← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

ثُمَّ يَبِيعَ نَسِيئَةً وَلَا كَذَلِكَ الْوَكِيلُ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فَلِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ ثُمَّ الْبَيْعَ بِالنَّسَأِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ الْإِقَالَةَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ (أَنْ يَأْذَنَ لِعَبْدِ الْمُضَارَبَةِ) أَيْ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (فِي التِّجَارَةِ) . وَفِي رِوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لِأَنَّهُ مِنْ صَنِيعِ التُّجَّارِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الدَّفْعِ مُضَارَبَةً. (وَلَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ (أَنْ يُزَوِّجَ عَبْدًا أَوْ أَمَةً مِنْ مَالِهَا) أَيْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ، مَعَ أَنَّ عَقْدَ الْمُضَارَبَةِ يَتَضَمَّنُ التَّوْكِيلَ بِالتِّجَارَةِ فَلَا يَمْلِكُ التَّزْوِيجَ، وَإِنْ كَانَ اكْتِسَابًا بِجِهَةٍ أُخْرَى وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ الْمُضَارِبَ يُزَوِّجُ الْأَمَةَ لِأَنَّهُ مِنْ الِاكْتِسَابِ إذْ يَسْتَفِيدُ بِهِ الْمَهْرَ وَسُقُوطَ النَّفَقَةِ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ وَطْءُ جَارِيَةِ الْمُضَارَبَةِ رَبِحَ أَوْ لَا وَأَذِنَ بِهِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. (وَلَا) يَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ (أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ) أَيْ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ (مَنْ يَعْتِقُ عَلَى رَبِّ الْمَالِ) سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْعِتْقُ بِسَبَبِ الْقَرَابَةِ كَاشْتِرَاءِ ابْنِ رَبِّ الْمَالِ أَوْ بِسَبَبِ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ: إنْ مَلَكْتُهُ فَهُوَ حُرٌّ لِأَنَّ حُصُولَ الرِّبْحِ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ بِالْعِتْقِ، فَعَقْدُ الْمُضَارَبَةِ يُنَافِيهِ (فَإِنْ شَرَى) الْمُضَارِبُ بِهِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ (كَانَ) الشِّرَاءُ (لَهُ) أَيْ لِنَفْسِ الْمُضَارِبِ وَيَضْمَنُ دَفْعًا لِلضَّرَرِ (لَا لَهَا) أَيْ لَا يَكُونُ لِلْمُضَارَبَةِ لِأَنَّ الشِّرَاءَ نَافِذٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لِكَوْنِهِ أَصِيلًا فِي حَقِّ الْبَائِعِ. (وَلَا) يَجُوزُ لِلْمُضَارِبِ (أَنْ يَشْتَرِيَ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُضَارِبِ (إنْ كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ) لِأَنَّهُ يَعْتِقُ نَصِيبُهُ، وَيَفْسُدُ نَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ بِسَبَبِهِ أَوْ يَعْتِقُ عَلَى الِاخْتِلَافِ الَّذِي مَضَى بَيَانُهُ فِي الْعِتْقِ، وَالْمُرَادُ مِنْ الرِّبْحِ هُنَا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَى أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ سَوَاءٌ كَانَ فِي جُمْلَةِ رَأْسِ الْمَالِ رِبْحٌ أَوْ لَا، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَالُ أَلْفًا فَاشْتَرَى بِهَا الْمُضَارِبُ عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَلْفٌ فَأَعْتَقَهُمَا الْمُضَارِبُ لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى اسْتِحْقَاقِ الْمُضَارِبِ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِي الْجُمْلَةِ رِبْحٌ حَتَّى لَوْ أَعْتَقَهُمَا رَبُّ الْمَالِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ صَحَّ وَضَمِنَ نَصِيبَ الْمُضَارِبِ مِنْهُمَا وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا كَمَا فِي الْمِنَحِ (فَإِنْ فَعَلَ) أَيْ اشْتَرَى مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، قِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (ضَمِنَ) أَيْ الْمُضَارِبُ لِأَنَّهُ مُشْتَرًى لِنَفْسِهِ. (وَإِنْ لَمْ يَكُنْ) فِي الْمَالِ (رِبْحٌ صَحَّ) شِرَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ إذْ لَا مِلْكَ لِلْمُضَارِبِ فِيهِ لِكَوْنِهِ مَشْغُولًا بِرَأْسِ الْمَالِ فَيُمْكِنُهُ أَنْ يَبِيعَهُ لِلْمُضَارَبَةِ فَيَصِحُّ (فَإِنْ حَدَثَ رِبْحٌ بَعْدَ الشِّرَاءِ) بِأَنْ كَانَ قِيمَتُهُ وَقْتَ الشِّرَاءِ قَدْرَ رَأْسِ الْمَالِ أَوْ أَقَلَّ ثُمَّ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ حَتَّى صَارَتْ أَكْثَرَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (عَتَقَ نَصِيبُهُ) أَيْ نَصِيبُ الْمُضَارِبِ لِكَوْنِهِ مَالِكًا قَرِيبَهُ (وَلَا يَضْمَنُ) لِرَبِّ الْمَالِ شَيْئًا مِنْ قِيمَتِهِ لِعَدَمِ صُنْعِهِ فِي زِيَادَتِهَا فَصَارَ كَمَا إذَا وَرِثَهُ مَعَ غَيْرِهِ (بَلْ يُسْعَى الْمُعْتَقُ) بِفَتْحِ التَّاءِ (فِي) قِيمَةِ (نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ) مِنْهُ لِاحْتِبَاسِ رَأْسِ الْمَالِ وَنَصِيبِهِ مِنْ الرِّبْحِ

стр. 1087

عِنْدَهُ. (وَلَوْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ بِالنِّصْفِ أَمَةً بِأَلْفٍ، وَقِيمَتُهَا) أَيْ الْأَمَةِ (أَلْفٌ) فَوَطِئَهَا (فَوَلَدَتْ وَلَدًا يُسَاوِي أَلْفًا فَادَّعَاهُ) أَيْ ادَّعَى الْمُضَارِبُ الْوَلَدَ حَالَ كَوْنِهِ (مُوسِرًا) أَيْ فِي حَالِ يَسَارِهِ (فَصَارَتْ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ الْوَلَدِ (أَلْفًا وَنِصْفَهُ) أَيْ خَمْسَمِائَةٍ (اسْتَسْعَاهُ) أَيْ الْغُلَامَ إنْ شَاءَ (رَبُّ الْمَالِ فِي أَلْفٍ وَرُبُعِهِ) أَيْ رُبُعِ الْأَلْفِ وَهُوَ مِائَتَانِ وَخَمْسُونَ (أَوْ أَعْتَقَهُ رَبُّ الْمَالِ الْغُلَامَ) إنْ شَاءَ (فَإِذَا قَبَضَ) رَبُّ الْمَالِ (الْأَلْفَ) مِنْ الْغُلَامِ (ضَمِنَ الْمُدَّعِي) أَيْ الْمُضَارِبُ (نِصْفَ قِيمَةِ الْأَمَةِ) وَذَلِكَ لِأَنَّ دَعْوَةَ الْمُضَارِبِ وَقَعَتْ صَحِيحَةً ظَاهِرًا، لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ وُلِدَ مِنْ النِّكَاحِ بِأَنْ زَوَّجَهَا الْبَائِعُ لَهُ ثُمَّ بَاعَهَا مِنْهُ وَهِيَ حُبْلَى مِنْهُ حَمْلًا لِأَمْرِهِ عَلَى الصَّلَاحِ، لَكِنْ لَا تُقَيَّدُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِعَدَمِ الْمِلْكِ وَهُوَ شَرْطٌ فِيهَا، إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْجَارِيَةِ وَوَلَدِهَا مَشْغُولٌ بِرَأْسِ الْمَالِ فَلَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ فِيهِ لِمَا عُرِفَ أَنَّ مَالَ الْمُضَارَبَةِ إذَا صَارَتْ أَجْنَاسًا مُخْتَلِفَةً، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَزِيدُ عَلَى رَأْسِ الْمَالِ لَا يَظْهَرُ الرِّبْحُ عِنْدَنَا لِأَنَّ بَعْضَهَا لَيْسَ بِأَوْلَى بِهِ مِنْ الْبَعْضِ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ لِلْمُضَارِبِ نَصِيبٌ فِي الْأَمَةِ وَلَا فِي الْوَلَدِ، وَإِنَّمَا الثَّابِتُ لَهُ مُجَرَّدُ حَقِّ التَّصَرُّفِ فَلَا يَنْفُذُ دَعْوَتُهُ، فَإِذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ فَصَارَتْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ ظَهَرَ الرِّبْحُ فَمَلَكَ الْمُضَارِبُ مِنْهُ نِصْفَ الزِّيَادَةِ فَنَفَذَتْ دَعْوَتُهُ لِوُجُودِ شَرْطِهَا وَهُوَ الْمِلْكُ بِخِلَافِ مَا إذَا أَعْتَقَ الْوَلَدَ، ثُمَّ ظَهَرَ الرِّبْحُ حَيْثُ لَا يَنْفُذُ إعْتَاقُهُ السَّابِقُ لِأَنَّهُ إنْشَاءٌ فَإِذَا بَطَلَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ لَا يَنْفُذُ بَعْدَهُ بِحُدُوثِهِ، وَأَمَّا الدَّعْوَةُ فَإِخْبَارٌ فَإِذَا رُدَّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَهُوَ بَاقٍ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَإِذَا مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ نَفَذَتْ دَعْوَتُهُ كَمَا إذَا أَخْبَرَ بِحُرِّيَّةِ عَبْدٍ لِغَيْرِهِ يُرَدُّ إخْبَارُهُ فَإِذَا مَلَكَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَارَ حُرًّا كَمَا فِي الدُّرَرِ هَذَا. [بَابٌ الْمُضَارِب يُضَارِب مَعَ آخِر] بَابٌ يُقْرَأُ بِالتَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ (الْمُضَارِبُ يُضَارِبُ) مَعَ آخَرَ، مُضَارَبَةُ الْمُضَارِبِ مُرَكَّبَةٌ فَلِهَذَا أَخَّرَهَا عَنْ الْمُفْرَدِ (فَإِنْ ضَارَبَ الْمُضَارِبُ) أَيْ دَفَعَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ إلَى آخَرَ مُضَارَبَةً (بِلَا إذْنٍ) مِنْ رَبِّ الْمَالِ (فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْمُضَارِبِ إذَا هَلَكَ الْمَالُ بِمُجَرَّدِ الدَّفْعِ (مَا لَمْ يَعْمَلْ) الْمُضَارِبُ (الثَّانِي) فِي الْمَالِ فَإِذَا عَمِلَ ضَمِنَ الدَّافِعُ رِبْحَ الثَّانِي أَوَّلًا (فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ) عَنْ الْإِمَامِ (وَهُوَ قَوْلُهُمَا، وَفِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ الْإِمَامِ لَا يَضْمَنُ بِالْعَمَلِ أَيْضًا مَا لَمْ يَرْبَحْ) أَيْ الثَّانِي. وَقَالَ زُفَرُ: يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ، تَصَرَّفَ أَوْ لَمْ يَتَصَرَّفْ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ دَفَعَ مَالَهُ إلَى غَيْرِهِ بِلَا أَمْرٍ فَيَضْمَنُ وَلَنَا أَنَّهُ كَالْإِيدَاعِ قَبْلَ الْعَمَلِ وَهُوَ يَمْلِكُ الْإِيدَاعَ بِنَفْسِهِ، وَجْهُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الرِّبْحَ إنَّمَا يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ فَيُقَامُ سَبَبُ حُصُولِ الرِّبْحِ مَقَامَ حَقِيقَةِ حُصُولِهِ فِي صَيْرُورَةِ الْمَالِ مَضْمُونًا بِهِ هَذَا إذَا كَانَتْ

стр. 1088

الْمُضَارَبَةُ الثَّانِيَةُ صَحِيحَةً (وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ فَاسِدَةً فَلَا ضَمَانَ) عَلَى الْأَوَّلِ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (رَبِحَ) الثَّانِي لِأَنَّهُ أَجِيرٌ، وَالْأَجِيرُ لَا يَسْتَحِقُّ شَيْئًا مِنْ الرِّبْحِ فَلَا تَثْبُتُ الْمُضَارَبَةُ وَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ عَلَى الْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَ الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْمَالِ عَلَى مَا شَرَطَا لَهُ (وَحَيْثُ ضَمِنَ) أَيْ حَيْثُ لَزِمَ الضَّمَانُ بِعَمَلِ الثَّانِي فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِالرِّبْحِ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْهُ (فَلِرَبِّ الْمَالِ تَضْمِينُ أَيِّهِمَا شَاءَ) بِإِجْمَاعِ أَصْحَابِنَا (فِي الْمَشْهُورِ) مِنْ الرِّوَايَةِ، أَيْ: خُيِّرَ رَبُّ الْمَالِ إنْ شَاءَ ضَمَّنَ الْمُضَارِبَ الْأَوَّلَ رَأْسَ مَالِهِ لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِ، وَإِنْ شَاءَ ضَمَّنَ الثَّانِيَ لِقَبْضِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَإِنْ اخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ أَنْ يَأْخُذَ الرِّبْحَ وَلَا يُضَمِّنَ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنْ ضَمَّنَ الْأَوَّلَ صَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الثَّانِي لِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالضَّمَانِ مِنْ حِينِ خَالَفَ بِالدَّفْعِ إلَى غَيْرِهِ لَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَضِيَ بِهِ فَصَارَ كَمَا إذَا دَفَعَ مَالَ نَفْسِهِ وَكَانَ الرِّبْحُ عَلَى مَا شَرَطَا، وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ رَجَعَ بِمَا ضَمِنَ عَلَى الْأَوَّلِ بِالْعَقْدِ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ كَالْمُودَعِ، وَلِأَنَّهُ مَغْرُورٌ مِنْ جِهَتِهِ فِي ضِمْنِ الْعَقْدِ، وَصَحَّتْ الْمُضَارَبَةُ بَيْنَهُمَا وَيَكُونُ الرِّبْحُ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا، وَيَطِيبُ لِلثَّانِي مَا رَبِحَ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَمَلِ وَلَا خَبَثَ فِي الْعَمَلِ، وَلَا يَطِيبُ لِلْأَوَّلِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ بِمِلْكِهِ الْمُسْتَنِدِ بِأَدَاءِ الضَّمَانِ، وَلَا يُعَرَّى عَنْ نَوْعِ خَبَثٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَقِيلَ عَلَى الْخِلَافِ فِي إيدَاعِ الْمُودَعِ) أَيْ يُضَمَّنُ الْأَوَّلُ فَقَطْ، وَلَا يُضَمَّنُ الثَّانِي عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا يُضَمَّنُ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي مُودَعِ الْمُودَعِ فَإِنَّ عِنْدَهُ لَا يُضَمَّنُ وَعِنْدَهُمَا يَتَخَيَّرُ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا لِلْإِمَامِ أَنَّ مُودَعَ الْمُودَعِ كَانَ يَقْبِضُهُ لِنَفْعِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ ضَامِنًا، أَمَّا الْمُضَارِبُ الثَّانِي فَيَعْمَلُ فِيهِ لِنَفْعِ نَفْسِهِ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا. (وَإِنْ أَذِنَ) رَبُّ الْمَالِ (لَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ بِالدَّفْعِ إلَى آخَرَ (بِالْمُضَارَبَةِ فَضَارَبَ) الْمُضَارِبُ (بِالثُّلُثِ، وَ) الْحَالُ أَنَّهُ (قَدْ قِيلَ لَهُ) أَيْ وَكَانَ رَبُّ الْمَالِ قَالَ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ: (مَا رَزَقَ اللَّهُ بَيْنَنَا نِصْفَانِ، أَوْ) مَا رَزَقَ اللَّهُ (فَلِي نِصْفُهُ أَوْ مَا فَضَلَ) مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (فَنِصْفَانِ) فَعَمِلَ الثَّانِي وَرَبِحَ (فَنِصْفُ الرِّبْحِ لِرَبِّ الْمَالِ، وَثُلُثُهُ لِلثَّانِي) أَيْ لِلْمُضَارِبِ الثَّانِي (وَسُدُسُهُ لِلْأَوَّلِ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الدَّفْعَ إلَى الثَّانِي مُضَارَبَةً لِأَنَّهُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ، وَقَدْ شَرَطَ لِنَفْسِهِ نِصْفَ جَمِيعِ مَا رَزَقَ اللَّهُ - تَعَالَى - وَقَدْ جَعَلَ الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي ثُلُثَهُ فَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى نَصِيبِهِ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ نَصِيبِ رَبِّ الْمَالِ شَيْئًا، فَيَبْقَى لِلْأَوَّلِ السُّدُسُ وَيَطِيبُ ذَلِكَ لِكُلِّهِمْ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَسْتَحِقُّهُ بِالْمَالِ وَهُمَا بِالْعَمَلِ. (وَإِنْ دَفَعَ) الْمُضَارِبُ الْأَوَّلُ لِلثَّانِي (بِالنِّصْفِ) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (فَنِصْفُهُ) أَيْ الرِّبْحِ (لِرَبِّ الْمَالِ وَنِصْفُهُ لِلثَّانِي) أَيْ لِلْمُضَارِبِ الثَّانِي (وَلَا شَيْءَ لِلْأَوَّلِ) لِأَنَّ الْمَالِكَ شَرَطَ لِنَفْسِهِ جَمِيعَ الرِّبْحِ فَانْصَرَفَ شَرْطُ الْأَوَّلِ النِّصْفَ لِلثَّانِي إلَى نَصِيبِهِ فَيَكُونُ لِلثَّانِي بِالشَّرْطِ، وَيَخْرُجُ الْأَوَّلُ بِغَيْرِ شَيْءٍ لِأَنَّهُ

стр. 1089

لَمْ يَبْقَ لَهُ. (وَإِنْ شَرَطَ) الْأَوَّلُ (لِلثَّانِي الثُّلُثَيْنِ) أَيْ ثُلُثَيْ الرِّبْحِ، وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (فَكَمَا شَرَطَ) يَعْنِي لِرَبِّ الْمَالِ النِّصْفُ لِلْمُضَارِبِ وَلِلثَّانِي الثُّلُثَانِ (وَيَضْمَنُ) الْمُضَارِبُ (الْأَوَّلُ لِلثَّانِي سُدُسًا) أَيْ سُدُسَ الرِّبْحِ مِنْ مَالِهِ لِأَنَّ الْمَالِكَ شَرَطَ النِّصْفَ لِنَفْسِهِ فَلَهُ ذَلِكَ، وَاسْتَحَقَّ الْمُضَارِبُ الثَّانِي ثُلُثَيْ الرِّبْحِ بِشَرْطِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ شَرْطَهُ صَحِيحٌ لِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لَكِنْ لَا يَنْفُذُ فِي حَقِّ الْمَالِكِ إذْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُغَيِّرَ شَرْطَهُ فَيَغْرَمَ لَهُ قَدْرَ السُّدُسِ تَكْمِلَةً لِلثُّلُثَيْنِ لِالْتِزَامِهِ بِالْعَقْدِ. (وَإِنْ كَانَ قِيلَ لَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ يَعْنِي قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: (مَا رَزَقَك اللَّهُ - تَعَالَى - أَوْ مَا رَبِحْتَ بَيْنَنَا نِصْفَانِ فَدَفَعَ) الْمُضَارِبُ لِآخَرَ مُضَارَبَةً (بِالثُّلُثِ) فَعَمِلَ الثَّانِي وَرَبِحَ (فَلِكُلٍّ مِنْهُمْ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالِكِ وَالْمُضَارِبِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي (ثُلُثُهُ) لِأَنَّ ثُلُثَ الرِّبْحِ مَشْرُوطٌ لِلثَّانِي، وَمَا بَقِيَ مِنْ الرِّبْحِ ثُلُثَانِ وَهُوَ مَرْزُوقٌ لِلْأَوَّلِ، فَنِصْفُ الثُّلُثَيْنِ هُوَ الثُّلُثُ لِرَبِّ الْمَالِ عَلَى مَا شَرَطَ وَلَا يَبْقَى لِلْأَوَّلِ إلَّا الثُّلُثُ، وَيَطِيبُ لَهُمْ أَيْضًا. (وَإِنْ دَفَعَ) الْمُضَارِبُ لِآخَرَ مُضَارَبَةً (بِالنِّصْفِ) فِي هَذِهِ الصُّورَةِ (فَلِلثَّانِي نِصْفُ) الرِّبْحِ (وَلِكُلٍّ مِنْ) الْمُضَارِبِ (الْأَوَّلِ وَرَبِّ الْمَالِ رُبُعُ) الرِّبْحِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ شَرَطَ لِلثَّانِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَذَلِكَ مُفَوَّضٌ إلَيْهِ مِنْ جِهَةِ رَبِّ الْمَالِ فَيَسْتَحِقُّهُ وَقَدْ جَعَلَ رَبُّ الْمَالِ لِنَفْسِهِ نِصْفَ مَا رَبِحَ الْأَوَّلُ وَلَمْ يَرْبَحْ إلَّا النِّصْفَ فَيَكُونُ بَيْنَهُمَا. (وَلَوْ شَرَطَ) الْمُضَارِبُ (لِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ ثُلُثًا) مِنْ الرِّبْحِ (لِيَعْمَلَ) الْعَبْدُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ الْمُضَارِبِ (وَ) شَرَطَ (لِرَبِّ الْمَالِ ثُلُثًا) مِنْ الرِّبْحِ (وَلِنَفْسِهِ ثُلُثًا صَحَّ) ذَلِكَ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ الْعَمَلِ عَلَى الْعَبْدِ لَا يَمْنَعُ التَّخْلِيَةَ وَالتَّسْلِيمَ مِنْ الْمَالِكِ سَوَاءٌ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ لَا لِأَنَّ لِلْعَبْدِ يَدًا مُعْتَبَرَةً فَيَكُونُ مُنْفَرِدًا خُصُوصًا إذَا كَانَ مَأْذُونًا، وَاشْتِرَاطُ الْعَمَلِ إذْنٌ لَهُ فَيَكُونُ حِصَّتُهُ لِلْمَوْلَى إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ، وَإِلَّا فَهُوَ لِغُرَمَائِهِ إنْ شَرَطَ عَمَلَهُ، وَإِلَّا فَهُوَ لِلْمَوْلَى. قَوْلُهُ مَعَهُ عَادِيٌّ وَلَيْسَ بِقَيْدٍ بَلْ يَصِحُّ الشَّرْطُ وَيَكُونُ لِلْمَوْلَى، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ عَمَلَهُ. قَيَّدَ بِعَبْدِ رَبِّ الْمَالِ لِأَنَّ عَبْدَ الْمُضَارِبِ لَوْ شُرِطَ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَمَلُهُ لَا يَجُوزُ وَيَكُونُ مَا شُرِطَ لِرَبِّ الْمَالِ إذَا كَانَ عَلَى الْعَبْدِ دَيْنٌ وَلَا يَصِحُّ، سَوَاءٌ شُرِطَ عَمَلُهُ أَوْ لَا وَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ، وَقَيَّدَ بِكَوْنِ الْعَاقِدِ الْمَوْلَى لِأَنَّهُ لَوْ عَقَدَهَا الْمَأْذُونُ مَعَ أَجْنَبِيٍّ، وَشَرَطَ عَمَلَ مَوْلَاهُ لَمْ يَصِحَّ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا، وَقَيَّدَ بِاشْتِرَاطِ عَمَلِ الْعَبْدِ لِأَنَّ اشْتِرَاطَ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ مَعَ الْمُضَارِبِ مُفْسِدٌ، وَكَذَا اشْتِرَاطُ عَمَلِ الْمُضَارِبِ مَعَ مُضَارَبَةِ أَوْ عَمَلِ رَبِّ الْمَالِ مَعَ الثَّانِي وَلَوْ شَرَطَ بَعْضَ الرِّبْحِ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ لِلْحَجِّ أَوْ فِي الرِّقَابِ لَمْ يَصِحَّ، وَيَكُونُ لِرَبِّ الْمَالِ، وَلَوْ شَرَطَ لِمَنْ شَاءَ الْمُضَارِبُ فَإِنْ شَاءَ لِنَفْسِهِ أَوْ لِرَبِّ الْمَالِ صَحَّ، وَإِنْ شَاءَ لِأَجْنَبِيٍّ لَمْ يَصِحَّ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَتَبْطُلُ) الْمُضَارَبَةُ (بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا) أَيْ بِمَوْتِ الْمَالِكِ

стр. 1090

أَوْ الْمُضَارِبِ لِكَوْنِهَا وَكَالَةً وَهِيَ تَبْطُلُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ. (وَ) تَبْطُلُ أَيْضًا (بِلِحَاقِ رَبِّ الْمَالِ) بِدَارِ الْحَرْبِ حَالَ كَوْنِهِ (مُرْتَدًّا) وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - إذَا حُكِمَ بِلُحُوقِهِ مِنْ يَوْمِ ارْتَدَّ وَانْتَقَلَ مِلْكُهُ إلَى وَرَثَتِهِ فَلَمْ يَتَصَرَّفْ الْمُضَارِبُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَالِ إلَّا إذَا كَانَ مَتَاعًا أَوْ عُرُوضًا فَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ فِيهِ جَائِزٌ حَتَّى يُحَصِّلَ رَأْسَ الْمَالِ. قَيَّدَ بِلُحُوقِهِ لِأَنَّهُ لَوْ ارْتَدَّ وَلَمْ يَلْحَقْ وَتَصَرُّفُهُ مَوْقُوفٌ فَإِنْ عَادَ بَعْدَ لُحُوقِهِ مُسْلِمًا فَالْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا كَمَا فِي الْبَحْرِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ مَحَلَّ التَّصَرُّفِ خَرَجَ عَنْ مِلْكِ الْمُوَكِّلِ وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ الْوَكِيلِ بِخِلَافِ الْمُضَارِبِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ هَذَا إذَا لَمْ يُحْكَمْ بِلُحُوقِهِ أَمَّا إذَا حُكِمَ فَلَا تَعُودُ الْمُضَارَبَةُ لِأَنَّهَا بَطَلَتْ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَتْقَانِيِّ لَكِنْ فِي الْعِنَايَةِ: تَعُودُ سَوَاءٌ حُكِمَ بِلِحَاقِهِ أَوْ لَا. (لَا) تَبْطُلُ الْمُضَارَبَةُ (بِلِحَاقِ الْمُضَارِبِ) إجْمَاعًا لِأَنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُرْتَدِّ إنَّمَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَ الْإِمَامِ لِلتَّوَقُّفِ فِي أَمْلَاكِهِ، وَلَا مِلْكَ لِلْمُضَارِبِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَبَقِيَتْ الْمُضَارَبَةُ عَلَى حَالِهَا فَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَوْ لَحِقَ وَحُكِمَ بِلِحَاقِهِ بَطَلَتْ الْمُضَارَبَةُ كَمَا فِي السِّرَاجِ. (وَلَا يَنْعَزِلُ) الْمُضَارِبُ (بِعَزْلِهِ) أَيْ بِعَزْلِ رَبِّ الْمَالِ إيَّاهُ (مَا لَمْ يَعْلَمْ) الْمُضَارِبُ (بِهِ) أَيْ بِالْعَزْلِ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مِنْ جِهَتِهِ فَيُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ بِعَزْلِهِ (فَإِنْ عَلِمَ) الْمُضَارِبُ بِعَزْلِهِ (وَالْمَالُ عُرُوضٌ فَلَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ (بَيْعُهَا) أَيْ الْعُرُوضِ مُطْلَقًا لِأَنَّ لَهُ حَقًّا فِي الرِّبْحِ وَلَا يَظْهَرُ إلَّا بِالنَّقْدِ فَيَثْبُتُ لَهُ حَقُّ الْبَيْعِ لِيَظْهَرَ ذَلِكَ (وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي ثَمَنِهَا) أَيْ فِي ثَمَنِ الْعُرُوضِ الَّتِي بَاعَهَا لِأَنَّ الْبَيْعَ بَعْدَ الْعَزْلِ كَانَ لِلضَّرُورَةِ لِيَظْهَرَ الرِّبْحُ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ بَعْدَ النَّقْدِ وَلَا يَمْلِكُ الْمَالِكُ فَسْخَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِأَنَّ لِلْمُضَارِبِ حَقًّا فِي الرِّبْحِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ كَانَ) مَالُ الْمُضَارَبَةِ (نَقْدًا مِنْ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ) أَيْ مَالِ عَقْدِ الْمُضَارَبَةِ حِينَ أَعْلَمَهُ بِعَزْلِهِ (لَا يَتَصَرَّفُ) الْمُضَارِبُ (فِيهِ) أَيْ النَّقْدِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَهُوَ مَعْزُولٌ (وَإِنْ) كَانَ الْمَالُ (مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ) أَيْ غَيْرِ جِنْسِ رَأْسِ الْمَالِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُضَارِبِ (تَبْدِيلُهُ بِجِنْسِهِ) أَيْ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَرَاهِمَ وَهُوَ مَعْزُولٌ وَمَعَهُ دَنَانِيرُ لَهُ بَيْعُهَا بِالدَّرَاهِمِ (اسْتِحْسَانًا) لِأَنَّ الْوَاجِبَ لِلْمُضَارِبِ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ رَأْسِ الْمَالِ، وَهُوَ يَتَحَقَّقُ بِرَدِّ جِنْسِهِ فَكَانَ لَهُ تَبْدِيلُهُ بِجِنْسِهِ ضَرُورَةً. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يُبَدِّلُ لِأَنَّ النَّقْدَيْنِ جِنْسٌ وَاحِدٌ مِنْ حَيْثُ الثَّمَنِيَّةُ. (وَلَوْ افْتَرَقَا) أَيْ الْمُضَارِبُ وَرَبُّ الْمَالِ بِالْفَسْخِ (وَ) كَانَ (فِي الْمَالِ دَيْنٌ عَلَى النَّاسِ لَزِمَهُ) أَيْ الْمُضَارِبَ (الِاقْتِضَاءُ) أَيْ مُطَالَبَةُ الدَّيْنِ شَرْعًا (إنْ كَانَ)

стр. 1091

فِيهِ (رِبْحٌ) لِأَنَّهُ يَأْخُذُ الْأَجْرَ فَعَلَيْهِ عَمَلُ الطَّلَبِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رِبْحٌ (فَلَا) يَلْزَمُ الِاقْتِضَاءُ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ مَحْضٌ وَهُوَ مُتَبَرِّعٌ فَلَا جَبْرَ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ (وَيُوَكِّلُ) الْمُضَارِبُ (الْمَالِكَ بِهِ) أَيْ بِالِاقْتِضَاءِ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ هُوَ الْعَاقِدُ، وَحُقُوقَ الْعَقْدِ تَتَعَلَّقُ بِالْعَاقِدِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَوْكِيلِهِ الْمَالِكَ فِي الطَّلَبِ إذَا امْتَنَعَ كَيْ لَا يَضِيعَ حَقُّ رَبِّ الْمَالِ حَيْثُ لَا يَدْفَعُ الْمَدْيُونُ الدَّيْنَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا يَدْفَعُهُ إلَى مَنْ عَقَدَ مَعَهُ أَوْ إلَى وَكِيلِهِ. (وَكَذَا) أَيْ مِثْلُ هَذَا حُكْمُ (سَائِرِ الْوُكَلَاءِ) فَإِنَّهُمْ إذَا امْتَنَعُوا عَنْ الِاقْتِضَاءِ يُوَكِّلُونَ الْمُلَّاكَ (، وَالْبَيَّاعُ) مَنْ بَاعَ النَّاسَ بِأَجْرٍ (وَالسِّمْسَارُ) بِالْكَسْرِ: الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي يَبِيعُ وَيَشْتَرِي لِلنَّاسِ بِأَجْرٍ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ (يُجْبَرَانِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الِاقْتِضَاءِ لِوُجُودِ سَبَبِ الْإِجْبَارِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِأُجْرَةٍ عَادَةً فَجُعِلَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْإِجَارَةِ الصَّحِيحَةِ بِحُكْمِ الْعَادَةِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا التَّقَاضِي وَالِاسْتِيفَاءُ، لِأَنَّهُ وَصَلَ إلَيْهِمَا بَدَلُ عَمَلِهِمَا فَصَارَ كَالْمُضَارِبِ إذَا كَانَ فِي الْمَالِ رِبْحٌ. (وَمَا هَلَكَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ صُرِفَ إلَى الرِّبْحِ أَوَّلًا) دُونَ رَأْسِ الْمَالِ لِأَنَّهُ تَابِعٌ، وَرَأْسُ الْمَالِ أَصْلٌ فَيَنْصَرِفُ الْهَالِكُ إلَى التَّابِعِ كَمَا فِي مَالِ الزَّكَاةِ إلَى الْعَفْوِ ابْتِدَاءً (فَإِنْ زَادَ) الْهَالِكُ (عَلَى الرِّبْحِ لَا يَضْمَنُ الْمُضَارِبُ) لِكَوْنِهِ أَمِينًا، سَوَاءٌ كَانَ مِنْ عَمَلِهِ أَوْ لَا، وَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي هَلَاكِهِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ كَمَا قِيلَ فِي الْوَدِيعَةِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الْمُضَارَبَةُ صَحِيحَةً أَوْ فَاسِدَةً فَهِيَ أَمَانَةٌ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ كَانَتْ فَاسِدَةً فَالْمَالُ مَضْمُونٌ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَهُوَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ، لَكِنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ عَدَمُ الضَّمَانِ فِي الْكُلِّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي قَوْلِهِ وَلَا يَضْمَنُ الْمَالَ فِيهَا. (فَإِنْ اقْتَسَمَاهُ) أَيْ الْمُضَارِبُ وَالْمَالِكُ الرِّبْحَ (وَفُسِخَتْ) الْمُضَارَبَةُ (ثُمَّ عُقِدَتْ) الْمُضَارَبَةُ جَدِيدًا (فَهَلَكَ الْمَالُ أَوْ بَعْضُهُ) فِي يَدِ الْمُضَارِبِ (لَا يَتَرَادَّانِ) أَيْ الْمُضَارِبُ وَالْمَالِكُ (الرِّبْحَ) الْمَقْسُومَ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ الْأُولَى قَدْ انْتَهَتْ، وَثُبُوتُ الثَّانِيَةِ بِعَقْدٍ جَدِيدٍ فَهَلَاكُ الْمَالِ فِي الثَّانِي لَا يُوجِبُ انْتِقَاضَ الْأَوَّلِ كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ مَالًا آخَرَ. (وَإِنْ اقْتَسَمَاهُ مِنْ غَيْرِ فَسْخِ) ثُمَّ هَلَكَ الْمَالُ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ (تَرَادَّاهُ) أَيْ الْمُضَارِبُ وَالْمَالِكُ الرِّبْحَ الْمَقْسُومَ (حَتَّى يَتِمَّ رَأْسُ الْمَالِ) لِأَنَّ الرِّبْحَ تَابِعٌ فَلَا يَسْلَمُ بِدُونِ سَلَامَةِ الْأَصْلِ (فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ) مِنْ الرِّبْحِ بَعْدَمَا اسْتَوْفَى رَأْسَ الْمَالِ (اقْتَسَمَاهُ) أَيْ مَا فَضَلَ لِأَنَّهُ رِبْحٌ. (وَإِنْ لَمْ يَفِ) أَيْ رِبْحُ مَا هَلَكَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ (فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُضَارِبِ) لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِيهِ. [فَصْلٌ فِي الْمُتَفَرِّقَاتِ] ِ (وَلَا يُنْفِقُ الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِهَا) أَيْ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ (فِي مِصْرِهِ) الَّذِي

стр. 1092

وَلَدَ فِيهِ (أَوْ فِي مِصْرٍ اتَّخَذَهُ دَارًا) أَيْ وَطَنًا إذْ لَا يَحْتَبِسُ فِيهِ لِعَمَلِ الْمُضَارَبَةِ بَلْ يَسْكُنُ فِيهِ بِالسُّكْنَى الْأَصْلِيِّ عَمِلَ أَوْ لَمْ يَعْمَلْ قَيَّدَ بِاتَّخَذَهُ وَطَنًا لِأَنَّهُ لَوْ نَوَى الْإِقَامَةَ فِي مِصْرٍ وَلَمْ يَتَّخِذْهُ وَطَنًا فَنَفَقَتُهُ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ. (وَلَا) يُنْفِقُ (فِي) الْمُضَارَبَةِ (الْفَاسِدَةِ) ؛ لِأَنَّهُ أَجِيرٌ وَلَا نَفَقَةَ لَهُ (فَإِنْ سَافَرَ) الْمُضَارِبُ لِلتِّجَارَةِ فِي الْمُضَارَبَةِ (فَطَعَامُهُ وَشَرَابُهُ مِنْ مَالِهَا) أَيْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّ النَّفَقَةَ تَجِبُ بِسَبَبِ الِاحْتِبَاسِ كَنَفَقَةِ الْقَاضِي وَالزَّوْجَةِ، فَإِذَا سَافَرَ صَارَ مَحْبُوسًا بِهِ فَتَجِبُ مُؤْنَتُهُ الرَّاتِبَةُ فِيهِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مِثْلُ هَذَا الْإِنْفَاقِ فِي عُرْفِهِمْ إسْرَافًا. (وَكَذَا كِسْوَتُهُ) بِالْمَعْرُوفِ (وَرَكُوبُهُ شِرَاءً وَاسْتِئْجَارًا) ، وَعَلَفُ الدَّابَّةِ الَّتِي يَرْكَبُهَا فِي سَفَرِهِ، وَحَوَائِجُهُ وَالرَّكُوبُ بِالْفَتْحِ الْمَرْكُوبُ. (وَكَذَا أُجْرَةُ خَادِمِهِ) أَيْ خَابِزُهُ وَطَابِخُهُ وَغَاسِلُ ثِيَابِهِ وَعَامِلُ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ اعْتِبَارًا لِعَادَةِ التُّجَّارِ (وَفِرَاشٌ يَنَامُ عَلَيْهِ وَغَسْلُ ثِيَابِهِ) مُسْتَدْرَكٌ بِقَوْلِهِ، وَخَادِمُهُ إلَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ ثَمَنُ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِثْلُ الْحُرْضِ وَالصَّابُونِ كَمَا فِي الْكِفَايَةِ. (وَ) كَذَا (الدَّهْنُ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ الْهَاءِ بِمَعْنَى الْأَدْهَانِ (فِي مَوْضِعٍ يَحْتَاجُ فِيهِ إلَيْهِ) أَيْ إلَى الدَّهْنِ كَالْحِجَازِ، وَكَذَا أُجْرَةُ الْحَمَّامِ وَالْحَلَّاقِ وَدَهْنُ السِّرَاجِ وَالْحَطَبِ وَإِنَّمَا قُلْنَا اعْتِبَارًا لِعَادَةِ التُّجَّارِ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الثِّيَابِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ مِمَّا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ كَأُجْرَةِ الْحَمَّامِ وَلَكِنْ فِي عَادَةِ التِّجَارَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِيَزْدَادَ رَغَبَاتُ النَّاسِ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَلَا يَعُدُّونَهُمْ فِي عِدَادِ الْمَفَالِيسِ (وَضَمِنَ) الْمُضَارِبُ (مَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الْعَادَةِ) لِانْتِفَاءِ الْإِذْنِ. (وَنَفَقَتُهُ) أَيْ الْمُضَارِبِ (فِي مِصْرِهِ مِنْ مَالِهِ) لِمَا مَرَّ أَنَّهَا جَزَاءُ الِاحْتِبَاسِ هَذَا تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ ضِمْنًا فِي قَوْلِهِ: وَلَا يُنْفِقُ الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِهَا فِي مِصْرِهِ فَلَوْ اقْتَصَرَ لَكَانَ أَحْصَرَ (كَالدَّوَاءِ) ، فَإِنَّهُ مِنْ مَالِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى النَّفَقَةِ دَائِمَةٌ بِخِلَافِ الدَّوَاءِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ، وَقَدْ لَا يَمْرَضُ فَلَا يُعَدُّ مِنْ جُمْلَةِ النَّفَقَةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي السَّفَرِ أَوْ الْحَضَرِ فَيَكُونُ مِنْ مَالِهِ كَزَوْجَةٍ يَكُونُ دَوَاؤُهَا مِنْ مَالِهَا. وَعَنْ الْإِمَامِ أَنَّ الدَّوَاءَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ التِّجَارَةِ إلَّا بِهِ فَيَصِيرُ كَالنَّفَقَةِ (وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ مِنْ كِسْوَةٍ وَغَيْرِهَا) كَالطَّعَامِ وَنَحْوِهِ (إذَا قَدِمَ) مِنْ السَّفَرِ إلَى مَسْكَنِهِ (إلَى رَأْسِ الْمَالِ) لِانْتِهَاءِ الِاسْتِحْقَاقِ بِانْتِهَاءِ السَّفَرِ (وَمَا دُونَ السَّفَرِ كَسُوقِ الْمِصْرِ) فِي كَوْنِ نَفَقَتِهِ فِي مَالِهِ لَا فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ (إنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَغْدُوَ وَيَبِيتَ فِي أَهْلِهِ) ؛ لِأَنَّ أَهْلَ السُّوقِ يَتَّجِرُونَ فِي أَسْوَاقِ الْمِصْرِ وَيَبِيتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ مَعَ أَنَّ ذَهَابَهُمْ وَإِيَابَهُمْ لِمَصَالِحِ أَنْفُسِهِمْ لَا لِلْغَيْرِ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَغْدُوَ وَيَبِيتَ بِأَهْلِهِ (فَكَالسَّفَرِ) فِي كَوْنِ نَفَقَتِهِ فِي مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَا فِي مَالِ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّ ذَهَابَهُ قَدْ صَارَ لِلْمُضَارَبَةِ يَقِينًا (وَلَيْسَ لِلْمُسْتَبْضِعِ الْإِنْفَاقُ مِنْ مَالِهَا) أَيْ مِنْ مَالِ الْبِضَاعَةِ؛ لِأَنَّهُ كَالْوَكِيلِ

стр. 1093

فَيَكُونُ مُتَبَرِّعًا فَلَا تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ. (وَيُؤْخَذُ مَا أَنْفَقَهُ الْمُضَارِبُ مِنْ الرِّبْحِ أَوَّلًا) يُرِيدُ أَنَّ الْمُضَارِبَ إذَا أَنْفَقَ مِنْ مَالِ الْمُضَارَبَةِ فَرَبِحَ يَأْخُذُ الْمَالِكُ مِنْ الرِّبْحِ مِقْدَارَ مَا أَنْفَقَهُ الْمُضَارِبُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ لِيُكْمِلَ رَأْسَ الْمَالِ (وَمَا فَضَلَ) مِنْ الرِّبْحِ (قُسِمَ) بَيْنَهُمَا عَلَى مَا شَرَطَا فَتَكُونُ النَّفَقَةُ مَصْرُوفَةً إلَى الرِّبْحِ لَا إلَى رَأْسِ الْمَالِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَرْبَحْ تَجِبُ النَّفَقَةُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ كَمَا فِي الْفَرَائِدِ وَلَوْ أَنْفَقَ الْمُضَارِبُ مِنْ مَالِهِ ثُمَّ هَلَكَ مَالُ الْمُضَارَبَةِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى رَبِّ الْمَالِ. (وَإِنْ سَافَرَ) الْمُضَارِبُ (بِمَالِهِ وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ) أَوْ خَلَطَ مَالَهُ بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ بِإِذْنِ رَبِّ الْمَالِ (أَوْ) سَافَرَ (بِمَالَيْنِ لِرَجُلَيْنِ أَنْفَقَ بِالْحِصَّةِ) أَيْ تُوَزَّعُ النَّفَقَةُ عَلَى قَدْرِ الْحِصَصِ مِنْ الْمَالِ. (وَإِنْ بَاعَ) الْمُضَارِبُ (مَتَاعَ الْمُضَارَبَةِ مُرَابَحَةً حَسِبَ مَا أَنْفَقَهُ) أَيْ الْمُضَارِبُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَتَاعِ (مِنْ) أُجْرَةِ (حَمْلٍ وَنَحْوِهِ) مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بَيْنَ التُّجَّارِ بِضَمِّهِ كَأُجْرَةِ السِّمْسَارِ وَالْقَصَّارِ وَالصَّبَّاغِ وَقَالَ قَامَ عَلِيٌّ بِكَذَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ تَزِيدُ فِي الْقِيمَةِ وَتَعَارَفَ التُّجَّارُ إلْحَاقَهَا إلَى رَأْسِ الْمَالِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ فَلِهَذَا قَالَ فِي التَّنْوِيرِ وَكَذَا يَضُمُّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ مَا يُوجِبُ زِيَادَةً فِيهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَوْ اعْتَقَدَهُ التُّجَّارَ، وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ كَمَا فِي النِّهَايَةِ (لَا) يَحْسِبُ (نَفَقَةَ نَفْسِهِ) أَيْ الْمُضَارِبِ فِي سَفَرِهِ إذَا بَاعَ مُرَابَحَةً؛ لِأَنَّهَا لَا تَزِيدُ فِي الْقِيمَةِ. (وَلَوْ شَرَى مُضَارِبٌ بِالنِّصْفِ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ بَزًّا وَبَاعَهُ) أَيْ الْبَزَّ (بِأَلْفَيْنِ وَاشْتَرَى بِهِمَا عَبْدًا فَضَاعَا) أَيْ الْأَلْفَانِ (فِي يَدِهِ) أَيْ الْمُضَارِبِ (قَبْلَ نَقْدِهِمَا) أَيْ أَلْفَيْنِ (يَغْرَمُ الْمُضَارِبُ رُبْعَهُمَا) أَيْ رُبْعَ الْأَلْفَيْنِ وَهُوَ خَمْسُمِائَةٍ (وَ) يَغْرَمُ (الْمَالِكُ الْبَاقِيَ) وَهُوَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْمَالَ لَمَّا صَارَ أَلْفَيْنِ ظَهَرَ الرِّبْحُ فِي الْمَالِ وَهُوَ أَلْفٌ فَكَانَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ فَنَصِيبُ الْمُضَارِبِ مِنْهُ خَمْسُمِائَةٍ، فَإِذَا اشْتَرَى بِالْأَلْفَيْنِ عَبْدًا صَارَ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُمَا، فَرُبْعُهُ لِلْمُضَارِبِ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ لِلْمَالِكِ، ثُمَّ إذَا ضَاعَ الْأَلْفَانِ قَبْلَ النَّقْدِ كَانَ عَلَيْهِمَا ضَمَانُ ثَمَنِ الْعَبْدِ عَلَى قَدْرِ مِلْكِهِمَا فِي الْعَبْدِ فَرُبْعُهُ عَلَى الْمُضَارِبِ، وَثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ عَلَى الْمَالِكِ (وَرُبْعُ الْعَبْدِ لِلْمُضَارِبِ وَبَاقِيهِ) وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ (لِلْمُضَارَبَةِ) ؛ لِأَنَّ نَصِيبَ الْمُضَارِبِ خَرَجَ عَنْ الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَمَالُ الْمُضَارَبَةِ أَمَانَةٌ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَنَصِيبُ رَبِّ الْمَالِ عَلَى الْمُضَارَبَةِ لِعَدَمِ مَا يُنَافِيهَا (وَرَأْسُ الْمَالِ) وَهُوَ جَمِيعُ مَا دَفَعَ رَبُّ الْمَالِ إلَى الْمُضَارِبِ (أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَيْهِ مَرَّةً أَلْفًا وَأُخْرَى أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ (وَلَا يَبِيعُهُ) أَيْ الْمُضَارِبُ الْعَبْدَ (مُرَابَحَةً إلَّا عَلَى أَلْفَيْنِ) وَلَا يَقُولُ: قَامَ عَلِيٌّ بِأَلْفَيْنِ وَخَمْسِمِائَةٍ إذْ الشِّرَاءُ وَقَعَ بِأَلْفَيْنِ فَلَا تُضَمُّ الْوَضِيعَةُ الَّتِي وَقَعَتْ بِسَبَبِ الْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ (فَلَوْ بِيعَ) الْعَبْدُ الْمَذْكُورُ بَعْدَ ذَلِكَ (بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ فَحِصَّةُ الْمُضَارَبَةِ ثَلَاثَةُ آلَافٍ) بَعْدَ رَفْعِ الْمُضَارِبِ حِصَّتَهُ وَهِيَ

стр. 1094

الْأَلْفُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا ضَمِنَ رُبْعَ الْعَبْدِ كَانَ رُبْعُهُ مِلْكَهُ خَاصَّةً فَالْأَلْفُ رُبْعُهُ لِكَوْنِ ثَمَنِهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ، ثُمَّ يَرْفَعُ مِنْهَا رَأْسَ الْمَالِ وَهُوَ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ (وَالرِّبْحُ مِنْهَا خَمْسُمِائَةٍ بَيْنَهُمَا) أَيْ بَيْنَ الْمُضَارِبِ وَالْمَالِكِ فَتَكُونُ حِصَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا خَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ. (وَلَوْ اشْتَرَى رَبُّ الْمَالِ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ وَبَاعَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ بِأَلْفٍ لَا يَبِيعُهُ) الْمُضَارِبُ الْعَبْدَ (مُرَابَحَةً إلَّا عَلَى خَمْسِمِائَةٍ) وَلَا يَقُولُ قَامَ عَلِيٌّ بِأَلْفٍ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْ الْمُضَارِبِ كَبَيْعِهِ مِنْ نَفْسِهِ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ فَيَكُونُ بَيْعُ مَالِهِ بِمَالِهِ فَيَكُونُ كَالْمَعْدُومِ، وَكَذَا لَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ اشْتَرَى الْمُضَارِبُ عَبْدًا بِخَمْسِمِائَةٍ فَبَاعَهُ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِأَلْفٍ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسِمِائَةٍ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْجَارِيَ بَيْنَهُمَا كَالْمَعْدُومِ. (وَلَوْ اشْتَرَى مُضَارِبٌ بِالنِّصْفِ بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا يَعْدِلُ) أَيْ تُسَاوِي قِيمَتُهُ (أَلْفَيْنِ فَقَتَلَ) ذَلِكَ الْعَبْدُ (رَجُلًا) قَتْلًا (خَطَأً) فَأُمِرَ بِالدَّفْعِ أَوْ الْفِدَاءِ، فَإِذَا دَفَعَا الْعَبْدَ إلَى وَلِيِّ الْمَقْتُولِ انْتَهَتْ الْمُضَارَبَةُ بِهَلَاكِ مَالِهِمَا بِالدَّفْعِ بِلَا دَلِيلٍ، وَكَذَا إنْ فَدَيَا خَرَجَ الْعَبْدُ عَنْ الْمُضَارَبَةِ أَمَّا خُرُوجُ حِصَّةِ الْمُضَارِبِ فَلِتَقَرُّرِ مِلْكِهِ فِي الْعَبْدِ بِالْفِدَاءِ فَصَارَ كَالْقِسْمَةِ وَأَمَّا خُرُوجُ حِصَّةِ الْمَالِكِ فَلِسَلَامَةِ الْحِصَّةِ مِنْهُ بِضَمَانِ الْفِدَاءِ (فَرُبْعُ الْفِدَاءِ عَلَيْهِ) أَيْ الْمُضَارِبِ (وَبَاقِيهِ) وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ (عَلَى الْمَالِكِ) ؛ لِأَنَّ الْفِدَاءَ مُؤْنَةُ الْمِلْكِ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، وَقَدْ كَانَ الْمِلْكُ بَيْنَهُمَا أَرْبَاعًا فَكَذَا الْفِدَاءُ (وَإِذَا فُدِيَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَجْهُولِ يَعْنِي إذَا فَدَيَا صَارَ الْعَبْدُ لَهُمَا وَلَكِنْ (خَرَجَ عَنْ الْمُضَارَبَةِ) فَبَقِيَ أَرْبَاعًا (فَيَخْدُمُ) الْمُضَارِبَ (يَوْمًا وَالْمَالِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ) بِحُكْمِ الِاشْتِرَاكِ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ بِحُكْمِ الْفِدَاءِ كَأَنَّهُمَا اشْتَرَيَاهُ، وَلَوْ اخْتَارَ رَبُّ الْمَالِ الدَّفْعَ وَاخْتَارَ الْمُضَارِبُ الْفِدَاءَ مَعَ ذَلِكَ فَلَهُ الْفِدَاءُ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُشْتَرَى فِي الْمُضَارَبَةِ إذَا جَنَى خَطَأً لَا يَدْفَعُ بِهَا حَتَّى يَحْضُرَ الْمُضَارِبُ وَالْمَالِكُ سَوَاءٌ كَانَ الْإِرْثُ مِثْلَ قِيمَةِ الْعَبْدِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، وَكَذَا لَوْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَلْفًا لَا غَيْرُ لَا يَدْفَعُ إلَّا بِحَضْرَتِهِمَا، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تُشْتَرَطُ حَضْرَةُ الْمَالِكِ وَالْمُضَارِبِ لِلدَّفْعِ دُونَ الْفِدَاءِ إلَّا إذَا أَبَى الْمُضَارِبُ الدَّفْعَ وَالْفِدَاءَ، وَقِيمَتُهُ مِثْلُ رَأْسِ الْمَالِ فَلِرَبِّ الْمَالِ دَفْعُهُ لِتَعَيُّنِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَا دِرْهَمٍ فَفِدَاءُ الْحَاضِرِ كَانَ مُتَطَوَّعًا كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَذَكَرَ قَاضِي خَانْ أَنَّ الْمُضَارِبَ لَيْسَ لَهُ الدَّفْعُ وَالْفِدَاءُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَحْكَامِ الْمُضَارَبَةِ فَلِهَذَا كَانَ إلَيْهِمَا. (وَلَوْ اشْتَرَى بِأَلْفِ الْمُضَارَبَةِ عَبْدًا وَهَلَكَ الْأَلْفُ قَبْلَ نَقْدِهِ) أَيْ قَبْلَ دَفْعِهِ إلَى الْبَائِعِ (دَفَعَ الْمَالِكُ الثَّمَنَ) يَعْنِي أَلْفًا آخَرَ (ثُمَّ) إذَا جَهَّزَ الْمَالِكُ أَلْفًا آخَرَ لِيَدْفَعَهُ، وَهَلَكَتْ قَبْلَ النَّقْدِ يَدْفَعُ إلَيْهِ نَقْدًا آخَرَ (وَثُمَّ) كَذَلِكَ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى حَتَّى يَصِلَ الثَّمَنُ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ هَلَاكَ الْأَمَانَةِ كَهَلَاكِهَا فِي يَدِ الْمَالِكِ (وَجَمِيعُ مَا دَفَعَ) الْمَالِكُ مِنْ الْأَلْفَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ وَالْأَكْثَرِ (رَأْسُ الْمَالِ) ؛ لِأَنَّ الْمَالَ فِي يَدِ الْمُضَارِبِ أَمَانَةٌ دُونَ اسْتِيفَاءٍ

стр. 1095

لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانَةِ يُنَافِيهِ، وَلَيْسَ فِيهِ تَضْيِيعُ حَقِّ رَبِّ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ يَلْتَحِقُ بِرَأْسِ الْمَالِ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ حَيْثُ لَا يَرْجِعُ عِنْدَ هَلَاكِ الثَّمَنِ بَعْدَ الشِّرَاءِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً، فَإِنْ قَبَضَهُ بَعْدَ الشِّرَاءِ اسْتِيفَاءً فَيَصِيرُ مَضْمُونًا عَلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ مَرَّةً أُخْرَى. (وَلَوْ كَانَ مَعَ الْمُضَارِبِ أَلْفَانِ فَقَالَ) الْمُضَارِبُ لِرَبِّ الْمَالِ (دَفَعْت إلَيَّ أَلْفًا وَرَبِحْتُ أَلْفًا، وَقَالَ الْمَالِكُ بَلْ دَفَعْت إلَيْك أَلْفَيْنِ فَالْقَوْلُ لِلْمُضَارِبِ) . وَقَالَ زُفَرُ: الْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ وَهُوَ قَوْلُ الْإِمَامِ أَوَّلًا؛ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ يَدَّعِي الرِّبْحَ وَالشَّرِكَةَ فِيهِ، وَرَبُّ الْمَالِ يُنْكِرُهُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ، ثُمَّ رَجَعَ، وَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُضَارِبِ، وَهُوَ قَوْلُهُمَا؛ لِأَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي الْمَقْبُوضِ، وَالْقَوْلُ فِي مِقْدَارِهِ لِلْقَابِضِ وَلَوْ ضَمِينًا اعْتِبَارًا بِمَا لَوْ أَنْكَرَهُ أَصْلًا، فَإِنَّ الْقَوْلَ لَهُ. (وَلَوْ اخْتَلَفَ مَعَ ذَلِكَ) أَيْ مَعَ الِاخْتِلَافِ فِي رَأْسِ الْمَالِ (فِي قَدْرِ الرِّبْحِ فَلِمَالِكٍ) أَيْ فَالْقَوْلُ لِرَبِّ الْمَالِ فِي مِقْدَارِ الرِّبْحِ فَقَطْ؛ لِأَنَّ الرِّبْحَ يُسْتَحَقُّ بِالشَّرْطِ وَهُوَ مُسْتَفَادٌ مِنْ جِهَتِهِ فَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ فَضْلٍ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَاهَا فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ فِي دَعْوَاهُ الزِّيَادَةَ فِي رَأْسِ الْمَالِ، وَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ فِي دَعْوَاهُ الزِّيَادَةَ فِي الرِّبْحِ. (وَلَوْ قَالَ: مَنْ مَعَهُ أَلْفٌ قَدْ رَبِحَ فِيهَا) الْجُمْلَةُ حَالٌ، أَوْ صِفَةُ أَلْفٍ (هِيَ مُضَارَبَةُ زَيْدٍ، وَقَالَ زَيْدٌ بَلْ بِضَاعَةٌ) أَبْضَعْته لَك (فَالْقَوْلُ لِزَيْدٍ) ؛ لِأَنَّ مَنْ مَعَهُ أَلْفٌ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَقْوِيمَ عَمَلِهِ أَوْ شَرْطًا مِنْ جِهَتِهِ أَوْ الشَّرِكَةَ فِي مَالِهِ، وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ. (وَكَذَا لَوْ قَالَ ذُو الْيَدِ: هِيَ قَرْضٌ وَقَالَ زَيْدٌ) : بَلْ (بِضَاعَةٌ أَوْ وَدِيعَةٌ أَوْ مُضَارَبَةٌ) يَكُونُ الْقَوْلُ لِزَيْدٍ وَهُوَ رَبُّ الْمَالِ وَالْبَيِّنَةُ لِلَّذِي فِي يَدِهِ الْمَالُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي عَلَيْهِ تَمْلِيكَ الرِّبْحِ وَهُوَ يُنْكِرُهُ وَلَوْ كَانَ بِالْعَكْسِ بِأَنْ ادَّعَى رَبُّ الْمَالِ الْقَرْضَ وَالْمُضَارِبُ الْمُضَارَبَةَ فَالْبَيِّنَةُ بَيِّنَةُ الْمُضَارِبِ؛ لِأَنَّ رَبَّ الْمَالِ يَدَّعِي عَلَيْهِ الضَّمَانَ وَهُوَ يُنْكِرُ، وَأَيُّهُمَا أَقَامَ الْبَيِّنَةَ قُبِلَتْ، وَإِنْ أَقَامَاهَا فَبَيِّنَةُ رَبِّ الْمَالِ أَوْلَى؛ لِأَنَّهَا مُثْبِتَةٌ لِلضَّمَانِ. (وَلَوْ قَالَ الْمُضَارِبُ) لِرَبِّ الْمَالِ (أَطْلَقْتَ وَقَالَ الْمَالِكُ عَيَّنْتُ نَوْعًا) مِنْ التِّجَارَةِ (فَالْقَوْلُ لِلْمُضَارِبِ) مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْعُمُومُ وَالْإِطْلَاقُ، وَالتَّخْصِيصُ يَصِيرُ لِعَارِضِ الشَّرْطِ، وَتُقْبَلُ بَيِّنَةُ مَنْ أَقَامَهَا، فَإِنْ أَقَامَاهَا، فَإِنْ وَقَّتَا وَقْتًا قَبْلَ صَاحِبِهَا يَقْضِي بِالْمُتَأَخِّرَةِ، وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتَا أَوْ وَقَّتَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ وَقَّتَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى قَضَى بِبَيِّنَةِ رَبِّ الْمَالِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَلَوْ ادَّعَى كُلٌّ) أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالِكِ وَالْمُضَارِبِ (نَوْعًا) مُغَايِرًا لِمَا يَدَّعِيهِ الْآخَرُ (فَلِلْمَالِكِ) أَيْ الْقَوْلُ لِلْمَالِكِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى التَّخْصِيصِ، وَالْإِذْنُ يُسْتَفَادُ مِنْ جِهَتِهِ، وَالْبَيِّنَةُ لِلْمُضَارِبِ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَفْيِ الضَّمَانِ، وَلَوْ وَقَّتَ الْبَيِّنَتَانِ وَقْتًا فَصَاحِبُ الْوَقْتِ الْأَخِيرِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ آخَرَ الشَّرْطَيْنِ يَنْقُضُ الْأَوَّلَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ، فَإِنْ قُلْت: إنَّ الْبَيِّنَةَ لِلْإِثْبَاتِ لَا لِلنَّفْيِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ إقَامَةَ الْبَيِّنَةِ عَلَى صِحَّةِ تَصَرُّفِهِ وَيَلْزَمُهَا نَفْيُ الضَّمَانِ فَأَقَامَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ

стр. 1096

اللَّازِمَ مَقَامَ الْمَلْزُومِ. وَفِي الْمِنَحِ وَإِنْ لَمْ يُوَقِّتَا، أَوْ وَقَّتَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ وَقَّتَ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى فَالْبَيِّنَةُ لِلْمَالِكِ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ يَدَّعِي الْعُمُومَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ. [كِتَاب الْوَدِيعَة] ِ لَا خَفَاءَ فِي اشْتِرَاكِهَا مَعَ مَا قَبْلَهَا فِي الْحُكْمِ وَهُوَ الْأَمَانَةُ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ الْوَدْعِ وَهُوَ مُطْلَقُ التَّرْكِ قَالَ ﵊ «لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ وَدْعِهِمْ الْجَمَاعَاتِ أَوْ لَيُخْتَمَنَّ عَلَى قُلُوبِهِمْ، ثُمَّ لَيُكْتَبُنَّ مَعَ الْغَافِلِينَ» أَيْ عَنْ تَرْكِهَا يُقَالُ لَهُ مُودَعٌ بِفَتْحِ الدَّالِ وَلِتَارِكِهَا مُودِعٌ بِكَسْرِهَا. وَفِي الشَّرِيعَةِ (الْإِيدَاعُ تَسْلِيطُ الْمَالِكِ غَيْرَهُ عَلَى حِفْظِ مَالِهِ) صَرِيحًا أَوْ دَلَالَةً لِمَا قَالَ فِي الْمُحِيطِ لَوْ انْفَتَقَ زِقُّ رَجُلٍ فَأَخَذَهُ رَجُلٌ، ثُمَّ تَرَكَهُ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالِكُ حَاضِرًا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَهُ فَقَدْ الْتَزَمَ حِفْظَهُ دَلَالَةً، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْهُ وَلَمْ يَذُقْ مِنْهُ لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِرًا لَا يَضْمَنُ فِي الْوَجْهَيْنِ (الْوَدِيعَةُ مَا يُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ لِلْحِفْظِ) مَالًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَرُكْنُهَا الْإِيجَابُ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ: أَوْدَعْتُك هَذَا الْمَالَ أَوْ كِنَايَةً كَمَا لَوْ قَالَ الرَّجُلُ: أَعْطِنِي أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ قَالَ رَجُلٌ: أَعْطِنِيهِ فَقَالَ: أَعْطَيْتُك فَهَذَا عَلَى الْوَدِيعَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ أَوْ فِعْلًا كَمَا لَوْ وَضَعَ ثَوْبَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَجُلٍ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَهُوَ إيدَاعٌ أَمَّا لَوْ قَالَ: لَمْ أَقْبَلْهُ لَمْ يَضْمَنْ بِالْهَلَاكِ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا يُعَارَضُ بِالصَّرِيحِ، وَالْقَبُولُ مِنْ الْمُودَعِ صَرِيحًا كَقَوْلِهِ: قَبِلْتهَا وَنَحْوِهِ، أَوْ دَلَالَةً كَمَا لَوْ سَكَتَ عِنْدَ وَضْعِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ لِمَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ لَوْ وَضَعَ كِتَابَهُ عِنْدَ قَوْمٍ فَذَهَبُوا وَتَرَكُوهُ ضَمِنُوا إذَا ضَاعَ، وَإِنْ قَامَ وَاحِدٌ بَعْدَ وَاحِدٍ ضَمِنَ الْأَخِيرُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْحِفْظِ فَتَعَيَّنَ الضَّمَانُ، وَلِهَذَا لَوْ وَضَعَ ثِيَابَهُ فِي الْحَمَّامِ بِمَرْأَى الثِّيَابِيِّ كَانَ إيدَاعًا، وَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَا يَكُونُ الْحَمَّامِيُّ مُودَعًا مَا دَامَ الثِّيَابِيُّ حَاضِرًا، فَإِنْ كَانَ غَائِبًا فَالْحَمَّامِيُّ مُودَعٌ، وَلَوْ قَالَ صَاحِبُ الْخَانِ: أَيْنَ أَرْبِطُهَا فَقَالَ هُنَاكَ كَانَ إيدَاعًا. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَبِسَ ثَوْبًا بِمَرْأَى الثِّيَابِيِّ فَظَنَّ الثِّيَابِيُّ أَنَّهُ ثَوْبُهُ، فَإِذَا هُوَ ثَوْبُ الْغَيْرِ ضَمِنَ هُوَ الْأَصَحُّ. وَلَوْ نَامَ الْحَمَّامِيُّ وَسُرِقَ الثَّوْبُ إنْ نَامَ قَاعِدًا لَا يَضْمَنُ، وَإِنْ مُضْطَجِعًا يَضْمَنُ وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْمَالِ قَابِلًا لِإِثْبَاتِ الْيَدِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَوْدَعَ الطَّيْرَ الْآبِقَ فِي الْهَوَاءِ وَالْمَالَ السَّاقِطَ فِي الْبَحْرِ

стр. 1097

لَا يَصِحُّ. وَكَوْنُ الْمُودَعِ مُكَلَّفًا شَرْطٌ لِوُجُوبِ الْحِفْظِ عَلَيْهِ حَتَّى لَوْ أَوْدَعَ صَبِيًّا فَاسْتَهْلَكَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ كَانَ عَبْدًا مَحْجُورًا ضَمِنَ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا سَيَأْتِي، وَلَوْ كَانَ الْوَدِيعَةُ عَبْدًا فَقَتَلَهُ الصَّبِيُّ ضَمِنَ عَاقِلَةَ الصَّبِيِّ قِيمَتَهُ، وَخُيِّرَ مَوْلَى الْعَبْدِ بَيْنَ الدَّفْعِ وَالْفِدَاءِ، وَحُكْمُهَا وُجُوبُ الْحِفْظِ، وَصَيْرُورَةُ الْمَالِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ وَوُجُوبُ أَدَائِهِ عِنْدَ طَلَبِ مَالِكِهِ وَشَرْعِيَّةُ الْإِيدَاعِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: ٥٨] وَأَدَاءُ الْأَمَانَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَهَا وَبِالسُّنَّةِ «؛ لِأَنَّهُ ﵊ كَانَ يُودِعُ وَيُسْتَوْدَعُ» وَبِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ قَبُولَ الْوَدِيعَةِ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ، وَهِيَ مَنْدُوبَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢] وَقَوْلُهُ ﵇ «وَاَللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا دَامَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ» (وَهِيَ) أَيْ الْوَدِيعَةُ (أَمَانَةٌ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَدِيعَةِ وَالْأَمَانَةِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ خَاصَّةٌ وَالْأَمَانَةَ عَامَّةٌ، وَحَمْلُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ صَحِيحٌ دُونَ الْعَكْسِ كَمَا يُقَالُ: الْإِنْسَانُ حَيَوَانٌ وَلَا يُقَالُ: الْحَيَوَانُ إنْسَانٌ فَالْوَدِيعَةُ هِيَ الِاسْتِحْفَاظُ قَصْدًا وَالْأَمَانَةُ مَا يَقَعُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ بِأَنْ هَبَّتْ الرِّيحُ بِثَوْبِ إنْسَانٍ وَأَلْقَتْهُ فِي حِجْرِ غَيْرِهِ، وَفِي الْوَدِيعَةِ يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ بِالْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ، وَفِي الْأَمَانَةِ لَا يَبْرَأُ بَعْدَ الْخِلَافِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ وَالْكِفَايَةِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: وَفِيهِ كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا اُعْتُبِرَ فِي إحْدَاهُمَا الْقَصْدُ وَفِي الْأُخْرَى عَدَمُهُ كَانَ بَيْنَهُمَا تَبَايُنٌ لَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ، وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: وَالْأَمَانَةُ قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ قَصْدٍ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: وَالْأَمَانَةُ مَا يَقَعُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ كَوْنُهَا بِلَا اعْتِبَارِ قَصْدٍ لَا إنَّ عَدَمَ الْقَصْدِ مُعْتَبَرٌ فِيهَا حَتَّى يَلْزَمَ التَّبَايُنُ بَلْ هِيَ أَعَمُّ مِنْ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ بِالْقَصْدِ فَقَطْ، وَالْأَمَانَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْقَصْدِ وَبِغَيْرِهِ تَدَبَّرْ وَمَا فِي الْعِنَايَةِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْوَدِيعَةَ فِي الِاصْطِلَاحِ هُوَ التَّسْلِيطُ عَلَى الْحِفْظِ وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْعَقْدِ، وَالْأَمَانَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا قَدْ تَكُونُ بِغَيْرِ عَقْدٍ فِيهِ كَلَامٌ، وَهُوَ أَنَّ الْأَمَانَةَ مُبَايِنَةٌ لِلْوَدِيعَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا أَنَّهَا أَعَمُّ مِنْهَا؛ لِأَنَّ التَّسْلِيطَ عَلَى الْحِفْظِ فِعْلُ الْمُودِعِ، وَهُوَ الْمَعْنَى، وَالْأَمَانَةُ عَيْنٌ مِنْ الْأَعْيَانِ فَيَكُونَانِ مُتَبَايِنَيْنِ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ الْوَدِيعَةُ مَا تُتْرَكُ عِنْدَ الْأَمِينِ كَمَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ. (فَلَا يَضْمَنُ) أَيْ لَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ بِغَيْرِ تَعَدٍّ (بِالْهَلَاكِ)) سَوَاءٌ أَمْكَنَ التَّحَرُّزُ عَنْهُ أَوْ لَا هَلَكَ مَعَهَا لِلْمُودَعِ شَيْءٌ أَوْ لَا لِقَوْلِهِ ﵇: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَوْدَعِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» وَلِأَنَّ شَرْعِيَّتَهَا لِحَاجَةِ النَّاسِ إلَيْهَا، وَلَوْ ضَمِنَهَا الْمُودَعُ امْتَنَعَ النَّاسُ عَنْ قَبُولِهَا، وَفِي ذَلِكَ تَعْطِيلُ الْمَصَالِحِ ، وَاشْتِرَاطُ الضَّمَانِ عَلَى الْأَمِينِ بَاطِلٌ، وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ وَاسْتَثْنَى صَاحِبُ الدُّرَرِ فَقَالَ إلَّا أَنْ يَمُوتَ الْمُودَعُ مُجْهِلًا أَيْ لَمْ يُبَيِّنْ حَالَ الْوَدِيعَةِ، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَكُونُ مُتَعَدِّيًا فَتُضْمَنُ، وَكَذَا الْأُمَنَاءُ أَيْ كُلُّ أَمِينٍ مَاتَ مُجْهِلًا لِحَالِ الْأَمَانَةِ يَضْمَنُ إلَّا مُتَوَلِّيًا أَخَذَ الْغَلَّةَ، وَمَاتَ مُجْهِلًا، وَسُلْطَانًا أَوْدَعَ بَعْضَ الْغَانِمِينَ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ وَمَاتَ مُجْهِلًا أَيْ بِلَا بَيَانِ الْمُودَعِ، وَقَاضِيًا أَوْدَعَ مَالَ الْيَتِيمِ وَمَاتَ مُجْهِلًا بِلَا بَيَانِ الْمُودَعِ انْتَهَى لَكِنَّ الْأَوْلَى الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَأَوْدَعَ

стр. 1098

بَعْضَ الْغَنِيمَةِ بَعْضَ النَّاسِ لَكِنَّ الِانْحِصَارَ عَلَى الثَّلَاثَةِ لَا يَلِيقُ؛ لِأَنَّ الْوَصِيَّ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَكَذَا الْأَبُ إذَا مَاتَ مُجْهِلًا مَالَ ابْنِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الْوَارِثُ مُجْهِلًا مَا أَوْدَعَهُ عِنْدَ مُوَرِّثِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِمَا أَلْقَتْهُ الرِّيحُ فِي بَيْتِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ مُجْهِلًا لِمَا وَضَعَهُ مَالِكُهُ فِي بَيْتِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ، وَكَذَا إذَا مَاتَ الصَّبِيُّ مُجْهِلًا لِمَا أُودِعَ عِنْدَهُ مَحْجُورًا، وَكَذَا لَوْ مَاتَ أَحَدُ الْمُتَفَاوِضَيْنِ وَلَمْ يُبَيِّنْ حَالَ الْمَالِ الَّذِي فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ نَصِيبَ شَرِيكِهِ. (وَلِلْمُودَعِ أَنْ يَحْفَظَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (بِنَفْسِهِ) فِي دَارِهِ، وَمَنْزِلِهِ وَحَانُوتِهِ، وَلَوْ إجَارَةً أَوْ عَارِيَّةً (وَعِيَالِهِ) مِنْ زَوْجَتِهِ، وَوَلَدِهِ وَوَالِدَيْهِ وَأَجِيرِهِ لِلْمُسَاكَنَةِ سَوَاءٌ كَانُوا فِي نَفَقَتِهِ أَوْ لَا، وَكَذَا لَوْ حَفِظَتْ الزَّوْجَةُ الْوَدِيعَةَ بِزَوْجِهَا فَضَاعَتْ لَا تَضْمَنُ الزَّوْجَةُ؛ لِأَنَّهُ سَاكِنٌ مَعَهَا بِلَا نَفَقَةٍ مِنْهَا وَالْمُرَادُ مِنْ الْأَجِيرِ التِّلْمِيذُ الْخَاصُّ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ مُسَانَهَةً أَوْ مُشَاهَرَةً بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ عَلَيْهِ، وَوَلَدُهُ الْكَبِيرُ إنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ دُونَ الْأَجِيرِ الْمُيَاوَمَةِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَشْهَبَ الْمَالِكِيِّ يَضْمَنُ بِالدَّفْعِ وَشَرْطُ كَوْنِ مَنْ فِي عِيَالِهِ أَمِينًا، فَلَوْ دَفَعَ إلَى زَوْجَتِهِ وَهِيَ غَيْرُ أَمِينَةٍ، وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِذَلِكَ أَوْ تَرَكَهَا فِي بَيْتِهِ الَّذِي فِيهِ وَدَائِعُ النَّاسِ، وَذَهَبَ فَضَاعَتْ ضَمِنَ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُودَعِ (السَّفَرُ بِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (عِنْدَ عَدَمِ النَّهْيِ) عَنْ الْمَالِكِ (وَالْخَوْفِ) عَلَى الْوَدِيعَةِ بِالْإِخْرَاجِ بِأَنْ كَانَ الطَّرِيقُ أَمِينًا لَا يَقْصِدُ أَحَدٌ بِسُوءٍ غَالِبًا فِيهِ، وَلَوْ قَصَدَهُ يُمْكِنُهُ دَفْعُهُ بِنَفْسِهِ أَوْ بِرُفْقَتِهِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ كَانَ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ مُطْلَقٌ فَلَا يَتَقَيَّدُ بِالْمَكَانِ كَمَا لَا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمَانِ، وَأَمَّا إذَا قَالَ: احْفَظْهَا فِي هَذَا الْمِصْرِ وَلَا تُخْرِجْهَا مِنْهُ، فَإِنْ كَانَ سَفَرًا لَهُ بُدٌّ مِنْهُ ضَمِنَ، وَإِنْ كَانَ سَفَرًا لَا بُدَّ مِنْهُ إنْ كَانَ فِي الْمِصْرِ مَنْ فِي عِيَالِهِ فَكَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ تَرْكُهَا فِي أَهْلِهِ وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ وَيَضْمَنُ لَوْ سَافَرَ بِهَا فِي الْبَحْرِ إجْمَاعًا (خِلَافًا لَهُمَا فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ) ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ صَاحِبِهَا أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِهِ فَيَتَقَيَّدُ لَكِنْ قِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ إذَا كَانَ السَّفَرُ بَعِيدًا فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لَهُ السَّفَرُ بِهَا بَعِيدًا كَانَ أَوْ قَرِيبًا فِيمَا لَهُ حِمْلٌ وَمُؤْنَةٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهَيْنِ. (فَإِنْ حَفِظَهَا) أَيْ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ (بِغَيْرِهِمْ) أَيْ بِغَيْرِ مَنْ فِي عِيَالِهِ فَضَاعَتْ (ضَمِنَ) الْمُودَعُ أَوْ ذَلِكَ الْغَيْرُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ؛ لِأَنَّ صَاحِبَهَا لَمْ يَرْضَ بِيَدِ غَيْرٍ، وَالْأَيْدِي تَخْتَلِفُ فِي الْأَمَانَةِ، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ الْمُودَعُ إذَا دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى وَكِيلِهِ، وَلَيْسَ فِي عِيَالِهِ أَوْ دَفَعَ إلَى أَمِينٍ مِنْ أُمَنَائِهِ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فِي مَالِهِ، وَلَيْسَ فِي عِيَالِهِ لَا يَضْمَنُ. وَفِي النِّهَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، ثُمَّ قَالَ، وَعَنْ هَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي التُّحْفَةِ فِي حِفْظِ الْوَدِيعَةِ بِالْعِيَالِ (إلَّا إذَا خَافَ) الْمُودَعُ (الْحَرْقَ) بِأَنْ وَقَعَتْ نَارٌ الْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي دَارِهِ فَخَافَ هَلَاكَ الْوَدِيعَةِ (أَوْ) خَافَ (الْغَرَقَ)

стр. 1099

كَذَلِكَ (فَدَفَعَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (إلَى جَارِهِ) فِي صُورَةِ الْحَرْقِ (أَوْ) دَفَعَهَا (إلَى سَفِينَةٍ أُخْرَى) فِي صُورَةِ الْغَرَقِ فَضَاعَتْ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا بِهَذَا الطَّرِيقِ فَصَارَ مَأْذُونًا فِيهِ دَلَالَةً وَلِهَذَا قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ: امْرَأَةٌ حَضَرَتْهَا الْوَفَاةُ وَعِنْدَهَا وَدِيعَةٌ فَدَفَعَتْهَا إلَى جَارَةٍ لَهَا فَهَلَكَتْ عِنْدَهَا إنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتَ وَفَاتِهَا بِحَضْرَتِهَا أَحَدٌ مِنْ عِيَالِهَا لَا يَضْمَنُ. وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى مَنْ هُوَ فِي عِيَالِهَا، وَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يَحْفَظَهَا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعِيَالِهِ فَدَفَعَهَا إلَى الْأَجْنَبِيِّ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ لَا ضَرُورَةَ لَهُ فِيهِ، وَكَذَا لَوْ أَلْقَاهَا فِي سَفِينَةٍ أُخْرَى، وَهَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِيهَا بِأَنْ وَقَعَتْ فِي الْبَحْرِ ابْتِدَاءً أَوْ بِالتَّدَحْرُجِ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ الْإِتْلَافَ حَصَلَ بِفِعْلِهِ، وَفِي الْمِنَحِ إنْ ادَّعَى الْمُودَعُ التَّسْلِيمَ إلَى جَارِهِ أَوْ إلَى فُلْكٍ آخَرَ صُدِّقَ إنْ عُلِمَ وُقُوعُهُ أَيْ الْغَرَقِ بِبَيِّنَةٍ، وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ لَا يُصَدَّقُ. (فَإِنْ طَلَبَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (رَبُّهَا فَحَبَسَهَا) أَيْ حَبَسَ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ. (وَ) الْحَالُ (هُوَ قَادِرٌ عَلَى تَسْلِيمِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (صَارَ غَاصِبًا) فَيَضْمَنُ إنْ ضَاعَتْ لِوُجُودِ التَّعَدِّي بِمَنْعِهِ، وَهَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا طَلَبَهُ لَمْ يَكُنْ رَاضِيًا بِإِمْسَاكِهِ بَعْدَهُ فَيَضْمَنُهَا بِحَبْسِهِ عَنْهُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّهَا فَقَالَ لَمْ أَقْدِرْ أَنْ أَحْضُرَ هَذِهِ السَّاعَةَ فَتَرَكَهَا فَهَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ؛ لِأَنَّهُ بِالتَّرْكِ صَارَ مُودِعًا ابْتِدَاءً وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ اسْتَرَدَّهَا فَقَالَ: اُطْلُبْهَا غَدًا فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَ: هَلَكَتْ لَمْ يَضْمَنْ إنْ هَلَكَتْ قَبْلَ قَوْلِهِ: اُطْلُبْهَا كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ طَلَبَ وَقْتَ الْفِتْنَةِ وَلَمْ يَرُدَّهَا خَوْفًا عَلَى نَفْسِهِ أَوْ عَلَى مَالِهِ بِأَنْ كَانَ مَدْفُونًا مَعَ مَالِهِ لَا يَضْمَنُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (وَكَذَا) يَضْمَنُ إنْ هَلَكَتْ (لَوْ) طَلَبَهَا صَاحِبُهَا وَ (جَحَدَهُ) أَيْ جَحَدَ عِنْدَ مَالِكِهَا عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ بِقَرِينَةِ مُقَابِلِهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ بِخِلَافِ جَحْدِهَا عِنْدَ غَيْرِهِ (إيَّاهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ بِأَنْ قَالَ: لَمْ تُودِعْنِي. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَقَرَّ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْجُحُودِ؛ لِأَنَّ بِالطَّلَبِ ارْتَفَعَ عَقْدُ الْوَدِيعَةِ فَصَارَ غَاصِبًا بَعْدَهُ (بِخِلَافِ جَحْدِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (عِنْدَ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْمُودَعِ، فَإِنَّهُ لَا يَضْمَنُ. وَقَالَ زُفَرُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ بِالْجُحُودِ صَارَ غَاصِبًا فَيَضْمَنُ، وَلَنَا أَنَّ إنْكَارَهُ عِنْدَ غَيْبَةِ الْمَالِكِ كَانَ لِحِفْظِ الْوَدِيعَةِ خَوْفًا عَلَيْهَا مِنْ طَمَعِ طَامِعٍ فَلَا يَكُونُ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ بِخِلَافِ حَضْرَتِهِ وَفِيهِ إشَارَةٌ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: مَا حَالُ وَدِيعَتِي عِنْدَك لِيَشْكُرَ عَلَى حِفْظِهَا فَجَحَدَهَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَإِلَى أَنَّ الْمُودَعَ لَوْ ادَّعَى أَنَّ الْمَالِكَ وَهَبَهَا مِنْهُ أَوْ بَاعَهَا لَهُ وَأَنْكَرَ صَاحِبُهَا، ثُمَّ هَلَكَتْ لَا يَضْمَنُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ، وَإِلَى أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ مَنْقُولًا؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَقَارًا لَا يَضْمَنُ بِالْجُحُودِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي الْبَحْرِ هَذَا إذَا نَقَلَهَا مِنْ مَكَانِهَا وَقْتَ الْإِنْكَارِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَنْقُلْهَا مِنْ مَكَانِهَا حَالَ جُحُودِهِ فَهَلَكَتْ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ: وَلَوْ جَحَدَ الْوَدِيعَةَ، ثُمَّ ادَّعَى رَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَبَرْهَنَ عَلَى الرَّدِّ قَبْلَ بُرْهَانِهِ وَبَرِئَ

стр. 1100

مِنْهَا قَبْلَ الْجُحُودِ، وَقَالَ: غَلِطْت فِي الْجُحُودِ أَوْ نَسِيت أَوْ ظَنَنْت أَنِّي دَفَعْتهَا، وَأَنَا صَادِقٌ فِي قَوْلِي لَمْ يَسْتَوْدِعْنِي، فَإِنَّ بَيِّنَتَهُ تُقْبَلُ فِي قَوْلِ الشَّيْخَيْنِ. وَفِي الْأَقْضِيَةِ لَوْ قَالَ: لَمْ يَسْتَوْدِعْنِي، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ وَالْهَلَاكَ لَا يُصَدَّقُ، وَلَوْ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عَلَيَّ شَيْءٌ، ثُمَّ ادَّعَى الرَّدَّ أَوْ الْهَلَاكَ يُصَدَّقُ وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ. (وَإِنْ خَلَطَهَا) أَيْ الْمُودَعُ الْوَدِيعَةَ (بِمَالِهِ) بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ إنْ خَلَطَهَا بِإِذْنِهِ كَانَ شَرِيكًا فِيهَا (بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ، فَإِنْ) خَلَطَهَا (بِجِنْسِهَا) كَخَلْطِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ فِي غَيْرِ الْمَائِعِ وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ فِي الْمَائِعِ (ضَمِنَ) الْمُودَعُ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسْتَهْلِكًا لَهَا، وَإِذَا ضَمِنَهَا مَلَكَهَا (وَانْقَطَعَ حَقُّ الْمَالِكِ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْوَدِيعَةِ (فِي الْمَائِعِ وَغَيْرِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ) لَكِنْ قَالُوا: لَا يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُلُ قَبْلَ أَدَاءِ الضَّمَانِ قَيَّدَ بِكَوْنِ الْمُودَعِ هُوَ الْخَالِطَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا أَوْ مَنْ فِي عِيَالِهِ لَا يَضْمَنُ الْمُودَعُ وَالضَّمَانُ عَلَى الْخَالِطِ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا، وَلَا يَضْمَنُ أَبُوهُ لِأَجْلِهِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ (وَعِنْدَهُمَا فِي غَيْرِ الْمَائِعِ لِلْمَالِكِ أَنْ يُشْرِكَهُ إنْ شَاءَ) ؛ لِأَنَّ هَذَا الْخَلْطَ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ آخَرَ إذَا لَمْ يَتَعَذَّرْ وُصُولُ الْمَالِكِ إلَى عَيْنِ مَالِهِ حُكْمًا بِالْقِسْمَةِ إذْ الْقِسْمَةُ فِيمَا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ إفْرَازٌ مُعْتَبَرٌ شَرْعًا، وَلَهُ أَنَّ الْخَلْطَ اسْتِهْلَاكٌ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ لِتَعَذُّرِ وُصُولِ الْمَالِكِ إلَى عَيْنِ مَالِهِ حَقِيقَةً فَيَنْقَطِعُ مِلْكُ الْمَالِكِ عَلَى الْمَخْلُوطِ، وَالْقِسْمَةُ لَيْسَتْ بِمُوَصِّلَةٍ إلَى عَيْنِ حَقِّهِ بَلْ وَسِيلَةٌ إلَى الِانْقِطَاعِ ضَرُورَةً. (وَكَذَا) لِلْمَالِكِ أَنْ يُشْرِكَهُ (فِي الْمَائِعِ) إنْ شَاءَ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ لَا يَغْلِبُ الْجِنْسَ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِيرُ الْأَقَلُّ تَابِعًا لِلْأَكْثَرِ فِيهِ) اعْتِبَارًا لِلْغَائِبِ إجْزَاءً. وَفِي التَّسْهِيلِ اعْتِرَاضٌ فَلْيُطَالَعْ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي الْخَلْطِ بِالْجِنْسِ لَا يَضْمَنُ (وَإِنْ) خَلَطَهَا (بِغَيْرِ جِنْسِهَا كَبُرٍّ بِشَعِيرٍ وَزَيْتٍ بِشَيْرَجٍ ضَمِنَ) الْمُودَعُ (وَانْقَطَعَ حَقُّ الْمَالِكِ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ هَذَا اسْتِهْلَاكٌ حَقِيقَةً فَيُوجِبُ الضَّمَانَ بِالْإِجْمَاعِ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَوْ خَلَطَ عَلَى وَجْهٍ تَتَمَيَّزُ لَمْ يَضْمَنْ. (وَإِنْ اخْتَلَطَتْ) الْوَدِيعَةُ بِمَالِ الْمُودَعِ (بِلَا صُنْعِهِ) أَيْ الْمُودَعِ (اشْتَرَكَا) أَيْ الْمُودِعُ وَالْمُودَعُ (إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إلَّا بِالتَّعَدِّي، وَلَمْ يُوجَدْ وَكَانَتْ شَرِكَةَ مِلْكٍ فَالْهَالِكُ مِنْ مَالِهِمَا فَلَمْ يَضْمَنْ. (وَإِنْ تَعَدَّى) الْمُودَعُ (فِيهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (بِأَنْ كَانَتْ) الْوَدِيعَةُ (ثَوْبًا فَلَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً فَرَكِبَهَا أَوْ عَبْدًا فَاسْتَخْدَمَهُ) فَهَلَكَتْ (ضَمِنَ) ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهْلَاكٌ مَعْنًى (فَإِنْ أَزَالَ التَّعَدِّيَ) بِأَنْ تَرَكَ اللُّبْسَ أَوْ الرُّكُوبَ أَوْ الِاسْتِخْدَامَ سَلِيمًا (زَالَ الضَّمَانُ) ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَزُولُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْوَدِيعَةِ ارْتَفَعَ بِالتَّعَدِّي فَلَا يَعُودُ إلَيْهِ إلَّا بِسَبَبٍ جَدِيدٍ فَلَمْ يُوجَدْ فَلَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ، وَلَنَا أَنَّ الشَّيْءَ إنَّمَا يَبْطُلُ بِمَا يُنَافِيهِ وَالِاسْتِعْمَالُ لَا يُنَافِي الْإِيدَاعَ، وَلِذَا صَحَّ الْأَمْرُ بِالْحِفْظِ مَعَ الِاسْتِعْمَالِ ابْتِدَاءً، فَإِذَا زَالَ عَادَ حُكْمُ الْعَقْدِ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ يَزُولُ الضَّمَانُ عَنْهُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَعْزِمَ عَلَى الْعَوْدِ إلَى التَّعَدِّي حَتَّى لَوْ نَزَعَ ثَوْبَ الْوَدِيعَةِ لَيْلًا

стр. 1101

وَمِنْ عَزْمِهِ أَنْ يَلْبَسَهُ نَهَارًا، ثُمَّ سُرِقَ لَيْلًا لَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ. وَفِي الْمِنَحِ أَنَّ الْمُودَعَ إذَا خَالَفَ فِي الْوَدِيعَةِ، ثُمَّ عَادَ إلَى الْوِفَاقِ إنَّمَا يَبْرَأُ عَنْ الضَّمَانِ إذَا صَدَّقَهُ الْمَالِكُ فِي الْعَوْدِ، وَإِنْ كَذَّبَهُ لَا يَبْرَأُ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى الْعَوْدِ إلَى الْوِفَاقِ (بِخِلَافِ الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُسْتَأْجِرِ) لِلْعَيْنِ إذَا تَعَدَّيَا، ثُمَّ أَزَالَاهُ يَزُولُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ قَبْضَهُمَا كَانَ لِأَنْفُسِهِمَا لِاسْتِيفَائِهِمَا الْمَنَافِعَ عَنْهَا فَبِإِزَالَةِ التَّعَدِّي عَنْ الْعَيْنِ لَمْ يُوجَدْ الرَّدُّ إلَى صَاحِبِهَا بِخِلَافِ الْمُودَعِ، فَإِنَّ يَدَهُ يَدُ الْمَالِكِ حُكْمًا لِكَوْنِهِ عَامِلًا لَهُ فِي الْحِفْظِ خِلَافًا لِزُفَرَ اعْتِبَارًا الْوَدِيعَةِ. (وَكَذَا) زَالَ الضَّمَانُ (لَوْ أَوْدَعَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةَ (ثُمَّ اسْتَرَدَّهَا) لِمَا مَرَّ. (وَإِنْ أَنْفَقَ) الْمُودَعُ (بَعْضَهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (فَهَلَكَ الْبَاقِي ضَمِنَ مَا أَنْفَقَ فَقَطْ) وَلَا يَضْمَنُ كُلَّهَا؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِقَدْرِ الْخِيَانَةِ، وَقَدْ خَانَ فِي الْبَعْضِ دُونَ الْبَعْضِ وَيُعْمَلُ بِقَوْلِهِ فِي الْإِنْفَاقِ بِيَمِينِهِ. (وَإِنْ رَدَّ مِثْلَهُ وَخَلَطَهُ بِالْبَاقِي ضَمِنَ الْجَمِيعَ) ؛ لِأَنَّهُ خَلَطَ مَالَ غَيْرِهِ بِمَالِهِ فَيَكُونُ اسْتِهْلَاكًا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي تَقَدَّمَ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ يَعْنِي عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا إنْ شَاءَ شَرَكَهُ، وَإِنْ شَاءَ يَضْمَنُ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَضْمَنُ مَا أَنْفَقَ فَقَطْ، قَيَّدَ بِالْإِنْفَاقِ وَرَدِّ الْمِثْلِ؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَذَ بَعْضَ الْوَدِيعَةِ لِيُنْفِقَهُ فِي حَاجَتِهِ فَرَدَّهُ إلَى مَوْضِعِهِ، ثُمَّ ضَاعَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ فَلْيُرَاجَعْ. (وَلَوْ تَصَرَّفَ فِيهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (فَرَبِحَ يَتَصَدَّقُ بِهِ) أَيْ بِالرِّبْحِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَطِيبُ لَهُ) الرِّبْحُ إذَا أَدَّى الضَّمَانَ أَوْ سَلَّمَ عَيْنَهَا بِأَنْ بَاعَهَا، ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَدَفَعَ إلَى مَالِكِهَا وَدَلِيلُ الطَّرَفَيْنِ بُيِّنَ فِي الْبَيْعِ. (وَإِنْ أَوْدَعَ اثْنَانِ مِنْ وَاحِدٍ شَيْئًا لَا يَدْفَعُ) الْوَاحِدُ (إلَى أَحَدِهِمَا) أَيْ إلَى أَحَدِ الِاثْنَيْنِ (حِصَّتَهُ بِغَيْبَةِ الْآخَرِ) ، فَإِنْ دَفَعَ ضَمِنَ نِصْفَهُ إنْ هَلَكَ عِنْدَ الْإِمَامِ سَوَاءٌ كَانَ مِثْلِيًّا أَوْ غَيْرَ مِثْلِيٍّ فِي الْمُخْتَارِ؛ لِأَنَّ هَذَا الدَّفْعَ يُوجِبُ الْقِسْمَةَ، وَالْمُودَعُ مَأْمُورٌ بِالْحِفْظِ لَا بِالْقِسْمَةِ (خِلَافًا لَهُمَا) فِي الْمِثْلِيِّ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْإِفْرَازِ فِيهِ غَالِبٌ كَمَا أَنَّ مَعْنَى الْمُبَادَلَةِ فِي غَيْرِ الْمِثْلِيِّ غَالِبٌ، وَلِذَا لَا يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ فِيهِ وَيَجُوزُ فِي الْمِثْلِيِّ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ حَتَّى لَوْ خَاصَمَهُ إلَى الْقَاضِي لَمْ يَأْمُرْهُ بِدَفْعِ نَصِيبِهِ إلَيْهِ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ، وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ لَا يَكُونُ قِسْمَةً اتِّفَاقًا حَتَّى إذَا هَلَكَ الْبَاقِي رَجَعَ صَاحِبُهُ عَلَى الْآخِذِ بِحِصَّتِهِ وَإِلَى أَنَّهُ يَأْخُذُ حِصَّتَهُ مِنْهَا إذَا ظَفِرَ بِهَا وَإِلَى أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ وَارْتَكَبَ الْمَمْنُوعَ لَا يَضْمَنُ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَإِنْ أَوْدَعَ) وَاحِدٌ (عِنْدَ اثْنَيْنِ مَا يُقْسَمُ) أَيْ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ (اقْتَسَمَاهُ) أَيْ الْمُودَعَانِ (وَحَفِظَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (حِصَّتَهُ) ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الِاجْتِمَاعُ عَلَى

стр. 1102

حِفْظِهِمَا وَحِفْظِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلنِّصْفِ دَلَالَةً، وَالثَّابِتُ بِالدَّلَالَةِ كَالثَّابِتِ بِالنَّصِّ (فَإِنْ دَفَعَ أَحَدُهُمَا) كُلَّهُ (إلَى الْآخَرِ ضَمِنَ الدَّافِعُ) عِنْدَ الْإِمَامِ، وَكَذَا الْمُرْتَهِنَانِ وَالْوَكِيلَانِ بِالشِّرَاءِ إذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا إلَى الْآخَرِ مَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنَّ فِعْلَ الِاثْنَيْنِ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يَقْبَلُ التَّجَزِّي تَنَاوَلَ الْبَعْضَ لَا الْكُلَّ، فَإِذَا سَلَّمَ أَحَدُهُمَا الْكُلَّ إلَى الْآخَرِ، وَلَمْ يَرْضَ الْمَالِكُ بِهِ يَضْمَنُ (لَا) يَضْمَنُ (الْقَابِضُ) ؛ لِأَنَّ مُودَعَ الْمُودَعِ لَا يَضْمَنُ عِنْدَهُ (وَعِنْدَهُمَا لِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (حِفْظُ الْكُلِّ) أَيْ كُلِّ الْوَدِيعَةِ (بِإِذْنِ الْآخَرِ) ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِأَمَانَتِهِمَا، فَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَلِّمَ الْآخَرَ وَلَا يَضْمَنُهُ. (وَإِنْ) كَانَ مَا أُودِعَ عِنْدَ الِاثْنَيْنِ (مِمَّا لَا يُقْسَمُ) أَيْ مِمَّا لَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ كَالْعَبْدِ أَوْ مِمَّا يَتَعَيَّبُ بِالْقِسْمَةِ كَالثَّوْبِ (حَفِظَهُ) أَيْ مَا لَا يُقْسَمُ (أَحَدُهُمَا بِإِذْنِ الْآخَرِ إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ رَضِيَ بِثُبُوتِ يَدِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ فِي الْكُلِّ. (وَإِنْ نَهَى) أَيْ نَهَى الْمَالِكُ الْمُودَعَ (عَنْ دَفْعِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (إلَى عِيَالِهِ فَدَفَعَ) الْمُودَعُ (إلَى مَنْ) نَهَاهُ، وَكَانَ (لَهُ مِنْهُ بُدٌّ) وَعَدَمُ احْتِيَاجٍ إلَيْهِ كَدَفْعِهِ الْخَاتَمَ إلَى عَبْدِهِ مَعَ أَنَّ لَهُ أَهْلًا سِوَاهُ (ضَمِنَ) إنْ هَلَكَ. (وَإِنْ) دَفَعَهَا (إلَى مَنْ لَا بُدَّ) أَيْ لَا فِرَاقَ (لَهُ مِنْهُ كَدَفْعِ الدَّابَّةِ إلَى عَبْدِهِ، وَ) كَدَفْعِ (شَيْءٍ يَحْفَظُهُ النِّسَاءُ إلَى زَوْجَتِهِ لَا يَضْمَنُ) إنْ هَلَكَ؛ لِأَنَّ الْوَدِيعَةَ مِمَّا يُحْفَظُ بِيَدِهِ أَوْ بِأَيْدِي عِيَالِهِ فِي بَيْتِهِ فَنَهْيُ الْمَالِكِ يُعْتَبَرُ إنْ كَانَ النَّهْيُ مُفِيدًا وَإِلَّا يُعْتَبَرُ الْحِفْظُ الْمَطْلُوبُ كَمَا لَوْ قَالَ: لَا تَدْفَعْ إلَى فُلَانٍ مِنْ عِيَالِك، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِيَالٌ سِوَاهُ لَمْ يَصِحَّ نَهْيُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الدَّفْعِ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عِيَالٌ غَيْرُهُ فَدَفَعَهُ إلَى مَنْ نُهِيَ عَنْ دَفْعِهَا إلَيْهِ ضَمِنَ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَوْ كَانَ الْآخَرُ دُونَ الْأَوَّلِ يَضْمَنُ وَإِلَّا فَلَا. (وَإِنْ أَمَرَهُ) أَيْ أَمَرَ الْمَالِكُ الْمُودَعَ (بِحِفْظِهَا) أَيْ الْوَدِيعَةِ (فِي بَيْتٍ مُعَيَّنٍ مِنْ دَارِ) الْمُودَعِ (فَحَفِظَهَا فِي غَيْرِهِ) أَيْ حَفِظَ الْمُودَعُ فِي بَيْتٍ آخَرَ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ، وَكَانَتْ بُيُوتُ الدَّارِ مُسْتَوِيَةً فِي الْحِفْظِ (لَا يَضْمَنُ) الْمُودَعُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْحِفْظُ مَعَ مُرَاعَاةِ هَذَا الشَّرْطِ فَلَمْ يَكُنْ مُفِيدًا فَلَا يُعْتَبَرُ الشَّرْطُ (إلَّا إذَا كَانَ فِيهِ) أَيْ فِي الْبَيْتِ الْآخَرِ (خَلَلٌ ظَاهِرٌ) بِأَنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي فِيهَا الْبَيْتَانِ عَظِيمَةً، وَالْبَيْتُ الَّذِي نَهَاهُ عَنْ الْحِفْظِ فِيهِ مَكْشُوفٌ يُتَخَوَّفُ مِنْهُ، فَإِنَّ الشَّرْطَ مُعْتَبَرٌ حِينَئِذٍ فَيَضْمَنُ لِكَوْنِ الْمُعَيَّنِ أَحْرَزَ مِنْ الْآخَرِ. (وَإِنْ أُمِرَ بِحِفْظِهَا فِي دَارٍ فَحَفِظَ فِي غَيْرِهَا) أَيْ فِي غَيْرِ تِلْكَ الدَّارِ (ضَمِنَ) لِتَفَاوُتِ الدَّارَيْنِ فِي الْأَغْلَبِ فَيُقَيَّدُ بِأَمْرِهِ. (وَلَوْ أَوْدَعَ الْمُودَعُ) غَيْرَهُ (فَهَلَكَتْ) الْوَدِيعَةُ (ضَمِنَ) الْمُودَعُ (الْأَوَّلُ فَقَطْ) عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ قَبَضَ الْمَالَ مِنْ يَدِ أَمِينٍ إذْ بِالدَّفْعِ لَا يَكُونُ ضَمِينًا مَا لَمْ يُفَارِقْهُ لِحُضُورِ رَأْيِهِ، فَإِذَا فَارَقَهُ فَقَدْ تَرَكَ الْحِفْظَ اللَّازِمَ بِالْتِزَامٍ فَيَضْمَنُ بِتَرْكِهِ

стр. 1103

وَالثَّانِي مُدَاوِمٌ عَلَى الْحِفْظِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُ صُنْعٌ فِي هَلَاكِ الْمَالِ فَلَا يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ (وَعِنْدَهُمَا) ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (ضَمِنَ أَيًّا شَاءَ) أَيْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ خَائِنٌ بِالتَّسْلِيمِ إلَى الثَّانِي بِغَيْرِ إذْنِ الْمَالِكِ، وَالثَّانِيَ مُتَعَدٍّ بِقَبْضِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَإِنْ ضَمِنَ) الْمَالِكُ الْمُودَعَ (الثَّانِيَ رَجَعَ) أَيْ الثَّانِي (عَلَى الْأَوَّلِ) ؛ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لَهُ بِأَمْرِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمَا لَحِقَهُ مِنْ الْعُهْدَةِ (لَا) يَرْجِعُ (بِالْعَكْسِ) أَيْ ضَمِنَ الْمَالِكُ الْمُودَعَ الْأَوَّلَ لَا يَرْجِعُ الْأَوَّلُ عَلَى الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ مَلَكَ بِالضَّمَانِ فَظَهَرَ أَنَّهُ أُودِعَ مِلْكَ نَفْسِهِ. (وَلَوْ أَوْدَعَ الْغَاصِبُ) الْمَغْصُوبَ عِنْدَ غَيْرِهِ (ضَمِنَ) الْمَغْصُوبُ مِنْهُ (أَيًّا شَاءَ) مِنْ الْغَاصِبِ وَمُودَعِهِ (إجْمَاعًا) ؛ لِأَنَّ الثَّانِيَ صَارَ مِثْلَ الْأَوَّلِ فِي التَّلَقِّي مِنْهُ ابْتِدَاءً لِعَدَمِ إذْنِ الْمَالِكِ، فَكَذَا بَقَاءً، ثُمَّ مُودَعُ الْغَاصِبِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ الْمُودِعَ غَاصِبٌ فَضَمِنَ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ قَوْلًا وَاحِدًا، وَإِنْ عَلِمَ فَكَذَلِكَ فِي الظَّاهِرِ وَحَكَى أَبُو الْيُسْرِ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ وَإِلَيْهِ أَشَارَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ. (وَلَوْ أَوْدَعَ عِنْدَ عَبْدٍ مَحْجُورٍ) ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ يَضْمَنُ فِي الْحَالِ اتِّفَاقًا (شَيْئًا فَأَتْلَفَهُ) أَيْ أَتْلَفَ الْعَبْدُ ذَلِكَ الشَّيْءَ (ضَمِنَهُ بَعْدَ عِتْقِهِ) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ. (وَإِنْ) أَوْدَعَ (عِنْدَ صَبِيٍّ) يَعْقِلُ (فَأَتْلَفَهُ فَلَا ضَمَانَ أَصْلًا) لَا حَالٌّ وَلَا بَعْدَ الْبُلُوغِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ؛ لِأَنَّ الْمَالِكَ اسْتَحْفَظَ مِمَّنْ لَيْسَ بِأَهْلِ الْتِزَامِ الْحِفْظِ أَمَّا الصَّبِيُّ فَلَا يَصِحُّ الْتِزَامُهُ أَصْلًا فَصَارَ الْمَالِكُ كَأَنَّهُ أَذِنَ بِإِتْلَافِهِ، وَأَمَّا الْعَبْدُ فَالْتِزَامُهُ لَمْ يَصِحَّ فِي حَقِّ الْمَوْلَى نَظَرًا فَلَا يَضْمَنُ فِي الْحَالِ، وَصَحَّ فِي حَقِّ نَفْسِهِ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا فَيَضْمَنُ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا مَرَّ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَضْمَنَانِ) أَيْ الْعَبْدُ وَالصَّبِيُّ (لِلْحَالِّ) فَيُبَاعُ الْعَبْدُ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَحْجُورِيَّتَهما فِي الْأَقْوَالِ فَقَطْ، وَلِهَذَا لَوْ اسْتَهْلَكَا عَيْنًا قَبْلَ الْإِيدَاعِ يَضْمَنَانِ هَذَا بِإِتْلَافِهِمَا، أَمَّا لَوْ تَلِفَتْ فِي أَيْدِيهِمَا لَا يَضْمَنَانِ اتِّفَاقًا، وَلَوْ أَتْلَفَا مَا أُودِعَ عِنْدَ الْأُبَابِ، وَالْمَوْلَى يَضْمَنَانِ اتِّفَاقًا، وَإِنَّمَا قُلْنَا عِنْدَ صَبِيٍّ يَعْقِلُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَا يَعْقِلُ لَا يَضْمَنُ اتِّفَاقًا كَذَا ذَكَرَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ. وَفِي الْمُحِيطِ ظَنَّ بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْخِلَافَ فِي صَبِيٍّ يَعْقِلُ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنُّوا بَلْ الْخِلَافُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِقْرَاضُ وَالْإِعَارَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ. (وَإِنْ دَفَعَ الْعَبْدُ الْوَدِيعَةَ إلَى مِثْلِهِ) أَيْ إلَى عَبْدٍ مَحْجُورٍ (فَهَلَكَتْ) عِنْدَ الثَّانِي (ضَمِنَ الْأَوَّلُ) أَيْ وَلِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْعَبْدَ الدَّافِعَ (بَعْدَ الْعِتْقِ) فَلَا يُضَمِّنُ الثَّانِيَ عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّهُ مُودَعُ الْمُودَعِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ ضَمَّنَ أَيُّهُمَا شَاءَ لِلْحَالِّ) أَيْ يُخَيَّرُ الْمَالِكُ فِي التَّضْمِينِ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ مُتْلِفٌ بِالدَّفْعِ، وَالثَّانِيَ مُتَعَدٍّ بِقَبْضِهِ بِلَا إذْنٍ كَمَا مَرَّ آنِفًا (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ ضَمِنَ الْأَوَّلُ فَبَعْدَ الْعِتْقِ) ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي إيدَاعِ الْعَبْدِ الْمَحْجُورِ. (وَإِنْ ضَمَّنَ الثَّانِيَ فَلِلْحَالِّ) ؛ لِأَنَّ ضَمَانَهُ ضَمَانُ فِعْلٍ

стр. 1104

بِقَبْضِهِ مِلْكَ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَلَزِمَهُ فِي الْحَالِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ مَحَلُّ الْخِلَافِ إذَا دَفَعَ الْعَبْدُ الْأَوَّلُ إلَى الثَّانِي، فَإِنَّهُ لَوْ أَمَرَ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ بِقَبْضِهِ فَقَبَضَهُ وَدِيعَةً وَضَاعَ لَيْسَ لِلْمَالِكِ أَنْ يُضَمِّنَ الْأَوَّلَ قَبْلَ الْعِتْقِ اتِّفَاقًا. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الثَّانِيَ يُضَمَّنُ بَعْدَ الْعِتْقِ. (وَمَنْ مَعَهُ أَلْفُ) دِرْهَمٍ (فَادَّعَى كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْ اثْنَيْنِ إيدَاعَهَا) أَيْ الْأَلْفِ (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ مَنْ ادَّعَى (فَنَكَلَ) عَنْ الْحَلِفِ (لَهُمَا) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى الِانْفِرَادِ بَعْدَ أَنْ اسْتَحْلَفَاهُ (فَهِيَ) أَيْ الْأَلْفُ (لَهُمَا) لِلِاثْنَيْنِ (وَضَمِنَ لَهُمَا) أَيْ لِلِاثْنَيْنِ (مِثْلَهَا) أَيْ مِثْلَ الْأَلْفِ؛ لِأَنَّ دَعْوَاهُمَا صَحِيحَةٌ فَتَجِبُ عَلَيْهِ الْيَمِينُ لَهُمَا، فَإِنْ حَلَفَ لَهُمَا فَلَا شَيْءَ لَهُمَا عَلَيْهِ لِعَدَمِ الْحُجَّةِ، وَإِنْ حَلَفَ لِأَحَدِهِمَا وَنَكَلَ الْآخَرُ قَضَى بِهِ لِمَنْ نَكَلَ لَهُ دُونَ الْآخَرِ لِوُجُودِ الْحُجَّةِ فِي حَقِّهِ دُونَ الْآخَرِ، وَإِنْ نَكَلَ لَهُمَا قَضَى بَيْنَهُمَا لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، ثُمَّ يَجِبُ عَلَيْهِ أَلْفٌ أُخْرَى لِإِقْرَارِهِ لَهُمَا وَلِلْقَاضِي أَنْ يَبْدَأَ أَيُّهُمَا شَاءَ بِالتَّحْلِيفِ، وَالْأَوْلَى الْقُرْعَةُ وَفِي التَّحْلِيفِ لِلثَّانِي يَقُولُ: بِاَللَّهِ مَا هَذِهِ الْعَيْنُ لَهُ وَلَا قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَقَرَّ بِهَا لِلْأَوْلَى ثَبَتَ الْحَقُّ فِيهَا لَهُ فَلَا يُفِيدُ إقْرَارُهُ بِهَا لِلثَّانِي فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأَوَّلِ لَكَانَ صَادِقًا. وَفِي الْبَحْرِ لَوْ قَالَ: أَوْدَعَنِيهَا أَحَدُكُمَا، وَلَا أَدْرِي أَيُّكُمَا، فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى أَخْذِهَا بَيْنَهُمَا فَلَهُمَا ذَلِكَ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لَهُ الِامْتِنَاعُ مِنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَ الصُّلْحِ وَإِلَّا فَإِنْ ادَّعَاهَا كُلُّ وَاحِدٍ أَخْذَهَا لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْمُقَرَّ لَهُ مَجْهُولٌ وَلِكُلٍّ أَنْ يَسْتَحْلِفَهُ، فَإِنْ حَلَفَ قَطَعَ دَعْوَاهُمَا، وَإِنْ نَكَلَ فَكَمَسْأَلَةِ الْكِتَابِ، وَكَذَا لَوْ قَالَ: عَلَيَّ الْأَلْفُ لِهَذَا وَلِهَذَا. وَفِي التَّنْوِيرِ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ أَلْفًا، وَقَالَ: ادْفَعْهَا الْيَوْمَ إلَى فُلَانٍ فَلَمْ يَدْفَعْهَا حَتَّى ضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: احْمِلْ إلَيَّ الْوَدِيعَةَ فَقَالَ: افْعَلْ وَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى مَضَى الْيَوْمُ قَالَ لِلْمُودَعِ: ادْفَعْ الْوَدِيعَةَ إلَى فُلَانٍ فَقَالَ: دَفَعْت، وَكَذَّبَهُ فُلَانٌ وَضَاعَتْ الْوَدِيعَةُ صُدِّقَ الْمُودَعُ مَعَ يَمِينِهِ قَالَ: لَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَتْ لَا يَضْمَنُ عَلَى الْأَصَحِّ كَمَا لَوْ قَالَ: ذَهَبَتْ وَلَا أَدْرِي كَيْفَ ذَهَبَتْ. وَفِي الْمِنَحِ قَالَ: لَا أَدْرِي دُفِنَتْ فِي دَارِي أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يَضْمَنُ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَكَانَ الدَّفْنِ لَكِنَّهُ سُرِقَتْ الْوَدِيعَةُ مِنْ الْمَكَانِ الْمَدْفُونِ فِيهِ لَا يَضْمَنُ. وَفِي الْعُدَّةِ إذَا دَفَنَ الْوَدِيعَةَ فِي الْأَرْضِ إنْ جَعَلَ هُنَاكَ عَلَامَةً لَا يَضْمَنُ وَإِلَّا ضَمِنَ وَفِي الْمَفَازَةِ يَضْمَنُ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. [كِتَاب الْعَارِيَّةِ] ِ أَخَّرَهَا عَنْ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ فِيهَا تَمْلِيكًا، وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي الْأَمَانَةِ هِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْعَرِيَّةِ وَهِيَ الْعَطِيَّةُ الْمَخْصُوصَةُ بِالْأَعْيَانِ وَمُسْتَعْمَلَةٌ فِي تِلْكَ الْمَنَافِعِ وَرَدَّهُ الْمُطَرِّزِيُّ وَغَيْرُهُ بِالْمُشْتَقَّاتِ اسْتَعَارَهُ مِنْهُ فَأَعَارَهُ وَاسْتَعَارَهُ الشَّيْءَ عَلَى حَذْفِ مِنْ وَقِيلَ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارِ؛ لِأَنَّ طَلَبَهَا عَيْبٌ وَعَارٌ عَلَى مَا قَالَهُ الْجَوْهَرُ وَابْنُ الْأَثِيرِ وَرَدَّ الرَّاغِبُ

стр. 1105

وَغَيْرُهُ بِأَنَّ الْعَارَ يَائِيٌّ وَالْعَارِيَّةَ وَاوِيَّةٌ عَلَى مَا صَرَّحُوا أَنْفُسُهُمْ بِهِ. وَفِي الْمُغْرِبِ أَنَّهَا مَنْسُوبَةٌ إلَى الْعَارَةِ اسْمٌ مِنْ الْإِعَارَةِ. وَفِي النِّهَايَةِ إنَّ مَا فِي الْمُغْرِبِ هُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ ﵇ بَاشَرَ الِاسْتِعَارَةَ فَلَوْ كَانَ الْعَارُ فِي طَلَبِهَا لَمَا بَاشَرَهَا، وَقِيلَ هِيَ فِي الْأَصْلِ اسْمٌ مَوْضُوعٌ بِلَا نِسْبَةٍ كَالدُّرْدِيِّ وَالْكُرْسِيِّ، وَهِيَ مِنْ التَّعَاوُرِ، وَهُوَ التَّنَاوُبُ بِلَا تَشْدِيدٍ فَكَأَنَّهُ يَجْعَلُ لِلْغَيْرِ نَوْبَةً، وَلِنَفْسِهِ نَوْبَةً، وَقِيلَ هِيَ اسْمُ الْعَيْنِ الْمُعَارِ، وَشَرِيعَةً (هِيَ) أَيْ الْعَارِيَّةُ بِمَعْنَى الْإِعَارَةِ لِلْعَارِيَّةِ الَّتِي هِيَ اسْمٌ لِمَا أُعِيرَ وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ حَمْلُ التَّمْلِيكِ عَلَيْهِ (تَمْلِيكُ مَنْفَعَةٍ) مِنْ عَيْنٍ مَعَ بَقَائِهَا احْتِرَازٌ عَنْ قَرْضِ نَحْوِ الدَّرَاهِمِ، وَعَنْ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ (بِلَا بَدَلٍ) احْتِرَازٌ عَنْ الْإِجَارَةِ. وَقَالَ الْكَرْخِيُّ هِيَ إبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِ الْغَيْرِ لَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ، وَتَبْطُلُ بِالنَّهْيِ، وَالتَّمْلِيكُ لَا يَبْطُلُ بِهِ كَالْهِبَةِ وَالْإِجَارَةِ، وَلِأَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَا يَمْلِكُ الْإِجَارَةَ مِنْ غَيْرِهِ، وَمَنْ مَلَكَ الْمَنَافِعَ مَلَكَ إجَارَتَهَا، وَلِأَنَّ التَّمْلِيكَ غَيْرُ جَائِزٍ مَعَ الْجَهْلِ بِخِلَافِ الْإِبَاحَةِ إذْ فِيهَا لَا يُشْتَرَطُ ضَرْبُ الْمُدَّةِ، وَلَنَا أَنَّ الْعَارِيَّةَ تُنْبِئُ عَنْ التَّمْلِيكِ لِكَوْنِهَا مِنْ الْعَرِيَّةِ هِيَ الْعَطِيَّةُ مِنْ الثِّمَارِ؛ وَلِذَا تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ، وَإِنَّمَا انْعَقَدَتْ بِلَفْظِ الْإِبَاحَةِ؛ لِأَنَّهَا اُسْتُعِيرَتْ لِلتَّمْلِيكِ بِلَا عِوَضٍ كَانْعِقَادِ الْإِجَارَةِ بِلَفْظَةِ الْإِبَاحَةِ، وَالنَّهْيُ لَيْسَ إبْطَالًا لِلْمِلْكِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ بَلْ يَمْنَعُ عَنْ التَّمْلِيكِ؛ لِأَنَّهُ دَلِيلُ الرُّجُوعِ وَالِاسْتِرْدَادِ، وَإِنَّمَا لَا يَمْلِكُ الْمُسْتَعِيرُ الْإِجَارَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ الضَّرَرِ بِالْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَ الْمُسْتَعِيرَ الْمَنَافِعَ عَلَى وَجْهٍ يَتَمَكَّنُ مِنْ الِاسْتِرْدَادِ مَتَى شَاءَ، فَلَوْ مَلَكَ الْمُسْتَعِيرُ الْإِجَارَةَ لَمْ يَتَمَكَّنْ الْمُعِيرُ مِنْ ذَلِكَ، وَالْجَهْلُ فِيهَا لَيْسَ بِمُضِرٍّ لِعَدَمِ الْإِفْضَاءِ إلَى النِّزَاعِ لِجَوَازِ رُجُوعِ الْمُعِيرِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ وَلَحْظَةٍ، وَالْمَنَافِعُ قَابِلَةٌ لِلتَّمْلِيكِ كَمَا فِي الْوَصِيَّةِ بِخِدْمَةِ الْعَبْدِ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ، وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهَا مُسْتَحَبَّةً، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ أَوْ وَاجِبَةً، وَهُوَ قَوْلُ الْبُعْدِ. وَشَرْطُهَا قَابِلِيَّةُ الْعَيْنِ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا مَعَ بَقَائِهَا، وَسَبَبُهَا مَا مَرَّ مِنْ التَّعَاضُدِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ الْمَدَنِيُّ بِالطَّبْعِ، وَمَحَاسِنُهَا النِّيَابَةُ عَنْ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ فِي إجَابَةِ الْمُضْطَرِّ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُحْتَاجِ كَالْقَرْضِ فَلِهَذَا كَانَتْ الصَّدَقَةُ بِعَشَرَةٍ، وَالْقَرْضَ بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ (وَلَا تَكُونُ) الْعَارِيَّةُ (إلَّا فِيمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ) اعْلَمْ أَنَّ الْإِعَارَةَ نَوْعَانِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَالْحَقِيقَةُ: إعَارَةُ الْأَعْيَانِ الَّتِي يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا كَالثَّوْبِ وَالدَّارِ وَالْعَبْدِ وَالدَّابَّةِ، وَالْمَجَازُ إعَارَةُ مَا لَا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ إلَّا بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهِ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونَاتِ فَتَكُونُ إعَارَةً صُورَةً وَقَرْضًا مَعْنًى، وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَإِعَارَةُ الْمَكِيلَاتِ وَالْمَوْزُونِ وَالْمَعْدُودِ قَرْضٌ) ؛ لِأَنَّ الِانْتِفَاعَ بِهَا إنَّمَا يُمْكِنُ بِاسْتِهْلَاكِ عَيْنِهَا فَاقْتَضَى إعَارَتَهَا تَمْلِيكُهَا، وَذَلِكَ يَكُونُ بِالْهِبَةِ أَوْ الْقَرْضِ لِكَوْنِهِ أَدْنَى ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يُوجِبُ رَدَّ الْمِثْلِ (إلَّا إذَا عَيَّنَ انْتِفَاعًا يُمْكِنُ رَدُّ الْعَيْنِ بَعْدَهُ)

стр. 1106

أَيْ بَعْدَ الِانْتِفَاعِ كَمَا لَوْ اسْتَعَارَ دَرَاهِمَ لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانًا أَوْ لِيُزَيِّنَ بِهَا دُكَّانًا صَارَتْ عَارِيَّةً لَا قَرْضًا. (وَتَصِحُّ) الْعَارِيَّةُ (بِأَعَرْتُكَ) أَيْ جَعَلْتهَا عَارِيَّةً لَك لِكَوْنِهِ صَرِيحًا فِيهَا لَكِنْ فِي الْمُضْمَرَاتِ أَنَّ أَرْكَانَهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ وَشَرْطَهَا الْقَبْضُ (وَمَنَحْتُك) هَذَا الثَّوْبَ بِمَعْنَى أَعْطَيْتُك؛ لِأَنَّ هَذَا إذَا أُضِيفَ إلَى مَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَهُوَ عَارِيَّةٌ إذًا أَصْلُهُ إعْطَاءُ الشَّيْءِ لِآخَرَ لِيَنْتَفِعَ بِهِ أَيَّامًا، ثُمَّ يَرُدُّهُ فَرُوعِيَ أَصْلُهُ إذَا أُضِيفَ إلَى مَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ فَهُوَ هِبَةٌ كَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْمَطْعُومِ وَالْمَشْرُوبِ (وَأَطْعَمْتُك أَرْضِي) هَذِهِ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا قَارَنَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ كَالْبُرِّ يُرَادُ بِهِ تَمْلِيكُ عَيْنِهِ، وَإِذَا قَارَنَ إلَى مَا لَا يُطْعَمُ كَالْأَرْضِ يُرَادُ بِهِ أَخْذُ غَلَّتِهَا إطْلَاقًا لِاسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِّ (وَحَمَلْتُك عَلَى دَابَّتِي) هَذِهِ؛ لِأَنَّهُ يُقَالُ فِي الْعُرْفِ: حَمَلَ فُلَانٌ فُلَانًا دَابَّتَهُ إذَا أَعَارَهُ إيَّاهَا، وَإِذَا وَهَبَهُ إيَّاهَا، فَإِذَا نَوَى أَحَدُهُمَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَإِذَا لَمْ يَنْوِ حُمِلَ عَلَى الْأَدْنَى لِئَلَّا يَلْزَمَ الْأَعْلَى بِالشَّكِّ؛ وَلِأَنَّ الْحَمْلَ هُوَ الْإِرْكَابُ حَقِيقَةً فَكَانَ عَارِيَّةً. وَفِي الدُّرَرِ وَشَرْحِ الْمَجْمَعِ كَلَامٌ تَتَبَّعْ (وَأَخْدَمْتُك عَبْدِي) ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي الِاسْتِخْدَامِ، وَهُوَ الْعَارِيَّةُ (إذَا لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ) أَيْ بِكُلٍّ مِنْ الْإِطْعَامِ وَالْحَمْلِ وَالْإِخْدَامِ (الْهِبَةَ) . فَإِذَا نَوَى أَحَدَهَا صَحَّتْ نِيَّتُهُ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حُمِلَ عَلَى الْأَدْنَى كَمَا مَرَّ (وَدَارِي لَك سُكْنَى) أَيْ مِنْ جِهَةِ السُّكْنَى؛ لِأَنَّ دَارِي مُبْتَدَأٌ وَلَك خَبَرُهُ وَسُكْنَى تَمْيِيزٌ عَنْ النِّسْبَةِ إلَى الْمُخَاطَبِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَك يَحْتَمِلُ تَمْلِيكَ الْعَيْنِ وَالْمَنْفَعَةِ، وَقَوْلُهُ: سُكْنَى مُحْكِمٌ فِي الْمَنْفَعَةِ، وَهُوَ مُعَيِّنٌ لِلثَّانِي بِحُكْمِ التَّفْسِيرِ فَيَكُونُ عَارِيَّةً (أَوْ) دَارِي لَك (عُمْرِي سُكْنَى) فَعُمْرِي مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَعْمَرْتُهَا لَك عُمْرِي وَالْعُمْرَى جَعْلُ الدَّارِ لِأَحَدٍ مُدَّةَ عُمْرِهِ وَسُكْنَى تَمْيِيزٌ وَتَخْصِيصٌ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى الْعَارِيَّةِ. (وَلِلْمُعِيرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا) أَيْ فِي الْعَارِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ أَوْ الْمُقَيَّدَةِ (مَتَى شَاءَ) لِعَدَمِ لُزُومِهَا هَذَا إذَا لَمْ يَنْقَلِبْ إجَارَةً وَإِلَّا فَلَا يَرْجِعُ كَمَا إذَا اسْتَعَارَ أَمَةً لِتُرْضِعَ ابْنَهُ فَأَرْضَعَتْهُ فَلَمَّا صَارَ الصَّبِيُّ لَا يَأْخُذُ ثَدْيَ غَيْرِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُسْتَرَدُّ مِنْهَا، وَعَلَيْهِ أَجْرُ مِثْلِ خَادِمَتِهِ إلَى أَنْ يُفْطَمَ، وَكَذَا لَوْ اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ فَرَسًا لِيَغْزُوَ عَلَيْهِ فَأَعَارَهُ إيَّاهُ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ لَقِيَهُ بَعْدَ شَهْرَيْنِ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَأَرَادَ أَخْذَهُ كَانَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ لَقِيَهُ فِي بِلَادِ الشِّرْكِ فِي مَوْضِعٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكِرَاءِ أَوْ الشِّرَاءِ كَانَ لِلْمُسْتَعِيرِ أَنْ لَا يَدْفَعَهُ؛ لِأَنَّ هَذَا ضَرَرٌ بَيِّنٌ، وَعَلَى الْمُسْتَعِيرِ أَجْرُ مِثْلِ الْفَرَسِ مِنْ الْمَوْضِعِ الَّذِي طَلَبَ صَاحِبُهُ إلَى أَدْنَى الْمَوْضِعِ الَّذِي يَجِدُ فِيهِ كِرَاءً أَوْ شِرَاءً. (وَلَوْ هَلَكَتْ) الْعَارِيَّةُ (بِلَا تَعَدٍّ) مِنْ الْمُسْتَعِيرِ (فَلَا ضَمَانَ) ، وَلَوْ بِشَرْطِ الضَّمَانِ، فَإِنَّهُ شَرْطٌ بَاطِلٌ كَمَا فِي الْمُحِيطِ وَفِي التَّبْيِينِ. وَالْعَارِيَّةُ إذَا اشْتَرَطَ فِيهَا الضَّمَانَ يَضْمَنُ عِنْدَنَا فِي رِوَايَةٍ، وَصَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ جَزَمَ بِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَصِيرُ مَضْمُونَةً بِشَرْطِ الضَّمَانِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي رِوَايَةٍ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَعِرْنِي هَذَا عَلَى أَنَّهُ إنْ ضَاعَ فَأَنَا ضَامِنٌ وَضَاعَ لَمْ يَضْمَنْ انْتَهَى، وَهَذَا

стр. 1107

إذَا لَمْ يَتَبَيَّنْ أَنَّهَا مُسْتَحَقَّةٌ لِلْغَيْرِ، فَإِنْ ظَهَرَ اسْتِحْقَاقُهَا ضَمِنَهَا وَلَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُعِيرِ؛ لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ، وَلِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يُضَمِّنَ الْمُعِيرَ، وَإِذَا ضَمَّنَهُ لَا رُجُوعَ لَهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَلَا يَمْلِكُ وَالِدُ الصَّغِيرِ إعَارَةَ مَالِ وَلَدِهِ، وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ يَمْلِكُ أَنْ يُعِيرَ، وَالْمَرْأَةُ إذَا أَعَارَتْ شَيْئًا مِنْ مِلْكِ الزَّوْجِ فَهَلَكَ إنْ كَانَ شَيْئًا دَاخِلَ الْبَيْتِ، وَمَا يَكُونُ فِي أَيْدِيهِنَّ عَادَةً فَلَا ضَمَانَ عَلَى أَحَدٍ أَمَّا فِي الْفَرَسِ وَالثَّوْرِ فَيَضْمَنُ الْمُسْتَعِيرُ أَوْ الْمَرْأَةُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَضْمَنُ إذَا هَلَكَتْ فِي غَيْرِ حَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ لِقَوْلِهِ ﵊: «الْعَارِيَّةُ مَضْمُونَةٌ» ؛ وَلِأَنَّهُ قَبَضَ لِنَفْسِهِ فَصَارَ كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊: «لَيْسَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ غَيْرِ الْمُغِلِّ ضَمَانٌ» ، وَلِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ سَوَاءٌ هَلَكَتْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ أَوْ لَا، وَمَا رَوَيَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى ضَمَانِ الرَّدِّ. (وَلَا تُؤَجَّرُ) الْعَارِيَّةُ؛ لِأَنَّهَا دُونَ الْإِجَارَةِ، وَالشَّيْءُ لَا يَسْتَتْبِعُ فَوْقَهُ (وَلَا تُرْهَنُ) ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ إيفَاءٌ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوَفِّيَ دَيْنَهُ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، وَلَهُ أَنْ يُودِعَ عَلَى الْمُفْتَى بِهِ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ عَدَمَهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ (كَالْوَدِيعَةِ) أَيْ كَمَا لَا تُؤَجَّرُ وَلَا تُرْهَنُ الْوَدِيعَةُ؛ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهَا (فَإِنْ آجَرَهَا) أَيْ آجَرَ الْمُسْتَعِيرُ الْعَارِيَّةَ (فَتَلِفَتْ) أَيْ هَلَكَتْ الْعَارِيَّةُ (ضَمَّنَ أَيَّهُمَا شَاءَ) أَيْ الْمُعِيرُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ يُضَمِّنُ الْمُسْتَعِيرَ؛ لِأَنَّهُ صَارَ غَاصِبًا بِتَعَدِّيهِ أَوْ يُضَمِّنُ الْمُسْتَأْجِرَ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ مِلْكَ الْمُعِيرِ بِغَيْرِ إذْنِهِ (فَإِنْ ضَمَّنَ) أَيْ الْمُعِيرُ (الْمُؤَجَّرَ) أَيْ الْمُسْتَعِيرَ (لَا يَرْجِعُ) بِمَا غَرِمَهُ (عَلَى أَحَدٍ) ؛ لِأَنَّهُ بِالضَّمَانِ تَبَيَّنَ أَنَّهُ أَجَّرَ مِلْكَ نَفْسِهِ وَيَتَصَدَّقُ بِالْأُجْرَةِ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ (وَإِنْ ضَمَّنَ الْمُسْتَأْجِرَ رَجَعَ عَلَى الْمُؤَجَّرِ) أَيْ الْمُسْتَعِيرِ (إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُسْتَأْجِرُ (أَنَّهُ) أَيْ أَنَّ مَا اسْتَأْجَرَهُ (عَارِيَّةٌ) عِنْدَ مُؤَجَّرِهِ، وَهُوَ الْمُسْتَعِيرُ لِكَوْنِهِ مَغْرُورًا مِنْ مُؤَجِّرِهِ قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّهُ إنْ عَلِمَ لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ الْمُؤَجِّرَ حِينَئِذٍ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ غُرُورٌ وَصَارَ كَالْمُسْتَأْجِرِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالْغَصْبِ. (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَعِيرِ (أَنْ يُعِيرَ) مَا اسْتَعَارَهُ إنْ كَانَ (مَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمِلِ كَالْحَمْلِ عَلَى الدَّابَّةِ) وَالِاسْتِخْدَامِ وَالسُّكْنَى وَالزِّرَاعَةِ، وَإِنْ شَرَطَ الْمَالِكُ أَنْ يَنْتَفِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ؛ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ فِيمَا لَا يَخْتَلِفُ غَيْرُ مُفِيدٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ إبَاحَةُ الْمَنَافِعِ عِنْدَهُ فَلَا يَمْلِكُ إبَاحَتَهَا غَيْرُهُ، وَلَنَا أَنَّهَا تَمْلِيكُ الْمَنَافِعِ فَيَمْلِكُ أَنْ يُعِيرَهَا كَمَا مَرَّ (لَا مَا يَخْتَلِفُ) بِاخْتِلَافِ الْمُسْتَعْمَلِ (كَالرُّكُوبِ) أَيْ رُكُوبِ الدَّابَّةِ وَلُبْسِ الثَّوْبِ (إنْ عَيَّنَ) الْمُعِيرُ (مُسْتَعْمِلًا) ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ رَضِيَ بِذَلِكَ الْمُعَيَّنِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رُكُوبَ الْعَسْكَرِيِّ لَا يَكُونُ كَرُكُوبِ السُّوقِيِّ، وَلُبْسَ الْقَصَّابِ لَيْسَ كَلُبْسِ الْبَزَّازِ. (وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ) الْمُعِيرُ مُسْتَعْمِلًا (جَازَ أَيْضًا) كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعِيرَ مَا لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الِاسْتِعْمَالِ لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْإِعَارَةُ مُطْلَقَةً حِينَئِذٍ (مَا لَمْ يَتَعَيَّنْ) الْمُنْتَفِعُ بِفِعْلِ الْمُسْتَعِيرِ (فَإِنْ تَعَيَّنَ) الْمُنْتَفِعُ بِفِعْلِهِ (لَا يَجُوزُ) لَهُ أَنْ يُعِيرَهُ، وَفَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ

стр. 1108

رَكِبَ هُوَ) أَيْ الْمُسْتَعِيرُ (لَيْسَ لَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَعِيرِ (إرْكَابُ غَيْرِهِ، وَإِنْ أَرْكَبَ) الْمُسْتَعِيرُ (غَيْرَهُ) فَ (لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ هُوَ) يَعْنِي مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً مُطْلَقًا كَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ أَوْ يُعِيرَ غَيْرَهُ لِلْحَمْلِ وَيَرْكَبَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُرَكِّبَ غَيْرَهُ وَأَيًّا فَعَلَ مِنْ الْحَمْلِ أَوْ حَمْلِ الْغَيْرِ مِنْ الرُّكُوبِ أَوْ الْإِرْكَابِ فَقَدْ تَعَيَّنَ الْعَمَلُ فَلَيْسَ بَعْدَ حَمْلِهِ أَنْ يَحْمِلَ غَيْرَهُ، وَلَا عَكْسُ هَذَا وَإِلَّا ضَمِنَ، وَكَذَا حُكْمُ الْإِرْكَابِ بَعْدَ الرُّكُوبِ وَعَكْسِهِ لِتَعَيُّنِ الرُّكُوبِ فِي الْأَوَّلِ وَالْإِرْكَابِ فِي الثَّانِي، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اخْتِيَارُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَهُ أَنْ يَرْكَبَ بَعْدَ الْإِرْكَابِ وَيَرْكَبَ بَعْدَ الرُّكُوبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيِّ وَشَيْخِ الْإِسْلَامِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ. (وَإِنْ قُيِّدَتْ) الْإِعَارَةُ (بِنَوْعٍ أَوْ وَقْتٍ) أَيْ قَيَّدَ الْمُعِيرُ الْعَارِيَّةَ بِنَوْعٍ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِأَنْ شَرَطَ أَنْ يَنْتَفِعَ هُوَ بِنَفْسِهِ أَوْ فُلَانٌ مُعَيَّنٌ أَوْ قَيَّدَهَا بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ بِشَهْرٍ أَوْ جُمُعَةٍ مَثَلًا (أَوْ بِهِمَا) أَيْ قَيَّدَهَا بِالنَّوْعِ وَالْوَقْتِ جَمِيعًا (ضَمِنَ) الْمُسْتَعِيرُ (بِالْخِلَافِ) فِي وَاحِدٍ مِنْهَا (إلَى شَهْرٍ فَقَطْ) فَلَمْ يَضْمَنْ بِالْخِلَافِ إلَى مِثْلٍ أَوْ خَيْرٍ كَمَا إذَا قَالَ لَهُ: احْمِلْ عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ هَذِهِ الْحِنْطَةَ كَانَ لَهُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مِثْلَهَا أَوْ دُونَهَا فِي الضَّرَرِ كَحَمْلِ مِثْلِ الْحِنْطَةِ شَعِيرًا؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ بِالشَّيْءِ إذْنٌ بِمَا يُسَاوِيهِ، وَبِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، وَهَذَا اسْتِحْسَانٌ وَالْقِيَاسُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ، فَإِنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ لَا تُعْتَبَرُ الْمَنْفَعَةُ وَالضَّرَرُ بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: احْمِلْ عَلَيْهَا عَشْرَةَ أَقْفِزَةِ شَعِيرٍ فَحَمَلَ عَلَيْهَا عَشْرَةَ أَقْفِزَةِ بُرٍّ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ لَمْ يَرْضَ بِالشَّيْءِ الثَّقِيلِ فَيَضْمَنُ لِوُجُودِ التَّعَدِّي. (وَإِنْ أَطْلَقَ) الْمُعِيرُ الِانْتِفَاعَ (فِيهِمَا) أَيْ فِي النَّوْعِ وَالْوَقْتِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُسْتَعِيرِ (الِانْتِفَاعُ بِأَيِّ نَوْعٍ شَاءَ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ) عَمَلًا بِالْإِطْلَاقِ. وَاخْتَلَفُوا فِي إيدَاعِ الْمُسْتَعِيرِ فَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَالَ الْبَاقِلَّانِيُّ: هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى أَنَّ لَهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَشَايِخُ الْعِرَاقِ وَأَبُو اللَّيْثِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ وَبُرْهَانُ الْأَئِمَّةِ قَالَ ظَهِيرُ الدِّينِ: وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَفِي الْمِنَحِ وَجَعَلَ الْفَتْوَى فِي السِّرَاجِيَّةِ عَلَيْهِ أَيْضًا لَكِنْ فِي الصَّيْرَفِيَّةِ أَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تُودَعُ أَوَّلًا تُودَعُ مَحَلَّهُ إذَا كَانَ الْمُسْتَعِيرُ تَمَلَّكَ الْإِعَارَةَ، أَمَّا فِيمَا لَا يَمْلِكُهَا فَلَا يَمْلِكُ الْإِيدَاعَ. وَإِنْ اخْتَلَفَا فِيمَا حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ، وَفِي مَسَافَةِ الرُّكُوبِ وَالْحَمْلِ أَوْ فِي الْوَقْتِ فَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِلْمُعِيرِ مَعَ يَمِينِهِ. (وَتَصِحُّ إعَارَةُ الْأَرْضِ لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ) أَيْ غَرْسِ الشَّجَرِ؛ لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا مَعْلُومَةٌ، وَتَجُوزُ إجَارَتُهَا فَكَذَا إعَارَتُهَا بَلْ أَوْلَى لِكَوْنِهَا تَبَرُّعًا (وَلَهُ) أَيْ لِلْمُعِيرِ (أَنْ يَرْجِعَ) عَنْ الْعَارِيَّةِ بَعْدَ أَنْ بَنَى الْمُسْتَعِيرُ أَوْ غَرَسَ (مَتَى شَاءَ) ؛ لِأَنَّهَا غَيْرُ لَازِمَةٍ (وَيُكَلِّفُهُ) أَيْ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ (قَلْعَهُمَا) أَيْ قَلْعَ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ عَنْ الْأَرْضِ؛ لِأَنَّهُ شَغَلَ أَرْضَ الْمُعِيرِ بِهِمَا فَيُؤْمَرُ بِتَفْرِيغِهِ إلَّا إذَا شَاءَ أَنْ يَأْخُذَهُمَا بِقِيمَتِهِمَا فِيمَا إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ تَسْتَضِرُّ بِالْقَلْعِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ لَا تَسْتَضِرُّ بِالْقَلْعِ حَيْثُ

стр. 1109

لَا يَجُوزُ التَّرْكُ إلَّا بِاتِّفَاقِهِمَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ (وَلَا يَضْمَنُ) الْمُعِيرُ مَا نَقَصَ مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ بِسَبَبِ الْقَلْعِ (إنْ لَمْ يُوَقِّتْ) الْعَارِيَّةَ إذْ الْمُسْتَعِيرُ بَنَى وَغَرَسَ فِي مَحَلٍّ كَانَ لِغَيْرِهِ حَقُّ الرُّجُوعِ فَاعْتَرَفَ بِنَفْسِهِ اعْتِمَادًا عَلَى الْإِطْلَاقِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْبِقَ مِنْ الْمُعِيرِ وَعْدٌ. (وَإِنْ وَقَّتَ) الْمُعِيرُ وَقْتًا مُعَيَّنًا (وَرَجَعَ قَبْلَهُ) أَيْ قَبْلَ الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ (كُرِهَ لَهُ) أَيْ لِلْمُعِيرِ (ذَلِكَ) الرُّجُوعُ لِمَا فِيهِ مِنْ خُلْفِ الْوَعْدِ (وَضَمِنَ) الْمُعِيرُ لِلْمُسْتَعِيرِ (مَا نَقَصَ) مِنْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ (بِالْقَلْعِ) بِأَنْ يَقُومَ قَائِمًا غَيْرَ مَقْلُوعٍ يَعْنِي إذَا كَانَتْ قِيمَةُ الْبِنَاءِ إلَى وَقْتِ الْمَضْرُوبِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ مَثَلًا، وَإِذَا قَلَعَ فِي الْحَالِ يَكُونُ قِيمَةُ النَّقْصِ دِينَارَيْنِ يَرْجِعُ الْمُسْتَعِيرُ عَلَى الْمُعِيرِ بِثَمَانِيَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّ الْمُعِيرَ غَرَّهُ بِالتَّوْقِيتِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ التَّوْقِيتَ وَالْإِطْلَاقَ فِيهَا سَوَاءٌ لِبُطْلَانِ التَّأْجِيلِ فِي الْعَوَارِيِّ (وَقِيلَ يَضْمَنُ) الْمُعِيرُ (قِيمَتَهُ) أَيْ قِيمَةَ الْبِنَاءِ أَوْ الْغَرْسِ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ الشَّهِيدُ (وَيَتَمَلَّكُهُ) أَيْ الْمُعِيرُ الْبِنَاءَ أَوْ الْغَرْسَ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُسْتَعِيرُ أَنْ يَرْفَعَهُمَا، وَلَا يُضَمِّنُهُ قِيمَتَهُمَا فَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ مِلْكُهُ قَالُوا: إذَا كَانَ فِي الْقَلْعِ ضَرَرٌ بِالْأَرْضِ فَالْخِيَارُ إلَى رَبِّ الْأَرْضِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَلِلْمُسْتَعِيرِ قَلْعُهُ) أَيْ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ (بِلَا تَضْمِينٍ إنْ لَمْ تَنْقُصْ الْأَرْضُ بِهِ) أَيْ بِالْقَلْعِ (كَثِيرًا، وَعِنْدَ ذَلِكَ) أَيْ عِنْدَ نُقْصَانِ الْأَرْضِ كَثِيرًا بِالْقَلْعِ (الْخِيَارُ لِلْمَالِكِ) بَيْنَ ضَمَانِ نُقْصَانِهِمَا وَضَمَانِ قِيمَتِهِمَا لَا لِلْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ صَاحِبُ أَصْلٍ وَالْمُسْتَعِيرُ صَاحِبُ تَبَعٍ وَالتَّرْجِيحُ بِالْأَصْلِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْمُحِيطِ يَضْمَنُ الْمُعِيرُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ وَالْأَشْجَارِ قَائِمَةً عَلَى الْأَرْضِ غَيْرَ مَقْلُوعَةٍ مَنْقُوضَةٍ، وَإِنْ رَضِيَ الْمُسْتَعِيرُ قَلَعَ غَرْسَهُ وَبِنَاءَهُ وَلَا يَضْمَنُهُ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْقَلْعُ يَضُرُّ بِالْأَرْضِ لَا يَقْلَعُ إلَّا بِرِضَى صَاحِبِهَا، وَيَضْمَنُ لَهُ قِيمَتَهُ مَقْلُوعًا انْتَهَى، وَظَاهِرُهُ مَعَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْقَلْعَ إذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْأَرْضِ كَانَ الْخِيَارُ لِلْمُسْتَعِيرِ بَيْنَ قَلْعِهِ، وَبَيْنَ تَضْمِينِ جَمِيعِ الْقِيمَةِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْمُخْتَصَرِ وَالْكَنْزِ حَيْثُ جَعَلَا لَهُ تَضْمِينَ مَا نَقَصَهُ الْقَلْعُ لَا تَضْمِينَ جَمِيعِ الْقِيمَةِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَإِنْ أَعَارَهَا) أَيْ الْأَرْضَ (لِلزَّرْعِ لَا تُؤْخَذُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ اسْتِحْسَانًا؛ لِأَنَّ التَّضْرِيرَ بِالْمُؤَمَّنِ حَرَامٌ (حَتَّى يَحْصُدَ) الزَّرْعَ بَلْ يُتْرَكُ فِي يَدِهِ بِطَرِيقِ الْإِجَارَةِ بِأَجْرِ الْمِثْلِ كَيْ لَا تَفُوتَ مَنْفَعَةُ أَرْضِهِ مَجَّانًا (وَقَّتَ) الْمُعِيرُ (أَمْ لَا) يُوَقِّتُ؛ لِأَنَّ لِلزَّرْعِ نِهَايَةً مَعْلُومَةً فَكَانَ فِي التَّرْكِ مُرَاعَاةُ الْحَقَّيْنِ، وَأَيْضًا فِي الْقَلْعِ إبْطَالُ مِلْكِ الْمُسْتَعِيرِ، وَفِي التَّرْكِ تَأْخِيرُ حَقِّ تَصَرُّفِ الْمُعِيرِ فِيهَا، وَالْأَوَّلُ أَشَدُّ ضَرَرًا فَيَصِيرُ إلَى الثَّانِي. (وَأُجْرَةُ رَدِّ الْمُسْتَعَارِ، وَ) أُجْرَةُ رَدِّ (الْمُسْتَأْجَرِ الْوَدِيعَةِ وَالرَّهْنِ وَالْمَغْصُوبِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَالْمُؤَجَّرِ وَالْمُودَعِ وَالْمُرْتَهِنِ وَالْغَاصِبِ)

стр. 1110

أَمَّا الْمُسْتَعَارُ فَلِأَنَّ رَدَّهُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْعَارِيَّةَ لِمَنْفَعَةِ نَفْسِهِ فَتَكُونُ أُجْرَةُ الرَّدِّ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمُسْتَأْجَرُ فَلِأَنَّهُ مَقْبُوضٌ لِمَنْفَعَةِ الْمُؤَجِّرِ؛ لِأَنَّ الْأَجْرَ سُلِّمَ لَهُ فَلَا يَكُونُ رَدُّهُ وَاجِبًا عَلَى الْمُسْتَأْجِرِ بَلْ عَلَى الْمُؤَجِّرِ فَتَكُونُ مُؤْنَةُ رَدِّهِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْوَدِيعَةُ فَلِأَنَّ مَنْفَعَةَ حِفْظِهَا عَائِدَةٌ لَهُ فَكَانَتْ مُؤْنَةُ رَدِّهَا عَلَيْهِ، وَأَمَّا الرَّهْنُ فَلِأَنَّ قَبْضَهُ قَبْضُ اسْتِيفَاءٍ فَكَانَ قَابِضًا لِنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَغْصُوبُ فَلِأَنَّ الْغَاصِبَ يَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إلَى يَدِ مَالِكِهَا كَمَا كَانَتْ فَتَكُونُ عَلَيْهِ مُؤْنَةُ رَدِّهَا. وَفِي عُمْدَةِ الْفَتَاوَى نَفَقَةُ الْعَبْدِ الْمُسْتَعَارِ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ وَكِسْوَتُهُ عَلَى الْمُعِيرِ. (وَإِذَا رَدَّ الْمُسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ) الْمُسْتَعَارَةَ (إلَى إصْطَبْلِ رَبِّهَا) أَيْ صَاحِبِ الدَّابَّةِ (أَوْ) رَدَّ (الْعَبْدَ) الْمُسْتَعَارَ (أَوْ الثَّوْبَ) الْمُسْتَعَارَ (إلَى دَارِ مَالِكِهِ بَرِئَ) عَنْ الضَّمَانِ إذَا هَلَكَتْ الدَّابَّةُ أَوْ هَلَكَ الْعَبْدُ أَوْ الثَّوْبُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبْرَأَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّهُمْ إلَى أَصْحَابِهِمْ، وَإِنَّمَا ضَيَّعَهُمْ تَضْيِيعًا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ أَتَى بِالتَّسْلِيمِ الْمُتَعَارَفِ، وَهُوَ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ الْغَصْبِ الْوَدِيعَةِ) ، فَإِنَّ الْغَاصِبَ لَا يَبْرَأُ إلَّا بِتَسْلِيمِ الْعَيْنِ الْمَغْصُوبَةِ إلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَدٍّ بِإِثْبَاتِ يَدِهِ فِيهَا فَلَا تَكُونُ إزَالَتُهَا إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَيْهِ حَقِيقَةً، وَأَمَّا الْمُودِعُ فَلَا يَبْرَأُ أَيْضًا إلَّا بِتَسْلِيمِ الْوَدِيعَةِ إلَى مَالِكِهَا؛ لِأَنَّهَا لِلْحِفْظِ وَلَمْ يَرْضَ بِحِفْظِ غَيْرِهِ إذْ لَوْ رَضِيَ بِهِ لَمَا أَوْدَعَهَا عِنْدَهُ. (وَإِنْ رَدَّ الْمُسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ مَعَ عَبْدِهِ أَوْ أَجِيرِهِ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً بَرِئَ) إذَا هَلَكَتْ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَى الْمَالِكِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ عِيَالِ الْمُسْتَعِيرِ وَلَهُ رَدُّهَا بِيَدِ مَنْ فِي عِيَالِهِ. (وَكَذَا إنْ رَدَّهَا) أَيْ الدَّابَّةَ (مِنْ أَجِيرِ رَبِّهَا) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ مُشَاهَرَةً أَوْ مُسَانَهَةً (أَوْ) مَعَ (عَبْدِهِ) أَيْ رَبِّ الدَّابَّةِ بَرِئَ عَنْ الضَّمَانِ إذَا هَلَكَتْ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَبْرَأَ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى صَاحِبِهَا كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا هَذَا فِي زَمَانِهِمْ، وَأَمَّا فِي زَمَانِنَا فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِالتَّسْلِيمِ إلَى يَدِ صَاحِبِهَا كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ (يَقُومُ) حَالٌ مِنْ أَجِيرٍ لَا صِفَةُ عَبْدٍ؛ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ نَكِرَةٌ (عَلَى الدَّابَّةِ أَوْ لَا) يَقُومُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الدَّابَّةَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ دَائِمًا إلَّا أَنَّهَا تُدْفَعُ إلَيْهِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَكُونُ رِضَى الْمَالِكِ بِدَفْعِهَا إلَيْهِ مَوْجُودًا (بِخِلَافِ الْأَجْنَبِيِّ وَالْأَجِيرِ مُيَاوَمَةً) ، فَإِنَّهُ إذَا رَدَّهَا مَعَ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ الْأَجِيرِ مُيَاوَمَةً لَا يَبْرَأُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعَدُّ مِنْ الْعِيَالِ فَلَا يَرْضَى الْمَالِكُ بِهِ فَيَضْمَنُ إنْ هَلَكَتْ قَبْلَ الْوُصُولِ. (وَ) بِخِلَافِ (رَدِّ شَيْءٍ نَفِيسٍ) كَعُقَدِ اللَّآلِئِ (إلَى دَارِ مَالِكِهِ) ، فَإِنَّهُ إنْ هَلَكَ قَبْلَ الْقَبْضِ يَلْزَمُ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ تَسْلِيمًا فِي الْعُرْفِ. (وَيَكْتُبُ مُسْتَعِيرُ الْأَرْضِ لِلزِّرَاعَةِ قَدْ أَطْعَمْتنِي أَرْضَكَ لَا أَعَرْتَنِي) أَيْ إذَا أُعِيرَتْ الْأَرْضُ لِلزِّرَاعَةِ وَأَرَادَ الْمُسْتَعِيرُ أَنْ يَكْتُبَ كِتَابًا يَكْتُبُ إنَّك قَدْ أَطْعَمْتَنِي أَرْضَك وَلَا يَكْتُبُ قَدْ أَعَرْتَنِي عِنْدَ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِطْعَامِ أَدَلُّ عَلَى الزِّرَاعَةِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ الْأَرْضِ لَا يُطْعَمُ، وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مَا يُحَصَّلُ مِنْهَا بِخِلَافِ

стр. 1111

الْإِعَارَةِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ لِلْبِنَاءِ (خِلَافًا لَهُمَا) ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا يَكْتُبُ الْإِعَارَةَ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِعَارَةِ مَوْضُوعٌ لِهَذَا الْعَقْدِ، وَالْكِتَابَةُ بِالْمَوْضُوعِ أَوْلَى، وَإِذَا أُعِيرَتْ الْأَرْضُ سُكْنَى لَا لِلزِّرَاعَةِ يَكْتُبُ إنَّك أَعَرْتَنِي أَرْضَك بِالِاتِّفَاقِ. وَفِي التَّنْوِيرِ ادَّعَى إيصَالَ الْأَمَانَةِ إلَى مُسْتَحِقِّهَا قَبْلَ قَوْلِهِ كَالْمُودَعِ ادَّعَى الرَّدَّ وَالْوَكِيلِ وَالنَّاظِرِ سَوَاءٌ كَانَ فِي حَيَاةِ مُسْتَحِقِّهَا، أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا فِي الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الدَّيْنِ إذَا ادَّعَى بَعْدَ مَوْتِ الْمُوَكِّلِ أَنَّهُ قَبَّضَهُ وَدَفَعَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ بِخِلَافِ الْوَكِيلِ بِقَبْضِ الْعَيْنِ. [كِتَاب الْهِبَة] ِ وَجْهُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ مَا قَبْلَهَا وَبَيْنَهَا ظَاهِرٌ؛ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا تَمْلِيكُ الْمَنْفَعَةِ بِلَا عِوَضٍ، وَهِيَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ كَذَلِكَ، وَهِيَ لُغَةً التَّفَضُّلُ عَلَى الْغَيْرِ بِمَا يَنْفَعُهُ، وَلَوْ غَيْرَ مَالٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ﴾ [الشورى: ٤٩] . وَفِي الْعِنَايَةِ إنَّهَا فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ الشَّيْءِ إلَى الْغَيْرِ بِمَا يَنْفَعُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ [مريم: ٥] انْتَهَى، وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ، وَيَتَعَدَّى إمَّا بِاللَّامِ نَحْوُ وَهَبْته لَهُ وَحَكَى أَبُو عُمَرَ وَهَبْتُكَهُ كَمَا فِي الْقَامُوسِ، وَقَالُوا بِحَذْفِ اللَّامِ مِنْهُ، وَإِمَّا بِمِنْ نَحْوُ وَهَبْته مِنْك عَلَى مَا جَاءَ بِهِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فِي الصَّحِيحِ كَمَا فِي دَقَائِقِ النَّوَوِيِّ فَظُنَّ مِنْ الْمُطَرِّزِيِّ أَنَّهُ خَطَأٌ، وَمِنْ التَّفْتَازَانِيِّ أَنَّهُ عِبَارَةُ الْفُقَهَاءِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَفِي الشَّرِيعَةِ (هِيَ تَمْلِيكُ عَيْنٍ بِلَا عِوَضٍ) هَذَا تَعْرِيفٌ لِلْهِبَةِ الْمُحَصَّنَةِ الْعَارِيَّةِ عَنْ شَرْطِ الْعِوَضِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَيْعٌ انْتِهَاءً فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ وَالْخِيَارُ كَمَا سَيَأْتِي فَلَا يُنْتَقَضُ التَّعْرِيفُ بِالْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ مَا ارْتَكَبَهُ صَاحِبُ الدُّرَرِ وَاعْتِرَاضُ بَعْضٍ عَلَيْهِ تَدَبَّرْ، وَالْمُرَادُ بِالْعَيْنِ عَيْنُ الْمَالِ لَا الْعَيْنُ الْمُطْلَقُ بِقَرِينَةِ التَّمْلِيكِ الْمُضَافِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّذِي لَيْسَ بِمَالٍ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ، وَكَذَا الْمُرَادُ بِالتَّمْلِيكِ هُوَ

стр. 1112

التَّمْلِيكُ فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَهَبْت لِإِنْشَاءِ الْهِبَةِ حَالًا كَبِعْت فَلَا حَاجَةَ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: هِيَ تَمْلِيكُ مَالٍ لِلْحَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ الْوَصِيَّةِ؛ وَلِأَنَّ الْعَيْنَ قَدْ لَا يَكُونُ مَالًا تَدَبَّرْ. فَخَرَجَتْ عَنْ هَذَا التَّعْرِيفِ الْإِبَاحَةُ وَالْعَارِيَّةُ وَالْإِجَارَةُ وَالْبَيْعُ وَهِبَةُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَإِنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ إسْقَاطٌ، وَإِنْ كَانَ بِلَفْظِ الْهِبَةِ وَهِيَ أَمْرٌ مَنْدُوبٌ وَصُنْعٌ مَحْمُودٌ مَحْبُوبٌ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» وَقَبُولُهَا سُنَّةٌ، «فَإِنَّهُ ﵊ قَبِلَ هَدِيَّةَ الْعَبْدِ» وَقَالَ «فِي حَدِيثِ بَرِيرَةَ: هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ» ، وَقَالَ ﵇: «لَوْ أُهْدِيَ إلَيَّ طَعَامٌ لَقَبِلْت، وَلَوْ دُعِيت إلَى كُرَاعٍ لَأَجَبْت» ، وَإِلَيْهَا أَيْ الْإِجَابَةِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا﴾ [النساء: ٤] أَيْ مَسْرُورًا مَرِيئًا أَيْ رَاضِيًا عَلَى الْأَكْلِ وَهِيَ نَوْعَانِ تَمْلِيكٌ وَإِسْقَاطٌ، وَعَلَيْهِمَا الْإِجْمَاعُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ، وَسَبَبُهَا إرَادَةُ الْخَيْرِ لِلْوَاهِبِ دُنْيَوِيٌّ كَالْعِوَضِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ وَالْمَحَبَّةِ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَأُخْرَوِيٌّ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو مَنْصُورٍ يَجِبُ عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يُعَلِّمَ وَلَدَهُ الْجُودَ وَالْإِحْسَانَ كَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَلِّمَهُ التَّوْحِيدَ وَالْإِيمَانَ إذْ حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ كَمَا فِي النِّهَايَةِ. [شُرُوط صِحَّة الْهِبَة] وَشَرَائِطُ صِحَّتِهَا فِي الْوَاهِبِ الْعَقْلُ وَالْبُلُوغُ وَالْمِلْكُ وَفِي الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا غَيْرَ مَشَاعٍ مُمَيِّزًا غَيْرَ مَشْغُولٍ، وَحُكْمُهَا ثُبُوتُ الْمِلْكِ فِي الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ غَيْرُ لَازِمٍ وَعَدَمُ صِحَّةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِيهَا وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَمَا سَيَأْتِي. [أَرْكَان الْهِبَة] وَرُكْنُهَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَعَنْ هَذَا قَالَ: (وَتَصِحُّ) الْهِبَةُ (بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ) عَلَى مَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهَا عَقْدٌ وَقِيَامُ الْعَقْدِ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَإِنَّمَا حَنِثَ بِمُجَرَّدِ الْإِيجَابِ فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ فَوَهَبَ وَلَمْ يُقْبَلْ؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ عَدَمُ إظْهَارِ الْجُودِ، وَقَدْ وُجِدَ الْإِظْهَارُ لَكِنْ ذُكِرَ فِي الْكَرْمَانِيِّ أَنَّ الْإِيجَابَ فِي الْهِبَةِ عَقْدٌ تَامٌّ، وَالْقَبُولُ لَيْسَ بِرُكْنٍ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا. وَفِي الْمَبْسُوطِ الْقَبْضُ كَالْقَبُولِ فِي الْبَيْعِ؛ وَلِذَا لَوْ وَهَبَ الدَّيْنَ مِنْ الْغَرِيمِ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَى الْقَبُولِ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ وَلَعَلَّ الْحَقَّ هَذَا، فَإِنَّ فِي التَّأْوِيلَاتِ التَّصْرِيحَ بِالْهِبَةِ غَيْرُ لَازِمٍ؛ وَلِذَا قَالَ أَصْحَابُنَا: لَوْ وَضَعَ مَالَهُ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ جَازَ انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْقَبُولَ كَمَا يَكُونُ بِالصَّرِيحِ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ فَيَكُونُ أَخْذُهُ قَبُولًا دَلَالَةً. (وَتَتِمُّ) الْهِبَةُ (بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ) ، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ شَاغِلًا لِمِلْكِ الْوَاهِبِ لَا مَشْغُولًا بِهِ لِقَوْلِهِ ﵇: «لَا تَجُوزُ الْهِبَةُ إلَّا مَقْبُوضَةً» وَالْمُرَادُ هُنَا نَفْيُ الْمِلْكِ لَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّ جَوَازَهَا بِدُونِ الْقَبْضِ ثَابِتٌ خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّ عِنْدَهُ لَيْسَ الْقَبْضُ بِشَرْطِ الْهِبَةِ قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ: هِبَةُ الشَّاغِلِ تَجُوزُ، وَهِبَةُ الْمَشْغُولِ لَا تَجُوزُ، وَالْأَصْلُ فِي جِنْسِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ أَنَّ اشْتِغَالَ الْمَوْهُوبِ بِمِلْكِ الْوَاهِبِ يَمْنَعُ تَمَامَ الْهِبَةِ مِثَالُهُ: وَهَبَ جِرَابًا فِيهِ طَعَامٌ لَا تَجُوزُ، وَلَوْ وَهَبَ طَعَامًا فِي جِرَابٍ جَازَتْ وَاشْتِغَالُ الْمَوْهُوبِ بِمِلْكِ غَيْرِ الْوَاهِبِ هَلْ يَمْنَعُ تَمَامَ الْهِبَةِ ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحِيطِ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ، فَإِنَّهُ قَالَ: أَعَارَ دَارًا مِنْ إنْسَانٍ

стр. 1113

ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَعِيرَ غَصَبَ مَتَاعًا وَوَضَعَهُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُعِيرُ الدَّارَ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ صَحَّتْ الْهِبَةُ فِي الدَّارِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُعِيرَ هُوَ الَّذِي غَصَبَ الْمَتَاعَ وَوَضَعَهُ فِي الدَّارِ، ثُمَّ وَهَبَ الْمُعِيرُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ كَانَتْ الْهِبَةُ تَامَّةً وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُرَاجَعْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ رَجُلٌ وَهَبَ دَارًا وَسَلَّمَ، وَفِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَشْغُولٌ بِمَا لَيْسَ بِهِبَةٍ فَلَا يَصِحُّ التَّسْلِيمُ، وَلَوْ وَهَبَتْ امْرَأَةٌ دَارَهَا مِنْ زَوْجِهَا وَهِيَ سَاكِنَةٌ فِيهَا، وَزَوْجُهَا أَيْضًا سَاكِنٌ فِيهَا جَازَتْ الْهِبَةُ وَيَصِيرُ الزَّوْجُ قَابِضًا لِلدَّارِ؛ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ وَمَتَاعَهَا فِي يَدِ الزَّوْجِ فَصَحَّ التَّسْلِيمُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ رَجُلٌ وَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ دَارًا، وَالدَّارُ مَشْغُولَةٌ بِمَتَاعِ الْوَاهِبِ جَازَتْ، وَلَوْ تَصَدَّقَ بِدَارٍ عَلَى ابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَالْأَبُ سَاكِنُهَا لَا تَجُوزُ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَعِنْدَهُمَا تَجُوزُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، وَالْمُرَادُ بِالْقَبْضِ الْكَامِلِ فِي الْمَنْقُولِ مَا هُوَ الْمُنَاسِبُ وَفِي الْعَقَارِ أَيْضًا مَا يُنَاسِبُهُ، فَأَخْذُ مِفْتَاحِ الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ قَبْضٌ لَهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ ثِيَابًا فِي صُنْدُوقٍ مُقْفَلٍ وَدَفَعَ الصُّنْدُوقَ لَا يَكُونُ قَبْضًا فَلَا تَتِمُّ الْهِبَةُ. وَفِي الْفُصُولَيْنِ هِبَةُ الْمَرِيضِ تَبْطُلُ بِمَوْتِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إذْ الْهِبَةُ فِي الْمَرَضِ، وَلَوْ كَانَتْ وَصِيَّةً حَتَّى تُعْتَبَرَ مِنْ الثُّلُثِ لَكِنَّهَا هِبَةٌ حَقِيقَةً فَلَا بُدَّ مِنْ الْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ. (فَإِنْ قَبَضَ) الْمَوْهُوبُ (فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ مَجْلِسِ الْهِبَةِ (بِلَا إذْنٍ) صَرِيحٍ مِنْ الْوَاهِبِ (صَحَّ) اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجُوزَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، وَلَا يَجُوزُ إلَّا بِإِذْنِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْقَبْضَ كَالْقَبُولِ فِي الْهِبَةِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ ثُبُوتُ حُكْمِهِ، وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَكُونُ الْإِيجَابُ مِنْهُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبْضِ كَمَا أَنَّ الْإِيجَابَ مِنْهُ يَكُونُ تَسْلِيطًا عَلَى الْقَبُولِ. (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْمَجْلِسِ أَرَادَ بِهِ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ (لَا بُدَّ مِنْ الْإِذْنِ) الصَّرِيحِ فَلَا يَصِحُّ الْقَبْضُ بَعْدَ الِافْتِرَاقِ بِلَا إذْنٍ صَرِيحٍ؛ لِأَنَّا أَثْبَتْنَا التَّسْلِيطَ فِيهِ إلْحَاقًا لَهُ بِالْقَبُولِ، وَالْقَبُولُ يَتَقَيَّدُ بِالْمَجْلِسِ فَكَذَا مَا نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ، فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا مَا إذَا نَهَى عَنْ الْقَبْضِ صَرِيحًا، فَإِنَّ التَّسْلِيطَ مَوْجُودٌ لَكِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَبْضُ أُجِيبُ بِأَنَّهُ إذَا نَهَاهُ صَرِيحًا لَا تَعْمَلُ الدَّلَالَةُ بَعْدَهُ؛ لِأَنَّ الدَّلَالَةَ لَا تَعْمَلُ بِمُقَابَلَةِ الصَّرِيحِ فَلِهَذَا لَوْ نَهَاهُ عَنْ الْقَبْضِ لَا يَصِحُّ قَبْضُهُ لَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا بَعْدَهُ. وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ: وَالْحَاصِلُ إنَّهُ إذَا أَذِنَ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا يَصِحُّ قَبْضُهُ فِي الْمَجْلِسِ وَبَعْدَهُ وَيَمْلِكُهُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلَوْ نَهَى عَنْ الْقَبْضِ بَعْدَ الْهِبَةِ لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ لَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَا بَعْدَهُ وَلَا يَمْلِكُهُ قِيَاسًا، وَلَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ بِالْقَبْضِ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ إنْ قَبَضَ فِي الْمَجْلِسِ صَحَّ الْقَبْضُ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ لَا يَصِحُّ الْقَبْضُ قِيَاسًا وَاسْتِحْسَانًا، وَلَوْ كَانَ الْمَوْهُوبُ غَائِبًا فَذَهَبَ وَقَبَضَ، فَإِنْ كَانَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ جَازَ اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ لَا يَجُوزُ هَذَا لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ التَّأْوِيلَاتِ انْتَهَى. لَكِنْ يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنَّ وَضْعَ مَالِهِ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ إذْنٌ بِالْقَبْضِ دَلَالَةً فَيَجُوزُ فَلَا مُخَالَفَةَ أَصْلًا تَدَبَّرْ. (وَتَنْعَقِدُ) الْهِبَةُ (بِوَهَبْتُ) أَيْ بِقَوْلِهِ: وَهَبْت؛ لِأَنَّهُ صَرِيحٌ. وَفِي الْفَرَائِدِ

стр. 1114

قَالَ الْمُصَنِّفُ أَوَّلًا، وَتَصِحُّ بِإِيجَابٍ وَقَبُولٍ فَمَالَ إلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، ثُمَّ قَالَ: وَيَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُ إلَى آخِرِهِ: وَمَالَ إلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الْإِيجَابُ فَقَطْ كَمَا أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فَعَلَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ أَوَّلًا الرُّكْنَ فَقَالَ: الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَلْفَاظَ الْإِيجَابِ فَقَالَ: وَتَنْعَقِدُ بِوَهَبْتُ إلَى آخِرِهِ فَلَا يَلْزَمُ مَا قَالَهُ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ تَدَبَّرْ (وَنَحَلْت) لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِ فِيهِ (وَأَعْطَيْت وَأَطْعَمْتُك هَذَا الطَّعَامَ) ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ إذَا نُسِبَ إلَى مَا يُطْعَمُ عَيْنُهُ يَكُونُ هِبَةً كَمَا مَرَّ أَطْلَقَهُ فَشَمَلَ مَا إذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْمُزَاحِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهَا، وَلَوْ قَالَ: هَبْنِي هَذَا الشَّيْءَ عَلَى وَجْهِ الْمُزَاحِ فَقَالَ: وَهَبْت وَسَلَّمَ إلَيْهِ جَازَ، وَعَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَضْرِبُونَ الطُّنْبُورَ فَقَالَ لَهُمْ: هَبُوا هَذَا مِنِّي فَدَفَعُوهُ إلَيْهِ فَضَرَبَ بِهِ الْأَرْضَ فَكَسَرَهُ فَقَالُوا: يَا شَيْخُ خَدَعْتَنَا انْتَهَى. وَشَمَلَ مَا لَوْ قَالَ لِقَوْمٍ: قَدْ وَهَبْت جَارِيَتِي هَذِهِ لِأَحَدِكُمْ فَلْيَأْخُذْهَا مَنْ شَاءَ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ مِنْهُمْ مَلَكَهَا كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ، وَكَذَا بِقَوْلِهِ: أَذِنْت لِلنَّاسِ جَمِيعًا فِي تَمْرِ نَخْلِي مَنْ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ لَهُ فَبَلَغَ النَّاسَ فَمَنْ أَخَذَ شَيْئًا يَمْلِكُهُ كَمَا نَقَلَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ عَنْ الْمُنْتَقَى، ثُمَّ قَالَ: وَظَاهِرُهُ أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْهُ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ مَقَالَةُ الْوَاهِبِ لَا يَكُونُ لَهُ كَمَا لَا يَخْفَى انْتَهَى لَكِنْ مُخَالِفٌ لِمَا مَرَّ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ مَالَهُ فِي طَرِيقٍ لِيَكُونَ مِلْكًا لِلرَّافِعِ جَازَ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ سَوَاءٌ بَلَغَتْهُ الْمَقَالَةُ أَوْ لَا تَأَمَّلْ (وَكَسَوْتُك هَذَا الثَّوْبَ) ؛ لِأَنَّ الْكِسْوَةَ يُرَادُ بِهَا التَّمْلِيكُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ ثَوْبًا، وَقَالَ: أَلْبِسْ نَفْسَك فَفَعَلَ يَكُونُ هِبَةً، وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ فَقَالَ: أَنْفِقْهَا يَكُونُ قَرْضًا (وَأَعْمَرْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ) لِقَوْلِهِ ﵊: «مَنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهُوَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ مِنْ بَعْدِهِ» وَلِأَنَّ الْعُمْرَى تَمْلِيكٌ لِلْحَالِ فَثَبَتَ الْهِبَةُ، وَيَبْطُلُ مَا اقْتَضَاهُ مِنْ شَرْطِ الرُّجُوعِ؛ وَلِذَا لَوْ شَرَطَ الرُّجُوعَ صَرِيحًا يَبْطُلُ شَرْطُهُ أَيْضًا كَمَا لَوْ قَالَ: وَهَبْتُك هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك أَوْ حَيَاتَهُ، أَوْ أَعْمَرْتُكَ دَارِي هَذِهِ حَيَاتَك أَوْ أَعْطَيْتهَا حَيَاتَك، أَوْ وَهَبْت هَذَا الْعَبْدَ حَيَاتَك، فَإِذَا مِتَّ فَهُوَ لِي، وَإِذَا مِتُّ فَهُوَ لِوَرَثَتِي فَهَذَا تَمْلِيكٌ صَحِيحٌ وَشَرْطُهُ بَاطِلٌ (وَجَعَلْته لَك عُمْرِي) ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِيهِ لِلتَّمْلِيكِ فَصَارَ كَأَنَّهُ قَالَ: مَلَّكْتُك هَذَا الشَّيْءَ إلَى آخِرِ عُمْرِي (وَدَارِي لَك) حَالَ كَوْنِهَا (هِبَةً تَسْكُنُهَا) ؛ لِأَنَّ اللَّامَ فِي لَك لِلتَّمْلِيكِ ظَاهِرًا، وَقَوْلُهُ: تَسْكُنُهَا مَشُورَةٌ وَتَنْبِيهٌ عَلَى الْمَقْصُودِ، وَلَيْسَ بِتَفْسِيرٍ فَصَارَ نَظِيرَ قَوْلِهِ: هَذَا الطَّعَامُ لَك تَأْكُلُهُ (وَبِنِيَّتِهَا) أَيْ بِنِيَّةِ الْهِبَةِ (فِي حَمَلْتُك عَلَى هَذِهِ الدَّابَّةِ) ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْهِبَةِ مَجَازًا فَيُحْمَلُ عَلَيْهَا عِنْدَهُ النِّيَّةُ كَمَا مَرَّ فِي الْعَارِيَّةِ. (وَإِنْ قَالَ: دَارِي لَك) حَالَةَ كَوْنِهَا (هِبَةً سُكْنَى) لِمَا مَرَّ أَنَّ سُكْنَى تَمْيِيزٌ فَتَصِيرُ تَفْسِيرًا لِمَا قَالَهُ لِكَوْنِهِ مُحْكَمًا فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ فَتَكُونُ عَارِيَّةً (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (سُكْنَى هِبَةً) ؛ لِأَنَّ فِي هَذَا تَمْلِيكَ مَنْفَعَةٍ

стр. 1115

(أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (نُحْلَى) عَلَى وَزْنِ حُبْلَى الْعَطِيَّةُ (سُكْنَى) فَتَقْدِيرُ نَحَلْتهَا نِحْلَةً سُكْنَى فَسُكْنَى يَرْفَعُ الْإِبْهَامَ (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (سُكْنَى صَدَقَةً) فَسُكْنَى يُقَرِّرُ تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ (أَوْ) دَارِي لَك حَالَ كَوْنِهَا (صَدَقَةً عَارِيَّةً) ؛ لِأَنَّ الْعَارِيَّةَ تَمْيِيزٌ فَيَصِيرُ تَفْسِيرًا لِمَا قَبْلَهُ (أَوْ) دَارِي لَك (عَارِيَّةً هِبَةً) أَيْ دَارِي لَك بِطَرِيقِ الْعَارِيَّةِ حَالَ كَوْنِ مَنَافِعِهَا لَك؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْعَارِيَّةِ صَرِيحٌ فِي تَمْلِيكِ الْمَنْفَعَةِ (فَعَارِيَّةً) أَيْ فَجَمِيعُ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ تَكُونُ عَارِيَّةً لَا هِبَةً. (وَتَصِحُّ هِبَةُ مَشَاعٍ لَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ) أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يُقْسَمَ بِمَعْنَى لَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ أَصْلًا كَعَبْدٍ وَدَابَّةٍ وَلَا يَبْقَى مُنْتَفَعًا بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ مِنْ جِنْسِ الِانْتِفَاعِ الَّذِي كَانَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ كَالْبَيْتِ الصَّغِيرِ وَالْحَمَّامِ (لَا) أَيْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ (مَا) أَيْ مَشَاعٍ (يَحْتَمِلُهَا) أَيْ الْقِسْمَةَ عَلَى وَجْهٍ يُنْتَفَعُ بِهِ بَعْدَ الْقِسْمَةِ كَمَا قَبْلَهَا كَالْأَرْضِ وَالثَّوْبِ وَالدَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَتْ الْهِبَةُ لِشَرِيكِ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فَيُشْتَرَطُ كَمَالُهُ وَالْمَشَاعُ لَا يَقْبَلُ الْقَبْضَ إلَّا بِضَمِّ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وَذَلِكَ غَيْرُ مَوْهُوبٍ فَلَمْ يُوجَدْ الْقَبْضُ الْكَامِلُ فَاكْتَفَى بِالْقَبْضِ الْقَاصِرِ ضَرُورَةً، وَلَا تَجُوزُ فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ خِلَافًا لِلْبَيْعِ، فَإِنَّهُ جَائِزٌ فِيهَا، وَقَالَتْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: الْهِبَةُ عَقْدُ تَمْلِيكٍ فَتَجُوزُ فِي الْمَشَاعِ وَغَيْرِهِ كَالْبَيْعِ بِأَنْوَاعِهِ، وَأَرَادَ الْمُصَنِّفُ بِالشُّيُوعِ الْمَانِعِ الشُّيُوعَ الْمُقَارِنَ لِلْعَقْدِ لَا الطَّارِئَ كَأَنْ يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ شَائِعًا، فَإِنَّهُ لَا يُفْسِدُهَا، أَمَّا الِاسْتِحْقَاقُ فَيُفْسِدُ الْكُلَّ؛ لِأَنَّهُ مُقَارِنٌ لَا طَارِئٌ قُيِّدَ بِالْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الرَّهْنَ يُبْطِلُهُ الشُّيُوعُ الطَّارِئُ كَالْمُقَارِنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي الدُّرَرِ اعْتِرَاضٌ عَلَى صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ فَلْيُرَاجَعْ (فَإِنْ قَسَمَ) أَيْ أَفْرَزَ الْجُزْءَ الْمَوْهُوبَ الْمَشَاعَ (وَسَلَّمَ) إلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ (صَحَّ) الْعَقْدُ لِحُصُولِ الشَّرْطِ بَعْدَ رَفْعِ الشُّيُوعِ، وَهُوَ كَمَالُ الشُّيُوعِ، وَلَوْ سَلَّمَهُ شَائِعًا حَتَّى لَا يَنْفُذَ تَصَرُّفُهُ فِيهِ وَيَكُونَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ وَيَنْفُذَ فِيهِ تَصَرُّفُ الْوَاهِبِ كَمَا فِي الدُّرَرِ. وَفِي الْمِنَحِ: هِبَةُ الْمَشَاعِ إذَا فَسَدَتْ لَا تُفِيدُ الْمِلْكَ، وَإِنْ قَبَضَ الْجُمْلَةَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ. وَفِي الْخُلَاصَةِ الْهِبَةُ الْفَاسِدَةُ مَضْمُونَةٌ بِالْقَبْضِ، وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِالْقَبْضِ هُوَ الْمُخْتَارُ. وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ وَالْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الْهِبَةَ الْفَاسِدَةَ تُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ وَبِهِ يُفْتَى فَقَدْ اخْتَلَفَ التَّصْحِيحُ لَكِنَّ لَفْظَ الْفَتْوَى آكَدُ مِنْ لَفْظِ التَّصْحِيحِ كَمَا أَفَادَهُ فِي بَعْضِ الْمُعْتَبَرَاتِ. (وَلَا تَصِحُّ هِبَةُ دَقِيقٍ فِي بُرٍّ وَ) هِبَةُ (دُهْنٍ فِي سِمْسِمٍ، وَسَمْنٍ فِي لَبَنٍ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (طُحِنَ) الْبُرُّ (أَوْ اُسْتُخْرِجَ الدُّهْنُ) مِنْ السِّمْسِمِ وَالسَّمْنُ مِنْ اللَّبَنِ (وَسُلِّمَ) ؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ مَعْدُومٌ وَقْتَ الْهِبَةِ وَالْمَعْدُومُ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْمِلْكِ بِخِلَافِ الْمَشَاعِ إذْ هُوَ مَحَلٌّ لَهُ حَيْثُ كَانَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ إلَّا أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقِسْمَةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَذَلِكَ لَا يُنَافِي الْعَقْدَ. (وَهِبَةُ لَبَنٍ فِي ضَرْعٍ وَصُوفٍ عَلَى غَنَمٍ وَنَخْلٍ وَزَرْعٍ فِي أَرْضٍ وَتَمْرٍ فِي نَخْلٍ كَهِبَةِ الْمَشَاعِ) ؛ لِأَنَّ امْتِنَاعَ الْجَوَازِ

стр. 1116

لِلِاتِّصَالِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ الْقَبْضَ كَالشَّائِعِ حَتَّى إذَا فُصِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَنْ مِلْكِ الْوَاهِبِ وَسُلِّمَتْ صَحَّتْ بِخِلَافِ مَا لَوْ وَهَبَ الْحَمْلَ وَسَلَّمَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّ فِي وُجُودِهِ احْتِمَالًا فَصَارَ كَالْمَعْدُومِ. وَفِي الْكَافِي لَوْ وَهَبَ زَرْعًا فِي أَرْضٍ وَتَمْرًا فِي شَجَرٍ وَأَمَرَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ جَازَ اسْتِحْسَانًا وَيُجْعَلُ كَأَنَّهُ وَهَبَهُ بَعْدَ الْحَصَادِ وَالْجُذَاذِ. (وَهِبَةُ شَيْءٍ هُوَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ تَتِمُّ بِلَا تَجْدِيدِ قَبْضٍ) لِتَحَقُّقِ شَرْطِ الْهِبَةِ، وَهُوَ الْقَبْضُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْوَاجِبَ بِالْهِبَةِ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَيَنُوبُ عَنْهُ كُلُّ قَبْضٍ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ مَضْمُونٌ فَلَا يَنُوبُ عَنْهُ قَبْضُ أَمَانَةٍ فَيَلْزَمُهُ قَبْضٌ جَدِيدٌ، وَفِي إطْلَاقِهِ شَامِلٌ لِمَا إذَا كَانَتْ فِي يَدِهِ أَمَانَةٌ أَوْ مَضْمُونَةٌ، وَلَوْ وَدِيعَةً كَأَنَّهُ بَعْدَ الْهِبَةِ لَمْ يَكُنْ عَامِلًا لِلْمَالِكِ فَاعْتُبِرَتْ يَدُ الْحَقِيقَةِ. (وَهِبَةُ الْأَبِ لِطِفْلِهِ تَتِمُّ بِالْعَقْدِ) ؛ لِأَنَّهُ فِي قَبْضِ الْأَبِ فَيَنُوبُ عَنْ قَبْضِ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّهُ وَلِيُّهُ. (وَإِنْ) كَانَ (الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْأَبِ) فَلَا يَحْتَاجُ إلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ لَا لَكِنْ يَلْزَمُ الْإِشْهَادُ، وَعَلَيْهِ الِاحْتِيَاطُ وَالتَّحَرُّزُ عَنْ جُحُودِ سَائِرِ الْوَرَثَةِ بَعْدَ مَوْتِهِ (أَوْ) فِي (يَدِ مُودَعِهِ) ؛ لِأَنَّ يَدَ الْمُودَعِ كَيَدِ الْمَالِكِ (إلَّا إنْ كَانَ) الْمَوْهُوبُ (فِي يَدِ غَاصِبٍ) أَيْ لَوْ غَصَبَ عَبْدَهُ مَثَلًا غَاصِبٌ فَوَهَبَ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْغَاصِبِ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي يَدِ الْأَبِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا لِكَوْنِهِ مَضْمُونًا، وَالضَّمَانُ إنَّمَا يَكُونُ بِتَفْوِيتِ الْيَدِ (أَوْ) فِي يَدِ (مُبْتَاعٍ بَيْعًا فَاسِدًا) أَيْ لَوْ بَاعَهُ بَيْعًا فَاسِدًا وَسَلَّمَ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا تَجُوزُ (أَوْ) فِي يَدِ (مُتَّهَبٍ) مَعْنَاهُ لَوْ وَهَبَ لِآخَرَ بِلَا عِوَضٍ، ثُمَّ وَهَبَهُ لِابْنِهِ الصَّغِيرِ لَا تَجُوزُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ لَكِنْ فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ أَوْ فِي يَدِ مُرْتَهِنٍ مَكَانَ مُتَّهَبٍ يَعْنِي لَوْ رَهَنَ لِآخَرَ، ثُمَّ وَهَبَ لِطِفْلِهِ لَا تَتِمُّ الْهِبَةُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ تَتَبَّعْ. (وَالصَّدَقَةُ فِي ذَلِكَ كَالْهِبَةِ) وَالْمُرَادُ مِنْ الصَّدَقَةِ هُنَا التَّصَدُّقُ لِابْنِهِ فَقَطْ وَإِلَّا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ؛ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ ذَكَرَ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ فِي آخِرِ هَذَا الْكِتَابِ فَعَلَى هَذَا تَفْسِيرُ صَاحِبِ الْفَرَائِدِ فِي هَذَا الْمَحَلِّ مُطْلَقًا لَيْسَ بِشَيْءٍ تَتَبَّعْ. (وَالْأُمُّ كَالْأَبِ) فِي أَنَّ هِبَتَهَا لِطِفْلِهَا تَتِمُّ بِالْعَقْدِ (عِنْدَ غَيْبَتِهِ) أَيْ الْأَبِ (غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً) وَتَفْسِيرُهَا تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْأَوْلِيَاءِ (أَوْ مَوْتِهِ) أَيْ الْأَبِ (وَعَدَمِ وَصِيِّهِ إنْ كَانَ الطِّفْلُ فِي عِيَالِهَا) ؛ لِأَنَّ لِلْأُمِّ وِلَايَةَ الْحِفْظِ إذَا كَانَ فِي حِجْرِهَا لَكِنْ بِشَرْطِ غَيْبَةِ الْأَبِ غَيْبَةً مُنْقَطِعَةً أَوْ مَوْتِهِ وَعَدَمِ وَصِيِّهِ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَ حُضُورِ الْأَبِ أَوْ الْوَصِيِّ لَا يَكُونُ لِلْأُمِّ ذَلِكَ، وَلَوْ فِي حِجْرِهَا. (وَكَذَا كُلُّ مَنْ يَعُولُ الطِّفْلَ) كَالْعَمِّ وَالْأَخِ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْضُ نَفْعٍ لِلطِّفْلِ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ لَهُ تَأْدِيبُهُ وَتَسْلِيمُهُ فِي حَرْفِهِ كَانَ لَهُ التَّصَرُّفُ النَّافِعُ بِتَمْلِيكِهِ بِمُجَرَّدِ الْهِبَةِ إذَا كَانَ فِي يَدِهِ كَمَا فِي الْأَبِ عِنْدَ عَدَمِ الْأَبِ. (وَهِبَةُ الْأَجْنَبِيِّ لَهُ) أَيْ لِلطِّفْلِ (تَتِمُّ بِقَبْضِهِ) أَيْ بِقَبْضِ الطِّفْلِ (لَوْ) كَانَ (عَاقِلًا) أَيْ مُمَيِّزًا يَعْقِلُ التَّحْصِيلَ، وَلَوْ أَبُوهُ حَيًّا؛ لِأَنَّهُ فِي التَّصَرُّفِ النَّافِعِ يَلْحَقُ بِالْبَالِغِ الْعَاقِلِ وَفِي الْبَحْرِ

стр. 1117

مَنْ وَهَبَ لِصَغِيرٍ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ شَيْئًا فَرَدَّهُ يَصِحُّ كَمَا يَصِحُّ قَبُولُهُ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ مَنْ وَهَبَ لِلصَّغِيرِ شَيْئًا لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِ، وَلَيْسَ لِلْأَبِ التَّعْوِيضُ مِنْ مَالِ الصَّغِيرِ. وَفِي الْخَانِيَّةِ: وَيَبِيعُ الْقَاضِي مَا وُهِبَ لِلصَّغِيرِ حَتَّى لَا يَرْجِعَ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ. (وَ) تَتِمُّ أَيْضًا (بِقَبْضِ أَبِيهِ) حَالَ صِغَرِهِ (أَوْ جَدِّهِ أَوْ وَصِيِّ أَحَدِهِمَا) أَيْ بِقَبْضِ وَصِيِّ الْأَبِ أَوْ وَصِيِّ الْجَدِّ الصَّحِيحِ سَوَاءٌ كَانَ الصَّغِيرُ فِي حِجْرِهِمْ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ وِلَايَةً عَلَى الْيَتِيمِ أَمَّا الْأَبُ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا غَيْرُهُ مِنْ الْجَدِّ وَالْوَصِيِّ فَلِقِيَامِهِمْ مَقَامَ الْأَبِ (أَوْ) بِقَبْضِ (أُمِّهِ إنْ) كَانَ الطِّفْلُ (فِي حِجْرِهَا) لِمَا مَرَّ. وَفِي الْخُلَاصَةِ وَيُبَاحُ لِلْوَالِدَيْنِ أَنْ يَأْكُلَا مِنْ الْمَأْكُولِ الْمَوْهُوبِ لِلصَّغِيرِ فَأَفَادَ أَنَّ غَيْرَ الْمَأْكُولِ لَا يُبَاحُ لَهُمَا إلَّا عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ، وَأَشَارَ إلَى مَا عُلِمَ أَنَّ مَا وَهَبَ لِلصَّغِيرِ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ أَمَّا لَوْ اتَّخَذَ الْأَبُ وَلِيمَةً لِلْخِتَانِ فَأَهْدَى النَّاسَ هَدَايَا وَوَضَعُوا بَيْنَ يَدَيْ الْوَلَدِ، فَإِنْ كَانَتْ الْهِبَةُ تَصْلُحُ لِلصَّبِيِّ مِثْلُ ثِيَابِ الصِّبْيَانِ أَوْ بِشَيْءٍ يَسْتَعْمِلُهُ الصِّبْيَانُ فَالْهَدِيَّةُ لِلصَّبِيِّ وَإِلَّا يُنْظَرُ إنْ كَانَ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْأَبِ أَوْ مَعَارِفِهِ فَهُوَ لِلْأَبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقْرِبَاءِ الْأُمِّ أَوْ مَعَارِفِهَا فَهُوَ لِلْأُمِّ سَوَاءٌ كَانَ الْمُهْدِي يَقُولُ عِنْدَ الْهَدِيَّةِ: هَذَا لِلصَّبِيِّ أَمْ لَا، وَهَذَا إذَا لَمْ يَقُلْ الْمُهْدِي هَذَا لَهُ أَوْ لَهَا، وَكَذَا لَوْ اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ لِزِفَافِ بِنْتِهِ كَمَا مَرَّ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَ أَوْلَادِهِ فِي الْعَطَايَا، وَالْعَدْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ عَلَى السَّوَاءِ هُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُعْطِيهِمْ عَلَى سَبِيلِ الْمَوَارِيثِ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِهِ مُشْتَغِلًا بِالْعِلْمِ دُونَ الْكَسْبِ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُفَضِّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى جَوَابِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَا بَأْسَ بِأَنْ يُعْطِيَ مِنْ أَوْلَادِهِ مَنْ كَانَ عَالِمًا مُتَأَدِّبًا وَلَا يُعْطِي مِنْهُمْ مَنْ كَانَ فَاسِقًا فَاجِرًا (أَوْ) بِقَبْضِ (أَجْنَبِيٍّ يُرَبِّيهِ) وَيَحْجُرُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ يَدًا مُعْتَبَرَةً حَتَّى لَا يَتَمَكَّنَ أَجْنَبِيٌّ آخَرُ أَنْ يَنْزِعَهُ مِنْ يَدِهِ فَيَمْلِكُ النَّفْعَ فِي حَقِّهِ (أَوْ) تَتِمُّ (بِقَبْضِ زَوْجِ الطِّفْلَةِ لَهَا) أَيْ لِلطِّفْلَةِ. (وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (مَعَ حَضْرَةِ الْأَبِ بَعْدَ الزِّفَافِ) أَيْ بَعْدَ أَنْ زُفَّتْ الصَّغِيرَةُ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْأَبَ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ فِي حِفْظِهَا وَقَبَضَ الْهِبَةَ مِنْهُ، وَلَوْ قَبَضَهُ الْأَبُ أَيْضًا صَحَّ؛ لِأَنَّ الْوِلَايَةَ لَهُ، وَاشْتِرَاطُ الزِّفَافِ لِثُبُوتِ وِلَايَةِ الزَّوْجِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَمْلِكُهُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يَعُولُهَا، وَذَلِكَ بَعْدَ الزِّفَافِ (لَا قَبْلَهُ) أَيْ لَا يَصِحُّ قَبْضُ الزَّوْجِ قَبْلَ الزِّفَافِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعُولُهَا قَبْلَهُ وَلَا يُشْتَرَطُ قَبْلَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُجَامِعُ مِثْلَهَا فِي الصَّحِيحِ. (وَصَحَّ هِبَةُ اثْنَيْنِ لِوَاحِدٍ دَارًا) ؛ لِأَنَّهَا سُلِّمَتْ جُمْلَةً وَقُبِضَتْ جُمْلَةً فَلَا شُيُوعَ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ هِبَةَ الِاثْنَيْنِ لِلِاثْنَيْنِ لَا تَجُوزُ (لَا عَكْسُهُ) أَيْ لَا تَصِحُّ هِبَةُ الْوَاحِدِ لِلِاثْنَيْنِ عِنْدَ الْإِمَامِ وَزُفَرَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ هِبَةُ النِّصْفِ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَيَثْبُتُ الشُّيُوعُ، وَالْقَبْضُ فِي الْمَشَاعِ لَا يَتَحَقَّقُ بِخِلَافِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْحَبْسِ بِالدَّيْنِ، وَهُوَ ثَابِتٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِكَمَالِهِ. وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: رَجُلٌ وَهَبَ

стр. 1118

مِنْ رَجُلَيْنِ شَيْئًا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ فَالْهِبَةُ فَاسِدَةٌ وَلَيْسَتْ بِبَاطِلَةٍ عِنْدَ الْإِمَامِ، فَإِذَا قَبَضَا ثَبَتَ لَهُمَا الْمِلْكُ عَلَى قَوْلٍ وَبِهِ يُفْتِي كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ عَدَمِ الصِّحَّةِ الْفَسَادُ لَا الْبُطْلَانُ كَمَا لَا يَخْفَى فَلْيُتَأَمَّلْ انْتَهَى (خِلَافًا لَهُمَا) ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا تَصِحُّ نَظَرًا إلَى أَنَّهُ عَقْدٌ وَاحِدٌ فَلَا شُيُوعَ كَمَا إذَا رَهَنَ مِنْ رَجُلَيْنِ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ وَهَبَ مِنْ رَجُلَيْنِ دِرْهَمًا صَحِيحًا تَجُوزُ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى؛ لِأَنَّهَا هِبَةُ مَشَاعٍ لَا يُقْسَمُ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالصَّحِيحِ؛ لِأَنَّ الْمَغْشُوشَ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ فَيَكُونُ مِمَّا يُقْسَمُ فَلَا تَصِحُّ هِبَتُهُ لِلرَّجُلَيْنِ لِلشُّيُوعِ. (وَصَحَّ تَصَدُّقُ عَشَرَةِ) دَرَاهِمَ (عَلَى فَقِيرَيْنِ وَهِبَتُهَا) أَيْ هِبَةُ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ (لَهُمَا) أَيْ الْفَقِيرَيْنِ (وَلَا تَصِحَّانِ) أَيْ لَا يَصِحُّ التَّصَدُّقُ بِعَشَرَةٍ وَلَا هِبَتُهَا (لِغَنِيَّيْنِ) هَذَا رِوَايَةُ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ جَعَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازًا عَنْ الْآخَرِ حَيْثُ جَعَلَ الْهِبَةَ لِلْفَقِيرَيْنِ صَدَقَةً، وَالصَّدَقَةَ عَلَى الْغَنِيَّيْنِ هِبَةً، وَفَرَّقَ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ فِي حُكْمٍ حَيْثُ أَجَازَ الصَّدَقَةَ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَمْ يُجِزْ الْهِبَةَ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ فَجَازَتْ الِاسْتِعَارَةُ وَالْفَرْقُ أَنَّ الصَّدَقَةَ يُبْتَغَى بِهَا وَجْهُ اللَّهِ، وَهُوَ وَاحِدٌ، وَالْفَقِيرُ نَائِبٌ عَنْهُ، وَلَا كَذَلِكَ الْهِبَةُ فَيَكُونُ تَمْلِيكًا مِنْ اثْنَيْنِ؛ وَلِهَذَا لَوْ أَوْصَى ثُلُثَ مَالِهِ لِلْفُقَرَاءِ صَحَّ، وَإِنْ كَانُوا مَجْهُولِينَ؛ لِأَنَّهَا وَقَعَتْ لِلَّهِ تَعَالَى، وَهُوَ مَعْلُومٌ، وَلَوْ أَوْصَى بِهِ لِأَغْنِيَاءَ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ لَا يَجُوزُ فِي الْأَصْلِ سِوَى بَيْنَهُمَا فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ فِي الْبَاقِينَ، فَكَانَ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ الصَّدَقَةُ عَلَى غَنِيَّيْنِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) ، فَإِنَّ عِنْدَهُمَا الْهِبَةَ مِنْ شَخْصٍ جَائِزَةٌ فَالصَّدَقَةُ أَوْلَى. [بَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الْهِبَة] بَابُ الرُّجُوعِ عَنْهَا أَيْ عَنْ الْهِبَةِ قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ حُكْمَ الْهِبَةِ ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمُوهَبِ لَهُ غَيْرُ لَازِمٍ فَكَانَ الرُّجُوعُ صَحِيحًا، وَقَدْ يَمْنَعُ عَنْ ذَلِكَ مَانِعٌ فَيَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ ذَلِكَ فِي بَابٍ عَلَى حِدَةٍ فَقَالَ: (يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِيهَا) أَيْ فِي الْهِبَةِ بَعْدَ الْقَبْضِ، وَلَوْ مَعَ إسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الرُّجُوعِ بِأَنْ قَالَ: أَسْقَطْت حَقِّي مِنْ الرُّجُوعِ (كُلًّا أَوْ بَعْضًا) مَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ الْمَوَانِعِ الْآتِيَةِ، وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ إلَّا لِلْوَالِدِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ لِقَوْلِهِ ﵊: «لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي لِوَلَدِهِ وَالْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَحِلُّ لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ عَنْهَا» أَيْ مَا لَمْ يُعَوَّضْ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ هِبَةً حَقِيقَةً قَبْلَهُ فَلِهَذَا قَيَّدْنَا بِبَعْدِ الْقَبْضِ، وَتَأْوِيلُ مَا رَوَوْهُ أَنَّ الْوَاهِبَ لَا يَسْتَبِدُّ بِالرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ تَرَاضٍ وَلَا حُكْمِ حَاكِمٍ إلَّا الْوَالِدُ، فَإِنَّ لَهُ

стр. 1119

أَنْ يَأْخُذَ مِنْ ابْنِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ مِنْ غَيْرِ رِضَاءٍ وَلَا قَضَاءٍ كَسَائِرِ أَمْوَالِ ابْنِهِ. (وَيُكْرَهُ) أَيْ الرُّجُوعُ تَحْرِيمًا؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ الزَّاهِدِيَّ قَدْ وَصْفَ الرُّجُوعَ بِالْقُبْحِ، وَكَذَا الْحَدَّادِيُّ وَكَثِيرٌ مِنْ الشَّارِحِينَ وَلَا يُقَالُ لِلْمَكْرُوهِ تَنْزِيهًا قَبِيحٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ أَوْ قَرِيبٌ مِنْهُ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَيَمْنَعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الرُّجُوعِ (حُرُوفُ دَمْعٍ خُزُقَةٍ) أَخَذَهَا مِنْ بَيْتِ شَعْرٍ قِيلَ فِيهِ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَمَانِعٌ عَنْ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَهْ ... يَا صَاحِبِي حُرُوفُ دَمْعٍ خُزُقَهْ وَفِي خِزَانَةِ الْفِقْهِ اثْنَيْ عَشَرَ يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الرُّجُوعِ إذَا كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ زَوْجَتَهُ أَوْ كَانَ زَوْجَهَا أَوْ كَانَ أَجْنَبِيًّا وَعَوَّضَهَا، وَقَالَ: خُذْ هَذَا عِوَضَ هِبَتِك أَوْ بَدَلًا عَنْهَا، أَوْ جَزَاءً عَنْهَا أَوْ مُكَافَأَةً عَنْهَا أَوْ فِي مُقَابِلِهَا، أَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ خَرَجَ عَنْ مِلْكِهِ أَوْ زَادَ فِيهَا زِيَادَةً مُتَّصِلَةً بِأَنْ كَانَ عَبْدًا صَغِيرًا فَكَبِرَ، أَوْ كَانَ مَهْزُولًا فَسَمِنَ أَوْ كَانَتْ أَرْضًا فَبَنَى فِيهَا أَوْ كَانَ ثَوْبًا فَخَاطَهُ أَوْ صَنَعَهُ صُنْعًا يَزِيدُ أَوْ غَيَّرَهُ بِأَنْ كَانَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِسَمْنٍ، أَوْ كَانَ لَبَنًا فَاتَّخَذَهُ جُبْنًا أَوْ سَمْنًا أَوْ أَقِطًا أَوْ كَانَتْ جَارِيَةً فَعَلَّمَهَا الْقُرْآنَ أَوْ الْكِتَابَةَ أَوْ الْمِشَاطَةَ، تِسْعَةُ أَشْيَاءَ لَا يَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الرُّجُوعِ إذَا زَادَتْ قِيمَتُهُ أَوْ وَلَدَتْ الْمَوْهُوبَةُ يَرْجِعُ فِي الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ أَوْ أَثْمَرَتْ الشَّجَرَةُ يَرْجِعُ فِي الشَّجَرِ دُونَ الثَّمَرِ أَوْ كَانَ ثَوْبًا قَطَعَهُ وَلَمْ يَخِطْهُ أَوْ كَانَ دَارًا فَانْهَدَمَ شَيْءٌ مِنْهَا أَوْ وَهَبَ لِبَنِي عَمِّهِ أَوْ فِي مَرَضِهِ لِوَرَثَتِهِ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ عَقِبَهُ فَلِوَرَثَتِهِ الرُّجُوعُ فِيهِ أَوْ وَهَبَ لِأَخِيهِ وَلِأَجْنَبِيٍّ عَبْدًا يَرْجِعُ فِي نَصِيبِ الْأَجْنَبِيِّ أَوْ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ أَوْ اسْتَحَقَّ الْهِبَةَ يَرْجِعُ فِي الْعِوَضِ انْتَهَى، ثُمَّ شَرَعَ أَنْ يُبَيِّنَ ذَلِكَ بِالْفَاءِ التَّفْصِيلِيَّةِ بِقَوْلِهِ (فَالدَّالُ) مِنْ هَذِهِ الْحُرُوفِ (الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ) بِالْمَوْهُوبِ (كَالْبِنَاءِ) عَلَى الْأَرْضِ إذَا كَانَ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ لَا يُمْنَعُ الرُّجُوعُ، وَإِنْ كَانَ يُوجِبُ فِي قِطْعَةٍ مِنْهَا بِأَنْ كَانَتْ الْأَرْضُ كَبِيرَةً بِحَيْثُ لَا يُعَدُّ مِثْلُهُ زِيَادَةً فِيهَا كُلِّهَا امْتَنَعَ مِنْ تِلْكَ الْقِطْعَةِ دُونَ غَيْرِهَا كَمَا فِي التَّبْيِينِ. وَفِي السِّرَاجِيَّةِ إذَا وَهَبَ أَرْضًا فَبَنَى الْمَوْهُوبُ لَهُ فِيهَا بِنَاءً بَطَلَ الرُّجُوعُ، وَلَوْ زَالَ عَادَ حَقُّ الرُّجُوعِ (وَالْغَرْسِ) . وَفِي الْمِنَحِ: رَجُلٌ وَهَبَ لِرَجُلٍ أَرْضًا بَيْضَاءَ أَنْبَتَتْ فِي نَاحِيَةٍ مِنْهَا نَخْلًا أَوْ بَنَى فِيهَا بَيْتًا أَوْ دُكَّانًا كَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِيهَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا (وَالسَّمْنِ) بِأَنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ هُزَالًا فَسَمِنَ عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَاحْتَرَزَ بِالْمُتَّصِلَةِ عَنْ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (لَا الْمُنْفَصِلَةِ) كَالْوَلَدِ وَالْأَرْشِ وَالْعُقْرِ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الزِّيَادَةِ قَيَّدَ بِالزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ النُّقْصَانَ كَالْحَبْلِ وَقَطْعِ الثَّوْبِ بِفِعْلِ الْمَوْهُوبِ أَوَّلًا غَيْرُ مَانِعٍ لِمَا فِي التَّبْيِينِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي الْجَارِيَةِ الْمَوْهُوبَةِ إذَا وَلَدَتْ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا، فَإِذَا جُعِلَتْ وَلَمْ تُرَدَّ فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ نُقْصَانٌ انْتَهَى. لَكِنْ يُخَالِفُ مَا فِي السِّرَاجِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ لَهُ

стр. 1120

جَارِيَةً فَحَبِلَتْ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَأَرَادَ الرُّجُوعَ فِيهَا قَبْلَ انْفِصَالِ الْوَلَدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا مُتَّصِلَةٌ بِزِيَادَةٍ لَمْ تَكُنْ مَوْهُوبَةً تَتَبَّعْ، ثُمَّ الْمُرَادُ بِالِاتِّصَالِ هُوَ أَنْ يَكُونَ فِي نَفْسِ الْمَوْهُوبِ شَيْءٌ يُوجِبُ زِيَادَةً فِي الْقِيمَةِ كَمَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْمَتْنِ، وَكَالْجَمَالِ وَالْخِيَاطَةِ وَالصِّبْغِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِنْ زَادَ مِنْ حَيْثُ السِّعْرُ فَلَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ لَا زِيَادَةَ لِلْعَيْنِ، وَكَذَا إذَا زَادَ فِي نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَزِيدَ فِي الْقِيمَةِ كَمَا إذَا طَالَ الْغُلَامُ الْمَوْهُوبُ؛ لِأَنَّهُ نُقْصَانٌ فِي الْحَقِيقَةِ فَلَا يُمْنَعُ الرُّجُوعُ، وَلَوْ نَقَلَهُ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان حَتَّى ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ وَاحْتَاجَ فِيهِ إلَى مُؤْنَةِ النَّقْلِ عِنْدَهُمَا يَنْقَطِعُ الرُّجُوعُ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ، وَلَوْ وَهَبَ عَبْدًا كَافِرًا فَأَسْلَمَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ وَهَبَ عَبْدًا حَلَالَ الدَّمِ فَعَفَا وَلِيُّ الْجِنَايَةِ، وَهُوَ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَا يَرْجِعُ، وَلَوْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ خَطَأً فَفَدَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَلَا يَسْتَرِدُّ مِنْهُ الْفِدَاءَ، وَلَوْ عَلَّمَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَبْدَ الْقُرْآنَ أَوْ الْكِتَابَةَ أَوْ الصَّنْعَةَ لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ زِيَادَةً فِي الْعَيْنِ فَأَشْبَهَتْ الزِّيَادَةَ فِي السِّعْرِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَرَوَى الْخِلَافَ فِي الْعَكْسِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الزِّيَادَةِ فَالْقَوْلُ لِلْوَاهِبِ؛ لِأَنَّهُ يُنْكِرُ لُزُومَ الْعَقْدِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَشَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ. وَفِي الْخَانِيَّةِ، وَلَوْ عَلَّمَ الْقُرْآنَ أَوْ الْكِتَابَةَ وَالْقِرَاءَةَ، أَوْ كَانَتْ أَعْجَمِيَّةً فَعَلَّمَهَا الْكَلَامَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْحُرُوفِ لَا يَرْجِعُ الْوَاهِبُ فِي هِبَتِهِ لِحُدُوثِ الزِّيَادَةِ فِي الْعَيْنِ انْتَهَى هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي التَّبْيِينِ كَمَا فِي الْمِنَحِ، وَفِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ التَّبْيِينِ أَشَارَ إلَى مَا فِي الْخَانِيَّةِ فَقَالَ: وَيُرْوَى الْخِلَافُ فِي الْعَكْسِ تَدَبَّرْ. وَلَوْ أَنَّ مَرِيضًا وَهَبَ لِرَجُلٍ جَارِيَةً فَوَطِئَهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ تُرَدُّ الْهِبَةُ، وَيَجِبُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ الْعُقْرُ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ. (وَالْمِيمُ مَوْتُ أَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) أَمَّا مَوْتُ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَلِخُرُوجِ الْمَوْهُوبِ عَنْ مِلْكِهِ وَانْتِقَالِهِ إلَى وَارِثِهِ، وَأَمَّا مَوْتُ الْوَاهِبِ فَلِتَعَذُّرِ الرُّجُوعِ مِنْهُ، وَالْوَارِثُ لَيْسَ بِوَاهِبٍ وَالنَّصُّ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ هَذَا إذَا كَانَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بَطَلَتْ لِعَدَمِ الْمِلْكِ، وَرُجُوعُ الْمُسْتَأْمَنِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الْهِبَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ مُبْطِلٌ لَهَا كَالْمَوْتِ، فَإِنْ كَانَ الْحَرْبِيُّ أَذِنَ لِلْمُسْلِمِ فِي قَبْضِهِ وَقَبَضَهُ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ جَازَ اسْتِحْسَانًا. (وَالْعَيْنُ الْعِوَضُ الْمُضَافُ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْهِبَةِ (إذَا قَبَضَ) الْوَاهِبُ الْعِوَضَ وَفَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: (نَحْوُ خُذْ هَذَا عِوَضًا عَنْ هِبَتِك أَوْ بَدَلًا عَنْهَا) أَيْ عَنْ هِبَتِك (أَوْ) خُذْهُ (فِي مُقَابَلَتِهَا) أَيْ مُقَابَلَةِ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ فِي كَوْنِهِ عِوَضًا أَنْ يَذْكُرَ لَفْظًا يَعْلَمُ الْوَاهِبُ أَنَّهُ عِوَضٌ. (وَلَوْ) وَصْلِيَّةٌ (كَانَ) التَّعْوِيضُ (مِنْ أَجْنَبِيٍّ) أَيْ جَازَ الْعِوَضُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ، وَسَقَطَ حَقُّ الْوَاهِبِ فِي الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ إذَا قَبَضَ الْعِوَضَ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لِإِسْقَاطِ الْحَقِّ فَيَصِحُّ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ كَبَدَلِ الْخُلْعِ، وَلَوْ كَانَ التَّعْوِيضُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا رُجُوعَ لِلْمُعَوِّضِ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَوْ كَانَ شَرِيكَهُ سَوَاءٌ

стр. 1121

كَانَ بِإِذْنِهِ أَوْ لَا؛ لِأَنَّ التَّعْوِيضَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ فَصَارَ كَمَا لَوْ أَمَرَهُ أَنْ يَتَبَرَّعَ لِإِنْسَانٍ إلَّا إذَا قَالَ: عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ (فَلَوْ لَمْ يُضِفْ) أَيْ لَمْ يَقُلْ الْمَوْهُوبُ لَهُ: خُذْ عِوَضَ هِبَتِك يَكُونُ فِعْلُهُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لَا تَعْوِيضًا فَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِي الْهِبَةِ مِنْ الْقَبْضِ (فَلِكُلِّ) وَاحِدٍ مِنْهُمَا (أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا وَهَبَ) . وَفِي الْمَبْسُوطِ هَذَا سَوَاءٌ كَانَتْ الْهِبَةُ شَيْئًا قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَسَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِنْ جِنْسِهَا أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهَا؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعَاوَضَةٍ مَحْضَةٍ حَتَّى يَتَحَقَّقَ فِيهَا الرِّبَا، وَإِنَّمَا هِيَ لِقَطْعِ الرُّجُوعِ. (وَالْخَاءُ الْخُرُوجُ) أَيْ خُرُوجُ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ (عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ) بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الْمِلْكِ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ، فَإِنْ تَبَدَّلَ الْمِلْكُ كَتَبَدُّلِ الْعَيْنِ فَلَوْ ضَحَّى الشَّاةَ الْمَوْهُوبَةَ أَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِهَا، وَصَارَتْ لَحْمًا لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ. (وَالزَّايُ الزَّوْجِيَّةُ) أَيْ الزَّوْجِيَّةُ مَانِعَةٌ مِنْ الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِيهَا الصِّلَةُ أَيْ الْإِحْسَانُ كَمَا فِي الْقَرَابَةِ (وَقْتَ الْهِبَةِ فَلَهُ الرُّجُوعُ لَوْ وَهَبَ، ثُمَّ نَكَحَ) ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ زَوْجَةً وَقْتَ الْهِبَةِ (لَا) يَرْجِعُ (لَوْ وَهَبَ، ثُمَّ أَبَانَ) لِوُجُودِ الزَّوْجِيَّةِ الْمَانِعَةِ وَقْتَ الْهِبَةِ. (وَالْقَافُ الْقَرَابَةُ) ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا صِلَةُ الرَّحِمِ، وَقَدْ حَصَلَ وَفِي الرُّجُوعِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ فَلَا يَرْجِعُ سَوَاءٌ كَانَ الْقَرِيبُ مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا، ثُمَّ فَسَّرَ الْقَرَابَةَ بِقَوْلِهِ: (فَلَا رُجُوعَ فِيمَا وَهَبَ لِذِي رَحِمٍ مَحْرَمٍ) مِنْ الْوَاهِبِ، وَإِنْ وَهَبَ لِمَحْرَمٍ بِلَا رَحِمٍ كَأَخِيهِ مِنْ الرَّضَاعِ وَأُمَّهَاتِ النِّسَاءِ وَالرَّبَائِبِ وَأَزْوَاجِ الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ وَقَيَّدَ بِالْمَحْرَمِ؛ لِأَنَّ الرَّحِمَ بِلَا مَحْرَمٍ كَابْنِ عَمِّهِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَلَوْ وَهَبَ لِعَبْدِ أَخِيهِ أَوْ لِأَخِيهِ، وَهُوَ عَبْدٌ لِأَجْنَبِيٍّ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِيهَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يَرْجِعُ فِي الْأُولَى، وَيَرْجِعُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَوْ كَانَا أَيْ الْعَبْدُ وَمَوْلَاهُ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْوَاهِبِ فَلَا رُجُوعَ فِيهَا أَيْ فِي الْهِبَةِ لِلْوَاهِبِ اتِّفَاقًا عَلَى الْأَصَحِّ. (وَالْهَاءُ هَلَاكُ الْمَوْهُوبِ) ، فَإِنَّهُ مَانِعٌ مِنْ الرُّجُوعِ لِتَعَذُّرِهِ بَعْدَ الْهَلَاكِ إذْ هُوَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ (وَالْقَوْلُ فِيهِ) أَيْ فِي الْهَلَاكِ (قَوْلُ الْمَوْهُوبِ لَهُ) ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِوُجُوبِ الرَّدِّ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الْمُودَعَ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَوْ قَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: هَلَكَتْ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، وَإِنْ قَالَ الْوَاهِبُ: هِيَ هَذِهِ حَلَفَ الْمُنْكِرُ أَنَّهَا لَيْسَتْ هَذِهِ كَمَا يَحْلِفُ الْوَاهِبُ

стр. 1122

أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَيْسَ بِأَخِيهِ إذَا ادَّعَى الْأَخُ عَلَيْهِ ذَلِكَ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَفِي الزِّيَادَةِ قَوْلُ الْوَاهِبِ) أَيْ لَوْ ادَّعَى الْمَوْهُوبُ لَهُ ازْدِيَادَ مَا فِي يَدِهِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً وَأَنْكَرَهَا الْوَاهِبُ فَيَكُونُ الْقَوْلُ لَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ. (وَلَوْ عَوَّضَ) الْمَوْهُوبُ لَهُ (فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْهِبَةِ رَجَعَ بِنِصْفِ الْعِوَضِ) ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْعِوَضِ عِوَضٌ عَنْ نِصْفِ الْهِبَةِ فَلَمَّا لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ نِصْفَ الْهِبَةِ يَرْجِعُ بِنِصْفِ الْعِوَضِ كَمَا فِي الْبَيْعِ. (وَإِنْ اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْعِوَضِ لَا يَرْجِعُ) الْوَاهِبُ (بِشَيْءٍ حَتَّى يَرُدَّ بَاقِيَهُ) أَيْ بَاقِيَ الْعِوَضِ؛ لِأَنَّ الْعِوَضَ لَيْسَ بِبَدَلٍ حَقِيقَةً بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعَوِّضَهُ أَقَلَّ مِنْ جِنْسِهِ فِي الْمُقَدَّرَاتِ، وَلَوْ كَانَ مُعَاوَضَةً لَمَا جَازَ لِلرِّبَا، وَإِنَّمَا أَعْطَاهُ لِيُسْقِطَ حَقَّهُ فِي الرُّجُوعِ كَمَا مَرَّ آنِفًا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِسُقُوطِ حَقِّهِ إلَّا بِسَلَامَةِ كُلِّ الْعِوَضِ، فَإِذَا لَمْ يَسْلَمْ لَهُ كُلُّهُ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إنْ شَاءَ رَضِيَ بِمَا بَقِيَ مِنْ الْعِوَضِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ الْبَاقِيَ عَلَيْهِ، وَيَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ خِلَافًا لِزُفَرَ إذْ عِنْدَهُ يَرْجِعُ بِالنِّصْفِ اعْتِبَارًا بِالْمَوْهُوبِ. (وَإِنْ اسْتَحَقَّ الْكُلَّ رَجَعَ بِالْكُلِّ فِيهِمَا) أَيْ لَوْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْهِبَةِ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي جَمِيعِ الْعِوَضِ إنْ كَانَ قَائِمًا، وَبِمِثْلِهِ إنْ هَالِكًا، وَهُوَ مِثْلِيٌّ وَبِقِيمَتِهِ إنْ قِيَمِيًّا، وَلَوْ اسْتَحَقَّ كُلَّ الْعِوَضِ حَيْثُ يَرْجِعُ فِي كُلِّ الْهِبَةِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً لَا إنْ هَالِكَةً، وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَزْدَادَ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ فَلَوْ اسْتَحَقَّ الْعِوَضَ، وَقَدْ ازْدَادَتْ الْهِبَةُ لَمْ يَرْجِعْ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ. (وَلَوْ عَوَّضَ عَنْ نِصْفِهَا) أَيْ الْهِبَةِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْوَاهِبِ (أَنْ يَرْجِعَ بِمَا لَمْ يُعَوِّضْ) ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ قَدْ خَصَّ النِّصْفَ، غَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ الشُّيُوعُ فِي الْهِبَةِ لَكِنَّهُ طَارَ فَلَا يَضُرُّهُ. وَفِي الْمِنَحِ نَقْلًا عَنْ الْمُجْتَبَى أَنَّ الْعِوَضَ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ هُوَ الْمَشْرُوطُ فِي عَقْدِ الْهِبَةِ أَمَّا إذَا عَوَّضَهُ بَعْدَهُ فَلَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ غَيْرَهُ، وَفُرُوعُ الْمَذْهَبِ فِي هَذَا الْبَابِ مُطْلَقَةٌ عَنْ هَذَا الشَّرْطِ مِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ دَقِيقَ الْحِنْطَةِ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْهَا، وَمِنْ أَنَّهُ لَوْ عَوَّضَهُ وَلَدَ أَحَدِ جَارِيَتَيْنِ مَوْهُوبَتَيْنِ وُجِدَ بَعْدَ الْهِبَةِ، فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، وَتَمَامُهُ فِيهِ فَلْيُطَالَعْ. (وَلَوْ خَرَجَ نِصْفُهَا) أَيْ نِصْفُ الْهِبَةِ (عَنْ مِلْكِهِ) أَيْ الْمَوْهُوبِ لَهُ (فَلَهُ) أَيْ لِلْوَاهِبِ (أَنْ يَرْجِعَ بِمَا لَمْ يَخْرُجْ) عَنْ مِلْكِهِ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ مِلْكِهِ لَمْ يُوجَدْ إلَّا فِي النِّصْفِ فَيَتَقَدَّرُ الِامْتِنَاعُ بِقَدْرِهِ؛ وَلِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ فِي كُلِّ الْهِبَةِ فَفِي النِّصْفِ أَوْلَى أَنْ يَرْجِعَ إلَى مَا لَمْ يُعَوِّضْ. (وَلَا يَصِحُّ الرُّجُوعُ) عَنْ الْهِبَةِ (إلَّا بِتَرَاضٍ) مِنْ الطَّرَفَيْنِ (أَوْ حُكْمِ قَاضٍ) بِالرُّجُوعِ لِوِلَايَتِهِ عَلَى الْعَامَّةِ وَلِوِلَايَتِهِمَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا كَالرِّدَّةِ بِالْعَيْبِ بَعْدَ الْقَبْضِ إذْ فِي حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَعَدَمِهِ خَفَاءٌ؛ لِأَنَّ مِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الثَّوَابَ وَالتَّحَبُّبَ، وَعَلَى هَذَا لَا يَرْجِعُ لِحُصُولِ الْمَرَامِ وَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْعِوَضَ، وَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِلْزَامِ وَالْقَضَاءِ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ يَصِحُّ بِدُونِهِمَا، ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ. (فَلَوْ أَعْتَقَ الْمَوْهُوبُ لَهُ) الْعَبْدَ

стр. 1123

الْمَوْهُوبَ (بَعْدَ الرُّجُوعِ قَبْلَ الْقَضَاءِ وَالتَّسْلِيمِ نَفَذَ) إعْتَاقُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عَنْ مِلْكِ الْمَوْهُوبِ لَهُ إلَّا بِالْقَضَاءِ أَوْ الرِّضَى فَيَصِحُّ إعْتَاقُهُ قَبْلَهَا. (وَلَوْ مَنَعَهُ) أَيْ مَنَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْمَوْهُوبَ عَنْ الْوَاهِبِ بَعْدَ أَنْ يَرْجِعَ قَبْلَ الْقَضَاءِ أَوْ بَعْدَهُ (فَهَلَكَ) الْمَوْهُوبُ فِي يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ (لَا يَضْمَنُ) ؛ لِأَنَّ يَدَهُ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ إلَّا إذَا طَلَبَهُ بَعْدَ الْقَضَاءِ فَمَنَعَهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ فَحِينَئِذٍ يَكُونُ يَدُهُ يَدَ ضَمَانٍ لِمَنْعِهِ طَلَبَهُ فَظَهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمَنْعِ بَعْدَ الرُّجُوعِ وَبَيْنَ الْمَنْعِ بَعْدَ الطَّلَبِ (وَهُوَ) أَيْ الرُّجُوعُ (مَعَ أَحَدِهِمَا) أَيْ مَعَ التَّرَاضِي أَوْ قَضَاءِ الْقَاضِي (فَسْخٌ) لِعَقْدِ الْهِبَةِ (مِنْ الْأَصْلِ) ، أَوْ إعَادَةٌ لِلْمِلْكِ الْقَدِيمِ (لَا هِبَةٌ مِنْ الْمَوْهُوبِ لَهُ) وَعِنْدَ زُفَرَ الرُّجُوعُ بِالتَّرَاضِي عَقْدٌ جَدِيدٌ فَيُجْعَلُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ الْمُبْتَدَأَةِ. وَلَنَا أَنَّ عَقْدَ الْهِبَةِ وَقَعَ جَائِزًا مُوجِبًا لِحَقِّ الْفَسْخِ، فَإِذَا رَجَعَ الْوَاهِبُ كَانَ مُسْتَوْفِيًا لِحَقٍّ ثَابِتٍ لَهُ بِالْعَقْدِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ وَقَعَ غَيْرَ لَازِمٍ لَا ابْتِدَاءً لِعَقْدٍ جَدِيدٍ، ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا يُشْتَرَطُ قَبْضُهُ) أَيْ الْوَاهِبِ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ إنَّمَا يَعْتَمِدُ فِي انْتِقَالِ الْمِلْكِ لَا فِي عَوْدِهِ إلَى الْمِلْكِ الْقَدِيمِ. (وَصَحَّ) أَيْ الرُّجُوعُ (فِي الْمَشَاعِ) الْقَابِلِ لِلْقِسْمَةِ بِأَنْ وَهَبَ دَارًا وَرَجَعَ فِي نِصْفِهَا، وَلَوْ كَانَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً لَمَا صَحَّ فِي الْمَشَاعِ الْقَابِلِ لِلْقِسْمَةِ. (وَإِنْ تَلِفَ الْمَوْهُوبُ) عِنْدَ الْمَوْهُوبِ لَهُ (فَاسْتَحَقَّ) مُسْتَحِقٌّ (فَضَمِنَ الْمَوْهُوبُ لَهُ) قِيمَتَهُ لِلْمُسْتَحِقِّ (لَا يَرْجِعُ عَلَى وَاهِبِهِ) بِمَا ضَمِنَ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ تَبَرُّعٌ، وَهُوَ غَيْرُ عَامِلٍ لَهُ فَلَا يَسْتَحِقُّ السَّلَامَةَ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ الْغُرُورُ بِخِلَافِ الْوَدِيعَةِ؛ لِأَنَّ الْمُودَعَ عَامِلٌ لَهُ، وَبِخِلَافِ الْمُعَاوَضَاتِ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الْمُعَاوَضَةِ يَقْتَضِي السَّلَامَةَ، وَالْإِعَارَةُ كَالْهِبَةِ هُنَا كَمَا فِي التَّنْوِيرِ. (وَالْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ هِبَةُ ابْتِدَاءٍ) أَيْ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ (فَشَرْطُ الْقَبْضِ فِي الْعِوَضَيْنِ) ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي الْهِبَةِ لِمَا مَرَّ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاهِبٌ مِنْ وَجْهٍ (وَمَنْعُهَا) أَيْ الْهِبَةِ (الشُّيُوعَ) فِيمَا يَحْتَمِلُ الْقِسْمَةَ (فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ فِي أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ لِمَا مَرَّ مِنْ أَنَّ هِبَةَ الْمَشَاعِ لَا تَصِحُّ (بَيْعُ انْتِهَاءٍ) أَيْ فِي انْتِهَاءِ الْعَقْدِ بَعْدَ التَّقَابُضِ (فَتَثْبُتُ الشُّفْعَةُ) إذَا كَانَ عَقَارًا كَمَا مَرَّ (وَخِيَارُ الْعَيْبِ وَالشَّرْطِ وَالرُّؤْيَةِ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا) وَالْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَشَرْطُ وَفِي قَوْلِهِ فَتَثْبُتُ نَتِيجَةُ مَا قَبْلَهُمَا مِنْ الْكَلَامِ. وَعِنْدَ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بَيْعٌ مُطْلَقًا أَيْ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً؛ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ بِبَدَلٍ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَكَانَ بَيْعًا، وَلَنَا أَنَّهُ اشْتَمَلَ عَلَى وَجْهَيْنِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا مَا أَمْكَنَ عَمَلًا بِالشَّبَهَيْنِ فَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ مُعْتَبَرًا بِلَفْظِهِ فَيُجْرِي فِيهِ أَحْكَامَ الْهِبَةِ وَانْتِهَاؤُهُ مُعْتَبَرًا بِمَعْنَاهُ فَيُجْرِي فِيهِ أَحْكَامَ الْبَيْعِ، وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ مِنْ حُكْمِهَا تَأْخِيرُ الْمِلْكِ إلَى الْقَبْضِ وَمِنْ حُكْمِ الْبَيْعِ اللُّزُومُ وَقَدْ يَنْقَلِبُ الْهِبَةُ الْبَيْعَ بِالتَّعْوِيضِ هَذَا إذَا ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى بِأَنْ يُقَالَ: وَهَبْتُك ذَا عَلَى أَنْ تُعَوِّضَنِي كَذَا إذْ لَوْ قَالَ

стр. 1124

وَهَبْتُك بِكَذَا فَهُوَ بَيْعٌ إجْمَاعًا كَمَا فِي الْحَقَائِقِ وَالْغَايَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّهُ إذَا كَانَ حَرْفُ الشَّرْطِ كَلِمَةَ إنْ بِأَنْ يَقُولَ: وَهَبْتُك كَذَا إنْ كَانَ كَذَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ بَاطِلَةً كَالْبَيْعِ. [فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَة فِي الْهِبَة] فَصْلٌ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ مَسَائِلَ مُتَفَرِّقَةٍ (وَمَنْ وَهَبَ أَمَةً إلَّا حَمْلَهَا أَوْ) وَهَبَهَا (عَلَى) شَرْطِ (أَنْ يَرُدَّهَا) أَيْ يَرُدَّ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْأَمَةَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاهِبِ (أَوْ) عَلَى أَنْ (يُعْتِقَهَا أَوْ) عَلَى أَنْ (يَسْتَوْلِدَهَا) أَيْ يَتَّخِذَ الْأَمَةَ أُمَّ وَلَدٍ (صَحَّتْ الْهِبَةُ) فِي الصُّوَرِ كُلِّهَا (وَبَطَلَ الِاسْتِثْنَاءُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْمَلُ إلَّا فِي مَحَلٍّ يَعْمَلُ فِيهِ الْعَقْدُ، وَالْهِبَةُ لَا تَعْمَلُ فِي الْحَمْلِ قَصْدًا؛ لِأَنَّ مَا فِي الْبَطْنِ لَيْسَ بِمَالٍ وَلَا يَعْلَمُ وُجُودَهُ حَقِيقَةً فَتَصِحُّ فِيهِمَا، وَفِي الْجَنِينِ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا فَلَا يَجُوزُ اسْتِثْنَاؤُهُ بِخِلَافِ الْوَصِيَّةِ؛ لِأَنَّ إفْرَادَ الْحَمْلِ بِالْوَصِيَّةِ جَائِزٌ، وَكَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ. (وَ) بَطَلَ (الشَّرْطُ) فِي الصُّوَرِ الْبَاقِيَةِ لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا بِمُقْتَضَى الْعَقْدِ وَالتَّمْلِيكِ فَيَكُونُ فَاسِدًا، وَالْهِبَةُ لَا تَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ كَمَا مَرَّ. (وَكَذَا) تَصِحُّ الْهِبَةُ وَبَطَلَ الشَّرْطُ (لَوْ وَهَبَ دَارًا عَلَى أَنْ يَرُدَّ) أَيْ الْمَوْهُوبُ لَهُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْوَاهِبِ (بَعْضَهَا) أَيْ الدَّارِ (أَوْ) عَلَى أَنْ (يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا) أَيْ مِنْ الدَّارِ، وَاعْتَرَضَ الزَّيْلَعِيُّ تَبَعًا لِصَاحِبِ النِّهَايَةِ عَلَى قَوْلِهِمْ أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَمَّا الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ فَهِيَ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ فَلَا يَسْتَقِيمُ قَوْلُهُ: وَبَطَلَ الشَّرْطُ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعَوِّضَهُ عَنْهَا شَيْئًا مِنْ الْعَيْنِ الْمَوْهُوبَةِ فَهُوَ تَكْرَارٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَهُ بِقَوْلِهِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ شَيْئًا مِنْهَا انْتَهَى، وَأَجَابَ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِأَنْ نَخْتَارَ الشِّقَّ الْأَوَّلَ، وَقَوْلُهُ: فَهِيَ وَالشَّرْطُ جَائِزَانِ مَمْنُوعٌ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ إذَا كَانَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا كَمَا عَرَفْت مِنْ الْمَبَاحِثِ السَّابِقَةِ وَصَرَّحَ بِهِ بَعْضُ شُرَّاحِ الْهِدَايَةِ، وَكَذَا الْحَالُ فِي الصَّدَقَةِ انْتَهَى لَكِنْ إنَّ مَا جَعَلَ مَبْنَى الْجَوَابِ مِنْ كَوْنِ الْعِوَضِ الْمَجْهُولِ شَرْطًا فَاسِدًا مُوَافِقٌ لِلْخَانِيَةِ فِي مَسْأَلَةِ هِبَةِ الْأَرْضِ بِشَرْطِ إنْفَاقِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا عَلَى الْوَاهِبِ لَكِنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَالَهُ التُّمُرْتَاشِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَلَمْ يُسَمِّ الْعِوَضَ جَازَ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ تَقْتَضِي عِوَضًا مَجْهُولًا، وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ بِأَنَّا نَخْتَارُ الشِّقَّ الثَّانِيَ وَلَا تَكْرَارَ؛ لِأَنَّ فِي عِبَارَةِ الْعِوَضِ مَظِنَّةَ الصِّحَّةِ كَمَا لَا يَخْفَى لَكِنَّ الْأَوْلَى مَا فِي شَرْحِ الْكَنْزِ لِلْعَيْنِيِّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ التَّكْرَارُ أَصْلًا؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: عَلَى أَنْ يَرُدَّ عَنْهُ شَيْئًا مِنْهَا لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ عِوَضًا؛ لِأَنَّ كَوْنَهُ عِوَضًا إنَّمَا هُوَ بِأَلْفَاظٍ مَخْصُوصَةٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَدًّا وَلَا يَكُونَ عِوَضًا لِعَدَمِ الِاسْتِلْزَامِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: أَوْ يُعَوِّضَهُ شَيْئًا مِنْهَا فَصَرِيحٌ بِالْعِوَضِ وَلَا شَكَّ أَنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ. (وَلَوْ دَبَّرَ الْحَمْلَ، ثُمَّ وَهَبَهَا) أَيْ الْأَمَةَ (فَالْهِبَةُ بَاطِلَةٌ) ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ يَبْقَى عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ

стр. 1125

إلَى مَوْتِهِ فَصَارَ كَهِبَةِ الْمُشَاعِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ الْحَمْلَ (ثُمَّ وَهَبَهَا) أَيْ الْأَمَةَ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْعِتْقُ فِي الْوَلَدِ وَالْهِبَةِ فِي الْأَمَةِ؛ لِأَنَّ الْجَنِينَ لَمْ يَبْقَ عَلَى مِلْكِ الْوَاهِبِ فَلَمْ تَشْتَغِلْ الْأَمَةُ غَيْرَ حَضَانَةِ الْوَلَدِ. (وَمَنْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ: إذَا جَاءَ غَدٌ فَالدَّيْنُ لَك أَوْ) قَالَ: (فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الدَّيْنِ (أَوْ) قَالَ: (إنْ أَدَّيْت إلَيَّ نِصْفَهُ) أَيْ الدَّيْنِ (فَالْبَاقِي) أَيْ النِّصْفُ الْآخَرُ (لَك أَوْ) قَالَ لَهُ: إنْ أَدَّيْت إلَيَّ نِصْفَهُ (فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْهُ) أَيْ مِنْ النِّصْفِ الْبَاقِي (فَهُوَ بَاطِلٌ) ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ وَإِسْقَاطٌ مِنْ وَجْهٍ؛ وَلِهَذَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ وَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُولِ، وَالتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ يَخْتَصُّ بِالْإِسْقَاطَاتِ الْمَحْضَةِ الَّتِي يَحْلِفُ بِهَا كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَهَذَا تَمْلِيكٌ مِنْ وَجْهٍ فَلَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ بِالشَّرْطِ فَيَبْطُلُ بِخِلَافِ قَوْلِهِ: أَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ النِّصْفِ عَلَى أَنْ تُؤَدِّيَ إلَيَّ النِّصْفَ؛ لِأَنَّهُ تَقْيِيدٌ، وَلَيْسَ بِتَعْلِيقٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ، وَلَوْ قَالَ لِمَدْيُونِهِ: إنْ كَانَ لِي عَلَيْك دَيْنٌ أَبْرَأْتُك عَنْهُ، وَلَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ صَحَّ الْإِبْرَاءُ؛ لِأَنَّهُ تَعْلِيقٌ بِشَرْطٍ كَائِنٍ فَيَكُونُ تَنْجِيزًا، وَلَوْ قَالَتْ لِزَوْجِهَا الْمَرِيضِ: إنْ مِتَّ مِنْ مَرَضِك هَذَا فَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ مَهْرِي أَوْ قَالَتْ: مَهْرِي عَلَيْك صَدَقَةٌ فَهُوَ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ هَذِهِ مُخَاطَرَةٌ وَتَعْلِيقٌ، وَلَوْ قَالَ الطَّالِبُ لِمَدْيُونِهِ: إذَا مِتُّ فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْك جَازَ وَيَكُونُ وَصِيَّةً مِنْ الطَّالِبِ لِلْمَطْلُوبِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَالْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِلْمُعْمَرِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ، وَهُوَ الْمَوْهُوبُ لَهُ (حَالَ حَيَاتِهِ وَلِوَرَثَتِهِ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مِنْ أَعْمَرَ عُمْرَى فَهُوَ لِلْمُعْمَرِ لَهُ وَلِوَرَثَتِهِ» ؛ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ بُطْلَانُ الشَّرْطِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ﵊: وَلِوَرَثَتِهِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ، ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَفْسِيرِ الْعُمْرَى بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ أَنْ يَجْعَلَ دَارِهِ لَهُ مُدَّةَ عُمْرِهِ، فَإِذَا مَاتَ رُدَّتْ) الدَّارُ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْوَاهِبِ بَطَلَ شَرْطُ الرَّدِّ بَعْدَ الْمَوْتِ لِمَا مَرَّ. (وَالرُّقْبَى) بِضَمِّ الرَّاءِ (بَاطِلَةٌ) ، فَإِنْ قَبَضَهَا كَانَتْ عَارِيَّةً (فِي يَدِهِ) هَذَا عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تَصِحُّ كَالْعُمْرَى) لِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - أَنَّهُ ﵊ قَالَ: «الْعُمْرَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُعْمِرَهَا وَالرُّقْبَى جَائِزَةٌ لِمَنْ أُرْقِبَهَا» وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْإِرْقَابِ مَعْنَاهُ رَقَبَةُ دَارِي لَك، وَذَلِكَ جَائِزٌ لَكِنْ لَمَّا احْتَمَلَ الْأَمْرَيْنِ لَمْ تَثْبُتْ الْهِبَةُ بِالشَّكِّ فَتَكُونُ عَارِيَّةً، ثُمَّ أَشَارَ إلَى تَفْسِيرِهَا بِقَوْلِهِ: (وَهِيَ أَنْ يَقُولَ: إنْ مِتُّ قَبْلَك فَلَكَ ذَلِكَ، وَإِنْ مِتَّ قَبْلِي فَلِي) فَيَتَرَقَّبُ كُلُّ وَاحِدٍ مَوْتَ صَاحِبِهِ. وَفِي التَّنْوِيرِ بَعَثَ إلَى امْرَأَتِهِ مَتَاعًا، وَبَعَثَتْ لَهُ أَيْضًا، ثُمَّ افْتَرَقَا بَعْدَ الزِّفَافِ، وَادَّعَى أَنَّهُ عَارِيَّةٌ، وَأَرَادَ الِاسْتِرْدَادَ وَأَرَادَتْ أَيْضًا يَسْتَرِدُّ كُلٌّ مَا أَعْطَى لِمَا فِي فَتَاوَى قَاضِي ظَهِيرِ الدِّينِ مِنْ أَنَّهُ رَجُلٌ تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبَعَثَ هَدَايَا إلَيْهَا وَعُوِّضَتْ الْمَهْرَ
следующие страницы →