← Фикх ханбали

Фикх ханбали · id 21642

كشاف القناع عن متن الإقناع - ت مصيلحي

البهوتي

Полный текст (3 210 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ (وَلَا يُسْتَحَبُّ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ) نَصَّ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ: يَلِي وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعَصْرِ (وَقْتُ الْمَغْرِبِ) وَهُوَ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ غَرَبَتْ الشَّمْسُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَضَمِّهَا غُرُوبًا وَمَغْرِبًا وَيُطْلَقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى وَقْتِ الْغُرُوبِ وَمَكَانِهِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ بِاسْمِ وَقْتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ (وَهِيَ وِتْرُ النَّهَارِ) لِاتِّصَالِهَا بِهِ فَكَأَنَّهَا فُعِلَتْ فِيهِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ: الْوِتْرَ الْمَشْهُورَ، بَلْ أَنَّهَا ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ. (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعِشَاءِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ (وَ) تَسْمِيَتُهَا (بِالْمَغْرِبِ أَوْلَى) قَالَ الْمَجْدُ وَغَيْرُهُ الْأَفْضَلُ تَسْمِيَتُهَا بِالْمَغْرِبِ (وَهِيَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا حَضَرًا وَسَفَرًا (وَلَهَا وَقْتَانِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ (وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَهُوَ إلَى ظُهُورِ النُّجُومِ) قَالَ فِي النَّصِيحَةِ لِلْآجُرِّيِّ: مَنْ أَخَّرَ حَتَّى يَبْدُوَ النَّجْمُ أَخْطَأَ (وَمَا بَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ ظُهُورِ النَّجْمِ إلَى آخِرِ وَقْتِهَا (وَقْتُ كَرَاهَةٍ) عَلَى مَا تَقَدَّمَ. قَالَ فِي الْمُبْدِعِ اُسْتُفِيدَ مِنْ كَلَامِهِمْ: مِنْ الصَّلَوَاتِ مَا لَيْسَ لَهُ إلَّا وَقْتٌ وَاحِدٌ كَالظُّهْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْفَجْرِ عَلَى الْمُخْتَارِ وَمَا لَهُ ثَلَاثَةٌ كَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ، وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَضَرُورَةٍ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ: أَنَّ لَهَا وَقْتَ تَحْرِيمٍ، أَيْ: يَحْرُمُ التَّأْخِيرُ إلَيْهِ، وَمَعْنَاهُ: أَنْ يَبْقَى مَا لَا يَسَعُ الصَّلَاةَ اهـ وَكَلَامُهُ لَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْإِنْصَافِ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لِلْمَغْرِبِ وَقْتَانِ، أَيْ: وَقْتُ فَضِيلَةٍ، وَجَوَازٍ، وَمُرَادُ صَاحِبِ الْمُبْدِعِ: أَنَّ لَهَا وَقْتًا وَاحِدًا: نَفَى وَقْتَ الضَّرُورَةِ فَقَطْ (وَتَعْجِيلُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (أَفْضَلُ) . قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: إجْمَاعًا لِمَا رَوَى جَابِرٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ إذَا وَجَبَتْ» وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَيَنْصَرِفُ أَحَدُنَا وَإِنَّهُ لَيُبْصِرُ مَوَاقِعَ نَبْلِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا، وَلِمَا فِيهِ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ (إلَّا لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ، وَهِيَ لَيْلَةُ النَّحْرِ لِمَنْ قَصَدَهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ (مُحْرِمًا فَيُسَنُّ لَهُ تَأْخِيرُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (لِيُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ) جَمْعَ تَأْخِيرٍ إنْ جَازَ لَهُ، لِفِعْلِهِ ﷺ (إنْ لَمْ يُوَافِهَا) أَيْ مُزْدَلِفَةَ (وَقْتُ الْغُرُوبِ) فَإِنْ حَصَلَ بِهَا وَقْتُهُ لَمْ يُؤَخِّرْهَا، بَلْ يُصَلِّيهَا فِي وَقْتِهَا لِأَنَّهُ لَا عُذْرَ لَهُ. (وَ) إلَّا (فِي غَيْمٍ لِمَنْ يُصَلِّي جَمَاعَةً) فَيُسَنُّ تَأْخِيرُهَا إلَى قُرْبِ الْعِشَاءِ، لِيَخْرُجَ لَهُمَا مَرَّةً وَاحِدَةً، طَلَبًا لِلْأَسْهَلِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الظُّهْرِ (وَ) إلَّا (فِي الْجَمْعِ إنْ كَانَ) التَّأْخِيرُ (أَرْفَقَ) بِهِ طَلَبًا لِلسُّهُولَةِ (وَيَأْتِي) فِي الْجَمْعِ (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا) أَيْ: الْمَغْرِبِ (إلَى مَغِيبِ الشَّفَقِ الْأَحْمَرِ) لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ

стр. 247

غَابَتْ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ غَابَ الشَّفَقُ» . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَغِبْ الشَّفَقُ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ وَهَذَا بِالْمَدِينَةِ وَحَدِيثُ جِبْرِيلَ كَانَ أَوَّلَ فَرْضِ الصَّلَاةِ بِمَكَّةَ فَيَكُونُ مَنْسُوخًا عَلَى تَقْدِيرِ التَّعَارُضِ أَوْ مَحْمُولًا عَلَى التَّأَكُّدِ وَالِاسْتِحْبَابِ وَقَيَّدَ الشَّفَقَ بِالْأَحْمَرِ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ الشَّفَقُ الْحُمْرَةُ وَقَدْ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ الْبَيَاضُ لَا يَغِيبُ إلَّا عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ: وَقْتَ الْمَغْرِبِ (الْعِشَاءُ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمَدِّ اسْمٌ لِأَوَّلِ الظَّلَامِ سُمِّيَتْ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تُفْعَلُ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهَا عِشَاءُ الْآخِرَةِ وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَغَلَّطُوهُ فِي إنْكَارِهِ (وَهِيَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ) إجْمَاعًا (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْعَتَمَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ «كَانُوا يُصَلُّونَ الْعَتَمَةَ فِيمَا بَيْنَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعَتَمَةُ فِي اللُّغَةِ: شِدَّةُ الظُّلْمَةِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ تُسَمَّى الْعِشَاءَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (وَيُكْرَهُ النَّوْمُ قَبْلَهَا، وَلَوْ كَانَ لَهُ مَنْ يُوقِظُهُ وَالْحَدِيثُ بَعْدَهَا) لِحَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَهَذَا يُخْرِجُهُ عَنْ ذَلِكَ (إلَّا) الْحَدِيثَ (فِي أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ شُغْلٍ، أَوْ شَيْءٍ يَسِيرٍ أَوْ مَعَ أَهْلٍ أَوْ ضَيْفٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ خَيْرٌ نَاجِزٌ فَلَا يُتْرَكُ لِمَفْسَدَةٍ مُتَوَهَّمَةٍ. (وَآخِرُ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ) الْأَوَّلِ نَصَّ عَلَيْهِ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ لِأَنَّ «جِبْرِيلَ صَلَّاهَا بِالنَّبِيِّ ﷺ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي حِينَ كَانَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الْأَوَّلِ ثُمَّ قَالَ: الْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُ عَائِشَةَ. (وَعَنْهُ) يَمْتَدُّ وَقْتُ الْعِشَاءِ الْمُخْتَارُ إلَى (نِصْفِهِ) أَيْ: اللَّيْلِ (اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ وَالْمَجْدُ، وَجَمْعٌ) مِنْهُمْ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ أَظْهَرُ لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخَّرَهَا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى ثُمَّ قَالَ أَلَا صَلَّى النَّاسُ وَنَامُوا؟ أَمَا إنَّكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُوهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا قَالَ: «وَقْتُ الْعِشَاءِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (ثُمَّ وَقْتُ الضَّرُورَةِ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي) لِقَوْلِهِ ﷺ : «لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقَظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ؛ وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ لِلْوِتْرِ؛ وَهُوَ مِنْ تَوَابِعِ الْعِشَاءِ فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَقْتًا لَهَا لِأَنَّ التَّابِعَ إنَّمَا يُفْعَلُ فِي وَقْتِ الْمَتْبُوعِ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ، وَالْحُكْمُ فِيهِ

стр. 248

حُكْمُ الضَّرُورَةِ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ؛ فَيَحْرُمُ تَأْخِيرُهَا عَنْ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ بِلَا عُذْرٍ. (وَهُوَ) أَيْ الْفَجْرُ الثَّانِي: (الْبَيَاضُ الْمُعْتَرِضُ فِي الْمَشْرِقِ، وَلَا ظُلْمَةَ بَعْدَهُ) وَيُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الصَّادِقُ، وَالْفَجْرُ الْأَوَّلُ يُقَالُ لَهُ: الْفَجْرُ الْكَاذِبُ وَهُوَ مُسْتَطِيلٌ بِلَا اعْتِرَاضٍ، أَزْرَقُ، لَهُ شُعَاعٌ ثُمَّ يُظْلِمُ، وَلِدِقَّتِهِ يُسَمَّى: ذَنَبَ السَّرْحَانِ أَيْ: الذِّئْبِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسْنَوَيْهِ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ: الْفَجْرُ يَطْلُعُ بِلَيْلٍ وَلَكِنْ تَسْتُرُهُ أَشْجَارُ جَنَّاتِ عَدْنٍ (وَتَأْخِيرُهَا) أَيْ الْعِشَاءِ (إلَى آخِرِ وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ أَفْضَلُ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُؤَخِّرُوا الْعِشَاءَ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (مَا لَمْ يَشُقَّ) التَّأْخِيرُ (عَلَى الْمَأْمُومِينَ، أَوْ) عَلَى (بَعْضِهِمْ) فَإِنَّهُ يُكْرَهُ. نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، «لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالتَّخْفِيفِ رِفْقًا بِهِمْ» قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ يُؤَخِّرُ مَغْرِبًا لِغَيْمٍ، أَوْ جَمْعٍ فَتَعْجِيلُ الْعِشَاءِ فِيهِنَّ أَفْضَلُ) مِنْ تَأْخِيرِهَا. (وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ) الَّتِي لَهَا وَقْتُ اخْتِيَارٍ وَوَقْتُ ضَرُورَةٍ (أَوْ) تَأْخِيرُ (بَعْضِهَا إلَى وَقْتِ الضَّرُورَةِ مَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: ذَكَرَهُ الْأَكْثَرُ (وَتَقَدَّمَ) فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (وَتَأْخِيرُ عَادِم الْمَاءِ الْعَالِمِ) وُجُودَهُ (أَوْ الرَّاجِي وُجُودَهُ) أَوْ الْمُسْتَوِي عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ (إلَى آخِرِ الْوَقْتِ الِاخْتِيَارِيِّ) إنْ كَانَ لِلصَّلَاةِ وَقْتَانِ (أَوْ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ، إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ: أَفْضَلُ فِي) الصَّلَوَاتِ (الْكُلِّ وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ) مُوَضَّحًا. (وَتَأْخِيرُ) الْكُلِّ (لِمُصَلِّي كُسُوفٍ أَفْضَلُ، إنْ أُمِنَ فَوْتُهَا) لِتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ الصَّلَاتَيْنِ (وَ) التَّأْخِيرُ أَيْضًا أَفْضَلُ (لِمَعْذُورٍ كَحَاقِنٍ، وَتَائِقٍ وَنَحْوِهِ) حَتَّى يُزِيلَ ذَلِكَ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَكْمَلِ الْأَحْوَالِ (وَتَقَدَّمَ: إذَا ظَنَّ مَانِعًا مِنْ الصَّلَاةِ) كَحَيْضٍ (وَنَحْوِهِ) كَمَوْتٍ وَقَتْلٍ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ (وَلَوْ أَمَرَهُ وَالِدُهُ بِتَأْخِيرِهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (لِيُصَلِّيَ بِهِ أَخَّرَ نَصًّا) إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْ الْوَقْتِ الْجَائِزِ فِعْلُهَا فِيهِ بِقَدْرِ مَا يَسَعُهَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: وَظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا التَّأْخِيرَ يَكُونُ وُجُوبًا (فَ) يُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ (لَا تُكْرَهُ إمَامَةُ ابْنٍ بِأَبِيهِ) لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ تُنَافِي مَا طُلِبَ فِعْلُهُ شَرْعًا (وَيَجِبُ التَّأْخِيرُ) إلَى أَنْ يَضِيقَ الْوَقْتُ عَلَى مَنْ لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ، أَوْ وَاجِبِ الذِّكْرِ (لِتَعَلُّمِ الْفَاتِحَةِ وَذِكْرٍ وَاجِبٍ فِي الصَّلَاةِ) حَيْثُ أَمْكَنَهُ التَّعَلُّمُ؛ لِيَأْتِيَ بِالصَّلَاةِ تَامَّةً مِنْ غَيْرِ مَحْذُورٍ بِالتَّأْخِيرِ. (ثُمَّ يَلِيهِ) أَيْ وَقْتَ الضَّرُورَةِ لِلْعِشَاءِ (وَقْتُ الْفَجْرِ) سُمِّيَ بِهِ لِانْفِجَارِ الصُّبْحِ وَهُوَ ضَوْءُ النَّهَارِ إذَا انْشَقَّ عَنْهُ اللَّيْلُ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ تَقُولُ: قَدْ أَفْجَرْنَا، كَمَا تَقُولُ: قَدْ أَصْبَحْنَا، مِنْ الصُّبْحِ مُثَلَّثُ الصَّادِ حَكَاهُ ابْنُ مَالِكٍ

стр. 249

وَهُوَ مَا جَمَعَ بَيَاضًا وَحُمْرَةً، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: وَجْهٌ صَبِيحٌ لِمَا فِيهِ مِنْ بَيَاضٍ وَحُمْرَةٍ. (وَهِيَ رَكْعَتَانِ) إجْمَاعًا حَضَرًا وَسَفَرًا (وَتُسَمَّى الصُّبْحَ) وَتَقَدَّمَ مَا فِيهِ (وَلَا يُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا بِالْغَدَاةِ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَصَحِّ وَهِيَ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ نَصَّ عَلَيْهِ (وَيَمْتَدُّ وَقْتُهَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «وَقْتُ الْفَجْرِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَلَيْسَ لَهَا وَقْتُ ضَرُورَةٍ) . وَقَالَ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَابْنُ عَبْدُوسٍ: يَذْهَبُ وَقْتُ الِاخْتِيَارِ بِالْأَسْفَارِ، وَيَبْقَى وَقْتُ الْإِدْرَاكِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ (وَتَعْجِيلُهَا) أَوَّلَ الْوَقْتِ (أَفْضَلُ) «لِقَوْلِ عَائِشَةَ كُنَّ نِسَاءُ الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ صَلَاةَ الْفَجْرِ مُتَلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ، ثُمَّ يَنْقَلِبْنَ إلَى بُيُوتِهِنَّ حِينَ يَقْضِينَ الصَّلَاةَ، مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَلَّسَ بِالصُّبْحِ ثُمَّ أَسْفَرَ ثُمَّ لَمْ يَعُدْ إلَى الْإِسْفَارِ حَتَّى مَاتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَازِمِيُّ: إسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُغَلِّسُونَ وَمُحَالٌ أَنْ يَتْرُكُوا الْأَفْضَلَ، وَهُمْ النِّهَايَةُ فِي إتْيَانِ الْفَضَائِلِ. وَحَدِيثُ «أَسْفِرُوا بِالْفَجْرِ فَإِنَّهُ أَعْظَمُ لِلْأَجْرِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ: أَنَّ مَعْنَى الْإِسْفَارِ أَنْ يُضِيءَ الْفَجْرُ؛ فَلَا يَشُكُّ فِيهِ، قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: أَسْفَرَ الصُّبْحُ أَيْ: أَضَاءَ، يُقَالُ: أَسْفَرَتْ الْمَرْأَةُ عَنْ وَجْهِهَا، إذَا كَشَفَتْهُ وَأَظْهَرَتْهُ. (وَيُكْرَهُ تَأْخِيرُهَا بَعْدَ الْإِسْفَارِ بِلَا عُذْرٍ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الصُّغْرَى وَفَرَّعَهُ فِي الْمُبْدِعِ عَلَى قَوْلِ الْقَاضِي وَمَنْ تَابَعَهُ وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِ: لَا كَرَاهَةَ. (وَيُكْرَهُ الْحَدِيثُ بَعْدَهَا) أَيْ: صَلَاةِ الْفَجْرِ (فِي أَمْرِ الدُّنْيَا حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ) وَيَأْتِي لَهُ تَتِمَّةٌ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ وَوَقْتُ الْمَغْرِب فِي الطُّولِ وَالْقِصَرِ يَتْبَعُ النَّهَارَ، فَيَكُونُ فِي الصَّيْفِ أَقْصَرَ، وَوَقْتُ الْفَجْرِ يَتْبَعُ اللَّيْلَ فَيَكُونُ فِي الشِّتَاءِ أَطْوَلَ لِأَنَّ النُّورَيْنِ تَابِعَانِ لِلشَّمْسِ، هَذَا يَتَقَدَّمُهَا وَهَذَا يَتَأَخَّرُ عَنْهَا فَإِنْ كَانَ الشِّتَاءُ طَالَ زَمَنُ مَغِيبِهَا فَيَطُولُ زَمَنُ الضَّوْءِ التَّابِعُ لَهَا وَإِذَا كَانَ الصَّيْفُ طَالَ زَمَنُ ظُهُورِهَا فَيَطُولُ زَمَنُ النُّورِ التَّابِعِ لَهَا قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ وَقْتَ الْعِشَاءِ بِقَدْرِ حِصَّةِ الْفَجْرِ فِي الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ فَقَدْ غَلِطَ غَلَطًا بَيِّنًا بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. (وَمِنْ أَيَّامِ الدَّجَّالِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ طِوَالٌ: يَوْمٌ كَسَنَةٍ فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ سَنَةٍ) قُلْتُ: وَكَذَا الصَّوْمُ، وَالزَّكَاةُ وَالْحَجُّ (وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ شَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ) فَيُصَلَّى فِيهِ صَلَاةُ جُمُعَةٍ فَيُقَدَّرُ لِلصَّلَاةِ

стр. 250

فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ بِقَدْرِ مَا كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ، لَا أَنَّهُ لِلظُّهْرِ مَثَلًا بِالزَّوَالِ وَانْتِصَافِ النَّهَارِ، وَلَا لِلْعَصْرِ بِمَصِيرِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، بَلْ يُقَدَّرُ الْوَقْتُ بِزَمَنٍ يُسَاوِي الزَّمَنَ الَّذِي كَانَ فِي الْأَيَّامِ الْمُعْتَادَةِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: أَشَارَ إلَى ذَلِكَ، يَعْنِي الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ فِي الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّةِ وَاللَّيْلَةُ فِي ذَلِكَ كَالْيَوْمِ، فَإِذَا كَانَ الطُّولُ يَحْصُلُ فِي اللَّيْلِ كَانَ لِلصَّلَاةِ فِي اللَّيْلِ مَا يَكُونُ لَهَا فِي النَّهَارِ. [فَصْلٌ فِيمَا يُدْرَكُ بِهِ أَدَاءُ الصَّلَاةِ] ِ وَحُكْمِ مَا إذَا جُهِلَ الْوَقْتُ (تُدْرَكُ مَكْتُوبَةٌ أَدَاءً كُلُّهَا بِتَكْبِيرَةِ إحْرَامٍ فِي وَقْتِهَا) أَيْ: وَقْتِ تِلْكَ الْمَكْتُوبَةِ، سَوَاءٌ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ، كَحَائِضٍ تَطْهُرُ، وَمَجْنُونٍ يُفِيقُ، أَوْ لِغَيْرِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «مَنْ أَدْرَكَ سَجْدَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَوْ مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ فَلْيُتِمَّ صَلَاتَهُ وَكَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَكَإِدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ (وَلَوْ) كَانَتْ الْمَكْتُوبَةُ (جُمُعَةً) وَأَدْرَكَ مِنْهَا تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ فِي وَقْتِهَا، فَقَدْ أَدْرَكَهَا أَدَاءً، كَبَاقِي الْمَكْتُوبَاتِ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ فِي الْجُمُعَةِ. (وَلَوْ كَانَ) الْوَقْتُ الَّذِي أَدْرَكَ فِيهِ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ (آخِرَ وَقْتِ ثَانِيَةٍ فِي جَمْعٍ) وَكَبَّرَ فِيهِ لِلْإِحْرَامِ فَتَكُونُ الَّتِي أَحْرَمَ بِهَا أَدَاءً، كَمَا لَوْ لَمْ يَجْمَعْ (فَتَنْعَقِدُ) الصَّلَاةُ الَّتِي أَدْرَكَ تَحْرِيمَهَا فِي وَقْتِهَا (وَيُبْنَى عَلَيْهَا) أَيْ: عَلَى التَّحْرِيمَةِ. (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِخُرُوجِ الْوَقْتِ وَهُوَ فِيهَا، وَلَوْ) كَانَ (أَخَّرَهَا عَمْدًا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ. (قَالَ الْمَجْدُ: مَعْنَى قَوْلِهِمْ: تُدْرَكُ بِتَكْبِيرَةٍ، بِنَاءُ مَا خَرَجَ مِنْهَا عَنْ وَقْتِهَا عَلَى تَحْرِيمِهِ الْأَدَاءَ فِي الْوَقْتِ وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، بَلْ تَقَعُ الْمَوْقِعَ فِي الصِّحَّةِ وَالْإِجْزَاءِ) وَتَبِعَهُ فِي مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَابْنُ عُبَيْدَانَ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِهِ فِي الْمُغْنِي أَنَّهَا مَسْأَلَةُ الْقَضَاءِ وَالْأَدَاءِ الْآتِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. (وَمَنْ شَكَّ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ لَمْ يُصَلِّ) حَتَّى يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ دُخُولِهِ (فَإِنْ صَلَّى) مَعَ الشَّكِّ (فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ وَافَقَ الْوَقْتَ) لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ صَلَّى مَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ مَنْ أَحْرَمَ بِفَرْضٍ مَعَ مَا يُنَافِيهِ لَا مَعَ مَا يُنَافِي الصَّلَاةَ عَمْدًا أَوْ جَهْلًا أَوْ سَهْوًا فَسَدَ فَرْضُهُ وَنَقْلَهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ انْتَهَى قُلْتُ: يَأْتِي أَنَّهُ يَصِحُّ نَفْلًا إذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا. (فَإِنْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُهُ) أَيْ: الْوَقْتِ (بِدَلِيلٍ مِنْ

стр. 251

اجْتِهَادٍ أَوْ تَقْلِيدِ) عَارِفٍ (أَوْ تَقْدِيرِ الزَّمَانِ بِقِرَاءَةٍ أَوْ صَنْعَةٍ) كَمَنْ جَرَتْ عَادَتُهُ بِقِرَاءَةٍ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ، أَوْ بِعَمَلِ شَيْءٍ مُقَدَّرٍ مِنْ صَنْعَتِهِ إلَى وَقْتِ الصَّلَاةِ (صَلَّى) أَيْ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ (إنْ لَمْ يُمْكِنْهُ الْيَقِينُ بِمُشَاهَدَةِ) الزَّوَالِ وَنَحْوِهِ (أَوْ إخْبَارٍ عَنْ يَقِينٍ) لِأَنَّهُ أَمْرٌ اجْتِهَادِيٌّ، فَاكْتَفَى فِيهِ بِغَلَبَةِ الظَّنِّ كَغَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا يَبْنُونَ أَمْرَ الْفِطْرِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ. (وَالْأَوْلَى: تَأْخِيرُهَا قَلِيلًا احْتِيَاطًا) حَتَّى يَتَيَقَّنَ دُخُولَ الْوَقْتِ، وَيَزُولَ الشَّكُّ (إلَّا أَنْ يُخْشَى خُرُوجُ الْوَقْتِ أَوْ تَكُونَ صَلَاةُ الْعَصْرِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ فَيُسْتَحَبُّ التَّبْكِيرُ) لِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي غَزْوَةٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْغَيْمِ فَإِنَّهُ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ قَالَ الْمُوَفَّقُ: وَمَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - التَّبْكِيرُ بِهَا إذَا حَلَّ فِعْلُهَا بِيَقِينٍ أَوْ غَلَبَةِ ظَنٍّ وَذَلِكَ لِأَنَّ وَقْتَهَا الْمُخْتَارَ فِي زَمَنِ الشِّتَاءِ ضَيِّقٌ، فَيُخْشَى خُرُوجُهُ وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ: فَعَلَى الْمَذْهَبِ يُسْتَحَبُّ التَّأْخِيرُ، حَتَّى يَتَبَيَّنَ دُخُولُ الْوَقْتِ قَالَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ. (وَالْأَعْمَى وَنَحْوُهُ) كَالْمَطْمُورِ (يُقَلِّدُ) الْعَارِفَ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ. وَفِي الْجَامِعِ لِلْقَاضِي: وَالْأَعْمَى يَسْتَدِلُّ عَلَى دُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ، كَمَا يَسْتَدِلُّ الْبَصِيرُ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ لِأَنَّهُ يُسَاوِيهِ فِي الدَّلَالَةِ وَهُوَ مُرُورُ الزَّمَانِ، وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ وَالرُّجُوعُ إلَى الصَّنَائِعِ الرَّاتِبَةِ فَإِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ دُخُولُ الْوَقْتِ جَازَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ وَالِاحْتِيَاطُ لِلتَّأْخِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْبَصِيرِ وَيُفَارِقُ التَّوَجُّهُ إلَى الْقِبْلَةِ حَيْثُ قَالُوا: لَا يَجْتَهِدُ لَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ الْآلَةُ الَّتِي يُدْرِكُهَا بِهَا، وَهِيَ حَاسَّةُ الْبَصَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ دُخُولُ الْوَقْتِ، لِأَنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِمُضِيِّ الْمُدَّةِ وَمَعْنَاهُ فِي الْمُبْدِعِ (فَإِنْ عَدِمَ) الْأَعْمَى وَنَحْوُهُ (مَنْ يُقَلِّدُهُ وَصَلَّى، أَعَادَ، وَلَوْ تَيَقَّنَ أَنَّهُ أَصَابَ) كَمَنْ اشْتَبَهَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَيُصَلِّي بِغَيْرِ اجْتِهَادٍ. قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَشَرْحِهِ: وَيُعِيدُ أَعْمَى عَاجِزٌ عَنْ مَعْرِفَةِ وَقْتِ الصَّلَاةِ انْتَهَى فَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ قَدْرَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ كَمَا تَقَدَّمَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ (فَإِنْ أَخْبَرَهُ) أَيْ: الْجَاهِلَ بِالْوَقْتِ أَعْمَى كَانَ أَوْ غَيْرَهُ (مُخْبِرٌ) عَارِفٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (عَنْ يَقِينٍ) لَا ظَنٍّ (قُبِلَ قَوْلُهُ) وُجُوبًا (إنْ كَانَ ثِقَةً) لِأَنَّهُ خَبَرٌ دِينِيٌّ، فَقُبِلَ فِيهِ قَوْلُ الْوَاحِدِ، كَالرِّوَايَةِ (أَوْ سَمِعَ أَذَانَ ثِقَةٍ) يَعْنِي أَنَّهُ يَلْزَمُ الْعَمَلُ بِأَذَانِ ثِقَةٍ عَارِفٍ لِأَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلْإِعْلَامِ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ فَلَوْ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُ الْمُؤَذِّنِ لَمْ تَحْصُلْ الْحِكْمَةُ الَّتِي شُرِعَ الْأَذَانُ لَهَا. وَلَمْ يَزَلْ النَّاسُ يَجْتَمِعُونَ لِلصَّلَاةِ فِي مَسَاجِدِهِمْ، فَإِذَا سَمِعُوا الْأَذَانَ؛ قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ، وَبَنَوْا عَلَى قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَةٍ لِلْوَقْتِ، وَلَا اجْتِهَادٍ فِيهِ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، فَكَانَ إجْمَاعًا (وَإِنْ كَانَ) الْإِخْبَارُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ (عَنْ اجْتِهَادٍ لَمْ يَقْبَلْهُ) لِأَنَّهُ يَقْدِرُ

стр. 252

عَلَى الصَّلَاةِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ وَتَحْصِيلِ مِثْلِ ظَنِّهِ أَشْبَهَ حَالَ اشْتِبَاهِ الْقِبْلَةِ زَادَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فَإِنْ تَعَذَّرَ) عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (عُمِلَ بِقَوْلِهِ) أَيْ: قَوْلِ الْمُخْبِرِ عَنْ اجْتِهَادٍ (وَمِنْهُ) : أَيْ: مِنْ الْإِخْبَارِ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَنْ اجْتِهَادٍ. (الْأَذَانُ فِي غَيْمٍ إنْ كَانَ عَنْ اجْتِهَادٍ) فَلَا يَقْبَلُهُ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ (فَيَجْتَهِدُ هُوَ) أَيْ: مُرِيدُ الصَّلَاةِ، إنْ قَدَرَ عَلَى الِاجْتِهَادِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى الْعَمَلِ بِاجْتِهَادِ نَفْسِهِ. (وَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ يَعْرِفُ الْوَقْتَ بِالسَّاعَاتِ) وَهُوَ الْعَالِمُ بِالتَّسْيِيرِ وَالسَّاعَاتِ وَالدَّقَائِقِ وَالزَّوَالِ (أَوْ) كَانَ يُؤَذِّنُ بِ (تَقْلِيدِ عَارِفٍ) بِالسَّاعَاتِ (عُمِلَ بِأَذَانِهِ) إذَا كَانَ ثِقَةً فِي الْغَيْمِ وَغَيْرِهِ (وَمَتَى اجْتَهَدَ) مَنْ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ (وَصَلَّى فَبَانَ أَنَّهُ وَافَقَ الْوَقْتَ أَوْ مَا بَعْدَهُ، أَجْزَأَهُ) ذَلِكَ فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدَّى مَا خُوطِبَ بِهِ وَفُرِضَ عَلَيْهِ (وَإِنْ وَافَقَ) مَا (قَبْلَهُ) أَيْ الْوَقْتِ (لَمْ يُجْزِهِ عَنْ فَرْضِهِ) لِأَنَّ الْمُكَلَّفَ إنَّمَا يُخَاطَبُ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَلَمْ يُوجَدْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يُزِيلُهُ، وَلَا مَا يُبْرِئُ الذِّمَّةَ فَبَقِيَ بِحَالِهِ (وَكَانَتْ) صَلَاتُهُ (نَفْلًا، وَيَأْتِي) فِي بَابِ النِّيَّةِ (وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ) أَيْ: فِعْلُ الصَّلَاةِ إذَا دَخَلَ وَقْتُهَا. (وَمَنْ أَدْرَكَ مِنْ أَوَّلِ وَقْتِ) مَكْتُوبَةٍ (قَدْرَ تَكْبِيرَةٍ ثُمَّ طَرَأَ) عَلَيْهِ (مَانِعٌ مِنْ جُنُونٍ أَوْ حَيْضٍ وَنَحْوِهِ) كَنِفَاسٍ (ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِهَا؛ لَزِمَهُ قَضَاءُ) الصَّلَاةِ (الَّتِي أَدْرَكَ) التَّكْبِيرَةَ (مِنْ وَقْتِهَا فَقَطْ) لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ بِدُخُولِ أَوَّلِ الْوَقْتِ عَلَى مُكَلَّفٍ، لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ وُجُوبًا مُسْتَقِرًّا فَإِذَا قَامَ بِهِ مَانِعٌ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يُسْقِطْهَا فَيَجِبُ قَضَاؤُهَا عِنْدَ زَوَالِ الْمَانِعِ وَلَا يَلْزَمُهُ غَيْرُ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا قَبْلَ طُرُوءِ الْمَانِعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ جُزْءًا مِنْ وَقْتِهَا، وَلَا مِنْ وَقْتٍ تَبِعَهَا فَلَمْ تَجِبْ كَمَا لَوْ لَمْ يُدْرِكْ مِنْ وَقْتِ الْأُولَى شَيْئًا، وَفَارَقَ مُدْرِكُ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فَإِنَّهُ أَدْرَكَ وَقْتًا يَتْبَعُ الْأُولَى فَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الثَّانِيَةِ عَلَى الْأُولَى. وَالْأَصْلُ: أَنَّهُ لَا تَجِبُ صَلَاةٌ إلَّا بِإِدْرَاكِ وَقْتِهَا (وَإِنْ بَقِيَ قَدْرُهَا) أَيْ: قَدْرُ التَّكْبِيرَةِ (مِنْ آخِرِهِ) أَيْ: آخِرِ الْوَقْتِ (ثُمَّ زَالَ الْمَانِعُ) مِنْ حَيْضٍ أَوْ جُنُونٍ وَنَحْوِهِ (وَوُجِدَ الْمُقْتَضِي) لِلْوُجُوبِ (بِبُلُوغِ صَبِيٍّ أَوْ إفَاقَةِ مَجْنُونٍ أَوْ إسْلَامِ كَافِرٍ أَوْ طُهْرِ حَائِضٍ) أَوْ نُفَسَاءَ (وَجَبَ قَضَاؤُهَا وَقَضَاءُ مَا تَجَمَّعَ إلَيْهَا قَبْلَهَا، فَإِنْ كَانَ) زَوَالُ الْمَانِعِ، أَوْ طُرُوءُ التَّكْلِيفِ (قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لَزِمَهُ قَضَاءُ الصُّبْحِ) فَقَطْ لِأَنَّ الَّتِي قَبْلَهَا لَا تُجْمَعُ إلَيْهَا (وَإِنْ كَانَ قَبْلَ غُرُوبِهَا لَزِمَ قَضَاءُ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَإِنْ كَانَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَزِمَ قَضَاءُ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمَا قَالَا فِي الْحَائِضِ تَطْهُرُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِرَكْعَةٍ تُصَلِّي الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ فَإِذَا طَهُرَتْ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ صَلَّتْ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا لِأَنَّ وَقْتَ

стр. 253

الثَّانِيَةِ وَقْتٌ لِلْأُولَى حَالَ الْعُذْرِ فَإِذَا أَدْرَكَهُ الْمَعْذُورُ لَزِمَهُ قَضَاءُ فَرْضِهَا، كَمَا يَلْزَمُ فَرْضُ الثَّانِيَةِ. وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ لِلْوُجُوبِ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةٍ لِأَنَّهُ إدْرَاكٌ فَاسْتَوَى فِيهِ الْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ كَإِدْرَاكِ الْمُسَافِرِ صَلَاةَ الْمُقِيمِ وَإِنَّمَا اُعْتُبِرَتْ الرَّكْعَةُ فِي الْجُمُعَةِ لِلْمَسْبُوقِ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ شَرْطٌ لِصِحَّتِهَا فَاعْتُبِرَ إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ، لِئَلَّا يَفُوتَهُ الشَّرْطُ فِي مُعْظَمِهَا. [فَصْلٌ فِي قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ] ِ (وَمَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةٌ مَفْرُوضَةٌ فَأَكْثَرَ) مِنْ صَلَاةٍ (لَزِمَهُ قَضَاؤُهَا) لِحَدِيثِ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّ إذَا ذَكَرَهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (مُرَتِّبًا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي مَوَاضِعَ لِأَنَّهُ ﷺ عَامَ الْأَحْزَابِ «صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْتُ الْعَصْرَ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتَهَا فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَدْ قَالَ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» . وَقَدْ رَأَوْهُ قَضَى الصَّلَاتَيْنِ مُرَتِّبًا كَمَا رَأَوْهُ يَقْرَأُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ، وَلِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ بَيْنَ الْمَجْمُوعَتَيْنِ وَلِأَنَّ الْقَضَاءَ يَحْكِي الْأَدَاءَ (عَلَى الْفَوْرِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ الذِّكْرِ وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ (إلَّا إذَا حَضَرَ) مَنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ (لِصَلَاةِ عِيدٍ) فَيُؤَخِّرُ الْفَائِتَةَ حَتَّى يَنْصَرِفَ مِنْ مُصَلَّاهُ لِئَلَّا يُقْتَدَى بِهِ (مَا لَمْ يَتَضَرَّرْ فِي بَدَنِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ مَعِيشَةٍ يَحْتَاجُهَا) فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْفَوْرُ، وَيَقْضِيهَا بِحَيْثُ لَا يَتَضَرَّرُ لِحَدِيثِ: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» وقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] . (وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ) أَيْ: تَأْخِيرُ الْفَائِتَةِ (لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَانْتِظَارِ رُفْقَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ لِلصَّلَاةِ) «لِفِعْلِهِ ﷺ بِأَصْحَابِهِ لَمَّا فَاتَتْهُمْ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ الصُّبْحَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ قَبْلَ غَيْرِهِ. (وَلَا يَصِحُّ نَفْلٌ مُطْلَقٌ) مِمَّنْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ (إذَنْ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي أُبِيحَ لَهُ فِيهِ تَأْخِيرُ،

стр. 254

الْفَائِتَةِ، لِكَوْنِهِ حَضَرَ لِصَلَاةِ عِيدٍ أَوْ يَتَضَرَّرُ فِي بَدَنِهِ أَوْ نَحْوِهِ أَوْ أَخَّرَهَا لِغَرَضٍ صَحِيحٍ (لِتَحْرِيمِهِ) أَيْ: النَّفْلِ الْمُطْلَقِ إذَنْ (كَأَوْقَاتِ النَّهْيِ) لِتَعْيِينِ الْوَقْتِ لِلْفَائِتَةِ كَمَا لَوْ ضَاقَ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَصِحُّ النَّفَلُ الْمُقَيَّدُ كَالرَّوَاتِبِ وَالْوِتْرِ لِأَنَّهَا تَتْبَعُ الْفَرَائِضَ فَلَهَا شَبَهٌ بِهَا (وَإِنْ قَلَّتْ الْفَوَائِتُ قَضَى سُنَنَهَا) الرَّوَاتِبَ (مَعَهَا) لِأَنَّ «النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا فَاتَتْهُ الْفَجْرُ صَلَّى سُنَّتَهَا قَبْلَهَا» . (وَإِنْ كَثُرَتْ) الْفَوَائِتُ (فَالْأَوْلَى تَرْكُهَا) أَيْ: السُّنَنِ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا قَضَى الصَّلَوَاتِ الْفَائِتَةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى بَيْنَهَا سُنَّةً، وَلِأَنَّ الْفَرْضَ أَهَمُّ فَالِاشْتِغَالُ بِهِ أَوْلَى، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ (إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ) فَيَقْضِيهَا وَلَوْ كَثُرَتْ الْفَوَائِتُ، لِتَأَكُّدِهَا وَحَثِّ الشَّارِعِ عَلَيْهَا. (وَيُخَيَّرُ فِي الْوِتْرِ) إذَا فَاتَ مَعَ الْفَرْضِ وَكَثُرَ، وَإِلَّا قَضَاهُ اسْتِحْبَابًا (وَلَا تَسْقُطُ الْفَائِتَةُ بِحَجٍّ وَلَا تَضْعِيفِ صَلَاةٍ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ) : الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِهِ ﷺ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَإِذَا صَلَّى فِي أَحَدِ تِلْكَ الْمَسَاجِدِ وَعَلَيْهِ فَائِتَةٌ لَمْ تَسْقُطْ بِالْمُضَاعَفَةِ (وَلَا) تَسْقُطُ بِ (غَيْرِ ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ، سِوَى قَضَائِهَا لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا» وَالْجُمْلَةُ مُعَرَّفَةُ الطَّرَفَيْنِ فَتُفِيدُ الْحَصْرَ. (فَإِنْ خَشِيَ فَوَاتَ الْحَاضِرَةِ، أَوْ) خَشِيَ (خُرُوجَ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ؛ سَقَطَ وُجُوبُهُ) أَيْ: مَا ذُكِرَ مِنْ الْفَوْرِ وَالتَّرْتِيبِ (فَيُصَلِّي الْحَاضِرَةَ إذَا بَقِيَ فِي الْوَقْتِ قَدْرُ فِعْلِهَا، ثُمَّ يَقْضِي) الْفَائِتَةَ، لِأَنَّ الْحَاضِرَةَ آكَدُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِهَا، بِخِلَافِ الْفَائِتَةِ وَلِئَلَّا تَصِيرَ الْحَاضِرَةُ فَائِتَةً (وَتَصِحُّ الْبُدَاءَةُ بِغَيْرِ الْحَاضِرَةِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ) وَيَأْثَمُ وَ (لَا) تَصِحُّ (نَافِلَةٌ وَلَوْ رَاتِبَةً) مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ (فَلَا تَنْعَقِدُ) لِتَحْرِيمِهَا كَوَقْتِ النَّهْيِ، لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلْفَرْضِ وَهَكَذَا إذَا. اسْتَيْقَظَ، وَشَكَّ فِي طُلُوعِ الشَّمْسِ بَدَأَ بِالْفَرِيضَةِ نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ الْوَقْتِ. (وَإِنْ نَسِيَ التَّرْتِيبَ بَيْنَ الْفَوَائِتِ حَالَ قَضَائِهَا) بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ ظُهْرٌ وَعَصْرٌ مَثَلًا، فَنَسِيَ الظُّهْرَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ الْعَصْرِ (أَوْ) نَسِيَ التَّرْتِيبَ (بَيْنَ حَاضِرَةٍ وَفَائِتَةٍ حَتَّى فَرَغَ) مِنْ الْحَاضِرَةِ (سَقَطَ وُجُوبُهُ) أَيْ: التَّرْتِيبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «عُفِيَ لِأُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ. وَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ إعَادَتِهِ ﷺ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ عَامَ الْأَحْزَابِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي أَثْنَائِهَا بِدَلِيلِ أَنَّهُ سَأَلَ عَقِبَ سَلَامِهِ، كَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْفَاءُ، وَجَمْعًا بَيْنَ الْأَخْبَارِ (وَلَا يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِجَهْلِ وُجُوبِهِ) لِقُدْرَتِهِ عَلَى التَّعَلُّمِ فَلَا يُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِتَقْصِيرٍ، بِخِلَافِ النِّسْيَانِ (فَلَوْ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ الْفَجْرَ جَاهِلًا) وُجُوبَ التَّرْتِيبِ (ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ فِي وَقْتِهَا، صَحَّتْ عَصْرُهُ) مَعَ عَدَمِ صِحَّةِ ظُهْرِهِ (لِاعْتِقَادِهِ) حَالَ صَلَاةِ الْعَصْرِ أَنْ

стр. 255

(لَا صَلَاةَ عَلَيْهِ، كَمَنْ صَلَّاهَا) أَيْ: الْعَصْرَ (ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِلَا وُضُوءٍ) أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَرَكَ مِنْهَا رُكْنًا أَوْ شَرْطًا آخَرَ، لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى النَّاسِي. (وَلَا يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ (بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ) بَلْ يُصَلِّي الْفَائِتَةَ ثُمَّ الْحَاضِرَةَ وَلَوْ وَحْدَهُ وَيَسْقُط وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ لِلْعُذْرِ. (وَعَنْهُ يَسْقُطُ) التَّرْتِيبُ بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجَمَاعَةِ (اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ، لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ) إنْ خَشِيَ فَوْتَهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْفَائِتَةِ (وَإِنْ قُلْنَا بِعَدَمِ السُّقُوطِ) أَيْ: سُقُوطِ التَّرْتِيبِ بِخَشْيَةِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ (ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا) عَلَى الْقَوْلِ بِعَدَمِ السُّقُوطِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَاضِرَةِ أَنْ تَكُونَ جُمُعَةً أَوْ غَيْرَهَا فَإِنَّ خَوْفَ فَوْتِ الْجُمُعَةِ كَضِيقِ الْوَقْتِ فِي سُقُوطِ التَّرْتِيبِ نَصَّ عَلَيْهِ فَيُصَلِّي الْجُمُعَةَ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَعَنْهُ لَا يَسْقُطُ، قَالَ جَمَاعَةٌ لَكِنْ عَلَيْهِ فِعْلُ الْجُمُعَةِ فِي الْأَصَحِّ ثُمَّ يَقْضِيهَا ظُهْرًا اهـ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى فِي بَابِ الْجُمُعَةِ: وَتُتْرَكُ فَائِتَةٌ لِخَوْفِ فَوْتِ الْجُمُعَةِ. (وَيُسَنُّ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَائِتَةَ جَمَاعَةً إنْ أَمْكَنَ) ذَلِكَ، لِفِعْلِهِ ﷺ كَمَا تَقَدَّمَ (وَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً فِي حَاضِرَةٍ أَتَمَّهَا غَيْرُ الْإِمَامِ، نَفْلًا إمَّا رَكْعَتَيْنِ وَإِمَّا أَرْبَعًا، مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ) عَنْ فِعْلِ الْفَائِتَةِ ثُمَّ الْحَاضِرَةِ بَعْدَ إتْمَامِ مَا شَرَعَ فِيهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ» رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ. وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَأُلْحِقَ بِالْمَأْمُومِ الْمُنْفَرِدُ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ. (وَيَقْطَعُهَا) أَيْ: الْحَاضِرَةَ (الْإِمَامُ) إذَا ذَكَرَ فَائِتَةً (نَصًّا مَعَ سَعَتِهِ) أَيْ: الْوَقْتِ، لِئَلَّا يَلْزَمَ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ (وَاسْتَثْنَى جَمْعَ الْجُمُعَةِ) فَلَا يَقْطَعُهَا الْإِمَامُ إذَا ذَكَرَ الْفَائِتَةَ فِي أَثْنَائِهَا وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِأَنْ لَمْ يَتَّسِعْ لِسِوَى الْحَاضِرَةِ؛ أَتَمَّهَا الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ وَإِنْ اتَّسَعَ لِلْفَائِتَةِ ثُمَّ الْحَاضِرَةِ فَقَطْ، قَطَعَهَا أَيْضًا غَيْرُ الْإِمَامِ لِعَدَمِ صِحَّةِ النَّفْلِ إذَنْ. وَإِنْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الْفَائِتَةَ قَبْلَ إحْرَامِهِ بِالْجُمُعَةِ اسْتَنَابَ فِيهَا وَقَضَى الْفَائِتَةَ فَإِنْ أَدْرَكَ الْجُمُعَةَ مَعَ نَائِبِهِ وَإِلَّا صَلَّى ظُهْرًا. (وَإِنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ هَلْ صَلَّى مَا قَبْلَهَا، وَدَامَ) شَكُّهُ (حَتَّى فَرَغَ) مِنْ صَلَاتِهِ (فَبَانَ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ أَعَادَهُمَا) أَيْ: الْفَائِتَةَ، ثُمَّ الْحَاضِرَةَ لِيَحْصُلَ التَّرْتِيبُ. (وَإِنْ نَسِيَ صَلَاةً مِنْ يَوْمٍ) بِلَيْلَتِهِ (يَجْهَلُ عَيْنَهَا) بِأَنْ لَمْ يَدْرِ أَظُهْرٌ هِيَ أَمْ غَيْرُهَا (صَلَّى خَمْسًا بِنِيَّةِ الْفَرْضِ) أَيْ: يَنْوِي بِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ الْفَرْضَ الَّذِي عَلَيْهِ. (وَلَوْ نَسِيَ ظُهْرًا وَعَصْرًا مِنْ يَوْمَيْنِ وَجَهِلَ السَّابِقَةَ) مِنْهُمَا (بَدَأَ بِإِحْدَاهُمَا بِالتَّحَرِّي) أَيْ الِاجْتِهَادِ (فَإِنْ لَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ شَيْءٌ بَدَأَ بِأَيِّهِمَا شَاءَ) لِلْعُذْرِ. (وَلَوْ عَلِمَ أَنَّ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمٍ الظُّهْرَ وَصَلَاةً أُخْرَى، لَا يَعْلَمُ هَلْ الْمَغْرِبُ أَوْ الْفَجْرُ؟ لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَجْرَ، ثُمَّ الظُّهْرَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ) اعْتِبَارًا بِالتَّرْتِيبِ

стр. 256

الشَّرْعِيِّ. وَإِنْ تَرَكَ عَشَرَ سَجَدَاتٍ مِنْ صَلَاةِ شَهْرٍ قَضَى صَلَاةَ عَشَرَةِ أَيَّامٍ، لِجَوَازِ تَرْكِهِ كُلَّ يَوْمٍ سَجْدَةً ذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَمَنْ شَكَّ فِيمَا عَلَيْهِ وَتَيَقَّنَ سَبْقَ الْوُجُوبِ أَبْرَأَ ذِمَّتَهُ يَقِينًا نَصَّ عَلَيْهِ وَإِلَّا مَا يَتَعَيَّنُ وُجُوبُهُ. وَلَوْ شَكَّ مَأْمُومٌ: صَلَّى الْإِمَامُ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ اعْتَبَرَ بِالْوَقْتِ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْأَفْضَلُ عَدَمُ الْإِعَادَةِ. (وَلَوْ تَوَضَّأَ) مُكَلَّفٌ (وَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أَحْدَثَ ثُمَّ تَوَضَّأَ وَصَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ تَرَكَ فَرْضًا) أَوْ شَرْطًا (مَنْ إحْدَى الطَّهَارَتَيْنِ، وَلَمْ يَعْلَمْ عَيْنَهَا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْوُضُوءِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الثَّانِيَ (وَ) أَعَادَ (الصَّلَاتَيْنِ) لِيَخْرُجَ مِنْ الْعُهْدَةِ بِيَقِينٍ. (وَلَوْ لَمْ يُحْدِثْ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ تَوَضَّأَ لِلثَّانِيَةِ تَجْدِيدًا لَزِمَهُ إعَادَةُ الْأُولَى فَقَطْ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَتْرُوكُ مِنْ الْوُضُوءِ الْأَوَّلَ وَلَا يُعِيدُ الثَّانِيَةَ؛ لِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِكُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّ الْمَتْرُوكَ إنْ كَانَ التَّجْدِيدُ لَمْ يَضُرَّهُ تَرَكَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْوُضُوءِ أَوَّلًا، فَالْحَدَثُ ارْتَفَعَ بِالتَّجْدِيدِ (مِنْ غَيْرِ إعَادَةِ الْوُضُوءِ) لِمَا ذُكِرَ وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ فِي الْوُضُوءِ. (وَإِنْ نَامَ مُسَافِرٌ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ سُنَّ لَهُ الِانْتِقَالُ مِنْ مَكَانِهِ) لِحُضُورِ الشَّيْطَانِ لَهُ فِيهِ (لِيَقْضِيَ الصَّلَاةَ فِي غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي نَامَ فِيهِ، «لِفِعْلِهِ ﷺ لَمَّا نَامَ عَنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ» وَتَقَدَّمَ. [بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامُ اللِّبَاسِ] (بَابُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَأَحْكَامُ اللِّبَاسِ) السَّتْرُ: بِفَتْحِ السِّينِ، مَصْدَرُ سَتَرَهُ أَيْ: غَطَّاهُ وَبِكَسْرِهَا مَا يُسْتَرُ بِهِ وَالْعَوْرَةُ لُغَةً: النُّقْصَانُ، وَالشَّيْءُ الْمُسْتَقْبَحُ وَمِنْهُ كَلِمَةٌ عَوْرَاءُ أَيْ: قَبِيحَةٌ (وَهُوَ) أَيْ: سَتْرُ الْعَوْرَةِ. (الشَّرْطُ السَّادِسُ) فِي الذِّكْرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ تَرَكَ ثَوْبَهُ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الِاسْتِتَارِ بِهِ، وَصَلَّى عُرْيَانًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] لِأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ بِسَبَبٍ خَاصٍّ فَالْعِبْرَةُ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ: الْبَالِغُ وَالْأَحْسَنُ فِي الِاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ: انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ، وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ فَيَكُونُ مَنْهِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ مَعَ كَشْفِ

стр. 257

الْعَوْرَةِ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ. (وَالْعَوْرَةُ سَوْأَةُ الْإِنْسَانِ) أَيْ: قُبُلُهُ وَدُبُرُهُ قَالَ تَعَالَى ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ [طه: ١٢١] (وَكُلُّ مَا يُسْتَحَى مِنْهُ) عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ، سُمِّيَتْ عَوْرَةً لِقُبْحِ ظُهُورِهَا، ثُمَّ إنَّهَا تُطْلَقُ عَلَى مَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا وَعَلَى مَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَيْهِ وَيَأْتِي فِي النِّكَاحِ (فَمَعْنَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ تَغْطِيَةُ مَا يَقْبُحُ ظُهُورُهُ وَيُسْتَحَى مِنْهُ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى أَوْ خُنْثَى حُرٍّ أَوْ غَيْرِهِ (وَسَتْرُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (فِي الصَّلَاةِ عَنْ النَّظَرِ، حَتَّى عَنْ نَفْسِهِ) . فَلَوْ كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يُمْكِنْ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ مِنْهُ إذَا رَكَعَ أَوْ سَجَدَ، وَجَبَ زَرُّهُ وَنَحْوُهُ لِيَسْتُرَهَا، لِعُمُومِ الْأَمْرِ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) حَتَّى (خَلْوَةً) فَيَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ خَلْوَةً كَمَا يَجِبُ لَوْ كَانَ بَيْنَ النَّاسِ لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَوْرَاتُنَا، مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ قُلْت: فَإِذَا كَانَ الْقَوْمُ بَعْضُهُمْ فِي بَعْضٍ قَالَ فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ فَلَا يَرَيَنَّهَا، قُلْتُ فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ فَاَللَّهُ ﵎ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَ (لَا) يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ عَنْ النَّظَرِ (مِنْ أَسْفَلَ وَلَوْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ) إلَيْهَا مِنْ أَسْفَلَ، بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي عَلَى مَكَان مُرْتَفِعٍ، بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ تَحْتِهِ لَرَأَى عَوْرَتَهُ. وَفِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ: وَالْأَظْهَرُ بَلَى إنْ تَيَسَّرَ النَّظَرُ (وَاجِبٌ) خَبَرُ قَوْلِهِ: وَسَتْرُهَا (بِسَاتِرٍ لَا يَصِفُ لَوْنَ الْبَشَرَةِ، سَوَادَهَا وَبَيَاضَهَا) لِأَنَّ مَا وَصَفَ سَوَادَ الْجِلْدِ أَوْ بَيَاضَهُ لَيْسَ بِسَاتِرٍ لَهُ (فَإِنْ) سَتَرَ اللَّوْنَ، وَوَصَفَ (الْحَجْمَ) أَيْ: حَجْمَ الْأَعْضَاءِ (فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّ الْبَشَرَةَ مَسْتُورَةٌ وَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ (وَيَكْفِي فِي سَتْرِهَا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ ثَوْبٍ وَرَقُ شَجَرٍ وَحَشِيشٌ وَنَحْوُهَا) كَخُوصٍ مَضْفُورٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ سَتْرُهَا، وَقَدْ حَصَلَ وَلِأَنَّ الْأَمْرَ بِسَتْرِهَا غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِسَاتِرٍ فَكَفَى أَيُّ سَاتِرٍ (وَ) يَكْفِي فِي سَتْرِهَا أَيْضًا (مُتَّصِلٌ بِهِ، كَيَدِهِ وَلِحْيَتِهِ) . فَإِذَا كَانَ جَيْبُهُ وَاسِعًا تُرَى مِنْهُ عَوْرَتُهُ فَضَمَّ بِيَدِهِ أَوْ غَطَّتْهُ لِحْيَتُهُ، فَمَنَعَتْ رُؤْيَةَ عَوْرَتِهِ كَفَاهُ ذَلِكَ لِحُصُولِ السَّتْرِ. وَكَذَا لَوْ كَانَ بِثَوْبِهِ حِذَاءَ فَخِذِهِ وَنَحْوِهِ خَرْقٌ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ (وَلَا يَلْزَمُهُ) سَتْرُ عَوْرَتِهِ (بِبَارِيَةٍ) وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا يُصْنَعُ عَلَى هَيْئَةِ الْحَصِيرِ مِنْ قَصَبٍ. وَفِي الْقَامُوسِ: هِيَ الْحَصِيرُ (وَحَصِيرٍ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا يَضُرُّهُ) إذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ وَالْحَرَجِ. (وَلَا) يَلْزَمُهُ أَيْضًا سَتْرُ عَوْرَتِهِ بِ (حَفِيرٍ وَطِينٍ وَمَاءٍ كَدِرٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ. وَفِي الْحَفِيرَةِ حَرَجٌ

стр. 258

وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجِبُ الطِّينُ لَا الْمَاءُ (وَلَا) يَكْفِي سَتْرُهَا (بِمَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِسَاتِرٍ قُلْتُ لَكِنْ إنْ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ وَجَبَ لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . (وَيَجِبُ سَتْرُهَا كَذَلِكَ) أَيْ بِمَا لَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ، لَا مِنْ أَسْفَلَ حَتَّى خَلْوَةً (فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، وَلَوْ فِي ظُلْمَةٍ وَحَمَّامٍ) لِحَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ فِي الرِّعَايَةِ يَجِبُ سَتْرُهَا مُطْلَقًا حَتَّى خَلْوَةً عَنْ نَظَرِ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ يَحْرُمُ كَشْفُهَا خَلْوَةً بِلَا حَاجَةٍ فَيَحْرُمُ نَظَرُهَا لِأَنَّهُ اسْتِدَامَةٌ لِكَشْفِهَا الْمُحَرَّمِ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَلَمْ أَجِدْ تَصْرِيحًا بِخِلَافِ هَذَا لَا أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا فَإِنَّهُ لَا يَحْرُمُ هُوَ وَلَا لَمْسُهَا اتِّفَاقًا. (وَيَجُوزُ كَشْفُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ لِلضَّرُورَةِ (وَ) يَجُوزُ (نَظَرُ الْغَيْرِ إلَيْهَا لِضَرُورَةٍ، كَتَدَاوٍ وَخِتَانٍ، وَمَعْرِفَةِ بُلُوغٍ وَبَكَارَةٍ وَثُيُوبَةٍ، وَعَيْبٍ، وَوِلَادَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ) كَحَلْقِ عَانَةٍ لَا يُحْسِنُهُ وَيَأْتِي تَوْضِيحُهُ فِي النِّكَاحِ. (وَيَجُوزُ كَشْفُهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (وَنَظَرُهَا لِزَوْجَتِهِ وَعَكْسُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «احْفَظْ عَوْرَتَكَ إلَّا مِنْ زَوْجَتِكَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ» . (وَ) يَجُوزُ كَشْفُهَا وَنَظَرُهَا (لِأَمَتِهِ الْمُبَاحَةِ، وَهِيَ لِسَيِّدِهَا) أَيْ يَجُوزُ لِلْأَمَةِ الْمُبَاحَةِ كَشْفُ عَوْرَتِهَا لِسَيِّدِهَا وَنَظَرُهَا لِعَوْرَتِهِ، لِمَا تَقَدَّمَ وَخَرَجَ بِالْمُبَاحَةِ الْمَجُوسِيَّةُ وَنَحْوُهَا، وَالْمُزَوَّجَةُ وَالْمُعْتَدَّةُ، وَالْمُسْتَبْرَأَةُ مِنْ غَيْرِهِ. (وَ) يَجُوزُ (كَشْفُهَا لِحَاجَةٍ، كَتَخَلٍّ وَاسْتِنْجَاءٍ وَغُسْلٍ وَتَقَدَّمَ فِي الِاسْتِطَابَةِ وَالْغُسْلِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نَظَرُ عَوْرَتِهِ حَيْثُ جَازَ كَشْفُهَا) لِتَدَاوٍ، وَنَحْوِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ، لَكِنْ يُكْرَهُ كَمَا يَأْتِي فِي الْأَنْكِحَةِ نَقَلَهُ عَنْ التَّرْغِيبِ وَغَيْرِهِ. (وَعَوْرَةُ الرَّجُلِ) أَيْ: الذَّكَرِ الْبَالِغِ (وَلَوْ) كَانَ (عَبْدًا أَوْ ابْنَ عَشْرٍ) حُرًّا أَوْ عَبْدًا: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ لِحَدِيثِ «عَلِيٍّ قَالَ قَالَ لِي النَّبِيُّ ﷺ لَا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، وَلَا تَنْظُرْ إلَى فَخِذِ حَيٍّ أَوْ مَيِّتٍ» رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو دَاوُد وَقَالَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ نَكَارَةٌ. وَعَنْ جَرْهَدٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ «مَرَّ الرَّسُولُ ﷺ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ وَقَدْ انْكَشَفَتْ فَخِذِي فَقَالَ: غَطِّ فَخِذَكَ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا. وَفِي إسْنَادِهِ اضْطِرَابٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَقَالَ فِي الشَّرْحِ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. (وَ) عَوْرَةُ (الْأَمَةِ مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا قَالَ «إذَا زَوَّجَ أَحَدُكُمْ عَبْدَهُ أَمَتَهُ أَوْ أَجِيرَهُ، فَلَا يَنْظُرْ إلَى شَيْءٍ مِنْ عَوْرَتِهِ فَإِنَّ مَا تَحْتَ السُّرَّةِ إلَى رُكْبَتِهِ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد يُرِيدُ بِهِ الْأَمَةَ فَإِنَّ الْأَجِيرَ وَالْعَبْدَ لَا يَخْتَلِفُ حَالُهُ بِالتَّزْوِيجِ وَعَدَمِهِ وَكَانَ عُمَرُ يَنْهَى الْإِمَاءَ عَنْ التَّقَنُّعِ وَقَالَ: إنَّمَا الْقِنَاعُ لِلْحَرَائِرِ وَاشْتُهِرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُنْكَرْ فَكَانَ كَالْإِجْمَاعِ

стр. 259

(وَكَذَا أُمُّ وَلَدٍ وَمُعْتَقٌ بَعْضُهَا، وَمُدَبَّرَةٌ، وَمُكَاتَبَةٌ، وَمُعَلَّقٌ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ) فَعَوْرَتُهُنَّ: مَا بَيْنَ السُّرَّةِ وَالرُّكْبَةِ، لِبَقَاءِ الرِّقِّ فِيهِنَّ وَالْمُقْتَضِي لِلسَّتْرِ بِالْإِجْمَاعِ هُوَ الْحُرِّيَّةُ الْكَامِلَةُ وَلَمْ تُوجَدْ فَبَقِينَ عَلَى الْأَصْلِ (وَ) كَذَا عَوْرَةُ (حُرَّةٍ مُرَاهِقَةٍ وَمُمَيِّزَةٍ) لِمَفْهُومِ حَدِيثِ «لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ» (وَ) كَذَا عَوْرَةُ (خُنْثَى مُشْكِلٍ) لَهُ عَشْرُ سِنِينَ فَأَكْثَرُ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَحَقَّقْ أُنُوثِيَّتُهُ فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ بِالِاحْتِمَالِ. (وَيُسْتَحَبُّ اسْتِتَارُهُنَّ) أَيْ: الْأَمَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُعْتَقِ بَعْضُهَا، وَالْمُدَبَّرَةِ، وَالْمُكَاتَبَةِ، وَالْمُعَلَّقِ عِتْقُهَا عَلَى صِفَةٍ، وَالْحُرَّةِ الْمُرَاهِقَةِ، وَالْمُمَيِّزَةِ، وَالْخُنْثَى الْمُشْكِلِ (كَالْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ احْتِيَاطًا) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَمَةِ، يُسَنَّ سَتْرُ رَأْسِهَا فِي الصَّلَاةِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: وَالِاحْتِيَاطُ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ: أَنْ يَسْتَتِرَ كَالْمَرْأَةِ وَعُلِمَ مِمَّا سَبَقَ أَنَّ السُّرَّةَ وَالرُّكْبَةَ لَيْسَتَا مِنْ الْعَوْرَةِ، بَلْ الْعَوْرَةُ مَا بَيْنَهُمَا لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَتَقَدَّمَ. وَحَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «أَسْفَلُ السُّرَّةِ وَفَوْقَ الرُّكْبَتَيْنِ مِنْ الْعَوْرَةِ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَلِأَنَّهُمَا حَدُّ الْعَوْرَةِ فَلَمْ يَكُونَا مِنْهَا (وَابْنُ سَبْعٍ) وَخُنْثَى لَهُ سَبْعُ سِنِينَ (إلَى عَشْرِ) سِنِينَ (عَوْرَتُهُ الْفَرْجَانِ فَقَطْ) لِأَنَّهُ دُونَ الْبَالِغِ. (وَالْحُرَّةُ الْبَالِغَةُ كُلُّهَا عَوْرَةٌ فِي الصَّلَاةِ، حَتَّى ظُفْرِهَا وَشَعْرِهَا) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ «أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ ﷺ أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ قَالَ: إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا» رَوَاهُ، أَبُو دَاوُد وَصَحَّحَ عَبْدُ الْحَقِّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ (إلَّا وَجْهَهَا) . لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ كَشْفُ وَجْهِهَا فِي الصَّلَاةِ ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ. (قَالَ جَمْعٌ وَكَفَّيْهَا) وَاخْتَارَهُ الْمَجْدُ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْعُمْدَةِ وَالْوَجِيزِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣١] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةُ " وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا " رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَخَالَفَهُمَا ابْنُ مَسْعُودٍ. (وَهُمَا) أَيْ: الْكَفَّانِ (وَالْوَجْهُ) مِنْ الْحُرَّةِ الْبَالِغَةِ (عَوْرَةٌ خَارِجَهَا) أَيْ: الصَّلَاةِ (بِاعْتِبَارِ النَّظَرِ، كَبَقِيَّةِ بَدَنِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ» . (وَيُسَنُّ لِرَجُلٍ وَالْإِمَامُ أَبْلَغُ) أَيْ: آكَدُ لِأَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ وَبَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ وَتَتَعَلَّقُ صَلَاتُهُمْ بِصَلَاتِهِ (أَنْ يُصَلِّيَ فِي ثَوْبَيْنِ) ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ إجْمَاعًا قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ وَغَيْرُهُ (مَعَ

стр. 260

سَتْرِ رَأْسِهِ) بِعِمَامَةٍ وَمَا فِي مَعْنَاهُ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ كَذَلِكَ يُصَلِّي قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ: كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُصَلِّيَ أَحَدُهُمْ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَوْبَيْنِ. (وَلَا يُكْرَهُ) أَنْ يُصَلِّيَ (فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يَسْتُرُ مَا يَجِبُ سَتْرُهُ) مِنْ الْعَوْرَةِ وَأَحَدِ الْعَاتِقَيْنِ فِي الْفَرْضِ (وَالْقَمِيصُ أَوْلَى مِنْ الرِّدَاءِ إنْ اقْتَصَرَ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّهُ أَبْلَغُ، ثُمَّ الرِّدَاءُ ثُمَّ الْمِئْزَرُ أَوْ السَّرَاوِيلُ قَالَهُ فِي الشَّرْحِ، وَإِنْ صَلَّى فِي ثَوْبَيْنِ فَأَفْضَلُ ذَلِكَ مَا كَانَ أَسْبَغَ، فَيَكُونُ الْأَفْضَلُ: الْقَمِيصَ وَالرِّدَاءَ، ثُمَّ الْإِزَارَ أَوْ السَّرَاوِيلَ مَعَ الْقَمِيصِ، ثُمَّ أَحَدَهُمَا مَعَ الرِّدَاءِ، وَأَفْضَلُهُمَا مَعَ الرِّدَاءِ: الْإِزَارُ، لِأَنَّهُ لُبْسُ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْكِي تَقَاطِيعَ الْخِلْقَةِ، وَأَفْضَلُهُمَا، تَحْتَ الْقَمِيصِ: السَّرَاوِيلُ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ، وَلَا يَحْكِي خِلْقَةً فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ذَكَرَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ. (وَإِنْ صَلَّى فِي الرِّدَاءِ، وَكَانَ وَاسِعًا الْتَحَفَ بِهِ وَإِنْ كَانَ) الرِّدَاءُ (ضَيِّقًا خَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، عَلَى مَنْكِبَيْهِ كَالْقِصَارِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوَيْكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ كَانَ جَيْبُ الْقَمِيصِ وَاسِعًا سُنَّ أَنْ يَزُرَّهُ عَلَيْهِ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ) لِحَدِيثِ «سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنِّي أَكُونُ فِي الصَّيْدِ وَأُصَلِّي فِي الْقَمِيصِ الْوَاحِدِ؟ قَالَ نَعَمْ وَازْرُرْهُ وَلَوْ بِشَوْكَةٍ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ. (فَإِنْ رُئِيَتْ عَوْرَتُهُ مِنْهُ بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ، لِفَوَاتِ شَرْطِهَا، وَالْمُرَادُ إنْ أَمْكَنَ رُؤْيَةُ عَوْرَتِهِ وَإِنْ لَمْ تُرَ لِعَمًى أَوْ ظُلْمَةٍ أَوْ خَلْوَةٍ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ. (فَإِنْ لَمْ يَزُرَّهُ) أَيْ: الْجَيْبَ (وَشَدَّ وَسَطَهُ عَلَيْهِ بِمَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ، أَوْ كَانَ ذَا لِحْيَةٍ تَسُدُّ جَيْبَهُ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِوُجُودِ السَّتْرِ الْمَأْمُورِ. (فَإِنْ اقْتَصَرَ) الرَّجُلُ وَمِثْلُهُ الْخُنْثَى (عَلَى سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَأَعْرَى الْعَاتِقَيْنِ فِي نَفْلٍ أَجْزَأَهُ) دُونَ الْفَرْضِ لِأَنَّ مَبْنَى النَّفْلِ عَلَى التَّخْفِيفِ، وَلِذَلِكَ يُتَسَامَحُ فِيهِ بِتَرْكِ الْقِيَامِ وَالِاسْتِقْبَالِ فِي حَالِ سَفَرِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ، فَسُومِحَ فِيهِ بِهَذَا الْقَدْرِ وَلِأَنَّ عَادَةَ الْإِنْسَانِ فِي بَيْتِهِ وَخَلَوَاتِهِ قِلَّةُ اللِّبَاسِ وَتَخْفِيفُهُ وَغَالِبُ نَفْلِهِ يَقَعُ فِيهِ فَسُومِحَ فِيهِ لِذَلِكَ. وَلَا كَذَلِكَ الْفَرْضُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ بَعْضُهُ عَلَيَّ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالثَّوْبُ الْوَاحِدُ لَا يَتَّسِعُ لِذَلِكَ مَعَ سَتْرِ الْمَنْكِبَيْنِ (وَيُشْتَرَطُ فِي فَرْضٍ مَعَ سَتْرِهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (سَتْرُ جَمِيعِ أَحَدِهِمَا) أَيْ: الْعَاتِقَيْنِ (بِشَيْءٍ مِنْ لِبَاسٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

стр. 261

«لَا يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَتَقَدَّمَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، وَاسْتَدَلَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» وَفِي لَفْظٍ «فَائْتَزِرْ بِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ هَذَا فِي التَّطَوُّعِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْفَرْضِ. وَالْمُرَادُ بِالْعَاتِقِ: مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ وَقَوْلُهُ بِلِبَاسٍ أَيْ: سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الثَّوْبِ الَّذِي سَتَرَ بِهِ عَوْرَتَهُ أَمْ مِنْ غَيْرِهِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ إذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، فَأَيُّ شَيْءٍ سَتَرَ بِهِ عَاتِقَهُ أَجْزَأَهُ (وَلَوْ وَصَفَ الْبَشَرَةَ) لِعُمُومِ «قَوْلِهِ ﷺ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَهُوَ يَعُمُّ مَا يَصِفُ وَمَا لَا يَصِفُ (فَلَا يُجْزِئُ حَبْلٌ وَنَحْوُهُ) لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى لِبَاسًا. (وَيُسَنُّ لِلْمَرْأَةِ الْحُرَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ فِي دِرْعٍ وَهُوَ الْقَمِيصُ) وَقَالَ أَحْمَدُ شِبْهُ الْقَمِيصِ، لَكِنَّهُ سَابِغٌ يُغَطِّي قَدَمَيْهَا، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَخِمَارٍ وَهُوَ غِطَاءُ رَأْسِهَا) وَتُدِيرُهُ تَحْتَ حَلْقِهَا (وَمِلْحَفَةٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ (وَهِيَ الْجِلْبَابُ) رَوَى ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ فِي جُزْئِهِ عَنْ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ. وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُومُ إلَى الصَّلَاةِ فِي الْخِمَارِ وَالْإِزَارِ وَالدِّرْعِ، فَتُسْبِلُ الْإِزَارَ فَتُجَلْبَبُ بِهِ، وَكَانَتْ تَقُولُ: ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ لَا بُدَّ لِلْمَرْأَةِ مِنْهَا فِي الصَّلَاةِ إذَا وَجَدَتْهَا: الْخِمَارُ وَالْجِلْبَابُ وَالدِّرْعُ وَلِأَنَّ الْمَرْأَةَ أَوْفَى مِنْ الرَّجُلِ عَوْرَةً فَكَانَتْ أَكْثَرَ مِنْهُ سُتْرَةً (وَلَا تَضُمُّ ثِيَابَهَا) قَالَ السَّامِرِيُّ (فِي حَالِ قِيَامِهَا) . (وَيُكْرَهُ) أَنْ تُصَلِّيَ (فِي نِقَابٍ وَبُرْقُعٍ بِلَا حَاجَةٍ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَكْشِفَ وَجْهَهَا فِي الصَّلَاةِ وَالْإِحْرَامِ وَلِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ يُخِلُّ بِمُبَاشَرَةِ الْمُصَلِّي بِالْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ، وَيُغَطِّي الْفَمَ وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ الرَّجُلَ عَنْهُ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَحُضُورِ أَجَانِبَ، فَلَا كَرَاهَةَ. (وَإِنْ اقْتَصَرَتْ عَلَى سَتْرِ مَا سِوَى وَجْهِهَا، كَأَنْ صَلَّتْ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ أَجْزَأَهَا) قَالَ أَحْمَدُ اتَّفَقَ عَامَّتُهُمْ عَلَى الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ خَيْرٌ وَأَسْتَرُ، وَلِأَنَّهَا سَتَرَتْ مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ فَاكْتُفِيَ بِهِ. (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِكَشْفِ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ) وَالْيَسِيرُ هُوَ الَّذِي (لَا يَفْحُشُ فِي النَّظَرِ عُرْفًا) وَيَخْتَلِفُ الْفُحْشُ بِحَسَبِ الْمُنْكَشِفِ، فَيَفْحُشُ مِنْ السَّوْأَةِ مَا لَا يَفْحُشُ مِنْ غَيْرِهَا (بِلَا قَصْدٍ) «لِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ قَالَ انْطَلَقَ أَبِي وَافِدًا إلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَعَلَّمَهُمْ الصَّلَاةَ، وَقَالَ يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَكُنْتُ أَقْرَأَهُمْ فَقَدَّمُونِي، فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ وَعَلَيَّ بُرْدَةٌ لِي صَفْرَاءُ صَغِيرَةٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ انْكَشَفَتْ عَنِّي

стр. 262

فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ النِّسَاءِ: وَارُوا عَنَّا سَوْأَةَ قَارِئِكُمْ فَاشْتَرَوْا لِي قَمِيصًا يَمَانِيًّا، فَمَا فَرِحْتُ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِشَيْءٍ فَرَحِي بِهِ» . وَفِي لَفْظٍ «فَكُنْتُ أَؤُمُّهُمْ فِي بُرْدَةٍ مُوَصَّلَةٍ فِيهَا فَتْقٌ فَكُنْتُ إذَا سَجَدْتُ فِيهَا خَرَجَتْ اسْتِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَانْتَشَرَ ذَلِكَ، وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَلِأَنَّ ثِيَابَ الْأَغْنِيَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ فَتْقٍ وَثِيَابَ الْفُقَرَاءِ لَا تَخْلُو مِنْ خَرْقٍ غَالِبًا وَالِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ يَشُقُّ فَعُفِيَ عَنْهُ (وَلَوْ) كَانَ الِانْكِشَافُ الْيَسِيرُ (فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ) لِمَا مَرَّ. (وَكَذَا) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ انْكَشَفَ مِنْ الْعَوْرَةِ شَيْءٌ (كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ قَصِيرٍ، فَلَوْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ وَنَحْوُهُ) أَيْ: نَحْوُ الرِّيحِ (عَنْ عَوْرَتِهِ، فَبَدَا) أَيْ: ظَهَرَ (مِنْهَا مَا لَمْ يُعْفَ عَنْهُ لَوْ) طَالَ زَمَنُهُ لِفُحْشِهِ (وَلَوْ) كَانَ الَّذِي بَدَا (كُلَّهَا) أَيْ: كُلَّ الْعَوْرَةِ (فَأَعَادَهَا سَرِيعًا بِلَا عَمَلٍ كَثِيرٍ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ، لِقِصَرِ مُدَّتِهِ أَشْبَهَ الْيَسِيرَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ فَإِنْ احْتَاجَ فِي أَخْذِ سُتْرَتِهِ لِعَمَلٍ كَثِيرٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ. (وَإِنْ كَشَفَ يَسِيرًا مِنْهَا) أَيْ: الْعَوْرَةِ (قَصْدًا بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْهُ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ أَشْبَهَ سَائِرَ الْعَوْرَةِ، وَكَذَا لَوْ فَحُشَ وَطَالَ الزَّمَنُ، وَلَوْ بِلَا قَصْدٍ. (وَمَنْ صَلَّى وَلَوْ نَفْلًا فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ) أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ (أَوْ) صَلَّى فِي ثَوْبٍ (أَكْثَرُهُ) حَرِيرٌ وَهُوَ (مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ) ذَلِكَ: لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ الَّذِي يَجُرُّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ فِي الصَّلَاةِ، لِأَنَّ الْمَذْهَبَ أَنَّهُ حَرَامٌ وَكَذَلِكَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ تَصَاوِيرُ قُلْتُ لَازَمَ ذَلِكَ كُلَّ ثَوْبٍ يَحْرُمُ لُبْسُهُ يَجْرِي عَلَى هَذَا الْخِلَافِ، وَقَدْ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ. (أَوْ) صَلَّى فِي ثَوْبٍ (مَغْصُوبٍ) كُلُّهُ (أَوْ بَعْضُهُ) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا، أَوْ ظَاهِرُهُ، مَشَاعًا كَانَ أَوْ مُعَيَّنًا وَذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ لِأَنَّ بَعْضَهُ يَتْبَعُ بَعْضًا. (أَوْ) صَلَّى فِي (مَا ثَمَنُهُ الْمُعَيَّنُ حَرَامٌ أَوْ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ ثَمَنِهِ الْمُعَيَّنِ حَرَامٌ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا وَيَأْتِي فِي الْغَصْبِ إذَا كَانَ الثَّمَنُ فِي الذِّمَّةِ وَبَذَلَهُ مِنْ الْحَرَامِ (رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً) لَوْ كَانَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ أَيْ: غَيْرُ الثَّوْبِ الْمُحَرَّمِ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ، إنْ كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ «مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَفِيهِ دِرْهَمٌ حَرَامٌ لَمْ يَقْبَلْ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً مَا دَامَ عَلَيْهِ ثُمَّ أَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ فِي أُذُنَيْهِ وَقَالَ: صَمْتًا إنْ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ ﷺ سَمِعْتُهُ يَقُولُهُ» وَفِي إسْنَادِهِ هَاشِمٌ وَبَقِيَّةُ قَالَ الْبُخَارِيُّ هَاشِمٌ غَيْرُ ثِقَةٍ، وَبَقِيَّةُ مُدَلِّسٌ. وَلِحَدِيثِ عَائِشَةَ «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ وَلِأَنَّ قِيَامَهُ وَقُعُودَهُ وَلُبْثَهُ فِيهِ مُحَرَّمٌ

стр. 263

مَنْهِيٌّ عَنْهُ فَلَمْ يَقَعْ عِبَادَةً كَالصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ وَكَالنَّجِسِ، وَكَذَا لَوْ صَلَّى فِي بُقْعَةٍ مَغْصُوبَةٍ وَلَوْ مَنْفَعَتَهَا، أَوْ بَعْضَهَا، أَوْ حَجَّ بِغَصْبٍ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُصَلِّي فِي حَرِيرٍ مِمَّنْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ كَالْأُنْثَى (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ. (كَمَا لَوْ كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ خَاتَمَ ذَهَبٍ أَوْ) كَانَ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ (دُمْلُجًا أَوْ عِمَامَةً أَوْ تِكَّةَ سَرَاوِيلَ، أَوْ خُفًّا مِنْ حَرِيرٍ) أَوْ تَرَكَ ثَوْبًا مَغْصُوبًا فِي كُمِّهِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ لَا يَعُودُ إلَى شَرْطِ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ غَصَبَ ثَوْبًا فَوَضَعَهُ فِي كُمِّهِ. (وَإِنْ جَهِلَ) كَوْنَهُ حَرِيرًا أَوْ غَصْبًا (أَوْ نَسِيَ كَوْنَهُ حَرِيرًا أَوْ غَصْبًا) صَحَّتْ صَلَاتُهُ، لِأَنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ (أَوْ حُبِسَ بِمَكَانِ غَصْبٍ) أَوْ نَجِسٍ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: وَكَذَا كُلُّ مُكْرَهٍ عَلَى الْكَوْنِ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ وَالْغَصْبِ، بِحَيْثُ يَخَافُ ضَرَرًا مِنْ الْخُرُوجِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمَحْبُوسِ. أَوْ (كَانَ فِي جَيْبِهِ دِرْهَمٌ) أَوْ دِينَارٌ أَوْ غَيْرُهُ (مَغْصُوبٌ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، لِمَا تَقَدَّمَ. (وَلَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضِ غَيْرِهِ وَلَوْ مَزْرُوعَةً) بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ جَازَ. (أَوْ) صَلَّى (عَلَى مُصَلَّاهُ) أَيْ: الْغَيْرِ (بِلَا غَصْبٍ وَلَا ضَرَرٍ) فِي ذَلِكَ (جَازَ وَصَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِرِضَاهُ بِذَلِكَ عُرْفًا قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيَتَوَجَّهُ احْتِمَالٌ فِيمَا إذَا كَانَتْ لِكَافِرٍ، لِعَدَمِ رِضَاهُ بِصَلَاةِ مُسْلِمٍ فِي أَرْضِهِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ (وَيَأْتِي فِي الْبَابِ بَعْدَهُ وَيُصَلِّي فِي حَرِيرٍ) وَلَوْ عَارِيَّةً (لِعَدَمِ) غَيْرِهِ (وَلَا يُعِيدُ) لِأَنَّهُ مَأْذُونٌ فِي لُبْسِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، كَالْحِكَّةِ وَالْجَرَبِ، وَضَرُورَةِ الْبَرْدِ وَعَدَمِ سُتْرَةِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْهُ إذَنْ. (وَ) يُصَلِّي (عُرْيَانًا مَعَ) وُجُودِ ثَوْبٍ (مَغْصُوبٍ) لِأَنَّهُ يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ بِكُلِّ حَالٍ لِعَدَمِ إذْنِ الشَّارِعِ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ مُطْلَقًا وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِحَقِّ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَاءً مَغْصُوبًا. (وَلَا يَصِحُّ نَفْلُ آبِقٍ) لِأَنَّ زَمَنَ فَرْضِهِ مُسْتَثْنًى شَرْعًا، فَلَمْ يَغْصِبْهُ بِخِلَافِ زَمَنِ نَفْلِهِ وَقَالَ ابْنُ هُبَيْرَةَ فِي حَدِيثِ جَرِيرٍ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ» . وَفِي لَفْظٍ «إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَوَالِيهِ، فَقَدْ كَفَرَ حَتَّى يَرْجِعَ إلَيْهِمْ» رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ قَالَ أَرَاهُ مَعْنَى إذَا اسْتَحَلَّ الْإِبَاقَ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ وَظَاهِرُهُ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عِنْدَهُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «ثَلَاثَةٌ لَا تُقْبَلُ لَهُمْ صَلَاةٌ، وَلَا تَصْعَدُ لَهُمْ حَسَنَةٌ: الْعَبْدُ الْآبِقُ حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَوَالِيهِ فَيَضَعَ يَدَهُ فِي أَيْدِيهِمْ، وَالْمَرْأَةُ السَّاخِطُ عَلَيْهَا زَوْجُهَا وَالسَّكْرَانُ حَتَّى يَصْحُوَ» . (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا ثَوْبًا نَجِسًا وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى غَسْلِهِ صَلَّى فِيهِ وُجُوبًا) لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ آكَدُ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ، لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْآدَمِيِّ بِهِ فِي سَتْرِ عَوْرَتِهِ وَوُجُوبِ السَّتْرِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ تَقْدِيمُ السَّتْرِ أَهَمَّ (وَأَعَادَ) مَا صَلَّاهُ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ

стр. 264

وُجُوبًا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى كُلٍّ مِنْ حَالَتَيْ الصَّلَاةِ عُرْيَانًا وَلُبْسُ الثَّوْبِ النَّجِسِ فِيهَا، عَلَى تَقْدِيرِ تَرْكِ الْحَالَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ قَدَّمَ حَالَةَ التَّزَاحُمِ آكَدَهُمَا فَإِذَا أَزَالَ التَّزَاحُمَ بِوُجُودِهِ ثَوْبًا طَاهِرًا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِعَادَةَ، اسْتِدْرَاكًا لِلْخَلَلِ الْحَاصِلِ بِتَرْكِ الشَّرْطِ الَّذِي كَانَ مَقْدُورًا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ بِخِلَافِ مَنْ حُبِسَ بِالْمَكَانِ النَّجِسِ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ الِانْتِقَالِ عَنْ الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ كَمَنْ عَدِمَ السُّتْرَةَ بِكُلِّ حَالٍ. (فَإِنْ صَلَّى عُرْيَانًا مَعَ وُجُودِهِ) أَيْ: الثَّوْبِ النَّجِسِ (أَعَادَ) الصَّلَاةَ وُجُوبًا لِأَنَّهُ فَوَّتَ السُّتْرَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا مِنْ وَجْهٍ. وَلَوْ كَانَ نَجِسَ الْعَيْنِ كَجِلْدِ مَيْتَةٍ صَلَّى عُرْيَانًا مِنْ غَيْرِ إعَادَةٍ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ. (فَإِنْ كَانَ مَعَهُ ثَوْبَانِ نَجِسَانِ: صَلَّى) فَرْضَهُ (فِي أَقَلِّهِمَا) وَأَخَفِّهِمَا (نَجَاسَةً) لِأَنَّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ مَقْدُورٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ فَوَجَبَ، لِحَدِيثِ «إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» . وَإِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ فِي طَرَفِ الثَّوْبِ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَسْتَتِرَ بِالطَّاهِرِ مِنْهُ لَزِمَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ مُلَاقَاتِهَا وَإِنْ لَمْ يَحْمِلْهَا، وَحَمْلَهَا وَإِنْ لَمْ يُلَاقِهَا: مَحْذُورَانِ وَقَدْ أَمْكَنَهُ اجْتِنَابُ أَحَدِهِمَا فَلَزِمَهُ. [فَصْلٌ مَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ] فَصْلٌ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا مَا يَسْتُرُ عَوْرَتَهُ فَقَطْ أَوْ مَنْكِبَيْهِ فَقَطْ: سَتَرَ عَوْرَتَهُ وَصَلَّى قَائِمًا) وُجُوبًا وَتَرَكَ سَتْرَ مَنْكِبَيْهِ لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ الْقِيَامَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا يُتْرَكُ لِأَمْرٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ. (وَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ الَّتِي وَجَدَهَا (تَكْفِي عَوْرَتَهُ فَقَطْ، أَوْ مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ فَقَطْ) بِأَنْ كَانَتْ إذَا تَرَكَهَا عَلَى كَتِفَيْهِ وَسَدَلَهَا مِنْ وَرَائِهِ تَسْتُرُ عَجُزَهُ (سَتَرَ مَنْكِبَهُ وَعَجُزَهُ، وَصَلَّى جَالِسًا اسْتِحْبَابًا) لِكَوْنِهِ يَسْتُرُ مُعْظَمَهَا وَالْمُغَلَّظَ مِنْهَا وَسَتْرُ الْمَنْكِبِ لَا بُدَّ لَهُ فَكَانَ مُرَاعَاتُهُ أَوْلَى مَعَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ بِسَتْرِ أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ جَمِيعَهَا) أَيْ: الْعَوْرَةُ (سَتَرَ الْفَرْجَيْنِ) لِأَنَّهُمَا أَفْحَشُ وَهُمَا عَوْرَةٌ بِلَا خِلَافٍ وَغَيْرُهُمَا كَالْحَرِيمِ التَّابِعِ لَهُمَا. (فَإِنْ لَمْ يَكْفِ) مَا وَجَدَهُ مِنْ السُّتْرَةِ (إلَّا أَحَدَهُمَا) أَيْ: الْفَرْجَيْنِ (خُيِّرَ) بَيْنَ سَتْرِ الْقُبُلِ، أَوْ الدُّبُرِ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وُجُوبِ السَّتْرِ بِلَا خِلَافٍ (وَالْأَوْلَى: سَتْرُ الدُّبُرِ) لِأَنَّهُ أَفْحَشُ وَيَنْفَرِجُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا

стр. 265

أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى وَيَتَوَجَّهُ أَنَّهُ يَسْتُرُ آلَةَ الرَّجُلِ إنْ كَانَ هُنَاكَ امْرَأَةٌ وَآلَتُهَا إنْ كَانَ هُنَاكَ رَجُلٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ: الْعَارِيَ (تَحْصِيلُ سُتْرَةٍ بِشِرَاءٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ بِقِيمَةِ الْمِثْلِ) لِلْعَيْنِ أَوْ الْمَنْفَعَةِ (أَوْ بِزِيَادَةٍ يَسِيرَةٍ) عَلَى عِوَضِ الْمِثْلِ (كَمَاءِ الْوُضُوءِ) فَيُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ فَاضِلًا عَنْ حَاجَتِهِ (وَإِنْ بُذِلَتْ لَهُ سُتْرَةٌ لَزِمَهُ قَبُولُهَا عَارِيَّةً) لِأَنَّ الْمِنَّةَ لَا تَكْثُرُ فِيهَا فَأَشْبَهَ بَذْلَ الْحَبْلِ، وَالدَّلْوِ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ (وَلَا) يَلْزَمُهُ قَبُولُهَا إنْ بُذِلَتْ لَهُ (هِبَةً) لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْمِنَّةِ. وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ طَلَبُهَا عَارِيَّةً (فَإِنْ عَدِمَ) السُّتْرَةَ (بِكُلِّ حَالٍ صَلَّى) وَلَا تَسْقُطُ عَنْهُ بِأَيِّ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، كَمَا لَوْ عَجَزَ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةَ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (جَالِسًا يُومِئُ) بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ (اسْتِحْبَابًا فِيهِمَا) أَيْ: فِي الْجُلُوسِ وَالْإِيمَاءِ لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ قَوْمًا انْكَسَرَتْ بِهِمْ مَرْكَبُهُمْ فَخَرَجُوا عُرَاةً قَالَ يُصَلُّونَ جُلُوسًا، يُومِئُونَ إيمَاءً بِرُءُوسِهِمْ. وَلَمْ يُنْقَلْ خِلَافُهُ وَيَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ مِنْ الرُّكُوعِ (وَلَا يَتَرَبَّعُ، بَلْ يَنْضَامُّ) نَقَلَهُ الْأَثْرَمُ وَالْمَيْمُونِيُّ (بِأَنْ يُقِيمَ إحْدَى فَخْذَيْهِ عَلَى الْأُخْرَى) لِأَنَّهُ أَقَلُّ كَشْفًا (وَإِنْ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا وَرَكَعَ وَسَجَدَ بِالْأَرْضِ جَازَ) لَهُ ذَلِكَ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «صَلِّ قَائِمًا» وَإِنَّمَا قُدِّمَ الْجُلُوسُ عَلَى الْقِيَامِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ فِيهِ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ الْقِيَامِ فَلَوْ صَلَّى قَائِمًا لَسَقَطَ السَّتْرُ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ مَعَ أَنَّ السَّتْرَ آكَدُ مِنْ الْقِيَامِ لِأَنَّهُ يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَلَا يَسْقُطُ مَعَ الْقُدْرَةِ بِحَالٍ وَالْقِيَامُ يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ، وَلِأَنَّ الْقِيَامَ سَقَطَ عَنْهُمْ، لِحِفْظِ الْعَوْرَةِ، وَهِيَ فِي حَالِ السُّجُودِ أَفْحَشُ فَكَانَ سُقُوطُهُ أَوْلَى لَا يُقَالُ: السَّتْرُ كُلُّهُ لَا يَحْصُلُ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْضُهُ فَلَا يَفِي ذَلِكَ بِتَرْكِ ثَلَاثَةِ أَرْكَانٍ: الْقِيَامُ، وَالرُّكُوعُ، وَالسُّجُودُ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ إنْ كَانَتْ الْفَرْجَانِ فَقَدْ حَصَلَ سَتْرُهُمَا وَإِلَّا حَصَلَ سَتْرُ أَغْلَظِهَا وَأَفْحَشِهَا. وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا لَزِمَهُ أَنْ يَرْكَعَ وَيَسْجُدَ بِالْأَرْضِ (وَلَا يُعِيدُ الْعُرْيَانُ إذَا قَدَرَ عَلَى السَّتْرِ) بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ، سَوَاءٌ صَلَّى قَائِمًا أَوْ جَالِسًا، كَفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ. وَفِي الرِّعَايَةِ: يُعِيدُ عَلَى الْأَقْيَسِ (وَإِنْ وَجَدَ) الْعَارِي (سُتْرَةً مُبَاحَةً قَرِيبَةً مِنْهُ عُرْفًا) أَيْ: فِي مَكَان يُعَدُّ فِي الْعُرْفِ أَنَّهُ قَرِيبٌ (فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ سَتَرَ) مَا يَجِبُ سَتْرُهُ (وُجُوبًا، وَبَنَى) عَلَى مَا صَلَّاهُ عُرْيَانًا، كَأَهْلِ قُبَاءَ لَمَّا عَلِمُوا بِتَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ اسْتَدَارُوا إلَيْهَا، وَأَتَمُّوا صَلَاتَهُمْ. (وَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ (بَعِيدَةً) عُرْفًا بِحَيْثُ يَحْتَاجُ إلَى زَمَنٍ طَوِيلٍ، أَوْ عَمَلٍ كَثِيرٍ (سَتَرَ) الْوَاجِبَ سَتْرُهُ (وَابْتَدَأَ) أَيْ: اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ، لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فِعْلُهَا إلَّا بِمَا يُنَافِيهَا مِنْ الْعَمَلِ الْكَثِيرِ أَوْ بِدُونِ شَرْطِهَا، بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. (وَكَذَا لَوْ عَتَقَتْ) الْأَمَةُ وَنَحْوُهَا (فِي الصَّلَاةِ

стр. 266

وَاحْتَاجَتْ إلَيْهَا) أَيْ: إلَى السُّتْرَةِ، بِأَنْ كَانَتْ رَأْسُهَا مَكْشُوفَةً مَثَلًا فَإِنْ كَانَ الْخِمَارُ بِقُرْبِهَا تَخَمَّرَتْ بِهِ وَبَنَتْ وَإِلَّا مَضَتْ إلَيْهِ وَتَخَمَّرَتْ، وَاسْتَأْنَفَتْ وَكَذَا حُكْمُ مَنْ أَطَارَتْ الرِّيحُ سُتْرَتَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ. (فَلَوْ جَهِلَتْ الْعِتْقَ، أَوْ) جَهِلَتْ (وُجُوبَ السَّتْرِ) أَوْ جَهِلَتْ (الْقُدْرَةَ عَلَيْهَا أَعَادَتْ) الصَّلَاةَ لِتَقْصِيرِهَا (كَخِيَارِ مُعْتَقَةٍ تَحْتَ عَبْدٍ) إذَا أَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا جَاهِلَةً الْعِتْقَ أَوْ مِلْكَ الْفَسْخِ، فَإِنَّهُ يُسْقِطُ خِيَارُهَا وَلَا تُعْذَرُ بِالْجَهْلِ لِتَقْصِيرِهَا فِي عَدَمِ التَّعَلُّمِ. (وَتُصَلِّي الْعُرَاةُ جَمَاعَةً وُجُوبًا) إذَا كَانُوا رِجَالًا أَحْرَارًا لَا عُذْرَ لَهُمْ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّهُمْ قَدَرُوا عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أَشْبَهُوا الْمُسْتَتِرِينَ، وَلَا تَسْقُطُ الْجَمَاعَةُ بِفَوَاتِ السُّنَّةِ فِي الْمَوْقِفِ كَمَا لَوْ كَانُوا فِي ضِيقٍ لَا يُمْكِنُ تَقَدُّمُ إمَامِهِمْ عَلَيْهِمْ وَلِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالْوُجُوبِ مِنْ أَهْلِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُمْ وُجُوبُ الْجَمَاعَةِ. (وَ) يَكُونُ (إمَامُهُمْ فِي وَسَطِهِمْ، أَيْ: بَيْنَهُمْ) وَإِنْ لَمْ يَتَسَاوَوْا مِنْ عَنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ (وُجُوبًا) لِأَنَّهُ أَسْتَرُ مِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ (فَإِنْ تَقَدَّمَهُمْ) الْإِمَامُ (بَطَلَتْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: فِي الْأَصَحِّ (إلَّا فِي ظُلْمَةٍ) فَيَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ لِلْأَمْنِ مِنْ رُؤْيَتِهِمْ عَوْرَتَهُ وَكَذَا لَوْ كَانُوا عُمْيَانًا (وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ) . (وَيُصَلُّونَ) أَيْ: الْعُرَاةُ (صَفًّا وَاحِدًا وُجُوبًا إلَّا فِي ظُلْمَةٍ) أَوْ إذَا كَانُوا عُمْيَانًا، لِئَلَّا يَرَى بَعْضُهُمْ عَوْرَةَ بَعْضٍ. (فَإِنْ كَانَ الْمَكَانُ ضَيِّقًا صَلَّوْا جَمَاعَتَيْنِ فَأَكْثَرَ) بِحَسَبِ مَا يَتَّسِعُ لَهُ الْمَكَانُ، كَالنَّوْعَيْنِ. (فَإِنْ كَانُوا) أَيْ: الْعُرَاةُ (رِجَالًا وَنِسَاءً، تَبَاعَدُوا، ثُمَّ صَلَّى كُلُّ نَوْعٍ لِأَنْفُسِهِمْ) لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ وَقَفَتْ خَلْفَ الرَّجُلِ شَاهَدَتْ عَوْرَتَهُ وَمَعَهُ خِلَافُ سُنَّةِ الْمَوْقِفِ وَرُبَّمَا أَفْضَى إلَى الْفِتْنَةِ. (وَإِنْ كَانُوا فِي ضَيْقٍ) : قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِفَتْحِ الضَّادِ مُخَفَّفًا مِنْ ضَيِّقٍ وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَسْرُ، عَلَى الْمَصْدَرِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: ذِي ضَيْقٍ (صَلَّى الرِّجَالُ وَاسْتَدْبَرَهُمْ النِّسَاءُ، ثُمَّ صَلَّى النِّسَاءُ وَاسْتَدْبَرَهُنَّ الرِّجَالُ) لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ، مَعَ عَدَمِ رُؤْيَةِ الرِّجَالِ النِّسَاءَ، وَبِالْعَكْسِ. (فَإِنْ بُذِلَتْ لَهُمْ سُتْرَةٌ صَلَّوْا فِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ بِشَرْطِهَا (إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ فَتُدْفَعُ إلَى مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ فَيُصَلِّي بِهِمْ، وَيَتَقَدَّمُهُمْ) كَإِمَامِ الْمَسْتُورِينَ (إنْ عَيَّنَهُ رَبُّهَا) بِالْعَارِيَّةِ، لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ، فَيَخُصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ رَبُّهَا وَاحِدًا مِنْهُمْ (اقْتَرَعُوا إنْ تَشَاحُّوا) فَيُقَدَّمُ بِهَا مَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، لِتَرَجُّحِهِ بِهَا (وَيُصَلِّي الْبَاقُونَ عُرَاةً) خَشْيَةَ خُرُوجِ الْوَقْتِ هَذَا مِنْ مَعْنَى كَلَامِهِ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْأَصَحُّ يُقَدَّمُ إمَامٌ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ

стр. 267

وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى. (فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاءً) وَالْمُرَادُ فِيهِمَا الْجِنْسُ (فَالنِّسَاءُ أَحَقُّ) بِالسُّتْرَةِ مِنْ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ لِأَنَّ عَوْرَتَهَا أَفْحَشُ وَسَتْرَهَا أَبْعَدُ مِنْ الْفِتْنَةِ (فَإِذَا صَلَّيْنَ فِيهَا أَخَذَهَا الرِّجَالُ) وَصَلَّوْا فِيهَا إنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ وَإِلَّا صَلَّوْا عُرَاةً. (وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ) أَيْ: الْعُرَاةِ (مَيِّتٌ صَلَّى فِيهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ الْمَبْذُولَةِ لَهُمْ (الْحَيُّ) فَرْضَهُ، لَا عَلَى الْمَيِّتِ (ثُمَّ كَفَّنَ بِهَا الْمَيِّتَ) لِيَجْمَعَ بَيْنَ الْحَقَّيْنِ وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ. (وَلَا يَجُوزُ) لِلْعَارِي (انْتِظَارُ السُّتْرَةِ) لِيُصَلِّيَ فِيهَا (إنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ) بَلْ يُصَلِّي عُرْيَانًا إذَا خَافَ خُرُوجَهُ. (فَإِنْ كَانَتْ) السُّتْرَةُ (لِأَحَدِهِمَا لَزِمَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهَا) لِقُدْرَتِهِ عَلَى السُّتْرَةِ. (فَإِنْ أَعَارَهَا وَصَلَّى عُرْيَانًا لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ السُّتْرَةَ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهَا. (وَيُسْتَحَبُّ) لِرَبِّ السُّتْرَةِ (أَنْ يُعِيرَهَا لَهُمْ بَعْدَ صَلَاتِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] (وَلَا يَجِبُ) عَلَيْهِ إعَارَتُهَا لَهُمْ، بِخِلَافِ بَذْلِ الطَّعَامِ الْفَاضِلِ عَنْ الْحَاجَةِ لِلْمُضْطَرِّ (فَيُصَلُّونَ فِيهَا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ) وَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ الصَّلَاةُ عُرَاةً، لِقُدْرَتِهِمْ عَلَى السُّتْرَةِ (إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَيُصَلِّي) مَنْ خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ، وَيُصَلِّي (بِهَا) أَيْ: السُّتْرَةِ (أَحَدُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ (وَالْبَاقُونَ) يُصَلُّونَ (عُرَاةً كَمَا تَقَدَّمَ) خَلْفَهُ صَفًّا وَاحِدًا جُلُوسًا، يُومِئُونَ اسْتِحْبَابًا بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَكَذَا. لَوْ كَانُوا فِي سَفِينَةٍ وَلَمْ يُمْكِنْ جَمِيعَهُمْ الْقِيَامُ، صَلَّوْا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ يَخَافُوا خُرُوجَ الْوَقْتِ، فَيُصَلِّي وَاحِدٌ قَائِمًا وَالْبَاقُونَ قُعُودًا ذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ فِي الشَّرْحِ. (فَإِنْ امْتَنَعَ صَاحِبُ الثَّوْبِ مِنْ إعَارَتِهِ فَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ) لِتَحْصُلَ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ (وَيَقِفُ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) أَيْ: قُدَّامَهُمْ لِاسْتِتَارِ عَوْرَتِهِ. (فَإِنْ كَانَ أُمِّيًّا) لَا يُحْسِنُ الْفَاتِحَةَ (وَهُمْ قُرَّاءٌ) يُحْسِنُونَهَا (صَلَّوْا) أَيْ الْعُرَاةُ (جَمَاعَةً) وُجُوبًا (وَ) صَلَّى (صَاحِبُ الثَّوْبِ وَحْدَهُ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَؤُمَّهُمْ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ فَرْضِ الْقِرَاءَةِ مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَيْهِ وَلَا أَنْ يَأْتَمَّ بِأَحَدِهِمْ لِقُدْرَتِهِ عَلَى سَتْرِ الْعَوْرَةِ مَعَ عَجْزِهِمْ عَنْهُ. (وَإِنْ أَعَارَهُ) أَيْ: الثَّوْبَ صَاحِبُهُ (لِغَيْرِ مَنْ يَصْلُحُ لِلْإِمَامَةِ جَازَ) لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُ فَيَخُصُّ بِهِ مَنْ شَاءَ (وَصَارَ حُكْمُهُ حُكْمَ صَاحِبِ الثَّوْبِ) لِمِلْكِهِ الِانْتِفَاعَ بِهِ، فَيُصَلِّي وَحْدَهُ وَيُصَلُّونَ جَمَاعَةً لِأَنْفُسِهِمْ

стр. 268

[فَصْلٌ فِي أَحْكَامِ اللِّبَاسِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا] (يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ السَّدْلُ، سَوَاءٌ كَانَ تَحْتَهُ ثَوْبٌ أَوْ لَا) نَقَلَ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى: النَّهْيُ فِيهِ صَحِيحٌ عَنْ عَلِيٍّ وَخَبَرُ أَبِي هُرَيْرَةَ نَقَلَ مُهَنَّا: لَيْسَ بِصَحِيحٍ لَكِنْ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ لَمْ يُضَعِّفْهُ أَحْمَدُ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَهُوَ) أَيْ: السَّدْلُ لُغَةً إرْخَاءُ الثَّوْبِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَاصْطِلَاحًا: (أَنْ يَطْرَحَ ثَوْبًا عَلَى كَتِفَيْهِ، وَلَا يَرُدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْآخَرِ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هُوَ إرْسَالُ الثَّوْبِ عَلَى الْأَرْضِ وَقِيلَ: وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى رَأْسِهِ وَإِرْسَالُهُ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى ظَهْرِهِ، وَهِيَ لِبْسَةُ الْيَهُودِ. وَقَالَ الْقَاضِي هُوَ وَضْعُ الرِّدَاءِ عَلَى عُنُقِهِ، وَلَمْ يَرُدّهُ عَلَى كَتِفَيْهِ (فَإِنْ رَدَّ أَحَدَ طَرَفَيْهِ عَلَى الْكَتِفِ الْأُخْرَى) لَمْ يُكْرَهْ، لِزَوَالِ السَّدْلِ زَادَ فِي الشَّرْحِ: (أَوْ ضَمَّ طَرَفَيْهِ بِيَدَيْهِ لَمْ يُكْرَهْ) وَهُوَ رِوَايَةٌ وَمُقْتَضَى مَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَغَيْرِهِ وَجَزَمَ بِمَعْنَاهُ فِي الْمُنْتَهَى وَيُكْرَهُ لِبَقَاءِ مَعْنَى السَّدْلِ وَإِنْ (طَرَحَ الْقَبَاءَ) بِفَتْحِ الْقَافِ (عَلَى الْكَتِفَيْنِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي الْكُمَّيْنِ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ وَلَيْسَ مِنْ السَّدْلِ الْمَكْرُوهِ، قَالَهُ الشَّيْخُ) . (وَيُكْرَهُ) فِي الصَّلَاةِ (اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي سَعِيد أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى عَنْ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَهُوَ) أَيْ: اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ أَنْ (يَضْطَبِعَ بِالثَّوْبِ لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ) وَالِاضْطِبَاعُ: أَنْ يَجْعَلَ وَسَطَ الرِّدَاءِ تَحْتَ عَاتِقِهِ الْأَيْمَنِ وَطَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ الْأَيْسَرِ، وَجَاءَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءَ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَهُمَا اشْتِمَالُ الصَّمَّاءِ وَهُوَ أَنْ يَضَعَ

стр. 269

ثَوْبَهُ عَلَى أَحَدِ عَاتِقَيْهِ، فَيَبْدُو أَحَدُ شِقَّيْهِ لَيْسَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، وَالِاحْتِبَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَحْتَبِيَ بِهِ لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ ثَوْبٌ آخَرُ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّهَا لِبْسَةُ الْمُحْرِمِ وَفَعَلَهَا ﷺ وَأَنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ إلَّا أَنْ تَبْدُوَ عَوْرَتُهُ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (تَغْطِيَةُ الْوَجْهِ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُغَطِّيَ الرَّجُلُ فَاهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى كَرَاهَةِ تَغْطِيَةِ الْوَجْهِ، لِاشْتِمَالِهِ عَلَى تَغْطِيَةِ الْفَمِ وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ لَهَا تَحْلِيلٌ وَتَحْرِيمٌ فَشُرِعَ لَهَا كَشْفُ الْوَجْهِ كَالْإِحْرَامِ. (وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (التَّلَثُّمُ عَلَى الْفَمِ وَالْأَنْفِ) . رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلِقَوْلِهِ ﷺ «أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَفُّ الْكُمِّ بِلَا سَبَبٍ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ زَادَ فِي الرِّعَايَةِ: وَتَشْمِيرُ. (وَ) يُكْرَهُ (شَدُّ الْوَسَطِ) بِفَتْحِ السِّينِ (بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ) بِضَمِّ أَوَّلهِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الْكِتَابِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَوْ) كَانَ شَدُّ الْوَسَطِ بِمَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ (فِي غَيْرِ صَلَاةٍ، لِأَنَّهُ يُكْرَهُ التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ كُلَّ وَقْتٍ) لِمَا تَقَدَّمَ. (قَالَ الشَّيْخُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ) أَيْ: الْكُفَّارِ (مَنْهِيٌّ عَنْهُ) (إجْمَاعًا) لِمَا تَقَدَّمَ (وَقَالَ وَلَمَّا صَارَتْ الْعِمَامَةُ الصَّفْرَاءُ أَوْ الزَّرْقَاءُ مِنْ شِعَارِهِمْ حَرُمَ لُبْسُهَا) اهـ. (وَيُكْرَهُ شَدُّ وَسَطِهِ عَلَى الْقَمِيصِ لِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْيَهُودِ) نَقَلَهُ حَرْبٌ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي الْإِنْصَافِ: لَا يُكْرَهُ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: بِشَدِّ الْوَسَطِ بِمِئْزَرٍ أَوْ حَبْلٍ أَوْ نَحْوِهِ، مِمَّا لَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ (عَلَى الْقَبَاءِ) لِأَنَّهُ مِنْ عَادَةِ الْمُسْلِمِينَ قَالَهُ الْقَاضِي وَقَالَ ابْنُ تَمِيمٍ لَا بَأْسَ بِشَدِّ الْقَبَاءِ فِي السَّفَرِ عَلَى غَيْرِهِ نَصَّ عَلَيْهِ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ. قَالَهُ فِي الْإِنْصَافِ وَ (قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يُكْرَهُ الشَّدُّ بِالْحِيَاصَةِ) وَهُوَ رِوَايَةٌ حَكَاهَا فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُهُ: أَنَّ الْمُقَدَّمَ لَا يُكْرَهُ (وَيُسْتَحَبُّ) شَدُّ الْوَسَطِ (بِمَا لَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ) وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَقَالَ نَصَّ عَلَيْهِ، لِلْخَبَرِ (كَمِنْدِيلٍ وَمِنْطَقَةٍ وَنَحْوِهَا لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لِلْعَوْرَةِ) قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ إلَّا أَنْ يَشُدَّهُ لِعَمَلِ الدُّنْيَا، فَيُكْرَهُ. (وَيُكْرَهُ لِامْرَأَةٍ شَدُّ وَسَطِهَا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِغَيْرِ مَا يُشْبِهُ الزُّنَّارَ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَبِينُ بِهِ حَجْمُ عَجِيزَتِهَا وَتَقَاطِيعُ بَدَنِهَا وَالْمَطْلُوبُ سَتْرُ ذَلِكَ. وَمَفْهُومُ كَلَامِهِ: أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ لَهَا شَدُّ وَسَطِهَا خَارِجَ الصَّلَاةِ بِمَا لَا يُشْبِهُ شَدَّ الزُّنَّارِ قَالَ فِي حَاشِيَةِ التَّنْقِيحِ: لِأَنَّ شَدَّ الْمَرْأَةِ وَسَطَهَا مَعْهُودٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَبْلَهُ كَمَا صَحَّ أَنَّ هَاجَرَ أُمَّ إسْمَاعِيلَ اتَّخَذَتْ مِنْطَقًا وَكَانَ لِأَسْمَاءِ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ

стр. 270

نِطَاقَانِ وَأَطْلَقَ فِي الْمُبْدِعِ وَالتَّنْقِيحِ وَالْمُنْتَهَى: أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا شَدُّ وَسَطِهَا (وَتَقَدَّمَ: لَا تَضُمُّ) الْمَرْأَةُ (ثِيَابَهَا) حَالَ قِيَامِهَا لِأَنَّهُ يَبِينُ فِيهِ تَقَاطِيعُ بَدَنِهَا فَيُشْبِهُ الْحِزَامَ (وَلَا بَأْسَ بِالِاحْتِبَاءِ مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مَفْهُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَيْسَ عَلَى فَرْجِهِ مِنْهُ شَيْءٌ» (وَيَحْرُمُ) الِاحْتِبَاءُ (مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ: عَدَمِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَةِ بِلَا حَاجَةٍ (وَهُوَ) أَيْ: الِاحْتِبَاءُ (أَنْ يَجْلِسَ ضَامًّا رُكْبَتَيْهِ إلَى نَحْوِ) أَيْ: جِهَةِ (صَدْرِهِ، وَيُدِيرُ ثَوْبَهُ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَشُدُّهُ، فَيَكُونُ) الْمُحْتَبِي (كَالْمُعْتَمِدِ عَلَيْهِ وَالْمُسْتَنِدِ إلَيْهِ) أَيْ: الثَّوْبِ الَّذِي احْتَبَى بِهِ. (وَيَحْرُمُ، وَهُوَ) أَيْ: الْإِسْبَالُ (كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ الْآتِي بَيَانُهُ فِي الْخَبَرِ (إسْبَالُ شَيْءٍ مِنْ ثِيَابِهِ وَلَوْ عِمَامَةً خُيَلَاءَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ إلَيْهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «مَنْ أَسْبَلَ إزَارَهُ فِي صَلَاتِهِ خُيَلَاءَ فَلَيْسَ مِنْ اللَّهِ فِي حِلٍّ وَلَا حَرَامٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فِي غَيْرِ حَرْبٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حِينَ رَأَى بَعْضَ أَصْحَابِهِ يَمْشِي بَيْنَ الصَّفَّيْنِ يَخْتَالُ فِي مِشْيَتِهِ قَالَ إنَّهَا الْمِشْيَةُ يَبْغُضُهَا اللَّهُ إلَّا فِي هَذَا الْمَوْطِنِ» . وَذَلِكَ لِأَنَّ الْخُيَلَاءَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ (فَإِنْ أَسْبَلَ ثَوْبَهُ لِحَاجَةٍ كَسَتْرِ سَاقٍ قَبِيحٍ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ أُبِيحَ) قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ: جَرُّ الْإِزَارِ، وَإِسْبَالُ الرِّدَاءِ فِي الصَّلَاةِ، إذَا لَمْ يُرِدْ الْخُيَلَاءَ فَلَا بَأْسَ (مَا لَمْ يُرِدْ التَّدْلِيسَ عَلَى النِّسَاءِ) فَإِنَّهُ مِنْ الْفُحْشِ. وَفِي الْخَبَرِ «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا» (وَمِثْلُهُ) أَيْ: التَّدْلِيسِ بِإِسْبَالِ ثَوْبِهِ لِسَتْرِ سَاقٍ قَبِيحٍ، (كَقَصِيرَةٍ اتَّخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَبٍ فَلَمْ تُعْرَفْ) ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ تَوْجِيهًا. (وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُ الرَّجُلِ إلَى فَوْقِ نِصْفِ سَاقِهِ) نَصَّ عَلَيْهِ (وَتَحْتَ كَعْبِهِ بِلَا حَاجَةٍ) وَعَنْهُ «مَا تَحْتَهُمَا فَهُوَ فِي النَّارِ» لِلْخَبَرِ فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَقُبْحِ سَاقِهِ فَلَا (وَلَا يُكْرَهُ مَا بَيْنَ ذَلِكَ) أَيْ: بَيْنَ نِصْفِ السَّاقِ وَفَوْقَ الْكَعْبِ. (وَيَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ زِيَادَةُ ذَيْلِهَا عَلَى ذَيْلهِ) أَيْ: الرَّجُلِ (إلَى ذِرَاعٍ وَلَوْ مِنْ نِسَاءِ الْمُدُنِ) لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ: كَيْفَ تُصَلِّي النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ؟ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ: إذَنْ تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالظَّاهِرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَهُوَ شِبْرَانِ لِمَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ «رَخَّصَ النَّبِيُّ ﷺ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا» (وَيَحْسُنُ) وَقَالَ فِي الْإِنْصَافِ، عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ: يُسَنُّ جَزَمَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. (تَطْوِيلُ كُمِّ الرَّجُلِ

стр. 271

إلَى رُءُوسِ أَصَابِعِهِ، أَوْ أَكْثَرَ يَسِيرًا) لِحَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ «كَانَتْ يَدُ كُمِّ قَمِيصِ النَّبِيِّ ﷺ إلَى الرُّسْغِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يَلْبَسُ قَمِيصًا قَصِيرَ الْيَدَيْنِ وَالطُّولِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ (وَتَوْسِيعُهُ قَصْدًا) أَيْ: بِاعْتِدَالٍ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ فَلَا تَتَأَذَّى الْيَدُ بِحَرٍّ وَلَا بَرْدٍ وَلَا يَمْنَعُهَا خِفَّةُ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: وَأَمَّا هَذِهِ الْأَكْمَامُ الْوَاسِعَةُ الطِّوَالُ الَّتِي هِيَ كَالْأَخْرَاجِ، وَعَمَائِمُ كَالْأَبْرَاجِ فَلَمْ يَلْبَسْهَا ﷺ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِسُنَّتِهِ وَفِي جَوَازِهَا نَظَرٌ فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسِ الْخُيَلَاءِ (وَ) يَحْسُنُ (قِصَرُ كُمِّ الْمَرْأَةِ) قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: دُونَ رُءُوسِ أَصَابِعِهَا (وَتَوْسِيعُهُ مِنْ غَيْرِ إفْرَاطٍ) . (وَيُكْرَهُ لُبْسُ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ) أَيْ: مَعَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ بِمَا يَكْفِي فِي السَّتْرِ لِمَا تَقَدَّمَ أَوَّلَ الْبَابِ وَيَأْتِي (لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ فِي بَيْتِهَا) نَصَّ عَلَيْهِ (إنْ رَآهَا غَيْرُ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ تَحِلُّ لَهُ) . قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لُبْسُ الرَّقِيقِ مِنْ الثِّيَابِ وَهُوَ مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ غَيْرَ الْعَوْرَةِ وَلَا يُكْرَهُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ إذَا كَانَ لَا يَرَاهَا إلَّا زَوْجُهَا وَمَالِكُهَا وَصَحَّحَ مَعْنَاهُ فِي الرِّعَايَةِ وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى: يُكْرَهُ مُطْلَقًا (وَلَا يُجْزِئُ) مَا يَصِفُ الْبَشَرَةَ (كَفَنًا لِمَيِّتٍ) لِأَنَّهُ غَيْرُ سَاتِرٍ (وَيَأْتِي) فِي الْجَنَائِزِ. (وَيُكْرَهُ لِلنِّسَاءِ لُبْسُ مَا يَصِفُ اللِّينَ وَالْخُشُونَةَ وَالْحَجْمَ) لِمَا رُوِيَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ «كَسَانِي الرَّسُولُ ﷺ قُبْطِيَّةً كَثِيفَةً، كَانَتْ مِمَّا أَهْدَى لَهُ دِحْيَةُ الْكَلْبِيُّ فَكَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ ﷺ : مَا لَكَ لَا تَلْبَسُ الْقُبْطِيَّةَ؟ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتُهَا امْرَأَتِي فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَجْعَلْ تَحْتَهَا غِلَالَةً فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ تَصِفَ حَجْمَ عِظَامِهَا» رَوَاهُ أَحْمَدُ. (وَيَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ لُبْسُ الْعَصَائِبِ الْكِبَارِ الَّتِي يَتَشَبَّهْنَ بِلُبْسِهَا بِالرِّجَالِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " قَالَ الرَّسُولُ ﷺ «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لَمْ أَرَهُمَا بَعْدُ: نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَّاتٌ، مَائِلَاتٌ مُمِيلَاتٌ، عَلَى رُءُوسِهِنَّ أَمْثَالُ أَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لَا يَرَيْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَرِجَالٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ الزِّيقُ الْعَرِيضُ دُونَ الْمَرْأَةِ) فَلَا يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ وَالزِّيقُ لَبِنَةُ الْجَيْبِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ (لُبْسُهُ زِيَّ الْأَعَاجِمِ، كَعِمَامَةٍ صَمَّاءَ وَنَعْلٍ صَرَّارَةٍ لِلزِّينَةِ) لِلنَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ وَ (لَا) يُكْرَهُ لُبْسُ نَعْلِ صَرَّارَةٍ (لِلْوُضُوءِ) قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ أَنْ يُلْبَسَ لِلْوُضُوءِ (وَنَحْوِهِ) كَالْغُسْلِ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُ مَا فِيهِ شُهْرَةٌ)

стр. 272

أَيْ: مَا يَشْتَهِرُ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ وَيُشَارُ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا إلَى حَمْلِهِمْ عَلَى غِيبَتِهِ، فَيُشَارِكُهُمْ فِي إثْمِ الْغِيبَةِ. (وَيَدْخُلُ فِيهِ) أَيْ: فِي ثَوْبِ الشُّهْرَةِ (خِلَافُ) زِيّهِ (الْمُعْتَادِ كَمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا مَقْلُوبًا أَوْ مُحَوَّلًا، كَجُبَّةٍ أَوْ قَبَاءَ) مُحَوَّلٍ (كَمَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالسَّخَافَةِ) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا أَنَّ الرَّسُولَ ﷺ «نَهَى عَنْ الشُّهْرَتَيْنِ فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الشُّهْرَتَانِ؟ قَالَ رِقَّةُ الثِّيَابِ وَغِلَظُهَا، وَلِينُهَا وَخُشُونَتُهَا، وَطُولُهَا وَقِصَرُهَا وَلَكِنْ سَدَادًا بَيْنَ ذَلِكَ وَاقْتِصَادًا» . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ لَبِسَ ثَوْبَ شُهْرَةٍ أَلْبَسَهُ اللَّهُ ثَوْبَ مَذَلَّةٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» حَدِيثٌ حَسَنٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ: إنَّ قَوْمًا جَعَلُوا خُشُوعَهُمْ فِي اللِّبَاسِ، وَشَهَرُوا أَنْفُسَهُمْ بِلِبَاسِ الصُّوفِ، حَتَّى أَنَّ أَحَدَهُمْ بِمَا يَلْبَسُ مِنْ الصُّوفِ أَعْظَمُ كِبْرًا مِنْ صَاحِبِ الْمُطَرَّفِ بِمُطَرَّفِهِ. وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ: كَانَ الْعِلْمُ فِي صُدُورِ الرِّجَالِ فَانْتَقَلَ إلَى جُلُودِ الضَّأْنِ قُلْتُ: وَالْآنَ إلَى جُلُودِ السَّمُّورِ (وَيُكْرَهُ) لُبْسُ (خِلَافِ زِيِّ) أَهْلِ (بَلَدِهِ وَ) لُبْسُ (مُزْرٍ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ (فَإِنْ قَصَدَ بِهِ الِارْتِفَاعَ وَإِظْهَارَ التَّوَاضُعِ حَرُمَ لِأَنَّهُ رِيَاءٌ) «وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللَّهُ بِهِ وَمَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّهُ بِهِ» . (وَكَرِهَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ الْكِلَّةَ) بِالْكَسْرِ (وَهِيَ قُبَّةٌ) أَيْ: سِتْرٌ رَقِيقٌ يُخَاطُ شِبْهُ الْبَيْتِ قَالَهُ فِي الْحَاشِيَةِ (لَهَا بَكَرٌ تُجَرُّ بِهَا) (وَقَالَ هِيَ مِنْ الرِّيَاءِ، لَا تَرُدُّ حَرًّا وَلَا بَرْدًا) وَيُشْبِهُهَا الْبَشْخَانَةُ وَالنَّامُوسِيَّةُ إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ فَتَحْرُمُ (وَيُسَنُّ غَسْلُ بَدَنِهِ وَثَوْبِهِ مِنْ عَرَقٍ وَوَسَخٍ وَيُكْرَهُ تَرْكُ الْوَسَخِ فِيهِمَا) لِخَبَرِ: «أَمَا كَانَ يَجِدُ هَذَا مَا يَغْسِلُ بِهِ ثَوْبَهُ» وَخَبَرِ: «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» (وَ) يُكْرَهُ (الْإِسْرَافُ فِي الْمُبَاحِ) . وَحَرَّمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ، لِعُمُومِ ﴿وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأنعام: ١٤١] . [فَصْلٌ لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةٌ] فَصْلٌ (وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَأُنْثَى لُبْسُ مَا فِيهِ صُورَةُ حَيَوَانٍ) لِحَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ قَالَ سَمِعْتُ، الرَّسُولَ ﷺ يَقُولُ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ أَوْ كَلْبٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَتَعْلِيقُهُ) أَيْ: مَا فِيهِ صُورَةٌ (وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَتَصْوِيرُهُ

стр. 273

كَبِيرَةٌ) لِلْوَعِيدِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ ﷺ «إنَّ أَصْحَابَ هَذِهِ الصُّوَرِ يُعَذَّبُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ: أَحْيُوا مَا خَلَقْتُمْ» (حَتَّى فِي سِتْرٍ وَسَقْفٍ وَحَائِطٍ وَسَرِيرٍ وَنَحْوِهَا) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ لَا (افْتِرَاشِهِ وَجَعْلِهِ) أَيْ: الْمُصَوَّرِ (مِخَدًّا) فَيَجُوزُ (بِلَا كَرَاهَةٍ) . قَالَ فِي الْفُرُوعِ: لِأَنَّهُ ﷺ اتَّكَأَ عَلَى مِخَدَّةٍ فِيهَا صُوَرٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ. (وَتُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى مَا فِيهِ صُورَةٌ، وَلَوْ عَلَى مَا يُدَاسُ، وَالسُّجُودُ عَلَيْهَا) أَيْ: الصُّورَةِ (أَشَدُّ كَرَاهَةً) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ» وَيَأْتِي مَا فِيهِ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ) لِلْخَبَرِ السَّابِقِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَالْمُرَادُ بِهِ: كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْ اقْتِنَائِهِ. وَفِي الْآدَابِ: هَلْ يُحْمَلُ عَلَى كُلِّ صُورَةٍ أَمْ صُورَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا قُلْتُ الْأَظْهَرُ الثَّانِي (وَلَا) تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ (جَرَسٌ) لِحَدِيثِ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جَرَسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَلَا جُنُبٌ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ» إسْنَادُهُ حَسَنٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَنَامَ إذَا تَوَضَّأَ، وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْجُنُبِ مِنْ حَرَامٍ وَبَعْضُهُمْ عَلَى مَنْ يَتْرُكُهُ عَادَةً وَتَهَاوُنًا. (وَلَا تَصْحَبُ) الْمَلَائِكَةُ (رُفْقَةً فِيهَا جَرَسٌ) أَوْ كَلْبٌ لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ فِي الْآدَابِ: وَلَوْ اجْتَمَعَ فِي الطَّرِيقِ اتِّفَاقًا بِمَنْ مَعَهُ كَلْبٌ أَوْ جَرَسٌ وَلَمْ يَقْصِدْ رُفْقَتَهُ فَهَلْ يَكُونُ سَبَبًا لِعَدَمِ صُحْبَةِ الْمَلَائِكَةِ أَمْ لَا؟ أَمْ إنْ أَمْكَنَهُ الِانْفِرَادُ فَلَمْ يَفْعَلْ كَانَ سَبَبًا، وَإِلَّا فَلَا؟ يَتَوَجَّهُ احْتِمَالَاتٌ (وَإِنْ أُزِيلَ مِنْ الصُّورَةِ مَا لَا تَبْقَى الْحَيَاةُ مَعَهُ، كَالرَّأْسِ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا رَأْسٌ فَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ: فَلَا كَرَاهَةَ فِي الْمَنْصُوصِ. (وَلَا) بَأْسَ (بِلَعِبِ الصَّغِيرَةِ بِلُعَبٍ غَيْرِ مُصَوَّرَةٍ) أَوْ مَقْطُوعٍ رَأْسُهَا، أَوْ مُصَوَّرَةٍ بِلَا رَأْسٍ (وَلَا) بَأْسَ بِ (شِرَائِهَا نَصًّا) لِلتَّمْرِينِ (وَيَأْتِي فِي الْحَجَرِ) مَعَ زِيَادَةٍ عَلَى هَذَا (وَتُبَاحُ صُورَةُ غَيْرِ حَيَوَانٍ كَشَجَرٍ وَكُلِّ مَا لَا رُوحَ فِيهِ، وَيُكْرَهُ) جَعْلُ صُورَةِ (الصَّلِيبِ فِي الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ) كَالطَّاقِيَّةِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْخَوَاتِيمِ وَغَيْرِهَا لِقَوْلِ عَائِشَةَ: إنَّ الرَّسُولَ ﷺ «كَانَ لَا يَتْرُكُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا فِيهِ تَصْلِيبٌ إلَّا قَضَبَهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَيُحْتَمَلُ تَحْرِيمُهُ وَهُوَ ظَاهِرُ

стр. 274

نَقْلِ صَالِحٍ قُلْتُ: وَهُوَ الصَّوَابُ (وَيَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ وَلَوْ كَافِرًا) لِمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ. (وَ) عَلَى (خُنْثَى لُبْسُ ثِيَابِ حَرِيرٍ) لِحَدِيثِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «لَا تَلْبَسُوا الْحَرِيرَ فَإِنَّهُ مَنْ لَبِسَهُ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَلَوْ) كَانَ الْحَرِيرُ (بِطَانَةً) لِعُمُومِ الْخَبَرِ (وَ) لَوْ (تِكَّةَ سَرَاوِيلَ وَشُرَابَةً) نَصَّ عَلَيْهِ. قَالَ فِي الْفُرُوعِ (وَالْمُرَادُ شُرَابَةٌ مُفْرَدَةٌ، كَشُرَابَةِ الْبَرِيدِ، لَا تَبَعًا فَإِنَّهَا كَزِرٍّ) فَتُبَاحُ وَمَا رُوِيَ «أَنَّ عُمَرَ بَعَثَ بِمَا أَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ إلَى أَخٍ لَهُ مُشْرِكٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي لُبْسِهَا وَقَدْ «بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ إلَى عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُسَامَةَ ﵃» وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهِ. (وَيَحْرُمُ افْتِرَاشُهُ أَيْ: الْحَرِيرِ) لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «نَهَى أَنْ يُلْبَسَ الْحَرِيرُ وَالدِّيبَاجُ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَ) يَحْرُمُ (اسْتِنَادُهُ) أَيْ: الرَّجُلِ وَالْخُنْثَى (إلَيْهِ وَاتِّكَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَوَسُّدُهُ، وَتَعْلِيقُهُ، وَسَتْرُ الْجُدُرِ بِهِ) فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرِّجَالِ بِكُلِّ حَالٍ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمُسْتَوْعِبِ وَأَبِي الْمَعَالِي فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ: وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ شُرَابَةُ الدَّوَاةِ وَسِلْكُ الْمِسْبَحَةِ كَمَا يَفْعَلُهُ جَهَلَةُ الْمُتَعَبِّدَةِ اهـ. وَاخْتَارَ الْآمِدِيُّ إبَاحَةَ يَسِيرِ الْحَرِيرِ مُفْرَدًا (غَيْرِ الْكَعْبَةِ) الْمُشَرَّفَةِ، فَلَا يَحْرُمُ سَتْرُهَا بِالْحَرِيرِ. (وَكَلَامُ أَبِي الْمَعَالِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ) وَتَبِعَهُ فِي الْمُبْدِعِ (إلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ) فَلَا يَحْرُمُ مَعَهَا لُبْسُ مَا كُلُّهُ حَرِيرٌ وَلَا افْتِرَاشُهُ وَنَحْوُهُ (وَكَذَا مَا غَالِبُهُ حَرِيرٌ ظُهُورًا) فَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ، كَالْخَالِصِ، لِأَنَّ الْأَكْثَرَ مُلْحَقٌ بِالْكُلِّ فِي أَكْثَرِ الْأَحْكَامِ وَ (لَا) يَحْرُمُ مَا كَانَ مِنْ حَرِيرٍ وَغَيْرِهِ (إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا وَوَزْنًا، أَوْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا وَالظُّهُورُ لِغَيْرِهِ) وَكَذَا إذَا اسْتَوَيَا ظُهُورًا، لِأَنَّ الْحَرِيرَ لَيْسَ بِأَغْلَبَ وَإِذَا انْتَفَى دَلِيلُ الْحُرْمَةِ بَقِيَ أَصْلُ الْإِبَاحَةِ (وَلَا يَحْرُمُ خَزٌّ وَهُوَ مَا سُدِيَ بِإِبْرَيْسَمٍ) وَهُوَ الْحَرِيرُ (وَأُلْحِمَ بِوَبَرٍ أَوْ صُوفٍ وَنَحْوِهِ) كَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ. لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ «إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ مِنْ الْحَرِيرِ أَمَّا السَّدَى وَالْعَلَمُ فَلَا نَرَى بِهِ بَأْسًا» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ قَالَ فِي الِاخْتِيَارَاتِ: الْمَنْصُوصُ عَنْ أَحْمَدَ وَقُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ: إبَاحَةُ الْخَزِّ دُونَ الْمُلْحَمِ وَغَيْرِهِ وَيُلْبَسُ الْخَزُّ، وَلَا يُلْبَسُ الْمُلْحَمُ وَلَا الدِّيبَاجُ اهـ وَالْمُلْحَمُ مَا سُدِيَ بِغَيْرِ الْحَرِيرِ وَأُلْحِمَ بِهِ (وَمَا عُمِلَ مِنْ سَقَطِ حَرِيرٍ وَمُشَاقَتِهِ، وَمَا يُلْقِيهِ الصَّانِعُ مَنْ فَمِهِ مَنْ تَقْطِيعِ الطَّاقَاتِ إذَا دَقَّ وَغَزَلَ وَنَسَجَ، فَكَحَرِيرٍ خَالِصٍ،

стр. 275

وَإِنْ سُمِّيَ الْآنَ خَزًّا) فَيَحْرُمُ عَلَى الرِّجَالِ وَالْخَنَاثَى لِأَنَّهُ حَرِيرٌ وَظَاهِرُ كَلَامَهُمْ: يَحْرُمُ الْحَرِيرُ وَلَوْ كَانَ مُبْتَذَلًا، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقُطْنُ وَالْكَتَّانُ أَعْلَى قِيمَةً مِنْهُ لِلنَّصِّ. (وَيَحْرُمُ عَلَى ذَكَرٍ وَخُنْثَى بِلَا حَاجَةٍ لُبْسُ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا) لِمَا فِيهِ مَنْ الْخُيَلَاءِ وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، وَتَضْيِيقِ النَّقْدَيْنِ وَكَالْآنِيَةِ (فَإِنْ اسْتَحَالَ) أَيْ: تَغَيَّرَ (لَوْنُهُ وَلَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ شَيْءٌ) بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (أُبِيحَ) لُبْسُهُ، لِزَوَالِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ مِنْ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَحِلْ لَوْنُهُ، وَاسْتَحَالَ لَكِنْ يَحْصُلُ مِنْهُ شَيْءٌ بِعَرْضِهِ عَلَى النَّارِ (فَلَا) يُبَاحُ، لِبَقَاءِ عِلَّةِ التَّحْرِيمِ. (وَيُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِحِكَّةٍ، وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهَا) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَخَّصَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ فِي قَمِيصِ الْحَرِيرِ فِي سَفَرٍ مِنْ حِكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا» وَمَا ثَبَتَ فِي حَقِّ صَحَابِيٍّ ثَبَتَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ، وَالْحِكَّةُ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِكَسْرِ الْحَاءِ: الْجَرَبُ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (لِقَمْلٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرَ شَكَيَا إلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمْلَ فَرَخَّصَ لَهُمَا فِي قَمِيصِ حَرِيرٍ فَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا فِي غَزَاةٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ لَمْ يُؤَثِّرْ لُبْسُهُ فِي زَوَالِهِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ لِ (مَرَضٍ) يَنْفَعُ فِيهِ لُبْسُ الْحَرِيرِ عَلَى ظَاهِرِ كَلَامِهِ فِي الْمُبْدِعِ، قِيَاسًا عَلَى الْحِكَّةِ وَالْقَمْلِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (فِي حَرْبٍ مُبَاحٍ إذَا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ إلَى انْقِضَاءِ الْقِتَالِ وَلَوْ) كَانَ لُبْسُهُ (لِغَيْرِ حَاجَةٍ) لِأَنَّ الْمَنْعَ مَنْ لُبْسِهِ لِمَا فِيهِ مَنْ الْخُيَلَاءِ وَذَلِكَ غَيْرُ مَذْمُومٍ فِي الْحَرْبِ. (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ الْحَرِيرِ (لِحَاجَتِهِ كَبِطَانَةِ بَيْضَةٍ) أَيْ: خُوذَةٌ (وَدِرْعٍ وَنَحْوِهِ) كَجَوْشَنٍ قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ مَنْ احْتَاجَ إلَى لُبْسِ الْحَرِيرِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ تَحَصُّنٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ أُبِيحَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ كَدِرْعٍ مُمَوَّهٍ بِهِ لَا يُسْتَغْنَى عَنْ لُبْسِهِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ. (وَيَحْرُمُ إلْبَاسُ صَبِيٍّ مَا يَحْرُمُ عَلَى رَجُلٍ) مِنْ اللِّبَاسِ مِنْ حَرِيرٍ أَوْ مَنْسُوجٍ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ مُمَوَّهٍ بِأَحَدِهِمَا لِقَوْلِهِ ﷺ «وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «كُنَّا نَنْزِعُهُ عَنْ الْغِلْمَانِ وَنَتْرُكُهُ عَلَى الْجَوَارِي» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَشَقِيقُ عَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةُ «قَمِيصُ الْحَرِيرِ عَلَى الصِّبْيَانِ» رَوَاهُ الْخَلَّالُ وَيَتَعَلَّقُ التَّحْرِيمُ بِالْمُكَلَّفِينَ بِتَمْكِينِهِمْ مَنْ الْحَرَامِ كَتَمْكِينِهِمْ مَنْ شُرْبِ الْخَمْرِ وَكَوْنِهِمْ مَحَلًّا لِلزِّينَةِ مَعَ تَحْرِيمِ الِاسْتِمْتَاعِ بِهِمْ أَبْلَغُ فِي التَّحْرِيمِ. (وَصَلَاتُهُ) أَيْ الصَّبِيِّ (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمُحَرَّمِ عَلَيْهِ لُبْسُهُ (كَصَلَاتِهِ) أَيْ: الرَّجُلِ فَلَا تَصِحُّ قُلْتُ قَدْ

стр. 276

تَقَدَّمَ أَنَّ مَحَلَّ بُطْلَانِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِيهِ، إذَا كَانَ عَالِمًا ذَاكِرًا عَلَى الْمَذْهَبِ وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي هُنَا الصِّحَّةُ، لِأَنَّ النَّهْيَ عَائِدٌ إلَى إلْبَاسِهِ، وَتَمْكِينُهُ مِنْهُ وَهُوَ خَارِجٌ عَنْ الصَّلَاةِ وَشُرُوطِهَا (وَمَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ حَرِيرٍ) كُلِّهِ أَوْ غَالِبِهِ (وَمُذَهَّبٍ) وَمُفَضَّضٍ مَنْسُوجٍ أَوْ مُمَوَّهٍ (وَمُصَوَّرٍ وَنَحْوِهَا) كَاَلَّذِي يُتَّخَذُ لِتَشَبُّهِ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَعَكْسِهِ (حَرُمَ بَيْعُهُ) لِذَلِكَ. (وَ) حَرُمَ (نَسْجُهُ) لِذَلِكَ (وَخِيَاطَتُهُ) لِذَلِكَ (وَتَمْلِيكُهُ) لِذَلِكَ وَتَمَلُّكُهُ لِذَلِكَ (وَأُجْرَتُهُ لِذَلِكَ) أَيْ: لِلِاسْتِعْمَالِ (وَالْأَمْرُ بِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢] " وَلِأَنَّ الْوَسَائِلَ لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ نَسَجَهُ أَوْ خَاطَهُ أَوْ مَلَكَهُ أَوْ تَمَلَّكَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ، كَتِجَارَةٍ وَكِرَاءٍ لِمَنْ يُبَاحُ لَهُ، فَلَا (وَيَحْرُمُ يَسِيرُ ذَهَبٍ تَبَعًا غَيْرُ فَصِّ خَاتَمٍ كَالْمُفْرَدِ) . وَفِي الْآنِيَةِ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ يَحْرُمُ فَصُّ خَاتَمٍ مِنْ ذَهَبٍ وَيَأْتِي مَا فِيهِ مِنْ زَكَاةِ الْأَثْمَانِ. (وَيَحْرُمُ تَشَبُّهُ رَجُلٍ بِامْرَأَةٍ وَعَكْسُهُ) أَيْ: تَشَبُّهُ الْمَرْأَةِ بِالرَّجُلِ (فِي لِبَاسٍ وَغَيْرِهِ) كَكَلَامٍ وَمَشْيٍ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ ﷺ «لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلَعَنَ أَيْضًا «الرَّجُلَ يَلْبَسُ لُبْسَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لُبْسَ الرَّجُلِ» قَالَ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى: إسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد. (وَيُبَاحُ عَلَمُ حَرِيرٍ وَهُوَ طِرَازُ الثَّوْبِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّمَا «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الثَّوْبِ الْمُصْمَتِ أَمَّا الْعَلَمُ وَسَدَى الثَّوْبِ فَلَيْسَ بِهِ بَأْسٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) يُبَاحُ (رِقَاعٌ مِنْهُ) أَيْ: مِنْ الْحَرِيرِ (وَسَجْفُ الْفِرَاءِ) وَنَحْوُهَا قَالَهُ فِي الْآدَابِ لِقَوْلِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الْحَرِيرِ إلَّا مَوْضِعَ إصْبَعَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. (وَ) يُبَاحُ مِنْ الْحَرِيرِ (لَبِنَةُ الْجَيْبِ، وَهِيَ الزِّيقُ) الْمُحِيطُ بِالْعُنُقِ (وَالْجَيْبُ: هُوَ الطَّوْقُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْهُ الرَّأْسُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَجَيْبُ الْقَمِيصِ وَنَحْوِهِ، بِالْفَتْحِ: طَوْقُهُ وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى: الْجَيْبُ مَا يَنْفَتِحُ عَلَى نَحْرٍ أَوْ طَوْقٍ (إذَا كَانَ) مَا ذُكِرَ مِنْ الْعَلَمِ وَالرِّقَاعِ وَالسَّجْفِ وَلَبِنَةِ الْجَيْبِ (أَرْبَعَ أَصَابِعَ) مُعْتَدِلَةً عَلَى مَا يَأْتِي فِي مَسَافَةِ الْقَصْرِ (مَضْمُومَةً فَمَا دُونُ) بِالْبِنَاءِ عَلَى الضَّمِّ لِحَذْفِ الْمُضَافِ إلَيْهِ وَنِيَّةِ مَعْنَاهُ، أَيْ: فَمَا دُونَهَا، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ. (وَ) يُبَاحُ (خِيَاطَةٌ بِهِ) أَيْ: بِالْحَرِيرِ. (وَ) يُبَاحُ (أَزْرَارٌ) جَمْعُ زِرٍّ مِنْ الْحَرِيرِ لِأَنَّ ذَلِكَ يَسِيرٌ وَكِيسُ

стр. 277

الْمُصْحَفِ، وَتَقَدَّمَ. (وَيُبَاحُ الْحَرِيرُ لِلْأُنْثَى) لِمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «أُحِلَّ الْحَرِيرُ وَالذَّهَبُ لِلْإِنَاثِ مِنْ أُمَّتِي وَحُرِّمَ عَلَى ذُكُورِهَا» . (وَيَحْرُمُ كِتَابَةُ مَهْرِهَا فِيهِ) أَيْ: الْحَرِيرِ فِي الْأَقْيَسِ قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ الْكُبْرَى وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ (وَقِيلَ: يُكْرَهُ) قَالَ فِي التَّنْقِيحِ: وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ قَالَ فِي تَصْحِيحِ الْفُرُوعِ: لَوْ قِيلَ بِالْإِبَاحَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ. (وَيُبَاحُ حَشْوُ الْجِبَابِ، وَ) حَشْوُ (الْفُرُشِ بِهِ) أَيْ بِالْحَرِيرِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِلُبْسٍ لَهُ وَلَا افْتِرَاشٍ وَلَيْسَ فِيهِ فَخْرٌ وَلَا عُجْبٌ وَلَا خُيَلَاءُ (وَلَوْ لَبِسَ ثِيَابًا فِي كُلِّ ثَوْبٍ) مَنْ الْحَرِيرِ (قَدْرٌ يُعْفَى عَنْهُ) مِنْ سَجْفٍ أَوْ رِقَاعٍ وَنَحْوِهَا (وَلَوْ جُمِعَ) مَا فِيهَا مِنْ الْحَرِيرِ (صَارَ ثَوْبًا، لَمْ يُكْرَهْ) ذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ ثَوْبٍ يُعْتَبَرُ بِنَفْسِهِ غَيْرُ تَابِعٍ لِغَيْرِهِ. (وَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ) دُونَ الْمَرْأَةِ (لُبْسُ مُزَعْفَرٍ) لِقَوْلِ أَنَسٍ: «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ (أَحْمَرَ مُصْمَتٍ) لِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ «مَرَّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثَوْبَانِ أَحْمَرَانِ، فَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدَّ النَّبِيُّ ﷺ » رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ أَحْمَدُ يُقَالُ: أَوَّلُ مَنْ لَبِسَهُ آلُ قَارُونَ أَوْ آلُ فِرْعَوْنَ (وَلَوْ) كَانَ الْأَحْمَرُ الْمُصْمَتُ (بِطَانَةً) وَخَرَجَ بِالْمُصْمَتِ مَا فِيهِ حُمْرَةٌ وَغَيْرُهَا فَلَا يُكْرَهُ وَلَوْ غَلَبَ الْأَحْمَرُ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ لُبْسُهُ الْحُلَّةَ الْحَمْرَاءَ، أَوْ الْبُرْدَ الْأَحْمَرَ. (وَ) يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ أَيْضًا لُبْسُ (طَيْلَسَانَ وَهُوَ الْمُقَوَّرُ) عَلَى شَكْلِ الطَّرْحَةِ، يُرْسَلُ مَنْ فَوْقِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ لُبْسَ رُهْبَانِ الْمَلَكِيِّينَ مِنْ النَّصَارَى وَأَمَّا الْمُدَوَّرُ فَهُوَ غَيْرُ مَكْرُوهٍ بَلْ ذُكِرَ اسْتِحْبَابُهُ وَقَدْ ذَكَرْتُ كَلَامَ السُّيُوطِيّ فِيهِ فِي حَاشِيَةِ الْمُنْتَهَى (وَكَذَا مُعَصْفَرٌ) فَيُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لِمَا رَوَى عَلِيٌّ قَالَ «نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْقَسِّيِّ، وَعَنْ الْقِرَاءَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَعَنْ لِبَاسِ الْمُعَصْفَرِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (إلَّا فِي إحْرَامٍ فَلَا يُكْرَهُ) لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْمُعَصْفَرِ نَصَّ عَلَيْهِ وَيُبَاحُ لِلنِّسَاءِ لِتَخْصِيصِ الرَّجُلِ بِالنَّهْيِ. (وَيُكْرَهُ الْمَشْيُ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ) بِلَا حَاجَةٍ (وَلَوْ يَسِيرًا) سَوَاءٌ (كَانَ فِي إصْلَاحِ الْأُخْرَى أَوْ لَا) لِقَوْلِهِ ﷺ «لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَلِمُسْلِمٍ «إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِي فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا» رَوَاهُ أَيْضًا مَنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَفِيهِ «وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ» . وَمَشَى عَلِيٌّ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ، وَعَائِشَةُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ

стр. 278

رَوَاهُ سَعِيدٌ. (وَيُكْرَهُ) الْمَشْيُ (فِي نَعْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ) كَأَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَصْفَرَ وَالْآخَرُ أَحْمَرَ (بِلَا حَاجَةٍ) لِأَنَّهُ مِنْ الشُّهْرَةِ. (وَيُسَنُّ اسْتِكْثَارُ النِّعَالِ) لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا «اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ» قَالَ الْقَاضِي يَدُلُّ عَلَى تَرْغِيبِ اللُّبْسِ لِلنِّعَالِ لِأَنَّهَا قَدْ تَقِيهِ الْحَرَّ وَالْبَرْدَ وَالنَّجَاسَةَ. (وَ) يُسَنُّ (تَعَاهُدُهَا عِنْدَ أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ) لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ «فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُقَلِّبْ نَعْلَيْهِ وَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا، فَإِنْ رَأَى خَبَثًا فَلْيَمْسَحْهُ بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد. (وَ) تُسَنُّ (الصَّلَاةُ فِي الطَّاهِرِ مِنْهَا) أَيْ: مِنْ النِّعَالِ قَالَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَغَيْرُهُ لِلْأَخْبَارِ مِنْهَا عَنْ أَبِي سَلَمَةَ يَزِيدَ بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: «سَأَلْتُ أَنَسًا أَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: الْأَوْلَى حَافِيًا. (وَ) يُسَنُّ (الِاحْتِفَاءُ أَحْيَانًا) لِحَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُنَا أَنْ نَحْتَفِيَ أَحْيَانًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَيُرْوَى هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عُمَرَ (وَ) يُسَنُّ (تَخْصِيصُ الْحَافِي فِي الطَّرِيقِ) بِأَنْ يَتَنَحَّى الْمُنْتَعِلُ عَنْ الطَّرِيقِ وَيَدَعُهَا لِلْحَافِي، رِفْقًا بِهِ. (وَيُكْرَهُ كَثْرَةُ الْإِرْفَاهِ) أَيْ التَّنَعُّمِ وَالدَّعَةِ، وَلِينِ الْعَيْشِ لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ وَأَرْبَابِ الدُّنْيَا. (وَيُسْتَحَبُّ كَوْنُ النَّعْلِ أَصْفَرَ وَالْخُفِّ أَحْمَرَ) وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي عَنْ أَصْحَابِنَا (أَوْ أَسْوَدَ) قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ وَأَنْ يُقَابِلَ بَيْنَ نَعْلَيْهِ «وَكَانَ لِنَعْلِهِ ﷺ قِبَالَانِ» بِكَسْرِ الْقَافِ وَهُوَ السَّيْرُ بَيْنَ الْوُسْطَى وَاَلَّتِي تَلِيهَا وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمَا. (وَيُكْرَهُ لُبْسُ الْإِزَارِ) قَائِمًا (وَ) لُبْسُ (الْخُفِّ) قَائِمًا (وَ) لُبْسُ (السَّرَاوِيلِ قَائِمًا) خَشْيَةَ انْكِشَافِ عَوْرَتِهِ (وَلَا) يُكْرَهُ (الِانْتِعَالُ) قَائِمًا وَصَحَّحَ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ الْكَرَاهَةَ وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ أَيْ الْإِمَامِ فِي صِحَّةِ الْإِخْبَارِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ. (وَيُكْرَهُ نَظَرُ مَلَابِسِ حَرِيرٍ وَآنِيَةٍ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ وَنَحْوِهَا إنْ رَغَّبَهُ) النَّظَرُ إلَيْهَا (فِي التَّزَيُّنِ بِهَا وَالْمُفَاخَرَةِ) ذَكَرَهُ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ رِيحُ الْخَمْرِ كَصَوْتِ الْمَلَاهِي حَتَّى إذَا شَمَّ رِيحَهَا كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ سَمِعَ صَوْتَ الْمَلَاهِي، وَأَصْغَى إلَيْهَا وَيَجِبُ سَتْرُ الْمَنْخَرَيْنِ وَالْإِسْرَاعُ، كَوُجُوبِ سَدِّ الْأُذُنَيْنِ عِنْدَ الْإِسْمَاعِ وَعَلَى هَذَا يَحْرُمُ النَّظَرُ إلَى مَلَابِسِ الْحَرِيرِ وَأَوَانِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَإِنْ دَعَتْ إلَى حُبِّ التَّزَيُّنِ وَالْمُفَاخَرَةِ حُجِبَ ذَلِكَ عَنْهُ قَالَهُ فِي الْآدَابِ الْكُبْرَى. (وَ) يُكْرَهُ (التَّنَعُّمُ) وَتَقَدَّمَ لِأَنَّهُ مَنْ الْإِرْفَاهِ. (وَ) يُكْرَهُ

стр. 279

(زِيُّ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ: هَيْئَةُ (أَهْلِ الشِّرْكِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَيْ: هَذَا الْحَدِيثِ - أَنْ يَقْتَضِيَ تَحْرِيمَ التَّشَبُّهِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي كُفْرَ الْمُتَشَبِّهِ بِهِمْ. (وَيُسَنُّ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «الْبَذَاذَةُ مِنْ الْإِيمَانِ» رِجَالُهُ ثِقَاتٌ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْجَمَاعَةِ: هُوَ التَّوَاضُعُ فِي اللِّبَاسِ. (وَ) يُسَنُّ (لُبْسُ الثِّيَابِ الْبِيضِ) لِحَدِيثِ «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمْ الْبِيضَ، فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَهِيَ) أَيْ الثِّيَابُ الْبِيضُ (أَفْضَلُ) مِنْ غَيْرِهَا (وَ) تُسَنُّ (النَّظَافَةُ فِي ثَوْبِهِ وَبَدَنِهِ وَمَجْلِسِهِ) لِخَبَرِ «إنَّ اللَّهَ نَظِيفٌ يُحِبُّ النَّظَافَةَ» وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يُعْجِبُهُ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ الرِّيحَ الطَّيِّبَةَ وَالثِّيَابَ النَّظِيفَةَ. (وَ) يُسَنُّ (إرْخَاءُ الذُّؤَابَةِ خَلْفَهُ) نُصَّ عَلَيْهِ. (قَالَ الشَّيْخُ إطَالَتُهَا) أَيْ الذُّؤَابَةِ (كَثِيرًا مَنْ الْإِسْبَالِ) وَإِنْ أَرْخَى طَرَفَهَا بَيْنَ كَتِفَيْهِ فَحَسَنٌ قَالَهُ الْآجُرِّيُّ وَأَرْخَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ مِنْ خَلْفِهِ قَدْرَ ذِرَاعٍ وَعَنْ أَنَسٍ نَحْوُهُ ذَكَرَهُ فِي الْآدَابِ. (وَيُسَنُّ تَحْنِيكُهَا) أَيْ: الْعِمَامَةِ لِأَنَّ عَمَائِمَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ كَذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ ﷺ (وَيُجَدِّدُ لَفَّ الْعِمَامَةِ كَيْفَ شَاءَ) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ. وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي كِتَابِ أَخْلَاقِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَعْتَمُّ يُدِيرُ كَوْرَ الْعِمَامَةِ عَلَى رَأْسِهِ وَيَغْرِزُهَا مِنْ وَرَائِهِ، وَيُرْخِي لَهَا ذُؤَابَةً بَيْنَ كَتِفَيْهِ» . (وَيُبَاحُ السَّوَادُ وَلَوْ لِلْجُنْدِ) لِأَنَّهُ ﷺ «دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ» وَكَذَا يُبَاحُ الْأَخْضَرُ وَالْأَصْفَرُ. (وَ) يُبَاحُ (فَتْلُ طَرَفِ الثَّوْبِ) مِنْ رِدَاءٍ وَغَيْرِهِ (وَكَذَا) يُبَاحُ (الْكَتَّانُ) وَالْقُطْنُ وَالصُّوفُ وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ (وَ) يُبَاحُ لُبْسُ (الْيَلْمَقِ وَهُوَ الْقَبَاءُ وَلَوْ لِلنِّسَاءِ وَالْمُرْدِ، وَلَا تَشَبُّهَ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَحْرُمُ تَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَعَكْسُهُ. (وَيُسَنُّ السَّرَاوِيلُ) لِمَا رَوَى أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: «قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَتَسَرْوَلَونَ وَلَا يَأْتَزِرُونَ قَالَ تَسَرْوَلُوا وَائْتَزِرُوا، وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ» (وَالتُّبَّانُ) بِضَمِّ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ سَرَاوِيلُ قَصِيرٌ جِدًّا (فِي مَعْنَاهُ) أَيْ: مَعْنَى السَّرَاوِيلِ لِأَنَّهُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ. (وَ) يُسَنُّ (الْقَمِيصُ) لِقَوْلِ أُمِّ سَلَمَةَ «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمِيصُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَ) يُسَنُّ (الرِّدَاءُ) لِفِعْلِهِ ﷺ . (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْفِرَاءِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ مَمْدُودًا جَمْعُ فَرْوٍ بِغَيْرِهَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ

стр. 280

وَأَثْبَتَهَا ابْنُ فَارِسٍ وَيَدُلُّ لَهُ الْحَدِيثُ الْآتِي (إذَا كَانَتْ) الْفِرَاءُ (مِنْ جِلْدٍ مَأْكُولٍ مُذَكًّى مُبَاحٍ وَتَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا) كَسَائِرِ الطَّاهِرَاتِ وَتَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ: يَحْرُمُ لُبْسُ جُلُودِ السِّبَاعِ وَإِنَّهُ يُبَاحُ دَبْغُ جِلْدٍ نَجِسٍ بِمَوْتٍ وَاسْتِعْمَالُهُ بَعْدَهُ فِي يَابِسٍ (وَلَا تَصِحُّ) الصَّلَاةُ (فِي غَيْرِ ذَلِكَ) أَيْ: غَيْرِ جِلْدٍ مُذَكًّى (كَجِلْدِ ثَعْلَبٍ وَسَمُّورٍ وَفَنَكٍ وَقَاقَمٍ وَسِنَّوْرٍ، وَسِنْجَابٍ وَنَحْوِهِ) كَذِئْبٍ وَنَمِرٍ (وَلَوْ ذُكِّيَ) أَوْ دُبِغَ لِأَنَّهُ لَا يَطْهُرُ بِذَلِكَ كَلَحْمِهِ. (وَيُكْرَهُ مِنْ الثِّيَابِ مَا تُظَنُّ نَجَاسَتُهُ لِتَرْبِيَةٍ) كَثِيَابِ الْمَرْأَةِ الْمُرَبِّيَةِ لِلْأَطْفَالِ (وَرَضَاعٍ وَحَيْضٍ وَصِغَرٍ، وَكَثْرَةِ مُلَابَسَتِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ (وَمُبَاشَرَتِهَا، وَقِلَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا فِي صَنْعَةٍ وَغَيْرِهَا وَتَقَدَّمَ بَعْضُهُ) هَكَذَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ: أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا خِلَافُ الْأَوْلَى كَمَا عُبِّرَ بِهِ فِي الشَّرْحِ فَلَا يُنَافِي مَا تَقَدَّمَ فِي الْآنِيَةِ: أَنَّ مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهُ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ طَاهِرٌ مُبَاحٌ. (وَيُكْرَهُ لُبْسُهُ) جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي طَهَارَتِهِ (وَ) يُكْرَهُ (افْتِرَاشُهُ جِلْدًا مُخْتَلَفًا فِي طَهَارَتِهِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ انْتَهَى. وَقَالَ فِي الْآدَابِ: قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ إذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ، وَقُلْنَا لَا يَطْهُرُ: جَازَ أَنْ يُلْبِسَهُ دَابَّتَهُ وَيُكْرَهُ لَهُ لُبْسُهُ وَافْتِرَاشُهُ عَلَى الْأَظْهَرِ قَالَ وَلَا يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِجِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدَّبْغِ فِي اللِّبَاسِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً انْتَهَى وَهُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْمَجْدِ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَلَى الْأَظْهَرِ بَلْ قَطَعَ بِذَلِكَ (وَلَهُ إلْبَاسُهُ) أَيْ الْجِلْدُ الْمُخْتَلَفُ فِي طَهَارَتِهِ (دَابَّتَهُ) لِأَنَّهُ كَاسْتِعْمَالِهِ فِي يَابِسٍ (وَيَحْرُمُ إلْبَاسُهَا) أَيْ: الدَّابَّةِ (ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَحَرِيرًا) وَقَطَعَ الْأَصْحَابُ: لَهُ أَنْ يُلْبِسَهَا الْحَرِيرَ، قَالَهُ فِي الْآدَابِ وَقَالَ: لَهُ أَنْ يُلْبِسَ دَابَّتَهُ جِلْدًا نَجِسًا. ذَكَرَهُ فِي الْمُسْتَوْعِبِ، وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ (وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْحِبَرَةِ) بِكَسْرِ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَهِيَ الَّتِي فِيهَا حُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ رَوَى أَنَسٌ قَالَ «كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إلَى الرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَلْبَسَهَا الْحِبَرَةُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (وَ) لَا بَأْسَ بِلُبْسِ (الْأَصْوَافِ وَالْأَوْبَارِ، وَالْأَشْعَارِ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ، حَيًّا كَانَ أَوْ مَيِّتًا) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ [النحل: ٨٠] وَلِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ غَدَاةٍ، وَعَلَيْهِ مِرْطٌ مُرَحَّلٌ مِنْ شَعْرٍ أَسْوَدَ» (وَكَذَا) تُبَاحُ (الصَّلَاةُ عَلَيْهَا، وَعَلَى مَا يُعْمَلُ مِنْ الْقُطْنِ

стр. 281

وَالْكَتَّانِ، وَعَلَى الْحُصُرِ) وَغَيْرِهَا مِنْ الطَّاهِرَاتِ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَرْفُوعًا قَالَ «وَنُضِحَ بِسَاطٌ لَنَا نُصَلِّي عَلَيْهِ» صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ يَرَوْا بِالصَّلَاةِ عَلَى الْبِسَاطِ وَالطَّنْفَسَةِ بَأْسًا. وَعَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: «كَانَ الرَّسُولُ ﷺ يُصَلِّي عَلَى الْحَصِيرِ وَالْفَرْوَةِ الْمَدْبُوغَةِ» . (وَيُبَاحُ نَعْلُ خَشَبٍ) قَالَ أَحْمَدُ إنْ كَانَ حَاجَةً. «وَيُسَنُّ لِمَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا أَنْ يَقُولَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي كَسَانِي هَذَا، وَرَزَقَنِيهِ مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنِّي وَلَا قُوَّةٍ» لِلْخَبَرِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اسْتَجَدَّ ثَوْبًا سَمَّاهُ بِاسْمِهِ: عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا، أَوْ رِدَاءً ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. وَفِي نُسْخَةٍ «أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْخَلَقِ الْعَتِيقِ النَّافِعِ» " تَتِمَّةٌ " قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَنْصَارِيُّ: يَنْبَغِي لِلْفَقِيهِ أَنْ تَكُونَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ جَدِيدَةٍ: سَرَاوِيلُهُ، وَمَدَاسُهُ، وَخِرْقَةٌ يُصَلِّي عَلَيْهَا. [بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ] (بَابُ اجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعُ الصَّلَاةِ) أَيْ: بَيَانُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ فِيهَا مُطْلَقًا، وَمَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، وَمَا يَصِحُّ فِيهِ النَّفَلُ دُونَ الْفَرْضِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ وَمِنْهُ يُعْلَمُ مَا تَصِحُّ فِيهِ الصَّلَاةُ مُطْلَقًا (وَهُوَ) أَيْ: اجْتِنَابُ النَّجَاسَةِ. (الشَّرْطُ السَّابِعُ) لِلصَّلَاةِ لِتَقَدُّمِ سِتَّةٍ قَبْلَهُ (طَهَارَةُ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَ) طَهَارَةُ (ثِيَابِهِ وَ) طَهَارَةُ (مَوْضِعِ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَحَلُّ بَدَنِهِ وَ) مَحَلُّ (ثِيَابِهِ: مِنْ نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهَا) وَعَدَمِ حَمْلِهَا (شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «تَنَزَّهُوا مِنْ الْبَوْلِ فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» وَقَوْلُهُ ﷺ «حِينَ مَرَّ بِالْقَبْرَيْنِ إنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ لَا يَسْتَنْثِرُ مِنْ الْبَوْلِ» بِالْمُثَلَّثَةِ قَبْلَ الرَّاءِ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى. وَالصَّوَابُ: أَنَّهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي بَابِ النُّونِ مَعَ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ. وَفِي رِوَايَةٍ " لَا يَسْتَنْزِهُ " وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قَالَ

стр. 282

ابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ زَيْدٍ: أُمِرَ بِتَطْهِيرِ الثِّيَابِ مِنْ النَّجَاسَةِ الَّتِي لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ مَعَهَا وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يُطَهِّرُونَ ثِيَابَهُمْ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَقْوَالِ فِيهَا وَهُوَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَجَازِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ، لَكِنْ صَحَّ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْهِجْرَةِ فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ فَانْبَعَثَ أَشْقَى الْقَوْمِ، فَجَاءَ بِسَلَا جَزُورِ بَنِي فُلَانٍ وَدَمِهَا وَفَرْثِهَا، فَطَرَحَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى أَزَالَتْهُ فَاطِمَةُ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ. وَقَالَ الْمَجْدُ: لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ أَتَى بِدَمِهَا، ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَلَعَلَّ الْخَمْسَ لَمْ تَكُنْ فُرِضَتْ وَالْأَمَرُّ بِتَجَنُّبِ النَّجَاسَةِ مَدَنِيٌّ مُتَأَخِّرٌ بِدَلِيلِ خَبَرِ النَّعْلَيْنِ، وَصَاحِبِ الْقَبْرَيْنِ، وَالْأَعْرَابِيِّ الَّذِي بَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، وَحَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ: «أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ : أُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الَّذِي آتِي فِيهِ أَهْلِي قَالَ نَعَمْ: إلَّا أَنْ تَرَى فِيهِ شَيْئًا فَتَغْسِلَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَإِسْنَادَهُ ثِقَاتٌ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ. فَثَبَتَ بِهِ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِاجْتِنَابِهَا وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ فِيهَا وَالْأَمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ، وَهُوَ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَكَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمَعْفُوَّ عَنْهَا كَأَثَرِ الِاسْتِجْمَارِ بِمَحَلِّهِ، وَيَسِيرِ الدَّمِ وَنَحْوِهِ، وَنَجَاسَةٍ بِعَيْنٍ " لَيْسَ اجْتِنَابُهَا شَرْطًا لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَتَقَدَّمَ تَعْرِيفُ النَّجَاسَةِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ، وَحَيْثُ عُلِمَ أَنَّ اجْتِنَابَ النَّجَاسَةِ مَا ذَكَرَهُ، وَعَدَمُ حَمْلِهَا شَرْطٌ لِلصَّلَاةِ، حَيْثُ لَمْ يَعْفُ عَنْهَا (فَمَتَى) كَانَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا أَوْ (لَاقَاهَا بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ) زَادَ فِي الْمُحَرِّرِ أَوْ حَمَلَ مَا يُلَاقِيهَا (أَوْ حَمَلَهَا عَالِمًا) كَانَ (أَوْ جَاهِلًا، أَوْ نَاسِيًا) لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِفَوَاتِ شَرْطِهَا زَادَ فِي التَّلْخِيصِ: إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي سُتْرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ عَنْ ذَاتِهِ: إذَا وَقَعَتْ حَالَ سُجُودِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (أَوْ حَمَلَ) فِي صَلَاتِهِ (قَارُورَةً) مِنْ زُجَاجٍ أَوْ غَيْرِهِ (فِيهَا نَجَاسَةٌ أَوْ) حَمَلَ (آجُرَّةً) بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَاحِدَةُ الْآجُرِّ وَهُوَ الطُّوبُ الْأَحْمَرُ (بَاطِنُهَا) نَجِسٌ أَوْ حَمَلَ (بَيْضَةً مَذِرَةً أَوْ) بَيْضَةً (فِيهَا فَرْخٌ مَيِّتٌ أَوْ) حَمَلَ (عُنْقُودَ عِنَبٍ حَبَّاتُهُ مُسْتَحِيلَةٌ خَمْرًا، قَادِرًا عَلَى اجْتِنَابِهَا) أَيْ: النَّجَاسَةِ الَّتِي لَاقَاهَا، أَوْ عَلَى عَدَمِ حَمْلِ مَا حَمَلَهُ مِنْ ذَلِكَ (لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ حَامِلُ النَّجَاسَةِ فِي غَيْرِ مَعْدِنِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، أَوْ حَمَلَهَا فِي كُمِّهِ (وَلَا) تَبْطُلُ صَلَاتُهُ (إنْ مَسَّ ثَوْبُهُ) أَوْ بَدَنُهُ (ثَوْبًا)

стр. 283

نَجِسًا (أَوْ) مَسَّ ثَوْبُهُ أَوْ بَدَنُهُ (حَائِطًا نَجِسًا لَمْ يَسْتَنِدْ إلَيْهِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِصَلَاتِهِ. وَلَا مَحْمُولَ فِيهَا فَإِنْ اسْتَنَدَ إلَيْهَا حَالَ قِيَامِهِ أَوْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ بَطِلَتْ صَلَاتُهُ (أَوْ قَابَلَهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا) مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ (أَوْ كَانَتْ) النَّجَاسَةُ (بَيْنَ رِجْلَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُلَاقَاةٍ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يُبَاشِرْ النَّجَاسَةَ أَشْبَهَ مَا لَوْ خَرَجَتْ عَنْ مُحَاذَاتِهِ (أَوْ حَمَلَ حَيَوَانًا طَاهِرًا، أَوْ) حَمَلَ (آدَمِيًّا مُسْتَجْمِرًا) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّ مَا فِي بَاطِنِ الْحَيَوَانِ وَالْآدَمِيِّ مِنْ نَجَاسَةٍ فِي مَعْدِنِهَا فَهِيَ كَالنَّجَاسَةِ بِجَوْفِ الْمُصَلِّي، وَأَثَرُ الِاسْتِجْمَارِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ بِمَحَلِّهِ (أَوْ سَقَطَتْ) النَّجَاسَةُ (عَلَيْهِ، فَأَزَالَهَا) سَرِيعًا (أَوْ زَالَتْ) النَّجَاسَةُ (سَرِيعًا، بِحَيْثُ لَمْ يَطُلْ الزَّمَنُ) فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ. لِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ قَالَ: «بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ، إذْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ، فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فَلَمَّا قَضَى ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إلْقَائِكُمْ نِعَالَكُمْ؟ قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا قَالَ إنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي فَأَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّ مِنْ النَّجَاسَةِ مَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهَا، فَعُفِيَ عَنْ يَسِيرٍ مِنْهَا كَكَشْفِ الْعَوْرَةِ. (وَإِنْ طَيَّنَ أَرْضًا مُتَنَجِّسَةً) وَصَلَّى عَلَيْهَا (أَوْ بَسَطَ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ رَطْبَةً) شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا (أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَيَوَانٍ نَجِسٍ، أَوْ) بَسَطَ (عَلَى حَرِيرٍ) كُلِّهِ أَوْ غَالِبِهِ مَنْ (يَحْرُمُ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ) مِنْ ذَكَرٍ أَوْ خُنْثَى (شَيْئًا طَاهِرًا صَفِيقًا، بِحَيْثُ لَا يَنْفُذُ) النَّجَسُ الرَّطْبُ (إلَى ظَاهِرِهِ، وَصَلَّى عَلَيْهِ) صَحَّتْ مَعَ الْكَرَاهَةِ. أَوْ صَلِّي (عَلَى بِسَاطٍ بَاطِنُهُ نَجِسٌ وَظَاهِرُهُ طَاهِرٌ، أَوْ فِي عُلُوِّهِ أَوْ سُفْلِهِ غَصْبٌ أَوْ عَلَى سَرِيرٍ تَحْتَهُ نَجَسٌ، أَوْ غَسَلَ وَجْهَ آجُرٍّ نَجِسٍ وَصَلَّى عَلَيْهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَلَا مُبَاشِرٍ لَهَا قَالَ فِي الشَّرْحِ: فَأَمَّا الْآجُرُّ الْمَعْجُونُ بِالنَّجَاسَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ لِأَنَّ النَّارَ لَا تُطَهِّرُ لَكِنْ إذَا غُسِلَ طَهُرَ ظَاهِرُهُ لِأَنَّ النَّارَ أَكَلَتْ أَجْزَاءَ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةَ، وَبَقِيَ الْأَثَرُ فَطَهُرَ بِالْغَسْلِ كَالْأَرْضِ النَّجِسَةِ وَيَبْقَى الْبَاطِنُ نَجِسًا لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَصِلُ إلَيْهِ (مَعَ الْكَرَاهَةِ) لِاعْتِمَادِهِ عَلَى النَّجَاسَةِ، أَوْ الْغَصْبِ «وَرَأَى ابْنُ عُمَرَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ مُتَّجِهٌ إلَى خَيْبَرَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ غَلَطٌ مِنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ وَالْمَعْرُوفُ

стр. 284

خِلَافُهُ عَلَى الْبَعِيرِ وَالرَّاحِلَةِ، لَكِنَّهُ مِنْ فِعْلِ أَنَسٍ. قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَفِيهِ: فِيمَا إذَا بَسَطَ عَلَى حَرِيرٍ طَاهِرًا صَفِيقًا، فَيَتَوَجَّهُ إنْ صَحَّ جَازَ جُلُوسُهُ عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا، ذَكَرَهُ فِي الْفُرُوعِ (وَإِنْ صَلَّى عَلَى مَكَان طَاهِرٍ مِنْ بِسَاطٍ) أَوْ حَصِيرٍ وَنَحْوِهِ (طَرَفُهُ نَجَسٌ) صَحَّتْ (أَوْ) صَلَّى (وَتَحْتَ قَدَمَيْهِ حَبْلٌ) أَوْ نَحْوُهُ (فِي طَرَفِهِ نَجَاسَةٌ وَلَوْ تَحَرَّكَ) الْحَبْلُ، أَوْ نَحْوُهُ (بِحَرَكَتِهِ: صَحَّتْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَامِلٍ لِلنَّجَاسَةِ وَلَا مُصَلٍّ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا اتَّصَلَ مُصَلَّاهُ بِهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ صَلَّى عَلَى أَرْضٍ طَاهِرَةٍ، مُتَّصِلَةٍ بِأَرْضٍ نَجِسَةٍ (إلَّا أَنْ يَكُونَ) الْحَبْلُ أَوْ نَحْوُهُ (مُتَعَلِّقًا بِهِ) أَيْ: الْمُصَلِّي، وَهُوَ مَشْدُودٌ بِنَجَسٍ يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (أَوْ كَانَ فِي يَدِهِ أَوْ) كَانَ (فِي وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي نَجَسٍ، أَوْ) فِي (سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ) تَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى (فِيهَا نَجَاسَةٌ) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَوْ كَانَ مَحْمَلُ الرَّبْطِ طَاهِرًا. (أَوْ) كَانَ فِي يَدِهِ، أَوْ وَسَطِهِ حَبْلٌ مَشْدُودٌ فِي (حَيَوَانٍ نَجِسٍ، كَكَلْبٍ وَبَغْلٍ وَحِمَارٍ) وَكُلِّ مَا (يَنْجَرُّ مَعَهُ إذَا مَشَى) فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ مُسْتَتْبِعٌ لِلنَّجَاسَةِ أَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ حَامِلَهَا (أَوْ أَمْسَكَ) الْمُصَلِّي (حَبْلًا أَوْ غَيْرَهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ فَلَا تَصِحُّ) صَلَاتُهُ عَلَى مَا فِي الْإِنْصَافِ، لِحَمْلِهِ مَا يُلَاقِيهَا. وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْمُوَفَّقِ: الصِّحَّةُ فِيمَا إذَا كَانَ طَرَفُهُ مُلْقًى عَلَى نَجَاسَةٍ يَابِسَةٍ، بِلَا شَدٍّ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْتَتْبِعٍ لِلنَّجَاسَةِ، وَكَذَا حُكْمُ مَا لَوْ سَقَطَ طَرَفُ ثَوْبِهِ عَلَى نَجَاسَةٍ ذَكَرَهُ ابْنُ تَمِيمٍ. (وَإِنْ كَانَ) الْمَشْدُودُ فِيهِ الْحَبْلَ وَنَحْوَهُ (لَا يَنْجَرُّ مَعَهُ) إذَا مَشَى (كَالسَّفِينَةِ الْكَبِيرَةِ، وَالْحَيَوَانِ الْكَبِيرِ، الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى جَرِّهِ إذَا اسْتَعْصَى عَلَيْهِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّدُّ فِي مَوْضِعٍ نَجِسٍ أَوْ طَاهِرٍ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى اسْتِتْبَاعِ ذَلِكَ، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَمْسَكَ غُصْنًا مِنْ شَجَرَةٍ عَلَى بَعْضِهَا نَجَاسَةٌ لَمْ تُلَاقِ يَدَهُ قُلْتُ وَإِذَا تَعَلَّقَ بِالْمُصَلِّي صَغِيرٌ بِهِ نَجَاسَةٌ لَا يُعْفَى عَنْهَا وَكَانَ لَهُ قُوَّةٌ بِحَيْثُ إذَا مَشَى انْجَرَّ مَعَهُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، إنْ لَمْ يُزِلْهُ سَرِيعًا وَإِلَّا فَلَا (وَمَتَى وُجِدَ عَلَيْهِ) . وَفِي نُسْخَةٍ (عَلَيْهَا) أَيْ الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْبُقْعَةِ (نَجَاسَةٌ) بَعْدَ الصَّلَاةِ وَ (جَهِلَ كَوْنَهَا) أَيْ أَنَّهَا كَانَتْ (فِي الصَّلَاةِ صَحَّتْ) صَلَاتُهُ، أَيْ: لَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَتُهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ كَوْنِهَا فِي الصَّلَاةِ، لِاحْتِمَالِ حُدُوثِهَا بَعْدَهَا فَلَا تُبْطِلُهَا بِالشَّكِّ. (وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا) أَيْ: النَّجَاسَةَ (كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنَّهُ جَهِلَ) فِي الصَّلَاةِ (عَيْنَهَا) بِأَنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ وَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ نَجِسٌ حَالَ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَهُ (أَوْ) عَلِمَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ، لَكِنْ جَهِلَ (حُكْمَهَا) بِأَنْ أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَعَلِمَهَا وَجَهِلَ أَنَّهَا مَانِعَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ، ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ (أَوْ)

стр. 285

عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي الصَّلَاةِ لَكِنْ جَهِلَ (أَنَّهَا كَانَتْ عَلَيْهِ) بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا وَقْتَ إصَابَتِهَا إيَّاهُ (أَوْ) عَلِمَ بَعْدَ سَلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ (مُلَاقِيهَا) وَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ أَعَادَ لِأَنَّهَا طَهَارَةٌ مُشْتَرَطَةٌ فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْجَهْلِ، كَطَهَارَةِ الْحَدَثِ وَأُجِيبَ، بِأَنَّ طَهَارَةَ الْحَدَثِ آكَدُ لِكَوْنِهِ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ. (أَوْ) أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ وَهُوَ يُصَلِّي، وَ (عَجَزَ عَنْ إزَالَتِهَا) سَرِيعًا (أَوْ نَسِيَهَا أَعَادَ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ مَا سَبَقَ (وَعَنْهُ لَا يُعِيدُ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ) اخْتَارَهُ الْمُوَفَّقُ، وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَقَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي خَلْعِ النَّعْلَيْنِ، وَلَوْ بَطَلَتْ لَاسْتَأْنَفَهَا النَّبِيُّ ﷺ . " تَنْبِيهٌ " مَا حَكَاهُ مِنْ الْخِلَافِ حَتَّى فِيمَا إذَا جَهِلَ حُكْمَهَا تَبِعَ فِيهِ الرِّعَايَةَ وَفِي الْإِنْصَافِ فِي هَذِهِ: عَلَيْهِ الْإِعَادَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَقَطَعُوا بِهِ فَائِدَةٌ إذَا عَلِمَ بِالنَّجَاسَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَأَمْكَنَ إزَالَتُهَا مِنْ غَيْرِ عَمَلٍ كَثِيرٍ وَلَا زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالْحُكْمُ فِيهَا كَمَا لَوْ عَلِمَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنْ قُلْنَا: لَا تَبْطُلُ أَزَالَهَا، وَبَنَى، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ تَبْطُلُ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَتُهَا إلَّا بِعَمَلٍ كَثِيرٍ أَوْ زَمَنٍ طَوِيلٍ بَطَلَتْ. (وَإِنْ خَاطَ جُرْحَهُ، أَوْ جَبَرَ سَاقَهُ وَنَحْوَهُ) كَذِرَاعِهِ (بِنَجَسٍ مِنْ عَظْمٍ أَوْ خَيْطٍ، فَجَبَرَ وَصَحَّ) الْجُرْحُ أَوْ الْعَظْمُ (لَمْ تَلْزَمْهُ إزَالَتُهُ) أَيْ: الْخَيْطَ أَوْ الْعَظْمَ النَّجِسَ (إنْ خَافَ الضَّرَرَ) مِنْ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ (كَمَا لَوْ خَافَ التَّلَفَ) أَيْ: تَلَفَ عُضْوِهِ، أَوْ نَفْسِهِ لِأَنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا مِنْ الضَّرَرِ وَاجِبٌ وَهُوَ أَهَمُّ مِنْ رِعَايَةِ شَرْطِ الصَّلَاةِ، وَلِهَذَا لَا يَلْزَمُهُ شِرَاءُ سُتْرَةٍ وَلَا مَاءٍ لِلْوُضُوءِ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنِ الْمِثْلِ فَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِأَجْلِ بَدَنِهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. (ثُمَّ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ لَمْ يَتَيَمَّمْ لَهُ) لِتَمَكُّنِهِ مِنْ غَسْلِ مَحَلِّ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ (تَيَمَّمَ) لَهُ لِعَدَمِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ قُلْتُ وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ إنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ وَإِلَّا تَيَمَّمَ لَهُ (وَإِنْ لَمْ يَخَفْ) ضَرَرًا بِإِزَالَتِهِ
следующие страницы →