Полный текст (3 210 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ (بِسْمِ اللَّهِ) فَانْتَهَرَهُ.
(وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ " وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ) لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ (وَالْأَوْلَى تَخْفِيفُهُ، وَعَدَمُ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ) أَيْ: التَّشَهُّدِ لِحَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَلِقَوْلِ مَسْرُوقٍ " كُنَّا إذَا جَلَسْنَا مَعَ أَبِي بَكْرٍ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ حَتَّى يَقُومَ " رَوَاهُ أَحْمَدُ وَقَالَ حَنْبَلٌ: رَأَيْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُصَلِّي، فَإِذَا جَلَسَ فِي الْجِلْسَةِ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَخَفَّ الْجُلُوسَ، ثُمَّ يَقُومُ كَأَنَّهُ كَانَ عَلَى الرَّضْفِ، أَيْ: الْحِجَارَةِ الْمُحْمَاةِ بِالنَّارِ قَالَ: وَإِنَّمَا قَصَدَ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَصَاحِبَيْهِ،.
(وَإِنْ قَالَ " وَأَنَّ مُحَمَّدًا) رَسُولُ اللَّهِ (وَأَسْقَطَ أَشْهَدُ فَلَا بَأْسَ) لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِالْمَقْصُودِ مِنْ الْمَعْنَى (وَهَذَا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ) فِي الْمَغْرِبِ وَالرُّبَاعِيَّةِ (ثُمَّ إنْ كَانَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فَقَطْ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا (أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَبِمَا بَعْدَهَا، فَيَقُولُ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ هَذَا الْأَوْلَى مِنْ أَلْفَاظِ الصَّلَاةِ وَالْبَرَكَةِ) عَلَيْهِ ﷺ وَعَلَى آلِهِ، لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ.
قَالَ: «خَرَجَ عَلَيْنَا الرَّسُولُ ﷺ فَقُلْنَا: قَدْ عَرَفْنَا كَيْفَ نُسَلِّمُ عَلَيْك، فَكَيْفَ نُصَلِّي عَلَيْك؟ قَالَ قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَيَجُوزُ) أَنْ يُصَلَّى عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (بِغَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ (مِمَّا وَرَدَ) وَمِنْهُ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ كَعْبٍ،.
وَفِيهِ «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْت عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ» (وَآلُهُ: أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ) ﷺ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا مِنْ أَقَارِبِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٤٩] ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ [البقرة: ٥٠] وَقَدْ يُضَافُ آلُ الشَّخْصِ إلَيْهِ وَيَكُونُ دَاخِلًا فِيهِمْ كَهَذِهِ الْآيَاتِ (وَالصَّوَابُ: عَدَمُ جَوَازِ إبْدَالِهِ أَيْ: آلِ بِأَهْلٍ) لِأَنَّ أَهْلَ الرَّجُلِ أَقَارِبُهُ أَوْ زَوْجَتُهُ، وَآلُهُ أَتْبَاعُهُ عَلَى دِينِهِ،
стр. 352
فَتَغَايَرَا.
(وَإِذَا أَدْرَكَ) الْمَسْبُوقُ (بَعْضَ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ، فَجَلَسَ الْإِمَامُ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ لَمْ يُزِدْ الْمَأْمُومُ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، بَلْ يُكَرِّرْهُ) أَيْ: التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ حَتَّى يُسَلِّمَ الْإِمَامُ (وَلَا يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَدْعُو بِشَيْءٍ مِمَّا يُدْعَى بِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَقَّبْهُ، وَلِأَنَّهُ لَا يَقْصُرُ سَلَامَهُ.
(فَإِنْ سَلَّمَ إمَامُهُ) قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهُ (قَامَ وَلَمْ يُتِمَّهُ) لِعَدَمِ وُجُوبِهِ عَلَيْهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي حَقِّهِ) بِأَنْ يَكُونَ مَحَلُّ تَشَهُّدِهِ الْأَوَّلَ، فَيُتِمُّهُ لِوُجُوبِهِ عَلَيْهِ (وَتَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِهِ) أَيْ: غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ (مُنْفَرِدًا) عَنْهُ (نَصًّا) نَصَّ عَلَيْهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ عَلِيٍّ لِعُمَرَ: صَلَّى اللَّهُ عَلَيْكَ، وَذَكَرَ فِي شَرْحِ الْهِدَايَةِ: أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَى غَيْرِهِ مُنْفَرِدًا، وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَاللَّالَكَائِيُّ عَنْهُ قَالَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: الصَّلَاةُ عَلَى غَيْرِ الرَّسُولِ جَائِزَةٌ تَبَعًا لَا مَقْصُودَةً، وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ مَنْصُوصَ أَحْمَدَ.
قَالَ: وَذَكَرَهُ الْقَاضِي وَابْنُ عَقِيلٍ وَعَبْدُ الْقَادِرِ، قَالَ: وَإِذَا جَازَتْ جَازَتْ أَحْيَانًا عَلَى كُلِّ أَحَدٍ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَإِمَّا أَنَّهُ يُتَّخَذُ شِعَارًا لِذِكْرِ بَعْضِ النَّاسِ، أَوْ يُقْصَدُ الصَّلَاةُ عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ دُونَ بَعْضٍ فَهَذَا لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: وَالسَّلَامُ عَلَى غَيْرِهِ بِاسْمِهِ جَائِزٌ مِنْ غَيْرِ تَرَدُّدٍ.
(وَتُسَنُّ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ) فَإِنَّهَا رُكْنٌ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَكَذَا فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ (بِتَأَكُّدٍ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] الْآيَةَ وَالْأَحَادِيثُ بِهَا شَهِيرَةٌ (وَتَتَأَكَّدُ) الصَّلَاةُ عَلَيْهِ (كَثِيرًا عِنْدَ ذِكْرِهِ) ﷺ بَلْ قِيلَ: بِوُجُوبِهَا إذَنْ، وَتَقَدَّمَ تَوْضِيحُهُ فِي شَرْحِ الْخُطْبَةِ.
(وَفِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَلَيْلَتِهَا) لِلْخَبَرِ، وَأَمَّا الصَّلَاةُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي جَلَاءِ الْأَفْهَامِ: هِيَ مَشْرُوعَةٌ.
وَقَدْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ فِي أَذْكَارِهِ، وَذَكَرَ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ اسْتِقْلَالًا، وَذَكَرَ أَنَّ الصَّلَاةَ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مُسْتَحَبَّةٌ، قَالَهُ ابْنُ قُنْدُسٍ، فِي حَاشِيَةِ الْفُرُوعِ.
(تَنْبِيهٌ) إنْ قِيلَ إنَّ الْمُشَبَّهَ دُونَ الْمُشَبَّهِ بِهِ فَكَيْفَ تَطْلُبُ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ وَتُشْبِهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ؟ أُجِيبُ: بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ مُرَادَهُ أَصْلُ الصَّلَاةِ بِأَصْلِهَا، لَا الْقَدْرُ بِالْقَدْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] الْآيَةَ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّ
стр. 353
التَّشْبِيهَ وَقَعَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْآلِ، لَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَيَكُونُ " وَعَلَى آلِهِ مُتَّصِلًا بِمَا بَعْدَهُ، وَمُقَدَّرًا لَهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ، وَالْأَوَّلُ مَقْطُوعٌ عَنْ التَّشْبِيهِ، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَفِيهِمَا نَظَرٌ، وَيُحْتَمَلُ - وَهُوَ أَحْسَنُهَا - أَنَّ الْمُشَبَّهَ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ وَآلِهِ بِالصَّلَاةِ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِهِ، فَتَقَابَلَتْ الْجُمْلَتَانِ، وَيُقَدَّرُ أَنْ يَكُونَ لِآلِ الرَّسُولِ بِآلِ إبْرَاهِيمَ الَّذِينَ هُمْ الْأَنْبِيَاءُ، وَبِأَنَّ مَا تَوَفَّرَ مِنْ ذَلِكَ حَاصِلٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وَاَلَّذِي نَحْصُلُ مِنْ ذَلِكَ هُوَ آثَارُ الرَّحْمَةِ وَالرِّضْوَانِ، وَمَنْ كَانَتْ فِي حَقِّهِ أَكْبَرَ كَانَ أَفْضَلَ.
(وَيُسَنُّ أَنْ يَتَعَوَّذَ فَيَقُولُ: أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ) لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ ﷺ " كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ ذَلِكَ وَيَأْمُرُ بِهِ " وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتُ وَالْحَيَاةُ والْمَوْتُ وَالْمَسِيحُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ عَلَى الْمَعْرُوفِ، (وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ أَوْ بِغَيْرِهِ مِمَّا يَتَضَمَّنُ طَاعَةً وَيَعُودُ إلَى أَمْرِ آخِرَتِهِ نَصًّا، وَلَوْ لَمْ يُشْبِهْ مَا وَرَدَ، كَالدُّعَاءِ بِالرِّزْقِ الْحَلَالِ، وَالرَّحْمَةِ وَالْعِصْمَةِ مِنْ الْفَوَاحِشِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ) لِقَوْلِهِ ﷺ ثُمَّ «لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» .
وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ قَالَ: «يَا رَسُولَ اللَّهِ، عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي، فَقَالَ: قُلْ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِك، وَارْحَمْنِي إنَّك أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ مِنْ آخِرِ مَا يَقُولُ بَيْنَ التَّشَهُّدِ وَالتَّسْلِيمِ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي أَنْتَ الْمُقَدِّمُ، وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، لَا إلَهَ إلَّا أَنْتَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ،.
وَعَنْ مُعَاذٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: أُوصِيكَ بِكَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ فِي كُلِّ صَلَاةٍ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحَسَنِ عِبَادَتِكَ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ فِي سُجُودِهِ: اللَّهُمَّ كَمَا صُنْتَ وَجْهِي عَنْ السُّجُودِ لِغَيْرِك فَصُنْ وَجْهِي عَنْ الْمَسْأَلَةِ لِغَيْرِك، قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ يَقُولُهُ، وَقَالَ: سَمِعْتُ الثَّوْرَيَّ يَقُولُهُ (مَا لَمْ يَشُقَّ عَلَى مَأْمُومٍ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (أَوْ يَخَفْ سَهْوًا) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا وَكَذَا حُكْمُ الدُّعَاءِ (فِي رُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَنَحْوِهِمَا) كَالِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ.
وَفِي الْمُغْنِي وَغَيْرِهِ، يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ فِي السُّجُودِ لِلْأَخْبَارِ (وَلَا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِغَيْرِ مَا وَرَدَ وَلَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ، كَحَوَائِجِ دُنْيَاهُ
стр. 354
وَمَلَاذِهَا كَقَوْلِهِ: اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي جَارِيَةً حَسْنَاءَ وَحُلَّةً خَضْرَاءَ وَدَابَّةً هِمْلَاجَةً وَنَحْوَهُ) كَدَارٍ وَاسِعَةٍ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ بِالدُّعَاءِ (بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ.
(وَلَا بَأْسَ بِالدُّعَاءِ) فِي الصَّلَاةِ (لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ) رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قُنُوتِهِ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَمَسْلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ» وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ لِبَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ أَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ قَالَ الْمَيْمُونِيُّ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ لِابْنِ الشَّافِعِيِّ أَنَا أَدْعُو لِقَوْمٍ مُنْذُ سِنِينَ فِي صَلَاتِي، أَبُوكَ أَحَدُهُمْ (مَا لَمْ يَأْتِ بِكَافِ الْخِطَابِ فَإِنْ أَتَى بِهِ) أَيْ بِكَافِ الْخِطَابِ (بَطَلَتْ) صَلَاتُهُ لِخَبَرِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَقَوْلِهِ ﷺ لِإِبْلِيسَ أَلْعَنُك بِلَعْنَةِ اللَّهِ قَبْلَ التَّحْرِيمِ أَوْ مُؤَوَّلٍ أَوْ مِنْ خَصَائِصِهِ.
(وَظَاهِرُهُ) (لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ فَلَا تَبْطُلُ) بِهِ فَيَكُونُ مَنْ خَصَائِصِهِ ﷺ (وَلَا تَبْطُلُ بِقَوْلِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (لَعَنَهُ اللَّهُ، عِنْدَ ذِكْرِ إبْلِيسَ وَلَا بِتَعْوِيذِ نَفْسِهِ بِقُرْآنٍ لِحُمَّى وَلَا بِحَوْقَلَةٍ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَنَحْوِهِ) كَمَنْ لَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، لِوَجَعٍ وَوَافَقَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى قَوْلِ بِسْمِ اللَّهِ لِوَجَعِ مَرِيضٍ عِنْدَ قِيَامٍ وَانْحِطَاطٍ (وَيَأْتِي) مُوَضَّحًا.
[فَصْل السَّلَامِ بَعْد التَّشَهُّدِ]
(فَصْل ثُمَّ يُسَلِّمُ وَهُوَ جَالِسٌ) بِلَا نِزَاعٍ فِي الْمُبْدِعِ، وَأَنَّهُ تَحْلِيلُهَا وَهُوَ مِنْهَا لِقَوْلِهِ ﷺ «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» وَلَيْسَ لَهَا تَحْلِيلٌ سِوَاهُ (مُرَتَّبًا مُعَرَّفًا وُجُوبًا) لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ قَدْ صَحَّتْ، أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ كَذَلِكَ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ خِلَافُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (مُبْتَدِئًا نَدْبًا عَنْ يَمِينِهِ، قَائِلًا: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَعَمَّارٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلِقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ «إنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدَّيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ (فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ زَادَ وَبَرَكَاتُهُ جَازَ) لِفِعْلِ النَّبِيِّ ﷺ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث وَائِلٍ (وَالْأَوْلَى تَرْكُهُ) كَمَا فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ (فَإِنْ لَمْ يَقُلْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ " فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْجِنَازَةِ لَمْ يُجْزِئهُ) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُهُ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَهُوَ سَلَامٌ فِي صَلَاةٍ وَرَدَ مَقْرُونًا بِالرَّحْمَةِ فَلَمْ يُجْزِئهُ بِدُونِهَا كَالسَّلَامِ فِي التَّشَهُّدِ.
(وَ) يُسَلِّمُ (عَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ) لِمَا تَقَدَّمَ وَأَصَحُّ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُمَا تَسْلِيمَتَانِ فَعَنْ سَعْدٍ قَالَ «كُنْتُ أَرَى النَّبِيَّ ﷺ -
стр. 355
يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» رَوَاهُ مُسْلِم (وَالِالْتِفَاتُ سُنَّةٌ) قَالَ أَحْمَد ثَبَتَ عِنْدنَا مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ «أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ، حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ» (وَيَكُونُ) الْتِفَاتُهُ (عَنْ يَسَارِهِ أَكْثَرَ) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ «كَانَ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ، وَإِذَا سَلَّمَ عَنْ يَسَارِهِ يُرَى بَيَاضُ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ وَالْأَيْسَرِ» فَيَلْتَفِتُ (بِحَيْثُ يُرَى خَدَّاهُ يَجْهَرُ إمَامٌ بِ) التَّسْلِيمَةِ (الْأُولَى فَقَطْ) لِأَنَّ الْجَهْرَ فِي غَيْرِ الْقِرَاءَةِ إنَّمَا كَانَ لِلْإِعْلَامِ بِالِانْتِقَالِ مِنْ رُكْنِ إلَى آخَرَ وَقَدْ حَصَلَ بِالْجَهْرِ بِالْأُولَى (وَيُسِرُّهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَيْنِ غَيْرُهُ وَهُوَ الْمُنْفَرِدُ وَالْمَأْمُومُ إلَّا لِحَاجَةٍ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُسْتَحَبّ جَزْمُهُ وَ) هُوَ (عَدَمُ إعْرَابِهِ، فَيَقِفُ عَلَى كُلِّ تَسْلِيمَةٍ) لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْجَزْمِ هُنَا مَعْنَاهُ اللُّغَوِيُّ، أَيْ قَطْعَ إعْرَابَ آخِرِ الْجَلَالَةِ بِحَذْفِ الْجَرِّ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مِنْهَا، وَبِحَذْفِ الرَّفْعِ مَنْ رَاءِ أَكْبَرَ فِي التَّكْبِيرِ (وَحَذْفُهُ) أَيْ السَّلَامَ (سُنَّةٌ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ» وَرُوِيَ مَرْفُوعًا عَنْهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيّ (وَهُوَ) أَيْ حَذْفُ السَّلَامِ (عَدَمُ تَطْوِيلِهِ، وَ) عَدَمِ (مَدِّهِ فِي الصَّلَاةِ، وَعَلَى النَّاسِ) .
قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ هُوَ أَنْ لَا يُطَوِّلَ بِهِ صَوْتَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُمَدَّ مَدًّا (فَإِنْ نَكَّرَ السَّلَامَ) كَقَوْلِهِ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ أَوْ عَرَّفَهُ بِغَيْرِ اللَّام، كَسَلَامِي أَوْ سَلَامُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ (أَوْ نَكَّسَهُ فَقَالَ) عَلَيْكُمْ سَلَامٌ أَوْ (عَلَيْكُمْ السَّلَامُ، أَوْ قَالَ السَّلَامُ عَلَيْكَ: بِإِسْقَاطِ الْمِيم، أَوْ نَكَّسَهُ فِي التَّشَهُّدِ، فَقَالَ: عَلَيْك السَّلَامُ أَيُّهَا النَّبِيُّ: أَوْ عَلَيْنَا السَّلَامُ وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ لَمْ يُجْزِئْهُ) لِمُخَالَفَتِهِ لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» وَمَنْ تَعَمَّدَ قَوْلًا مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ الَّتِي قُلْنَا إنَّهَا لَا تُجْزِئُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ السَّلَامَ الْوَارِدَ، وَيُخِلُّ بِحَرْفٍ يَقْتَضِي الِاسْتِغْرَاقَ قَالَهُ فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى.
(وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ: الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ اسْتِحْبَابًا) لِتَكُونَ النِّيَّةُ شَامِلَةً لِطَرَفَيْ الصَّلَاةِ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ جَازَ، لِأَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ قَدْ شَمِلَتْ جَمِيعَهَا وَالسَّلَامُ مِنْ جُمْلَتِهَا كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ (فَإِنْ نَوَى مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ السَّلَامَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ (الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ جَازَ) نَصَّ عَلَيْهِ، لِمَا رَوَى سَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ أَمَرَنَا النَّبِيُّ ﷺ «أَنْ نَرُدَّ عَلَى الْإِمَامِ، وَأَنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ (وَلَمْ يَسْتَحِبَّ) ذَلِكَ (نَصًّا، وَكَذَا لَوْ نَوَى ذَلِكَ) أَيْ السَّلَامَ عَلَى الْحَفَظَةِ وَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ (دُون الْخُرُوجِ) مِنْ الصَّلَاةِ فَلَا تَبْطُلُ بِهِ، خِلَافًا لِابْنِ حَامِدٍ.
(وَإِنْ كَانَتْ صَلَاتُهُ أَكْثَرَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ) كَمَغْرِبٍ وَرُبَاعِيَّةٍ (نَهَضَ مُكَبِّرًا كَنُهُوضِهِ
стр. 356
مِنْ السُّجُودِ) قَائِمًا عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ (إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ) حَكَاهُ بَعْضُهُمْ وِفَاقًا، قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْأَصْحَابِ.
وَقَطَعَ بِهِ كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَعَنْهُ يَرْفَعْهُمَا اخْتَارَهَا الْمَجْدُ، وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَصَاحِبُ الْفَائِقِ وَابْنُ عَبْدُوسٍ اهـ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَهِيَ أَظْهَرُ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ (وَأَتَى بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ كَمَا سَبَقَ) لِقَوْلِهِ ﷺ «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» (إلَّا أَنَّهُ لَا يَجْهَرُ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
(وَلَا يَقْرَأُ شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) قَالَ ابْنُ سِيرِينَ لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، لِحَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَكَتَبَ عُمَر إلَى شُرَيْحٍ يَأْمُرُهُ بِذَلِكَ» ، وَيُسْتَثْنَى الْإِمَامُ فِي صَلَاةِ الْخَوْف إذَا قُلْنَا: يَنْتَظِرُ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ، فَيَقْرَأُ سُورَةً مَعَهَا (فَإِنْ قَرَأَ) شَيْئًا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فِي ذَلِكَ (أُبِيحَ وَلَمْ يُكْرَهْ) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ.
(ثُمَّ يَجْلِس فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي مِنْ ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَر مُتَوَرِّكًا) لِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فَإِنَّهُ وَصَفَ جُلُوسَهُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ مُفْتَرِشًا.
وَفِي الثَّانِي مُتَوَرِّكًا، وَهَذَا بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، وَزِيَادَة يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا، وَالْمَصِيرُ إلَيْهَا، وَحِينَئِذٍ لَا يُسَنَّ التَّوَرُّكُ إلَّا فِي صَلَاةٍ فِيهَا تَشَهُّدَانِ أَصْلِيَّانِ فِي الْأَخِيرِ مِنْهُمَا، وَصِفَتِهِ كَمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ (يَفْرِشُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، وَيُخْرِجُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَيَجْعَلُ أَلْيَتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ) لِقَوْلِ أَبِي حُمَيْدٍ «فَإِذَا كَانَ فِي الرَّابِعَةِ أَفْضَى بِوَرِكِهِ الْيُسْرَى إلَى الْأَرْضِ وَأَخْرَجَ قَدَمَهُ مِنْ نَاحِيَةٍ وَاحِدَةٍ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَفِي لَفْظِهِ «جَلَسَ عَلَى أَلْيَتَيْهِ وَنَصَبَ قَدَمَهُ الْيُمْنَى» وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ وَالْقَاضِي وَالسَّامِرِيُّ أَنَّهُ يَجْعَلُ بَاطِنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى تَحْتَ فَخِذِهِ الْيُمْنَى وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ وَصَحَّحَهُ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ، لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَلُهُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَأَيَّهمَا فَعَلَ فَحَسَنٌ.
(وَيَأْتِي بِالتَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مُرَتَّبًا وُجُوبًا) فَلَا يُجْزِئُ إنْ قَدَّمَ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ عَلَى التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، لِإِخْلَالِهِ بِالتَّرْتِيبِ (ثُمَّ) يَأْتِي (بِالدُّعَاءِ) أَيْ التَّعَوُّذِ مِمَّا تَقَدَّمَ لِمَا سَبَقَ (ثُمَّ يُسَلِّمُ كَمَا سَبَقَ) لِمَا مَرَّ (وَإِنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ) وَلَوْ كَانَ مَحَلُّهُ قَبْلَهُ فَأَخَّرَهُ (فِي ثُلَاثِيَّةٍ فَأَكْثَرَ تَوَرَّكَ فِي تَشَهُّدِ سُجُودِهِ) لِأَنَّ تَشَهُّدَهَا يُتَوَرَّكُ فِيهِ، وَهَذَا تَابِعٌ لَهُ، قَالَهُ فِي الشَّرْحِ.
(وَ) إنْ سَجَدَ لِسَهْوٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فِي) صَلَاةٍ (ثُنَائِيَّةٍ) كَصُبْحٍ وَجُمُعَةٍ (وَ) فِي رَكْعَةِ (وَتَرٍ يَفْتَرِشُ)
стр. 357
لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِجُلُوسٍ التَّشَهُّدِ فِي ذَلِكَ، كَمَا تَقَدَّمَ (وَالْمَرْأَةُ كَالرَّجُلِ فِي ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ لِشُمُولِ الْخِطَابِ لَهَا فِي قَوْلِهِ ﷺ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (إلَّا أَنَّهَا تَجْمَعُ نَفْسَهَا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَجَمِيعِ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «مَالَ مَرَّةً عَلَى امْرَأَتَيْنِ تُصَلِّيَانِ فَقَالَ إذَا سَجَدْتُمَا فَضُمَّا بَعْضَ اللَّحْمِ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَتْ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي مَرَاسِيلِهِ وَلِأَنَّهَا عَوْرَةٌ فَكَانَ الْأَلْيَقُ بِهَا الِانْضِمَامَ.
(وَتَجْلِسُ مُتَرَبِّعَةً) لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ أَنْ يَتَرَبَّعْنَ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ تَسْدُلُ رِجْلَيْهَا عَنْ يَمِينِهَا، وَهُوَ أَفْضَلُ) مِنْ التَّرَبُّعِ، لِأَنَّهُ غَالِبُ فِعْلِ عَائِشَةَ وَأَشْبَه بِجِلْسَةِ الرَّجُلِ (كَرَفْعِ يَدَيْهَا) أَيْ أَنَّهُ أَفْضَلُ لَهَا فِي مَوَاضِعِهِ، لِأَنَّهُ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَخُنْثَى كَامْرَأَةٍ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا تُسِرُّ إنْ سَمِعَهَا أَجْنَبِيٌّ.
(وَيَنْحَرِفُ الْإِمَامُ إلَى الْمَأْمُومِ جِهَةِ قَصْدِهِ يَمِينًا أَوْ شِمَالًا وَإِلَّا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ قَاصِدًا جِهَةً (ف) يَنْحَرِفُ (عَنْ يَمِينِهِ) إكْرَامًا لِلْيَمِينِ (قَبْلَ يَسَارِهِ فِي انْحِرَافهِ) إلَى الْمَأْمُومِينَ (الْقِبْلَة) .
(وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يُطِيلَ الْجُلُوسَ بَعْدَ السَّلَامِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) لِقَوْلِ عَائِشَةَ إنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِم.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (أَنْ لَا يَنْصَرِفَ الْمَأْمُومُ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْإِمَامِ لِقَوْلِهِ ﷺ «إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ» رَوَاهُ مُسْلِم (إلَّا أَنْ يُطِيلَ) الْإِمَامُ (الْجُلُوسَ) فَيَنْصَرِفُ الْمَأْمُومُ لِإِعْرَاضِهِ عَنْ السُّنَّةِ.
(فَإِنْ كَانَ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ) مَأْمُومِينَ بِهِ (اُسْتُحِبَّ لَهُنَّ) أَيْ لِلنِّسَاءِ (أَنْ يَقُمْنَ عَقِبَ سَلَامِهِ) وَيَنْصَرِفْنَ، لِأَنَّهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ (وَ) اُسْتُحِبَّ (أَنْ يَثْبُتَ الرِّجَالُ قَلِيلًا بِحَيْثُ لَا يُدْرِكُونَ مَنْ انْصَرَفَ مِنْهُنَّ) لِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَهُوَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ قَالَتْ: نَرَى - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ الرِّجَالُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ (وَيَأْتِي) ذَلِكَ (آخِرَ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ) بِأَوْضَحَ مِنْ هَذَا.
стр. 358
[فَصْل يُسَنُّ ذِكْرُ اللَّهِ وَالدُّعَاءُ وَالِاسْتِغْفَارُ عَقِبَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ]
ِ (كَمَا وَرَدَ) فِي الْأَخْبَارِ عَلَى مَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ مُفَصَّلًا قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي الشَّرْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمَا أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَهُوَ قَاعِدٌ وَلَوْ قَالَهُ بَعْد قِيَامِهِ وَفِي ذَهَابهِ فَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ مُصِيبٌ لِلسُّنَّةِ أَيْضًا، إذْ لَا تَحْجِيرَ فِي ذَلِكَ.
وَلَوْ شُغِلَ عَنْ ذَلِكَ، ثُمَّ تَذَكَّرَهُ فَذَكَرَهُ، فَالظَّاهِرُ حُصُولُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ لَهُ أَيْضًا إذَا كَانَ قَرِيبًا لِعُذْرٍ، أَمَّا لَوْ تَرَكَهُ عَمْدًا ثُمَّ اسْتَدْرَكَهُ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ فَالظَّاهِرُ فَوَاتُ أَجْرِهِ الْخَاصِّ، وَبَقَاءِ أَجْرِ الذِّكْرِ الْمُطْلَقِ لَهُ (فَيَقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ثَلَاثًا اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ) لِمَا رَوَى ثَوْبَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ إذَا سَلَّمَ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا، وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَمِمَّا وَرَدَ مِنْ الذِّكْرِ: مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ «أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةِ حِينَ يُسَلِّمُ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَلَا نَعْبُدُ إلَّا إيَّاهُ لَهُ النِّعْمَةُ وَلَهُ الْفَضْلُ وَلَهُ الثَّنَاءُ الْحَسَنُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُهَلِّلُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» رَوَاهُ مُسْلِم.
وَعَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى مُعَاوِيَةَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ «يَقُولُ: فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْك الْجَدُّ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ (وَيُسَبِّحُ وَيُحَمِّدُ وَيُكَبِّرُ، كُلَّ وَاحِدَةٍ) مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ (ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «تُسَبِّحُونَ وَتُحَمِّدُونَ وَتُكَبِّرُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ» .
(وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَفْرُغَ مِنْهُنَّ) أَيْ مِنْ عَدَدِ الْكُلِّ (مَعًا) لِقَوْلِ أَبِي صَالِحٍ رَاوِي الْحَدِيثِ - «تَقُول: اللَّهُ أَكْبَرُ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ حَتَّى تَبْلُغَ مِنْ جَمِيعِهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَتَمَامُ الْمِائَةِ - لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَيَعْقِدُهُ»
стр. 359
أَيْ يَعْقِدُ الْعَدَدَ الْمُتَقَدِّمَ بِيَدِهِ (وَ) يَعْقِدُ (الِاسْتِغْفَارَ بِيَدِهِ، أَيْ يَضْبِطُ عَدَدَهُ بِأَصَابِعِهِ كَمَا يَأْتِي) لِحَدِيثِ بُسْرَةَ مَرْفُوعًا «وَاعْقِدْهُ بِالْأَنَامِلِ، فَإِنَّهُنَّ مَسْئُولَاتٌ مُسْتَنْطَقَاتٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ.
(قَالَ الشَّيْخُ وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ عَقِبَ) كُلِّ (صَلَاةٍ انْتَهَى) لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ كُنْتُ أَعْلَمُ إذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ، إذَا سَمِعْتُهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ «كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيُسْتَحَبُّ الْجَهْرُ بِذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّةَ عَنْ أَهْلِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ خِلَافَهُ، وَكَلَامُ أَصْحَابِنَا مُخْتَلِفٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ قَالَ: وَيَتَوَجَّهُ الْجَهْرُ لِقَصْدِ التَّعْلِيمِ فَقَطْ ثُمَّ يَتْرُكُهُ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْعَدَدِ: أَنْ لَا يَنْقُصَ مِنْهُ وَأَمَّا الزِّيَادَةُ فَلَا تَضُرُّ شَيْئًا لَا سِيَّمَا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِأَنَّ الذِّكْرَ مَشْرُوعٌ فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ يُشْبِهُ الْمُقَدَّرَ فِي الزَّكَاةِ، إذَا زَادَ عَلَيْهِ.
(وَ) يَقُولُ (بَعْدَ كُلِّ مِنْ) صَلَاتِي (الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ، وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ، قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، عَشْرَ مَرَّاتٍ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لِخَبَرِ أَحْمَدَ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ مَرْفُوعًا وَلِهَذَا مُنَاسَبَةٌ وَيَكُونُ الشَّارِعُ شَرَعَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ وَاللَّيْلِ، لِيَحْتَرِس بِهِ عَنْ الشَّيْطَانِ فِيهِمَا وَالْخَبَرُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْمَغْرِبَ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْفَجْرِ فَقَطْ، قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَشَهْرٌ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ جِدًّا اهـ وَيَقُولُ أَيْضًا، وَهُوَ عَلَى الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ: (اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ) .
لِمَا رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ الْحَارِثِ التَّمِيمِيِّ عَنْ أَبِيهِ - وَقِيلَ الْحَارِثُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِيهِ - «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَسَرَّ إلَيْهِ فَقَالَ: إذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ فَقُلْ: اللَّهُمَّ أَجِرْنِي مِنْ النَّارِ سَبْعَ مَرَّاتٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ «قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا فَإِنَّكَ إذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتّ فِي لَيْلَتِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَكَ جِوَارًا مِنْهَا وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ فَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ فَإِنَّكَ إنْ قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ كَتَبَ اللَّهُ لَك جِوَارًا مِنْهَا قَالَ الْحَارِثُ أَسَرَّ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ نَخُصُّ بِهَا إخْوَانَنَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ تَفَرَّدَ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ فَلِهَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: لَا يُعْرَفُ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِي لَفْظِهِ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمَ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ.
(وَ) يَقْرَأُ (بَعْدَ كُلِّ صَلَاةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ وَالْإِخْلَاصِ) لِخَبَرِ أَبِي أُمَامَةَ «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ، وَقُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إلَّا الْمَوْتُ» إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَقَدْ تُكُلِّمَ فِيهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَكَذَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ الْمُخْتَارَةِ مِنْ أَصْحَابِنَا
стр. 360
وَيَقْرَأُ (الْمُعَوِّذَتَيْنِ) لِمَا رُوِيَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ «أَمَرَنِي النَّبِيُّ ﷺ أَنْ أَقْرَأَ الْمُعَوِّذَاتِ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ» لَهُ طُرُقٌ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفِي هَذَا سِرٌّ عَظِيمٌ فِي دَفْعِ الشَّرِّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَى الصَّلَاةِ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(وَيَدْعُو) الْإِمَامُ (بَعْدَ فَجْرٍ وَعَصْرٍ، لِحُضُورِ الْمَلَائِكَةِ) أَيْ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ (فِيهِمَا فَيُؤَمِّنُونَ) عَلَى الدُّعَاءِ فَيَكُونُ أَقْرَبَ لِلْإِجَابَةِ (وَكَذَا) يَدْعُو بَعْدَ (غَيْرِهِمَا مِنْ الصَّلَوَاتِ) لِأَنَّ مِنْ أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ: أَدْبَارَ الْمَكْتُوبَاتِ (وَيَبْدَأُ) الدُّعَاءَ (بِالْحَمْدِ لِلَّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِتَحْمِيدِ رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَدْعُو بِمَا شَاءَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ (وَيَخْتِمُ) دُعَاءَهُ (بِهِ) أَيْ بِالْحَمْدِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] (وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ) .
قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَوَسَطَهُ، لِخَبَرِ جَابِرٍ قَالَ قَالَ ﷺ «لَا تَجْعَلُونِي كَقَدَحِ الرَّاكِبِ فَإِنَّ الرَّاكِبَ يَمْلَأُ قَدَحَهُ ثُمَّ يَضَعُهُ، وَيَرْفَعُ مَتَاعَهُ فَإِنْ احْتَاجَ إلَى شَرَابٍ شَرِبَ أَوْ الْوُضُوءِ تَوَضَّأَ وَإِلَّا أَهْرَاقَهُ، وَلَكِنْ اجْعَلُونِي فِي أَوَّلِ الدُّعَاءِ، وَأَوْسَطِهِ وَآخِرهِ» .
(وَيَسْتَقْبِلُ) الدَّاعِي (غَيْر إمَامٍ هُنَا الْقِبْلَةَ) لِأَنَّ خَيْرَ الْمَجَالِسِ: مَا اُسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةَ.
(وَيُكْرَهُ لِلْإِمَامِ) اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ (بَلْ يَسْتَقْبِلُ) الْإِمَامُ (الْمَأْمُومِينَ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّهُ يَنْحَرِفُ إلَيْهِمْ إذَا سَلَّمَ.
(وَيُلِحُّ) الدَّاعِي فِي الدُّعَاءِ لِحَدِيثِ «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ» (وَيُكَرِّرُهُ) أَيْ الدُّعَاءُ (ثَلَاثًا) لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْ الْإِلْحَاحِ (وَ) الدُّعَاءُ (سِرًّا أَفْضَلُ) مِنْهُ جَهْرًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥] لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ (وَيَعُمُّ بِهِ) أَيْ بِالدُّعَاءِ، «لِقَوْلِهِ ﷺ لِعَلِيٍّ يَا عَلِيُّ عَمِّمْ» الْحَدِيثَ.
(وَمِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ: بَسْطُ يَدَيْهِ وَرَفْعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ) لِحَدِيثِ مَالِكِ بْنِ يَسَارٍ مَرْفُوعًا «إذَا سَأَلْتُمْ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ بِبُطُونِ أَكُفِّكُمْ، وَلَا تَسْأَلُوهُ بِظُهُورِهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ وَتَكُونُ يَدَاهُ مَضْمُومَتَيْنِ، لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا دَعَا ضَمَّ كَفَّيْهِ وَجَعَلَ بُطُونَهُمَا مِمَّا يَلِي وَجْهَهُ» وَضَعَّفَهُ فِي الْمَوَاهِبِ وَيَكُونُ مُتَطَهِّرًا، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ حَاجَتِهِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ.
(وَيَدْعُو بِدُعَاءٍ مَعْهُودٍ) أَيْ مَأْثُورٍ، إمَّا مِنْ الْقُرْآنِ، أَوْ السُّنَّةِ، أَوْ عَنْ الصَّحَابَةِ أَوْ
стр. 361
التَّابِعِينَ، أَوْ الْأَئِمَّةِ الْمَشْهُورِينَ، وَيَكُونُ جَامِعًا (بِتَأَدُّبٍ) فِي هَيْئَتهِ وَأَلْفَاظِهِ، فَيَكُونُ جُلُوسُهُ إنْ كَانَ جَالِسًا كَجُلُوسِ أَذَلِّ الْعَبِيدِ بَيْنَ يَدَيْ أَعْظَمِ الْمَوَالِي.
(وَخُشُوعٍ وَخُضُوعٍ، وَعَزْمٍ وَرَغْبَةٍ) وَحُضُورِ قَلْبٍ وَرَجَاءٍ لِحَدِيثٍ «لَا يُسْتَجَابُ مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَيَتَمَلَّقُ وَيَتَوَسَّلُ إلَيْهِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَتَوْحِيدِهِ، وَيُقَدِّمُ بَيْنَ يَدَيْ دُعَائِهِ صَدَقَةً وَيَتَحَرَّى أَوْقَاتِ الْإِجَابَةِ، هِيَ الثُّلُثُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ، وَعِنْد الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَأَدْبَارَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ، وَعِنْدَ صُعُودِ الْإِمَامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْمِنْبَرِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الصَّلَاةُ، وَآخِرَ سَاعَةٍ بَعْد الْعَصْرِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ.
(وَيَنْتَظِرُ الْإِجَابَةَ) لِحَدِيثِ «اُدْعُوا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ» (وَلَا يُعَجِّلُ، فَيَقُولُ: دَعَوْتُ فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي) لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مَرْفُوعًا «يُسْتَجَابُ لِأَحَدِكُمْ مَا لَمْ يُعَجِّلْ قَالُوا: وَكَيْف يُعَجِّلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ يُسْتَجَبْ لِي فَيَسْتَحْسِرَ عِنْدَ ذَلِكَ» وَيَدْعُو الدُّعَاءَ وَيَنْتَظِرُ الْفَرَجَ فَهُوَ عِبَادَةٌ أَيْضًا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْمَسْأَلَةِ إلَّا لِيُعْطِيَ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ «مَا عَلَى الْأَرْضِ مُسْلِمٌ يَدْعُو اللَّهَ دَعْوَةً إلَّا أَتَاهُ اللَّهُ إيَّاهَا، أَوْ صَرَفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا، مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: إذَنْ نُكْثِرُ قَالَ: اللَّهُ أَكْثَرُ» وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مِثْلُهُ وَفِيهِ «إمَّا أَنْ يُعَجِّلَهَا أَوْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ، أَوْ يَصْرِفَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلَهَا» وَيَبْدَأُ فِي دُعَائِهِ بِنَفْسِهِ.
(وَلَا يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ فِيهِ) أَيْ الدُّعَاءِ، خِلَافًا لِلْغَنِيَّةِ لِحَدِيثِ الْمِقْدَادِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي» .
(وَلَا بَأْسَ أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ نَصًّا) لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ «إذْ أَوَّلُهَا اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك وَأَسْأَلُكَ» ذَلِكَ يَخُصُّ نَفْسَهُ الْكَرِيمَةَ ﷺ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: (وَالْمُرَادُ) بِهِ أَيْ بِالدُّعَاءِ الَّذِي لَا يُكْرَهُ، أَنْ يَخُصَّ نَفْسَهُ: الدُّعَاءُ (الَّذِي لَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ كَالْمُنْفَرِدِ وَكَ) الدُّعَاءِ (بَعْدَ التَّشَهُّدِ) أَوْ فِي السُّجُودِ وَنَحْوِهِ (فَأَمَّا مَا يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ، كَالْمَأْمُومِينَ مَعَ الْإِمَامِ فَيَعُمُّ) بِالدُّعَاءِ (وَإِلَّا) بِأَنْ كَانَ يُؤَمَّنُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَعُمّهُمْ، فَقَدْ (خَانَهُمْ، وَكَدُعَاءِ الْقُنُوتِ) فَإِنَّهُ إذَا لَمْ يَعُمَّ بِهِ كَانَ خَائِنًا لَهُمْ لِخَبَرِ ثَوْبَانَ فَإِنَّ فِيهِ «لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ دُونَهُمْ فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ» .
(وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُخَفِّفَهُ) أَيْ الدُّعَاءَ، لِأَنَّهُ ﷺ «نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَالْإِفْرَاطُ يَشْمَلُ كَثْرَةَ الْأَسْئِلَةِ.
(وَيُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا) قَالَ فِي الْفُصُولِ، فِي آخِرِ الْجُمُعَةِ:
стр. 362
الْإِسْرَارُ بِالدُّعَاءِ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ، «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الْإِفْرَاطِ فِي الدُّعَاءِ» وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى ارْتِفَاعِ الصَّوْتِ، وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ.
قَالَ فِي الْفُرُوعِ: كَذَا قَالَ اهـ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: وَلَعَلَّ وَجْهَ التَّعَقُّبِ: أَنَّ الْإِفْرَاطَ لَا يَشْمَلُ الْجَهْرَ وَإِنَّمَا يَتَبَادَرُ مِنْهُ الْكَثْرَةُ فَقَطْ (إلَّا لِحَاجٍّ) فَإِنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ لَهُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ «أَفْضَلُ الْحَجِّ: الْعَجُّ وَالثَّجُّ» وَشَرْطُ الدُّعَاءِ: الْإِخْلَاصُ قَالَ الْآجُرِّيُّ: وَاجْتِنَابُ الْحَرَامِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مِنْ الْآدَابِ وَقَالَ شَيْخُنَا: يَبْعُدُ إجَابَتُهُ إلَّا مُضْطَرًّا أَوْ مَظْلُومًا قَالَ وَذِكْرُ الْقَلْبِ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ ذِكْرِ اللِّسَانِ وَحْدَهُ وَظَاهِرُ كَلَامِ بَعْضِهِمْ عَكْسه «وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ إذَا اجْتَهَدَ فِي الدُّعَاءِ قَالَ يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَة إبْرَاهِيمَ بْنِ الْفَضْلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَيَجْتَنِبُ السَّجْعَ.
[فَصْلٌ مَا يُكْرَهُ وَمَا يُبَاحُ وَمَا يُسْتَحَبُّ فِي الصَّلَاةِ]
ِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ (فِيمَا يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ الْتِفَاتٌ يَسِيرٌ) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ «سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ عَنْ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ: هُوَ اخْتِلَاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ صَلَاةِ الْعَبْدِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (بِلَا حَاجَةٍ) فَإِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ (كَخَوْفِ) عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ.
(وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو الْخَوْفِ كَمَرَضِ لَمْ يُكْرَهْ، لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ «ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ، فَجَعَلَ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي وَهُوَ يَلْتَفِتُ إلَى الشِّعْبِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَكَانَ أَرْسَلَ فَارِسًا إلَى الشِّعْبِ يَحْرُسُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ مَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ «كَانَ ﷺ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا، وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.
(وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (إنْ اسْتَدَارَ) الْمُصَلِّي (بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَهَا) أَيْ الْقِبْلَةَ لِتَرْكِهِ الِاسْتِقْبَالِ بِلَا عُذْرٍ (مَا لَمْ يَكُنْ فِي الْكَعْبَةِ) فَلَا تَبْطُلُ، لِأَنَّهُ إذَا اسْتَدْبَرَ جِهَةً فَقَدْ اسْتَقْبَلَ أُخْرَى (وَ) فِي (شِدَّةِ خَوْفٍ) فَلَا تَبْطُلُ إنْ الْتَفَتَ بِجُمْلَتِهِ أَوْ اسْتَدْبَرَ الْقِبْلَةَ لِسُقُوطِ الِاسْتِقْبَالِ إذَنْ وَكَذَا إذَا تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ وَلَمْ يَسْتَثْنِهَا الْمُصَنِّفِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدْبِرْ الْقِبْلَةَ، بَلْ اسْتَدَارَ إلَيْهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ قِبْلَتَهُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (لَوْ الْتَفَتَ بِصَدْرِهِ
стр. 363
وَوَجْهِهِ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَدِرْ بِجُمْلَتِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ فِي الصَّلَاةِ (رَفْعُ بَصَرِهِ إلَى السَّمَاءِ) لِحَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إلَى السَّمَاءِ فِي صَلَاتِهِمْ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَ (لَا) يُكْرَهُ رَفْعُ بَصَرهِ إلَى السَّمَاءِ (حَالَ التَّجَشِّي) إذَا كَانَ (فِي جَمَاعَةٍ) لِئَلَّا يُؤْذِيَ مَنْ حَوْلَهُ بِالرَّائِحَةِ.
(وَ) يُكْرَه فِي الصَّلَاةِ (تَغْمِيضُهُ) نَصَّ عَلَيْهِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ فِعْلُ الْيَهُودِ وَمَظِنَّةُ النَّوْمِ (بِلَا حَاجَةٍ كَخَوْفِهِ مَحْذُورًا، مِثْل أَنْ رَأَى أَمَتَهُ عُرْيَانَة، أَوْ) رَأَى (زَوْجَتَهُ) كَذَلِكَ (أَوْ) رَأَى (أَجْنَبِيَّةً) كَذَلِكَ (بِطَرِيقِ الْأَوْلَى) إذْ نَظَرُهُ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ حَرَامٌ بِخِلَافِ أَمَتِهِ وَزَوْجَتِهِ.
(وَ) يُكْرَهُ (صَلَاتُهُ إلَى صُورَةٍ مَنْصُوبَةٍ) نَصَّ عَلَيْهِ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ صُورَةٌ مُمَثَّلَةٌ، لِأَنَّهُ يُشْبِهُ سُجُودَ الْكُفَّارِ لَهَا فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ صُورَةُ حَيَوَانٍ مُحَرَّمَةٍ لِأَنَّهَا الَّتِي تُعْبَدُ وَفِيهِ نَظَرٌ.
وَفِي الْفُصُولِ يُكْرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ إلَى جِدَارٍ فِيهِ صُورَةٌ وَتَمَاثِيلُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ وَظَاهِرهُ: وَلَوْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْدُو لِلنَّاظِرِ إلَيْهَا، وَأَنَّهُ لَا تُكْرَهُ إلَى غَيْرِ مَنْصُوبَةٍ وَلَا سُجُودُهُ عَلَى صُورَةٍ وَلَا صُورَةٍ خَلْفَهُ فِي الْبَيْتِ وَلَا فِي فَوْقَ رَأْسِهِ فِي سَقْفٍ، أَوْ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيْهِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ.
(وَ) يُكْرَه (السُّجُودُ عَلَيْهَا) أَيْ الصُّورَةُ عِنْدَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ وَقَدَّمَ فِي الْفُرُوعِ كَمَا سَبَقَ لَا يُكْرَهُ قَالَ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ: لِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى إلَيْهَا وَالْأَصْحَابُ إنَّمَا كَرِهُوا الصَّلَاةَ إلَيْهَا، لَا السُّجُودَ عَلَيْهَا.
(وَيُكْرَهُ حَمْلُهُ فَصًّا) فِيهِ صُورَةٌ (أَوْ) حَمْلَهُ (ثَوْبًا وَنَحْوه) كَدِينَارٍ أَوْ دِرْهَمٍ (فِيهِ صُورَةٌ) وِفَاقًا (وَ) صَلَاتُهُ (إلَى وَجْهِ آدَمِيٍّ) نَصَّ عَلَيْهِ.
(وَفِي الرِّعَايَةِ: أَوْ حَيَوَانٌ غَيْره وَالْأَوَّلُ) أَصَحُّ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُعَرِّضُ رَاحِلَتَهُ وَيُصَلِّي إلَيْهَا» .
(وَ) يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُ (مَا يُلْهِيهِ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُهُ عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ.
وَعَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ اذْهَبُوا بِخَمِيصَتِي هَذِهِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَآتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ أَبِي جَهْمٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَالْخَمِيصَةُ: كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ والْإِنْبِجانِيَّة كِسَاءٌ غَلِيظٌ.
وَيُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ شَيْئًا (مِنْ نَارٍ وَلَوْ سِرَاجًا، وَقِنْدِيلًا وَنَحْوه، كَشَمْعَةٍ مُوقَدَةٍ) لِأَنَّ فِيهِ تَشَبُّهًا بِعَبَدَةِ النَّارِ.
(وَ) يُكْرَهُ (حَمْلُهُ مَا يَشْغَلُهُ) عَنْ إكْمَالِ صَلَاتِهِ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ.
(وَ) يُكْرَهُ (إخْرَاجُ لِسَانِهِ وَفَتْحُ فَمِهِ، وَوَضْعُهُ فِيهِ شَيْئًا) لِأَنَّ ذَلِكَ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ (وَلَا) يُكْرَهُ وَضْعُ شَيْءٍ (فِي يَدِهِ وَكُمِّهِ) إلَّا إذَا شَغَلَهُ عَنْ كَمَالِهَا، فَيُكْرَهُ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) تُكْرَهُ
стр. 364
الصَّلَاةُ (إلَى مُتَحَدِّثٍ) لِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) إلَى (نَائِمٍ) لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ الصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَالْمُتَحَدِّثِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (وَكَافِر) لِأَنَّهُ نَجِسٌ وَقَدْ يَعْبَثُ بِهِ (وَاسْتِنَادُهُ) إلَى جِدَارٍ أَوْ نَحْوِهِ لِأَنَّهُ يُزِيلُ مَشَقَّةَ الْقِيَامِ (بِلَا حَاجَةٍ) إلَيْهِ فَلَا يُكْرَهُ مَعَهَا «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَسَنَّ وَأَخَذَهُ اللَّحْمُ اتَّخَذَ عَمُودًا فِي مُصَلَّاهُ يَعْتَمِد عَلَيْهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد (فَإِنْ سَقَطَ) الْمُصَلِّي (لَوْ أُزِيلَ) مَا اسْتَنَدَ إلَيْهِ (لَمْ تَصِحَّ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ غَيْرِ الْقَائِمِ.
(وَ) يُكْرَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ فِي (مَا يَمْنَعُ كَمَالَهَا، كَحَرٍّ) مُفْرِطٍ (وَبَرْدٍ) مُفْرِطٍ (وَنَحْوه) كَجُوعٍ شَدِيدٍ وَخَوْفٍ شَدِيدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْلِقُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ حُضُورِ قَلْبِهِ فِي الصَّلَاةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (افْتِرَاشُ ذِرَاعَيْهِ سَاجِدًا) لِحَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَعْتَدِلْ وَلَا يَفْتَرِشْ ذِرَاعَيْهِ افْتِرَاشَ الْكَلْبِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَ) يُكْرَهُ (إقْعَاؤُهُ) لِخَبَرِ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَا تُقْعِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ» .
وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ ﷺ «إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنْ السُّجُودِ، فَلَا تُقْعِ كَمَا يُقْعِي الْكَلْبُ» رَوَاهُمَا ابْنُ مَاجَهْ (وَهُوَ) أَيْ الْإِقْعَاءُ (أَنْ يَفْرِشَ قَدَمَهُ، وَيَجْلِسَ عَلَى عَقِيبِهِ) كَذَا فَسَّرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي الْمُغْنِي وَالْمُقْنِعِ وَالْفُرُوعِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَأَمَّا عَنْ الْعَرَبِ فَهُوَ جُلُوسُ الرَّجُلِ عَلَى أَلْيَتَيْهِ، نَاصِبًا فَخِذَيْهِ مِثْل إقْعَاءِ الْكَلْبِ قَالَ فِي الْمُغْنِي: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِتَفْسِيرِ الْإِقْعَاءِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَقَدْ ذَكَرْتُ مَا فِي ذَلِكَ فِي الْحَاشِيَةِ.
(وَ) يُكْرَهُ (ابْتِدَاؤُهَا) أَيْ الصَّلَاةُ (حَاقِنًا) بِالنُّونِ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ بَوْلُهُ، أَوْ حَاقِبًا) بِالْمُوَحَّدَةِ نَحْوُ مَا ذُكِرَ وَهُوَ (مَنْ احْتَبَسَ غَائِطَهُ، أَوْ) ابْتِدَاؤُهَا (مَعَ رِيحٍ مُحْتَبَسَةٍ وَنَحْوه) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ مِمَّا يُزْعِجُهُ وَيَشْغَلُهُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ، أَوْ ابْتِدَاؤُهَا (تَائِقًا) أَيْ شَائِقًا (إلَى طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ، أَوْ جِمَاعٍ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ أَنَّهُ قَالَ «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ وَلَا وَهُوَ يُدَافِعُ الْأَخْبَثَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأُلْحِقَ بِذَلِكَ: مَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا سَبَقَ وَنَحْوه (فَيَبْدَأُ بِالْخَلَاءِ) لِيُزِيلَ مَا يُدَافِعُهُ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ أَوْ رِيحٍ.
(وَ) يَبْدَأُ أَيْضًا (بِمَا تَاقَ إلَيْهِ) مِنْ طَعَامٍ أَوْ شَرَابٍ أَوْ جِمَاعٍ (وَلَوْ فَاتَتْهُ الْجَمَاعَةُ) لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُوضَعُ لَهُ الطَّعَامُ، وَتُقَامُ الصَّلَاةُ، فَلَا يَأْتِيهَا حَتَّى يَفْرُغَ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ (مَا لَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ فَلَا يُكْرَهُ) ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ كَذَلِكَ (بَلْ يَجِبُ) فِعْلُهَا قَبْلَ
стр. 365
خُرُوجِ وَقْتِهَا فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ (وَيَحْرُمُ اشْتِغَالُهُ بِالطَّهَارَةِ) إذَنْ أَيْ حِينَ ضَاقَ الْوَقْتُ، وَكَذَا اشْتِغَالُهُ بِأَكْلٍ أَوْ غَيْرِهِ لِتَعَيُّنِ الْوَقْتِ لِلصَّلَاةِ.
(إذَنْ وَيُكْرَهُ) لِلْمُصَلِّي (عَبَثُهُ) لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﷺ «رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ: لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .
(وَ) يُكْرَهُ (تَقْلِيبُهُ الْحَصَى وَمَسُّهُ) أَيْ الْحَصَى، لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلَا يَمَسَّ الْحَصَى فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
(وَ) يُكْرَهُ (وَضْعُ يَدِهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ) لِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ «نَهَى أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُتَخَصِّرًا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ وَلَفْظ مُسْلِمٍ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ .
(وَ) يُكْرَهُ (تَرُوحهُ بِمِرْوَحَةٍ وَنَحْوِهَا) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (إلَّا لِحَاجَةٍ، كَغَمٍّ شَدِيدٍ) فَلَا يُكْرَهُ لِلْحَاجَةِ (مَا لَمْ يُكْثِرْ) مِنْ التَّرَوُّحُ فَيُبْطِلُ الصَّلَاةَ إنْ تَوَالَى.
وَ (لَا) تُكْرَهُ (مُرَاوَحَتُهُ بَيْنَ رِجْلَيْهِ فَتُسْتَحَبُّ) لِمَا رَوَى الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي عُبَادَةَ قَالَ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا يُصَلِّي صَافًّا بَيْنَ قَدَمَيْهِ، فَقَالَ: لَوْ رَاوَحَ هَذَا بَيْنَ قَدَمَيْهِ كَانَ أَفْضَلَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَفِيهِ قَالَ أَخْطَأَ السُّنَّةَ، لَوْ رَاوَحَ بَيْنَهُمَا كَانَ أَعْجَبَ (ك) مَا يُسْتَحَبُّ (تَفْرِيقُهُمَا) قَالَ الْأَثْرَمُ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُفَرِّقُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ وَرَأَيْتُهُ يُرَاوِحُ بَيْنَهُمَا.
(وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ) أَيْ كَثْرَةُ أَنْ يُرَاوِحَ بَيْنَ قَدَمَيْهِ لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهُ قَالَ إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَكِّنْ أَطْرَافَهُ، وَلَا يَمِلْ مَيْلَ الْيَهُودِ» قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَطُلْ قِيَامُهُ.
(وَ) تُكْرَهُ (فَرْقَعَةُ أَصَابِعُهُ) لِمَا رَوَى الْحَارِثُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ لَا تُقَعْقِعُ أَصَابِعَكَ وَأَنْتَ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ.
(وَ) يُكْرَه (تَشْبِيكهَا) أَيْ الْأَصَابِعُ لِمَا رَوَى كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «رَأَى رَجُلًا قَدْ شَبَّكَ أَصَابِعَهُ فِي الصَّلَاةِ، فَفَرَّجَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الَّذِي يُصَلِّي، وَقَدْ شَبَّكَ أَصَابِعُهُ تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَ) يُكْرَهُ لِلْمُصَلِّي (لَمْسُ لِحْيَتِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ الْعَبَثِ (وَ) يُكْرَهُ (نَفْخُهُ) لِمَا تَقَدَّمَ، وَرُبَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ فَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
(وَ) يُكْرَهُ (اعْتِمَادُهُ عَلَى يَدِهِ فِي جُلُوسِهِ) لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ «نَهَى النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَجْلِسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مُعْتَمِدٌ عَلَى يَدِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد (مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ) تَدْعُو إلَيْهِ.
(وَ) تُكْرَهُ (صَلَاتُهُ مَكْتُوفًا، وَعَقْصُ شَعْرِهِ) أَيْ لَيُّهُ وَإِدْخَالُ أَطْرَافِهِ فِي أُصُولِهِ (وَكَفُّهُ) أَيْ الشَّعْرَ (وَكَفُّ ثَوْبِهِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْوِ كَفِّ الثَّوْبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «وَلَا أَكُفُّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا» وَنَهَى أَحْمَدُ رَجُلًا كَانَ إذَا سَجَدَ جَمَعَ ثَوْبَهُ
стр. 366
بِيَدِهِ الْيُسْرَى وَنَقَلَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ ثِيَابَهُ وَاحْتَجَّ بِالْخَبَرِ وَنَقَلَ ابْنُ الْقَاسِمِ.
يُكْرَه أَنْ يُشَمِّرَ ثِيَابَهُ لِقَوْلِهِ تَرِبَ تَرِبَ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ حِكْمَةَ النَّهْيِ: أَنَّ الشَّعْرَ وَنَحْوَهُ يَسْجُدُ مَعَهُ (وَ) يُكْرَهُ (تَشْمِيرُ كُمِّهِ) قَالَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ فَعَلَهُمَا) أَيْ عَقْصَ الشَّعْرِ وَكَفَّ الثَّوْبِ وَنَحْوِهِ (لِعَمَلٍ قَبْلَ صَلَاتِهِ) فَيُكْرَه لَهُ إبْقَاؤُهُمَا كَذَلِكَ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّهُ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ يُصَلِّي وَرَأْسُهُ مَعْقُوصٌ مِنْ وَرَائِهِ فَقَامَ، فَجَعَلَ يَحُلُّهُ فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ: مَا لَك وَلِرَأْسِي؟ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: إنَّمَا مَثَلُ هَذَا مَثَلُ الَّذِي يُصَلِّي وَهُوَ مَكْتُوفٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (وَ) يُكْرَهُ (جَمْعُ ثَوْبِهِ بِيَدِهِ إذَا سَجَدَ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يَخُصَّ جَبْهَتَهُ بِمَا يَسْجُدُ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ شِعَارُ الرَّافِضَةِ) أَيْ مِنْ شِعَارِهِمْ، أَوْ جُلِّهَا،.
وَ (لَا) تُكْرَهُ (الصَّلَاةُ عَلَى حَائِلٍ صُوفٍ وَشَعْرٍ وَغَيْرِهِمَا) كَوَبَرٍ (مِنْ حَيَوَانٍ) كَمَا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ عَلَى (مَا تُنْبِتهُ الْأَرْضُ) مِنْ حَشِيشٍ وَزَرْعٍ وَقُطْنٍ وَكَتَّانٍ وَنَحْوِهَا وَتَقَدَّمَ مُوَضَّحًا (وَلَا عَلَى مَا يَمْنَعُ صَلَابَةُ الْأَرْضِ) حَيْثُ حَصَلَ الْمَقَرُّ لِأَعْضَاءِ السُّجُودِ وَتَقَدَّمَ.
(وَيُكْرَه التَّمَطِّي) لِأَنَّهُ يُخْرِجُهُ عَنْ هَيْئَةِ الْخُشُوعِ، وَيُؤْذِنُ بِالْكَسَلِ (وَإِنْ تَثَاءَبَ كَظَمَ عَلَيْهِ، نَدْبًا) لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ «إذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ فِي فِيهِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَإِنْ غَلَبَهُ) التَّثَاؤُبُ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْكَظْمِ (اُسْتُحِبَّ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ) «لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فَلْيَضَعْ يَدِهِ عَلَى فَمِهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
(وَيُكْرَهُ مَسْحُ أَثَرِ سُجُودِهِ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ «إنَّ مِنْ الْجَفَاءِ أَنْ يُكْثِرَ الرَّجُلُ مَسْحَ جَبْهَتِهِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ» رَوَاهُ ابْن مَاجَهْ وَلِذَلِكَ ذُكِرَ فِي الْمُغْنِي: يُكْرَهُ إكْثَارُهُ مِنْهُ وَلَوْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ.
(وَ) يُكْرَهُ (أَنْ يُكْتَبَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ (أَوْ) أَنْ (يُعَلَّقَ فِي قِبْلَتِهِ شَيْءٌ) لِأَنَّهُ يَشْغَلُ الْمُصَلِّي (وَلَا) يُكْرَهُ (وَضْعُهُ) شَيْئًا فِي قِبْلَتِهِ (بِالْأَرْضِ وَلِذَلِكَ) أَيْ لِأَجْلِ أَنَّهُ يُكْرَهُ أَنْ يُكْتَبَ أَوْ يُعَلَّقَ فِي الْقِبْلَةِ شَيْءٌ (كُرِهَ التَّزْوِيقَ) فِي الْمَسْجِدِ (وَكُلَّ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّي عَنْ صَلَاتِهِ) لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالْخُشُوعِ (قَالَ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَجْعَلُوا فِي الْقِبْلَةِ شَيْئًا) حَتَّى الْمُصْحَفَ.
(وَ) تُكْرَهُ (تَسْوِيَةُ التُّرَابِ بِلَا عُذْرٍ) لِحَدِيثِ مُعَيْقِيبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَالَ فِي الرَّجُلِ يُسَوِّي التُّرَابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قَالَ إنْ كُنْتَ فَاعِلًا فَوَاحِدَةً» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عَبَثٌ.
(وَ) يُكْرَهُ (تَكْرَارُ الْفَاتِحَةِ فِي رَكْعَةٍ) لِأَنَّهَا رُكْنٌ، وَفِي إبْطَالِ الصَّلَاةِ بِتَكْرَارِهَا خِلَافٌ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ ﷺ وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ
стр. 367
وَلَمْ تَبْطُلْ الصَّلَاةُ بِتَكْرَارِهَا لِأَنَّهُ لَا يُخِلُّ بِهَيْئَةِ الصَّلَاةِ، بِخِلَافِ الرُّكْنِ الْفِعْلِيِّ.
(وَفِي الْمُذْهَبِ) بِضَمِّ الْمِيم لِابْنِ الْجَوْزِيِّ (وَالنَّظْمِ: تُكْرَهُ الْقِرَاءَةُ الْمُخَالِفَةُ عُرْفَ الْبَلَدِ أَيْ) يُكْرَه (لِلْإِمَامِ فِي قِرَاءَةٍ يَجْهَرُ بِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ التَّنْفِيرِ لِلْجَمَاعَةِ) هَذَا مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ (وَمَنْ أَتَى بِالصَّلَاةِ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ اُسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا عَلَى وَجْهٍ غَيْرِ مَكْرُوهٍ مَا دَامَ وَقْتهَا بَاقِيًا) وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ مُنْفَرِدًا، أَوْ وَقْتَ نَهْيٍ لَكِنْ مَا يَأْتِي فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ لَا يُسَاعِدُهُ (لِأَنَّ الْإِعَادَةَ مَشْرُوعَةٌ لِلْخَلَلِ فِي) الْفِعْلِ (الْأَوَّلِ) وَالْإِتْيَانُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ خَلَلٌ فِي كَمَالِهَا وَمِنْهُ تَعْلَمَ: أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا كَانَتْ عَلَى وَجْهٍ مَكْرُوهٍ لِغَيْرِ ذَاتِهَا، كَالصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا سَدْلٌ أَوْ مِنْ حَاقِنٍ وَنَحْوه: فِيهَا ثَوَابٌ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَكْرُوهَةً لِذَاتِهَا كَالسِّوَاكِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَإِنَّهُ نَفْسَهُ لِلصَّائِمِ مَكْرُوهٌ فَلَا ثَوَابَ فِيهِ، بَلْ يُثَابُ عَلَى تَرْكِهِ أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الْفُرُوعِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ.
(وَلَا يُكْرَهُ جَمْعُ سُورَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فِي رَكْعَةٍ، وَلَوْ فِي فَرْضٍ) لِمَا فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ «كَانَ يَؤُمُّهُمْ، فَكَانَ يَقْرَأ قَبْلَ كُلِّ سُورَةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثُمَّ يَقْرَأُ سُورَةً أُخْرَى مَعَهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : مَا يَحْمِلُكَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ السُّورَةِ؟ فَقَالَ: إنِّي أُحِبّهَا فَقَالَ: حُبُّكَ إيَّاهَا أَدْخَلَكَ الْجَنَّةَ» .
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْمَكْتُوبَةِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ.
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَقَدْ عَرَفْتُ النَّظَائِرَ الَّتِي كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرِنُ بَيْنَهُنَّ فَذَكَرَ عِشْرِينَ سُورَةً مِنْ الْمُفَصَّلِ سُورَتَيْنِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(ك) مَا لَا يُكْرَه (تَكْرَارُ سُورَةٍ فِي رَكْعَتَيْنِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «قَرَأَ فِي الْمَغْرِبِ بِالْأَعْرَافِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا» رَوَاهُ سَعِيدٌ (وَتَفْرِيقُهَا) أَيْ السُّورَةِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَلَا يُكْرَهُ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقْسِمُ الْبَقَرَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.
(وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَةُ أَوَاخِرِ السُّوَرِ، وَأَوْسَاطُهَا كَأَوَائِلِهَا) لِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] " وَلِمَا رَوَى أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَوْله تَعَالَى ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ [البقرة: ١٣٦]- الْآيَة وَفِي الثَّانِيَةِ آلَ عِمْرَانَ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٦٤] الْآيَة» .
(وَلَا) يُكْرَه
стр. 368
(مُلَازَمَةُ سُورَةٍ يُحْسِنُ غَيْرَهَا مَعَ اعْتِقَادِهِ جَوَازِ غَيْرِهَا) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ مُلَازَمَةِ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيِّ عَلَى ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] .
(وَتُكْرَهُ قِرَاءَةُ كُلِّ الْقُرْآنِ فِي فَرْضٍ وَاحِدٍ) لِعَدَمِ نَقْلِهِ، وَلِلْإِطَالَةِ، وَلَا تُكْرَهُ قِرَاءَتُهُ كُلُّهُ فِي نَفْلٍ لِأَنَّ عُثْمَانَ ﵁ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي رَكْعَةٍ (وَلَا) تُكْرَهُ (قِرَاءَةُ) الْقُرْآنِ (كُلِّهِ فِي الْفَرَائِضِ عَلَى تَرْتِيبهِ) قَالَ حَرْبٌ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَقْرَأُ عَلَى التَّأْلِيفِ فِي الصَّلَاةِ: الْيَوْمَ سُورَةً وَغَدًا الَّتِي تَلِيهَا؟ قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ، إلَّا أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ.
(وَيُسَنُّ رَدُّ مَارٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ بِدَفْعِهِ) أَيْ الْمَارِّ (بِلَا عُنْفٍ آدَمِيًّا كَانَ) الْمَارُّ (أَوْ غَيْرَهُ) فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى شَيْءٍ يَسْتُرُهُ مِنْ النَّاسِ فَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَجْتَازَ بَيْنَ يَدَيْهِ فَلْيَدْفَعْهُ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ، فَإِنَّمَا هِيَ شَيْطَانٌ» مُتَّفَق عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا «إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَدَعَنَّ أَحَدًا يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنْ أَبَى فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّ مَعَهُ الْقَرِينَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (مَا لَمْ يَغْلِبْهُ) الْمَارُّ (فَإِنْ غَلَبَهُ، وَمَرَّ، لَمْ يَرُدَّهُ مِنْ حَيْثُ جَاءَ) لِأَنَّ فِيهِ الْمُرُورَ ثَانِيًا بَيْنَ يَدَيْهِ (أَوْ يَكُنْ) الْمَارُّ (مُحْتَاجًا) إلَى الْمُرُورِ، بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ ضَيِّقًا، أَوْ يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا (أَوْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ الْمُشَرَّفَةِ فَلَا) يَرُدُّ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ، لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى بِمَكَّةَ وَالنَّاسُ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَأَلْحَقَ فِي الْمُغْنِي: الْحَرَمَ بِمَكَّةَ.
(وَتُكْرَهُ صَلَاتُهُ بِمَوْضِعٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى الْمُرُورِ) ذَكَرَهُ فِي الْمُذَهَّبِ وَغَيْرِهِ (وَتَنْقُصُ صَلَاتُهُ إنْ لَمْ يَرُدَّهُ) أَيْ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْهِ نَصَّ عَلَيْهِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ مَمَرَّ الرَّجُلِ لَيُضِعْ نِصْفَ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ نَقْصُ الصَّلَاةِ عَلَى مَنْ أَمْكَنَهُ الرَّدُّ فَلَمْ يَفْعَلْهُ أَمَّا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ الرَّدُّ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يَنْقُصُ الصَّلَاةَ، وَلَا يُؤَثِّرُ فِيهَا ذَنْبٌ غَيْرُهُ (فَإِنْ أَبَى) الْمَارُّ أَنْ يَرْجِعَ حَيْثُ رَدَّهُ الْمُصَلِّي (دَفَعَهُ بِعُنْفٍ، فَإِنْ أَصَرَّ، فَلَهُ قِتَالُهُ وَلَوْ مَشَى) قَلِيلًا، لِمَا مَرَّ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «فَإِنْ أَبِي فَلْيُقَاتِلْهُ» وَ (لَا) يُقَاتِلُهُ (بِسَيْفٍ وَلَا بِمَا يُهْلِكُهُ، بَلْ بِالدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ، وَنَحْو ذَلِكَ قَالَهُ الشَّيْخُ وَقَالَ فَإِنْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ مِنْ الدَّفْعِ وَالْوَكْزِ بِالْيَدِ وَنَحْوه (فَدَمُهُ هَدَرٌ انْتَهَى) .
لِأَنَّهُ تَسَبَّبَ عَنْ فِعْلٍ مَأْذُونٍ فِيهِ شَرْعًا، أَشْبَهَ مَنْ مَاتَ فِي الْحَدِّ (وَيَأْتِي نَحْوُهُ فِي بَابِ مَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ) إذَا أَكْرَهَ زَوْجَتَهُ عَلَى الْوَطْءِ دَفَعَتْهُ بِالْأَسْهَلِ، فَالْأَسْهَلُ، وَلَوْ أَفْضَى إلَى ذَهَابِ نَفْسِهِ (فَإِنْ خَافَ إفْسَادَ
стр. 369
صَلَاتِهِ بِتَكْرَارٍ دَفْعَهُ) بِأَنْ احْتَاجَ إلَى كَثِيرٍ (لَمْ يُكَرِّرهُ) أَيْ الدَّفْعُ، لِئَلَّا يُفْسِدَ صَلَاتَهُ (وَيَضْمَنُهُ) أَيْ يَضْمَنُ الْمُصَلِّي الْمَارَّ إنْ قَتَلَهُ (إذَنْ) أَيْ مَعَ خَوْفِ فَسَادِهَا (لِتَحْرِيمِ التَّكْرَارِ لِكَثْرَتِهِ) الَّتِي تُؤَدِّي إلَى إفْسَادِ الصَّلَاةِ الْمَشْرُوعِ إتْمَامُهَا، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ: سَوَاءً كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ فَمَرَّ دُونَهَا، أَوْ لَمْ تَكُنْ فَمَرَّ قَرِيبًا مِنْهُ.
(وَيَحْرُمُ مُرُورٌ بَيْنَ مُصَلٍّ وَسُتْرَتِهِ، وَلَوْ بَعُدَ عَنْهَا) لِمَا رَوَى أَبُو جَهْمٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الصِّمَّةِ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» قَالَ أَبُو النَّصْرِ أَحَدُ رُوَاتِهِ: لَا أَدْرِي قَالَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ شَهْرًا أَوْ سَنَةً مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِمُسْلِمٍ «لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي» (وَمَعَ عَدَمِهَا) أَيْ السُّتْرَةُ بِأَنْ كَانَ يُصَلِّي إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ (يَحْرُمُ) الْمُرُورُ (بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذَارِعِ الْيَدِ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لَأَنْ يَقِفَ أَحَدُكُمْ مِائَةَ عَامٍ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْ أَخِيهِ وَهُوَ يُصَلِّي.
(وَفِي الْمُسْتَوْعَبِ: إنْ احْتَاجَ) الْمَارُّ (إلَى الْمُرُورِ أَلْقَى شَيْئًا) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي يَكُونُ سُتْرَةٌ لَهُ (ثُمَّ مَرَّ) مِنْ وَرَائِهِ (انْتَهَى) .
فَيَكُونُ مُرُورهُ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ (فَإِنْ مَرَّ) الْمَارُّ (بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَهَلْ) يُسَنُّ (لَهُمْ رَدُّهُ، وَهَلْ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) الْمُرُورِ؟ (احْتِمَالَانِ، وَصَاحِبُ الْفُرُوعِ يَمِيلُ إلَى أَنَّ لَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (رَدَّهُ، وَأَنَّهُ يَأْثَمُ بِذَلِكَ) لِعُمُومِ مَا سَبَقَ، وَعَلَى هَذَا: فَسُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى عَدَمِ قَطْعِ صَلَاتِهِمْ بِمُرُورِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ فَقَطْ (كَذَا ذَكَرَهُ عَنْهُ) الْقَاضِي أَحْمَدُ مُحِبُّ الدِّينِ بْنُ نَصْرِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيُّ (فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ وَلَيْسَ وُقُوفُهُ) بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي (كَمُرُورِهِ) لِظَاهِرِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَخْبَارِ قُلْتُ وَكَذَا تَنَاوُلُهُ شَيْئًا مِنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (عَدُّ التَّسْبِيحِ) بِأَصَابِعِهِ (وَ) لَهُ عَدُّ (الْآيِ بِأَصَابِعِهِ بِلَا كَرَاهَةٍ فِيهِمَا) لِمَا رَوَى أَنَسٌ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ «يَعْقِدُ الْآيَ بِأَصَابِعِهِ» رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَلَفٍ وَعَدَّ التَّسْبِيحَ فِي مَعْنَى عَدِّ الْآيِ وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ فِي عَدِّ التَّسْبِيحِ لِأَنَّهُ يَتَوَالَى لِقِصَرِهِ فَيَتَوَالَى حِسَابُهُ فَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِخِلَافِ عَدِّ الْآي (ك) عَدِّ (تَكْبِيرَاتِ الْعِيدِ) وَصَلَاةُ الِاسْتِسْقَاءِ فَيُبَاحُ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (قَتْلُ حَيَّةٍ وَعَقْرَبٍ) لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «أَمَرَ بِقَتْلِ الْأَسْوَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ: الْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ» رَوَاهُ الْخَمْسَةُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ (وَ) لَهُ قَتْلُ (قَمْلَةٍ) لِأَنَّ عُمَرَ وَأَنَسًا وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَلِأَنَّ فِي تَرْكِهَا أَذَى لَهُ إنْ تَرَكَهَا
стр. 370
عَلَى جَسَدهِ، وَلِغَيْرِهِ إنْ أَلْقَاهَا، وَهُوَ عَمَلٌ يَسِيرٌ فَلَمْ يُكْرَه وَقَالَ الْقَاضِي التَّغَافُلُ عَنْهَا أَوْلَى وَفِي مَعْنَاهَا الْبُرْغُوثُ.
(وَ) لَهُ (لُبْسُ ثَوْبٍ وَعِمَامَةٍ وَلَفُّهَا، وَحَمْلُ شَيْءٍ وَوَضْعُهُ) لِمَا رَوَى وَائِلُ بْنُ حَجَرٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ الْتَحَفَ بِإِزَارِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ» وَتَقَدَّمَ حَمْلُهُ ﷺ أُمَامَةَ وَكَذَا إنْ سَقَطَ رِدَاؤُهُ فَلَهُ رَفْعُهُ وَلِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ (وَ) لَهُ (إشَارَةٌ بِيَدٍ وَوَجْهٍ وَعَيْنٍ) لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَأَبُو دَاوُد وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ (وَنَحْوِهِ) أَيْ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَعْمَالِ الْيَسِيرَةِ، كَحَكِّ جَسَدِهِ يَسِيرًا (لِحَاجَةٍ) لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ أَشْبَهَ حَمْلَ أُمَامَةَ وَفَتْحَ الْبَابِ لِعَائِشَةَ.
(وَإِلَّا) يَكُنْ لِحَاجَةٍ (كُرِهَ) لِأَنَّهُ عَبَثٌ (مَا لَمْ يَطُلْ) قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: رَاجِعٌ إلَى قَوْلِهِ: وَلَهُ رَدُّ الْمَارِّ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى آخِرِهِ (وَلَا يَتَقَدَّرُ الْيَسِيرُ بِثَلَاثٍ وَلَا) بِ (غَيْرِهَا مِنْ الْعَدَدِ، بَلْ) الْيَسِيرُ مَا عَدَّهُ (الْعُرْفُ) يَسِيرًا لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيفَ فِيهِ فَيَرْجِعُ لِلْعُرْفِ كَالْقَبْضِ وَالْحِرْزِ (وَمَا شَابَهَ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ) فِي حَمْلِ أُمَامَةَ وَفَتْحِهِ الْبَابَ لِعَائِشَةَ وَتَأَخُّرِهِ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ وَتَقَدُّمِهِ (فَهُوَ يَسِيرٌ) لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِمِثْلِهِ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ.
(وَإِنْ قَتَلَ الْقَمْلَةَ فِي الْمَسْجِدِ أُبِيحَ دَفْنُهَا فِيهِ إنْ كَانَ) الْمَسْجِدُ (تُرَابًا وَنَحْوَهُ) كَالْحَصَى وَالرَّمْلِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ وَهِيَ طَاهِرَةٌ، عَلَى مَا تَقَدَّمَ قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَظَاهِرُهُ: أَنَّهُ يُبَاحُ قَتْلُهَا فِيهِ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، وَعَلَيْهِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَيَدْفِنَهَا قِيلَ لِلْقَاضِي: يُكْرَهُ قَتْلُهَا وَدَفْنُهَا فِيهِ كَالنُّخَامَةِ؟ فَقَالَ دَفْنُ النُّخَامَةِ كَفَّارَةٌ لَهَا فَإِذَا دَفَنَهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَتَنَخَّمْ، فَكَذَا الْقَمْلَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَعْمَاقَهُ تَجِبُ صِيَانَتُهَا عَنْ النَّجَاسَةِ كَظَاهِرِهِ بِخِلَافِهَا انْتَهَى وَهَذَا النَّظَرُ إنَّمَا يَتِمُّ عَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَةٍ مَيْتَةٍ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً وَالْمَذْهَبُ طَهَارَتُهَا فَلَا يَتَأَتَّى التَّنْظِيرُ (فَإِنْ طَالَ عُرْفًا) مَا (فَعَلَ فِيهَا) أَيْ فِي الصَّلَاةِ، وَكَانَ ذَلِكَ الْفِعْلُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا غَيْرِ مُتَفَرِّقٍ، أَبْطَلَهَا) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا) أَوْ جَهْلًا لِأَنَّهُ يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ، وَيَمْنَعُ مُتَابَعَةَ الْأَرْكَانِ وَيُذْهِبُ الْخُشُوعَ فِيهَا وَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا وَكُلُّ ذَلِكَ مُنَافٍ لَهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ قَطَعَهَا (مَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً) .
فَإِنْ كَانَتْ (كَحَالَةِ خَوْفٍ وَهَرَبٍ مِنْ عَدُوٍّ وَنَحْوِهِ) كَسَيْلٍ وَسَبُعٍ وَنَارٍ لَمْ تَبْطُلْ إلْحَاقًا لَهُ بِالْخَائِفِ (وَعَدَّ) أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ الضَّرُورَةِ: (إذَا كَانَ بِهِ حَكٌّ لَا يَصْبِرُ عَنْهُ) وَعُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ: أَنَّ الْعَمَلَ الْمُتَفَرِّقَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ ﷺ «أَمَّ النَّاسَ
стр. 371
فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ إذَا قَامَ حَمَلَ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ وَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِلْبُخَارِيِّ نَحْوُهُ.
«صَلَّى ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ وَتَكَرَّرَ صُعُودُهُ وَنُزُولُهُ عَنْهُ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِشَارَةُ أَخْرَسَ مَفْهُومَةٌ أَوْ لَا كَعَمَلٍ أَيْ كَفِعْلِهِ دُونَ قَوْلِهِ لِأَنَّهَا فِعْلٌ لَا قَوْلٌ، فَلَا تَبْطُلُ بِهَا الصَّلَاةُ إلَّا إذَا كَثُرَتْ عُرْفًا وَتَوَالَتْ.
(وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِعَمَلِ الْقَلْبِ، وَلَوْ طَالَ) لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِهِ (وَلَا بِإِطَالَةِ نَظَرٍ) إلَى شَيْءٍ (مِنْ كِتَابٍ) أَوْ غَيْرِهِ حَتَّى (إذَا قَرَأَ) مَا فِيهِ (بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَنْطِقْ بِلِسَانِهِ) رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ فَعَلَهُ (مَعَ كَرَاهَتِهِ) لِلْخِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ، وَلِأَنَّهُ يُذْهِبُ الْخُشُوعَ (وَلَا أَثَرَ لِعَمَلِ غَيْرِهِ) أَيْ الْمُصَلِّي (كَمَنْ مَصّ وَلَدُهَا) أَوْ وَلَدُ غَيْرِهَا (ثَدْيَهَا) وَهِيَ تُصَلِّي (فَنَزَلَ لَبَنُهَا) وَلَوْ كَانَ كَثِيرًا فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهَا، لِعَدَمِ الْمُنَافِي.
(وَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي) قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ وَقَدَّمَهُ فِي الرِّعَايَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا غَلِطَ فَرَدَّ بِالْكَلَامِ (وَالْمَذْهَبُ: لَا) يُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَى الْمُصَلِّي نَصَّ عَلَيْهِ وَفَعَلَهُ ابْنُ عُمَرَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً﴾ [النور: ٦١] أَيْ أَهْلِ دِينِكُمْ وَلِأَنَّهُ ﷺ حِين سَلَّمَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (رَدُّهُ) أَيْ السَّلَامِ (بِإِشَارَةٍ) رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «كَانَ يُشِيرُ فِي صَلَاتِهِ» وَكَذَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَسٍ.
وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهُ إشَارَةً وَإِنْ رَدَّهُ عَلَيْهِ بَعْدَ السَّلَامِ فَحَسَنٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَا يَرُدُّهُ فِي نَفْسِهِ بَلْ يُسْتَحَبُّ بَعْدَهَا لِرَدِّهِ ﷺ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ بَعْدَ السَّلَامِ (فَإِنْ رَدَّهُ) أَيْ رَدَّ الْمُصَلِّي السَّلَامَ (لَفْظًا بَطَلَتْ) الصَّلَاةُ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ أَشْبَهَ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ.
(وَلَوْ صَافَحَ) الْمُصَلِّي (إنْسَانًا يُرِيدُ السَّلَامَ عَلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ يَسِيرٌ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ كَلَامٌ (وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (أَنْ يَفْتَحَ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَتَخْفِيف الْجِيم كَأَنَّهُ مُنِعَ مِنْ الْقِرَاءَةِ، مِنْ أَرَتَجْتُ الْبَابَ إرْتَاجًا، أَغْلَقْتُهُ إغْلَاقًا وَثِيقًا (عَلَيْهِ) أَيْ الْإِمَامِ (أَوْ غَلِطَ) فِي قِرَاءَةِ السُّورَةِ، فَرْضًا كَانَتْ الصَّلَاةُ أَوْ نَفْلًا.
رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ «أَنَّهُ ﷺ صَلَّى صَلَاةً فَلُبِسَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَصَلَّيْتَ مَعَنَا؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا مَنَعَكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ الْخَطَّابِيَّ: إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَلِأَنَّ ذَلِكَ تَنْبِيهٌ فِي الصَّلَاةِ بِمَا هُوَ مَشْرُوعٌ
стр. 372
فِيهَا أَشْبَهَ التَّسْبِيحَ.
(وَيَجِبُ) الْفَتْحُ عَلَى إمَامِهِ إذَا أُرْتِجَ عَلَيْهِ أَوْ غَلِطَ (فِي الْفَاتِحَةِ) لِتَوَقُّفِ صِحَّةُ صَلَاتِهِ عَلَى ذَلِكَ (كَ) مَا يَجِبُ تَنْبِيهُهُ عِنْدَ (نِسْيَانِ سَجْدَةٍ وَنَحْوِهَا) مِنْ الْأَرْكَانِ (وَإِنْ عَجَزَ الْمُصَلِّي عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ بِالْإِرْتَاجِ عَلَيْهِ، فَكَالْعَاجِزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ، يَأْتِي بِمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَسْقُطُ عَنْهُ مَا عَجَزَ عَنْهُ وَلَا يُعِيدُهَا) كَالْأُمِّيِّ (فَإِنْ كَانَ) مَنْ عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ (إمَامًا صَحَّتْ صَلَاةُ الْأُمِّيِّ خَلْفَهُ) لِمُسَاوَاتِهِ لَهُ (وَالْقَارِئُ يُفَارِقُهُ) لِلْعُذْرِ (وَيُتِمُّ لِنَفْسِهِ) لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ ائْتِمَامُ الْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ، هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَقِيلٍ.
وَقَالَ الْمُوَفَّقُ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الصَّلَاةِ بِقِرَاءَتِهَا فَلَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» .
وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ هَذَا عَلَى الْأُمِّيِّ لِأَنَّ الْأُمِّيَّ لَوْ قَدَرَ عَلَى تَعَلُّمِهَا قَبْلَ خُرُوجِ الْوَقْتِ، لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ بِدُونِهَا وَهَذَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيَسْأَلَ عَمَّا وَقَفَ فِيهِ وَيُصَلِّي وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُهُ عَلَى أَرْكَانِ الْأَفْعَالِ لِأَنَّ خُرُوجَهُ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُزِيلُ عَجْزَهُ مِنْهَا، بِخِلَافِ هَذَا (وَإِنْ اسْتَخْلَفَ الْإِمَامُ) الَّذِي عَجَزَ عَنْ إتْمَامِ الْفَاتِحَةِ فِي أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ (مَنْ يُتِمّ بِهِمْ) صَلَاتهمْ (وَصَلَّى مَعَهُ، جَازَ) ذَلِكَ لِأَنَّهُ مَحَلُّ ضَرُورَةٍ وَكَذَا لَوْ عَجَزَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ عَنْ رُكْنٍ يَمْنَعُ الِائْتِمَامَ بِهِ كَالرُّكُوعِ فَإِنَّهُ يَسْتَخْلِفُ مِنْ يُتِمُّ بِهِمْ، وَكَذَا لَوْ حُصِرَ عَنْ قَوْلٍ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَتَقَدَّمَ فِي النِّيَّةِ (وَلَا يَفْتَحُ) الْمُصَلِّي (عَلَى غَيْرِ إمَامِهِ) مُصَلِّيًا كَانَ أَوْ غَيْرُهُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ.
(فَإِنْ فَعَلَ كُرِهَ) لِمَا مَرَّ (وَلَمْ تَبْطُلْ) الصَّلَاةُ بِهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِيهَا (وَيُكْرَه لِعَاطِسٍ الْحَمْدُ بِلَفْظِهِ) أَيْ أَنْ يَتَلَفَّظُ بِالْحَمْدِ لِلْخِلَافِ فِي كَوْنِهِ مُبْطِلًا لِلصَّلَاةِ (وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ) لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ مَشْرُوعٌ فِيهَا فِي الْجُمْلَةِ (وَيَحْمَدُ) الْعَاطِسُ (فِي نَفْسِهِ) نَقَلَ أَبُو دَاوُد يَحْمَدُ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ لِسَانَهُ وَنَقَلَ صَالِحٌ لَا يُعْجِبُنِي صَوْتُهُ بِهَا (وَمَنْ دَعَاهُ النَّبِيُّ ﷺ وَجَبَتْ عَلَيْهِ إجَابَتُهُ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] (وَتَبْطُلُ) أَيْ الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِلنَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ خِطَابُ آدَمِيٍّ.
(وَيُجِيبُ) الْمُصَلِّي (وَالِدَيْهِ فِي نَفْلٍ فَقَطْ) لِتَقَدُّمِ حَقِّهِمَا وَبِرِّهِمَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْفَرْضِ (وَتَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِجَوَابِهِ لِأَبَوَيْهِ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَيَجُوزُ إخْرَاجُ الزَّوْجَةِ مِنْ النَّفْلِ لِحَقِّ الزَّوْجِ) لِأَنَّهُ
стр. 373
وَاجِبٌ، فَيُقَدَّمُ عَلَى النَّفْلِ بِخِلَافِ الْفَرْضِ وَكَذَا حُكْمُ الْقِنِّ (فَإِنْ قَرَأَ آيَةً فِيهَا ذِكْرُهُ ﷺ ) نَحْو مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى عَلَيْهِ) ﷺ اسْتِحْبَابًا لِتَأَكُّدِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ كُلَّمَا ذُكِرَ اسْمُهُ (فِي نَفْلٍ نَصَّ عَلَيْهِ فَقَطْ) قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَأَطْلَقَهُ بَعْضُهُمْ (وَلَا يَبْطُلُ الْفَرْضُ بِهِ) أَيْ بِأَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَوْلٌ مَشْرُوعٌ فِي الصَّلَاةِ.
(وَيَجِبُ رَدُّ كَافِرٍ مَعْصُومٍ) بِذِمَّةٍ أَوْ هُدْنَةٍ أَوْ أَمَانٍ (عَنْ بِئْرٍ وَنَحْوِهِ) كَحَيَّةٍ تَقْصِدُهُ (كَ) رَدِّ (مُسْلِمٍ) عَنْ ذَلِكَ بِجَامِعِ الْعِصْمَةِ (وَ) يَجِبُ (إنْقَاذُ غَرِيقٍ وَنَحْوِهِ) كَحَرِيقٍ (فَيَقْطَعُ الصَّلَاةَ لِذَلِكَ) فَرْضًا كَانَتْ أَوْ نَفْلًا، وَظَاهِرُهُ: وَلَوْ ضَاقَ وَقْتُهَا، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ تَدَارُكُهَا بِالْقَضَاءِ، بِخِلَافِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ (فَإِنْ أَبَى قَطْعَهَا) أَيْ الصَّلَاةَ لِإِنْقَاذِ الْغَرِيقِ وَنَحْوِهِ أَثِمَ وَ (صَحَّتْ) صَلَاتُهُ كَالصَّلَاةِ فِي عِمَامَةِ حَرِيرٍ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (إنْ فَرَّ مِنْهُ غَرِيمُهُ أَوْ سُرِقَ مَتَاعُهُ أَوْ نَدَّ بَعِيرُهُ وَنَحْوه) كَمَا لَوْ أَبِقَ عَبْدُهُ (الْخُرُوجُ فِي طَلَبِهِ) لِمَا فِي التَّأْخِيرِ مِنْ لُحُوقِ الضَّرَرِ لَهُ (وَإِنْ نَابَهُ) أَيْ أَصَابَهُ (شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ مِثْل سَهْوِ إمَامِهِ أَوْ اسْتِئْذَانِ إنْسَانٍ عَلَيْهِ: سَبَّحَ رَجُلٌ وَلَا يَضُرُّ) أَيْ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالتَّسْبِيحِ (وَلَوْ كَثُرَ) لِأَنَّهُ قَوْلٌ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
(وَكَذَا لَوْ كَلَّمَهُ إنْسَانٌ بِشَيْءٍ فَسَبَّحَ) الْمُصَلِّي (لِيُعْلِمَ) الْمُكَلِّمُ لَهُ (أَنَّهُ فِي صَلَاةٍ أَوْ خَشِيَ) الْمُصَلِّي (عَلَى إنْسَانٍ الْوُقُوعَ فِي شَيْءٍ، أَوْ أَنْ يُتْلِفَ شَيْئًا فَسَبَّحَ بِهِ لِيَتْرُكَهُ، أَوْ تَرَكَ إمَامُهُ ذِكْرًا فَرَفَعَ) الْمَأْمُومُ (صَوْتَهُ بِهِ لِيُذَكِّرَهُ وَنَحْوَهُ) لِمَا رَوَى سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي صَلَاتِكُمْ فَلْتُسَبِّحْ الرِّجَالُ، وَلْتُصَفِّقْ النِّسَاءُ» مُتَّفَق عَلَيْهِ.
وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ «كُنْتُ إذَا اسْتَأْذَنْتُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ سَبَّحَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ أَذِنَ» (وَيُبَاحُ) التَّنْبِيهُ (بِقِرَاءَةٍ وَتَكْبِيرٍ وَتَهْلِيلٍ وَنَحْوه) كَتَحْمِيدٍ وَاسْتِغْفَارٍ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ.
(وَيُكْرَهُ) التَّنْبِيهُ (بِنَحْنَحَةٍ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهَا.
(وَ) يُكْرَهُ (بِصَفِيرٍ كَتَصْفِيقِهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥] (وَتَسْبِيحُهَا) أَيْ وَيُكْرَهُ التَّنْبِيهُ مِنْ الْمَرْأَةِ بِالتَّسْبِيحِ لِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ «قَالَ ﷺ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ» .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ، مُتَّفَق عَلَيْهِمَا (وَصَفَّقَتْ امْرَأَةٌ بِبَطْنِ كَفِّهَا عَلَى ظَهْرِ الْأُخْرَى) مَعْطُوف عَلَى سَبَّحَ رَجُلٌ وَتَقَدَّمَ دَلِيلُهُ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَظَاهِرُ ذَلِكَ لَا تَبْطُلُ بِتَصْفِيقِهَا عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ،
стр. 374
وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَتَبْطُلُ بِهِ لِمُنَافَاتِهِ لِلصَّلَاةِ، وِفَاقًا لِلشَّافِعِيِّ، وَالْخُنْثَى كَامْرَأَةٍ (وَإِنْ كَثُرَ) التَّصْفِيقُ (أَبْطَلَهَا) لِأَنَّهُ عَمَلٌ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ، فَأَبْطَلَهَا كَثِيرُهُ، عَمْدًا كَانَ أَوْ سَهْوًا (وَلَوْ عَطَسَ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ لَسَعَهُ شَيْءٌ) مِنْ حَيَّةٍ أَوْ عَقْرَبٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (فَقَالَ: بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ سَمِعَ) مَا يَغُمُّهُ (أَوْ رَأَى مَا يَغُمُّهُ، فَقَالَ: إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ) أَوْ سَمِعَ (أَوْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، أَوْ قِيلَ لَهُ: وُلِدَ لَك غُلَامٌ فَقَالَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ، أَوْ احْتَرَقَ دُكَّانُهُ وَنَحْوه فَقَالَ: لَا حَوَلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ كُرِهَ) لِلِاخْتِلَافِ فِي إبْطَالِهِ الصَّلَاةَ (وَصَحَّتْ) لِلْأَخْبَارِ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ.
(وَكَذَا لَوْ خَاطَبَ بِشَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ كَأَنْ يُسْتَأْذَنُ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ: اُدْخُلُوهَا بِسَلَامٍ) آمِنِينَ (أَوْ يَقُولُ لِمَنْ اسْمُهُ يَحْيَى ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] لِمَا رَوَى الْخَلَّالُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ قَالَ اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] فَقُلْنَا: كَيْف صَنَعْتَ؟ فَقَالَ: اسْتَأْذَنَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ يُصَلِّي فَقَالَ: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: ٩٩] وَلِأَنَّهُ قُرْآنٌ فَلَمْ تَفْسُدْ بِهِ الصَّلَاةُ، كَمَا لَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّنْبِيهَ وَقَالَ الْقَاضِي إذَا قَصَدَ بِالْحَمْدِ الذِّكْرَ أَوْ الْقُرْآنَ لَمْ تَبْطُلْ، وَإِنْ قَصَدَ خِطَابَ آدَمِيٍّ بَطَلَتْ وَإِنْ قَصَدَهُمَا فَوَجْهَانِ فَأَمَّا إنْ أَتَى بِمَا لَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ مِنْ غَيْرِهِ كَقَوْلِهِ لِرَجُلٍ اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ يَا إبْرَاهِيمُ وَنَحْوه فَسَدَتْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ هَذَا كَلَامُ النَّاسِ وَلَمْ يَتَمَيَّزْ عَنْ كَلَامِهِمْ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ الْقُرْآنُ أَشْبَهَ مَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ كَلِمَاتٍ مُفَرَّقَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ فَقَالَ: يَا إبْرَاهِيمُ خُذْ الْكِتَابَ الْكَبِيرَ.
(وَإِنْ بَدَرَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (مُخَاطٌ أَوْ بُزَاقٌ) وَيُقَالُ: بِالسِّينِ وَالصَّادِ أَيْضًا (وَنَحْوه) كَنُخَامَةٍ (فِي الْمَسْجِدِ بَصَقَ فِي ثَوْبِهِ وَ) حَكَّ بَعْضُهُ بِبَعْضِ، إذْهَابًا لِصُورَتِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَإِنَّهُ يُنَاجِي رَبَّهُ، فَلَا يَبْزُقَنَّ قِبَلَ قِبْلَتِهِ لَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، ثُمَّ أَخَذَ طَرَفَ رِدَائِهِ فَبَزَقَ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَلِمُسْلِمٍ مَعْنَاهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ الْمَسْجِدِ عَنْ الْبُصَاقِ فِيهِ وَيَبْصُقُ وَنَحْوه (فِي غَيْرِهِ عَنْ يَسَارِهِ، وَتَحْتَ قَدَمِهِ) وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ: عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ وَلَعَلَّ فِيهِ سَقْطُ الْوَاوِ، أَوْ لِيُوَافِقَ الْخَبَرَ وَكَلَامَ الْأَصْحَابِ
стр. 375
(الْيُسْرَى) لِأَنَّ بَعْضَ الْأَحَادِيثِ مُقَيَّدٌ بِذَلِكَ وَالْمُطَلَّقِ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَإِكْرَامًا لِلْقَدَمِ الْيُمْنَى (لِلْحَدِيثِ الصَّحِيح) وَتَقَدَّمَ.
(وَ) بَصْقُهُ (فِي ثَوْبِهِ أَوْلَى، إنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ) قَالَ فِي الْوَجِيزِ: يَبْصُقُ فِي الصَّلَاةِ، أَوْ الْمَسْجِدِ فِي ثَوْبِهِ وَفِي غَيْرِهِمَا يَسْرَةً وَفِيهِ نَظَرٌ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَيُكْرَهُ) بَصْقُهُ وَنَحْوه (أَمَامَهُ وَعَنْ يَمِينِهِ) لِخَبَرِ أَبِي هُرَيْرَةَ «وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنَهَا» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَفَلَ تُجَاهَ الْقِبْلَةِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَتَفَلُهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ» وَيَلْزَمُ حَتَّى غَيْرُ بَاصِقٍ وَنَحْوه إزَالَةَ الْبُصَاقِ وَنَحْوه مِنْ الْمَسْجِدِ وَسُنَّ تَخْلِيقُ مَحَلِّهِ.
(وَتُسَنُّ صَلَاةُ غَيْرِ مَأْمُومٍ) إمَامًا كَانَ أَوْ مُنْفَرِدًا (إلَى سُتْرَةٍ) مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (وَلَوْ لَمْ يَخْشَ) الْمُصَلِّي (مَارًّا) حَضَرًا كَانَ أَوْ سَفَرًا، لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ يَرْفَعُهُ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُصَلِّ إلَى سُتْرَةٍ، وَلْيَدْنُ مِنْهَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِوَاجِبٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى فِي فَضَاءٍ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ شَيْءٌ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالسُّتْرَةُ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ (مِنْ جِدَارٍ أَوْ شَيْءٍ شَاخِصٍ كَحَرْبَةٍ أَوْ آدَمِيٍّ غَيْرِ كَافِرٍ) لِأَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِقْبَالُهُ كَمَا تَقَدَّمَ (أَوْ بَهِيمٍ) يَعْرِضُهُ، وَيُصَلِّي إلَيْهِ (أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ تُقَارِبُ طُولَ ذِرَاعٍ فَأَكْثَرَ) .
لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا وَضَعَ أَحَدُكُمْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلَ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، وَلَا يُبَالِي مَنْ يَمُرُّ وَرَاءَ ذَلِكَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ (فَأَمَّا قَدْرُهَا) أَيْ السُّتْرَةُ (فِي الْغِلَظِ فَلَا حَدَّ لَهُ فَقَدْ تَكُونُ غَلِيظَةً كَالْحَائِطِ أَوْ دَقِيقَةً كَالسَّهْمِ) لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى إلَى حَرْبَةٍ وَإِلَى بَعِيرٍ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (وَيُسْتَحَبُّ قُرْبُهُ مِنْهَا قَدْرَ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ مِنْ قَدَمَيْهِ) لِأَنَّهُ ﷺ «صَلَّى فِي الْكَعْبَةِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ الْجِدَارُ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَلِأَنَّهُ أَصْوَنُ لِصَلَاتِهِ، فَإِنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ قَرُبَ مِنْ الْجِدَارِ أَوْ السَّارِيَةِ نَحْو ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي الْفَضَاءِ فَإِلَى شَيْءٍ شَاخِصٍ مِمَّا سَبَقَ.
(وَ) يُسْتَحَبُّ (انْحِرَافُهُ عَنْهَا) أَيْ السُّتْرَةِ (يَسِيرًا) لِفِعْلِهِ ﷺ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَادِ بِإِسْنَادٍ لَيِّنٍ قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ لَكِنْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ، عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ شَاخِصًا) يُصَلِّي إلَيْهِ (وَتَعَذَّرَ غَرْزُ عَصًا وَنَحْوِهَا) كَسَهْمٍ وَحَرْبَةٍ وَضَعَهَا بِالْأَرْضِ، وَصَلَّى إلَيْهَا، قَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَيَكْفِي الْعَصَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَرْضًا لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْخَطِّ وَعَرْضًا أَيْ وَضْعَ الْعَصَا وَنَحْوِهَا (عَرْضًا أَعْجَبُ إلَى أَحْمَدَ مِنْ الطُّولِ) قَالَ أَحْمَدُ مَا كَانَ أَعْرَضَ فَهُوَ أَعْجَبُ إلَيَّ وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَمُرَةُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ .
قَالَ «اسْتَتِرُوا فِي الصَّلَاةِ وَلَوْ بِسَهْمٍ» رَوَاهُ الْأَثْرَمُ وَقَوْلُهُ وَلَوْ بِسَهْمٍ
стр. 376
يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ أَوْلَى مِنْهُ (وَيَكْفِي) فِي السُّتْرَةِ (خَيْطٌ وَنَحْوُهُ وَ) كُلُّ (مَا اُعْتُقِدَ سُتْرَةً فَإِنْ لَمْ يَجِدْ خَطَّ خَطًّا) نَصَّ عَلَيْهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ شَيْئًا، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَنْصِبْ عَصًا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ عَصًا فَلْيَخُطَّ خَطًّا، وَلَا يَضُرُّهُ مَا مَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ فِيهِ رَجُلًا مَجْهُولًا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: لَا بَأْسَ بِهِ فِي مِثْلِ هَذَا.
وَصِفَته كَالْهِلَالِ لَا طُولًا لَكِنْ قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَكَيْفَمَا خَطَّ أَجْزَأَهُ.
(وَلَا تُجْزِئُ سُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ) كَالصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ مَغْصُوبٍ (فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا) أَيْ السُّتْرَةُ الْمَغْصُوبَةُ (كَ) الصَّلَاةِ إلَى (الْقَبْرِ) أَيْ فَتُكْرَه لِأَنَّ السُّتْرَةَ الْمَغْصُوبَةَ كَالْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ، وَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالصَّلَاةِ إلَى الْقَبْرِ.
(وَتُجْزِئُ) سُتْرَةٌ (نَجِسَةٌ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: الصَّوَابُ أَنَّ النَّجِسَةَ لَيْسَتْ كَالْمَغْصُوبَةِ، وَقَالَ فِي الْمُبْدِعِ: وَسُتْرَةٌ مَغْصُوبَةٌ وَنَجِسَةٌ كَغَيْرِهَا قَدَّمَهُ فِي الْفُرُوعِ وَفِيهِ وَجْهٌ فَالصَّلَاةُ إلَيْهَا كَالْقَبْرِ قَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: وَعَلَى قِيَاسِهِ: سُتْرَةُ الذَّهَبِ (فَإِذَا مَرَّ شَيْءٌ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ لَمْ يُكْرَهُ) لِلْأَخْبَارِ السَّابِقَةِ.
(وَإِنْ مَرَّ بَيْنَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (وَبَيْنَهَا) أَيْ سُتْرَتِهِ كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ (أَوْ لَمْ تَكُنْ لَهُ سُتْرَةٌ فَمَرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ قَرِيبًا) مِنْهُ (كَقُرْبِهِ مِنْ السُّتْرَةِ) أَيْ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ مِنْ قَدَمَيْهِ (كَلْبٌ أَسْوَدُ بَهِيمٌ، وَهُوَ مَا لَا لَوْنَ فِيهِ سِوَى السَّوَادِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ مُؤَخِّرَةِ الرَّحْلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ «مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ، مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَمَا سَأَلْتَنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُمَا.
وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ (بِمُرُورِ امْرَأَةٍ) لِأَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ «مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ.
(وَ) لَا بِمُرُورِ (حِمَارٍ) لِمَا رَوَى الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ «أَتَانَا النَّبِيُّ ﷺ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ فَصَلَّى فِي الصَّحْرَاءِ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ، وَحِمَارٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ، فَمَا بَالَى ذَلِكَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.
وَ (لَا) بِمُرُورِ (بَغْلٍ وَشَيْطَانٍ وَسِنَّوْرٍ أَسْوَدَ وَلَا بِالْوُقُوفِ وَالْجُلُوسِ) وَلَوْ مِنْ كَلْبٍ أَسْوَدَ (قُدَّامَهُ) مِنْ غَيْرِ مُرُورٍ اقْتِصَارًا عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ.
(وَلَا يُسْتَحَبُّ لِمَأْمُومٍ اتِّخَاذُ سُتْرَةً) لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّي إلَى سُتْرَةٍ دُونَ أَصْحَابِهِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ اتَّخَذَ الْمَأْمُومُ سُتْرَةً (فَلَيْسَتْ سُتْرَةً لِأَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفُوا فِي سُتْرَةِ الْإِمَامِ
стр. 377
هَلْ هِيَ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ، أَوْ هِيَ سُتْرَةٌ لَهُ خَاصَّةً، وَهُوَ سُتْرَةً لِمَنْ خَلْفَهُ، مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُمَا مُصَلُّونَ إلَى سُتْرَةٍ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّ سُتْرَةَ الْإِمَامِ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِ سَوَاءٌ صَلَّى خَلْفَ الْإِمَامِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ، أَوْ عَنْ جَانِبَيْهِ أَوْ قُدَّامَهُ، حَيْثُ صَحَّتْ.
أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ نَصْرِ اللَّهِ فِي شَرْح الْفُرُوعِ (فَلَا يَضُرُّ صَلَاتَهُمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ (مُرُورُ شَيْءٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ «هَبَطْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ ثَنِيَّةٍ إلَى أُخْرَى فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ، فَعَمَدَ إلَى جِدَارٍ فَاتَّخَذَهُ قِبْلَةً وَنَحْنُ خَلْفَهُ فَجَاءَتْ بَهِيمَةٌ تَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا زَالَ يُدَارِيهَا حَتَّى لَصِقَ بَطْنُهُ بِالْجِدَارِ فَمَرَّتْ مِنْ وَرَائِهِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَوْلَا أَنَّ سُتْرَتَهُ سُتْرَةٌ لَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ مُرُورِهَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ فَرْقٌ.
(وَإِنْ مَرَّ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ) وَهُوَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ الْبَهِيمُ (بَيْنَ الْإِمَامِ وَسُتْرَتِهِ قَطَعَ صَلَاتَهُ وَصَلَاتَهُمْ) لِأَنَّهُ مَرَّ بَيْنهمْ وَبَيْنَ سُتْرَتِهِ قَالَ فِي الْمُبْدِع: فَظَاهِرُهُ: أَنَّ هَذَا فِيمَا يُبْطِلُهَا خَاصَّةً وَأَنَّ كَلَامَهُمْ فِي نَهْيِ الْآدَمِيِّ عَنْ الْمُرُورِ عَلَى ظَاهِرِهِ وَكَذَا الْمُصَلِّي لَا يَدَعُ شَيْئًا يَمُرُّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَقَالَ صَاحِبُ النَّظْمِ: لَمْ أَرَ أَحَدًا تَعَرَّضَ لِجَوَازِ مُرُورِ الْإِنْسَانِ بَيْنَ يَدَيْ الْمَأْمُومِينَ، فَيَحْتَمِلُ جَوَازَهُ اعْتِبَارًا بِسُتْرَةِ الْإِمَامِ لَهُ حُكْمًا وَيَحْتَمِلُ اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِعَدَمِ الْإِبْطَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْجَمِيعِ.
وَتَقَدَّمَ كَلَامُ ابْنِ نَصْرِ اللَّهِ.
(وَلَهُ) أَيْ الْمُصَلِّي (الْقِرَاءَةُ فِي الْمُصْحَفِ وَلَوْ حَافِظًا) لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ «أَنَّهَا كَانَ يَؤُمُّهَا غُلَامُهَا ذَكْوَانُ فِي الْمُصْحَفِ فِي رَمَضَانَ» رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الزُّهْرِيُّ كَانَ خِيَارُنَا يَقْرَءُونَ فِي الْمَصَاحِفِ وَالْفَرْضُ وَالنَّفَلُ سَوَاءٌ قَالَهُ ابْنُ حَامِدٍ (وَلَهُ السُّؤَالُ وَالتَّعَوُّذُ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ، عِنْدَ آيَةِ رَحْمَةٍ أَوْ عَذَابٍ) فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ رَوَى حُذَيْفَةُ قَالَ «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ بِالْبَقَرَةِ فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ ثُمَّ مَضَى إلَى أَنْ قَالَ إذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ» مُخْتَصَرٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّهُ دُعَاءٌ وَخَيْرٌ (حَتَّى مَأْمُومٌ نَصًّا وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ) نَقَلَ الْفَضْلُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَهُ مَأْمُومٌ وَيَخْفِضُ صَوْتَهُ.
تَتِمَّةٌ قَالَ أَحْمَدُ إذَا قَرَأَ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ [القيامة: ٤٠] فِي صَلَاةٍ وَغَيْرهَا قَالَ سُبْحَانَكَ فَبَلَى، فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ وَمَنَعَ مِنْهُ ابْنُ عَقِيلٍ فِيهِمَا.
стр. 378
فَائِدَةٌ: سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقِرَاءَةِ بِمَا فِيهِ دُعَاءٌ هَلْ يَحْصُلَانِ لَهُ؟ فَتَوَقَّفَ وَيَتَوَجَّهُ الْحُصُولُ لِخَبَرِ أَبِي ذَرٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ «إنَّ اللَّهَ خَتَمَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ بِآيَتَيْنِ أَعْطَانِيهِمَا مِنْ كَنْزِهِ الَّذِي تَحْتَ الْعَرْشِ، فَتَعَلَّمُوهُنَّ وَعَلِّمُوهُنَّ نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ فَإِنَّهُمَا صَلَاةٌ وَقُرْآنٌ وَدُعَاءٌ» رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيّ.
[فَصْل تَنْقَسِمُ أَقْوَالُ الصَّلَاةِ وَأَفْعَالُهَا إلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ]
ٍ الْأَوَّلُ: مَا لَا يَسْقُطُ عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ: فَرْضًا وَبَعْضُهُمْ يُسَمِّيهِ رُكْنًا تَشْبِيهًا لَهُ بِرُكْنِ الْبَيْتِ الَّذِي لَا يَقُومُ إلَّا بِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا تَتِمُّ إلَّا بِهِ، وَالْخُلْفُ لَفْظِيٌّ وَالضَّرْبُ الثَّانِي مَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهِ عَمْدًا لَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا وَيُجْبَرُ بِالسُّجُودِ وَأَطْلَقُوا عَلَيْهِ الْوَاجِبَاتِ اصْطِلَاحًا، الضَّرْبُ الثَّالِثُ مَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِهِ وَلَوْ عَمْدًا وَهُوَ السُّنَنُ وَقَدْ ذَكَرَهَا عَلَى هَذَا التَّرْتِيب، فَقَالَ: (أَرْكَانُ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ) لِلِاسْتِقْرَاءِ.
وَعَدَّهَا فِي الْمُقْنِعِ وَالْوَجِيزِ وَغَيْرِهِمَا اثْنَيْ عَشَرَ وَفِي الْبُلْغَةِ: عَشْرَة وَعَدَّ مِنْهَا النِّيَّةَ (وَهِيَ) أَيْ الْأَرْكَانُ جَمْعُ رُكْنٍ وَهُوَ جَانِبُ الشَّيْءِ الْأَقْوَى وَاصْطِلَاحًا (مَا كَانَ فِيهَا) احْتِرَاز عَنْ الشَّرْطِ (وَلَا يَسْقُط عَمْدًا) خَرَجَ بِهِ السُّنَنُ (وَلَا سَهْوًا وَلَا جَهْلًا) خَرَجَ بِهِ الْوَاجِبَاتُ أَحَدُ الْأَرْكَانِ: (الْقِيَامُ فِي فَرْضٍ لِقَادِرٍ) عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨] وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ «صَلِّ قَائِمًا سِوَى عُرْيَانٍ» لِمَا تَقَدَّمَ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ (وَ) سِوَى (خَائِفٍ بِهِ) أَيْ بِالْقِيَامِ، كَالْمُصَلِّي بِمَكَانٍ لَهُ حَائِطٌ يَسْتُرُهُ جَالِسًا لَا قَائِمًا وَيَخَافُ بِقِيَامِهِ لِصًّا أَوْ عَدُوًّا فَيُصَلِّي جَالِسًا لِلْعُذْرِ (وَلِمُدَاوَاةٍ) لِمَرِيضٍ يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ لَكِنْ لَا تُمْكِنُ مُدَاوَاتُهُ مَعَ قِيَامِهِ فَيَسْقُطُ عَنْهُ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ أَهْلِ الْأَعْذَارِ: لِمَرِيضٍ يُطِيقُ قِيَامًا الصَّلَاةَ مُسْتَلْقِيًا لِمُدَاوَاةٍ، بِقَوْلِ طَبِيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ (وَقِصَرِ سَقْفٍ لِعَاجِزٍ عَنْ الْخُرُوجِ) لِحَبْسٍ، أَوْ تَوَكُّلٍ بِهِ وَنَحْوِهِ (وَمَأْمُومٍ خَلْفَ إمَامِ الْحَيِّ الْعَاجِزِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقِيَامِ (بِشَرْطِهِ) .
وَهُوَ أَنْ يُرْجَى زَوَالُ عِلَّتِهِ وَيَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ مُفَصَّلًا (وَحَدُّهُ) أَيْ الْقِيَامُ (مَا لَمْ يَصِرْ رَاكِعًا) قَالَهُ
стр. 379
أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ (وَلَا يَضُرُّ خَفْضُ الرَّأْسِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِطْرَاقِ) لِأَنَّهُ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يُسَمَّى قَائِمًا (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْقِيَامِ (الِانْتِصَابُ بِقَدْرِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِيمَا بَعْدَهَا) أَيْ بَعْدَ الرَّكْعَةِ الْأُولَى (بِقَدْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فَقَطْ) لِمَا تَقَدَّمَ: أَنَّ مَنْ عَجَزَ عَنْ الْقِرَاءَةِ وَبَدَلهَا مِنْ الذِّكْرِ وَقَفَ بِقَدْرِهَا وَفِي الْخِلَافِ وَالِانْتِصَارِ بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ، بِدَلِيلِ إدْرَاكِ الْمَسْبُوقِ فَرْضَ الْقِيَامِ بِذَلِكَ وَرَدَّهُ فِي شَرْحِ الْفُرُوعِ، بِأَنَّ ذَلِكَ رُخْصَةٌ فِي حَقِّ الْمَسْبُوقِ خَاصَّةً، لِإِدْرَاكِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ.
(وَإِنْ أَدْرَكَ) الْمَأْمُومُ (الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ ف) الرُّكْنُ مِنْ الْقِيَامِ (بِقَدْرِ التَّحْرِيمَةِ) لِمَا تَقَدَّمَ (وَلَوْ وَقَفَ غَيْرَ مَعْذُورٍ عَلَى إحْدَى رِجْلَيْهِ كُرِهَ وَأَجْزَأَهُ فِي ظَاهِرِ كَلَامِ الْأَكْثَرِ) خِلَافًا لِابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ لَمْ يُجْزِئْهُ وَنَقَلَ خَطَّابُ بْنُ بِشْرٍ لَا أَدْرِي وَمَا قَامَ مَقَامَ الْقِيَامِ، (وَهُوَ الْقُعُودُ وَنَحْوُهُ) كَالِاضْطِجَاعِ (لِلْعَاجِزِ) عَنْ الْقِيَامِ أَوْ عَنْهُ وَعَنْ الْقُعُودِ (وَ) كَالْقُعُودِ فِي حَقِّ (الْمُتَنَفِّلِ فَهُوَ رُكْنٌ فِي حَقِّهِ) لِقِيَامِهِ مَقَامَ الرُّكْنِ.
(وَ) الثَّانِي (تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ) لِحَدِيثِ: «تَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ» (وَلَيْسَتْ) تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (بِشَرْطٍ) حَتَّى تَكُونَ مِنْ خَارِجِ الصَّلَاةِ، خِلَافًا لِلْحَنَفِيَّةِ (بَلْ هِيَ مِنْ الصَّلَاةِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رَوَاهُ مُسْلِم.
(وَ) الثَّالِثُ (قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى الْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ وَكَذَا عَلَى الْمَأْمُومِ) لِحَدِيثِ «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» (لَكِنْ يَتَحَمَّلُهَا الْإِمَامُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمَأْمُومِ لِلْخَبَرِ قَالَ ابْنُ قُنْدُسٍ: الَّذِي يَظْهَر أَنَّ قِرَاءَةَ الْإِمَامِ إنَّمَا تَقُومُ عَنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ: إذَا كَانَتْ صَلَاةُ الْإِمَامِ صَحِيحَةً، احْتِرَازًا عَنْ الْإِمَامِ إذَا كَانَ مُحْدِثًا أَوْ نَجِسًا وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ وَقُلْنَا: بِصِحَّةِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ لِعَدَمِ صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ فَتَكُونُ قِرَاءَتُهُ غَيْرَ مُعْتَبَرَةٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى رُكْنِ الصَّلَاةِ فَلَا تَسْقُطُ عَنْ الْمَأْمُومِ وَهَذَا ظَاهِرٌ، لَكِنْ لَمْ أَجِدْ مِنْ أَعْيَانِ مَشَايِخِ الْمَذْهَبِ مَنْ اسْتَثْنَاهُ نَعَمْ وَجَدْتُهُ فِي بَعْضِ كَلَامِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى وَظَاهِرُ كَلَامِ الْأَشْيَاخِ وَالْأَخْبَارِ: خِلَافُهُ لِلْمَشَقَّةِ.
(وَ) الرَّابِعُ (الرُّكُوعُ) إجْمَاعًا وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ [الحج: ٧٧] وَحَدِيثُ الْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى، ثُمَّ جَاءَ فَسَلَّمَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَرَدَّ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا
стр. 380
أُحْسِنُ غَيْرَهُ فَعَلِّمْنِي فَقَالَ: إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَكَبِّرْ، ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَك مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلِّهَا» رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ، وَلِمُسْلِمٍ وَعَزَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ إلَى الْبُخَارِيِّ «إذَا قُمْتَ إلَى الصَّلَاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ» فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسَمَّاةَ فِي الْحَدِيثِ لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ، فَإِنَّهَا لَوْ سَقَطَتْ لَسَقَطَتْ عَنْ الْأَعْرَابِيّ لِجَهْلِهِ بِهَا (إلَّا) الرُّكُوعَ (بَعْدَ) رُكُوعٍ (أَوَّلٍ فِي) صَلَاةِ (كُسُوفٍ) فَسُنَّةٌ وَكَذَا الرَّفْعُ مِنْهُ وَالِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ (وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ.
(وَ) الْخَامِسُ (الِاعْتِدَالُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الرُّكُوعِ رُكْنٌ، لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ «لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا» وَلِأَنَّهُ ﷺ دَاوَمَ عَلَيْهِ وَقَالَ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» (فَدَخَلَ فِيهِ) أَيْ فِي الِاعْتِدَالِ عَنْ الرُّكُوعِ (الرَّفْعُ مِنْهُ) لِاسْتِلْزَامِهِ لَهُ هَكَذَا فَعَلَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ وَفَرَّقَ فِي الْفُرُوعِ وَالْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِمَا بَيْنَهُمَا فَعَدُّوا كُلًّا مِنْهُمَا رُكْنًا، لِتَحَقُّقِ الْخِلَافِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا (وَتَقَدُّمُ الْمُجْزِئِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الِاعْتِدَالِ فِي قَوْلِهِ فِيمَا سَبَقَ: فَإِذَا اسْتَوَى قَائِمًا وَتَقَدَّمَ حَدُّ الْقِيَامِ (وَلَوْ طَوَّلَ الِاعْتِدَالَ لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَسَنٍ الْأَنْمَاطِيُّ: رَأَيْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يُطِيلُ الِاعْتِدَالَ وَالْجُلُوسَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، لِحَدِيثِ الْبَرَاءِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
(وَ) السَّادِسُ (السُّجُودُ) إجْمَاعًا (وَ) السَّابِعُ (الِاعْتِدَالُ عَنْهُ) يَعْنِي الرَّفْعَ مِنْهُ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ) لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ «إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لَمْ يَسْجُدْ حَتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِدًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَوْ أَسْقَطَ مَا قَبْلَ هَذَا لَدَخَلَ فِيهِ كَمَا فَعَلَ فِي الِاعْتِدَالِ مِنْ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ.
(وَ) التَّاسِعُ (الطُّمَأْنِينَةُ فِي هَذِهِ الْأَفْعَالِ) أَيْ فِي الرُّكُوعِ وَالِاعْتِدَالِ عَنْهُ وَالسُّجُودِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لِمَا سَبَقَ وَلِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ «أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا لَا يُتِمُّ رُكُوعَهُ وَلَا سُجُودَهُ فَقَالَ لَهُ: مَا صَلَّيْتَ، وَلَوْ مِتَّ مِتَّ عَلَى غَيْرِ الْفِطْرَةِ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدًا ﷺ » رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَظَاهِرُهُ: أَنَّهَا رُكْنٌ وَاحِدٌ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ يَعُمُّ الْقِيَامَ، قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ (بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ لِذَاكِرِهِ وَلِنَاسِيهِ بِقَدْرِ أَدْنَى سُكُونٍ وَكَذَا) فِي أَدْنَى سُكُونٍ (لِمَأْمُومٍ بَعْدِ انْتِصَابِهِ مِنْ الرُّكُوعِ لِأَنَّهُ لَا ذِكْرَ فِيهِ) هَذِهِ التَّفْرِقَةُ لَمْ أَجِدْهَا فِي الْفُرُوعِ وَلَا الْمُبْدِعِ وَلَا الْإِنْصَافِ وَلَا غَيْرِهَا مِمَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ وَفِيهَا نَظَرٌ لِأَنَّ الرُّكْنَ لَا يَخْتَلِفُ بِالذَّاكِرِ وَالنَّاسِي بَلْ فِي كَلَامِ الْإِنْصَافِ مَا يُخَالِفُهَا، فَإِنَّهُ حَكَى فِي الطُّمَأْنِينَةِ وَجْهَيْنِ، أَحَدُهُمَا هِيَ السُّكُونُ وَإِنْ قَلَّ وَقَالَ
стр. 381
عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَالثَّانِي: بِقَدْرِ الذِّكْرِ الْوَاجِبِ قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ: وَتَبِعَهُ فِي الْحَاوِي الْكَبِيرِ، وَهُوَ الْأَقْوَى وَجَزَمَ بِهِ فِي الْمُذْهَبِ قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: وَفَائِدَتُهُ الْوَجْهَيْنِ: إذَا نَسِيَ التَّسْبِيحَ فِي رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ أَوْ التَّحْمِيدَ فِي اعْتِدَالِهِ، أَوْ سُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ فِي جُلُوسِهِ، أَوْ عَجَزَ عَنْهُ لِعُجْمَةٍ أَوْ خَرَسٍ أَوْ تَعَمَّدَ تَرْكَهُ، وَقُلْنَا هُوَ سُنَّةٌ وَاطْمَأَنَّ قَدْرًا لَا يَتَّسِعُ لَهُ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَلَا تَصِحُّ عَلَى الثَّانِي.
(وَ) الْعَاشِرُ (التَّشَهُّدُ الْأَخِيرُ) هُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَابْنِهِ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَقُلْ التَّحِيَّاتُ» - الْخَبَرُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَعَنْ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ «كُنَّا نَقُولُ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْنَا التَّشَهُّدُ: السَّلَامُ عَلَى اللَّهِ السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تَقُولُوا هَكَذَا، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ» وَذَكَرَهُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ.
وَقَالَ عُمَرُ لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ إلَّا بِتَشَهُّدٍ رَوَاهُ سَعِيدٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (مَا يُجْزِئُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَهُوَ التَّحِيَّاتُ لِلَّهِ سَلَامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةِ اللَّهِ سَلَامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَوْ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ) لِاتِّفَاقِ جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى ذَلِكَ، بِخِلَافِ مَا عَدَاهُ فَإِنَّهُ أُثْبِتَ فِي بَعْضِهَا، وَتُرِكَ فِي بَعْضِهَا.
(قَالَ الشَّارِحُ، قُلْتُ وَفِي هَذَا الْقَوْلِ نَظَر) لِأَنَّ الَّذِي تُرِكَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُتْرَكْ إلَى غَيْرِ بَدَلٍ بَلْ أُثْبِتَ بَدَلُهُ وَذَلِكَ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ بِالْمَرَّةِ، بَلْ عَلَى وُجُوبِهِ أَوْ وُجُوبِ بَدَلِهِ (وَهُوَ كَمَا قَالَ) أَيْ الشَّارِحُ لِقُوَّةِ مَا عُلِّلَ بِهِ.
(وَ) الْحَادِيَ عَشَرَ (الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ بَعْده) أَيْ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَلَا تُجْزِئُ إنْ قُدِّمَتْ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ كَعْبٍ وَسَبَقَ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وَالْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَلَا مَوْضِعَ تَجِبُ فِيهِ الصَّلَاةُ أَوْلَى مِنْ الصَّلَاةِ (وَالرُّكْنُ مِنْهُ) أَيْ الْمَذْكُورُ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ) لِظَاهِرِ الْآيَةِ وَعَدَّ الْمُصَنِّفُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ ﷺ رُكْنًا مُسْتَقِلًّا تَبِعَ فِيهِ صَاحِبَ الْفُرُوعِ، وَأَمَّا صَاحِبُ الْمُنْتَهَى وَكَثِيرٌ مِنْ الْأَصْحَابِ فَقَدْ جَعَلُوهَا مِنْ جُمْلَةِ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ.
(وَ) الثَّانِي عَشَرَ (الْجُلُوسُ لَهُ) وَلِلتَّسْلِيمَتَيْنِ، لِمُدَاوَمَتِهِ ﷺ عَلَى الْجُلُوسِ لِذَلِكَ، وَقَوْله «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
(وَ) الثَّالِثَ عَشَرَ (التَّسْلِيمَتَانِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «وَتَحْلِيلُهَا
стр. 382
التَّسْلِيمُ» وَقَالَتْ عَائِشَةُ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَخْتِمُ صَلَاتَهُ بِالتَّسْلِيمِ» وَثَبَتَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَلِأَنَّهُمَا نُطْقٌ مَشْرُوعٌ فِي أَحَدِ طَرَفَيْهَا فَكَانَ رُكْنًا كَالطَّرَفِ الْآخَرِ (إلَّا فِي صَلَاةِ جِنَازَةٍ وَسُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) فَيَخْرُجُ مِنْهَا بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ، وَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ.
(وَ) إلَّا فِي (نَافِلَةٍ فَتُجْزِي) تَسْلِيمَةٌ (وَاحِدَةٌ عَلَى مَا اخْتَارَهُ جَمْعٌ مِنْهُمْ الْمَجْدُ) عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ تَيْمِيَّةَ قَالَ (فِي الْمُغْنِي وَالشَّرْحِ: لَا خِلَافَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّفْلِ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ الْقَاضِي الثَّانِيَةُ سُنَّةٌ فِي الْجِنَازَةِ وَالنَّافِلَةِ رِوَايَة وَاحِدَة انْتَهَى) وَظَاهِر مَا قَدَّمَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ أَنَّ النَّفَلَ كَالْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ مَا قَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى (وَهُمَا) أَيْ التَّسْلِيمَتَانِ (مِنْ الصَّلَاةِ) كَسَائِرِ الْأَرْكَانِ فَلَا يَقُومُ الْمَسْبُوقُ قَبْلَهُمَا.
(وَ) الرَّابِعَ عَشَرَ (التَّرْتِيبُ) أَيْ تَرْتِيبُ الْأَرْكَانِ عَلَى مَا ذُكِرَ هُنَا، أَوْ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ، فَاللَّامُ فِيهِ لِلْعَهْدِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يُصَلِّيهَا مُرَتَّبَةً وَعَلَّمَهَا لِلْمُسِيءِ فِي صَلَاتِهِ مُرَتَّبَةً بِثُمَّ وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ تَبْطُلُ بِالْحَدَثِ، فَكَانَ التَّرْتِيبُ فِيهَا رُكْنًا كَغَيْرِهِ.
(وَ) الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَأَقْوَالِهَا، (وَاجِبَاتُهَا الَّتِي تَبْطُلُ بِتَرْكِهَا عَمْدًا وَتَسْقُطُ سَهْوًا أَوْ جَهْلًا نَصًّا) خَرَجَ بِهِ الشُّرُوطُ وَالْأَرْكَانُ (وَلَا تَبْطُلُ) الصَّلَاةُ (بِهِ) أَيْ بِتَرْكِهَا سَهْوًا أَوْ جَهْلًا (وَيُجْبِرُهُ) أَيْ تَرْكُهَا لِذَلِكَ (السُّجُودُ) أَيْ سُجُودُ السَّهْوِ (ثَمَانِيَةٌ) خَبَر: وَاجِبَاتُهَا وَالْمَوْصُولُ نَعْتٌ، وَجَعَلَهُ خَبَرًا يُؤَدِّي إلَى التَّعْرِيفِ بِالْحُكْمِ.
فَيَلْزَمُهُ الدَّوْرُ أَحَدُهَا: (التَّكْبِيرُ) لِلِانْتِقَالِ (فِي مَحَلِّهِ) وَهُوَ مَا بَيْنَ انْتِقَالٍ وَانْتِهَاءٍ لِأَنَّهُ ﷺ «كَانَ يُكَبِّرُ كَذَلِكَ وَقَالَ: صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» .
وَعَنْهُ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يُعَلِّمْهُ الْمُسِيءَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ قُلْنَا: وَلَمْ يُعَلِّمْهُ التَّشَهُّدَ وَلَا السَّلَامَ، وَلَعَلَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى تَعْلِيمهِ مَا أَسَاءَ فِيهِ (فَلَوْ شَرَعَ) الْمُصَلِّي (فِيهِ) أَيْ التَّكْبِيرِ (قَبْلَ انْتِقَالِهِ) كَأَنْ يُكَبِّرَ لِلرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ قَبْلَ هُوِيِّهِ إلَيْهِ (أَوْ كَمَّلَهُ) أَيْ التَّكْبِيرَ (بَعْدَ انْتِهَائِهِ) بِأَنْ كَبَّرَ وَهُوَ رَاكِعٌ أَوْ وَهُوَ سَاجِدٌ بَعْدَ انْتِهَاءِ هُوِيِّهِ (لَمْ يُجْزِئْهُ) ذَلِكَ التَّكْبِيرُ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِهِ فِي مَحَلِّهِ (كَتَكْمِيلِهِ وَاجِبَ قِرَاءَةٍ رَاكِعًا، أَوْ شُرُوعِهِ فِي تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعُودِهِ، وَكَمَا لَا يَأْتِي بِتَكْبِيرِ رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ فِيهِ) أَيْ رُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ (وَيُجْزِئُهُ فِيمَا بَيْنَ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَائِهِ لِأَنَّهُ فِي مَحَلِّهِ) .
قَالَ الْمَجْدُ فِي شَرْحِهِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ تَكْبِيرُ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ وَالنُّهُوضِ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ ابْتِدَاءِ الِانْتِقَالِ وَانْتِهَاؤُهُ مَعَ انْتِهَائِهِ فَإِنْ كَمَّلَهُ فِي جُزْءٍ مِنْهُ أَجْزَأَهُ، لِأَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ عَنْ مَحَلِّهِ وَإِنْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَهُ أَوْ كَمَّلَهُ بَعْدَهُ فَوَقَعَ بَعْضُهُ
стр. 383
خَارِجًا مِنْهُ فَهُوَ كَتَرْكِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَمِّلْهُ فِي مَحَلِّهِ فَأَشْبَهَ مَنْ تَعَمَّدَ قِرَاءَتَهُ رَاكِعًا أَوْ أَخَذَ فِي التَّشَهُّدِ قَبْلَ قُعُودِهِ هَذَا قِيَاسُ الْمَذْهَبِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُعْفَى عَنْ ذَلِكَ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ يَعْسُرُ، وَالسَّهْوُ بِهِ يَكْثُرُ فَفِي الْإِبْطَالِ بِهِ وَالسُّجُودِ لَهُ مَشَقَّةٌ (غَيْر تَكْبِيرَتَيْ إحْرَامٍ وَرُكُوعِ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا فَإِنَّ الْأُولَى) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ (رُكْنٌ) لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَالثَّانِيَةُ) وَهِيَ تَكْبِيرَةُ مَأْمُومٍ أَدْرَكَ إمَامَهُ رَاكِعًا (سُنَّةٌ) لِلِاجْتِزَاءِ عَنْهَا بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ التَّكْبِيرِ.
(وَ) الثَّانِي مِنْ الْوَاجِبَاتِ (التَّسْمِيعُ) أَيْ قَوْل: سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ (لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ) دُونَ مَأْمُومٍ لِمَا تَقَدَّمَ.
(وَ) الثَّالِثُ (التَّحْمِيدُ) أَيْ قَوْل: رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ (لِكُلٍّ) مِنْ إمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ النُّصُوصِ، فِعْلًا لَهُ وَأَمْرًا بِهِ.
(وَ) الرَّابِع (تَسْبِيحُ) (رُكُوعٍ وَ) الْخَامِس تَسْبِيحُ (سُجُودٍ وَ) السَّادِس (رَبِّ اغْفِرْ لِي) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ (مَرَّةً) وَ (مَرَّةً وَفِيهِنَّ) أَيْ فِي التَّسْمِيعِ وَالتَّحْمِيدِ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْعَظِيمِ فِي رُكُوعٍ وَسُبْحَانَ رَبِّي الْأَعْلَى فِي السُّجُودِ وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْن السَّجْدَتَيْنِ (مَا فِي التَّكْبِيرِ) مِنْ اعْتِبَارِ الْإِتْيَانِ بِهِنَّ فِي مَحَلّهنَّ الْمَعْلُومِ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ فَلَوْ أَتَى بِتَسْبِيحِ الرُّكُوعِ أَوْ السُّجُودِ فِي حَالِ هُوِيِّهِ، كَرُكُوعِهِ أَوْ سُجُودِهِ، أَوْ بِرَبِّ اغْفِرْ لِي قَبْلَ قُعُودِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ لَمْ يُجْزِئْهُ وَالتَّسْمِيعُ يَأْتِي بِهِ فِي انْتِقَالهِ وَالتَّحْمِيدُ يَأْتِي بِهِ الْمَأْمُومُ فِي رَفْعِهِ وَغَيْرِهِ فِي اعْتِدَالِهِ.
(وَ) السَّابِعُ (تَشَهُّدٌ أَوَّلُ) لِأَنَّهُ ﷺ فَعَلَهُ وَدَاوَمَ عَلَى فِعْلِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ حِين نَسِيَهُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الْوَاجِبَاتِ لِسُقُوطِهَا بِالسَّهْوِ وَانْجِبَارهَا بِالسُّجُودِ كَوَاجِبَاتِ الْحَجِّ (عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا) فَيُتَابِعهُ (وَيَأْتِي فِي سُجُودِ السَّهْوِ وَتَقَدَّمَ الْمُجْزِئُ مِنْهُ قَرِيبًا) فِي الْأَرْكَانِ.
(وَ) الثَّامِنُ (الْجُلُوسُ لَهُ) لِمَا تَقَدَّمَ عَلَى غَيْرِ مَأْمُومٍ قَامَ إمَامُهُ عَنْهُ سَهْوًا (وَمَا عَدَا ذَلِكَ) الْمُتَقَدِّمُ فِي الْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ.
(سُنَنُ أَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ فَسُنَنُ الْأَقْوَالِ سَبْعَةَ عَشَر الِاسْتِفْتَاحُ، وَالتَّعَوُّذُ، وَالْبَسْمَلَةُ، وَالتَّأْمِينُ، وَقِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي كُلٍّ مِنْ) الرَّكْعَتَيْنِ (الْأُولَيَيْنِ) مِنْ رُبَاعِيَّةٍ أَوْ مَغْرِبٍ (وَ) فِي (صَلَاةِ الْفَجْرِ وَالْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ وَالتَّطَوُّعِ كُلِّهِ، وَالْجَهْرُ وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَالِّهِمَا، وَقَدْ تَبِعَ فِي ذَلِكَ الْمُقْنِعَ وَغَيْرَهُ وَنَاقَشَ فِيهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُمَا هَيْئَةٌ لِلْقَوْلِ، لَا قَوْلٌ وَلِذَلِكَ عَدَّهُمَا فِيمَا يَأْتِي مِنْ سُنَنِ الْهَيْئَاتِ (وَقَوْل: مِلْءَ السَّمَوَاتِ) وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ (بَعْدَ التَّحْمِيدِ فِي حَقِّ مَنْ يُشْرَعُ لَهُ قَوْلُ ذَلِكَ)
стр. 384
وَهُوَ الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ، دُونَ الْمَأْمُومِ.
(وَمَا زَادَ عَلَى الْمَرَّةِ مِنْ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَرَبِّ اغْفِرْ لِي بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَالتَّعَوُّذِ) أَيْ قَوْلُ أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ إلَى آخِرِهِ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَالدُّعَاءِ إلَى آخِرِهِ) أَيْ آخِرَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ، لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «ثُمَّ لِيَتَخَيَّرْ مِنْ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إلَيْهِ فَيَدْعُوَ» .
وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ فِيمَا سَبَقَ: كَصَاحِبِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَا مَسْنُونٌ حَيْثُ قَالُوا: لَا بَأْسَ بِهِ (وَالصَّلَاةُ فِيهِ) أَيْ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (عَلَى آلِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْبَرَكَةِ فِيهِ) أَيْ قَوْل: (وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ) إلَى آخِرِهِ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ (وَمَا زَادَ عَلَى الْمُجْزِئِ مِنْ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ) وَتَقَدَّمَ (وَالْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ) لِمَا يَأْتِي فِي بَابه (وَمَا سِوَى ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ (سُنَنُ أَفْعَالٍ وَهَيْئَاتٍ سُمِّيَتْ) أَيْ سَمَّاهَا صَاحِبُ الْمُسْتَوْعِبِ وَغَيْرُهُ (هَيْئَةً لِأَنَّهَا صِفَةٌ فِي غَيْرِهَا) كَسُكُونِ الْأَصَابِعِ مَضْمُومَةً مَمْدُودَةً حَالَ (رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَبْسُوطَةً) أَيْ مَمْدُودَةَ الْأَصَابِعِ (مَضْمُومَةَ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ) بِبُطُونِهَا إلَى حَذْوِ مَنْكِبَيْهِ (عِنْدَ الْإِحْرَامِ، وَ) عِنْدَ (الرُّكُوعِ، وَ) عِنْد (الرَّفْعِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّكُوعِ (وَحَطِّهِمَا) أَيْ الْيَدَيْنِ (عَقِبَ ذَلِكَ) أَيْ عَقِبَ الْفَرَاغِ مِنْ الْإِحْرَامِ أَوْ الرُّكُوعِ أَوْ الرَّفْعِ مِنْهُ.
(وَقَبْضُ الْيَمِينِ عَلَى كُوعِ الشِّمَالِ وَجَعْلِهِمَا تَحْتَ سُرَّتِهِ) بَعْدَ إحْرَامِهِ (وَالنَّظَرُ إلَى مَوْضِعِ سُجُودِهِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ وَنَحْوِهَا (وَتَفْرِيقُهُ بَيْنَ قَدَمَيْهِ) يَسِيرًا (فِي قِيَامِهِ وَمُرَاوَحَتِهِ بَيْنهمَا) أَيْ الْقَدَمَيْنِ (يَسِيرًا) وَتُكْرَهُ كَثْرَتُهُ (وَالْجَهْرُ) فِي مَحَلِّهِ (وَالْإِخْفَاتُ) فِي مَحَلِّهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عَدَّهُمَا مِنْ سُنَنِ الْأَقْوَالِ (وَتَرْتِيلُ الْقِرَاءَةِ وَالتَّخْفِيفُ فِيهَا) أَيْ الْقِرَاءَةِ (لِلْإِمَامِ) لِحَدِيثِ «مَنْ أَمَّ بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ» (وَالْإِطَالَةُ فِي) الرَّكْعَةِ الْأُولَى (وَالتَّقْصِيرُ فِي) الرَّكْعَةِ (الثَّانِيَةِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي (وَقَبْضُ رُكْبَتَيْهِ بِيَدَيْهِ) حَالَ كَوْنِ يَدَيْهِ (مُفَرَّجَتَيْ الْأَصَابِعِ فِي الرُّكُوعِ، وَمَدِّ ظَهْرِهِ) مُسْتَوِيًا (وَجَعْلُ رَأْسِهِ حِيَالَهُ) فَلَا يَخْفِضْهُ وَلَا يَرْفَعْهُ، وَمُجَافَاةُ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ فِي رُكُوعِهِ.
(وَالْبُدَاءَةُ بِوَضْعِ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ فِي سُجُودِهِ، وَرَفْعُ يَدَيْهِ أَوَّلًا فِي الْقِيَامِ) مِنْ سُجُودِهِ (وَتَمْكِينُ كُلِّ جَبْهَتِهِ) وَكُلِّ (أَنْفِهِ، وَكُلِّ بَقِيَّةِ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْ الْأَرْضِ فِي سُجُودِهِ وَمُجَافَاةِ عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ) وَمُجَافَاةِ (بَطْنهِ عَنْ فَخِذَيْهِ وَ) مُجَافَاةِ (فَخِذَيْهِ عَنْ سَاقَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَالتَّفْرِيقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ) فِي سُجُودِهِ (وَإِقَامَةُ قَدَمَيْهِ، وَجَعْلُ بُطُونِ أَصَابِعِهِمَا عَلَى الْأَرْضِ مُفَرَّقَةً فِيهِ) أَيْ فِي السُّجُودِ.
(وَفِي الْجُلُوسِ) بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، أَوْ لِلتَّشَهُّدِ عَلَى مَا سَبَقَ تَفْصِيلُهُ (وَوَضْعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ مَبْسُوطَةَ) الْأَصَابِعِ إذَا سَجَدَ، (وَتَوْجِيهُ أَصَابِعِ يَدَيْهِ
стр. 385
مَضْمُومَةً نَحْو الْقِبْلَةِ وَمُبَاشَرَةُ الْمُصَلِّي بِيَدَيْهِ وَجَبْهَتِهِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ حَائِلٌ مُتَّصِلٌ بِهِ (وَعَدَمهَا) أَيْ عَدَمُ الْمُبَاشَرَةِ (بِرُكْبَتَيْهِ، وَقِيَامُهُ إلَى الرَّكْعَةِ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا) بِيَدَيْهِ (عَلَى رُكْبَتَيْهِ) إلَّا أَنْ يَشُقَّ فَبِالْأَرْضِ (وَالِافْتِرَاشُ فِي الْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ وَ) الِافْتِرَاشُ (فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ، وَالتَّوَرُّكُ فِي) التَّشَهُّدِ (الثَّانِي وَوَضْعُ الْيَدَيْنِ عَلَى الْفَخِذَيْنِ مَبْسُوطَتَيْنِ مَضْمُومَتَيْ الْأَصَابِعِ مُسْتَقْبِلًا بِهَا الْقِبْلَةَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ، وَكَذَا فِي التَّشَهُّدِ) الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (لَكِنْ يَقْبِضُ مِنْ الْيَمِينِ) .
وَفِي نُسْخَةٍ: الْيُمْنَى (الْخِنْصَرَ وَالْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ إبْهَامَهَا مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِسَبَّابَتِهَا) عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتُسَمَّى السِّبَاحَةَ (وَالْتِفَاتُهُ يَمِينًا وَشِمَالًا فِي تَسْلِيمِهِ، وَتَفْضِيلُ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ فِي الِالْتِفَاتِ وَنِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْ الصَّلَاةِ) بِالسَّلَامِ وَتَقَدَّمَتْ أَدِلَّةُ ذَلِكَ فِي مَوَاضِعِهَا.
(وَالْخُشُوعُ) ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] (وَهُوَ مَعْنًى يَقُومُ بِالنَّفْسِ يَظْهَرُ مِنْهُ سُكُونُ الْأَطْرَافِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «فِي الْعَابِثِ بِلِحْيَتِهِ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْخُشُوعُ الْخُضُوعُ وَالْإِخْبَاتُ الْخُشُوعُ وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٢] أَيْ خَائِفُونَ مِنْ اللَّهِ، مُتَذَلِّلُونَ لَهُ، مُلْزِمُونَ أَبْصَارَهُمْ مَسَاجِدَهُمْ، وَقَالَ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٥] أَيْ الْمُخْبِتِينَ وَالْخُشُوعُ: الْإِخْبَاتُ وَمِنْهُ الْخُشْعَةُ لِلرَّمْلَةِ الْمُتَطَامِنَةِ وَالْخُضُوعُ: اللِّينُ وَالِانْقِيَادُ وَلِذَلِكَ يُقَال: الْخُشُوعُ بِالْجَوَارِحِ وَالْخُضُوعُ بِالْقَلْبِ.
(قَالَ الشَّيْخُ إذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا) لِأَنَّ الْخُشُوعَ سُنَّةٌ وَالصَّلَاةُ لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ سُنَّةٍ وَذَكَرَ الشَّيْخُ وَجِيهُ الدِّينِ: أَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ وَعَلَيْهِ فَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ لَكِنْ قَالَ فِي الْفُرُوعِ: مُرَادهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي بَعْضِهَا وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّهَا فَإِنْ لَمْ تَبْطُلْ بِتَرْكِهِ فَخِلَافُ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ وَإِنْ بَطَلَ بِهِ، فَخِلَافُ الْإِجْمَاعِ وَكِلَاهُمَا خِلَافُ الْأَخْبَارِ اهـ وَلَمْ يَأْمُرْ النَّبِيُّ ﷺ الْعَابِثَ بِلِحْيَتِهِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، مَعَ قَوْلِهِ «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» .
قَالَ فِي شَرْح الْمُنْتَهَى: وَهَذَا مِنْهُ يَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ خُشُوعِهِ فِي صَلَاتِهِ كُلِّهَا (وَتَقَدَّمَ أَنَّهَا) أَيْ الصَّلَاةَ (لَا تَبْطُلُ بِعَمَلِ
стр. 386
الْقَلْبِ وَلَوْ طَالَ) وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِتَرْكِ الْخُشُوعِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلَاتِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِمَا عِنْدَهُمَا وَلَا يُشْرَعُ السُّجُودُ لِتَرْكِ سُنَّةٍ وَلَوْ قَوْلِيَّةً) كَالِاسْتِفْتَاحِ وَالتَّعَوُّذِ لِأَنَّ السُّجُودَ زِيَادَةٌ فِي الصَّلَاةِ، فَلَا يُشْرَعُ إلَّا بِتَوْقِيفٍ (وَإِنْ سَجَدَ) لِتَرْكِ سُنَّةٍ قَوْلِيَّةٍ أَوْ فِعْلِيَّةٍ (فَلَا بَأْسَ بِهِ نَصًّا) لِعُمُومِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا «لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ.
(وَإِنْ اعْتَقَدَ الْمُصَلِّي الْفَرْضَ سُنَّةً أَوْ عَكْسَهُ) بِأَنْ اعْتَقَدَ السُّنَّةَ فَرْضًا (أَوْ لَمْ يَعْتَقِدْ شَيْئًا) لَا فَرْضًا وَلَا سُنَّةً (وَأَدَّاهَا عَلَى ذَلِكَ) الْوَجْهِ السَّابِقِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَالْوَاجِبَاتِ (وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَعْرِفْ الشَّرْطَ مِنْ الرُّكْنِ فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ) قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ لَا يَضُرُّهُ أَنْ لَا يَعْرِفَ الرُّكْنَ مِنْ الشَّرْطِ وَالْفَرْضَ مِنْ السُّنَّةِ، وَرَدَّ الْمَجْدُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَحِّحْ الِائْتِمَامَ بِمَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَاتِحَةَ نَفْلٌ بِفِعْلِ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ، مَعَ شِدَّةِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا هُوَ الْفَرْضُ وَالسُّنَّةُ وَلِأَنَّ اعْتِقَادَ الْفَرْضِيَّةِ وَالنَّفْلِيَّةِ مُؤَثِّرٌ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ، لَا تَفَاصِيلِهَا لِأَنَّ مَنْ صَلَّى يَعْتَقِدُ الصَّلَاةَ فَرِيضَةً يَأْتِي بِأَفْعَالٍ تَصِحُّ مَعَهَا، بَعْضُهَا فَرْضٍ وَبَعْضُهَا نَفْلٌ وَهُوَ يَجْهَلُ مِنْ الْفَرْضِ السُّنَّةَ، أَوْ يَعْتَقِدُ الْجَمِيعَ فَرْضًا صَحَّتْ صَلَاتُهُ إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الْمُبْدِعُ (خَاتِمَةٌ) إذَا تَرَكَ شَيْئًا وَلَمْ يَدْرِ: أَفَرْضٌ أَوْ سُنَّةٌ؟ لَمْ يَسْقُطْ فَرْضُهُ لِلشَّكِّ فِي صِحَّتِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا تَرَدَّدَ فِي وُجُوبِهِ كَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ فِعْلَهُ احْتِيَاطًا لِلْعِبَادَةِ وَهَذَا بِخِلَافِ مَنْ تَرَكَ وَاجِبًا جَاهِلًا حُكْمُهُ بِأَنْ لَمْ يَخْطِرْ بِبَالِهِ قَطُّ أَنَّ عَالِمًا قَالَ بِوُجُوبِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ تَارِكِهِ سَهْوًا فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ فَوَاتِ وَقْتِ سُجُودِ السَّهْوِ كَفَاهُ سُجُودُ السَّهْوِ وَلَمْ يَلْزَمْهُ إعَادَةُ الصَّلَاةِ.
[بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ]
(بَابُ سُجُودِ السَّهْوِ) قَالَ فِي الْحَاشِيَةِ: سَهَا عَنْ الشَّيْءِ سَهْوًا: ذَهِلَ وَغَفَلَ قَلْبُهُ عَنْهُ حَتَّى زَالَ عَنْهُ فَلَمْ يَتَذَكَّرْهُ وَفَرَّقُوا بَيْنَ السَّاهِي وَالنَّاسِي: أَنَّ النَّاسِيَ إذَا ذَكَّرْتَهُ تَذَكَّرَ بِخِلَافِ السَّاهِي اهـ.
وَفِي النِّهَايَةِ: السَّهْوُ فِي الشَّيْءِ تَرْكُهُ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الشَّيْءِ
стр. 387
تَرْكُهُ مَعَ الْعِلْمِ بِهِ اهـ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ الَّذِي وَقَعَ مِنْ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرِ مَا مَرَّةٍ وَالسَّهْوُ عَنْ الصَّلَاةِ الَّذِي ذُمَّ فَاعِلُهُ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَلَا مِرْيَةَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ سُجُودِ السَّهْوِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: نَحْفَظُ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ خَمْسَةَ أَشْيَاءَ: سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَسَجَدَ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَسَجَدَ وَفِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ، وَقَامَ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَلَمْ يَتَشَهَّدْ.
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْخَمْسَةُ، يَعْنِي حَدِيثَيْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنُ بُحَيْنَةَ (لَا يُشْرَعُ) سُجُودُ السَّهْوِ (فِي الْعَمْدِ) لِقَوْلِهِ ﷺ «إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فَلْيَسْجُدْ» فَعَلَّقَ السُّجُودَ عَلَى السَّهْوِ وَلِأَنَّهُ يُشْرَعُ جُبْرَانًا وَالْعَامِدُ لَا يُعْذَرُ فَلَا يَنْجَبِرُ خَلَلُ صَلَاتِهِ بِسُجُودِهِ، بِخِلَافِ السَّاهِي وَلِذَلِكَ أُضِيفَ السُّجُودُ إلَى السَّهْوِ (بَلْ) يُشْرَعُ (لِلسَّهْوِ بِوُجُودِ) شَيْءٍ مِنْ (أَسْبَابِهِ، وَهِيَ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ وَشْكٌ) فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا وَرَدَ بِهِ فِي ذَلِكَ (لِفَرْضٍ وَنَافِلَةٍ) أَيْ يُشْرَعُ سُجُودُ السَّهْوِ بِوُجُودِ أَسْبَابِهِ فِي فَرْضٍ وَنَفْلٍ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ ذَاتُ رُكُوعٍ وَسُجُودٍ فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ كَالْفَرِيضَةِ (سِوَى صَلَاةِ جِنَازَةٍ) لِأَنَّهُ لَا سُجُودَ فِي صُلْبِهَا، فَفِي جَبْرِهَا أَوْلَى (وَ) سِوَى (سُجُودِ تِلَاوَةٍ وَشُكْرٍ) لِئَلَّا يَلْزَمَ زِيَادَةُ الْجَبْرِ عَلَى الْأَصْلِ.
(وَ) سِوَى (حَدِيثِ نَفْسٍ) لِعَدَمِ إمْكَانِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.
(وَ) سِوَى (نَظَرٍ إلَى شَيْءٍ) وَلَوْ طَالَ لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ (وَ) سِوَى (سَهْوٍ فِي سَجْدَتَيْهِ) إجْمَاعًا حَكَاهُ إِسْحَاقُ (أَوْ بَعْدَهُمَا قَبْلَ سَلَامِهِ، سَوَاءً كَانَ سُجُودُهُ) لِلسَّهْوِ (بَعْدَ السَّلَامِ أَوْ قَبْلَهُ) لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى التَّسَلْسُلِ.
(وَ) سِوَى (كَثْرَةِ سَهْوٍ أَيْ شَكٌّ حَتَّى يَصِيرَ كَوَسْوَاسٍ، فَيَطْرَحهُ وَكَذَا فِي الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَنَحْوِهِ) أَيْ نَحْو مَا ذُكِرَ كَالتَّيَمُّمِ لِأَنَّ الْوَسْوَاسَ يَخْرُجُ بِهِ إلَى نَوْعٍ مِنْ الْمُكَابَرَةِ فَيُفْضِي إلَى زِيَادَةٍ فِي الصَّلَاةِ مَعَ تَيَقُّنِ إتْمَامِهَا فَوَجَبَ اطِّرَاحُهُ وَاللَّهْوُ عَنْهُ لِذَلِكَ (وَلَا) سُجُودَ لِلسَّهْوِ (فِي صَلَاةِ خَوْفٍ قَالَهُ فِي الْفَائِقِ) قَالَ فِي الْإِنْصَافِ: ظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ أَيْ الْمُوَفَّقُ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهَا، فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ وَغَيْرِهِ وَقَالَ فِي الْفَائِقِ: وَلَا سُجُودَ سَهْوٍ فِي الْخَوْفِ قَالَهُ بَعْضُهُمْ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ قُلْتُ فَيُعَايَا بِهَا لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا مِنْ الْأَصْحَابِ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي شِدَّةِ الْخَوْفِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الْمَذْهَبِ وَتَأْتِي أَحْكَامُ سُجُودِ السَّهْوِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا لَمْ يَشْتَدَّ، فِي الْوَجْهِ الثَّانِي.
стр. 388
ثُمَّ أَخَذَ فِي بَيَانِ تَفْصِيلِ الْأَحْوَالِ الثَّلَاثَةِ وَحُكْمِهَا، وَبَدَأَ بِالزِّيَادَةِ ثُمَّ هِيَ إمَّا زِيَادَةُ أَفْعَالٍ أَوْ أَقْوَالٍ وَزِيَادَةُ الْأَفْعَالِ قِسْمَانِ أَحَدُهُمَا مَا ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ (فَمَتَى زَادَ) الْمُصَلِّي فِعْلًا (مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ: قِيَامًا أَوْ قُعُودًا، أَوْ رُكُوعًا أَوْ سُجُودًا عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) إجْمَاعًا قَالَهُ فِي الشَّرْحِ لِأَنَّهُ بِهَا يُخِلُّ بِنَظْمِ الصَّلَاةِ وَيُغَيِّرُ هَيْئَتَهَا فَلَمْ تَكُنْ صَلَاةً، وَلَا فَاعِلَهَا مُصَلِّيًا.
(وَ) إنْ زَادَ ذَلِكَ سَهْوًا وَلَوْ كَانَ الْجُلُوسُ الَّذِي زَادَهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ (قَدْرَ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ) عَقِبَ رَكْعَةٍ بِأَنْ جَلَسَ عَقِبَهَا لِلتَّشَهُّدِ، سَوَاءٌ قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ جَلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ أَوْ لَمْ نَقُلْ بِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْهَا بِجُلُوسِهِ إنَّمَا أَرَادَ التَّشَهُّدَ سَهْوًا (سَجَدَ) لَهُ وُجُوبًا لِقَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ «فَإِذَا زَادَ الرَّجُلُ أَوْ نَقَصَ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلِأَنَّ الزِّيَادَةَ سَهْوٌ فَتَدْخُلُ فِي قَوْلِ الصَّحَابِيِّ سَهَا النَّبِيُّ ﷺ فَسَجَدَ بَلْ هِيَ نَقْصٌ فِي الْمَعْنَى فَشُرِعَ لَهَا السُّجُودُ، لِيَنْجَبِرَ النَّقْصُ.
(وَمَتَى ذَكَرَ) مَنْ زَادَ فِي صَلَاتِهِ عَادَ إلَى تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ لِإِلْغَاءِ الزِّيَادَةِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ لِيَجْلِسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ، وَكَانَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِ لِلْفَصْلِ أَوْ التَّشَهُّدِ ثُمَّ ذَكَرَ أَتَى بِذَلِكَ وَلَا سُجُودَ عَلَيْهِ وَلَوْ جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَبْلَ السُّجُودِ سَجَدَ لِذَلِكَ وَإِنْ جَلَسَ لِلْفَصْلِ يَظُنُّهُ التَّشَهُّدَ وَطُولُهُ لَمْ يَجِبْ السُّجُودُ.
(وَلَوْ نَوَى الْقَصْرَ) مَنْ يُبَاحُ لَهُ (فَأَتَمَّ سَهْوًا فَفَرْضُهُ الرَّكْعَتَانِ) قَالَهُ فِي الْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ (وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) اسْتِحْبَابًا لِأَنَّ عَمْدَهُ لَا يُبْطِلُهَا.
(وَيَأْتِي) فِي صَلَاةِ الْمُسَافِرِ (وَإِنْ زَادَ رَكْعَةً) أَيْ قَامَ إلَى رَكْعَةٍ زَائِدَةٍ، كَثَالِثَةٍ فِي صُبْحٍ أَوْ رَابِعَةٍ فِي مَغْرِبٍ أَوْ خَامِسَةٍ فِي ظُهْرٍ أَوْ عَصْرٍ أَوْ عِشَاءٍ قَطَعَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بِأَنْ يَجْلِسَ فِي الْحَالِ (مَتَى ذَكَرَ) بِغَيْرِ تَكْبِيرٍ نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجْلِسْ لَزَادَ فِي الصَّلَاةِ عَمْدًا وَذَلِكَ مُبْطِلٌ لَهَا (وَبَنَى عَلَى فِعْلِهِ قَبْلَهَا) أَيْ قَبْلَ الزِّيَادَةِ لِعَدَمِ مَا يُلْغِيه.
(وَلَا يَتَشَهَّدُ، إنْ كَانَ تَشَهَّدَ ثُمَّ سَجَدَ) لِلسَّهْوِ وَسَلَّمَ وَإِنْ كَانَ تَشَهَّدَ وَلَمْ يُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ سَجَدَ لِلسَّهْوِ، ثُمَّ سَلَّمَ ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ وَغَيْرِهِ.
(وَلَا يَعْتَدُّ) أَيْ لَا يَحْتَسِبُ (بِهَا) أَيْ بِالرَّكْعَةِ الزَّائِدَةِ مِنْ صَلَاتِهِ مَسْبُوقٌ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهَا أَوْ قَبْلَهَا لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ لَا يَعْتَدُّ بِهَا الْإِمَامُ وَلَا يَجِبُ عَلَى مَنْ عَلِمَ الْحَالَ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا فَلَمْ يُعْتَدَّ بِهَا لِلْمَأْمُومِ (وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْإِمَامِ الْقَائِمِ لِزَائِدَةٍ (فِيهَا مَنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ) لِأَنَّهَا سَهْوٌ وَغَلَطٌ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ مَعَهُ فِيهَا مَسْبُوقٌ يَجْهَلُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ أَنَّهُ تَنْعَقِدُ صَلَاتُهُ
стр. 389
وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ ثُمَّ مَتَى عَلِمَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ أَنَّهَا زَائِدَةٌ لَمْ يَعْتَدَّ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهَا زَائِدَةٌ بَعْدَ السَّلَامِ وَكَانَ الْفَصْلُ قَرِيبًا، وَلَمْ يَأْتِ بِمُنَافٍ تَمَّمَ صَلَاتَهُ وَسَجَدَ لِلسَّهْوِ وَإِلَّا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ مِنْ أَوَّلِهَا وَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ السَّلَامِ فَكَتَرْكِ رَكْعَةٍ، عَلَى مَا يَأْتِي.
(وَإِنْ كَانَ) الَّذِي قَامَ إلَى زَائِدَةٍ (إمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، فَنَبَّهَهُ ثِقَتَانِ فَأَكْثَرُ - وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُ الْإِمَامِ عَلَى مَا يَجِبُ السُّجُودُ لِسَهْوِهِ) لِارْتِبَاطِ صَلَاتِهِمْ بِصَلَاتِهِ، بِحَيْثُ تَبْطُلُ بِبُطْلَانِهَا، وَظَاهِرُهُ لَا يَجِبُ عَلَى غَيْرِ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهُهُ، وَلَعَلَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُنْتَهَى وَالْمُبْدِع وَغَيْرِهِمَا: وَيَلْزَمُهُمْ تَنْبِيهُهُ، فَلَمْ يُقَيِّدُوا بِالْإِمَامِ - (لَزِمَهُ الرُّجُوعُ) جَوَابُ الشَّرْطِ وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ (سَوَاءٌ نَبَّهُوهُ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَلَوْ ظَنَّ خَطَأَهُمَا) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ رَجَعَ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَمَرَ ﷺ بِتَذْكِيرِهِ (مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ صَوَابَ نَفْسِهِ فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ) وَلَا يَجُوزُ لَهُ الرُّجُوعُ إلَيْهِمَا كَالْحَاكِمِ لَا يَعْمَلُ بِالْبَيِّنَةِ إذَا عَلِمَ كَذِبَهَا (أَوْ يَخْتَلِفُ عَلَيْهِ الْمُنَبِّهُونَ) لَهُ (فَيَسْقُطُ قَوْلُهُمْ) كَالْبَيِّنَتَيْنِ إذَا تَعَارَضَتَا (وَلَا يَلْزَمُهُ) أَيْ الْإِمَامُ (الرُّجُوعُ إلَى فِعْلِهِمْ) أَيْ الْمَأْمُومِينَ، كَقِيَامٍ أَوْ قُعُودٍ (مِنْ غَيْرِ تَنْبِيهٍ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَقَطَعَ بِهِ فِي الْمُنْتَهَى لِأَمْرِ الشَّارِعِ بِالتَّنْبِيهِ.
(وَلَا) يَرْجِعُ (إلَى تَنْبِيهِ فَاسِقَيْنِ) لِعَدَمِ قَبُولِ خَبَرِهِمَا (وَلَا إذَا نَبَّهَهُ وَاحِدٌ) نَصَّ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَرْجِع إلَى قَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ (إلَّا أَنْ يَتَيَقَّنَ صَوَابُهُ) فَيَعْمَلُ بِيَقِينِهِ لَا بِتَنْبِيهِهِ.
(وَالْمَرْأَةُ الْمُنَبِّهَةُ كَالرَّجُلِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ) وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ فِي تَنْبِيهِ الْمَرْأَةِ فَائِدَةٌ، وَلَمَا كُرِهَ تَنْبِيهُهَا بِالتَّسْبِيحِ وَنَحْوِهِ وَفِي الْمُمَيِّزِ خِلَافٌ قَالَهُ فِي الْفُرُوعِ.
(فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ إمَامٌ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ) الْمُنَبِّهَيْنِ لَهُ (فَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِهِ (عَمْدًا) (وَكَانَ) رُجُوعُهُ (لِجُبْرَانِ نَقْصٍ) بِأَنْ قَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَشَهَّدَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ، وَنُبِّهَ فَلَمْ يَرْجِعْ (لَمْ تَبْطُلْ) صَلَاتُهُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ الْمُغِيرَةَ بْنِ شُعْبَةَ «أَنَّهُ نَهَضَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ: فَمَضَى، فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَصْنَعُ كَمَا صَنَعْتَ» وَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ بِأَتَمَّ مِنْ هَذَا (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ عَمْدًا، وَكَانَ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) لِأَنَّهُ تَرَكَ الْوَاجِبَ عَمْدًا (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ الْمَأْمُومِ، قَوْلًا وَاحِدًا قَالَهُ ابْنُ عَقِيلٍ) .
لِتَعَمُّدِهِ إبْطَالَ صَلَاتِهِ (وَإِنْ كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِ الْإِمَامِ إلَى قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ لِغَيْرِ جُبْرَانِ نَقْصٍ (سَهْوًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ) أَيْ الْإِمَامِ لِتَرْكِهِ وَاجِبًا وَهُوَ الرُّجُوعُ إلَى
стр. 390
قَوْلِ الثِّقَتَيْنِ (وَ) بَطَلَتْ (صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ) مِنْ الْمَأْمُومِينَ (عَالِمًا) بِبُطْلَانِ صَلَاتِهِ ذَاكِرًا، لِأَنَّهُ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ بُطْلَانَ صَلَاتِهِ، كَمَا لَوْ اقْتَدَى بِمَنْ يَعْلَمُ حَدَثَهُ وَ (لَا) تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ (جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا) لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَابَعُوا النَّبِيَّ ﷺ فِي الْخَامِسَةِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمُوا أَوْ تَوَهَّمُوا النَّسْخَ، وَلَمْ يُؤْمَرُوا بِالْإِعَادَةِ (وَوَجَبَتْ مُفَارَقَتُهُ) أَيْ الْإِمَامَ الْقَائِمَ إلَى زَائِدَةٍ عَلَى مَنْ عَلِمَ ذَلِكَ لِاعْتِقَادِهِ خَطَأَهُ (وَيُتِمُّ الْمُفَارِقُ صَلَاتَهُ) لِنَفْسِهِ لِلْعُذْرِ (وَظَاهِرُهُ هُنَا: وَلَوْ قُلْنَا تَبْطُلُ صَلَاةُ الْمَأْمُومِ بِبُطْلَانِ صَلَاةِ إمَامِهِ) فَتَكُونُ هَذِهِ كَالْمُسْتَثْنَاةِ مِنْ كَلَامِهِمْ لِعُمُومِ الْبَلْوَى بِكَثْرَةِ السَّهْوِ.
وَقَالَ فِي الْمُنْتَهَى، تَبَعًا لِلشَّرْحِ وَالْمُبْدِعِ وَغَيْرِهِ فَإِنْ أَبَاهُ إمَامٌ قَامَ لِزَائِدَةٍ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، كَمُتْبِعِهِ عَالِمًا ذَاكِرًا (وَيَرْجِعُ طَائِفٌ) فِي عَدَدِ الْأَشْوَاطِ (إلَى قَوْلِ اثْنَيْنِ نَصًّا) قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَوْ اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا طُفْنَا سَبْعًا، وَقَالَ الْآخَرُ سِتًّا فَقَالَ: لَوْ كَانُوا ثَلَاثَةً فَقَالَ اثْنَانِ طُفْنَا سَبْعًا وَقَالَ الْآخَرُ طُفْنَا سِتًّا قُبِلَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَبِلَ قَوْلَ الْقَوْمِ يَعْنِي فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَمِنْهُ أَخَذَ الْأَصْحَابُ وُجُوبَ الرُّجُوعِ إلَى تَنْبِيهِ الثِّقَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مَعَهُ فِي الْعِبَادَةِ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا مُشَارَكَةَ فِيهِ.
(وَلَوْ نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا نَهَارًا، فَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا، فَالْأَفْضَلُ إتْمَامُهَا أَرْبَعًا وَلَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ) لِإِبَاحَةِ التَّطَوُّعِ بِأَرْبَعٍ نَهَارًا (وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ) لِلسَّهْوِ (وَرُجُوعُهُ) إذَا نَوَى رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا (لَيْلًا) وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (أَفْضَلُ) مِنْ إتْمَامِهَا أَرْبَعًا لِأَنَّ إتْمَامَهَا مُبْطِلٌ لَهَا كَمَا يَأْتِي وَعَدَمُ إبْطَالِ النَّفْلِ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ إتْمَامُهُ (وَيَسْجُدُ) لِلسَّهْوِ (فَإِنْ لَمْ يَرْجِعْ) مَنْ نَوَى اثْنَيْنِ لَيْلًا وَقَامَ إلَى ثَالِثَةٍ سَهْوًا (بَطَلَتْ) لِقَوْلِهِ ﷺ «صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى» وَلِأَنَّهَا صَلَاةٌ شُرِعَتْ رَكْعَتَيْنِ أَشْبَهَتْ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُنْتَهَى وَغَيْرِهِ وَلَيْلًا، فَكَقِيَامِهِ إلَى ثَالِثَةٍ بِفَجْرٍ قَالَ فِي الشَّرْحِ: نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا فِي الْمَذْهَبِ فَإِنْ قِيلَ الزِّيَادَةُ عَلَى ثِنْتَيْنِ لَيْلًا مَكْرُوهَةٌ فَقَطْ، وَذَلِكَ لَا يَقْتَضِي بُطْلَانَهَا؟ قُلْتُ هَذَا إذَا نَوَاهُ ابْتِدَاءً وَأَمَّا هُنَا فَلَمْ يَنْوِ إلَّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ فَمُجَاوَزَتُهُ زِيَادَةٌ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ وَمِنْ هُنَا يُؤْخَذُ أَنَّ مَنْ نَوَى عَدَدًا نَفْلًا، ثُمَّ زَادَ عَلَيْهِ إنْ كَانَ عَلَى وَجْهٍ مُبَاحٍ فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ وَإِلَّا كَانَ مُبْطِلًا لَهُ.
ثُمَّ أَشَارَ إلَى الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ زِيَادَةِ الْأَفْعَالِ بِقَوْلِهِ: (وَعَمَلٌ مُتَوَالٍ مُسْتَكْثِرٌ فِي الْعَادَةِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ كَمَشْيٍ، وَفَتْحِ بَابٍ وَنَحْوِهِ) كَلَفِّ عِمَامَةٍ وَخِيَاطَةٍ وَكِتَابَةٍ
следующие страницы →