Полный текст (5 784 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
٢- نعمّا: بكسر النون اتباعا لكسر العين.
[سورة النساء (٤) : آية ٥٩]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) كلام مستأنف مسوق لجميع الناس، للأمر بطاعة الولاة وقد تقدم إعراب النداء كثيرا. وأطيعوا الله فعل أمر وفاعل ومفعول به وأطيعوا الرسول عطف على: أطيعوا الله، وأولي الأمر عطف أيضا.
وأولي منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم ومنكم متعلقان بمحذوف حال (فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) الفاء استئنافية وإن شرطية وتنازعتم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط وفي شيء متعلقان بتنازعتم فردوه: الفاء رابطة لجواب الشرط وردوه فعل أمر وفاعل ومفعول به والى الله متعلقان بردوه والرسول عطف على الله والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إن شرطية وكنتم كان الناقصة واسمها، والفعل الماضي في محل جزم فعل الشرط، وجملة تؤمنون في محل نصب خبر كنتم وبالله متعلقان بتؤمنون واليوم عطف على الله والآخر
стр. 807
صفة والجملة الشرطية مستأنفة وجواب الشرط محذوف أي فردوه (ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا) الجملة مستأنفة واسم الاشارة مبتدأ وخير خبر وأحسن عطف على خير وتأويلا تمييز والاشارة للردّ.
الفوائد:
في هذه الآية إلماع الى الأدلة الفقهية الأربعة فقوله: «أطيعوا الله» إشارة الى الكتاب، وقوله: «وأطيعوا الرسول» اشارة الى السنة، وقوله: «وأولي الأمر» إشارة الى الإجماع، وقوله: «فإن تنازعتم» إشارة الى القياس.
[سورة النساء (٤) : آية ٦٠]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً (٦٠)
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ) كلام مستأنف مسوق لبيان مكان التعجب من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله، وهو القرآن، وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاءوا بما يناقض هذه
стр. 808
الدعوى، ويطيح بها من أساسها، وهو إرادتهم التحاكم الى الطاغوت، فجمعوا بين النقيضين، وألّفوا بين الضّدّين. والهمزة للاستفهام التعجبي. ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم وعلامة جزمه حذف حرف العلة والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت والمخاطب هو رسول الله ﷺ والى الذين متعلقان بتر، وقد علق فععل الرؤية إن كانت قلبية وجملة يزعمون صلة الموصول وأنهم: أن واسمها، وجملة آمنوا خبرها وقد سدّت أن واسمها مسدّ مفعولي يزعمون وبما جار ومجرور متعلقان بآمنوا وأنزل فعل ماض مبني للمجهول والجملة صلة وإليك متعلقان بأنزل (وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ) الواو عاطفة وما عطف على ما الأولى وجملة أنزل صلة ومن قبلك متعلقان بأنزل أو بمحذوف حال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) جملة يريدون حالية وأن وما في حيزها مصدر مؤول مفعول به ليريدون والى الطاغوت متعلقان بيتحاكموا (وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) الواو حالية وقد حرف تحقيق وأمروا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل وأن يكفروا مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض وبه متعلقان بيكفروا (وَيُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيداً) الواو عاطفة ويريد الشيطان عطف على يريدون وأن يضلهم مصدر مؤول مفعول يريد وضلالا مفعول مطلق وبعيدا صفة.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦١ الى ٦٣]
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً (٦١) فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلاَّ إِحْساناً وَتَوْفِيقاً (٦٢) أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً (٦٣)
стр. 809
الإعراب:
(وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) كلام مستأنف مسوق لتكملة مادة التعجب من حالهم. والواو استئنافية وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو رأيت وجملة قيل في محل جر بالإضافة ولهم متعلقان بقيل وجملة تعالوا مقول القول والى ما أنزل الله متعلقان بتعالوا وجملة أنزل الله صلة الموصول والى الرسول عطف على قوله: الى ما أنزل الله (رَأَيْتَ الْمُنافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) رأيت فعل وفاعل والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والمنافقين مفعول به وجملة يصدون حالية إن كانت الرؤية بصرية أو مفعول به ثان إن كانت الرؤية قلبية وعنك متعلقان بيصدون وصدودا مفعول مطلق (فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) الفاء استئنافية وكيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب حال أي فكيف يصنعون؟ أو فكيف تراهم؟ ويجوز أن تكون خبرا لمبتدأ محذوف أي: فكيف صنعهم أو حالهم؟ وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب المحذوف وجملة أصابتهم في محل جر بالاضافة ومصيبة فاعل وبما متعلقان بأصابتهم ويجوز في ما أن تكون مصدرية، أو موصولية وجملة قدمت أيديهم لا محل لها، وأيديهم فاعل (ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً) ثم جاءوك
стр. 810
عطف على أصابتهم ولا أرى مساغا لصنع بعضهم في عطفها على جملة يصدون كما يرى البيضاوي وجملة يحلفون بالله حالية وإن نافية وأردنا فعل وفاعل وإلا أداة حصر وإحسانا مفعول به وتوفيقا عطف على إحسانا (أُولئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ ما فِي قُلُوبِهِمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لزيادة التنبيه على نفاقهم. وأولئك مبتدأ والذين خبر اسم الاشارة وجملة يعلم الله صلة الموصول وما اسم موصول مفعول به وفي قلوبهم متعلقان بمحذوف صلة الموصول (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغاً) الفاء الفصيحة وهي التي أفصحت عن شرط مقدر أي:
إذا كانت حالهم كذلك فأعرض عنهم ولا تقبل لهم عذرا، وأعرض فعل أمر وفاعله أنت وعنهم جار ومجرور متعلقان بأعرض والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط محذوف غير جازم وعظهم عطف على أعرض وقل لهم: عطف على أعرض ولهم متعلقان بقل، وفي أنفسهم في متعلق هذا الجار والمجرور ثلاثة أوجه متساوية في الصحة والجودة:
١- إنهما متعلقان ببليغا لأن أمره بتهديدهم بلغ صميم قلوبهم.
وسياق التهديد في قوله: فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، «ثم جاءوك» يشهد له.
٢- أنهما متعلقان بقل، ومعناه: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المنطوية على الشرّ قولا بليغا. ويلائمه من السياق قوله: «أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم» من دواخل الغي ونوازع الضلال.
٣- إنهما متعلقان بمحذوف حال أي حالة كون المقول سرا لا يتجاوز نفوسهم ولا يتعدّاها، وتشهد له سيرة النبي صلى الله عليه
стр. 811
وسلم، ويتلاءم مع حرص النبي على الستر والملاينة، رجاء أن يثوبوا الى الرشد ويخلدوا الى الصواب. وقولا مفعول مطلق بليغا صفة أو حال كونا خاليا بهم. والنصيحة في السر أنفع منها في العلانية.
[سورة النساء (٤) : آية ٦٤]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً (٦٤)
الإعراب:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ) الواو استئنافية وما نافية وأرسلنا فعل وفاعل ومن حرف جر زائد ورسول مجرور لفظا منصوب محلا على أنه مفعول أرسلنا (إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) إلا أداة حصر واللام للتعليل ويطاع فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام والجار والمجرور استثناء مفرغ من أعم العلل أي: وما أرسلنا من رسول لشيء من الأشياء إلا للطاعة، فهو مفعول لأجله ولكنه لم يستوف شروط النصب.
وبإذن الله يجوز في هذا الجار والمجرور أن يتعلق بمحذوف حال، وقيل:
بأرسلنا، وقيل بيطاع. والأوجه الثلاثة متساوية الرجحان (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ) الواو استئنافية ولو شرطية وأن واسمها وما في حيزها مصدر مؤوّل فاعل لفعل محذوف، أي لو ثبت مجيئهم وإذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بجاءوك وجملة ظلموا أنفسهم في محل جر بالإضافة وجملة جاءوك في محل رفع خبر أن (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ
стр. 812
لَهُمُ الرَّسُولُ)
الفاء عاطفة وجملة استغفروا معطوفة على جاءوك ولفظ الجلالة مفعول به واستغفر لهم الرسول عطف على ما تقدم (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً) اللام واقعة في جواب لو ووجدوا الله فعل وفاعل ومفعول به أول والجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم وتوابا مفعول به ثان ورحيما صفة لتوابا أو بدل منه.
البلاغة:
في الآية التفات بقوله: «واستغفر لهم الرسول» وسياق الكلام يقتضي أن يقول: واستغفرت لهم، ولكنه عدل عن ذلك للتنويه بالرسول، وليدل عليه دلالة مؤثّرة في قلوبهم، ولاشتماله على ذكر صفة مناسبة، وهي الاستغفار لمن تعاظمت ذنوبهم وتعدّدت آثامهم.
[سورة النساء (٤) : آية ٦٥]
فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً (٦٥)
اللغة:
(شَجَرَ) اختلط مختلفا متداخلا متشابكا، ومنه سمي الشجر لتداخل أغصانه وتشابكها، قال طرفة بن العبد:
وهم الحكّام أرباب الهدى ... وسعاة الناس في الأمر الشّجر
أي المختلف المتشابك. ومنه: تشاجر الرماح أي اختلافها.
стр. 813
الإعراب:
(فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ) الفاء استئنافية ولا مزيدة لتأكيد القسم والواو حرف قسم وجر والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره أقسم، ولا يؤمنون: لا نافية ويؤمنون فعل مضارع مرفوع والواو فاعل وجملة لا يؤمنون لا محل لها لأنها جواب القسم (حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) حتى حرف غاية وجر ويحكموك فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى والواو فاعل والكاف مفعول به والجار والمجرور متعلقان بيؤمنون وفيما جار ومجرور متعلقان بيحكّموك وجملة شجر صلة الموصول وبينهم ظرف مكان متعلق بشجر (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) ثم حرف عطف للتراخي ولا نافية ويجدوا عطف على يحكموك وفي أنفسهم جار ومجرور متعلقان بيجدوا فهو بمثابة المفعول الثاني وحرجا مفعول به أول ليجدوا ومما متعلقان بمحذوف صفة لحرجا وجملة قضيت صلة الموصول (وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) عطف على يجدوا وتسليما مفعول مطلق.
البلاغة:
في هذه الآية مبالغات عديدة، بلغت أسمى مراتب البيان. والغاية منها زيادة الوعيد والتهديد مما ترتعد له الفرائص وترتجف منه الأفئدة. وسنلمع إليها بالتفصيل:
١- فقد أقسم سبحانه أولا بنفسه مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون. والإيمان رأس مال الصالحين من عباد الله حتى تحصل لهم غاية من أشرف الغايات وهي اللجوء الى رسول الله ﷺ وتحكيمه فيما نشب بينهم من خلاف.
стр. 814
٢- ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: «ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت» ، فضمّ الى التحكم أمرا آخر وهو عدم وجود أي حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا بل لا بد أن يكون نابعا من صدورهم، صادرا عن رضا واطمئنان وطيب نفس. وهذا أجمل تصوير للعلاقة التي يجب أن تترسخ بين رسول الله ﷺ والمؤمنين وبين الرئيس والمرءوس، والثقة التي تتأصل في نفوس الشعب لقائدهم وولي أمرهم، ما دام موفقا، سائرا في جوار الاستقامة السليمة.
٣- ثم لم يكتف سبحانه، بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله:
ويسلموا أي يذعنوا إذعانا تاما وينقادوا ظاهرا وباطنا لا انقيادا أعمى ولكنه انقياد الواثق المطمئن الى سلامة موقف رسول الله ﷺ .
٤- وضمّ الى «يسلموا» المصدر المؤكد فقال: «تسليما» وهكذا لا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه والتسليم لحكم الله وشرعه تسليما لا يخالطه رد ولا تشوبه شائبة، فسبحان قائل هذا الكلام! واستمع الى تتمة هذا الفصل في الآية التالية.
الفوائد:
ما ذكرناه في إعراب قوله تعالى: «فلا وربك» هو المختار في رأينا، ونرى تميما للفائدة أن نورد بعض ما قيل فيه، فاعلم أنه كثرت زيادة «لا» مع القسم في القرآن الكريم حيث يكون بالفعل مثل: «فلا
стр. 815
أقسم بمواقع النجوم» «لا أقسم بهذا البلد» «لا أقسم بيوم القيامة» وغيرها. والفائدة منها تأكيد تعظيم المقسم به، ومعلوم أنه لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له فكأنه يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم كلا إعظام، يعني بذلك أنها بمثابة من التعظيم والفخمية تستأهل أكثر من ذلك، وتستوجب ما فوقه، ومن أمثلته في الشعر قوله:
فلا وأبيك ابنة العامر ... يّ لا يدعي القوم أني أفرّ
وسيأتي المزيد من بحثه في مواضعه القادمة من هذا الكتاب العجيب، وهناك أقوال للعلماء في هذا التركيب نثبتها لأنها لا تخلو من وجاهة منها:
١- أن «لا» رد لكلام تقديره: فلا يفعلون، أو: ليس الأمر كما يزعمون من أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله:
وربك لا يؤمنون. فعلى هذا يكون الوقف على «لا» تاما، وقد ارتضاه الطبري، وناهيك به.
٢- والثاني أن «لا» الأولى قدمت على القسم اهتماما بالنفي، ثم كررت توكيدا.
٣- والثالث أن «لا» الثانية زائدة، والقسم معترض بين حرف النفي والمنفي، وكان التقدير فلا يؤمنون وربك فتكون الوجوه فيها أربعة.
стр. 816
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٦ الى ٦٨]
وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ ما فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً (٦٦) وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً (٦٧) وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً (٦٨)
الإعراب:
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) كلام مستأنف مسوق لتوبيخ الذين يتقاعسون عن الاستجابة للرسول وطاعته. والواو استئنافية ولو شرطية وأن وما في حيزها فاعل لفعل محذوف أي لو ثبتت كتابتنا، وقد تقدمت له نظائر، وأن واسمها، وجملة كتبنا خبرها وعليهم متعلقان بكتبنا وأن مصدرية واقتلوا فعل أمر والواو فاعل والمصدر المؤوّل مفعول كتبنا، وقيل: أن مفسرة، لأن كتبنا فيه معنى القول دون حروفه. وأنفسكم مفعول به (أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ) عطف على اقتلوا أنفسكم، ومن دياركم متعلقان باخرجوا (ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) الجملة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والضمير في «فعلوه» يعود الى أحد الأمرين أو للمكتوب عليهم، وإلا أداة حصر وقليل بدل من الواو في «فعلوه» لأنه استثناء من كلام تام غير موجب ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لقليل، وقرىء بالنصب على الاستثناء منهم (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب هذا التركيب قبل قليل. وما اسم موصول مفعول به وجملة يوعظون به صلة الموصول (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) اللام واقعة في جواب لو وكان واسمها المستتر، وخيرا خبرها. وأشد عطف على «خيرا» وتثبيتا تمييز (وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْراً عَظِيماً)
стр. 817
الواو عاطفة وإذن حرف جواب وجزاء مهمل لأنه وقع بعد أحد العاطفين، وهما الواو والفاء، وهو جواب لسؤال مقدّر، كأنه قيل: وماذا يكون لهم بعد التثبيت؟ فقيل: وإذن لو ثبتوا ولآتيناهم واللام جواب لو المقدرة وآتيناهم فعل وفاعل ومفعول به ومن لدنا جار ومجرور متعلقان بآتيناهم وأجرا مفعول به وعظيما صفة (وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً) عطف أيضا وصراطا مفعول به ثان أو منصوب بنزع الخافض، وقد تقدمت الاشارة الى ذلك في الفاتحة، ومستقيما صفة.
الفوائد:
صورة من روائع البطولة العربية الاسلامية:
روى التاريخ أن الزبير بن العوّام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما الى رسول الله ﷺ في شراج كانا يسقيان بها النخل، وهي مسيل الماء، فقال: اسق يا زبير ثم أرسل الماء الى جارك، فغضب حاطب وقال: لأن كان ابن عمتك؟ فتغير وجه رسول الله ﷺ ثم قال: اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع الى الجدر واستوف حقك ثم أرسله الى جارك. كان قد أشار على الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله ﷺ استوعب للزبير حقه في صريح الحكم.
ثم خرجا فمرّا على المقداد فقال له: لمن كان القضاء؟ فقال الأنصاري: قضى لابن عمته، ولوى شدقه. فاستغل يهودي الموقف فقال: يشهدون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم! وايم الله لقد أذنبنا ذنبا مرة في حياة موسى فدعانا الى التوبة منه وقال:
стр. 818
اقتلوا أنفسكم، ففعلنا فبلغ قتلانا سبعين ألفا حتى رضي عنا. فقال ثابت وابن مسعود وعمار بن ياسر: لو أمرنا محمد أن نقتل نفوسنا لقتلناها. فقال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده إن من أمتي الإيمان أثبت في نفوسهم من الجبال الرواسي.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٦٩ الى ٧٠]
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً (٦٩) ذلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً (٧٠)
الإعراب:
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف مسوق لبيان فضل طاعة الله ورسوله. ومن شرطية في محل رفع مبتدأ ويطع الله فعل الشرط والرسول عطف على الله (فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ) الفاء رابطة لجواب الشرط وأولئك مبتدأ ومع ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر والذين اسم موصول مضاف اليه والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط وجملة أنعم الله عليهم صلة الموصول ومن النبيين جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال وما بعده عطف على النبيّين (وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً) الواو عاطفة وحسن فعل ماض تضمن معنى المدح والتعجب وأولئك اسم اشارة فاعل ورفيقا تمييز أو حال على رأي الأخفش.
والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع ومثله الصديق والخليط (ذلِكَ
стр. 819
الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ عَلِيماً)
اسم الاشارة مبتدأ والفضل بدل منه ومن الله متعلقان بمحذوف خبر، ويجوز أن يكون الفضل هو الخبر ومن الله متعلقان بمحذوف حال وجملة الاشارة استئنافية وكفى فعل ماض والباء حرف جر زائد والله فاعل محلا مجرور لفظا وعليما تمييز أو حال، وقد تقدم إعرابه. وجملة كفى استئنافية.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧١ الى ٧٢]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً (٧١) وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً (٧٢)
اللغة:
(الحذر) بكسر الحاء وسكون الذال أو بفتحتين: التّيقّظ والاحتراز من الأمر المخوف.
(ثُباتٍ) بضم الثاء: الجماعة من الفرسان، ويقال ثبوت أيضا، ووزنها في الأصل فعلة كحطمة، وإنما حذفت منها لامها وعوض عنها تاء التأنيث المربوطة. وهل هو واو أو ياء قولان، وفي كتب اللغة الثبات: جمع ثبة وهي الجماعة من الرجال فوق العشرة، وقيل:
فوق الاثنين. والسرية أقلها مائة وغايتها أربعمائة، ويليها المنسر من أربعمائة الى ثمانمائة، ويليه الجيش من ثمانمائة الى أربعة آلاف،
стр. 820
ويليه الجحفل وهو ما زاد على ذلك. قال زهير يصف جماعة كراما ويمدحهم:
وقد أغدو على ثبة كرام ... نشاوى واجدين لما نشاء
لهم راح وراووق ومسك ... تعلّ به جلودهم وماء
أمشي بين قتلى قد أصيبت ... نفوسهم ولم تقطر دماء
يجرّون البرود وقد تمشّت ... حميّا الكأس فيهم والغناء
(انفروا) أمر من النفر وهو الفزع، يقال: نفر إليه نفرا من باب ضرب وقعد. وقد قرأ الأعمش: انفروا بضم الفاء في الموضعين.
(يبطئن) بتشديد الطاء زيادة التثاقل والإبطاء والتخلّف عن الجهاد. يقال: بطّأ بالتشديد وأبطأ.
الإعراب:
(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) كلام مستأنف مسوق لتحذير عسكر الرسول ﷺ من المخاطر التي قد يستهدفون لها إذا لم يأخذوا حذرهم. وقد تقدم اعراب النداء، وخذوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة والواو فاعل وحذركم مفعول به والفاء عاطفة وانفروا عطف على خذوا أي: بادروهم قبل أن يبادروكم ولا تتخاذلوا فتلقوا بأيديكم الى التهلكة. وثبات حال وعلامة نصبه الكسرة لأنه جمع مؤنث سالم أو انفروا عطف على انفروا الاول وجميعا حال (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق
стр. 821
لخطاب المبطئين والمنافقين الذين تثاقلوا وتخلفوا عن الجهاد. وإن حرف مشبه بالفعل ومنكم متعلقان بمحذوف خبر مقدم لمن اللام المزحلقة وفائدتها التأكيد ومن اسم موصول في محل نصب اسمها المؤخر وليبطئن اللام جواب قسم محذوف وتقدير الكلام: وإن منكم لمن أقسم ليبطئن، والقسم وجوابه صلة الموصول ويبطئن هنا يجوز أن يكون لازما ويجوز أن يكون متعديا والمفعول محذوف أي: ليبطئنّ غيره أي يثبّطه ويبعث في نفسه الجبن والهلع، وهؤلاء شر من الأعداء، وفي جعلهم منهم تعميم اقتضاه الظاهر، والواقع أنهم عدو لكم. ولاحظ أن صلة الموصول نفسها هي جواب القسم، وكلتاهما لا محل لها من الإعراب (فَإِنْ أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قالَ: قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ) الفاء استئنافية وإن شرطية وأصابتكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومصيبة فاعل وجملة قال في محل جزم جواب الشرط وجملة قد أنعم الله علي في محل نصب مقول القول (إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) إذ ظرف لما مضى من الزمن متعلق بأنعم ولم حرف نفي وقلب وجزم وأكن فعل مضارع ناقص واسمها مستتر تقديره أنا ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف حال وشهيدا خبر أكن.
البلاغة:
١- الطباق بين ثبات وجميعا. أي انهدوا للعدو وتصدوا له سرايا متعاقبه أو كواكب مجتمعة، فالتباطؤ ديدن المنافقين.
٢- المجاز المرسل في خذوا حذركم، والعلاقة هي السببية، لأن الحذر- وإن كان لا يمنع القدر- هو الآلة التي يقي بها الإنسان نفسه، ويعصم روحه.
стр. 822
٣- الخبر الإنكاري في قوله: «وإن منكم لمن ليبطئنّ» .
فقد جاء التأكيد بإن وبلام التأكيد التي يسميها النحاة المزحلقة ونون التوكيد الثقيلة، وفي استعمال الفعل المضعّف، وزيادة الحروف زيادة في المعنى. وفي مجموع هذه المؤكدات تخويف رهيب لمن ثبّط نفسه أو ثبّط غيره. وقد نزلت هذه الآيات في المنافق عبد الله بن أبي الذي ثبط المؤمنين في غزوة أحد. وقد تشبث الشعراء بأهداب هذه المعاني فقال أبو تمام في مدح الثبات على الحرب والقتل في الجهاد يرثي محمد ابن حميد الطوسي من قصيدة فريدة:
وقد كان فوت الموت سهلا فردّه ... إليه الحفاظ المرّ والخلق الوعر
ونفس تعاف العار حتى كأنما ... هو الكفر يوم الرّوع أو دونه الكفر
فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها: من تحت أخمصك الحشر
تردى ثياب الموت حمرا فما دجا ... لها الليل إلا وهي من سندس خضر
إلى آخر تلك القصيدة الرائعة.
стр. 823
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٣ الى ٧٤]
وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً (٧٣) فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (٧٤)
الإعراب:
(وَلَئِنْ أَصابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) الواو عاطفة على قوله: «فإن أصابتكم مصيبة» وإنما قدمت الشرطية الاولى لأن مضمونها أوفق لمقصدهم، ولأن أثر نفاقهم أكثر ظهورا، وأشد تأثيرا. واللام موطئة للقسم وإن شرطية وأصابكم فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والكاف مفعول به وفضل فاعل ومن الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف صفة (لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) اللام جواب القسم ويقولنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة والجملة لا محل لها لأنها جواب القسم لتقدمه. وكأن مخففة من الثقيلة وسيأتي حكمها في باب الفوائد، واسمها ضمير الشأن وجملة لم تكن خبرها، وجملة كأن وما في حيزها اعتراضية بين القول ومقوله، واختار أبو البقاء أن تكون حالية، وتبع في ذلك قول الراغب الذي قال: «وذلك مستقبح، فانه لا يفصل بين بعض الجملة وبعض ما يتعلق بجملة أخرى» وهذا غريب جدا لأنه يطيح بأقوال النحاة جميعا، قال الرازي بصدده: «هو اعتراض في غاية الحسن لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فإذا قلب القضية فذلك إظهار للعداوة» وبينكم ظرف متعلق بمحذوف خبر تكن المقدم وبينهم عطف
стр. 824
عليه ومودة اسم تكن المؤخر (يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) الجملة مقول القول «ليقولن» يا حرف نداء والمنادى محذوف، أو هي لمجرد التنبيه، والاول أولى. وليت حرف مشبه بالفعل والنون للوقاية والياء اسمها وجملة كنت خبر ليت وكان واسمها، ومعهم ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر كنت، فأفوز الفاء هي السببية وأفوز فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد الفاء وفوزا مفعول مطلق وعظيما صفة (فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ) الفاء هي الفصيحة أي إذا علمتم هذا كله فليقاتل، واللام لام الأمر ويقاتل فعل مضارع مجزوم بلام الأمر وفي سبيل الله متعلقان بيقاتل والذين اسم موصول فاعل يقاتل وجملة يشرون الحياة الدنيا صلة الموصول وبالآخرة متعلقان بيشرون والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم (وَمَنْ يُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويقاتل فعل الشرط وفي سبيل الله متعلقان بيقاتل (فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الفاء عاطفة ويقتل بالبناء للمجهول معطوف على يقاتل ونائب الفاعل مستتر تقديره هو أو يغلب أو حرف عطف ويغلب بالبناء للفاعل معطوف أيضا والفاعل مستتر تقديره هو فسوف الفاء رابطة لجواب الشرط ونؤتيه فعل مضارع وفاعله مستتر والهاء مفعول به أول وأجرا مفعول به ثان وعظيما صفة.
والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» .
البلاغة:
شراء الحياة الدنيا بالآخرة استعارة مكنية، تقدمت الاشارة إليها بحروفها. وفعل شرى يحتمل الشراء والبيع، فلا يقال: كيف دخلت الباء على الآخرة.
стр. 825
الفوائد:
إذا خففت «كأن» المشبهة بالفعل بقي عملها ويكون اسمها ضمير الشأن محذوفا وجوبا وخبرها جملة، فان كانت الجملة المخبر بها موجبة ذات فعل متصرف فصلت عن كأن ب «قد» ، كقولك:
لا يهولنك اصطلاء لظى الحرب فمحذورها كأن قد ألمّ. أو منفية فصلت ب «لم» كقوله:
كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا ... أنيس ولم يسمر بمكة سامر
وذلك للفرق بينها وبين أن المصدرية الداخلة عليها كاف التشبيه وإن لم تكن الجملة كذلك فلا حاجة الى الفصل بشيء، وهذا هو المشهور في الاستعمال.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٧٥ الى ٧٦]
وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً (٧٥) الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً (٧٦)
стр. 826
اللغة:
(الْقَرْيَةِ) بفتح القاف وكسرها: اسم جامع لمعان شتى، فهي الضيعة والمصر الجامع وجمع الناس والمدينة. والجمع قرى بضم القاف وقرئ بكسر القاف والراء، والنسبة إليها قروي وقرييّ.
وكل قرية ذكرت في القرآن فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز، وستأتي أمثلتها في حينها. وأما هذه القرية في سورة النساء فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوقرت عن نسبة الظلم إليها تشريفا لها.
الإعراب:
(وَما لَكُمْ لا تُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) الواو استئنافية والكلام مستأنف مسوق للحث على الجهاد بطريق الاستفهام. وما اسم استفهام معناه الأمر والإنكار في محل رفع مبتدأ ولكم جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبره وجملة لا تقاتلون في سبيل الله حالية (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ) عطف على الله، ولا بد من تقدير مضاف أي:
لا تقاتلون في سبيل تخليص المستضعفين. ومن الرجال متعلقان بمحذوف حال والولدان جمع وليد وهو الصبي الصغير، والنساء والولدان هم الذين حبسهم المشركون عن الهجرة، ومنهم ابن عباس قال: كنت أنا وأمي منهم (الَّذِينَ يَقُولُونَ: رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها) الذين اسم موصول صفة وجملة يقولون صلة الموصول وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء وأخرجنا فعل دعاء ونا ضمير متصل في محل نصب مفعول به والجملة في محل
стр. 827
نصب مقول القول، ومن هذه جار ومجرور متعلقان بأخرجنا والقرية بدل من اسم الاشارة والظالم نعت سببي وأهلها فاعل الظالم لأنه اسم فاعل (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا) عطف على أخرجنا ولنا في محل نصب مفعول اجعل ومن لدنك في محل نصب حال ووليا مفعول به ثان (وَاجْعَلْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) عطف على ما تقدم (الَّذِينَ آمَنُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق للترغيب في القتال والذين: مبتدأ وجملة آمنوا صلة وجملة يقاتلون خبره وفي سبيل الله جار ومجرور متعلقان بيقاتلون (وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) عطف على الجملة السابقة وقد تقدم إعرابها (فَقاتِلُوا أَوْلِياءَ الشَّيْطانِ) الفاء الفصيحة وقاتلوا فعل أمر مبني على حذف النون لأن مضارعه من الافعال الخمسة والواو فاعل وأولياء الشيطان مفعول به (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطانِ كانَ ضَعِيفاً) إن واسمها، وجملة كان خبرها وضعيفا خبر كان وجملة ان وما بعدها تعليلية لا محل لها.
الفوائد:
النعت قسمان:
١- حقيقي: وهو ما يبين صفة من صفات متبوعه، ويجب أن يطابق متبوعه في الإعراب والإفراد والتثنية والجمع والتذكير والتأنيث والتعريف والتنكير.
٢- سببي: وهو ما يبين صفة من صفات ما له تعلق بمتبوعه وارتباط به، كما في الآية. ويطابق منعوته في الإعراب والتعريف والتنكير فقط، ويراعى في تأنيثه وتذكيره ما بعده، ويلازم الإفراد دائما. ففي الآية طابق «الظالم» «القرية» في الجر والتعريف،
стр. 828
وروعي في التذكير ما بعده، وهو الأهل، وبقي مفردا، وإن كان معنى الأهل جمعا. ولو أنّث في غير القرآن، فقيل: الظالمة أهلها، لجاز لا لتأنيث الموصوف بل لأن الأهل يذكّر ويؤنث.
[سورة النساء (٤) : آية ٧٧]
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)
الإعراب:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ) كلام مستأنف مسوق لإثارة العجب في نفس الرسول ﷺ من إحجامهم عن القتال بعد إظهارهم الرغبة فيه ومباشرتهم فيه فعلا، كما ينبيء عنه الأمر بكف الايدي بعد بسطها عليهم.
والهمزة للاستفهام التعجبيّ ولم حرف نفي وقلب وجزم وتر فعل مضارع مجزوم بلم والى الذين متعلقان ب «تر» وجملة قيل صلة الموصول ولهم متعلقان بقيل وجملة كفوا مقول القول وأيديكم مفعول كفوا وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة عطف على جملة كفوا، أي لا تقاتلوا
стр. 829
الكفار ما داموا بمكة (فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتالُ) الفاء عاطفة ولما حرف وجود لوجود كما قال سيبويه، أو ظرف بمعنى حين متضمن معنى الشرط كما قال أبو علي الفارسي. وجملة كتب عليهم القتال لا محل لها من الإعراب لوقوعها بعد موصول حرفي أو في محل جر بالاضافة (إِذا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) إذا حرف على الأصح يسيها النحاة الفجائية خلافا لمن زعم أنها ظرف مكان أو زمان، لا يليها إلا الفعل ولا تقع في الابتداء، ولا تكون الجملة الاسمية بعدها إلا حالا، وتختص بالجملة الاسمية أو منسوخة بإنّ، نحو: خرجت فاذا إن المطر نازل، وسيأتي بحث مسهب شيق عنها في باب الفوائد لم نسبق اليه. وفريق مبتدأ ساغ الابتداء به مع أنه نكرة لأنه وصف بقوله «منهم» وجملة يخشون الناس خبر فريق والناس مفعول به وكخشية الله الكاف اسم بمعنى مثل في محل نصب حال أو هي حرف جر وهي مع مجرورها في محل نصب على الحالية أو المفعولية المطلقة وجملة فريق منهم إلخ في محل نصب على الحال والجملة الفجائية لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) أو حرف عطف وأشد خشية عطف على كخشية الله فهي حال أو مفعول مطلق وخشية تمييز، واختار بعض المعربين أن تعرب حالا من قوله «خشية» لأنها صفة لنكرة وتقدمت عليها فانتصيت وهو محض تكلّف لا داعي له، وسيأتي بحث طريف عن ذلك في باب الفوائد، نلفت اليه الأنظار لنفاسته (وَقالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ) الواو استئنافية أو عاطفة وقالوا فعل وفاعل والجملة استئنافية أو معطوفة على جملة يخشون وربنا منادى مضاف محذوف منه حرف النداء ولم اللام حرف جر وما اسم استفهام حذفت ألفها لوقوعها بعد حرف الجر والجار والمجرور متعلقان بكتبت والقتال مفعول به والجملة في محل نصب مقول القول
стр. 830
(لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ) لولا حرف تحضيض مثل هّلا وأخرتنا فعل وفاعل ومفعول به والجملة مندرجة في مقولهم (قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ) قل فعل أمر وفاعله مستتر تقديره أنت والجملة استئنافية ومتاع الدنيا مبتدأ وقليل خبر والجملة في محل نصب مقول القول (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى) الواو استئنافية أو حالية والآخرة مبتدأ وخير خبر والجملة مستأنفة أو حالية ولمن اتقى اللام حرف جر ومن اسم موصول مجرور باللام والجار والمجرور متعلقان بخير، واتقى فعل ماض وفاعله مستتر والجملة صلة الموصول (وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا) الواو عاطفة ولا نافية وتظلمون فعل مضارع مبني للمجهول والواو نائب فاعل وفتيلا صفة لمفعول مطلق محذوف وقد نابت عنه.
الفوائد:
١- اختلفت آراء النحاة في «إذا الفجائية» فقال بعضهم هي ظرف مكان أو زمان. وتبعهم المعربون والمفسرون، فخاضوا في متاهات لانهاية لها، ولم ينتهوا إلى طائل. وقال بعضهم، وعلى رأسهم الأخفش:
هي حرف دائما، ويرجحه قولك: «إن خرجت فإذا إن المطر نازل» ، بكسر همزة «إن» لأن «إن» بالكسر لا بعمل ما بعدها فيما قبلها، وأما بالفتح فيعمل ما بعدها فيما قبلها، إذ ليس لها الصدر. أما جعلها ظرفا للمكان أو الزمان فيقتضي الدخول في تعسفات لا طائل تحتها، وقد آثرنا في كتابنا أن لا نجزم برأي من عندنا إلا إذا رأينا من سبقنا ذهب اليه، نقول هذا لأن بعض المتنطعين تجنى علينا فادعى علينا الغلط. هذا وقد اشتهرت هذه المسألة في النحو وحدثت مناقشة طريفة بسببها بين سيبويه والكسائي، تجدها كاملة في مغني اللبيب، وفات
стр. 831
هؤلاء المتناقشين وقوع ما بعدها مبتدأ وخبرا مرفوعين في القرآن كما فعل ابن يعيش وغيره من النحاة، فارجع الى بحث إذا الفجائية في المغني والمطولات تسمع العجب العجاب.
٢- مر نظير هذه الآية في الإعراب قوله تعالى: «فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا» . ومن طريف الأبحاث المتعلقة في الاسم الواقع بعد اسم التفضيل يصح فيه النصب والجر تقول: «زيد أكرم أبا» بالنصب، فيكون «زيد» من الأبناء وأنت تفضل أباه، وتقول: «زيد أكرم أب» بالجر فيكون زيد من الآباء وأنت تفضله.
وتقول: «زيد أفضل إخوته» وهو وهم لأن أفعل التفضيل لا يضاف إلا لما هو داخل فيه، وزيد غير داخل في إخوته، إذ لو سئلت عنه لعددتهم دونه فيكون المثال بمثابة: زيد أفضل النساء، وهذا باطل والصواب أن يقال: أفضل الإخوة، أو: أفضل بني أبيه.
[سورة النساء (٤) : آية ٧٨]
أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً (٧٨)
اللغة:
(بُرُوجٍ) : البروج في كلام العرب الحصون والقلاع.
стр. 832
(مُشَيَّدَةٍ) : اختلف أهل العربية في معنى المشيدة فقال بعض أهل البصرة منهم: المشيّدة الطويلة، قال: وأما المشيد بالتخفيف فانه المزين، قاله أبو عبيدة في مجاز القرآن. وقال آخرون منهم نحو ذلك القول، غير أنه قال: المشيد بالتخفيف المعمول بالشيد، والشيد الجصّ. وقال بعض أهل الكوفة: المشيد والمشيّد أصلهما واحد، غير أن ما شدد منه فإنما يشدد لنفسه، والفعل منه في جمع، مثل قولهم:
هذه ثياب مصبغّة وغنم مذبّحة، فشدد لأنها جمع، يفرق فيها الفعل، ومثله قصور مشيدة، لأن القصور كثيرة، تردّد فيها التشييد، ولذلك قيل: بروج مشيدة، ومنه قوله تعالى «وغلقت الأبواب» .
الإعراب:
(أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) كلام مستأنف مسوق لخطاب اليهود والمنافقين، وبيان أنّ الدنيا حقيرة لا ديمومة لها. وأينما اسم شرط جازم في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر تكونوا المقدم إذا كانت ناقصة أو بجواب الشرط إذا كانت تامة وتكونوا فعل الشرط والواو فاعل أو اسم تكونوا ويدرككم الموت جواب الشرط (وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) الواو حالية ولو شرطية وكان واسمها، وفي بروج متعلقان بمحذوف خبر كنتم ومشيدة صفة لبروج وجملة جواب الشرط محذوفة دل عليها ما قبلها (وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الواو استئنافية وإن شرطية وتصبهم فعل الشرط والهاء مفعول به وحسنة فاعل ويقولوا جواب الشرط وهذه مبتدأ ومن عند الله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول (وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) عطف
стр. 833
على ما تقدم (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) الجملة استئنافية مسوقة لشجب افتئاتهم، وقل فعل أمر وكل مبتدأ ساغ الابتداء به لما فيه من معنى العموم ومن عند الله متعلقان بمحذوف خبر والجملة الاسمية مقول القول (فَمالِ هؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) الفاء استئنافية وما اسم استفهام مبتدأ ولهؤلاء متعلقان بمحذوف خبر والقوم بدل وجملة لا يكادون في محل نصب على الحال والواو اسم يكادون وجملة يفقهون في محل نصب خبر يكادون والواو فاعل وحديثا مفعول به.
الفوائد:
(أَيْنَما) أين اسم من أسماء الأمكنة مبهم يقع على الجهات الست وكل مكان يستفهم عنه، وتنقل الى الجزاء، فيقال: أين تكن أكن.
والأكثر في استعمالها أن تكون مضمومة إليها «ما» كما في الآية، وليس ذلك بلازم فيها، بل أنت مخير فيها، قال ابن همام السّلوليّ:
أين تصرف بها العداة تجدنا ... نصرف العيس نحوها للتلاقي
[سورة النساء (٤) : آية ٧٩]
ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً (٧٩)
الإعراب:
(ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) كلام مستأنف مسوق لبيان الجواب عن كلامهم والردّ عليهم. وسيأتي معنى الجمع بين إضافة
стр. 834
السيئة الى العبد واضافة الأشياء كلها لله بما يروي الغليل في باب البلاغة . وما اسم شرط جازم مبتدأ وأصابك فعل ماض في محل جزم فعل الشرط ومن حسنة متعلقان بمحذوف حال والفاء رابطة لجواب الشرط ومن الله الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف أي فهي من الله وجملة فعل الشرط وجوابه خبر من (وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ) عطف على ما تقدم (وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا) الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان مكانة الرسول والتنويه بهمته الكبيرة السامية، وأرسلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وللناس متعلقان بأرسلناك أو بمحذوف حال لأنه كان في الأصل صفة فتقدمت، ورسولا حال (وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً) الواو عاطفة أو استئنافية والباء حرف جر زائد والله فاعل كفى محلّا والجر بالباء لفظا، وشهيدا تمييز أو حال، وقد تقدم إعراب ذلك.
البلاغة:
المجاز المرسل في إضافة السيئة الى العبد، والعلاقة هي السببية، لأن النفس هي التي توبق صاحبها وتورّطه في ارتكاب الذنوب، ولا منافاة بين كونها مخلوقة وكونها مورطة، فينتظم ذلك كله بقوله: «قل كل من عند الله» . وللمعتزلة كلام طويل في هذا الصدد يرجع اليه في المطولات، حيث يشتجر الخلاف بين أهل السنة والاعتزال.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٠ الى ٨١]
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً (٨٠) وَيَقُولُونَ طاعَةٌ فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)
стр. 835
اللغة:
(بيّت) : بيّت الأمر: زوره وسواه وقضاه بليل. والتبييت إما من البيتوتة لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، يقال: هذا أمر بيّت بليل. وإما من أبيات الشعر لأن الشاعر يدبرها ويسوّيها. والمعنى في الآية أنهم قالوا وقدروا أمرا غير الذي أعطوك من الطاعة، وكل عمل عمل ليلا فقد بيت، ومن ذلك بيت للعدو وهو الوقوع بهم، ومنه قول عبيدة بن همام:
أتوني فلم أرض ما بيّتوا ... وكانوا أتوني بشيء نكر
لأنكح أيّمهم منذرا ... وهل ينكح العبد حرّ لحر
يعني بقوله: فلم أرض ما بيتوا ليلا، أي ما أبرموه ليلا.
ومعنى قوله حر لحر: حر ولدته الكرام، كما تقول: هو كريم لكرام وحر لأحرار، واللام فيه للنسب وحر ينسب الى آباء وأحرار. وهذا ما لا تجده في كتاب فاحفظه.
الإعراب:
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ) كلام مستأنف مسوق لبيان
стр. 836
أن طاعة الرسول هي من طاعة الله وبيان أحكام رسالته. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ ويطع الرسول فعل الشرط والفاء رابطة وقد حرف تحقيق وجملة فقد أطاع الله في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) الواو حرف عطف ومن اسم شرط جازم مبتدأ وتولى فعل ماض في محل جزم فعل الشرط والفاء رابطة للجواب وما نافية وأرسلناك فعل ماض وفاعل ومفعول به وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «حفيظا» ، وحفيظا حال وجواب الشرط محذوف تقديره: فلا تأبهن له، وفعل الشرط وجوابه المحذوف في محل رفع خبر «من» وجملة ما أرسلناك تعليلية لا محل لها (وَيَقُولُونَ طاعَةٌ) الواو استئنافية ويقولون فعل مضارع وفاعل وطاعة خبر لمبتدأ محذوف تقديره: أمرنا وشأننا والجملة مقول القول وجملة يقولون مستأنفة مسوقة لبيان معاملتهم للرسول بعد بيان وجوب طاعته (فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) الفاء عاطفة وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط وجملة برزوا في محل جر بالاضافة ومن عندك متعلقان ببرزوا أي خرجوا من عندك (بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) جملة بيت طائفة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم متعلقان بمحذوف صفة لطائفة وغير مفعول به والذي مضاف اليه وجملة تقول لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ) الواو استئنافية أو حالية والله مبتدأ وجملة يكتب خبر وما اسم موصول مفعول به وجملة يبيتون لا محل لها لأنها صلة الموصول (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) الفاء الفصيحة وأعرض فعل أمر وعنهم متعلقان بأعرض وتوكل عطف على أعرض وعلى الله متعلقان بتوكل (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) تقدم اعراب نظائرها.
стр. 837
الفوائد:
تذكير الفعل في: «بيت طائفة» لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، إذ هي بمعنى الفريق والفوج، فهي اسم جمع أو اسم جنس.
وأحكام تذكير الفعل وتأنيثه مع الفاعل مبسوطة في كتب النحو فارجع إليها والله الموفق.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٢ الى ٨٣]
أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً (٨٢) وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)
اللغة:
(يَتَدَبَّرُونَ) : يتأملون وتدبر الشيء تأمله ونظر في مغابّه وما ينجم عنه ويؤول اليه.
(أَذاعُوا) : هو بمعنى الفعل المجرد «ذاع» ، يقال: ذاع الشيء يذيع، ويقال: أذاع الشيء أيضا، فيتعدى تعديته. ويجوز أن يكون
стр. 838
من باب التضمين، وقد ضمّن أذاع معنى تحدث، فيتعدى بنفسه وبالباء. وكأنما هذه الكلمة تعبير صحيح عن الاذاعة التي تذيع الأخبار في أوقات معينة. والإذاعة: الإشاعة، قال:
أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب
واختار الزمخشري أن يكون المعنى فعلوا به الإذاعة. وهو أبلغ من أذاعوه، ليكون التأديب أبلغ، والنهي أشمل. وفي ذلك تعليم وتنبيه على وجوب كتمان أخبار الجيوش وتحركاتها، وما أعظم المفسدة في لهج الناس بكل ما يطرق أسماعهم من أخبار وأراجيف، خاصة في زماننا، بعد أن طرق العدو المخذول البلاد العربية، طهرها الله من دنسه، وصانها عن رجسه.
(يَسْتَنْبِطُونَهُ) : يستخرجون تدبيره بفطنتهم ومعرفتهم التامة بأمور الحرب ومكايدها. وهو في الأصل بمعنى استخراج الماء أول ما يحفر الأرض، فاستعير لما يستخرجه الرجل بفضل ذهنه من المعاني. وفي اجتماع النون والباء فاء وعينا للكلمة سرّ عجيب، إذ تدل على الظهور والوضوح، فالنبأ هو الخبر يظهر للناس فيتناقلونه ويتداولونه فيما بينهم. وسبيل نأبيء أي: ظاهر طارئ، ونبّ التيس نبيبا صاح عند الهياج، وفي صياحه ظهور له، قال عمر بن الخطاب ﵁ لوفد أهل الكوفة حين شكوا سعدا: «يكلمني بعضكم ولا تنبّوا عندي نبيب التيوس» .
ومن هذه الكلمة اشتق الانبوب، والجمع أنابيب، قال:
أو من مشعشعة ورهاء نشوتها ... أو من أنابيب تفاح ورمان
ونبت: ظهر، يقال: ظهر النبات والنبت في الأرض.
стр. 839
ونبس: نطق، تقول: كلمته فعبس وما نبس.
ونبش الأرض عما تحتها نبشا، قال:
مهلا بني عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا
وتقدم القول في النبط، وقد اشتقوا منه الأنباط قال خالد بن الوليد لعبد المسيح بن بقيلة: أعرب أنتم أم نبيط؟ فقال: عرب استنبطنا ونبيط استعربنا. وقال أبو العلاء المعري:
أين امرؤ القيس والعذارى ... إذ مال من تحته الغبيط
استنبط العرب في الموامي ... بعدك واستعرب النبيط
وهذا من غريب أمر هذه اللغة الشريفة.
الإعراب:
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) الهمزة للاستفهام الإنكاري والفاء عاطفة على مقدّر، أي: أيعرضون عن القرآن فلا يتدبرونه؟ ولا نافية ويتدبرون فعل مضارع وفاعل والقرآن مفعونه (وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) الواو حالية ولو شرطية وكان الناقصة واسمها المستتر أي القرآن، ومن عند غير الله متعلقان بمحذوف خبر، واللام واقعة في جواب لو ووجدوا فعل وفاعل والجملة لا محل لها من الإعراب لأنها جواب شرط غير جازم وفيه متعلقان بوجدوا واختلافا مفعول به وكثيرا صفة (وَإِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذاعُوا بِهِ) كلام مستأنف مسوق لوصف المنافقين الذين يذيعون الأراجيف تثبيطا
стр. 840
للناس، وإشاعة للخوف في النفوس. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط، وجملة جاءهم أمر في محل جر بالإضافة، ومن الأمن متعلقان بمحذوف صفة لأمر والخوف عطف على الأمن وجملة أذاعوا به لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ) الواو حالية ولو شرطية وردّوه فعل وفاعل ومفعول به الى الرسول متعلقان بردّوه، وإلى أولي الأمر عطف على «الى الرسول» ومنهم متعلقان بمحذوف حال (لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) اللام واقعة في جواب لو وعلمه الذين فعل ومفعول به وفاعل وجملة يستنبطونه لا محل لها لأنها صلة الموصول وجملة لعلمه الذين لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم ومنهم متعلقان بمحذوف حال (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطانَ إِلَّا قَلِيلًا) الواو استئنافية ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، وفضل الله مبتدأ خبره محذوف وعليكم متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل، واللام واقعة في جواب لولا وجملة اتبعتم لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم والشيطان مفعول به وإلا أداة استثناء وقليلا مستثنى من فاعل اتبعتم، أي: إلا قليلا منكم، أو من فاعل أذاعوا به، أي: أظهروا ذلك الأمر إلا قليلا منهم. وسيأتي مزيد من معناه وإعرابه في باب الفوائد .
الفوائد:
أفاض المفسرون والمعربون في البحث حول هذا الاستثناء. ولو شئنا التقصي لضاق بنا المجال، وزاد في خطر الإفاضة اشتجار الخلاف بين أهل السنة وأهل الاعتزال، ولسنا نحب أن نمر بذلك دون الاشارة اليه،
стр. 841
ويتخص مما أوردوه أن قوله: «إلا قليلا» فيه أوجه، اخترنا ما رأيناه أقرب الى المعنى، وأدنى الى المنطق، ولا بأس بإيراد بعض ما قالوه:
١- إنه مستثنى من فاعل «اتبعتم» أي: إن فريقا قليلا منكم لم يتبع الشيطان، ويكون قد أراد بالفضل إرسال محمد ﷺ ، كقس بن ساعدة الإياديّ وعمرو بن نفيل وورقة بن نوفل وغيرهم ممن آمنوا قبل بعثة النبي ﷺ .
٢- إن المراد من لم يبلغه التكليف، فالاستثناء على هذا القول منقطع.
٣- إنه مستثنى من فاعل أذاعوا، أي: أظهروا ذلك الأمر إلا قليلا منهم.
٤- إنه مستثنى من فاعل لعلمه الذين يستنبطونه.
٥- إنه مستثنى من فاعل لوجدوا.
٦- إنه مستثنى من العموم، والمراد بالقليل أمة محمد.
ما يقوله أبو جعفر الطبريّ:
وقال أبو جعفر الطبري: «وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك عندي قول من قال: «عني باستثناء القليل من الاذاعة» وقال بعد كلام طويل: «وإنما قلنا إن ذلك أولى بالصواب لأنه لا يخلو القول في ذلك من أحد الأقوال التي ذكرنا، وغير جائز أن يكون من قوله
стр. 842
«لا تبعتم الشيطان» ، لأن من تفضل الله عليه بفضله ورحمته فغير جائز أن يكون من أتباع الشيطان.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٤]
فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً (٨٤)
الإعراب:
(فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) الفاء الفصيحة، أي: إذا كان الأمر كذلك من عدم طاعة المنافقين وتثبيطهم الآخرين عن القتال فقاتل أنت وحدك، غير عابىء بما جنحوا اليه. ويجوز أن تكون الفاء للاستئناف المقرر لما قلبه، وقاتل فعل أمر وفي سبيل الله متعلقان بقاتل، وجملة لا تكلف إلا نفسك بالبناء للمجهول حالية، أي: حالة كونك مسئولا عن نفسك وحدها فإن الله هو ناصرك ومعينك، ونفسك مفعول به ثان لتكلف، ويجوز أن تكون مستأنفة لإخباره ﷺ بأنه لا يكلفه غير نفسه (وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على قاتل والمؤمنين مفعول به (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) جملة الرجاء حالية، أي: انهد وحدك الى قتالهم، والحال قد كف بأسهم عنك. وعسى فعل ماض من أفعال الرجاء التي يسميها النحاة أفعال المقاربة تغليبا، والله اسمها، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها خبرها، وبأس مفعول به، والذين كفروا مضاف إليه وجملة كفروا لا محل لها لأنها صلة الموصول (وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا)
стр. 843
الواو حالية أو استئنافية، والله مبتدأ وأشد خبر، وبأسا تمييز، وأشد تنكيلا عطف على ما تقدم.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٥]
مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً (٨٥)
اللغة:
(الكفل) بكسر الكاف وسكون الفاء: الضعف والنصيب والحظّ، وفي المصباح الكفل وزان حمل: الضعف من الأجر والإثم.
وقال علماء اللغة: واستعمال الكفل في الشرّ أكثر من استعمال النصيب فيه، وإن كان كل منهما قد يستعمل في الخير، كما قال تعالى:
«يؤتكم كفلين من رحمته» . ولقلة استعمال النصيب في الشر وكثرة استعمال الكفل فيه غاير بينهما في الآية الآنفة. حيث أتى بالكفل مع السيئة. وبالنصيب مع الحسنة.
(مقيت) بضم الميم أي: حفيظ شهيد. وهو مشتق من القوت، لأنه يمسك النفس ويحفظها. قال الزبير بن عبد المطلب:
وذي ضغن نفيت السّوء عنه ... وكنت على إساءته مقيتا
الإعراب:
(مَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْها) جملة مستأنفة
стр. 844
مسوقة لبيان أن له ﷺ يدا طائلة في تحريض المؤمنين على القتال والجهاد، وغني عن القول: إن الشفاعة هي الوساطة في إيصال الشخص الى منفعة دنيوية أو أخروية، وأي منفعة أسمى وأجل وأعظم من التحريض على الجهاد، لأن فيه الفوز في الدنيا والآخرة. ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويشفع فعل مضارع فعل الشرط، وشفاعة مفعول مطلق وحسنة صفة، ويكن جواب الشرط وله خبر يكن الناقصة المقدم ونصيب اسمها المؤخر، ومنها متعلقان بمحذوف صفة لنصيب وفعل الشرط وجوابه خبر من (وَمَنْ يَشْفَعْ شَفاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْها) عطف على ما تقدم مماثل له في الإعراب (وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) الواو استئنافية أو حالية، وكان واسمها، وعلى كل شيء متعلقان بمقيتا، ومقيتا خبر كان.
[سورة النساء (٤) : الآيات ٨٦ الى ٨٧]
وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً (٨٦) اللَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً (٨٧)
اللغة:
(حَسِيباً) : الحسيب في هذا الموضع فعيل من الحساب الذي هو الإحصاء، يقال منه: حاسبت فلانا على كذا وكذا. ومن العجيب أن يهم بعض المفسرين والمعربين فيقول: إن معنى الحسيب هو الكافي، يقال منه: حسبني الشيء بمعنى كفاني، من قولهم حسبي كذا وكذا.
стр. 845
الإعراب:
(وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها) كلام مستأنف مسوق للترغيب في التحية، وأصل التحية الدعاء بالحياة وطولها، ثم استعملت في كل دعاء. وإذا ظرف مستقبل متضمن معنى الشرط متعلق بالجواب وهو: «حيّوا» وجملة حييتم في محل جر بالإضافة وبتحية متعلقان بحييتم، والفاء رابطة وجملة حيوا لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وبأحسن متعلقان بحيوا ومنها متعلقان بأحسن، واو حرف عطف وردوها عطف على «حيّو» (إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن واسمها، وجملة كان واسمها وخبرها خبر إن (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) الجملة مستأنفة والله مبتدأ ولا النافية للجنس وإله اسمها وإلا أداة حصر و «هو» بدل من محل لا واسمها، وقد تقدم إعراب كلمة الشهادة، والجملة خبر الله (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) اللام جواب لقسم محذوف، ويجمعنكم فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والى يوم القيامة متعلقان بيجمعنكم، والجملة لا محل لها لأنها جواب للقسم المحذوف ولا نافية للجنس وريب اسم «لا» المبني على الفتح، وفيه متعلقان بمحذوف خبر، والجملة في محل نصب على الحال (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ وأصدق خبر، ومن الله متعلقان بأصدق وحديثا تمييز.
[سورة النساء (٤) : آية ٨٨]
فَما لَكُمْ فِي الْمُنافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)
следующие страницы →