← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا جَازَ بَيْعُ الْكُلِّ عِنْدَ الْحَاجَةِ فَبَيْعُ الْبَعْضِ مَعَ بَقَاءِ الْبَعْضِ أَوْلَى (إنْ اتَّحَدَ الْوَاقِفُ كَالْجِهَةِ) الْمَوْقُوفِ عَلَيْهَا (إنْ كَانَ) الْمَوْقُوفُ (عَيْنَيْنِ) عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ وَاقِفٍ وَاحِدٍ فَتُبَاعُ إحْدَاهُمَا لِإِصْلَاحِ الْأُخْرَى لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ) كَانَ الْمَوْقُوفُ (عَيْنًا) فَيَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا لِإِصْلَاحِ بَاقِيهَا لِمَا تَقَدَّمَ. (وَ) مَحَلُّ ذَلِكَ إنْ (لَمْ تَنْقُصْ الْقِيمَةُ) أَيْ: قِيمَةُ الْعَيْنِ الْمَبِيعِ بَعْضُهَا (بِتَشْقِيصٍ) أَيْ: بِبَيْعِ بَعْضِهَا. (وَإِلَّا) بِأَنْ نَقَصَتْ بِذَلِكَ (بِيعَ الْكُلُّ) كَبَيْعِ وَصِيٍّ لِدَيْنٍ أَوْ حَاجَةٍ بَلْ هَذَا أَسْهَلُ لِجَوَازِ تَغْيِيرِ صِفَاتِهِ لِمَصْلَحَةٍ، وَبَيْعُهُ عَلَى قَوْلٍ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ، وَإِنْ تَوَقَّفَتْ عِمَارَةُ الْمَسْجِدِ عَلَى بَعْضِ آلَاتِهِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ الْمُمْكِنُ مِنْ الْمُحَافَظَةِ عَلَى الصُّورَةِ مَعَ بَقَاءِ الِانْتِفَاعِ وَلَا يُعَمَّرُ وَقْفٌ مِنْ آخَرَ وَلَوْ عَلَى جِهَتِهِ (وَأَفْتَى عُبَادَةُ) مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا (بِجَوَازِ عِمَارَةِ وَقْفٍ عَلَى آخَرَ أَيْ: مِنْ رِيعِهِ عَلَى جِهَتِهِ) ذَكَرَهُ ابْنُ رَجَبٍ فِي طَبَقَاتِهِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ قَوِيٌّ بَلْ عُمِلَ عَلَيْهِ، لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا يَعْنِي ابْنَ قُنْدُس فِي حَوَاشِي الْفُرُوعِ: إنَّ كَلَامَهُ فِي الْفُرُوعِ أَظْهَرُ أَيْ: لَا يُعَمِّرُ وَقْفًا مِنْ رِيعٍ آخَرَ، وَإِنْ اتَّحَدَتْ الْجِهَةُ. (الْجِهَةُ وَيَجُوزُ اخْتِصَارُ آنِيَةٍ) مَوْقُوفَةٍ مُتَعَطِّلَةٍ (إلَى أَصْغَر مِنْهَا وَإِنْفَاقُ الْفَضْلِ عَلَى الْإِصْلَاحِ) مُحَافَظَةً عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ الْوَقْفِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ اخْتِصَارُهَا بِيعَتْ وَصُرِفَ ثَمَنُهَا فِي آنِيَةٍ مِثْلِهَا رِعَايَةً لِلنَّفْعِ الَّذِي لِأَجْلِهِ وُقِفَتْ. (وَيَجُوزُ تَجْدِيدُ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةٍ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إبْرَاهِيمَ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يَجُوزُ (قَسْمُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَسْجِدَيْنِ بِبَابَيْنِ إلَى دَرْبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) ؛ لِأَنَّهُ تَغْيِيرٌ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ لَهُ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ وَجَوَّزَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ تَغْيِيرَ صُورَةِ الْوَقْفِ لِلْمَصْلَحَةِ كَجَعْلِ الدُّورِ حَوَانِيتَ وَالْحَاكُورَةِ الْمَشْهُورَةِ (الْمَشْهُورَةِ وَيَجُوزُ نَقْضُ مَنَارَتِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (وَجُعْلُهَا فِي حَائِطِهِ لِتَحْصِينِهِ) مِنْ نَحْوِ كِلَابٍ نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ. (وَحُكْمُ فَرَسٍ حَبِيسٍ) أَيْ: مَوْقُوفٍ عَلَى الْغَزْوِ (إذَا لَمْ يَصْلُحْ) الْفَرَسُ (لِغَزْوٍ كَوَقْفٍ فَيُبَاعُ، وَيَشْتَرِي بِثَمَنِهِ مَا) أَيْ: فَرَسًا (يَصْلُحُ لِلْغَزْوِ) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الَّذِي يَعْجِفُ يَعْنِي: مِنْ الدَّوَابِّ الَّتِي تُحْبَسُ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فِي بِلَادِ الرُّومِ لَا يَنْفَعُ إلَّا لِلطَّحْنِ أَوْ نَحْوِهِ، يُبَاعُ ثُمَّ يُجْعَلُ ثَمَنُهُ فِي حَبِيسٍ.

стр. 1892

تَنْبِيهٌ " عِبَارَةُ الْمُصَنِّفِ، وَغَيْرِهِ: يُبَاعُ أَوْ بِيعَ، وَنَحْوُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَمَا فِي عِبَارَةِ أَحْمَدَ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْبَيْعِ حَالَ التَّعَطُّلِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي وَالتَّلْخِيصِ (وَالتَّلْخِيصِ وَبِمُجَرَّدِ شِرَاءِ الْبَدَلِ) أَيْ: بَدَلِ مَا بِيعَ مِنْ الْوَقْفِ أَوْ أُتْلِفَ أُتْلِفْ وَنَحْوِهِ (يَصِيرُ) الْبَدَلُ (وَقْفًا كَبَدَلِ أُضْحِيَّةٍ وَ) بَدَلِ (رَهْنٍ أُتْلِفَ) قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ فِي حَوَاشِي الْمُحَرَّر الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَتَى وَقَعَ الشِّرَاءُ لِجِهَةِ الْوَقْفِ عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ وَلَزِمَ الْعَقْدُ أَنَّهُ يَصِيرُ وَقْفًا؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ فِي الشِّرَاءِ وَالْوَكِيلُ يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْمُوَكِّلِ فَكَذَا هُنَا يَقَعُ شِرَاؤُهُ لِلْجِهَةِ الْمُشْتَرَى لَهَا وَلَا يَكُون ذَلِكَ إلَّا وَقْفًا انْتَهَى فَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ قَصَدَ الشِّرَاءَ لِنَفْسِهِ بِمَالِ الْوَقْفِ لَمْ يَكُنْ مَا اشْتَرَاهُ وَقْفًا، وَيُطَالِبُ بِالثَّمَنِ لِيَشْتَرِيَ بِهِ مَا يَكُونُ وَقْفًا، وَأَنَّهُ لَا يَصِيرُ وَقْفًا إذَا اشْتَرَاهُ لِلْوَقْفِ إلَّا بَعْدَ لُزُومِ الْبَيْعِ بِأَنْ يَنْقَضِيَ الْخِيَارُ (وَالِاحْتِيَاطُ وَقْفُهُ) لِئَلَّا يَنْقُضَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ لَا يَرَى وَقْفِيَّتَهُ بِمُجَرَّدِ الشِّرَاءِ. (الشِّرَاءُ وَيَبِيعُهُ) أَيْ: الْوَقْفَ (حَاكِمُ) بَلَدِهِ (إنْ كَانَ) الْوَقْفُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ؛ لِأَنَّهُ فَسْخٌ لِعَقْدٍ لَازِمٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ اخْتِلَافًا قَوِيًّا فَتُوقَفُ عَلَى الْحَاكِمِ، كَمَا قِيلَ فِي الْفُسُوخِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا (وَإِلَّا) يَكُونُ عَلَى سُبُلِ الْخَيْرَاتِ، بِأَنْ كَانَ عَلَى شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ أَوْ مَنْ يَؤُمُّ أَوْ يُؤَذِّنُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ، وَنَحْوِهِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى (ف) يَبِيعُهُ (نَاظِرُهُ الْخَاصُّ) إنْ كَانَ. (وَالْأَحْوَطُ إذْنُ حَاكِمٍ لَهُ) أَيْ: لِلنَّاظِرِ الْخَاصِّ فِي بَيْعِهِ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيْعَ عَلَى مَنْ سَيَنْتَقِلُ إلَيْهِمْ بَعْدَ الْمَوْجُودِينَ الْآنَ أَشْبَهَ الْبَيْعَ عَلَى الْغَائِبِ (فَإِنْ عُدِمَ) النَّاظِرُ الْخَاصُّ (ف) يَبِيعُهُ (حَاكِمٌ) لِعُمُومِ وِلَايَتِهِ. (وَيَجُوزُ بَيْعُ آلَتِهِ) أَيْ: الْوَقْفِ (وَصَرْفُهَا فِي عِمَارَتِهِ) إنْ احْتَاجَ إلَى ذَلِكَ لِمَا تَقَدَّمَ (مَثَلًا وَمَا فَضَلَ عَنْ حَاجَةِ الْمَسْجِد مِنْ حُصُرِهِ حُصُرِهِ وَزَيْتِهِ وَزَيْتِهِ وَمُغَلِّهِ مَثَلًا وَأَنْقَاضِهِ وَأَنْقَاضِهِ وَآلَتِهِ وَآلَتِهِ وَثَمَنِهَا) إذَا بِيعَتْ (جَازَ صَرْفُهُ إلَى مَسْجِدٍ آخَرَ مُحْتَاجٍ) إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ صَرْفٌ فِي نَوْعِ الْمُعَيَّنِ. (وَ) جَازَتْ (الصَّدَقَةُ بِهَا) أَيْ: بِالْمَذْكُورَاتِ (عَلَى فُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ) ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُنْقَطِعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَإِنَّمَا لَمْ يُرْصَدْ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّعَطُّلِ فَيُخَالِفُ الْمَقْصُودَ، وَلَوْ تَوَقَّعَتْ الْحَاجَةُ فِي زَمَنٍ آخَرَ وَلَا رِيعَ يَسُدُّ مَسَدَّهَا لَمْ يُصْرَفْ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الصَّرْفُ فِي الْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَإِنَّمَا سُومِحَ بِغَيْرِهَا حَيْثُ لَا حَاجَةَ حَذَرًا مِنْ التَّعَطُّلِ، وَخَصَّ أَبُو الْخَطَّابِ وَالْمَجْدُ الْفُقَرَاءَ بِفُقَرَاءِ جِيرَانِهِ لِاخْتِصَاصِهِمْ بِمَزِيدِ مُلَازَمَتِهِ وَالْعِنَايَةِ بِمَصْلَحَتِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ. (قَالَ الشَّيْخُ) يَجُوزُ صَرْفُ الْفَاضِلِ فِي مِثْلِهِ (وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ، وَ) فِي (بِنَاءِ مَسَاكِنَ لِمُسْتَحِقِّ رِيعِهِ الْقَائِمِ بِمَصْلَحَتِهِ، وَفَضْلُ غَلَّةِ مَوْقُوفٍ عَلَى مُعَيَّنٍ

стр. 1893

اسْتِحْقَاقُهُ مُقَدَّرٌ) مِنْ الْوَقْفِ (بِتَعَيُّنِ إرْصَادِهِ ذَكَرَهُ) الْقَاضِي (مُحَمَّدٌ أَبُو الْحُسَيْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ الْحَارِثِيُّ) قَالَ: وَأَمَّا فَضْلُ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى مُعَيَّنٍ أَوْ مُعَيَّنَيْنِ أَوْ طَائِفَةٍ مُعَيَّنَةٍ فَتَعَيَّنَ إرْصَادُهُ ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْنِ فِي فَضْلِ غَلَّةِ الْمَوْقُوفِ عَلَى نَفَقَةِ إنْسَانٍ، وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى إذَا كَانَ الصَّرْفُ مُقَدَّرًا أَمَّا عِنْدَ عَدَمِ التَّقْدِيرِ فَلَا فَضْلَ إذْ الْغَلَّةُ مُسْتَغْرَقَةٌ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَقَالَ الشَّيْخُ: إنْ عُلِمَ أَنَّ رِيعَهُ يَفْضُلُ دَائِمًا وَجَبَ صَرْفُهُ؛ لِأَنَّ بَقَاءَهُ فَسَادٌ) لَهُ. (وَإِعْطَاؤُهُ) أَيْ: الْمُسْتَحِقِّ (فَوْقَ مَا قَدَّرَهُ الْوَاقِفُ جَائِزٌ) ؛ لِأَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا يَمْنَعُ اسْتِحْقَاقَهُ. قَالَ وَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ النَّاظِرِ صَرْفُ الْفَاضِلِ؛ لِأَنَّهُ افْتِيَاتٌ عَلَى مَنْ لَهُ وِلَايَتُهُ قُلْت: وَالظَّاهِرُ لَا ضَمَانَ كَتَفْرِقَةِ هَدْيٍ، وَأُضْحِيَّةٍ. (وَمَنْ وَقَفَ عَلَى ثَغْرٍ فَاخْتَلَّ) الثَّغْرُ (صُرِفَ) الْمَوْقُوفُ (فِي ثَغْرٍ مِثْلِهِ) أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ، إذْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ هُنَا الصَّرْفُ إلَى الْمُرَابِطِ، فَإِعْمَالُ شَرْطِ الثَّغْرِ الْمُعَيَّنِ مُعَطِّلٌ لَهُ، فَوَجَبَ الصَّرْفُ إلَى ثَغْرٍ آخَرَ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَعَلَى قِيَاسِهِ مَسْجِدٌ وَرِبَاطٌ، وَنَحْوُهُمَا) ، وَهُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ الْحَارِثِيُّ قَالَ: وَالشَّرْطُ قَدْ يُخَالَفُ لِلْحَاجَةِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمُتَفَقِّهِ عَلَى مَذْهَبٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّ الصَّرْفَ يَتَعَيَّنُ عِنْدَ عَدَمِ الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَذْهَبِ إلَى الْمُتَفَقِّهَةِ عَلَى مَذْهَبٍ آخَرَ أَخْذًا مِنْ مَسْأَلَةِ بَيْعِ الْوَقْفِ إذَا خَرِبَ. قَالَ وَلَوْ وَقَفَ عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ حَوْضٍ حَوْضٍ وَتَعَطَّلَ الِانْتِفَاعُ بِهِمَا صُرِفَ إلَى مِثْلِهِمَا وَلَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِمَالٍ فِي يَوْمٍ مَخْصُوصٍ مِنْ السَّنَةِ، وَتَعَذَّرَ فِيهِ وَجَبَ مَتَى أَمْكَنَ. (وَنَصَّ) أَحْمَدُ (فِيمَنْ وَقَفَ عَلَى قَنْطَرَةٍ) فَانْحَرَفَ الْمَاءُ أَوْ انْقَطَعَ (يُرْصَدُ لَعَلَّهُ) أَيْ: الْمَاءَ (يَرْجِعُ) فَيَحْتَاجُونَ إلَى الْقَنْطَرَةِ وَقَدَّمَ الْحَارِثِيُّ: يُصْرَفُ إلَى قَنْطَرَةٍ أُخْرَى لِمَا تَقَدَّمَ. (وَيَحْرُمُ حَفْرُ بِئْرٍ) فِي مَسْجِدٍ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ مُسْتَحَقَّةٌ لِلصَّلَاةِ فَتَعْطِيلُهَا عُدْوَانٌ، وَنَصَّ عَلَى الْمَنْعِ فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ (وَ) يَحْرُمُ (غَرْسُ شَجَرَةٍ فِي مَسْجِدٍ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ فَعَلَ) بِأَنْ حَفَرَ أَوْ غَرَسَ (قُلِعَتْ) الشَّجَرَةُ. (وَطُمَّتْ) الْبِئْرُ لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ تُقْلَعْ) الشَّجَرَةُ (فَثَمَرُهَا لِمَسَاكِينِ الْمَسْجِدِ) وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: التَّقْيِيدُ بِأَهْلِ الْمَسْجِدِ فِيهِ بَحْثٌ وَالْأَقْرَبُ حِلُّهُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَيْضًا (وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُ حَفْرِ بِئْرٍ) فِي الْمَسْجِدِ (إنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ ضِيقٌ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ: لَمْ يَكْرَهْ أَحْمَدُ حَفْرَهَا فِيهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ، لَكِنْ يَرُدُّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ. (وَإِنْ كَانَتْ الشَّجَرَةُ مَغْرُوسَةً قَبْلَ بِنَائِهِ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (مَثَلًا وَوَقْفُهَا مَعَهُ فَإِنْ عَيَّنَ) الْوَاقِفُ (مَصْرِفَهَا عُمِلَ بِهِ) كَسَائِرِ الشُّرُوطِ (وَإِلَّا) يُعَيِّنْ مَصْرِفَهَا

стр. 1894

(فَكَوَقْفٍ مُنْقَطِعٍ) تُصْرَفُ ثَمَرَتُهَا لِوَرَثَةِ الْوَاقِفِ نَسَبًا وَقْفًا فَإِنْ انْقَرَضُوا فَلِمَسَاكِينَ. (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُ الْمَسْجِدِ) وَلَا بَيْعُهُ (مَعَ إمْكَانِ عِمَارَتِهِ بِدُونِ الْعِمَارَةِ الْأُولَى) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ، فَيَجُوزُ لِلْحَاجَةِ، وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ هُنَا (هُنَا وَيَجُوزُ رَفْعُهُ) أَيْ: الْمَسْجِدِ (إذَا أَرَادَ أَكْثَرُ أَهْلِهِ ذَلِكَ) أَيْ: رَفْعَهُ. (وَجُعِلَ تَحْتَ سَفَلِهِ سِقَايَةٌ، وَحَوَانِيتُ) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَمَنَعَ مِنْهُ الْمُوَفَّقُ، وَابْنُ حَامِدٍ، وَتَأَوَّلَا نَصَّ الرَّفْعِ لِأَجْلِ السِّقَايَةِ عَلَى حَالَةِ إنْشَاءِ الْمَسْجِدِ، وَسَمَّاهُ مَسْجِدًا بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَصَحَّحَهُ فِي الشَّرْحِ وَرَدَّهُ الْحَارِثِيُّ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ. (قَالَ) ابْنُ عَقِيلٍ (فِي الْفُنُونِ لَا بَأْسَ بِتَغْيِيرِ حِجَارَةِ الْكَعْبَةِ إنْ عَرَضَ لَهَا مَرَمَّةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ عَصْرٍ احْتَاجَتْ) الْكَعْبَةُ (فِيهِ إلَيْهِ) أَيْ: إلَى تَغْيِيرِ الْحِجَارَةِ (قَدْ فَعَلَ وَلَمْ يَظْهَرْ نَكِيرٌ وَلَوْ تَعَيَّنَتْ الْآلَةُ لَمْ يَجُزْ) التَّغْيِيرُ (كَالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ) فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ. (وَلَا يَجُوزُ نَقْلُهُ) مِنْ مَوْضِعِهِ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ (وَلَا يَقُومُ مَقَامَهُ) مَعَ وُجُودِهِ (وَلَا يَنْتَقِلُ النُّسُكُ مَعَهُ) إذَا نُقِلَ مِنْ مَوْضِعِهِ إلَخْ (إلَخْ وَيُكْرَهُ نَقْلُ حِجَارَتِهَا عِنْدَ عِمَارَتِهَا إلَى غَيْرِهَا) أَيْ: الْكَعْبَةِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ يَحْرُمُ لِقَوْلِهِ (كَمَا لَا يَجُوزُ ضَرْبُ تُرَابِ الْمَسَاجِدِ لِبِنَاءٍ فِي غَيْرِهَا) أَيْ: الْمَسَاجِدِ (بِطَرِيقِ الْأَوْلَى) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الْوَقْفِ لِلْجِهَةِ الْمُعَيَّنَةِ (قَالَ) فِي الْفُنُونِ (وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُعَلَّى أَبْنِيَتُهَا زِيَادَةً عَلَى مَا وُجِدَ مِنْ عُلُوِّهَا) ، وَإِنَّهُ يُكْرَهُ الصَّكُّ فِيهَا، وَفِي أَبْنِيَتِهَا إلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ. (قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ جَوَازُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﷺ يَعْنِي: إدْخَالَ الْحِجْرِ فِي الْبَيْتِ) وَجَعْلَ بَابَيْنِ لَهُ (لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَوْلَا الْمُعَارِضُ فِي زَمَنِهِ) ، وَهُوَ أَنَّ قَوْمَهُ حَدِيثُ عَهْدِهِمْ بِجَاهِلِيَّةٍ (لَفَعَلَهُ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ) السَّابِقِ. (قَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِيهِ) أَيْ: حَدِيثِ عَائِشَةَ (يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّوَابِ لِأَجْلِ قَالَةِ النَّاسِ وَرَأَى مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ تَرْكُهُ) أَيْ: تَرْكُ الْبِنَاءِ عَلَى قَوَاعِدِ إبْرَاهِيمَ ﷺ (لِئَلَّا يَصِيرَ الْبَيْتُ مَلْعَبَةً لِلْمُلُوكِ) ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. " خَاتِمَةٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالْأَرْزَاقُ الَّتِي يُقَدِّرُهَا الْوَاقِفُونَ ثُمَّ يَتَغَيَّرُ النَّقْدُ فِيمَا بَعْدُ نَحْوُ أَنْ يَشْرِطَ مِائَةَ دِرْهَمٍ نَاصِرِيَّةً ثُمَّ يَحْرُمُ التَّعَامُلُ بِهَا، وَتَصِيرُ الدَّرَاهِمُ ظَاهِرِيَّةً، فَإِنَّهُ يُعْطِي الْمُسْتَحِقَّ مِنْ نَقْدِ الْبَلَدِ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةُ الْمَشْرُوطِ وَقَدْ أَوْسَعْنَا الْعِبَارَةَ فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.

стр. 1895

[بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ] (بَابُ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ) الْهِبَةُ مَصْدَرُ وَهَبَ الشَّيْءِ يَهَبُهُ هِبَةً، وَوَهْبًا بِإِسْكَانِ الْهَاءِ، وَفَتْحِهَا، وَمَوْهُوبًا وَالِاسْمُ الْمَوْهُوبَةُ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ: وَالْمُوهِبُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِيهِمَا وَقَدْ تُطْلَقُ الْهِبَةُ عَلَى الْمَوْهُوبِ كَمَا فِي الْخَبَرِ «لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً أَوْ يَهَبَ هِبَةً ثُمَّ يَرْجِعُ فِيهَا إلَّا لِوَالِدٍ» . وَفِي الْمُحْكَمِ: لَا يُقَالُ وَهَبَكَهُ، وَعَنْ السِّيرَافِيِّ: أَنَّ بَعْضَ الْأَعْرَابِ قَالَ: انْطَلِقْ مَعِي أَهَبُكَ نَبْلًا، وَأَصْلُهَا مِنْ هُبُوبِ الرِّيحِ أَيْ: مُرُورِهِ وَالِاتِّهَابُ قَبُولُ الْهِبَةِ وَالِاسْتِيهَابُ سُؤَالُهَا، وَأَوْهَبَهُ لَهُ أَعَدَّهُ لَهُ وَ (الْهِبَةُ تَمْلِيكُ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الرَّشِيدُ (مَالًا مَعْلُومًا) مَنْقُولًا أَوْ عَقَارًا (مَجْهُولًا تَعَذَّرَ عِلْمُهُ) بِأَنْ اخْتَلَطَ مَالُ اثْنَيْنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ فَوَهَبَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مَالَهُ (مَوْجُودًا مَقْدُورًا عَلَى تَسْلِيمِهِ غَيْرَ وَاجِبٍ فِي الْحَيَاةِ) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ (بِلَا عِوَضٍ) مُتَعَلِّقٌ أَيْضًا بِهِ فَخَرَجَ بِالْمَالِ الِاخْتِصَاصَاتُ، وَتَأْتِي، وَبِالْمَعْلُومِ الْمَجْهُولُ الَّذِي لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ كَبَيْعِهِ، وَبِالْمَوْجُودِ الْمَعْدُومُ كَعَبْدٍ فِي ذِمَّتِهِ، وَبِالْمَقْدُورِ عَلَى تَسْلِيمِهِ الْحَمْلُ، وَبِغَيْرِ الْوَاجِبِ الدُّيُونُ وَالنَّفَقَاتُ، وَنَحْوُهَا، وَبِفِي الْحَيَاةِ الْوَصِيَّةُ، وَبِلَا عِوَضٍ عُقُودُ الْمُعَاوَضَاتِ وَقَوْلُهُ (بِمَا يُعَدُّ هِبَةً عُرْفًا) مُتَعَلِّقٌ بِتَمْلِيكٍ وَالْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ مِنْ لَفْظِ هِبَةٍ، وَتَمْلِيكٍ، وَنَحْوِهِمَا مِنْ كُلِّ قَوْلٍ، وَفِعْلٍ دَلَّ عَلَيْهَا كَمَا يَأْتِي وَهُوَ بَيَانٌ لِمَا يُعَدُّ هِبَةً (هِبَةٌ وَتَنْعَقِدُ) الْهِبَةُ (بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) بِأَيِّ لَفْظٍ دَلَّ عَلَيْهِمَا. (وَبِمُعَاطَاةٍ بِفِعْلٍ يَقْتَرِنُ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (فَتَجْهِيزُ ابْنَتِهِ) أَوْ أُخْتِهِ، وَنَحْوِهَا (بِجِهَازٍ إلَى) بَيْتِ (زَوْجِهَا تَمْلِيكٌ) لَهَا. (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (أَوَّلَ الْبَيْعِ وَالْعَطِيَّةُ تَمْلِيكُ عَيْنٍ) مَالِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهَا مَعْلُومَةٍ، وَمَجْهُولَةٍ تَعَذَّرَ عِلْمُهَا (فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ) ، وَمُحْتَرَزُ هَذِهِ الْقُيُودِ مَعْلُومٌ مِمَّا سَبَقَ فَالْعَطِيَّةُ عَلَى هَذَا مَصْدَرٌ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ كَذَلِكَ فِيمَا عَلِمْتُ قَالَهُ الْحَارِثِيُّ قَالَ: بَلْ نَفْسُ الشَّيْءِ الْمُعْطَى وَالْجَمْعُ عَطَايَا، وَأَعْطِيَةٌ وَجَمَعُوا أَعْطِيَةً عَلَى أَعْطِيَاتٍ، وَأَمَّا الْمَصْدَرُ فَالْإِعْطَاءُ وَالِاسْمُ الْعَطَاءُ، وَيُقَالُ أَيْضًا عَلَى الشَّيْءِ الْمُعْطَى. (وَهْبَةُ التَّلْجِئَةِ بَاطِلَةٌ بِحَيْثُ تُوهَبُ فِي الظَّاهِرِ، وَتُقْبَضُ مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنْهُ إذَا شَاءَ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ

стр. 1896

الْحِيَلِ الَّتِي تُجْعَلُ طَرِيقًا إلَى مَنْعِ الْوَارِثِ أَوْ الْغَرِيمِ حُقُوقَهُمْ) ؛ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ. (الْمَقَاصِدُ وَأَنْوَاعُ الْهِبَةِ صَدَقَةٌ، وَهَدِيَّةٌ، وَنِحْلَةٌ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ، وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ) وَكُلُّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلَا عِوَضٍ قَالَهُ فِي الْمُغْنِي (تَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُهَا) أَيْ: أَحْكَامُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ تَجْرِي فِي الْبَقِيَّةِ (فَإِنْ قَصَدَ بِإِعْطَائِهِ ثَوَابَ الْآخِرَةِ فَقَطْ فَصَدَقَةٌ، وَإِنْ قَصَدَ) بِإِعْطَائِهِ (إكْرَامًا، وَتَوَدُّدًا، وَمُكَافَأَةً) وَالْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي الْمُنْتَهَى (فَهَدِيَّةٌ، وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَقْصِدْ بِإِعْطَائِهِ شَيْئًا مِمَّا ذُكِرَ (فَهِبَةٌ، وَعَطِيَّةٌ، وَنِحْلَةٌ وَهِيَ) أَيْ: الْمَذْكُورَاتُ مِنْ صَدَقَةٍ وَهَدِيَّةٍ وَهَدِيَّةٍ وَعَطِيَّةٍ (مُسْتَحَبَّةٌ إذَا قُصِدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْهِبَةِ لِلْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَمَا قُصِدَ بِهِ صِلَةُ الرَّحِمِ) قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَجِنْسُ الْهِبَةِ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ لِشُمُولِهِ مَعْنَى التَّوْسِعَةِ عَلَى الْغَيْرِ، وَنَفْي الشُّحِّ قَالَ: وَالْفَضْلُ فِيهَا يَثْبُتُ بِإِزَاءِ مَا قُصِدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى، كَالْهِبَةِ لِلصُّلَحَاءِ وَالْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلَا خَيْرَ فِيمَا قُصِدَ بِهِ رِيَاءٌ أَوْ سُمْعَةٌ وَ (لَا) تُسْتَحَبُّ إنْ قُصِدَ بِهَا (مُبَاهَاةٌ وَرِيَاءٌ، وَسُمْعَةٌ) الْوَاوُ بِمَعْنَى أَوْ (فَتُكْرَهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ يُسَمِّعْ يُسَمِّعْ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ يُرَاءِ يُرَاءِ اللَّهُ بِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَتَقَدَّمَ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى قَرِيبٍ أَفْضَلُ مِنْ عِتْقٍ، لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ مَيْمُونَةَ «أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: لَوْ أَعْطَيْتِهَا لِأَخْوَالِكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ» . (قَالَ الشَّيْخُ: وَالصَّدَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الْهِبَةِ) لِمَا وَرَدَ فِيهَا مِمَّا لَا يُحْصَرُ (إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْهِبَةِ مَعْنًى تَكُونُ) الْهِبَةُ (بِهِ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ مِثْلُ الْإِهْدَاءِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مَحَبَّةً لَهُ، وَمَثَلُ هَذَا الْإِهْدَاءُ لِقَرِيبٍ يَصِلُ بِهِ رَحِمَهُ أَوْ) الْإِهْدَاءُ ل (أَخٍ لَهُ فِي اللَّهِ فَهَذَا قَدْ يَكُونُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ) أَيْ: عَلَى غَيْرِهِ (انْتَهَى، وَوِعَاءُ هَدِيَّةٍ كَهِيَ) فِي أَنَّهَا لَا تُرَدُّ (مَعَ عُرْفٍ كَقَوْصَرَةِ التَّمْرِ فَتَتْبَعُهُ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ. (وَمَنْ أَهْدَى) شَيْئًا (لِيُهْدَى لَهُ أَكْثَرُ) مِنْهُ (فَلَا بَأْسَ) بِهِ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ ) فَكَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] أَيْ: لَا تُعْطِ شَيْئًا لِتَأْخُذَ أَكْثَرَ مِنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَغَيْرُهُ: هُوَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَشْرَفِ الْأَخْلَاقِ، وَأَجَلِّهَا. (وَيُعْتَبَرُ) فِي الْهِبَةِ (أَنْ تَكُونَ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ) فَلَا تَصِحُّ مِنْ صَغِيرٍ، وَلَا سَفِيهٍ، وَلَا عَبْدٍ، وَنَحْوِهِمْ كَسَائِرِ التَّصَرُّفَاتِ. (وَهِيَ كَبَيْعٍ فِي تَرَاخِي

стр. 1897

قَبُولٍ عَنْ إيجَابٍ فَتَصِحُّ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَتَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا، فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ تَشَاغَلَا بِمَا يَقْطَعُهَا بَطَلَ. (وَ) هِيَ كَبَيْعٍ أَيْضًا فِي (تَقَدُّمِهِ) أَيْ: تَقَدُّم الْقَبُولِ عَلَى الْإِيجَابِ فَتَصِحُّ فِي الْحَالِ الَّتِي يَصِحُّ فِيهَا الْبَيْعُ، وَتَبْطُلُ فِيمَا يَبْطُلُ فِيهِ (أَوْ) هِيَ كَبَيْعٍ أَيْضًا فِي غَيْرِهِمَا) كَانْعِقَادِهَا بِكُلِّ لَفْظٍ أَدَّى مَعْنَاهَا، وَبِالْمُعَاطَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا تَقْتَضِي) الْهِبَةُ (عِوَضًا وَلَوْ مَعَ عُرْفٍ كَأَنْ يُعْطِيَهُ) أَيْ: يُعْطِي الْأَدْنَى أَعْلَى مِنْهُ (لِيُعَاوِضَهُ أَوْ يَقْضِيَ لَهُ حَاجَةً) وَلَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَدْلُولَ اللَّفْظِ انْتِفَاءُ الْعِوَضِ وَالْقَرِينَةُ لَا تَسَاوِيهِ فَلَا يَصِحُّ إعْمَالُهَا وَلِهَذَا لَمْ نُلْحِقْهُ بِالشَّرْطِ. (وَإِنْ شَرَطَ) الْوَاهِبُ (فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (عِوَضًا مَعْلُومًا صَارَتْ) الْهِبَةُ (بَيْعًا فَيَثْبُتُ فِيهَا خِيَارُ مَجْلِسٍ، وَنَحْوِهِ. (وَ) يَثْبُتُ فِيهَا شُفْعَةٌ) إنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شِقْصًا مَشْفُوعًا (، وَنَحْوَهُمَا) كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَاللُّزُومِ قَبْلَ التَّقَابُضِ وَضَمَانُ الدَّرَكِ، وَوُجُوبُ التَّسَاوِي مَعَ التَّقَابُضِ قَبْلَ التَّفَرُّقِ فِي الرِّبَوِيِّ الْمُتَّحِدِ؛ لِأَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ بِعْتُكَ أَوْ مَلَّكْتُكَ هَذَا بِهَذَا. (وَإِنْ شَرَطَ) فِي الْهِبَةِ (ثَوَابًا مَجْهُولًا لَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مَجْهُولٌ فِي مُعَاوَضَةٍ، فَلَمْ تَصِحَّ كَالْبَيْعِ (وَحُكْمُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ بِثَوَابٍ مَجْهُولٍ (حُكْمُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ) فَيَضْمَنُهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إنْ قَبَضَهَا، وَتَلِفَتْ بِمِثْلِهَا إنْ كَانَتْ مِثْلِيَّةً وَقِيمَتُهَا إنْ كَانَتْ مُتَقَوَّمَةً (، وَيَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ) إنْ بَقِيَتْ (بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ) ؛ لِأَنَّهَا نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي شَرْطِ عِوَضٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَاهِبُ: شَرَطْنَا الْعِوَضَ، وَأَنْكَرَهُ مَوْهُوبٌ لَهُ (فَقَوْلُ مُنْكِرٍ) بِيَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ، وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ (وَإِنْ قَالَ) قَابِضٌ (وَهَبْتَنِي مَا بِيَدَيَّ) وَ. (قَالَ) مُقْبِضٌ بَلْ (بِعْتُكَهُ، وَلَا بَيِّنَةَ) لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ (مِنْهُمَا عَلَى مَا أَنْكَرَ وَلَا يَصِحُّ) أَيْ: لَا يَثْبُتُ (الْبَيْعُ وَلَا الْهِبَةُ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهَا. " تَتِمَّةٌ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى: وَتَصِحُّ، وَتُمْلَكُ بِعَقْدٍ فَيَصِحُّ تَصَرُّفٌ قَبْلَ قَبْضٍ انْتَهَى وَهُوَ الَّذِي قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَقَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: إنَّ الْمِلْكَ فِي الْمَوْهُوبِ لَا يَثْبُتُ بِدُونِ الْقَبْضِ وَكَذَا صَرَّحَ ابْنُ عَقِيلٍ بِأَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْهِبَةِ كَالْإِيجَابِ فِي غَيْرِهَا وَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا، وَعَنْ ابْنِ حَامِدٍ وَجْهُ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْهِبَةِ يَقَعُ مُرَاعًى فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَوْلِهِ: وَإِلَّا فَهُوَ لِلْوَاهِبِ قُلْت: وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ. (حَسَنٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَهَبَ شَيْئًا) مِنْ دَارٍ أَوْ عَبْدٍ عَبْدٍ وَنَحْوِهِمَا (وَيَسْتَثْنِيَ نَفْعَهُ مُدَّةً

стр. 1898

مَعْلُومَةً) كَالْبَيْعِ وَالْعِتْقِ (وَ) يَصِحُّ (أَنْ يَهَبَ أَمَةً وَيَسْتَثْنِي مَا فِي بَطْنِهَا) كَالْعِتْقِ. (وَتَلْزَمُ) الْهِبَةُ (بِقَبْضِهَا بِإِذْنِ وَاهِبٍ) ، وَ (لَا) تَلْزَمُ (قَبْلَهُمَا) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْهِبَةُ (فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَنَحْوِهِ) لِمَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ فَلَمَّا مَرِضَ قَالَ: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ أَوْ قَبَضْتِيهِ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَالُ وَارِثٍ فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى " وَرَوَى ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عُمَرَ نَحْوَهُ. وَرُوِيَ أَيْضًا نَحْوُهُ عَنْ عُثْمَانَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُ تَلْزَمُ فِي الْمُتَمَيِّزِ غَيْرِ الْمَكِيلِ وَنَحْوِهِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (إلَّا مَا كَانَ فِي يَدِ مُتَّهَبٍ كَوَدِيعَةٍ وَعَارِيَّةٍ وَغَصْبٍ وَنَحْوِهِ) كَشَرِكَةٍ (فَيَلْزَمُ) عَقْدُ الْهِبَةِ فِيهِ (بِ) بِمُجَرَّدِ (عَقْدٍ وَلَا يَحْتَاجُ إلَى) مُضِيِّ (مُدَّةٍ يَتَأَتَّى قَبْضُهُ فِيهَا وَلَا إلَى إذْنِ) وَاهِبٍ (فِي الْقَبْضِ) لِأَنَّ قَبْضَهُ مُسْتَدَامٌ، فَأَغْنَى عَنْ الِابْتِدَاءِ كَمَا لَوْ بَاعَهُ سِلْعَةً بِيَدِهِ. (وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ) الْهِبَةِ (إلَّا بِإِذْنِ وَاهِبٍ) لِأَنَّهُ قَبْضٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَصِحَّ إلَّا بِإِذْنِهِ، كَأَصْلِ الْعَقْدِ وَكَالرَّهْنِ. (وَالْإِذْنُ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اللَّفْظِ بَلْ الْمُنَاوَلَةُ) إذْنٌ (وَالتَّخْلِيَةُ إذْنٌ) لِدَلَالَةِ الْحَالِ، وَكَذَا الْأَمْرُ بِأَكْلِ الطَّعَامِ الْمَوْهُوبِ (وَلِوَاهِبٍ) أَذِنَ لِمُتَّهَبٍ فِي قَبْضِ هِبَةٍ (الرُّجُوعُ فِي إذْنٍ) قَبْلَ الْقَبْضِ لِبَقَاءِ الْمُلْكِ، وَلَيْسَ الرُّجُوعُ عَنْهُ رُجُوعًا فِي الْهِبَةِ لِأَنَّ إبْطَالَ الْإِذْنِ إعْدَامٌ لَهُ وَعَدَمُهُ لَا يُوجِبُ رُجُوعًا قَالَهُ الْحَارِثِيُّ (وَ) لِوَاهِبٍ أَيْضًا الرُّجُوعُ فِي (هِبَةٍ قَبْلَ قَبْضٍ) لِأَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَتِمَّ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمَنْعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَعِتْقُ الْمَوْهُوبِ وَبَيْعُهُ وَهِبَتُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ رُجُوعٌ لِحُصُولِ الْمُنَافَاةِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) خُرُوجًا مِنْ خِلَافِ مَنْ قَالَ: إنَّ الْهِبَةَ تَلْزَمُ بِالْعَقْدِ. (وَيَبْطُلُ إذْنُ الْوَاهِبِ) فِي الْقَبْضِ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْوَاهِبِ أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ إذْنَهُ فِيهِ وَكَالَةٌ وَهِيَ تَبْطُلُ بِذَلِكَ. (وَيَقْبِضُ لِطِفْلٍ) وَهَبَهُ وَلِيُّهُ هِبَةً (أَبُوهُ فَقَطْ مِنْ نَفْسِهِ، فَيَقُولُ: وَهَبْتُ وَلَدِي كَذَا وَقَبَضْتُهُ لَهُ) فَإِنْ لَمْ يُقَلْ: وَقَبَضْتُهُ لَهُ لَمْ يَكْفِ عَلَى ظَاهِرِ رِوَايَةِ حَرْبٍ، لِتَغَايُرِ الْقَبْضَيْنِ، فَلَا بُدُّ مِنْ تَمْيِيزٍ لِأَنَّ الْيَدَ الَّتِي لِجِهَةِ الْمُتَّهَبِ هُنَا هِيَ نَفْسُ يَدُ الْوَاهِبِ فَلَا يُؤْمَنُ أَنْ يَدَّعِيهِ فِي ثَانِي الْحَالِ أَوْ يَدَّعِيهِ الْوَرَثَةُ تَرِكَةً فَيَذْهَبُ عَلَى الطِّفْلِ (وَلَا يَحْتَاجُ) أَبٌ وَهَبَ طِفْلَهُ (إلَى قَبُولٍ) لِلِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ بِقَرَائِنِ الْأَحْوَالِ (وَلَا يَصِحُّ قَبْضُ الطِّفْلِ) أَيْ: غَيْرِ بَالِغٍ. (وَلَوْ) كَانَ غَيْرُ الْبَالِغِ (مُمَيِّزًا وَلَا قَبْضُ

стр. 1899

مَجْنُونٍ لِأَنْفُسِهِمَا وَلَا قَبُولُهُمَا) الْهِبَةَ لِانْتِفَاءِ أَهْلِيَّةِ التَّصَرُّفِ (بَلْ) يَقْبَلُ وَيَقْبِضُ لَهُمَا (وَلِيُّهُمَا) لِأَنَّهُ الْمُتَصَرِّفُ عَلَيْهِمَا فَالْأَبُ (الْأَمِينُ) أَيْ: الْعَدْلُ وَلَوْ ظَاهِرًا (يَقُومُ مَقَامَهُمَا) فِي ذَلِكَ (ثُمَّ) عِنْدَ عَدَمِهِ (وَصِيٌّ ثُمَّ حَاكِمٌ أَمِينٌ كَذَلِكَ أَوْ مَنْ يُقِيمُونَهُ مَقَامَهُمْ وَعِنْدَ عَدَمِهِمْ) أَيْ: الْأَوْلِيَاءِ (يَقْبِضُ لَهُ مَنْ يَلِيهِ مِنْ أُمٍّ وَقَرِيبٍ وَغَيْرِهِمَا نَصًّا) قَالَ ابْنُ الْحَكَمِ: سُئِلَ أَحْمَدُ يُعْطِي مِنْ الزَّكَاةِ الصَّبِيُّ؟ قَالَ نَعَمْ يُعْطِي أَبَاهُ أَوْ مَنْ يَقُومُ بِشَأْنِهِ وَرَوَى الْمَرْوَزِيُّ أَيْضًا نَحْوَهُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَمَحَلُّ حَاجَةٍ (وَتَقَدَّمَ آخَرَ بَابِ ذِكْرِ أَهْلِ الزَّكَاةِ لَكِنْ يَصِحُّ مِنْهُمَا) أَيْ: الصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (قَبْضُ الْمَأْكُولِ الَّذِي يُدْفَعُ مِثْلُهُ لِلصَّغِيرِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «كَانَ النَّاسُ إذَا رَأَوْا أَوَّلَ الثِّمَارِ جَاءُوا بِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِذَا أَخَذَهُ قَالَ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي ثَمَرِنَا، ثُمَّ يُعْطِيهِ أَصْغَرَ مَنْ يَحْضُرُهُ مِنْ الْوِلْدَانِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. (وَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ لَهُمَا) أَيْ: لِلصَّغِيرِ وَالْمَجْنُونِ (أَحَدُ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ الْأَبِ) بِأَنْ كَانَ الْوَاهِبُ الْوَصِيَّ أَوْ الْحَاكِمَ (لَمْ يَتَوَلَّ طَرَفَيْ الْعَقْدِ) كَالْبَيْعِ (وَوَكَّلَ مَنْ يُقْبَلُ) بِخِلَافِ الْأَبِ، لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَتَوَلَّى طَرَفَيْ الْبَيْعِ (وَيَقْبِضُ هُوَ) أَيْ: الْوَلِيُّ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ الْأَبَ وَغَيْرَهُ فِي هَذَا سَوَاءٌ لِأَنَّهُ عَقْدُ جَارٍ صُدُورُهُ مِنْهُ وَمِنْ وَكِيلِهِ فَجَازَ لَهُ تَوَلِّي طَرَفَيْهِ كَالْأَبِ، وَفَارَقَ الْبَيْعُ فِي أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَمُرَابَحَةٍ فَتَحْصُلُ التُّهْمَةُ فِي الْعَقْدِ لِنَفْسِهِ وَالْهِبَةُ مَحْضُ مَصْلَحَةٍ لَا تُهْمَةَ فِيهَا، فَجَازَ لَهُ تَوَلِّي طَرَفَيْهَا كَالْأَبِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَبِهِ أَقُولُ انْتَهَى وَالسَّفِيهُ فِيمَا تَقَدَّمَ كَالصَّغِيرِ. (وَإِنْ كَانَ الْأَبُ غَيْرَ مَأْمُونٍ) ، قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِلصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (أَوْ) كَانَ الْأَبُ (مَجْنُونًا) قَبِلَ الْحَاكِمُ الْهِبَةَ لِوَلَدِهِ (أَوْ) كَانَ الْأَبُ قَدْ مَاتَ، وَ (لَا وَصِيَّ لَهُ قَبِلَ لَهُ الْحَاكِمُ) لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ إذَنْ. (وَلَوْ اتَّخَذَ الْأَبُ دَعْوَةَ خِتَانٍ وَحُمِلَتْ هَدَايَا إلَى دَارِهِ فَهِيَ لَهُ) لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ (إلَّا أَنْ يُوجَدَ مَا يَقْتَضِي الِاخْتِصَاصَ بِالْمَخْتُونِ فَيَكُونُ لَهُ، وَهَذَا كَثِيَابِ الصِّبْيَانِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِمْ وَكَذَا لَوْ وُجِدَ مَا يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْأُمِّ) بِشَيْءٍ (فَيَكُونُ لَهَا مِثْلُ كَوْنِ الْمُهْدِي مِنْ أَقَارِبِهَا أَوْ مَعَارِفِهَا) حُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ (وَخَادِمُ الْفُقَرَاءِ الَّذِي يَطُوفُ لَهُمْ فِي الْأَسْوَاقِ مَا حَصَلَ لَهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) لِأَنَّهُ فِي الْعُرْفِ إنَّمَا يُدْفَعُ إلَيْهِ لِلشَّرِكَةِ فِيهِ، وَهُوَ إمَّا كَوَكِيلِهِمْ أَوْ وَكِيلِ الدَّافِعِينَ فَيَنْتَفِي الِاخْتِصَاصُ. (وَمَا يُدْفَعُ مِنْ صَدَقَةٍ إلَى شَيْخِ زَاوِيَةٍ أَوْ) شَيْخِ (رِبَاطٍ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ) . لِأَنَّهُ فِي الْعَادَةِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ اخْتِصَاصًا بِهِ، فَهُوَ كَوَكِيلِ الْفُقَرَاءِ أَوْ الدَّافِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ (وَلَهُ التَّفْضِيلُ فِي الْقَسْمِ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ) لِأَنَّ الصَّدَقَةَ يُرَادُ بِهَا سَدُّ الْخَلَّةِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ

стр. 1900

يَصْدُرْ إلَيْهِ مَا يَقْتَضِي التَّسْوِيَةَ وَالظَّاهِرُ تَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ. (وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ يَسِيرًا لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَفْرِيقِهِ اخْتَصَّ هُوَ بِهِ) لِأَنَّ الْإِعْطَاءَ صَدَرَ إلَيْهِ وَلَا قَرِينَةَ تُصْرَفُ عَنْهُ (ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ) . (وَالْهِبَةُ مِنْ الصَّبِيِّ لِغَيْرِهِ بَاطِلَةٌ) لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا الْوَلِيُّ) لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ (وَكَذَا السَّفِيهُ) لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ وَلَوْ أَذِنَ فِيهَا وَلِيُّهُ. (وَتَجُوزُ) الْهِبَةُ (مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ) لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِحَقِّ سَيِّدِهِ فَإِذَا إذْنُهُ انْفَكَّ بِخِلَافِ الصَّغِيرِ وَنَحْوِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (أَنْ يَقْبَلَ الْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ بِغَيْرِ إذْنِهِ) أَيْ: سَيِّدِهِ لِأَنَّهُ تَحْصِيلُ مَنْفَعَةٍ كَالِاحْتِشَاشِ وَالِاصْطِيَادِ وَتَكُونُ لِسَيِّدِهِ إلَّا الْمُكَاتَبُ. (وَإِنْ مَاتَ وَاهِبٌ قَبْلَ إقْبَاضٍ وَرُجُوعٍ) لَمْ تَبْطُلْ الْهِبَةُ لِأَنَّهُ عَقْدٌ مَآلُهُ إلَى اللُّزُومِ، فَلَمْ يَنْفَسِخْ بِالْمَوْتِ كَالْبَيْعِ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ، وَ (قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ فِي إذْنٍ) فِي قَبْضٍ (وَ) فِي (رُجُوعٍ) فِي الْهِبَةِ. (وَتَبْطُلُ) الْهِبَةُ (بِمَوْتِ مُتَّهَبٍ قَبْلَ الْقَبْضِ) لِقِيَامِ قَبْضِهِ مَقَامَ الْقَبُولِ أَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ مَنْ أَوْجَبَ الْبَيْعَ وَنَحْوَهُ قَبْلَ الْقَبُولِ قَالَ الْحَارِثِيُّ وَهُوَ مُشْكِلٌ وَقَدَّمَ أَنَّهُ كَمَوْتِ الْوَاهِبِ. (وَلَوْ وَهَبَ) إنْسَانٌ (لِغَائِبٍ هِبَةً وَأَنْفَذَهَا) الْوَاهِبُ (مَعَ رَسُولِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ) مَعَ (وَكِيلِهِ ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ أَوْ) مَاتَ (الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَ وُصُولِهَا) إلَيْهِ (لَزِمَ حُكْمُهَا وَكَانَتْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِأَنَّ قَبْضَهُمَا) أَيْ: قَبْضَ رَسُولِهِ وَوَكِيلِهِ (كَقَبْضِهِ) فَيَكُونُ الْمَوْتُ بَعْدَ لُزُومِهَا بِالْقَبْضِ فَلَا يُؤَثِّرُ. (وَإِنْ أَنْفَذَهَا الْوَاهِبُ مَعَ رَسُولِهِ نَفْسِهِ ثُمَّ مَاتَ) الْوَاهِبُ (قَبْلَ وُصُولِهَا إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، أَوْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بَطَلَتْ) الْهِبَةُ. (وَكَانَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ وَرَثَتِهِ لِعَدَمِ الْقَبْضِ) لِحَدِيثِ أُمِّ كُلْثُومِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: «لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَ: لَهَا إنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَ مِسْكٍ، وَلَا أَرَى النَّجَاشِيَّ إلَّا قَدْ مَاتَ، وَلَا أَرَى هَدِيَّتِي إلَّا مَرْدُودَةً عَلَيَّ فَإِنْ رُدَّتْ فَهُوَ لَكَ قَالَتْ فَكَانَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَرُدَّتْ عَلَيْهِ هَدِيَّتُهُ فَأَعْطَى كُلَّ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ أُوقِيَّةً مِنْ مِسْكٍ، وَأَعْطَى أُمَّ سَلَمَةَ بَقِيَّةَ الْمِسْكِ وَالْحُلَّةَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَبُطْلَانُ الْهِبَةِ إذَا مَاتَ الْوَاهِبُ بَعْدَ بَعْثِ رَسُولِهِ بِالْهَدِيَّةِ لِعَدَمِ الْقَبُولِ كَمَا يَأْتِي بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ (وَلَيْسَ لِلرَّسُولِ حَمْلُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (بَعْدَ مَوْتِ الْوَاهِبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْذَنَ) لَهُ (الْوَارِثُ) لِأَنَّ الْحَقَّ صَارَ إلَيْهِ. (وَكَذَا حُكْمُ هَدِيَّةٍ) وَصَدَقَةٍ لِأَنَّهُمَا نَوْعَانِ مِنْ الْهِبَةِ (وَإِنْ مَاتَ الْمُتَّهَبُ أَوْ الْوَاهِبُ قَبْلَ الْقَبُولِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ بَطَلَ الْعَقْدُ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ، وَكَذَا لَوْ جُنَّ أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي فِي النِّكَاحِ.

стр. 1901

تَتِمَّةٌ " إذَا تَفَاسَخَا عَقْدَ الْهِبَةِ صَحَّ وَلَا يَفْتَقِرُ إلَى قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَتَكُونُ الْعَيْنُ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُتَّهَبِ قَالَهُ فِي الِاخْتِيَارَاتِ. [فَصْلٌ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ] (فَصْلٌ وَإِنْ أَبْرَأَ غَرِيمٌ غَرِيمَهُ مِنْ دَيْنِهِ صَحَّ أَوْ تَصَدَّقَ) بِهِ عَلَيْهِ صَحَّ (أَوْ وَهَبَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ أَحَلَّهُ مِنْهُ) صَحَّ (أَوْ أَسْقَطَهُ عَنْهُ) صَحَّ (أَوْ تَرَكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ مَلَّكَهُ لَهُ) صَحَّ (أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ) صَحَّ (أَوْ عَفَا عَنْهُ صَحَّ وَبَرِئَتْ ذِمَّتُهُ) وَكَذَا لَوْ قَالَ أَعْطَيْتُكَهُ وَنَحْوَهُ وَيَكُونُ ذَلِكَ إبْرَاءً وَإِسْقَاطًا وَلَفْظُ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْعَطِيَّةِ يَنْصَرِفُ إلَى مَعْنَى الْإِبْرَاءِ لِأَنَّهُ لَا عَيْنَ مَوْجُودَةٌ يَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلِهَذَا لَوْ وَهَبَهُ دَيْنَهُ هِبَةً حَقِيقِيَّةً لَمْ يَصِحَّ لِانْتِفَاءِ مَعْنَى الْإِسْقَاطِ وَانْتِفَاءِ شَرْطِ الْهِبَةِ وَمِنْ هُنَا امْتَنَعَ هِبَتُهُ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ وَامْتَنَعَ إجْزَاؤُهُ عَنْ الزَّكَاةِ لِانْتِفَاءِ حَقِيقَةِ الْمِلْكِ انْتَهَى وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ بِالْأَلْفَاظِ السَّابِقَةِ. (وَلَوْ كَانَ) الدَّيْنُ (الْمُبْرَأُ مِنْهُ مَجْهُولًا لَهُمَا) أَيْ: لِرَبِّ الدَّيْنِ وَالْمَدِينِ (أَوْ) كَانَ مَجْهُولًا (لِأَحَدِهِمَا وَسَوَاءٌ جَهِلَا قَدْرَهُ أَوْ) جَهِلَا (وَصْفَهُ أَوْ) جَهِلَا (هُمَا) أَيْ: الْقَدْرَ وَالْوَصْفَ، وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الْمَجْهُولِ (وَلَوْ لَمْ يَتَعَذَّرْ عِلْمُهُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَيَنْفُذُ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ كَالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ. (أَوْ) أَيْ: وَيَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ (لَمْ يَقْبَلْهُ الْمَدِينُ) لِأَنَّهُ إسْقَاطُ حَقٍّ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولٍ كَإِسْقَاطِ الْقِصَاصِ وَالشُّفْعَةِ (أَوْ رَدَّهُ) أَيْ: يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ وَلَوْ رَدَّهُ الْمَدِينُ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ بِالرَّدِّ لَلَزِمَ وُجُوبُ الِاسْتِيفَاءِ أَوْ إبْقَاءُ الْحَقِّ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ (أَوْ كَانَ) الْإِبْرَاءُ (قَبْلَ حُلُولِ الدَّيْنِ) لِأَنَّ تَأْجِيلَهُ لَا يَمْنَعُ ثُبُوتَهُ فِي الذِّمَّةِ. (وَإِنْ أَبْرَأَهُ وَنَحْوَهُ) بِأَنْ وَهَبَهُ لَهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ أَوْ تَرَكَهُ لَهُ (وَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْهِ) كَقَوْلِهِ أَبْرَأْتُكَ مِنْ مِائَةٍ يَعْتَقِدُ عَدَمَهَا (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ) كَانَ لَهُ (عَلَيْهِ) صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ لِمُصَادِفَتِهَا الْحَقَّ (كَمَا تَصِحُّ) الْبَرَاءَةُ (مِنْ الْمَعْلُومِ) وَكَذَا لَوْ أَبْرَأَ مِنْ دَيْنِ أَبِيهِ مَعَ ظَنِّ أَنَّهُ حَيٌّ فَبَانَ مَيِّتًا، كَبَيْعِ مَالِ مُوَرِّثِهِ الْمَيِّتِ مَعَ ظَنِّ الْحَيَاةِ (وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ) أَيْ: الْأَصْحَابِ (عُمُومُهُ) أَيْ: عُمُومُ صِحَّةِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ (فِي جَمِيعِ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ وَصَرَّحَ بِهِ فِي الْفُرُوعِ آخِرَ الْقَذْفِ، لَكِنْ لَوْ جَهِلَهُ رَبُّهُ)

стр. 1902

أَيْ: الدَّيْنَ. (وَعَلِمَهُ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَكَتَمَهُ) الْمَدِينُ عَنْ رَبِّ الدَّيْنِ (خَوْفًا مِنْ أَنَّهُ) أَيْ: رَبَّ الدَّيْنِ (لَوْ عَلِمَهُ) أَيْ: الدَّيْنَ (لَمْ يُبْرِئْهُ) أَيْ: رَبُّ الدَّيْنِ مِنْهُ (لَمْ تَصِحَّ الْبَرَاءَةُ) لِأَنَّ فِيهِ تَغْرِيرًا لِلْمُبْرِئِ وَقَدْ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَإِنْ أَبْرَأهُ) أَيْ: أَبْرَأَ رَبُّ الدَّيْنِ مَدِينًا (مِنْ دِرْهَمٍ إلَى أَلْفٍ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ (فِيهِ) أَيْ: الْأَلْفِ. (وَفِيمَا دُونَهُ) أَيْ: دُونَ الْأَلْفِ. (وَلَا يَصِحُّ الْإِبْرَاءُ مِنْ الدَّيْنِ قَبْلَ وُجُوبِهِ) لِقَوْلِهِ: ﷺ «لَا طَلَاقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ إلَّا فِيمَا تَمْلِكُ» وَالْإِبْرَاءُ فِي مَعْنَاهُمَا. (وَمِنْ صُوَرِ الْإِبْرَاءِ مِنْ الْمَجْهُولِ) لَوْ كَانَ لَهُ عَلَى إنْسَانٍ دَيْنَانِ، وَ (أَبْرَأَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا) لَا بِعَيْنِهِ (أَوْ) كَانَ لَهُ دَيْنَانِ عَلَى شَخْصَيْنِ، وَ (أَبْرَأَ أَحَدَهُمَا) لَا بِعَيْنِهِ (وَيُؤْخَذُ) أَيْ: يُرْجَعُ إلَى الْمُبْرِئِ (بِالْبَيَانِ) قَالَهُ الْحَلْوَانِيُّ وَالْحَارِثِيُّ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ (وَ) الْمَذْهَبُ (لَا يَصِحُّ) الْإِبْرَاءِ (مَعَ إبْهَامِ الْمَحَلِّ، كَأَبْرَأْتُ أَحَدَ غَرِيمَيَّ) أَوْ مِنْ أَحَدِ دَيْنَيَّ، كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُكَ أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ، أَوْ ضَمِنْتُ لَكَ أَحَدَ الدَّيْنَيْنِ. (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ فِي ذِمَّتِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي وُجُودَ مُعَيَّنٍ وَهُوَ مُنْتَفٍ هُنَا (وَتَقَدَّمَ آخِرَ السَّلَمِ) . (وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمُشَاعِ مِنْ شَرِيكِهِ وَمِنْ غَيْرِهِ مَنْقُولًا كَانَ) كَجُزْءٍ مِنْ نَحْوِ فَرَسٍ (أَوْ غَيْرِهِ) كَجُزْءٍ مِنْ عَقَارٍ (يَنْقَسِمُ) كَالثَّوْبِ (أَوْ لَا) كَالْعَبْدِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا يَطْلُبُونَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ مَا غَنِمَ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ فَهُوَ لَكُمْ» . (وَإِنْ وَهَبَ) أَرْضًا (أَوْ تَصَدَّقَ) بِأَرْضٍ (أَوْ وَقَفَ) أَرْضًا (أَوْ وَصَّى بِأَرْضٍ) يَعْنِي بِجُزْءٍ مِنْهَا (أَوْ بَاعَهَا احْتَاجَ أَنْ يَحُدَّهَا مَالِكُهَا) بِأَنْ يَقُولَ كَذَا سَهْمًا مِنْ كَذَا سَهْمًا لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَة صَالِحٍ: وَسَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ بَيْتٌ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ فَتَصَدَّقَ أَحَدُهُمْ عَلَى بَعْضِهِمْ بِحِصَّتِهِ مُشَاعًا غَيْرَ مَقْسُومٍ هَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ قَالَ إذَا كَانَ سَهْمٌ مِنْ كَذَا وَكَذَا سَهْمًا فَهُوَ جَائِزٌ فَإِنْ قَالَ ثُلُثُهَا أَوْ نَحْوُهُ صَحَّ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَسُئِلَ عَمَّنْ يَهَبُ لِرَجُلٍ رُبُعَ دَارِهِ قَالَ: هُوَ جَائِزٌ وَأَيْضًا قِيلَ لَهُ: وَهَبْتُ مِنْكَ نَصِيبِي مِنْ الدَّارِ قَالَ إنْ كَانَ يَعْلَمُ كَمْ نَصِيبَهُ فَهُوَ جَائِزٌ. (وَيُعْتَبَرُ لِقَبْضِهِ) أَيْ: الْمُشَاعِ إنْ كَانَ مَنْقُولًا (إذْنُ الشَّرِيكِ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ قَبْضُهُ إلَّا بِقَبْضِ نَصِيبِ شَرِيكِهِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِجَوَازِ الْقَبْضِ لَا لِلُزُومِ الْهِبَةِ فَتَلْزَمُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ شَرِيكُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ (وَتَقَدَّمَ آخِرَ الْخِيَارِ فِي الْبَيْعِ) مُفَصَّلًا. (وَيَكُونُ نِصْفُهُ) أَيْ: الْقَابِضِ (مَقْبُوضًا تَمَلُّكًا وَنِصْفُ الشَّرِيكِ) مَقْبُوضًا (أَمَانَةً) هَذَا إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ فِي نِصْفِهِ وَلَوْ عَبَّرَ بِنَصِيبِهِ لَكَانَ أَوْضَحَ فَإِنْ أَبَى

стр. 1903

الشَّرِيكُ أَنْ يُسَلِّمَ نَصِيبَهُ قِيلَ لِلْمُتَّهَبِ: وَكِّلْ الشَّرِيكَ فِي قَبْضِهِ لَكَ وَنَقْلِهِ فَإِنْ أَبَى نَصَّبَ الْحَاكِمُ مَنْ يَكُونُ فِي يَدِهِ لَهُمَا فَيَنْقُلُهُ فَيَحْصُلُ الْقَبْضُ لِأَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الشَّرِيكِ فِي ذَلِكَ. (وَإِنْ أَذِنَ) شَرِيكُهُ (لَهُ فِي التَّصَرُّفِ) أَيْ: الِانْتِفَاعِ (مَجَّانًا فَكَعَارِيَّةٍ) فِي ضَمَانِهِ إذَا تَلِفَ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ (وَإِنْ كَانَ) أَذِنَ لَهُ فِي التَّصَرُّفِ (بِأُجْرَةٍ فَ) إنَّ شِقْصَهُ يَكُونُ فِي يَدِ الْقَابِضِ أَمَانَةً (كَمَأْجُورٍ) فَلَا ضَمَانَ فِيهِ إنْ تَلِفَ بِلَا تَعَدٍّ وَلَا تَفْرِيطٍ وَلَوْ كَانَتْ الْأُجْرَةُ مَجْهُولَةً كَأَنْ اسْتَعْمَلَهُ وَأَنْفَقَ عَلَيْهِ مَثَلًا بِقَصْدِ الْمُعَاوَضَةِ لِأَنَّ فَاسِدَ الْعُقُودِ كَصَحِيحِهَا فِي الضَّمَانِ وَعَدَمِهِ وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ تَصَرَّفَ) الشَّرِيكُ (بِلَا إذْنِ) شَرِيكِهِ (وَالْإِجَارَةُ) فَكَغَاصِبٍ (أَوْ قَبَضَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الشَّرِيكِ فَكَغَاصِبٍ) لِأَنَّ يَدَهُ عَادِيَةٌ. (وَتَصِحُّ هِبَةُ مُصْحَفٍ) وَإِنْ قِيلَ بِمَنْعِ بَيْعِهِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. (وَ) هِبَةُ (كُلِّ مَا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَقَطْ) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ فَصَحَّتْ فِيمَا صَحَّ فِيهِ الْبَيْعُ وَمَا لَا يَصِحُّ بَيْعُهُ لَا تَصِحُّ هِبَتُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ اخْتَارَهُ الْقَاضِي وَقَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَاخْتَارَ جَمْعٌ وَكَلْبٌ) أَيْ: تَصِحُّ هِبَتُهُ جَزَمَ بِهِ فِي الْمُغْنِي وَالْكَافِي (وَنَجَاسَةٌ مُبَاحٌ نَفْعُهُمَا) أَيْ: الْكَلْبِ وَالنَّجَاسَةِ جَزَمَ بِهِ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ أَشْبَهَ الْوَصِيَّةَ بِهِ قَالَ فِي الْقَاعِدَة السَّابِعَةِ وَالثَّمَانِينَ وَلَيْسَ بَيْنَ الْقَاضِي وَصَاحِبِ الْمُغْنِي خِلَافٌ فِي الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ نَقْلَ الْيَدِ فِي هَذِهِ الْأَعْيَانِ جَائِزٌ كَالْوَصِيَّةِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ. (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ مَجْهُولٍ لَا يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَالْحَمْلِ فِي الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ، وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ) لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ (وَمَتَى أَذِنَ) رَبُّ شَاةٍ (لَهُ) أَيْ: لِإِنْسَانٍ (فِي جَزِّ الصُّوفِ وَحَلْبِ الشَّاةِ كَانَ إبَاحَةً) لِصُوفِهَا وَلَبَنِهَا لَا هِبَةً. (وَإِنْ وَهَبَ دُهْنَ سِمْسِمِهِ) وَهُوَ الشَّيْرَجَ قَبْلَ عَصْرِهِ (أَوْ زَيْتَ زَيْتُونِهِ أَوْ جِفْتِهِ قَبْلَ عَصْرِهِمَا) أَيْ: الزَّيْتُونِ وَالسِّمْسِمِ (لَمْ يَصِحَّ) كَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَأَوْلَى لِكُلْفَةِ الِاعْتِصَارِ وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذَا الْكِيسِ مَا شِئْتَ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَا بِهِ جَمِيعًا. (وَلَوْ قَالَ خُذْ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ مَا شِئْتَ لَمْ يَمْلِكْ أَخْذَهَا كُلَّهَا) إذْ الْكِيسُ ظَرْفٌ فَإِذَا أَخَذَ الظَّرْفَ حَسُنَ أَنْ يُقَالَ أَخَذَ مِنْ الْكِيسِ مَا فِيهِ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يُقَالَ أَخَذْتُ مِنْ الدَّرَاهِمِ كُلِّهَا قَالَهُ ابْنُ الصَّيْرَفِيِّ فِي النَّوَادِرِ (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ الْمَعْدُومِ كَاَلَّذِي تَحْمِلُ أَمَتُهُ أَوْ شَجَرَتُهُ) لِأَنَّ الْمَعْدُومَ لَيْسَ بِشَيْءٍ فَلَا يُقْبَلُ الْعَقْدُ (فَإِنْ تَعَذَّرَ عِلْمُ الْمَجْهُولِ) كَزَيْتٍ اخْتَلَطَ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ (صَحَّتْ هِبَةٌ كَصُلْحٍ) عَنْهُ لِلْحَاجَةِ. (وَلَا) تَصِحُّ (هِبَةُ مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ) كَآبِقٍ، وَشَارِدٍ، وَطَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ، وَسَمَكٍ بِمَاءٍ، وَمَرْهُونٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَأَهَّلُ لِلْقَبْضِ، وَالْقَبْضُ مِنْ مَاهِيَّةِ الْعَقْدِ فَلَا يَقَعُ الْعَقْدُ عَلَيْهِ وَالْمَرْهُونُ

стр. 1904

يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُهُ شَرْعًا. (وَ) لَا يَصِحُّ (تَعْلِيقُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ) كَإِذَا جَاءَ رَأْسُ الشَّهْرِ أَوْ قَدِمَ فُلَانٌ فَقَدْ وَهَبْتُكَ كَذَا قِيَاسًا عَلَى الْبَيْعِ وَقَوْلُهُ ﷺ لِأُمِّ سَلَمَةَ فِي الْحُلَّةِ الْمُهْدَاةِ إلَى النَّجَاشِيِّ: «إنْ رَجَعَتْ إلَيْنَا فَهِيَ لَكِ» قَالَ الْمُوَفَّقُ عَلَى مَعْنَى الْعِدَةِ وَخَرَجَ بِالْمُسْتَقْبَلِ الْمَاضِي وَالْحَالِ فَلَا يَمْنَعُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهِ الصِّحَّةَ كَأَنْ كَانَتْ مِلْكِي وَنَحْوَهُ فَقَدْ وَهَبْتُكَهَا فَتَصِحُّ (غَيْرِ الْمَوْتِ) فَيَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعَطِيَّةِ بِهِ وَتَكُونُ وَصِيَّةً، وَكَالْهِبَةِ الْإِبْرَاءُ فَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُهُ عَلَى شَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ غَيْرِ الْمَوْتِ (نَحْوِ إنْ مِتَّ بِفَتْحِ التَّاءِ فَأَنْتَ فِي حِلٍّ) فَلَا يَبْرَأُ (فَإِنْ ضَمَّ التَّاءَ صَحَّ) الْإِبْرَاءُ عِنْدَ وُجُودِ شَرْطِهِ. (وَكَانَ) الْإِبْرَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ (وَصِيَّةً) لِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْوَصِيَّةِ. (وَلَا) يَصِحُّ أَيْضًا (شَرْطُ مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (نَحْوَ) اشْتِرَاطِ الْوَاهِبِ عَلَى الْمُتَّهَبِ (أَنْ لَا يَبِيعَهَا) أَيْ: الْعَيْنَ الْمَوْهُوبَةَ (وَلَا يَهَبَهَا) وَأَنْ لَا يَنْتَفِعَ بِهَا (أَوْ) وَهَبَهُ عَيْنًا، وَ (يَشْرِطُ أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ يَهَبَهَا) فَلَا يَصِحُّ الشَّرْطُ إذْ مُقْتَضَى الْمِلْكِ التَّصَرُّفُ الْمُطْلَقُ فَالْحَجْرُ فِيهِ مُنَافٍ لِمُقْتَضَاهُ وَقَوْلُهُ (أَوْ) يَهَبُهُ شَيْئًا بِشَرْطِ (أَنْ يَهَبَ فُلَانًا شَيْئًا) تَبِعَ فِيهِ الْمُبْدِعَ وَغَيْرَهُ قُلْتُ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ بُطْلَانُ الْهِبَةِ فِيهِ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ بَيْعَتَيْنِ فِي بَيْعَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ (وَتَصِحُّ هِيَ) أَيْ: الْهِبَةُ الْمَشْرُوطُ فِيهَا مَا يُنَافِي مُقْتَضَاهَا كَالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي الْبَيْعِ. (وَلَا يَصِحُّ تَوْقِيتُهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (كَقَوْلِهِ: وَهَبْتُكَ هَذَا سَنَةً) أَوْ شَهْرًا فَلَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَمْلِيكُ عَيْنٍ فَلَا تُوَقَّتَ كَالْبَيْعِ (إلَّا الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى) فَيَصِحَّانِ. (وَهُمَا نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْهِبَةِ يَفْتَقِرَانِ إلَى مَا تَفْتَقِرُ إلَيْهِ سَائِرُ الْهِبَاتِ) مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْقَبْضِ وَيَصِحُّ تَوْقِيتُهَا سُمِّيَتْ عُمْرَى لِتَقْيِيدِهَا بِالْعُمُرِ وَسُمِّيَتْ رُقْبَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ: يُقَالُ: أَعَمَرْتُهُ وَعَمَّرْتُهُ مُشَدَّدًا إذَا جَعَلْتُ لَهُ الدَّارَ مُدَّةَ عُمُرِهِ أَوْ عُمُرِكَ (كَقَوْلِهِ أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْفَرَسَ أَوْ) أَعْمَرْتُكَ هَذِهِ (الْجَارِيَةَ أَوْ أَرْقَبْتُكَهَا) قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ: أَرْقَبْتُكَ أَعْطَيْتُكَ وَهِيَ هِبَةٌ تَرْجِعُ إلَى الْمُرْقِبِ إنْ مَاتَ الْمَرْقَبُ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهُ (أَوْ جَعَلْتُهَا) أَيْ: الدَّارَ أَوْ الْفَرَسَ أَوْ الْجَارِيَةَ (لَكَ عُمُرَكَ أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (عُمُرِي أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (رُقْبَى أَوْ) جَعَلْتُهَا لَكَ (مَا بَقِيتُ أَوْ أَعْطَيْتُكَهَا عُمُرَكَ وَيَقْبَلُهَا) الْمَوْهُوبُ لَهُ (فَتَصِحُّ) الْهِبَةُ فِي جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ أَمْثِلَةُ الْعُمْرَى (وَتَكُونُ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ (لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيمِ) وَلِلْمُرْقَبِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ (إنْ كَانُوا) كَتَصْرِيحِهِ بِأَنْ يَقُولَ هِيَ لَكَ وَلِعَقِبِكَ مِنْ بَعْدِكَ (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ. (وَرَثَةٌ فَلِبَيْتِ الْمَالِ) كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ الْمُتَخَلِّفَةِ لِقَوْلِهِ ﷺ -

стр. 1905

: «أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَمْوَالَكُمْ وَلَا تُفْسِدُوهَا فَإِنَّهُ مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَلِعَقِبِهِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ جَابِرٍ «قَضَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ» ) وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ. وَخَرَّجَ مُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ الْعُمْرَى مِيرَاثٌ لِأَهْلِهَا وَقَوْلُهُ ﵊ «لَا تُعْمِرُوا وَلَا تُرْقِبُوا فَمَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهِيَ لِلَّذِي أَعْمَرَهَا حَيًّا وَمَيِّتًا وَعَقِبِهِ» إنَّمَا وَرَدَ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْلَامِ لَهُمْ بِنُفُوذِهَا بِدَلِيلِ السِّيَاقِ وَيُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَلَوْ أُرِيدَ بِهِ حَقِيقَةُ النَّهْيِ لَمْ يَمْنَعْ الصِّحَّةَ لِأَنَّ الضَّرَرَ فِيهَا عَلَى فَاعِلِهَا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْهُ لَا يَقْتَضِي فَسَادًا كَالطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ. (وَإِنْ أَضَافَهَا) أَيْ: الْهِبَةَ (إلَى عُمُرِ غَيْرِهِ) بِأَنْ قَالَ وَهَبْتُكَ الدَّارَ وَنَحْوَهَا عُمُرَ زَيْدٍ (لَمْ تَصِحَّ) الْهِبَةُ لِأَنَّهَا مُؤَقَّتَةٌ وَلَيْسَتْ مِنْ الْعُمْرَى وَلَا الرُّقْبَى. (وَنَصُّهُ لَا يَطَأُ) الْمَوْهُوبَ لَهُ (الْجَارِيَةَ الْمُعْمَرَةَ) نَقَلَ يَعْقُوبُ وَابْنُ هَانِئٍ مَنْ يَعْمُرُ الْجَارِيَةَ أَنْ يَطَأَ قَالَ لَا أَرَاهُ (وَحَمَلَ) الْقَاضِي النَّصَّ الْمَذْكُورَ (عَلَى الْوَرَعِ) لِأَنَّ الْوَطْءَ اسْتِبَاحَةُ فَرْجٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي صِحَّةِ الْعُمْرَى وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ تَمْلِيكَ الْمَنَافِعِ فَلَمْ يَرَ الْإِمَامُ لَهُ وَطْأَهَا لَهَذَا وَبَعَّدَ ابْنُ رَجَبٍ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ بِالْعُمْرَى، قَاصِرٌ وَلِهَذَا نَقُولُ عَلَى رِوَايَةٍ إذَا شَرَطَ عَوْدَهَا إلَيْهِ بَعْدَهُ صَحَّ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مُؤَقَّتًا. (وَإِنْ شَرَطَ) وَاهِبٌ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (بِلَفْظِ الْأَقَارِبِ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْمُعْمِرِ بِكَسْرِ الْمِيمِ) أَيْ: الْوَاهِبِ (عِنْدَ مَوْتِهِ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَ الْهِبَةِ إلَيْهِ (إنْ مَاتَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (قَبْلَهُ أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ رُجُوعَهَا (إلَى غَيْرِهِ) إنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْلَهُ نَحْوُ أَنْ يَقُولَ وَهَبْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ هِيَ لَكَ عُمُرَكَ عَلَى أَنَّكَ إنْ مِتَّ قَبْلِي عَادَتْ إلَى وَلَدِي فُلَانٍ وَإِنْ مِتُّ أَوْ مَاتَ قَبْلَكَ اسْتَقَرَّتْ عَلَيْكَ (فَهِيَ الرُّقْبَى) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ (أَوْ) شَرَطَ الْوَاهِبُ (رُجُوعَهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (مُطْلَقًا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمَوْتٍ أَوْ غَيْرِهِ إلَى الْوَاهِبِ (أَوْ إلَى وَرَثَتِهِ أَوْ قَالَ) الْوَاهِبُ (هِيَ) أَيْ: هَذِهِ الدَّارُ أَوْ الْأَمَةُ وَنَحْوُهَا (لِآخِرِنَا مَوْتًا صَحَّ الْعَقْدُ دُونَ الشَّرْطِ، وَ) مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الْعَيْنَ (تَكُونُ لِلْمُعْمَرِ بِفَتْحِ الْمِيم وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ) . فَإِنْ لَمْ يَكُونُوا فَلِبَيْتِ الْمَالِ (كَالْأَوَّلِ) أَيْ: كَالْمَذْكُورِ أَوَّلًا مِنْ صُوَرِ الْعُمْرَى (وَلَا تَرْجِعُ) الْعَيْنُ (إلَى الْمُعْمِرِ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَ) لَا إلَى (الْمُرْقِبِ) بِكَسْرِ الْقَافِ لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَا تُرْقِبُوا وَلَا تُعْمِرُوا فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» قَالَ الْحَارِثِيُّ: وَالسَّنَدُ صَحِيحٌ بِلَا

стр. 1906

إشْكَالٍ وَخَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَرَوَى أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ طُرُقٍ مُخْتَلِفَةٍ فَهَذِهِ نُصُوصٌ تَدُلُّ عَلَى مِلْكِ الْمُعْمَرِ وَالْمَرْقَبِ مَعَ بُطْلَانِ شَرْطِ الْعَوْدِ لِأَنَّهُ إذَا مَلَكَ الْعَيْنَ لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهُ بِالشَّرْطِ وَلِأَنَّهُ شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَصَحَّ وَبَطَلَ الشَّرْطُ كَشَرْطِهِ فِي الْبَيْعِ أَنْ لَا يَبِيعَ وَلَوْ جَعَلَ اثْنَانِ كُلٌّ مِنْهُمَا دَارِهِ لِلْآخَرِ عَلَى أَنَّهُ إنْ مَاتَ قَبْلَهُ عَادَتْ إلَيْهِ فَرُقْبَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ. (وَلَا يَصِحُّ إعْمَارُ الْمَنْفَعَةِ وَلَا إرْقَابُهُمَا فَلَوْ قَالَ) رَبُّ دَارٍ (سُكْنَى هَذِهِ الدَّارِ لَكَ عُمُرَكَ أَوْ) قَالَ (غَلَّةُ هَذَا الْبُسْتَانِ) لَكَ عُمُرَكَ (أَوْ) قَالَ (خِدْمَةُ هَذَا الْعَبْدِ) لَكَ عُمُرَكَ (أَوْ) قَالَ (مَنَحْتُكَ) أَيْ: مَا ذَكَرَ مِنْ الدَّارِ أَوْ الْبُسْتَانِ أَوْ الْعَبْدِ وَنَحْوِهِ (عُمُرَكَ فَعَارِيَّةٌ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَتَى شَاءَ فِي حَيَاتِهِ) أَيْ: الْمَمْنُوحِ (وَبَعْدَ مَوْتِهِ) لِأَنَّهَا هِبَةُ مَنْفَعَةٍ (وَيَصِحُّ إعْمَارُ مَنْقُولٍ، وَ) يَصِحُّ أَيْضًا (إرْقَابُهُ مِنْ حَيَوَانٍ كَعَبْدٍ وَجَارِيَةٍ وَنَحْوِهِمَا) كَبَعِيرٍ وَشَاةٍ. (وَ) مِنْ (غَيْرِ حَيَوَانٍ) كَثَوْبٍ وَكِتَابٍ لِعُمُومِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ : «فَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ لِوَرَثَتِهِ» . [فَصْلٌ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْهِبَةِ] (فَصْلٌ فِي التَّعْدِيلِ بَيْنَ الْوَرَثَةِ فِي الْهِبَةِ) (وَيَجِبُ عَلَى الْأَبِ، وَ) عَلَى (الْأُمِّ وَعَلَى غَيْرِهِمَا) مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ (التَّعْدِيلُ بَيْنَ مَنْ يَرِثُ بِقَرَابَةٍ مِنْ وَلَدٍ وَغَيْرِهِ) كَأَبٍ وَأُمٍّ وَأَخٍ وَابْنِهِ وَعَمٍّ وَابْنِهِ (فِي عَطِيَّتِهِمْ) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ «قَالَتْ امْرَأَةُ بَشِيرٍ لِبَشِيرٍ أُعْطِ ابْنِي غُلَامًا وَأَشْهِدْ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: إنَّ ابْنَةَ فُلَانٍ سَأَلَتْنِي أَنْ أَنْحَلَ ابْنَهَا غُلَامِي قَالَ: لَهُ إخْوَةٌ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: كُلُّهُمْ أَعْطَيْتَ مِثْلَ مَا أَعْطَيْتَهُ؟ قَالَ: لَا قَالَ: فَلَيْسَ يَصْلُحُ هَذَا وَإِنِّي لَا أَشْهَدُ إلَّا عَلَى حَقٍّ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَقَالَ فِيهِ «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ إنَّ لِبَنِيكَ عَلَيْكَ مِنْ الْحَقِّ أَنْ تَعْدِلَ بَيْنَهُمْ» . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ فَرَجَعَ أَبِي فِي تِلْكَ الصَّدَقَةِ» وَلِلْبُخَارِيِّ مِثْلُهُ لَكِنْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْعَطِيَّةِ فَأَمَرَ بِالْعَدْلِ بَيْنَهُمْ وَسَمَّى تَخْصِيصَ أَحَدِهِمْ دُونَ الْبَاقِينَ جَوْرًا وَالْجَوْرُ حَرَامٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَمْرَهُ بِالْعَدْلِ لِلْوُجُوبِ وَقِيسَ عَلَى الْأَوْلَادِ بَاقِي الْأَقَارِبِ بِجَامِعِ الْقَرَابَةِ

стр. 1907

وَخَرَجَ مِنْهُ الزَّوْجَاتُ وَالْمَوَالِي فَلَا يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ فِي الْهِبَةِ، وَ (لَا) يَجِبُ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمْ (فِي شَيْءٍ تَافِهٍ) لِأَنَّهُ يُتَسَامَحُ بِهِ فَلَا يَحْصُلُ التَّأَثُّرُ، وَالتَّعْدِيلُ الْوَاجِبُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ (بِقَدْرِ إرْثِهِمْ مِنْهُ) اقْتِدَاءً بِقِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيَاسًا لِحَالَةِ الْحَيَاةِ عَلَى حَالِ الْمَوْتِ قَالَ عَطَاءٌ: " فَمَا كَانُوا يَقْسِمُونَ إلَّا عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ". فَائِدَةٌ. نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ وَحَنْبَلٍ فِيمَنْ لَهُ أَوْلَادٌ زَوَّجَ بَعْضَ بَنَاتِهِ فَجَهَّزَهَا وَأَعْطَاهَا قَالَ يُعْطِي جَمِيعَ وَلَدِهِ مِثْلَ مَا أَعْطَاهَا وَعَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ لَهُ وَلَدٌ يُزَوِّجُ الْكَبِيرَ وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ وَيُعْطِيهِ قَالَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمْ كُلَّهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ أَوْ يَمْنَحَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَوَى عَنْهُ الْمَرُّوذِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَى ذَلِكَ أَيْضًا وَقَدْ اسْتَوْعَبَهَا الْحَارِثِيُّ ﵀ (إلَّا فِي نَفَقَةٍ وَكِسْوَةٍ فَتَجِبُ الْكِفَايَةُ) دُونَ التَّعْدِيلِ وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَضِّلَ أَحَدًا مِنْ وَلَدِهِ فِي طَعَامٍ وَغَيْرِهِ. قَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ التَّسْوِيَةَ بَيْنَهُمْ حَتَّى فِي الْقُبَلِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: فَدَخَلَ فِيهِ نَظَرُ وَقْفٍ. (قَالَ الشَّيْخُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَوْلَادِ الذِّمَّةِ) أَيْ: الذِّمِّيِّينَ (انْتَهَى) وَكَلَامُ غَيْرِهِ لَا يُخَالِفُهُ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ وَارِثِينَ مِنْهُ (وَلَهُ) أَيْ: لِمَنْ ذَكَرَ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ وَغَيْرِهِمَا (التَّخْصِيصُ) لِبَعْضِ أَقَارِبِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ (بِإِذْنِ الْبَاقِي) مِنْهُمْ لِأَنَّ الْعِلَّةَ فِي تَحْرِيمِ التَّخْصِيصِ كَوْنُهُ يُوَرِّثُ الْعَدَاوَةَ وَقَطِيعَةَ الرَّحِمِ وَهِيَ مُنْتَفِيَةٌ مَعَ الْإِذْنِ (فَإِنْ خَصَّ بَعْضَهُمْ) بِالْعَطِيَّةِ (أَوْ فَضَّلَهُ) فِي الْإِعْطَاءِ (بِلَا إذْنِ) الْبَاقِي (أَثِمَ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَعَلَيْهِ الرُّجُوعُ) فِيمَا خَصَّ أَوْ فَضَلَ بِهِ حَيْثُ أَمْكَنَ (أَوْ إعْطَاءُ الْآخَرِ وَلَوْ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) الْمَخُوفِ (حَتَّى يَسْتَوُوا) بِمَنْ خَصَّهُ أَوْ فَضَّلَهُ. قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى الْفَوْرِ (كَمَا لَوْ زَوَّجَ أَحَدَ بَنِيهِ فِي صِحَّتِهِ وَأَدَّى عَنْهُ الصَّدَاقَ ثُمَّ مَرِضَ الْأَبُ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (فَإِنَّهُ يُعْطِي ابْنَهُ الْآخَرَ كَمَا أَعْطَى الْأَوَّلَ) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُمْكِنُ الرُّجُوعُ هُنَا لِأَنَّ الزَّوْجَةَ مَلَكَتْ الصَّدَاقَ بِالْعَقْدِ. (وَلَا يُحْسَبُ) مَا يُعْطِيهِ الْأَبُ لِابْنِهِ الثَّانِي (مِنْ الثُّلُثِ) مَعَ أَنَّهُ عَطِيَّةٌ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ (لِأَنَّهُ تَدَارُكٌ لِلْوَاجِبِ أَشْبَهَ قَضَاءَ الدَّيْنِ) وَيَجُوزُ لِلْأَبِ تَمَلُّكُ مَا يُعْطِيهِ لِلتَّسْوِيَةِ بِلَا حِيلَةٍ قَدَّمَهُ الْحَارِثِيُّ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ. وَنَقَلَ ابْنُ هَانِئٍ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ شَيْئًا (وَإِنْ مَاتَ) الْمُخَصِّصُ أَوْ الْمُفَضِّلُ (قَبْلَ التَّسْوِيَةِ) بَيْنَ وَرَثَتِهِ (ثَبَتَ) أَيْ: اسْتَقَرَّ الْمِلْكُ (لِلْمُعْطَى) فَلَا يُشَارِكُهُ فِيهِ بَقِيَّةُ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لِذِي رَحِمٍ فَلَزِمَتْ بِالْمَوْتِ كَمَا لَوْ انْفَرَدَ (مَا لَمْ تَكُنْ الْعَطِيَّةُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ) الْمَخُوفِ، فَحُكْمُهَا كَالْوَصِيَّةِ وَيَأْتِي

стр. 1908

(وَالتَّسْوِيَةُ هُنَا) بَيْنَ الْأَوْلَادِ وَالْإِخْوَةِ لِغَيْرِ أُمٍّ وَنَحْوِهِمْ (الْقِسْمَةُ لِلذِّكْرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ بِقَدْرِ إرْثِهِمْ وَهُوَ أَوْضَحُ مِنْ هَذَا (وَالرُّجُوعُ الْمَذْكُورُ) أَيْ: رُجُوعُ الْمُخَصِّصِ أَوْ الْمُفَضِّلِ بَعْدَ الْقَبْضِ (يَخْتَصُّ بِالْأَبِ دُونَ الْأُمِّ وَغَيْرِهَا) كَالْجَدِّ وَالِابْنِ وَالْإِخْوَةِ وَالْأَعْمَامِ. (وَتَحْرُمُ الشَّهَادَةُ عَلَى التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً وَلَوْ) كَانَ الْأَدَاءُ (بَعْدَ مَوْتِ الْمُخَصِّصِ وَالْمُفَضِّلِ إذَا عَلِمَ) الشَّاهِدُ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّفْضِيلِ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ: «لَا تُشْهِدْنِي عَلَى جَوْرٍ» فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ وَرَدَ بِلَفْظِ فَأَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي وَهُوَ أَمْرٌ، وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ الِاسْتِحْبَابُ فَكَيْفَ تَحْرُمُ الشَّهَادَةُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ تَهْدِيدٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠] وَلَوْ لَمْ يَفْهَمْ هَذَا الْمَعْنَى بَشِيرٌ لَبَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ وَلَمْ يَرُدَّ الْعَطِيَّةَ. (وَكَذَا كُلُّ عَقْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَاسِدٌ عِنْدَ الشَّاهِدِ) كَنِكَاحٍ بِلَا وَلِيٍّ وَبَيْعِ غَيْرِ مَلِيءٍ وَلَا مَوْصُوفٍ وَنَحْوِهِ إنْ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ مَنْ يَرَاهُ حَرُمَ عَلَى الْحَنْبَلِيِّ أَنْ يَشْهَدَ بِهِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءً قِيَاسًا عَلَى مَا سَبَقَ. (وَتُكْرَهُ) الشَّهَادَةُ (عَلَى عَقْدِ نِكَاحٍ) مِنْ (مُحْرِمٍ بِنُسُكٍ) حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَالْمُرَادُ إذَا كَانَ النِّكَاحُ صَحِيحًا بِأَنْ كَانَ الزَّوْجَانِ وَالْوَلِيُّ حَلَالًا وَإِلَّا حُرِّمَتْ الشَّهَادَةُ لِأَنَّ النِّكَاحَ فَاسِدٌ (وَتَقَدَّمَ فِي مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا وَلَا فَرْقَ فِي امْتِنَاعِ التَّخْصِيصِ وَالتَّفْضِيلِ بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ ذَا حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمَى أَوْ عِيَالٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ عِلْمٍ أَوْ لَا، وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْبَعْضِ الْآخَرِ فَاسِقًا، أَوْ مُبْتَدِعًا، أَوْ مُبَذِّرًا أَوْ لَا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ يُوسُفَ بْنِ مُوسَى. فِي الرَّجُلِ لَهُ الْوَلَدُ الْبَارُّ الصَّالِحُ وَآخَرُ غَيْرُ بَارٍّ لَا يُنِيلُ الْبَارَّ دُونَ الْآخَرِ (وَقِيلَ إنْ أَعْطَاهُ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ أَوْ زَمَانَةٍ أَوْ عَمًى أَوْ كَثْرَةِ عَائِلَةٍ أَوْ لِاشْتِغَالِهِ بِالْعِلْمِ وَنَحْوِهِ) كَصَلَاحِهِ (أَوْ مَنَعَ بَعْضَ وَلَدِهِ لِفِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ لِكَوْنِهِ يَعْصِي اللَّهَ بِمَا يَأْخُذُهُ وَنَحْوِهِ جَازَ التَّخْصِيصُ) وَالتَّفْضِيلُ بِالْأَوْلَى (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ) اسْتِدْلَالًا بِتَخْصِيصِ الصِّدِّيقِ عَائِشَةَ ﵄ وَلَيْسَ إلَّا لِامْتِيَازِهَا بِالْفَضْلِ وَلَنَا عُمُومُ الْأَمْرِ بِالتَّسْوِيَةِ وَفِعْلُ الصِّدِّيقِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ نَحَلَ مَعَهَا غَيْرَهَا، أَوْ أَنَّهُ نَحَلَهَا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَنْحَلَ غَيْرَهَا فَأَدْرَكَهُ الْمَرَضُ وَنَحْوُهُ. (وَلَا يُكْرَهُ) لِلْإِنْسَانِ (قَسْمُ مَالِهِ بَيْنَ وُرَّاثِهِ) عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى (وَلَوْ أَمْكَنَ أَنْ يُولَدَ لَهُ) لِأَنَّهَا قِسْمَةٌ لَيْسَ فِيهَا جَوْرٌ فَجَازَتْ فِي جَمِيعِ مَالِهِ كَبَعْضِهِ (فَإِنْ حَدَثَ لَهُ وَارِثٌ) بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ (سَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ) بِمَا تَقَدَّمَ (وُجُوبًا) لِيَحْصُلَ التَّعْدِيلُ. (وَإِنْ وُلِدَ لَهُ) أَيْ: لِمَنْ

стр. 1909

قَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ وُرَّاثِهِ فِي حَيَاتِهِ (وَلَدٌ بَعْدَ مَوْتِهِ اُسْتُحِبَّ لِلْمُعْطِي أَنْ يُسَاوِيَ الْمَوْلُودَ الْحَادِثَ بَعْدَ أَبِيهِ) لِمَا فِيهِ مِنْ الصِّلَةِ وَإِزَالَةِ الشَّحْنَاءِ. (وَيُسْتَحَبُّ) لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقِفَ شَيْئًا عَلَى أَوْلَادِهِ أَوْ غَيْرِهِمْ مِنْ أَقَارِبِهِ (التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ فِي الْوَقْفِ) بِأَنْ لَا يُفَضِّلَ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى (وَتَقَدَّمَ) ذَلِكَ (فِي بَابِ الْوَقْفِ) مُوَضَّحًا. (وَإِنْ وَقَفَ) شَخْصٌ (ثُلُثَهُ) فَأَقَلَّ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (عَلَى بَعْضِ وُرَّاثِهِ) جَازَ (أَوْ وَصَّى بِوَقْفِهِ) أَيْ: الثُّلُثِ (عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى بَعْضِ وُرَّاثِهِ (جَازَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْمَيْمُونِيُّ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَقِفَ فِي مَرَضِهِ عَلَى وَرَثَتِهِ فَقِيلَ لَهُ أَلَيْسَ تَذْهَبُ أَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ فَقَالَ نَعَمْ وَالْوَقْفُ غَيْرُ الْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ لَا يُبَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يَصِيرُ مِلْكًا لِلْوَرَثَةِ أَيْ: مِلْكًا طَلْقًا. وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بِحَدِيثِ عُمَرَ ﵁ حَيْثُ قَالَ " هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ عَبْدُ اللَّهِ عُمَرُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إنْ حَدَثَ بِهِ حَدَثٌ أَنَّ تَمْغًا صَدَقَةٌ وَالْعَبْدَ الَّذِي فِيهِ، وَالسَّهْمُ الَّذِي بِخَيْبَرَ، رَقِيقَهُ، وَالْمِائَةُ وَسْقٍ الَّذِي أَطْعَمَنِي مُحَمَّدٌ ﷺ تَلِيهِ حَفْصَةُ مَا عَاشَتْ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا لَا يُبَاعَ وَلَا يُشْتَرَى، تُنْفِقُهُ حَيْثُ تَرَى مِنْ السَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ وَذَوِي الْقُرْبَى، وَلَا حَرَجَ عَلَى مَنْ وَلِيَهُ إنْ أَكَلَ أَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا مِنْهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا (وَيَجْرِي) الْوَقْفُ عَلَى وَرَثَتِهِ (مَجْرَى الْوَصِيَّةِ) فِي أَنَّهُ يَنْفُذُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ كَالْوَصِيَّةِ بِهِ لَا فِي تَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ. (وَلَا يَصِحُّ وَقْفُ مَرِيضٍ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (عَلَى أَجْنَبِيٍّ) بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ (أَوْ) عَلَى (وَارِثٍ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ) أَيْ: ثُلُثِ مَالِهِ كَالْعَطِيَّةِ فِي الْمَرَضِ، وَالْوَصِيَّةِ قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَلَوْ حِيلَةً كَعَلَيَّ نَفْسُهُ ثُمَّ عَلَيْهِ انْتَهَى لِأَنَّ الْحِيَلَ غَيْرُ جَائِزَةٍ إذَا كَانَتْ وَسِيلَةَ الْمُحَرَّمِ. (وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَوْ صَدَقَةً وَهَدِيَّةً وَنِحْلَةً، أَوْ نُقُوطًا وَحُمُولَةً فِي عُرْسٍ وَنَحْوِهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَقِيءُ، ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ قَالَ قَتَادَةَ: وَلَا أَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا وَسَوَاءٌ عَوَّضَ عَنْهَا أَوْ لَمْ يُعَوِّضْ لِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لَا تَقْتَضِي الثَّوَابَ، وَتَقَدَّمَ (أَوْ) أَيْ: وَلَوْ (تَعَلَّقَ بِالْمَوْهُوبِ رَغْبَةُ الْغَيْرِ بِأَنْ نَاكَحَ) إنْسَانٌ (الْوَلَدَ) الْمَوْهُوبِ لِوُجُودِ ذَلِكَ الَّذِي وَهَبَهُ لَهُ وَالِدُهُ، بِأَنْ زَوَّجَهُ إنْ كَانَ ذَكَرًا أَوْ تَزَوَّجَهُ إنْ كَانَ أُنْثَى لِذَلِكَ (أَوْ دَايَنَهُ) أَيْ: بَاعَهُ أَوْ أَقْرَضَهُ، أَوْ أَجَرَهُ وَنَحْوُهُ (لِوُجُودِ ذَلِكَ) الَّذِي وَهَبَهُ أَبُوهُ لَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ رُجُوعَ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ

стр. 1910

لِوَلَدِهِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ بَعْدَ قَوْلِهِ إلَّا الْأَبُ الْأَقْرَبُ لَكَانَ أَوْضَحَ. وَقَوْلُهُ (بَعْدَ لُزُومِهَا) أَيْ: الْهِبَةِ بِأَنْوَاعِهَا، بِالْقَبْضِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ وَلَا يَجُوزُ لِوَاهِبٍ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَرْجِعَ وَأَمَّا الرُّجُوعُ قَبْلَ لُزُومِهَا فَجَائِزٌ مُطْلَقًا (كَالْقِيمَةِ) أَيْ: كَمَا لَا يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ وَلَوْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ (إلَّا الْأَبَ الْأَقْرَبَ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعَانِهِ قَالَ: «لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً وَيَرْجِعَ فِيهَا، إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ بَشِيرٍ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِبَشِيرٍ: " فَارْدُدْهُ " وَرُوِيَ " فَارْجِعْهُ " رَوَاهُ مَالِكٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَبٍ يَقْصِدُ بِرُجُوعِهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ، وَبَيْنَ غَيْرِهِ،. وَلَوْ وَهَبَ كَافِرٌ لِوَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا ثُمَّ أَسْلَمَ الْوَلَدُ، فَلِأَبِيهِ الرُّجُوعُ فِي هِبَتِهِ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. (وَلَوْ أَسْقَطَ) الْأَبُ (حَقَّهُ مِنْ الرُّجُوعِ) فَلَهُ الرُّجُوعُ لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَبَتَ لَهُ بِالشَّرْعِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِسْقَاطِهِ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْوَلِيُّ حَقَّهُ مِنْ وِلَايَةِ النِّكَاحِ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: يَسْقُطُ رُجُوعُهُ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ حَقِّهِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ وِلَايَةِ النِّكَاحِ أَنَّ وِلَايَةَ النِّكَاحِ حَقٌّ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى، وَلِلْمَرْأَةِ بِدَلِيلِ إثْمِهِ بِالْعَضْلِ بِخِلَافِ الرُّجُوعِ فَإِنَّهُ حَقٌّ لِلْأَبِ. (وَلَوْ ادَّعَى اثْنَانِ مَوْلُودًا) مَجْهُولَ النَّسَبِ، كُلٌّ يَقُولُ: هُوَ ابْنِي (فَوَهَبَاهُ أَوْ وَهَبَهُ أَحَدُهُمَا شَيْئًا فَلَا رُجُوعَ) لِانْتِفَاءِ ثُبُوتِ الدَّعْوَى (وَإِنْ ثَبَتَ اللِّحَاقُ بِأَحَدِهِمَا، ثَبَتَ) لَهُ (الرُّجُوعُ) لِثُبُوتِ الْأُبُوَّةِ. (وَيُشْتَرَطُ لِرُجُوعِ الْأَبِ) أَيْ: لِجَوَازِهِ وَصِحَّتِهِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ) الْهِبَةُ (عَيْنًا بَاقِيَةً فِي مِلْكِ الِابْنِ) إلَى رُجُوعِ أَبِيهِ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِي دَيْنِهِ عَلَى الْوَلَدِ بَعْدَ الْإِبْرَاءِ مِنْهُ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ) لَا تَمْلِيكٌ (وَلَا فِي مَنْفَعَةٍ أَبَاحَهَا لَهُ) أَبُوهُ (بَعْدَ الِاسْتِيفَاءِ كَسُكْنَى دَارٍ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ إبَاحَةٌ، وَاسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِمَنْزِلَةِ إتْلَافِهَا. (فَإِنْ خَرَجَتْ الْعَيْنُ) الْمَوْهُوبَةُ (عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ: الِابْنِ (بِبَيْعٍ أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَقْفٍ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمَّ غَيْرِهِ خُصُوصًا إذَا قُلْنَا يَنْتَقِلُ فِي الْحَالِ لِمَنْ بَعْدَهُ (أَوْ) خَرَجَتْ (بِغَيْرِ ذَلِكَ) بِأَنْ جَعَلَهَا صَدَاقًا لِامْرَأَةِ أَوْ عِوَضًا عَلَى صُلْحٍ وَنَحْوِهِ (ثُمَّ عَادَتْ) الْعَيْنُ (إلَيْهِ) أَيْ: الِابْنِ (بِسَبَبٍ جَدِيدٍ كَبَيْعٍ) وَلَوْ مَعَ خِيَارٍ (أَوْ هِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ أَوْ إرْثٍ أَوْ نَحْوِهِ) كَأَنْ أَخَذَهَا عِوَضًا عَنْ أَرْشِ جِنَايَةٍ، أَوْ قِيمَةِ مُتْلَفٍ (لَمْ يَمْلِكْ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِيهَا لِأَنَّهَا عَادَتْ إلَى الْوَلَدِ بِمِلْكٍ جَدِيدٍ لَمْ يَسْتَفِدْهُ مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ، فَلَمْ يَمْلِكْ إزَالَتَهُ، كَمَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مَوْهُوبَةً. (وَإِنْ عَادَتْ) الْعَيْنُ لِلْوَلَدِ بَعْدَ بَيْعِهَا (بِفَسْخِ الْبَيْعِ بِعَيْبٍ)

стр. 1911

فِيهَا، أَوْ فِي الثَّمَنِ (أَوْ) عَادَتْ بِ (إقَالَةٍ، أَوْ) عَادَتْ بِفَسْخٍ (لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي) بِالثَّمَنِ (أَوْ بِفَسْخِ خِيَارِ الشَّرْطِ، أَوْ الْمَجْلِسِ) مَلَكَ الْأَبُ الرُّجُوعَ فِيهَا، لِعَوْدِ الْمِلْكِ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَكَأَنَّهُ مَا انْتَقَلَ. وَبِهِ فَارَقَ الْعَوْدَ بَيْعٌ أَوْ هِبَةٌ أَوْ نَحْوُهُمَا (أَوْ دَبَّرَ) الْوَلَدُ (الْعَبْدَ) الْمَوْهُوبَ لَهُ مِنْ وَالِدِهِ (أَوْ كَاتَبَهُ مَلَكَ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِي الْعَبْدِ لِأَنَّ التَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ لَا يَمْنَعَانِ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ بِالْبَيْعِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يَمْنَعَا الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ زَوَّجَهُ أَوْ أَجَرَهُ. (وَهُوَ) أَيْ: الْعَبْدُ الَّذِي كَاتَبَهُ الْوَلَدُ، ثُمَّ رَجَعَ أَبُوهُ فِيهِ (مُكَاتَبٌ) أَيْ: بَاقٍ عَلَى كِتَابَتِهِ لِلُزُومِهَا، فَإِذَا أَدَّى إلَى الْأَبِ بَاقِي مَالِ الْكِتَابَةِ عَتَقَ، وَإِنْ عَجَزَ رُقَّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ الِابْنُ وَمَا أَخَذَهُ الِابْنُ مِنْ دَيْنِ الْكِتَابَةِ قَبْلَ رُجُوعِ الْأَبِ (لَمْ يَأْخُذْ مِنْهُ أَبُوهُ) لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. الشَّرْطُ (الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ الْعَيْنُ بَاقِيَةً فِي تَصَرُّفِ الْوَلَدِ، فَإِنْ تَلِفَتْ) الْعَيْنُ (فَلَا رُجُوعَ) لِلْأَبِ (فِي قِيمَتِهَا) وَتَقَدَّمَ. (وَإِنْ اسْتَوْلَدَ) الِابْنُ (الْأَمَةَ) الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ لَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ لِامْتِنَاعِ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي أُمِّ الْوَلَدِ (أَوْ كَانَ) الْأَبُ (وَهَبَهَا لَهُ لِلِاسْتِعْفَافِ لَمْ يَمْلِكْ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) فِيهَا، وَإِنْ اسْتَغْنَى أَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا لِأَنَّ إعْفَافَهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ. (وَإِنْ رَهَنَ) الِابْنُ (الْعَيْنَ) الَّتِي وَهَبَهَا لَهُ أَبُوهُ وَأَقْبَضَهَا فَكَذَلِكَ (أَوْ أَفْلَسَ) الِابْنُ (وَحُجِرَ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ) أَيْ: فَلَا رُجُوعَ لِأَبِيهِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ وَالْغُرَمَاءِ بِالْعَيْنِ، وَفِي الرُّجُوعِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ " تَنْبِيهٌ " مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ لِفَلَسٍ مَانِعٍ مِنْ الرُّجُوعِ قَالَ الْحَارِثِيُّ: إنَّهُ الصَّوَابُ بِلَا خِلَافٍ كَمَا فِي الرَّهْنِ وَنَحْوِهِ، وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْمُغْنِي، وَصَاحِبُ الْمُحَرَّرِ وَغَيْرُهُمَا انْتَهَى. وَمُقْتَضَى مَا قَدَّرَهُ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّهُ غَيْرُ مَانِعٍ، وَتَبِعَهُ فِي الْمُنْتَهَى لِأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْهُ فِي التَّنْقِيحِ فَإِنْ أَفْلَسَ وَلَمْ يُحْجَرْ عَلَيْهِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَطْلَقَهُمَا فِي الشَّرْحِ، فَإِنْ حُمِلَ كَلَامُ الْمُقْنِعِ وَالْمُنْتَهَى عَلَى فَلَسٍ لَا حَجْرَ مَعَهُ وَافَقَ مَا ذَكَرَهُ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ (فَإِنْ زَالَ الْمَانِعُ) بِأَنْ انْفَكَّ الْحَجْرُ وَالرَّهْنُ (مَلَكَ) الْأَبُ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ لَمْ يُزَلْ، وَإِنَّمَا طَرَأَ مَعْنًى قَطَعَ التَّصَرُّفَ مَعَ بَقَاءِ الْمِلْكِ فَمَنَعَ الرُّجُوعَ، فَإِذَا زَالَ الْمَانِعُ. (وَكُلُّ تَصَرُّفٍ لَا يَمْنَعُ الِابْنَ التَّصَرُّفَ فِي الرَّقَبَةِ، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَالرَّهْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ (وَالْوَطْءِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْإِحْبَالِ وَالتَّزْوِيجِ) لِلرَّقِيقِ (وَالْإِجَارَةِ وَالْمُزَارَعَةِ عَلَيْهَا وَجَعْلِهَا مُضَارَبَةً فِي عَقْدِ شَرِكَةٍ لَا يَمْنَعُ) الْأَبَ (الرُّجُوعَ) لِبَقَاءِ مِلْكِ الِابْنِ وَسَلْطَنَةُ تَصَرُّفِهِ. (وَكَذَلِكَ الْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ) عَلَى صِفَةٍ قَبْلَ وُجُودِهَا فَلَا

стр. 1912

يَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَإِذَا رَجَعَ) الْأَبُ فِي الْعَيْنِ (وَكَانَ التَّصَرُّفُ لَازِمًا، كَالْإِجَارَةِ وَالتَّزْوِيجِ وَالْكِتَابَةِ، فَهُوَ) أَيْ: التَّصَرُّفُ (بَاقٍ بِحَالِهِ) كَاسْتِمْرَارِهِ مَعَ الْمُشْتَرِي مِنْ الْوَلَدِ لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ تَنْفَسِخُ بِهِ الْإِجَارَةُ وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْأَبِ فِعْلًا فِي الْإِجَارَةِ، لِأَنَّ تَمْلِيكَهُ لِوَلَدِهِ تَسْلِيطٌ لَهُ عَلَى التَّصَرُّفِ فِيهِ، وَلَا كَذَلِكَ الشَّفِيعُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. (وَإِنْ كَانَ) التَّصَرُّفُ (جَائِزًا، كَالْوَصِيَّةِ وَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ) وَالْمُزَارَعَةِ وَالْمُضَارَبَةِ وَالْمُشَارَكَةِ (بَطَلَ) ذَلِكَ التَّصَرُّفُ، لِأَنَّ اسْتِمْرَارَ حُكْمِهِ مُقَيَّدٌ بِبَقَاءِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَاتَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ (وَالتَّدْبِيرُ وَالْعِتْقُ الْمُعَلَّقُ بِصِفَةٍ، لَا يَبْقَى حُكْمُهُمَا فِي حَقِّ الْأَبِ) لِأَنَّهُمَا لَمْ يَصْدُرَا مِنْهُ. (وَمَتَى عَادَ) الْمُدَبَّرُ أَوْ الْمُعَلَّقُ عِتْقُهُ بِصِفَةٍ (إلَى) مِلْكِ (الِابْنِ عَادَ حُكْمُهُمَا) لِعَوْدِ الصِّفَةِ (وَإِنْ وَهَبَهُ لِوَلَدِ وَلَدِهِ لَمْ يَمْلِكْ) الْوَاهِبُ الْأَوَّلُ (الرُّجُوعَ) لِأَنَّ فِيهِ إبْطَالًا لِمِلْكِ غَيْرِ ابْنِهِ وَهُوَ لَا يَمْلِكُ (إلَّا أَنْ يَرْجِعَ هُوَ) أَيْ: الْوَاهِبُ الثَّانِي فِي هِبَتِهِ لِابْنِهِ فَيَمْلِكُ الْأَوَّلُ الرُّجُوعَ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ فَسْخٌ فِي هِبَتِهِ بِرُجُوعِهِ فَعَادَ إلَيْهِ الْمِلْكُ بِسَبَبِهِ الْأَوَّلِ. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ: أَنْ لَا تَزِيدَ) الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ عِنْدَ الْوَلَدِ (زِيَادَةً مُتَّصِلَةً تَزِيدُ قِيمَتُهَا كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ وَالْحَمْلِ وَتَعَلُّمِ صَنْعَةٍ أَوْ) تَعَلُّمِ (كِتَابَةٍ أَوْ قُرْآنٍ) لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ لِكَوْنِهَا نَمَاءً مَلَكَهُ وَلَمْ تَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ فِيهَا كَالْمُنْفَصِلَةِ وَإِذَا امْتَنَعَ الرُّجُوعُ فِيهَا امْتَنَعَ فِي الْأَصْلِ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى سُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَضَرَرِ التَّشْقِيصِ وَلِأَنَّهُ اسْتِرْجَاعٌ لِلْمَالِ بِفَسْخِ عَقْدٍ لِغَيْرِ عَيْبٍ فِي عِوَضِهِ فَمَنَعَهُ الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ كَاسْتِرْجَاعِ الصَّدَاقِ بِفَسْخِ النِّكَاحِ أَوْ نِصْفِهِ بِالطَّلَاقِ أَوْ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ لِفَلَسِ الْمُشْتَرِي وَقَدْ يُفَارِقُ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الرَّدَّ مِنْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ رَضِيَ بِبَذْلِ الزِّيَادَةِ (وَإِنْ زَادَ) الْمَوْهُوبُ (بِبُرْئِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ صَمَمٍ مُنِعَ الرُّجُوعُ) كَسَائِرِ الزِّيَادَاتِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَ الْأَبُ وَوَلَدُهُ فِي حُدُوثِ زِيَادَةٍ) بِأَنْ قَالَ الْوَلَدُ حَدَثَ فِيهِ زِيَادَةٌ فَمَنَعَتْ الرُّجُوعَ وَأَنْكَرَ الْأَبُ (فَقَوْلُ الْأَبِ) لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الزِّيَادَةِ (وَلَا تَمْنَعُ) الزِّيَادَةُ (الْمُنْفَصِلَةُ) الرُّجُوعَ (كَوَلَدِ الْبَهِيمَةِ وَثَمَرَةِ الشَّجَرَةِ وَكَسْبِ الْعَبْدِ) لِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْأَصْلِ دُونَ النَّمَاءِ. (وَالزِّيَادَةِ) الْمُنْفَصِلَةِ (لِلْوَلَدِ) لِأَنَّهَا حَادِثَةٌ فِي مِلْكِهِ وَلَا تُتَّبَعُ فِي الْفُسُوخِ فَكَذَا هُنَا (فَإِنْ كَانَتْ) الزِّيَادَةُ (وَلَدَ أَمَةٍ) بِأَنْ حَمَلَتْ الْأَمَةُ وَوَلَدَتْ عِنْدَ الْوَلَدِ (امْتَنَعَ الرُّجُوعُ) فِي الْأُمِّ (لِتَحْرِيمِ التَّفْرِيقِ) بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا (وَإِنْ وَهَبَهُ) أَيْ: وَهَبَ الْأَبُ وَلَدَهُ أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً (حَامِلًا فَوَلَدَتْ فِي يَدِ الِابْنِ فَالْوَلَدُ

стр. 1913

زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) أَيْ: بِاعْتِبَارِ الْكِبَرِ. (وَإِنْ وَهَبَهُ) أَمَةً أَوْ بَهِيمَةً (حَائِلًا ثُمَّ رَجَعَ) الْأَبُ (فِيهَا حَامِلًا فَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهَا) بِالْحَمْلِ (فَزِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَإِنْ وَهَبَهُ نَخْلًا فَحَمَلَتْ فَقَبْلَ التَّأْبِيرِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ) تَمْنَعُ الرُّجُوعَ (وَبَعْدَهُ) أَيْ: التَّأْبِيرِ، وَالْمُرَادُ التَّشَقُّقُ (مُنْفَصِلَةٌ) لَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ نَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ الْمُوَفَّقِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. (وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْعَيْنِ) لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ فِي الْبَاقِي مِنْهَا (أَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا) لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ (أَوْ أَبِقَ الْعَبْدُ) الْمَوْهُوبُ لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ لِبَقَاءِ الْمِلْكِ (أَوْ ارْتَدَّ الْوَلَدُ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ) لِبَقَاءِ الْمِلْكِ. (وَلَا ضَمَانَ عَلَى الِابْنِ فِيمَا تَلِفَ مِنْهَا وَلَوْ) كَانَ التَّلَفُ (بِفِعْلِهِ) لِأَنَّهُ فِي مِلْكِهِ (وَإِنْ جَنَى الْعَبْدُ) الْمَوْهُوبُ لِلْوَلَدِ (جِنَايَةً يَتَعَلَّقُ أَرْشُهَا بِرَقَبَتِهِ فَلِلْأَبِ الرُّجُوعُ فِيهِ) لِبَقَاءِ مِلْكِ وَلَدِهِ عَلَيْهِ. (وَيَضْمَنُ) الْأَبُ (أَرْشَ الْجِنَايَةِ) لِتَعَلُّقِهِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَيَفْدِيهِ أَوْ يُسْلِمُهُ أَوْ يَبِيعُهُ فِيهَا. (فَإِنْ جُنِيَ عَلَى الْعَبْدِ) الْمَوْهُوبِ لِلْوَلَدِ (فَرَجَعَ الْأَبُ فِيهِ فَأَرْشُ الْجِنَايَةِ عَلَيْهِ لِلِابْنِ) لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ. (وَصِفَةُ الرُّجُوعِ) مِنْ الْأَبِ فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (أَنْ يَقُولَ قَدْ رَجَعْتُ فِيهَا) أَيْ: الْهِبَةِ (أَوْ) يَقُولَ (ارْتَجَعْتُهَا أَوْ رَدَدْتُهَا وَنَحْوَهُ) كَعُدْتُ فِيهَا أَوْ أَعَدْتُهَا إلَى مِلْكِي وَنَحْوَ ذَلِكَ (مِنْ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الرُّجُوعِ) قَالَ الْحَارِثِيُّ وَالْأَكْمَلُ رَجَعْتُ فِيمَا وَهَبْتُهُ لَكَ مِنْ كَذَا وَمِنْ النَّاسِ مَنْ قَسَّمَهُ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ بِنِيَّةٍ وَلَا بَأْس بِهِ، وَسَوَاءٌ (عَلِمَ الْوَلَدُ) بِرُجُوعِ أَبِيهِ (أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بِهِ. (وَلَا يَحْتَاجُ) الرُّجُوعَ (إلَى حُكْمِ حَاكِمٍ) لِثُبُوتِهِ بِالنَّصِّ كَفَسْخِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ (وَإِنْ تَصَرَّفَ الْأَبُ فِيهِ) أَيْ: فِيمَا وَهَبَهُ لِوَلَدِهِ (بَعْدَ قَبْضِ الِابْنِ) لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا بِغَيْرِ قَوْلٍ (أَوْ وَطِئَ) الْأَبُ (الْجَارِيَةَ) الَّتِي وَهَبَهَا لِوَلَدِهِ وَأَقْبَضَهَا لَهُ (وَلَوْ نَوَى) الْأَبُ (بِهِ) أَيْ: بِالتَّصَرُّفِ أَوْ الْوَطْءِ (الرُّجُوعَ لَمْ يَكُنْ) ذَلِكَ (رُجُوعًا بِغَيْرِ قَوْلٍ) لِأَنَّ مِلْكَ الْمَوْهُوبِ لَهُ ثَابِتٌ يَقِينًا فَلَا يَزُولُ إلَّا بِيَقِينٍ وَهُوَ صَرِيحُ الْقَوْلِ. (وَإِنْ سَأَلَ) زَوْجٌ (امْرَأَتَهُ هِبَةَ مَهْرِهَا فَوَهَبَتْهُ) لَهُ ثُمَّ ضَرَّهَا فَلَهَا الرُّجُوعُ (أَوْ قَالَ) زَوْجٌ لِزَوْجَتِهِ (أَنْتِ طَالِقٌ إنْ لَمْ تُبْرِئِينِي فَأَبْرَأَتْهُ) مِنْ مَهْرِهَا (ثُمَّ ضَرَّهَا بِطَلَاقٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَهَا الرُّجُوعُ) فِيمَا وَهَبَتْهُ مِنْ الْمَهْرِ أَوْ أَبْرَأَتْهُ مِنْهُ لِأَنَّ شَاهِدَ الْحَالِ يَدُلُّ أَنَّهَا لَمْ تَطِبْ بِهِ نَفْسًا وَإِنَّمَا أَبَاحَهُ اللَّهُ عَنْ طِيبِ نَفْسِهَا بِقَوْلِهِ ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] وَغَيْرُ الصَّدَاقِ كَالصَّدَاقِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ عُمَرَ: إنَّ النِّسَاءَ يُعْطِينَ أَزْوَاجَهُنَّ رَغْبَةً

стр. 1914

وَرَهْبَةً فَأَيُّمَا امْرَأَةٍ أَعْطَتْ زَوْجَهَا شَيْئًا ثُمَّ أَرَادَتْ أَنْ تَعْتَصِرَهُ فَهِيَ أَحَقُّ بِهِ رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: الْمَشْهُورُ عَنْهُ أَيْ: عَنْ الْإِمَامِ أَنْ لَا رُجُوعَ لِوَاحِدٍ مِنْ الزَّوْجَيْنِ فِيمَا وَهَبَ لِلْآخَرِ إلَّا أَنْ تَهَبَ الْمَرْأَةُ مَهْرَهَا لِسُؤَالٍ مِنْهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَتَرْجِعُ (إلَّا إنْ تَبَرَّعَتْ بِهِ) أَيْ بِمَهْرِهَا (مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةِ) الزَّوْجِ فَلَا رُجُوعَ لَهَا نَصًّا وَاحْتَجَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْكُوفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤] . [فَصْلٌ: وَلِأَبٍ حُرًّا أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ] (فَصْلٌ وَلِأَبٍ فَقَطْ إذَا كَانَ) الْأَبُ (حُرًّا أَنْ يَتَمَلَّكَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ مَا شَاءَ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: مَا لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ كَالرَّهْنِ وَالْفَلَسِ وَإِنْ تَعَلَّقَ بِهِ رَغْبَةٌ كَالْمُدَايَنَةِ وَالْمُنَاكَحَةِ وَقُلْنَا: يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فَفِي التَّمَلُّكِ نَظَرٌ (مَعَ حَاجَةِ الْأَبِ) إلَى تَمَلُّكِ مَالِ وَلَدِهِ. (وَ) مَعَ (عَدَمِهَا فِي صِغَرِ الْوَلَدِ وَكِبَرِهِ وَسَخَطِهِ وَرِضَاهُ وَبِعِلْمِهِ وَبِغَيْرِهِ) لِمَا رَوَى سَعِيدٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلْتُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ وَإِنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ كَسْبِكُمْ» وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: إنَّ أَبِي احْتَاجَ مَالِي فَقَالَ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» . وَلِأَنَّ الْوَلَدَ مَوْهُوبٌ لِأَبِيهِ بِالنَّصِّ الْقَاطِعِ وَمَا كَانَ مَوْهُوبًا لَهُ كَانَ لَهُ أَخْذُ مَالِهِ كَعَبْدِهِ يُؤَيِّدُهُ أَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] الْآيَةُ ذَكَرَ الْأَقَارِبُ دُونَ الْأَوْلَادِ لِدُخُولِهِمْ فِي قَوْلِهِ ﴿مِنْ بُيُوتِكُمْ﴾ [النور: ٦١] لِأَنَّ بُيُوتَ أَوْلَادِهِمْ كَبُيُوتِهِمْ وَلِأَنَّ الرَّجُلَ يَلِي مَالَ وَلَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَوْلِيَةِ كَمَالِ نَفْسِهِ (دُونَ أُمٍّ وَجَدٍّ وَغَيْرِهِمَا) مِنْ سَائِرِ الْأَقَارِبِ لِأَنَّ الْأَصْلَ الْمَنْعُ خُولِفَ فِي الْأَبِ لِدَلَالَةِ النَّصِّ وَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْأَصْلِ (بِشُرُوطٍ) سِتَّةٍ مُتَعَلِّقٌ بِ يَتَمَلَّكُ. (أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ) مَا يَتَمَلَّكُهُ الْأَبُ (فَاضِلًا عَنْ حَاجَةِ الْوَلَدِ لِئَلَّا يَضُرَّهُ) بِتَمَلُّكِهِ وَهُوَ مَنْفِيٌّ بِقَوْلِهِ ﷺ -

стр. 1915

«لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» (فَلَيْسَ لَهُ) أَيْ: الْأَبِ (أَنْ يَتَمَلَّكَ سُرِّيَّتَهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ) سُرِّيَّتُهُ (أُمَّ وَلَدٍ) لِلِابْنِ (لِأَنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالزَّوْجَاتِ وَلَا) يَتَمَلَّكُ أَيْضًا (مَا تَعَلَّقَتْ حَاجَتُهُ بِهِ) كَآلَةِ حِرْفَةٍ يَتَكَسَّبُ بِهَا وَرَأْسِ مَالِ تِجَارَةٍ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى دَيْنِهِ فَلَأَنْ تُقَدَّمَ عَلَى أَبِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى الشَّرْطُ (الثَّانِي أَنْ لَا يُعْطِيَهُ) الْأَبُ (لِوَلَدٍ آخَرَ) فَلَا يَتَمَلَّكُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ زَيْدٍ لِيُعْطِيَهُ لِوَلَدِهِ عَمْرٍو لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِ وَلَدِهِ بِالْعَطِيَّةِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ فَلَأَنْ يُمْنَعُ مِنْ تَخْصِيصِهِ بِمَا أَخَذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْآخَرِ أَوْلَى. الشَّرْطُ (الثَّالِثُ أَنْ لَا يَكُونَ) التَّمَلُّكُ (فِي مَرَضِ مَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْأَبِ أَوْ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ بِالْمَرَضِ قَدْ انْعَقَدَ السَّبَبُ الْقَاطِعُ لِلتَّمَلُّكِ الشَّرْطُ (الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَكُونَ الْأَبُ كَافِرًا وَالِابْنُ مُسْلِمًا لَا سِيَّمَا إذَا كَانَ الِابْنُ كَافِرًا ثُمَّ أَسْلَمَ قَالَهُ الشَّيْخُ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهَذَا عَيْنُ الصَّوَابِ انْتَهَى لِحَدِيثِ «الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى» (وَقَالَ) الشَّيْخُ أَيْضًا (الْأَشْبَهُ أَنَّ الْأَبَ الْمُسْلِمَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ الْكَافِرِ شَيْئًا) لِانْقِطَاعِ الْوِلَايَةِ وَالتَّوَارُثِ. الشَّرْطُ (الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ) مَا يَتَمَلَّكُهُ الْأَبُ (عَيْنًا مَوْجُودَةً) فَلَا يَتَمَلَّكَ دَيْنَ ابْنِهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ (وَيَحْصُلُ تَمَلُّكُهُ) أَيْ: الْأَبِ لِمَالِ وَلَدِهِ (بِقَبْضِ) مَا يَتَمَلَّكُهُ (مَعَ قَوْلٍ) تَمَلَّكْتُهُ أَوْ نَحْوِهِ (أَوْ نِيَّةٍ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ أَوْ قَرِينَةٍ لِأَنَّ الْقَبْضَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلتَّمَلُّكِ أَوْ غَيْرِهِ فَاعْتُبِرَ الْقَوْلُ أَوْ النِّيَّةُ لِيَتَعَيَّنَ وَجْهُ الْقَبْضِ. (وَهُوَ) أَيْ: الْقَبْضُ مَعَ مَا ذُكِرَ الشَّرْطُ (السَّادِسُ: وَلَا يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ) أَيْ: الْأَبِ (فِيهِ) أَيْ: فِي مَالِ وَلَدِهِ (قَبْلَ ذَلِكَ) أَيْ: قَبْلَ الْقَبْضِ مَعَ الْقَوْلِ أَوْ النِّيَّةِ (وَلَوْ عِتْقًا) لِأَنَّ مِلْكَ الِابْنِ تَامٌّ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَحِلُّ لَهُ وَطْءُ جَوَارِيهِ. وَلَوْ كَانَ الْمِلْكُ مُشْتَرَكًا لَمْ يَحِلَّ الْوَطْءُ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ وَطْءُ الْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ وَإِنَّمَا لِلْأَبِ انْتِزَاعُهَا مِنْهُ كَالْعَيْنِ الَّتِي وَهَبَهَا إيَّاهُ (وَلَا يَمْلِكُ أَبٌ إبْرَاءَ نَفْسِهِ) مِنْ دَيْنِ وَلَدِهِ (وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ أَيْضًا (إبْرَاءَ غَرِيمِ وَلَدِهِ وَلَا) يَمْلِكُ الْأَبُ (تَمَلُّكَ مَا فِي ذِمَّةِ نَفْسِهِ، وَلَا) تَمَلُّكَ مَا فِي (ذِمَّةِ غَرِيمِ وَلَدِهِ، وَلَا) يَمْلِكُ (قَبْضَهُ) أَيْ: الدَّيْنِ (مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ نَفْسِهِ وَغَرِيمِ وَلَدِهِ (لِأَنَّ الْوَلَدَ لَمْ يَمْلِكْهُ) قَبْلَ قَبْضِهِ. (وَلَوْ أَقَرَّ) الْأَبُ (بِقَبْضِ دَيْنِ وَلَدِهِ) مِنْ غَرِيمِهِ (فَأَنْكَرَ الْوَلَدُ) أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ قَبَضَ (أَوْ أَقَرَّ) بِالْقَبْضِ (رَجَعَ) الْوَلَدُ (عَلَى غَرِيمِهِ) بِدَيْنِهِ لِعَدَمِ بَرَاءَتِهِ بِالدَّفْعِ إلَى أَبِيهِ (وَرَجَعَ الْغَرِيمُ عَلَى الْأَبِ) بِمَا أَخَذَهُ مِنْهُ إنْ كَانَ بَاقِيًا وَبِبَدَلِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا لِأَنَّهُ قَبَضَ مَا لَيْسَ لَهُ قَبْضُهُ لَا بِوِلَايَةٍ وَلَا بِوَكَالَةٍ. فَقَوْلُ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: وَلَوْ

стр. 1916

أَقَرَّ بِقَبْضِ دَيْنِ ابْنِهِ فَأَنْكَرَ رَجَعَ عَلَى غَرِيمِهِ وَهُوَ عَلَى الْأَبِ: لَا يُعَوَّلُ عَلَى مَفْهُومِهِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لَا يَرْجِعُ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ جَوَابًا عَنْ سُؤَالِ سَائِلٍ فَلَا يُحْتَجُّ بِمَفْهُومِهِ. (قَالَ الشَّيْخُ لَوْ أَخَذَ) الْأَبُ (مِنْ مَالِ وَلَدِهِ شَيْئًا ثُمَّ انْفَسَخَ سَبَبُ اسْتِحْقَاقِهِ) أَيْ: الشَّيْءِ الْمَأْخُوذِ (بِحَيْثُ وَجَبَ رَدُّهُ إلَى الَّذِي كَانَ مَالِكَهُ، مِثْلُ أَنْ يَأْخُذَ) الْأَبُ (صَدَاقَ ابْنَتِهِ ثُمَّ يُطَلِّقُ الزَّوْجُ) قَبْلَ الدُّخُولِ، أَوْ يَنْفَسِخُ النِّكَاحُ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُ الصَّدَاقَ (أَوْ يَأْخُذُ) الْأَبُ (ثَمَنَ السِّلْعَةِ الَّتِي بَاعَهَا الْوَلَدُ ثُمَّ تُرَدُّ السِّلْعَةُ أَوْ يَأْخُذُ) الْأَبُ (الْمَبِيعَ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْوَلَدُ ثُمَّ يُفْلِسُ) الْوَلَدُ (بِالثَّمَنِ) وَيُحْجَرُ عَلَيْهِ وَيَفْسَخُ الْبَائِع. (وَنَحْوُ ذَلِكَ) كَمَا لَوْ فَسَخَ الْبَائِعُ لِعَيْبِ الثَّمَنِ بَعْدَ أَخْذِ الْأَبِ الْمَبِيعَ مِنْ وَلَدِهِ (فَالْأَقْوَى فِي جَمِيعِ) هَذِهِ (الصُّوَرِ: أَنَّ لِلْمَالِكِ الْأَوَّلِ الرُّجُوعَ عَلَى الْأَبِ) لِسَبْقِ حَقِّهِ عَلَى تَمَلُّكِ الْأَبِ (وَيَأْتِي فِي الصَّدَاقِ لَوْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا) أَنَّ ذَلِكَ يَصِحُّ، وَأَنَّ الْأَبَ يَمْلِكُ بِالْقَبْضِ مَعَ نِيَّةِ: التَّمَلُّكِ وَأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا الزَّوْجُ أَوْ انْفَسَخَ النِّكَاحُ قَبْلَ الدُّخُولِ عَلَى وَجْهٍ يُسْقِطُهُ رَجَعَ عَلَيْهَا لَا عَلَى أَبِيهَا، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الشَّيْخُ. (وَإِنْ وَطِئَ) أَبٌ (جَارِيَةَ وَلَدِهِ) قَبْلَ تَمَلُّكِهَا (فَأَحْبَلَهَا صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) أَيْ: لِلْأَبِ لِأَنَّ إحْبَالَهُ لَهَا يُوجِبُ نَقْلَ الْمِلْكِ إلَيْهِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْوَطْءُ مُصَادِفًا لِلْمِلْكِ، فَإِنْ لَمْ تَحْبَلْ فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى مِلْكِ الْوَلَدِ. (وَوَلَدُهُ) أَيْ: الْأَبِ مِنْ جَارِيَةِ وَلَدِهِ (حُرٌّ) لِأَنَّهُ مِنْ وَطْءٍ انْتَفَى فِيهِ الْحَدُّ لِلشُّبْهَةِ (لَا يَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ) لِوَلَدِهِ الْمُنْتَقِلِ عَنْهُ مِلْكُ الْجَارِيَةِ لِصَيْرُورَتِهَا أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ وَدُخُولِهَا فِي مِلْكِهِ بِالْإِحْبَالِ فَلَمْ تَأْتِ بِالْوَلَدِ إلَّا فِي مِلْكِ الْأَبِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ (مَهْرٌ) لِأَنَّ الْوَطْءَ سَبَبُ نَقْلِ الْمِلْكِ فِيهَا، وَإِيجَابُ الْقِيمَةِ لِلْوَلَدِ، وَالْوَطْءُ الْمُوجِبُ لِلْقِيمَةِ كَالْإِتْلَافِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ الْمَهْرُ. (وَلَا حَدَّ) لِشُبْهَةِ الْمِلْكِ (وَيُعَزَّرُ) لِأَنَّهُ وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا أَشْبَهَ وَطْءَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ. (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْأَبَ (قِيمَتُهَا) أَيْ: قِيمَةُ الْأَمَةِ الَّتِي أَوْلَدَهَا لِوَلَدِهِ لِأَنَّهُ أَتْلَفَهَا عَلَيْهِ، لَكِنْ لَيْسَ لَهُ مُطَالَبَتُهُ بِهَا وَمَحَلُّ انْتِقَالِ الْمِلْكِ فِيهَا لِلْأَبِ (إنْ لَمْ يَكُنْ الِابْنُ وَطِئَهَا) لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ تَصِيرُ كَحَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ فَتَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ. (وَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا إنْ كَانَ الِابْنُ اسْتَوْلَدَهَا فَلَا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لِلْأَبِ) إذْ أُمُّ الْوَلَدِ لَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ فِيهَا. (وَإِنْ كَانَ الِابْنُ وَطِئَهَا وَلَوْ لَمْ يَسْتَوْلِدْهَا لَمْ يَمْلِكْهَا الْأَبُ) بِالْإِحْبَالِ (وَلَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ) لِأَنَّهَا بِالْوَطْءِ صَارَتْ مُلْحَقَةً بِالزَّوْجَةِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِالْقَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ. فَلَا يَمْلِكُهَا بِالْإِحْبَالِ (وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمَا) أَيْ: عَلَى الْأَبِ لِأَنَّهَا مِنْ مَوْطُوآتِ ابْنِهِ، وَعَلَى الِابْنِ لِأَنَّهَا مَوْطُوءَةُ أَبِيهِ (وَلَا يُحَدُّ) الْأَبُ

стр. 1917

بِوَطْئِهِ لِلْأَمَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ لِشُبْهَةِ " أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ " (وَإِنْ وَطِئَ) الِابْنُ (أَمَةَ أَحَدِ أَبَوَيْهِ لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ) لَهُ إنْ حَمَلَتْ مِنْهُ (وَوَلَدُهُ قِنٌّ وَيُحَدُّ) إنْ عَلِمَ التَّحْرِيمَ لِأَنَّ الِابْنَ لَيْسَ لَهُ التَّمَلُّكُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَبَوَيْهِ فَلَا شُبْهَةَ لَهُ فِي الْوَطْءِ. (وَلَيْسَ لِوَلَدٍ وَلَا لِوَرَثَتِهِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِ قَرْضٍ وَلَا ثَمَنِ مَبِيعٍ وَلَا قِيمَةِ مُتْلَفٍ وَلَا أَرْشِ جِنَايَةٍ وَلَا) بِأُجْرَةِ (مَا انْتَفَعَ بِهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ «أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ ﷺ بِأَبِيهِ يَقْتَضِيهِ دَيْنًا عَلَيْهِ، فَقَالَ: أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» وَلِأَنَّ الْمَالَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْحُقُوقِ فَلَمْ يَمْلِكْ مُطَالَبَةَ أَبِيهِ بِهِ كَحُقُوقِ الْأَبْدَانِ (وَلَا) لِلِابْنِ (أَنْ يُحِيلَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (بِدَيْنِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ طَلَبَهُ بِهِ فَلَا يَمْلِكُ الْحَوَالَةَ عَلَيْهِ. (وَلَا) مُطَالَبَةَ لِلْوَلَدِ عَلَى وَالِدِهِ (بِغَيْرِ ذَلِكَ) مِنْ سَائِرِ الْحُقُوقِ لِمَا تَقَدَّمَ (إلَّا بِنَفَقَةٍ) أَيْ: الْوَلَدِ (الْوَاجِبَةِ) عَلَى الْأَبِ لِفَقْرِ الِابْنِ وَعَجْزِهِ عَنْ التَّكَسُّبِ، فَلَهُ الطَّلَبُ بِهَا (زَادَ فِي الْوَجِيزِ وَحَبْسُهُ عَلَيْهَا) لِقَوْلِهِ ﷺ لِهِنْدٍ: «خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ» (وَلَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (مُطَالَبَتُهُ) أَيْ: الْأَبِ (بِعَيْنِ مَالٍ لَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (فِي يَدِهِ) أَيْ: الْأَبِ. (وَيَجْرِي الرِّبَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ الْوَالِدِ وَوَلَدِهِ لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ عَلَى مَالِهِ وَاسْتِقْلَالِهِ بِالتَّصَرُّفِ فِيهِ، وَوُجُوبِ زَكَاتِهِ عَلَيْهِ وَحِلِّ الْوَطْءِ وَتَوْرِيثِ وَرَثَتِهِ. وَحَدِيثُ «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» عَلَى مَعْنَى سُلْطَةِ التَّمَلُّكِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ إضَافَةُ الْمَالِ لِلْوَلَدِ (وَيَثْبُتُ لَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (فِي ذِمَّتِهِ) أَيْ: الْوَالِدِ (الدَّيْنُ) مِنْ بَدَلِ قَرْضٍ وَثَمَنِ مَبِيعٍ وَأُجْرَةٍ وَنَحْوِهَا (وَنَحْوُهُ) كَأَرْشِ الْجِنَايَاتِ وَقِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ إعْمَالًا لِلسَّبَبِ فَإِنَّ مِلْكَ الْوَلَدِ تَامٌّ. وَالسَّبَبُ إمَّا إتْلَافٌ لِمَالِ الْغَيْرِ وَإِمَّا قَرْضٌ وَنَحْوُهُ فَعَقْدٌ يَدْخُلُ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] . (قَالَ فِي الْمُوجَزِ: لَا يَمْلِكُ) الْوَلَدُ (إحْضَارَهُ) أَيْ: الْأَبِ (فِي مَجْلِسِ الْحُكْمِ: فَإِنْ أَحْضَرَهُ فَادَّعَى) الْوَلَدُ عَلَيْهِ (فَأَقَرَّ) الْأَبُ بِالدَّيْنِ (أَوْ قَامَتْ) بِهِ (بَيِّنَةٌ لَمْ يُحْبَسْ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ الْخَلَّالِ. (وَإِنْ وَجَدَ) الْوَلَدُ (عَيْنَ مَالِهِ الَّذِي أَقْرَضَهُ) لِأَبِيهِ (أَوْ بَاعَهُ) لَهُ (وَنَحْوَهُ) كَعَيْنِ مَا غَصَبَهُ مِنْهُ (بَعْدَ مَوْتِهِ فَلَهُ) أَيْ: الْوَلَدِ (أَخْذُهُ) أَيْ: مَا وَجَدَهُ مِنْ عَيْنِ مَالِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ اُنْتُقِدَ ثَمَنُهُ) لِتَعَذُّرِ الْعِوَضِ قَالَهُ فِي التَّلْخِيصِ، وَلَعَلَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الدَّيْنَ لَا يَثْبُتُ فِي ذِمَّةِ الْأَبِ لِوَلَدِهِ، فَلَمَّا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْعِوَضُ رَجَعَ بِعَيْنِ الْمَالِ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَثْبُتُ فَيُطَالَبُ بِالْعِوَضِ (وَلَا يَكُونُ) مَا وَجَدَ مِنْ عَيْنِ مَالِ الْوَلَدِ بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ (مِيرَاثًا) لِوَرَثَةِ الْأَبِ

стр. 1918

(بَلْ) هُوَ (لَهُ) أَيْ: لِلْوَلَدِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ (دُونَ سَائِرِ الْوَرَثَةِ) قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: هَذَا إذَا صَارَ إلَى الْأَبِ بِغَيْرِ تَمْلِيكٍ وَلَا عَقْدِ مُعَاوَضَةٍ فَأَمَّا إنْ صَارَ إلَيْهِ بِنَوْعٍ مِنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لَهُ الْأَخْذُ قَوْلًا وَاحِدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قُلْتُ: فَكَيْفَ تُصَوَّرُ الْمَسْأَلَةُ حِينَئِذٍ مَعَ قَوْلِهِمْ عَيْنُ مَا أَقْرَضَهُ أَوْ بَاعَهُ وَمَا قَدَّمْتُهُ أَوْلَى. (وَلَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ الَّذِي عَلَيْهِ) أَيْ: الْأَبِ (بِمَوْتِهِ، فَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ) كَسَائِرِ الدُّيُونِ. (وَتَسْقُطُ جِنَايَتُهُ) أَيْ: أَرْشُهَا بِمَوْتِ الْأَبِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَلَعَلَّ الْفَرْقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ دَيْنِ الْقَرْضِ وَثَمَنِ الْمَبِيعِ وَنَحْوِهِمَا: كَوْنُ الْأَبِ أَخَذَ عَنْ هَذَا عِوَضًا بِخِلَافِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ أَيْضًا دَيْنُ الضَّمَانِ إذَا ضَمِنَ غَرِيمٌ وَلَدَهُ. (وَلَوْ قَضَى الْأَبُ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ لِوَلَدِهِ فِي مَرَضِهِ أَوْ وَصَّى بِقَضَائِهِ فَمِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ حَقٌّ ثَابِتٌ عَلَيْهِ لَا تُهْمَةَ فِيهِ فَكَانَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَالدَّيْنِ الْأَجْنَبِيِّ. (وَلِوَلَدِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ جَدِّهِ بِمَالِهِ فِي ذِمَّتِهِ) مِنْ دَيْنٍ وَأَرْشِ جِنَايَةٍ وَغَيْرِهِمَا كَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، إنْ لَمْ يَكُنْ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ أَبِيهِ لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ لِوَرَثَةِ الْوَلَدِ مُطَالَبَةُ أَبِيهِ بِدَيْنِهِ (وَكَذَا الْأُمُّ) تُطَالَبُ بِدَيْنِ وَلَدِهَا. (وَلَا اعْتِرَاضَ لِلْأَبِ عَلَى تَصَرُّفِ الْوَلَدِ فِي مَالِ نَفْسِهِ بِعُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ وَغَيْرِهَا) لِتَمَامِ مِلْكِ الْوَلَدِ. (وَالْهَدِيَّةُ تُذْهِبُ الْحِقْدَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تَهَادَوْا فَإِنَّ الْهَدَايَا تُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ» وَالْوَحَرُ - بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ - الْحِقْدُ وَالْغَيْظُ. (وَ) الْهَدِيَّةُ (تَجْلِبُ الْمَحَبَّةَ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» (وَلَا تُرَدُّ) أَيْ: يُكْرَهُ رَدُّ الْهَدِيَّةِ. (وَإِنْ قَلَّتْ، كَذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ) بِضَمِّ الْكَافُ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مُسْتَدَقُّ السَّاقِ مِنْ الرِّجْلِ، وَمِنْ حَدِّ الرُّسْغِ فِي الْيَدِ وَهُوَ مِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ بِمَنْزِلَةِ الْوَظِيفِ مِنْ الْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ، وَوَظِيفُ الْبَعِيرِ: خُفُّهُ، وَهُوَ كَالْحَافِرِ لِلْفَرَسِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ» (خُصُوصًا الطِّيبُ) لِحَدِيثِ " ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ " فَعَدَّ مِنْهَا الطِّيبَ وَقَوْلُهُ: (مَعَ انْتِفَاءِ مَانِعِ الْقَبُولِ) مُتَعَلِّقٌ بِلَا تُرَدُّ. (وَيُسَنُّ) لِمَنْ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ (أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَنْ يُثِيبَ عَلَيْهَا (فَلْيَذْكُرْهَا، وَ) ل (يُثْنِ عَلَى صَاحِبِهَا) الَّذِي أَهْدَاهَا. (وَيَقُولُ: جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ «مَنْ أُعْطِيَ عَطَاءً فَوَجَدَ فَلْيُجْزِهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ

стр. 1919

فَلْيُثْنِ بِهِ، فَمَنْ أَثْنَى بِهِ فَقَدْ شَكَرَهُ، وَمَنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَلِحَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ مَرْفُوعًا «مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. (وَيُقَدَّمُ فِي الْهَدِيَّةِ الْجَارُ الْقَرِيبُ بَابُهُ عَلَى) الْجَارِ (الْبَعِيدِ) بَابُهُ لِحَدِيثِ «عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي جَارَيْنِ فَإِلَى أَيِّهِمَا أُهْدِي؟ قَالَ إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكِ بَابًا» . (وَيَجُوزُ رَدُّهَا) أَيْ: الْهَدِيَّةِ (لِأُمُورٍ مِثْلِ أَنْ يُرِيدَ أَخْذَهَا بِعَقْدِ مُعَاوَضَةٍ لِحَدِيثِ «جَابِرٍ فِي جَمَلِهِ) قَالَ لَهُ النَّبِيّ ﷺ بِعْنِي جَمَلَكَ هَذَا قَالَ قُلْتُ لَا، بَلْ هُوَ لَكَ قَالَ لَا، بَلْ بِعْنِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (أَوْ يَكُونُ الْمُعْطَى لَا يَقْنَعُ بِالثَّوَابِ الْمُعْتَادِ) لِمَا فِي الْقَبُولِ مِنْ الْمَشَقَّةِ حِينَئِذٍ (أَوْ تَكُونُ) الْهَدِيَّةُ (بَعْدَ السُّؤَالِ وَاسْتِشْرَافِ النَّفْسِ لَهَا) لِحَدِيثِ عُمَرَ «إذَا جَاءَكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُسْتَشْرِفٌ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ وَمَا لَا فَلَا تُتْبِعْهُ نَفْسَكَ» وَإِشْرَافُ النَّفْسِ فَسَّرَهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بِأَنَّهُ تَطَلُّبٌ لِلشَّيْءِ وَارْتِفَاعٌ لَهُ وَتَعَرُّضٌ إلَيْهِ (أَوْ لِقَطْعِ الْمِنَّةِ) إذَا كَانَ عَلَى الْآخِذِ فِيهِ مِنَّةٌ. (وَقَدْ يَجِبُ الرَّدُّ كَهَدِيَّةِ صَيْدٍ لِمُحْرِمٍ) لِأَنَّهُ ﵊ «رَدَّ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ هَدِيَّةَ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ وَقَالَ: إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أَنَّا حُرُمٌ» وَكَذَا إنْ عُلِمَ أَنَّهُ أَهْدَى حَيًّا حَرُمَ الْقَبُولُ نَقَلَهُ فِي الْآدَابِ عَنْ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. [فَصْلٌ فِي عَطِيَّةِ الْمَرِيضِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ] ِ (عَطِيَّةُ الْمَرِيضِ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ وَلَوْ) كَانَ الْمَرَضُ (مَخُوفًا) كَصَحِيحٍ (أَوْ فِي) مَرَضٍ (غَيْرِ مَخُوفٍ كَرَمَدٍ وَوَجَعِ ضِرْسٍ وَصُدَاعٍ) أَيْ: وَجَعِ رَأْسٍ (وَجَرَبٍ وَحُمَّى يَسِيرَةٍ سَاعَةً أَوْ نَحْوَهَا وَالْإِسْهَالِ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ دَمٍ وَنَحْوِهِ) بِأَنْ يَكُونَ مُنْحَرِفًا لَا يُمْكِنهُ مَنْعُهُ وَلَا إمْسَاكُهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ مَخُوفٌ وَلَوْ سَاعَةً، لِأَنَّ مَنْ لَحِقَهُ ذَلِكَ أَسْرَعَ فِي هَلَاكِهِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي (وَلَوْ مَاتَ) الْمُعْطَى (بِهِ) أَيْ: بِذَلِكَ الْمَرَضِ (أَوْ صَارَ) الْمَرَضُ (مَخُوفًا وَمَاتَ بِهِ كَ) عَطِيَّةِ (صَحِيحٍ) لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصِّحَّةِ، لِكَوْنِهِ لَا يُخَافُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ. (وَ) عَطِيَّتُهُ (فِي مَرَضِ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ كَالْبَرْسَامِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ بُخَارٌ يَرْتَقِي إلَى الرَّأْسِ وَيُؤَثِّرُ

стр. 1920

فِي الدِّمَاغِ، فَيَخْتَلُّ عَقْلُ صَاحِبِهِ وَقَالَ عِيَاضٌ: وَرَمٌ فِي الدِّمَاغِ يَتَغَيَّرُ مِنْهُ عَقْلُ الْإِنْسَانِ وَيَهْذِي (وَوَجَعِ الْقَلْبِ، وَ) وَجَعِ (الرِّئَةِ) فَإِنَّهَا لَا تَسْكُنُ حَرَكَتُهَا فَلَا يَنْدَمِلُ جُرْحُهَا (وَذَاتِ الْجَنْبِ) قُرُوحٌ بِبَاطِنِ الْجَنْبِ. (وَالطَّاعُونِ فِي بَدَنِهِ) قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الطَّاعُونُ وَبَاءٌ مَعْرُوفٌ وَهُوَ بَثْرٌ وَوَرَمٌ مُؤْلِمٌ جِدًّا يَخْرُجُ مَعَ لَهَبٍ وَيَسْوَدُّ مَا حَوْلَهُ وَيَخْضَرُّ وَيَحْمَرُّ حُمْرَةً بَنَفْسَجِيَّةً وَيَحْصُلُ مَعَهُ خَفَقَانُ الْقَلْبِ. (أَوْ وَقَعَ) الطَّاعُونُ (بِبَلَدِهِ) لِأَنَّهُ مَخُوفٌ إذَا كَانَ بِهِ (أَوْ هَاجَتْ بِهِ الصَّفْرَاءُ) لِأَنَّهَا تُوَرِّثُهُ يُبُوسَةً (أَوْ الْبَلْغَمُ) لِأَنَّهُ يُوَرِّثُهُ شِدَّةَ بُرُودَةٍ (وَالْقُولَنْجِ) بِأَنْ يَنْعَقِدَ الطَّعَامُ فِي بَعْضِ الْأَمْعَاءِ وَلَا يَنْزِلُ عَنْهُ (وَالْحُمَّى الْمُطْبِقَةِ وَالرُّعَافِ الدَّائِمِ) لِأَنَّهُ يُصَفِّي الدَّمَ (وَالْقِيَامِ الْمُتَدَارَكِ وَهُوَ الْإِسْهَالُ الْمُتَوَاتِرُ) الَّذِي لَا يَسْتَمْسِكُ وَكَذَا إسْهَالٌ مَعَهُ دَمٌ لِأَنَّهُ يُضْعِفُ الْقُوَّةَ. (وَالْفَالِجِ) اسْتِرْخَاءٌ لَأَحَدِ شِقَّيْ الْبَدَنِ لِانْصِبَابِ خَلْطٍ بَلْغَمِيٍّ تَفْسُدُ مِنْهُ مَسَالِكُ الرُّوحِ فَلِجَ كَعَنِيَ، فَهُوَ مَفْلُوجٌ قَالَهُ فِي الْقَامُوسِ (فِي) حَالِ (ابْتِدَائِهِ وَالسِّلِّ) بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ دَاءٌ مَعْرُوفٌ (فِي) حَالِ (انْتِهَائِهِ) وَيَأْتِي مُقَابِلُهُ (وَمَا قَالَ مُسْلِمَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الطِّبِّ لَا) مَا قَالَ (وَاحِدٌ وَلَوْ لِعَدَمِ) غَيْرِهِ (عِنْدَ إشْكَالِهِ) أَيْ: الْمَرَضِ (إنَّهُ مَخُوفٌ) قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: لَيْسَ مَعْنَى الْمَرَضِ الْمَخُوفِ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ الْمَوْتُ مِنْهُ، أَوْ يَتَسَاوَى فِي الظَّنِّ جَانِبُ الْبَقَاءِ، وَالْمَوْتِ لِأَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا ضَرْبَ الْمَخَاضِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَخُوفَةِ. وَلَيْسَ الْهَلَاكُ غَالِبًا وَلَا مُسَاوِيًا لِلسَّلَامَةِ، وَإِنَّمَا الْغَرَضُ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا صَالِحًا لِلْمَوْتِ فَيُضَافُ إلَيْهِ وَيَجُوزُ حُدُوثُهُ عِنْدَهُ. وَأَقْرَبُ مَا يُقَالُ: مَا يَكْثُرُ حُصُولُ الْمَوْتِ مِنْهُ (فَعَطَايَاهُ وَلَوْ) كَانَتْ (عِتْقًا وَوَقْفًا وَمُحَابَاةً) بِأَنْ بَاعَ بِدُونِ ثَمَنِ الْمِثْلِ أَوْ اشْتَرَى بِأَكْثَرَ (كَوَصِيَّةٍ فِي أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ غَيْرِ الْوَقْفِ) لِلثُّلُثِ فَأَقَلَّ. (وَلَا لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ فِيهِمَا) أَيْ: فِيمَا إذَا كَانَتْ لِوَارِثٍ بِشَيْءٍ وَمَا إذَا كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ «إنَّ اللَّهَ تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ عِنْدَ وَفَاتِكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالكُمْ زِيَادَةً لَكُمْ فِي أَعْمَالِكُمْ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَمَفْهُومُهُ لَيْسَ لَكُمْ أَكْثَرُ مِنْ الثُّلُثِ يُؤَيِّدُ مَا رَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ سِتَّةَ أَعْبُدٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ، فَاسْتَدْعَاهُمْ النَّبِيُّ ﷺ فَجَزَّأَهُمْ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ فَأَقْرَعَ بَيْنَهُمْ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَإِذَا لَمْ يَنْفُذْ الْعِتْقُ مَعَ سِرَايَتِهِ فَغَيْرُهُ أَوْلَى وَلِأَنَّ هَذِهِ الْحَالَ الظَّاهِرُ مِنْهَا الْمَوْتُ فَكَانَتْ عَطِيَّتُهُ فِيهَا فِي

стр. 1921

حَقِّ وَرَثَتِهِ لَا تَتَجَاوَزُ الثُّلُثَ كَالْوَصِيَّةِ (إلَّا الْكِتَابَةُ) لِرَقِيقِهِ أَوْ بَعْضِهِ بِمُحَابَاةٍ (فَلَوْ حَابَاهُ) سَيِّدُهُ الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ (فِيهَا) أَيْ: الْكِتَابَةِ (جَازَ وَتَكُونُ) الْمُحَابَاةُ حِينَئِذٍ (مِنْ رَأْسِ الْمَالِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الْإِنْصَافِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى، لَكِنَّ كَلَامَ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَالْحَارِثِيِّ وَغَيْرِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَصِحُّ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ هُوَ الْكِتَابَةُ نَفْسُهَا لِأَنَّهَا عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ كَالْبَيْعِ مِنْ الْغَيْرِ. قَالَ الْحَارِثِيُّ: ثُمَّ إنْ وُجِدَتْ مُحَابَاةٌ فَالْمُحَابَاةُ مِنْ الثُّلُثِ وَقَدْ نَاقَشَ شَارِحُ الْمُنْتَهَى صَاحِبَ الْإِنْصَافِ وَعَارَضَهُ بِكَلَامِ الْمُحَرَّرِ وَالْفُرُوعِ وَذَكَرَا أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ الْحَارِثِيِّ وَقَدْ ذَكَرَتْهُ لَكَ، فَوَقَعَ الِاشْتِبَاهُ عَلَى صَاحِبِ الْإِنْصَافِ وَالتَّنْقِيحِ وَتَبِعَهُ مَنْ تَبِعَهُ وَالْحَقُّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ (وَكَذَا لَوْ وَصَّى بِكِتَابَةٍ بِمُحَابَاةٍ) فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ (وَإِطْلَاقُهَا يَكُونُ بِقِيمَتِهِ) أَيْ: لَوْ وَصَّى السَّيِّدُ أَنْ يُكَاتَبَ عَبْدُهُ وَأَطْلَقَ بِأَنْ لَمْ يَقُلْ عَلَى كَذَا كُوتِبَ عَلَى قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ. (وَفَرَّعَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ عَلَى الْعِتْقِ فَقَالَ وَيَنْفُذُ الْعِتْقُ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ فِي الْحَالِ وَيُعْتَبَرُ خُرُوجُهُ) أَيْ: الْعَتِيقِ (مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا حِينَ الْعِتْقِ فَلَوْ أَعْتَقَ فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ (أَمَةً تَخْرُجُ مِنْ الثُّلُثِ حَالَ الْعِتْقِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا) لِاحْتِمَالِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَلَا تَعْتِقُ كُلُّهَا (إلَّا أَنْ يَصِحَّ) الْمَرِيضُ (مِنْ مَرَضِهِ) فَيَصِحُّ تَزَوُّجُهَا لِنُفُوذِ الْعِتْقِ قَطْعًا. (وَإِنْ وَهَبَهَا) أَيْ: وَهَبَ الْمَرِيضُ أَمَةً (حَرُمَ عَلَى الْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا حَتَّى يَبْرَأَ الْوَاهِبُ أَوْ يَمُوتَ) فَيَتَبَيَّنُ أَنَّهَا خَرَجَتْ مِنْ الثُّلُثِ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي خِلَافِهِ يَجُوزُ لِلْمُتَّهَبِ وَطْؤُهَا أَيْ: قَبْلَ الْبُرْءِ وَالْمَوْتِ وَاسْتَبْعَدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِأَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ، فَكَيْفَ يَجُوزُ قَبْلَهَا؟ وَقَدْ يُقَالُ: هُوَ فِي الظَّاهِرِ مِلْكُهُ بِالْقَبْضِ وَمَوْتُ الْوَاهِبِ وَانْتِقَالُ الْحَقِّ إلَى وَرَثَتِهِ مَظْنُونٌ، فَلَا يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ قَالَهُ فِي الْقَاعِدَةِ الثَّالِثَةِ وَالْخَمْسِينَ. (وَالِاسْتِيلَادُ فِي الْمَرَضِ) الْمَخُوفِ (لَا يُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ فَإِنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الِاسْتِهْلَاكِ فِي مُهُورِ الْأَنْكِحَةِ وَطَيِّبَاتِ الْأَطْعِمَةِ وَنَفَائِسِ الثِّيَابِ وَالتَّدَاوِي وَدَفْعِ الْحَاجَاتِ وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْمَرِيضِ بِهِ) أَيْ: بِالِاسْتِيلَادِ وَنَحْوِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ إنْشَائِهِ. (وَلَوْ وَهَبَ فِي الصِّحَّةِ وَأَقْبَضَ فِي الْمَرَضِ) لِغَيْرِ وَارِثٍ (فَ) مَا وَهَبَهُ يُعْتَبَرُ (مِنْ الثُّلُثِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا. (فَأَمَّا الْأَمْرَاضُ الْمُمْتَدَّةُ كَالسِّلِّ) فِي غَيْرِ حَالِ انْتِهَائِهِ (وَالْجُذَامِ وَحُمَّى الرُّبُعِ) وَهِيَ الَّتِي تَأْخُذُ يَوْمًا وَتَذْهَبُ يَوْمَيْنِ وَتَعُودُ فِي الرَّابِعِ (وَالْفَالِجِ فِي دَوَامِهِ فَإِنْ صَارَ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ فَهِيَ مَخُوفَةٌ وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَصِرْ صَاحِبُهَا صَاحِبَ فِرَاشٍ (فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ وَالْهَرِمُ إنْ صَارَ صَاحِبَ فِرَاشٍ

стр. 1922

فَكَمُخَرِّفٍ) أَيْ: كَالْمَرِيضِ مَرَضًا مَخُوفًا. (وَمَنْ كَانَ بَيْنَ الصَّفَّيْنِ عِنْدَ الْتِحَامِ حَرْبٍ هُوَ فِيهِ وَاخْتَلَطَتْ الطَّائِفَتَانِ لِلْقِتَالِ سَوَاءٌ كَانَتَا مُتَّفِقَتَيْنِ فِي الدَّيْنِ أَوْ لَا) لِوُجُودِ خَوْفِ التَّلَفِ (وَكَانَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا) أَيْ: مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ (مُكَافِئَةً لِلْأُخْرَى أَوْ) كَانَتْ (إحْدَاهُمَا مَقْهُورَةً وَهُوَ مِنْهَا فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ) لِأَنَّ تَوَقُّعَ التَّلَفِ هُنَا كَتَوَقُّعِ الْمَرِيضِ أَوْ أَكْثَرَ فَوَجَبَ أَنْ يُلْحَقَ بِهِ (فَأَمَّا) إنْ كَانَ مِنْ (الْقَاهِرَةِ بَعْدَ ظُهُورِهَا أَوْ كَانَ) مِنْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَ (كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مُتَمَيِّزَةٌ) عَنْ الْأُخْرَى (لَمْ يَخْتَلِطُوا) لِلْحَرْبِ. (وَبَيْنَهُمَا رَمْيُ سِهَامٍ أَوْ لَا فَلَيْسَ) حَالُهُ (بِ) مَنْزِلَةِ مَرَضٍ (مَخُوفٍ) لِأَنَّهُ لَا يَتَوَقَّعُ التَّلَفَ قَرِيبًا. (وَمَنْ كَانَ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ عِنْدَ هَيَجَانِهِ) أَيْ: ثَوَرَانِهِ بِهُبُوبِ الرِّيحِ الْعَاصِفِ فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ هَذِهِ الْحَالَةَ بِشِدَّةِ الْخَوْفِ بِقَوْلِهِ ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] (أَوْ قُدِّمَ لِيُقْتَلَ قِصَاصًا أَوْ غَيْرَهُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ وَأَوْلَى لِظُهُورِ التَّلَفِ وَقُرْبِهِ (أَوْ أُسِرَ عِنْدَ مَنْ عَادَتُهُمْ الْقَتْلُ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِأَنَّهُ يَتَرَقَّبُهُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ الْقَتْلَ فَعَطَايَاهُ كَصَحِيحٍ (أَوْ حَامِلٍ عِنْدَ مَخَاضٍ) أَيْ: طَلْقٍ (حَتَّى تَنْجُوَ مِنْ نِفَاسِهَا مَعَ أَلَمٍ وَلَوْ) كَانَ الطَّلْقُ (بِسَقْطٍ تَامِّ الْخَلْقِ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ لِلْخَوْفِ الشَّدِيدِ (بِخِلَافِ الْمُضْغَةِ) إذَا وَضَعَتْهَا فَعَطَايَاهَا كَعَطَايَا الصَّحِيحِ (إلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ مَرَضٌ أَوْ أَلَمٌ) قَالَهُ فِي الْمُغْنِي. فَعَطَايَاهَا إذَنْ كَالْمَرِيضِ الْمَخُوفِ (أَوْ حُبِسَ لِيُقْتَلَ) فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ (أَوْ جُرِحَ جُرْحًا مُوحِيًا مَعَ ثَبَاتِ عَقْلِهِ فَكَمَرَضٍ مَخُوفٍ) لِأَنَّ عُمَرَ ﵂ لَمَّا جُرِحَ سَقَاهُ الطَّبِيبُ لَبَنًا فَخَرَجَ مِنْ جُرْحِهِ فَقَالَ لَهُ الطَّبِيبُ " اعْهَدْ إلَى النَّاسَ فَعَهِدَ إلَيْهِمْ وَوَصَّى " فَاتَّفَقَ الصَّحَابَةُ عَلَى قَبُولِ عَهْدِهِ وَوَصِيَّتِهِ وَعَلِيٌّ بَعْدَ ضَرْبِ ابْنِ مُلْجِمٍ أَوْصَى وَأَمَرَ وَنَهَى فَلَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِ: وَمَعَ عَدَمِ ثَبَاتِ عَقْلِهِ لَا حُكْمَ لِعَطِيَّتِهِ بَلْ وَلَا لِكَلَامِهِ (وَحُكْمُ مَنْ ذُبِحَ) كَمَيِّتٍ (أَوْ أُبِينَتْ حَشْوَتُهُ وَهِيَ أَمْعَاؤُهُ لَا خَرَقَهَا فَقَطْ) مِنْ غَيْرِ إبَانَةٍ (كَمَيِّتٍ) فَلَا يُعْتَدُّ بِكَلَامِهِ قَالَ الْمُوَفِّقُ فِي فَتَاوِيهِ: إنْ خَرَجَتْ حَشْوَتُهُ وَلَمْ تَبِنْ، ثُمَّ مَاتَ وَلَدُهُ وَرِثَهُ. وَإِنْ أُبِينَتْ فَالظَّاهِرُ يَرِثُهُ لِأَنَّ الْمَوْتَ زَهُوقُ النَّفْسِ وَخُرُوجُ الرُّوحِ، وَلَمْ يُوجَدُ، وَلِأَنَّ الطِّفْلَ يَرِثُ وَيُورَثُ بِمُجَرَّدِ اسْتِهْلَالِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةٍ أَثْبَتَ مِنْ حَيَاةِ هَذَا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ هَذَا مِنْ الشَّيْخِ أَنَّ مَنْ ذُبِحَ لَيْسَ كَمَيِّتٍ مَعَ بَقَاءِ رُوحِهِ. (وَلَوْ عَلَّقَ صَحِيحَ عِتْقِ عَبْدٍ) عَلَى صِفَةٍ كَقُدُومِ زَيْدٍ أَوْ نُزُولِ مَطَرٍ وَنَحْوِهِ

стр. 1923

(فَوُجِدَ شَرْطَهُ) أَيْ: مَا عَلَّقَ الْعِتْقَ عَلَيْهِ (فِي مَرَضِهِ) الْمَخُوفِ. (وَلَوْ) كَانَ وُجُودُهُ (بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَ) عِتْقِ الْعَبْدِ يُعْتَبَرُ (مِنْ ثُلُثِهِ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ وُجُودِ الصِّفَةِ لِأَنَّهُ وَقْتُ نُفُوذِ الْعِتْقِ. (وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ؛ وَصَاحِبُ الْعَطِيَّةِ هَلْ أُعْطِيَهَا فِي الصِّحَّةِ) فَتَكُونُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (أَوْ) أُعْطِيَهَا فِي (الْمَرَضِ) فَتُعْتَبَرُ مِنْ ثُلُثِهِ (فَ) الْقَوْلُ (قَوْلُهُمْ) نَقَلَهُ عَنْ الْفُرُوعِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَقَالَ: نَقَلَهُ مُهَنَّا، فِي الْعِتْقِ ذَكَرَهُ آخِرَ الْعَطِيَّةِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُبْدِعِ فِي مَسْأَلَةِ الْعِتْقِ فِي تَعَارُضِ الْبَيِّنَتَيْنِ. وَقَالَ الْحَارِثِيُّ: إذَا اخْتَلَفَ الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى هَلْ الْمَرَضُ مَخُوفٌ أَمْ لَا؟ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُعْطَى، إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ الْخَوْفِ وَعَلَى الْوَارِثِ الْبَيِّنَةُ انْتَهَى فَمَسْأَلَتُنَا أَوْلَى. (وَإِنْ كَانَتْ) الْعَطِيَّةُ (فِي رَأْسِ الشَّهْرِ وَاخْتَلَفَا) أَيْ: الْوَارِثُ وَالْمُعْطَى، (فِي مَرَضِ الْمُعْطِي فِيهِ) أَيْ: فِي رَأْسِ الشَّهْرِ (فَقَوْلُ الْمُعْطَى) بِفَتْحِ الطَّاءِ: أَنَّ الْمُعْطِيَ بِكَسْرِهَا كَانَ صَحِيحًا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْمَرَضِ. (وَإِنْ عَجَزَ الثُّلُثُ عَنْ التَّبَرُّعَاتِ الْمُنْجَزَةِ بُدِئَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) لِأَنَّ السَّابِقَ اسْتَحَقَّ الثُّلُثَ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَا بَعْدَهُ وَالتَّبَرُّعُ إزَالَةُ مِلْكٍ فِيمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ وَاحْتُرِزَ بِالْمُنْجَزَةِ عَنْ الْوَصِيَّةِ بِالتَّبَرُّعِ (وَلَوْ كَانَ فِيهَا) أَيْ: التَّبَرُّعَاتِ (عِتْقٌ) فَهُوَ كَغَيْرِهِ مِنْ التَّبَرُّعَاتِ وَعَنْهُ يُقَدَّمُ عِتْقٌ (فَإِنْ تَسَاوَتْ) التَّبَرُّعَاتُ الْمُنْجَزَةُ (بِأَنْ وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً) وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهَا وَلَمْ تُجِزْهَا الْوَرَثَةُ (قُسِّمَ الثُّلُثُ بَيْنَ الْجَمِيعِ بِالْحِصَصِ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي الِاسْتِحْقَاقِ فَيُقَسَّمُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حُقُوقِهِمْ كَغُرَمَاءِ الْمُفْلِسِ قَالَ فِي الْمُغْنِي فَإِنْ كَانَتْ كُلُّهَا عِتْقًا أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ فَكَمَّلْنَا الْعِتْقَ كُلَّهُ فِي بَعْضِهِمْ لِحَدِيثِ عِمْرَانِ بْنِ حُصَيْنٍ وَلِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْعِتْقِ تَكْمِيلُ الْأَحْكَامِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَتَبِعَهُ الْحَارِثِيُّ وَغَيْرُهُ. (وَإِذَا قَالَ الْمَرِيضُ) مَرَضَ الْمَوْتِ الْمَخُوفِ (الْمَخُوفِ إنْ أَعْتَقْتَ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ ثُمَّ أَعْتَقَ) الْمَرِيضُ (سَعْدًا عَتَقَ سَعِيدٌ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ) لِوُجُودِ الصِّفَةِ. (وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ) مِنْ الثُّلُثِ (إلَّا أَحَدُهُمَا عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ وَلَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا) لِسَبْقِ عِتْقِ سَعْدٍ (وَلَوْ رُقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لِعَجْزِ الثُّلُثِ عَنْ) قِيمَةِ (كُلِّهِ فَاتَ إعْتَاقُ سَعِيدٍ) لِعَدَمِ وُجُودِ شَرْطِهِ. (وَإِنْ بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ بَعْدَ إعْتَاقِ سَعْدٍ مَا يُعْتَقُ بِهِ بَعْضُ سَعِيدٍ عَتَقَ تَمَامُ الثُّلُثِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ سَعِيدٍ لِوُجُودِ شَرْطِ عِتْقِهِ. (وَإِنْ قَالَ) الْمَرِيضُ (إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ ثُمَّ أَعْتَقَ سَعْدًا وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا أَحَدُهُمْ عَتَقَ سَعْدٌ وَحْدَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ أَوْ) خَرَجَ (وَاحِدٌ وَبَعْضُ آخَرَ عَتَقَ سَعْدٌ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَأُقْرِعَ بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو فِيمَا بَقِيَ مِنْ الثُّلُثِ) لِإِيقَاعِ عِتْقِهِمَا مَعًا مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمٍ لِوَاحِدٍ

стр. 1924

عَلَى آخَرَ. (وَلَوْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ اثْنَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ) عَتَقَ سَعْدٌ كَامِلًا بِلَا قُرْعَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ، وَ (أَقْرَعْنَا بَيْنَهُمَا) أَيْ: بَيْنَ سَعِيدٍ وَعَمْرٍو (لِتَكْمِيلِ الْحُرِّيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا، وَحُصُولِ التَّشْقِيصِ فِي الْآخَرِ) لِمَا تَقَدَّمَ. (وَإِنْ قَالَ) مَرِيضٌ: (إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا فَسَعِيدٌ حُرٌّ) فِي حَالِ إعْتَاقِي فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ أَوْ قَالَ إنْ أَعْتَقْتُ سَعْدًا (فَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو حُرَّانِ فِي حَالِ إعْتَاقِي فَالْحُكْمُ سَوَاءٌ) فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ لِجَعْلِهِ عِتْقَ سَعْدٍ شَرْطًا لِعِتْقِ سَعِيدٍ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ عَمْرٍو (وَلَوْ رُقَّ بَعْضُ سَعْدٍ لَفَاتَ شَرْطُ عِتْقِهِمَا فَإِنْ كَانَ الشَّرْطُ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِعْتَاقِ) أَيْ: وُجُودُ الصِّفَةِ (فِي الْمَرَضِ فَالْحُكْمُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ) اعْتِبَارًا بِوَقْتِ الْإِعْتَاقِ. (وَإِنْ قَالَ) مَرِيضٌ: (إنْ تَزَوَّجْتُ فَعَبْدِي حُرٌّ فَتَزَوَّجَ فِي مَرَضِهِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ فَالزِّيَادَةُ مُحَابَاةٌ فَتُعْتَبَرُ مِنْ الثُّلُثِ) لِمَا تَقَدَّمَ (فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الثُّلُثِ إلَّا الْمُحَابَاةُ أَوْ الْعَبْدُ قُدِّمَتْ الْمُحَابَاةُ) لِسَبْقِهَا إنْ لَمْ تَرِثْ الْمَرْأَةُ الزَّوْجَ لِمَانِعٍ أَمَّا إنْ وَرِثَتْهُ فَعَلَى الْمَذْهَبِ: نَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُحَابَاةَ لَمْ تَثْبُتْ إلَّا أَنْ يُجِيزَهَا الْوَرَثَةُ، فَيَتَعَيَّنُ تَقْدِيمُ الْعِتْقِ لِلُزُومِهِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى إجَازَةٍ، فَيَكُونُ سَابِقًا قَالَهُ الْحَارِثِيُّ وَالشَّارِحُ. (وَإِنْ اجْتَمَعَتْ عَطِيَّةٌ وَوَصِيَّةٌ وَضَاقَ الثُّلُثُ عَنْهُمَا وَلَمْ تُجِزْ) الْوَرَثَةُ (جَمِيعَهَا قُدِّمَتْ الْعَطِيَّةُ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمَرِيضِ فَقُدِّمَتْ عَلَى الْوَصِيَّةِ، كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ. (وَلَوْ قَضَى مَرِيضٌ بَعْضَ غُرَمَائِهِ) دَيْنَهُ (صَحَّ) الْقَضَاءُ (وَلَمْ يَكُنْ لِبَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ الِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ) لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ فِي مَحَلِّهِ وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ (وَلَمْ يُزَاحِمْ الْمُقْضَى الْبَاقُونَ) مِنْ الْغُرَمَاءِ (وَلَوْ لَمْ تَفِ تَرِكَتُهُ لِبَقِيَّةِ الدُّيُونِ) لِأَنَّهُ أَدَّى وَاجِبًا عَلَيْهِ كَأَدَاءِ ثَمَنِ الْمَبِيعِ (وَمَا لَزِمَ الْمَرِيضَ فِي مَرَضِهِ مِنْ حَقٍّ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ، وَإِسْقَاطُهُ كَأَرْشِ جِنَايَةِ عَبْدِهِ) وَأَرْشِ جِنَايَتِهِ (وَمَا عَاوَضَ عَلَيْهِ بِثَمَنِ الْمِثْلِ) بَيْعًا أَوْ شِرَاءً أَوْ إجَارَةً وَنَحْوَهَا (وَلَوْ مَعَ وَارِثٍ) فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهَا وَلَا تُهْمَةَ (وَمَا يَتَغَابَنُ النَّاسَ بِمِثْلِهِ) عَادَةً (فَمِنْ رَأْسِ الْمَالِ) لِأَنَّهُ يَنْدَرِجُ فِي ثَمَنِ الْمِثْلِ، لِوُقُوعِ التَّعَارُفِ بِهِ (وَلَا يَبْطُلُ تَبَرُّعُهُ) أَيْ: الْمَرِيضِ (بِإِقْرَارِهِ بَعْدَهُ) أَيْ: التَّبَرُّعِ (بِدَيْنٍ) لِأَنَّ الْحَقَّ ثَبَتَ بِالتَّبَرُّعِ فِي الظَّاهِرِ. (وَلَوْ حَابَى) الْمَرِيضُ (وَارِثَهُ بَطَلَتْ) تَصَرُّفَاتُهُ (فِي قَدْرِهَا) أَيْ: الْمُحَابَاةِ (إنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ كَالْوَصِيَّةِ وَهِيَ لِوَارِثٍ بَاطِلَةٌ فَكَذَا الْمُحَابَاةُ (وَصَحَّتْ فِي غَيْرُهَا) وَهُوَ مَا لَا مُحَابَاةَ فِيهِ (بِقِسْطِهِ) لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ الْبَيْعِ الْمُحَابَاةُ، وَهِيَ هُنَا مَفْقُودَةٌ فَعَلَى هَذَا لَوْ بَاعَ شَيْئًا بِنِصْفِ ثَمَنِهِ فَلَهُ نِصْفُهُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ لَهُ بِنِصْفِ الثَّمَنِ فَبَطَلَ التَّصَرُّفُ فِيمَا تَبَرَّعَ بِهِ (وَلِلْمُشْتَرِي الْفَسْخُ) لِأَنَّ الصَّفْقَةَ تَبَعَّضَتْ

стр. 1925

فِي حَقِّهِ فَشُرِعَ لَهُ ذَلِكَ دَفْعًا لِلضَّرَرِ، فَإِنْ فَسَخَ وَطَلَبَ قَدْرَ الْمُحَابَاةِ أَوْ طَلَبَ الْإِمْضَاءَ فِي الْكُلِّ، وَتَكْمِيلَ حَقِّ الْوَرَثَةِ مِنْ الثَّمَنِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ. (وَإِنْ كَانَ لَهُ) أَيْ: الْوَارِثِ الْمُحَابَى (شَفِيعٌ فَلَهُ) أَيْ: الشَّفِيعِ (أَخْذُهُ) أَيْ: الشِّقْصِ الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُحَابَاةُ، لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَقَدْ وُجِدَ (فَإِنْ أَخَذَهُ) الشَّفِيعُ (فَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي) لِزَوَالِ الضَّرَرِ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَوْ فَسَخَ الْبَيْعَ رَجَعَ بِالثَّمَنِ وَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الشَّفِيعِ. (وَلَوْ بَاعَ الْمَرِيضُ أَجْنَبِيًّا) شِقْصًا (وَحَابَاهُ) فِي ثَمَنِهِ (وَلَهُ) أَيْ: الْأَجْنَبِيِّ (شَفِيعٌ وَارِثٌ أَخَذَهَا) لِمَا تَقَدَّمَ (إنْ لَمْ يَكُنْ حِيلَةً) عَلَى مُحَابَاةِ الْوَارِثِ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ وَقَوْلُهُ: (لِأَنَّ الْمُحَابَاةَ لِغَيْرِهِ) أَيْ: الْوَارِثِ مُتَعَلِّقٌ بِأَخْذِهَا عَلَى أَنَّهُ عِلَّةٌ لَهُ كَمَا لَوْ وَصَّى لِغَرِيمِ وَارِثِهِ وَلِأَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهَا فِي حَقِّ الْوَارِثِ لِمَا فِيهَا مِنْ التُّهْمَةِ مِنْ إيصَالِ الْمَالِ إلَى بَعْضِ الْوَرَثَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا، وَهَذَا مَعْدُومٌ فِيمَا إذَا أُخِذَ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ أَجَّرَ الْمَرِيضُ نَفْسَهُ وَحَابَى الْمُسْتَأْجِرَ وَارِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، صَحَّ مَجَّانًا بِخِلَافِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ. (وَيُعْتَبَرُ الثُّلُثُ عِنْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ الْعَطِيَّةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْوَصِيَّةِ وَالثُّلُثُ فِي الْوَصِيَّةِ مُعْتَبَرٌ بِالْمَوْتِ لِأَنَّهُ وَقْتُ لُزُومِهَا وَقَبُولِهَا وَرَدِّهَا فَكَذَلِكَ فِي الْعَطِيَّةِ (فَلَوْ أَعْتَقَ) مَرِيضٌ (عَبْدًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ ثُمَّ مَلَكَ) الْمَرِيضُ (مَالًا فَخَرَجَ) الْعَبْدُ (مِنْ ثُلُثِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ عَتَقَ كُلُّهُ) لِخُرُوجِهِ مِنْ الثُّلُثِ عِنْدَ الْمَوْتِ. (وَإِنْ صَارَ عَلَيْهِ) أَيْ: الْمَرِيضِ (دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ) أَيْ: الْعَبْدَ (لَمْ يُعْتَقْ مِنْهُ شَيْءٌ) لِأَنَّ الدَّيْنَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْوَصِيَّةِ، وَالْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ فِي مَعْنَاهَا فَإِنْ مَاتَ قَبْلَ سَيِّدِهِ مَاتَ حُرًّا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. [فَصْلٌ حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَض الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ] (فَصْلٌ) حُكْمُ الْعَطِيَّةِ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ فِي أَشْيَاءَ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْهَا أَنَّهُ يَقِفُ نُفُوذُهَا عَلَى خُرُوجِهَا مِنْ الثُّلُثِ، أَوْ إجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا: أَنَّهَا لَا تَصِحُّ لِوَارِثٍ إلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ وَمِنْهَا: أَنَّ فَضِيلَتَهَا نَاقِصَةٌ عَنْ فَضِيلَةِ الصَّدَقَةِ وَمِنْهَا: أَنَّهَا تَتَزَاحَمُ فِي الثُّلُثِ إذَا وَقَعَتْ دَفْعَةً وَاحِدَةً كَتَزَاحُمِ الْوَصَايَا، وَمِنْهَا: أَنَّ خُرُوجَهَا مِنْ الثُّلُثِ يُعْتَبَرُ حَالَ الْمَوْتِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ. (وَتُفَارِقُ الْعَطِيَّةُ) فِي الْمَرَضِ (الْوَصِيَّةَ فِي أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ أَحَدُهَا أَنْ يَبْدَأَ بِالْأَوَّلِ فَالْأَوَّلِ مِنْهَا) لِوُقُوعِهَا لَازِمَةً (وَالْوَصِيَّةُ يُسَوَّى بَيْنَ مُتَقَدِّمِهَا وَمُتَأَخِّرِهَا) لِأَنَّهَا تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ فَوُجِدَ دَفْعَةً وَاحِدَةً. (الثَّانِي: لَا

стр. 1926

يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْعَطِيَّةِ) بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّهَا لَازِمَةٌ فِي حَقِّ الْمُعْطَى، وَلَوْ كَثُرَتْ وَإِنَّمَا مُنِعَ مِنْ التَّبَرُّعِ بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُثِ لِحَقِّ الْوَرَثَةِ (بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ) فَإِنَّهُ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِيهَا، لِأَنَّ التَّبَرُّعَ فِيهَا مَشْرُوطٌ بِالْمَوْتِ فَقَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يُوجَدْ فَهِيَ كَالْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبُولِ. (الثَّالِثُ: يُعْتَبَرُ قَبُولُهُ لِلْعَطِيَّةِ عِنْدَ وُجُودِهَا) لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَالِ (وَالْوَصِيَّةُ بِخِلَافِهِ) فَإِنَّهَا تَمْلِيكٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَاعْتُبِرَ عِنْدَ وُجُودِهِ. (الرَّابِعُ: أَنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ فِي الْعَطِيَّةِ مِنْ حِينِهَا) بِشُرُوطِهَا لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ هِبَةً فَمُقْتَضَاهَا تَمْلِيكُهُ الْمَوْهُوبَ فِي الْحَالِ كَعَطِيَّةِ الصِّحَّةِ وَكَذَا إنْ كَانَتْ مُحَابَاةً أَوْ إعْتَاقًا. (وَيَكُونُ) الْمِلْكُ (مُرَاعًى) لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ هَلْ هُوَ مَرَضُ الْمَوْتِ أَمْ لَا؟ وَلَا نَعْلَمُ هَلْ يَسْتَفِيدُ مَالًا أَوْ يَتْلَفُ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ؟ فَتَوَقَّفْنَا لِنَعْلَمَ عَاقِبَةَ أَمْرِهِ لِنَعْمَلَ بِهَا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: ذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ وَيَتَصَرَّفُ فِيهَا مَعَ كَوْنِهَا مَوْقُوفَةً عَلَى الْإِجَازَةِ وَهَذَا ضَعِيفٌ. وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنَّ تَسْلِيمَ الْمَوْهُوبِ إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَذْهَبُ حَيْثُ يَشَاءُ، وَإِرْسَالُ الْعَبْدِ الْمُعْتَقِ وَإِرْسَالُ الْمُحَابَى لَا يَجُوزُ، بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يُوقَفُ أَمْرُ التَّبَرُّعَاتِ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ الْوَارِثُ مِنْ رَدِّهَا بَعْدَ الْمَوْتِ إذَا شَاءَ (فَإِذَا خَرَجَتْ) الْعَطِيَّةُ (مِنْ ثُلُثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ) أَيْ: الْمِلْكَ (كَانَ ثَابِتًا مِنْ حِينِهِ) أَيْ: الْإِعْطَاءِ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ ثُبُوتِهِ كَوْنُهُ زَائِدًا عَلَى الثُّلُثِ وَقَدْ تَبَيَّنَ خِلَافُهُ. (فَلَوْ أَعْتَقَ) رَقِيقًا فِي مَرَضِهِ (أَوْ وَهَبَ رَقِيقًا) لِغَيْرِ وَارِثِهِ (فِي مَرَضِهِ فَكَسَبَ) الرَّقِيقُ (ثُمَّ مَاتَ سَيِّدُهُ فَخَرَجَ) الرَّقِيقُ (مِنْ الثُّلُثِ كَانَ كَسْبُهُ لَهُ إنْ كَانَ مُعْتَقًا) لِأَنَّا تَبَيَّنَّا حُرِّيَّتَهُ مِنْ حِينِ الْعِتْقِ. (وَ) كَانَ كَسْبُ الرَّقِيقِ (لِلْمَوْهُوبِ لَهُ إنْ كَانَ مَوْهُوبًا) لِأَنَّ الْكَسْبَ تَابِعٌ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ (وَإِنْ خَرَجَ بَعْضُهُ) مِنْ الثُّلُثِ (فَلَهُمَا) أَيْ: الْمُعْتَقِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ (مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِهِ) أَيْ: بِقَدْرِ ذَلِكَ الْبَعْضِ الْخَارِجِ مِنْ الثُّلُثِ (فَلَوْ أَعْتَقَ عَبْدًا لَا مَالَ لَهُ سِوَاهُ فَكَسَبَ) الْعَبْدُ (مِثْلَ قِيمَتِهِ قَبْلَ مَوْتِ سَيِّدِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ مَا تَنْفُذُ فِيهِ الْعَطِيَّةُ دُونَ غَيْرِهِ فَيَلْزَمُ الدَّوْرُ لِأَنَّ لِلْعَبْدِ مِنْ كَسْبِهِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ وَبَاقِيه لِسَيِّدِهِ، ثُمَّ التَّرِكَةُ اتَّسَعَتْ بِحِصَّةِ الرِّقِّ لِأَنَّ حِصَّةَ الْعِتْقِ مِلْكٌ لِلْعَبْدِ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلَا تَدْخُلُ فِي التَّرِكَةِ. وَإِذَا اتَّسَعَتْ التَّرِكَةُ اتَّسَعَتْ الْحُرِّيَّةُ فَتَزِيدُ حِصَّتُهَا مِنْ الْكَسْبِ وَمِنْ ضَرُورَةِ هَذَا نُقْصَانُ حِصَّةِ التَّرِكَةِ مِنْ الْكَسْبِ فَتَنْقُصُ الْحُرِّيَّةُ فَتَزِيدُ التَّرِكَةُ فَتَزِيدُ الْحُرِّيَّةُ فَتَدُورُ زِيَادَتُهُ عَلَى زِيَادَتِهِ وَنُقْصَانِهِ وَلِاسْتِخْرَاجِ الْمَقْصُودِ وَانْفِكَاكِ الدَّوْرِ طُرُقٌ حِسَابِيَّةٌ اقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ مِنْهَا عَلَى طَرِيقِ الْجَبْرِ فَتَقُولُ عَتَقَ مِنْ الْعَبْدِ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ شَيْءٌ (وَلِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ شَيْئَانِ

стр. 1927

فَصَارَ الْعَبْدُ وَكَسْبُهُ نِصْفَيْنِ) لِأَنَّ الْعَبْدَ لَمَّا اسْتَحَقَّ بِعِتْقِهِ شَيْئًا وَبِكَسْبِهِ شَيْئًا كَانَ لَهُ فِي الْجُمْلَةِ شَيْئَانِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ (فَيُعْتَقُ مِنْهُ نِصْفُهُ وَلَهُ نِصْفُ كَسْبِهِ) غَيْرُ مَحْسُوبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ لَا مِنْ جِهَةِ سَيِّدِهِ. (وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُمَا) وَذَلِكَ مِثْلَمَا عَتَقَ (فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي عَشْرَةً فَكَسَبَ قَبْلَ الْوَفَاةِ مِثْلَهَا) عَشْرَةً (عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ مِنْ الْكَسْبِ شَيْءٌ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ نِصْفُهُ وَيَأْخُذُ خَمْسَةً) . لَا تُحْسَبُ عَلَيْهِ (وَلِلْوَرَثَةِ نِصْفُهُ) أَيْ: الْعَبْدِ (وَخَمْسَةٌ) مِنْ كَسْبِهِ ذَلِكَ مِثْلَا مَا عَتَقَ (وَإِنْ كَسَبَ مِثْلَيْ قِيمَتِهِ صَارَ لَهُ) مِنْ كَسْبِهِ (شَيْئَانِ وَعَتَقَ مِنْهُ شَيْء وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَخْمَاسٍ مِنْ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) مِنْهُ وَمِنْ كَسْبِهِ (لِلْوَرَثَةِ) وَإِنْ كَسَبَ ثَلَاثَةَ أَمْثَالِ قِيمَتِهِ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثُلُثَاهُ وَلَهُ ثُلُثَا كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ الْبَاقِي (وَإِنْ كَسَبَ نِصْفَ قِيمَتِهِ عَتَقَ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَهُ نِصْفُ شَيْءٍ مِنْ كَسْبِهِ وَلِلْوَرَثَةِ شَيْئَانِ) . فَالْجَمِيعُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ وَنِصْفٍ، أَبْسَطُهَا تَكُنْ سَبْعَةً لَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا (فَيُعْتَقُ مِنْهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهِ وَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ وَالْبَاقِي) أَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ كَسْبِهِ (لِلْوَرَثَةِ وَإِنْ كَانَ) الْعَبْدُ (مَوْهُوبًا لِإِنْسَانِ فَلَهُ) أَيْ: الْمَوْهُوبِ لَهُ (مِنْ الْعَبْدِ بِقَدْرِ مَا عَتَقَ مِنْهُ) فِي الْمَسَائِلِ السَّابِقَةِ (وَبِقَدْرِهِ) مِنْ كَسْبِهِ لِأَنَّ الْكَسْبَ يَتْبَعُ الْمِلْكَ وَلَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ مِائَةً وَكَسَبَ تِسْعَةً فَاجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْئًا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ وَلَهُ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ شَيْءٌ فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مِائَةُ شَيْءٍ وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ تِسْعَةُ أَشْيَاءَ وَلَهُمْ مِائَتَا شَيْءٍ، فَيُعْتَقُ مِنْهُ مِائَةُ جُزْءٍ وَتِسْعَةُ أَجْزَاءٍ مِنْ ثَلَاثِمِائَةٍ وَتِسْعَةٍ. وَلَهُ مِنْ كَسْبِهِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَهُمْ مِائَتَا جُزْءٍ مِنْ نَفْسِهِ وَمِائَتَا جُزْءٍ مِنْ كَسْبِهِ فَإِنْ كَسَبَهُ كَانَ عَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ كَسْبِهِ صُرِفَ مِنْ الْعَبْدِ وَمِنْ كَسْبِهِ مَا يُقْضَى مِنْهُ الدَّيْنُ وَمَا بَقِيَ مِنْهُمَا يُقَسَّمُ عَلَى مَا تَعْمَلُ فِي الْعَبْدِ الْكَامِلِ وَكَسْبِهِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ جَارِيَةً ثُمَّ وَطِئَهَا بِنِكَاحٍ أَوْ غَيْرِهِ) كَشُبْهَةٍ (وَمَهْرُ مِثْلِهَا نِصْفُ قِيمَتِهَا فَكَمَا لَوْ كَسَبَتْ نِصْفَ قِيمَتِهَا) لِأَنَّ مُهُورَ النِّسَاءِ كَسْبٌ لَهُنَّ (يُعْتَقُ مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَسْبَاعِهَا سُبُعٌ يَمْلِكُهَا لَهُ بِمَهْرِهَا) وَلَا وَلَاءَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ وَلَمْ يُسَمِّهِ. (وَسُبُعَانِ) يُعْتَقَانِ (بِإِعْتَاقِ الْمُتَوَفَّى) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِي التَّشْبِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْكَسْبَ يَزِيدُ بِهِ مِلْكُ السَّيِّدِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الزِّيَادَةَ فِي الْعِتْقِ، وَالْمَهْرُ يُنْقِصُهُ وَذَلِكَ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الْعِتْقِ، وَنَقَلَهُ الْحَارِثِيُّ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْأَصْحَابِ وَقَالَ هُوَ كَمَا قَالَ (وَلَوْ وَهَبَهَا) الْمَرِيضُ

стр. 1928

(لِمَرِيضٍ آخَرَ لَا مَالَ لَهُ فَوَهَبَهَا الثَّانِي لِلْأَوَّلِ) وَمَاتَا (صَحَّتْ هِبَةُ الْأَوَّلِ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ بِالْهِبَةِ الثَّانِيَةِ ثُلُثُهُ بَقِيَ لِوَرَثَةِ الْآخَرِ ثُلُثَا شَيْءٍ وَلِلْأَوَّلِ) أَيْ: وَرَثَتِهِ (شَيْئَانِ) فَاضْرِبْهَا فِي ثَلَاثَةٍ لِيَزُولَ الْكَسْرُ تَكُنْ ثَمَانِيَةَ أَشْيَاءَ تَعْدِلُ الْأَمَةَ الْمَوْهُوبَةَ (فَلَهُمْ) أَيْ: لِوَرَثَةِ الْأَوَّلِ (ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا) سِتَّةٌ. (وَلِوَرَثَةِ الثَّانِي رُبُعُهَا) شَيْئَانِ وَإِنْ شِئْتَ قُلْتَ: الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الْهِبَةَ صَحَّتْ فِي ثُلُثِ الْمَالِ وَهِبَةُ الثَّانِي صَحَّتْ فِي الثُّلُثِ، فَتَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةٍ، اضْرِبْهَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ تَكُنْ تِسْعَةً، أَسْقِطْ السَّهْمَ الَّذِي صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ الثَّانِيَةُ بَقِيَتْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ ثَمَانِيَةٍ. (وَلَوْ بَاعَ مَرِيضٌ قَفِيزًا لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشْرَةً وَهُمَا) أَيْ: الْقَفِيزَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (فَيُحْتَاجُ إلَى تَصْحِيحِ الْبَيْعِ فِي جُزْءٍ مِنْهُ مَعَ التَّخَلُّصِ مِنْ الرِّبَا) لِكَوْنِهِ يَحْرُمُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا (فَأَسْقِطْ) عَشْرَةً (قِيمَةَ الرَّدِيءِ مِنْ) ثَلَاثِينَ قِيمَةِ (الْجَيِّدِ ثُمَّ انْسِبْ الثُّلُثَ إلَى الْبَاقِي وَهُوَ عَشْرَةٌ مِنْ عِشْرِينَ تَجِدْهُ نِصْفَهَا فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِي نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ) لِأَنَّ ذَلِكَ مُقَابَلَةُ بَعْضِ الْمَبِيعِ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ عِنْدَ تَعَذُّرِ أَخْذِ جَمِيعِهِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. أَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى سِلْعَتَيْنِ بِثَمَنٍ فَانْفَسَخَ الْبَيْعُ فِي إحْدَاهُمَا بِعَيْبٍ أَوْ غَيْرِهِ (وَيَبْطُلُ) الْبَيْعُ (فِيمَا بَقِيَ) لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضِي لِلصِّحَّةِ وَلَمْ يَصِحَّ فِي الْجَيِّدِ بِقِيمَةِ الرَّدِيءِ وَيَبْطُلُ فِي غَيْرِهِ (حَذَرًا مِنْ رِبَا الْفَضْلِ) لِكَوْنِهِ بَيْعَ ثُلُثِ الْجَيِّدِ بِكُلِّ الرَّدِيءِ وَذَلِكَ رِبًا (وَلَا شَيْءَ لِلْمُشْتَرِي سِوَى الْخِيَارِ) لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ. (وَإِنْ شِئْتَ فِي عَمَلِهَا) أَيْ: عَمَلِ الْأَخِيرِ (فَانْسِبْ ثُلُثَ الْأَكْثَرِ) وَهُوَ ثَلَاثُونَ وَثُلُثُهُ عَشْرَةٌ فَانْسِبْهَا (مِنْ الْمُحَابَاةِ) وَهِيَ عِشْرُونَ تَكُنْ النِّصْفَ (فَيَصِحَّ الْبَيْعُ فِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ وَهُوَ هُنَا نِصْفُ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ وَإِنْ شِئْتَ فَاضْرِبْ مَا حَابَاهُ) . بِهِ وَهُوَ عِشْرُونَ (فِي ثَلَاثَةٍ) مُخْرَجِ الثُّلُثِ (يَبْلُغُ سِتِّينَ ثُمَّ انْسِبْ قِيمَةَ الْجَيِّدِ) ثَلَاثِينَ (إلَيْهَا فَهُوَ نِصْفُهُ فَيَصِحَّ بَيْعُ نِصْفِ الْجَيِّدِ بِنِصْفِ الرَّدِيءِ وَإِنْ شِئْتَ فَقُلْ قَدْرُ الْمُحَابَاةِ الثُّلُثَانِ وَمُخْرَجُهُمَا ثَلَاثَةٌ فَخُذْ لِلْمُشْتَرِي سَهْمَيْنِ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْمُخْرَجِ وَهُوَ ثَلَاثَةٌ (وَلِلْوَرَثَةِ أَرْبَعَةٌ) مِثْلُ مَا لِلْمُشْتَرِي (ثُمَّ انْسِبْ الْمُخْرَجَ) وَهُوَ الثَّلَاثَةُ (إلَى الْكُلِّ) وَهُوَ السِّتَّةُ تَجِدْهُ (بِالنِّصْفِ فَيَصِحَّ بَيْعُ نِصْفِ أَحَدِهِمَا بِنِصْفِ الْآخَرِ وَبِ) طَرِيقِ (الْجَبْرِ) يُقَالُ (يَصِحُّ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ الْأَعْلَى بِشَيْءٍ مِنْ الْأَدْنَى فَقِيمَتُهُ ثُلُثُ شَيْءٍ مِنْ - الْأَعْلَى فَتَكُونُ الْمُحَابَاةُ بِثُلُثَيْ شَيْءٍ مِنْهُ) أَيْ: الْجَيِّدِ (فَأَلْقِهَا مِنْهُ يَبْقَى قَفِيزٌ إلَّا ثُلُثَيْ شَيْءٍ يَعْدِلُ مِثْلَ الْمُحَابَاةِ مِنْهُ، وَهُوَ شَيْءٌ وَثُلُثُ شَيْءٍ فَإِذَا جُبِرَتْ قَابَلَتْ عَدْلَ شَيْئَيْنِ فَالشَّيْءُ نِصْفُ قَفِيزٍ) فَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي عِشْرِينَ صَحَّتْ فِي جَمِيعِ الْجَيِّدِ

стр. 1929

بِجَمِيعِ الرَّدِيءِ وَإِنْ كَانَ الْأَدْنَى يُسَاوِي خَمْسَةَ عَشَرَ فَاعْمَلْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ يَصِحُّ بَيْعُ الْجَيِّدِ بِثُلُثَيْ الرَّدِيءِ. وَيَبْطُلُ فِيمَا عَدَاهُ (فَلَوْ لَمْ يُفْضِ إلَى الرِّبَا كَمَا لَوْ بَاعَهُ عَبْدًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهُ بِعَشْرَةٍ وَلَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ) الْمُحَابَاةَ (صَحَّ بَيْعُ ثُلُثِهِ) أَيْ الْعَبْدِ (بِالْعَشَرَةِ وَالثُّلُثَانِ كَالْهِبَةِ، فَيَرُدُّ الْأَجْنَبِيُّ نِصْفَهُمَا وَهُوَ عَشْرَةٌ وَيَأْخُذُ عَشْرَةً بِالْمُحَابَاةِ وَإِنْ كَانَتْ الْمُحَابَاةُ مَعَ وَارِثٍ صَحَّ الْبَيْعُ فِي ثُلُثِهِ) أَيْ: الْعَبْدِ بِالْعَشَرَةِ. (وَلَا مُحَابَاةَ) حَيْثُ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَةُ (وَلَهُمَا) أَيْ الْأَجْنَبِيِّ وَالْوَارِثِ (فَسْخُهُ) أَيْ: الْبَيْعِ لِتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ (وَإِذَا أَفْضَى إلَى إقَالَةٍ بِزِيَادَةٍ أَوْ) أَفْضَى إلَى (رِبَا فَضْلٍ فَكَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) فَلَوْ أَسْلَفَ عَشْرَةً فِي كُرِّ حِنْطَةٍ، ثُمَّ أَقَالَهُ فِي مَرَضِهِ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثُونَ صَحَّتْ فِي نِصْفِهِ بِخَمْسَةٍ، وَبَطَلَتْ فِيمَا بَقِيَ لِئَلَّا يُفْضِيَ صِحَّتُهَا فِي أَكْثَرِ مِنْ ذَلِكَ إلَى الْإِقَالَةِ فِي السَّلَمِ بِزِيَادَةٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ وَارِثًا. (وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى) وَهِيَ مَا إذَا بَاعَ الْمَرِيضُ قَفِيزًا يُسَاوِي ثَلَاثِينَ بِقَفِيزٍ يُسَاوِي عَشْرَةً (أَنَّ لَهُ) أَيْ: الْمُشْتَرِي (ثُلُثَهُ) أَيْ: الْجَيِّدِ (بِالْعَشَرَةِ وَثُلُثَهُ بِالْمُحَابَاةِ لِنِسْبَتِهِمَا مِنْ قِيمَتِهِ فَيَصِحُّ بِقَدْرِ النِّسْبَةِ) . (وَإِنْ أَصْدَقَ) مَرِيضٌ (امْرَأَةً عَشَرَةً لَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا وَصَدَاقُ مِثْلِهَا خَمْسَةٌ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ ثُمَّ مَاتَ) فَيَدْخُلُهَا الدَّوْرُ (فَ) نَقُولُ (لَهَا بِالصَّدَاقِ خَمْسَةٌ) وَهِيَ مَهْرُ مِثْلِهَا. (وَشَيْء بِالْمُحَابَاةِ رَجَعَ إلَيْهِ نِصْفُ ذَلِكَ) إرْثًا (بِمَوْتِهَا) إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ (صَارَ لَهُ سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ خَمْسَةُ الْأَشْيَاءِ وَوَرِثَ اثْنَيْنِ وَنِصْفًا وَنِصْفَ شَيْءٍ (يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ) لِأَنَّهُ مِثْلَمَا اسْتَحَقَّتْهُ الْمَرْأَةُ بِالْمُحَابَاةِ وَذَلِكَ شَيْءٌ (اُجْبُرْهَا بِنِصْفِ شَيْءٍ) لِيُعْلَمَ. (وَقَابِلْ) أَيْ: يُزَادُ عَلَى الشَّيْئَيْنِ نِصْفُ شَيْءٍ لِيُقَابِلَ ذَلِكَ النِّصْفَ الْمُزَادَ أَيْ: يَبْقَى سَبْعَةٌ وَنِصْفٌ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا (يَخْرُجُ الشَّيْءُ ثَلَاثَةً، فَلِوَرَثَتِهِ سِتَّةٌ) لِأَنَّ لَهُمْ شَيْئَيْنِ (وَلِوَرَثَتِهَا أَرْبَعَةٌ) لِأَنَّهُ كَانَ لَهَا خَمْسَةٌ وَشَيْءٌ وَذَلِكَ ثَمَانِيَةٌ، رَجَعَ إلَى وَرَثَتِهِ نِصْفُهَا وَهِيَ أَرْبَعَةٌ وَالطَّرِيقُ فِي هَذَا أَنْ تَنْظُرَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ وَرَثَةِ الزَّوْجِ فَخُمُسَاهُ هُوَ الشَّيْءُ الَّذِي صَحَّتْ الْمُحَابَاةُ فِيهِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْجَبْرِ يَعْدِلُ شَيْئَيْنِ وَنِصْفًا وَالشَّيْءُ هُوَ خُمُسَاهَا، وَإِنْ شِئْتَ أَسْقَطْتَ خَمْسَةً وَأَخَذْتَ نِصْفَ مَا بَقِيَ (وَإِنْ مَاتَ قَبْلَهَا وَرِثَتْهُ) لِأَنَّهَا زَوْجَتُهُ (وَسَقَطَتْ الْمُحَابَاةُ) لِأَنَّهَا لِوَارِثٍ فَلَا تَصِحُّ فَإِنْ قَامَ بِهَا مَانِعٌ نَحْوَ كُفْرٍ لَمْ تَسْقُطْ لِعَدَمِ الْإِرْثِ. (وَلَوْ وَهَبَهَا) أَيْ: وَهَبَ الْمَرِيضُ زَوْجَتَهُ (كُلَّ مَالِهِ فَمَاتَتْ قَبْلَهُ) ثُمَّ مَاتَ (فَلِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسِهِ وَلِوَرَثَتِهَا خُمُسَهُ) وَطَرِيقُ ذَلِكَ بِالْجَبْرِ أَنْ تَقُولَ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي شَيْءٍ وَعَادَ إلَيْهِ نِصْفُهُ بِالْإِرْثِ يَبْقَى لِوَرَثَتِهِ الْمَالُ

стр. 1930

كُلُّهُ إلَّا نِصْفَ شَيْءٍ يَعْدِلُ ذَلِكَ شَيْئَيْنِ فَإِذَا جَبَرْتَ وَقَابَلْتَ خَرَجَ الشَّيْءُ خُمُسَيْ الْمَالِ وَهُوَ مَا صَحَّتْ فِيهِ الْهِبَةُ فَيَحْصُلُ لِوَرَثَتِهِ أَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ وَلِعَصَبَتِهَا خُمُسُهُ (وَيَأْتِي فِي الْخُلْعِ لَهُ تَتِمَّةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ) تَعَالَى. (وَلِلْمَرِيضِ لُبْسُ النَّاعِمِ وَأَكْلُ الطَّيِّبِ لِحَاجَةٍ) لِأَنَّ حَقَّ وَارِثِهِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِعَيْنِ مَالِهِ. (وَإِنْ فَعَلَهُ لِتَفْوِيتِ الْوَرَثَةِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ) لِأَنَّهُ لَا يُسْتَدْرَكُ كَإِتْلَافِهِ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَدَعْوَةُ الْمَرِيضِ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْعَادَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ. [فَصْلٌ مَلَكَ فِي صِحَّتِهِ ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ] (فَصْلٌ لَوْ مَلَكَ) فِي صِحَّتِهِ (ابْنَ عَمِّهِ فَأَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ) كَانَ (أَعْتَقَهُ فِي صِحَّتِهِ) عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ. (أَوْ مَلَكَ) الْمَرِيضُ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ) كَأَبِيهِ وَعَمِّهِ (بِهِبَةٍ أَوْ وَصِيَّةٍ عَتَقَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) لِأَنَّهُ لَا تَبَرُّعَ فِيهِ إذْ التَّبَرُّعُ بِالْمَالِ إنَّمَا هُوَ بِالْعَطِيَّةِ أَوْ الْإِتْلَافِ أَوْ التَّسَبُّبِ إلَيْهِ وَهَذَا لَيْسَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَالْعِتْقُ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهِ، فَهُوَ كَالْحُقُوقِ الَّتِي تَلْزَمُ بِالشَّرْعِ، وَقَبُولُ الْهِبَةِ وَنَحْوِهَا لَيْسَ بِعَطِيَّةٍ وَلَا إتْلَافٍ لِمَالِهِ وَإِنَّمَا هُوَ تَحْصِيلٌ لِشَيْءٍ تَلِفَ بِتَحْصِيلِهِ فَأَشْبَهَ قَبُولَهُ لِشَيْءٍ لَا يُمْكِنُهُ حِفْظُهُ وَفَارَقَ الشِّرَاءَ فِي أَنَّهُ تَضْيِيعٌ لِمَالِهِ فِي ثَمَنِهِ (وَوُرِّثَ) لِأَنَّهُ لَا مَانِعَ بِهِ مِنْ مَوَانِعِ الْإِرْثِ. (فَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (ابْنَهُ) وَنَحْوَهُ (بِخَمْسِمِائَةٍ مَثَلًا وَ) هُوَ (يُسَاوِي أَلْفًا فَقَدْرُ الْمُحَابَاةِ) الْحَاصِلَة لِلْمَرِيضِ مِنْ الْبَائِعِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةِ (مِنْ رَأْسِ مَالِهِ) أَيْ: فَلَا يُحْتَسَبُ بِهَا فِي التَّرِكَةِ وَلَا عَلَيْهَا وَيُحْسَبُ الثَّمَنُ مِنْ ثُلُثِهِ وَكَذَا ثَمَنُ كُلِّ مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَتَقَ فِي الْمَرَضِ. (وَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (مَنْ) أَيْ: قَرِيبِهِ الَّذِي إنْ مَاتَ (يُعْتَقُ عَلَى وَارِثِهِ) كَمَرِيضٍ وَرِثَهُ ابْنُ عَمٍّ لَهُ فَوَجَدَ أَخَا ابْنِ عَمِّهِ يُبَاعُ فَاشْتَرَاهُ (صَحَّ) الشِّرَاءُ. (وَعَتَقَ عَلَى وَارِثِهِ) أَخِيهِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُشْتَرِي. (وَإِنْ دَبَّرَ) مَرِيضٌ (ابْنَ عَمِّهِ) أَوْ ابْنَ عَمِّ أَبِيهِ وَنَحْوَهُ (عَتَقَ) بِمَوْتِهِ (وَلَمْ يَرِثْ) لِأَنَّ الْإِرْثَ شَرْطُهُ الْحُرِّيَّةُ وَلَمْ تَسْبِقْهُ فَلَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلْإِرْثِ (وَلَوْ قَالَ أَنْتَ حُرٌّ آخِرَ حَيَاتِي) ثُمَّ مَاتَ السَّيِّدُ (عَتَقَ وَوُرِّثَ) لِسَبْقِ الْحُرِّيَّةِ الْإِرْثَ. (وَلَيْسَ عِتْقُهُ وَصِيَّةً لَهُ) أَيْ: فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَةِ الْوَرَثَةِ لِأَنَّهُ حَالَ الْعِتْقِ غَيْرُ وَارِثٍ وَإِنَّمَا يَكُونُ وَارِثًا بَعْدَ نُفُوذِهِ. (وَلَوْ اشْتَرَى) مَرِيضٌ (مَنْ يُعْتَقُ عَلَيْهِ مِمَّنْ يَرِثُ) مِنْهُ كَأَبِيهِ وَابْنِ عَمِّهِ عَتَقَ مِنْ الثُّلُثِ وَوُرِّثَ لِمَا تَقَدَّمَ (أَوْ
следующие страницы →