إرادة الخير والرشد فجمعوا بين العقيدة الصحيحة والآداب المليحة» وعبارة أبي حيان: «ولما رأوا ما حدث من كثرة الرجم ومنع الاستراق قالوا: وأنا لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا، فيؤمنون به فيرشدون وحين ذكروا أشرّ لم يسندوه إلى الله تعالى وحين ذكروا الرشد أسندوه إليه تعالى» .
٢- وفي قوله: «وأنّا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا» فن الإيضاح وقد تقدم القول فيه وأنه حلّ للإشكال الوارد في ظاهر الكلام وهو يكون في معاني البديع من الألفاظ وفي إعرابها ومعاني النفس دون الفنون وقد ذكرنا مفصلا في آل عمران فإن الظاهر جزم الاستغناء عن الفاء وجزم الفعل تفاديا من تقدير المبتدأ قبله ولكنه عدل عمّا هو الظاهر لفائدة وهي أنه إذا فعل ذلك فكأنه قيل فهو لا يخاف فكان دالّا على تحقيق أن المؤمن ناج لا محالة وأنه هو المختص بذلك دون غيره، ومن جهة ثانية فإن الجملة الاسمية أدلّ وآكد من الفعلية على تحقيق مضمون الجملة.
[سورة الجن (٧٢) : الآيات ٢٠ الى ٢٨]
قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً (٢٠) قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً (٢٢) إِلاَّ بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً (٢٣) حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً (٢٤)
قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً (٢٥) عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلاَّ مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً (٢٧) لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً (٢٨)
стр. 5404
اللغة:
(مُلْتَحَداً) : الملتحد: الملتجأ وقيل محيصا وقيل معدلا وعبارة القاموس: «وألحد إليه مال كالتحد والملتحد المتلجأ» وفي المصباح:
«والملتحد بالفتح اسم الموضع وهو الملجأ» .
(وَأَحْصى) أصل الإحصاء أن المحاسب إذا بلغ عقدا معينا من عقود الأعداد كالعشرة والمائة والألف وضع حصاة ليحفظ بها كمية ذلك العقد فينبي على ذلك حسابه.
الإعراب:
(قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَداً) كلام مستأنف مسوق للرد على الكفّار المتظاهرين عليه القائلين له: إنك قد أقدمت على أمر عظيم لم يخطر على بال غيرك الإقدام عليه فارفق بنفسك واصدف عنه ونحن نجيرك. وقال فعل ماض وفاعله مستتر يعود على النبي ﵇ وإنما كافّة ومكفوفة وأدعو ربي فعل مضارع وفاعل مستتر ومفعول
стр. 5405
به والواو حرف عطف ولا نافية وأشرك فعل مضارع وفاعله مستتر تقديره أنا وبه متعلقان بأشرك وأحدا مفعول به وقرىء قل على الالتفات من الغيبة إلى الخطاب (قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَداً) كلام مستأنف أيضا مسوق للرد عليهم ولبيان عجزه عن شئون نفسه وأن الأمر كله بيد الله، وإن واسمها وجملة لا أملك خبرها ولكم متعلقان بضرّا وضرّا مفعول به ولا رشدا عطف على ضرّا وجملة إني لا أملك مقول القول (قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً) إن واسمها وجملة لن يجيرني خبر ومن الله متعلقان بيجيرني وأحد فاعل يجيرني ولن أجد عطف على لن يجيرني ومن دونه في موضع المفعول الثاني ليجدني وملتحدا هو المفعول الأول (إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ) إلا أداة استثناء، وبلاغا فيه أوجه: ١- أنه استثناء من مفعول أملك أي من مجموع الأمرين وهما ضرّا ورشدا بعد تأويلهما بشيئا كأنه قال لا أملك لكم شيئا إلا بلاغا فهو استثناء متصل، وعلى هذا ففي نصبه وجهان:
أولهما أنه بدل من ملتحدا لأن الكلام غير موجب وثانيهما النصب على الاستثناء.
٢- أنه استثناء منقطع لأن البلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله: ولن أجد من دونه ملتحدا ولأنه لا يكون من دون الله بل يكون من الله وبإعانته.
٣- أنه استثناء من قوله: لا أملك لكم ضرّا، وقدّره الزمخشري فقال: «أي لا أملك إلا بلاغا من الله وقل إني لن يجيرني جملة معترضة اعترض بها لتأكيد نفي الاستطاعة عن نفسه وبيان عجزه على معنى أن الله إن أراد به سوءا من مرض أو موت أو غيرهما لم يصحّ أن يجيره منه أحد أو يجد من دونه ملاذا يأوي إليه» واستبعد أبو حيان هذا الوجه، وفيما يلي نص عبارته لنفاستها: «إلا بلاغا قال الحسن هو
стр. 5406
استثناء منقطع أي لن يجيرني أحد لكن إن بلغت رحمتي بذلك، والإجارة للبلاغ مستعارة إذ هو سبب إجارة الله ورحمته وقيل على هذا المعنى هو استثناء متصل أي لن يجيرني أحد لكن لم أجد شيئا أميل إليه وأعتصم به إلا أن أبلغ وأطيع فيجيرني الله فيجوز نصبه على الاستثناء من ملتحدا وعلى البدل وهو الوجه لأن ما قبله نفي وعلى البدل خرجه الزجّاج وقال أبو عبد الله الرازي: هذا الاستثناء منقطع لأنه لم يقل ولم أجد ملتحدا بل قال من دونه والبلاغ من الله لا يكون داخلا تحت قوله من دونه ملتحدا لأنه لا يكون من دون الله بل يكون من الله وبإعانته وتوفيقه، وقال قتادة: التقدير لا أملك إلا بلاغا إليكم فأما الإيمان والكفر فلا أملك انتهى وفيه بعد لطول الفصل بينهما وقيل إلا في تقدير الانفعال إن شرطية ولا نافية وحذف فعلها لدلالة المصدر عليه والتقدير إن لم أبلغ بلاغا من الله ورسالته وهذا كما تقول: إن لا قياما قعودا أي إن لم تقم قياما فاقعد قعودا وحذف هذا الفعل قد يكون لدلالته عليه بعده أو قبله كما حذف في قوله:
فطلقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام
والتقدير وإن لا تطلقها فحذف تطلقها لدلالة فطلقها عليه ومن لابتداء الغاية» واقتصر أبو البقاء على الاستثناء المنقطع لأنه من غير الجنس. ومن الله صفة لبلاغا ورسالاته عطف على بلاغا وقد اختاره الزمخشري وقال: «كأنه قيل: لا أملك لكم إلا التبليغ والرسالة والمعنى إلا أن أبلغ عند الله فأقول قال الله كذا ناسبا قوله إليه وأن أبلغ رسالاته التي أرسلني بها من غير زيادة ولا نقصان» ورجح أبو حيان والسمين والكرخي أن يكون معطوفا على الله أي إلا عن الله وعن رسالاته وكلاهما سديد (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) الواو استئنافية ومن شرطية مبتدأ ويعص فعل الشرط وفاعله مستتر
стр. 5407
تقديره هو ولفظ الجلالة مفعول به ورسوله عطف عليه والفاء رابطة للجواب وإن حرف مشبه بالفعل وله خبرها المقدم ونار جهنم اسمها المؤخر وخالدين حال من الضمير في له والعامل في هذه الحال الاستقرار المحذوف وجمع خالدين حملا على معنى الجمع في من وفيها متعلق بخالدين وأبدا ظرف زمان متعلق بخالدين أيضا (حَتَّى إِذا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ أَضْعَفُ ناصِراً وَأَقَلُّ عَدَداً) حتى هنا حرف ابتداء أي يصلح أن يجيء بعدها جملة الابتداء والخبر ومع ذلك فيها معنى الغاية قال الزمخشري: «فإن قلت بم تعلق حتى وجعل ما بعده غاية له؟ قلت: بقوله يكونون عليه لبدا على أنهم يتظاهرون عليه بالعداوة ويستضعفون أنصاره ويستقلون عددهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من يوم بدر وإظهار الله له عليهم أو من يوم القيامة فسيعلمون حينئذ أنهم أضعف ناصرا وأقل عددا ويجوز أن يتعلق بمحذوف دلّت عليه الحال من استضعاف الكفّار له واستقلالهم لعدده كأنه قال: لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون قال المشركون متى يكون هذا الموعود إنكارا له فقيل: قل إنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه فإن الله قد وعد ذلك وهو لا يخلف الميعاد وأما وقته فما أدرى متى يكون لأن الله لم يبيّنه لما رأى في إخفاء وقته من المصلحة» وإذا ظرف لما يستقبل من الزمن خافض لشرطه منصوب بجوابه وجملة رأوا في محل جر بإضافة الظرف إليها ورأوا فعل ماض وفاعل وما اسم موصول مفعول به وجملة يوعدون لا محل لها لأنها صلة الموصول والفاء رابطة للجواب والسين حرف استقبال ويعلمون فعل مضارع وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وهنا إشكال لم ينبّه عليه أحد ممّن تصدّوا لتفسير هذه الآية وإعرابها وهو أن السين حرف استقبال ووقت رؤية العذاب يحصل فور علم الضعيف من القوي والسين تقتضي أنه يتأخر عنه ولا مفر من هذا الإشكال إلا بجعل السين حرفا للتأكيد المجرد لا
стр. 5408
للاستقبال، هذا ويجوز تعليق حتى إذا بمحذوف دلّت عليه الحال من استضعاف الكفّار له واستقلالهم لعدده كأنه قال لا يزالون على ما هم عليه حتى إذا رأوا ما يوعدون قال المشركون متى يكون هذا الموعود إنكارا له فقيل لهم قيل أنه كائن لا ريب فيه فلا تنكروه فإن الله قد وعد بذلك وهو لا يخلف الميعاد وأما وقته فلا أدري متى يكون وعبارة الجلال «حتى إذا رأوا ابتدائية فيها معنى الغاية لمقدّر قبلها أي لا يزالون على كفرهم إلى أن يروا ما يوعدون من العذاب فسيعلمون عند حلوله بهم» ومن يجوز أن تكون استفهامية فترفع بالابتداء وأضعف خبره والجملة في موضع نصب سادّة مسدّ مفعولي يعلمون لأنها معلقة للعلم قبلها ويجوز أن تكون موصولة في محل نصب مفعول به وأضعف خبر لمبتدأ محذوف أي هو أضعف والجملة صلة ويكون العلم على هذا الوجه بمعنى العرفان فلا تحتاج لمفعولين وناصرا تمييز وأقل عددا عطف على أضعف ناصرا. هذا وقد أورد أبو حيان اعتراضا على هذا الإعراب الذي أوردناه ننقله بنصّه قال في معرض ردّه على الزمخشري:
«قوله بم تعلق إن عنى تعلّق حرف الجر فليس بصحيح لأنها حرف ابتداء فما بعدها ليس في موضع جر خلافا للزجّاج وابن درستويه فإنهما زعما أنها إذا كانت حرف ابتداء فالجملة الابتدائية بعدها في موضع جر وإن عنى بالتعليق اتصال ما بعدها بما قبلها وكون ما بعدها غاية لما قبلها فهو صحيح وأما تقديره أنها تتعلق بقوله يكونون عليه لبدا فهو بعيد جدا لطول الفصل بينهما بالجمل الكثيرة، وقال التبريزي: حتى جاز أن تكون غاية لمحذوف ولم يبيّن ما المحذوف، وقيل: المعنى دعهم حتى إذا رأوا ما يوعدون من الساعة فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا أهم أم أهل الكتاب؟ والذي يظهر لي أنها غاية لما تضمنته الجملة التي قبلها من الحكم بكينونة النار لهم كأنه قيل: إن العاصي يحكم له بكينونة النار لهم والحكم بذلك هو وعيد حتى إذا رأوا ما حكم بكينونته
стр. 5409
لهم فسيعلمون فقوله فإن له نار جهنم هو وعيد لهم بالنار ومن أضعف مبتدأ وخبر في موضع نصب لما قبله وهو معلق عنه لأن من استفهام ويجوز أن تكون موصولة في موضع نصب بسيعلمون وأضعف خبر مبتدأ محذوف والجملة صلة لمن وتقديره هو أضعف وحسن حذفه طول الصلة بالمعمول وهو ناصرا» (قُلْ إِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ ما تُوعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِّي أَمَداً) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت وإن نافية وأدري فعل مضارع مرفوع وفاعله مستتر تقديره أنا والهمزة للاستفهام وقريب خبر مقدم وما توعدون مبتدأ مؤخر، ويجوز أن يكون قريب مبتدأ لاعتماده على الاستفهام وما توعدون فاعل به أي أقرب الذي توعدون نحو أقائم أبواك، وما يجوز أن تكون موصولة فالعائد محذوف وجملة توعدون صلة وأن تكون مصدرية فلا عائد وأم متصلة ويجعل فعل مضارع مرفوع وله في موضع المفعول الثاني وربي فاعل وأمدا مفعول يجعل الأول والجملة المعلقة بالاستفهام في محل نصب سدّت مسدّ مفعولي أدري (عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً) خبر لمبتدأ محذوف أي هو عالم ويجوز أن يعرب بدلا من ربي والفاء عاطفة لترتيب عدم الإظهار على تفرده بعلم الغيب على الإطلاق ولا نافية ويظهر فعل مضارع مرفوع وعلى غيبه متعلقان بيظهر وأحدا مفعول به (إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً) إلا أداة حصر والاستثناء منقطع أي لكن من ارتضاه فإنه يظهره على ما يشاء من غيبه بالوحي، ومن اسم موصول أو شرطية مبتدأ على كل حال وعلى الشرطية تكون جملة «فإنه» في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ ويجوز أن يكون الاستثناء متصلا أي إلا رسولا ارتضاه فتعرب من بدلا من أحد ومن بين يديه متعلقان بيسلك ومن خلفه عطف على من بين يديه ورصدا مفعول يسلك وجملة يسلك خبر إنه أي يسلك ملائكة رصدا (لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسالاتِ رَبِّهِمْ) اللام
стр. 5410
لام التعليل ويعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والجار والمجرور متعلقان بيسلك غاية له من حيث أنه مترتب على الإبلاغ المترتب عليه، وعلّقه القرطبي بمحذوف وعبارته «وفيه حذف تتعلق به اللام أي أخبرناه بحفظنا الوحي ليعلم أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ الرسالة، وأن محففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وقد حرف تحقيق وجملة أبلغوا رسالات ربهم خبر أن (وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً) عطف على مقدّر أي فعلم ذلك وأحاط فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو يعود على الله تعالى وبما متعلقان بأحاط ولديهم ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة وأحصى عطف على أحاط وكل شيء مفعول أحصى وعددا تمييز محول عن المفعول أي أحصى عدد كل شيء، وأعربه الزمخشري حالا وعبارته:
«وعددا حال أي وضبط كل شيء معدودا محصورا أو مصدر في معنى إحصاء» وبدأ أبو البقاء بالمصدرية وأجاز التمييز، وعبارة أبي حيان:
«عددا أي معدودا وانتصابه على الحالية من كل شيء وإن كان نكرة لاندراج المعرفة في العموم ويجوز أن ينتصب نصب المصدر لأحصى لأنه في معنى إحصاء» .
الفوائد:
شجر بين أهل السنّة والاعتزال خلاف حول كرامات الأولياء فقد قال الزمخشري بصدد الحديث عن قوله تعالى: «عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا» بعد كلام طويل: «وفي هذا إبطال للكرامات لأن الذين تضاف إليهم وإن كانوا أولياء مرتضين فليسوا برسل وقد خصّ الله الرسل من بين المرتضين بالاطّلاع على الغيب وإبطال الكهانة والتنجيم لأن أصحابها أبعد شيء من الارتضاء وأدخله في السخط» .
стр. 5411
وتعقبه ابن المنير فقال: «ادعى عاما واستدل خاصا فإن دعواه إبطال الكرامات بجميع أنواعها والمدلول عليه بالآية إبطال اطّلاع الولي على الغيب خاصة ولا يكون كرامة وخارق العادة إلا الاطّلاع على الغيب لا غير وما القدرية إلا ولهم شبهة في إبطالها وذلك أن الله لا يتخذ منهم وليّا أبدا وهم لم يحدثوا بذلك عن أشياعهم قطّ فلا جرم أنهم يستمرون على الإنكار ولا يعلمون أن شرط الكرامة الولاية وهي مسلوبة عنهم اتفاقا أما سلب الإيمان فمسألة خلاف.... وهو يريد الكرامة لأنه لم يؤتها» .
ونحا القرطبي نحوا آخر فقال: «قال العلماء لما تمدح سبحانه بعلم الغيب واستأثر به دون خلقه كان فيه دليل على أنه لا يعلم الغيب أحد سواه ثم استثنى من ارتضاه من الرسل فأودعهم ما شاء من غيبه بطريق الوحي إليهم وجعله معجزة لهم ودلالة صادقة على نبوتهم» ثم ذكر استدلالا على بطلان ما يقوله المنجم ثم قال باستحلال دم المنجم.
وقال الواحدي: «في هذا دليل على أن من ادّعى أن النجوم تدل على ما يكون من حياة أو موت أو غير ذلك فقد كفر بما في القرآن» .
وقال أبو عبد الله الرازي: «والواحدي تجوز الكرامات على ما قال صاحب الكشاف بجعلها تدل على المنع من الأحكام النجومية ولا تدل على الإلهامات مجرد تشبه، وعندي أن الآية لا تدل على شيء مما قالوه لأن قوله: على غيبه ليس فيه صفة عموم» إلى أن يقول: «واعلم أنه لا بدّ من القطع بأنه ليس المراد من هذه الآية أنه لا يطّلع أحد على شيء من المغيبات إلا الرسل عليهم الصلاة والسلام والذي يدل عليه وجوه:
стр. 5412
أحدها: أنه ثبت بالأخبار القريبة من التواتر أن شقا وسطيحا كانا كاهنين يخبران بظهور محمد ﷺ قبل زمان ظهوره وكانا في العرب مشهورين بهذا النوع من العلم حتى رجع إليهما كسرى في تعرّف أخبار رسول الله ﷺ .
وثانيها: إطباق الأمم على صحة علم التعبير فيخبر المعبر عمّا يأتي في المستقبل ويكون صادقا.
وثالثها: أن الكاهنة البغدادية التي نقلها السلطان سنجر بن ملكشاه من بغداد إلى خراسان سألها عن أشياء في المستقبل فأخبرت بها ووقعت على وفق كلامها فقد رأيت أناسا محققين في علوم الكلام والحكمة حكوا عنها أنها أخبرت عن الأشياء الغائبة على سبيل التفصيل وجاءت كذلك، وبالغ أبو البركات صاحب المعتبر في شرح حالها في كتاب التعبير وقال: فحصت عن حالها منذ ثلاثين سنة حتى تيقنت أنها كانت تخبر عن المغيبات أخبارا مطابقة موافقة.
ورابعها: أنّا نشاهد أصحاب الإلهامات الصادقة وليس هذا مختصا بالأولياء فقد يوجد في السحرة وفي الأخبار النجومية ما يوافق الصدق وإن كان الكذب يقع منهم كثيرا وإذا كان ذلك مشاهدا محسوسا فالقول بأن القرآن يدل على خلافه مما يجر إلى الطعن بالقرآن وذلك باطل فعلمنا أن التأويل الصحيح ما ذكرناه» .
وتعقبه أبو حيان فقال: «وإنما أوردنا كلام هذا الرجل في هذه المسألة لننظر فيما ذكر من تلك الوجوه، أما قصة شق وسطيح فليس فيها شيء من الإخبار بالغيب لأنه فما يخبر به رئي الكهان من الشياطين مسترقة السمع كما جاء في الحديث أنهم يسمعون وبل الكلمة ويكذبون ويلقون إلى الكهنة وتزيد الكهنة للكلمة مائة كذبة
стр. 5413
وليس هذا من علم الغيب إذ تكلمت به الملائكة وتلقفها الجنّي وتلقفها منه الكاهن فالكاهن لم يعلم الغيب، وأما تعبير المنامات فالمعبر غير المعصوم لا يعبّر بذلك على سبيل القطع والبت بل على سبيل الحزر والتخمين فقد يقع ما يعبر وقد لا يقع، وأما الكاهنة البغدادية وما حكي عنها فحسبه عقلا أن يستدل بأحوال امرأة لم يشاهدها ولو شاهد ذلك لكان في عقله ما يجوز أنه ليس عليه هذا وهو العالم المصنّف الذي طبق ذكره الآفاق وهو الذي شكك في دلائل الفلاسفة وسامهم الخسف، وأما حكايته عن صاحب المعتبر فهو يهودي أظهر الإسلام وهو منتحل طريقة الفلاسفة، وأما مشاهدته أصحاب الإلهامات الصادقة فلي من العمر نحو من ثلاث وسبعين سنة أصحب العلماء وأتردد إلى من ينتمي إلى الصلاح ولم أر أحدا منهم صاحب إلهام صادق، وأما الكرامات فإني لا أشك في صدور شيء منها لكن ذلك على سبيل الندرة وذلك فيما سلف من صلحاء هذه الأمة وربما قد يكون في أعصارنا من تصدر منه الكرامة ولله تعالى أن يخصّ من شاء بما شاء» .
стр. 5414
(٧٣) سورة المزّمل مكيّة وآياتها عشرون
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١ الى ١٤]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلاَّ قَلِيلاً (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلاً (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلاً (٤)
إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلاً ثَقِيلاً (٥) إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً (٦) إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلاً (٧) وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً (٨) رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلاً (٩)
وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً (١٠) وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلاً (١١) إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالاً وَجَحِيماً (١٢) وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً (١٣) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلاً (١٤)
стр. 5415
اللغة:
(الْمُزَّمِّلُ) المتزمل وهو الذي تزمل في ثيابه أي تلفف بها بإدغام التاء في الزاي ونحوه المدّثر في المتدثر، يقال تزمّل في ثوبه التفّ وزمل لف قال امرؤ القيس:
كأن ثبيرا في عرانين وبله ... كبير أناس في بجاد مزمل
وقال ذو الرمّة:
وكائن تخطّت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمل
وفي المصباح «زملته بثوبه تزميلا فتزمل مثل لففته فتلفف، وزملت الشيء حملته، ومنه قيل للبعير زاملته بالهاء للمبالغة لأنه يحمل متاع المسافر» وسيأتي المزيد من معناه في باب الفوائد.
(ناشِئَةَ اللَّيْلِ) القيام بعد النوم فهي صفة لمحذوف أي إن النفس الناشئة بالليل التي تنشأ من مضجعها للعبادة أي ترتفع وتنهض من نشأت السحابة إذا ارتفعت وقيل أنها مصدر بمعنى القيام من نشأ إذا قام ونهض فتكون كالعاقبة وفي المختار: «وناشئة الليل أول ساعاته وقيل ما ينشأ فيه من الطاعات» .
(وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ) انقطع إليه وتبتيلا مصدر على غير المصدر وهو واقع موقع التبتل لأن مصدر تفعّل تفعلا، نحو تصرف تصرفا وتكرم تكرما وأما التبتيل فمصدر تبل نحو صرف تصريفا قال في الخلاصة:
وغير ذي ثلاثة مقيس ... مصدره كقدس التقديس
قال في الكشاف: «فإن قلت كيف قيل تبتيلا مكان تبتلا قلت:
لأن معنى تبتل بتل نفسك فجيء به على معناه مراعاة لحق الفواصل»
стр. 5416
وعبارة أبي البقاء: «قوله تعالى تبتيلا مصدر على غير المصدر واقع موقع تبتل وقيل المعنى بتل نفسك تبتيلا» .
(النَّعْمَةِ) بالفتح التنعم وبالكسر الإنعام وبالضم المسرّة.
(أَنْكالًا) قيودا ثقالا جمع نكل بكسر النون.
(كَثِيباً) رملا مجتمعا.
(مَهِيلًا) سائلا بعد اجتماعه وهو من هال يهيل وهو اسم مفعول أصله مهيول استثقلت الضمة على الياء فنقلت إلى الهاء وحذفت الواو ثاني الساكنين لزيادتها وقلبت الضمة كسرة لمجانسة الياء وفي المختار «هال الدقيق في الجراب صبّه من غير كيل وكل شيء أرسله إرسالا من رمل أو تراب أو طعام ونحوه فقد هاله فانهار أي جرى وانصبّ وبابه باع وأهال لغة فيه فهو مهال ومهيل» .
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) يا حرف نداء وأيها منادى مبني على الضم لأنه نكرة مقصودة والهاء للتنبيه والمزمل بدل أو نعت وقم فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والليل ظرف لقم وإن استغرقه الحدث الواقع فيه وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من الليل وفيه دليل على أن المستثنى قد يكون مبهم المقدار (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) جوّز المعربون في نصفه أن يكون بدلا من الليل ومن قليلا فإذا كان بدلا من الليل كان الاستثناء منه وكان المأمور بقيامه نصف الليل إلا قليلا منه والضمير في منه وعليه عائد على النصف فيصير المعنى قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص من نصف الليل قليلا أو زد على نصف الليل فيكون قوله أو أنقص من نصف الليل قليلا تكرارا لقوله إلا قليلا من نصف
стр. 5417
الليل وذلك تركيب غير فصيح ينزّه القرآن عنه. قال الزمخشري: «نصفه بدل من الليل وإلا قليلا استثناء من النصف كأنه قال: قم أقل من نصف والضمير في منه وعليه للنصف والمعنى التخيير بين أمرين بين أن يقوم أقل من نصف الليل على البتّ وبين أن يختار أحد الأمرين وهما النقصان من النصف والزيادة عليه» وقال أبو حيان تعقيبا على إعراب الزمخشري: «فلم ينتبه للتكرار الذي يلزمه في هذا القول لأنه على تقديره قم أقل من نصف الليل كان أو أنقص من نصف الليل تكرارا، وإذا كان نصفه بدلا من قوله إلا قليلا فالضمير في نصفه إما أن يعود على المبدل منه أو على المستثنى منه وهو الليل لا جائز أن يعود على المبدل منه لأنه يصير استثناء مجهول من مجهول إذ التقدير إلا قليلا نصف القليل وهذا لا يصح له معنى البتة وإن عاد الضمير على الليل فلا فائدة من الاستثناء من الليل إذ كان يكون أخصر وأوضح وأبعد عن الالتباس أن يكون التركيب قم الليل نصفه وقد أبطلنا قول من قال: إلا قليلا استثناء من البدل وهو نصفه وإن التقدير قم الليل نصفه إلا قليلا منه أي من النصف وأيضا ففي دعوى أن نصفه بدل من إلا قليلا وأن الضمير في نصفه عائد على الليل إطلاق القليل على النصف ويلزم أيضا أن يصير التقدير إلا نصفه فلا تقمه أو أنقص من النصف الذي لا تقومه أو زد عليه النصف الذي لا تقومه وهذا معنى لا يصحّ وليس المراد من الآية قطعا» وقال الزمخشري أيضا «وإن شئت جعلت نصفه بدلا من قليلا وكان تخييرا بين ثلاث: بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وبين قيام الزائد عليه وإنما وصف النصف بالقلّة بالنسبة إلى الكل وإن شئت قلت: لما كان معنى قم الليل إلا قليلا نصفه إذا أبدلت النصف من الليل قم أقل من نصف الليل رجع الضمير في منه وعليه إلى الأقل من النصف فكأنه قيل: قم أقل من نصف الليل وقم أنقص من ذلك الأقل أو أزيد منه قليلا فيكون التخيير فيما وراء النصف بينه
стр. 5418
وبين الثلث ويجوز إذا أبدلت نصفه من قليلا وفسّرته به أن تجعل قليلا الثاني بمعنى نصف النصف وهو الربع كأنه قيل أو أنقص منه قليلا نصفه وتجعل المزيد على هذا القليل أعني الربع نصف الربع كأنه قيل أو زد عليه قليلا نصفه ويجوز أن تجعل الزيادة لكونها مطلقة تتمة الثلث فتكون تخييرا بين النصف والثلث والربع» . وتعقبه أبو حيان كعادته فقال: «وما أوسع خيال هذا الرجل فإنه يجوز ما يقرب وما يبعد والقرآن لا يجوز أن يحمل إلا على أحسن الوجوه التي تأتي في كلام العرب» وممّن نصّ على جواز أن يكون نصفه بدلا من الليل أو من قليلا الزمخشري كما ذكرنا عنه وابن عطية أورده مورد الاحتمال وأبو البقاء قال: «أشبه بظاهر الآية أن يكون بدلا من قليلا أو زد عليه والهاء فيهما للنصف فلو كان الاستثناء من النصف صار التقدير قم نصف الليل إلا قليلا أو أنقص منه قليلا والقليل المستثنى غير مقدّر فالنقصان منه لا يتحصل» وأما الخوفي فأجاز أن يكون بدلا من الليل ولم يذكر غيره.
وقال ابن عطية: «وقد يحتمل عندي قوله إلا قليلا أنه استثناء من القيام فيجعل الليل اسم جنس» ثم قال: «إلا قليلا، أي الليالي التي تخل بقيامها عند العذر البيّن وهذا النظر يحسن مع القول بالندب» . وقال أبو حيان معقّبا: «وهذا خلاف الظاهر وقيل المعنى أو نصفه كما تقول أعطه درهما درهمين ثلاثة تريد أو درهمين أو ثلاثة وفيه حذف حرف العطف من غير دليل عليه» أو قال التبريزي: «الأمر بالقيام والتخيير في الزيادة والنقصان وقع على الثلثين من آخر الليل لأن الثلث الأول وقت العتمة والاستثناء وارد على المأمور به فكأنه قال قم الليل إلا قليلا ثم جعل نصفه بدلا من قليلا فصار القليل مفسّرا بالنصف من الثلثين وهو قليل من الكل فقوله أو أنقص منه أي من المأمور به وهو قيام الثلث قليلا أي ما دون نصفه أو زد عليه أي على الثلثين فكان التخيير في الزيادة والنقصان واقعا على الثلثين (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) أو عاطفة
стр. 5419
للتخيير أي بين قيام نصف الليل وبين الزائد عليه إلى الثلثين وبين الناقص عنه إلى الثلث، وزد فعل أمر وعليه متعلقان بزد ورتل القرآن فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وترتيلا مفعول مطلق (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا) الجملة اعتراض بين الأمر بقيام الليل وبين تعليله بقوله الآتي: إن ناشئة الليل إلخ وقيل مستأنفة وعبارة الزمخشري: «وهذه الآية اعتراض ويعني بالقول الثقيل القرآن وما فيه من الأوامر والنواهي التي هي تكاليف شاقة ثقيلة على المكلفين وخاصة على رسول الله ﷺ لأنه متحملها بنفسه ومحملها أمته فهي أثقل عليه وأبهظ له، وأراد بهذا الاعتراض أن ما كلفه من قيام الليل من جملة التكاليف الثقيلة الصعبة التي ورد بها القرآن لأن الليل وقت السبات والراحة والهدوء فلا بدّ لمن أحياه من مضادة لطبعه ومجاهدة لنفسه» وإن واسمها وجملة سنلقي خبرها وعليك متعلقان بنلقي وقولا مفعول به وثقيلا نعت أي كلاما عظيما جليلا مهيبا ذا خطر وكل شيء له خطر ومقدار فهو ثقيل (إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا) الجملة تعليل لما تقدم وإن واسمها وهي ضمير فصل أو مبتدأ وأشدّ خبر إن أو خبر هي والجملة خبر إن ووطئا تمييز وأقوم عطف على أشد وقيلا تمييز أي قولا (إِنَّ لَكَ فِي النَّهارِ سَبْحاً طَوِيلًا) إن حرف مشبه بالفعل ولك خبر إن المقدّم وفي النهار حال لأنه كان في الأصل صفة لسبحا وسبحا اسم إن وطويلا اسمها المؤخر، وسيأتي معنى السبح في باب البلاغة (وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا) عطف على ما تقدم واسم ربك مفعول اذكر أي دم عليه ليلا ونهارا على أيّ حال ووجه وتبتل فعل أمر وإليه متعلقان به وتبتيلا مفعول مطلق (رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا) رب المشرق يقرأ بالرفع فهو خبر لمبتدأ محذوف ويقرأ بالجر على أنه بدل من ربك والقراءتان سبعيتان ولا إله إلا هو تقدم إعراب الشهادة في البقرة، والفاء الفصيحة أي إن عرفت ذلك
стр. 5420
وآمنت به فاتخذه، واتخذه فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به أول ووكيلا مفعول به ثان (وَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلًا) عطف على ما تقدم واصبر فعل أمر وفاعله مستتر تقديره هو وعلى ما متعلقان باصبر وجملة يقولون صلة ما واهجرهم عطف على اصبر وهجرا مفعول مطلق وجميلا نعت (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) عطف أيضا وذرني فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به والمكذبين مفعول معه أو عطف على المفعول به والمعنى أنا أكفيك أمرهم فلا تأس ولا تحزن، وأولي النعمة نعت للمكذبين، ومهّلهم فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به وقليلا نعت لمصدر محذوف أو ظرف أي قليلا من الزمن (إِنَّ لَدَيْنا أَنْكالًا وَجَحِيماً) إن حرف مشبّه بالفعل ولدينا ظرف متعلق بمحذوف خبرها المقدم وأنكالا اسمها المؤخر وجحيما عطف على أنكالا (وَطَعاماً ذا غُصَّةٍ وَعَذاباً أَلِيماً) عطف على أنكالا وذا غصة نعت وهو الزقوم أو الضريع يغصّ به في الحلق
وعذابا عطف أيضا (يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا) الظرف متعلق بالاستقرار الذي تعلق به لدينا ولك أن تعلقه بمحذوف نعت لعذابا أي عذابا واقعا يوم ترجف وجملة ترجف الأرض في محل جر بإضافة الظرف إليها والواو حرف عطف وكانت الجبال كان واسمها وكثيبا خبرها ومهيلا نعت لكثيبا.
البلاغة:
١- في الآيات المتقدمة يبدو الطباق واضحا بين المشرق والمغرب.
٢- وفي قوله «إن لك في النهار سبحا طويلا» استعارة تصريحية، فالسبح مصدر سبح وقد استعير من السباحة في الماء للتصرّف في مناحي العيش وحوائج الناس أي إن لك في النهار تصرفا وتقلبا في
стр. 5421
المهمات كما يتردد السابح في الماء قال الشاعر:
أباحوا لكم شرق البلاد وغربها ... ففيها لكم يا صاح سبح من السبح
وقرىء سبخا بالخاء المعجمة ومعناه خفه من التكاليف، والتسبيخ التخفيف وهو استعارة من سبخ الصوف إذا نفشه ونشر أجزاءه ومعناه انتشار الهمّة وتفرّق الخاطر في الشواغل ويقال لقطع القطن سبائخ الواحدة سبيخة ومنه قول الأخطل:
فأرسلوهنّ يذرين التراب كما ... يذري سبائخ قطن ندف أوتار
الفوائد:
اختلفت أقوال المفسرين في هذا الخطاب على ثلاثة أقوال:
١- قال عكرمة يا أيها المزمّل بالنبوّة والمتدثّر بالرسالة وعنه أيضا: يا أيها الذي زمّل هذا الأمر أي حمله ثم فتر.
٢- قال ابن عباس: يا أيها المزمّل بالقرآن.
٣- قال قتادة: يا أيها المزمّل بثيابه، وكان هذا في ابتداء ما أوحي إليه فإنه ﷺ لما جاءه الوحي في غار حراء رجع إلى خديجة زوجه يرجف فؤاده فقال: زمّلوني زمّلوني لقد خشيت على نفسي أن يكون هذا مبادئ شعر أو كهانة وكل ذلك من الشيطان وأن يكون الذي ظهر بالوحي ليس الملك فقالت له خديجة وكانت وزيرة صدق كلا والله لا يخزيك الله أبدا إنك تصل الرحم وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق.
وقيل أنه ﷺ كان نائما في الليل متزمّلا في قطيفة فنودي بما يهجن تلك الحالة التي كان عليها من التزمّل في
стр. 5422
قطيفته، وقد تشبث الزمخشري بهذا الرأي وقال عبارة بليغة في حدّ ذاتها ولكنه أساء إلى الرسول ﷺ وننقل فيما يلي عبارته وتعقيب ابن المنير عليها لطرافتهما ولكونهما من الأدب الرفيع:
قال الزمخشري: «وكان رسول الله ﷺ نائما بالليل متزمّلا في قطيفته فنودي بما يهجن إليه الحالة التي كان عليها من التزمّل في قطيفته واستعداده للاستثقال في النوم كما يفعل من لا يهمّه أمر ولا يعنيه شأن، ألا ترى إلى قول ذي الرمّة:
وكائن تخطّت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلها متزمّل
يريد الكسلان المتقاعس الذي لا ينهض في معاظم الأمور وكفايات الخطوب ولا يحمل نفسه المشاق والمتاعب ونحوه:
فأتت به حوش الفؤاد مبطنا ... سهدا إذا ما نام ليل الهوجل
وفي أمثالهم:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
فذمّه بالاشتمال بكسائه وجعل ذلك خلاف الجدّ والكيس وأمر بأن يختار على الهجود التهجد، وعلى التزمّل التشمّر والتخفّف للعبادة والمجاهدة في الله لا جرم أن رسول الله ﷺ قد تشمّر لذلك مع أصحابه حق التشمّر وأقبلوا على إحياء لياليهم ورفضوا له الرقاد والدعة وتجاهدوا فيه حتى انتفخت أقدامهم واصفرّت ألوانهم وظهرت السيما في وجوههم وترامى أمرهم إلى حد رحمهم له ربهم فخفف عنهم» ولعمري لقد أنصف الزمخشري النبي وأصحابه ووصف عبادتهم وإنضاء نفوسهم وصفا يليق بهم بيد أن العبارات الأولى موهمة قليلا لذلك أخذها عليه ابن المنير بقوله:
стр. 5423
«أما قوله الأول أن نداءه تهجين للحالة التي ذكر أنه كان عليها واستشهاده بالأبيات المذكورة فخطأ وسوء أدب ومن اعتبر عادة خطاب الله تعالى له في الإكرام والإجلال علم بطلان ما تخيله الزمخشري فقد قال العلماء أنه لم يخاطب باسمه نداء وإن ذلك من خصائصه دون سائر الرسل إكراما له وتشريفا فأين نداؤه بصيغة مهجنة من ندائه باسمه واستشهاده على ذلك بأبيات قيلت ذمّا في جفاة حفاة من الرعاة فأنا أبرأ إلى الله من ذلك وأربأ به ﷺ » ولقد ذكرت بقوله «أوردها سعد وسعد مشتمل» ما وقفت عليه من كلام ابن خروف النحوي يردّ على الزمخشري ويخطىء رأيه في تصنيفه المفصل وإجحافه في الاختصار بمعاني كلام سيبويه حتى سمّاه ابن خروف البرنامج وأنشد عليه:
أوردها سعد وسعد مشتمل ... ما هكذا يا سعد تورد الإبل
أقول: ولا مندوحة عن القول أن ابن المنير قد تجنى على الزمخشري كثيرا وتجاهل ما أورده من الوصف الممتع الدقيق لتشميره ﷺ وعبادته ولكن إيراد الأبيات التي قيلت في الذم بهذا الصدد خطأ وقع فيه الزمخشري وربّ خطأ نشأ عن صواب ولا بأس بعد هذا من إيراد عبارة السهيلي بهذا الصدد فقد بلغ بها الغاية في التعليل والتأويل والتلطف في التحليل قال: «ليس المزمّل باسم من أسمائه ﵊ يعرف به وإنما هو مشتق من حالته التي كان التبس بها حالة الخطاب والعرب إذا قصدت الملاطفة بالمخاطب تترك المعاتبة نادوه باسم مشتق من حالته التي هو عليها كقول النبي ﷺ لعلي كرّم الله وجهه: وقد نام ولصق بجنبه التراب: قم أبا تراب إشعارا بأنه ملاطف له فقوله يا أيها المزمّل فيه تأنيس وملاطفة» .
стр. 5424
[سورة المزمل (٧٣) : الآيات ١٥ الى ٢٠]
إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولاً شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولاً (١٥) فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلاً (١٦) فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً (١٧) السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً (١٨) إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً (١٩)
إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٠)
اللغة:
(وَبِيلًا) ثقيلا شديدا من قولهم كلأ وبيل وضم لا يستمرأ لثقله والوبيل العصا الضخمة ومنه الوابل للمطر العظيم وفي المصباح:
«وبلت السماء وبلا من باب وعد ووبولا اشتد مطرها وكان الأصل وبل
стр. 5425
مطر السماء فحذف للعلم به ولهذا يقال للمطر وابل والوبيل الوضيم وو معنى» .
الإعراب:
(إِنَّا أَرْسَلْنا إِلَيْكُمْ رَسُولًا شاهِداً عَلَيْكُمْ كَما أَرْسَلْنا إِلى فِرْعَوْنَ رَسُولًا) كلام مستأنف مسوق لخطاب أهل مكة على طريق الالتفات مر الغيبة في قوله واصبر على ما يقولون وقوله والمكذبين، وإن واسمها وجملة أرسلنا خبرها وإليكم متعلقان بأرسلنا ورسولا مفعول به وشاهد نعت لرسولا وعليكم متعلقان بشاهدا وكما نعت لمصدر محذوف أي إرسالا كإرسالنا إلى فرعون رسولا وما مصدرية وجملة أرسلنا لا محل لها وإلى فرعون متعلقان بأرسلنا ورسولا مفعول به وإنما خصّ موسى وفرعون بالذكر لأن أخبارهما كانت منتشرة بمكة (فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا) الفاء عاطفة وعصى فرعون الرسول فعل ماض وفاعل ومفعول به وإنما عرف الرسول لأن النكرة إذا أعيدت أعيدت معرفة بأل العهدية والعرب إذا قدّمت اسما ثم حكت عنه ثانيا أتوا به معرّفا بأل وأتوا بضميره لئلا يلتبس بغيره نحو رأيت رجلا فأكرمت الرجل ولو قلت فأكرمت رجلا لتوهم أنه غير الأول وسيأتي تحقيق هذا عند قوله: إن مع العسر يسرا وقوله ﷺ لن يغلب عسر يسرين، وعبارة أبي البقاء: «إنما أعاده بالألف واللام ليعلم أنه الأول فكأنه قال فعصاه فرعون» فأخذناه عطف على فعصى وهو فعل ماض وفاعل ومفعول به وأخذا مفعول مطلق ووبيلا نعت (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدانَ شِيباً) الفاء عاطفة وكيف اسم استفهام في محل نصب على الحال وتتقون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وإن شرطية وكفرتم فعل ماض وفاعل في محل جزم فعل الشرط والجواب
стр. 5426
محذوف دلّ عليه ما قبله أي فكيف تتقون ويوما مفعول تتقون أي فكيف تقون أنفسكم يوم القيامة وهوله إن بقيتم على الكفر ولم تؤمنوا وتعملوا صالحا ويجوز أن يكون ظرفا أي فكيف لكم بالتقوى في يوم القيامة إن كفرتم قاله الزمخشري وردّ عليه السمين بأنه لا يجوز أن ينتصب ظرفا لأنهم لا يكفرون في ذلك اليوم بل يؤمنون فيه لا محالة ويجوز أن ينتصب بنزع الخافض أي إن كفرتم بيوم القيامة. وجملة يجعل صفة ليوما والولدان مفعول به أول وشيبا مفعول به ثان، وسيأتي مزيد من معنى هذا الوصف في باب البلاغة (السَّماءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا) الجملة صفة ثانية ليوما والسماء مبتدأ ومنفطر به خبر وقد يسأل سائل لم لم تؤنّث الصفة فيقال منفطرة ويجاب بأجوبة منها أن هذه الصيغة صيغة نسب أي ذات انفطار نحو امرأة مرضع وحائض أي ذات إرضاع وذات حيض ومنها أنها لم تؤنّث لأن السماء بمعنى السقف قال تعالى: وجعلنا السماء سقفا محفوظا، قال الزمخشري: «وصف لليوم بالشدّة أيضا وإن السماء على عظمها وإحكامها تنفطر فيه فما ظنك بغيرها من الخلائق والمعنى ذات انفطار أو على تأويل السماء بالسقف والباء في به مثلها في قولك: فطرت العود بالقدوم فانفطر به» فتكون على رأي الزمخشري للاستعانة وقيل سببية، وقال القرطبي إنها بمعنى في والجميع سواء.
وكان فعل ماض ناقص ووعده اسمها ومفعولا خبرها والوعد مصدر مضاف لفاعله فيكون الضمير في به عائدا على الله تعالى ويجوز أن يعود على اليوم فيكون الوعد مصدرا مضافا إلى مفعوله أي وعد يوم القيامة والفاعل محذوف (إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا) إن واسمها والإشارة إلى الآيات الناطقة بالوعد والوعيد وتذكرة خبرها والفاء عاطفة ومن شرطية مبتدأ وشاء فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومفعول شاء محذوف تقديره فمن شاء النجاة، واتخذ فعل ماض في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من وإلى ربه حال
стр. 5427
لأنه كان في الأصل صفة لسبيلا وسبيلا مفعول اتخذ (إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ) جملة مستأنفة مسوقة لإيضاح ما أجمل في أول السورة وإن واسمها وجملة يعلم خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي يعلم والكاف اسم أن وجملة تقوم خبر أنك وأدنى ظرف زمان أي وقتا أدنى ومن ثلثي الليل متعلقان بأدنى وإنما استعير الأدنى وهو الأقرب للأقل لأن المسافة إذا دنت بين الشيئين قلّ ما بينهما من الأحياز وإذا بعدت كثر ذلك (وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ) أوضح الزمخشري هذا الإعراب بقوله: «وقرىء ونصفه وثلثه بالنصب على أنك تقوم أقل من الثلثين وتقوم النصف والثلث وهو مطابق لما مرّ في أول السورة من التخيير بين قيام النصف بتمامه وبين قيام الناقص منه وهو الثلث وبين قيام الزائد عليه وهو الأدنى من الثلثين وقرىء ونصفه وثلثه بالجر أي تقوم أقل من الثلثين وأقل من النصف والثلث وهو مطابق للتخيير بين النصف وهو أدنى من الثلثين والثلث وهو أدنى من النصف والربع وهو أدنى من الثلث وهو الوجه الأخير» (وَطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ) الواو حرف عطف وطائفة عطف على ضمير تقوم وجاز من غير تأكيد للفصل وقيام طائفة من أصحابه كذلك للتأسّي به ومنهم من كان لا يدري كم صلّى من الليل وكم بقي منه فكان يقوم الليل كله احتياطا فقاموا حتى انتفخت أقدامهم سنة أو أكثر فخفّف الله عنهم، ومن الذين صفة لطائفة ومعك ظرف متعلق بمحذوف هو الصلة (وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ) الواو استئنافية والله مبتدأ وجملة يقدّر الليل والنهار خبر (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ) علم فعل ماض وفاعله مستتر تقديره هو وأن مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن المحذوف وجملة لن تحصوه خبرها وأن وما في حيّزها سدّت مسدّ مفعولي علم والضمير في تحصوه قال الزمخشري «المصدر يقدّر أي علم أنه لا يصحّ منك ضبط الأوقات ولا يتأتى حسابها بالتعديل والتسوية إلا أن تأخذوا بالأوسع
стр. 5428
للاحتياط وذلك شاق عليكم بالغ منكم» وهذا أحسن من قول الجلال وغيره يعود إلى الليل لأنه المحدّث عنه أول السورة وإن كان المعنى واحدا. فتاب عطف على علم وعليكم متعلقان بتاب والفاء عاطفة واقرءوا فعل أمر وفاعل وما مفعول به وجملة تيسر صلة ومن القرآن متعلقان به (عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ) الجملة مستأنفة وأن مخففة من الثقيلة أي أنه وجملة سيكون خبرها ومنكم خبر يكون المقدّم ومرضى اسمها المؤخر وآخرون مبتدأ ومنكم حال وجملة يضربون في الأرض خبر أي يسافرون (يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) جملة يبتغون حالية من الضمير في يضربون ومن فضل الله متعلقان بيبتغون وآخرون مبتدأ وجملة يقاتلون في سبيل الله خبر وهذه الفرق الثلاث يشقّ عليهم ما ذكر من قيام الليل (فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) الفاء عاطفة واقرءوا فعل أمر وفاعل وما مفعول به وجملة تيسر صلة ومنه متعلقان بتيسر، وأقيموا الصلاة فعل أمر وفاعل ومفعول به وآتوا الزكاة عطف على أقيموا الصلاة (وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً) وأقرضوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول وقرضا مفعول مطلق وحسنا نعت والواو عاطفة
وما شرطية في محل نصب مفعول مقدم لتقدموا وتقدموا فعل الشرط ولأنفسكم متعلقان بتقدموا ومن خير حال وتجدوه جواب الشرط وعند الله ظرف لتجدوه وهو ضمير فصل أو تأكيد للضمير، ووهم أبو البقاء فيجاز أن يكون بدلا من الهاء ولو كان بدلا لطابق في النصب فكان يكون إياه. وخيرا مفعول به ثان لتجدوه وأعظم عطف على خيرا وأجرا تمييز وجاز أن يكون هو فصلا وإن لم يقع بين معرفتين لأنه وقع بين معرفة ونكرة ولكن النكرة يشبه المعرفة لامتناعه من التعريف بأداة التعريف ووجه امتناعه من التعريف بها أنه اسم تفضيل ولا يجوز دخول أل عليه إذا كان معه «من»
стр. 5429
لفظا أو تقديرا وهنا «من» مقدرة أي خيرا مما خلفتم (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) عطف على ما تقدم وإن واسمها وخبراها جملة اسمية تعليلية للاستغفار أي استغفروه في جميع أحوالكم فإن الإنسان مستهدف للتفريط.
البلاغة:
في قوله «يوما يجعل الولدان شيبا» مجاز إسنادي كناية عن شدة الهول، يقال في اليوم الشديد: يوم يشيب نواصي الأطفال وأصله أن الهموم والأحزان إذا تفاقمت في الإنسان واستحوذت عليه أسرع فيه الشيب، وقد تعلق أبو الطيب بأهداب هذا المجاز فقال:
والهمّ يخترم الجسيم نحافة ... ويشيب ناصية الصبي ويهرم
الفوائد:
قرأ أبو الشمائل وابن السميقع: هو خير، برفعهما على الابتداء والخبر، قال أبو زيد هو لغة بني تميم يرفعون ما بعد الفاصلة يقولون:
كان زيد هو العاقل بالرفع فهذا البيت لقيس بن ذريح وهو:
تحنّ إلى ليلى وأنت تركتها ... وكنت عليها بالملا أنت أقدر
قال أبو عمرو الجرمي: أنشد سيبويه هذا البيت شاهدا للرفع والقوافي مرفوعة قلت وبهذا يتخرج بيت أبي نواس الذي لحنه بعضهم، وهو:
دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء
стр. 5430
(٧٤) سورة المدّثر مكيّة وآياتها ستّ وخمسون
[سورة المدثر (٧٤) : الآيات ١ الى ٣١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤)
وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩)
عَلَى الْكافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠) ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مالاً مَمْدُوداً (١٢) وَبَنِينَ شُهُوداً (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيداً (١٤)
ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلاَّ إِنَّهُ كانَ لِآياتِنا عَنِيداً (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩)
ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقالَ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)
إِنْ هذا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَما أَدْراكَ ما سَقَرُ (٢٧) لا تُبْقِي وَلا تَذَرُ (٢٨) لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ (٢٩)
عَلَيْها تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠) وَما جَعَلْنا أَصْحابَ النَّارِ إِلاَّ مَلائِكَةً وَما جَعَلْنا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَيَزْدادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيماناً وَلا يَرْتابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكافِرُونَ ماذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ وَما هِيَ إِلاَّ ذِكْرى لِلْبَشَرِ (٣١)
следующие страницы →