Полный текст (3 205 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ الْبَذْرَ وَالْأَرْضَ وَاسْتَعَانَ بِهِ فِي عَمَلِ الزِّرَاعَةِ أَوْ اسْتَأْجَرَهُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ اسْتَعَارَ الْأَوَّلُ مِنْ غَيْرِهِ فَالْخَارِجُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ وَلَوْ كَانَ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ دَفَعَ الْأَرْضَ إلَى غَيْرِهِ عَارِيَّةً لِيَزْرَعَهَا لِنَفْسِهِ كَانَتْ الْإِعَارَةُ جَائِزَةً وَإِذَا زَرَعَهَا الْمُسْتَعِيرُ سَلَّمَ الْخَارِجَ لَهُ وَيَغْرَمُ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرَ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مِنْهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ وَلَمْ يُسَلِّمْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَمَا إذَا لَمْ يُعِرْ الْأَرْضَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَزْرَعْ بِنَفْسِهِ أَوْ أَعَارَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَزْرَعْهَا الْمُسْتَعِيرُ فَإِنَّهُ لَا يَغْرَمُ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا يَزْرَعُهَا سَنَتَهُ هَذِهِ بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِك أَوْ لَمْ يَقُلْ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ وَبَذْرًا مَعَهَا إلَى رَجُلٍ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ فَهُوَ جَائِزٌ ثُمَّ إذَا حَصَلَ الْخَارِجُ هُنَا فَنِصْفُهُ لِلْآخَرِ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ كَمَا أَوْجَبَهُ لَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ وَنِصْفُهُ لِرَبِّ الْأَرْضِ بِإِزَاءِ مَنْفَعَةِ أَرْضِهِ كَمَا شَرَطَ لَهُ صَاحِبُ الْبَذْرِ وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَلَوْ كَانَ شَرَطَ لِلْمُزَارِعِ الْآخَرِ ثُلُثَ الْخَارِجِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ جَمِيعًا جَازَ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثُ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ النِّصْفُ وَلِلْأَوَّلِ السُّدُسُ طَيِّبٌ لَهُ وَلَوْ دَفَعَ إلَى الْأَوَّلِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَدَفَعَهَا الْأَوَّلُ إلَى الْآخَرِ عَلَى أَنْ يَعْمَلَهَا بِبَذْرِهِ عَلَى أَنَّ لِلْآخَرِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ وَلِلْأَوَّلِ الثُّلُثَ فَعَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ فَثُلُثَا الْخَارِجِ لِلْآخَرِ لِأَنَّ الْخَارِجَ نَمَاءُ بَذْرِهِ فَلَا يَسْتَحِقُّ الْغَيْرُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ إلَّا بِالشَّرْطِ وَإِنَّمَا شَرَطَ لِلْأَوَّلِ ثُلُثَ الْخَارِجِ ثُمَّ هَذَا الثُّلُثُ يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِ ثُلُثِ أَرْضِهِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْأَوَّلِ كَانَ ثُلُثَا الْخَارِجِ لِلْآخَرِ كَمَا أَوْجَبَهُ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ وَالثُّلُثُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ ثُلُثِ أَرْضِهِ عَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ تَوْلِيَةِ الْمُزَارِعِ وَمُشَارَكَتِهِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ لِلْمُزَارِعِ مِنْ الْخَارِجِ عِشْرِينَ قَفِيزًا وَلِرَبِّ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك فِيهِ أَوْ لَمْ يَقُلْ فَدَفَعَ الْمُزَارِعُ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ إلَى رَجُلٍ بِالنِّصْفِ مُزَارَعَةً فَعَمِلَ فَالْخَارِجُ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلِلْآخَرِ عَلَى الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَلِلْأَوَّلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ بِرَأْيِك أَوْ لَمْ يَقُلْ فَدَفَعَهَا إلَى آخَرَ مُزَارَعَةً عَلَى أَنَّ لِلْآخَرِ مِنْهُ عِشْرِينَ قَفِيزًا فَالْمُزَارَعَةُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي فَاسِدَةٌ وَلِلثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَالْخَارِجُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ نِصْفَانِ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِعِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ وَالْبَاقِي لِلْمُزَارِعِ أَوْ كَانَ شَرَطَ أَقْفِزَةً لِلْمُزَارِعِ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْأَرْضِ فَدَفَعَهَا الْمُزَارِعُ إلَى آخَرَ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَالْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ الْأَوَّلِ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ فَعَمِلَ فَالْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعَيْنِ نِصْفَانِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ عَلَى الْأَوَّلِ وَلَوْ لَمْ يَعْمَلْ الْآخَرُ فِي الْأَرْضِ بَعْدَمَا تَعَاقَدَا الْمُزَارَعَةَ حَتَّى أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَخْذَ الْأَرْضِ وَنَقْضَ مَا تَعَاقَدَا عَلَيْهِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي مِنْ عِنْدِ الْآخَرِ يُنْقَضُ الْعَقْدُ الثَّانِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ لِاسْتِحْقَاقِ نَقْضِ الْعَقْدِ الْأَوَّلِ بِسَبَبِ الْفَسَادِ وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ الْأَوَّلِ يُنْقَضُ اسْتِئْجَارُ الْأَوَّلِ الثَّانِي لِفَسَادِ الْعَقْدِ أَيْضًا فَإِنْ كَانَ الْآخَرُ قَدْ زَرَعَ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَخْذُ أَرْضِهِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ دَفَعَهَا إلَى الْأَوَّلِ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَقَالَ لَهُ: اعْمَلْ فِيهَا بِرَأْيِك أَوْ لَمْ يَقُلْ فَدَفَعَهَا الْأَوَّلُ وَبَذْرًا مَعَهَا إلَى الثَّانِي مُزَارَعَةً بِعِشْرِينَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ فَالْعَقْدُ الثَّانِي فَاسِدٌ وَلِلْآخَرِ عَلَى الْأَوَّلِ أَجْرُ عَمَلِهِ وَالْخَارِجُ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَبَيْنَ الْأَوَّلِ نِصْفَانِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْآخَرِ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ وَعَلَيْهِ لِلْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ وَعَلَى الْأَوَّلِ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ مُشَارَكَةِ الْعَامِلِ مَعَ آخَرَ.
دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ لِيَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِمَا جَمِيعًا وَالْبَقَرُ مِنْ عِنْدِ الْأَكَّارِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَشَارَكَ الْأَكَّارُ فِي نَصِيبِهِ رَجُلًا فَعَمِلَ مَعَهُ فَالْمُزَارَعَةُ وَالشَّرِكَةُ فَاسِدَتَانِ وَالزَّرْعُ بَيْنَ الدَّافِعِ وَالْمَدْفُوعِ إلَيْهِ عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا وَلِصَاحِبِ الْبَذْرِ عَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ وَعَلَى الْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ أَيْضًا لِلْعَامِلِ الثَّانِي أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ لِأَنَّهُ عَمِلَ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ وَلَيْسَ.
стр. 2487
لِلْمُزَارِعِ الْأَوَّلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ الْعَمَلِ لِأَنَّهُ عَمِلَ فِيمَا هُوَ شَرِيكٌ فِيهِ فَلَا يَسْتَوْجِبُ بِذَلِكَ أَجْرًا وَيَتَصَدَّقُ الْمُزَارِعُ الْأَوَّلُ بِفَضْلِ نَفَقَتِهِ وَبَذْرِهِ وَمَا غَرِمَ لِأَنَّهُ فَضْلُ زَرْعٍ خَرَجَ لَهُ مِنْ أَرْضِ غَيْرِهِ بِإِجَارَةٍ فَاسِدَةٍ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
دَفَعَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَرْضَهُ إلَيْهِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَبَقَرِهِ مَعَ هَذَا الرَّجُلِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ شَيْءٍ فَثُلُثُهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَثُلُثُهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْبَقَرِ وَثُلُثُهُ لِذَلِكَ الْعَامِلِ وَهَذَا صَحِيحٌ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَاسِدٌ فِي حَقِّ الْعَامِلِ الثَّانِي فَيَكُونُ ثُلُثُ الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ وَلِلْعَامِلِ الثَّانِي أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ وَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَفْسُدَ الْمُزَارَعَةُ فِي حَقِّ الْكُلِّ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ الْعَامِلُ الْأَوَّلُ جَمَعَ بَيْنَ اسْتِئْجَارِ الْأَرْضِ وَالْعَامِلِ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ فِي حَقِّ الْكُلِّ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمْ عَلَى الشَّرْطِ كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْمُزَارَعَةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُعَامَلَةُ]
(الْبَابُ السَّادِسُ فِي الْمُزَارَعَةِ الَّتِي تُشْتَرَطُ فِيهَا الْمُعَامَلَةُ) الْمُعَامَلَةُ إذَا شُرِطَتْ فِي الْمُزَارَعَةِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ مَعْطُوفَةً عَلَى الْمُزَارَعَةِ جَازَتْ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ وَإِذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ مُزَارَعَةً وَفِيهَا نَخِيلٌ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّ فِي حَقِّ الْأَرْضِ الْعَامِلَ مُسْتَأْجِرٌ لَهَا بِنِصْفِ الْخَارِجِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَفِي حَقِّ النَّخِيلِ رَبُّ النَّخِيلِ مُسْتَأْجِرٌ لَهُ بِنِصْفِ الْخَارِجِ فَهُمَا عَقْدَانِ مُخْتَلِفَانِ لِاخْتِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَفِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَقَدْ جَاءَ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ وَذَلِكَ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ ثُمَّ الْخَارِجُ مِنْ الْأَرْضِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَيَتَصَدَّقُ الْمُزَارِعُ بِالْفَضْلِ لِأَنَّهُ رَبَّى زَرْعَهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَالْخَارِجُ مِنْ الْعَمَلِ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ وَلِلْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ فِيمَا عَمِلَ فِي النَّخِيلِ وَيَطِيبُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ وَلَوْ كَانَ الشَّرْطُ بَيْنَهُمَا فِي النَّخِيلِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ أَوْ فِي الزَّرْعِ عَلَى الثُّلُثِ وَالثُّلُثَيْنِ.
فَالْجَوَابُ وَاحِدٌ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ الْعَقْدُ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ لِيَعْمَلَ فِي أَرْضِهِ وَنَخْلِهِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ فِيهِمَا وَاحِدًا لِاتِّحَادِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ مَنْفَعَةُ الْعَامِلِ وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَطَ عَلَى الْعَامِلِ فِي النَّخِيلِ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الثِّمَارِ وَفِي الزَّرْعِ النِّصْفَ لِأَنَّ الْعَقْدَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ مِقْدَارِ الْبَذْرِ الْمَشْرُوطِ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَكَرْمًا عَلَى نَحْوِ هَذَا كَانَ الْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي النَّخْلِ وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا بَيْضَاءَ فِيهَا نَخِيلٌ فَقَالَ: أَدْفَعُ إلَيْك هَذِهِ الْأَرْضَ تَزْرَعُهَا بِبَذْرِك وَعَمَلِك عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ مِنْ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَك نِصْفَانِ وَأَدْفَعُ إلَيْك مَا فِيهَا مِنْ النَّخْلِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ وَتَسْقِيَهُ وَتُلَقِّحَهُ فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ أَوْ قَالَ: لَك مِنْهُ الثُّلُثُ وَلِي الثُّلُثَانِ وَقَدْ وَقَّتَا لِذَلِكَ سِنِينَ مَعْلُومَةً فَهُوَ جَائِزٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ هَاهُنَا شَرْطًا فِي الْآخَرِ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَعْطُوفًا وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَكَرْمًا وَقَالَ: ازْرَعْ هَذِهِ الْأَرْضَ بِبَذْرِك وَقُمْ عَلَى هَذَا الْكَرْمِ فَاكْسَحْهُ وَاسْقِهِ فَهَذَا عَقْدٌ صَحِيحٌ لِأَنَّهُ مَا شَرَطَ أَحَدَ الْعَقْدَيْنِ فِي الْآخَرِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْخِلَافِ فِي الْمُزَارَعَةِ]
(الْبَابُ السَّابِعُ فِي الْخِلَافِ فِي الْمُزَارَعَةِ) إذَا دَفَعَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ غَيْرَ الْحِنْطَةِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَهْوَنَ عَلَى الْأَرْضِ وَأَقَلَّ ضَرَرًا بِالْأَرْضِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَكَذَا لَوْ قَالَ: خُذْ هَذِهِ الْأَرْضَ تَزْرَعُهَا حِنْطَةً أَوْ لِتَزْرَعَهَا حِنْطَةً أَوْ قَالَ: فَازْرَعْهَا حِنْطَةً بِالْفَاءِ فَهَذَا كُلُّهُ شَرْطٌ حَتَّى لَوْ زَرَعَ غَيْرَ الْحِنْطَةِ يَصِيرُ مُخَالِفًا كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ وَلَوْ قَالَ: وَازْرَعْهَا حِنْطَةً بِالْوَاوِ هَلْ يَكُونُ شَرْطًا أَوْ يَكُونُ مَشُورَةً لَمْ يَذْكُرْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي الْمُزَارَعَةِ وَذَكَرَ فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ مُضَارَبَةً وَقَالَ: خُذْ هَذَا الْأَلْفَ مُضَارَبَةً بِالنِّصْفِ وَاعْمَلْ بِهِ.
стр. 2488
فِي الْكُوفَةِ فَهَذَا مَشُورَةٌ حَتَّى لَوْ عَمِلَ بِهِ فِي غَيْرِ الْكُوفَةِ لَا يَصِيرُ مُخَالِفًا فَمِنْ مَشَايِخِنَا رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ قَالَ: يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ فِي الْمُزَارَعَةِ كَذَلِكَ وَكَانَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ يَقُولُ: يُعْتَبَرُ هَذَا شَرْطًا فِي الْمُزَارَعَةِ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ شَرْطًا كَانَ هَذَا بَيَانًا لِنَوْعِ الْبَذْرِ فَتَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَشُورَةً لَا يَكُونُ بَيَانًا لِنَوْعِ الْبَذْرِ فَلَا تَجُوزُ الْمُزَارَعَةُ قِيَاسًا بِخِلَافِ الْمُضَارَبَةِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
مُزَارِعٌ سَنَةً زَرَعَ الْأَرْضَ فَأَكَلَهُ الْجَرَادُ أَوْ أَكَلَ أَكْثَرَهُ وَبَقِيَ شَيْءٌ قَلِيلٌ فَأَرَادَ الْمُزَارِعُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا شَيْئًا آخَرَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْمُدَّةِ فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ قَالُوا: يُنْظَرُ إنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُمَا أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا نَوْعًا مُعَيَّنًا لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ غَيْرَ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ عَامَّةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَ مَا شَاءَ أَوْ مُطْلَقَةً كَانَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيمَا بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا شَاءَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعِنْدِي وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُمَا فِي نَوْعٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ فِيهَا مَا هُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ أَوْ دُونَهُ فِي الضَّرَرِ بِالْأَرْضِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّامِن فِي الزِّيَادَة وَالْحَطّ مِنْ رَبّ الْأَرْض وَالنَّخِيل وَالْمَزَارِع وَالْعَامِل]
(الْبَابُ الثَّامِن فِي الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالنَّخِيلِ وَالْمُزَارِعِ وَالْعَامِلِ) أَصْلُهُ إنْ كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ بِحَالٍ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْمُزَارَعَةِ عَلَيْهِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ وَإِنْ كَانَ بِحَالٍ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْعَقْدِ عَلَيْهِ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْبَدَلِ مُعْتَبَرَةٌ بِالْأَصْلِ وَالْأَصْلُ يَقْتَضِي مَعْقُودًا عَلَيْهِ لِيَكُونَ بِإِزَائِهِ وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ تَقْتَضِي مَعْقُودًا عَلَيْهِ لِتُجْعَلَ بِإِزَائِهِ وَالْحَطُّ جَائِزٌ فِي الْحَالَيْنِ لِأَنَّهُ إسْقَاطُ بَعْضِ الْبَدَلِ فَيَسْتَدْعِي قِيَامَ الْبَدَلِ لَا قِيَامَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَإِذَا زَادَ أَحَدُهُمَا فِي الْخَارِجِ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ وَتَنَاهَى عِظَمُ الْبُسْرِ جَازَ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ابْتِدَاءُ عَقْدِ الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْخَارِجِ مَا دَامَ فِي حَدِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ فَتَجُوزُ الزِّيَادَةُ فِيهِ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ بَعْدِهِ لَا تَجُوزُ مِنْ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَالنَّخْلِ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ وَتَجُوزُ مِمَّنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ مِنْ صَاحِبِ الْبَذْرِ فِي حَالٍ لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءُ الْمُزَارَعَةِ عَلَى الْخَارِجِ فَلَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُ زِيَادَةٍ فِي الْبَدَلِ لِفَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَهُوَ الْمَنَافِعُ وَلَا يُمْكِنُ تَجْوِيزُهَا بِطَرِيقِ الْحَطِّ لِأَنَّ صَاحِبَ الْبَذْرِ مُسْتَأْجِرٌ وَالْمُسْتَأْجِرُ مُشْتَرٍ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَا يُمْكِنُ تَجْوِيزُهَا حَطًّا لِأَنَّ الثَّمَنَ عَلَيْهِ لَا لَهُ فَكَذَا هُنَا الْخَارِجُ فَلَا يُمْكِنُ حَطُّهُ فَأَمَّا مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ مُؤَاجِرٌ وَالْمُؤَاجِرُ يُتَصَوَّرُ مِنْهُ حَطُّ الْأُجْرَةِ فَتُجْعَلُ الزِّيَادَةُ مِنْهُ فِي الْخَارِجِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ حَطًّا مِنْهُ عَنْ بَعْضِ الْأَجْرِ وَالْحَطُّ جَائِزٌ حَالَ فَوَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَالزَّرْعُ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَقْتَ الْحَطِّ وَحَطُّ الْأَعْيَانِ لَا يَصِحُّ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَيْنًا وَقْتَ الْعَقْدِ فَصَحَّ الْحَطُّ وَصَارَ الْمَحْطُوطُ مِلْكًا لِمَنْ وَقَعَ الْحَطُّ لَهُ كَالْبَائِعِ إذَا قَبَضَ الثَّمَنَ ثُمَّ أَبْرَأَهُ الْمُشْتَرِي عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ صَحَّ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا وَقْتَ الْحَطِّ كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
إذَا تَعَاقَدَ الرَّجُلَانِ مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ وَعَمِلَ فِيهَا الْعَامِلُ حَتَّى حَصَلَ الْخَارِجُ ثُمَّ زَادَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مِنْ نَصِيبِهِ السُّدُسَ وَحَصَلَ لَهُ الثُّلُثَانِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ الْآخَرُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ وَلَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُ الْبُسْرِ جَازَ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ وَتَنَاهَى عِظَمُ الْبُسْرِ فَإِنْ كَانَ الزَّائِدُ صَاحِبَ الْأَرْضِ وَصَاحِبَ النَّخْلِ فِي الْمُعَامَلَةِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ هُوَ الزَّائِدُ فَهُوَ جَائِزٌ وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ الَّذِي لَا بَذْرَ مِنْ قِبَلِهِ هُوَ الَّذِي زَادَ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَإِذَا اشْتَرَطَا الْخَارِجَ فِي الْمُعَامَلَةِ وَالْمُزَارَعَةِ نِصْفَيْنِ فَاشْتَرَطَا لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ عِشْرِينَ دِرْهَمًا فَسَدَتْ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُعَامَلَةُ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ أَوْ الشَّرْطُ ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَلِصَاحِبِ النَّخِيلِ فِي الْمُعَامَلَةِ وَكَذَلِكَ لَوْ زَادَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ عِشْرِينَ قَفِيزًا كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب التَّاسِع مَاتَ رَبّ الْأَرْض أَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّة وَالزَّرْع بَقْلٌ أَوْ الْخَارِجُ بُسْرٌ]
(الْبَابُ التَّاسِعُ فِيمَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ أَوْ انْقَضَتْ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ أَوْ الْخَارِجُ بُسْرٌ وَمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنْ مَوْتِ الْمُزَارِعِ أَوْ الْعَامِلِ أَوْ مَوْتِهِ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ)
(وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْبَابِ بَعْضُ مَسَائِلِ النَّفَقَةِ عَلَى الزَّرْعِ)
стр. 2489
إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مُزَارَعَةً وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَمَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا نَبَتَ الزَّرْعُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ فَالْقِيَاسُ أَنْ تُنْقَضَ الْمُزَارَعَةُ وَلِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذُوا أَرْضَهُمْ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَبْقَى الْعَقْدُ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَلَا يُثْبِتُ إجَارَةً مُبْتَدَأَةً وَكَانَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ خِيَارَاتٌ ثَلَاثَةٌ إنْ شَاءُوا قَلَعُوا الزَّرْعَ.
وَيَكُونُ الْمَقْلُوعُ بَيْنَهُمْ وَإِنْ شَاءُوا أَنْفَقُوا عَلَى الزَّرْعِ بِأَمْرِ الْقَاضِي حَتَّى يَرْجِعُوا عَلَى الْمُزَارِعِ بِجَمِيعِ النَّفَقَةِ مُقَدَّرًا بِالْحِصَّةِ وَإِنْ شَاءُوا غَرِمُوا حِصَّةَ الْمُزَارِعِ مِنْ الزَّرْعِ وَالزَّرْعُ لَهُمْ هَذَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَأَمَّا إذَا مَاتَ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ وَلَكِنْ بَعْدَمَا عَمِلَ الْمُزَارِعُ فِي الْأَرْضِ بِأَنْ كَرِبَ الْأَرْضَ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ وَسَوَّى الْمُسَنَّاةَ انْتَقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلَا تَبْقَى صِيَانَةً لِحَقِّهِ فِي الْأَعْمَالِ وَأَمَّا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ قَبْلَ النَّبَاتِ هَلْ تَبْقَى الْمُزَارَعَةُ؟ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَلَوْ لَمْ يَمُتْ رَبُّ الْأَرْضِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَكِنَّ الْمُزَارِعَ قَدْ كَانَ أَخَّرَ الزِّرَاعَةَ فَزَرَعَ فِي آخِرِ السَّنَةِ وَانْقَضَتْ السَّنَةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ الزَّرْعَ وَأَبَى الْمُزَارِعُ لَا يَتَمَكَّنُ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ الْقَلْعِ وَيَثْبُتُ بَيْنَهُمَا إجَارَةً فِي نِصْفِ الزَّرْعِ حُكْمًا إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ صِيَانَةً لِحَقِّ الْمُزَارِعِ فِي الزَّرْعِ حَتَّى يَغْرَمَ الْمُزَارِعُ نِصْفَ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَفِيمَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي وَسَطَ الْمُدَّةِ وَقَالَ الْمُزَارِعُ: لَا أَقْلَعُ الزَّرْعَ لَا يَثْبُتُ إجَارَةً مُبْتَدَأَةً بَلْ يَبْقَى عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ حَتَّى لَا يَغْرَمَ الْمُزَارِعُ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ شَيْئًا وَالْعَمَلُ عَلَيْهِمَا نِصْفَانِ حَتَّى يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي وَسَطِ السَّنَةِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَإِنَّ جَمِيعَ الْعَمَلِ عَلَى الْمُزَارِعِ حَتَّى لَا يَقْلَعَ الزَّرْعَ.
وَإِنَّمَا يَغْرَمُ الْمُزَارِعُ أَجْرَ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ وَهَذَا إذَا لَمْ يُرِدْ الْمُزَارِعُ الْقَلْعَ فَإِنْ أَرَادَ الْقَلْعَ كَانَ لِرَبِّ الْأَرْضِ خِيَارَاتٌ ثَلَاثَةٌ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَفِي حَقِّ وَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَفَرَّقَ بَيْنَ مَا إذَا مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ فِي وَسَطِ الْمُدَّةِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ وَبَيْنَ مَا إذَا انْتَهَتْ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَقَالَ فِي فَصْلِ الْمَوْتِ: إذَا أَنْفَقَ وَرَثَةُ رَبِّ الْأَرْضِ بِأَمْرِ الْقَاضِي عَلَى الزَّرْعِ رَجَعُوا عَلَى الْمُزَارِعِ بِجَمِيعِ النَّفَقَةِ مُقَدَّرًا بِالْحِصَّةِ وَفِي فَصْلِ انْتِهَاءِ الْمُدَّةِ قَالَ: إذَا أَنْفَقَ رَبُّ الْأَرْضِ عَلَى الزَّرْعِ بِأَمْرِ الْقَاضِي رَجَعَ عَلَى الْمُزَارِعِ بِنِصْفِ الْقِيمَةِ مُقَدَّرًا بِالْحِصَّةِ وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُعَامَلَةِ وَالثَّمَرُ لَمْ يُدْرَكْ بَعْدُ وَأَبَى الْعَامِلُ الصَّرْمَ فَإِنَّهُ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ بِغَيْرِ إجَارَةٍ بِخِلَافِ مَا إذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُزَارَعَةِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَإِنَّهُ تُتْرَكُ الْأَرْضُ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ بِأَجْرٍ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَزَرَعَ الْأَرْضَ ثُمَّ مَاتَ الْمُزَارِعُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَحْصِدَ فَقَالَ وَرَثَتُهُ: نَحْنُ نَعْمَلُ فِيهَا عَلَى حَالِهَا فَلَهُمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَ الْمُوَرِّثِ وَلَا أَجْرَ لَهُمْ فِي الْعَمَلِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ قَالُوا لَا نَعْمَلُ لَا يُجْبَرُونَ وَيُقَالُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ اقْلَعْ الزَّرْعَ فَيَكُونُ بَيْنَك وَبَيْنَهُمْ نِصْفَيْنِ أَوْ: أَعْطِهِمْ قِيمَةَ حِصَّتِهِمْ مِنْ الزَّرْعِ أَوْ أَنْفِقْ عَلَى حِصَّتِهِمْ وَتَكُونُ نَفَقَتُك فِي حِصَّتِهِمْ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ فَلَمَّا صَارَ الزَّرْعُ بَقْلًا انْقَضَى وَقْتُ الزِّرَاعَةِ فَأَيُّهُمَا أَنْفَقَ وَالْآخَرُ غَائِبٌ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِي النَّفَقَةِ وَلَا أَجْرَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ وَإِذَا رَفَعَ الْعَامِلُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي وَصَاحِبُ الْأَرْضِ غَائِبٌ فَإِنَّهُ يُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَى وَإِذَا تَأَخَّرَ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ وَخِيفَ الْفَسَادُ عَلَى الزَّرْعِ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقُولُ لَهُ: أَمَرْتُك بِالْإِنْفَاقِ إنْ كُنْت صَادِقًا فَالنَّظَرُ بِهَذَا يَحْصُلُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ صَادِقًا كَانَ الْأَمْرُ مِنْ الْقَاضِي فِي مَوْضِعِهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا لَمْ يَثْبُتْ حُكْمُ الْأَمْرِ وَيَجْعَلُ الْقَاضِي عَلَيْهِ أَجْرَ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَزَرَعَهَا وَلَمْ يَسْتَحْصِدْ حَتَّى هَرَبَ الْعَامِلُ فَأَنْفَقَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بِأَمْرِ الْقَاضِي عَلَى الزَّرْعِ حَتَّى اسْتَحْصَدَ ثُمَّ قَدِمَ الْمُزَارِعُ فَلَا سَبِيلَ لَهُ عَلَى الزَّرْعِ حَتَّى يُوفِيَ صَاحِبَ الْأَرْضِ جَمِيعَ نَفَقَتِهِ وَلَا يَقُولُ الْقَاضِي وَلَا يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ حَتَّى يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عِنْدَهُ عَلَى مَا يَقُولُ لِأَنَّهُ يَدَّعِي ثُبُوتَ وِلَايَةِ النَّظَرِ لِلْقَاضِي فِي الْأَمْرِ بِالْإِنْفَاقِ عَلَى هَذَا الزَّرْعِ وَلَا يَعْرِفُ الْقَاضِي سَبَبَهُ فَيُكَلِّفُهُ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ وَيَقْبَلُ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ مِنْهُ لِيَكْشِفَ الْحَالَ بِغَيْرِ خَصْمٍ أَوْ يَكُونُ الْقَاضِي فِيهِ خَصْمَهُ كَمَا يَكُونُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَدِيعَةِ وَاللُّقَطَةِ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ كَانَ
стр. 2490
أَمْرُ الْقَاضِي إيَّاهُ بِالْإِنْفَاقِ كَأَمْرِ الْمُودِعِ لَوْ كَانَ حَاضِرًا فَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقَ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ النَّفَقَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى عِلْمِهِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ لَمْ يَهْرُبْ وَلَكِنَّهُ انْقَضَى وَقْتُ الْمُزَارَعَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ وَالْمُزَارِعُ غَائِبٌ فَإِنَّ الْقَاضِي يَقُولُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ: أَنْفِقْ عَلَيْهِ إنْ شِئْت فَإِذَا اسْتَحْصَدَ لَمْ يَصِلْ الْعَامِلُ إلَى الزَّرْعِ حَتَّى يُعْطِيَك النَّفَقَةَ فَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَك النَّفَقَةَ أَبِيعُ حِصَّتَهُ مِنْ الزَّرْعِ وَأُعْطِيكَ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ فَإِنْ لَمْ تَفِ بِذَلِكَ حِصَّتُهُ فَلَا شَيْءَ لَك عَلَيْهِ فَإِنْ أَبَى أَنْ يُعْطِيَهُ النَّفَقَةَ بَاعَ الْقَاضِي حِصَّتَهُ قِيلَ هَذَا بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمَا فَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَبِيعُ الْقَاضِي حِصَّتَهُ مِنْ ذَلِكَ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ قَوْلُهُمْ جَمِيعًا وَلَا يَتَصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ مِنْ الزَّرْعِ الَّذِي صَارَ لَهُ أَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ خَبَثٌ وَلَا فَسَادٌ فِي السَّبَبِ الَّذِي بِهِ سَلَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ الزَّرْعِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُزَارَعَةِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ وَغَابَ أَحَدُهُمَا فَإِنْ كَانَ الْغَائِبُ رَبَّ الْأَرْضِ فَرَفَعَ الْمُزَارِعُ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي لِيَأْمُرَهُ بِالْإِنْفَاقِ فَالْقَاضِي لَا يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ مَا لَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى دَعْوَاهُ أَنَّ الزَّرْعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغَائِبِ فَإِذَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ حِينَئِذٍ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ وَلَيْسَ سَمَاعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ لِلْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ لَوْ حَضَرَ وَأَنْكَرَ الشَّرِكَةَ وَقَالَ: الْأَرْضُ وَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِي وَقَدْ غَصَبَهَا مِنِّي لَا يَكُونُ لَهُ حَقُّ الرُّجُوعِ بِالنَّفَقَةِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مَا لَمْ يُعِدْ الْبَيِّنَةَ أَنَّ الزَّرْعَ كَانَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا سَمَاعُ هَذِهِ الْبَيِّنَةِ لِإِيجَابِ الْحِفْظِ عَلَى الْقَاضِي لِأَنَّ الْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَى يُرِيدُ بِهِ إيجَابَ الْحِفْظِ عَلَى الْقَاضِي؛ لِأَنَّ حِفْظَ مَالِ الْغَائِبِ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي فَكَانَ لِلْقَاضِي أَنْ لَا يَلْتَزِمَ ذَلِكَ بِمَجْرَدِ دَعْوَى الْمُدَّعِي بِدُونِ الْبَيِّنَةِ فَقَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ إنْ شَاءَ أَمَرَهُ بِالْإِنْفَاقِ مُقَيَّدًا بِأَنْ يَقُولَ لَهُ أَنْفِقْ إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْت وَبَعْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ مُطْلَقًا حَتْمًا فَيَقُولُ لَهُ: أَنْفِقْ وَإِنْ خَافَ الْقَاضِي الْهَلَاكَ عَلَى الزَّرْعِ قَبْلَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُهُ بِالْإِنْفَاقِ مُقَيَّدًا عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا وَتَقْدِيرُ قَوْلِ الْقَاضِي لَهُ أَنْفِقْ إنْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا وَصَفْت إنْ كَانَ الزَّرْعُ مُشْتَرَكًا بَيْنَك وَبَيْنَ فُلَانٍ فَقَدْ أَمَرْتُك بِالْإِنْفَاقِ عَلَى أَنَّ لَك الرُّجُوعَ بِالنَّفَقَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَرَكًا وَقَدْ غَصَبْتَهَا مَزْرُوعَةً فَلَا رُجُوعَ لَك وَإِنْ أَمَرْتُك بِالْإِنْفَاقِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ وَلَوْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَا يَجِبُ عَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ وَكَذَا لَوْ حَضَرَ الْغَائِبُ وَأَبَى أَنْ يُنْفِقَ وَلَوْ غَابَ الْمُزَارِعُ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ يُنْفِقُ الْحَاضِرُ بِأَمْرِ الْقَاضِي وَيَرْجِعُ بِجَمِيعِ مَا أَنْفَقَ عَلَى الْغَائِبِ هَلَكَ الزَّرْعُ أَوْ بَقِيَ وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَامِلُ مُعْسِرًا لَيْسَ لَهُ مَا يُنْفِقُ فَالْجَوَابُ مَا ذَكَرْنَا وَلَوْ أَنْفَقَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي كَانَ مُتَبَرِّعًا وَلَوْ كَانَ مُوسِرًا يُجْبَرُ عَلَى الْإِنْفَاقِ كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُزَارَعَةِ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ الزَّرْعَ وَأَبَى الْمُزَارِعُ فَإِنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِلْمُزَارِعِ مِنْ الْخِيَارَاتِ مَا ثَبَتَ لِرَبِّ الْأَرْضِ حَتَّى أَنَّ الْمُزَارِعَ لَوْ قَالَ: أَنَا أُعْطِي قِيمَةَ حِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِضَا رَبِّ الْأَرْضِ وَلَوْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ الْقَلْعَ فَلِرَبِّ الْأَرْضِ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ رِضَا الْمُزَارِعِ وَالْفَرْقُ أَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ صَاحِبُ أَصْلٍ وَالْمُزَارِعَ صَاحِبُ تَبَعٍ وَلِصَاحِبِ الْأَصْلِ أَنْ يَتَمَلَّكَ التَّبَعَ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِ التَّبَعِ وَلَيْسَ لِصَاحِبِ التَّبَعِ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْأَصْلَ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِ الْأَصْلِ كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي زِرَاعَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ وَزِرَاعَةِ الْغَاصِبِ]
(الْبَابُ الْعَاشِرُ فِي زِرَاعَةِ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ الْأَرْضَ الْمُشْتَرَكَةَ وَزِرَاعَةِ الْغَاصِبِ) فِي النَّوَازِلِ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي رَجُلَيْنِ بَيْنَهُمَا أَرْضٌ فَغَابَ أَحَدُهُمَا فَلِشَرِيكِهِ أَنْ يَزْرَعَ نِصْفَ الْأَرْضِ، وَلَوْ أَرَادَ فِي الْعَامِ الثَّانِي أَنْ يَزْرَعَ زَرَعَ النِّصْفَ الَّذِي كَانَ زَرَعَ، كَذَا ذَكَرَهَا هُنَا، وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ إنْ عَلِمَ أَنَّ الزَّرْعَ يَنْفَعُ الْأَرْضَ أَوْ لَا يَنْقُصُهَا فَلَهُ أَنْ يَزْرَعَ كُلَّهَا، وَإِذَا حَضَرَ الْغَائِبُ فَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِكُلِّ الْأَرْضِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ؛ لِأَنَّ رِضَاهُ فِي مِثْلِ هَذَا ثَابِتٌ دَلَالَةً، وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ الزَّرْعَ يَنْقُصُهَا أَوْ التَّرْكَ يَنْفَعُهَا وَيَزِيدُهَا قُوَّةً لَيْسَ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ
стр. 2491
شَيْئًا مِنْهَا أَصْلًا؛ لِأَنَّ الرِّضَا غَيْرُ ثَابِتٍ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى. .
أَرَاضِي مُشَاعَةٌ بَيْنَ قَوْمٍ عَمَدَ بَعْضُهُمْ إلَى شَيْءٍ مِنْهَا فَزَرَعَهُ بِبَذْرِهِ وَسَاقَ الْبَعْضُ الْمَاءَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَهُمْ وَاشْتَرَكَ الْأَرْضَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ سِنِينَ، وَذَلِكَ كُلُّهُ بِغَيْرِ أَمْرِ شُرَكَائِهِ، إنْ كَانَ الَّذِي اُشْتُغِلَ مِنْ الْأَرْضِ هُوَ مِقْدَارُ حِصَّتِهِ لَوْ حُمِلَ عَلَى الْمُهَايَأَةِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ يَتَهَايَئُونَ وَلَمْ يَكُنْ شُرَكَاؤُهُ طَلَبُوا الْقِسْمَةَ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا اُشْتُغِلَ وَلَا يُشْرِكُهُ شُرَكَاؤُهُ فِيمَا اشْتَرَكَ مِنْ ذَلِكَ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. .
فِي بَعْضِ الْكُتُبِ رَجُلٌ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ إنَّ الزَّارِعَ قَالَ لِرَبِّ الْأَرْضِ: ادْفَعْ إلَيَّ بَذْرِي وَأَكُونُ أَكَّارًا لَكَ فَدَفَعَ، فَقَدْ قِيلَ: إنْ كَانَ الزَّارِعُ قَالَ هَذَا وَقْتَ كَانَتْ الْحِنْطَةُ الْمَبْذُورَةُ قَائِمَةً فِي الْأَرْضِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَصِيرُ الزَّارِعُ مُمَلَّكًا الْحِنْطَةَ الْمَزْرُوعَةَ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا وَذَلِكَ جَائِزٌ، وَيَصِيرُ الزَّارِعُ أَكَّارًا لَهُ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةً عَلَى مَا هُوَ جَوَابُ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يُبَيِّنَا مُدَّةَ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ قَالَ الْمُزَارِعُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ بَعْدَ مَا فَسَدَتْ الْحِنْطَةُ الْمَزْرُوعَةُ لَا يَجُوزُ، وَعَنْ الثَّانِي لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي أَرْضِهِ فَزَرَعَ ثُمَّ إنَّ رَبَّهَا أَرَادَ إخْرَاجَ الْمُزَارِعِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ تَغْرِيرَ الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، وَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّهَا: خُذْ بَذْرَكَ وَنَفَقَتَكَ وَيَكُونُ الزَّرْعُ لِي وَرَضِيَ بِهِ الْمُزَارِعُ، إنْ كَانَ قَبْلَ النَّبَاتِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ بَيْعَ الزَّرْعِ قَبْلَ النَّبَاتِ لَا يَجُوزُ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ مَا إذَا كَانَ حَالَ قِيَامِ الْبَذْرِ أَوْ بَعْدَ اسْتِهْلَاكِهِ، فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ بِأَنَّ تَأْوِيلَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا كَانَ الْبَذْرُ مُسْتَهْلَكًا حَتَّى تَصِيرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مُوَافِقَةً لِلْمَسْأَلَةِ الْأُولَى، أَوْ يُحْمَلَ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ. .
زَرَعَ أَرْضَ الْغَيْرِ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ صَاحِبُ الْأَرْضِ إلَّا عِنْدَ الِاسْتِحْصَادِ وَرَضِيَ بِهِ حِينَ عَلِمَ أَوْ قَالَ مَرَّةً لَا أَرْضَى بِهِ ثُمَّ قَالَ رَضِيتُ طَابَ الزَّرْعُ لِلْمَزَارِعِ، نَصَّ فِي الْخَانِيَّةِ قَالَ الْفَقِيهِ أَبُو اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: هَذَا اسْتِحْسَانٌ وَبِهِ نَأْخُذُ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ. .
وَلَوْ أَنَّ ثَلَاثَةً أَخَذُوا أَرْضًا بِالنِّصْفِ لِيَزْرَعُوهَا بِالشَّرِكَةِ فَغَابَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَزَرَعَ الِاثْنَانِ بَعْضَ الْأَرْضِ حِنْطَةً ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ وَزَرَعَ بَعْضَ الْأَرْضِ شَعِيرًا، إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِإِذْنِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَالْحِنْطَةُ بَيْنَهُمْ وَيَرْجِعُ صَاحِبَا الْحِنْطَةِ عَلَى الْآخَرِ بِثُلُثِ الْحِنْطَةِ الَّتِي بَذَرَا وَالشَّعِيرُ أَيْضًا بَيْنَهُمْ، وَيَرْجِعُ صَاحِبُ الشَّعِيرِ عَلَيْهِمَا بِثُلُثَيْ الشَّعِيرِ الَّذِي بَذَرَ بَعْدَ رَفْعِ نَصِيبِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَالْحِنْطَةُ ثُلُثُهَا لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَثُلُثَاهَا لَهُمَا وَيَغْرَمَانِ نُقْصَانَ ثُلُثِ الْأَرْضِ وَيَطِيبُ لَهُمَا ثُلُثُ الْخَارِجِ، وَأَمَّا الثُّلُثُ الْآخَرُ يَرْفَعَانِ مِنْهُ نَفَقَتَهَا وَيَتَصَدَّقَانِ بِالْفَضْلِ؛ لِأَنَّ ثُلُثَيْ ذَلِكَ نَصِيبُهُمَا وَقَدْ زَرْعَاهُ فَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ، وَفِي الثُّلُثِ الْآخَرِ صَارَا غَاصِبَيْنِ فَصَارَ كُلُّ الْخَارِجِ مِنْهُ لَهُمَا، وَأَمَّا صَاحِبُ الشَّعِيرِ فَلَهُ خَمْسَةُ أَسْدَاسِ الشَّعِيرِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ السُّدُسُ؛ لِأَنَّ ثُلُثَيْ ذَلِكَ زُرِعَ غَصْبًا فَهُوَ لَهُ وَثُلُثَهُ زُرِعَ بِحَقٍّ فَنِصْفُهُ لَهُ أَيْضًا وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ فِي مِقْدَارِ ثُلُثَيْ ذَلِكَ وَيَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
إذَا انْتَقَصَتْ الْأَرْضُ بِزِرَاعَةِ الْغَاصِبِ ثُمَّ زَالَ النُّقْصَانُ بِفِعْلِ رَبِّ الْأَرْضِ لَا يَبْرَأُ أَصْلًا، وَإِنْ زَالَ بِدُونِ فِعْلِهِ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ زَالَ قَبْلَ الرَّدِّ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ يَبْرَأُ، وَإِنْ زَالَ بَعْدَ الرَّدِّ لَا يَبْرَأُ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَبْرَأُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَبِهِ يُفْتَى، كَالْمَبِيعِ إذَا زَالَ عَنْهُ الْعَيْبُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ خُصُومَةُ الْمُشْتَرِي فِي الْحَالَيْنِ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْغِيَاثِيَّةِ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً وَشَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى الْمُزَارِعِ فَزَرَعَهَا الْمُزَارِعُ فَجَاءَ مُسْتَحِقٌّ وَاسْتَحَقَّهَا، أَخَذَهَا الْمُسْتَحِقُّ بِدُونِ الزَّرْعِ وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ بِقَلْعِ الزَّرْعِ وَإِنْ كَانَ الزَّرْعُ بَقْلًا، وَلَا تُتْرَكُ الْأَرْضُ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ بِإِجَارَةٍ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ وَيَكُونَ الْقَلْعُ عَلَى الدَّافِعِ وَالْمُزَارِعِ نِصْفَيْنِ، ثُمَّ الْمُزَارِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِنِصْفِ الْمَقْلُوعِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الدَّافِعِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْمَقْلُوعَ عَلَيْهِ وَضَمَّنَهُ قِيمَةَ حِصَّتِهِ نَابِتًا فِي أَرْضِهِ لَا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: ضَمَّنَهُ قِيمَةَ حِصَّتِهِ نَابِتًا فِي أَرْضِهِ قِيمَةَ حِصَّتِهِ مِنْ زَرْعٍ لَهُ حَقُّ الْقَرَارِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ، ثُمَّ الْمُسْتَحِقُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يُضَمِّنُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ الْمُزَارِعَ خَاصَّةً وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ الْأَرْضَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرُ، وَفِي قَوْلِهِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْمُسْتَحِقُّ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ نُقْصَانَ الْأَرْضِ الدَّافِعَ، وَإِنْ شَاءَ الْمُزَارِعَ، ثُمَّ يَرْجِعُ الْمُزَارِعُ بِهِ عَلَى الدَّافِعِ وَهُوَ بِنَاءً عَلَى
стр. 2492
مَسْأَلَةِ غَصْبِ الْعَقَارِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الدَّافِعِ وَأَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ الْأَرْضَ وَأَمَرَهُمَا بِالْقَلْعِ وَقَلَعَا، فَالْمُزَارِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِنِصْفِ الْمَقْلُوعِ وَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْمَقْلُوعَ عَلَى الدَّافِعِ وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ عَلَى قَوْلِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْبَلْخِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَبِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ عَلَى قَوْلِ أَبِي جَعْفَرٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ لَمْ يَذْكُرْ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - هَذَا الْفَصْلَ فِي الْأَصْلِ، وَذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي شَرْحِهِ أَنَّ الْجَوَابَ فِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ، إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ لَا تَعْمَلُ إجَازَتُهُ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ صَحَّتْ إجَازَةُ الْمُسْتَحِقِّ قَبْلَ الْمُزَارَعَةِ، وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُ بَعْدَ الْمُزَارَعَةِ وَكَانَ كَمَنْ آجَرَ دَارَ غَيْرِهِ شَهْرًا فَأَجَازَ صَاحِبُ الدَّارِ الْإِجَازَةَ، إنْ أَجَازَ قَبْلَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ جَازَ، وَإِنْ أَجَازَ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى أَبُو سُلَيْمَانَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: رَجُلٌ غَصَبَ أَرْضًا وَدَفَعَهَا إلَى غَيْرِهِ مُزَارَعَةً سَنَةً، إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَزَرَعَهَا الْمُزَارِعُ وَلَمْ يَنْبُتْ الزَّرْعُ حَتَّى أَجَازَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةَ جَازَتْ إجَازَتُهُ، وَمَا خَرَجَ مِنْهَا فَهُوَ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى مَا شَارَطَهُ الْغَاصِبُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ إلَّا مَا نَقَصَهَا قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ رَبُّ الْأَرْضِ، فَإِنَّ ذَلِكَ النُّقْصَانَ يَضْمَنُهُ الْمُزَارِعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ شَاءَ رَبُّ الْأَرْضِ ضَمَّنَ الْمُزَارِعَ ذَلِكَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْغَاصِبَ، وَلَوْ نَبَتَ الزَّرْعُ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ ثُمَّ أَجَازَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةَ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهَا بَعْدَ مَا أَجَازَهَا وَلَكِنْ لَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ، وَمَا يَحْدُثُ فِيهِ مِنْ الْحَبِّ فَجَمِيعُ ذَلِكَ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَالْغَاصِبِ، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: لَوْ أَجَازَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةَ جَازَتْ أَنْ لَا يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ بَعْدَ الْإِجَازَةِ أَنْ يُطَالِبَ الْمُزَارِعَ بِقَلْعِ الزَّرْعِ وَتَفْرِيغِ الْأَرْضِ وَقَبْلَ الْإِجَازَةِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لَا أَنْ يَصِيرَ الزَّرْعُ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي الْمُنْتَقَى أَيْضًا رَجُلٌ غَصَبَ مِنْ آخَرَ أَرْضًا وَدَفَعَهَا إلَى رَجُلٍ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الدَّافِعِ، ثُمَّ إنَّ رَبَّ الْأَرْضِ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ وَكَانَتْ الْإِجَازَةُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَهَا، فَالْإِجَازَةُ بَاطِلَةٌ حَتَّى لَا يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ شَيْءٌ، وَالْمَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ أَنَّ الْبَذْرَ إذَا كَانَ مِنْ قِبَلِ الدَّافِعِ فَالْعَقْدُ لَمْ يَرِدْ عَلَى حَقِّ الْمُسْتَحِقِّ، قَالَ فِي الْمُنْتَقَى: وَالْأَرْضُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ بِمَنْزِلَةِ الْعَارِيَّةِ فِي يَدِ الْغَاصِبِ وَالْمُزَارِعِ.
فَإِنْ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إجَازَتِهِ وَيَأْخُذَ أَرْضَهُ فَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ لَمْ يَزْرَعْ الْأَرْضَ بَعْدُ فَلَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ قَدْ زَرَعَ الْأَرْضَ قَبْلَ الْإِجَازَةِ وَنَبَتَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ أَوْ زَرَعَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَنَبَتَ أَوْ زَرَعَ بَعْدَ الْإِجَازَةِ وَلَمْ يَنْبُتْ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَجَازَ؛ لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرَ الْمُؤْمِنِ وَأَنَّهُ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْمَالِكُ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ بَعْدَ مَا تَسَنْبَلَ الزَّرْعُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُسْتَحْصَدْ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا أَجَازَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِلْغَاصِبِ: اغْرَمْ لَهُ أَجْرَ مِثْلِ أَرْضِهِ إلَى أَنْ يَسْتَحْصِدَ الزَّرْعَ وَبَقِيَتْ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَ الْغَاصِبِ وَالْمُزَارِعِ عَلَى مَا كَانَتْ، فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: أَنَا أَغْرَمُ الْأَجْرَ بِقَدْرِ حِصَّتِي مِنْ الزَّرْعِ، لَمْ يُجْبَرُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَقِيلَ لِلْمَزَارِعِ: اغْرَمْ أَنْتَ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِكَ مِنْ الزَّرْعِ، فَإِنْ كَانَا غَرِمَا مِنْ ذَلِكَ وَرَضِيَا بِهِ كَانَ عَمَلُ الزَّرْعِ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ حِينَ أَبَى أَنْ يَغْرَمَ الْأَجْرَ كُلَّهُ صَارَ كَأَنَّهُ زَرْعٌ بَيْنَهُمَا زَرَعَاهُ فِي أَرْضِ رَجُلٍ، فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: لَا أَغْرَمُ مِنْ الْأَجْرِ شَيْئًا وَلَكِنِّي أَقْلَعُ الزَّرْعَ فَالْمُزَارِعُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَلَعَ مَعَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَدَّى أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ مِنْ مَالِهِ وَعَمِلَ فِي الزَّرْعِ بِنَفْسِهِ وَأُجَرَائِهِ.
فَإِذَا اسْتَحْصَدَ نَظَرَ إلَى نَصِيبِ الْغَاصِبِ فَأَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مَا غَرِمَ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ وَأَجْرِ الْإِجْرَاءِ فِي نَصِيبِ الْغَاصِبِ، وَكَانَ الْفَضْلُ لِلْغَاصِبِ وَلَا يَأْخُذُ مِنْ ذَلِكَ أَجْرًا لِعَمَلِهِ، وَإِنْ قَالَ الْمُزَارِعُ: لَا أَغْرَمُ أَجْرًا وَلَا أَعْمَلُ فِي ذَلِكَ عَمَلًا وَأَنَا أَقْلَعُ الزَّرْعَ، فَإِنْ اجْتَمَعَ الْغَاصِبُ مَعَهُ عَلَى ذَلِكَ قَلْعًا وَسَلَّمَا الْأَرْضَ لِصَاحِبِهَا، وَإِنْ أَبَى ذَلِكَ الْغَاصِبُ كَانَ لِلْغَاصِبِ أَنْ يُؤَدِّيَ أَجْرَ مِثْلِ الْأَرْضِ وَيُقَالُ لَهُ: قُمْ عَلَى الزَّرْعِ فَاعْمَلْهُ بِنَفْسِكَ وَأُجَرَائِكَ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ فَتَأْخُذَ مِنْ حِصَّتِهِ الزَّرْعَ مَا غَرِمْتَ عَنْهُ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ وَالْأُجَرَاءِ، وَكَانَ حَالُكَ فِيهِ مِثْلُ حَالِ الْمُزَارِعِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي، فَأَمَّا إذَا فَعَلَهُ
стр. 2493
أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ قَضَاءِ الْقَاضِي وَلَا رِضَا مِنْ صَاحِبِهِ فَهُوَ مُتَطَوِّعٌ فِيهِ وَسَلَّمَ لِلْآخَرِ نَصِيبَهُ مِنْهُ كَمُلَا.
وَلَيْسَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الزَّرْعِ إلَّا مَا وَجَبَ لِلْغَاصِبِ مِنْ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يُجِيزَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةَ، وَإِنْ أَجَازَ رَبُّ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْذُرَ، ثُمَّ بَذَرَ فَلَمْ يَنْبُتْ حَتَّى أَرَادَ أَخْذَ أَرْضِهِ فَقَالَ الْمُزَارِعُ: أَنَا أَدْعُ الْمُزَارَعَةَ وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الْعَمَلِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ لَمْ يَنْبُتْ، وَقَالَ الْغَاصِبُ: أَنَا أَمْضِي عَلَى الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ قَدْ فَسَدَ حِينَ طُرِحَ فِي الْأَرْضِ قِيلَ لِلْغَاصِبِ عَلَيْكَ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ، فَإِذَا رَضِيَ بِذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الْمُزَارِعِ أَنْ يَمْضِيَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ كَمَا اشْتَرَطَ عَلَيْهِ الْغَاصِبُ، وَكَانَ الْأَجْرُ كُلُّهُ عَلَى الْغَاصِبِ لَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُزَارِعِ وَلَا فِي حِصَّتِهِ بِشَيْءٍ، فَإِنْ قَالَ الْغَاصِبُ: لَا أُعْطِي الْأَجْرَ وَأَنَا آخُذُ الْبَذْرَ يَعْنِي مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ، قِيلَ لِلْمُزَارِعِ: أَنْتَ بِالْخِيَارِ إنْ شِئْتَ فَأَبْطِلْ الْمُزَارَعَةَ وَسَلِّمْ الْغَاصِبَ بَذْرَهُ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ أَرْضِهِ، وَإِنْ شِئْتَ كَانَ عَلَيْكَ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ إلَى أَنْ يُسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ، فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ وَلَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْبَذْرِ عَلَى أَخْذِ بَذْرِهِ سَبِيلٌ، وَيَكُونُ الْمُزَارِعُ مُتَطَوِّعًا فِيمَا غَرِمَ مِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ وَتَكُونُ الْمُزَارَعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا اشْتَرَطَا وَلَا يَتَصَدَّقَانِ بِشَيْءٍ مِمَّا وَجَبَ لَهُمَا مِنْ الطَّعَامِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ وَالْبَذْرَ عَلَى حَالَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ.
وَيَكُونُ لَهُ قِيمَتُهُ فَلَا يَتَصَدَّقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ مِنْ زِيَادَةِ الزَّرْعِ بَعْدَ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَالذَّخِيرَةِ.
وَإِذَا غَصَبَ بَذْرًا وَزَرَعَهُ فِي أَرْضِ نَفْسِهِ فَقَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ، كَانَ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ أَنْ يُجِيزَ فِعْلَهُ؛ لِأَنَّ قَبْلَ النَّبَاتِ الْحِنْطَةُ قَائِمَةٌ فِي الْأَرْضِ فَيُعْتَبَرُ بِمَا لَوْ كَانَتْ قَائِمَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ، وَبَعْدَ النَّبَاتِ لَا تَعْمَلُ إجَازَتُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
غَصَبَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا ثُمَّ زَرَعَ فَوْقَ زَرْعِهِ رَجُلٌ آخَرُ، فَالزَّرْعُ لِلثَّانِي لَكِنْ يَضْمَنُ لِلْأَوَّلِ مِثْلَ بَذْرِهِ، وَإِنْ نَقَصَتْ الْأَرْضُ فَضَمَانُ نُقْصَانِهَا عَلَى الْأَوَّلِ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَفِي الْعُيُونِ: رَجُلٌ غَصَبَ أَرْضًا وَزَرَعَهَا حِنْطَةً ثُمَّ اخْتَصَمَا وَهِيَ بَذْرٌ لَمْ يَنْبُتْ بَعْدُ، فَصَاحِبُ الْأَرْضِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَرَكَهَا حَتَّى تَنْبُتَ، ثُمَّ يَقُولُ: اقْلَعْ زَرْعَكَ، وَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ مَا زَادَ الْبَذْرُ فِيهِ، وَتَفْسِيرُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنْ تُقَوَّمَ الْأَرْضُ وَلَيْسَ فِيهَا بَذْرٌ وَتُقَوَّمُ وَفِيهَا بَذْرٌ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ بَذْرِهِ لَكِنْ مَبْذُورًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَذَرَ أَرْضًا لَهُ وَلَمْ يَنْبُتْ فَسَقَاهُ أَجْنَبِيٌّ فَنَبَتَ، فِي الْقِيَاسِ يَكُونُ الزَّرْعُ لِلَّذِي سَقَاهُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَرْضَى بِهَذَا السَّقْيِ دَلَالَةً بِخِلَافِ مَا قَبْلَ إلْقَاءِ الْبَذْرِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْحَبِّ مَبْذُورًا فِي الْأَرْضِ عَلَى شَرْطِ الْقَرَارِ إنْ سَقَاهَا قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَ الْبَذْرُ فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ سَقَاهَا بَعْدَ مَا فَسَدَ الْبَذْرُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ أَنْ يَنْبُتَ نَبَاتًا لَهُ قِيمَةٌ فَنَبَتَ بِسَقْيِهِ فَإِنَّ فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ نُقْصَانَ الْأَرْضِ تُقَوَّمُ الْأَرْضُ مَبْذُورَةً وَقَدْ فَسَدَ حَبُّهَا وَتُقَوَّمُ غَيْرَ مَبْذُورَةٍ فَيَغْرَمُ النُّقْصَانَ وَالزَّرْعَ لِلسَّاقِي، وَإِنْ سَقَاهَا بَعْدَ مَا نَبَتَ الزَّرْعُ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ الزَّرْعِ يَوْمَ سَقَاهَا وَالزَّرْعُ لِلسَّاقِي، وَإِنْ سَقَاهَا بَعْدَ مَا اسْتَغْنَى الزَّرْعُ عَنْ السَّقْيِ لَكِنَّ السَّقْيَ أَجْوَدُ لَهُ، فَإِنَّ الزَّرْعَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا شَيْءَ لِلسَّاقِي، وَهَذَا جَوَابُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ، وَجَوَابُ الْفَقِيهِ أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَجْنَبِيُّ السَّاقِي مُتَطَوِّعٌ وَلَا شَيْءَ لَهُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَلْقَى بَذْرًا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ سَقَى الزَّرْعَ حَتَّى أَدْرَكَ، أَخَذْتُ هَاهُنَا بِالْقِيَاسِ، وَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْحَبِّ إنْ كَانَ سَقَاهُ وَهُوَ حَبٌّ قِيمَتُهُ مَبْذُورًا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ حَقِّ الْقَرَارِ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ سَقَاهَا بَعْدَ مَا فَسَدَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ فَخَرَجَ الزَّرْعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَوْلَا السَّقْيُ لَمْ يَكُنْ يَخْرُجُ أَوْ كَانَ يَخْرُجُ لَكِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ، فَالزَّرْعُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ غَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالسَّقْيُ مِنْ رَجُلٍ آخَرَ غَيْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ أَيْضًا كَانَ سَبِيلُهُ مَعَهُ كَسَبِيلِ السَّاقِي مَعَ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْأَرْضِ جَمِيعًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا زَرَعَ أَرْضَهُ ثُمَّ جَاءَ آخَرُ وَأَلْقَى بَذْرَهُ فِي تِلْكَ الْأَرْضِ فَخَرَجَ الزَّرْعُ، إنْ خَرَجَ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ فَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْحَبِّ مَبْذُورًا فِي الْأَرْضِ عَلَى حَقِّ الْقَرَارِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ أَلْقَى الْبَذْرَ بَعْدَ مَا فَسَدَ الْحَبُّ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ نَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ كُلِّهِ فَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ الْمَبْذُورَةِ عَلَى
стр. 2494
حَقِّ الْقَرَارِ وَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِلثَّانِي، وَإِنْ بَذَرَ بَعْدَ مَا خَرَجَ الزَّرْعُ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ، ثُمَّ أَدْرَكَ ذَلِكَ كُلَّهُ مُخْتَلِطًا فَعَلَيْهِ قِيمَةُ زَرْعِ رَبِّ الْأَرْضِ نَابِتًا فِي الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِ الْقَرَارِ يَوْمَ ظَهَرَ اخْتِلَاطُهُ بِزَرْعِ صَاحِبِ الْأَرْضِ، وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فِي هَذِهِ الْفُصُولِ كُلِّهَا عَلَى الشَّرِكَةِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا أَدْرَكَ الزَّرْعُ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ أَوْ بِسَقْيِ صَاحِبِ الْبَذْرِ الَّذِي لَا أَرْضَ لَهُ، وَلَوْ أَدْرَكَ الزَّرْعُ بِسَقْيِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ لِلْآخَرِ قِيمَةُ حَبِّهِ إنْ سَقَاهُ قَبْلَ أَنْ يَفْسُدَ حَبُّهُ، وَإِنْ سَقَاهُ بَعْدَ مَا فَسَدَ لَمْ يَلْزَمْهُ الضَّمَانُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَقَدْ ذَكَرْنَا جِنْسَ هَذِهِ الْمَسَائِلِ فِي الْبَابِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ كِتَابِ الْغَصْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْمَدْفُوعَةِ مُزَارَعَةً]
(الْبَابُ الْحَادِيَ عَشَرَ فِي بَيْعِ الْأَرْضِ الْمَدْفُوعَةِ مُزَارَعَةً) وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً سَنَةً لِيَزْرَعَهَا الْمُزَارِعُ بِبَذْرِهِ وَآلَاتِهِ فَلَمَّا زَرَعَهَا الْمُزَارِعُ بَاعَهَا رَبُّ الْأَرْضِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ بَقْلًا، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْبَيْعُ مَوْقُوفٌ عَلَى إجَازَةِ الْمُزَارِعِ سَوَاءٌ بَاعَ الْأَرْضَ مَعَ الزَّرْعِ أَوْ بَاعَ الْأَرْضَ بِدُونِ الزَّرْعِ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فِي الْأَرْضِ وَالزَّرْعِ جَمِيعًا نَفَذَ الْبَيْعُ وَانْقَسَمَ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْأَرْضِ وَعَلَى قِيمَةِ الزَّرْعِ يَوْمَ الْبَيْعِ، فَمَا أَصَابَ الْأَرْضَ فَهُوَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَمَا أَصَابَ الزَّرْعَ فَهُوَ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَبَيْنَ الْمُزَارِعِ نِصْفَانِ، هَذَا إذَا أَجَازَ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فَالْمُشْتَرِي إنْ شَاءَ تَرَبَّصَ حَتَّى يُدْرِكَ الزَّرْعُ، وَإِنْ شَاءَ فَسَخَ الْبَيْعَ، هَذَا إذَا بَاعَ الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جُمْلَةً، وَإِنْ بَاعَ الْأَرْضَ وَحْدَهَا بِدُونِ الزَّرْعِ فَإِنْ أَجَازَ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فَالْأَرْضُ لِلْمُشْتَرِي وَالزَّرْعُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُزَارِعِ نِصْفَانِ.
وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ عَلَى نَحْوِ مَا بَيَّنَّا، وَإِنْ بَاعَ الْأَرْضَ وَحِصَّتَهُ مِنْ الزَّرْعِ وَأَجَازَ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ أَخَذَ الْمُشْتَرِي الْأَرْضَ وَحِصَّةَ رَبِّ الْأَرْضِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْبَيْعَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ
وَإِنْ أَرَادَ الْمُزَارِعُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) إذَا بَاعَ رَبُّ الْأَرْضِ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ فَإِنْ بَاعَ الْأَرْضَ بِدُونِ الزَّرْعِ جَازَ الْبَيْعُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ، وَإِنْ بَاعَ الْأَرْضَ مَعَ جَمِيعِ الزَّرْعِ نَفَذَ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَحِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ وَيَتَوَقَّفُ فِي نَصِيبِ الْمُزَارِعِ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ كَانَ لِلْمُزَارِعِ مِنْ الثَّمَنِ حِصَّةُ نَصِيبِهِ مِنْ الزَّرْعِ وَالْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ لَمْ يُجِزْ الْبَيْعَ يُخَيَّرُ الْمُشْتَرِي إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْمُزَارَعَةِ وَقْتَ الشِّرَاءِ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ بَاعَ الْأَرْضَ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ فَلَمْ يُجِزْ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ فَخُيِّرَ الْمُشْتَرِي فَلَمْ يَفْسَخْ الْبَيْعَ حَتَّى اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ نَفَذَ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَحِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ، وَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ إنْ شَاءَ أَخَذَ الْأَرْضَ وَحِصَّةَ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ بِحِصَّتِهِمَا مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَإِنْ كَانَ بَاعَ الْأَرْضَ مَعَ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ فَلَمْ يُجِزْ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ، وَلَمْ يَفْسَخْهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ نَفَذَ الْبَيْعُ وَكَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَلَا خِيَارَ لَهُ، وَكَذَلِكَ إذَا بَاعَ الْأَرْضَ دُونَ الزَّرْعِ فَلَمْ يُجِزْ الْمُزَارِعُ الْبَيْعَ وَلَمْ يَفْسَخْ الْمُشْتَرِي حَتَّى اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ نَفَذَ الْبَيْعُ فِي الْأَرْضِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَفِي فَتَاوَى الْفَضْلِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا دَفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً ثُمَّ بَاعَهَا قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَ الْمُزَارِعُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَ الْمُزَارِعَ مِنْ الزِّرَاعَةِ فَبَعْدَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَكُنْ الْمُزَارِعُ شَرَعَ فِي الْعَمَلِ وَلَمْ يَعْمَلْ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِ الْمُزَارَعَةِ فَلَا شَيْءَ لِلْمُزَارِعِ حُكْمًا وَدِيَانَةً، وَإِنْ كَانَ عَمِلَ بَعْضَ الْأَعْمَالِ نَحْوَ حَفْرِ الْأَنْهَارِ وَإِصْلَاحِ الْمُسَنَّاةِ فَكَذَلِكَ حُكْمًا، وَلَكِنْ يُفْتَى لِرَبِّ الْأَرْضِ بِأَنْ يُرْضِي الْمُزَارِعَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّهِ بِاعْتِبَارِ مَا عَمِلَ لَهُ فِي أَرْضِهِ دِيَانَةً لَا عَلَى وَجْهِ الشَّرْعِ. الْوَجْهُ الثَّانِي: إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَلَيْسَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ الْمُزَارَعَةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ دَفَعَ كَرْمَهُ مُعَامَلَةً فَعَمِلَ الْعَامِلُ فِي الْكَرْمِ عَمَلًا قَلِيلًا ثُمَّ بَاعَ كَرْمَهُ بِرِضَا الْعَامِلِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْكَرْمِ وَالنَّخْلِ شَيْءٌ لَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ
стр. 2495
الْمَوْجُودَ مِنْهُ الْعَمَلُ وَمُجَرَّدُ الْعَمَلِ لَا قِيمَةَ لَهُ، وَإِنْ بَاعَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَرْضَهُ مَعَ نَصِيبِ نَفْسِهِ بَعْدَ مَا خَرَجَ الثَّمَرُ مِنْ الْكَرْمِ، فَإِنْ أَجَازَ الْعَامِلُ جَازَ وَيَكُونُ نَصِيبُ الْبَائِعِ مِنْ الثَّمَنِ لِلْمُشْتَرِي وَنَصِيبُ الْعَامِلِ لِلْعَامِلِ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْبَيْعُ قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرِ فَلَا شَيْءَ لِلْعَامِلِ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا قَبْلَ النَّبَاتِ، وَإِنَّمَا يَمْلِكُ بَعْدَهُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
بَاعَ أَرْضًا فِيهَا بَذْرٌ لَمْ يَنْبُتْ فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ قَدْ عَفِنَ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَهُوَ لِلْبَائِعِ فَإِنْ سَقَاهُ الْمُشْتَرِي حَتَّى نَبَتَ وَلَمْ يَكُنْ عَفِنَ عِنْدَ الْبَيْعِ فَهُوَ لِلْبَائِعِ أَيْضًا وَالْمُشْتَرِي مُتَطَوِّعٌ فِيمَا فَعَلَ، وَكَذَا لَوْ نَبَتَ لَكِنْ لَمْ يُتَقَوَّمْ بَعْدُ، وَاخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لِلْبَائِعِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا إلَّا إذَا بِيعَ مَعَ الْأَرْضِ نَصًّا أَوْ دَلَالَةً وَبِهِ يُفْتَى، كَذَا فِي الْكُبْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
[الْبَاب الثَّانِي عَشْر فِي الْعُذْر فِي فَسْخِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(الْبَابُ الثَّانِي عَشَرَ فِي الْعُذْرِ فِي فَسْخِ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) أَمَّا الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ عُذْرٌ فِي فَسْخِ الْمُزَارَعَةِ فَأَنْوَاعٌ بَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ وَبَعْضُهَا يَرْجِعُ إلَى الْمُزَارِعِ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ الدَّيْنُ الْفَادِحُ الَّذِي لَا قَضَاءَ لَهُ إلَّا مِنْ ثَمَنِ هَذِهِ الْأَرْضِ تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَيُفْسَخُ الْعَقْدُ بِهَذَا الْعُذْرِ إذَا أَمْكَنَ الْفَسْخُ بِأَنْ كَانَ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَهَا إذَا أَثْمَرَ الزَّرْعُ وَبَلَغَ مَبْلَغَ الْحَصَادِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْمُضِيُّ فِي الْعَقْدِ إلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ، فَلَا يَلْزَمُهُ تَحَمُّلُ الضَّرَرِ فَيَبِيعُ الْقَاضِي الْأَرْضَ بِدَيْنِهِ أَوَّلًا، ثُمَّ يَفْسَخُ الْمُزَارَعَةَ وَلَا تَنْفَسِخُ بِنَفْسِ الْعُذْرِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْفَسْخُ بِأَنْ كَانَ الزَّرْعُ لَمْ يُدْرِكْ وَلَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْحَصَادِ لَا تُبَاعُ فِي الدَّيْنِ وَلَا يُفْسَخُ إلَى أَنْ يُدْرِكَ، وَيُطْلَقَ مِنْ السِّجْنِ إنْ كَانَ مَحْبُوسًا إلَى غَايَةِ الْإِدْرَاكِ؛ لِأَنَّ الْحَبْسَ جَزَاءُ الْمَطْلِ وَأَنَّهُ غَيْرُ مُمَاطِلٍ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لِكَوْنِهِ مَمْنُوعًا عَنْ بَيْعِ الْأَرْضِ شَرْعًا وَالْمَمْنُوعُ مَعْذُورٌ، فَإِذَا أَدْرَكَ الزَّرْعُ يُرَدُّ فِي الْحَبْسِ ثَانِيًا لِيَبِيعَ أَرْضَهُ وَيُؤَدِّيَ دَيْنَهُ بِنَفْسِهِ وَإِلَّا فَيَبِيعُ الْقَاضِي عَلَيْهِ. (وَأَمَّا الثَّانِي) فَنَحْوُ الْمَرَضِ لِأَنَّهُ يُعْجِزُ عَنْ الْعَمَلِ وَالسَّفَرِ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَتَرْكِ حِرْفَةٍ إلَى حِرْفَةٍ؛ لِأَنَّ مِنْ الْحِرَفِ مَا لَا يُغْنِيهِ مِنْ جُوعٍ وَمَانِعٍ يَمْنَعُهُ عَنْ الْعَمَلِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَفِي الْمُعَامَلَةِ إذَا امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْمُضِيِّ عَلَيْهَا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِعُذْرٍ، فَالْمُعَامَلَةُ لَازِمَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَصْلِ: وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ وَقَالَ الْمُزَارِعُ: أَنَا أُرِيدُ تَرْكَ الْمُزَارَعَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ، أَوْ قَالَ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَزْرَعَ أَرْضًا أُخْرَى فِي هَذِهِ السَّنَةِ سِوَى هَذِهِ فَلَهُ ذَلِكَ وَكَانَ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْمُزَارَعَةَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَفِي الْإِبَانَةِ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ فَصْلُ الْمَرَضِ عَلَى التَّفْصِيلِ أَيْضًا عَلَى قِيَاسِ فَصْلِ السَّفَرِ، وَإِنْ أَخَذَهُ مُعَامَلَةً لِيَعْمَلَ بِنَفْسِهِ وَأُجَرَائِهِ لَا يَكُونُ مَرَضُهُ عُذْرًا، وَإِذَا أَخَذَهُ مُعَامَلَةً لِيَعْمَلَ بِنَفْسِهِ يَكُونُ مَرَضُهُ عُذْرًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَمِنْ الْعُذْرِ مِنْ قِبَلِ رَبِّ النَّخِيلِ وَرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَلْحَقَهُ دَيْنٌ فَادِحٌ لَا وَفَاءَ لَهُ إلَّا مِنْ ثَمَنِ النَّخِيلِ أَوْ الْأَرْضِ، وَعِنْدَ ذَلِكَ لَا بُدَّ لِصِحَّةِ الْفَسْخِ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَا عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ وَالْإِجَارَاتِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى قَضَاءٍ وَلَا إلَى الرِّضَا، بَعْضُ مَشَايِخِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ أَخَذُوا بِرِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ، وَبَعْضُهُمْ أَخَذُوا بِرِوَايَةِ الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَإِنْ طَلَبَ مِنْ الْقَاضِي النَّقْضَ قَبْلَ الْبَيْعِ فَالْقَاضِي لَا يُجِيبُهُ إلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ يَبِيعُهُ بِنَفْسِهِ وَيَثْبُتُ الدَّيْنُ عِنْدَ الْقَاضِي حَتَّى يُمْضِيَ الْقَاضِي الْبَيْعَ وَيَنْقُضَ الْعَقْدَ حُكْمًا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَمَا يَنْفَسِخُ بِهِ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بَعْدَ وُجُودِهِ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) الْفَسْخُ وَهُوَ نَوْعَانِ صَرِيحٌ وَدَلَالَةٌ، فَالصَّرِيحُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْفَسْخِ وَالْإِقَالَةِ، وَالدَّلَالَةُ نَوْعَانِ: الْأَوَّلُ امْتِنَاعُ صَاحِبِ الْبَذْرِ عَنْ الْمُضِيِّ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا قَالَ: لَا أُرِيدُ مُزَارَعَةَ الْأَرْضِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ لَازِمٍ فِي حَقِّهِ فَكَانَ بِسَبِيلٍ مِنْ الِامْتِنَاعِ عَنْ الْمُضِيِّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ. الثَّانِي حَجْرُ الْمَوْلَى عَلَى الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ بَعْدَ مَا دَفَعَ الْأَرْضَ وَالْبَذْرَ مُزَارَعَةً. (وَمِنْهَا) انْقِضَاءُ مُدَّةِ الْمُزَارَعَةِ. (وَمِنْهَا) مَوْتُ صَاحِبِ الْأَرْضِ سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَهَا وَسَوَاءٌ أَدْرَكَ الزَّرْعُ أَوْ هُوَ بَقْلٌ. (وَمِنْهَا) مَوْتُ الْمُزَارِعِ سَوَاءٌ مَاتَ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَهَا بَلَغَ الزَّرْعُ حَدَّ الْحَصَادِ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ، هَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
стр. 2496
[الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ مَاتَ الْمُزَارِعُ أَوْ الْعَامِلُ وَلَمْ يَدْرِ مَاذَا صَنَعَ بِالزَّرْعِ]
(الْبَابُ الثَّالِثَ عَشَرَ فِيمَا إذَا مَاتَ الْمُزَارِعُ أَوْ الْعَامِلُ، وَلَمْ يَدْرِ مَاذَا صَنَعَ بِالزَّرْعِ أَوْ بِالثَّمَرِ) وَإِذَا مَاتَ الْمُزَارِعُ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ وَلَا يَدْرِي مَا فَعَلَ، فَضَمَانُ حِصَّةِ رَبِّ الْأَرْضِ فِي مَالِ الْمُزَارِعِ مِنْ أَيِّهِمَا كَانَ الْبَذْرُ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ الْأَرْضِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُزَارِعِ، فَإِذَا مَاتَ مُجْهِلًا لَهُ كَانَ دَيْنًا فِي التَّرِكَةِ كَالْوَدِيعَةِ تَصِيرُ دَيْنًا بِمَوْتِ الْمُودِعِ فِي تَرِكَتِهِ إذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ مَا صَنَعَ بِهَا، وَكَذَلِكَ إذَا مَاتَ الْعَامِلُ بَعْدَ مَا طَلَعَ الثَّمَرُ فَبَلَغَ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ فَلَمْ يُوجَدْ فِي النَّخِيلِ لِأَنَّ نَصِيبَ رَبِّ النَّخِيلِ كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْعَامِلِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا مَاتَ الْمُزَارِعُ وَلَمْ يُدْرَ مَاذَا صَنَعَ بِالزَّرْعِ فَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: اسْتَهْلَكَهُ الْمُزَارِعُ، وَقَالَ وَرَثَةُ الْمُزَارِعِ: سُرِقَ الزَّرْعُ، فَإِنَّ حِصَّةَ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ تَكُونُ دَيْنًا فِي مَالِ الْمُزَارِعِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ وَرَثَةِ الْمُزَارِعِ أَنَّهُ سُرِقَ الزَّرْعُ، وَهَذَا لِأَنَّ حِصَّةَ رَبِّ الْأَرْضِ مِنْ الزَّرْعِ كَانَتْ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُزَارِعِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ إذَا هَلَكَ الزَّرْعُ فِي يَدِ الْمُزَارِعِ لَمْ يَضْمَنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْئًا، فَإِذَا كَانَتْ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَمَاتَ وَلَمْ يُبَيِّنْ فَهَذَا أَمِينٌ مَاتَ مُجْهِلًا فَيَصِيرُ ضَامِنًا، فَإِنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي مِقْدَارِ قِيمَةِ الزَّرْعِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ وَرَثَةِ الْمُزَارِعِ، وَكَذَلِكَ الْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ إذَا مَاتَ الْعَامِلُ وَلَا يُدْرَى مَاذَا صَنَعَ بِالثِّمَارِ، وَهَذَا كُلُّهُ إذَا عَرَفَ خُرُوجَ الثِّمَارِ وَنَبَاتَ الزَّرْعِ فَأَمَّا إذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ تَرَكَ الْعَامِلُ مَالًا مِنْ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَصَاحِبُ الْأَرْضِ وَالنَّخِيلِ أُسْوَةٌ لِلْغُرَمَاءِ يُرِيدُ بِهِ إذَا عَلِمَ بِالْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعْلَمُ الْمُعَامَلَةَ وَالْمُزَارَعَةَ إلَّا بِإِقْرَارِ الْمَرِيضِ كَانَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ دَيْنِ الْمَرِيضِ الَّذِي وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ فِي الْمَرَضِ فَيَكُونُ مُؤَخَّرًا عَنْ دُيُونِ الصِّحَّةِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
[الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي مُزَارَعَةِ الْمَرِيضِ وَمُعَامَلَتِهِ]
(الْبَابُ الرَّابِعَ عَشَرَ فِي مُزَارَعَةِ الْمَرِيضِ وَمُعَامَلَتِهِ) مَسَائِلُ هَذَا الْفَصْلِ تَبْتَنِي عَلَى أَصْلِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ فِيمَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْغُرَمَاءِ أَوْ الْوَرَثَةِ عَلَى قِسْمَيْنِ: قِسْمٌ لَا يُبْطِلُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ بَلْ يَنْتَقِلُ حَقُّهُمْ مِنْ مَحَلٍّ إلَى مَحَلٍّ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَالِيَّةِ نَحْوَ الْبَيْعِ وَأَشْبَاهِهِ، وَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ تَصَرُّفِهِ هُوَ وَتَصَرُّفِ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ، وَقِسْمٌ يُبْطِلُ حَقَّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ، وَهَذَا الْقِسْمُ مِنْ تَصَرُّفِهِ مَحْجُورٌ عَنْهُ كَالتَّبَرُّعِ، ثُمَّ حَقُّ الْغُرَمَاءِ وَالْوَرَثَةِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِمَالٍ يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ كَأَعْيَانِ التَّرِكَةِ، أَمَّا مَا لَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ كَالْمَنَافِعِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُمْ، وَكَذَا مَا يَجْرِي فِيهِ الْإِرْثُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا لَهُ حُكْمُ الْمَالِ كَالْقِصَاصِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّهُمْ قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَصْلِ.
وَإِذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ أَرْضًا مُزَارَعَةً بِشَرَائِطِهَا فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارِعِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَ الْمُزَارَعُ أَجْنَبِيًّا أَوْ وَارِثًا وَسَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَشْرُوطُ لِلْمَرِيضِ مِنْ الْخَارِجِ مِثْلَ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ أَوْ أَقَلَّ، وَسَوَاءٌ كَانَ لِلْمَرِيضِ مَالٌ آخَرُ سِوَى الْأَرْضِ أَوْ لَمْ يَكُنْ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمَرِيضِ أَيْضًا وَلَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ مَالٌ آخَرُ سِوَى الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَهَذَا الْوَجْهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْمُزَارَعُ أَجْنَبِيًّا وَلَا دَيْنَ عَلَى الْمَيِّتِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حِصَّةِ الْمُزَارِعِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ، وَإِلَى أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِ الْمُزَارَعِ فِي الزِّرَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ فَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ مِثْلَ أَجْرِ عَمَلِ الْمُزَارَعِ أَوْ أَقَلَّ سَلَّمَ لِلْمُزَارِعِ حِصَّتَهُ مِنْ الزَّرْعِ مَعَ مَا يَزْدَادُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْحَصَادِ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الزِّيَادَةِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ يُنْظَرُ إنْ كَانَ حِصَّةُ الْمُزَارِعِ تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِ الْمَيِّتِ يَكُونُ الْكُلُّ سَالِمًا لِلْمُزَارَعِ بَعْضُهُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ وَبَعْضُهُ بِطَرِيقِ الْمُعَاوَضَةِ.
وَإِنْ كَانَ حِصَّتُهُ مِنْ الزَّرْعِ لَا تَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَالِهِ إنْ أَجَازَتْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ فَكَذَا الْجَوَابُ يُسَلَّمُ لِلْمُزَارَعِ جَمِيعُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ ذَلِكَ يُسَلَّمُ لِلْمُزَارَعِ قَدْرُ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ بِحُكْمِ الْمُعَاوَضَةِ، وَثُلُثُ مَا بَقِيَ إلَى تَمَامِ الْمَشْرُوطِ يُسَلَّمُ لَهُ بِحُكْمِ الْوَصِيَّةِ وَالْبَاقِي يَكُونُ لِلْوَرَثَةِ، وَتُعْتَبَرُ الْوَصِيَّةُ فِي جَمِيعِ مَا ازْدَادَ عَلَى أَجْرِ
стр. 2497
الْمِثْلِ إلَى يَوْمِ الْحَصَادِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّ فِيمَا زَادَ عَلَى أَجْرِ الْمِثْلِ تُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ يَوْمَ الْحَصَادِ، هَذَا إذَا كَانَ الْمُزَارَعُ أَجْنَبِيًّا وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ مَا، أَمَّا إذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ لِجَمِيعِ مَالِهِ إمَّا دَيْنُ الصِّحَّةِ وَإِمَّا دَيْنُ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ وَإِلَى أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةُ مِثْلِ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، فَإِنَّ مَا شُرِطَ لِلْمُزَارَعِ مِنْ الزَّرْعِ لَا يُسَلَّمُ لَهُ بَلْ يُشَارِكُهُ فِيمَا قَبَضَ غُرَمَاءُ الْمَرِيضِ وَيُقَسَّمُ مَا قَبَضَ بَيْنَهُمْ بِالْحِصَصِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَرِيضِ مَالٌ سِوَى هَذَا، يَضْرِبُ الْمُزَارَعُ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ زَائِدَةً إلَى يَوْمِ الْحَصَادِ وَالْغُرَمَاءِ بِدُيُونِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ حِصَّةِ الْمُزَارِعِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ.
فَإِنَّ الْمُزَارَعَ يَضْرِبُ فِي الزَّرْعِ بِمِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَالْغُرَمَاءُ يَضْرِبُونَ بِحُقُوقِهِمْ وَلَا يُسَلَّمُ لِلْمُزَارَعِ شَيْءٌ مِمَّا زَادَ عَلَى أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، إلَّا أَنَّ مَا يَخُصُّ الْمُزَارَعَ يَأْخُذُهُ مِنْ الزَّرْعِ وَمَا أَصَابَ الْغُرَمَاءَ يُبَاعُ فَتُقْضَى دُيُونُهُمْ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا كَانَ الْمُزَارَعُ أَجْنَبِيًّا، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْمُزَارَعُ وَارِثًا فَعَلَى قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ كَانَ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ حَتَّى لَا يَسْتَحِقَّ الْوَارِثُ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لَهُ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ دَرَاهِمَ لَا غَيْرُ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ وَسَوَاءٌ كَانَ قِيمَةُ حِصَّةِ الْوَارِثِ مِنْ الزَّرْعِ مِثْلَ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حِصَّةِ الْوَارِثِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ وَإِلَى أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ.
فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ مِثْلَ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ أَوْ أَقَلَّ كَانَ لَهُ الْمَشْرُوطُ، وَمَا يَحْدُثُ مِنْ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِ الْحَصَادِ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْأَجْنَبِيِّ، وَأَمَّا إذَا كَانَ قِيمَةُ حِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ يَوْمَ نَبَتَ وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ فَإِنَّ لَهُ مِنْ الْخَارِجِ بِقَدْرِ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مِمَّا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ الْمَشْرُوطِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اسْتَحَقَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِطَرِيقِ الْوَصِيَّةِ وَلَا وَصِيَّةَ لِلْوَارِثِ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْأَجْنَبِيِّ لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ مَعَ الدَّيْنِ، وَالْجَوَابُ فِي حَقِّ الْأَجْنَبِيِّ قَدْ ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
صَحِيحٌ دَفَعَ أَرْضًا إلَى مَرِيضٍ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَالْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ وَلَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ ثُمَّ مَاتَ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِيمَا إذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً، وَالْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ عَلَى الْفُصُولِ الَّتِي ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّ هُنَاكَ الْمَرِيضُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ لِلْعَامِلِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَهُنَا الْمَرِيضُ مُسْتَأْجِرٌ لِلْأَرْضِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَالْمُعَامَلَةُ فِي هَذَا كَالْمُزَارَعَةِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ زَرْعًا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ بَقْلٌ لَمْ يُسْتَحْصَدْ أَوْ كُفُرَّى فِي رُءُوسِ النَّخِيلِ أَوْ ثَمَرًا فِي شَجَرٍ حِينَ طَلَعَ أَخْضَرَ، وَلَمْ يَبْلُغْ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ فَمَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمَرِيضِ، وَإِذَا دَفَعَ الْمَرِيضُ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا مُعَامَلَةً هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَهُ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَأَخْرَجَ النَّخِيلُ كُفُرَّى
стр. 2498
يَكُونُ نِصْفُهُ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِ أَوْ أَقَلَّ فَقَامَ عَلَيْهِ وَسَقَاهُ حَتَّى صَارَ بُسْرًا يُسَاوِي مَالًا عَظِيمًا ثُمَّ صَارَ حَشَفًا قِيمَتُهُ أَقَلُّ مِنْ قِيمَةِ الْكُفُرَّى حِينَ خَرَجَ ثُمَّ مَاتَ صَاحِبُ النَّخِيلِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ كَثِيرٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ، فَإِنَّ جَمِيعَ مَا تَرَكَ الْمَيِّتُ يُقَسَّمُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَبَيْنَ الْغُرَمَاءِ يَضْرِبُ فِيهِ الْغُرَمَاءُ بِدُيُونِهِمْ وَيَضْرِبُ الْعَامِلُ فِيهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ الْحَشَفِ وَلَا يَضْمَنُ الْعَامِلُ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَيِّتِ دَيْنٌ، وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا كَانَ لِلْعَامِلِ نِصْفُ الْحَشَفِ وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلُ إقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(وَمِمَّا يَتَّصِلُ بِهَذَا فَصْلُ إقْرَارِ الْمَرِيضِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا مَرِضَ الرَّجُلُ وَفِي يَدِهِ أَرْضٌ لِرَجُلٍ يَزْرَعُهَا وَعَلَيْهِ دَيْنُ الصِّحَّةِ فَأَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّ الْبَذْرَ كَانَ مِنْ قِبَلِهِ وَأَنَّهُ شَرَطَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ الزَّرْعِ، ثُمَّ مَاتَ وَأَنْكَرَ الْغُرَمَاءُ ذَلِكَ، يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْمَرِيضُ أَقَرَّ بِهَذَا بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى إقْرَارِهِ وَبُدِئَ بِدَيْنِ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، وَإِذَا قَضَى دَيْنَ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ يُنْظَرُ إنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ يُعْطَى لِرَبِّ الْأَرْضِ مِنْ ذَلِكَ قَدْرُ أَجْرِ مِثْلِ أَرْضِهِ، وَمَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ إلَى تَمَامِ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ يَكُونُ وَصِيَّةً لِرَبِّ الْأَرْضِ فَيُسَلَّمُ لَهُ إنْ كَانَ يَخْرُجُ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِذَلِكَ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ صُدِّقَ فِي حَقِّ غُرَمَاءِ الصِّحَّةِ، فَإِنْ قَضَى الدَّيْنَ فَبَقِيَ مِنْ الْمَالِ شَيْءٌ أَعْطَى صَاحِبَ الْأَرْضِ تَمَامَ الْمَشْرُوطِ مِنْ ثُلُثِ مَا بَقِيَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ، هَذَا إذَا كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنُ الصِّحَّةِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنُ الْمَرَضِ وَجَبَ بِإِقْرَارِهِ فِي حَالَةِ الْمَرَضِ وَأَقَرَّ الْمَرِيضُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنْ أَقَرَّ وَالزَّرْعُ بَقْلٌ بُدِئَ بِحَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ فَيُعْطَى لَهُ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ مِنْ ثُلُثَيْ الْخَارِجِ إنْ كَانَ ثُلُثَا الْخَارِجِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ مِنْ الْمَرِيضِ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِالْمُزَارَعَةِ سَابِقًا عَلَى الْإِقْرَارِ بِالدَّيْنِ يُعْطَى لِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ أَوَّلًا، ثُمَّ يُقْضَى دَيْنُ الْمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ الْإِقْرَارُ بِالدَّيْنِ سَابِقًا فَإِنَّ رَبَّ الْأَرْضِ يُحَاصُّ الْمُقَرَّ لَهُ بِالدَّيْنِ بِمِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، هَذَا إذَا أَقَرَّ الْمُزَارَعُ بِمَا ذَكَرْنَا وَالْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارَعِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ صُدِّقَ فِي إقْرَارِهِ سَوَاءٌ أَقَرَّ بِذَلِكَ بَعْدَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ أَوْ قَبْلَهُ، وَإِنْ كَانَ الْمَرِيضُ رَبَّ الْأَرْضِ وَأَقَرَّ بِمَا قُلْنَا فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي الْمُزَارِعِ، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ نَخِيلًا مُعَامَلَةً فَلَمَّا صَارَ تَمْرًا مَرِضَ الْعَامِلُ فَقَالَ: شَرَطَ لِي رَبُّ النَّخِيلِ السُّدُسَ وَصَدَّقَهُ فِي ذَلِكَ رَبُّ النَّخِيلِ وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ وَالْوَرَثَةُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْعَامِلِ.
فَإِنْ قَالَ وَرَثَةُ الْعَامِلِ أَوْ غُرَمَاؤُهُ: نَحْنُ نُقِيمُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ لَا تُسْمَعُ بَيِّنَتُهُمْ، وَلَوْ طَلَبُوا اسْتِحْلَافَ رَبِّ النَّخِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ لَمْ يَحْلِفْ رَبُّ النَّخِيلِ عَلَى دَعْوَاهُمْ قَالُوا: مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ لَا يُسْتَحْلَفُ عَلَى دَعْوَى الْوَرَثَةِ أَنَّهُ مَا شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، أَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيُسْتَحْلَفُ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْعَامِلُ حَيًّا وَأَقَرَّ أَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ شَرَطَ لَهُ السُّدُسَ يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ رَبُّ النَّخِيلِ مَا شَرَطَ لَهُ السُّدُسَ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ وَأَنِّي أَقْرَرْتُ بِالسُّدُسِ كَاذِبًا وَطَلَبِ يَمِينَ رَبِّ النَّخِيلِ يَنْبَغِي أَنْ يَحْلِفَ رَبُّ النَّخِيلِ.
هَذَا إذَا كَانَ الْعَامِلُ أَجْنَبِيًّا مِنْ رَبِّ النَّخِيلِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْعَامِلُ وَارِثَ رَبِّ النَّخِيلِ فَأَقَرَّ الْعَامِلُ أَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ شَرَطَ لَهُ السُّدُسَ بَعْدَ مَا أَدْرَكَ الثَّمَرُ صُدِّقَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ قَالَ وَرَثَةُ الْعَامِلِ أَوْ غُرَمَاؤُهُ: نَحْنُ نُقِيمُ بَيِّنَةً أَنَّ رَبَّ النَّخِيلِ شَرَطَ لَهُ النِّصْفَ سَمِعَ بَيِّنَتَهُمْ، وَلَوْ طَلَبُوا يَمِينَ رَبِّ النَّخِيلِ عَلَى ذَلِكَ يُسْتَحْلَفُ رَبُّ النَّخِيلِ، وَإِذَا أَقَرَّ الْمَرِيضُ أَنَّهُ دَفَعَ إلَى وَارِثِهِ نَخْلًا مُعَامَلَةً وَالثَّمَرُ لَمْ يُدْرِكْ بَعْدُ، ثُمَّ أَقَرَّ الْمَرِيضُ بِدَيْنٍ فِي الْمَرَضِ ثُمَّ مَاتَ بُدِئَ بِدَيْنِ الْعَامِلِ فَيُعْطَى لَهُ مِقْدَارُ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، ثُمَّ يُقْضَى الدَّيْنُ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ لِمَرِيضٍ، هَكَذَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّ هَذَا قَوْلُهُمَا، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَصِحَّ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ، فَإِنْ قَالَ الْوَارِثُ الْعَامِلُ: بَقِيَ لِي إلَى تَمَامِ حَقِّي شَيْءٌ لَمْ يَصِلْ إلَيَّ، وَقَالَ بَاقِي الْوَرَثَةِ: لَمْ يَبْقَ لَكَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ حَقَّكَ كَانَ أَجْرَ الْمِثْلِ وَقَدْ وَصَلَ إلَيْكَ، فَأَرَادَ الْعَامِلُ اسْتِحْلَافَ بَاقِي الْوَرَثَةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ قَالَ الْوَارِثُ الْعَامِلُ: كَانَ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ فِي حَالِ الصِّحَّةِ، وَالْإِقْرَارُ كَانَ فِي حَالِ الْمَرَضِ كَانَ لَهُ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمْ، وَإِنْ قَالَ: كَانَ
стр. 2499
عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ فِي حَالِ الْمَرَضِ لَمْ يَسْتَحْلِفْهُمْ
كَذَا فِي الْمُحِيطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الرَّهْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(الْبَابُ الْخَامِسَ عَشَرَ فِي الرَّهْنِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) رَهَنَ أَرْضًا وَنَخْلًا لَهُ فَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ: اسْقِهِ وَأَلْقِحْهُ وَاحْفَظْهُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ نِصْفَانِ فَقَبِلَ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَلِلْمُرْتَهِنِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِي التَّلْقِيحِ وَالسَّقْيِ دُونَ الْحِفْظِ وَالْأَرْضُ وَالْخَارِجُ رَهْنٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا مَزْرُوعَةً صَارَ الزَّرْعُ بَقْلًا فِيهَا، وَلَوْ كَانَ الرَّهْنُ أَرْضًا بَيْضَاءَ فَمُزَارَعَةُ الرَّاهِنِ وَالْبَذْرُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ جَائِزَةٌ وَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ وَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ وَلَا تَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بِتَجْدِيدٍ، وَلَوْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الرَّاهِنِ فَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُعِيدَهَا رَهْنًا بَعْدَ الزَّرْعِ، وَلَوْ ارْتَهَنَ أَرْضًا بَيْضَاءَ وَفِيهَا نَخِيلٌ فَأَمَرَهُ أَنْ يَزْرَعَ الْأَرْضَ سَنَةً بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ بِالنِّصْفِ وَيَقُومُ عَلَى النَّخِيلِ وَيَسْقِيهِ وَيُلَقِّحُهُ وَيَحْفَظُهُ بِالنِّصْفِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ وَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَفْرَدَ الْمُزَارَعَةَ عَلَى الْأَرْضِ جَازَتْ وَتَخْرُجُ عَنْ الرَّهْنِ، وَلَوْ أَفْرَدَ الْمُعَامَلَةَ عَلَى النَّخِيلِ لَا تَجُوزُ فَكَذَا إذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا جَازَ مَا يَجُوزُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ وَبَطَلَ مَا يَبْطُلُ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، وَفَسَادُ الْمُعَامَلَةِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْمُزَارَعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْمُزَارَعَةِ غَيْرُ مَشْرُوطَةٍ فِيهَا، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(الْبَابُ السَّادِسَ عَشَرَ فِي الْعِتْقِ وَالْكِتَابَةِ مَعَ الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) إذَا أَعْتَقَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ أَرْضَهُ عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَرَضِيَ بِذَلِكَ الْعَبْدُ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ فَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ وَالْعِتْقُ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُزَارَعَةٌ شُرِطَ فِيهَا عِتْقٌ وَعِتْقٌ شُرِطَ فِيهِ مُزَارَعَةٌ غَيْرَ أَنَّ الْمُزَارَعَةَ تَبْطُلُ بِاشْتِرَاطِ عَقْدٍ آخَرَ فِيهَا وَالْعِتْقُ لَا يَبْطُلُ، فَإِنْ زَرَعَ الْعَبْدُ بَعْدَ ذَلِكَ وَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا فَالزَّرْعُ كُلُّهُ لِلْعَبْدِ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِمَوْلَاهُ كَمَا فِي سَائِرِ الْمُزَارَعَاتِ الْفَاسِدَاتِ، وَعَلَى الْعَبْدِ أَيْضًا قِيمَةُ نَفْسِهِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ. (الْوَجْهُ الثَّانِي) : أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى وَمِنْ قِبَلِ الْعَبْدِ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا وَالْعِتْقُ جَائِزٌ وَالْخَارِجُ فِي هَذَا الْوَجْهِ لِلْمَوْلَى، وَعَلَى الْمَوْلَى لِلْعَبْدِ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ أَجْرُ مِثْلِ الْعَبْدِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلِلْمَوْلَى عَلَيْهِ بِسَبَبِ الْعِتْقِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، وَإِذَا كَاتَبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَ الْمُكَاتَبُ أَرْضَ الْمَوْلَى سَنَتَهُ هَذِهِ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهَيْنِ: (الْأَوَّلُ) أَنْ تَكُونَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى وَمَنْ جَانِبِ الْمُكَاتَبِ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ.
وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ وَالْكِتَابَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا، وَإِذَا فَسَدَتْ الْكِتَابَةُ كَانَ لِلْمَوْلَى أَنْ يَنْقُضَهَا كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى خَمْرٍ أَوْ خِنْزِيرٍ، فَإِنْ لَمْ يَنْقُضْهَا حَتَّى زَرَعَ الْمُكَاتَبُ الْأَرْضَ وَأَخْرَجَتْ زَرْعًا فَجَمِيعُ مَا خَرَجَ لِلْمَوْلَى، وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى الْمَوْلَى أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَعَتَقَ الْمُكَاتَبُ لِأَنَّهُ أَوْجَدَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِتْقُ فِي الْكِتَابَةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ زِرَاعَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ هَذِهِ السَّنَةَ وَزِرَاعَةُ هَذِهِ الْأَرْضِ هَذِهِ السَّنَةَ مَعْلُومَةٌ وَقْتَ الْعَقْدِ، وَإِذَا كَانَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الْعِتْقُ مَعْلُومًا وَقْتَ الْعَقْدِ وَقَدْ أَوْجَدَهُ الْمُكَاتَبُ يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ كَمَا لَوْ كَاتَبَهُ عَلَى رِطْلٍ مِنْ خَمْرٍ وَأَدَّى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ لِلْمَوْلَى عَلَى الْمُكَاتَبِ قِيمَتُهُ، وَلِلْمُكَاتَبِ عَلَى الْمَوْلَى أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، فَإِنْ كَانَا سَوَاءً تَقَاصَّا، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْمُكَاتَبِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرٍ مِثْلِ عَمَلِ الْمُكَاتَبِ رَجَعَ الْمَوْلَى عَلَيْهِ بِالْفَضْلِ، وَإِنْ كَانَ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ أَكْثَرَ لَا يَرْجِعُ هُوَ عَلَى الْمَوْلَى بِشَيْءٍ.
(الْوَجْهُ الثَّانِي) إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ مِنْ قِبَلِ الْمَوْلَى وَالْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ قِبَلِ الْمُكَاتَبِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْمُزَارَعَةُ وَالْمُكَاتَبَةُ فَاسِدَتَانِ أَيْضًا، وَلِلْمَوْلَى أَنْ يَنْقُضَ الْكِتَابَةَ، وَإِذَا لَمْ يَنْقُضْهَا حَتَّى أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا لَا يُعْتَقُ الْمُكَاتَبُ، وَالْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ فِي هَذَا الْبَابِ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2500
[الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي التَّزْوِيجِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ]
(الْبَابُ السَّابِعَ عَشَرَ فِي التَّزْوِيجِ وَالْخُلْعِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) وَإِذَا تَزَوَّجَ امْرَأَةً بِمُزَارَعَةِ أَرْضِهِ هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ تَزْرَعَهَا الْمَرْأَةُ بِبَذْرِهَا وَعَمَلِهَا فَمَا خَرَجَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ وَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ وَصَدَاقُهَا مِثْلُ نِصْفِ أَجْرِ الْأَرْضِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنْ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، فَإِنْ زَرَعَتْ الْمَرْأَةُ الْأَرْضَ فَأَخْرَجَتْ أَوْ لَمْ تُخْرِجْ، وَلَمْ يُطَلِّقْهَا فَالْخَارِجُ لِلْمَرْأَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَعَلَيْهَا نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَلَا صَدَاقَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمِنْ أَجْرِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِثْلَ أَجْرِ الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ فَقَدْ اسْتَوْفَتْ مَا وَجَبَ لَهَا عَلَيْهِ فَصَارَ قِصَاصًا، فَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا أَقَلَّ تَرُدُّ عَلَيْهِ فَضْلَ مَا بَيْنَهُمَا إلَى تَمَامِ أَجْرِ الْأَرْضِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ رُبْعُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا الْمُتْعَةُ.
وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا رُبْعُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ صَدَاقًا وَلِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ تَمَامُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ لِفَسَادِ الْمُزَارَعَةِ فَيَتَقَاصَّانِ بِقَدْرِ الرُّبْعِ وَتُرَدُّ الزِّيَادَةُ إلَى تَمَامِ أَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا الْمُتْعَةُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ لَمَّا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا وَوَجَبَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَلَا يَتَقَاصَّانِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا، وَإِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا إنْ كَانَ الطَّلَاقُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا أَجْرُ مِثْلِ نِصْفِ الْأَرْضِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَعَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ وَمِنْ جَمِيعِ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا شَيْءٌ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَدْ وَجَبَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِسَبَبِ فَسَادِ الْمُزَارَعَةِ.
وَقَدْ وَجَبَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ، فَبِقَدْرِ النِّصْفِ تَقَعُ الْمُقَاصَّةُ وَيَجِبُ عَلَيْهَا رَدُّ نِصْفِ الْأَجْرِ عَلَى الزَّوْجِ، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْأَقَلُّ مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَمِنْ أَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ وَلِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ فَسَادِ الْمُزَارَعَةِ أَجْرُ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ مَهْرُ مِثْلِهَا مِثْلَ أَجْرِ جَمِيعِ الْأَرْضِ أَوْ أَكْثَرَ فَإِنَّهَا لَا تَرُدُّ عَلَى الزَّوْجِ شَيْئًا وَوَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ وَمِنْ جِهَةِ الزَّوْجِ الْأَرْضُ لَا غَيْرُ، فَإِنْ كَانَ عَلَى الْقَلْبِ بِأَنْ كَانَ مِنْ جَانِبِهَا الْأَرْضُ وَمِنْ جَانِبِهِ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ وَبَاقِي الْمَسْأَلَةِ بِحَالِهَا فَالنِّكَاحُ جَائِزٌ.
وَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِذَا زَرَعَهَا الزَّوْجُ بَعْدَ ذَلِكَ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلزَّوْجِ، وَعَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ لِلْمَرْأَةِ، وَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ مَهْرُ الْمِثْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ بَذَلَ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا نِصْفَ الْخَارِجِ وَأَنَّهُ مَجْهُولٌ، وَتَسْمِيَةُ مَا هُوَ مَجْهُولٌ بِمُقَابَلَةِ الْبُضْعِ يُوجِبُ مَهْرَ الْمِثْلِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا.
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ هُنَاكَ الزَّوْجُ بَذَلَ بِإِزَاءِ بُضْعِهَا مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ وَأَنَّهُ مَعْلُومٌ فَيُمْنَعُ وُجُوبُ مَهْرِ الْمِثْلِ، فَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الدُّخُولِ إنْ كَانَ قَبْلَ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ فَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ الْمُتْعَةُ وَلَا شَيْءَ لِلزَّوْجِ عَلَيْهَا بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الطَّلَاقُ بَعْدَ زِرَاعَةِ الْأَرْضِ فَلَهَا عَلَى الزَّوْجِ الْمُتْعَةُ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَلِلزَّوْجِ عَلَيْهَا أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ بَعْدَ الدُّخُولِ بِهَا، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَلَا شَيْءَ لَهَا عَلَى الزَّوْجِ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَلِلْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ مَهْرُ الْمِثْلِ بِسَبَبِ النِّكَاحِ وَأَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بِسَبَبِ الْمُزَارَعَةِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْأَرْضُ مِنْ قِبَلِ الزَّوْجِ وَمِنْ جَانِبِهَا مُجَرَّدُ الْعَمَلِ فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ سَوَاءٌ، وَإِنْ كَانَ الْأَرْضُ وَالْبَذْرُ مِنْ جَانِبِهَا وَمِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ مُجَرَّدُ الْعَمَلِ فَهَذَا وَمَا لَوْ كَانَ الْبَذْرُ وَالْعَمَلُ
стр. 2501
مِنْ جَانِبِهَا سَوَاءٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهَا نَخْلًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ فَلَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ شَرَطَ لَهَا نِصْفَ الْخَارِجِ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَعَمَلِهَا، وَلَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَنْ تَدْفَعَ إلَيْهِ نَخْلًا مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ فَالْمَسْأَلَةُ عَلَى الِاخْتِلَافِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ الْتَزَمَ الْعَمَلَ بِمُقَابَلَةِ بُضْعِهَا وَنِصْفِ الْخَارِجِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
(وَأَمَّا مَسَائِلُ الْخُلْعِ) فَاعْلَمْ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ فِي بَابِ الْخُلْعِ نَظِيرُ الرَّجُلِ فِي بَابِ النِّكَاحِ لِأَنَّ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْبَذْلُ فِي الْخُلْعِ الْمَرْأَةُ، وَمَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْبَذْلُ فِي بَابِ النِّكَاحِ الزَّوْجُ، فَإِنْ بَذَلَتْ الْمَرْأَةُ مَنْفَعَةَ أَرْضِهَا أَوْ مَنْفَعَةَ نَفْسِهَا فَلِلزَّوْجِ عَلَى الْمَرْأَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - بِسَبَبِ الْخُلْعِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَهُ الْأَقَلُّ مِنْ الْمَهْرِ الَّذِي سَمَّى لَهَا وَمِنْ أَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَإِنْ بَذَلَتْ نِصْفَ الْخَارِجِ مِنْهَا يَقَعُ الْخُلْعُ بِالْمَهْرِ الَّذِي سُمِّيَ لَهَا بَالِغًا مَا بَلَغَ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَالْجَوَابُ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ نَظِيرُ الْجَوَابِ فِي الْخُلْعِ إنْ كَانَ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْبَذْلُ وَهُوَ الْقَاتِلُ بَذَلَ مَنْفَعَةَ أَرْضِهِ أَوْ نَفْسِهِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ وَنِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِوَلِيِّ الْقَتِيلِ الْأَقَلُّ مِنْ الدِّيَةِ وَمِنْ أَجْرِ مِثْلِ جَمِيعِ الْأَرْضِ، وَإِنْ بَذَلَ الْقَاتِلُ نِصْفَ الْخَارِجِ بِأَنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَتِهِ فَلِوَلِيِّ الْقَتِيلِ عَلَى الْقَاتِلِ جَمِيعُ الدِّيَةِ وَالْعَفْوُ صَحِيحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْعَفْوَ مِمَّا لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالْخُلْعِ وَالنِّكَاحِ، هَذَا إذَا وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ، وَإِنْ وَقَعَ الصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْخَطَأِ أَوْ عَنْ عَمْدٍ لَا يُسْتَطَاعُ فِيهِ الْقِصَاصُ حَتَّى كَانَ الْوَاجِبُ هُوَ الْمَالُ فَإِنَّ الْمُزَارَعَةَ وَالصُّلْحَ جَمِيعًا يَفْسُدَانِ وَيَبْقَى حَقُّ الْوَلِيِّ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ قِبَلَ الْجَانِي كَمَا قَبْلَ الصُّلْحِ، وَإِذَا فَسَدَ الصُّلْحُ صَارَ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ فَيَبْقَى حَقُّ وَلِيِّ الْجِنَايَةِ فِي أَرْشِ الْجِنَايَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(الْبَابُ الثَّامِنَ عَشَرَ فِي التَّوْكِيلِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) لَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً أَوْ نَخِيلَهُ مُعَامَلَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ جَازَ إنْ عَيَّنَ الْأَرْضَ وَالنَّخِيلَ فِي التَّوْكِيلِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ يَنْصَرِفُ إلَى أَوَّلِ زِرَاعَةِ هَذِهِ السَّنَةِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْخَارِجَ يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ عِنْدَهُمَا وَكَذَا عِنْدَهُ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَكَذَا فِي مُعَامَلَةِ النَّخِيلِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ جَازَ دَفْعُهُ بِقَلِيلٍ وَكَثِيرٍ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَتَقَيَّدُ بِالْعُرْفِ، وَإِنْ خَالَفَ الْأَمْرَ صَارَ غَاصِبًا، وَإِنْ وَافَقَ فَحَقُّ قَبْضِ الْخَارِجِ لِلْمُوَكِّلِ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْهُ، وَكَذَا فِي مُعَامَلَةِ الْأَشْجَارِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ فَحَقُّ الْقَبْضِ لِلْوَكِيلِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ أَمَرَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضَهُ هَذِهِ مُزَارَعَةً فَأَعْطَاهَا رَجُلًا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ سِمْسِمًا أَوْ أُرْزًا فَهُوَ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ وَبَذْرًا مَعَهَا مُزَارَعَةً فَأَخَذَهَا مَعَ حِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُبُوبَاتِ جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَأْخُذَ لَهُ هَذِهِ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً فَأَخَذَهَا مِنْ صَاحِبِهَا لِلْمُوَكِّلِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً أَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ شَعِيرًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَزْرَعَ إلَّا مَا شَرَطَ عَلَيْهِ رَبُّ الْأَرْضِ، وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَدْفَعَ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً هَذِهِ السَّنَةَ فَآجَرَهَا لِيَزْرَعَ حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا بِكُرٍّ مِنْ حِنْطَةٍ وَسَطٍ أَوْ بِكُرٍّ مِنْ شَعِيرٍ وَسَطٍ أَوْ سِمْسِمٍ أَوْ أُرْزٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا تُخْرِجُ الْأَرْضُ فَذَلِكَ جَائِزٌ اسْتِحْسَانًا، وَفِي الْقِيَاسِ هُوَ مُخَالِفٌ لِأَنَّ الْمُوَكِّلَ إنَّمَا رَضِيَ بِالْمُزَارَعَةِ لِيَكُونَ شَرِيكًا فِي الْخَارِجِ.
وَقَدْ أَتَى بِغَيْرِ ذَلِكَ حِينَ آجَرَهَا بِأُجْرَةٍ مُسَمَّاةٍ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: قَدْ حَصَلَ مَقْصُودُ الْآمِرِ عَلَى وَجْهٍ يَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَهَا مُزَارَعَةً فَلَمْ يَزْرَعْهَا أَوْ أَصَابَ الزَّرْعَ آفَةٌ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ شَيْءٌ، وَهُنَا نُقَرِّرُ حَقَّ رَبِّ الْأَرْضِ دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُسْتَأْجِرِ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ زِرَاعَتِهَا، وَإِنْ لَمْ يَزْرَعْ أَوْ أَصَابَ الْأَرْضَ آفَةٌ، وَمَتَى أَتَى الْوَكِيلُ بِجِنْسِ مَا أَمَرَ بِهِ وَهُوَ أَنْفَعُ لِلْآمِرِ مِمَّا نَصَّ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُخَالِفًا كَانَ عَقْدُهُ كَعَقْدِ الْمُوَكِّلِ بِنَفْسِهِ فَلِلْمُسْتَأْجِرِ أَنْ يَزْرَعَهَا مَا بَدَا لَهُ وَالتَّقْيِيدُ بِالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ غَيْرُ مُفِيدٍ هُنَا فِي حَقِّ رَبِّ الْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا شَرِكَةَ لَهُ فِي الْخَارِجِ بِخِلَافِ الدَّفْعِ مُزَارَعَةً، وَإِنْ آجَرَهَا بِدَرَاهِمَ أَوْ ثِيَابٍ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا
стр. 2502
لَا يَزْرَعُ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ خَالَفَ فِي الْجِنْسِ فَرَبُّ الْأَرْضِ نَصَّ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً وَذَلِكَ إجَارَةُ الْأَرْضِ بِشَيْءٍ تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ، فَإِذَا آجَرَهَا الْوَكِيلُ بِشَيْءٍ لَا تُخْرِجُهُ الْأَرْضُ كَانَ مُخَالِفًا فِي جِنْسِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْمُوَكِّلُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ إذَا بَاعَ بِأَلْفِ دِينَارٍ لَا يَنْفُذُ عَلَى الْمُوَكِّلِ، بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ هَذِهِ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ فَاسْتَأْجَرَهَا بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَنَحْوِهِ لَمْ تَجُزْ إلَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا الْوَكِيلُ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَعَلَيْهِ لِلْعَامِلِ كُرُّ حِنْطَةٍ أَوْ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَ الْوَكِيلُ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ دَرَاهِمَ أَوْ ثِيَابًا لَمْ يَجُزْ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِهِ الْآمِرُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَهَا لَهُ مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ فَأَخَذَهَا الْوَكِيلُ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا الْمُزَارِعُ، وَيَكُونُ لِلْمُزَارِعِ ثُلُثُ الْخَارِجِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ ثُلُثَاهُ لَمْ يَجُزْ هَذَا عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي قَالَهُ الْمُزَارِعُ إنَّمَا يَقَعُ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ لِمَا بَيَّنَّا أَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ عِوَضًا عَنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ، فَمَا يَصْحَبُهُ حَرْفُ الْبَاءِ يَكُونُ حِصَّتُهُ مِنْ الْخَارِجِ وَقَدْ أَتَى بِضِدِّهِ، وَلَوْ كَانَ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ وَالثُّلُثَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا جَازَ ذَلِكَ عَلَى الْمُزَارِعِ؛ لِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُنَا عَمَلُ الْعَامِلِ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْخَارِجَ بِمُقَابَلَةِ عَمَلِهِ فَإِذَا شَرَطَ الثُّلُثَ لَهُ كَانَ مُمْتَثِلًا أَمْرَهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَلَوْ وَكَّلَ رَجُلًا بِأَنْ يُؤَجِّرَ أَرْضَهُ سَنَةً بِكُرِّ حِنْطَةٍ وَسَطٍ فَدَفَعَهَا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا حِنْطَةً فَزَرَعَهَا كَانَ الْوَكِيلُ مُخَالِفًا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا مُزَارَعَةً بِالثُّلُثِ فَدَفَعَهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ لِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثُ جَازَ، فَإِنْ قَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: إنَّمَا عَيَّنْتُ لِلْمُزَارِعِ الثُّلُثَ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ حِينَئِذٍ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمُزَارِعِ]
(الْبَابُ التَّاسِعَ عَشَرَ فِي بَيَانِ مَا يَجِبُ مِنْ الضَّمَانِ عَلَى الْمُزَارِعِ) وَلَوْ كَانَ الْأَكَّارُ تَرَكَ سَقْيَ الْأَرْضِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَتَّى يَبِسَ فَإِنَّهُ يَضْمَنُ قِيمَةَ الزَّرْعِ نَابِتًا وَالْمُعْتَبَرُ فِي التَّقْوِيمِ حِينَ صَارَ الزَّرْعُ بِحَالٍ يَضُرُّهُ تَرْكُ السَّقْيِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّرْعِ قِيمَةٌ حِينَئِذٍ فَإِنَّهُ تُقَوَّمُ الْأَرْضُ مَزْرُوعَةً وَغَيْرَ مَزْرُوعَةٍ فَيَضْمَنُ نِصْفَ فَضْلِ مَا بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
أَخَّرَ الْأَكَّارُ السَّقْيَ إنْ كَانَ تَأْخِيرًا مُعْتَادًا يَفْعَلُهُ النَّاسُ لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا يَضْمَنُ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَإِذَا تَرَكَ الْأَكَّارُ حِفْظَ الزَّرْعِ حَتَّى أَصَابَتْهُ آفَةٌ مِنْ أَكْلِ الدَّوَابِّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ يَضْمَنُ، وَإِذَا لَمْ يَطْرُدْ الْجَرَادَ حَتَّى أَكَلَ الزَّرْعَ يُنْظَرُ إنْ كَانَ الْجَرَادُ بِحَالٍ لَا يُمْكِنُ طَرْدُهُ وَدَفْعُهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَرَكَ الْأَكَّارُ الْحِفْظَ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ يَجِبُ الضَّمَانُ وَمَا لَا فَلَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يُدْرِكْ الزَّرْعَ فَأَمَّا إذَا أَدْرَكَ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُزَارِعِ بِتَرْكِ الْحِفْظِ كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
الذَّارِيُّ: يَضْمَنُ بِتَرْكِ الْحِفْظِ كَدَسِّهِ لَيْلًا إذَا كَانَ الْحِفْظُ عَلَيْهِ مُتَعَارَفًا، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ. وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَوْ أَنَّ الْمُزَارِعَ حَصَدَ الزَّرْعَ وَجَمَعَ وَدَاسَ بِغَيْرِ إذْنِ الدَّافِعِ وَمِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَحِصَّةُ الدَّافِعِ مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَتَغَافَلَ عَنْهُ حَتَّى هَلَكَ الزَّرْعُ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَلْخِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يَضْمَنُ الْهَالِكَ، وَذَكَرَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ إذَا أَخَّرَ تَأْخِيرًا لَا يَفْعَلُ النَّاسُ مِثْلَهُ يَضْمَنُ، وَإِذَا أَخَّرَ تَأْخِيرًا يَفْعَلُ النَّاسُ مِثْلَهُ لَا يَضْمَنُ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا اخْتَارَهُ أَئِمَّةُ بَلْخٍ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مِنْ صِحَّةِ اشْتِرَاطِ هَذِهِ الْأَعْمَالِ عَلَى الْمُزَارِعِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَكَذَا هَذَا فِي اجْتِنَاءِ الْقُطْنِ إذَا انْفَتَقَ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
تَرَكَ الْأَكَّارُ إخْرَاجَ الْجَزَرِ وَالْحِنْطَةِ الرَّطْبَةِ إلَى الصَّحْرَاءِ وَكَانَ الشَّرْطُ عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ ضَمِنَ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَفِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - حَرْثٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَبَى أَحَدُهُمَا أَنْ يَسْقِيَهُ يُجْبَرُ عَلَيْهِ، فَإِنْ فَسَدَ الزَّرْعُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْقَاضِي فَأَمَرَهُ الْقَاضِي فَامْتَنَعَ ضَمِنَ إذَا فَسَدَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ.
وَفِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ إذَا كَانَ بَقَرُ الْمَالِكِ فِي يَدِ الْأَكَّارِ فَبَعَثَ إلَى الرَّاعِي إلَى السَّرْحِ لَا يَضْمَنُ هُوَ وَلَا الرَّاعِي وَالْبَقَرُ الْمُسْتَعَارُ وَالْمُسْتَأْجَرُ عَلَى هَذَا، قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: وَاضْطَرَبَتْ الرِّوَايَاتُ مِنْ
стр. 2503
الْمَشَايِخِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَيُفْتَى بِهَذَا لِأَنَّ الْمُودَعَ يَحْفَظُ مَالَ الْوَدِيعَةِ كَمَا يَحْفَظُ مَالَ نَفْسِهِ وَهُوَ يَحْفَظُ بَقَرَهُ فِي السَّرْحِ فَكَذَا بَقَرُ الْوَدِيعَةِ، وَلَوْ تَرَكَ الْبَقَرَ يَرْعَى فَضَاعَ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِيهِ قَالَ: وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَصْلِ: إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ وَجَعَلَ الْبَدَلَ كُرَّ حِنْطَةٍ بِعَيْنِهِ فِي يَدِ الْمُزَارَعِ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ زَرَعَ الْمُزَارَعُ سَنَتَهُ هَذِهِ كُلَّهَا فَلَمَّا انْقَضَتْ السَّنَةُ وَاسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ اسْتَهْلَكَ الْمُزَارَعُ الْكُرَّ الَّذِي بِهِ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ فَعَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ طَعَامُ مِثْلِ ذَلِكَ الطَّعَامِ، وَإِذَا فَسَدَتْ الْإِجَارَةُ وَجَبَ عَلَى الْمُزَارِعِ رَدُّ مَا اسْتَوْفَى مِنْ مَنْفَعَةِ الْأَرْضِ وَتَعَذَّرَ رَدُّ عَيْنِهَا فَيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِهَا وَقِيمَةُ الْمَنْفَعَةِ أَجْرُ الْمِثْلِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَتْلَفَ شِرْبَ إنْسَانٍ بِأَنْ اسْتَسْقَى أَرْضَهُ بِشِرْبِ غَيْرِهِ قِيلَ: يَضْمَنُ، وَقِيلَ: لَا يَضْمَنُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
سُئِلَ (مُعْتَاد آنَسَتْ كه كديوران بتابستان درباغ باشند وَاكَرٍ كديوري بتابستان درباغ نباشد وَبَاغٍ راضايع ماند تادرخت بركند نديا جوب وارنج بردند) اتَّفَقَتْ الْأَجْوِبَةُ عَلَى أَنَّ عَلَى الكديور الضَّمَانَ وَمِنْ هَذَا الْجِنْسِ (
مُعْتَادُ أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ
آنست كه كديوران درز مستان در محلها ميبا شندنه درباغها أَمَّا وَقْت تابستان درباغها در آيند وباغ را مطالعه كنندو آن مطالعه را از جُمْلَة حفظ دانندوا كر بزمستان كسي درباغ بيايد وُجُوبهَا وارنج ببرديا درختان بركند حُكْم مَسْأَلَة آنست كه أكر كديور مطالعه مُعْتَاد كرد تاوان دَار نشودو اكر مطالعه مُعْتَاد نكرده باشد تاوان دَار شود) ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الْعُشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ]
(الْبَابُ الْعِشْرُونَ فِي الْكَفَالَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ) وَلَوْ شَرَطَ الْكَفَالَةَ بِالزِّرَاعَةِ فِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَالْبَذْرِ مِنْ الْعَامِلِ فَسَدَتَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْكَفَالَةُ مَشْرُوطَةً فِيهَا بَطَلَتْ الْكَفَالَةُ وَصَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ الْبَذْرَ مَتَى كَانَ مِنْ الْعَامِلِ فَالْعَمَلُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ إنْ شَاءَ عَمِلَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، وَالْكَفَالَةُ بِعَمَلٍ غَيْرِ مَضْمُونٍ فَاسِدَةٌ، وَمَتَى شَرَطَا فِي الْمُزَارَعَةِ فَقَدْ شَرَطَا شَرْطًا فَاسِدًا لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ فَيَفْسُدُ كَمَا فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، وَمَتَى لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِيهَا فَقَدْ خَلَا الْعَقْدُ عَنْ الْمُفْسِدِ فَصَحَّ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ عَمَلَ الْمُزَارَعِ بِنَفْسِهِ أَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَإِنْ شَرَطَ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَالْمُزَارَعَةُ جَمِيعًا كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ أَمْ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَضْمُونٍ أَمْكَنَهُ اسْتِيفَاؤُهُ عَنْ الْكَفِيلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُزَارَعِ يُجْبَرُ عَلَى إيفَائِهِ وَقَدْ لَزِمَهُ هَذَا الْعَمَلُ بِحُكْمِ الْمُزَارَعَةِ وَأَمْكَنَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ، فَإِنْ أَخَذَ الْمَكْفُولُ لَهُ وَالْكَفِيلُ بِالْعَمَلِ وَعَمِلَ ذَلِكَ الْكَفِيلُ فَلِلْكَفِيلِ عَلَى الْمُزَارِعِ أَجْرُ مِثْلِهِ، فَأَمَّا إذَا شَرَطَ فِي الْمُزَارَعَةِ عَمَلَ الْمُزَارَعِ بِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ فَسَدَتَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً صَحَّتْ الْمُزَارَعَةُ وَبَطَلَتْ الْكَفَالَةُ؛ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ الْكَفِيلِ لِأَنَّ عَمَلَ الْمُزَارَعِ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْ غَيْرِهِ فَكَانَتْ هَذِهِ كَفَالَةً بَاطِلَةً كَمَا فِي الْإِجَارَةِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَالْجَوَابُ فِي الْمُعَامَلَةِ إذَا أَخَذَ رَبُّ النَّخِيلِ مِنْ الْعَامِلِ كَفِيلًا بِالْعَمَلِ نَظِيرَ الْجَوَابِ فِي الْمُزَارَعَةِ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى الرَّجُلِ أَرْضًا مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ وَأَخَذَ رَبُّ الْأَرْضِ مِنْ الْمُزَارِعِ كَفِيلًا بِحِصَّتِهِ أَوْ أَخَذَ الْمُزَارِعُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ كَفِيلًا بِحِصَّتِهِ فَهَذِهِ الْكَفَالَةُ حَصَلَتْ بِصِفَةِ الْفَسَادِ، فَإِنْ شُرِطَتْ فِي الْمُزَارَعَةِ تُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ وَمَا لَا فَلَا
стр. 2504
وَإِنْ أَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ إنْ اسْتَهْلَكَهُ إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْمُزَارَعَةِ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَشْرُوطَةً فِي الْمُزَارَعَةِ فَالْمُزَارَعَةُ وَالْكَفَالَةُ جَائِزَتَانِ، وَإِنْ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةً فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا كَفِيلًا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الزَّرْعِ فَالْكَفَالَةُ بَاطِلَةٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي مُزَارَعَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ]
(الْبَابُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ فِي مُزَارَعَةِ الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ) الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ إذَا دَفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً بِشَرَائِطِهَا فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى جَوَازَ الْمُزَارَعَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارَعِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَخَذَ مُزَارَعَةً بِشَرَائِطِهَا جَازَ، وَكَذَلِكَ الصَّبِيُّ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ مِنْ جِهَةِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ يَمْلِكُ أَخْذَ الْأَرْضِ وَدَفْعَهَا مُزَارَعَةً، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
دَفَعَ الْمَأْذُونُ لَهُ أَرْضًا لَهُ مُزَارَعَةً، ثُمَّ حَجَرَهُ الْمَوْلَى فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارَعِ، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارَعِ بَقِيَتْ الْمُزَارَعَةُ حَجَرَهُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَمْ بَعْدَهَا، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَبْدِ إنْ حَجَرَ عَلَيْهِ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ بَقِيَتْ الْمُزَارَعَةُ، وَإِنْ حَجَرَ عَلَيْهِ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ انْتَقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ، وَلَوْ أَخَذَ الْمَأْذُونُ أَرْضًا مُزَارَعَةً فَحَجَرَ عَلَيْهِ الْمَوْلَى، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ بَقِيَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي جَانِبِ الْعَبْدِ فَلَا يَعْمَلُ الْحَجْرُ فِي حَقِّهِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَبْدِ فَكَذَلِكَ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا صَارَتْ لَازِمَةً وَقَبْلَهَا بَطَلَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ لِلْمَوْلَى أَنْ يَمْنَعَهُ عَنْ الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ فَعَمِلَ الْحَجْرُ وَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ مَعَ الْحَجْرِ فَفَاتَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فَيُفْسَخُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
فَإِذَا دَفَعَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا وَبَذْرًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا هَذِهِ السَّنَةَ بِالنِّصْفِ، ثُمَّ إنَّ الْمَوْلَى نَهَى عَنْ الزِّرَاعَةِ وَفَسَخَ الْمُزَارَعَةَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْجُرْ عَلَى عَبْدِهِ فَالْمُزَارَعَةُ عَلَى حَالِهَا وَلَا يَعْمَلُ نَهْيُ الْمَوْلَى حَتَّى كَانَ لِلْمُزَارِعِ أَنْ يَزْرَعَ؛ لِأَنَّهُ حَجْرٌ خَاصٌّ وَرَدَ عَلَى إذْنٍ عَامٍّ فَلَا يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَخَذَ الْعَبْدُ الْمَأْذُونُ أَرْضًا مُزَارَعَةً وَالْبَذْرُ مِنْ جِهَتِهِ فَمَنَعَهُ الْمَوْلَى مِنْ الزِّرَاعَةِ وَلَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَعْمَلُ مَنْعُهُ وَكَانَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَزْرَعَهَا لِمَا قُلْنَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
صَبِيٌّ أَوْ عَبْدٌ مَحْجُورٌ دَفَعَ أَرْضَهُ لِيَزْرَعَهَا الْعَامِلُ بِبَذْرِهِ وَالْخَارِجُ نِصْفَانِ فَإِنَّهُ بَاطِلٌ، فَإِنْ عَمِلَ وَأَخْرَجَتْ وَلَمْ تَنْقُصْ فَالْخَارِجُ نِصْفَانِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ نَقَصَتْهَا الزِّرَاعَةُ ضَمِنَ النُّقْصَانَ وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لَهُ، وَإِذَا أَعْتَقَ الْعَبْدَ رَجَعَ الْمُزَارِعُ عَلَيْهِ بِمَا أَدَّاهُ إلَى مَوْلَاهُ وَلَا يَرْجِعُ بِذَلِكَ عَلَى الصَّبِيِّ بَعْدَ الْبُلُوغِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْعَبْدُ مِنْ الْمُزَارِعِ نِصْفَ مَا أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ، وَيَكُونُ لَهُ مِقْدَارُ مَا غَرِمَ لِلْمُزَارِعِ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ فَالْفَضْلُ لِمَوْلَاهُ، فَإِنْ قَالَ الْمَوْلَى: لَا آخُذُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ وَأَرْضَى بِنِصْفِ الْخَارِجِ فَلَهُ ذَلِكَ قَبْلَ عِتْقِ الْعَبْدِ وَبَعْدَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمَأْذُونِ فَإِنَّهُ لَا تَصِحُّ الْمُزَارَعَةُ أَوْجَبَتْ الْمُزَارَعَةُ نُقْصَانًا فِي الْأَرْضِ أَوْ لَمْ تُوجِبْ، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ أَوْ إلَى الصَّبِيِّ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ الَّذِي يَعْقِلُ أَرْضًا مُزَارَعَةً بِشَرَائِطِهَا، فَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ وَسَلِمَ الْعَبْدُ عَنْ الْعَمَلِ فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْمُزَارَعَةُ بَاطِلَةً وَيَكُونَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ وَيَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا، فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ قَدْ مَاتَ بَعْدَ مَا اسْتَحْصَدَ الزَّرْعَ فَهُوَ عَلَى وَجْهَيْنِ: إنْ مَاتَا حَتْفَ أَنْفِهِمَا لَا مِنْ عَمَلِ الزِّرَاعَةِ فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ فِي الْعَبْدِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، وَفِي الصَّبِيِّ لَا يَضْمَنُ شَيْئًا، وَإِذَا ضَمِنَ قِيمَةَ الْعَبْدِ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَذْرِ، وَأَمَّا فِي الصَّبِيِّ فَالْخَارِجُ بَيْنَ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَوَرَثَةِ الصَّبِيِّ عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَأَمَّا إذَا مَاتَا مِنْ عَمَلِهِمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْوَجْهُ الثَّانِي، فَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ عَبْدًا فَإِنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ يَضْمَنُ قِيمَةَ الْعَبْدِ سَوَاءٌ مَاتَ الْعَبْدُ مِنْ عَمَلٍ كَانَ مِنْهُ فِي الْأَرْضِ قَبْلَ الِاسْتِحْصَادِ أَوْ مِنْ عَمَلٍ وُجِدَ مِنْهُ بَعْدَ الِاسْتِحْصَادِ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَيْسَ لِمَوْلَى الْعَبْدِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ صَبِيًّا، فَإِنْ مَاتَ مِنْ عَمَلٍ كَانَ مِنْهُ قَبْلَ اسْتِحْصَادِ الزَّرْعِ فَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ دِيَةُ الصَّبِيِّ، وَإِنْ مَاتَ مِنْ عَمَلِهِ بَعْدَ
стр. 2505
الِاسْتِحْصَادِ فَلَا ضَمَانَ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْعَبْدِ أَوْ الصَّبِيِّ فَجَمِيعُ الْخَارِجِ يَكُونُ لِلصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ وَلَا شَيْءَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلَا أَجْرَ عَلَيْهِمَا وَلَا ضَمَانَ النُّقْصَانِ، أَمَّا النُّقْصَانُ فَلِأَنَّ الزِّرَاعَةَ حَصَلَتْ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَوْلُهُ لَا أَجْرَ عَلَيْهِمَا أَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ الْعَبْدِ نَفْيَ الْأَجْرِ فِي الْحَالِ أَمَّا بَعْدَ الْعِتْقِ فَيُخَاطَبُ بِالْأَجْرِ وَأَرَادَ بِهِ فِي حَقِّ الصَّبِيِّ نَفْيَ الْأَجْرِ فِي الْحَالِ، وَبَعْدَ الْبُلُوغِ فَالْعَبْدُ الْمَحْجُورُ يُؤَاخَذُ بِضَمَانِ الْأَقْوَالِ بَعْدَ الْعِتْقِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ قَبْلَ الْعِتْقِ وَالصَّبِيُّ الْمَحْجُورُ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَصِيٌّ يَأْخُذُ أَرْضَ الْيَتِيمِ مُزَارَعَةً، مِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا كَمَا لَوْ دَفَعَهَا إلَى آخَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْيَتِيمِ لَا يَجُوزُ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ بَذْرِهِ حَالًا، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوَصِيِّ جَازَ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ يَصِيرُ مُسْتَأْجِرًا أَرْضَ الْيَتِيمِ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اسْتِئْجَارِ الْوَصِيِّ الصَّغِيرِ وَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -؛ لِأَنَّهُ خَيْرٌ لِلْيَتِيمِ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَجْرُ الْمِثْلِ أَوْ ضَمَانُ الْمِثْلِ أَوْ ضَمَانُ النُّقْصَانِ وَالْبَذْرُ لَوْ كَانَ مِنْ الْيَتِيمِ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ الْخَارِجِ لَمْ تَجُزْ الْمُزَارَعَةُ، وَإِنْ كَانَ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْخَارِجِ خَيْرًا لَهُ جَازَتْ الْمُزَارَعَةُ؛ لِأَنَّ تَمَامَ النَّظَرِ لِلصَّبِيِّ فِي هَذَا، عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّ الْوَصِيَّ إذَا أَخَذَ بَذْرَ الْيَتِيمِ فَزَرَعَهُ فِي أَرْضِ الْيَتِيمِ وَأَشْهَدَ عَلَى الْمُزَارَعَةِ وَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ قَرْضًا وَاسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ، فَإِنْ كَانَ الرِّيعُ خَيْرًا لِلْيَتِيمِ فَلَهُ الرِّيعُ، وَإِنْ كَانَ الْأَجْرُ خَيْرًا لَهُ فَلَهُ الْأَجْرُ هَكَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّانِي وَالْعُشْرُونَ فِي الِاخْتِلَاف الْوَاقِع بَيْن رَبّ الْأَرْض وَالْمَزَارِع]
(الْبَابُ الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ فِي الِاخْتِلَافِ الْوَاقِعِ بَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمُزَارَعِ) يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ بِأَنَّ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَ الْمُزَارَعِ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَخْتَلِفَا فِي جَوَازِ الْمُزَارَعَةِ وَفَسَادِهَا، وَدَعْوَى الْجَوَازِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا شَرْطَ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ فِي الْخَارِجِ، وَدَعْوَى الْفَسَادِ أَنْ يَدَّعِيَ أَحَدُهُمَا شَرْطًا يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ وَذَلِكَ عَلَى وُجُوهٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَدَّعِيَ اشْتِرَاطَ أَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ، وَالثَّانِي أَنْ يَدَّعِيَ اشْتِرَاطَ النِّصْفِ وَزِيَادَةَ عَشْرَةٍ وَالثَّالِثُ أَنْ يَدَّعِيَ اشْتِرَاطَ النِّصْفِ إلَّا عَشَرَةً، فَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا اشْتِرَاطَ النِّصْفِ أَوْ الثُّلُثِ أَوْ الرُّبْعِ وَادَّعَى الْآخَرُ اشْتِرَاطَ أَقْفِزَةٍ مَعْلُومَةٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارَعِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي الْفَسَادَ سَوَاءٌ كَانَ الْمُدَّعِي لِلْفَسَادِ صَاحِبَ الْأَرْضِ أَوْ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَلَا يَتَحَالَفَانِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ إنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةَ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْجَوَازَ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَذْرِ سَوَاءٌ كَانَ يَدَّعِي الْجَوَازَ أَوْ الْفَسَادَ وَسَوَاءٌ أَخْرَجَتْ الْأَرْضَ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي الْجَوَازَ.
الْوَجْهُ الثَّانِي إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ وَفِي هَذَا الْوَجْهِ رَبُّ الْأَرْضِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُزَارَعِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَمَا عَرَفْتَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي جَانِبِ الْمُزَارَعِ ثَمَّةَ فَهُوَ كَذَلِكَ فِي جَانِبِ رَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْوَجْهِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطَ النِّصْفِ وَادَّعَى الْآخَرُ أَقْفِزَةً مَعْلُومَةً، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطَ النِّصْفِ وَادَّعَى الْآخَرُ أَنَّهُ شَرَطَ النِّصْفَ وَزِيَادَةَ عَشَرَةٍ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ.
إنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِزِيَادَةِ الْأَقْفِزَةِ عَلَى النِّصْفِ صَاحِبَ الْبَذْرِ وَهُوَ رَبُّ الْأَرْضِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ الَّذِي يَدَّعِي النِّصْفَ سَوَاءٌ وَقَعَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ أَوْ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ مَنْ يَدَّعِي زِيَادَةَ الْعَشَرَةِ الْأَقْفِزَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمُدَّعِي لِزِيَادَةِ الْعَشَرَةِ الْأَقْفِزَةِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْمُزَارَعُ إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مُدَّعِي الْجَوَازِ وَهُوَ صَاحِبُ الْبَذْرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْمُزَارَعُ.
فَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ أَنْ يُثْبِتُ زِيَادَةَ الْعَشَرَةِ الْأَقْفِزَةِ، هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ فَإِنَّ الْمُزَارَعَ فِي هَذَا الْوَجْهِ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ رَبِّ الْأَرْضِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَمَا عَرَفْتَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي حَقِّ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ، هَذَا إذَا ادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطَ النِّصْفِ وَادَّعَى الْآخَرُ شَرْطَ النِّصْفِ وَزِيَادَةَ عَشَرَةِ أَقْفِزَةٍ، وَإِنْ ادَّعَى أَحَدُهُمَا شَرْطَ النِّصْفِ إلَّا عَشَرَةً فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ
стр. 2506
أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنَّهُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا وَالْمُدَّعِي لِشَرْطِ النِّصْفِ مَنْ لَا بَذْرَ مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ الْمُزَارِعُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ، فَأَمَّا إذَا لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَذْرِ وَهُوَ رَبُّ الْأَرْضِ أَيْضًا، وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ صَاحِبِ الْبَذْرِ أَيْضًا، هَذَا إذَا اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ فَأَمَّا إذَا اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا: أَمَّا إنْ كَانَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ صَاحِبَ الْبَذْرِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الْبَذْرِ.
وَإِنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ مُدَّعِي الصِّحَّةِ الْمُزَارِعَ فَالْقَوْلُ لِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ إذَا اخْتَلَفَا فِي جَوَازِ الْعَقْدِ وَفَسَادِهِ، وَأَمَّا إذَا اتَّفَقَا عَلَى جَوَازِ الْعَقْدِ وَاخْتَلَفَا فِي مِقْدَارِ الْمَشْرُوطِ قَالَ صَاحِبُ الْبَذْرِ لِلْآخَرِ: شَرَطْتُ لَكَ الثُّلُثَ، وَقَالَ الْآخَرُ: لَا بَلْ شَرَطْتَ لِي النِّصْفَ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ إنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا وَلَا لِأَحَدِهِمَا فَإِنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ الْمُزَارَعِ، مِنْ مَشَايِخِنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - مَنْ قَالَ: هَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلُ، فَأَمَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرِ يُبْدَأُ بِيَمِينِ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: الْبِدَايَةُ بِيَمِينِ الْمُزَارَعِ عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فَإِذَا تَحَالَفَا فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا إذَا طَلَبَا أَوْ طَلَبَ أَحَدُهُمَا الْفَسْخَ، فَإِنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ بَعْدَ مَا حَلَفَا إنْ كَانَ الْقَاضِي قَدْ فَسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا لَا يَلْتَفِتُ إلَى بَيِّنَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَسَخَ الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى دَعْوَاهُ يَعْنِي قَبْلَ التَّحَالُفِ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُزَارِعِ، هَذَا إنْ اخْتَلَفَا قَبْلَ الزِّرَاعَةِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا بَعْدَ الزِّرَاعَةِ إنْ قَامَتْ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ قُبِلَتْ بَيِّنَتُهُ، وَإِنْ قَامَتْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ قُضِيَ بِبَيِّنَةِ الْمُزَارِعِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ لَا يَتَحَالَفَانِ، هَذَا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ الْمُزَارِعِ فَالْمُزَارِعُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ رَبِّ الْأَرْضِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُمَا بَيِّنَةٌ فَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ بَعْدَ الزِّرَاعَةِ لَا يَتَحَالَفَانِ، وَإِنْ كَانَ الِاخْتِلَافُ قَبْلَ الزِّرَاعَةِ يَتَحَالَفَانِ وَيُبْدَأُ بِيَمِينِ رَبِّ الْأَرْضِ، قَالُوا مَا ذُكِرَ فِي الْكِتَابِ أَنَّهُمَا يَتَحَالَفَانِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا قَالَ صَاحِبُ الْبَذْرِ: أَنَا لَا أَنْقُضُ الْمُزَارَعَةَ.
فَأَمَّا إذَا قَالَ: أَنَا أَنْقُضُ الْمُزَارَعَةَ لَا مَعْنَى لِلتَّحَالُفِ، هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا إذَا اتَّفَقَا عَلَى صَاحِبِ الْبَذْرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَاخْتَلَفَ وَرَثَتُهُمَا فِي شَرْطِ الْأَنْصِبَاءِ فَالْقَوْلُ لِوَرَثَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي صَاحِبِ الْبَذْرِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُزَارِعِ وَوُرَّاثِهِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْبَذْرِ وَفِي الشَّرْطِ وَأَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ خَارِجٌ وَالزَّارِعُ صَاحِبُ الْيَدِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
رَجُلٌ زَرَعَ أَرْضَ غَيْرِهِ فَلَمَّا حَصَدَ الزَّرْعَ قَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: كُنْتَ أَجِيرِي زَرَعْتَهَا بِبَذْرِي، وَقَالَ الْمُزَارِعُ: كُنْتُ أَكَّارًا وَزَرَعْتُ بِبَذْرِي كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُزَارِعِ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْبَذْرَ كَانَ فِي يَدِهِ فَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيهِ قَوْلَ ذِي الْيَدِ.
كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَاهَا سَنَتَهُمَا هَذِهِ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ فَلِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ الثُّلُثُ مِنْهُ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ الثُّلُثَانِ وَلِلْآخَرِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ فَهُوَ جَائِزٌ عَلَى مَا اشْتَرَطَا، لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَحَدَهُمَا بِبَدَلٍ مَعْلُومٍ لِلْعَمَلِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَاسْتَأْجَرَ الْآخَرَ بِجُزْءٍ مِنْ الْخَارِجِ مُدَّةً مَعْلُومَةً، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ جَائِزٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ فَكَذَا عِنْدَ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا فَاخْتَلَفَ الْعَامِلَانِ فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا صَاحِبُ الثُّلُثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ أَخَذَ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ الثُّلُثَ بِإِقْرَارِهِ وَأَخَذَ الْآخَرُ الثُّلُثَ بِبَيِّنَتِهِ وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِحْقَاقِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ انْتِفَاءَ الْأَجْرِ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ.
وَلَوْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا صَاحِبُ الْأَجْرِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا
стр. 2507
عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةُ دِرْهَمٍ لِأَحَدِهِمَا بِإِقْرَارِ رَبِّ الْأَرْضِ لَهُ وَلِلْآخَرِ بِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى بَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَلَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مَعَ بَيِّنَتِهِمَا.
وَلَوْ كَانَ دَفَعَ الْأَرْضَ إلَيْهِمَا عَلَى أَنْ يَزْرَعَاهَا بِبَذْرِهِمَا عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْهُ فَلِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ نِصْفُهُ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَيْهِ أَجْرُ مِائَةِ دِرْهَمٍ وَلِلْآخَرِ ثُلُثُ الزَّرْعِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ سُدُسُ الزَّرْعِ فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ آجَرَ الْأَرْضَ مِنْهُمَا نِصْفُهَا مِنْ أَحَدِهِمَا بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَنِصْفُهَا مِنْ الْآخَرِ بِثُلُثِ مَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ النِّصْفُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ صَحِيحٌ عِنْدَ الِانْفِرَادِ، فَإِنْ زَرَعَاهَا فَلَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِرَبِّ الْأَرْضِ: أَنَا شَرَطْت: لَكَ سُدُسَ الزَّرْعِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا زَعَمَ أَنَّهُ شَرَطَ لَهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَلَوْ أَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ هُوَ الَّذِي شَرَطَ لَهُ الْأَجْرَ وَادَّعَى صَاحِبُ الْأَرْضِ عَلَى أَحَدِهِمَا الْأَجْرَ وَعَلَى الْآخَرِ سُدُسَ الزَّرْعِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ مِنْ الَّذِي ادَّعَاهُ عَلَيْهِ لِتَصَادُقِهِمَا عَلَى ذَلِكَ، وَفِي حَقِّ الْآخَرِ رَبُّ الْأَرْضِ يَدَّعِي عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقَ بَعْضِ الْخَارِجِ وَهُوَ مُنْكِرٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَيُقَالُ لِرَبِّ الْأَرْضِ: أَقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَى السُّدُسِ الَّذِي ادَّعَيْتَهُ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ أُخِذَ بِبَيِّنَةِ رَبِّ الْأَرْضِ.
وَلَوْ دَفَعَ رَجُلَانِ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا بِبَذْرِهِ وَعَمَلِهِ فَمَا خَرَجَ مِنْهُ فَثُلُثَاهُ لِلْعَامِلِ وَالثُّلُثُ لِأَحَدِ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ بِعَيْنِهِ وَلِلْآخَرِ مِائَةُ دِرْهَمٍ أَجْرُ نَصِيبِهِ فَهُوَ جَائِزٌ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ زَرْعًا كَثِيرًا فَادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ أَنَّهُ صَاحِبُ الثُّلُثِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُزَارِعِ، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ صَاحِبَيْ الْأَرْضِ الْبَيِّنَةَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْخَارِجِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى بَيِّنَةِ الْمُزَارِعِ مَعَ بَيِّنَتِهِمَا. رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلَيْنِ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ ثُلُثَ الْخَارِجِ وَلِلْآخَرِ عِشْرُونَ قَفِيزًا مِنْ الْخَارِجِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ مَا بَقِيَ فَزَرَعَاهَا فَأَخْرَجَتْ الْأَرْضُ زَرْعًا كَثِيرًا فَالثُّلُثُ لِلَّذِي سُمِّيَ لَهُ الثُّلُثُ وَالثُّلُثَانِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ مِثْلِهِ أَخْرَجَتْ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُزَارَعَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي شَرَطَ لَهُ الثُّلُثَ صَحِيحٌ وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ فَاسِدٌ وَلَكِنْ عَقْدُهُ مَعَ أَحَدِهِمَا مَعْطُوفٌ عَلَى الْعَقْدِ مَعَ الْآخَرِ بِحَرْفِ الْعَطْفِ وَلَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فِيهِ، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الَّذِي شَرَطَ لَهُ الثُّلُثَ مِنْهُمَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَقَامَا الْبَيِّنَةَ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثُلُثُ الْخَارِجِ لِأَحَدِهِمَا بِإِقْرَارِ رَبِّ الْأَرْضِ لَهُ بِهِ وَلِلْآخَرِ بِإِثْبَاتِهِ بِالْبَيِّنَةِ، وَلَوْ لَمْ تُخْرِجْ الْأَرْضُ شَيْئًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ رَبِّ الْأَرْضِ فِي الَّذِي لَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ مِنْهُمَا، فَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَى فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْأَرْضِ بِبَيِّنَتِهِ يُثْبِتُ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ وَالْآخَرُ يَنْفِي ذَلِكَ بِبَيِّنَتِهِ وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي تُثْبِتُ شَرْطَ صِحَّةِ الْعَقْدِ تَتَرَجَّحُ.
وَلَوْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ اثْنَيْنِ عَلَى مِثْلِ هَذَا الشَّرْطِ دَفَعَاهُ إلَى وَاحِدٍ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ كَانَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْوُجُوهِ مِثْلَ مَا بَيَّنَّا مِنْ حُكْمِ صَاحِبِ الْأَرْضِ حِينَ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِهِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنَى، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي زِرَاعَةِ الْأَرَاضِي بِغَيْرِ عَقْدٍ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ فِي زِرَاعَةِ الْأَرَاضِي بِغَيْرِ عَقْدٍ) رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مُزَارَعَةً سَنَةً لِيَزْرَعَهَا الْمُزَارِعُ بِبَذْرِهِ فَزَرَعَهَا، ثُمَّ زَرَعَهَا بَعْدَ مُضِيِّ السَّنَةِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِهَا فَعَلِمَ صَاحِبُهَا بِذَلِكَ قَبْلَ نَبَاتِ الزَّرْعِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَمْ يُجِزْ، قَالُوا: إنْ كَانَتْ الْعَادَةُ فِي تِلْكَ الْقَرْيَةِ أَنَّهُمْ يَزْرَعُونَ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ الْعَقْدِ جَازَ وَكَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا فِي الْعَقْدِ فِيمَا مَضَى، وَحُكِيَ عَنْ الشَّيْخِ الْإِمَامِ إسْمَاعِيلَ الزَّاهِدِ أَنَّهُ قَالَ: ذَكَرَ فِي الْكِتَابِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَقَالَ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَعَلَى الْمُزَارِعِ أَنْ يَرْفَعَ مِنْ الْخَارِجِ مِقْدَارَ أَجْرِ عَمَلِهِ وَثِيرَانِهِ وَبَذْرِهِ وَيَتَصَدَّقَ بِالْبَاقِي كَمَا فِي الْغَصْبِ، قَالَ وَمَشَايِخُنَا - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - كَانُوا يُفْتُونَ بِجَوَابِ الْكِتَابِ إلَّا أَنِّي رَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ أَنَّهُ يَجُوزُ وَهُوَ كَمَا لَوْ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى رَجُلٍ وَقَالَ: دَفَعْت إلَيْكَ هَذِهِ الْأَرْضَ عَلَى مَا كَانَتْ مَعَ فُلَانٍ عَامَ أَوَّلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ فَهَذَا أَوْلَى قَالَ مَوْلَانَا: ﵁ وَعِنْدِي إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ مُعَدَّةً لِدَفْعِهَا مُزَارَعَةً وَنَصِيبُ الْعَامِلِ مِنْ الْخَارِجِ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَلَا يَخْتَلِفُ فَزَرَعَهَا رَجُلٌ جَازَ اسْتِحْسَانًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْأَرْضُ مُعَدَّةً لِدَفْعِهَا مُزَارَعَةً أَوْ لَمْ يَكُنْ نَصِيبُ الْعَامِلِ مِنْ الْخَارِجِ
стр. 2508
وَاحِدًا عِنْدَ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بَلْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيمَا بَيْنَهُمْ لَا يَجُوزُ، وَيَكُونُ الْمُزَارِعُ غَاصِبًا، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ إلَى الْعَادَةِ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ زَرَعَهَا غَصْبًا، فَإِنْ عُلِمَ أَنَّهُ زَرَعَهَا غَصْبًا بِأَنْ أَقَرَّ الزَّارِعُ عِنْدَ الزَّرْعِ أَنَّهُ يَزْرَعُهَا لِنَفْسِهِ لَا عَلَى الْمُزَارَعَةِ أَوْ كَانَ الرَّجُلُ مِمَّنْ لَا يَأْخُذُ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً وَيَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ يَكُونُ غَاصِبًا وَيَكُونُ الْخَارِجُ لَهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ، وَكَذَا لَوْ أَقَرَّ بَعْدَ مَا زَرَعَ وَقَالَ: زَرَعْتهَا غَصْبًا كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ اسْتِحْقَاقَ شَيْءٍ مِنْ الْخَارِجِ لِغَيْرِهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى (زمين هاكه درديه هاست يَا وَقَفَ يَا مُلْك وَعَادَتْ آن مَوْضِع آنست كه هر كرا بايدبدين زمينها كشاوزري كندوا زمتولئ أَوَقَافٍ دُسْتُورِيّ نميخوا هدو وأزمالك ني ومتولي ومالكان ايشانرا منع نمي كنندو كارند كَانَ بِوَقْتِ إدْرَاك غله حِصَّة دهقاني بدهند ومنع نمي كنندا كردرجنين زمينها كسى كشاورزي كندبي آنكه از خداونديا ازمتولي بمزارعه كيرد اين كشتن وي بروجه مزارعه باشد اما اكر موضعي باشد كه هراينه بدستور خداوند كار كارندو اكر كسي بيدستور خداوند كار كارد خداوند أَوْ رامنع كنديا خداوند كارخود كارد وكاهي بكديوري دهدجون كسي بيدستور خداوند كارديا بيدستور متولي در وَقَفَ بِرّ مزارعه حمل كنيم ودر مُلْك ني) ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَكَّارٌ رَفَعَ لِخَارِجٍ وَبَقِيَ فِي الْأَرْضِ حَبَّاتُ حِنْطَةٍ قَدْ تَنَاثَرَتْ فَنَبَتَ وَأَدْرَكَ فَهُوَ بَيْنَ الْأَكَّارِ وَصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى مَا كَانَ قَدْرُ نَصِيبِهِمَا مِنْ الْخَارِجِ؛ لِأَنَّهُ نَبَتَ مِنْ بَذْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمَا وَيَنْبَغِي لِلْأَكَّارِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْفَضْلِ مِنْ نَصِيبِهِ، وَلَوْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ سَقَاهُ وَقَامَ عَلَيْهِ حَتَّى نَبَتَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا سَقَاهُ فَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ، فَإِنْ كَانَ لِتِلْكَ الْحَبَّاتِ قِيمَةٌ كَانَ عَلَيْهِ ضَمَانُهَا وَإِلَّا فَلَا، وَإِنْ كَانَ سَقَاهُ أَجْنَبِيٌّ تَطَوُّعًا كَانَ النَّابِتُ بَيْنَ الْأَكَّارِ وَصَاحِبِ الْأَرْضِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
نَبَتَتْ شَجَرَةٌ أَوْ زَرْعٌ فِي أَرْضِ إنْسَانٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزْرَعَهَا أَحَدٌ فَهُوَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنْ أَرْضِهِ فَيَكُونُ جُزْءًا مِنْ الْأَرْضِ فَيَكُونُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ]
(الْبَابُ الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ) وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا وَبَذْرًا عَلَى أَنْ يَزْرَعَهَا سَنَتَهُ هَذِهِ عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَصَارَ قَصِيلًا فَأَرَادَ أَنْ يَقْصِلَاهُ وَيَبِيعَاهُ فَحَصَادُ الْقَصِيلِ وَبَيْعُهُ عَلَيْهِمَا وَيَسْتَوِي إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ أَوْ الْمُزَارِعِ، وَلَوْ اسْتَحْصَدَ الزَّرْعُ فَمَنَعَهُمْ السُّلْطَانُ مِنْ حَصَادِهِ إمَّا ظُلْمًا أَوْ لِمَصْلَحَةٍ رَأَى فِي ذَلِكَ أَوْ لِيَسْتَوْفِيَ مِنْهُمْ الْخَرَاجَ فَالْحِفْظُ عَلَيْهِمَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ.
وَإِذَا كَانَتْ الْأَرْضُ رَهْنًا فِي يَدِ رَجُلٍ فَأَرَادَ آخَرُ أَنْ يَأْخُذَهَا مُزَارَعَةً مِنْ الرَّاهِنِ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَهَا مُزَارَعَةً مِنْ الرَّاهِنِ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ وَالْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ ثُمَّ أَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُخْرِجَ الْأَرْضَ مِنْ يَدِ الْمُزَارِعِ فَقَالَ لِلْمُزَارِعِ: ازْرَعْهَا بِبَذْرِكَ أَوْ اُتْرُكْهَا عَلَيَّ، فَقَالَ الْمُزَارِعُ: أَعْطِنِي أَجْرَ مِثْلِ عَمَلِي فَقَالَ رَبُّ الْأَرْضِ: بَلَى أَعْطَيْتُكَ فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَزْرَعَهَا بِنَفْسِهِ فَلَمَّا عَلِمَ الْمُزَارِعُ ذَلِكَ ذَهَبَ وَزَرَعَ الْأَرْضَ ثُمَّ أَدْرَكَ الزَّرْعُ، فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ أَجَازَ صُنْعَهُ ذَلِكَ كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا وَالْمَسْأَلَةُ كَانَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى، وَإِذَا مَاتَ الْآجِرُ فَدَفَعَ الْمُسْتَأْجِرُ بَذْرًا إلَى وَرَثَةِ الْآجِرِ، وَقَالَ: ازْرَعُوا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فَزَرَعُوا فَالْخَارِجُ لِمَنْ يَكُونُ؟ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ كَانَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى وَاتَّفَقَتْ الْأَجْوِبَةُ أَنَّ الْخَارِجَ يَكُونُ لِوَرَثَةِ الْآجِرِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ انْفَسَخَ بِمَوْتِ الْآجِرِ
стр. 2509
فَيَكُونُ هَذَا إقْرَاضًا مِنْهُ لِلْبَذْرِ لِوَرَثَةِ الْآجِرِ إذْ لَيْسَ فِي قَوْلِ الْمُسْتَأْجِرِ مَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ شَيْءٍ مِنْ الْخَارِجِ لِنَفْسِهِ مِنْ قَوْلِهِ: ازْرَعُوهَا لِي أَوْ لِيَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَنَا، وَلِلْمُسْتَأْجِرِ عَلَى وَرَثَةِ الْآجِرِ مِثْلُ ذَلِكَ الْبَذْرِ، هَكَذَا فِي الْمُحِيطِ.
سُئِلَ الْقَاضِي بَدِيعُ الدِّينِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَمَّنْ دَفَعَتْ ضَيْعَةَ ابْنِهَا الْبَالِغِ مُعَامَلَةً وَكَانَ الِابْنُ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ، قَالَ: لَا يَكُونُ رِضًا، سُئِلَ أَيْضًا عَمَّنْ أَعْطَى الْمُسْتَأْجِرَ الْآجِرُ ضَيْعَتَهُ مُعَامَلَةً سَنَةً بِأَلْفِ مَنٍّ مِنْ الْعِنَبِ الْقَلَانِسِيِّ قَالَ: لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
اسْتَأْجَرَ أَرْضًا سَنَةً أَوْ سَنَتَيْنِ بِأُجْرَةٍ مَعْلُومَةٍ، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى الْآجِرِ مُزَارَعَةً إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جَانِبِ الْمُسْتَأْجِرِ يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ مِنْ جَانِبِ الْآجِرِ لَا يَجُوزُ هَكَذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَحْمَدُ السَّمَرْقَنْدِيُّ فِي شُرُوطِهِ فِي مَسَائِلِ الْمُزَارَعَةِ، وَذَكَرَ ابْنُ رُسْتُمَ فِي نَوَادِرِهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَجَعَلَ هَذَا قَوْلَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلَ، أَمَّا عَلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَلَا يَجُوزُ دَفْعُ الْأَرْضِ إلَى الْآجِرِ مُزَارَعَةً سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُسْتَأْجِرِ أَوْ مِنْ قِبَلِ الْمُؤَاجِرِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ: وَلَوْ سَقَى أَرْضَهُ أَوْ كَرْمَهُ بِمَاءٍ حَرَامٍ أَوْ نَجِسٍ يَطِيبُ لَهُ مَا خَرَجَ، كَمَنْ عَلَفَ حِمَارَهُ بِعَلَفِ غَيْرِهِ فَمَا أَخَذَ مِنْ الْكِرَاءِ يَطِيبُ لَهُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ أَرْضًا ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى امْرَأَةِ الْآجِرِ أَوْ إلَى ابْنِ الْآجِرِ مُزَارَعَةً وَشَرَطَ الْبَذْرَ عَلَى الْمُزَارِعِ وَالِابْنُ فِي عِيَالِ الْأَبِ فَزَرَعَهَا الْأَبُ وَهُوَ الْآجِرُ، فَإِنْ زَرَعَهَا بِطَرِيقِ الْإِعَانَةِ لِلِابْنِ بِأَنْ كَانَ أَقْرَضَ الْبَذْرَ لِلِابْنِ فَالْغَلَّةُ بَيْنَ الِابْنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ زَرَعَهَا لِنَفْسِهِ بِأَنْ لَمْ يُقْرِضْ الْبَذْرَ لِلِابْنِ فَالْغَلَّةُ كُلُّهَا لِلْآجِرِ وَهُوَ الْمُزَارِعُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ اسْتَأْجَرَ رَجُلٌ أَرْضًا مِنْ امْرَأَةٍ وَقَبَضَهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَى زَوْجِهَا مُزَارَعَةً أَوْ مُعَامَلَةً أَوْ مُقَاطَعَةً كَانَ جَائِزًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا مَاتَ الرَّجُلُ وَتَرَكَ أَوْلَادًا صِغَارًا وَكِبَارًا وَامْرَأَةً وَالْأَوْلَادُ الْكِبَارُ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ امْرَأَةٍ أُخْرَى لِهَذَا الْمَيِّتِ فَعَمِلَ الْأَوْلَادُ الْكِبَارُ عَمَلَ الْحِرَاثَةِ فَزَرَعُوا فِي أَرْضٍ مُشْتَرَكَةٍ أَوْ فِي أَرْضٍ الْغَيْرِ بِطَرِيقِ (الكديورين) كَمَا هُوَ الْمُعْتَادُ بَيْنَ النَّاسِ، وَهَؤُلَاءِ الْأَوْلَادُ كُلُّهُمْ فِي عِيَالِ الْمَرْأَةِ تَتَعَاهَدُ أَحْوَالَهُمْ وَهُمْ يَزْرَعُونَ وَيَجْمَعُونَ الْغَلَّاتِ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ وَيُنْفِقُونَ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً فَهَذِهِ الْغَلَّاتُ تَكُونُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَالْأَوْلَادِ أَوْ تَكُونُ خَاصَّةً لِلْمُزَارِعِينَ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ صَارَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى وَاتَّفَقَتْ الْأَجْوِبَةُ أَنَّهُمْ إنْ زَرَعُوا مِنْ بَذْرٍ مُشْتَرَكٍ بَيْنَهُمْ بِإِذْنِ الْبَاقِينَ إنْ كَانُوا كِبَارًا أَوْ بِإِذْنِ الْوَصِيِّ إنْ كَانَ الْبَاقُونَ صِغَارًا كَانَتْ الْغَلَّاتُ كُلُّهَا عَلَى الشَّرِكَةِ، وَإِنْ زَرَعُوا مِنْ بَذْرِ أَنْفُسِهِمْ كَانَتْ الْغَلَّاتُ لِلْمُزَارِعِينَ، وَإِنْ زَرَعُوا مِنْ بَذْرٍ مُشْتَرَكٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ الْوَصِيِّ فَالْغَلَّاتُ لِلْمُزَارِعِينَ؛ لِأَنَّهُمْ صَارُوا غَصَبَة، وَمَنْ غَصَبَ بَذْرًا وَزَرَعَ كَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا مُزَارَعَةً وَفِيهَا قَوَائِمُ الْقُطْنِ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: إنْ كَانَ لَا يَمْنَعُهُ قَوَائِمُ الْقُطْنِ عَنْ الزِّرَاعَةِ فَالْمُزَارَعَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ كَانَ يَمْنَعُ فَالْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةٌ إلَّا إذَا أَضَافَ إلَى وَقْتِ فَرَاغِ الْأَرْضِ فَحِينَئِذٍ تَجُوزُ، وَإِنْ سَكَتَ عَنْ ذَلِكَ لَا تَجُوزُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
دَفَعَ أَرْضًا إلَى رَجُلٍ مُزَارَعَةً بِشَرَائِطِهَا فَزَرَعَ الرَّجُلُ الْأَرْضَ وَأَدْرَكَتْ الْغَلَّةُ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى الْمُزَارِعِ وَقَالَ: إنِّي اشْتَرَيْتُ هَذِهِ الْأَرْضَ مِنْ فُلَانٍ غَيْرِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْكَ الْأَرْضَ وَكَانَتْ الْأَرْضُ مِلْكَهُ فَنِصْفُ الْغَلَّةِ لِي فَأَخَذَ مِنْهُ نِصْفَ الْغَلَّةِ ثُمَّ جَاءَ الدَّافِعُ، فَإِنْ صَدَقَ الْمُدَّعِي فِيمَا قَالَ وَلَمْ يُخَاصِمْ الْمُزَارِعَ فَلَا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ كَذَّبَهُ وَخَاصَمَ الْمُزَارِعَ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الْمُدَّعِي أَخَذَ نِصْفَ الْغَلَّةِ تَغَلُّبًا فَلِلدَّافِعِ أَنْ يُشَارِكَ الْمُزَارِعَ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ مَا هَلَكَ مِنْ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ يَهْلَكُ عَلَى الشَّرِكَةِ وَمَا بَقِيَ يَبْقَى عَلَى الشَّرِكَةِ ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْمُدَّعِي بِمَا أَخَذَ إنْ وَجَدَاهُ، وَإِنْ كَانَ الْمُزَارِعُ دَفَعَ النِّصْفَ إلَيْهِ مِنْ غَيْرِ تَغَلُّبٍ مِنْهُ عَنْ اخْتِيَارِهِ كَانَ لِلدَّافِعِ أَنْ يَأْخُذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ مِنْ الْمُزَارِعِ وَيَجْعَلُ الْمُزَارِعَ دَافِعًا نَصِيبَهُ إلَى الْمُدَّعِي، وَالْمَسْأَلَةُ كَانَتْ وَاقِعَةَ الْفَتْوَى وَاتَّفَقَتْ الْأَجْوِبَةُ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا، وَلَوْ كَانَ الْمُدَّعِي حِينَمَا أَخَذَ نِصْفَ الْغَلَّةِ قَالَ لِلْمُزَارِعِ: خُذْ هَذِهِ الْأَرْضَ مِنِّي مُزَارَعَةً فَأَخَذَ هَلْ تَصِحُّ هَذِهِ الْمُزَارَعَةُ وَهَلْ تَنْفَسِخُ الْمُزَارَعَةُ؟ . الْأَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ لَا يَصِحُّ هَذَا وَلَا يَنْفَسِخُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ
стр. 2510
الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ حَتَّى يَكُونَ لَهُ وِلَايَةُ الْفَسْخِ مَعَ هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْفَسِخَ هُنَا بِخِلَافِ مَا إذَا فَسَخَ ابْتِدَاءً، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ كَرْمَهُ إلَى رَجُلٍ مُعَامَلَةً فَلَمْ يَعْمَلْ الرَّجُلُ فِي الْكَرْمِ عَمَلًا لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ ثِمَارِ الْكَرْمِ، وَكَذَا إذَا عَمِلَ عَمَلًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظْ الْأَشْجَارَ وَالثِّمَارَ حَتَّى ضَاعَتْ الثِّمَارُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْحِفْظَ مِنْ جُمْلَةِ الْعَمَلِ أَيْضًا فِي حَقِّ الْعَامِلِ، فَأَمَّا الْمُزَارِعُ إذَا لَمْ يَعْمَلْ فِي الزِّرَاعَةِ نَحْوَ التَّشْذِيبِ أَوْ السَّقْيِ حَتَّى انْتَقَصَ الزَّرْعُ هَلْ يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الْخَارِجِ؟ . فَقِيلَ: الْجَوَابُ فِيهِ عَلَى التَّفْصِيلِ إنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَتِهِ يَسْتَحِقُّ بِخِلَافِ الْعَامِلِ إذَا لَمْ يَعْمَلْ فِي الْكَرْمِ اُجْتُنِيَتْ الثَّمَرَةُ أَوْ فَسَدَتْ حَيْثُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا، فَأَمَّا إذَا كَانَ الْبَذْرُ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْأَرْضِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَسْتَحِقَّ شَيْئًا؛ لِأَنَّ الْخَارِجَ لَيْسَ نَمَاءَ مِلْكِهِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
دَفَعَ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً سَنَةً فَحَصَدَ الزَّرْعَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ انْتَقَضَتْ الْمُزَارَعَةُ إذَا كَانَتْ بَقِيَّةُ السَّنَةِ لَا تَكْفِي لِزِرَاعَةِ شَيْءٍ آخَرَ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَغْرِسَهَا النَّوَاةَ عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَيِّنَ مَوْضِعَ التَّحْوِيلِ بِأَنْ يَقُولَ عَلَى أَنْ يُحَوِّلَ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْأُخْرَى أَوْ قَالَ أَنْ يُحَوِّلَ فِي هَذَا الْجَانِبِ الْآخَرِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْضِ، وَفِي هَذَا الْوَجْهِ فَسَدَ الْعَقْدُ سَوَاءٌ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الْمُزَارِعِ أَوْ مِنْ قِبَلِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يُعَيِّنْ مَوْضِعَ التَّحْوِيلِ فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ الْعَقْدُ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَجُوزُ، وَعَلَى هَذَا كُلُّ مَا يُحَوَّلُ، وَفِي بَعْضِ الْفَتَاوَى نَحْوُ شَجَرَةِ الْبَاذِنْجَانِ وَغَيْرِهَا، دَفَعَ رَجُلٌ إلَى آخَرَ أَرْضًا خَرَابًا لِيَعْمُرَهَا الْمُزَارِعُ وَيَزْرَعَهَا الْعَامِلُ مَعَ صَاحِبِ الْأَرْضِ بِبَذْرِهِمَا ثَلَاثَ سِنِينَ كَانَتْ الْمُزَارَعَةُ فَاسِدَةً؛ لِأَنَّ شَرْطَ عِمَارَةِ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ مُفْسِدٌ لِلْعَقْدِ، فَإِنْ زَرَعَهَا صَاحِبُ الْأَرْضِ وَالْعَامِلُ بِبَذْرِهِمَا سَنَةً فَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْأَرْضَ، وَيَكُونُ الزَّرْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ بَذْرِهِمَا، وَلِلْعَامِلِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فِيمَا عَمِلَ مِنْ عِمَارَةِ الْأَرْضِ أَجْرُ عَمَلِهِ وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى الْعَامِلِ أَجْرُ مِثْلِ الْأَرْضِ الَّذِي اشْتَغَلَ بِبَذْرِ الْمُزَارِعِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَسُئِلَ أَبُو الْقَاسِمِ عَمَّنْ زَرَعَ أَرْضًا عَلَى شَطِّ جَيْحُونَ وَبَلَغَ الزَّرْعُ فَجَاءَ قَوْمٌ وَزَعَمُوا أَنَّ الْأَرْضَ لَهُمْ قَالَ: أَمَّا الزَّرْعُ فَلِصَاحِبِ الْبَذْرِ وَأَمَّا رَقَبَةُ الْأَرْضِ الْمُزَارَعَةِ فَإِنْ أَثْبَتَ الْقَوْمُ كَانَ لَهُمْ وَإِلَّا فَلِمَنْ أَحْيَاهَا، كَذَا فِي الْحَاوِي لِلْفَتَاوَى.
مُسَنَّاةٌ بَيْنَ أَرْضَيْنِ إحْدَاهُمَا أَرْفَعُ مِنْ الْأُخْرَى، وَعَلَى الْمُسَنَّاةِ أَشْجَارٌ لَا يُعْرَفُ غَارِسُهَا، قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ إنْ كَانَ الْمَاءُ يَسْتَقِرُّ فِي الْأَرْضِ السُّفْلَى بِدُونِ الْمُسَنَّاةِ وَلَا يَحْتَاجُ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ إلَى الْمُسَنَّاةِ كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمُسَنَّاةِ قَوْلَ صَاحِبِ الْأَرْضِ الْعُلْيَا مَعَ يَمِينِهِ، وَإِذَا كَانَ الْقَوْلُ فِي الْمُسَنَّاةِ قَوْلَهُ كَانَتْ الْأَشْجَارُ لَهُ مَا لَمْ يُقِمْ الْآخَرُ الْبَيِّنَةَ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ السُّفْلَى تَحْتَاجُ فِي إمْسَاكِ الْمَاءِ إلَى الْمُسَنَّاةِ كَانَتْ الْمُسَنَّاةُ وَمَا عَلَيْهَا مِنْ الْأَشْجَارِ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَلَا يُصَدَّقُ أَحَدُهُمَا أَنَّ ذَلِكَ لَهُ خَاصَّةً إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ الْيَمِينُ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ أَخَذَا أَرْضًا مُزَارَعَةً عَلَى أَنْ يَزْرَعَاهَا بِبَذْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا الثُّلُثُ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ الثُّلُثُ، وَبَذَرَا فَلَمْ يَحْصُلْ شَيْءٌ مِنْ الزَّرْعِ لِآفَةٍ أَصَابَتْهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: لَا نَعْمَلُ فِيهِ الْخَرِيفِيَّ فَعَمِلَ أَحَدُهُمَا بِغَيْرِ عِلْمِ صَاحِبِهِ وَحَصَلَ الرَّيْعُ هَلْ لِصَاحِبِهِ فِي الرَّيْعِ الْخَرِيفِيِّ شَيْءٌ لِأَجْلِ عَمَلِهِ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ فِيمَا مَضَى فَقَالَ: لَا لَكِنْ لَوْ طَلَبَ رِضَاهُ بِشَيْءٍ كَانَ ذَلِكَ أَفْضَلَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ الْعَمَلَ لَا يُتَقَوَّمُ إلَّا بِالْعَقْدِ فَلَا يَسْتَحِقُّ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ بِدُونِ الْعَقْدِ، لَكِنَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ذَكَرَ فِي كِتَابِ الْمُزَارَعَةِ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّهُ يَطْلُبُ رِضَا الْعَامِلِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
سُئِلَ عَنْ مَحْدُودٍ عُقِدَ عَلَيْهِ بَيْعُ الْوَفَاءِ فَوَقَعَ التَّقَابُضُ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبَدَلَيْنِ وَزَرَعَ فِيهِ الْمُشْتَرِي سِنِينَ وَأَخَذَ الْغَلَّةَ فَخَرَاجُهُ عَلَى مَنْ؟ فَقَالَ: عَلَى الْبَائِعِ إنْ نَقَصَ الْأَرْضَ بِالزِّرَاعَةِ، قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يُطَالِبْهُ الْبَائِعُ بِضَمَانِ النُّقْصَانِ هَلْ يَلْزَمُهُ الْخَرَاجُ أَيْضًا؟ فَقَالَ: نَعَمْ (خرمن كوفتن) بِنِصْفِ التِّبْنِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ
стр. 2511
وَذَكَرَ فِي مَسْأَلَةِ نَسْجِ الثَّوْبِ بِالثُّلُثِ وَالرُّبُعِ أَنَّ مَشَايِخَ بَلْخٍ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذُوا بِالْجَوَازِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ، وَمَشَايِخَ بُخَارَى - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - أَخَذُوا بِجَوَابِ الْكِتَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى قَفِيزِ الطَّحَّانِ، وَعَلَى هَذَا (بنبه جيدن وارزن كوفتن وكندم درويدن) ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا دَفَعَ الْمُرْتَدُّ أَرْضَهُ وَبَذْرَهُ إلَى رَجُلٍ مُزَارَعَةً بِالنِّصْفِ فَعَمِلَ عَلَى ذَلِكَ وَخَرَجَ الزَّرْعُ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَهُوَ عَلَى مَا اشْتَرَطَا، وَإِنْ قُتِلَ عَلَى رِدَّتِهِ فَالْخَارِجُ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ الْبَذْرِ، وَنُقْصَانُ الْأَرْضِ لِلدَّافِعِ فِي قِيَاسِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْمُزَارَعَةَ أَخْرَجَتْ الْأَرْضُ شَيْئًا أَوْ لَمْ تُخْرِجْهُ، وَعَلَى قَوْلِهِمَا هَذِهِ الْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ عَلَى الْعَامِلِ وَقُتِلَ الْمُرْتَدُّ عَلَى رِدَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْأَرْضِ نُقْصَانٌ غَرِمَ الْعَامِلُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ وَالزَّرْعُ كُلُّهُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَرْضِ نُقْصَانٌ فَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يَكُونُ الْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ بَيْنَ الْعَامِلِ وَوَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ.
وَهَذَا الْقِيَاسُ وَالِاسْتِحْسَانُ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَالْمُزَارَعَةُ صَحِيحَةٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الْمُزَارِعُ وَالْبَذْرُ مِنْهُ فَالْخَارِجُ لَهُ وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ إذَا قُتِلَ الْمُرْتَدُّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ قِبَلِ الدَّافِعِ فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ فِي قَوْلِهِمْ جَمِيعًا، وَلَوْ كَانَا جَمِيعًا مُرْتَدِّينَ وَالْبَذْرُ مِنْ الدَّافِعِ فَالْخَارِجُ لِلْعَامِلِ وَعَلَيْهِ غُرْمُ الْبَذْرِ وَنُقْصَانُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ الْعَامِلَ صَارَ كَالْغَاصِبِ لِلْأَرْضِ وَالْبَذْرِ حِينَ لَمْ يَصِحَّ أَمْرُ الدَّافِعِ إيَّاهُ بِالزِّرَاعَةِ، وَلَوْ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ صَاحِبُ الْبَذْرِ كَانَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا عِنْدَ الْعَقْدِ، وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ الْعَامِلِ وَقَدْ قُتِلَ عَلَى الرِّدَّةِ كَانَ الْخَارِجُ لَهُ وَعَلَيْهِ نُقْصَانُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّ إذْنَ الدَّافِعِ فِي عَمَلِ الزِّرَاعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا نُقْصَانٌ فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ، وَكَذَلِكَ إذَا أَسْلَمَ رَبُّ الْأَرْضِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فِي الِابْتِدَاءِ، وَإِنْ أَسْلَمَا أَوْ أَسْلَمَ الْمُزَارِعُ وَقُتِلَ الْآخَرُ عَلَى الرِّدَّةِ ضَمِنَ الْمُزَارِعُ نُقْصَانَ الْأَرْضِ لِوَرَثَةِ الْمَقْتُولِ عَلَى الرِّدَّةِ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ إيَّاهُ بِالزِّرَاعَةِ غَيْرُ صَحِيحٍ فِي حَقِّ الْوَرَثَةِ، وَإِنْ لَمْ يَنْقُصْهَا شَيْئًا فَالْقِيَاسُ فِيهِ أَنَّ الْخَارِجَ لِلْمُزَارِعِ وَلَا شَيْءَ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَا لِوَرَثَتِهِ، وَفِي الِاسْتِحْسَانِ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ إنْ قُتِلَا أَوْ أَسْلَمَا أَوْ لَحِقَا بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ مَاتَا، وَكَذَلِكَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي مُزَارَعَةِ الْمُرْتَدَّةِ وَمُعَامَلَتِهَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَيَجُوزُ عَقْدُ الْمُزَارَعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَكَذَا بَيْنَ الْحَرْبِيَّيْنِ أَوْ الْمُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ سَوَاءٌ دَخَلَا بِأَمَانٍ أَوْ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، وَلَوْ ظَهَرَ عَلَى الدَّارِ فَأَرَاضِيهِمْ فَيْءٌ، وَأَمَّا الْخَارِجُ فَمَا كَانَ مِنْ حِصَّةِ الْحَرْبِيِّ يَكُونُ فَيْئًا وَمَا كَانَ لِلْمُسْلِمِ لَا يَكُونُ فَيْئًا، وَلَوْ تَرَكَ الْإِمَامُ أَرَاضِيَهُمْ عَلَيْهِمْ وَمَنَّ عَلَيْهِمْ أَوْ أَسْلَمُوا فَالْمُعَامَلَاتُ بَيْنَهُمْ مُقَرَّرَةٌ عَلَى حَالِهَا إلَّا مُعَامَلَةً تَفْسُدُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَلَوْ شَرَطَ مُسْلِمٌ لِلْعَرَبِيِّ عَشَرَةَ أَقْفِزَةٍ مِنْ الْخَارِجِ صَحَّ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ عِنْدَهُمَا تَجُوزُ الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ خِلَافًا لَهُ، وَلَوْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فِي دَارِ الْحَرْبِ صَحَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمَا كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
إذَا دَفَعَ أَرْضَهُ مُزَارَعَةً فَاسِدَةً فَكَرَبَ الزَّارِعِ وَحَفَرَ الْأَنْهَارَ، ثُمَّ امْتَنَعَ صَاحِبُ الْبَذْرِ عَنْ الزِّرَاعَةِ فَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِ الْمُزَارِعِ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
ذَكَرَ فِي مَجْمُوعِ النَّوَازِلِ أَكَّارٌ طَلَبَ مِنْ الدِّهْقَانِ أَنْ يُعْطِيَهُ الْأَرْضَ مُزَارَعَةً بِالرُّبُعِ لِلدِّهْقَانِ فَقَالَ الدِّهْقَانُ: إنْ زَرَعْتُهَا عَلَى أَنْ يَكُونَ الثُّلُثُ لِي فَافْعَلْ وَإِلَّا فَلَا، فَلَمَّا زَرَعَ وَحَصَدَ اخْتَلَفَا، ذَكَرَ أَنَّ الثُّلُثَ لِلدِّهْقَانِ وَالْبَاقِي لِلْعَامِلِ، وَفِيهِ أَيْضًا زَرْعٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ غَابَ أَحَدُهُمَا فَحَصَدَهُ الْآخَرُ كَانَ مُتَبَرِّعًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2512
[كِتَاب الْمُعَامَلَةِ وَفِيهِ بَابَانِ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِير المعاملة وَشَرَائِطِهَا وَأَحْكَامِهَا]
(كِتَاب الْمُعَامَلَةِ وَفِيهِ بَابَانِ) (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي تَفْسِيرِهَا وَشَرَائِطِهَا وَأَحْكَامِهَا) أَمَّا تَفْسِيرُهَا فَهِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الْعَقْدِ عَلَى الْعَمَلِ بِبَعْضِ الْخَارِجِ مَعَ سَائِرِ شَرَائِطِ جَوَازِهَا. وَأَمَّا شَرَائِطُهَا (فَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدَانِ عَاقِلَيْنِ فَلَا يَجُوزُ عَقْدُ مَنْ لَا يَعْقِلُ، وَأَمَّا الْبُلُوغُ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَكَذَا الْحُرِّيَّةُ. (وَمِنْهَا) أَنْ لَا يَكُونَا مُرْتَدَّيْنِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ مَنْ أَجَازَ الْمُعَامَلَةَ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُرْتَدًّا وَوَقَعَتْ الْمُعَامَلَةُ إنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الدَّافِعَ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ، وَإِنْ قُتِلَ أَوْ مَاتَ أَوْ لَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِهِ وَلِلْآخَرِ أَجْرُ الْمِثْلِ إذَا عَمِلَ، وَعِنْدَهُمَا الْخَارِجُ بَيْنَ الْعَامِلِ الْمُسْلِمِ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الْمُرْتَدِّ الدَّافِعِ عَلَى الشَّرْطِ فِي الْحَالَتَيْنِ كَمَا إذَا مَاتَا مُسْلِمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الْمُرْتَدُّ هُوَ الْعَامِلَ، فَإِنْ أَسْلَمَ فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ بِالْإِجْمَاعِ، هَذَا إذَا كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَمُرْتَدٍّ، وَأَمَّا إذَا كَانَتْ بَيْنَ مُسْلِمَيْنِ ثُمَّ ارْتَدَّا أَوْ ارْتَدَّ أَحَدُهُمَا فَالْخَارِجُ عَلَى الشَّرْطِ، وَتَجُوزُ مُعَامَلَةُ الْمُرْتَدَّةِ قَوْلًا وَاحِدًا بِالْإِجْمَاعِ.
(وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْمَدْفُوعُ مِنْ الشَّجَرِ الَّذِي فِيهِ ثَمَرٌ مُعَامَلَةً مِمَّا تَزِيدُ ثَمَرَتُهُ بِالْعَمَلِ، فَإِنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ نَخْلًا فِيهِ طَلْعٌ أَوْ بُسْرٌ قَدْ احْمَرَّ أَوْ اخْضَرَّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَنَاهَى عِظَمُهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُرْطِبْ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَيَكُونُ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لَهُمَا فَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لِأَحَدِهِمَا فَسَدَ. (وَمِنْهَا) أَنْ تَكُونَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ بَعْضِ الْخَارِجِ مُشَاعَةً مَعْلُومَةَ الْقَدْرِ. (وَمِنْهَا) التَّسْلِيمُ إلَى الْعَامِلِ وَهُوَ التَّخْلِيَةُ حَتَّى لَوْ شَرَطَ الْعَمَلَ عَلَيْهِمَا فَسَدَ فَأَمَّا بَيَانُ الْمُدَّةِ فَلَيْسَ بِشَرْطٍ لِجَوَازِ الْمُعَامَلَةِ اسْتِحْسَانًا، وَيَقَعُ عَلَى أَوَّلِ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ فِي أَوَّلِ السَّنَةِ لِتَعَامُلِ النَّاسِ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الْمُدَّةِ، وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا لِيَزْرَعَ فِيهَا الرَّطَابَ أَوْ دَفَعَ أَرْضًا فِيهَا أُصُولٌ رَطْبَةٌ بَاقِيَةٌ، وَلَمْ يُسَمِّ الْمُدَّةَ، فَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَيْسَ لِابْتِدَاءِ نَبَاتِهِ وَلَا لِانْتِهَاءِ جَذِّهِ وَقْتٌ مَعْلُومٌ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ كَانَ وَقْتُ جَذِّهِ مَعْلُومًا يَجُوزُ وَيَقَعُ عَلَى الْجَذَّةِ الْأُولَى كَمَا فِي الشَّجَرِ الْمُثْمِرِ. وَأَمَّا الشَّرَائِطُ الْمُفْسِدَةُ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) كَوْنُ الْخَارِجِ كُلِّهِ لِأَحَدِهِمَا. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا قُفْزَانٌ مُسَمَّاةٌ. (وَمِنْهَا) شَرْطُ الْعَمَلِ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ. (وَمِنْهَا) شَرْطُ الْحَمْلِ وَالْحِفْظِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ. (وَمِنْهَا) شَرْطُ الْجِذَاذِ وَالْقِطَافِ عَلَى الْعَامِلِ بِلَا خِلَافٍ. (وَمِنْهَا) شَرْطُ عَمَلٍ تَبْقَى مَنْفَعَتُهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُعَامَلَةِ نَحْوَ السَّرْقَنَةِ وَنَصْبِ الْعَرِيشِ وَغَرْسِ الْأَشْجَارِ وَتَقْلِيبِ الْأَرْضِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ وَلَا هُوَ مِنْ ضَرُورَاتِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَمَقَاصِدِهِ.
(وَمِنْهَا) شَرِكَةُ الْعَامِلِ فِيمَا يَعْمَلُ حَتَّى أَنَّ النَّخْلَ لَوْ كَانَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فَدَفَعَهُ أَحَدُهُمَا إلَى صَاحِبِهِ مُعَامَلَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا أَثْلَاثًا ثُلُثَاهُ لَهُ وَثُلُثُهُ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ الْمِلْكِ وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَلَوْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ لَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ، وَلَوْ أَمَرَ الشَّرِيكُ السَّاكِتُ الشَّرِيكَ الْعَامِلَ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا يُلَقِّحُ بِهِ النَّخْلَ فَاشْتَرَاهُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِنِصْفِ ثَمَنِهِ وَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ سَوَاءٌ كَانَ الْعَامِلُ وَاحِدًا أَوْ أَكْثَرَ، حَتَّى لَوْ دَفَعَ نَخْلَهُ إلَى رَجُلَيْنِ مُعَامَلَةً بِالثُّلُثِ جَازَ وَسَوَاءٌ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَوْ جَعَلَ لِأَحَدِهِمَا فَضْلًا.
وَأَمَّا حُكْمُ الْمُعَامَلَةِ الصَّحِيحَةِ فَأَنْوَاعٌ: (مِنْهَا) أَنَّ كُلَّ مَا كَانَ مِنْ عَمَلِ الْمُعَامَلَةِ مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الشَّجَرُ وَالْكَرْمُ وَالرِّطَابُ وَأُصُولُ الْبَاذِنْجَانِ مِنْ السَّقْيِ وَإِصْلَاحِ النَّهْرِ وَالْحِفْظِ وَتَلْقِيحِ النَّخِيلِ فَعَلَى الْعَامِلِ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ النَّفَقَةِ عَلَى الشَّجَرِ وَالْكَرْمِ وَالْأَرْضِ مِنْ السِّرْقِينِ وَتَقْلِيبِ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الْكَرْمُ وَالشَّجَرُ وَالرِّطَابُ وَنَصْبِ الْعَرِيشِ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا، وَكَذَلِكَ الْجِذَاذُ وَالْقِطَافُ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ بَيْنَهُمَا عَلَى الشَّرْطِ.
(وَمِنْهَا) أَنَّهُ إذَا لَمْ يُخْرِجْ الشَّجَرُ شَيْئًا لَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا. (وَمِنْهَا) أَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَازِمٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ أَحَدُهُمَا الِامْتِنَاعَ وَالْفَسْخَ مِنْ غَيْرِ رِضَا صَاحِبِهِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ. (وَمِنْهَا) وِلَايَةُ الْجَبْرِ عَلَى الْعَمَلِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ (وَمِنْهَا) جَوَازُ الزِّيَادَةِ عَلَى الشَّرْطِ وَالْحَطِّ عَنْهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ احْتَمَلَ إنْشَاءَ الْعَقْدِ احْتَمَلَ الزِّيَادَةَ وَإِلَّا فَلَا، وَالْحَطُّ جَائِزٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَإِذَا دَفَعَ نَخْلًا بِالنِّصْفِ مُعَامَلَةً فَخَرَجَ الثَّمَرُ، فَإِنْ لَمْ يَتَنَاهَ عِظَمُهُ جَازَتْ الزِّيَادَةُ مِنْهُمَا أَيُّهُمَا كَانَ، وَلَوْ تَنَاهَى عِظَمُ الْبُسْرِ جَازَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ الْعَامِلِ لِرَبِّ الْأَرْضِ وَلَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ لِلْعَامِلِ شَيْئًا
стр. 2513
وَمِنْهَا) أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَمْلِكُ أَنْ يَدْفَعَ إلَى غَيْرِهِ مُعَامَلَةً إلَّا إذَا قَالَ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ.
(وَأَمَّا حُكْمُ الْمُعَامَلَةِ الْفَاسِدَةِ فَأَنْوَاعٌ) : مِنْهَا أَنْ لَا يُجْبَرَ الْعَامِلُ عَلَى الْعَمَلِ. (وَمِنْهَا) أَنَّ الْخَارِجَ كُلَّهُ لِصَاحِبِ الْمِلْكِ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْهُ. (وَمِنْهَا) أَنَّ وُجُوبَ أَجْرِ الْمِثْلِ لَا يَجِبُ عَلَى الْخَارِجِ بَلْ يَجِبُ، وَإِنْ لَمْ يُخْرِجْ الشَّجَرُ شَيْئًا. (وَمِنْهَا) أَنَّ أَجْرَ الْمِثْلِ فِيهَا يَجِبُ مُقَدَّرًا بِالْمُسَمَّى لَا يَتَجَاوَزُ عَنْهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - يَجِبُ تَمَامًا، وَهَذَا الِاخْتِلَافُ إذَا كَانَ حِصَّةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُسَمَّاةً فِي الْعَقْدِ يَجِبُ أَجْرُ الْمِثْلِ تَمَامًا بِلَا خِلَافٍ.
(وَأَمَّا) (الْمَعَانِي الَّتِي هِيَ عُذْرٌ فِي فَسْخِهَا) : فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ سَارِقًا مَعْرُوفًا بِالسَّرِقَةِ فَيُخَافُ عَلَى الثَّمَرَةِ. وَأَمَّا الَّتِي تَنْفَسِخُ بِهَا الْمُعَامَلَةُ فَالْإِقَالَةُ وَانْقِضَاءُ الْمُدَّةِ وَمَوْتُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، هَكَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَتُفْسَخُ بِمَرَضِ الْعَامِلِ إذَا كَانَ بِضَعْفِهِ عَنْ الْعَمَلِ، وَلَوْ أَرَادَ الْعَامِلُ تَرْكَ الْعَمَلِ لَا يُمَكَّنُ مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ، هَكَذَا فِي التَّبْيِينِ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ) الْمُعَامَلَةُ فِي الْأَشْجَارِ وَالْكَرْمِ بِجُزْءٍ مِنْ الثَّمَرَةِ فَاسِدَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَهُمَا جَائِزَةٌ إذَا ذَكَرَ مُدَّةً مَعْلُومَةً وَسَمَّى جُزْءًا مُشَاعًا وَالْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ تَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّةَ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةَ.
وَتَجُوزُ الْمُسَاقَاةُ فِي الرِّطَابِ وَأُصُولِ الْبَاذِنْجَانِ هَكَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى آخَرَ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا مُعَامَلَةً أَشْهُرًا مَعْلُومَةً يَعْلَمُ يَقِينًا أَنَّ النَّخْلَ وَالشَّجَرَ وَالْكَرْمَ لَا يُخْرِجُ ثَمَرَةً فِي مِثْلِ تِلْكَ الْمُدَّةِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، فَإِنْ كَانَتْ مُدَّةً قَدْ تُخْرِجُ الثَّمَرَةَ وَقَدْ لَا تُخْرِجُ فَالْمُعَامَلَةُ مَوْقُوفَةٌ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ الثَّمَرَةَ فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ صَحَّتْ الْمُعَامَلَةُ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ فَسَدَتْ، وَهَذَا إذَا أَخْرَجَتْ فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ مَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ، فَإِنْ أَخْرَجَتْ شَيْئًا لَا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ فِي الْمُعَامَلَةِ لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُرْغَبُ فِيهِ وُجُودُهُ وَعَدَمُهُ بِمَنْزِلَةٍ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ النَّخِيلُ شَيْئًا فِي الْمُدَّةِ الْمَضْرُوبَةِ يُنْظَرُ إنْ أَخْرَجَتْ بَعْدَ مُضِيِّ تِلْكَ الْمُدَّةِ فِي تِلْكَ السَّنَةِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ تُخْرِجْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ لِعِلَّةٍ حَدَثَتْ بِهَا فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَوْ دَفَعَ أَرْضًا مُعَامَلَةً خَمْسَمِائَةِ سَنَةٍ لَا تَجُوزُ، وَإِنْ شَرَطَ مِائَةَ سَنَةٍ وَهُوَ ابْنُ عِشْرِينَ سَنَةً جَازَ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَجُزْ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا دَفَعَ نَخِيلًا مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ تَكُونَ النَّخِيلُ مَعَ الثَّمَرِ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ إنْ كَانَ النَّخِيلُ فِي حَدِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ فَالْمُعَامَلَةُ فِي حَقِّ النَّخِيلِ وَالثِّمَارِ جَائِزَةٌ، وَإِنْ خَرَجَتْ عَنْ حَدِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ خُرُوجُ الْأَشْجَارِ عَنْ حَدِّ النَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ إذَا بَلَغَتْ وَأَثْمَرَتْ، هَكَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ كَرْمًا مُعَامَلَةً، وَفِيهَا أَشْجَارٌ لَا تَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ سِوَى الْحِفْظِ قَالُوا: إنْ كَانَتْ بِحَالٍ لَوْ لَمْ تُحْفَظْ لَذَهَبَتْ ثَمَرَتُهَا قَبْلَ الْإِدْرَاكِ جَازَتْ الْمُعَامَلَةُ، وَيَكُونُ الْحِفْظُ هَاهُنَا لِلنَّمَاءِ وَالزِّيَادَةِ، وَإِنْ كَانَتْ بِحَالٍ لَا تَذْهَبُ ثَمَرَتُهَا قَبْلَ الْإِدْرَاكِ لَوْ لَمْ تُحْفَظْ لَا تَجُوزُ الْمُعَامَلَةُ فِي تِلْكَ الْأَشْجَارِ وَلَا يَكُونُ لِلْعَامِلِ نَصِيبٌ مِنْ تِلْكَ الثِّمَارِ، وَلَوْ دَفَعَ شَجَرَ الْجَوْزِ إلَى رَجُلٍ مُعَامَلَةً قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ جَازَ دَفْعُهَا مُعَامَلَةً وَلِلْعَامِلِ حِصَّةٌ مِنْهَا؛ لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى السَّقْيِ أَوْ الْحِفْظِ حَتَّى لَوْ لَمْ يَحْتَجْ إلَى أَحَدِهِمَا لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَفِي مُخْتَصَرِ خُوَاهَرْ زَادَهْ رَجُلٌ دَفَعَ نَخْلًا إلَى رَجُلَيْنِ مُعَامَلَةً عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا السُّدُسَ وَلِلْآخَرِ النِّصْفَ وَلِرَبِّ النَّخِيلِ الثُّلُثَ فَهُوَ جَائِزٌ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ نَخِيلًا مُعَامَلَةً إلَى رَجُلَيْنِ عَلَى أَنْ يُلَقِّحَاهُ بِتَلْقِيحٍ مِنْ عِنْدِهِمَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَنَا أَثْلَاثًا فَهَذَا جَائِزٌ، وَلَوْ شَرَطُوا أَنَّ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ الثُّلُثَ وَلِأَحَدِ الْعَامِلَيْنِ بِعَيْنِهِ الثُّلُثَيْنِ وَلِلْآخَرِ مِائَةً عَلَى الْعَامِلِ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ فَهَذَا فَاسِدٌ، وَإِذَا فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ كَانَ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ النَّخِيلِ وَلِلْعَامِلِ الْآخَرِ عَلَى الْعَامِلِ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ أَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يُجَاوِزْ بِهِ الْمُسَمَّى، ثُمَّ يَرْجِعُ الْعَامِلُ الَّذِي شُرِطَ لَهُ الثُّلُثَانِ عَلَى رَبِّ النَّخِيلِ بِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ وَبِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِ الْآخَرِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَإِذَا شَرَطَ رَبُّ النَّخِيلِ بَعْضَ أَعْمَالِ الْمُعَامَلَةِ عَلَى الْعَامِلِ وَسَكَتَ عَنْ الْبَاقِي بِأَنْ سَكَتَ عَنْ ذِكْرِ السَّقْيِ مَثَلًا، فَإِنْ كَانَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ شَيْئًا لَا بُدَّ مِنْهُ
стр. 2514
لِتَحْصِيلِ الْخَارِجِ بِأَنْ كَانَ الثَّمَرُ لَا يُخْرِجُ شَيْئًا أَصْلًا بِدُونِ السَّقْيِ أَوْ يُخْرِجُ بِدُونِ السَّقْيِ شَيْئًا لَا يُرْغَبُ فِيهِ مِنْ مِثْلِ هَذِهِ النَّخِيلِ أَوْ يُخْرِجُ شَيْئًا مَرْغُوبًا إلَّا أَنَّهُ يَيْبَسُ بِدُونِ السَّقْيِ، وَفِي هَذِهِ الْوُجُوهِ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الْمَسْكُوتُ عَنْهُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا أَوْ يُؤَثِّرُ فِي جَوْدَتِهِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَعْلُومًا لِلْحَالِ أَوْ كَانَ لَا يَدْرِي فِي الْحَالِ أَنَّهُ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي زِيَادَةِ الْجَوْدَةِ أَوْ لَا يُؤَثِّرُ فَالْمُعَامَلَةُ جَائِزَةٌ، فَإِنْ شَرَطَ رَبُّ النَّخِيلِ السَّقْيَ عَلَى نَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ السَّقْيَ لَا يُؤَثِّرُ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ فَالْمُعَامَلَةُ فِيهَا جَائِزَةٌ، وَإِنْ شَرَطَ عَمَلَ رَبِّ الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّ السَّقْيَ يُؤَثِّرُ فِي تَحْصِيلِ الْخَارِجِ إمَّا أَصْلًا أَوْ جَوْدَةً فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَا يَدْرِي أَنَّ السَّقْيَ هَلْ يُؤَثِّرُ فِي الْخَارِجِ أَوْ لَا يُؤَثِّرُ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ أَيْضًا، وَإِذَا شَرَطَ رَبُّ الْأَرْضِ السَّقْيَ عَلَى نَفْسِهِ وَالْبَاقِي عَلَى الْعَامِلِ فَهَذَا وَمَا لَوْ شَرَطَ السَّقْيَ عَلَى نَفْسِهِ وَسَكَتَ عَنْ الْبَاقِي سَوَاءٌ، وَإِذَا شَرَطَ الْحِفْظَ عَلَى رَبِّ النَّخِيلِ فِي مَكَان لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْحِفْظِ بِأَنْ كَانَ فِي حَائِطٍ وَالْحَائِطُ حَصِينٌ فَالْجَوَابُ فِيهِ كَالْجَوَابِ فِي اشْتِرَاطِ السَّقْيِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ إذَا كَانَ السَّقْيُ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْخَارِجِ أَصْلًا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخِيلًا مُعَامَلَةً عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلُ فُلَانًا يَعْمَلُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَ هَذَا فَاسِدًا، بِخِلَافِ مَا إذَا قَالَ: عَلَى أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْعَامِلُ أَجِيرًا، وَلَمْ يُعَيِّنْ الْأَجِيرَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
نَخِيلٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَفَعَاهُ إلَى رَجُلٍ سَنَتَهُ هَذِهِ يَقُومُ عَلَيْهِ فَمَا خَرَجَ فَنِصْفُهُ لِلْعَامِلِ ثُلُثَا ذَلِكَ النِّصْف مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ وَالْبَاقِي بَيْنَ صَاحِبَيْ النَّخِيلِ ثُلُثَاهُ لِلَّذِي شَرَطَ الثُّلُثَ مِنْ نَصِيبِهِ وَثُلُثُهُ لِلْآخَرِ جَازَ، وَلَوْ شَرَطَا ثُلُثَيْ الْبَاقِي لِشَارِطِ الثُّلُثَيْنِ مِنْ نَصِيبِهِ فَالْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةٌ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَإِذَا كَانَ النَّخِيلُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ دَفَعَاهُ إلَى رَجُلٍ مُعَامَلَةً مُدَّةً مَعْلُومَةً عَلَى أَنَّ نِصْفَ الْخَارِجِ لِلْعَامِلِ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بَيْنَ صَاحِبَيْ النَّخِيلِ نِصْفَانِ فَهَذَا جَائِزٌ وَأَنَّهُ ظَاهِرٌ، وَلَوْ شَرَطَا أَنَّ نِصْفَ الْخَارِجِ لِأَحَدِ صَاحِبَيْ النَّخِيلِ بِعَيْنِهِ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ وَالنِّصْفَ الْآخَرَ بَيْنَ صَاحِبِ النَّخِيلِ الْآخَرِ وَالْعَامِلِ نِصْفَانِ أَوْ عَلَى الْمُثَالَثَةِ فَهَذَا فَاسِدٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ اشْتَرَطُوا أَنَّ لِلْعَامِلِ نِصْفَ الْخَارِجِ ثُلُثُهُ مِنْ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا وَثُلُثَاهُ مِنْ نَصِيبِ الْآخَرِ عَلَى أَنَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بَيْنَ صَاحِبَيْ النَّخِيلِ نِصْفَانِ فَهُوَ فَاسِدٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
دَفَعَ رَجُلٌ نَخْلَهُ إلَى رَجُلَيْنِ يَقُومَانِ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ نِصْفَ الْخَارِجِ وَلِلْآخَرِ سُدُسَهُ وَلِرَبِّ النَّخِيلِ ثُلُثَهُ جَازَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَ أَحَدَهُمَا بِنِصْفِ الْخَارِجِ وَالْآخَرَ بِسُدُسِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ لِأَحَدِ الْعَامِلَيْنِ مِائَةَ دِرْهَمٍ عَلَى رَبِّ النَّخِيلِ وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَ وَلِرَبِّ النَّخِيلِ الثُّلُثَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُمَا بِبَدَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَذَلِكَ جَائِزٌ حَالَةَ الِانْفِرَادِ، وَلَوْ شَرَطُوا لِرَبِّ النَّخِيلِ الثُّلُثَ وَلِأَحَدِ الْعَامِلَيْنِ بِعَيْنِهِ الثُّلُثَيْنِ وَلِلْآخَرِ عَلَى صَاحِبِ الثُّلُثَيْنِ أَجْرَ مِائَةِ دِرْهَمٍ كَانَ فَاسِدًا؛ لِأَنَّهُ شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيهِ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ تَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ أَجْرُ الْعَامِلَيْنِ عَلَى صَاحِبِ النَّخِيلِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ دَفَعَ نِصْفَ النَّخِيلِ مُعَامَلَةً لَا يَجُوزُ، وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ نَخِيلًا مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَعْمَلَ فَيَكُونُ النَّخِيلُ وَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ كَانَتْ الْمُعَامَلَةُ فَاسِدَةً، فَرْقٌ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا إذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى غَيْرِهِ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ قَدْ صَارَ بَقْلًا عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ حَتَّى يَسْتَحْصِدَ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى آخَرَ أَرْضًا بَيْضَاءَ لِيَغْرِسَ فِيهَا أَغْرَاسًا عَلَى أَنَّ الْأَغْرَاسَ وَالثِّمَارَ بَيْنَهُمَا فَهُوَ جَائِزٌ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ تَكُونَ الْأَغْرَاسُ لِأَحَدِهِمَا وَالثِّمَارُ لِأَحَدِهِمَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ قَاطِعٌ لِلشَّرِكَةِ فَإِنَّهُ عَسَى لَا يُثْمِرُ النَّخِيلُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ فَصَاحِبُ الْغَرْسِ لَا يُصِيبُهُ شَيْءٌ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ الثَّمَرُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَالْأَغْرَاسُ خَاصَّةً لِأَحَدِهِمَا بِعَيْنِهِ، فَإِنْ شَرَطَ الْأَغْرَاسَ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ شَرَطَ الْأَغْرَاسَ لِمَنْ لَمْ تَكُنْ الْأَغْرَاسُ مِنْ جِهَتِهِ فَذَلِكَ فَاسِدٌ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّوَادِرِ، وَإِنْ شَرَطَا أَنْ تَكُونَ الثِّمَارُ بَيْنَهُمَا وَسَكَتَا عَنْ الْأَغْرَاسِ فَالْأَغْرَاسُ لِمَنْ كَانَتْ الْأَغْرَاسُ مِنْ جِهَتِهِ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى غَيْرِهِ أَرْضًا بِيضًا سِنِينَ مُسَمَّاةً عَلَى أَنْ يَغْرِسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَجَرٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى
стр. 2515
أَنَّ الْأَرْضَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذَا فَاسِدٌ، وَإِذَا فَسَدَتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَةُ وَقَبَضَ الْعَامِلُ الْأَرْضَ عَلَى هَذَا وَغَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا أَوْ كَرْمًا فَأَخْرَجَتْ ثَمَرًا كَثِيرًا فَجَمِيعُ النَّخْلِ وَالشَّجَرِ وَالْكَرْمِ لِرَبِّ الْأَرْضِ، وَعَلَى رَبِّ الْأَرْضِ قِيمَةُ الْأَغْرَاسِ لِلْغَارِسِ وَأَجْرُ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَشْتَرِطْ لَهُ رَبُّ الْأَرْضِ شَيْئًا مِنْ الْأَرْضِ وَلَكِنْ قَالَ لَهُ اغْرِسْهَا شَجَرًا أَوْ نَخْلًا أَوْ كَرْمًا عَلَى أَنَّ مَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لَكَ عَلَيَّ مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ كُرَّ حِنْطَةٍ أَوْ نِصْفَ أَرْضٍ أُخْرَى بِعَيْنِهَا سِوَى الْأَرْضِ الَّتِي غَرَسَ فِيهَا فَهَذَا كُلُّهُ فَاسِدٌ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ كَانَ الْغَرْسُ مِنْ عِنْدِ رَبِّ الْأَرْضِ وَاشْتَرَطَ أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَعَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَهُوَ فَاسِدٌ، وَإِذَا عَمِلَ عَلَى هَذَا فَالْخَارِجُ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَوْ كَانَ الْغَرْسُ مِنْ قِبَلِ الْعَامِلِ وَقَدْ اشْتَرَطَا أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ عَلَى أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الْمُزَارِعِ مِائَةَ دِرْهَمٍ فَهَذَا فَاسِدٌ، ثُمَّ الْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ، وَلَوْ كَانَ الْغَرْسُ وَالْبَذْرُ مِنْ رَبِّ الْأَرْضِ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا كَانَ فَاسِدًا أَيْضًا وَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِلْعَامِلِ وَلِرَبِّ الْأَرْضِ أَجْرُ مِثْلِ أَرْضِهِ وَقِيمَةُ غَرْسِهِ وَبَذْرُ مِثْلِ بَذْرِهِ عَلَى الزَّارِعِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَرَطَ لَهُ الْغَارِسُ مَكَانَ الْمِائَةِ حِنْطَةً أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ فَالْكُلُّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يَفْسُدُ بِهِ الْعَقْدُ سَوَاءٌ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ: وَلَوْ دَفَعَ النَّخِيلَ مُعَامَلَةً بَعْدَ خُرُوجِ الثَّمَرِ، فَإِنْ كَانَ يَزِيدُ بِعَمَلِهِ الثَّمَرُ حَتَّى صَارَ شَرِيكًا فِيهِ جَازَ، فَإِنْ اسْتَحَقَّ رَجَعَ عَلَى الدَّافِعِ بِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ وَإِلَّا فَلَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا الْأَشْجَارَ وَالْكَرْمَ بِقُضْبَانٍ مِنْ قِبَلِ الْمَدْفُوعِ إلَيْهِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ لِذَلِكَ وَقْتًا فَغَرَسَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَأَدْرَكَ الْكَرْمُ وَكَبُرَتْ الْأَشْجَارُ وَاسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مِنْ صَاحِبِهَا كُلَّ سَنَةٍ بِأَجْرٍ مُسَمًّى، ثُمَّ إنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ أَخَذَ الْمَدْفُوعَ إلَيْهِ وَقْتَ الرَّبِيعِ قَبْلَ النَّيْرُوزِ حَتَّى يَرْفَعَ الْأَشْجَارَ، قَالُوا: إنْ أَخَذَهُ بِذَلِكَ فِي وَقْتٍ قَبْلَ خُرُوجِ الثِّمَارِ كَانَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْغَارِسَ لَا يَتَضَرَّرُ بِقَلْعِ الْأَشْجَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ضَرَرًا زَائِدًا، قَالَ: ﵁ وَعِنْدِي إنْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ تَمَامِ السَّنَةِ وَقَدْ اسْتَأْجَرَ الْأَرْضَ مُسَانَهَةً لَا يُجْبِرُ الْمُسْتَأْجِرَ عَلَى قَلْعِ الْأَشْجَارِ إنْ أَبَى، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
إذَا دَفَعَ إلَى ابْنٍ لَهُ أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ، وَلَمْ يُوَقِّتْ لَهُ وَقْتًا فَغَرَسَ فِيهَا، ثُمَّ مَاتَ الدَّافِعُ وَخَلَفَ الِابْنُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ وَوَرَثَةٌ سِوَاهُ فَأَرَادَ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ أَنْ يُكَلَّفَ الِابْنُ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ قَلْعَ الْأَشْجَارِ كُلِّهَا لِيُقَسِّمُوا الْأَرْضَ، قَالَ: إنْ كَانَتْ الْأَرْضُ تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ قُسِّمَتْ بَيْنَهُمْ فَمَا أَصَابَ حِصَّةَ الْغَارِسِ فَذَلِكَ لَهُ مَعَ غَرْسِهِ وَمَا وَقَعَ فِي نَصِيبِ غَيْرِهِ كُلِّفَ قَلْعَهُ وَتَسْوِيَةَ أَرْضِهِ إنْ لَمْ يَجْرِ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ، وَإِنْ كَانَتْ الْأَرْضُ لَا تَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ يُكَلَّفُ بِقَلْعِ الْكُلِّ إلَّا إذَا جَرَى بَيْنَهُمْ صُلْحٌ، وَإِذَا دَفَعَ أَرْضًا إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَغْرِسَ فِيهَا أَغْرَاسًا عَلَى أَنَّ الْخَارِجَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَانْقَضَتْ الْمُدَّةُ يُخَيَّرُ رَبُّ الْأَرْضِ إنْ شَاءَ غَرِمَ نِصْفَ قِيمَةِ الشَّجَرِ وَيَمْلِكُهَا، وَإِنْ شَاءَ قَلَعَهَا، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَكَّارٌ غَرَسَ فِي أَرْضِ الدَّافِعِ تَالَّةً بِأَمْرِهِ، فَإِنْ كَانَتْ التَّالَّةُ لِلدَّافِعِ فَالْأَشْجَارُ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ لِلْأَكَّارِ وَقَدْ قَالَ لِلْأَكَّارِ: اغْرِسْهَا لِي فَكَذَلِكَ وَلِلْأَكَّارِ قِيمَةُ التَّالَّةِ، وَلَوْ قَالَ: اغْرِسْهَا وَلَمْ يَقُلْ: لِي فَغَرَسَهَا بِغِرَاسٍ مِنْ عِنْدِهِ فَالْغِرَاسُ لِلْغَارِسِ وَيُكَلِّفُهُ الْمَالِكُ قَلْعَهُ، وَلَوْ قَالَ اغْرِسْهَا عَلَى أَنَّ الْغِرَاسَ أَنْصَافًا جَازَ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَرْضًا لِيَغْرِسَ فِيهَا وَدَفَعَ إلَيْهِ التَّالَّةَ فَغَرَسَ فَقَالَ صَاحِبُ الْأَرْضِ: أَنَا دَفَعْتُ التَّالَّةَ وَالْأَشْجَارَ لِي، وَقَالَ: الْغَارِسُ قَدْ سُرِقَتْ تِلْكَ التَّالَّةُ وَأَنَا غَرَسْتُ بِتَالَّةٍ مِنْ عِنْدِي وَالشَّجَرُ لِي، قَالُوا فِي الْأَشْجَارِ: يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ صَاحِبِ الْأَرْضِ لِأَنَّ الْأَشْجَارَ مُتَّصِلَةٌ بِأَرْضِهِ، وَالْقَوْلُ فِي سَرِقَةِ التَّالَّةِ الَّتِي دَفَعَهَا إلَيْهِ قَوْلُ الْغَارِسِ حَتَّى لَا يَكُونَ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَمِينًا فِيهَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
رَجُلٌ دَفَعَ أَرْضَهُ إلَى آخَرَ لِيَتَّخِذَ كَرْمًا فَكُلُّ ذَلِكَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَلِلْغَارِسِ قِيمَةُ مَا أَخَذَهُ وَأُجْرَةُ مَا عَمِلَ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ كَرْمَهُ إلَى غَيْرِهِ مُعَامَلَةً وَقَامَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ مُدَّةً ثُمَّ تَرَكَهُ ثُمَّ جَاءَ عِنْدَ الْإِدْرَاكِ يَطْلُبُ الشَّرِكَةَ إنْ كَانَ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهَا بَعْدَ مَا خَرَجَتْ الثَّمَرَةُ وَالْعِنَبُ وَصَارَ بِحَالٍ لَوْ قُطِعَتْ كَانَ لَهَا قِيمَةٌ لَا تَبْطُلُ شَرِكَتُهُ وَهُوَ الشَّرِيكُ عَلَى الشَّرْطِ الْمُتَقَدِّمِ، وَإِنْ كَانَ رَدَّهُ
стр. 2516
قَبْلَ خُرُوجِ الثَّمَرَةِ أَوْ بَعْدَ خُرُوجِهَا وَلَكِنْ فِي وَقْتٍ لَوْ قُطِعَتْ لَمْ يَكُنْ لَهَا قِيمَةٌ فَلَا شَرِكَةَ فِيهَا، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ رُطَبَةً قَدْ انْتَهَى جِذَاذُهَا عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا الْعَامِلُ وَيَسْقِيَهَا حَتَّى يَخْرُجَ بَذْرُهَا عَلَى أَنَّ مَا رَزَقَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَذْرِهَا فَهُوَ بَيْنَهُمَا جَازَ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّيَا وَقْتًا؛ لِأَنَّ إدْرَاكَ الْبَذْرِ لَهُ وَقْتٌ مَعْلُومٌ وَالْبَذْرُ بَيْنَهُمَا وَالرُّطَبَةُ لِصَاحِبِهَا، وَلَوْ اشْتَرَطَا أَنْ تَكُونَ الرُّطَبَةُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَسَدَتْ الْمُعَامَلَةُ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَلَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ غِرَاسَ شَجَرٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ نَخْلٍ قَدْ عُلِّقَ فِي الْأَرْضِ، وَلَمْ تَبْلُغْ الثَّمَرَةُ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَ نَخْلَهُ فَمَا خَرَجَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَهَذِهِ مُعَامَلَةٌ فَاسِدَةٌ إلَّا أَنْ يُسَمِّيَ سِنِينَ مَعْلُومَةً؛ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي فِي كَمْ تَحْمِلُ النَّخْلُ وَالشَّجَرُ وَالْكَرْمُ، وَالْأَشْجَارُ تَتَفَاوَتُ فِي ذَلِكَ لِتَفَاوُتِ مَوَاضِعِهَا مِنْ الْأَرْضِ بِالْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَإِنْ بَيَّنَا مُدَّةً مَعْلُومَةً صَارَ مِقْدَارُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْعَامِلِ مَعْلُومًا فَيَجُوزُ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنَا ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا دَفَعَ النَّخْلَ مُعَامَلَةً وَأَرَادَ الْعَامِلُ أَنْ يَضَعَ الْوَصْلَ عَلَى الْأَشْجَارِ فَأَصْلُ الْقَضِيبِ عَلَى الدَّافِعِ، ثُمَّ الْعَمَلُ فِي الْوَصْلِ مِنْ ضَرْبِ آلَةِ الشَّقِّ حَتَّى يَنْشَقَّ الشَّجَرُ فَيَدْخُلُ قَضِيبُ الْوَصْلِ فِي الشَّقِّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَتِمَّ الْوَصْلُ عَلَى الْعَامِلِ، وَعَلَى هَذَا الْقَضِيبُ الَّذِي يُتَّخَذُ مِنْهُ الْغَرْسُ عَلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ وَالْعَمَلِ لِيَصِيرَ غَرْسًا عَلَى الْعَامِلِ، وَكَذَا الدَّعَائِمُ عَلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ وَنَصُّهَا فِي الْكَرْمِ عَلَى الْعَامِلِ عَلَى هَذَا جَرَتْ الْعَادَةُ فِي دِيَارِنَا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
حَرَّاثٌ غَرَسَ أَشْجَارًا فِي أَرْضٍ بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِ الْأَرْضِ فَلَمَّا كَبُرَتْ الْأَشْجَارُ اخْتَصَمَا فِيهَا، فَإِنْ كَانَ رَبُّ الْأَرْضِ مُقِرًّا بِأَنَّ الْأَشْجَارَ غَرَسَهَا الْحَرَّاثُ مِنْ مِلْكِ نَفْسِهِ فَهِيَ لِلْحَرَّاثِ لَكِنْ لَا تَطِيبُ لَهُ دِيَانَةً فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى إنْ كَانَ غَرَسَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ كَانَ غَرَسَ بِأَمْرِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ شَرِكَةٍ تَطِيبُ لَهُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
رَجُلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ تَالَّةً لِيَغْرِسَهَا عَلَى حَافَّةِ نَهْرٍ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ فَلَمَّا غَرَسَ وَأَدْرَكَ الشَّجَرُ قَالَ الدَّافِعُ لِلْغَارِسِ كُنْتَ خَادِمِي، وَفِي عِيَالِي دَفَعْتُ إلَيْكَ التَّالَّةَ لِتَغْرِسَهَا لِي فَتَكُونُ الْأَشْجَارُ لِي، قَالُوا: إنْ عَلِمَ أَنَّ التَّالَّةَ كَانَتْ لِلْغَارِسِ كَانَتْ الْأَشْجَارُ لَهُ، وَإِنْ كَانَتْ التَّالَّةُ لِلدَّافِعِ، فَإِنْ كَانَ الْغَارِسُ فِي عِيَالِ الدَّافِعِ يَعْمَل لَهُ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ كَانَتْ الْأَشْجَارُ لِلدَّافِعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ شَاهِدٌ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْغَارِسُ يَعْمَلُ لَهُ مِثْلَ هَذَا الْعَمَلِ، وَلَمْ يَغْرِسْهَا بِإِذْنِهِ فَهِيَ لِلْغَارِسِ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ التَّالَّةِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الْغَارِسُ قَلَعَ التَّالَّةَ مِنْ أَرْضِ رَجُلٍ وَغَرَسَهَا فَهِيَ لِلْغَارِسِ وَعَلَيْهِ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ قِيمَةُ التَّالَّةِ يَوْمَ قَلَعَهَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
دَفَعَ كَرْمَهُ مُعَامَلَةً فَأَثْمَرَ وَكَانَ الدَّافِعُ وَأَهْلُ دَارِهِ يَدْخُلُونَ الْكَرْمَ كُلَّ يَوْمٍ فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَحْمِلُونَ وَالْعَامِلُ لَا يَدْخُلُ إلَّا قَلِيلًا، فَإِنْ أَكَلَ أَهْلُ دَارِ الدَّافِعِ أَوْ حَمَلُوا بِغَيْرِ إذْنِ الدَّافِعِ فَالضَّمَانُ عَلَيْهِمْ دُونَ الدَّافِعِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَإِنْ أَخَذُوا بِإِذْنِهِ وَهُمْ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ فَهُوَ ضَامِنٌ نَصِيبَ الْعَامِلِ كَمَا لَوْ قَبَضَ هُوَ بِنَفْسِهِ وَدَفَعَ إلَيْهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهِ أَنَّهُ دَلَّ عَلَى إتْلَافِ مَالِ الْغَيْرِ وَهُنَاكَ لَا يَضْمَنُ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَهُ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ مِنْهُ فَهُوَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ فَقَامَ عَلَيْهِ وَلَقَّحَهُ حَتَّى صَارَ بُسْرًا أَخْضَرَ، ثُمَّ مَاتَ صَاحِبُ الْأَرْضِ فَقَدْ انْتَقَضَتْ الْمُعَامَلَةُ بَيْنَهُمَا فِي الْقِيَاسِ، وَكَانَ الْبُسْرُ بَيْنَ وَرَثَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ وَبَيْنَ الْعَامِلِ نِصْفَيْنِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْأَرْضِ اسْتَأْجَرَ الْعَامِلَ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، وَلَوْ اسْتَأْجَرَهُ بِدَرَاهِمَ انْتَقَضَتْ الْإِجَارَةُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَيُّهُمَا مَاتَ، فَكَذَلِكَ إذَا اسْتَأْجَرَهُ بِبَعْضِ الْخَارِجِ، ثُمَّ انْتِقَاضُهَا بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا بِمَنْزِلَةِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى نَقْضِهَا فِي حَيَاتِهِمَا، وَلَوْ نَقَضَاهَا وَالْخَارِجُ بُسْرٌ كَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَلَكِنَّهُ اسْتَحْسَنَ فَقَالَ: لِلْعَامِلِ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ يَقُومُ حَتَّى يُدْرِكَ الثَّمَرُ، وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ الْوَرَثَةُ لِأَنَّ فِي انْتِقَاضِ الْعَقْدِ بِمَوْتِ رَبِّ الْأَرْضِ إضْرَارًا بِالْعَامِلِ وَإِبْطَالًا لِمَا كَانَ مُسْتَحَقًّا لَهُ بِعَقْدِ الْمُعَامَلَةِ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ فِي الْأَشْجَارِ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ، وَإِذَا انْتَقَضَ الْعَقْدُ يُكَلَّفُ الْجِذَاذَ قَبْلَ الْإِدْرَاكِ وَفِيهِ ضَرَرٌ عَلَيْهِ.
وَكَمَا يَجُوزُ نَقْضُ الْإِجَارَةِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ يَجُوزُ إبْقَاؤُهَا لِدَفْعِ الضَّرَرِ وَكَمَا يَجُوزُ أَنْ يَعْقِدَ الْعَقْدَ ابْتِدَاءً لِدَفْعِ الضَّرَرِ يَجُوزُ إبْقَاؤُهُ لِدَفْعِ الضَّرَرِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى، وَإِنْ قَالَ الْعَامِلُ أَنَا: آخُذُ نِصْفَ الْبُسْرِ، لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ
стр. 2517
إبْقَاءَ الْعَقْدِ لِدَفْعِ الضَّرَرِ عَنْهُ، فَإِذَا رَضِيَ بِالْتِزَامِ الضَّرَرِ انْتَقَضَ الْعَقْدُ بِمَوْتِ رَبِّ الْأَرْضِ إلَّا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إلْحَاقَ الضَّرَرِ بِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ فَيَثْبُتُ الْخِيَارُ لِلْوَرَثَةِ، فَإِنْ شَاءُوا صَرَمُوا الْبُسْرَ فَقَسَمُوهُ نِصْفَيْنِ، وَإِنْ شَاءُوا أَعْطَوْهُ نِصْفَ قِيمَةِ الْبُسْرِ وَصَارَ الْبُسْرُ كُلُّهُ لَهُمْ، وَإِنْ شَاءُوا أَنْفَقُوا عَلَى الْبُسْرِ حَتَّى يَبْلُغَ وَيَرْجِعُونَ بِنِصْفِ نَفَقَتِهِمْ فِي حِصَّةِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرِ، وَلَوْ كَانَ مَاتَ الْعَامِلُ فَلِوَرَثَتِهِ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَرِهَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُمْ قَائِمُونَ مَقَامَهُ، وَإِنْ قَالَتْ الْوَرَثَةُ نَحْنُ نَصْرِمُهُ بُسْرًا كَانَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مِنْ الْخِيَارِ مِثْلُ مَا وَصَفْنَا لِوَرَثَتِهِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْقِيَامِ عَلَيْهِ وَتَرْكِهِ إلَى وَرَثَةِ الْعَامِلِ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُومُونَ مَقَامَ الْعَامِلِ وَقَدْ كَانَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ هَذَا الْخِيَارُ بَعْدَ مَوْتِ رَبِّ الْأَرْضِ فَكَذَلِكَ يَكُونُ لِوَرَثَتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ تَوْرِيثِ الْخِيَارِ بَلْ مِنْ بَابِ خِلَافَةِ الْوَارِثِ الْمُورِثَ فِيمَا هُوَ حَقٌّ مُسْتَحَقٌّ لَهُ وَهُوَ تَرْكُ الثِّمَارِ عَلَى النَّخِيلِ إلَى وَقْتِ الْإِدْرَاكِ.
وَإِنْ أَبَوْا أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ كَانَ الْخِيَارُ إلَى وَرَثَةِ صَاحِبِ الْأَرْضِ عَلَى مَا وَصَفْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَلَوْ لَمْ يَمُتْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَلَكِنْ انْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُعَامَلَةِ وَالْبُسْرُ أَخْضَرُ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ وَالْخِيَارُ فِيهِ إلَى الْعَامِلِ، فَإِنْ شَاءَ عَمِلَ عَلَى مَا كَانَ يَعْمَلُ حَتَّى يَبْلُغَ الثَّمَرُ وَيَكُونَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ إلَّا أَنَّ هُنَاكَ الْعَامِلُ إذَا اخْتَارَ التَّرْكَ فَعَلَيْهِ نِصْفُ أَجْرِ مِثْلِ الْأَرْضِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
إذَا دَفَعَ كَرْمَهُ مُعَامَلَةً فَمَاتَ الْعَامِلُ فِي السَّنَةِ فَأَنْفَقَ رَبُّ الْكَرْمِ بِغَيْرِ أَمْرِ الْقَاضِي لَمْ يَكُنْ مُتَبَرِّعًا وَرَجَعَ بِهِ فِي الثَّمَرِ وَلَا سَبِيلَ لِلْعَامِلِ عَلَى الْغَلَّةِ حَتَّى يُعْطِيَهُ نَفَقَتَهُ وَكَذَا فِي الزَّرْعِ، وَلَوْ غَابَ وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا لَمْ يَرْجِعْ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ الْحُرُّ إلَى الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ عَلَيْهِ نَخِيلًا لَهُ مُعَامَلَةً هَذِهِ السَّنَةَ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ وَيَسْقِيَهُ وَيُلَقِّحَهُ فَمَا أَخْرَجَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَعَمِلَ عَلَى هَذَا فَالْخَارِجُ بَيْنَ الْعَامِلِ وَبَيْنَ صَاحِبِ النَّخِيلِ نِصْفَانِ إذَا سَلِمَ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ مِنْ الْعَمَلِ اسْتِحْسَانًا، وَإِنْ مَاتَا مِنْ الْعَمَلِ فِي النَّخِيلِ إنْ كَانَ الْعَامِلُ عَبْدًا فَجَمِيعُ الثَّمَرِ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ، وَعَلَى صَاحِبِ النَّخِيلِ قِيمَةُ الْعَبْدِ لِمَوْلَى الْعَبْدِ، وَإِنْ كَانَ الْعَامِلُ صَبِيًّا فَعَلَى عَاقِلَةِ صَاحِبِ النَّخِيلِ دِيَةُ الصَّبِيِّ وَالثَّمَرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَرَثَةِ الصَّبِيِّ نِصْفَانِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
دَفَعَ الْعَبْدُ أَوْ الصَّبِيُّ نَخْلَهُ مُعَامَلَةً، وَلَمْ يَعْمَلْ حَتَّى حُجِرَ عَلَيْهِ لَا تُنْتَقَضُ؛ لِأَنَّ الْمُعَامَلَةَ لَازِمَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ حَتَّى لَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ نَقْضَهَا قَبْلَ الْعَمَلِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا الْحَجْرُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا مَحْجُورًا أَوْ صَبِيًّا مَحْجُورًا فِي يَدِهِ نَخِيلٌ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ بِالنِّصْفِ فَعَمِلَ الْعَامِلُ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ إنْ كَانَ الدَّافِعُ صَبِيًّا لَا فِي الْحَالِ وَلَا فِي ثَانِي الْحَالِ، وَإِنْ كَانَ الدَّافِعُ عَبْدًا لَا يُؤَاخَذُ بِأَجْرِ مِثْلِ الْعَامِلِ فِي الْحَالِ وَيُؤَاخَذُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
أَكَّارٌ غَرَسَ أَشْجَارًا فِي أَرْضِ الدِّهْقَانِ وَمَضَتْ مُدَّةُ الْمُعَامَلَةِ، إنْ غَرَسَهَا لِلدِّهْقَانِ فَهُوَ مُتَبَرِّعٌ، وَإِنْ أَمَرَ الدِّهْقَانَ بِشِرَائِهَا وَغَرْسِهَا فَهِيَ لِلدِّهْقَانِ، وَعَلَى الدِّهْقَانِ الْمَالُ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ الْأَشْجَارَ، وَإِنْ غَرَسَهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الدِّهْقَانِ فَهِيَ لِلْأَكَّارِ وَيُطَالِبُهُ الدِّهْقَانُ بِتَسْوِيَةِ الْأَرْضِ. مُعَلِّمٌ يُعَلِّمُ الصِّبْيَانَ لِأَهْلِ قَرْيَةٍ فَاجْتَمَعَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ وَجَاءَ كُلٌّ بِشَيْءٍ مِنْ الْبَذْرِ وَبَذَرُوا لِلْمُعَلِّمِ فَالْخَارِجُ لِأَرْبَابِ الْبَذْرِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُسَلِّمُوا الْبَذْرَ لِلْمُعَلِّمِ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
نَهْرٌ بَيْنَ رَجُلَيْنِ عَلَى ضِفَّتِهِ أَشْجَارٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّجُلَيْنِ يَدَّعِي الْأَشْجَارَ، قَالُوا: إنْ عُرِفَ غَارِسُهَا فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ فِي مَوْضِعٍ هُوَ مِلْكُ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً كَانَ لَهُ، وَمَا كَانَ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُشْتَرَكَةِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
مُسْتَأْجِرُ الْكَرْمِ إجَارَةً طَوِيلَةً إذَا اشْتَرَى الْأَشْجَارَ وَالزَّرَاجِين، ثُمَّ دَفَعَ الْأَشْجَارَ وَالزَّرَاجِين إلَى الْآخَرِ مُعَامَلَةً جَازَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
مُزَارِعٌ زَرَعَ ثُومًا فَقَلَعَ بَعْضَهَا وَبَقِيَ الْبَعْضُ غَيْرَ مَقْلُوعٍ فَنَبَتَ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الْمُعَامَلَةِ بِسَقْيِهِ، وَإِنْبَاتِهِ فَمَا نَبَتَ مِمَّا بَقِيَ فِي الْأَرْضِ غَيْرَ مَقْلُوعٍ فَهُوَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَبِّ الْأَرْضِ عَلَى الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ بَيْنَهُمَا، وَمَا نَبَتَ مِمَّا صَارَ مَقْلُوعًا وَهُوَ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ فَهُوَ لِلْمُزَارِعِ الَّذِي نَبَتَ بِسَقْيِهِ وَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا اسْتَهْلَكَ، وَإِنْ نَبَتَ مِنْ غَيْرِ سَقْيٍ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حَقِّهِمَا فِي الْبَذْرِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
غَرَسَ أَشْجَارًا عَلَى طَرَفِ حَوْضِ الْقَرْيَةِ، ثُمَّ قَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَنَبَتَ مِنْ عُرُوقِهَا فَالنَّابِتُ لِلْغَارِسِ؛ لِأَنَّهُ فَرْعُ مِلْكِهِ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَفِي النَّوَازِلِ مَبْطَخَةٌ بَقِيَتْ فِيهَا بَقِيَّةٌ
стр. 2518
فَانْتَهَبَهَا النَّاسُ إنْ تُرِكَ لِيَأْخُذَ مَنْ شَاءَ لَا بَأْسَ بِهِ كَمَا لَوْ حَصَدَ زَرْعَهُ وَبَقِيَ هُنَاكَ سَنَابِلُ لَا بَأْسَ بِالْتِقَاطِهَا، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَيَجِبُ لِلْعَامِلِ حِفْظُ نَفْسِهِ عَنْ الْحَرَامِ، لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْرِقَ شَيْئًا مِنْ الْأَشْجَارِ وَالْقُضْبَانِ لِطَبْخِ الْقِدْرِ وَلَا مِنْ الدَّعَائِمِ وَالْعَرِيشِ، وَإِذَا رَفَعَ الْقُضْبَانَ وَقْتَ الرَّبِيعِ وَأَخْرَجَ مِنْ الْكَرْمِ لَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْقُضْبَانِ يَعْنِي مِنْ مَدِّ فَيْجٍ (يَعْنِي شاخ خشك) ، وَلَا يَجُوزُ لِلْعَامِلِ أَنْ يُخْرِجَ شَيْئًا مِنْ الْعِنَبِ وَالثِّمَارِ لِلضَّيْفِ وَغَيْرِهِ إلَّا بِإِذْنِ صَاحِبِ الْكَرْمِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
دَفَعَ الْمَرِيضُ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ فَقَامَ عَلَيْهِ الْعَامِلُ وَلَقَّحَهُ وَسَقَاهُ حَتَّى أَثْمَرَ، ثُمَّ مَاتَ رَبُّ النَّخِيلِ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَ النَّخِيلِ وَثَمَرِهِ، فَإِنَّهُ يُنْظَرُ إلَى الثَّمَرِ يَوْمَ طَلَعَ مِنْ النَّخِيلِ وَصَارَ كُفُرَّى وَصَارَ لَهُ قِيمَةٌ، فَإِنْ كَانَ نِصْفُ قِيمَتِهِ مِثْلَ أَجْرِ الْعَامِلِ أَوْ أَقَلَّ فَلِلْعَامِلِ نِصْفُ الثَّمَرِ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ نُظِرَ إلَى مِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِ الْعَامِلِ يَوْمَ تَقَعُ الْقِسْمَةُ فَيُعْطَى الْعَامِلُ ذَلِكَ، وَثُلُثُ تَرِكَةِ الْمَيِّتِ مِمَّا يَبْقَى مِنْ حِصَّتِهِ وَصِيَّةً لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا فَلَا وَصِيَّةَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْمَرِيضِ دَيْنٌ مُحِيطٌ بِمَالِهِ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ النِّصْفِ مِنْ الْكُفُرَّى حِينَ طَلَعَتْ مِثْلَ أَجْرِهِ ضَرَبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِنِصْفِ جَمِيعِ الثَّمَرِ، وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ نِصْفِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَجْرِ مِثْلِهِ ضَرَبَ مَعَهُمْ فِي التَّرِكَةِ بِمِقْدَارِ أَجْرِ مِثْلِهِ لِيُمْكِنَ الْوَصِيَّةُ هَاهُنَا بِطَرِيقِ الْمُحَابَاةِ، وَلَوْ دَفَعَ الصَّحِيحُ إلَى الْمَرِيضِ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً عَلَى أَنَّ لِلْعَامِلِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِمَّا يَخْرُجُ مِنْهُ فَقَامَ عَلَيْهِ الْمَرِيضُ بِأُجَرَائِهِ وَأَعْوَانِهِ وَسَقَاهُ وَلَقَّحَهُ حَتَّى صَارَ ثَمَرًا ثُمَّ مَاتَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ وَرَبُّ النَّخِيلِ مِنْ وَرَثَتِهِ وَأَجْرُ مِثْلِ ذَلِكَ الْعَمَلِ أَكْثَرُ مِنْ حِصَّتِهِ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا شُرِطَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمَرِيضَ إنَّمَا يَتَصَرَّفُ هَاهُنَا فِيمَا لَا حَقَّ فِيهِ لِغُرَمَائِهِ وَلِوَرَثَتِهِ وَهُوَ مَنَافِعُ بَدَنِهِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
أَشْجَارٌ عَلَى ضِفَّةِ نَهْرٍ لِأَقْوَامٍ يَجْرِي ذَلِكَ النَّهْرُ فِي سِكَّةٍ غَيْرِ نَافِذَةٍ، بَعْضُ الْأَشْجَارِ فِي سَاحَةٍ لِهَذِهِ السِّكَّةِ فَادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ السِّكَّةِ أَنَّ غَارِسَهَا فُلَانٌ وَأَنَا وَارِثُهُ، وَأَنْكَرَ أَهْلُ السِّكَّةِ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُدَّعِيَ يُطْلَبُ مِنْهُ الْبَيِّنَةُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَمَا كَانَ مِنْ الْأَشْجَارِ خَارِجًا مِنْ حَرِيمِ النَّهْرِ فَلِجَمِيعِ أَهْلِ السِّكَّةِ وَمَا كَانَ عَلَى حَرِيمِ النَّهْرِ فَهُوَ لِأَرْبَابِ النَّهْرِ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُعْرَفْ الْغَارِسُ وَلَا مَالِكُ التَّالَّةِ تَحْكُمُ الْأَرْضُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَفِي فَتَاوَى أَبِي اللَّيْثِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - شَجَرَةٌ فِي أَرْضِ رَجُلٍ نَبَتَ مِنْ عُرُوقِهَا فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْأَرْضِ هُوَ الَّذِي سَقَاهُ وَأَنْبَتَ فَهُوَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ نَبَتَ بِنَفْسِهِ فَهُوَ لِصَاحِبِ الشَّجَرَةِ إنْ صَدَّقَهُ رَبُّ الْأَرْضِ أَنَّهُ نَبَتَ مِنْ عُرُوقِ شَجَرِهِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
نَوَاةُ رَجُلٍ ذَهَبَتْ بِهَا الرِّيحُ إلَى كَرْمِ غَيْرِهِ فَنَبَتَتْ مِنْهَا شَجَرَةٌ فَهِيَ لِصَاحِبِ الْكَرْمِ؛ لِأَنَّ النَّوَاةَ لَا قِيمَةَ لَهَا، وَكَذَا لَوْ وَقَعَتْ خَوْخَةُ رَجُلٍ فِي كَرْمِ غَيْرِهِ فَنَبَتَتْ مِنْهَا شَجَرَةٌ؛ لِأَنَّ الشَّجَرَةَ نَبَتَتْ مِنْ النَّوَاةِ بَعْد مَا ذَهَبَ لَحْمُ الْخَوْخَةِ فَهَذَا وَالْأَوَّلُ سَوَاءٌ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَلَوْ خَرَجَ الثَّمَرُ فِي النَّخِيلِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ فَالْكُلُّ لِلْمُسْتَحِقِّ، وَيَرْجِعُ الْعَامِلُ عَلَى الدَّافِعِ بِأَجْرِ مِثْلِ عَمَلِهِ، وَلَوْ لَمْ يَخْرُجْ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَرِ لَا يَجِبُ لِلْعَامِلِ شَيْءٌ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَافِلًا عَنْ الْعَتَّابِيَّةِ.
رَجُلٌ لَهُ شَجَرَةٌ (تَحَرَّقَتْ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَنَبَتَتْ الْعُرُوقُ) فَوَهَبَ صَاحِبُ الشَّجَرَةِ تِلْكَ التَّالَّاتِ مِنْ صَاحِبِ الْأَرْضِ، فَإِنْ كَانَتْ التَّالَّاتُ تَيْبَسُ إذَا قُطِعَتْ الشَّجَرَةُ لَمْ تَجُزْ الْهِبَةُ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَيْبَسُ فَالْهِبَةُ جَائِزَةٌ كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
الْعَامِلُ إذَا غَرَسَ الْأَشْجَارَ فِي كَرْمِ الدِّهْقَانِ فِي مُدَّةِ الْمُعَامَلَةِ فَانْقَضَتْ مُدَّةُ الْمُعَامَلَةِ، يُنْظَرُ إنْ غَرَسَهَا لِلدِّهْقَانِ مُتَبَرِّعًا فَهِيَ لِلدِّهْقَانِ، وَإِنْ أَمَرَ الدِّهْقَانُ بِشِرَائِهَا وَغَرْسِهَا فِي كَرْمِهِ فَهِيَ لِلدِّهْقَانِ، وَعَلَى الدِّهْقَانِ لِلْعَامِلِ مِثْلُ الدَّرَاهِمِ الَّتِي اشْتَرَى بِهَا الْأَشْجَارَ، وَإِنْ
стр. 2519
غَرَسَهَا لِنَفْسِهِ بِإِذْنِ الدِّهْقَانِ فَهِيَ لِلْأَكَّارِ، وَالدِّهْقَانُ يَأْمُرُهُ بِقَلْعِهَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
الْعَامِلُ فِي الْكَرْمِ إذَا بَاعَ أَوْرَاقَ الْفِرْصَادِ بِغَيْرِ إذْنِ صَاحِبِ الْكَرْمِ يُنْظَرُ إنْ أَجَازَ صَاحِبُ الْكَرْمِ الْبَيْعَ حَالَ قِيَامِ الْأَوْرَاقِ فَالثَّمَنُ لَهُ، وَإِنْ اسْتَهْلَكَ الْمُشْتَرِي الْأَوْرَاقَ، ثُمَّ أَجَازَ صَاحِبُ الْكَرْمِ الْبَيْعَ أَوْ لَمْ يُجِزْ فَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ وَلَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْعَامِلَ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُشْتَرِيَ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
دَفَعَهَا مُعَامَلَةً وَلَمْ تُخْرِجْ الْأَشْجَارُ شَيْئًا فَبَاعَ صَاحِبُهَا أَشْجَارَهُ نَفَذَ الْبَيْعُ وَفَسَدَتْ الْمُسَاقَاةُ؛ لِأَنَّهَا اسْتِئْجَارٌ بِبَعْضِ الْخَارِجِ فَإِذَا لَمْ تُخْرِجْ شَيْئًا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّهُ فَصَحَّ الْبَيْعُ، وَإِنْ كَانَ سَقَى الْأَشْجَارَ وَحَفِظَهَا لَا شَيْءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ عَمِلَ لِنَفْسِهِ وَحَقُّهُ فِي الْخَارِجِ وَلَمْ يُوجَدْ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَلَوْ وَكَّلَهُ بِأَنْ يَأْخُذَ نَخْلًا بِعَيْنِهِ فَأَخَذَهُ بِمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ جَازَ عَلَى الشَّرْطِ وَصَاحِبُ النَّخْلِ هُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ نَصِيبِهِ، وَإِنْ أَخَذَ بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ مِنْ قِلَّةِ نَصِيبِ الْعَامِلِ لَمْ يَلْزَمْ الْعَامِلَ ذَلِكَ إلَّا إنْ شَاءَ، فَإِنْ عَمِلَهُ وَقَدْ عَلِمَ نَصِيبَهُ مِنْهُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ كَانَ لَهُ نَصِيبُهُ الَّذِي سُمِّيَ لَهُ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا دَفَعَ الرَّجُلُ إلَى رَجُلٍ نَخِيلًا لَهُ وَوَكَّلَهُ أَنْ يَدْفَعَهَا مُعَامَلَةً هَذِهِ السَّنَةَ فَدَفَعَهَا بِمَا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِي مِثْلِهِ وَعَمِلَ الْعَامِلُ فَالْخَارِجُ كُلُّهُ لِرَبِّ النَّخِيلِ وَلِلْعَامِلِ عَلَى الْوَكِيلِ أَجْرُ مِثْلِهِ، وَفِي الْمُزَارَعَةِ يَكُونُ الْخَارِجُ بَيْنَ الْمُزَارِعِ وَبَيْنَ الْوَكِيلِ عَلَى مَا شَرَطَا، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
دَفَعَ أَشْجَارًا إلَى رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَقُومَ عَلَيْهَا وَيَشُدَّ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى الشَّدِّ وَيُشَذِّبَ مِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إلَى التَّشْذِيبِ، فَأَخَّرَ الْأَكَّارُ شَدَّ الْأَشْجَارِ حَتَّى أَصَابَهَا الْبَرَدُ وَهِيَ أَشْجَارٌ إنْ لَمْ تُشَدَّ أَفْسَدَهَا الْبَرَدُ، فَالْأَكَّارُ ضَامِنٌ قِيمَةَ مَا أَصَابَهُ الْبَرَدُ، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى.
وَإِذَا وَكَّلَ الرَّجُلُ غَيْرَهُ بِالْمُعَامَلَةِ فِي النَّخِيلِ وَالْأَشْجَارِ، فَإِنْ كَانَ وَكِيلًا مِنْ جَانِبِ الْعَامِلِ فَهُوَ الَّذِي يَلِي قَبْضَ نَصِيبِ الْعَامِلِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ، وَإِنْ كَانَ وَكِيلًا مِنْ جَانِبِ رَبِّ النَّخِيلِ فَعَلَى رِوَايَةِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يَمْلِكُ قَبْضَ نَصِيبِ رَبِّ النَّخِيلِ، وَعَلَى رِوَايَةِ كِتَابِ الْوَكَالَةِ يَمْلِكُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ. لَوْ كَانَ الْعَامِلُ غَرَسَهَا نَخْلًا وَكَرْمًا وَشَجَرًا وَقَدْ كَانَ أَذِنَ لَهُ الدَّافِعُ فِي ذَلِكَ فَلَمَّا بَلَغَ وَأَثْمَرَ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ أَرْضَهُ وَيَقْلَعُ مِنْ النَّخِيلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّجَرِ مَا فِيهَا وَيَضْمَنَانِ لِلْمُسْتَحِقِّ نُقْصَانَ الْقَلْعِ إذَا قَلَعَا ذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ، وَيَضْمَنُ الْغَارِسُ لَهُ أَيْضًا نُقْصَانَ الْغَرْسِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْآخَرُ، وَيَرْجِعُ بِمَا ضَمِنَ مِنْ نُقْصَانِ الْقَلْعِ وَالْغَرْسِ عَلَى الدَّافِعِ، وَفِي قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الدَّافِعَ جَمِيعَ ذَلِكَ النُّقْصَانِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْغَاصِبُ ضَامِنٌ كَالْمُتْلِفِ، وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ضَمَانُ ذَلِكَ لِلْمُسْتَحِقِّ عَلَى الْمُتْلِفِ دُونَ الْغَاصِبِ، ثُمَّ الْغَارِسُ يَرْجِعُ عَلَى الدَّافِعِ لِأَجْلِ الْغُرُورِ الَّذِي تَمَكَّنَ فِي عَقْدِ الْمُعَاوَضَةِ بَيْنَهُمَا، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَإِذَا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ نَخْلًا لَهُ مُعَامَلَةً بِالنِّصْفِ، وَلَمْ يَقُلْ اعْمَلْ بِرَأْيِكَ فَدَفَعَ الْعَامِلُ إلَى آخَرَ مُعَامَلَةً فَعَمِلَ فِيهِ فَمَا خَرَجَ فَهُوَ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ وَلِلْعَامِلِ الْآخَرِ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ أَجْرُ مِثْلِهِ فِيمَا عَمِلَ بَالِغًا مَا بَلَغَ وَلَا أَجْرَ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، (قَالَ) : وَقَوْلُهُ بَالِغًا مَا بَلَغَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - فَلَا يُجَاوِزُ بِهِ مَا سَمَّى، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ هَلَكَ الثَّمَرُ فِي يَدِ الْعَامِلِ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ عَمَلِهِ وَهُوَ فِي رُءُوسِ النَّخِيلِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَوْ هَلَكَ مِنْ عَمَلِهِ فِي أَمْرٍ خَالَفَ فِيهِ أَمْرَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَالضَّمَانُ لِصَاحِبِ النَّخِيلِ عَلَى الْعَامِلِ الْآخَرِ دُونَ الْأَوَّلِ، وَلَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ مِنْ عَمَلِهِ فِي أَمْرٍ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَمْرَ الْعَامِلِ الْأَوَّلِ فَلِصَاحِبِ النَّخِيلِ أَنْ يُضَمِّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ، فَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْأَوَّلِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ، وَإِنْ اخْتَارَ تَضْمِينَ الْآخَرِ يَرْجِعُ عَلَى الْأَوَّلِ، هَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ لَهُ: اعْمَلْ فِيهِ بِرَأْيِكَ، فَأَمَّا إذَا قَالَ وَشَرَطَ لَهُ النِّصْفَ فَدَفَعَهُ إلَى رَجُلٍ آخَرَ بِثُلُثِ الْخَارِجِ فَهَذَا جَائِزٌ، وَمَا خَرَجَ مِنْ الثَّمَرِ فَنِصْفُهُ لِرَبِّ النَّخِيلِ وَالسُّدُسُ لِلْعَامِلِ الْأَوَّلِ، وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُلْ: اعْمَلْ بِرَأْيِكَ وَشَرَطَ لَهُ شَيْئًا مَعْلُومًا وَشَرَطَ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي مِثْلَ ذَلِكَ فَهُمَا فَاسِدَانِ وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْعَامِلِ الْأَوَّلِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
стр. 2520
[كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ] [الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي رُكْن الذَّبْح وَشَرَائِطِهِ وَحُكْمِهِ وَأَنْوَاعِهِ]
(كِتَابُ الذَّبَائِحِ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَبْوَابٍ) (الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي رُكْنِهِ وَشَرَائِطِهِ وَحُكْمِهِ وَأَنْوَاعِهِ) الذَّكَاة نَوْعَانِ: اخْتِيَارِيَّةٌ وَاضْطِرَارِيَّةٌ، أَمَّا الِاخْتِيَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الذَّبْحُ فِيمَا يُذْبَحُ مِنْ الشَّاةِ وَالْبَقَرِ، وَالنَّحْرُ فِيمَا يُنْحَرُ وَهُوَ الْإِبِلُ عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الذَّبْحِ وَالنَّحْرِ، وَلَا يَحِلُّ بِدُونِ الذَّبْحِ أَوِالنَّحْرِ، وَالذَّبْحِ هُوَ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَاللَّحْيَيْنِ، وَالنَّحْرُ فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَمَحَلُّهُ آخِرُ الْحَلْقِ، وَلَوْ نَحَرَ مَا يُذْبَحُ أَوْ ذَبَحَ مَا يُنْحَرُ يَحِلُّ لِوُجُودِ فَرْيِ الْأَوْدَاجِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ السُّنَّةَ فِي الْإِبِلِ النَّحْرُ وَفِي غَيْرِهَا الذَّبْحُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَلَا بَأْسَ بِالذَّبْحِ فِي الْحَلْقِ كُلِّهِ أَسْفَلَهُ وَأَوْسَطَهُ وَأَعْلَاهُ، وَفِي فَتَاوَى أَهْلِ سَمَرْقَنْدَ قَصَّابٌ ذَبَحَ الشَّاةَ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ فَقَطَعَ أَعْلَى مِنْ الْحُلْقُومِ أَوْ أَسْفَلَ مِنْهُ يَحْرُمُ أَكْلُهَا؛ لِأَنَّهُ ذَبَحَ فِي غَيْرِ الْمَذْبَحِ وَهُوَ الْحُلْقُومُ، فَإِنْ قَطَعَ الْبَعْضَ، ثُمَّ عَلِمَ فَقَطَعَ مَرَّةً أُخْرَى الْحُلْقُومَ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِالْأَوَّلِ فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَمَّا إنْ قَطَعَ الْأَوَّلَ بِتَمَامِهِ أَوْ قَطَعَ شَيْئًا مِنْهُ فَفِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا قَطَعَ الْأَوَّلَ بِتَمَامِهِ كَانَ مَوْتُهَا مِنْ ذَلِكَ الْقَطْعِ أَسْرَعَ مِنْ مَوْتِهَا مِنْ الثَّانِي، وَفِي الْوَجْهِ الثَّانِي يَحِلُّ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْمُحِيطَيْنِ.
وَأَمَّا الِاضْطِرَارِيَّةُ فَرُكْنُهَا الْعَقْرُ وَهُوَ الْجُرْحُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ وَذَلِكَ فِي الصَّيْدِ، وَكَذَلِكَ مَا نَدَّ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِحَيْثُ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الصَّيْدِ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَأْنَسًا، وَسَوَاءٌ نَدَّ الْبَعِيرُ وَالْبَقَرُ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمِصْرِ فَذَكَاتُهُ الْعَقْرُ، كَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَأَمَّا الشَّاةُ إنْ نَدَّتْ فِي الصَّحْرَاءِ فَذَكَاتُهَا الْعَقْرُ، وَإِنْ نَدَّتْ فِي الْمِصْرِ لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا، وَكَذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْهَا فِي قَلِيبٍ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إخْرَاجِهِ وَلَا مَذْبَحِهِ وَلَا مَنْحَرِهِ.
وَذَكَرَ فِي الْمُنْتَقَى فِي الْبَعِيرِ إذَا صَالَ عَلَى رَجُلٍ فَقَتَلَهُ وَهُوَ يُرِيدُ الذَّكَاةَ حَلَّ أَكْلُهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَخْذِهِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ الصَّيْدِ.
(وَأَمَّا شَرَائِطُ الذَّكَاةِ فَأَنْوَاعٌ) : بَعْضُهَا يَعُمُّ الذَّكَاةَ الِاخْتِيَارِيَّةَ وَالِاضْطِرَارِيَّة وَبَعْضُهَا يَخُصُّ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، أَمَّا الَّذِي يَعُمُّهُمَا فَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْمَجْنُونِ وَالصَّبِيِّ الَّذِي لَا يَعْقِلُ، فَإِنْ كَانَ الصَّبِيُّ يَعْقِلُ الذَّبْحَ وَيَقْدِرُ عَلَيْهِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَا السَّكْرَانُ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا أَوْ كِتَابِيًّا فَلَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالْمُرْتَدِّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الدَّيْنِ الَّذِي انْتَقَلَ إلَيْهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرْتَدُّ غُلَامًا مُرَاهِقًا لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - تُؤْكَلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ رِدَّتَهُ صَحِيحَةٌ عِنْدَهُمَا، وَعِنْدَهُ لَا تَصِحُّ وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيَسْتَوِي فِيهِ أَهْلُ الْحَرْبِ مِنْهُمْ وَغَيْرُهُمْ، وَكَذَا يَسْتَوِي فِيهِ نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ وَغَيْرِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ نَصَارَى الْعَرَبِ.
فَإِنْ انْتَقَلَ الْكِتَابِيُّ إلَى دِينِ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْكَفَرَةِ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَلَوْ انْتَقَلَ غَيْرُ الْكِتَابِيِّ مِنْ الْكَفَرَةِ إلَى دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ، وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّهُ يُنْظَرُ إلَى حَالِهِ وَدِينِهِ وَقْتَ ذَبْحِهِ دُونَ مَا سِوَاهُ، وَهَذَا أَصْلُ أَصْحَابِنَا أَنَّ مَنْ انْتَقَلَ مِنْ مِلَّةٍ مِنْ الْكُفْرِ إلَى مِلَّةٍ يُقِرُّ بِهَا يُجْعَلُ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْمِلَّةِ مِنْ الْأَصْلِ، وَالْمَوْلُودُ بَيْنَ كِتَابِيٍّ وَغَيْرِ كِتَابِيٍّ تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ أَيُّهُمَا كَانَ الْكِتَابِيُّ الْأَبُ أَوْ الْأُمُّ عِنْدَنَا، فَأَمَّا الصَّابِئُونَ فَتُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا تُؤْكَلُ، ثُمَّ إنَّمَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْكِتَابِيِّ إذَا لَمْ يُشْهَدْ ذَبْحُهُ، وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ، أَوْ شُهِدَ وَسُمِعَ مِنْهُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ شَيْءٌ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ قَدْ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ كَمَا بِالْمُسْلِمِ، وَلَوْ سُمِعَ مِنْهُ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَكِنَّهُ عَنَى بِاَللَّهِ الْمَسِيحَ ﵇ قَالُوا تُؤْكَلُ إلَّا إذَا نَصَّ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ فَلَا يَحِلُّ، فَأَمَّا إذَا سُمِعَ مِنْهُ أَنَّهُ سَمَّى الْمَسِيحَ ﵇ وَحْدَهُ أَوْ سَمَّى اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَسَمَّى الْمَسِيحَ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ.
(وَمِنْهَا) التَّسْمِيَةُ حَالَةَ الذَّكَاةِ عِنْدَنَا أَيُّ اسْمٍ كَانَ، وَسَوَاءٌ قَرَنَ بِالِاسْمِ الصِّفَةَ بِأَنْ قَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَعْظَمُ، اللَّهُ أَجَلُّ، اللَّهُ الرَّحْمَنُ، اللَّهُ الرَّحِيمُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، أَوْ لَمْ يَقْرُنْ بِأَنْ قَالَ: اللَّهُ، أَوْ الرَّحْمَنُ، أَوْ الرَّحِيمُ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ، وَكَذَا التَّهْلِيلُ وَالتَّحْمِيدُ وَالتَّسْبِيحُ وَسَوَاءٌ كَانَ جَاهِلًا بِالتَّسْمِيَةِ الْمَعْهُودَةِ أَوْ عَالِمًا وَسَوَاءٌ كَانَتْ التَّسْمِيَةُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ أَوْ أَيِّ لِسَانٍ كَانَ وَسَوَاءٌ كَانَ لَا يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ يُحْسِنُهَا، كَذَا رَوَى بِشْرٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا سَمَّى عَلَى الذَّبِيحَةِ بِالرُّومِيَّةِ
стр. 2521
أَوْ بِالْفَارِسِيَّةِ وَهُوَ يُحْسِنُ الْعَرَبِيَّةَ أَوْ لَا يُحْسِنُهَا أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ التَّسْمِيَةِ. وَمِنْ شَرَائِطِ التَّسْمِيَةِ أَنْ تَكُونَ التَّسْمِيَةُ مِنْ الذَّابِحِ حَتَّى لَوْ سَمَّى غَيْرُهُ وَالذَّابِحُ سَاكِتٌ وَهُوَ ذَاكِرٌ غَيْرُ نَاسٍ لَا يَحِلُّ. (وَمِنْهَا) أَنْ يُرِيدَ بِهَا التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، فَإِنْ أَرَادَ بِهَا التَّسْمِيَةَ لِافْتِتَاحِ الْعَمَلِ لَا يَحِلُّ، وَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ بَلْ أَرَادَ بِهِ الْحَمْدَ عَلَى سَبِيلِ الشُّكْرِ لَا يَحِلُّ، وَكَذَا لَوْ سَبَّحَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ كَبَّرَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ وَصْفَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّنَزُّهِ عَنْ صِفَاتِ الْمُحْدِثِ لَا غَيْرُ لَا يَحِلُّ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ، وَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ يُرِيدُ بِهِ التَّحْمِيدَ عَلَى الْعُطَاسِ فَذَبَحَ لَا يَحِلُّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. (وَمِنْهَا) تَجْرِيدُ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ اسْمَ النَّبِيِّ. (وَمِنْهَا) أَنْ يَقْصِدَ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ تَعْظِيمَهُ عَلَى الْخُلُوصِ لَا يَشُوبُهُ مَعْنَى الدُّعَاءِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ تَسْمِيَةً؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَالدُّعَاءُ لَا يُقْصَدُ بِهِ التَّعْظِيمُ الْمَحْضُ، وَأَمَّا وَقْتُ التَّسْمِيَةِ فَوَقْتُهَا عَلَى الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ وَقْتَ الذَّبْحِ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ إلَّا بِزَمَانٍ قَلِيلٍ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ، وَأَمَّا وَقْتُ الِاضْطِرَارِيَّةِ فَوَقْتُهَا وَقْتُ الرَّمْيِ وَالْإِرْسَالِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى الْمُذَكَّى وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا، وَهَذَا فِي الذَّكَاةِ الِاضْطِرَارِيَّةِ دُونَ الِاخْتِيَارِيَّةِ.
وَأَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَحَلِّ الذَّكَاةِ: (فَمِنْهَا) تَعْيِينُ الْمَحَلِّ بِالتَّسْمِيَةِ فِي الذَّكَاةِ الِاخْتِيَارِيَّةِ، وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إذَا ذَبَحَ وَسَمَّى، ثُمَّ ذَبَحَ أُخْرَى يَظُنُّ أَنَّ التَّسْمِيَةَ الْأُولَى تُجْزِئُ عَنْهُمَا لَمْ تُؤْكَلْ فَلَا بُدَّ أَنْ يُجَدِّدَ لِكُلِّ ذَبِيحَةٍ تَسْمِيَةً عَلَى حِدَةٍ. (وَمِنْهَا) قِيَامُ أَصْلِ الْحَيَاةِ فِي الْمُسْتَأْنَسِ وَقْتَ الذَّبْحِ قَلَّتْ أَوْ كَثُرَتْ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُكْتَفَى بِقِيَامِ أَصْلِهَا بَلْ تُعْتَبَرُ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
الْمُتَرَدِّيَةُ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالشَّاةُ الْمَرِيضَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَشْقُوقَةُ الْبَطْنِ إذَا ذُبِحَتْ يُنْظَرُ إنْ كَانَ فِيهَا حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ حَلَّتْ بِالذَّبْحِ بِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ الْحَيَاةُ فِيهَا مُسْتَقِرَّةً تَحِلُّ بِالذَّبْحِ سَوَاءٌ عَاشَ أَوْ لَا يَعِيشُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَهُوَ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَأَمَّا خُرُوجُ الدَّمِ بَعْدَ الذَّبْحِ فِيمَا لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّبْحِ فَهَلْ هُوَ مِنْ شَرَائِطِ الْحِلِّ فَلَا رِوَايَةَ فِيهِ عَنْ أَصْحَابِنَا، وَذَكَرَ فِي بَعْضِ الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ شَيْئَيْنِ إمَّا التَّحَرُّكُ، وَإِمَّا خُرُوجُ الدَّمِ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ لَا تَحِلُّ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنْ ذَبَحَ شَاةً أَوْ بَقَرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا دَمٌ، وَلَمْ تَتَحَرَّكَ وَخُرُوجُهُ مِثْلُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَيِّ أُكِلَتْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - وَبِهِ نَأْخُذُ. رَجُلٌ ذَبَحَ شَاةً مَرِيضَةً فَلَمْ يَتَحَرَّكْ مِنْهَا إلَّا فُوهَا إنْ فَتَحَتْ فَاهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ ضَمَّتْهُ أُكِلَتْ، وَإِنْ فَتَحَتْ عَيْنَهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ غَمَّضَتْهَا أُكِلَتْ، وَإِنْ مَدَّتْ رِجْلَيْهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ قَبَضَتْهُمَا أُكِلَتْ، وَإِنْ لَمْ يَقُمْ شَعْرُهَا لَا تُؤْكَلُ، وَإِنْ قَامَ أُكِلَتْ، هَذَا كُلُّهُ إذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهَا حَيَّةٌ وَقْتَ الذَّبْحِ لِتَكُونَ هَذِهِ عَلَامَةَ الْحَيَاةِ فِيهَا، أَمَّا إذَا عُلِمَتْ حَيَاتُهَا يَقِينًا وَقْتَ الذَّبْحِ أُكِلَتْ بِكُلِّ حَالٍ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ.
(وَأَمَّا) (حُكْمُهَا) فَطَهَارَةُ الْمَذْبُوحِ وَحِلُّ أَكْلِهِ مِنْ الْمَأْكُولِ وَطَهَارَةُ غَيْرِ الْمَأْكُولِ لِلِانْتِفَاعِ لَا بِجِهَةِ الْأَكْلِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَالْخُنْثَى وَالْمُخَنَّثُ تَجُوزُ ذَبِيحَتُهُمَا، هَكَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ. لَا يُكْرَهُ ذَبْحُ الْأَبْرَصِ، وَخُبْزُهُ وَطَبْخُهُ وَغَيْرُهُ أَوْلَى، كَذَا فِي الْغَرَائِبِ.
الْمَرْأَةُ الْمُسْلِمَةُ وَالْكِتَابِيَّةُ فِي الذَّبْحِ كَالرَّجُلِ وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ الْأَخْرَسِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كِتَابِيًّا، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَا يَحِلُّ مَا ذَبَحَهُ الْمُحْرِمُ مِنْ الصَّيْدِ سَوَاءٌ ذَبَحَهُ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ، وَكَذَا لَا يَحِلُّ مَا ذُبِحَ فِي الْحَرَمِ مِنْ الصَّيْدِ سَوَاءٌ كَانَ الذَّابِحُ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا ذَبَحَ الْمُحْرِمُ غَيْرَ الصَّيْدِ أَوْ ذُبِحَ فِي الْحَرَمِ غَيْرُ الصَّيْدِ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مَشْرُوعٌ، كَذَا فِي الْكَافِي.
نَصْرَانِيٌّ ذَبَحَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ لَا يَحِلُّ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ.
مُسْلِمٌ ذَبَحَ شَاةَ الْمَجُوسِيِّ لِبَيْتِ نَارِهِمْ أَوْ الْكَافِرِ لِآلِهَتِهِمْ تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى - وَيُكْرَهُ لِلْمُسْلِمِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة نَاقِلًا عَنْ جَامِعِ الْفَتَاوَى.
وَفِي الْمُشْكِلِ ذَبَحَ عِنْدَ مَرْأَى الضَّيْفِ تَعْظِيمًا لَهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُهَا
стр. 2522
وَكَذَا عِنْدَ قُدُومِ الْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ تَعْظِيمًا، فَأَمَّا إذَا ذَبَحَ عِنْدَ غَيْبَةِ الضَّيْفِ لِأَجْلِ الضِّيَافَةِ فَإِنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
وَفِي التَّجْرِيدِ الْمُسْلِمُ إذَا ذَبَحَ فَأَمَرَّ الْمَجُوسِيُّ بِالسِّكِّينِ بَعْدَ الذَّبْحِ لَمْ يَحْرُمْ، وَلَوْ ذَبَحَ الْمَجُوسِيُّ وَأَمَرَّ الْمُسْلِمُ بَعْدَهُ لَمْ يَحِلَّ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَالْعُرُوقُ الَّتِي تُقْطَعُ فِي الذَّكَاةِ أَرْبَعَةٌ: الْحُلْقُومُ وَهُوَ مَجْرَى النَّفَسِ، وَالْمَرِيءُ وَهُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ، وَالْوَدَجَانِ وَهُمَا عِرْقَانِ فِي جَانِبَيْ الرَّقَبَةِ يَجْرِي فِيهَا الدَّمُ، فَإِنْ قُطِعَ كُلُّ الْأَرْبَعَةِ حَلَّتْ الذَّبِيحَةُ، وَإِنْ قُطِعَ أَكْثَرُهَا فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَا: لَا بُدَّ مِنْ قَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَأَحَدِ الْوَدَجَيْنِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِمَا أَنَّ لِلْأَكْثَرِ حُكْمَ الْكُلِّ، كَذَا فِي الْمُضْمَرَاتِ.
وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إذَا قَطَعَ نِصْفَ الْحُلْقُومِ وَنِصْفَ الْأَوْدَاجِ وَنِصْفَ الْمَرِيءِ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْحِلَّ مُتَعَلِّقٌ بِقَطْعِ الْكُلِّ أَوْ الْأَكْثَرِ وَلَيْسَ لِلنِّصْفِ حُكْمُ الْكُلِّ فِي مَوْضِعِ الِاحْتِيَاطِ، كَذَا فِي الْكَافِي.
وَعَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - إذَا قَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَالْأَكْثَرَ مِنْ كُلِّ وَدَجَيْنِ يَحِلُّ وَمَا لَا فَلَا، قَالَ مَشَايِخُنَا: وَهُوَ أَصَحُّ الْجَوَابَاتِ، وَإِذَا ذَبَحَ الشَّاةَ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، فَإِنْ قَطَعَ الْأَكْثَرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ حَلَّتْ، وَإِنْ مَاتَتْ قَبْلَ قَطْعِ الْأَكْثَرِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ لَا تَحِلُّ، وَيُكْرَهُ هَذَا الْفِعْلُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَفِيهِ زِيَادَةُ إيلَامٍ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
شَاةٌ أَوْ بَقَرَةٌ أَشْرَفَتْ عَلَى الْوِلَادَةِ قَالُوا يُكْرَهُ ذَبْحُهَا؛ لِأَنَّ فِيهِ تَضْيِيعَ الْوَلَدِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِأَنَّ عِنْدَهُ الْجَنِينَ لَا يَتَذَكَّى بِذَكَاةِ الْأُمِّ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
مَنْ نَحَرَ نَاقَةً أَوْ ذَبَحَ بَقَرَةً فَوَجَدَ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا مَيِّتًا لَمْ يُؤْكَلْ أَشْعَرَ أَوْ لَمْ يُشْعِرْ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى -: إذَا تَمَّ خَلْقُهُ أُكِلَ، كَذَا فِي الْهِدَايَةِ.
الْجَنِينُ إذَا خَرَجَ حَيًّا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْوَقْتِ مِقْدَارُ مَا يَقْدِرُ عَلَى ذَبْحِهِ فَمَاتَ يُؤْكَلُ، وَهَذَا التَّفْرِيعُ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ - رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى - لَا عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
رَجُلٌ شَقَّ بَطْنَ شَاةٍ فَأَخْرَجَ الْوَلَدَ حَيًّا وَذَبَحَ ثُمَّ ذَبَحَ الشَّاةَ قَالُوا: إنْ كَانَتْ الشَّاةُ لَا تَعِيشُ مِنْ ذَلِكَ لَا تَحِلُّ؛ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَكُونُ بِالْأَوَّلِ وَذَلِكَ لَيْسَ بِذَكَاةٍ، وَإِنْ كَانَتْ تَعِيشُ مِنْ ذَلِكَ حَلَّتْ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ هُوَ الثَّانِي، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
أَدْخَلَ يَدَهُ فِي فَرْجِ بَقَرَةٍ وَذَبَحَ وَلَدَهَا فِي بَطْنِهَا حِينَ عَسُرَتْ الْوِلَادَةُ عَلَيْهَا، إنْ مِنْ مَذْبَحٍ حَلَّ، وَإِنْ مِنْ غَيْرِهِ إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الذَّبْحُ مِنْ الْمَذْبَحِ حَلَّ، وَإِنْ أَمْكَنَ لَا، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
سِنَّوْرٌ قَطَعَ رَأْسَ دَجَاجَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِالذَّبْحِ، وَإِنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ.
وَالْآلَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ قَاطِعَةٌ وَفَاسِخَةٌ وَالْقَاطِعَةُ عَلَى ضَرْبَيْنِ حَادَّةٌ وَكَلِيلَةٌ، فَالْحَادَّةُ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ حَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ حَدِيدٍ، كَمَا لَوْ ذَبَحَ بِاللِّيطَةِ أَوْ بِالْمَرْوَةِ أَوْ بِشَقَّةِ الْعَصَا أَوْ بِالْعَظْمِ، وَالْكَلِيلَةُ يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا وَيُكْرَهُ، وَلَوْ ذَبَحَ بِسِنٍّ أَوْ ظُفْرٍ مَنْزُوعٍ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
وَأَمَّا الْآلَةُ الَّتِي تُفْسَخُ فَالظُّفْرُ الْقَائِمُ وَالسِّنُّ الْقَائِمُ لَا يَجُوزُ الذَّبْحُ بِهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَلَوْ ذَبَحَ كَانَتْ مَيْتَةً، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَالسُّنَّةُ فِي الْبَعِيرِ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يُنْحَرَ قَائِمًا مَعْقُولَ الْيَدِ الْيُسْرَى، فَإِنْ أَضْجَعَهُ جَازَ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ، وَالسُّنَّةُ فِي الشَّاةِ وَالْبَقَرِ أَنْ يُذْبَحَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَضْجَعًا؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنُ لِقَطْعِ الْعُرُوقِ وَيُسْتَقْبَلُ الْقِبْلَةُ فِي الْجَمِيعِ، كَذَا فِي الْجَوْهَرَةِ النَّيِّرَةِ.
الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الذَّبْحُ بِالنَّهَارِ وَيُسْتَحَبُّ فِي الذَّبْحِ حَالَةَ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِآلَةٍ حَادَّةٍ مِنْ الْحَدِيدِ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَيُكْرَهُ بِغَيْرِ الْحَدِيدِ وَبِالْكَلِيلِ مِنْ الْحَدِيدِ، وَمِنْهَا التَّرْفِيقُ فِي قَطْعِ الْأَوْدَاجِ، وَيُكْرَهُ الِاتِّكَاءُ فِيهِ وَيُسْتَحَبُّ الذَّبْحُ مِنْ قِبَلِ الْحُلْقُومِ، وَيُكْرَهُ الذَّبْحُ مِنْ قِبَلِ الْقَفَا، وَمِنْ الْمُسْتَحَبِّ قَطْعُ الْأَوْدَاجِ كُلِّهَا وَيُكْرَهُ قَطْعُ الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ، وَيُسْتَحَبُّ الِاكْتِفَاءُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ وَلَا يُبَايَنُ الرَّأْسُ وَلَوْ فَعَلَ يُكْرَهُ وَيُكْرَهُ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ الذَّبْحِ: اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ، وَإِنَّمَا يَقُولُ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الذَّبْحِ أَوْ قَبْلَ الِاشْتِغَالِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ ذَلِكَ: لَا تَحْرُمُ الذَّبِيحَةُ، وَيُكْرَهُ لَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ أَنْ يَنْخَعَهَا وَهُوَ أَنْ يَنْحَرَهَا حَتَّى يَبْلُغَ النُّخَاعَ وَأَنْ يَسْلُخَهَا قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ، فَإِنْ نَخَعَ أَوْ سَلَخَ قَبْلَ أَنْ تَبْرُدَ فَلَا بَأْسَ بِأَكْلِهَا، وَيُكْرَهُ جَرُّهَا بِرِجْلِهَا إلَى الْمَذْبَحِ، وَيُكْرَهُ أَنْ يُضْجِعَهَا وَيَحُدَّ الشَّفْرَةَ بَيْنَ يَدَيْهَا، وَهَذَا كُلُّهُ
стр. 2523
لَا تَحْرُمُ بِهِ الذَّبِيحَةُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَلَوْ ذَبَحَ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ النَّحْرُ أَوْ نَحَرَ فِيمَا يَجِبُ فِيهِ الذَّبْحُ جَازَ وَلَكِنْ تَرَكَ السُّنَّةَ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَلَوْ ضَرَبَ عُنُقَ جَزُورٍ أَوْ بَقَرَةٍ أَوْ شَاةٍ وَأَبَانَهَا وَسَمَّى، فَإِنْ كَانَ ضَرَبَهَا مِنْ قِبَلِ الْحُلْقُومِ تُؤْكَلُ وَقَدْ أَسَاءَ، فَإِنْ ضَرَبَ عَلَى التَّأَنِّي وَالتَّوَقُّفِ لَا تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَ الذَّكَاةِ فَكَانَتْ مَيْتَةً، وَإِنْ قَطَعَ الْعُرُوقَ قَبْلَ مَوْتِهَا تُؤْكَلُ لِوُجُودِ فِعْلِ الذَّكَاةِ وَهِيَ حَيَّةٌ إلَّا أَنَّهُ يُكْرَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ زَادَ فِي أَلَمِهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، فَإِنْ أَمْضَى فِعْلَهُ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ تُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَوْتَهَا بِالذَّكَاةِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِذَا ذَبَحَهَا بِغَيْرِ تَوَجُّهِ الْقِبْلَةِ حَلَّتْ وَلَكِنْ يُكْرَهُ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
أَشْرَفَ ثَوْرُهُ عَلَى الْهَلَاكِ وَلَيْسَ مَعَهُ إلَّا مَا يَجْرَحُ مَذْبَحَهُ، وَلَوْ طَلَبَ آلَةَ الذَّبْحِ لَا يُدْرِكُ ذَكَاتَهُ فَجَرَحَ مَذْبَحَهُ لَا يَحِلُّ إلَّا إذَا قَطَعَ الْعُرُوقَ، قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ يَحِلُّ إنْ جَرَحَهُ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَكُرِهَ النَّخْعُ وَهُوَ أَنْ يَبْلُغَ بِالسِّكِّينِ النُّخَاعَ وَتُؤْكَلُ الذَّبِيحَةُ، وَالنُّخَاعُ عِرْقٌ أَبْيَضُ فِي عَظْمِ الرَّقَبَةِ وَقَبْلَ أَنْ يَمُدَّ رَأْسَهُ حَتَّى يَظْهَرَ مَذْبَحُهُ، وَقِيلَ: أَنْ يَكْسِرَ عُنُقَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ مِنْ الِاضْطِرَابِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّهُ تَعْذِيبُ الْحَيَوَانِ بِلَا ضَرُورَةٍ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلَّ مَا فِيهِ زِيَادَةُ أَلَمٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِي الذَّكَاةِ مَكْرُوهٌ، كَذَا فِي الْكَافِي.
قَالَ الْبَقَّالِيُّ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ: بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُ أَكْبَرُ يَعْنِي بِدُونِ الْوَاوِ وَمَعَ الْوَاوِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ يَقْطَعُ فَوْرَ التَّسْمِيَةِ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
ذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْمَ الرَّسُولِ ﷺ مَوْصُولًا بِغَيْرِ وَاوٍ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: إمَّا أَنْ يَنْصِبَ مُحَمَّدًا أَوْ يَخْفِضَهُ أَوْ يَرْفَعَهُ، وَفِي كُلِّهَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ غَيْرُ مَذْكُورٍ عَلَى سَبِيلِ الْعَطْفِ فَيَكُونُ مُبْتَدَأً لَكِنْ يُكْرَهُ لِوُجُودِ الْوَصْلِ صُورَةً، وَإِنْ ذَكَرَ مَعَ الْوَاوِ إنَّ خَفَضَهُ لَا يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ ذَابِحًا بِهِمَا وَإِنْ رَفَعَهُ يَحِلُّ؛ لِأَنَّهُ كَلَامٌ مُبْتَدَأٌ، وَإِنْ نَصَبَهُ اخْتَلَفُوا فِيهِ، وَعَلَى هَذَا الْقِيَاسِ لَوْ ذَكَرَ اسْمًا آخَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى، كَذَا فِي النِّهَايَةِ.
وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّ بِغَيْرِ الْهَاءِ، إنْ أَرَادَ بِهِ التَّسْمِيَةَ يَحِلُّ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ قَدْ تَحْذِفُ حَرْفًا تَرْخِيمًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ يَحِلُّ وَيُكْرَهُ، وَلَوْ قَالَ قَبْلَ الذَّبْحِ أَوْ بَعْدَهُ اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنْ فُلَانٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي مُحِيطِ السَّرَخْسِيِّ.
قَالَ عِنْدَ الذَّبْحِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَذَبَحَ النِّصْفَ مِنْ الْوَدَجَيْنِ وَالْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ، ثُمَّ قَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ، ثُمَّ قَطَعَ الْبَاقِيَ لَا يَحِلُّ، وَتَجْرِيدُ التَّسْمِيَةِ فَرِيضَةٌ، كَذَا فِي الْقُنْيَةِ.
وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَصَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّد، أَوْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَى مُحَمَّد بِدُونِ الْوَاوِ حَلَّ الذَّبِيحُ لَكِنْ يُكْرَهُ ذَلِكَ، وَفِي الْبَقَّالِيِّ حَلَّ الذَّبِيحُ إنْ وَافَقَ التَّسْمِيَةَ وَالذَّبْحَ، قِيلَ: إنْ أَرَادَ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ الِاشْتِرَاكَ فِي التَّسْمِيَةِ لَا يَحِلُّ، وَإِنْ أَرَادَ التَّبَرُّكَ بِذِكْرِ مُحَمَّدٍ ﷺ يَحِلُّ الذَّبِيحُ وَيُكْرَهُ ذَلِكَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَا تَحِلُّ ذَبِيحَةُ تَارِكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا، وَإِنْ تَرَكَهَا نَاسِيًا تَحِلُّ وَالْمُسْلِمُ وَالْكِتَابِيُّ فِي تَرْكِ التَّسْمِيَةَ سَوَاءٌ، كَذَا فِي الْكَافِي. وَفِي الْفَتَاوَى الْعَتَّابِيَّةِ: وَالصَّبِيُّ كَالْكَبِيرِ فِي النِّسْيَانِ، كَذَا فِي التَّتَارْخَانِيَّة.
وَلَوْ قَالَ الْقَصَّابُ: تَرَكْتُ التَّسْمِيَةَ عَمْدًا لَمْ يَحِلَّ وَيَغْرَمُ قِيمَتَهُ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ.
وَلَوْ قَالَ بِسْمِ اللَّهِ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ أُكِلَ عِنْدَ الْعَامَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ، هَكَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً وَأَخَذَ السِّكِّينَ وَسَمَّى، ثُمَّ تَرَكَهَا وَذَبَحَ شَاةً أُخْرَى وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا عَلَيْهَا، لَا تَحِلُّ، كَذَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَلَوْ أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَأَخَذَ السِّكِّينَ وَسَمَّى، ثُمَّ أَلْقَى تِلْكَ السِّكِّينَ وَأَخَذَ أُخْرَى وَذَبَحَ بِهَا حَلَّتْ، وَإِنْ أَخَذَ سَهْمًا وَسَمَّى ثُمَّ وَضَعَ ذَلِكَ السَّهْمَ وَأَخَذَ آخَرَ وَرَمَى لَمْ يَحِلَّ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
وَإِذَا أَضْجَعَ شَاةً لِيَذْبَحَهَا وَسَمَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ كَلَّمَ إنْسَانًا أَوْ شَرِبَ مَاءً أَوْ حَدَّدَ سِكِّينًا أَوْ أَكَلَ لُقْمَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ عَمَلٍ لَمْ يَكْثُرْ حَلَّتْ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ، وَإِنْ طَالَ الْحَدِيثُ وَكَثُرَ الْعَمَلُ كُرِهَ أَكْلُهَا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَقْدِيرٌ بَلْ يُنْظَرُ فِيهِ إلَى الْعَادَةِ إنْ اسْتَكْثَرَهُ النَّاسُ فِي الْعَادَةِ يَكُونُ كَثِيرًا أَوْ إنْ كَانَ يُعَدُّ قَلِيلًا فَهُوَ قَلِيلٌ، ثُمَّ ذَكَرَ فِي هَذَا الْفَصْلِ لَفْظَةَ الْكَرَاهَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ - رَحِمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى - فِيهَا، وَفِي أَضَاحِي الزَّعْفَرَانِيِّ إذَا حَدَّدَ الشَّفْرَةَ تَنْقَطِعُ تِلْكَ التَّسْمِيَةُ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَمَا
стр. 2524
إذَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ، كَذَا فِي الْمُحِيطِ.
وَلَوْ سَمَّى ثُمَّ انْفَلَتَتْ الشَّاةُ وَقَامَتْ مِنْ مَضْجَعِهَا ثُمَّ أَعَادَهَا إلَى مَضْجَعِهَا فَقَدْ انْقَطَعَتْ التَّسْمِيَةُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
رَجُلٌ نَظَرَ إلَى قَطِيعِ حِمَارٍ وَحْشِيٍّ وَأَرْسَلَ كَلْبَهُ وَسَمَّى وَأَخَذَ حَلَّ، كَذَا فِي الْوَجِيزِ لِلْكَرْدَرِيِّ.
وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا نَظَرَ إلَى غَنَمِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، ثُمَّ أَخَذَ وَاحِدَةً فَأَضْجَعَهَا وَذَبَحَهَا وَتَرَكَ التَّسْمِيَةَ عَامِدًا وَظَنَّ أَنَّ تِلْكَ التَّسْمِيَةِ تُجْزِئُهُ لَا تُؤْكَلُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَلَوْ أَضْجَعَ إحْدَى الشَّاتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى تَكْفِي تَسْمِيَةٌ وَاحِدَةٌ إذَا ذَبَحَهُمَا بِإِمْرَارٍ وَاحِدٍ، وَلَوْ جَمَعَ الْعَصَافِيرَ فِي يَدِهِ فَذَبَحَ وَسَمَّى، وَذَبَحَ آخَرَ عَلَى أَثَرِهِ وَلَمْ يُسَمِّ لَمْ يَحِلَّ الثَّانِي، وَلَوْ أَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى الْكُلِّ جَازَ بِتَسْمِيَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَا فِي خِزَانَةِ الْمُفْتِينَ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَاب الثَّانِي فِي بَيَان مَا يُؤْكَلُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ]
(الْبَابُ الثَّانِي فِي بَيَانِ مَا يُؤْكَلُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَمَا لَا يُؤْكَلُ) الْحَيَوَانُ فِي الْأَصْلِ نَوْعَانِ نَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ وَنَوْعٌ يَعِيشُ فِي الْبَرِّ، أَمَّا الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَحْرِ فَجَمِيعُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحَيَوَانِ يَحْرُمُ أَكْلُهُ إلَّا السَّمَكُ خَاصَّةً فَإِنَّهُ يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا مَا طَفَا مِنْهُ، وَأَمَّا الَّذِي يَعِيشُ فِي الْبَرِّ فَأَنْوَاعٌ ثَلَاثَةٌ: مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ أَصْلًا وَمَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ، فَمَا لَا دَمَ لَهُ مِثْلُ الْجَرَادِ وَالزُّنْبُورِ وَالذُّبَابِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَالْخُنْفُسَاءِ وَالْعَقْرَبِ وَالْبَبْغَاءِ وَنَحْوِهَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إلَّا الْجَرَادُ خَاصَّةً، وَكَذَلِكَ مَا لَيْسَ لَهُ دَمٌ سَائِلٌ مِثْلُ الْحَيَّةِ وَالْوَزَغِ وَسَامٍّ أَبْرَصَ وَجَمِيعِ الْحَشَرَاتِ وَهُوَ أُمُّ الْأَرْضِ مِنْ الْفَأْرِ وَالْجَرَادِ وَالْقَنَافِذِ وَالضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ وَابْنِ عِرْسٍ وَنَحْوِهَا وَلَا خِلَافَ فِي حُرْمَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إلَّا فِي الضَّبِّ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
وَمَا لَهُ دَمٌ سَائِلٌ نَوْعَانِ: مُسْتَأْنَسٌ وَمُتَوَحِّشٌ، أَمَّا الْمُسْتَأْنَسُ مِنْ الْبَهَائِمِ فَنَحْوُ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ يَحِلُّ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا الْمُتَوَحِّشُ نَحْوُ الظِّبَاءِ وَبَقَرِ الْوَحْشِ وَحُمُرِ الْوَحْشِ وَإِبِلِ الْوَحْشِ فَحَلَالٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَأَمَّا الْمُسْتَأْنَسُ مِنْ السِّبَاعِ وَهُوَ الْكَلْبُ وَالْفَهْدُ وَالسِّنَّوْرُ وَالْأَهْلِيُّ فَلَا يَحِلُّ، وَكَذَلِكَ الْمُتَوَحِّشُ فَمِنْهَا الْمُسَمَّى بِسِبَاعِ الْوَحْشِ وَالطَّيْرِ، وَهُوَ كُلُّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَكُلُّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ، فَذُو النَّابِ مِنْ سِبَاعِ الْوَحْشِ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالذِّئْبِ وَالضَّبُعِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالثَّعْلَبِ وَالسِّنَّوْرِ الْبَرِّيِّ وَالسِّنْجَابِ وَالسَّمُّورِ وَالدَّلَقِ وَالدُّبِّ وَالْقِرْدِ وَنَحْوِهَا فَلَا خِلَافَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ إلَّا فِي الضَّبُعِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -، وَذُو الْمِخْلَبِ مِنْ الطَّيْرِ كَالْبَازِي وَالْبَاشِقِ وَالصَّقْرِ وَالشَّاهِينَ وَالْحَدَأَةِ وَالْبُغَاثِ وَالنَّسْرِ وَالْعِقَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمَا لَا مِخْلَبَ لَهُ مِنْ الطَّيْرِ، وَالْمُسْتَأْنَسُ مِنْهُ كَالدَّجَاجِ وَالْبَطِّ، وَالْمُتَوَحِّشُ كَالْحَمَامِ وَالْفَاخِتَةِ وَالْعَصَافِيرِ وَالْقَبْجِ وَالْكُرْكِيِّ وَالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَالزَّرْعَ وَنَحْوِهَا حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ. وَلَا بَأْسَ بِالْقَمَرِيِّ وَالسُّودَانِيِّ وَالزُّرْزُورِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَيُكْرَهُ أَكْلُ لُحُومِ الْإِبِلِ الْجَلَّالَةِ وَهِيَ الَّتِي الْأَغْلَبُ مِنْ أَكْلِهَا النَّجَاسَةُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ غَالِبُ أَكْلِهَا النَّجَاسَةَ يَتَغَيَّرُ لَحْمُهَا وَيُنْتِنُ فَيُكْرَهُ أَكْلُهُ كَالطَّعَامِ الْمُنْتِنِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِهَا مِنْ الْعَمَلِ وَغَيْرِهِ إلَّا أَنْ تُحْبَسَ أَيَّامًا وَتُعْلَفَ فَحِينَئِذٍ تَحِلُّ، وَمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ أَجْوَدُ، ثُمَّ لَيْسَ لِحَبْسِهَا تَقْدِيرٌ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، هَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا يُوَقِّتُ فِي حَبْسِهَا، وَقَالَ: تُحْبَسُ حَتَّى لَطَفَتْ، وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهَا تُحْبَسُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَرَوَى ابْنُ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي النَّاقَةِ الْجَلَّالَةِ وَالشَّاةِ الْجَلَّالَةِ وَالْبَقَرَةِ الْجَلَّالَةِ: إنَّمَا تَكُونُ جَلَّالَةً إذَا نَتُنَ وَتَغَيَّرَ لَحْمُهَا وَوُجِدَتْ مِنْهُ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ فَهِيَ الْجَلَّالَةُ حِينَئِذٍ لَا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا وَبَيْعُهَا وَهِبَتُهَا جَائِزٌ، هَذَا إذَا كَانَتْ لَا تَخْلِطُ وَلَا تَأْكُلُ إلَّا الْعُذْرَةَ
стр. 2525
غَالِبًا، فَإِنْ خَلَطَتْ فَلَيْسَتْ بِجَلَّالَةٍ فَلَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهَا لَا تُنْتِنُ، وَلَا يُكْرَهُ أَكْلُ الدَّجَاجِ الْمَخْلِيِّ، وَإِنْ كَانَ يَتَنَاوَلُ النَّجَاسَةَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ أَكْلُ النَّجَاسَةِ بَلْ يَخْلِطُهَا بِغَيْرِهَا وَهُوَ الْحَبُّ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُحْبَسَ الدَّجَاجُ حَتَّى يَذْهَبَ مَا فِي بَطْنِهَا مِنْ النَّجَاسَةِ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
أَكْلُ الْخَطَّافِ وَالصُّلْصُلِ وَالْهُدْهُدِ لَا بَأْسَ بِهِ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الطُّيُورِ الَّتِي هِيَ ذَوَاتُ مِخْلَبٍ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - عَنْ الْعَقْعَقِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، فَقُلْتُ: إنَّهُ يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ، فَقَالَ: إنَّهُ يَخْلِطُ النَّجَاسَةَ بِشَيْءٍ آخَرَ، ثُمَّ يَأْكُلُ فَكَانَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ أَنَّ مَا يَخْلِطُ كَالدَّجَاجِ لَا بَأْسَ، وَقَالَ: أَبُو يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -: يُكْرَهُ الْعَقْعَقُ كَمَا تُكْرَهُ الدَّجَاجَةُ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ.
وَأَكْلُ دُودِ الزُّنْبُورِ قَبْلَ أَنْ يُنْفَخَ فِيهِ الْحَيَاةُ لَا بَأْسَ بِهِ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
عَنْ خَلَفٍ يُكْرَهُ أَكْلُ بُيُوتِ الزَّنَابِيرِ، كَذَا فِي الْمُلْتَقَطِ فِي كِتَابِ الْكَرَاهَةِ.
وَالدُّبْسِيُّ يُؤْكَلُ، وَأَمَّا الْخُفَّاشُ فَقَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ يُؤْكَلُ، وَفِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّ لَهُ نَابًا وَقِيلَ الشِّقَرَّاقُ لَا يُؤْكَلُ، وَالْبُومَ يُؤْكَلُ، قَالَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - رَأَيْتُ: هَذَا بِخَطِّ وَالِدِي وَالشَّقِرَّاقُ طَائِرٌ أَخْضَرُ يُخَالِطُهُ قَلِيلُ حُمْرَةٍ يَصُولُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، وَإِذَا أُخِذَ فَرْخَهُ تَقَيَّأَ، كَذَا فِي الظَّهِيرِيَّةِ.
وَلَا بَأْسَ بِأَكْلِ الطَّاوُوسِ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ يُكْرَهُ أَشُدَّ الْكَرَاهَةِ وَبِالْأَوَّلِ يُفْتَى، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْحَمَّادِيَّةِ.
عَنْ إبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانُوا يَكْرَهُونَ كُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ وَمَا أَكَلَ الْجِيَفَ وَبِهِ نَأْخُذُ، فَإِنَّ مَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالْغِدَافِ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ مُسْتَخْبَثٌ طَبْعًا، فَأَمَّا الْغُرَابُ الزَّرْعِيُّ الَّذِي يَلْتَقِطُ الْحَبَّ مُبَاحٌ طَيِّبٌ، وَإِنْ كَانَ الْغُرَابُ بِحَيْثُ يَخْلِطُ فَيَأْكُلُ الْجِيَفَ تَارَةً وَالْحَبَّ أُخْرَى فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَكْلِهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عَلَى قِيَاسِ الدَّجَاجَةِ، كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ.
وَأَمَّا الْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ فَلَحْمُهُ حَرَامٌ، وَكَذَلِكَ لَبَنُهُ وَشَحْمُهُ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي شَحْمِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهِ الْأَكْلِ فَحَرَّمَهُ بَعْضُهُمْ قِيَاسًا عَلَى الْأَكْلِ وَأَبَاحَهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ الصَّحِيحُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
وَالْحِمَارُ الْوَحْشِيُّ إذَا صَارَ أَهْلِيًّا وَوُضِعَ عَلَيْهِ الْإِكَافُ فَإِنَّهُ يُؤْكَلُ وَالْأَهْلِيُّ إذَا تَوَحَّشَ لَا يُؤْكَلُ، كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ.
يُكْرَهُ لَحْمُ الْخَيْلِ فِي قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لِصَاحِبَيْهِ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي تَفْسِيرِ الْكَرَاهَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا التَّحْرِيمَ وَلَبَنُهُ كَلَحْمِهِ، كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خَانْ. وَقَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ السَّرَخْسِيُّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحْوَطُ وَمَا قَالَا أَوْسَعُ، كَذَا فِي السِّرَاجِيَّةِ، وَأَمَّا الْبَغْلُ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَحْمُهُ مَكْرُوهٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَعِنْدَهُمَا كَذَلِكَ إنْ كَانَ الْفَرَسُ نَزَا عَلَى الْأَتَانِ، وَإِنْ كَانَ الْحِمَارُ نَزَا عَلَى الرَّمَكَةِ فَقَدْ قِيلَ لَا يُكْرَهُ، كَذَا فِي الذَّخِيرَةِ.
الْجَدْيُ إذَا كَانَ يُرَبَّى بِلَبَنِ الْأَتَانِ، وَالْخِنْزِيرِ إنْ اعْتَلَفَ أَيَّامًا فَلَا بَأْسَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْجَلَّالَةِ وَالْجَلَّالَةُ إذَا حُبِسَتْ أَيَّامًا فَعُلِفَتْ لَا بَأْسَ بِهَا فَكَذَا هَذَا، كَذَا فِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ]
(الْبَابُ الثَّالِثُ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ) شَاةٌ وَلَدَتْ وَلَدًا بِصُورَةِ الْكَلْبِ فَأَشْكَلَ أَمْرُهُ، فَإِنْ صَاحَ مِثْلَ الْكَلْبِ لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ صَاحَ مِثْلَ الشَّاةِ يُؤْكَلُ، وَإِنْ صَاحَ مِثْلَهُمَا يُوضَعُ الْمَاءُ بَيْنَ يَدَيْهِ إنْ شَرِبَ بِاللِّسَانِ لَا يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ كَلْبٌ، وَإِنْ شَرِبَ بِالْفَمِ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ شَاةٌ، وَإِنْ شَرِبَ بِهِمَا جَمِيعًا يُوضَعُ التِّبْنُ وَاللَّحْمُ قِبَلَهُ إنْ أَكَلَ التِّبْنَ يُؤْكَلُ؛ لِأَنَّهُ شَاةٌ، وَإِنْ أَكَلَ اللَّحْمَ لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ أَكَلَهُمَا جَمِيعًا يُذْبَحُ إنْ خَرَجَ الْأَمْعَاءُ لَا يُؤْكَلُ، وَإِنْ خَرَجَ الْكِرْشُ يُؤْكَلُ، كَذَا فِي جَوَاهِرِ الْأَخْلَاطِيِّ.
وَأَمَّا بَيَانُ مَا يَحْرُمُ أَكْلُهُ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ سَبْعَةٌ: الدَّمُ الْمَسْفُوحُ وَالذَّكَرُ وَالْأُنْثَيَانِ وَالْقُبُلُ وَالْغُدَّةُ وَالْمَثَانَةُ وَالْمَرَارَةُ، كَذَا فِي الْبَدَائِعِ.
وَإِنْ ذَبَحَ الشَّاةَ فَاضْطَرَبَتْ فَوَقَعَتْ فِي مَاءٍ أَوْ تَرَدَّتْ مِنْ مَوْضِعٍ لَمْ يَضُرَّهَا شَيْءٌ؛ لِأَنَّ فِعْلَ الذَّكَاةِ قَدْ اسْتَقَرَّ فِيهَا فَإِنَّمَا انْزَهَقَ حَيَاتُهَا بِهِ وَلَا مُعْتَبَرَ بِاضْطِرَابِهَا بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الذَّكَاةِ فَهَذَا لَحْمٌ وَقَعَ فِي مَاءٍ
следующие страницы →