← Тафсир

Тафсир · id 2163

إعراب القرآن وبيانه

محيي الدين درويش

Полный текст (5 784 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

تقدمت له نظائر (وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ) عطف على جملة يألمون، وما اسم موصول مفعول به لترجون، وجملة لا يرجون لا محل لها لأنها صلة (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٥ الى ١٠٦] إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٠٦) الإعراب: (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ) كلام مستأنف للتحذير من التعجل في الحكم، وهو عام، وإن واسمها، وجملة أنزلنا خبرها، وإليك متعلقان بأنزلنا والكتاب مفعول به، وبالحق متعلقان بمحذوف حال (لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ) اللام للتعليل وتحكم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والجار والمجرور: لام التعليل والمصدر المؤول من أن المضمرة والفعل تحكم متعلقان بأنزلنا وبين الناس ظرف متعلق بتحكم، وبما متعلقان بتحكم وجملة أراك الله لا محل لها لأنها صلة للموصول، والإراءة هنا بمعنى المعرفة والعلم، فالكاف مفعوله الأول والثاني محذوف، وهو العائد المحذوف، أي: بما أراكه الله (وَلا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيماً) الواو عاطفة ولا ناهية وتكن فعل مضارع ناقص مجزوم بلا، واسم تكن مستتر تقديره أنت، وللخائنين جار ومجرور متعلقان بخصيما، وخصيما خبرها. (وَاسْتَغْفِرِ

стр. 877

اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) عطف على ما تقدم، وقد تقدم إعراب نظائره. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٠٧ الى ١٠٨] وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً (١٠٧) يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً (١٠٨) اللغة: (يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ) : يستريبون بها ويخونونها بالمعاصي. (يَسْتَخْفُونَ) : يستترون. (يُبَيِّتُونَ) يدبرون الأمر بليل. ولا يكاد يستعمل إلا في الشر، وعبارة المبرّد في كامله: «يقال بيّت فلان كذا وكذا إذا فعله ليلا، وفي القرآن: «وإذ يبيتون ما لا يرضى من القول» أي: أداروا ذلك ليلا بينهم» . الإعراب: (وَلا تُجادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتانُونَ أَنْفُسَهُمْ) الواو عاطفة ولا ناهية،

стр. 878

وتجادل فعل مضارع مجزوم بلا والفاعل أنت، وعن الذين متعلقان بتجادل، وجملة يختانون أنفسهم لا محل لها لأنها صلة الموصول (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كانَ خَوَّاناً أَثِيماً) تعليل للنهي، وان واسمها، وجملة لا يحب خبرها ومن اسم موصول مفعول به، وجملة كان صلة الموصول وخوانا خبر كان، وأثيما صفة، أو هما خبران لكان (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) الجملة مستأنفة مسوقة لمجرد الإخبار بأنهم يطلبون الستر، أو حالية من «من» على أنها موصولة، وجملة ولا يستخفون من الله عطف على الاولى، الواو حالية، وهو مبتدأ، والظرف معهم متعلق بمحذوف خبر، والجملة حالية (إِذْ يُبَيِّتُونَ ما لا يَرْضى مِنَ الْقَوْلِ) إذ ظرف لحكاية الحال الماضية، وجملة يبيتون في محل جر بالاضافة، وما اسم موصول مفعول به وجملة لا يرضى صلة الموصول، ومن القول متعلقان بمحذوف حال (وَكانَ اللَّهُ بِما يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) تقدم اعراب نظائرها كثيرا. البلاغة: ١- المبالغة في قوله: «خوانا أثيما» : فقد استعمل صيغتين من صيغ المبالغة، لأن الله كان عالما من طعمة بن أبيرق الذي سرق درعا من جار له وأودعها عند يهودي، الإفراط في الخيانة وركوب المآثم. ٢- المجاز في الاستخفاء: إذ الاستخفاء من الله محال، لأن الله يعلم الجهر وما يخفى، فيكون مجازا عن الحياء.

стр. 879

[سورة النساء (٤) : آية ١٠٩] ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩) الإعراب: (ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ جادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا) كلام مستأنف مسوق لتبكيت قوم طعمة بن أبيرق، وهم بنو ظفر من الأنصار الذين حاولوا ستر جنايته وسرقته. وها للتنبيه وأنتم مبتدأ وهؤلاء خبره، وجملة جادلتم خبر ثان، وأعرب بعضهم هؤلاء منادى محذوف منه حرف النداء، وجملة النداء اعتراضية وهو صحيح. وعنهم جار ومجرور متعلقان بجادلتم، وفي الحياة متعلقان بمحذوف حال، والدنيا صفة (فَمَنْ يُجادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ) الفاء عاطفة، ومن اسم استفهام انكاري مبتدأ، وجملة يجادل الله خبر، وعنهم متعلقان بيجادل، ويوم القيامة ظرف متعلق بمحذوف حال (أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا) أم حرف عطف، ومن اسم استفهام مبتدأ، ويكون فعل مضارع ناقص واسمها ضمير مستتر تقديره «هو» يعود على «من» والجملة في محل رفع خبر «من» ، وعليهم جار ومجرور متعلقان ب «وكيلا» ووكيلا خبر يكون. البلاغة: في هذه الآية الالتفات، في قوله: «ها أنتم جادلتم عنهم ... » فقد انتقل من الغيبة الى الخطاب، لمشافهتهم بالتوبيخ والإنكار.

стр. 880

[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٠ الى ١١٢] وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً (١١٠) وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١١١) وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً (١١٢) الإعراب: (وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) كلام مستأنف مسوق لحمل طعمة على التوبة، ومع ذلك أصر على ركوب متن الشطط، وأبى أن يتوب، والواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويعمل فعل مضارع فعل الشرط، والفاعل هو، وسوءا مفعول به، وأو حرف عطف. ويظلم نفسه عطف على يعمل، ونفسه مفعول به (ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً رَحِيماً) ثم حرف عطف، ويستغفر الله عطف على ما تقدم، ويجد الله جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، وغفورا مفعول به ثان، ورحيما صفة (وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ) عطف على ما تقدم، وهو مماثل له في إعرابه. وجملة فإنما جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر من، وعلى نفسه متعلقان بيكسبه، لأن وبال الإثم متعلق بها (وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم إعرابها. (وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً) تقدم إعرابه (ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) عطف على يكسب ووحد الضمير

стр. 881

تغليبا للإثم، وبه متعلقان ب «يرم» ، وبريئا مفعول به (فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتاناً وَإِثْماً مُبِيناً) الجملة في محل جزم جواب الشرط وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، والمعنى: فله عقوبتان. [سورة النساء (٤) : آية ١١٣] وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَما يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً (١١٣) الإعراب: (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) الواو عاطفة أو استئنافية إتماما لقصة بني ظفر الذين حاولوا إضلال النبي، ولكن الله عصمه. والواقع أن الخطاب عام، يتناول الناس جميعا في مختلف ظروف الزمان والمكان. ولولا حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط، وفضل الله مبتدأ محذوف الخبر، وعليك متعلقان بفضل ورحمته عطف على فضل (لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) اللام واقعة في جواب لولا، وجملة همت طائفة لا محل لها لأنها جواب شرط غير جازم، وقد يرد على ذلك انتفاء الهمّ، لأن لولا لا تقتضي انتفاء جوابها لوجود شرطها، ولكن المنفي في الحقيقة أثر الهمّ، وسيرد هذا كله في مكانه من هذا الكتاب، وأن يضلوك مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بهمت، أي همّت بإضلالك (وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) الواو

стр. 882

حالية وما نافية، ويضلون فعل مضارع علامة رفعه ثبوت النون، وإلا أداة حصر، وأنفسهم مفعول يضلون، والجملة في محل نصب على الحال (وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) الواو عاطفة وما نافية ويضرونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وهو معطوف على يضلون، ومن حرف جر زائد وشيء مجرور لفظا منصوب على المفعولية المطلقة محلّا، أي: شيئا من الضرر (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ) الواو استئنافية والجملة مستأنفة فيها معنى العلة لما تقدم، والكتاب مفعول به، والحكمة عطف على الكتاب (وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) عطف على ما تقدم، وما اسم موصول مفعول علمك الثاني، وجملة لم تكن صلة وجملة تعمل خبر تكن (وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) عطف أيضا، وكان فعل ماض ناقص وفضل الله اسمها، وعظيما خبرها، وعليك جار ومجرور متعلقان بفضل. [سورة النساء (٤) : آية ١١٤] لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً (١١٤) اللغة: (نَجْواهُمْ) : النجوى في الأصل مصدر، وهو التناجي في السر، وقد يطلق على الأشخاص مجازا، قال تعالى: «وإذ هم نجوى» ، ولا تكون النجوى إلا بين اثنين فصاعدا.

стр. 883

الإعراب: (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ) كلام مستأنف مسوق لإتمام قصة بني ظفر. وهي عامة في حق الناس جميعا. ولا نافية للجنس وخير اسمها المبني على الفتح، وفي كثير جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبرها، ومن نجواهم متعلقان بمحذوف صفة لكثير (إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) إلا أداة حصر، ومن اسم موصول بدل من «كثير» أو من «نجوى» ، فالاستثناء على هذا متصل على حذف مضاف، وقيل: هي نصب على الاستثناء المنقطع، لأن «من» للاشخاص، وليس التناجي من جنسها، ويكون المعنى: لكن من أمر بصدقة ففي نجواه خير كثير. وبصدقة جار ومجرور متعلقان بأمر، وما بعدها معطوف عليها، وبين الناس ظرف مكان متعلق بإصلاح (وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويفعل فعل الشرط، وذلك مفعول به وابتغاء مرضاة الله مفعول لأجله (فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) الفاء رابطه للجواب وسوف حرف استقبال ونؤتيه فعل مضارع ومفعول به أول. وأجرا مفعول به ثان، والفاعل مستتر تقديره «نحن» . وعظيما صفة، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» . [سورة النساء (٤) : آية ١١٥] وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً (١١٥)

стр. 884

اللغة: (المشّاقّة) : المخاصمة والمخالفة. (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) نجعله واليا لما تولى من الضلال، أي ما اختاره. الإعراب: (وَمَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى) كلام مستأنف مسوق للتعقيب على قصة طعمة المرتدّ، والمراد عموم الحكم وشموله الناس. ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، يشاقق فعل مضارع فعل الشرط والرسول مفعول به، ومن بعد متعلقان بيشاقق، وما مصدرية وهي مع تبين في تأويل مصدر مجرور بالاضافة، وله متعلقان بتبين، والهدى فاعل (وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) عطف على يشاقق، وغير سبيل المؤمنين مفعول به (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى) نوله جواب الشرط، والهاء مفعوله الأول، وما اسم موصول مفعوله الثاني، وجملة تولى صلة الموصول وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» (وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَساءَتْ مَصِيراً) عطف على نوله، وجهنم مفعول به ثان لنصله، ومصيرا نصب على التمييز، والمخصوص بالذم محذوف، أي: جهنم. الفوائد: روي أن الامام الشافعي ﵀ سئل عن آية في كتاب الله تعالى تذل على أن الإجماع حجة، فقرأ القرآن ثلاثمائة مرة حتى وجده في

стр. 885

هذه الآية: «ومن يشاقق الرسول..» إلخ، وتقرير الاستدلال أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، فيجب أن يكون اتباع سبيل المؤمنين واجبا، وبيان المقدمة الاولى أنه تعالى ألحق الوعيد بمن يشاقق الرسول ويتبع غير سبيل المؤمنين ومشاققة الرسول وحدها موجبة لهذا الوعيد، فلو لم يكن اتباع غير سبيل المؤمنين موجبا له لكان ذلك ضمّا لما لا أثر له في الوعيد الى ما هو مستقل باقتضاء ذلك الوعيد، وأنه غير جائز، فثبت أن اتباع غير سبيل المؤمنين حرام، وإذا ثبت هذا لزم أن يكون عدم اتباع سبيلهم واجبا، وذلك لأن عدم اتباع سبيل المؤمنين يصدق عليه أنه اتباع لغير سبيل المؤمنين، فاذا كان اتباع سبيل غير المؤمنين لزم أن يكون عدم اتباع سبيل المؤمنين حراما وإذا كان عدم اتباعهم حراما كان اتباع سبيلهم واجبا. هذا ولعلماء الأصول مناقشات طويلة، وأسئلة وأجوبة، حول صحة الاستدلال بهذه الآية، يرجع إليها في مظانّها. [سورة النساء (٤) : الآيات ١١٦ الى ١١٧] إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١١٦) إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلاَّ إِناثاً وَإِنْ يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطاناً مَرِيداً (١١٧) اللغة: (مَرِيداً) المريد والمارد هو الذي بلغ الغاية في الشرّ والفساد، يقال: مرد من بابي نصر وظرف إذا عتا وتجّبر فهو مارد ومريد، وأنّث الأصنام لأنها في عرفهم كذلك، وأشهرها اللات والعزّى ومناة.

стр. 886

وعن الحسن أنه لم يكن حيّ من أحياء العرب إلا كان لهم صنم يعبدونه ويسمونه أنثى بني فلان. وسيأتي مزيد تفصيل عن هذه الأصنام عند ذكرها بأسمائها. الإعراب: (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) كلام مستأنف مسوق للتأكيد على عدم غفران الشرك. وإن واسمها، وجملة لا يغفر خبرها، والمصدر المؤول من أن وما في حيزها مفعول يغفر، وبه متعلق بيشرك (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) الواو عاطفة، ويغفر فعل مضارع والفاعل هو، وما اسم موصول مفعول به، ودون ذلك ظرف متعلق بمحذوف صلة الموصول، والجملة لا محل لها لأنها صلة الموصول، ولمن يشاء متعلقان بيغفر، وجملة يشاء صلة الموصول (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ) الواو حرف عطف، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويشرك فعل الشرط والجار والمجرور متعلقان بيشرك (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً) الفاء رابطة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وضلالا مفعول مطلق وبعيدا صفة، وجملة الشرط والجواب خبر «من» (إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِناثاً) الجملة تعليلية لا محل لها، وإن نافية، ويدعون فعل مضارع وفاعل، ومن دونه متعلقان بيدعون، وإلا أداة حصر، وإناثا مفعول به أو صفة لمفعول به محذوف، أي: أصناما مؤنثة لتأنيث أسمائها كاللات والعزى ومناة، وقيل: لأنهم كانوا يلبسونها أنواع الحليّ، ويزينونها على هيئات النساء (وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطاناً مَرِيداً) الواو عاطفة وإن نافية، ويدعون فعل وفاعل، وإلا أداة حصر شيطانا مفعول به، ومريدا صفة.

стр. 887

[سورة النساء (٤) : الآيات ١١٨ الى ١٢١] لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً (١١٨) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلاَّ غُرُوراً (١٢٠) أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً (١٢١) اللغة: (تبكيت الآذان) : قطعها أو شقها، كانوا يشقون أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكرا، وحرّموا على أنفسهم الانتفاع بها. وذلك من عاداتهم. كما كانوا يغيّرون خلق الله، فيفقئون عيون الأنعام إعفاء لها من الركوب، أو يخصونها. ومن التغيير في خلق الله الوشم، وفي الحديث: لعن الله الواشرات المرققات أسنانهن والمتنضات والمتنفشات، أي اللواتي ينتفن شعورهن. (مَحِيصاً) مصدر حاص عنه إذا عدل وحاد. وله مصادر متعددة، منها أيضا حيوصا ومحاصا وحيصانا، بفتح الياء. الإعراب: (لَعَنَهُ اللَّهُ وَقالَ: لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) الجملة

стр. 888

لا محل لها من الإعراب لأنها دعائية أو مستأنفة، وجعلها بعضهم صفة ل «شيطانا» في الآية السابقة، وأرى فيه بعدا وتكلفا، ولعنه الله فعل ومفعول به وفاعل، وقال الواو استئنافية أو حالية بتقدير «قد» ، وجملة القسم مقول القول، واللام جواب قسم محذوف، وأتخذن فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة وجملة اتخذن لا محل لها لأنها جواب قسم محذوف، ومن عبادك متعلقان بأتخذن، ونصيبا مفعول به، ومفروضا صفة (وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ) الجمل الثلاث معطوفات على أتخذن، فهي مقولات الشيطان الخمس (فَلَيُبَتِّكُنَّ آذانَ الْأَنْعامِ) الفاء عاصفة، وآذان الانعام مفعول به (وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) عطف أيضا، وأصل يغيرن: يغيروننّ، فحذف النون للجزم بلام الأمر، وحذفت الواو لالتقاء الساكنين، وخلق الله مفعول به (وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويتخذ فعل الشرط والشيطان مفعول به أول ووليا مفعول به ثان ومن دون الله متعلقان بمحذوف صفة ل «وليا» (فَقَدْ خَسِرَ خُسْراناً مُبِيناً) الفاء رابطة، وقد حرف تحقيق، وخسرانا مفعول مطلق، ومبينا صفة، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً) الجملة مستأنفة مسوقة لبيان حقيقة مواعيد الشيطان الكاذبة. ومفعولا يعدهم ويمنيهم محذوفان للعلم بهما، وما الواو حالية، وما نافية ويعدهم الشيطان فعل ومفعول به وفاعل، وإلا أداة حصر، وغرورا يحتمل أن يكون مفعولا ثانيا ل «يمنيهم» أو مفعولا لأجله أو مفعولا مطلقا، أي: ذا غرور، وهي متساوية الرجحان (أُولئِكَ مَأْواهُمْ جَهَنَّمُ) الجملة مستأنفة، وأولئك مبتدأ، ومأواهم مبتدأ ثان، وجهنم خبر مأواهم، والجملة الاسمية خبر أولئك (وَلا يَجِدُونَ عَنْها مَحِيصاً)

стр. 889

الواو عاطفة، ولا نافية، ويجدون فعل مضارع وفاعل، ومحيصا مفعول به، وعنها متعلقان بمحذوف حال، لأن المصدر لا يعمل فيما قبله. [سورة النساء (٤) : آية ١٢٢] وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢) اللغة: (قِيلًا) مصدر كالقول والقال، وقال ابن السّكّيت: القال والقيل: اسمان لا مصدران. الإعراب: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ) الواو استئنافية، والذين مبتدأ، وجملة آمنوا صلة وعملوا الصالحات فعل وفاعل ومفعول به (سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً) سندخلهم فعل مضارع ومفعوله الأول، والفاعل مستتر تقديره نحن والجملة خبر اسم الموصول، وجنات مفعول به ثان على السعة أو منصوب بنزع الخافض وقد تقدم، وجملة تجري إلخ صفة لجنات، وخالدين حال، وفيها متعلقان بخالدين، وأبدا ظرف متعلق بخالدين أيضا (وَعْدَ اللَّهِ

стр. 890

حَقًّا) وعد الله مفعول مطلق لفعل محذوف، وحقا مفعول مطلق لفعل محذوف أيضا، وقيل: هو نصب على الحال، وفي النفس منه شيء (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ وأصدق خبر ومن الله متعلقان بأصدق، وقيلا تمييز. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٣ الى ١٢٤] لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً (١٢٤) اللغة: (النقير) : أصله النكتة في ظهر النواة كما تقدم، وهو كناية عن القلة. وللنون مع القاف إذا كانتا فاء للفعل وعينا له معنى فريد يكاد يكون مطّردا، وهو التأثير وترك الأثر بعده، فنقب الحائط معروف، ونقب البيطار سرّة الدابة بالمنقب فأخرج ماء أصفر، ونقح الكلام والشعر، ونقحته السنون نالت منه، ونقده الثمن، ونقد الدرهم أي: ميز جيده ورديئه، وهو من نقدة الشعر ونقاده، ونقر الطائر الحب بمنقاره، ونقر العود والدف: استحدث لهما صوتا بعيد الأثر. وهذا من أوابد هذه اللغة وغرائبها. الإعراب: (لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ) كلام مستأنف مسوق

стр. 891

لبيان أن المفاضلة إنما تكون بالعمل الصالح والإنتاج المثمر وأن الايمان ما وقر في القلب ودعمه العمل. وليس فعل ماض ناقص، واسمها فيه خلاف عند النحاة والمعربين، فقيل: هو الوعد، لأنه ليس منوطا بالأماني، وقيل: هو الإيمان المفهوم من قوله: «والذين آمنوا» ، وذلك كله وارد وجيد والمرجع واحد. والباء حرف جر زائد، وأمانيكم مجرور لفظا منصوب محلا لأنه خبر ليس، ولا أماني أهل الكتاب عطف على أمانيكم (مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) الجملة استئنافية أو مفسرة، وعلى كل حال لا محل لها من الإعراب، ومن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ، ويعمل فعل الشرط، وسوءا مفعول به، ويجز جواب الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة، وبه متعلقان ب «يجز» ، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيراً) عطف على «يجز» مجزوم مثله، وله جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، لأنه كان في الأصل صفة ل «وليا» فتقدم عليها، ومن دون الله متعلقان بيجد، بمثابة المفعول الأول، ووليا هو المفعول الثاني ونصيرا عطف على «وليا» (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ) الواو عاطفة، ومن اسم شرط جازم مبتدأ، ويعمل فعل الشرط، ومن الصالحات متعلقان بيعمل، ومعنى «من» التبعيض، لأن استيعاب الصالحات غير متاح للمكلفين، وعجيب قول الطبري: إنها زائدة، وليس بشيء. ومن ذكر متعلقان بمحذوف حال لأنها أزالت الإبهام عن «من» ، أو أنثى معطوفة، الواو حالية وهو مبتدأ ومؤمن خبر والجملة نصب على الحال، (فَأُولئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) الفاء رابطة لجواب الشرط، واسم الاشارة مبتدأ وجملة يدخلون الجنة خبر، ولا يظلمون عطف على يدخلون، ونقيرا مفعول مطلق وقد تقدم بحثه. وجملة

стр. 892

أولئك يدخلون في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط، وجوابه في محل رفع خبر «من» . [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٥ الى ١٢٦] وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً (١٢٦) الإعراب: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) الواو استئنافية، ومن اسم استفهام مبتدأ، وأحسن خبره، ودينا تمييز محوّل عن المبتدأ، وممن متعلقان بأحسن، وجملة أسلم وجهه صلة الموصول لا محل لها، ولله متعلقان ب «أسلم» ، والواو حالية، وهو مبتدأ ومحسن خبر، والجملة حال من الضمير في «أسلم» ، (وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً) الواو عاطفة، وجملة اتبع معطوفة على جملة أسلم داخلة في حيز الصلة، وملة ابراهيم مفعول به، وحنيفا حال من فاعل اتبع أو من ابراهيم أي: مائلا الى الدين القويم (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) الواو واو الاعتراض، وجملة اتخذ الله ابراهيم اعتراضية، فائدتها التوكيد على تقريب ابراهيم وتمييزه بأنه اتخذه الله خليلا، وخليلا مفعول به ثان لاتخذ (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو استئنافية، ولله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في

стр. 893

الأرض عطف على ما في السموات (وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) الواو عاطفة أو استئنافية، وكان واسمها، ومحيطا خبرها، وبكل شيء متعلقان ب «محيطا» . البلاغة: في قوله تعالى: (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا) اعتراض والاعتراض عبارة عن جملة أو أكثر تعترض أثناء الكلام أو بين الكلامين المتصلين وتفيد زيادة في معنى غرض المتكلم غير دفع الإيهام وقد تقدم الكلام عليه عند قوله في البقرة «ولن تفعلوا» ونضيف اليه انه يكون لأغراض متعددة فقد يكون للتنبيه والبيان، قال الشاعر: واعلم فعلم المرء ينفعه ... ان سوف يأتي كل ما قدرا فقوله «فعلم المرء ينفعه» اعتراض للتنبيه والبيان ومثله ما يحكى أن الراضي بالله كتب يعتذر الى أخيه المقتفي وهما في المكتب، وكان المقتفي قد اعتدى على الراضي والراضي هو الكبير منهما فكتب اليه الراضي. يا ذا الذي يغضب من غير شي ... اعتب فعتباك حبيب إليّ أنت على انك لي ظالم ... أعز خلق الله كلّا عليّ فقوله: على انك لي ظالم اعتراض للتنبيه أما في الآية المتقدمة فهي تفيد التأكيد على وجوب اتباع ملة ابراهيم لأن من بلغت به الرتبة والزلفى عند الله أن اتخذه خليلا يوافقه في الخلال كان جديرا بأن تتبع ملته.

стр. 894

وقيل في سبب تسميته ابراهيم خليل الله ان ابراهيم ﵇ بعث الى خليل له بمصر في أزمة أصابت الناس يمتار منه فقال خليله: لو كان ابراهيم يطلب الميرة لنفسه لفعلت ولكنه يريدها للاضياف فاجتاز غلمانه ببطحاء لينة، فملئوا منها الغرائر (أي العدول) حياء من الناس فلما أخبروا ابراهيم ﵇ ساءه الخبر وحملته عيناه وعمدت امرأته الى غرارة منها فأخرجت أحسن حواري (أي دقيق) واختبزت واشتم ابراهيم رائحة الخبز فقال: من أين لكم؟ فقالت امرأته: من خليلك المصري فقال: بل من عند خليلي الله فسماه الله خليلا. [سورة النساء (٤) : آية ١٢٧] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً (١٢٧) اللغة: (يَسْتَفْتُونَكَ) : يطلبون منك الفتوى. والفتوى بفتح الفاء، والفتيا بضمها، والجمع الفتاوي بكسر الواو، ويجوز الفتاوى بفتحها للتخفيف.

стр. 895

الإعراب: (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة مسوقة للعودة الى ذكر النساء، وبقية ما يتعلق بهنّ من أحكام. ويستفتونك فعل مضارع وفاعل ومفعول به، وفي النساء متعلقان به، وقل فعل أمر وفاعله أنت، والجملة مستأنفة أيضا، والله مبتدأ، ويفتيكم فعل مضارع ومفعول به، والجملة خبر، وجملة الله يفتيكم في محل نصب مقول القول، وفيهن متعلقان بيفتيكم (وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ) لك أن تجعل الواو عاطفة فيكون اسم الموصول معطوفا على الله، أي: الله يفتيكم والمتلوّ في كتابه. ولك أن تجعلها اعتراضية فتكون الجملة معترضة لا محل لها، وتكون «ما» مبتدأ خبره محذوف دل عليه ما قبله، أي: يفتيكم. وعليكم متعلقان بيتلى، وفي الكتاب متعلقان بمحذوف حال، وفي يتامى النساء متعلقان بمحذوف بدل من «فيهن» . وإضافة «يتامى» الى «النساء» من باب اضافة الصفة الى الموصوف (اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ) اللاتي اسم موصول صفة للنساء، وجملة لا تؤتونهن صلة، وما اسم موصول مفعول به ثان، وجملة كتب صلة، ولهن متعلقان بكتب (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عطف على تؤتونهن. وأن تنكحوهن مصدر مؤوّل منصوب بنزع الخافض وهو «في» ، أي: في أن تنكحوهن لجمالهن وما لهنّ، أو «عن» ، أي: ترغبون عن نكاحهن لدمامتهن وفقرهن، فهو من الكلام الموجه كما سيأتي في باب البلاغة (وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ) عطف على يتامى النساء ومن الولدان متعلقان بمحذوف حال (وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ) الواو عاطفة والمصدر المؤول مجرور عطفا على المستضعفين، أو تجعل المصدر منصوبا بنزع الخافض، فيكون الجار والمجرور متعلقين بمحذوف

стр. 896

معطوف على ما تقدم، أي: ويأمركم بأن تقوموا. ولليتامى متعلقان بمحذوف حال، وبالقسط متعلقان بتقوموا (وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً) الواو استئنافية، وما اسم شرط جازم مبتدأ، وتفعلوا فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون، ومن خير متعلقان بتفعلوا، والفاء رابطة، وجملة إن الله في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «ما» ، وجملة كان في محل رفع خبر «إن» وعليما خبر كان. وبه الجار والمجرور متعلقان ب «عليما» . البلاغة: في هذه الآية الكلام الموجه، وهو الذي يحتمل معنيين متضادين، وقد سبقت الاشارة اليه، وذلك في قوله: «وترغبون أن تنكحوهن» ، فهن إما جميلات أو دميمات حسب تقدير الجار. روي أن عمر بن الخطاب كان إذا جاءه ولي اليتيمة نظر فان كانت جميلة قال: زوجها غيرك. والتمس لها من هو خير منك، وإن كانت دميمة ولا مال لها قال: تزوجها فأنت أحق بها، وروى مسلم عن عائشة قالت: هذه اليتيمة تكون في حجر وليّها، فيرغب في جمالها ومالها، ويريد أن ينقص من صداقها، فنهوا عن نكاحهنّ إلا أن تقسطوا لهنّ في إكمال الصّداق، وأمروا بنكاح سواهن. قالت عائشة: فاستفتى الناس رسول الله ﷺ فأنزل الله : «ويستفتونك في النساء» الى قوله: «وترغبون أن تنكحوهن» فبيّن لهم أن اليتيمة إذا كانت ذات جمال ومال رغبوا في نكاحها، ولم يلحقوها بسنّتها في إكمال الصداق، وإذا كانت مرغوبا عنها في قلة الجمال تركوها تركوها والتمسوا غيرها. هذا وقد تقدم القول في الكلام الموجه،

стр. 897

وبقي أن نقول: إن مما يحتمل المعنيين المتضادين قول النبي ﷺ : «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا المسجد الحرام» فهذا الحديث يستخرج منه معنيان ضدان: أحدهما أن المسجد الحرام أفضل من مسجد رسول الله ﷺ ، والآخر أن مسجد رسول الله ﷺ أفضل من المسجد الحرام بل تفضل ما دونها، بخلاف المساجد الباقية، فإن ألف صلاة تقصر عن صلاة واحدة فيه. ومن ذلك قول النبي ﷺ لأزواجه: «أطولكنّ يدا أسرعكن لحوقا بي» . فلما مات صلوات الله عليه جعلن يطاولن بين أيديهن، حتى ينظرن أيتهنّ أطول يدا، ثم كانت زينب أسرعهن لحوقا به، وكانت كثيرة الصدقة، فعلمن حينئذ أنه لم يرد الجارحة وإنما أراد الصدقة. فهذا القول يدل على المعنيين المشار إليهما. ومن ذلك ما روي عن أنس بن مالك ﵁ أنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين فلم يقل لشيء فعلته لم فعلته؟ ولا لشيء لم أفعله لم لا فعلته؟ وهذا القول يحتمل وجهين من التأويل، أحدهما وصف رسول الله ﷺ بالصبر على خلق من يصحبه، والآخر أنه وصف نفسه بالفطنة والذكاء فيما يقصده من الأعمال، كأنه متفطّن لما في نفس الرسول، فيفعله من غير حاجة الى استئذانه. ومن ذلك ما ورد في أحد الأدعية النبوية، فانه ﷺ دعا على رجل من المشركين فقال: «اللهمّ اقطع أثره» وهذا يحتمل ثلاثة أوجه من التأويل: الأول أنه دعا عليه بالزّمانة، لأنه إذا زمن لا يستطيع أن يمشي على الأرض، فينقطع حينئذ أثره. الوجه الثاني: أنه دعا عليه بأن لا يكون له نسل من بعده ولا عقب. الوجه الثالث: أنه دعا عليه بأن لا يكون

стр. 898

له أثر من الآثار مطلقا، وهو أن لا يفعل فعلا يبقى أثره من بعده، كائنا ما كان، من عقب أو بناء أو غراس أو غير ذلك. قصة خالد بن الوليد وعبد المسيح: ومن ذلك ما يحكى عن عبد المسيح بن بقيلة لما نزل بهم خالد بن الوليد على الحيرة، وذلك أنه خرج اليه عبد المسيح بن بقلية، فلما مثل بين يديه قال: أنعم صباحا أيها الملك فقال له خالد: - قد أغنانا الله عن تحيتك هذه بسلام عليكم، ثم قال له: - من أين أقصى أثرك؟ قال: من ظهر أبي. قال: فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي. قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض. قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد. قال خالد: ما رأيت كاليوم قطّ، أنا أسأله عن الشيء وهو ينحو في غيره!

стр. 899

وهذا من توجيه الكلام على نمط حسن، وهو يصلح أن يكون جوابا لخالد عما سأل، وهو يصلح أن يكون جوابا لغيره مما ذكره عبد المسيح بن بقيلة. توجيه طريف لافلاطون: ومما يجري على هذا النهج ما يحكى عن أفلاطون أنه قال: «ترك الدواء دواء» ، فذهب بعض الأطباء أنه أراد: إن لطف المزاج وانتهى الى غاية لا يحتمل الدواء فتركه حينئذ والاضراب عنه دواء. وذهب آخرون أنه أراد بالترك الوضع، أي وضع الدواء على الداء دواء. يشير بذلك الى حذق الطبيب في أوقات علاجه. التوجيه المضاد في الشعر: فاذا عدنا الى الشعر وأينا الفرزدق ينحو في شعره هذا النحو من التوجيه فيقول: إذا جعفر مرّت على هضبة الحمى ... فقد أخزت الاحياء منها قبورها وهذا- كما ترى- يدل على معنيين متضادين: أحدهما ذمّ الاحياء، والآخر ذم الأموات. أما ذم الاحياء فهو أنهم خذلوا الأموات، يريد أنهم تلاقوا في قتالهم وقوما آخرين ففرّ الاحياء عنهم وأسلموهم، أو أنهم استنجدوهم فلم ينجدوهم. وأما ذم الأموات فهو أن لهم مخازي وفضائح توجب عارا وشنارا، فهم يعيرون بها الاحياء ويلصقونها بهم.

стр. 900

بيت لأبي تمام: وعلى هذا ورد قول أبي تمّام: بالشعر طول إذا اصطكّت قصائده ... في معشر وبه عن معشر قصر فهذا البيت يحتمل تأويلين متضادين: أحدهما أن الشعر يتسع مجاله بمدحك، ويضيق بمدح غيرك. يريد بذلك أن مآثره كثيرة، ومآثر غيره قليلة. والآخر: أن الشعر يكون ذا فخر ونباهة بمدحك، وذا خسول وتبليد بمدح غيرك. فلفظة الطول يفهم منها ضدّ القصر، ويفهم منها الفخر، من قولنا: طال فلان على فلان أي فخر عليه. بيت أبي كبير الهذليّ: ومما ينتظم بهذا السلك قول أبي كبير الهذلي: عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر وهذا يحتمل وجهين من التأويل: أحدهما أنه أراد بسعي الدهر سرعة تقضّي الأوقات مدة الوصال، فلما انقضى الوصل عاد الدهر الى حالته في السكون والبطء، والآخر أنه أراد بسعي الدهر سعي أهل الدهر بالنمائم والوشايات، فلما انقضى ما كان بينهما من الوصل سكنوا وتركوا السعاية. وهذا من باب وضع المضاف اليه مكان المضاف، كقوله تعالى: «واسأل القرية» أي: أهل القرية.

стр. 901

بيت أبي الطيب المتنبي: ومن المعنى الدقيق في هذا الصدد قول أبي الطيب المتنبي في مديح عضد الدولة: لو فطنت خيله لنائله ... لم يرضها أن تراه يرضاها وهذا يستنبط منه معنيان ضدان: أحدهما أن خيله لو علمت مقدار عطاياه النفيسة لما رضيت له بأن تكون من جملة عطاياه، لأن عطاياه أنفس منها. والآخر أن خيله لو علمت أنّه يهبها من جملة عطاياه لما رضيت ذلك إذ تكره خروجها عن ملكه. وبين الحقيقة والمجاز: وهذا كله لا يعدو الحقيقة، فإذا احتمل الحقيقة والمجاز وتجاذباه، بلغ أسمى درجات الإعجاز، وسيأتي في مواطنه. ولكننا حرصا على إتمام البحث نورد مثالا واحدا من الشعر، وفيه نرى المعنيين مجازيين كقول أبي تمام: قد بلونا أبا سعيد حديثا ... وبلونا أبا سعيد قديما ووردناه ساحلا وقليبا ... ورعيناه بارضا وجميما فعلمنا أن ليس إلّا بشق ... النفس صار الكريم يدعى كريما فالساحل والقليب يستخرج منهما تأويلان مجازيان، أحدهما أنه أراد بهما الكثير والقليل بالنسبة الى الساحل والقليب، والآخر أنه أراد بهما

стр. 902

السبب وغير السبب، فإن الساحل لا يحتاج في ورده الى سبب، والقليب يحتاج في ورده الى سبب، وكلا هذين المعنيين مجاز، فإن حقيقة الساحل والقليب غيرهما، والوجه هو الثاني لأنه أدلّ على بلاغة القائل، ومدح المقول فيه. أما بلاغة القائل فالسلامة من هجنة التكرير، والمخالفة بين صدر البيت وعجزه يدلّ على القليل والكثير، لأن البارض هو أول النبت حين يبدو، فإذا كثر وتكاثف سمي جميما، فكأنه قال: أخذنا منه تبرعا ومسألة، وقليلا وكثيرا، وأما مدح المقول فيه فلتعداد حالاته الأربع في تبرعه وسؤاله، وإكثاره وإقلاله، وما في معاناة هذه الأحوال من المشاق. والكلام في هذا يطول، ولكنه كالحسن غير مملول. الفوائد: ١- يقاس حذف الجار في أنّ وأن بشرط أمن اللبس، ويشكل عليه قوله تعالى: «وترغبون أن تنكحوهن» فحذف الجار هنا مع أن اللبس موجود، بدليل أن المفسرين اختلفوا في المراد، فبعضهم قدر «في» وبعضهم قدر «عن» ، واستدل كلّ على ما ذهب اليه، وأجيب عنه بجوابين: أ- أن يكون حذف الجر اعتمادا على القرينة الرافعة للّبس. ب- أن يكون حذف لقصد الإبهام ليرتدع بذلك من يرغب فيهن لجمالهنّ ومالهنّ، ومن يرغب عنهن لدمامتهن وفقرهن. فالاختلاف إذن في القرينة. ٢- أجازوا في يتامى النساء أوجها أخرى نوردها ترويضا للذهن

стр. 903

منها انهما بدل اشتمال من قوله في الكتاب ولا بد من تقدير مضاف أي في حكم يتامى النساء ولا شك أن الكتاب مشتمل على ذكر أحكامهن ومنها أنهما متعلقان بيتلى وساغ تعلق حرفي جر بلفظ واحد لأن معناهما مختلف. قال أبو البقاء: كما تقول: جئتك في يوم الجمعة في أمر زيد ومنها أنهما متعلقان بمحذوف حال أي كائنا في حكم يتامى النساء. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٢٨ الى ١٣٠] وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٢٨) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً (١٢٩) وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِنْ سَعَتِهِ وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً (١٣٠) اللغة: (النّشوز) النبوة والتجافي عنها، وأن يمنعها نفسه وثقته ومحبته، وتطمح عيناه الى أجمل منها. (الإعراض:) أن يقلّ محادثتها ومؤانستها ومضاجعتها. (المعلقة:) هي التي ليست بذات بعل ولا مطلقة، قالت:

стр. 904

هل هي إلا حظة أو تطليق ... أو صلف أو بين ذاك تعليق وهذا بيت طريف، تستنكر الشاعرة حالة الزوجة مع زوجها، وتصفها بأنها ليست سوى حظة صغيرة بحظوة الزوج بها، أو تطليق لها، أو صلف، أي عدم حظوة من الزوج. يقال: نساء صلائف وصالفات: لم يحظهنّ الزوج، أو تعليق بين ذلك المذكور من الأحوال. والحظ النصيب والجد، ولعل الحظة واحد الحظّ، وصلفت المرأة صلفا إذا لم تحظ عند زوجها وأبغضها. الإعراب: (وَإِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً) الواو استئنافية، والجملة مستأنفة لتقرير حكم من أهم الأحكام، ومعالجة لأخطر موضوع اجتماعي. وأن شرطية وامرأة فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده، ولا يجوز رفعها على الابتداء، لأن الشرط يتقاضى الفعل، وجملة خافت من بعلها مفسرة لا محل لها، ومن بعلها متعلقان بخافت أو بمحذوف حال، لأنه كان صفة في الأصل ل «نشوزا» فلما قدم عليها أعرب حالا. ونشوزا مفعول به وإعراضا عطف على «نشوزا» (فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً) الفاء رابطة، ولا نافية للجنس، وجناح اسمها، وعليهما متعلقان بمحذوف خبرها، وأن يصلحا بينهما مصدر مؤول منصوب بنزع الخافض أي: في أن يصلحا، والجار والمجرور متعلقان بجناح أو بمحذوف صفة له، وبينهما ظرف متعلق بمحذوف حال، لأنه كان صفة ل «صلحا» ثم تقدمت الصفة على الموصوف فأعربت حالا. وصلحا مفعول مطلق وتفاصيل الصلح مبسوطة في كتب الفقه (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) الواو اعتراضية، والجملة من

стр. 905

المبتدأ والخبر معترضة لا محل لها (وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) الواو اعتراضية أيضا، وأحضرت فعل ماض مبني للمجهول، والأنفس نائب فاعل، والشحّ مفعول به ثان، والجملة معترضة أيضا (وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) الواو عاطفة أو استئنافية، وإن شرطية وتحسنوا فعل الشرط وتتقوا عطف عليه، وجواب الشرط محذوف للعلم به، أي: فالاحسان والاتقاء خير، والفاء تعليلية، وإن واسمها، وجملة كان خبرها، وبما تعملون متعلقان ب «خبيرا» ، وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وخبيرا خبر كان (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ) الواو استئنافية، ولن حرف نفي ونصب واستقبال، وتستطيعوا مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه حذف النون، وأن تعدلوا مصدر مؤول مفعول به لتستطيعوا، وبين النساء ظرف متعلق بتعدلوا (وَلَوْ حَرَصْتُمْ) الواو حالية، ويسميها بعضهم وصلية، ولو شرطية، وحرصتم فعل وفاعل (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوها كَالْمُعَلَّقَةِ) الفاء الفصيحة، أي: إذا عرفتم ذلك فلا تميلوا، فتكون الجملة لا محل لها، ولا ناهية، وتميلوا مضارع مجزوم بلا، وكل الميل مفعول مطلق، فتذروها الفاء هي السببية، فتنصب تذروها بأن مضمرة بعدها، لأنها وقعت في جواب النهي، ويجوز أن تكون الفاء عاطفة، فتجزم «تذروها» عطفا على تميلوا، وكالمعلقة الكاف اسم بمعنى مثل فتكون في محل نصب على الحال من الهاء في تذروها، أو هي جارّة فيتعلق الجار والمجرور بمحذوف على الحالية كما تقدم، أي: مشابهة للمعلقة. (وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم اعراب مثيلتها قريبا (وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ) الواو عاطفة، وإن شرطية، ويتفرقا فعل الشرط وألف الاثنين فاعل، ويغن جواب الشرط علامة جزمه حذف حرف العلة، والله فاعل، وكلّا

стр. 906

مفعول به، ومن سعته متعلقان ب «يغن» (وَكانَ اللَّهُ واسِعاً حَكِيماً) تقدم إعرابه كثيرا. الفوائد: ١- إذا وقع ما هو فاعل في المعنى بعد أداة مختصة بالأفعال أعرب فاعلا لفعل محذوف يفسّره الفعل المذكور بعده، لأن اختصاص هذه الأدوات بالفعل يحتم ذلك، وإلا وقع التناقض، وذلك مثل أدوات الشرط. وأجاز الكوفيون وبعض البصريين إعرابه مبتدأ، وساغ الابتداء به إذا كان نكرة تقدمت أداة الشرط عليه، أما إذا كانت الأداة مترجحة بين الفعل والاسم نحو: «أبشر يهدوننا» فيجوز إعرابه «بشر» مبتدأ، وهو الأرجح، وجملة يهدوننا خبره، ويجوز إعرابه فاعلا لفعل محذوف يفسره الفعل المذكور بعده، وهو «يهدوننا» ، لأن همزة الاستفهام تتعاور كلّا من الاسم والفعل. ٢- يجوز حذف ما علم من شرط إذا كانت الأداة «إن» أو «من» حال كونها مقرونة ب «لا» النافية، كقول الأحوص: فطلّقها فلست لها بكفء ... وإلا يعل مفرقك الحسام أي وإلّا تطلقها يعل مفرقك الحسام. وقد يتخلف واحد من «إن» والاقتران بلا، وقد يتخلفان معا. فالأول ما حكاه ابن الأنباري في الإنصاف عن العرب: من يسلّم عليك فسلم عليه، ومن لا فلا تعبأ به. أي: ومن لا يسلم عليك فلا تعبأ به. والثاني نحو:

стр. 907

«وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا» فحذف الشرط مع انتفاء الاقتران ب «لا» ، أي: وإن خافت امرأة خافت ... والثالث كقوله: متى تؤخذوا قسرا بظنّة عامر ... ولم ينج إلا في الصفاد أسير أي متى تثقفوا تؤخذوا، فحذف الشرط مع انتفاء الأمرين. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣١ الى ١٣٢] وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً (١٣١) وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) الإعراب: (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو استئنافية، ولله متعلقان بمحذوف خبر مقدم، وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ) الواو استئنافية، واللام جواب قسم محذوف وقد حرف تحقيق ووصينا فعل وفاعل والذين مفعول به وجملة أوتوا الكتاب صلة

стр. 908

والكتاب مفعول به ثان ل «أوتوا» وجملة قد وصينا لا محل لها لأنها جواب للقسم المقدّر، ومن قبلكم متعلقان بمحذوف حال، وإياكم عطف على الذين، أي: ووصيناكم (أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أن مفسرة بمعنى أي، لأن التوصية في معنى القول، أو مصدرية، وهي والفعل بعدها في تأويل مصدر منصوب بنزع الخافض، أي: بأن اتقوا والجار والمجرور متعلقان بوصينا (وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الواو حرف عطف، وإن حرف شرط جازم، وتكفروا فعل الشرط والجواب محذوف تقديره: فلن تضروه شيئا، والفاء عاطفة، وإن حرف مشبه بالفعل ولله متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم، وما اسم موصول اسم إنّ المؤخر، وفي السموات متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَكانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيداً) الواو عاطفة وكان واسمها وخبراها (وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ) الله جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر «ما» المقدم وما اسم موصول مبتدأ مؤخر، وفي السموات جار ومجرور متعلقان بمحذوف صلة الموصول، وما في الأرض عطف على ما في السموات (وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا) الواو استئنافية وكفى فعل ماض، والباء حرف جر زيد بالفاعل وهو الله، ووكيلا تمييز. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٣ الى ١٣٤] إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً (١٣٣) مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً (١٣٤)

стр. 909

الإعراب: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) إن شرطية ويشأ فعل الشرط، ويذهبكم جواب الشرط وأيها الناس تقدم إعرابه ويأت عطف على بذهبكم، وبآخرين جار ومجرور متعلقان بيأت (وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً) الواو حالية أو استئنافية، وكان واسمها، وقديرا خبرها، وعلى ذلك متعلقان ب «قديرا» (مَنْ كانَ يُرِيدُ ثَوابَ الدُّنْيا) من اسم شرط جازم مبتدأ، وكان فعل ماض ناقص في محل جزم فعل الشرط، واسمها مستتر يعود على «من» ، وجملة يريد خبرها، وثواب الدنيا مفعول به (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوابُ الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ) الفاء رابطة للجواب، وعند ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولفظ الجلالة مضاف اليه، وثواب الدنيا والآخرة مبتدأ مؤخر، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر «من» ، (وَكانَ اللَّهُ سَمِيعاً بَصِيراً) الواو استئنافية، وكان واسمها وخبراها. [سورة النساء (٤) : آية ١٣٥] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً (١٣٥)

стр. 910

اللغة: (القسط) العدل. وفي المصباح المنير: قسط يقسط قسطا، من باب ضرب: جار وعدل أيضا، فهو من الأضداد، قاله ابن القطّاع. وأقسط بالألف: عدل، والاسم القسط بالكسر. (تَلْوُوا) : تميلوا ألسنتكم معرضين عن الحق. ويقال: لواني الرجل حقي، والقوم يلوونني ديني وذلك إذا مطلوه ليّا. فالمراد باللي المطل، قال الأعشى: يلوينني ديني النّهار وأقتضي ... ديني إذا وقذ النّعاس الراقدا وهذا البيت من أبيات جياد أولها: إن الغواني لا يواصلن امرأ ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعراب نظائره (كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) كلام مستأنف مسوق للقيام بالقسط مع الغنيّ والفقير على السواء، وكونوا فعل أمر ناقص والواو اسمها، وقوامين خبرها، وبالقسط متعلقان بقوامين (شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ) شهداء خبر ثان لكونوا، ولله جار ومجرور متعلقان بشهداء والواو حالية، ولو شرطية، وعلى أنفسكم متعلقان بمحذوف خبر لكان المحذوفة هي واسمها بعد لو الشرطية، أي: ولو كانت الشهادة على أنفسكم،

стр. 911

وجواب لو محذوف، أي فلا تحجموا عن أداء الشهادة. (أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) عطف على أنفسكم (إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى بِهِما) إن شرطية ويكن فعل مضارع ناقص فعل الشرط واسم يكن ضمير مستتر تقديره: المشهود عليه، وغنيا خبر يكن، أو حرف عطف وفقيرا عطف على «غنيا» ، فالله الفاء رابطة لجواب الشرط، والله مبتدأ وأولى خبر وبهما متعلقان بأولى، والجملة المقترنة بالفاء في محل جزم جواب الشرط (فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى أَنْ تَعْدِلُوا) الفاء الفصيحة ولا ناهية، وتتبعوا فعل مضارع مجزوم بلا، والواو فاعل، والهوى مفعول به، وأن وما في حيزها في تأويل مصدر مفعول لأجله من «تعدلوا» ، إما من العدل فيكون التقدير كراهية أن تعدلوا وإما من العدول فيكون التقدير: بغية أن أن تعدلوا (وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) الواو عاطفة وإن شرطية، تلووا فعل الشرط، أو تعرضوا عطف عليه، وجواب الشرط محذوف دلت عليه الفاء الرابطة، والتقدير يعاقبكم، وإن واسمها، وجملة كان خبرها وبما تعملون متعلقان ب «خبيرا» ، وجملة تعملون لا محل لها لأنها صلة الموصول، وخبيرا خبر «كان» والجملة كلها تعليل لما تقدم لا محل لها. الفوائد: ١- اختلف النحاة في عود الضمير في قوله: «بهما» ، والقاعدة أنه إذا عطفت ب «أو» كان الحكم في عود الضمير أو الاخبار وغيرهما لأحد الشيئين أو الأشياء، فتقول: زيد أو عمرو أكرمته، ولا يقال: أكرمتهما، وعلى هذا يرد الاعتراض الآتي: كيف ثنى الضمير في قوله «بهما» والعطف ب «أو» ؟ وتقرير الجواب يتلخص فيما يلي:

стр. 912

أ- إن الضمير في «بهما» ليس عائدا على الغني والفقير المذكورين، بل على جنس الغني والفقير، والجنس واحد. ب- إن «أو» ليست للتخيير بل للتفصيل، وهذا ما جنح اليه أبو البقاء، فقال ما معناه: إن كل واحد من المشهود له والمشهود عليه يجوز أن يكون غنيا وأن يكون فقيرا، وقد يكونان غنيين وقد يكونان فقيرين، فلما كانت الأقسام عند التفصيل على ذلك، ولم تذكر، أتى ب «أو» لتدل على التفصيل، فعلى هذا يكون الضمير في «بهما» عائدا على المشهود له والمشهود عليه. على أيّ وصف كانا عليه. عبارة ابن جرير: أما ابن جرير فقال: أريد: فالله أولى بغنى الغنيّ وفقر الفقير، لأن ذلك منه لا من غيره، فلذلك قال: «بهما» ولم يقل «به» . وقال آخرون: أو بمعنى الواو في هذا الموضع. ٢- كثر حذف «كان» واسمها بعد «إن» و «لو» الشرطيتين. لأن «إن» أمّ الأدوات الجازمة، و «لو» أم الأدوات غير الجازمة، كما أن «كان» أمّ بابها. وهم يتوسّعون في الأمهات ما لم يتوسعوا في غيرها. ومن أمثلة حذف كان واسمها بعد إن في الشعر قول النعمان بن المنذر: قد قيل ما قيل إن صدقا وإن كذبا ... فما اعتذارك من قول إذا قيلا أي: إن كان المقول صدقا وإن كان المقول كذبا. ومن أمثلة حذفها مع اسمها بعد «لو» قول الآخر:

стр. 913

لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا ... جنوده ضاق عنها السهل والجبل أي: ولو كان الباغي ملكا. [سورة النساء (٤) : آية ١٣٦] يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً (١٣٦) الإعراب: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم إعرابها (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلى رَسُولِهِ) كلام مستأنف مسوق للأمر بالثبات على الايمان. وآمنوا فعل أمر والواو فاعل، وبالله متعلقان بآمنوا، ورسوله عطف على الله، والكتاب عطف أيضا، والذي صفة للكتاب، وجملة نزل على رسوله صلة الموصول (وَالْكِتابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) والكتاب عطف أيضا، أي جنس الكتاب، فالمراد الكتب المنزّلة، والذي صفة وجملة أنزل صلة الموصول ومن حرف جر، وقبل ظرف مبني على الضم لانقطاعه عن الاضافة لفظا لا معنى، والجار والمجرور متعلقان بأنزل (وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الواو استئنافية ومن اسم شرط جازم مبتدأ ويكفر فعل الشرط، وبالله متعلقان بيكفر،

стр. 914

وما بعده عطف عليه (فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيداً) فقد الفاء رابطة لجواب الشرط، وقد حرف تحقيق، وضل فعل ماض وضلالا مفعول مطلق، وبعيدا صفة. والجملة في محل جزم جواب الشرط، وجملة فعل الشرط وجوابه في محل رفع خبر «من» . [سورة النساء (٤) : آية ١٣٧] إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧) الإعراب: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً) كلام مستأنف مسوق لوصف ترجح اليهود والمنافقين في مهاوي الفتن والقلق. وإن واسمها، وجملة آمنوا صلة، وكرر العطف تبيانا لمآلهم وصيرورتهم وترجحهم بين الكفر والايمان، وكفرا تمييز (لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا) الجملة خبر إنّ، ولم حرف نفي وقلب وجزم، ويكن فعل مضارع ناقص، والله اسمها وليغفر اللام لام الجحود، ويغفر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعدها، والجار والمجرور- لام الجحود والمصدر المؤول- متعلقان بمحذوف خبر يكن، أي: مريدا ليغفر لهم، والجار والمجرور «لهم» متعلقان بيغفر ولا ليهديهم عطف على ما تقدم وسبيلا مفعول به ثان ليهديهم، أو منصوب بنزع الخافض، والجار والمجرور متعلقان بيهديهم. [سورة النساء (٤) : الآيات ١٣٨ الى ١٤٠] بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكافِرِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً (١٣٩) وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً (١٤٠)

стр. 915

اللغة: (بَشِّرِ) البشارة: الخبر السارّ، وسمي الخبر السار بشارة لأنه يظهر سرورا في البشرة، أي ظاهر الجلد. وسيأتي مزيد منه في باب البلاغة. (العزة) : معروفة، وأصلها في اللغة: الشدة. ومنه قيل للارض الصلبة الشديدة عزاز بفتح العين، وقيل: قد استعزّ على المريض: إذا اشتد، ومنه قيل: عزّ عليّ أن يكون كذا وكذا أي: اشتدّ. الإعراب: (بَشِّرِ الْمُنافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذاباً أَلِيماً) كلام مستأنف مسوق للتنديد بالمنافقين. وبشر المنافقين فعل أمر وفاعل مستتر ومفعول به، والباء
следующие страницы →