Полный текст (1 543 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
وَقَالَ مُحَمَّدٌ يَرُدُّ الْبَاقِيَ مُطْلَقًا لِأَنَّ رَدَّهُ مُمْكِنٌ حَيْثُ لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ وَرَجَعَ بِالنُّقْصَانِ فِيمَا أَكَلَهُ لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ وَعِنْدَ الْإِمَامِ لَا يَرْجِعُ بِشَيْءٍ وَقَدْ اعْتَمَدَهُ صَاحِبُ الْكَنْزِ وَغَيْرُهُ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَقَالَا يَرْجِعُ اسْتِحْسَانًا فِي الْأَكْلِ ثُمَّ قَالَ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافُ إذَا لَبِسَ الثَّوْبَ حَتَّى تَخَرَّقَ وَعَنْهُمَا يَرُدُّ مَا بَقِيَ وَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِ مَا أَكَلَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى.
وَفِي الْبَحْرِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا فِي الرُّجُوعِ بِالنُّقْصَانِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ.
وَفِي الْمُجْتَبِي لَوْ أَكَلَ بَعْضَ الطَّعَامِ يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ غَيْبِهِ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَبِهِ يُفْتَى وَإِنْ بَاعَهُ نِصْفَهُ لَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِهِ وَيَرُدُّ مَا بَقِيَ عِنْدَهُ وَبِهِ يُفْتَى أَيْضًا.
وَلَوْ اشْتَرَى طَعَامًا فَأَطْعَمَهُ ابْنَهُ أَوْ امْرَأَتَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ أَوْ ضَيْفَهُ لَا يَرْجِعُ وَإِنْ أَطْعَمَ عَبْدَهُ أَوْ مُدَبَّرَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ يَرْجِعُ لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ.
وَلَوْ اشْتَرَى سَمْنًا ذَائِبًا وَأَكَلَهُ ثُمَّ أَقَرَّ الْبَائِعُ أَنَّهُ كَانَ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَهُمَا وَبِهِ يُفْتَى كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ وَلَوْ كَانَ غَزْلًا فَنَسَجَهُ أَوْ فُلَّيْقًا فَجَعَلَهُ إبْرَيْسَمًا ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّهُ كَانَ رَطَبًا وَانْتَقَصَ وَزْنُهُ رَجَعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ.
(وَإِنْ شَرَى بَيْضًا أَوْ جَوْزًا أَوْ بِطِّيخًا أَوْ قِثَّاءً أَوْ خِيَارًا فَكَسَرَهُ) قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ اطَّلَعَ قَبْلَ كَسْرِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ (فَوَجَدَهُ فَاسِدًا) بِأَنْ كَانَ مُنْتِنًا أَوْ مُرًّا.
(فَإِنْ كَانَ يُنْتَفَعُ بِهِ) فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ صَلَحَ لِأَكْلِ بَعْضِ النَّاسِ أَوْ الدَّوَابِّ (رَجَعَ بِنُقْصَانِهِ) دَفْعًا لِلضَّرَرِ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَلَا يَرُدُّهُ لِأَنَّ الْكَسْرَ عَيْبٌ حَادِثٌ إلَّا أَنَّهُ يَقْبَلُهَا الْبَائِعُ مَكْسُورًا وَيَرُدُّ الثَّمَنَ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَرُدُّهُ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ أَصْلًا (فَبِكُلِّ ثَمَنِهِ) أَيْ يَرْجِعُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ فَكَانَ الْبَيْعُ بَاطِلًا وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْجَوْزِ صَلَاحُ قِشْرِهِ عَلَى مَا قِيلَ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ بِاعْتِبَارِ اللُّبِّ بِخِلَافِ بَيْضِ النَّعَامَةِ إذَا وَجَدَهُ فَاسِدًا بَعْدَ الْكَسْرِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ بِاعْتِبَارِ الْقِشْرِ.
(وَلَوْ وَجَدَ الْبَعْضَ فَاسِدًا وَهُوَ قَلِيلٌ كَالْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ فِي الْمِائَةِ صَحَّ الْبَيْعُ) اسْتِحْسَانًا لِعَدَمِ خُلُوِّهِ عَادَةً وَلَا خِيَارَ لَهُ كَالتُّرَابِ فِي الْحِنْطَةِ إلَّا أَنْ يَعُدَّهُ النَّاسُ عَيْبًا فَلَهُ الرَّدُّ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَلِيلًا بَلْ كَثِيرًا (فَسَدَ) الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ (وَرَجَعَ بِكُلِّ ثَمَنِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِجَمْعِهِ فِي الْعَقْدِ بَيْنَ مَا لَهُ قِيمَةٌ وَمَا لَا قِيمَةَ لَهُ وَعِنْدَهُمَا يَجُوزُ فِي حِصَّةِ الصَّحِيحِ مِنْهُ وَقِيلَ يَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ إجْمَاعًا وَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ فَوَجَدَهُ مَعِيبًا مَكَانَ فَاسِدًا لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ مِنْ عَيْبِ الْجَوْزِ قِلَّةَ لُبِّهِ وَسَوَادُهُ تَدَبَّرْ.
وَفِي الْفَتْحِ لَوْ اشْتَرَى دَقِيقًا فَخَبَزَهُ بَعْضَهُ وَظَهَرَ أَنَّهُ مُرٌّ رَدَّ مَا بَقِيَ وَرَجَّعَهُ بِنُقْصَانِ مَا خَبَزَ.
وَفِي الْبَحْرِ اشْتَرَى عَدَدًا مِنْ الْبِطِّيخِ أَوْ الرُّمَّانِ أَوْ السَّفَرْجَلِ فَكَسَرَ وَاحِدًا وَاطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ رَجَعَ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ لَا غَيْرُ. وَلَا يَرُدُّ الْبَاقِيَ إلَّا أَنْ يُبَرْهِنَ أَنَّ الْبَاقِيَ فَاسِدٌ وَلَوْ وَجَدَ فِي الْمِسْكِ
стр. 807
رَصَاصًا مَيَّزَهُ وَرَدَّهُ بِحِصَّةٍ قَلَّ أَوْ كَثُرَ.
(وَمَنْ بَاعَ مَا شَرَاهُ) بِآخَرَ (فَرَدَّ عَلَيْهِ) أَيْ بَائِعُ مَا شَرَاهُ (بِعَيْبٍ) أَوْ بِسَبَبِ عَيْبٍ (بِقَضَاءٍ) بَعْدَ قَبْضِهِ (بِإِقْرَارٍ) وَمَعْنَى الْقَضَاءِ بِالْإِقْرَارِ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْإِقْرَارَ فَأَثْبَتَ بِالْبَيِّنَةِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا أُوِّلَ بِهَذَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُنْكِرْ الْإِقْرَارَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْقَضَاءِ بَلْ يَرُدُّ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ بِعَيْبٍ فَإِذَا رَدَّ بِهِ بِلَا قَضَاءٍ لَا يَرُدُّ عَلَى بَائِعِهِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُنْكِرَ إقْرَارَهُ مَعَ أَنَّهُ لَا يَرْضَى بِالرَّدِّ فَيَرُدُّ بِالْقَضَاءِ فَلَا يَكُونُ بَيْعًا لِعَدَمِ الرِّضَى كَمَا فِي التَّسْهِيلِ (أَوْ نُكُولٍ) عَنْ الْيَمِينِ (أَوْ بَيِّنَةٍ رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ) الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ بِالْقَضَاءِ فَسْخٌ مِنْ الْأَصْلِ فَجُعِلَ الْبَيْعُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ غَايَةَ الْأَمْرِ أَنَّهُ أَنْكَرَ قِيَامَ الْعَيْبِ لَكِنَّهُ صَارَ مُكَذِّبًا شَرْعًا بِالْقَضَاءِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ لِتَنَاقُضِهِ، وَغَايَتُهُ عَلَى أَنَّهُ سَبَقَ مِنْهُ جُحُودٌ نَصًّا بِأَنْ قَالَ بِعْته وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ وَإِنَّمَا حَدَثَ عِنْدَك ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ بِقَضَاءٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ بَائِعَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهَا عَلَى مَا إذَا كَانَ سَاكِتًا وَالْبَيِّنَةُ تَجُوزُ عَلَى السَّاكِتِ وَيَسْتَحْلِفُ السَّاكِتَ أَيْضًا لِتَنْزِيلِهِ مَنْزِلَةَ مُنْكِرٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَلَوْ قَبِلَهُ بِرِضَاءٍ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى بَائِعِهِ الْأَوَّلِ وَقِيلَ فِي عَيْبٍ لَا يَحْدُثُ مِثْلُهُ كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ يَرُدُّ لِلتَّيَقُّنِ بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ الْأَوَّلِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ عَلَيْهِ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي الرَّمْزِ هَذَا إذَا كَانَ الرَّدُّ بَعْدَ الْقَبْضِ أَمَّا قَبْلَهُ فَلَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ الْأَوَّلِ وَإِنْ كَانَ بِالتَّرَاضِي فِي غَيْرِ الْعَقَارِ كَمَا فِي الْمِنَحِ وَغَيْرِهِ.
(وَمَنْ قَبَضَ مَا شَرَاهُ ثُمَّ ادَّعَى عَيْبًا لَا يَجُوزُ) الْمُشْتَرِي (عَلَى دَفْعِ ثَمَنِهِ) إلَى الْبَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا فِي دَعْوَاهُ (بَلْ يُبَرْهِنُ) الْمُشْتَرِي أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ لِإِثْبَاتِ الْعَيْبِ بِأَنَّهُ وَجَدَ بِالْبَيْعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يُوجَدْ عِنْدَهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَإِنْ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ زَالَ فَإِذَا بَرْهَنَ أَنَّهُ وَجَدَ عِنْدَهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُبَرْهِنَ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ كَانَ بِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ حَدَثَ عِنْدَهُ (أَوْ يَحْلِفُ بَائِعُهُ) عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّهُ إنْ أَقَرَّ بِهِ لَزِمَهُ فَإِذَا أَنْكَرَهُ يَحْلِفُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ ثَبَتَ قِيَامُ الْعَيْبِ لِلْحَالِ ثُمَّ يَحْلِفُ ثَانِيًا عَلَى أَنَّ هَذَا الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِنْدَهُ فَإِنْ حَلَفَ بَرِئَ وَإِنْ نَكَلَ فَسَخَ الْقَاضِي الْعَقْدَ بَيْنَهُمَا (فَإِنْ قَالَ) الظَّاهِرُ بِالْوَاوِ (شُهُودِي غُيَّبٌ) جَمْعُ غَائِبٍ (دَفَعَ) الثَّمَنَ (إنْ حَلَفَ بَائِعُهُ) لِأَنَّ فِي الِانْتِظَارِ ضَرَرًا بِالْبَائِعِ وَلَيْسَ فِيهِ كَثِيرُ ضَرَرٍ عَلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ مَتَى أَقَامَ الْبَيِّنَةَ رَدَّ عَلَيْهِ الْمَبِيعَ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ (وَلَزِمَ الْعَيْبَ إنْ نَكَلَ) الْبَائِعُ لِأَنَّ النُّكُولَ حُجَّةٌ فِيهِ بِخِلَافِ الْحُدُودِ.
وَفِي عِبَارَةِ الْهِدَايَةِ هُنَا كَلَامٌ فَلْيُرَاجَعْ شُرُوحَهَا.
(وَمَنْ ادَّعَى) أَيْ الْمُشْتَرِي (إبَاقَ مَشْرِيِّهِ) أَيْ إبَاقَ الرَّقِيقِ الَّذِي اشْتَرَاهُ فَأَنْكَرَ الْبَائِعُ (يُبَرْهِنُ) الْمُشْتَرِي (أَوَّلًا أَنَّهُ) أَيْ الرَّقِيقَ (أَبَقَ عِنْدَهُ) يَعْنِي لَا تُسْمَعُ دَعْوَى الْمُشْتَرِي هَذِهِ حَتَّى يُثْبِتَ وُجُودَ الْعَيْبِ عِنْدَهُ فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ
стр. 808
تُسْمَعُ دَعْوَاهُ بَعْدَ ذَلِكَ (ثُمَّ يَحْلِفُ بَائِعُهُ) عَلَى الْبَتَاتِ مَعَ أَنَّهُ فِعْلُ الْغَيْرِ وَيُقَالُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّحْلِيفِ (بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَمَا أَبَقَ قَطُّ) .
وَفِي الْمِنَحِ هَذَا هُوَ الْأَحْوَطُ انْتَهَى لَكِنْ فِي هَذَا الْوَجْهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ قَوْلَهُ وَمَا أَبَقَ قَطُّ شَامِلٌ لِلْإِبَاقِ مِنْ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَنْزِلَ مَوْلَاهُ أَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِعَيْبٍ (أَوْ بِاَللَّهِ مَالَهُ حَقُّ الرَّدِّ عَلَيْك مِنْ الْوَجْهِ الَّذِي يَدَّعِي) الْمُشْتَرِي (أَوْ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ عِنْدَك قَطُّ) كَمَا فِي الْكَنْزِ لَكِنْ قَالَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ تَرْكُ النَّظَرِ لِلْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِبَاقَ مِنْ الْمُودِعِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُسْتَعِيرِ وَالْغَاصِبِ لَا إلَى مَنْزِلِ مَوْلَاهُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ أَنَّهُ عَيْبٌ (لَا) يَحْلِفُ بِأَنْ يُقَالَ (بِاَللَّهِ لَقَدْ بَاعَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ) لِأَنَّ الْعَيْبَ قَدْ يَحْدُثُ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلرَّدِّ وَبِهِ يَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي (أَوْ لَقَدْ بَاعَهُ وَسَلَّمَهُ وَمَا بِهِ هَذَا الْعَيْبُ) إذْ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَوِّلَ الْبَائِعُ كَلَامَهُ وَيُرِيدُ أَنَّ الْعَيْبَ لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْبَيْعِ وَالتَّسْلِيمِ مَعًا فَيَتَضَرَّرُ الْمُشْتَرِي (وَفِي إبَاقِ الْكَبِيرِ) إذَا كَانَتْ الدَّعْوَى فِي إبَاقِ الْكَبِيرِ (يَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا أَبَقَ مُنْذُ بَلَغَ الرِّجَالُ) لِأَنَّ الْإِبَاقَ فِي الصِّغَرِ لَا يُوجِبُ الرَّدَّ.
وَفِي الدُّرَرِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي الْبَوْلِ فِي الْفِرَاشِ وَالسَّرِقَةِ أَيْضًا كَذَلِكَ لِاشْتِرَاكِهَا فِي الْعِلَّةِ وَإِلَيْهِ أَشَارَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِقَوْلِهِ وَذَلِكَ لِأَنَّ اتِّحَادَ الْحَالَةِ شَرْطٌ فِي الْعُيُوبِ الثَّلَاثَةِ (وَعِنْدَ عَدَمِ بَيِّنَةِ الْمُشْتَرِي عَلَى إبَاقِهِ عِنْدَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي (يَحْلِفُ الْبَائِعُ عِنْدَهُمَا أَنَّهُ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدُ (أَبَقَ عِنْدَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الدَّعْوَى صَحِيحَةٌ حَتَّى تَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةُ فَكَذَا الْيَمِينُ (وَاخْتَلَفُوا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ) فَقِيلَ يَحْلِفُ وَقِيلَ لَا وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّ الْحَلِفَ يَتَرَتَّبُ عَلَى دَعْوَى صَحِيحَةٍ وَلَا تَصْلُحُ إلَّا مِنْ خَصْمٍ وَلَا يَصِيرُ خَصْمًا فِيهِ إلَّا بَعْدَ قِيَامِ الْعَيْبِ (فَإِنْ نَكَلَ) الْبَائِعُ عَنْ الْيَمِينِ (عَلَى قَوْلِهِمَا) ثَبَتَ إبَاقُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
وَ (حَلَفَ ثَانِيًا) لِلرَّدِّ (كَمَا مَرَّ) فَإِنَّ بِنُكُولِهِ ثَبَتَ الْعَيْبُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي هَذَا فِي الْعُيُوبِ الَّتِي لَا تَظْهَرُ لِلْقَاضِي وَلَا يُعْرَفُ أَهِي حَادِثَةٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَمْ لَا وَأَمَّا الْعُيُوبُ الَّتِي لَا يَحْدُثُ مِثْلُهَا كَالْإِصْبَعِ الزَّائِدَةِ وَالنَّاقِصَةِ وَالْعَمَى فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَقْضِي بِالرَّدِّ مِنْ غَيْرِ تَحْلِيفٍ لِتَيَقُّنِهِ بِوُجُودِهِ عِنْدَ الْبَائِعِ إلَّا إذَا ادَّعَى الْبَائِعُ رِضَاهُ وَأَثْبَتهُ بِطَرِيقِهِ.
(وَلَوْ قَالَ بَائِعُهُ بَعْدَ التَّقَابُضِ) أَيْ بَعْدَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ وَالْبَائِعُ الثَّمَنَ (بِعْتُك هَذَا مَعَ آخَرَ وَقَالَ الْمُشْتَرِي) لَا (بَلْ) بِعْت هَذَا (وَحْدَهُ فَالْقَوْلُ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي مَعَ الْيَمِينِ لِأَنَّ الْقَوْلَ لِلْقَابِضِ أَمِينًا كَانَ أَوْ ضَمِينًا كَمَا فِي الْوَدِيعَةِ وَالْغَصْبِ.
(وَكَذَا) يَكُونُ الْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي (لَوْ اتَّفَقَا فِي قَدْرِ الْمَبِيعِ وَاخْتَلَفَا فِي الْمَقْبُوضِ) لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ الْقَوْلَ لِلْقَابِضِ.
(وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً) أَيْ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ (وَقَبَضَ أَحَدَهُمَا وَوَجَدَ بِالْمَقْبُوضِ أَوْ بِالْآخَرِ عَيْبًا رَدَّهُمَا) أَيْ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا (أَوْ أَخَذَهُمَا) جَمِيعًا (وَلَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ وَحْدَهُ) أَيْ لَيْسَ
стр. 809
لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَرُدَّهُ وَحْدَهُ لِأَنَّ فِيهِ تَفْرِيقَ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَرُدُّ الْمَقْبُوضَ خَاصَّةً لِأَنَّ الصَّفْقَةَ فِيهِ تَمَّتْ لِتَنَاهِيهَا فِيهِ وَالْأَصَحُّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ تَمَامَ الصَّفْقَةِ يَتَعَلَّقُ بِقَبْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ اسْمٌ لِلْكُلِّ (إلَّا إنْ ظَهَرَ الْعَيْبُ بَعْدَ قَبْضِهِمَا) لِأَنَّهُ تَفْرِيقٌ بَعْدَ التَّمَامِ فَلَا يَمْنَعُ الرَّدَّ وَحْدَهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَوَضَعَ الْمَسْأَلَةَ فِي عَبْدَيْنِ لِكَوْنِهِ مِمَّا يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِأَحَدِهِمَا لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُمْكِنْ كَمَا إذَا اشْتَرَى خُفَّيْنِ وَوَجَدَ فِي أَحَدِهِمَا عَيْبًا لَا يَرُدُّ الْمَعِيبَ خَاصَّةً اتِّفَاقًا لِأَنَّهُمَا فِي الْمَعْنَى وَالْمَنْفَعَةِ كَشَيْءٍ وَاحِدٍ وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ الْمَعْنَى وَلِهَذَا قَالُوا لَوْ اشْتَرَى زَوْجَيْ ثَوْرٍ وَقَبَضَهُمَا ثُمَّ وَجَدَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا وَقَدْ أَلِف أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِحَيْثُ لَا يَعْمَلُ بِدُونِهِ لَا يَمْلِكُ رَدَّ الْمَعِيبِ خَاصَّةً.
(وَلَوْ) كَانَ الْمَبِيعُ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا مِنْ نَوْعٍ وَاحِدٍ، وَ (وُجِدَ بَعْضُ الْكَيْلِيِّ أَوْ الْوَزْنِيِّ مَعِيبًا بَعْدَ الْقَبْضِ رَدَّ كُلَّهُ أَوْ أَخَذَهُ) أَيْ أَخَذَ كُلَّهُ بِعَيْبِهِ لِأَنَّهُ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْبَعْضَ سَوَاءً كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ كَالثَّوْبِ الْوَاحِدِ إذَا وَجَدَ بِبَعْضِهِ عَيْبًا بِخِلَافِ الْعَبْدَيْنِ وَقَوْلُهُ بَعْدَ الْقَبْضِ اتِّفَاقِيٌّ وَلَوْ تَرَكَهُ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (وَقِيلَ هَذَا) أَيْ الْخِيَارُ بَيْنَ رَدِّ الْكُلِّ أَوْ أَخْذِهِ (إنْ لَمْ يَكُنْ فِي وِعَاءَيْنِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ كَانَ فِي وِعَاءَيْنِ (فَهُوَ كَالْعَبْدَيْنِ) حَتَّى يَرُدَّ الْوِعَاءَ الَّذِي وَجَدَ فِيهِ الْعَيْبَ وَحْدَهُ.
(وَلَوْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ) أَيْ بَعْضَ الْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ (بَعْدَ الْقَبْضِ لَيْسَ لَهُ رَدُّ مَا بَقِيَ بِخِلَافِ الثَّوْبِ) قَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ فَإِنْ كَانَ اسْتِحْقَاقُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ خُيِّرَ فِي الْكُلِّ لِتَفْرِيقِ الصِّفَةِ وَإِنْ بَعْدَ الْقَبْضِ خُيِّرَ مِنْ الْقِيَمِيِّ لَا فِي غَيْرِهِ لِأَنَّ التَّبْعِيضَ فِي الْقِيَمِيِّ كَالثَّوْبِ عَيْبٌ فَيُخَيَّرُ بِخِلَافِ الْمِثْلِيِّ وَفِي شُرُوطِ ظَهِيرِ الدِّينِ إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ شَائِعًا فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ عِنْدَنَا إنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ وَرَجَعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ مَا بَقِيَ وَرَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنِ الْمُسْتَحَقِّ وَإِنْ اُسْتُحِقَّ مِنْهَا مَوْضِعٌ بِعَيْنِهِ إنْ كَانَ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَإِنْ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا خِيَارَ لَهُ وَيَرْجِعُ بِثَمَنِ الْمُسْتَحَقِّ.
وَقَالَ الْخَصَّافُ: لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْكُلَّ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ.
وَفِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا ثُمَّ اسْتَحَقَّ بَعْضَهُ فَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ إلَّا بِضَرَرٍ كَالدَّارِ وَالْأَرْضِ وَالْكَرْمِ وَالْعَبْدِ، يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي وَإِلَّا فَلَا وَإِنْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي أَحَدَ الْمَبِيعَيْنِ فِيمَا إذَا وَقَعَ الْبَيْعُ عَلَى شَيْئَيْنِ فَحُكْمُهُ مَا قَبْلَ قَبْضِهِمَا فَثَبَتَ الْخِيَارُ لِلْمُشْتَرِي سَوَاءٌ وَرَدَ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى مَقْبُوضٍ أَوْ غَيْرِهِ، لِتَفْرِيقِ الصِّفَةِ قَبْلَ التَّمَامِ (وَمُدَاوَاةُ) الْمُشْتَرِي (الْمَعِيبِ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْعَيْبِ وَرُكُوبِهِ) أَيْ رُكُوبُهُ الْمَعِيبَ بَعْدَهَا وَكَذَا الْإِجَارَةُ وَالرَّهْنُ وَالْكِتَابَةُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْبَيْعِ وَاللِّبْسِ وَالسُّكْنَى (رَضِيَ) لِأَنَّهُ دَلِيلُ الِاسْتِبْقَاءِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ بَعْدَ الْعِلْمِ لَا يَكُونُ رِضًى اسْتِحْسَانًا لِأَنَّ النَّاسَ يَتَوَسَّعُونَ فِيهِ وَهُوَ لِلِاخْتِيَارِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَنَّ الِاسْتِخْدَامَ رِضًى بِالْعَيْبِ فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الصَّحِيحِ إلَّا إذَا كَانَ فِي نَوْعٍ آخَرَ.
وَفِي التَّنْوِيرِ اشْتَرَى جَارِيَةً لَهَا لَبَنٌ فَأَرْضَعَتْ صَبِيًّا لَهُ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا كَمَا لَوْ اسْتَخْدَمَهَا.
وَفِي الْغَرَرِ اشْتَرَى جَارِيَةً
стр. 810
وَلَمْ يَتَبَرَّأْ مِنْ عُيُوبِهَا فَوَطِئَهَا أَوْ قَبَّلَهَا أَوْ لَمَسَهَا بِشَهْوَةٍ ثُمَّ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا لَمْ تَرُدَّهَا مُطْلَقًا وَيَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ إلَّا إذَا رَضِيَ الْبَائِعُ.
(وَلَوْ رَكِبَهُ لِرَدِّهِ) عَلَى الْبَائِعِ (أَوْ سَقْيِهِ أَوْ شِرَاءِ عَلَفِهِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَلَا) أَيْ لَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ رَضِيَ بِالْعَيْبِ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ قِيلَ الرُّكُوبُ لِلرَّدِّ لَا يَكُونُ رِضًى كَيْفَ مَا كَانَ.
وَفِي الْبَحْرِ ادَّعَى عَيْبًا فِي حِمَارٍ فَرَكِبَهُ لِيَرُدَّهُ وَعَجَزَ عَنْ الْبَيِّنَةِ فَرَكِبَهُ جَائِيًا فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوْ رَكِبَ لِيَنْظُرَ إلَى سَيْرِهَا فَهُوَ رِضًى.
وَفِي الْفَتْحِ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فِي السَّفَرِ وَهُوَ يَخَافُ عَلَى حَمْلِهِ حَمَلَهُ عَلَيْهَا وَيَرُدُّ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَفَرِهِ وَهُوَ مَعْذُورٌ.
(وَلَوْ قُطِعَ) يَدُ الْعَبْدِ (الْمَبِيعِ بَعْدَ قَبْضِهِ) أَيْ الْمُشْتَرِي (أَوْ قُتِلَ بِسَبَبٍ) مُتَعَلِّقٌ بِقَطَعَ وَقَتَلَ عَلَى التَّنَازُعِ كَانَ (عِنْدَ الْبَائِعِ رَدَّهُ وَأَخَذَ ثَمَنَهُ) فِي صُورَةِ الْقَطْعِ يَعْنِي اشْتَرَى عَبْدًا قَدْ سَرَقَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِهِ وَقْتَ الشِّرَاءِ أَوْ الْقَبْضِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَأْخُذَ ثَمَنَهُ عِنْدَ الْإِمَامِ وَكَذَا إذَا قُتِلَ بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ لَكِنْ فِي الْقَتْلِ لَا يُرَدُّ بَلْ أَخَذَ الثَّمَنَ (وَقَالَا) لَا يَرُدُّهُ بَلْ (رَجَعَ بِفَضْلِ مَا بَيْنَ كَوْنِهِ سَارِقًا وَغَيْرَ سَارِقٍ أَوْ قَاتِلًا وَغَيْرَ قَاتِلٍ إنْ لَمْ يَعْلَمْ) الْمُشْتَرِي (بِالْعَيْبِ عِنْدَ الشِّرَاءِ وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي بِالْعَيْبِ عِنْدَ الشِّرَاءِ (فَلَا) وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَهُ وَبِمَنْزِلَةِ الْعَيْبِ عِنْدَ هُمَا لِأَنَّ الْمَوْجُودَ فِي يَدِ الْبَائِعِ سَبَبُ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ وَهُوَ لَا يُنَافِي الْمَالِيَّةَ فَيَنْفُذُ الْعَقْدُ فِيهِ لَكِنَّهُ مُتَعَيَّبٌ فَيَرْجِعُ بِنُقْصَانِهِ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ وَلَهُ أَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ حَصَلَ فِي يَدِ الْبَائِعِ وَالْوُجُوبُ يُفْضِي إلَى الْوُجُودِ فَيُضَافُ الْوُجُودُ إلَى السَّبَبِ السَّابِقِ وَقَوْلُهُ إنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعَيْبِ يُفِيدُ عَلَى قَوْلِهِمَا لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالْعَيْبِ رِضًى بِهِ، وَلَا يُفِيدُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِالِاسْتِحْقَاقِ لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمُخَيَّرٍ بَيْنَ إمْسَاكِهِ وَالرُّجُوعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ فَلَهُ إمْسَاكُهُ وَأَخْذُ نِصْفِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الِاسْتِحْقَاقِ إلَّا الْعَيْبَ حَتَّى لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقَطْعِ حَتْفَ أَنْفِهِ رَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ عِنْدَهُ كَالِاسْتِحْقَاقِ، قَيَّدَ بِكَوْنِ الْقَطْعِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ ثُمَّ بَاعَهُ فَمَاتَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي بِهِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَهُ أَيْضًا وَبِالْقَطْعِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى مَرِيضًا فَمَاتَ مِنْهُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي أَوْ عَبْدًا زَنَى عِنْدَ الْبَائِعِ فَجُلِدَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي فَمَاتَ بِهِ رَجَعَ بِالنُّقْصَانِ عِنْدَهُ أَيْضًا.
وَكَذَا لَوْ زَوَّجَ أَمَتَهُ الْبِكْرَ ثُمَّ بَاعَهَا وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي وَلَمْ يَعْلَمْ النِّكَاحَ ثُمَّ وَطِئَهَا الزَّوْجُ لَا يَرْجِعُ بِنُقْصَانِ الْبَكَارَةِ وَإِنْ كَانَ زَوَالُهَا بِسَبَبٍ كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ كَمَا فِي الْفَتْحِ.
(وَلَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي) يَعْنِي بَعْدَ وُجُوبِ سَبَبِ الْقَطْعِ فِي يَدِ الْبَائِعِ لَوْ تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي بِالْبَيَّاعَاتِ (ثُمَّ قُطِعَ فِي يَدِ) الْمُشْتَرِي (الْأَخِيرِ رَجَعَ الْبَاعَةُ) جَمْعُ بَائِعٍ وَأَصْلُهُ بَيْعَةٍ عَلَى وَزْنِ نَصْرَةِ (بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (كَمَا فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَعِنْدَهُمَا يَرْجِعُ) الْمُشْتَرِي (الْأَخِيرُ عَلَى بَائِعِهِ لَا) يَرْجِعُ (بَائِعُهُ)
стр. 811
أَيْ بَائِعُ الْمُشْتَرِي (عَلَى بَائِعِهِ) كَمَا فِي الْعَيْبِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ الْأَخِيرَ لَمْ يَصِرْ حَابِسًا الْمَبِيعَ حَيْثُ لَمْ يَبِعْهُ وَلَا كَذَلِكَ الْآخَرُونَ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَلَوْ بَاعَ بِشَرْطِ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ صَحَّ وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (لَمْ يَعُدَّ الْعُيُوبَ) عِنْدَنَا لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْإِبْرَاءِ لَا تُفْضِي إلَى النِّزَاعِ وَإِنْ تَضَمَّنَ التَّمْلِيكَ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى التَّسْلِيمِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْإِبْرَاءَ عَنْ الْحُقُوقِ الْمَجْهُولَةِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَهُوَ يُؤَدِّي إلَى تَمْلِيكِ الْمَجْهُولِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَعِنْدَ زُفَرَ الْبَيْعُ جَائِزٌ وَالشَّرْطُ فَاسِدٌ إذَا كَانَ مَجْهُولًا حَتَّى إذَا ذَكَرَ الْعُيُوبَ وَعَدَّدَهَا صَحَّتْ الْبَرَاءَةُ عَنْهَا كَانَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى يَقُولُ لَا تَصِحُّ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْعَيْبِ مَعَ التَّسْمِيَةِ مَا لَمْ يَرَهُ الْمُشْتَرِي وَقَدْ جَرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَجْلِسِ أَبِي جَعْفَرِ الدَّوَانِقِيِّ فَقَالَ لَهُ الْإِمَامُ أَرَأَيْت لَوْ بَاعَ جَارِيَةً.
وَفِي مَوْضِعِ الْمَأْتِيِّ مِنْهَا عَيْبٌ أَوْ غُلَامًا فِي ذَكَرِهِ عَيْبٌ، أَكَانَ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُرِيَ الْمُشْتَرِيَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْهَا أَوْ مِنْهُ؟ وَلَمْ يَزَلْ يُعْمَلُ بِهِ هَكَذَا حَتَّى أَقْحَمَهُ وَضَحِكَ الْخَلِيفَةُ مِمَّا صَنَعَ بِهِ (وَيَدْخُلُ فِي الْبَرَاءَةِ) عَنْ الْعُيُوبِ الْعَيْبُ (الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ) عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَذَكَرَهُ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْمَبْسُوطِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِمَا لِأَنَّ الْمُرَادَ لُزُومُ الْعَقْدِ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ عَنْ صِفَةِ السَّلَامَةِ وَذَلِكَ بِالْبَرَاءَةِ عَنْ الْمَوْجُودِ وَالْحَادِثِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدِ) فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَادِثُ إذَا الْمَقْصُودُ هُوَ الْبَرَاءَةُ عَنْ الْعَيْبِ الْمَوْجُودِ لَا عَلَى الْعُمُومِ فَلَا يَدْخُلُ الْمَعْدُومُ وَأَجْمَعُوا أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَهُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ لَا يَدْخُلُ الْحَادِثُ وَلَوْ قَالَ أَبْرَأْتُك مِنْ كُلِّ عَيْبٍ وَمَا يَحْدُثُ لَمْ يَصِحَّ إجْمَاعًا فَاسْتَشْكَلَ عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّهُ مَعَ التَّنْصِيصِ لَا يَصِحُّ فَكَيْفَ يُصَحِّحُهُ وَيُدْخِلُهُ بِلَا تَنْصِيصٍ وَلَكِنْ هَذَا عَلَى رِوَايَةِ الْإِسْبِيجَابِيِّ وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْمَبْسُوطِ فَيَصِحُّ الِاشْتِرَاطُ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ يُقِيمُ السَّبَبَ وَهُوَ الْعَقْدُ مَقَامَ الْعَيْبِ الْمُوجِبِ لِلرَّدِّ.
وَفِي التَّنْوِيرِ أَبْرَأهُ مِنْ كُلِّ دَاءٍ فَهُوَ عَلَى مَا فِي الْبَاطِنِ فِي الْعَادَةِ وَمَا سِوَاهُ مَرَضٌ.
اشْتَرَى عَبْدًا فَقَالَ لِمَنْ سَاوَمَهُ إيَّاهُ اشْتَرِهِ فَلَا عَيْبَ بِهِ. فَلَمْ يَتَّفِقْ الْبَيْعُ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ عَلَى بَائِعِهِ وَلَا يَمْنَعُهُ مِنْ الرَّدِّ عَلَيْهِ إقْرَارُهُ السَّابِقُ وَلَوْ عَيَّنَهُ بِأَنْ قَالَ لَا عَوَرَ لَا يَرُدُّهُ لِإِحَاطَةِ الْعِلْمِ بِهِ.
قَالَ عَبْدِي هَذَا آبِقٌ فَاشْتَرِهِ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ وَبَاعَ مِنْ آخَرَ فَوَجَدَهُ الثَّانِي آبِقًا لَا يَرُدُّهُ بِمَا سَبَقَ مِنْ الْإِقْرَارِ مَا لَمْ يُبَرْهِنْ أَنَّهُ أَبَقَ عِنْدَهُ.
بَاعَ عَبْدًا وَقَالَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي بَرِئْت إلَيْك مِنْ كُلِّ عَيْبٍ بِهِ إلَّا الْإِبَاقَ فَوَجَدَهُ آبِقًا فَلَهُ الرَّدُّ وَلَوْ قَالَ إلَّا إبَاقَهُ فَوَجَدَهُ آبِقًا لَا.
مُشْتَرٍ لِعَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ قَالَ: أَعْتِقْ الْبَائِعَ أَوْ دَبِّرْ أَوْ اسْتَوْلِدْ الْأَمَةَ أَوْ هُوَ حُرُّ الْأَصْلِ وَأَنْكَرَ الْبَائِعُ. حَلَفَ فَإِنْ حَلَفَ قَضَى عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا قَالَهُ لِإِقْرَارِهِ بِمَا ذَكَرَ وَرَجَعَ بِالْعَيْبِ إنْ عَلِمَ بِهِ حَتَّى لَوْ قَالَ بَاعَهُ وَهُوَ مِلْكُ فُلَانٍ وَصَدَّقَهُ فُلَانٌ وَأَخَذَهُ لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ.
وَجَدَ الْمُشْتَرِي بِمَشْرِيِّهِ عَيْبًا وَأَرَادَ الرَّدَّ بِهِ فَاصْطَلَحَا
стр. 812
عَلَى أَنْ يَدْفَعَ الْبَائِعُ الدَّرَاهِمَ إلَى الْمُشْتَرِي جَازَ وَعَلَى الْعَكْسِ لَا يَصِحُّ.
رَضِيَ الْوَكِيلُ بِالْعَيْبِ لَزِمَ الْمُوَكِّلَ إنْ كَانَ الْمَبِيعُ مَعَ الْعَيْبِ يُسَاوِي الثَّمَنَ وَإِلَّا لَا.
ظَهَرَ عَيْبٌ بِمُشْتَرِي الْغَائِبِ عِنْدَ الْقَابِضِ فَوَضْع الْمَبِيعَ عِنْدَ عَدْلٍ فَإِذَا هَلَكَ هَلَكَ عَلَى الْمُشْتَرِي إلَّا إذَا قَضَى بِالرَّدِّ عَلَى بَائِعِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
[بَابُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ أَخَّرَهُ عَنْ الصَّحِيحِ لِكَوْنِهِ عَقْدًا مُخَالِفًا لِلدِّينِ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ يَجِبُ رَفْعُهَا وَعَنْوَنَهُ بِهِ وَإِنْ ذُكِرَ فِيهِ الْبَاطِلُ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ أَنْوَاعِهِ وَغَيْرُهُ يُذْكَرُ فِيهِ بِطَرِيقِ الِاسْتِطْرَادِ قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ: الْفَاسِدُ كَمَا يُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الْبَاطِلِ كَذَا يُذْكَرُ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحِيحِ فَيُرَادُ مِنْهُ مَا يَعُمُّ الْبَاطِلَ وَهُوَ الْمُرَادُ هَهُنَا انْتَهَى. لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَشْمَلَ الصَّحِيحَ إذَا اُسْتُعْمِلَ فِي مُقَابَلَةِ الْبَاطِلِ وَلَا وَجْهَ لَهُ تَدَبَّرْ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُيُوعَ عَلَى أَنْوَاعٍ صَحِيحٌ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ، وَبَاطِلٌ وَهُوَ ضِدُّهُ وَلَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِوَجْهٍ. وَفَاسِدٌ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ دُونَ الْوَصْفِ وَيُفِيدُ الْمِلْكَ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْقَبْضُ وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ الْمَشْرُوعُ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ لَكِنْ جَاوَرَهُ شَيْءٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَوْقُوفٌ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ وَوَصْفِهِ وَيُفِيدُ الْمِلْكَ عَلَى سَبِيلِ التَّوَقُّفِ وَلَا يُفِيدُ تَمَامَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْغَيْرِ.
(بَيْعُ مَا لَيْسَ بِمَالٍ وَالْبَيْعُ) أَيْ بَيْعُ الشَّيْءِ (بِهِ) أَيْ جَعْلُهُ ثَمَنًا بِإِدْخَالِ الْبَاءِ عَلَيْهِ كَأَنْ يَقُولَ بِعْت هَذَا الثَّوْبَ بِهَذِهِ الْمَيْتَةِ مَثَلًا (بَاطِلٌ كَالدَّمِ) الْمَسْفُوحِ (وَالْمَيْتَةِ) الَّتِي مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا لِأَنَّ الْمُنْخَنِقَةَ وَأَمْثَالَهَا مَالٌ عِنْدَ أَهْلِ الذِّمَّةِ (وَالْحُرِّ) لِانْعِدَامِ رُكْنِ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَا تُعَدُّ مَالًا عِنْدَ أَحَدٍ مِمَّنْ لَهُ دِينٌ سَمَاوِيٌّ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ لَكِنَّ الْحُرَّ مَالٌ فِي شَرِيعَةِ يَعْقُوبَ ﵊ حَتَّى اُسْتُرِقَّ السَّارِقُ عَلَى مَا قَالُوا فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَالًا عِنْدَ أَحَدٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
(وَكَذَا) يَبْطُلُ (بَيْعُ أُمِّ الْوَلَدِ وَالْمُدَبَّرِ) الْمُطْلَقِ إلَّا بِالْقَضَاءِ لِقِيَامِ الْمَالِيَّةِ وَلِذَلِكَ فَصَّلَهُ بِقَوْلِهِ وَكَذَا كَمَا فِي الْإِيضَاحِ.
وَفِي الْبَحْرِ وَنَفَاذُ الْقَضَاءِ بِبَيْعِ أُمِّ الْوَلَدِ ضَعِيفٌ وَفِي قَضَاءِ الْبَزَّازِيَّةِ أَظْهَرَ عَدَمَ النَّفَاذِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الْفَتْحِ النَّفَاذَ بِقَضَاءِ الْقَاضِي تَدَبَّرْ.
قَيَّدْنَا بِالْمُطْلَقِ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُقَيَّدِ جَائِزٌ اتِّفَاقًا وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ جَائِزٌ مُطْلَقًا.
(وَكَذَا) يَبْطُلُ (بَيْعُ الْمُكَاتَبِ) لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ يَدًا عَلَى نَفْسِهِ بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ فَلَا يَتَمَكَّنُ الْمَوْلَى مِنْ فَسْخِهِ وَفِي بَيْعِهِ إبْطَالٌ لِذَلِكَ الِاسْتِحْقَاقِ اللَّازِمِ فِي حَقِّ الْمَوْلَى فَلَا يَجُوزُ (إلَّا أَنْ يُجِيزَهُ) الْمُكَاتَبُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَظْهَرُهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّ رِضَاهُ بِهِ مُتَضَمِّنٌ
стр. 813
تَعْجِيزَ نَفْسِهِ.
(وَكَذَا) يَبْطُلُ (بَيْعُ مَالٍ غَيْرِ مُتَقَوِّمٍ كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ بِالثَّمَنِ) وَهُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ حَالًّا أَوْ مُؤَجَّلًا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي الْبَيْعِ عَيْنُ الْمَبِيعِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُنْتَفَعُ بِهَا لَا عَيْنُ الثَّمَنِ لِأَنَّهَا جُعِلَتْ وَسِيلَةً إلَيْهِ وَلِهَذَا يَجُوزُ ثُبُوتُهُ فِي الذِّمَّةِ وَإِذَا جُعِلَتْ الْخَمْرُ مَبِيعَةً تَكُونُ مَقْصُودَةً وَفِيهِ إعْزَازٌ وَالشَّرْعُ أَمَرَ بِإِهَانَتِهَا وَلِهَذَا يَبْطُلُ بَيْعُهَا.
(وَ) كَذَا يَبْطُلُ (بَيْعُ قِنٍّ ضُمَّ إلَى حُرٍّ وَذَكِيَّةٍ ضُمَّتْ إلَى مَيْتَةٍ) مَاتَتْ حَتْفَ أَنْفِهَا.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (بَيْنَ ثَمَنِ كُلٍّ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْحُرَّ غَيْرُ دَاخِلٍ فِي الْبَيْعِ أَصْلًا لِكَوْنِهِ غَيْرَ مَالٍ وَبِضَمِّهِ إلَى الْقِنِّ جُعِلَ شَرْطًا لِقَبُولِ الْقِنِّ وَجَعْلُ غَيْرِ الْمَالِ شَرْطًا لِقَبُولِ الْمَبِيعِ مُبْطِلٌ لِلْبَيْعِ وَكَذَا الْمَيْتَةُ (وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ) الْبَيْعُ (فِي الْعَبْدِ وَالذَّكِيَّةِ إنْ بَيَّنَ الثَّمَنَ) لِأَنَّ الصَّفْقَةَ مُتَعَدِّدَةٌ مَعْنًى بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ وَالْفَسَادُ بِقَدْرِ الْمُفْسِدِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ كَمَا لَوْ جَمَعَ بَيْنَ أُخْتِهِ وَأَجْنَبِيَّةٍ بِالنِّكَاحِ لَكِنَّ التَّنْظِيرَ لَيْسَ بِمَحَلِّهِ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْمُفْسِدَةِ وَلَا كَذَلِكَ الْبَيْعُ تَأَمَّلْ.
(وَصَحَّ) الْبَيْعُ (فِي قِنٍّ ضُمَّ إلَى) مَمْلُوكٍ لَهُ مِنْ (مُدَبَّرٍ) مُطْلَقٍ أَوْ مُقَيَّدٍ أَوْ مُكَاتَبٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ فَالْمَمْلُوكُ أَعَمُّ خِلَافًا لِزُفَرَ (أَوْ) ضُمَّ (إلَى قِنِّ غَيْرِهِ) أَيْ غَيْرِ الْبَائِعِ (بِالْحِصَّةِ) أَيْ صَحَّ بِحِصَّةِ الْقِنِّ فِي الصُّورَتَيْنِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ الْحِصَّةَ لِأَنَّ بَيْعَ الْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ جَائِزٌ بِالْقَضَاءِ وَبَيْعَ الْمُكَاتَبِ بِرِضَاهُ كَمَا بَيَّنَّاهُ فَيَصِيرُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ فَدَخَلُوا ابْتِدَاءً فِي الْعَدِّ ثُمَّ خَرَجُوا عَنْهُ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ أَنْفُسَهُمْ بِاتِّصَالِ الْحُرِّيَّةِ بِهِمْ مِنْ وَجْهٍ فَصَارَ جَمْعُ الْعَبْدِ مَعَ كُلٍّ مِنْهُمْ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ عَبْدَيْنِ اسْتَحَقَّ أَحَدُهُمَا وَبَيْعُ قِنِّ الْغَيْرِ يَجُوزُ مَوْقُوفًا فَيَصِيرُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ.
وَفِي الْحَقَائِقِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَمُعْتَقِ الْبَعْضِ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَالْحُرِّ (وَكَذَا) صَحَّ الْبَيْعُ (فِي مِلْكٍ ضُمَّ إلَى وَقْفٍ فِي الصَّحِيحِ) بِالنَّظَرِ إلَى أَصْلِهِ الَّذِي هُوَ حَبْسُ الْعَيْنِ عَلَى مِلْكِ الْوَاقِفِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ بَيْعُ الْمِلْكِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ بِحِصَّتِهِ وَقِيلَ لَا يَصِحُّ.
وَفِي الْفَوَائِدِ هَذَا فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَمَّا فِي الْمَسْجِدِ فَلَا يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ الْمَضْمُومِ إلَيْهِ فَلِهَذَا لَا يَصِحُّ بَيْعُ قَرْيَةٍ لَمْ يُسْتَثْنَ مِنْهَا الْمَسَاجِدُ وَالْمَقَابِرُ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ فِي الْمِلْكِ بِصَرْفِ الْكَلَامِ إلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمَعْنَوِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْمُحِيطِ تَدَبَّرْ.
(وَبَيْعُ الْعَرَضِ) أَيْ غَيْرِ الثَّمَنِ (بِالْخَمْرِ أَوْ بِالْعَكْسِ) وَالْأَوْلَى وَبِالْعَكْسِ بِالْوَاوِ أَيْ بَيْعُ الْخَمْرِ بِالْعَرَضِ (فَاسِدٌ) فِي الْعَرَضِ فَيَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ فَتَجِبُ قِيمَتُهُ لِوُجُودِ حَقِيقَةِ الْبَيْعِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ فَإِنَّ الْخَمْرَ عِنْدَ الْبَعْضِ مَالٌ وَلَا يُمْلَكُ الْخَمْرُ لِبُطْلَانِ الْبَيْعِ فِي الْخَمْرِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ
стр. 814
عِنْدَ الْمُشْتَرِي لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهَا غَيْرُ مُتَقَوِّمَةٍ عِنْدَ الشَّرْعِ (وَكَذَا بَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ الْعَرَضِ (الْخِنْزِيرِ) فَاسِدٌ فِي الْعَرَضِ بَاطِلٌ فِي الْخِنْزِيرِ كَمَا فِي الْخَمْرِ وَلَمْ يُذْكَرْ بَيْعُ الْخِنْزِيرِ بِالْعَرَضِ.
وَفِي التَّسْهِيلِ وَغَيْرِهِ فَسَدَ لَوْ قُوبِلَ خَمْرٌ أَوْ خِنْزِيرٌ أَوْ شَعْرُهُ بِعَيْنٍ سَوَاءٌ بِيعَتْ بِهِ أَوْ بِيعَ بِهَا إذَا أَمْكَنَ جَعْلُ الْعَيْنِ مَقْصُودًا انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ بَيْعُ الْأَرْضِ بِالْخَمْرِ أَوْ الْخِنْزِيرِ أَوْ بِالْعَكْسِ لَكَانَ أَخْصَرَ وَأَوْلَى تَدَبَّرْ.
[بَيْع الطَّيْر فِي الْهَوَاء]
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ طَيْرٍ فِي الْهَوَاءِ) وَمَعْنَاهُ أَنْ يَأْخُذَ صَيْدًا ثُمَّ يُرْسِلَهُ مِنْ يَدِهِ ثُمَّ يَبِيعَهُ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّ بَيْعَ الطَّيْرِ فِي الْهَوَاءِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَهُ بَاطِلٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ هَذَا إذَا كَانَ الطَّيْرُ يَطِيرُ وَلَا يَرْجِعُ أَمَّا إذَا كَانَ لَهُ وَكْرٌ عِنْدَهُ يَطِيرُ مِنْهُ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ جَازَ بَيْعُهُ وَالْحَمَامُ إذَا عُلِمَ عَوْدُهَا وَأَمْكَنَ تَسْلِيمُهَا جَازَ بَيْعُهَا لِأَنَّهَا مَقْدُورَةُ التَّسْلِيمِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ لَا يَرْجِعُ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (سَمَكٍ لَمْ يُصَدْ) لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَا يَمْلِكُهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَهَذَا التَّعْلِيلُ يُفِيدُ بُطْلَانَهُ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ بَيْعَ مَا لَا يَمْلِكُهُ بَاطِلٌ لَا فَاسِدٌ لَكِنَّ مَحَلَّ وُقُوعِهِ فَاسِدًا إنْ كَانَ بِالْعَرَضِ لِأَنَّهُ مَالٌ مُتَقَوِّمٌ لِأَنَّ التَّقَوُّمَ بِالْإِحْرَازِ، وَلَا إحْرَازَ كَمَا فِي مِنَحِ الْغَفَّارِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَبْطُلَ لِأَنَّ السَّمَكَ الَّذِي لَمْ يُصَدْ لَيْسَ بِمَالٍ أَصْلًا وَالْبَيْعُ بَاطِلٌ فِيهِ مُطْلَقًا كَمَا قَالَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ (أَوْ صِيدَ وَأُلْقِيَ فِي حَظِيرَةٍ لَا يُؤْخَذُ مِنْهَا بِلَا حِيلَةٍ) فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلْعَجْزِ عَنْ التَّسْلِيمِ (أَوْ دَخَلَ إلَيْهَا) أَيْ مَسُوقًا إلَى الْحَظِيرَةِ (بِنَفْسِهِ وَلَمْ يُسَدَّ مَدْخَلُهُ) فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.
وَفِي الزَّاهِدِيِّ إذَا اجْتَمَعَتْ بِنَفْسِهَا فَبَيْعُهَا بَاطِلٌ كَيْفَ مَا كَانَ لِعَدَمِ الْمِلْكِ.
(وَإِنْ صِيدَ وَأُلْقِيَ فِيهَا) أَيْ فِي الْحَظِيرَةِ (وَأَمْكَنَ أَخْذُهُ) أَيْ السَّمَكِ (بِلَا حِيلَةٍ صَحَّ) بَيْعُهُ لِكَوْنِهِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ لَكِنْ إذَا سَلَّمَهُ إلَى الْمُشْتَرِي فَلَهُ خِيَارُ الرُّؤْيَةِ قِيلَ هَذَا إذَا لَمْ يُهَيِّئْ الْحَظِيرَةَ أَوْ الْأَرْضَ لِلِاصْطِيَادِ أَمَّا إذَا هَيَّأَهَا لَهُ يَمْلِكُهَا بِلَا خِلَافٍ.
[بَيْع الْحَمْل أَوْ النِّتَاج]
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ الْحَمْلِ أَوْ النِّتَاجِ) .
وَفِي الدُّرَرِ جُعِلَ بَيْعُ النِّتَاجِ بَاطِلًا وَبَيْعُ الْحَمْلِ فَاسِدًا لِأَنَّ عَدَمَ الْأَوَّلِ مَقْطُوعٌ بِهِ وَعَدَمَ الثَّانِي مَشْكُوكٌ فِيهِ انْتَهَى. لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ وَالْحَمْلُ بِسُكُونِ الْمِيمِ بِمَعْنَى الْجَنِينِ وَالنِّتَاجُ حَمْلُ الْحَبَلَةِ وَالْبَيْعُ فِيهِمَا بَاطِلٌ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِهِمَا تَدَبَّرْ.
[بَيْع اللَّبَن فِي الضَّرْع]
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (اللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ) فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلْغَرَرِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ انْتِفَاخًا وَلِأَنَّهُ تَنَازُعٌ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَلْبِ وَرُبَّمَا يَزْدَادُ فَيَخْتَلِطُ الْمَبِيعُ بِغَيْرِهِ كَمَا فِي الْمِنَحِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ فِي صُورَةِ كَوْنِهِ انْتِفَاخًا يَقْضِي أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بَاطِلًا لِأَنَّهُ مَشْكُوكُ الْوُجُودِ فَلَا يَكُونُ مَالًا تَأَمَّلْ.
قَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا: وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ بَيْعُ الشَّيْءِ الْمَلْفُوفِ الْمَوْصُوفِ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُوجَدَ شَيْءٌ أَوْ وَصْفُهُ الْمَذْكُورُ مَعَ أَنَّهُمْ صَرَّحُوا بِجَوَازِهِ انْتَهَى. وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ عَدَمَ وُجْدَانِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ لَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْآخَرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَالًا وَالشَّيْءُ يَقْتَضِي الْمَالِيَّةَ وَالِانْتِفَاخُ لَيْسَ بِمَالٍ وَالْقِيَاسُ غَيْرُ جَائِزٍ تَدَبَّرْ.
[بَيْع اللُّؤْلُؤ فِي الصَّدَف]
(وَكَذَا)
стр. 815
لَا يَجُوزُ بَيْعُ (اللُّؤْلُؤِ فِي الصَّدَفِ) فَإِنَّهُ فَاسِدٌ لِلْغَرَرِ وَهُوَ مَجْهُولٌ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ وَلَا قَدْرُهُ وَلَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ وَهُوَ الْكَسْرُ كَمَا فِي الْمِنَحِ لَكِنْ فِي تَعْلِيلِهِ كَلَامٌ لِأَنَّ الْمَجْهُولَ الَّذِي لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَيْعُهُ بَاطِلًا تَأَمَّلْ (وَالصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ) لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَلِأَنَّهُ يَزِيدُ مِنْ الْأَسْفَلِ بِغَيْرِ انْقِطَاعٍ فَيَخْتَلِطُ الْغَيْرُ بِالْمَبِيعِ.
وَفِي شُرُوحِ الْوِقَايَةِ وَيَعُودُ صَحِيحًا إنْ قُلِعَ انْتَهَى لَكِنْ فِي السِّرَاجِ لَوْ سُلِّمَ الصُّوفُ بَعْدَ الْعَقْدِ لَمْ يَجُزْ أَيْضًا وَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا تَأَمَّلْ. (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِيهِمَا) فَإِنَّهُ يُجَوِّزُ بَيْعَ اللُّؤْلُؤِ فِي الصَّدَفِ لِتَيَسُّرِ التَّسْلِيمِ وَلَا ضَرَرَ بِالْكَسْرِ لِأَنَّ الصَّدَفَ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إلَّا بِالْكَسْرِ وَلَكِنْ يُخَيَّرُ لِعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَكَذَا يُجَوِّزُ بَيْعُ الصُّوفِ عَلَى ظَهْرِ الْغَنَمِ لِلْقُدْرَةِ عَلَى التَّسْلِيمِ.
[بَيْع اللَّحْم فِي الشَّاة]
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ اللَّحْمِ فِي الشَّاةِ) لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَهْزُولًا أَوْ سَمِينًا فَيُفْضِي إلَى النِّزَاعِ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (ضَرْبَةِ الْقَانِصِ) وَهُوَ بِالْقَافِ وَالنُّونِ: الصَّائِدُ يَقُولُ بِعْتُك مَا يَخْرُجُ مِنْ إلْقَاءِ هَذِهِ الشَّبَكَةِ مَرَّةً بِكَذَا وَقِيلَ بِالْغَيْنِ وَالْيَاءِ قَالَ فِي تَهْذِيبِ الْأَزْهَرِيِّ نُهِيَ عَنْ ضَرْبَةِ الْغَائِصِ وَهُوَ الْغَوَّاصُ بِأَنْ يَقُولَ أَغُوصُ غَوْصَةً فَمَا أَخْرَجْته مِنْ اللَّآلِئِ فَهُوَ لَك بِكَذَا وَهُوَ بَيْعٌ بَاطِلٌ لِعَدَمِ مِلْكِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ قَبْلَ الْعَقْدِ فَكَانَ غَرَرًا وَلِجَهَالَةِ مَا يَخْرُجُ وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَلْيُرَاجَعْ.
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (جِذْعٍ) يَعْنِي الْجِذْعَ الْمُعَيَّنَ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ لَا يَعُودُ صَحِيحًا كَمَا فِي الِاصْطِلَاحِ (فِي سَقْفٍ وَذِرَاعٍ مِنْ ثَوْبٍ) يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ كَالْقَمِيصِ.
(وَإِنْ) وَصْلِيَّةً (ذَكَرَ قَطْعَهُ) لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ إلَّا بِضَرَرٍ وَقَيَّدْنَا بِالضَّرَرِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِمَّا لَا يَضُرُّهُ التَّبْعِيضُ كَالْكِرْبَاسِ فَيَجُوزُ وَقَوْلُ الطَّحَاوِيِّ فِي آجِرٍ مِنْ حَائِطٍ وَذِرَاعٍ مِنْ كِرْبَاسٍ أَوْ دِيبَاجٍ لَا يَجُوزُ مَمْنُوعٌ فِي الْكِرْبَاسِ أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى كِرْبَاسٍ يَتَعَيَّبُ بِهِ وَأَمَّا مَا لَا يَتَعَيَّبُ فِيهِ فَيَجُوزُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَلَوْ قَلَعَ الْجِذْعَ) الْمُعَيَّنَ (أَوْ قَطَعَ الذَّارِعَ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْفَسْخِ عَادَ صَحِيحًا) لِزَوَالِ الْمُفْسِدِ قَبْلَ التَّقَرُّرِ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ جِلْدَ الْحَيَوَانِ وَذَبَحَهُ وَسَلَّمَهُ حَيْثُ لَا يَعُودُ صَحِيحًا وَبِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ بَزْرًا فِي بِطِّيخٍ وَنَحْوِهِ حَيْثُ لَا يَصِحُّ وَإِنْ شَقَّهُ وَأَخْرَجَ الْمَبِيعَ.
[بَيْع الْمُزَابَنَة]
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الْمُزَابَنَةِ) وَلَوْ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ (وَهِيَ بَيْعُ الثَّمَرِ) بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ (عَلَى النَّخْلِ بِتَمْرٍ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ (مَجْذُوذٍ) أَيْ مَقْطُوعِ وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ الثَّمَرِ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ بِالتَّمْرِ مِنْ الزَّبْنِ وَهُوَ الدَّفْعُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (مِثْلَ كَيْلِهِ خَرْصًا) أَيْ خَرَزًا وَظَنًّا لَا حَقِيقِيًّا لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مِثْلُهُ كَيْلًا حَقِيقِيًّا لَمْ يَبْقَ مَا عَلَى الرَّأْسِ تَمْرًا بَلْ تَمْرًا مَجْذُوذًا كَاَلَّذِي يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَجْذُوذِ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ الْمُزَابَنَةِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمُمَاثَلَةِ تُفْضِي إلَى الرِّبَا وَبَيْعُ الْعِنَبِ بِالزَّبِيبِ عَلَى هَذَا.
وَفِي الْمِنَحِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّهُ فَسَّرَ الْمُزَابَنَةَ بِمَا سَمِعْت مِنْ بَيْعِ الثَّمَرِ بِالْمُثَلَّثَةِ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِالْمُثَنَّاةِ وَهُوَ خِلَافُ التَّحْقِيقِ
стр. 816
لِأَنَّ الثَّمَرَ بِالْمُثَلَّثَةِ حَمْلُ الشَّجَرِ رُطَبًا كَانَ أَوْ بُسْرًا أَوْ غَيْرَهُ وَإِذَا لَمْ يَكُنْ رُطَبًا جَازَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ بَيْعُ الرُّطَبِ بِتَمْرٍ.
[بَيْع الْمُحَاقَلَة]
(وَ) لَا يَجُوزُ بَيْعُ (الْمُحَاقَلَةِ وَهِيَ بَيْعُ الْبُرِّ فِي سُنْبُلِهِ بِبُرٍّ مِثْلَ كَيْلِهِ خَرْصًا) لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْهَا أَيْضًا وَلِأَنَّهُ بَاعَ مَكِيلًا بِمَكِيلٍ مِنْ جِنْسِهِ فَلَا يَجُوزُ بِطَرِيقِ الْخَرْصِ كَمَا لَوْ كَانَا مَوْضُوعَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ.
[بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَإِلْقَاءِ الْحَجَرِ]
(وَلَا) يَجُوزُ (الْبَيْعُ بِالْمُلَامَسَةِ وَالْمُنَابَذَةِ وَإِلْقَاءِ الْحَجَرِ بِأَنْ يَتَسَاوَمَا سِلْعَةً فَيَلْزَمُ الْبَيْعُ لَوْ لَمَسَهَا) أَيْ السِّلْعَةَ (الْمُشْتَرِي) وَهَذَا بَيْعُ الْمُلَامَسَةِ (أَوْ وَضَعَ) الْمُشْتَرِي (عَلَيْهَا حَجَرًا) وَهُوَ الْبَيْعُ بِإِلْقَاءِ الْحَجَرِ (أَوْ نَبَذَهَا) أَيْ السِّلْعَةَ (إلَيْهِ) أَيْ إلَى الْمُشْتَرِي (الْبَائِعُ) وَهَذَا الْبَيْعُ بِالنَّابِذَةِ هَذِهِ بُيُوعٌ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُهِيَ عَنْهَا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْفَرَائِدِ لَوْ أَخَّرَ قَوْلَهُ أَوْ وَضَعَ عَلَيْهَا حَجَرًا عَنْ قَوْلِهِ أَوْ نَبَذَهَا لَكَانَ النَّشْرُ عَلَى تَرْتِيبِ اللَّفِّ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ مُشَوَّشًا وَلَا بُدَّ مِنْ نُكْتَةٍ انْتَهَى. الْمُنَاسَبَةُ بِأَنَّ اللَّمْسَ وَالْوَضْعَ مِنْ قِبَلِ الْمُشْتَرِي وَالْمُنَابَذَةَ مِنْ قِبَلِ الْبَائِعِ وَلَوْ أَخَّرَهُ لَلَزِمَ الْخَلْطُ وَالتَّفْصِيلُ تَدَبَّرْ.
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ ثَوْبٍ مِنْ ثَوْبَيْنِ) لِجَهَالَةِ الْمَبِيعِ (إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَأْخُذَ) الْمُشْتَرِي (أَيَّهمَا شَاءَ) فَيَجُوزُ لِاشْتِرَاطِهِ خِيَارَ التَّعْيِينِ كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَرَاعِي) جَمْعُ الْمَرْعَى وَلَوْ أُفْرِدَ كَمَا أَفْرَدَ الْبَعْضُ لَكَانَ أَخْصَرَ وَالْمُرَادُ بِالْمَرْعَى الْكَلَأُ النَّابِتُ فِي أَرْضٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ أَوْ فِي أَرْضِ الْبَائِعِ بِدُونِ تَسَبُّبٍ مِنْهُ قَيَّدْنَا بِهِ لِأَنَّهُ لَوْ تَسَبَّبَ فِي ذَلِكَ بِأَنْ سَقَى الْأَرْضَ أَوْ هَيَّأَهَا لِلْإِنْبَاتِ جَازَ لَهُ بَيْعُ كَلَئِهَا لِأَنَّهُ مَلَكَهُ حَتَّى لَوْ احْتَشَّهُ إنْسَانٌ بِغَيْرِ إذْنِهِ كَانَ لَهُ اسْتِرْدَادُهُ وَقِيلَ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمِلْكِهِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِيهِ ثَابِتَةٌ بِالنَّصِّ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّارِ» (وَلَا إجَارَتُهَا) أَيْ لَا تَجُوزُ إجَارَةُ الْمَرْعَى الَّتِي هِيَ الْكَلَأُ لِأَنَّ إجَارَتَهَا تَقَعُ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ غَيْرِ مَمْلُوكَةٍ وَلَوْ عُقِدَتْ عَلَى اسْتِهْلَاكِ عَيْنٍ مَمْلُوكٍ بِأَنْ اسْتَأْجَرَ بَقَرَةً لِيَشْرَبَ لَبَنَهَا لَا تَجُوزُ وَهَذَا أَوْلَى وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْمَرْعَى بِالْكَلَأِ وَجَعَلْنَاهُ مِنْ إطْلَاقِ اسْمِ الْمَحَلِّ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّ بَيْعَ رَقَبَةِ الْأَرْضِ وَإِجَارَتَهَا جَائِزَةٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا فِي الشُّمُنِّيِّ
وَفِي الْقُهُسْتَانِيِّ الْمَرَاعِي بِكَسْرِ الْعَيْنِ جَمْعُ الْمَرْعَى بِفَتْحِهَا وَهُوَ الرِّعْيُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْكَلَأُ رَطْبًا وَيَابِسًا كَمَا فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ فَمِنْ الظَّنِّ أَنَّهُ مِنْ ذِكْرِ الْمَحَلِّ وَإِرَادَةِ الْحَالِ تَتَبَّعْ.
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (النَّحْلِ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ حَيَوَانٌ يَحْدُثُ مِنْهُ الْعَسَلُ (بِلَا كُوَّارَاتٍ) جَمْعُ كُوَّارَةٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ مَعْسَلُ النَّحْلِ إذَا سَوَّى مِنْ طِينٍ أَوْ خَشَبٍ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِكَوْنِهِ مِنْ الْهَوَامِّ فَلَا يُنْتَفَعُ بِعَيْنِهِ بَلْ بِمَا يَخْرُجُ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ نَفْسُهُ مَالًا مُتَقَوِّمًا وَالشَّيْءُ إنَّمَا يَصِيرُ مَالًا لِكَوْنِهِ مُنْتَفَعًا بِهِ حَتَّى لَوْ بَاعَ كُوَّارَةً فِيهَا عَسَلٌ بِمَا فِيهَا مِنْ النَّحْلِ يَجُوزُ تَبَعًا لَهُ كَذَا ذَكَرَهُ الْكَرْخِيُّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ.
وَفِي التَّبْيِينِ لَوْ بَاعَهُ مَعَ الْكُوَّارَةِ صَحَّ تَبَعًا لَهَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ فِي شَرْحِهِ وَذَكَرَ الْكَرْخِيُّ أَنَّهُ
стр. 817
لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مَعَ الْعَسَلِ وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْمَتْنِ جَوَازُ بَيْعِ النَّحْلِ إذَا انْضَمَّ مَعَ الْكُوَّارَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا عَسَلٌ مَعَ أَنَّ جَوَازَهُ إذَا كَانَ فِيهَا ذَلِكَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ عَلَى مَا فِي التَّبْيِينِ بِمَا ذَكَرَهُ الْقُدُورِيُّ تَدَبَّرْ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَيَجُوزُ بَيْعُ نَفْسِهِ بِلَا كُوَّارَةٍ إذَا كَانَ مُحَرَّزًا أَيْ مَجْمُوعًا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ حَيَوَانٌ مُنْتَفَعٌ بِهِ حَقِيقَةً وَشَرْعًا.
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (دُودِ الْقَزِّ وَبَيْضِهِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ مِنْ الْهَوَامِّ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَجُوزُ) الْبَيْعُ (فِي الدُّودِ إذَا كَانَ مَعَ الْقَزِّ) يَعْنِي إذَا ظَهَرَ مِنْهُ الْقَزُّ يَجُوزُ الْبَيْعُ تَبَعًا لَهُ (وَفِي الْبَيْضِ عَنْهُ) أَيْ عَنْ أَبِي يُوسُفَ (قَوْلَانِ) فِي قَوْلٍ يَجُوزُ بَيْعُ بَيْضِهِ مُطْلَقًا لِمَكَانِ الضَّرُورَةِ وَهُوَ مَعَ مُحَمَّدٍ وَفِي قَوْلٍ لَا يَجُوزُ وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فِيهِ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (يَجُوزُ بَيْعُهُمَا) لِكَوْنِهِمَا مُنْتَفَعًا بِهِ (وَهُوَ الْمُخْتَارُ) لِلْفَتْوَى.
وَفِي الْبَحْرِ وَلَكِنْ يَرُدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ فِي بَيْعِ النَّحْلِ أَيْضًا كَمَا فِي الذَّخِيرَةِ وَالْخُلَاصَةِ وَغَيْرِهِمَا فَلِمَ اخْتَارَ فِي قَوْلِهِ فِي الدُّودِ دُونَ النَّحْلِ بِلَا تَرْجِيحٍ تَدَبَّرْ.
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ الْآبِقِ) لِوُرُودِ النَّهْيِ وَلِعَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ (إلَّا مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ) أَيْ الْآبِقَ (عِنْدَهُ) فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَنْهِيَّ بَيْعُ آبِقٍ فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ آبِقٍ فِي حَقِّ الْمُشْتَرِي وَلِأَنَّهُ انْتَفَى الْعَجْزُ لِكَوْنِهِ مَقْبُوضًا وَصُرِّحَ بِفَسَادِ هَذَا الْبَيْعِ فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ فِي الْبَحْرِ صَرَّحَ بِبُطْلَانِهِ لِانْعِدَامِ الْمَحَلِّيَّةِ وَلَوْ بَاعَهُ ثُمَّ عَادَ مِنْ الْإِبَاقِ لَا يَتِمُّ ذَلِكَ الْعَقْدُ وَعَنْ هَذَا قَالَ (فَإِنْ عَادَ قَبْلَ الْفَسْخِ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا) وَهُوَ ظَاهِرُ الرَّاوِيَةِ وَبِهِ كَانَ يُفْتِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَلْخِيُّ لِكَوْنِهِ وَقَعَ بَاطِلًا (وَقِيلَ يَنْقَلِبُ) صَحِيحًا وَيَتِمُّ الْعَقْدُ الْمَزْبُورُ عَلَى الْقَوْلِ بِالْفَسَادِ وَهَذَا رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ عَنْ التَّسْلِيمِ كَمَا إذَا أَبَقَ بَعْدَ الْبَيْعِ هَكَذَا يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدٍ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَرَجَّحَ فِي الْفَتْحِ الْقَوْلَ بِالْفَسَادِ.
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (لَبَنِ امْرَأَةٍ) سَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً (وَلَوْ) لِلْوَصْلِ (بَعْدَ الْحَلْبِ) لِأَنَّهُ جُزْءُ الْآدَمِيِّ وَهُوَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهِ مُكَرَّمٌ مَصُونٌ عَنْ الِابْتِذَالِ بِالْبَيْعِ وَأَمَّا بَيْعُ نَفْسِ الْأَمَةِ فَحَلَالٌ لِاخْتِصَاصِهِ لِلْحَيِّ وَلَا حَيَاةَ فِي لَبَنِهَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَكُونُ اللَّبَنُ مَحَلًّا لِلْبَيْعِ لِكَوْنِهِ مَشْرُوبًا ظَاهِرًا (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَصِحُّ فِي ابْنِ الْأَمَةِ) اعْتِبَارًا لِبَيْعِهَا.
وَفِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا فَرْقَ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ لَبَنِ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ لَبَنِ الْأَمَةِ انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ لِأَنَّ قَوْلَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَقْتَضِي الظَّاهِرَ تَأَمَّلْ.
وَفِي التَّسْهِيلِ وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي حَالِ الْأَمَةِ لَوْ شَرَاهَا بِأَنَّهَا حُبْلَى صَحَّ عِنْدَ الْبَعْضِ لَا عِنْدَ الْبَعْضِ وَصَحَّ بِأَنَّ الْمَبِيعَةَ حَلُوبٌ.
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (شَعْرِ الْخِنْزِيرِ)
стр. 818
لِأَنَّهُ مُحَرَّمٌ فَيَبْطُلُ لِنَجَاسَتِهِ (وَلَكِنْ يُبَاحُ الِانْتِفَاعُ بِهِ) أَيْ بِشَعْرِ الْخِنْزِيرِ (لِلْخَرْزِ) وَنَحْوِهِ (ضَرُورَةً) الْخَرْزُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا زَايٌ مُعْجَمَةٌ مَصْدَرُ خَرَزَ الْخُفَّ وَغَيْرَهُ فَيَسْتَعْمِلُهُ الْخَفَّافُ فِي زَمَانِهِمْ وَكَذَا تَسْتَعْمِلُهُ النِّسْوَانُ لِتَسْوِيَةِ الْكَتَّانِ لِأَنَّ غَيْرَهُ لَا يَعْمَلُ عَمَلَهُ وَعَلَى هَذَا قِيلَ إذَا لَمْ يُوجَدْ إلَّا بِالْبَيْعِ جَازَ بَيْعُهُ لَكِنَّ الثَّمَنَ لَا يَطِيبُ لِلْبَائِعِ وَقِيلَ هَذَا إذَا كَانَ مَنْتُوفًا فَالْمَقْطُوعُ يَكُونُ طَاهِرًا (وَيُفْسِدُ) شَعْرُ الْخِنْزِيرِ (الْمَاءَ الْقَلِيلَ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَهُوَ الْمُخْتَارُ (لَا) يُفْسِدُهُ (عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ إطْلَاقَ الِانْتِفَاعِ بِهِ بِدَلِيلِ طَهَارَتِهِ وَلَأَبَى يُوسُفَ أَنَّ الْإِطْلَاقَ لِلضَّرُورَةِ فَلَا يَظْهَرُ إلَّا فِي حَالَةِ الِاسْتِعْمَالِ، وَحَالَةُ الْوُقُوعِ تُغَايِرُهَا.
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَلَا الِانْتِفَاعُ بِهِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ أَجْزَائِهِ) لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مُكَرَّمٌ غَيْرُ مُبْتَذَلٍ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ أَجْزَائِهِ مُهَانًا مُبْتَذَلًا وَقَدْ قَالَ ﵊ «لَعَنَ اللَّهُ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَة» الْحَدِيثَ وَإِنَّمَا يُرَخَّصُ فِيمَا يُتَّخَذُ مِنْ الْوَبَرِ فَيَزِيدُ فِي قُرُونِ النِّسَاءِ وَذَوَائِبِهِنَّ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ اسْتِدْلَالًا بِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ حِينَ حَلَقَ رَأْسَهُ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - وَكَانُوا يَتَبَرَّكُونَ بِهِ» وَلَوْ لَمْ يَجُزْ الِانْتِفَاعُ بِهِ لَمَا فَعَلَ لَكِنَّ فِيهِ مَا فِيهِ. تَتَبَّعْ.
(لَا) يَجُوزُ (بَيْعُ جُلُودِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ) لِأَنَّهَا غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهَا وَلَيْسَتْ بِمَالٍ لِنَجَاسَتِهَا فَيَبْطُلُ بِخِلَافِ الثَّوْبِ وَالدُّهْنِ الْمُتَنَجِّسِ فَإِنَّهَا عَارِضَةٌ (وَيَجُوزُ) بَيْعُهَا (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الدِّبَاغِ (وَيُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ بِالْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ الدَّالِّ عَلَيْهِ الْجُلُودُ فَلَا يُرَدُّ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ مُؤَنَّثًا وَإِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهِ لِكَوْنِهِ طَاهِرًا بَعْدَهُ (وَيُبَاعُ عَظْمُهَا) أَيْ الْمَيْتَةِ (وَيُنْتَفَعُ بِهِ) أَيْ بِعَظْمِهَا.
(وَكَذَا عَصَبُهَا وَقَرْنُهَا وَصُوفُهَا وَشَعْرُهَا وَوَبَرُهَا) لِطَهَارَةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ إذْ لَا حَيَاةَ فِيهَا حَتَّى يَحِلَّ الْمَوْتُ بِهَا الْقَرْنُ مِنْ الْوَبَرِ وَلَوْ قُدِّمَ عَلَى الصُّوفِ لَكَانَ أَقْرَبَ وَكَذَا لَوْ قُدِّمَ الشَّعْرُ عَلَى الصُّوفِ لَكَانَ أَنْسَبَ.
(وَكَذَا) يُبَاعُ (عَظْمُ الْفِيلِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فَإِنَّ الْفِيلَ عِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ السِّبَاعِ حَتَّى يُبَاعَ عَظْمُهُ وَيُنْتَفَعُ بِهِ قَالُوا هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَنْ الْعَظْمِ وَأَشْبَاهِهِ دُسُومَةٌ أَمَّا إذَا كَانَتْ فَهُوَ نَجِسٌ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّهُ نَجَّسَ الْعَيْنَ عِنْدَهُ كَالْخِنْزِيرِ حُرْمَةً وَصُورَةً وَالْمُخْتَارُ قَوْلُهُمَا.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ عُلُوٍّ سَقَطَ) أَيْ يَبْطُلُ بَيْعُ مَوْضِعِ الْعُلُوِّ بَعْدَ سُقُوطِهِ سَوَاءٌ سَقَطَ بَيْتُ السُّفْلِ أَوْ لَا إذْ بَعْدَ انْهِدَامِهِ لَا يَبْقَى لَهُ حَقُّ التَّعَلِّي وَهُوَ لَيْسَ بِمَالٍ لِأَنَّ الْمَالَ مَا يُمْكِنُ إحْرَازُهُ فَالْبَيْعُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ فَيَكُونُ لَغْوًا بِخِلَافِ الشُّرْبِ حَيْثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ وَمُفْرَدًا فِي رِوَايَةٍ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِبَعْدِ سُقُوطِهِ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَبْلَهُ يَجُوزُ نَظَرًا إلَى الْبِنَاءِ الْقَائِمِ فِيهِ وَإِنْ سَقَطَ الْعُلُوُّ بَعْدَ الْبَيْعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ لِهَلَاكِ الْمَبِيعِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ.
(وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ
стр. 819
(الْمَسِيلِ وَلَا هِبَتُهُ) لِأَنَّ رَقَبَةَ الْمَسِيلِ مَجْهُولٌ لِأَنَّ مِقْدَارَ مَا يَشْغَلُهُ الْمَاءُ مِنْ الْأَرْضِ يَخْتَلِفُ بِقِلَّةِ الْمَاءِ وَكَثْرَتِهِ حَتَّى لَوْ بَيَّنَ حُدُودَهُ وَمَوْضِعَهُ جَازَ وَإِنْ أُرِيدَ بِالْمَسِيلِ التَّسْيِيلَ فَإِنْ كَانَ عَلَى السَّطْحِ كَانَ حَقَّ التَّعَلِّي وَقَدْ مَرَّ بُطْلَانُهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى الْأَرْضِ كَانَ مَجْهُولًا بِجَهَالَةِ مَحَلِّهِ (وَصَحَّا) أَيْ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ (فِي الطَّرِيقِ) لِأَنَّ رَقَبَةَ الطَّرِيقِ مَعْلُومٌ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فَمُقَدَّرٌ بِعَرْضِ بَابِ الدَّارِ فَيَجُوزُ فِيهِ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ فَفِي بَيْعِ حَقِّ الْمُرُورِ رِوَايَتَانِ وَجْهُ الْبُطْلَانِ أَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ وَوَجْهُ الصِّحَّةِ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهِ وَهُوَ حَقٌّ مَعْلُومٌ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنٍ بَاقٍ وَصَحَّ بَيْعُ حَقِّ الْمُرُورِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ بِالْإِجْمَاعِ وَوَحْدَهُ فِي رِوَايَةٍ.
(وَلَا) يَجُوزُ (بَيْعُ شَخْصٍ عَلَى أَنَّهُ أَمَةٌ فَإِذَا هُوَ عَبْدٌ) وَكَذَا عَكْسُهُ اسْتِحْسَانًا وَالْقِيَاسُ جَوَازُهُ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ لِأَنَّ الِاخْتِلَافَ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ اخْتِلَافٌ بِالْوَصْفِ لِأَنَّهُمَا وَصْفَانِ فِي الْحَيَوَانِ وَاخْتِلَافُ الْوَصْفِ يُوجِبُ الْخِيَارَ إلَّا الْفَسَادَ كَمَا فِي الْبَهَائِمِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى مِنْ بَنِي آدَمَ جِنْسَانِ مُخْتَلِفَانِ لِتَفَاحُشِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَقَاصِدِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْعَبْدِ الِاسْتِخْدَامُ خَارِجَ الدَّارِ وَمِنْ الْأَمَةِ الِاسْتِخْدَامُ دَاخِلَ الدَّارِ كَالِاسْتِفْرَاشِ وَالِاسْتِخْدَامِ وَغَيْرِهِمَا فَبِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ صَارَا جِنْسَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
(وَلَوْ بَاعَ كَبْشًا فَإِذَا هُوَ نَعْجَةٌ صَحَّ وَيُخَيَّرُ) وَجْهُ الصِّحَّةِ لِأَنَّهُ لَا تَفَاوُتَ فِي الْمَقْصُودِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ اللَّحْمُ وَالْحَمْلُ وَالرُّكُوبُ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَالْأُنْثَى وَالذَّكَرُ يَصْلُحَانِ لِذَلِكَ فَكَانَ جِنْسًا وَاحِدًا فَتَعَلَّقَ الْعَقْدُ بِالْمُشَارِ إلَيْهِ اعْلَمْ أَنَّ فِي مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ فِي الْمُسَمَّى إذَا اخْتَلَفَ الْمُسَمَّى وَالْمُشَارُ إلَيْهِ لِأَنَّ التَّسْمِيَةَ أَبْلَغُ فِي التَّعْرِيفِ مِنْ الْإِشَارَةِ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ لِتَعْرِيفِ الذَّاتِ وَالتَّسْمِيَةَ لِإِعْلَامِ الْمَاهِيَّةِ وَهُوَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ الذَّاتِ فَكَانَ أَبْلَغَ فِي التَّعْرِيفِ وَيَحْتَاجُ فِي مَقَامِ التَّعْرِيفِ إلَى مَا هُوَ أَبْلَغُ فِيهِ فَكَانَتْ الْإِشَارَةُ أَوْلَى بِالِاعْتِبَارِ فِي مُتَّحِدِي الْجِنْسِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى مَوْجُودٌ فِي الْمُشَارِ إلَيْهِ ذَاتًا وَالْوَصْفُ يَتْبَعُهُ فَأَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَجْعَلَ الْإِشَارَةَ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّسْمِيَةَ لِلتَّرْغِيبِ فَثَبَتَ لَهُ الْخِيَارُ عِنْدَ فَوَاتِ الْوَصْفِ الْمَرْغُوبِ فِيهِ بِخِلَافِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ لِأَنَّ الْمُسَمَّى فِيهِ مِثْلُ الْمُشَارِ إلَيْهِ وَلَيْسَ بِتَابِعٍ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ أَحَدُهُمَا تَبَعًا لِلْآخَرِ فَيُعْتَبَرُ الْأَعْرَفُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي الْعُقُودِ كُلِّهَا كَالْإِجَارَةِ وَالنِّكَاحِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ وَالْخُلْعِ وَالْعِتْقِ عَلَى مَالٍ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (شِرَاءُ مَا بَاعَ) الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ مِنْ سِلْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ) مِنْ الثَّمَنِ (قَبْلَ نَقْدِ) كُلِّ (الثَّمَنِ) الْأَوَّلِ أَوْ بَعْضِهِ وَإِنْ بَقِيَ مِنْ ثَمَنِهِ دِرْهَمٌ كَمَا فِي السِّرَاجِ صُورَتُهَا بَاعَ جَارِيَةً مَثَلًا بِأَلْفٍ حَالَّةً أَوْ نَسِيئَةً فَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اشْتَرَاهَا الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِالْأَقَلِّ فَالْبَيْعُ الثَّانِي فَاسِدٌ عِنْدَنَا.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ قَدْ تَمَّ بِالْقَبْضِ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ مِنْ الثَّمَنِ
стр. 820
كَمَا إذَا بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ أَوْ مِنْهُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ بِبَعْضٍ أَوْ بِأَقَلَّ بَعْدَ النَّقْدِ وَإِنَّمَا مَنَعْنَا جَوَازَهُ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ وَقَدْ بَاعَتْ بِسِتِّمِائَةٍ بَعْدَمَا اشْتَرَتْ بِثَمَانِمِائَةٍ: بِئْسَ مَا شَرَيْت وَاشْتَرَيْت أَبْلِغِي زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبْطَلَ حَجَّهُ وَجِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنْ لَمْ يَتُبْ وَلِأَنَّ الثَّمَنَ لَمْ يَدْخُلْهُ فِي ضَمَانِهِ فَإِذَا وَصَلَ إلَيْهِ الْمَبِيعُ وَقَعَتْ الْمُقَاصَّةُ بَقِيَ لَهُ فَضْلٌ بِلَا عِوَضٍ بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ بِعَرَضٍ لِأَنَّ الْفَضْلَ إنَّمَا يَظْهَرُ عِنْدَ الْمُجَانَسَةِ وَإِنَّمَا تَرَكَ فَاعِلَ الشِّرَاءِ لِيَشْمَلَ شِرَاءَ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْبَائِعِ كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَمُكَاتَبِهِ فَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ شِرَاءِ الْبَائِعِ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا فِي غَيْرِ الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَكَذَا الْحُكْمُ لَوْ بَاعَهُ وَكَالَةً عَنْ غَيْرِهِ أَوْ اشْتَرَاهُ بِطَرِيقِ الْوَكَالَةِ لِغَيْرِهِ إذَا كَانَ هُوَ الْبَائِعُ وَمَحَلُّ كَلَامِهِ شِرَاءُ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ وَخَرَجَ شِرَاءُ وَارِثِ الْبَائِعِ وَوَكِيلِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا وَأَمَّا شِرَاءُ الْبَائِعِ مِمَّنْ اشْتَرَى مِنْ مُشْتَرِيه أَوْ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ الْمُوصِي فَجَائِزٌ اتِّفَاقًا وَقُيِّدَ بِمَا بَاعَ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إذَا انْتَقَضَ وَتَغَيَّرَ بِعَيْبٍ جَازَ وَلَا بُدَّ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ مِنْ اتِّحَادِ جِنْسِ الثَّمَنِ فَإِنْ اخْتَلَفَ جَازَ مُطْلَقًا وَالدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ جِنْسٌ وَاحِدٌ هُنَا.
(وَكَذَا شِرَاؤُهُ) أَيْ لَا يَجُوزُ شِرَاءُ مَا بَاعَ الْبَائِعُ أَوْ وَكِيلُهُ حَالَ كَوْنِ مَا بَاعَ (مَعَ غَيْرِهِ بِثَمَنِهِ الْأَوَّلِ قَبْلَ نَقْدِهِ وَيَصِحُّ فِي الْغَيْرِ بِحِصَّتِهِ) صُورَتُهَا بَاعَ جَارِيَةً بِخَمْسِمِائَةٍ وَقَبَضَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ اشْتَرَاهَا وَجَارِيَةً أُخْرَى مَعَهَا قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ بِخَمْسِمِائَةٍ فَإِنَّ الشِّرَاءَ فِي الَّتِي لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ صَحِيحٌ وَفِي الْأُخْرَى وَهِيَ الَّتِي بَاعَهَا مِنْهُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَ بَعْضَ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الَّتِي لَمْ يَبِعْهَا مِنْهُ فَيَكُونُ مُشْتَرِيًا لِلْأُخْرَى بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ ضَرُورَةً وَلَا يَسْرِي الْفَسَادُ لِضَعْفِهِ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ فِيهِ وَيُقْصَرُ عَلَى مَحَلِّهِ فَلَا يَتَعَدَّاهُ كَمَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ عَبْدٍ وَمُدَبَّرٍ.
(وَلَا) يَجُوزُ (شِرَاءُ زَيْتِ) أَيْ دُهْنِ الزَّيْتُونِ (عَلَى أَنْ يَزِنَهُ بِظَرْفِهِ) أَيْ بِشَرْطِ وَزْنِهِ مَعَهُ (، وَ) أَنْ (يَطْرَحَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الزَّيْتِ (لِكُلِّ ظَرْفٍ مِقْدَارٌ مُعَيَّنٌ) كَخَمْسِينَ رِطْلًا لِأَنَّ هَذَا شَرْطٌ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنْ يَطْرَحَ عَنْهُ وَزْنَ الظَّرْفِ فَإِذَا طَرَحَ مِقْدَارَ خَمْسِينَ رِطْلًا مَثَلًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ الظَّرْفِ أَوْ أَقَلَّ إلَّا إذَا عُرِفَ وَزْنُهُ خَمْسُونَ رِطْلًا فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ (وَإِنْ شَرَطَ طَرْحَ مِثْلِ وَزْنِ الظَّرْفِ يَصِحُّ) لِأَنَّهُ شَرْطٌ يَقْتَضِيه الْعَقْدُ.
(وَإِنْ اخْتَلَفَا) أَيْ الْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي (فِي الظَّرْفِ وَقَدْرِهِ) فَقَالَ الْمُشْتَرِي الظَّرْفُ هَذَا وَهُوَ عَشْرَةُ أَرْطَالٍ وَقَالَ الْبَائِعُ غَيْرُ هَذَا وَهُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ (فَالْقَوْلُ لِلْمُشْتَرِي) مَعَ يَمِينِهِ لِأَنَّهُ إنْ اُعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي تَعْيِينِ الظَّرْفِ الْمَقْبُوضِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْرِ الزَّيْتِ فَالْقَوْلُ لَهُ لِأَنَّهُ قَابِضٌ وَالْقَوْلُ لِلْقَابِضِ أَمِينًا كَانَ أَوْ ضَمِينًا وَإِنْ اُعْتُبِرَ اخْتِلَافًا فِي قَدْرِ الثَّمَنِ فَكَذَا لِأَنَّهُ يُنْكِرُ الزِّيَادَةَ وَلَا يَتَحَالَفَانِ لِأَنَّ اخْتِلَافَهُمَا فِي الثَّمَنِ
стр. 821
ثَبَتَ تَبَعًا لِاخْتِلَافِهِمَا فِي الزِّقِّ، وَالِاخْتِلَافُ فِي الزِّقِّ لَا يُوجِبُ التَّحَالُفَ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْقُودٍ بِهِ وَلَا مَعْقُودٍ عَلَيْهِ فَكَذَا الِاخْتِلَافُ فِيمَا ثَبَتَ تَبَعًا لِأَنَّ حُكْمَ التَّبَعِ لَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْأَصْلِ.
(وَلَوْ أَمَرَ مُسْلِمٌ ذِمِّيًّا بِبَيْعِ خَمْرٍ أَوْ شِرَائِهَا صَحَّ) أَيْ يَجُوزُ تَوْكِيلُ الْمُسْلِمِ ذِمِّيًّا بِبَيْعِ الْخَمْرِ وَبِشِرَائِهِمَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِيمَا وُكِّلَ بِهِ يَتَصَرَّفُ تَصَرُّفَ الْأَصْلِ لِأَهْلِيَّتِهِ لَا لِنِيَابَتِهِ وَانْتِقَالُ الْمِلْكِ إلَى الْآمِرِ حُكْمِيٌّ فَلَا يَمْتَنِعُ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ كَمَا إذَا وَرِثَهُمَا (خِلَافًا لَهُمَا) لِأَنَّ عِنْدَهُمَا لَا يَجُوزُ إذْ الْوَكِيلُ نَائِبٌ عَنْ مُوَكِّلِهِ فِيمَا تَصَرَّفَ فِيهِ عَائِدٌ إلَيْهِ فَمُبَاشَرَتُهُ كَمُبَاشَرَتِهِ وَذَا لَا يَجُوزُ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ إذْ لَا وِلَايَةَ لِلْمُسْلِمِ فِي بَيْعِهَا وَلَا شِرَائِهَا وَالتَّوْكِيلُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْوِلَايَةِ فِيمَا وَكَّلَ بِهِ غَيْرَهُ وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْخِنْزِيرُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ الْأُمِّ يُكْرَهُ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْكَرَاهَةِ ثُمَّ إنْ كَانَ خَمْرًا يُخَلِّلُهَا وَإِنْ خِنْزِيرًا يُسَيِّبُهُ.
(وَكَذَا) أَيْ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ (لَوْ أَمَرَ الْمُحْرِمُ غَيْرَهُ بِبَيْعِ صَيْدِهِ) الَّذِي اصْطَادَهُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ يَجُوزُ التَّوْكِيلُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا.
(وَلَوْ شَرَى كَافِرٌ عَبْدًا مُسْلِمًا وَمُصْحَفًا صَحَّ وَيُجْبَرُ عَلَى إخْرَاجِهِمَا مِنْ مِلْكِهِ) أَيْ مِنْ مِلْكِ الْكَافِرِ دَفْعًا لِلذُّلِّ مِنْ جِهَةٍ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ إذْلَالًا مِنْ جِهَةِ مَمْلُوكِيَّتِهَا لِلْكَافِرِ قُيِّدَ بِالشِّرَاءِ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَوْ اسْتَأْجَرَ مُسْلِمًا لِلْخِدْمَةِ جَازَ اتِّفَاقًا وَلَكِنْ يُكْرَهُ.
(وَالْبَيْعُ بِشَرْطٍ يَقْتَضِيه الْعَقْدُ صَحِيحٌ كَشَرْطِ) كَوْنِ (الْمِلْكِ لِلْمُشْتَرِي) وَشَرْطِ تَسْلِيمِ الْمُشْتَرِي الثَّمَنَ وَشَرْطِ تَسْلِيمِ الْبَائِعِ الْمَبِيعَ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الشَّرْطِ لَا يَزِيدُ شَيْئًا بَلْ يُؤَكِّدُ مُوجَبَ الْعَقْدِ.
(وَكَذَا) يَصِحُّ (بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَلَا نَفْعَ فِيهِ لِأَحَدٍ) مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَالْمَبِيعُ الْمُسْتَحَقُّ لِلنَّفْعِ بِأَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا (كَشَرْطِ أَنْ لَا يَبِيعَ الدَّابَّةَ الْمَبِيعَةَ) بِأَنْ قَالَ بِعْتُ هَذِهِ الدَّابَّةَ مِنْك عَلَى أَنْ لَا تَبِيعَهَا أَوْ تُسَيِّبَهَا فِي الْمَرْعَى لِأَنَّ هَذَا الشَّرْطَ لَا يُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ وَلَا يَحْتَمِلُ الرِّبَا لِعَدَمِ النَّفْعِ الزَّائِدِ فَيَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ قِيلَ: هَذَا مِثَالٌ لِعَدَمِ النَّفْعِ لِلْعَاقِدَيْنِ مَعَ مَنْفَعَتِهِ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهَا لَكِنْ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِحْقَاقِ، وَكَذَا يَصِحُّ بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ لِلْعَقْدِ كَشَرْطِ أَنْ يَرْهَنَهُ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مُعَيَّنًا أَوْ يُعْطِيَهُ كَفِيلًا مُعَيَّنًا لِأَنَّ هَذَا لَا يُفْسِدُ بَلْ يُؤَكِّدُ وَإِنْ كَانَا غَيْرَ مُعَيَّنَيْنِ يَفْسُدَانِ لِلْمُنَازَعَةِ وَكَذَا يَصِحُّ بِشَرْطٍ يُلَائِمُ الْعَقْدَ لِوُرُودِ النَّصِّ عَلَى جَوَازِهِ كَالْخِيَارِ وَالْأَجَلِ رُخْصَةً وَتَيْسِيرًا.
(وَلَوْ) كَانَ الْبَيْعُ (بِشَرْطٍ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَفِي نَفْعٍ لِأَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ) أَيْ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي (أَوْ لِمَبِيعٍ يَسْتَحِقُّ) النَّفْعَ بِأَنْ يَكُونَ آدَمِيًّا (فَهُوَ) أَيْ هَذَا الْبَيْعُ (فَاسِدٌ) لِمَا فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ عَرِيَّةٍ عَنْ الْعِوَضِ فَيَكُونُ رِبًا وَكُلُّ عَقْدٍ شُرِطَ فِيهِ الرِّبَا يَكُونُ فَاسِدًا.
وَفِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ إنَّمَا يَفْسُدُ الْبَيْعُ بِشَرْطٍ؛ إذَا ذَكَرَهُ بِكَلِمَةِ عَلَى، وَأَمَّا إذَا ذَكَرَهُ بِحَرْفِ الشَّرْطِ كَمَا إذَا قَالَ بِعْت إنْ كُنْت تُعْطِينِي كَذَا فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ (كَبَيْعِ عَبْدٍ
стр. 822
عَلَى أَنْ يُعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي أَوْ يُدَبِّرَهُ أَوْ يُكَاتِبَهُ أَوْ)
كَبَيْعِ (أَمَةٍ عَلَى أَنْ يَسْتَوْلِدَهَا) الْمُشْتَرِي لِأَنَّ هَذِهِ شُرُوطٌ لَا يَقْتَضِيهَا الْعَقْدُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ فَيَفْسُدُ بِهِ (فَلَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ الْعَبْدَ (الْمُشْتَرِي) بَعْدَمَا اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ (عَادَ الْبَيْعُ صَحِيحًا) اسْتِحْسَانًا (فَتَلْزَمُ) عَلَى الْمُشْتَرِي (الثَّمَنُ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا لَا يَعُودُ) صَحِيحًا (فَتَلْزَمُ) عَلَى الْمُشْتَرِي (الْقِيمَةُ) وَهُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْعَقْدَ فَسَدَ بِالشَّرْطِ أَعَتَقَ أَوْ لَمْ يُعْتِقْ فَلَا يَعُودُ صَحِيحًا كَمَا إذَا تَلِفَ بِوَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الشَّرْطَ وَإِنْ لَمْ يُلَائِمْ الْعَقْدَ لِذَاتِهِ لَكِنَّ شَرْطَ الْعِتْقِ مِنْ حَيْثُ الْحُكْمُ يُلَائِمُهُ لِأَنَّهُ مِنْهُ لِلْمِلْكِ وَالشَّيْءُ بِانْتِهَائِهِ يَتَقَرَّرُ وَلِهَذَا لَا يَمْنَعُ الْعِتْقُ الرُّجُوعَ بِنُقْصَانِ الْعَيْبِ فَإِذَا تَلِفَ بِوَجْهٍ آخَرَ لَمْ تَتَحَقَّقْ الْمُلَاءَمَةُ فَيَتَقَرَّرُ الْفَسَادُ وَإِذَا وُجِدَ الْعِتْقُ تَحَقَّقَتْ الْمُلَاءَمَةُ فَيُرَجَّحُ جَانِبُ الْجَوَازِ فَيَعُودُ صَحِيحًا.
وَفِي الْحَقَائِقِ الْخِلَافُ فِيمَا إذَا أَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ الْقَبْضِ وَأَمَّا قَبْلَهُ فَلَا يَصِحُّ الْإِعْتَاقُ (وَكَشَرْطِ أَنْ يَسْتَخْدِمَهُ) أَيْ الْعَبْدَ (الْبَائِعُ شَهْرًا أَوْ يَسْكُنَهَا) أَيْ الدَّارَ الْمَبِيعَةَ (أَوْ لَا يُسَلِّمَهُ) أَيْ الْمَبِيعَ (إلَى رَأْسِ الشَّهْرِ) مُتَعَلِّقٌ بِيَسْكُنُهَا وَلَا يُسَلِّمُهُ عَلَى طَرِيقِ التَّنَازُعِ (أَوْ يُقْرِضَهُ الْمُشْتَرِي دِرْهَمًا أَوْ يُهْدِيَ لَهُ) الْمُشْتَرِي (هَدِيَّةً) هَذِهِ أَمْثِلَةُ شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعُ الْبَائِعِ (أَوْ) كَشَرْطِ أَنْ (يَقْطَعَ الْبَائِعُ الثَّوْبَ وَيَخِيطَهُ قَبَاءً أَوْ قَمِيصًا أَوْ يَحْذُوَ النَّعْلَ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى جِلْدًا عَلَى أَنْ يَحْذُوَهُ الْبَائِعُ نَعْلًا لِلْمُشْتَرِي يُقَالُ حَذَا لِي نَعْلًا أَيْ عَمِلَهَا (أَوْ يُشْرِكَهُ) أَيْ النَّعْلَ مِنْ التَّشْرِيكِ وَهُوَ وَضْعُ الشِّرَاكِ عَلَى النَّعْلِ وَهُوَ السَّيْرُ الَّذِي عَنْ ظَهْرِ الْقَدَمِ كَذَا فِي الْمُغْرِبِ هَذِهِ أَمْثِلَةُ شَرْطٍ لَا يَقْتَضِيه الْعَقْدُ وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْمُشْتَرِي فَيَفْسُدُ وَلِأَنَّهُ إنْ كَانَ بَعْضُ الثَّمَنِ بِمُقَابَلَةِ الْعَمَلِ الْمَشْرُوطِ فَهُوَ إجَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِي بَيْعٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُقَابَلَتِهِ شَيْءٌ فَهُوَ إعَارَةٌ مَشْرُوطَةٌ فِيهِ وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ صَفْقَةٍ فِي صَفْقَةٍ (وَيَصِحُّ فِي النَّعْلِ اسْتِحْسَانًا) لِلتَّعَامُلِ لِأَنَّ التَّعَامُلَ يُرَجَّحُ عَلَى الْقِيَاسِ لِكَوْنِهِ إجْمَاعًا عَمَلِيًّا وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْجَوَازِ وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ.
(وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ أَمَةٍ إلَّا حَمْلَهَا) لِأَنَّ مَا لَا يَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْعَقْدِ لَا يَصِحُّ اسْتِثْنَاؤُهُ مِنْ الْعَقْدِ وَالْحَمْلُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ وَتَمَامُهُ فِي الْهِدَايَةِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (الْبَيْعُ إلَى النَّيْرُوزِ) وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ نُزُولِ الشَّمْسِ فِي بُرْجِ الْحَمَلِ وَابْتِدَاءُ رَبِيعٍ (وَالْمِهْرَجَانِ) وَهُوَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ نُزُولِ الشَّمْسِ فِي الْمِيزَانِ وَابْتِدَاءُ خَرِيفٍ (وَصَوْمِ النَّصَارَى وَفِطْرِ الْيَهُودِ إنْ لَمْ يَعْلَمْ الْعَاقِدَانِ) مِقْدَارَ (ذَلِكَ) الْمَذْكُورِ مِنْ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ وَصَوْمِ النَّصَارَى وَفِطْرِ الْيَهُودِ لِأَنَّ النَّيْرُوزَ وَالْمِهْرَجَانَ لَا يَتَعَيَّنَانِ إلَّا بِظَنٍّ وَمُمَارَسَةٍ بِعِلْمِ النُّجُومِ فَرُبَّمَا يَقَعُ الْخَطَأُ فَيَكُونُ مَجْهُولًا فَيُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ وَكَذَا صَوْمُ النَّصَارَى وَفِطْرُ الْيَهُودِ يَكُونَانِ مَجْهُولَيْنِ لِأَنَّ النَّصَارَى يَبْتَدِئُونَ وَيَصُومُونَ خَمْسِينَ يَوْمًا
стр. 823
فَيُفْطِرُونَ فَيَوْمُ صَوْمِهِمْ مَجْهُولٌ وَأَمَّا فِطْرُهُمْ بَعْدَ مَا شَرَعُوا فِي صَوْمِهِمْ فَمَعْلُومٌ فَلَا جَهَالَةَ فِيهِ وَلَا فَسَادَ وَالْيَهُودُ يَصُومُونَ مِنْ أَوَّلِ شَهْرٍ إلَى تَمَامِ عِشْرِينَ مِنْ شَهْرٍ آخَرَ ثُمَّ يُفْطِرُونَ فَيَوْمُ صَوْمِهِمْ وَفِطْرِهِمْ مَجْهُولٌ لِاخْتِلَافِهِمَا بِاخْتِلَافِ عِدَّةِ شَهْرِ هَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ الْعَاقِدَانِ هَذِهِ الْآجَالَ وَكَذَا إذَا لَمْ يَعْرِفْ أَحَدُهُمَا أَمَّا إذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمَا فَيَجُوزُ الْبَيْعُ لِعَدَمِ النِّزَاعِ.
(وَلَا) يَجُوزُ (الْبَيْعُ إلَى الْحَصَادِ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِهَا وَقْتَ قَطْعِ الزَّرْعِ (وَالدِّيَاسِ) بِكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَقْتَ وَطْءِ الدَّوَابِّ الْحِنْطَةَ وَغَيْرَهَا (وَالْقِطَافِ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَالْفَتْحُ لُغَةٌ فِيهِ وَقْتَ قَطْعِ الْعِنَبِ مِنْ الْكَرْمِ (وَالْجِزَازِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَقْتَ جَزِّ الصُّوفِ مِنْ ظَهْرِ الْغَنَمِ وَقِيلَ جِزَازُ النَّخْلِ.
وَفِي الْهِدَايَةِ بِالزَّايِ وَذَكَرَهَا الزَّيْلَعِيُّ أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ عَامٌّ فِي قَطْعِ الثِّمَارِ وَبِالْمُهْمَلَةِ خَاصٌّ فِي النَّخْلِ (وَقُدُومِ الْحَاجِّ) أَيْ وَقْتَ مَجِيءِ الْحَاجِّ وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ إلَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ لِعَدَمِ تَيَقُّنِ أَوْقَاتِهَا لِأَنَّهَا تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ (وَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ إلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ) لِكَوْنِ الْجَهَالَةِ يَسِيرَةً لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَتَحَمَّلُ الْجَهَالَةَ الْيَسِيرَةَ فِي أَصْلِ الدَّيْنِ إذْ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَالٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ فَفِي الْوَصْفِ أَوْلَى.
وَفِي التَّسْهِيلِ وَفِي النَّذْرِ تُتَحَمَّلُ الْجَهَالَةُ وَلَوْ فَاحِشَةً بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ لَا يَتَحَمَّلُهَا فِي أَصْلِ الثَّمَنِ فَكَذَا فِي وَصْفِهِ، قُيِّدَ بِهَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَلَ إلَى هُبُوبِ الرِّيحِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهَا مُتَفَاحِشَةٌ (فَإِنْ أَسْقَطَ) مِمَّنْ لَهُ الْأَجَلُ (الْأَجَلَ) الْمُفْسِدَ لِلْبَيْعِ (قَبْلَ حُلُولِهِ) أَيْ قَبْلَ مَجِيءِ الْأَجَلِ الْمُفْسِدِ وَقَبْلَ التَّفَرُّقِ (صَحَّ) الْبَيْعُ لِزَوَالِ الْمُفْسِدِ وَهُوَ النِّزَاعُ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهِ مَعَ أَنَّ الْجَهَالَةَ لَيْسَتْ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ بَلْ فِي شَرْطٍ زَائِدٍ فَيُمْكِنُ إسْقَاطُهُ خِلَافًا لِزُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ إذْ الْعَقْدُ عِنْدَهُمَا بَعْدَ فَسَادِهِ لَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا أَصْلًا وَقَيَّدْنَا بِقَوْلِنَا قَبْلَ التَّفَرُّقِ لِأَنَّهُ لَوْ تَفَرَّقَا قَبْلَ الْإِبْطَالِ تَأَكَّدَ الْفَسَادُ وَلَا يَنْقَلِبُ صَحِيحًا اتِّفَاقًا كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ.
(وَكَذَا لَوْ بَاعَ مُطْلَقًا) عَنْ هَذِهِ الْآجَالِ (ثُمَّ أَجَّلَ إلَى هَذِهِ الْأَوْقَاتِ) فَإِنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّ هَذَا تَأْجِيلُ الدَّيْنِ لَا الثَّمَنِ، فَالدَّيْنُ هُنَا فِي التَّحَمُّلِ بِمَنْزِلَةِ الْكَفَالَةِ.
وَفِي الْقُنْيَةِ بَاعَ بِأَلْفٍ نِصْفَهُ نَقْدًا وَنِصْفَهُ إلَى رُجُوعِهِ مِنْ زَمَسْتَانَ وَهُوَ فَاسِدٌ وَالْفَتْوَى عَلَى انْصِرَافِهِ إلَى شَهْرٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَمَنْ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ دَارٍ يَجُوزُ) الْبَيْعُ (إنْ عَلِمَهُ) أَيْ النَّصِيبَ مِنْهَا (الْمُتَعَاقِدَانِ) عِلْمُ مِقْدَارِ نَصِيبِهِ شَرْطٌ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا يَجُوزُ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يَجُوزُ مُطْلَقًا سَوَاءٌ عَلِمَا أَوْ لَا لِأَنَّهُمَا رَضِيَا بِالْجَهَالَةِ فَلَا تُفْضِي الْمُنَازَعَةَ (وَيَكْفِي عِلْمُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ مُحَمَّدٍ) لِأَنَّ جَهَالَةَ الْمَبِيعِ تَضُرُّهُ لَا الْبَائِعَ فَيُشْتَرَطُ عِلْمُهُ وَكَذَا شِرَاءُ الدَّارِ بِفِنَائِهَا فَاسِدٌ عِنْدَ الْإِمَامِ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لِجَهَالَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -
стр. 824
[فَصَلِّ فِي قبض الْمُشْتَرِي الْمَبِيع بَيْعًا بَاطِلًا بِإِذْنِ بَائِعَة]
فَصَلِّ لَمَّا ذَكَرَ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ وَالْبَاطِلَ ذَكَرَ حُكْمَهُمَا عَقِيبَهُمَا لِأَنَّ حُكْمَ الشَّيْءِ أَثَرُهُ وَأَثَرُ الشَّيْءِ يَتْبَعُهُ وُجُودًا وَكَذَا يَتْبَعُهُ ذِكْرًا لِلْمُنَاسَبَةِ (قَبْضُ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بَيْعًا بَاطِلًا بِإِذْنِ بَائِعِهِ لَا يَمْلِكُهُ) لِانْعِدَامِ الرُّكْنِ وَهُوَ مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ وَالْمَبِيعُ الْبَاطِلُ لَا يُعَدُّ مَالًا.
وَفِي الْفَرَائِدِ إنَّ قَوْلَهُ (قَبْضُ) لَوْ قُرِئَ عَلَى لَفْظِ الْفِعْلِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ حَرْفُ الشَّرْطِ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ وَلَوْ قُبِضَ وَيَكُونُ قَوْلُهُ لَا يَمْلِكُهُ جَوَابَهُ وَالْأَحْسَنُ أَنْ يُقْرَأَ مَصْدَرًا مَرْفُوعًا عَلَى الِابْتِدَاءِ مُضَافًا إلَى الْمُشْتَرِي وَيَكُونُ قَوْلُهُ لَا يَمْلِكُهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْفَاعِلِ مِنْ التَّفْعِيلِ خَبَرَهُ وَالضَّمِيرُ الْبَارِزُ رَاجِعًا إلَى الْمُشْتَرِي وَفَاعِلُهُ الْمُسْتَكِنُّ فِيهِ رَاجِعًا إلَى الْقَبْضِ انْتَهَى لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ التَّعَسُّفِ فِيهِ وَالْأَوْلَى قَوْلُهُ يَمْلِكُهُ جَوَابُ الشَّرْطِ الْمَحْذُوفِ بِقَرِينَةِ التَّقَابُلِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَلَا قَبْضُ الْمَبِيعِ بَيْعًا بَاطِلًا إلَى آخِرِهِ تَدَبَّرْ (وَهُوَ) أَيْ الْمَبِيعُ (أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ عِنْدَ الْبَعْضِ) فَلَا يُضْمَنُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْعَقْدَ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَبَقِيَ الْقَبْضُ بِإِذْنِ الْمَالِكِ فَيَكُونُ أَمَانَةً فِي يَدِهِ (وَمَضْمُونٌ عِنْدَ الْبَعْضِ) الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ أَدْنَى مِنْ الْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ (وَقِيلَ الْأَوَّلُ) أَيْ كَوْنُهُ أَمَانَةً (قَوْلُ الْإِمَامِ وَالثَّانِي) أَيْ كَوْنُهُ مَضْمُونًا (قَوْلُهُمَا أَخْذًا) أَيْ أَخْذُ صَاحِبِ الْقِيلِ كَوْنَ الْأَوَّلِ قَوْلَهُ وَالثَّانِي قَوْلَهُمَا (مِنْ الِاخْتِلَافِ فِي مَا لَوْ بِيعَ مُدَبَّرٌ أَوْ أُمُّ وَلَدٍ فَمَاتَ فِي يَدِ مُشْتَرِيه حَيْثُ لَا يُضْمَنُ عِنْدَهُ خِلَافًا لَهُمَا) فَفَهِمَ صَاحِبُ الْقِيلِ أَنَّ كُلَّ مَبِيعٍ بَيْعًا بَاطِلًا فَهُوَ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَقَالَ الْأَوَّلُ قَوْلُهُ وَالثَّانِي قَوْلُهُمَا.
(وَلَوْ قَبَضَ الْمَبِيعَ بَيْعًا فَاسِدًا بِإِذْنِ بَائِعِهِ صَرِيحًا) كَقَبْضِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ بِأَمْرِهِ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ (أَوْ دَلَالَةً كَقَبْضِهِ فِي مَجْلِسِ عَقْدِهِ) وَلَمْ يَنْهَهُ الْبَائِعُ عَنْهُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ (وَكُلُّ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ (مِنْ) الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ (عِوَضَيْهِ) أَيْ الْبَيْعِ (مَالٌ) خَرَجَ بِهَذَا الْقَيْدِ الْبَيْعُ الْبَاطِلُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْبَيْعَ الْبَاطِلَ خَرَجَ أَوَّلًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إخْرَاجِهِ ثَانِيًا.
وَقَالَ صَاحِبُ الْبَحْرِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ بَعْضَ الْبُيُوعِ الْبَاطِلَةِ أَطْلَقُوا عَلَيْهَا اسْمَ الْفَاسِدِ فَرُبَّمَا يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْمَبِيعَ فِيهَا يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ فَصَرَّحَ بِمَا يُخْرِجُهَا انْتَهَى لَكِنْ هَذَا يَكُونُ جَوَابًا لِمَا وَقَعَ فِي الْكَنْزِ وَلَا يَكُونُ جَوَابًا لِمَا فِي هَذَا الْمَتْنِ لِأَنَّ الْمُصَنِّفَ بَيَّنَ أَوَّلًا حُكْمَ الْبَيْعِ الْبَاطِلِ ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ حُكْمِ الْفَاسِدِ فَلَا يُقَالُ هُنَا إنَّ الْمُرَادَ بِالْفَاسِدِ مَا هُوَ الْبَاطِلُ أَوْ أَعَمُّ بَلْ هُوَ مُسْتَدْرَكٌ تَدَبَّرْ (مَلَكَهُ) أَيْ الْمَقْبُوضَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقَبْضِ قَيَّدَ بِهِ لِأَنَّهُ بِدُونِ الْقَبْضِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ اتِّفَاقًا لِأَنَّ السَّبَبَ ضَعِيفٌ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ إذَا لَمْ يَتَقَوَّ بِالْقَبْضِ كَالْهِبَةِ، وَقُيِّدَ بِإِذْنِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْقَبْضَ لَوْ لَمْ يَكُنْ بِإِذْنِهِ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ
стр. 825
اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِذْنَ دُونَ الرِّضَى لِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي بَعْضَ أَفْرَادِهِ كَبَيْعِ الْمُكْرَهِ كَمَا لَا يَخْفَى وَلِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ بَيْعٌ مَحْظُورٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبًا لِلْمِلْكِ الَّذِي هُوَ نِعْمَةٌ وَلَنَا أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ مَشْرُوعٌ بِأَصْلِهِ لِأَنَّهُ مُبَادَلَةُ مَالٍ بِمَالٍ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ (وَلَزِمَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي بِوَاوِ الِاعْتِرَاضِ لَا الْعَطْفِ عَلَى مَلَكَهُ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ (لِهَلَاكِهِ) أَيْ وَقْتَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي (مِثْلُهُ) أَيْ الْمَبِيعُ (حَقِيقَةً) أَيْ صُورَةً وَمَعْنًى فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ (أَوْ) مِثْلُهُ (مَعْنًى كَالْقِيمَةِ فِي الْقِيَمِيِّ) كَالْحَيَوَانِ وَالْعَرَضِ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ كَانَ مَوْجُودًا رُدَّ بِعَيْنِهِ وَإِلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلْقِيمَةِ يَوْمَ الْقَبْضِ وَإِلَى أَنَّهُ مَلَكَهُ بِقِيمَتِهِ وَلَوْ ازْدَادَتْ قِيمَتُهُ فِي يَدِهِ فَأَتْلَفَهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ كَالْغَضَبِ.
وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الِاسْتِهْلَاكِ لِأَنَّهُ بِالْإِتْلَافِ يَتَقَرَّرُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ إلَّا إذَا زَادَتْ مِنْ حَيْثُ الْعَيْنُ لَا السِّعْرُ فَإِنَّهُ يُوَافِقُ الشَّيْخَيْنِ فَالْقَوْلُ فِي الْقِيمَةِ لِلْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ لِكَوْنِهِ مُنْكِرَ الضَّمَانِ وَالْبَيِّنَةُ لِلْبَائِعِ (وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ) أَيْ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ حَقُّ الْفَسْخِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي مَا دَامَ الْمَبِيعُ فِي مِلْكِهِ بِلَا عِلْمِ الصَّاحِبِ عَلَى مَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَإِنَّمَا عِنْدَهُمَا عَلِمَهُ كَمَا فِي الْفُصُولَيْنِ لَكِنْ فِي الْكَافِي أَنَّهُ شَرْطٌ وَالْأَوْلَى فِي مَكَانِ اللَّامِ كَلِمَةُ عَلَى فَإِنَّ إعْدَامَ الْفَسَادِ وَاجِبٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ فَعَلَى هَذَا قَالَ الزَّيْلَعِيُّ أَنَّ اللَّامَ بِمَعْنَى عَلَى انْتَهَى لَكِنْ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ آخَرُ وَإِنَّمَا مُرَادُهُ بَيَانُ أَنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا وِلَايَةَ الْفَسْخِ دَفْعًا لِتَوَهُّمِ أَنَّهُ مُلِكَ بِالْقَبْضِ تَأَمَّلْ. (وَبَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْقَبْضِ (مَا دَامَ) الْمَبِيعُ (فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي إذَا كَانَ الْفَسَادُ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَبَيْعِ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ) أَيْ يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ أَيْضًا لِقُوَّةِ الْفَسَادِ.
(وَإِنْ كَانَ) الْفَسَادُ (لِشَرْطٍ زَائِدٍ كَشَرْطِ أَنْ يُهْدِيَ لَهُ هَدِيَّةً) مَثَلًا (فَكَذَا) يَنْفَرِدُ بِالْفَسْخِ (قَبْلَ الْقَبْضِ) وَعَلَى مَا حَقَّقْنَاهُ انْدَفَعَ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ كَلَامَهُ فِيمَا بَعْدَ الْقَبْضِ لِأَنَّ حُكْمَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ مَرَّ آنِفًا فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ فَكَذَا قَبْلَ الْقَبْضِ تَدَبَّرْ.
(وَأَمَّا بَعْدَهُ فَالْفَسْخُ لِمَنْ لَهُ الشَّرْطُ) بِحَضْرَةِ صَاحِبِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ قَضَاءُ الْقَاضِي (لَا لِمَنْ عَلَيْهِ الشَّرْطُ) وَهَذَا عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِأَنَّ الْعَقْدَ قَوِيٌّ وَالْفَسَادَ ضَعِيفٌ فَمَنْ لَهُ مَنْفَعَةُ الشَّرْطِ يَقْدِرُ أَنْ يُسْقِطَ شَرْطَ الْهَدِيَّةِ فَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا لِرَفْعِهِ الْمُفْسِدَ فَإِذَا فَسَخَ مَنْ عَلَيْهِ الْمَنْفَعَةُ فَقَدْ بَطَلَ حَقُّ الْغَيْرِ وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِدَيْنِ الْفَسْخُ حَقًّا لِلشَّرْعِ لَا حَقًّا لَهُمَا وَلَا حَقًّا لِأَحَدِهِمَا حَيْثُ رَضِيَا بِالْعَقْدِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَعَلَى هَذَا أَنْ يَذْكُرَ الْمُصَنِّفُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي صُورَةِ الِاتِّفَاقِ لَا يَخْلُو عَنْ رَكَاكَةٍ بَلْ يَلْزَمُ التَّفْصِيلُ تَأَمَّلْ. (وَلَا يَأْخُذُهُ) أَيْ الْمَبِيعَ (الْبَائِعُ) بَعْدَ الْفَسْخِ (حَتَّى يَرُدَّ ثَمَنَهُ) أَيْ ثَمَنَ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْمَبِيعَ مُقَابَلٌ بِهِ فَيَصِيرُ مَحْبُوسًا بِهِ كَالرَّهْنِ.
(فَإِنْ مَاتَ الْبَائِعُ) بَعْدَ فَسْخِ الْبَيْعِ (فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِهِ) أَيْ بِحَبْسِ مَا اشْتَرَاهُ (حَتَّى يَأْخُذَ
стр. 826
ثَمَنَهُ)
فَلَيْسَ لِلْوَرَثَةِ وَلَا لِلْغُرَمَاءِ حَبْسُ الثَّمَنِ حَتَّى يَأْخُذَ الْمَبِيعَ ذَكَرَ الثَّمَنَ مَقَامَ الْقِيمَةِ لِانْعِدَامِ الْفَسَادِ بِالْفَسْخِ وَلَا يَدْخُلُ الْمَبِيعُ فِي قِسْمَةِ غُرَمَاءِ الْبَائِعِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مُقَدَّمٌ حَالَ حَيَاتِهِ وَكَذَا يُقَدَّمُ بَعْدَ وَفَاتِهِ عَلَى التَّجْهِيزِ وَالْغُرَمَاءِ، فَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي دَرَاهِمَ الثَّمَنِ بِعَيْنِهَا لَوْ قَائِمَةً وَيَأْخُذُ مِثْلَهَا لَوْ هَالِكَةً، وَلَوْ مَاتَ الْمُشْتَرِي فَالْبَائِعُ أَحَقُّ مِنْ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ (وَطَابَ لِلْبَائِعِ رِبْحُ ثَمَنِهِ) مِنْ دَرَاهِمِ الْمَبِيعِ أَوْ دَنَانِيرِهِ (بَعْدَ التَّقَابُضِ) أَيْ اشْتِرَاكِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي قَبْضِ الْمَبِيعِ وَالثَّمَنِ لِتَمَلُّكِهِ وَلَمْ يَطِبْ قَبْلَهُ لِعَدَمِ تَمَلُّكِهِ (لَا) أَيْ لَا يَطِيبُ (لِلْمُشْتَرِي رِبْحُ مَبِيعِهِ فَيَتَصَدَّقُ) الْمُشْتَرِي (بِهِ) أَيْ بِالرِّبْحِ وُجُوبًا وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمَبِيعَ مِمَّا يَتَعَيَّنُ فَيَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِهِ فَيَتَمَكَّنُ الْخَبَثُ فِيهِ وَالنَّقْدُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْعُقُودِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ الْعَقْدُ الثَّانِي بِعَيْنِهِ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ الْخَبَثُ فَلَا يَجِبُ التَّصَدُّقُ، وَهَذَا فِي الْخَبَثِ الَّذِي سَبَّبَهُ فَسَادُ الْمِلْكِ أَمَّا الْخَبَثُ بِعَدَمِ الْمِلْكِ كَالْغَصْبِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ يَشْمَلُ النَّوْعَيْنِ لِتَعَلُّقِ الْعَقْدِ فِيمَا يَتَعَيَّنُ حَقِيقَةً وَفِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ شُبْهَةً مِنْ حَيْثُ إنَّهُ تَتَعَلَّقُ بِهِ سَلَامَةُ الْمَبِيعِ أَوْ تَقْدِيرُ الثَّمَنِ وَعِنْدَ فَسَادِ الْمِلْكِ تَنْقَلِبُ الْحَقِيقَةُ شُبْهَةً وَالشُّبْهَةُ تَنْزِلُ إلَى شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ وَالشُّبْهَةُ هِيَ الْمُعْتَبَرَةُ دُونَ النَّازِلِ عَنْهَا.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ مُطْلَقًا لِأَنَّ عِنْدَهُ شَرْطَ الطِّيبِ الضَّمَانُ وَقَدْ وُجِدَ وَعِنْدَ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ لَا يَطِيبُ فِي الْكُلِّ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ فَإِنْ قِيلَ ذُكِرَ فِي الْهِدَايَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ ثُمَّ إذَا كَانَتْ دَرَاهِمُ الثَّمَنِ قَائِمَةً يَأْخُذُهَا الْمُشْتَرِي بِعَيْنِهَا لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَهُوَ الْأَصَحُّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَصْبِ فَهَذَا يُنَاقِضُ مَا قُلْتُمْ مِنْ عَدَمِ تَعَيُّنِ الدَّرَاهِمِ قُلْنَا يُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ لِهَذَا الْعَقْدِ شُبْهَتَيْنِ شُبْهَةُ الْغَصْبِ وَشُبْهَةُ الْبَيْعِ فَإِذَا كَانَتْ قَائِمَةً اُعْتُبِرَ شُبْهَةُ الْغَصْبِ سَعْيًا فِي رَفْعِ الْعَقْدِ الْفَاسِدِ وَإِذَا لَمْ تَكُنْ قَائِمَةً فَاشْتَرَى بِهَا شَيْئًا تُعْتَبَرُ شُبْهَةُ الْبَيْعِ حَتَّى لَا يَسْرِي الْفَسَادُ إلَى بَدَلِهِ كَمَا ذَكَرْنَا مِنْ شُبْهَةِ الشُّبْهَةِ انْتَهَى.
وَفِي الدُّرَرِ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ لَا يُفِيدُ التَّوْفِيقَ بَيْنَ كَلَامَيْ الْهِدَايَةِ وَإِنَّمَا يُفِيدُ دَلِيلًا لِلْمَسْأَلَةِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا يَرِدُ عَلَى الْهِدَايَةِ فَالْوَجْهُ مَا قَالَ فِي الْعِنَايَةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ عَلَى الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ وَهِيَ إنَّمَا لَا تَتَعَيَّنُ لَا عَلَى الْأَصَحِّ وَهِيَ مَا مَرَّ أَنَّهَا تَتَعَيَّنُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ انْتَهَى لَكِنْ يُمْكِنُ الدَّفْعُ بِوَجْهٍ آخَرَ بِأَنَّ الْمُرَادَ فِي الْعُقُودِ الْعُقُودُ الصَّحِيحَةُ لِأَنَّ الْمُطْلَقَ يَنْصَرِفُ إلَى الْكَامِلِ فَحِينَئِذٍ عَدَمُ التَّعَيُّنِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَغْصُوبِ أَوْ ثَمَنِ الْمَبِيعِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ إنَّمَا هُوَ فِي الْعَقْدِ الثَّانِي فَلَا يَضُرُّ تَعَيُّنُهُ فِي الْأَوَّلِ فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَوَابُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ بِلَا حَصْرٍ تَدَبَّرْ.
وَفِي الْفَرَائِدِ كَلَامُ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ يُفِيدُ دَفْعَ التَّنَاقُضِ لِأَنَّ حَاصِلَ التَّنَاقُضِ أَنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ فِيمَا سَبَقَ: الثَّمَنُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.
وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَا يَتَعَيَّنُ وَحَاصِلُ الدَّفْعِ أَنَّ التَّعَيُّنَ بِالتَّعْيِينِ فِي حَالَةِ قِيَامِ الثَّمَنِ، وَعَدَمَ التَّعَيُّنِ
стр. 827
فِي حَالَةِ عَدَمِهِ، وَلَا يَتَحَقَّقُ التَّنَاقُضُ إلَّا إذَا اتَّحَدَ الْجِهَتَانِ انْتَهَى هَذَا وَجْهٌ لَكِنَّهُ خِلَافُ مَا صَرَّحُوا بِهِ لِأَنَّهُمْ قَالُوا ثُمَّ إنْ كَانَتْ دَرَاهِمُ الثَّمَنِ قَائِمَةً يَأْخُذُهَا بِعَيْنِهَا لِأَنَّهَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ عَلَى رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَهُوَ الْأَصَحُّ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لَا تَتَعَيَّنُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا فَبِهَذَا عُلِمَ أَنَّ هَذَا التَّوْجِيهَ لَيْسَ بِدَافِعٍ تَدَبَّرْ.
(كَمَا طَابَ رِبْحُ مَالٍ ادَّعَاهُ فَقَضَى) أَيْ قَضَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَالَ (ثُمَّ تَصَادَقَا) أَيْ الْمُدَّعِي وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ (عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ وُجُوبِ الْمَالِ الْمُدَّعَى (فَرَدَّ) الْمَالَ (بَعْدَمَا رَبِحَ فِيهِ الْمُدَّعِي) لِأَنَّ الْمَالَ الْمُؤَدَّى يَكُونُ بَدَلَ الدَّيْنِ الَّذِي هُوَ حَقُّ الْمُدَّعِي بِإِقْرَارِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذْ الْمَرْءُ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ حُكْمًا فَيَصِيرُ الْمُدَّعِي بَائِعًا دَيْنَهُ بِمَا أَخَذَ فَإِذَا تَصَادَقَا عَلَى عَدَمِ الدَّيْنِ صَارَ الْمُدَّعِي كَأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الدَّيْنَ فَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الدَّيْنُ مِلْكًا بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ لِأَنَّ الْمَبِيعَ هُنَا فَاسِدٌ فِي حَقِّ الْبَدَلِ وَهُوَ غَيْرُ قَائِمَةٍ فَلَا يُؤَثِّرُ الْخَبَثُ فِيمَا لَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.
(فَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَاهُ شِرَاءً فَاسِدًا صَحَّ) بَيْعُهُ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا دَخَلَ فِي مِلْكِهِ بِالْقَبْضِ فَيَنْفُذُ فِيهِ تَصَرُّفُهُ. قَيَّدَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ بَيْعًا بَاتًّا صَحِيحًا وَلِغَيْرِ بَائِعِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ فَاسِدًا لَا يَمْنَعُ النَّقْضَ كَالْبَيْعِ الَّذِي فِيهِ الْخِيَارُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مِنْ بَائِعِهِ كَانَ نَقْضًا لِلْبَيْعِ هَذَا فِي الْعَقْدِ الَّذِي فَسَادُهُ لَيْسَ بِالْإِكْرَاهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَاسِدًا بِالْإِكْرَاهِ فَإِنَّ تَصَرُّفَاتِ الْمُشْتَرِي كُلَّهَا تُنْتَقَضُ وَقَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِالشِّرَاءِ الْفَاسِدِ احْتِرَازًا عَنْ الْإِجَارَةِ الْفَاسِدَةِ لِمَا فِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ قِيلَ لَيْسَ لِلْمُسْتَأْجِرِ (فَاسِدًا) أَنْ يُؤَجِّرَهُ مِنْ غَيْرِهِ إجَارَةً صَحِيحَةً، وَقِيلَ يَمْلِكُهَا بَعْدَ قَبْضِهِ كَمُشْتَرٍ (فَاسِدًا) لَهُ الْبَيْعُ (جَائِزًا) وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّ لِلْمُؤَجِّرِ الْأَوَّلِ نَقْضَ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا تُفْسَخُ بِالْأَعْذَارِ.
(وَكَذَا لَوْ أَعْتَقَهُ) أَيْ أَعْتَقَ الْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا الْعَبْدَ بَعْدَ قَبْضِهِ صَحَّ وَكَانَ الْوَلَاءُ لَهُ وَكَذَا تَوَابِعُ الْإِعْتَاقِ مِنْ التَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَاءِ وَالْكِتَابَةِ إلَّا أَنَّهُ يَعُودُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ (أَوْ وَهَبَهُ وَسَلَّمَهُ) أَيْ إذَا وَهَبَهُ الْمُشْتَرِي وَسَلَّمَهُ ارْتَفَعَ الْفَسَادُ وَصَحَّ (وَسَقَطَ) بِكُلٍّ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِعْتَاقِ وَالْهِبَةِ وَبِالتَّسْلِيمِ (حَقُّ الْفَسْخِ) الَّذِي كَانَ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ مَلَكَ الْمَبِيعَ بِالْقَبْضِ فَنَفَذَ فِيهِ تَصَرُّفَاتُهُ الْمَذْكُورَةُ، وَيَنْقَطِعُ بِهِ حَقُّ الْبَائِعِ فِي الِاسْتِرْدَادِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْعَبْدِ وَالْفَسْخُ لِحَقِّ الشَّرْعِ وَمَا اجْتَمَعَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ إلَّا وَقَدْ غُلِّبَ حَقُّ الْعَبْدِ لِحَاجَتِهِ وَغَنَاءِ اللَّهِ تَعَالَى (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي (قِيمَتُهُ) لِمَا مَرَّ أَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْقَبْضِ وَالرَّهْنُ كَالْبَيْعِ لِأَنَّهُ لَازِمٌ فَيُثْبِتُ عَجْزَهُ عَنْ رَدِّ الْعَيْنِ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ إلَّا أَنَّهُ يَعُودُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ بِفَكِّهِ وَكَذَا لَوْ أَوْصَى بِالْبَيْعِ الْمُشْتَرِي ثُمَّ مَاتَ سَقَطَ الْفَسْخُ فَتَلْزَمُهُ الْقِيمَةُ.
(وَلَوْ بَنَى) الْمُشْتَرِي (فِي دَارٍ اشْتَرَاهَا فَاسِدًا أَوْ غَرَسَ فِيهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا) أَيْ قِيمَةُ الدَّارِ وَالْأَرْضِ وَيَنْقَطِعُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ عِنْدَ الْإِمَامِ رَوَاهُ يَعْقُوبُ عَنْهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ ثُمَّ شَكَّ بَعْدَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ
стр. 828
(وَقَالَ يَنْقُضُ) الْمُشْتَرِي (الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ وَيَرُدُّ) الدَّارَ وَالْغَرْسَ، عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ لَهُمَا إنَّ حَقَّ الشَّفِيعِ أَضْعَفُ مِنْ حَقِّ الْبَائِعِ حَتَّى يَحْتَاجَ فِيهِ إلَى الْقَضَاءِ وَيَبْطُلُ بِالتَّأْخِيرِ حَقُّ الْبَائِعِ ثُمَّ أَضْعَفُ الْحَقَّيْنِ لَا يَبْطُلُ بِالْبِنَاءِ فَأَقْوَاهُمَا أَوْلَى وَلَهُ أَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ مِمَّا يُقْصَدُ بِهِ الدَّوَامُ وَقَدْ حَصَلَ بِتَسْلِيطٍ مِنْ جِهَةِ الْبَائِعِ فَيَنْقَطِعُ حَقُّ الِاسْتِرْدَادِ كَالْبَيْعِ بِخِلَافِ حَقِّ الشَّفِيعِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ التَّسْلِيطُ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِهِبَةِ الْمُشْتَرِي وَبَيْعِهِ فَكَذَا بِبِنَائِهِ.
(وَشَكَّ أَبُو يُوسُفَ فِي رِوَايَتِهِ لِمُحَمَّدٍ عَنْ الْإِمَامِ لُزُومَ قِيمَتِهَا) أَيْ قِيمَةِ الدَّارِ (وَلَمْ يَشُكَّ مُحَمَّدٌ) فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْإِمَامِ لُزُومَ قِيمَتِهَا وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ الَّتِي أَنْكَرَ أَبُو يُوسُفَ رِوَايَتَهَا عَنْ الْإِمَامِ وَقَدْ نَصَّ مُحَمَّدٌ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي كِتَابِ الشُّفْعَةِ فَإِنَّ حَقَّ الشُّفْعَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى انْقِطَاعِ حَقِّ الْبَائِعِ بِالْبِنَاءِ وَثُبُوتُهُ عَلَى الِاخْتِلَافِ.
وَفِي الْفُصُولَيْنِ وَلَوْ وَقَفَهُ أَوْ جَعَلَهُ مَسْجِدًا لَا يَبْطُلُ حَقُّهُ مَا لَمْ يَبْنِ.
وَفِي الْبَحْرِ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا قَبْلَ الْقَضَاءِ بِهِ.
وَأَمَّا إذَا قُضِيَ بِهِ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ الْفَسَادُ لِلُزُومِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَا فِي الْفُصُولَيْنِ تَبَعًا لِلْعِمَادِيِّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَقَدْ قَالَ الْخَصَّافُ لَوْ اشْتَرَى أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا وَقَبَضَهَا وَوَقَفَهَا وَقْفًا صَحِيحًا وَجَعَلَ آخِرَهَا لِلْمَسَاكِينِ فَقَالَ الْوَقْفُ فِيهَا جَائِزٌ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا لِلْبَائِعِ انْتَهَى.
لَكِنْ قَالَ قَاضِي خَانْ لَوْ بَاعَ أَرْضًا بَيْعًا فَاسِدًا فَجَعَلَهُ الْمُشْتَرِي مَسْجِدًا لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ يَبْنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ بَنَاهُ بَطَلَ فِي قَوْلِ الْإِمَامِ وَغَرْسُ الْأَشْجَارِ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ وَكَذَا لَوْ وَقَفَهَا لَا يَبْطُلُ حَقُّ الْفَسْخِ مَا لَمْ يَبْنِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا إنَّ مَا فِي الْفُصُولَيْنِ عَلَى الرِّوَايَةِ الظَّاهِرَةِ وَمَا قَالَ الْخَصَّافُ عَلَى غَيْرِهَا وَمَا قَالَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ مِنْ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَحِيحٍ غَيْرُ صَحِيحٍ تَدَبَّرْ.
قِيلَ لَمَّا كَانَ الْمَكْرُوهُ أَدْنَى دَرَجَةً مِنْ الْفَاسِدِ وَلَكِنَّهُ شُعْبَةٌ مِنْ شُعَبِهِ أُلْحِقَ بِالْفَاسِدِ وَأَخَّرَهُ عَنْهُ فَقَالَ.
[بَيْع النَّجْش]
(وَكُرِهَ النَّجْشُ) بِفَتْحَتَيْنِ وَبِسُكُونِ الْجِيمِ أَيْضًا إنْ زِيدَ الثَّمَنُ بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ وَلَا يُرِدْ الشِّرَاءَ لِتَرْغِيبِ غَيْرِهِ وَيَجْرِي فِي النِّكَاحِ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَا تَنَاجَشُوا» أَيْ لَا تَفْعَلُوا ذَلِكَ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ إذَا طَلَبَ بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِثْلِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ الْآخَرُ فِي الثَّمَنِ إلَى أَنْ يَبْلُغَ ثَمَنَ الْمِثْلِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الشِّرَاءَ.
(وَ) كُرِهَ (السَّوْمُ) أَيْ الِاسْتِشْرَاءُ بِثَمَنٍ كَثِيرٍ (عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ) أَيْ اسْتِشْرَاءِ غَيْرِهِ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ (إذَا رَضِيَا) ظَرْفَ السَّوْمِ (بِثَمَنٍ) مَعْلُومٍ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمَا إلَى الْعَقْدِ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَسْتَامُ الرَّجُلُ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ» وَهُوَ نَفْيٌ فِي مَعْنَى النَّهْيِ فَيُفِيدُ الْمَشْرُوعِيَّةَ قُيِّدَ بِقَوْلِهِ إذَا رَضِيَا لِأَنَّهُمَا إذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا فَلَا يُكْرَهُ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَنْ يَزِيدُ.
(وَ) كُرِهَ (تَلَقِّي الْجَلْبِ) أَيْ اسْتِقْبَالُ مَنْ فِي الْمِصْرِ جَلْبًا بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ السُّكُونِ أَيْ مَجْلُوبًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ حَيَوَانٍ أَوْ غَيْرِهِ (الْمُضِرِّ) صِفَةُ
стр. 829
التَّلَقِّي (بِأَهْلِ الْبَلَدِ) لِلنَّهْيِ عَنْهُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَضُرَّ بِأَهْلِ الْبَلَدِ بِأَنْ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ إلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إلَّا إذَا لَبَسَ سِعْرُ الْبَلَدِ عَلَى الْوَارِدِينَ فَاشْتَرَى مِنْهُمْ بِأَرْخَصَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُكْرَهُ.
(وَ) كُرِهَ (بَيْعُ الْحَاضِرِ لِلْبَادِي طَمَعًا فِي غَلَاءِ الثَّمَنِ زَمَنَ الْقَحْطِ) أَيْ يُكْرَهُ بَيْعُ الْبَلَدِيِّ مِنْ الْبَدْوِيِّ فِي زَمَانِ الْقَحْطِ؛ عَلَفَهُ وَطَعَامَهُ طَمَعًا فِي ثَمَنٍ مُتَجَاوِزٍ الْحَدَّ لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا يَبِيعُ الْحَاضِرُ لِلْبَادِي» وَلِلضَّرَرِ بِأَهْلِ الْبَلَدِ وَأَيْضًا يُكْرَهُ بَيْعُ الْبَلَدِيِّ لِأَجْلِ الْبَدْوِيِّ فِي الْبَلَدِ كَالسِّمْسَارِ فَيُغَالِي السِّعْرَ عَلَى النَّاسِ وَلَوْ تَرَكَهُ وَبَاعَهُ بِنَفْسِهِ لَلَزِمَ الرُّخْصَةَ فِي السِّعْرِ وَلَمْ يَقَعْ أَهْلُ الْبَلَدِ فِي السِّعْرِ. (اللَّامُ) فِي لِلْبَادِي إمَّا بِمَعْنَى التَّمْلِيكِ أَوْ بِمَعْنَى الْأَجْلِ فَلِهَذَا صُوِّرَ بِوَجْهَيْنِ. قَيَّدَ نَقْلَهُ فِي زَمَنِ الْقَحْطِ لِأَنَّهُ فِي الرُّخْصِ غَيْرُ مَكْرُوهٍ.
(وَالْبَيْعُ عِنْدَ أَذَانِ الْجُمُعَةِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] وَلِأَنَّ فِيهِ إخْلَالًا بِوَاجِبِ السَّعْيِ إذَا قَعَدَا لِلْبَيْعِ أَوْ وَقَفَا لَهُ وَأَطْلَقَهُ فَشَمِلَ مَا إذَا تَبَايَعَا وَهُمَا يَمْشِيَانِ إلَيْهَا وَمَا فِي النِّهَايَةِ مِنْ عَدَمِ الْكَرَاهَةِ مُشْكِلٌ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ. ثُمَّ الْمُعْتَبَرُ هُوَ النِّدَاءُ الْأَوَّلُ إذَا وَقَعَ بَعْدَ الزَّوَالِ عَلَى الْمُخْتَارِ (لَا) يُكْرَهُ (بَيْعٌ مَنْ زَيَّدَ) هَذَا تَصْرِيحٌ لِمَا عُلِمَ ضِمْنًا لِأَنَّهُ يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ السَّوْمُ عَلَى سَوْمِ غَيْرِهِ إذَا رَضِيَا بِثَمَنٍ فَإِذَا لَمْ يَتَرَاضَيَا فَلَا كَمَا مَرَّ آنِفًا (وَصَحَّ الْبَيْعُ فِي الْجَمِيعِ) أَيْ فِي جَمِيعِ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ وَكُرِهَ النَّجْشُ إلَى هُنَا لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ لَا تَمْنَعُ الِانْعِقَادَ.
(وَمَنْ مَلَكَ مَمْلُوكَيْنِ صَغِيرَيْنِ أَوْ كَبِيرًا) أَحَدُهُمَا (وَصَغِيرًا) آخَرَ لِلَّذَيْنِ (أَحَدُهُمَا) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْ الْآخَرِ) وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِمَمْلُوكَيْنِ (كُرِهَ لَهُ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا) قَبْلَ الْبُلُوغِ بِالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَنَحْوِهَا وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ ﵊ «مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا فَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبَّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» «وَوَهَبَ النَّبِيُّ ﵊ لِعَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - غُلَامَيْنِ أَخَوَيْنِ صَغِيرَيْنِ ثُمَّ قَالَ لَهُ مَا فَعَلْتَ بِالْغُلَامَيْنِ؟ فَقَالَ بِعْت أَحَدَهُمَا فَقَالَ أَدْرِكْ أَدْرِكْ وَيُرْوَى اُرْدُدْ اُرْدُدْ» وَلِأَنَّ الصَّغِيرَ يَسْتَأْنِسُ بِالصَّغِيرِ، وَبِالْكَبِيرِ الْكَبِيرُ يَتَعَاهَدُهُ فَكَانَ فِي بَيْعِ أَحَدِهِمَا قَطْعُ الِاسْتِئْنَاسِ وَالْمَنْعُ مِنْ التَّعَاهُدِ وَفِيهِ تَرْكُ الرَّحْمَةِ عَلَى الصِّغَارِ وَقَدْ أُوعِدَ عَلَيْهِ ثُمَّ الْمَنْعُ مَعْلُومٌ بِالْقَرَابَةِ الْمُحَرِّمَةِ لِلنِّكَاحِ حَتَّى لَا يَدْخُلَ فِيهِ مَحْرَمٌ غَيْرُ قَرِيبٍ وَلَا قَرِيبٌ غَيْرُ مَحْرَمٍ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجَانِ حَتَّى جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ عَلَى مَوْرِدِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فِي مِلْكِهِ حَتَّى لَوْ كَانَ أَحَدُ الصَّغِيرَيْنِ لَهُ وَالْآخَرُ لِغَيْرِهِ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا (بِدُونِ حَقٍّ مُسْتَحَقٍّ) أَيْ لَوْ كَانَ التَّفْرِيقُ بِحَقٍّ مُسْتَحَقٍّ عَلَيْهِ لَا بَأْسَ بِهِ كَدَفْعِ أَحَدِهِمَا بِالْجِنَايَةِ وَبَيْعِهِ بِالدَّيْنِ وَرَدِّهِ بِالْعَيْبِ لِأَنَّ الْمَنْظُورَ إلَيْهِ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْ غَيْرِهِ لَا الْإِضْرَارُ بِهِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَيَصِحُّ الْبَيْعُ) هُنَا أَيْضًا لِأَنَّ النَّهْيَ لِمَعْنًى فِي غَيْرِهِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنْ إيحَاشِ الصَّغِيرِ فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ لَكِنْ يَأْثَمُ الْبَائِعُ لِارْتِكَابِهِ
стр. 830
الْمَنْهِيَّ (خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ فِي قَرَابَةِ الْوِلَادِ) حَيْثُ قَالَ يَفْسُدُ الْبَيْعُ فِيهَا وَيَجُوزُ فِي غَيْرِهَا (فِي رِوَايَةٍ) عَنْهُ.
(وَ) يَفْسُدُ (فِي الْجَمِيعِ فِي) رِوَايَةٍ (أُخْرَى) وَبِهِ قَالَ زُفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِدْرَاكِ وَالرَّدِّ لَا يَكُونُ إلَّا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَلَهُمَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ فَيَنْفُذُ وَالنَّهْيُ لِمَعْنًى مُجَاوِرٍ لَهُ غَيْرِ مُتَّصِلٍ بِهِ فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ (فَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ فَلَا بَأْسَ بِالتَّفْرِيقِ) لِأَنَّ النَّصَّ وَرَدَ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فِي الْقَرَابَةِ الْمُحَرِّمَةِ لِلنِّكَاحِ فِي الصَّغِيرِ فَلَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ.
وَفِي الْجَوْهَرَةِ وَكَمَا يُكْرَهُ مِنْ التَّفْرِيقِ بِالْبَيْعِ يُكْرَهُ فِي الْقِيمَةِ فِي الْمِيرَاثِ وَالْغَنَائِمِ هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمَالِكُ مُسْلِمًا وَأَمَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَلَا يُكْرَهُ.
[بَاب الْإِقَالَة]
ُ الْخَلَاصُ عَنْ خَبَثِ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ وَالْمَكْرُوهِ لَمَّا كَانَ بِالْفَسْخِ كَانَ لِلْإِقَالَةِ تَعَلُّقٌ خَاصٌّ بِهِمَا فَأَعْقَبَ ذِكْرَهَا إيَّاهُمَا وَهِيَ لُغَةً الرَّفْعُ مُطْلَقًا مِنْ الْقَلِيلِ لَا مِنْ الْقَوْلِ وَالْهَمْزَةُ لِلسَّلْبِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْبَعْضُ بِدَلِيلِ قِلْتُ الْبَيْعَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَهِيَ جَائِزَةٌ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ أَقَالَ نَادِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وَلِأَنَّ الْعَقْدَ حَقُّهُمَا وَكُلُّ مَا هُوَ حَقُّهُمَا يَمْلِكَانِ رَفْعَهُ بِحَاجَتِهِمَا كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَشَرْعًا رَفْعُ عَقْدِ الْبَيْعِ غَيْرِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ (تَصِحُّ) الْإِقَالَةُ (بِلَفْظَيْنِ أَحَدُهُمَا مُسْتَقْبَلٌ) هَذَا بَيَانُ رُكْنِهِمَا وَهُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ الدَّالَّانِ عَلَيْهَا وَشُرِطَ أَنْ يَكُونَا بِلَفْظَيْنِ مَاضِيَيْنِ أَوْ أَحَدُهُمَا بِمُسْتَقْبَلٍ وَالْآخَرُ بِمَاضٍ كَأَقِلْنِي فَقَدْ أَقَلْتُك عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ كَالنِّكَاحِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) فَإِنَّ عِنْدَهُ يُشْتَرَطُ أَنْ يُعَبَّرَ بِهِمَا عَنْ الْمُضِيِّ كَالْبَيْعِ.
وَفِي الْخَانِيَّةِ ذَكَرَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ قَوْلَ الْإِمَامِ حَيْثُ قَالَ وَلَا تَصِحُّ الْإِقَالَةُ بِلَفْظِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِمَا لَكِنْ فِي الْجَوْهَرَةِ وَغَيْرِهَا قَدْ جَعَلُوا قَوْلَ الْإِمَامِ مَعَ أَبِي يُوسُفَ فَلِهَذَا عَوَّلَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ فِي الْمَتْنِ (وَتَتَوَقَّفُ) الْإِقَالَةُ (عَلَى الْقَبُولِ فِي الْمَجْلِسِ) فَكَمَا يَصِحُّ قَبُولُهَا فِي مَجْلِسِهَا نَصًّا بِالْقَوْلِ يَصِحُّ قَبُولُهَا دَلَالَةً بِالْفِعْلِ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ وَلَوْ فَعَلَا كَمَا فِي التَّنْوِيرِ لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ (كَالْبَيْعِ) لَوْ قَبِلَ الْآخَرُ بَعْدَ زَوَالِ الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَمَا صَدَرَ عَنْهُ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِعْرَاضِ كَمَا سَبَقَ فِي الْبَيْعِ لَا تَتِمُّ الْإِقَالَةُ (وَهِيَ) أَيْ الْإِقَالَةُ (بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِ الْعَاقِدَيْنِ إجْمَاعًا) فَيَجِبُ بِالْإِقَالَةِ الِاسْتِبْرَاءُ فِي الْجَارِيَةِ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ جَارِيَةً وَتَقَايَلَا فَإِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهَا بَيْعٌ جَدِيدٌ فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْعَقَارِ لِكَوْنِهَا بَيْعًا جَدِيدًا فِي غَيْرِهِمَا وَهُوَ الشَّفِيعُ، وَيَجِبُ التَّقَابُضُ لَوْ كَانَ الْبَيْعُ السَّابِقُ صَرْفًا، وَلَا تَسْقُطُ الزَّكَاةُ إذَا اشْتَرَى بِعُرُوضِ التِّجَارَةِ عَبْدًا لِلْخِدْمَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ ثُمَّ رُدَّ بِالْبَيْعِ بِغَيْرِ قَضَاءٍ فَاسْتَرَدَّ الْعُرُوضَ فَهَلَكَتْ فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ بَيْعٌ
стр. 831
فِي حَقِّ الْفَقِيرِ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
وَزَادَ صَاحِبُ الْمِنَحِ إذَا بَاعَ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ مِنْ آخَرَ ثُمَّ تَقَايَلَا ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ فِي يَد الْبَائِعِ فَأَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْبَائِعِ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ فِي حَقِّهِ كَأَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ الْمُشْتَرِي مِنْهُ، وَكَذَا إذَا كَانَ مَوْهُوبًا فَبَاعَهُ الْمَوْهُوبَ لَهُ ثُمَّ تَقَايَلَا لَيْسَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ فِي حَقِّ الْوَاهِبِ كَالْمُشْتَرِي مِنْ الْمُشْتَرَى مِنْهُ.
وَإِذَا اشْتَرَى شَيْئًا فَقَبَضَهُ وَلَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ حَتَّى بَاعَهُ مِنْ آخَرَ ثُمَّ تَقَايَلَا وَعَادَ إلَى الْمُشْتَرِي فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ قَبْلَ نَقْدِ ثَمَنِهِ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ جَازَ وَكَانَ فِي حَقِّ الْبَائِعِ كَالْمَمْلُوكِ بِشِرَاءٍ جَدِيدٍ مِنْ الْمُشْتَرِي الثَّانِي.
(وَفِي حَقِّهِمَا) أَيْ حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ (بَعْدَ الْقَبْضِ فَسْخٌ) لِلْعَقْدِ إنْ أَمْكَنَ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهَا تُنْبِئُ عَنْ الْفَسْخِ وَالرَّفْعِ وَالْأَصْلُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَيْعِ لِأَنَّهُ ضِدُّهَا إذْ هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ الرَّفْعِ وَالْإِزَالَةِ وَالْبَيْعُ عَنْ الثَّبَاتِ فَتَعَيَّنَ الْبُطْلَانُ فِي الْحَمْلِ عَلَى الْبَيْعِ، وَأَمَّا كَوْنُهَا بَيْعًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا فَمَعْنَوِيٌّ إذْ يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الْبَيْعِ وَهُوَ الْمِلْكُ فَيَلْزَمُهُ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ جِنْسًا وَوَصْفًا وَقَدْرًا وَيَبْطُلُ مَا شَرَطَهُ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَالتَّأْجِيلِ وَلَا يَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ وَيَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ مِنْهُ قَبْلَ اسْتِرْدَادِ الْمَبِيعِ وَلَوْ كَانَتْ بَيْعًا لَبَطَلَ وَيَصِحُّ اسْتِرْدَادُ الْمَبِيعِ بِلَا إعَادَةِ الْكَيْلِ وَالْوَزْنِ وَجَازَ هِبَةُ الْمَبِيعِ مِنْهُ بَعْدَ الْإِقَالَةِ قَبْلَ الْقَبْضِ.
(فَإِذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهَا فَسْخًا) بِأَنْ زَادَتْ الْمَبِيعَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً أَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ فِي غَيْرِ الْمُقَايَضَةِ (بَطَلَتْ) الْإِقَالَةُ عِنْدَهُ لِتَعَذُّرِ الْفَسْخِ هَذَا إذَا تَقَايَلَا بَعْدَ الْقَبْضِ وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فَهِيَ فَسْخٌ فِي حَقِّ الْكُلِّ فِي غَيْرِ الْعَقَارِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمَالِكٍ وَهِيَ (بَيْعٌ) فِي حَقِّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فَلَوْ زَادَتْ الْمَبِيعَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً تَجُوزُ الْإِقَالَةُ عِنْدَهُ لِأَنَّهَا تَمْلِيكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ لِعِوَضٍ مَالِيٍّ وَهُوَ الْبَيْعُ وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي دُونَ الْأَلْفَاظِ الْمُجَرَّدَةِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) جَعْلُهَا بَيْعًا بِأَنْ كَانَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَنْقُولِ أَوْ كَانَتْ بَعْدَ هَلَاكِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ فِي الْمُقَايَضَةِ (فَفَسْخٌ) لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ لَهُ أَوْ يَحْتَمِلُهُ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) جَعْلُهَا فَسْخًا وَبَيْعًا بِأَنْ كَانَتْ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْمَنْقُولِ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَقَلَّ مِنْهُ أَوْ بِجِنْسٍ آخَرَ أَوْ بَعْدَ هَلَاكِ السِّلْعَةِ فِي غَيْرِ الْمُقَايَضَةِ (بَطَلَتْ) الْإِقَالَةُ عِنْدَهُ وَيَبْقَى الْبَيْعُ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ وَالْفَسْخُ يَكُونُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَقَدْ سَمَّيَا خِلَافَهُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ) وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَزُفَرَ (فَسْخٌ) إنْ كَانَتْ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ بِأَقَلَّ لِأَنَّ اللَّفْظَ مَوْضُوعٌ لِلْفَسْخِ وَالرَّفْعِ يُقَالُ اللَّهُمَّ أَقِلْنِي عَثَرَاتِي فَيُعْمَلُ بِمُقْتَضَاهُ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) جَعْلُهَا فَسْخًا بِأَنْ تَقَايَلَا بَعْدَ الْقَبْضِ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ أَوْ تَقَايَلَا بَعْدَ الْقَبْضِ بِخِلَافِ جِنْسِ الْأَوَّلِ (فَبَيْعٌ) حَمْلًا عَلَى مُحْتَمَلِهِ وَلِهَذَا صَارَ بَيْعًا فِي حَقِّ غَيْرِهِمَا لِعَدَمِ
стр. 832
وِلَايَتِهِمَا عَلَيْهِ.
(فَإِنْ تَعَذَّرَ) جَعْلُهَا بَيْعًا وَفَسْخًا بِأَنْ تَقَايَلَا فِي الْمَنْقُولِ قَبْلَ الْقَبْضِ عَلَى خِلَافِ جِنْسِ الْأَوَّلِ (بَطَلَتْ) الْإِقَالَةُ وَيَبْقَى الْبَيْعُ الْأَوَّلُ عَلَى حَالِهِ لِأَنَّ الْفَسْخَ لَا يَكُونُ عَلَى خِلَافِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَالْبَيْعُ لَا يَجُوزُ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَبِالْأَقَلِّ مِنْ الثَّمَنِ يَكُونُ فَسْخًا عِنْدَهُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ سُكُوتٌ عَنْ بَعْضِ الثَّمَنِ وَهُوَ لَوْ سَكَتَ عَنْ الْكُلِّ كَانَ فَسْخًا فَكَذَا إذَا سَكَتَ عَنْ الْبَعْضِ.
وَفِي النِّهَايَةِ الْخِلَافُ فِيمَا ذَكَرَ الْفَسْخَ بِلَفْظِ الْإِقَالَةِ وَلَوْ ذَكَرَهُ بِلَفْظِ الْمُفَاسَخَةِ أَوْ الْمُتَارَكَةِ أَوْ الرَّدِّ لَا يُجْعَلُ بَيْعًا اتِّفَاقًا إعْمَالًا بِمُقْتَضَى مَوْضُوعِهِ اللُّغَوِيِّ.
(وَ) الْإِقَالَةُ (قَبْلَ الْقَبْضِ فَسْخٌ فِي النَّقْلِيِّ وَغَيْرِهِ) أَيْ فِي الْمَنْقُولِ وَالْعَقَارِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ فِي الْعَقَارِ بَيْعٌ) جَدِيدٌ إذْ لَا مَانِعَ فِي جَعْلِهَا بَيْعًا فِيهِ وَهِيَ تَمْلِيكٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ كَمَا مَرَّ ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ الْفُرُوعِ بِقَوْلِهِ.
(فَلَوْ شَرَطَ فِيهَا) أَيْ الْإِقَالَةِ (أَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ أَوْ خِلَافَ الْجِنْسِ بَطَلَ الشَّرْطُ وَلَزِمَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ وَهُوَ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الشَّرْطُ فَاسِدًا وَلَغْوًا دُونَ الْإِقَالَةِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْإِقَالَةَ لَا تَفْسُدُ بِالشَّرْطِ الْفَاسِدِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ.
وَقَالَ صَاحِبُ الْمِنَحِ وَتَصِحُّ الْإِقَالَةُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَتَصِحُّ بِالسُّكُوتِ عَنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَيَجِبُ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ بِلَا خِلَافٍ إلَّا إذَا بَاعَ الْمُتَوَلِّي أَوْ الْوَصِيُّ لِلْوَقْفِ أَوْ لِلصَّغِيرِ شَيْئًا بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ أَوْ اشْتَرَيَا شَيْئًا لِلْوَقْفِ أَوْ لِلصَّغِيرِ حَيْثُ لَا تَجُوزُ إقَالَتُهُ وَإِنْ كَانَتْ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ رِعَايَةً لِجَانِبِ الْوَقْفِ وَحَقِّ الصَّغِيرِ (وَعِنْدَهُمَا يَصِحُّ الشَّرْطُ لَوْ) كَانَتْ الْإِقَالَةُ (بَعْدَ الْقَبْضِ) وَتُجْعَلُ الْإِقَالَةُ (بَيْعًا) جَدِيدًا لِأَنَّ الْأَصْلَ هُوَ الْبَيْعُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ إنْ تَعَذَّرَ الْفَسْخُ فَجَعْلُهَا بَيْعًا مُمْكِنٌ فَإِذَا زَادَ أَوْ شَرَطَ خِلَافَ الْجِنْسِ كَانَ قَاصِدًا الْبَيْعَ.
(وَإِنْ شَرَطَ أَقَلَّ) مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ (مِنْ غَيْرِهِ، تَعَيَّبَ) عِنْدَ الْمُشْتَرِي (لَزِمَ) الثَّمَنُ (الْأَوَّلُ أَيْضًا) عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ تُجْعَلُ بَيْعًا وَيَصِحُّ الشَّرْطُ) لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَهُ.
(وَإِنْ تَعَيَّبَ) الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَشَرَطَ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِنَاءً عَلَى الْعَيْبِ (صَحَّ الشَّرْطُ اتِّفَاقًا) فَيَجُوزُ الْإِقَالَةُ بِأَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيُجْعَلُ الْحَطُّ بِإِزَاءِ مَا فَاتَ بِالْعَيْبِ.
(وَلَا تَصِحُّ) الْإِقَالَةُ (بَعْدَ وِلَادَةِ الْمَبِيعَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِمَا مَرَّ أَنَّ الْمَبِيعَةَ إذَا زَادَتْ زِيَادَةً مُنْفَصِلَةً تَكُونُ الْإِقَالَةُ بَاطِلَةً عِنْدَهُ، أَمَّا الْمُنْفَصِلَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ وَالْمُتَّصِلَةُ بَعْدَ الْقَبْضِ فَلَا تَمْنَعُ الْإِقَالَةَ عِنْدَهُ (خِلَافُهَا لَهُمَا) لِأَنَّ الْبَيْعَ هُوَ الْأَصْلُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ الْأَصْلُ إذَا تَعَذَّرَ جَعْلُهَا فَسْخًا تُجْعَلُ بَيْعًا (وَلَا يَمْنَعُهَا) أَيْ الْإِقَالَةَ (هَلَاكُ الثَّمَنِ بَلْ) يَمْنَعُهَا (هَلَاكُ الْمَبِيعِ) لِأَنَّهَا رَفْعُ الْبَيْعِ وَالْأَصْلُ فِيهِ الْمَبِيعُ وَلِهَذَا إذَا هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِخِلَافِ هَلَاكِ الثَّمَنِ (وَهَلَاكُ بَعْضِهِ) أَيْ بَعْضِ الْمَبِيعِ (يَمْنَعُ) الْإِقَالَةَ (بِقَدْرِهِ) اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُلِّ وَفِي التَّنْوِيرِ
стр. 833
وَإِذَا هَلَكَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ فِي الْمُفَاوَضَةِ صَحَّتْ الْإِقَالَةُ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا وَعَلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةُ الْهَالِكِ إنْ قِيَمِيًّا وَمِثْلُهُ إنْ مِثْلِيًّا.
تَقَايَلَا فَأَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي وَعَجَزَ عَنْ تَسْلِيمِهِ تَبْطُلُ.
وَإِنْ اشْتَرَى عَبْدًا فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَأَخَذَ أَرْشَهَا ثُمَّ تَقَايَلَا صَحَّتْ الْإِقَالَةُ وَلَزِمَهُ جَمِيعُ الثَّمَنِ وَلَا شَيْءَ لِلْبَائِعِ مِنْ أَرْشِ الْيَدِ إذَا عَلِمَ وَقْتَ الْإِقَالَةِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ يُخَيَّرُ بَيْنَ الْأَخْذِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَبَيْنِ التَّرْكِ.
وَتَصِحُّ إقَالَةُ الْإِقَالَةِ فَلَوْ تَقَايَلَا الْمَبِيعَ ثُمَّ تَقَايَلَاهَا أَيْ الْإِقَالَةَ ارْتَفَعَتْ وَعَادَ عَقْدُ الْإِقَالَةِ لَا إقَالَةِ السَّلَمِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.
[بَابُ الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ]
ِ لَمَّا فَرَغَ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْبَيْعُ مِنْ الْبُيُوعِ اللَّازِمَةِ وَغَيْرِ اللَّازِمَةِ وَمَا يَرْفَعُهَا شَرَعَ فِي بَيَانِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالثَّمَنِ مِنْ الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ وَغَيْرِهِمَا (الْمُرَابَحَةُ بَيْعُ مَا شَرَاهُ) .
وَفِي الدُّرَرِ بَيْعُ مَا مَلَكَهُ لَمْ يَقُلْ بَيْعُ الْمُشْتَرِي لِيَتَنَاوَلَ مَا إذَا ضَاعَ الْمَغْصُوبُ عِنْدَ الْغَاصِبِ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ حَيْثُ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً عَلَى مَا ضَمِنَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شِرَاءٌ (بِمَا شَرَاهُ بِهِ) أَيْ بِمِثْلِ مَا قَامَ عَلَيْهِ كَمَا فِي الدُّرَرِ ثُمَّ قَالَ وَلَمْ يَقُلْ بِثَمَنِهِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْمُشْتَرِي لَيْسَ بِثَمَنِهِ الْأَوَّلِ بَلْ مِثْلُهُ فَهَذَا عُلِمَ أَنَّ فِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحًا (وَزِيَادَةً) عَلَى مَا قَامَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِهِ وَسَبَبُ جَوَازِ الْبَيْعِ مُرَابَحَةً تَعَامُلُ النَّاسِ بِلَا نَكِيرٍ، وَاحْتِيَاجُ الْغَبِيِّ إلَى الذَّكِيِّ مَعَ أَنَّ الْغَرَضَ مِنْ الْمَبِيعَاتِ الِاسْتِرْبَاحُ.
(وَالتَّوْلِيَةُ) مَصْدَرُ وَلَّى غَيْرَهُ إذَا جَعَلَهُ وَالِيًا.
وَفِي الشَّرْعِ (بَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ مَا مَلَكَهُ (بِهِ) أَيْ بِمِثْلِ مَا قَامَ عَلَيْهِ وَفِي عِبَارَةِ الْمُصَنِّفِ تَسَامُحٌ أَيْضًا لِأَنَّ مَا شَرَاهُ وَهُوَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ صَارَ مِلْكًا لِلْبَائِعِ فَلَا يُمْكِنُ الْبَيْعُ بِهِ وَفِيهِ أَيْضًا اشْتِبَاهٌ لِمَا سَيَجِيءُ مِنْ أَنَّ أُجْرَةَ الصَّبْغِ وَغَيْرِهِ تُضَمُّ إلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَلَا يَكُونُ الثَّانِي مِثْلًا لَهُ فِي الْمِقْدَارِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِمِثْلِ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ بِمَا قَامَ عَلَيْهِ كَمَا فِي شَرْحِ الْمَجْمَعِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الدُّرَرِ لَكَانَ أَوْلَى فَلَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا التَّكْلِيفِ تَدَبَّرْ.
(بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نَقْصٍ) وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَيْعُهُ بَيْعُ الْعَرَضِ لِأَنَّ الْمُرَابَحَةَ وَالتَّوْلِيَةَ لَا تَجُوزَانِ فِي بَيْعِ الصَّرْفِ، وَعِلَّةُ جَوَازِ الْبَيْعِ تَوْلِيَةً مَا رُوِيَ «أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - اشْتَرَى بَعِيرَيْنِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊ وَلِّنِي أَحَدَهُمَا» أَيْ بِعْهُ بِالتَّوْلِيَةِ.
(وَالْوَضِيعَةُ بَيْعُهُ بِأَنْقَصَ مِنْهُ) أَيْ مِمَّا قَامَ عَلَيْهِ مَبْنَاهَا عَلَى الْأَمَانَةِ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَأْتَمِنُ الْبَائِعَ فِي خَبَرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَى قَوْلِهِ فَيَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ التَّنَزُّهُ عَنْ الْخِيَانَةِ وَالتَّجَنُّبُ عَنْ الْكَذِبِ لِئَلَّا يَقَعَ الْمُشْتَرِي فِي غُرُورٍ (وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ) أَيْ كُلٌّ مِنْ التَّوْلِيَةِ وَالْمُرَابَحَةِ وَالْوَضِيعَةِ (مَا لَمْ يَكُنْ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ مِثْلِيًّا) كَالدِّرْهَمِ وَالدِّينَارِ وَالْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا كَأَشْيَاءَ مُتَفَاوِتَةٍ كَالْحَيَوَانَاتِ وَالْجَوَاهِرِ يَكُونُ مُرَابَحَةً بِالْقِيمَةِ وَهُوَ مَجْهُولَةٌ لِأَنَّ مَعْرِفَتَهَا لَا يُمْكِنُ
стр. 834
حَقِيقَةً فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً إلَّا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يُرَابِحُهُ مِمَّنْ يَمْلِكُ ذَلِكَ بِالْبَدَلِ مِنْ الْبَائِعِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ (أَوْ) كَانَ (فِي مِلْكِ مَنْ يُرِيدُ الشِّرَاءَ وَ) يَكُونُ (الرِّبْحُ مَعْلُومًا) لِانْتِفَاءِ الْجَهَالَةِ وَعِبَارَةُ الْمَجْمَعِ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونَ الْعِوَضُ مِثْلِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا لِلْمُشْتَرِي وَالرِّبْحُ مِثْلِيٌّ مَعْلُومٌ انْتَهَى.
وَفِي الْبَحْرِ وَتَقْيِيدُ الرِّبْحِ بِالْمِثْلِيِّ اتِّفَاقِيٌّ لِجَوَازِ أَنْ يُرَابِحَ عَلَى عَيْنٍ قِيمَتُهُ مُشَارٌ إلَيْهَا وَلِذَا قَالَ فِي الْفَتْحِ أَوْ بِرِبْحِ هَذَا الثَّوْبِ وَقَيَّدَ بِكَوْنِهِ مَعْلُومًا لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا بَاعَهُ " ده يازده " أَيْ بِرِبْحِ مِقْدَارِ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ عَلَى أَحَدَ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ فَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ عِشْرِينَ كَانَ الرِّبْحُ دِرْهَمَيْنِ وَإِنْ كَانَ ثَلَاثِينَ كَانَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ بَاعَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَبِبَعْضِ قِيمَتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا.
(وَيَجُوزُ أَنْ يَضُمَّ إلَى رَأْسِ الْمَالِ أُجْرَةَ الْقِصَارَةِ وَالصِّبْغِ) سَوَاءٌ كَانَ أَسْوَدَ أَوْ غَيْرَهُ (وَالطِّرَازِ) بِكَسْرِ الطَّاءِ وَبِالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ زَايٌ: عَلَمُ الثَّوْبِ (وَالْفَتْلِ) بِفَتْحِ الْفَاءِ مَا يُصْنَعُ بِأَطْرَافِ الثِّيَابِ بِحَرِيرٍ أَوْ كَتَّانٍ (وَالْحَمْلِ) أَيْ أُجْرَةُ حَمْلِ الْمَبِيعِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان بَرًّا أَوْ بَحْرًا (وَسَوْقِ الْغَنَمِ وَالسِّمْسَارِ) لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِإِلْحَاقِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِرَأْسِ الْمَالِ فِي عَادَةِ التُّجَّارِ وَالْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ كُلَّ مَا يَزِيدُ فِي الْمَبِيعِ أَوْ قِيمَتِهِ كَالصِّبْغِ وَالْحَمْلِ يُلْحَقُ بِهِ وَمَا لَا فَلَا، وَقَيَّدَ بِالْأُجْرَةِ لِأَنَّهُ لَوْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ بِيَدِهِ لَا يَضُمُّهُ وَكَذَا لَوْ تَطَوَّعَ مُتَطَوِّعٌ بِهِبَةٍ أَوْ بِإِعَارَةٍ وَكَذَا يَضُمُّ تَجْصِيصَ الدَّارِ وَطَيَّ الْبِئْرِ وَكَرْيَ الْأَنْهَارِ وَالْقَنَاةِ وَالْمُسَنَّاةِ وَالْكِرَابِ وَكَشَنْحِ الْكُرُومِ وَسَقْيَهَا وَالزَّرْعَ وَغَرْسَ الْأَشْجَارِ.
وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ يُضَمُّ طَعَامُ الْمَبِيعِ إلَّا مَا كَانَ سَرَفًا وَزِيَادَةً فَلَا يُضَمُّ، وَكِسْوَتُهُ وَكِرَاهُ وَأُجْرَةُ الْمَخْزَنِ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ. وَأَمَّا أُجْرَةُ السِّمْسَارِ وَالدَّلَّالُ فَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ إنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْعَقْدِ تُضَمُّ وَإِلَّا فَأَكْثَرُهُمْ عَلَى عَدَمِ الضَّمِّ فِي الْأَوَّلِ وَلَا تُضَمُّ أُجْرَةُ الدَّلَّالِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى.
وَهُوَ تَسَامُحٌ فَإِنَّ أُجْرَةَ الْأَوَّلِ تُضَمُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَفِي الدَّلَّالِ قِيلَ لَا تُضَمُّ وَالْمَرْجِعُ الْعُرْفُ كَمَا فِي الْفَتْحِ (لَكِنْ يَقُولُ) بَعْدَ ضَمِّ أُجْرَةِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ (قَامَ عَلَيَّ بِكَذَا لَا) يَقُولُ (اشْتَرَيْته) بِالْإِجْمَاعِ تَحَرُّزًا عَنْ الْكَذِبِ وَكَذَا إذَا قَوَّمَ الْمَوْرُوثَ وَنَحْوَهُ يَقُولُ ذَلِكَ وَكَذَا إذَا رَقَّمَ عَلَى الثَّوْبِ شَيْئًا وَبَاعَهُ بِرَقْمِهِ فَإِنَّهُ يَقُولُ بِرَقْمِهِ كَذَا (وَلَا يَضُمُّ نَفَقَتَهُ) أَيْ نَفَقَةَ نَفْسِهِ أَيْ الْبَائِعِ (وَلَا) يَضُمُّ (أَجْرَ الرَّاعِي وَالطَّبِيبِ وَالْمُعَلِّمِ وَبَيْتِ الْحِفْظِ) لِعَدَمِ الْعُرْفِ بِإِلْحَاقِهِ، أَطْلَقَ فِي التَّعْلِيمِ فَشَمِلَ تَعْلِيمَ الْعَبْدِ صِنَاعَةً أَوْ قُرْآنًا أَوْ شِعْرًا أَوْ غِنَاءً أَوْ عَرَبِيَّةً.
وَفِي الْمَبْسُوطِ أَضَافَ نَفْيَ ضَمِّ الْمُنْفِقِ فِي التَّعْلِيمِ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُرْفٌ ظَاهِرٌ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي ذَلِكَ عُرْفٍ ظَاهِرٍ يُلْحِقُهُ بِرَأْسِ الْمَالِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَلِذَا لَا يُلْحَقُ أُجْرَةُ الرَّائِضِ وَالْبَيْطَارِ وَالْفِدَاءِ فِي الْجِنَايَةِ وَجُعْلِ الْآبِقُ لِنُدْرَتِهِ وَالْحَجَّامَةِ وَالْخَتَّانِ لِعَدَمِ الْعُرْفِ وَكَذَا لَا يُضَمُّ مَهْرُ الْعَبْدِ
стр. 835
وَلَا يُحَطُّ مَهْرُ الْأَمَةِ لَوْ زَوَّجَهَا وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ فِي الطَّرِيقِ بِطَرِيقِ الظُّلْمِ لَا يُضَمُّ إلَّا فِي مَوْضِعٍ جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.
(فَإِنْ ظَهَرَ لِلْمُشْتَرِي خِيَانَةُ) الْبَائِعِ (فِي الْمُرَابَحَةِ) إمَّا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ أَوْ بِنُكُولِهِ عَنْ الْيَمِينِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقِيلَ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِإِقْرَارِهِ (خُيِّرَ) الْمُشْتَرِي (فِي أَخْذِهِ بِكُلِّ ثَمَنِهِ) وَهُوَ الْمُسَمَّى (أَوْ تَرْكِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ إنْ أَمْكَنَ التَّرْكُ.
(وَ) إنْ ظَهَرَ الْخِيَانَةُ (فِي التَّوْلِيَةِ يَحُطُّ) أَيْ الْمُشْتَرِي (مِنْ ثَمَنِهِ قَدْرَ الْخِيَانَةِ) عِنْدَ الْإِمَامِ (وَهُوَ) أَيْ الْحَطُّ (الْقِيَاسُ فِي الْوَضِيعَةِ) يَعْنِي إذَا خَانَ خِيَانَةً يَنْفِي الْوَضِيعَةَ، أَمَّا إذَا كَانَتْ خِيَانَةً يُوجَدُ الْوَضِيعَةُ مَعَهَا فَهُوَ بِالْخِيَارِ وَهَذَا قِيَاسُ قَوْلِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ لَوْ اعْتَبَرَهُ مَا سَمَّاهُ مِنْ الثَّمَنِ لِمَا بَقِيَ تَوْلِيَةً لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فَيَنْقَلِبُ مُرَابَحَةً بِخِلَافِ الْمُرَابَحَةِ لِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فِيهِ الْمُسَمَّى لَا يَلْزَمُ الِانْقِلَابُ بَلْ مُرَابَحَةٌ كَمَا كَانَتْ فَاعْتُبِرَ الْمُسَمَّى مَعَ الْخِيَارِ فِي خِيَانَةِ الْمُرَابَحَةِ لِفَوْتِ الرِّضَى وَلَمْ يُعْتَبَرْ فِي خِيَانَةِ التَّوْلِيَةِ لِئَلَّا تَنْقَلِبَ مُرَابَحَةً فَتَعَيَّنَ الْحَطُّ فِي خِيَانَةِ التَّوْلِيَةِ.
(وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ يَحُطُّ فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ (قَدْرَ الْخِيَانَةِ مَعَ حِصَّتِهَا) أَيْ حِصَّةِ الْخِيَانَةِ (مِنْ الرِّبْحِ فِي الْمُرَابَحَةِ) مَثَلًا إذَا قَالَ اشْتَرَيْتُ هَذَا الثَّوْبَ بِعَشْرَةٍ فَبَاعَهُ مُرَابَحَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الْبَائِعَ كَانَ اشْتَرَاهُ بِثَمَانِيَةٍ يَحُطُّ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَهُوَ دِرْهَمَانِ وَيَحُطُّ مِنْ الرِّبْحِ مَا يُقَابِلُ قَدْرَ الْخِيَانَةِ وَهُوَ دِرْهَمٌ وَاحِدٌ فَيَأْخُذُ الثَّوْبَ بِاثْنَيْ عَشْرَةَ دِرْهَمًا إذْ لَفْظُ التَّوْلِيَةِ وَالْمُرَابَحَةِ أَصْلٌ فَيَبْتَنِي عَلَى الْعَقْدِ الْأَوَّلِ لِتَحَقُّقِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ التَّوْلِيَةُ وَالْمُرَابَحَةُ (وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يُخَيَّرُ) بَيْنَ أَخْذِهِ بِكُلِّ الثَّمَنِ وَتَرْكِهِ (فِيهِمَا) أَيْ فِي الْمُرَابَحَةِ وَالتَّوْلِيَةِ إذْ الثَّمَنُ الْمُبْتَنَى عَلَى شِرَائِهِ مَجْهُولٌ وَالثَّمَنُ الْمُسَمَّى مَعْلُومٌ وَالْمَعْلُومُ أَوْلَى مِنْ الْمَجْهُولِ فَاعْتُبِرَ فِيهِمَا الْمُسَمَّى إلَّا أَنَّهُ يُخَيَّرُ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ الرِّضَى.
(فَلَوْ هَلَكَ) الْمَبِيعُ بَعْدَ ظُهُورِ الْخِيَارِ فِي الْمُرَابَحَةِ (قَبْلَ الرَّدِّ) إلَى الْبَائِعِ (أَوْ امْتَنَعَ الْفَسْخُ) بِحُدُوثِ مَا يَمْنَعُ الرَّدَّ (لَزِمَ كُلُّ الثَّمَنِ) الْمُسَمَّى وَسَقَطَ الْخِيَارُ (اتِّفَاقًا) قَالَ فِي الْهِدَايَةِ يَلْزَمُهُ جَمِيعَ الثَّمَنِ فِي الرِّوَايَاتِ الظَّاهِرَةِ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ خِيَارٍ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ كَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ وَالشَّرْطِ بِخِلَافِ خِيَارِ الْعَيْبِ لِأَنَّهُ مُطَالَبَةٌ بِتَسْلِيمِ الْفَائِتِ فَيَسْقُطُ مَا يُقَابِلُهُ عِنْدَ عَجْزِهِ. انْتَهَى.
وَفِي الْكَافِي وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ يَرُدُّ قِيمَةَ الْمَبِيعِ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِثَمَنٍ سَلَّمَهُ إلَيْهِ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي إقَامَةِ الْقِيمَةِ مَقَامَ الْمَبِيعِ فِي التَّحَالُفِ انْتَهَى فَعَلَى هَذَا إنَّ قَوْلَهُ اتِّفَاقًا لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ تَدَبَّرْ.
(وَمَنْ شَرَى شَيْئًا بِعَشْرَةٍ فَبَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ثُمَّ شَرَاهُ) هَذَا الثَّوْبَ (ثَانِيًا بِعَشْرَةٍ يُرَابِحُ عَلَى خَمْسَةٍ) يَعْنِي يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى خَمْسَةٍ وَيَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِخَمْسَةٍ.
(وَإِنْ شَرَاهُ ثَانِيًا بِخَمْسَةٍ لَا يُرَابِحُ) يَعْنِي إذَا اسْتَغْرَقَ الرِّبْحُ الثَّمَنَ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً أَصْلًا عِنْدَ الْإِمَامِ (وَعِنْدَهُمَا يُرَابِحُ عَلَى الثَّمَنِ الْأَخِيرِ مُطْلَقًا) سَوَاءٌ اسْتَغْرَقَ الرِّبْحُ الثَّمَنَ كَمَا فِي الثَّانِيَةِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْأُولَى لِأَنَّ الْأَخِيرَ عَقْدٌ
стр. 836
مُتَجَدِّدٌ مُنْقَطِعُ الْأَحْكَامِ عَنْ الْأَوَّلِ فَيَجُوزُ بِنَاءُ الْمُرَابَحَةِ عَلَيْهِ كَمَا إذَا تَحَلَّلَ ثَالِثٌ بِأَنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَجْنَبِيٍّ ثُمَّ بَاعَهُ الْأَجْنَبِيُّ مِنْ الْبَائِعِ ثُمَّ اشْتَرَاهُ الْأَوَّلُ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً عَلَى الثَّمَنِ الْأَخِيرِ وَلَهُ أَنَّ شُبْهَةَ حُصُولِ الرِّبْحِ الْأَوَّلِ بِالْعَقْدِ الثَّانِي ثَابِتَةٌ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ بِهِ بَعْدَمَا كَانَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ بِالظُّهُورِ عَلَى عَيْبٍ وَالشُّبْهَةُ كَالْحَقِيقَةِ فِي بَيْعِ الْمُرَابَحَةِ احْتِيَاطًا وَلِهَذَا لَا تَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ فِيمَا أَخَذَهُ بِالصُّلْحِ لِشُبْهَةِ الْحَطِيطَةِ فِيهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ.
وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْمُحِيطِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَوْثَقُ وَمَا قَالَاهُ أَرْفَقُ
(وَإِنْ اشْتَرَى مَأْذُونٌ مَدْيُونٌ بِعَشَرَةٍ وَبَاعَ مِنْ سَيِّدِهِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ أَوْ بِالْعَكْسِ) بِأَنْ اشْتَرَى الْمَوْلَى بِعَشَرَةٍ مَثَلًا وَبَاعَهُ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ الْمُسْتَغْرَقِ بِالدَّيْنِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ (يُرَابِحُ) السَّيِّدُ فِي الْأُولَى وَالْعَبْدُ فِي الثَّانِيَةِ (عَلَى عَشَرَةٍ) فَيَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِعَشَرَةٍ لِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مِلْكُهُ وَمَا فِي يَدِهِ لَا يَخْلُو عَنْ حَقِّهِ فَاعْتُبِرَ عَدَمًا فِي حَقِّ الْمُرَابَحَةِ وَبَقِيَ الِاعْتِبَارُ لِلْبَيْعِ الْأَوَّلِ فَيَصِيرُ كَأَنَّ الْعَبْدَ اشْتَرَاهُ لِلْمَوْلَى بِعَشَرَةٍ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ وَكَأَنَّهُ يَبِيعُهُ لِلْمَوْلَى فِي الْفَصْلِ الثَّانِي فَيُعْتَبَرُ الثَّمَنُ الْأَوَّلُ.
وَالْمُكَاتَبُ كَالْمَأْذُونِ لِوُجُودِ التُّهْمَةِ بَلْ كُلُّ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةٌ لَهُ كَالْأُصُولِ وَالْفُرُوعِ وَأَحَدِ الزَّوْجَيْنِ وَأَحَدِ الْمُتَفَاوِضَيْنِ كَذَلِكَ وَخَالَفَاهُ فِيمَا عَدَا الْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ وَتَقْيِيدُهُ بِالْمَدْيُونِ اتِّفَاقِيٌّ لِيُعْلَمَ حُكْمَ غَيْرِهِ بِالْأَوْلَى لِوُجُودِ مِلْكِ الْمَوْلَى فِي اكْتِسَابِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَفِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَيْسَ بِاتِّفَاقِيٍّ بَلْ لِتَحَقُّقِ الشِّرَاءِ قَالَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَالشِّرَاءُ الثَّانِي بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا كَانَ لَا دَيْنَ عَلَيْهِ فَمَالُهُ لِمَوْلَاهُ كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ تَدَبَّرْ.
هَذَا إذَا لَمْ يُبَيِّنْ أَمَّا إنْ بَيَّنَ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ عَبْدِهِ الْمَأْذُونِ أَوْ مِنْ مُكَاتَبِهِ أَوْ بَيَّنَ أَنَّهُمَا اشْتَرَيَا مِنْ الْمَوْلَى يَجُوزُ بَيْعُهُمْ مُرَابَحَةً كَمَا فِي النُّقَايَةِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ إلَّا أَنْ يُبَيِّنَ لَكَانَ أَوْلَى.
(وَالْمُضَارِبُ بِالنِّصْفِ لَوْ شَرَى) بِمَالِ الْمُضَارَبَةِ شَيْئًا (بِعَشَرَةٍ وَبَاعَ مِنْ رَبِّ الْمَالِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ يُرَابِحُ رَبَّ الْمَالِ عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ) فَيَقُولُ قَامَ عَلَيَّ بِاثْنَيْ عَشَرَ وَنِصْفٍ هَذَا عِنْدَنَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَسْتَفِيدُ مِلْكَ الْيَدِ بِهَذَا الْعَقْدِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَفِدْ مِلْكَ الرَّقَبَةِ فَيُعْتَبَرُ الْعَقْدُ مَعَ شُبْهَةِ الْعَدَمِ لِأَنَّ الْمُضَارِبَ وَكِيلٌ عَنْ رَبِّ الْمَالِ فِي الْبَيْعِ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهٍ فَجُعِلَ الْبَيْعُ الثَّانِي عَدَمًا فِي حَقِّ نِصْفِ الرِّبْحِ وَعِنْدَ زُفَرَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ رَبِّ الْمَالِ مِنْ الْمُضَارِبِ وَلَا بَيْعُ الْمُضَارِبِ مِنْهُ لِانْعِدَامِ الرِّبْحِ لِأَنَّ الرِّبْحَ يَحْصُلُ إذَا بِيعَ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ إذْ الْبَيْعُ تَمْلِيكُ مَالٍ بِمَالِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَشْتَرِي مَالَهُ بِمَالِهِ (وَيُرَابِحُ) مَنْ يُرِيدُ الْمُرَابَحَةَ (بِلَا بَيَانٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ سَلِيمًا بِكَذَا مِنْ الثَّمَنِ فَتَعَيَّبَ عِنْدَهُ أَمَّا بَيَانُ نَفْسِ الْعَيْبِ الْقَائِمِ بِهِ فَلَا بُدَّ مِنْهُ لِئَلَّا يَكُونَ غَاشًّا لَهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(لَوْ اعْوَرَّتْ الْمَبِيعَةُ) بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِصُنْعِ الْمَبِيعَةِ (أَوْ وُطِئَتْ وَهِيَ)
стр. 837
وَالْحَالُ أَنَّهَا (ثَيِّبٌ) وَلَمْ يُنْقِصْهَا الْوَطْءُ سَوَاءٌ كَانَ الْوَاطِئُ مَوْلَاهَا أَوْ غَيْرَهُ، وَلِذَا أَتَى بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (أَوْ أَصَابَ الثَّوْبَ قَرْضُ فَأْرٍ) أَيْ قَطْعُ فَأْرٍ (أَوْ حَرْقُ نَارٍ) لِأَنَّ جَمِيعَ مَا يُقَابِلُهُ الثَّمَنُ قَائِمٌ إذْ الْفَائِتُ وَصْفٌ فَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ إذَا فَاتَ بِلَا صُنْعِهِ وَلِذَا لَوْ فَاتَ فِي يَدِ الْبَائِعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمُشْتَرِي لَا يَسْقُطُ بِاعْتِبَارِ شَيْءٍ مِنْ الثَّمَنِ إلَّا أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بِالْخِيَارِ أَخْذُهُ بِكُلِّ الثَّمَنِ أَوْ تَرْكُهُ وَكَذَا مَنَافِعُ الْبُضْعِ لَا يُقَابِلُهَا الثَّمَنُ. وَعِنْدَ زُفَرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ يَجِبُ الْبَيَانُ لِأَجْلِ النُّقْصَانِ فِي صُورَةِ الِاعْوِرَارِ أَمَّا فِي صُورَةِ وَطْءِ الثَّيِّبِ فَلَا خِلَافَ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ وَقَوْلُ زُفَرَ أَجْوَدُ وَبِهِ نَأْخُذُ وَرَجَّحَهُ فِي الْفَتْحِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ إنْ نَقَصَهُ قَدْرًا لَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ لَا يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِلَا بَيَانٍ وَدَلَّ كَلَامُهُ أَنَّهُ لَوْ نَقَصَ بِتَغْيِيرِ السِّعْرِ بِأَمْرِ اللَّهِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُعَيِّنَ، بِالْأَوْلَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ فِي حَالِ غَلَائِهِ وَكَذَا لَوْ اصْفَرَّ الثَّوْبُ لِطُولِ مُكْثِهِ أَوْ تَوَسَّخَ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَإِنْ فُقِئَتْ عَيْنُهَا) بِمُبَاشَرَةِ الْغَيْرِ سَوَاءٌ فَقَأَهَا الْمَوْلَى أَوْ الْأَجْنَبِيُّ بِأَمْرِ الْمَوْلَى أَوْ بِدُونِهِ (أَوْ وُطِئَتْ وَهِيَ بِكْرٌ) سَوَاءٌ كَانَ الْوَاطِئُ مَوْلَاهَا أَوْ غَيْرَهُ (أَوْ تَكَسَّرَ الثَّوْبُ مِنْ طَيِّهِ وَنَشْرِهِ لَزِمَ الْبَيَانُ) أَيْ يَبِيعُهُ مُرَابَحَةً بِشَرْطِ أَنْ يُبَيِّنَ الْعَيْبَ حَيْثُ احْتَبَسَ عِنْدَهُ جُزْءَ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَهُوَ الْعُذْرَةُ وَالْعَيْنُ لِأَنَّ إزَالَةَ الْعُذْرَةِ وَإِخْرَاجَ الْعَيْنِ عِنْدَ كَوْنِهَا فِي مِلْكِهِ فَلَا يَمْلِكُ بَيْعَ الْبَاقِي بِكُلِّ الثَّمَنِ مُرَابَحَةً وَتَوْلِيَةً إذْ الْأَوْصَافُ إذَا صَارَتْ مَقْصُودَةً بِالْإِتْلَافِ صَارَ بِهَا حِصَّةٌ مِنْ الثَّمَنِ بِلَا خِلَافٍ، أَمَّا إذَا فَقَأَهَا الْأَجْنَبِيُّ فَيَجِبُ الْبَيَانُ، أَخَذَ أَرْشَهَا أَوْ لَا لِأَنَّهُ لَمَّا فَقَأَ الْأَجْنَبِيُّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ ضَمَانَ الْأَرْشِ وَوُجُوبُ ضَمَانِ الْأَرْشِ سَبَبٌ لِأَخْذِ الْأَرْشِ فَأَخَذَ حُكْمَهُ فَمَا وَقَعَ فِي الْهِدَايَةِ مِنْ التَّقْيِيدِ يَقُولُ وَأَخْذُ الْمُشْتَرِي أَرْشَهُ اتِّفَاقِيٌّ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمُبَاشَرَةِ الْغَيْرِ لِأَنَّهُ إذَا فَقَأَ بِفِعْلِ نَفْسِ الْمَبِيعِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ تَعَيَّبَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ.
(وَإِنْ اشْتَرَى بِنَسِيئَةٍ وَرَابَحَ بِلَا بَيَانٍ خُيِّرَ الْمُشْتَرِي) أَيْ مَنْ اشْتَرَى ثَوْبًا بِعَشَرَةٍ نَسِيئَةً وَبَاعَهُ بِرِبْحِ وَاحِدٍ حَالًّا وَلَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ فَعَلِمَ الْمُشْتَرِي خِيَانَتَهُ يَصِيرُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ رَدَّهُ وَإِنْ شَاءَ قَبِلَهُ لِأَنَّ لِلْأَجَلِ شَبَهًا بِالْمَبِيعِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُزَادُ فِي الثَّمَنِ لِأَجْلِ الْأَجَلِ وَالشُّبْهَةُ فِي هَذَا مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ احْتِيَاطًا فَصَارَ كَأَنَّهُ اشْتَرَى شَيْئَيْنِ وَبَاعَ أَحَدَهُمَا مُرَابَحَةً بِثَمَنِهِمَا (فَإِنْ أَتْلَفَهُ) أَيْ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ (ثُمَّ عَلِمَ لَزِمَ كُلُّ ثَمَنِهِ) الْمُسَمَّى إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا وِلَايَةُ الرَّدِّ وَلَا رَدَّ مَعَ الْإِتْلَافِ وَلَوْ عَبَّرَ بِالتَّلَفِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ حُكْمَ الْإِتْلَافِ يُعْلَمُ مِنْ حُكْمِ التَّلَفِ بِالْأَوْلَى بِخِلَافِ الْعَكْسِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَكَذَا التَّوْلِيَةُ) يَعْنِي لَوْ اشْتَرَى بِنَسِيئَةٍ وَوَلَّاهُ بِلَا بَيَانٍ ثُمَّ عَلِمَ الْمُشْتَرِي الْخِيَانَةَ خُيِّرَ لِأَنَّ الْخِيَانَةَ فِي التَّوْلِيَةِ مِثْلُهَا فِي الْمُرَابَحَةِ لِابْتِنَائِهَا عَلَى الثَّمَنِ الْأَوَّلِ كَمَا فِي الْفَرَائِدِ وَغَيْرِهِ لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَعُودَ قَوْلُهُ وَكَذَا التَّوْلِيَةُ إلَى جَمِيعِ مَا ذَكَرَهُ لِلْمُرَابَحَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ الْبَيَانِ فِي التَّوْلِيَةِ أَيْضًا كَمَا فِي الْبَحْرِ.
стр. 838
(وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ بِصَفْقَةٍ كُلًّا بِخَمْسَةٍ كُرِهَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا مُرَابَحَةً بِخَمْسَةٍ بِلَا بَيَانٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِخَمْسَةٍ مَعَ ثَوْبٍ آخَرَ لِأَنَّ الْجَيِّدَ قَدْ يُضَمُّ إلَى الرَّدِيءِ لِتَرْوِيجِهِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ وَقَالَا لَا يُكْرَهُ، قَيَّدَ بِثَوْبَيْنِ لِأَنَّ الْمُشْتَرَى لَوْ كَانَ مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ يَجُوزُ بِلَا كَرَاهَةٍ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِصَفْقَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَا بِصَفْقَتَيْنِ يَجُوزُ أَيْضًا اتِّفَاقًا، وَقَيَّدَ بِكُلًّا بِخَمْسَةٍ إذْ لَوْ بَيَّنَ ثَمَنَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَا يُكْرَهُ اتِّفَاقًا وَقَيَّدَ بِخَمْسَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِالزَّائِدِ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَقَيْدُ (الْمُرَابَحَةِ) لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ التَّوْلِيَةِ لِأَنَّهَا فِي الْحُكْمِ كَذَلِكَ بَلْ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ مُطْلَقًا لَا يُكْرَهُ اتِّفَاقًا.
(وَمَنْ وَلَّى) أَيْ بَاعَ شَيْئًا بِالتَّوْلِيَةِ (بِمَا قَامَ عَلَيْهِ) أَوْ بِمَا اشْتَرَاهُ (وَلَمْ يَعْلَمْ مُشْتَرِيه قَدْرَهُ) بِكَمْ قَامَ عَلَيْهِ فِي الْمَجْلِسِ (فَسَدَ) الْبَيْعُ لِجَهَالَةِ الثَّمَنِ وَكَذَا الْمُرَابَحَةُ.
(وَإِنْ عَلِمَهُ) أَيْ عَلِمَ الْمُشْتَرِي قَدْرَهُ (فِي الْمَجْلِسِ خُيِّرَ) بَيْنَ أَخْذِهِ وَتَرْكِهِ لِأَنَّ الْفَسَادَ لَمْ يَتَقَرَّرْ فَإِذَا حَصَلَ الْعِلْمُ فِي الْمَجْلِسِ جُعِلَ كَابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَصَارَ كَتَأْخِيرِ الْقَبُولِ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ فَإِنْ عَلِمَ بَعْدَ التَّفْرِيقِ يَتَقَرَّرُ الْفَسَادُ.
وَفِي التَّنْوِيرِ لَا رَدَّ بِغَبْنٍ فَاحِشٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَيُفْتَى بِالرَّدِّ إنْ غَرَّهُ وَإِلَّا لَا وَتَصَرُّفُهُ فِي بَعْضِ الْمَبِيعِ غَيْرُ مَانِعٍ مِنْهُ.
[فَصَلِّ فِي بَيَان الْبَيْع قَبْل قبض الْمَبِيع]
فَصَلِّ بَيَانِ الْبَيْعِ قَبْلَ قَبْضِ الْمَبِيعِ وَالتَّصَرُّفِ فِي الثَّمَنِ بِالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَجْهُ إيرَادِ الْفَصْلِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْمَسَائِلَ الْمَذْكُورَةَ فِيهِ لَيْسَتْ مِنْ بَابِ الْمُرَابَحَةِ وَوَجْهُ ذِكْرِهِ فِي بَابِهَا لِلِاسْتِطْرَادِ بِاعْتِبَارِ تَقْيِيدِهَا بِقَيْدٍ زَائِدٍ عَلَى الْبَيْعِ الْمُجَرَّدِ (لَا يَصِحُّ بَيْعُ الْمَنْقُولِ قَبْلَ قَبْضِهِ) «لِنَهْيِهِ ﵊ عَنْ بَيْعِ مَا لَمْ يُقْبَضْ» وَلِأَنَّ فِيهِ غَرَرَ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ عَلَى اعْتِبَارِ الْهَلَاكِ بِخِلَافِ هِبَتِهِ وَالتَّصَدُّقِ بِهِ وَإِقْرَاضِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ مِنْ غَيْرِ الْبَائِعِ فَإِنَّهُ صَحِيحٌ عِنْدَ مُحَمَّدٍ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا كِتَابَةُ الْعَبْدِ الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ مَوْقُوفَةٌ، وَلِلْبَائِعِ حَبْسُهُ بِالثَّمَنِ وَإِنْ نَقَدَهُ نَفَذَتْ كَمَا فِي التَّبْيِينِ وَلَا خُصُوصِيَّةَ لَهَا بَلْ كُلُّ عَقْدٍ تَقَبَّلَ النَّقْضَ فَهُوَ مَوْقُوفٌ، وَأَمَّا تَزْوِيجُ الْجَارِيَةِ الْمَبِيعَةِ قَبْلَ قَبْضِهَا فَجَائِزٌ بِدَلِيلِ صِحَّةِ تَزْوِيجِ الْآبِقِ وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ بِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ فَصَحِيحَةٌ اتِّفَاقًا. وَإِطْلَاقُ الْبَيْعِ شَامِلٌ لِلْإِجَارَةِ وَالصُّلْحِ لِأَنَّهُ بَيْعٌ وَقُيِّدَ بِالْمَنْقُولِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَهْرًا أَوْ مِيرَاثًا أَوْ بَدَلَ الْخُلْعِ أَوْ الْعِتْقِ عَنْ مَالٍ أَوْ بَدَلَ الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ يَجُوزُ بَيْعُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ بِالِاتِّفَاقِ وَالْأَصْلُ أَنَّ عِوَضَ مِلْكٍ بِعَقْدٍ يَنْفَسِخُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ قَبْضِهِ فَالتَّصَرُّفُ فِيهِ غَيْرُ جَائِزٍ وَمَا لَا فَجَائِزٌ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَيَصِحُّ فِي الْعَقَارِ) أَيْ يَصِحُّ بَيْعُ عَقَارٍ لَا يُخْشَى هَلَاكُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ وَاعْتِبَارًا بِالْمَنْقُولِ وَلَهُمَا أَنَّ رُكْنَ الْبَيْعِ صَدَرَ عَنْ أَهْلِهِ فِي مَحِلِّهِ وَلَا غَرَرَ فِيهِ لِأَنَّ الْهَلَاكَ
стр. 839
بِالْعَقَارِ نَادِرٌ حَتَّى إذَا تُصُوِّرَ هَلَاكُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِأَنْ كَانَ عَلَى شَطِّ النَّهْرِ أَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عُلُوًّا فَعَلَى هَذَا لَوْ قُيِّدَ بِلَا يُخْشَى هَلَاكُهُ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا قَيَّدْنَا لَكَانَ أَوْلَى تَدَبَّرْ بِخِلَافِ الْمَنْقُولِ. وَالْغَرَرُ الْمَنْهِيُّ غَرَرُ انْفِسَاخِ الْعَقْدِ، وَالْحَدِيثُ مَعْلُولٌ بِهِ عَمَلًا بِدَلَائِلِ الْجَوَازِ وَإِنَّمَا عَبَّرَ بِالصِّحَّةِ دُونَ النَّفَاذِ وَاللُّزُومِ لِأَنَّ النَّفَاذَ وَاللُّزُومَ مَوْقُوفَانِ عَلَى نَقْدِ الثَّمَنِ أَوْ رِضَى الْبَائِعِ وَإِلَّا فَلِلْبَائِعِ إبْطَالُهُ وَكَذَا كُلُّ تَصَرُّفٍ يَقْبَلُ النَّقْضَ إذَا فَعَلَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ بَعْدَهُ بِغَيْرِ إذْنِ الْبَائِعِ فَلِلْبَائِعِ إبْطَالُهُ بِخِلَافِ مَا لَا يَقْبَلُ النَّقْضَ كَالْعِتْقِ وَالتَّدْبِيرِ وَالِاسْتِيلَادِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
(وَمَنْ اشْتَرَى كَيْلِيًّا كَيْلًا) أَيْ بِشَرْطِ الْكَيْلِ (لَا يَجُوزُ لَهُ) أَيْ لِلْمُشْتَرِي (بَيْعُهُ وَلَا أَكْلُهُ حَتَّى يَكِيلَهُ) ثَانِيًا لِقَوْلِهِ ﵇ «إذَا ابْتَعْت فَاكْتَلْ وَإِذَا بِعْت فَكِلْ» وَلِاحْتِمَالِ الْغَلَطِ فِي الْكَيْلِ الْأَوَّلِ إذْ رُبَّمَا يَنْقُصُ أَوْ يَزِيدُ فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ فَيَصِيرُ التَّصَرُّفُ فِي مَالِ الْغَيْرِ حَرَامًا فَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ لِكَوْنِهِ رِبَوِيًّا بِخِلَافِ مَا إذَا اشْتَرَى مُجَازَفَةً لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَسَادَ الْبَيْعِ وَنَصَّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى فَسَادِهِ.
وَفِي الْفَتْحِ نَقْلًا عَلَى الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَوْ أَكَلَهُ وَقَدْ قَبَضَهُ بِلَا كَيْلٍ لَا يُقَالُ أَنَّهُ أَكَلَهُ حَرَامًا لِأَنَّهُ أَكَلَ مِلْكَ نَفْسِهِ إلَّا أَنَّهُ أَثِمَ لِتَرْكِهِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الْكَيْلِ وَكَانَ هَذَا الْكَلَامُ أَصْلًا فِي سَائِرِ الْمَبِيعَاتِ بَيْعًا فَاسِدًا إذَا قَبَضَهَا فَمَلَكهَا فَأَكَلَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَكْلُ مَا اشْتَرَاهُ فَاسِدًا وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ إذَا أَكَلَهُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ: أَكَلَ حَرَامًا (وَكَفَى كَيْلُ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِحَضْرَتِهِ) أَيْ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّ الْمَبِيعَ صَارَ مَعْلُومًا بِهِ وَتَحَقَّقَ التَّسْلِيمُ وَ (هُوَ الصَّحِيحُ) رَدٌّ لَمَّا قِيلَ شُرِطَ كَيْلَانِ: كَيْلُ الْبَائِعِ بَعْدَ الْعَقْدِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي وَكِيلُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ التَّصَرُّفِ فِيهِ قُيِّدَ بِبَعْدِ الْعَقْدِ وَبِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي لِأَنَّهُ إذَا كَالَهُ قَبْلَ الْعَقْدِ مُطْلَقًا وَبَعْدَهُ فِي غَيْبَةِ الْمُشْتَرِي لَا يَكُونُ كَافِيًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَمِثْلُهُ) أَيْ مِثْلُ الْكَيْلِيِّ (الْوَزْنِيُّ وَالْعَدَدِيُّ) غَيْرَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ أَيْ لَا يَبِيعُهُ وَلَا يَأْكُلُهُ حَتَّى يَزِنَهُ أَوْ يَعُدَّهُ ثَانِيًا وَيَكْفِي إنْ وَزَنَهُ أَوْ عَدَّهُ بَعْدَ الْبَيْعِ بِحَضْرَةِ الْمُشْتَرِي.
وَفِي الْمُجْتَبَى لَوْ اشْتَرَى الْمَعْدُودَ عَدًّا كَالْمَوْزُونِ لِحُرْمَةِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ هَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَعَنْهُ أَنَّهُ كَالْمَذْرُوعِ وَهُوَ قَوْلُهُمَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ فَعَلَى هَذَا يَلْزَمُ لِلْمُصَنِّفِ التَّفْصِيلُ تَدَبَّرْ وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِغَيْرِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ لِأَنَّهُمَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِمَا بَعْدَ الْقَبْضِ قَبْلَ الْوَزْنِ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ هَذَا كُلُّهُ فِي غَيْرِ بَيْعِ التَّعَاطِي أَمَّا هُوَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى وَزْنِ الْمُشْتَرِي ثَانِيًا وَإِنْ صَارَ بَيْعًا بِالْقَبْضِ بَعْدَ الْوَزْنِ.
وَفِي الْخُلَاصَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى (لَا الْمَذْرُوعُ) أَيْ لَا يَحْرُمُ بَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ إعَادَةِ الذَّرْعِ بَعْضَ الْقَبْضِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَهُ إذْ الذِّرَاعُ وَصْفٌ فِي الثَّوْبِ وَاحْتِمَالُ النَّقْصِ إنَّمَا يُوجِبُ خِيَارَهُ وَقَدْ أُسْقِطَ بِبَيْعِهِ بِخِلَافِ الْمُقَدَّرِ.
وَفِي التَّبْيِينِ هَذَا إذَا لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ ذِرَاعٍ ثَمَنًا وَإِنْ سَمَّى فَلَا يَحِلُّ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ حَتَّى يَذْرَعَ.
(وَصَحَّ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ) بِبَيْعٍ وَهِبَةٍ
стр. 840
وَإِجَارَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَمْلِيكٍ مِمَّنْ عَلَيْهِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِ عِوَضٍ (قَبْلَ قَبْضِهِ) سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ كَالنُّقُودِ أَوْ مِمَّا يَتَعَيَّنُ كَالْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ حَتَّى لَوْ بَاعَ إبِلًا بِدَرَاهِمَ أَوْ بِكُرٍّ مِنْ الْحِنْطَةِ جَازَ أَنْ يَأْخُذَ بَدَلَهُ شَيْئًا آخَرَ لِأَنَّ الْمُطْلِقَ لِلتَّصَرُّفِ وَهُوَ الْمِلْكُ قَائِمٌ وَالْمَانِعُ وَهُوَ غَرَرُ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ مُنْتَفٍ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعْيِينِ أَيْ فِي النُّقُودِ بِخِلَافِ الْمَبِيعِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنَّ الْمُدَّعَى عَامٌّ وَهُوَ التَّصَرُّفُ فِي الثَّمَنِ قَبْلَ الْقَبْضِ جَائِزٌ مُطْلَقًا سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا لَا يَتَعَيَّنُ أَوْ مِمَّا يَتَعَيَّنُ كَمَا مَرَّ وَالدَّلِيلُ وَهُوَ انْتِفَاءُ غَرَرِ الِانْفِسَاخِ بِالْهَلَاكِ لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا بِالتَّعْيِينِ فَيَكُونُ الدَّلِيلُ أَخَصَّ مِنْ الْمُدَّعَى تَدَبَّرْ (وَالْحَطُّ مِنْهُ) أَيْ صَحَّ حَطُّ الْبَائِعِ بَعْضَ الثَّمَنِ وَلَوْ بَعْدَ هَلَاكِ الْمَبِيعِ لِأَنَّهُ بِحَالٍ يُمْكِنُ إخْرَاجُ الْبَدَلِ عَمَّا يُقَابِلُهُ لِكَوْنِهِ إسْقَاطًا وَالْإِسْقَاطُ لَا يَسْتَلْزِمُ ثُبُوتَ مَا يُقَابِلُهُ فَيَثْبُتُ الْحَطُّ فِي الْحَالِ وَيَلْتَحِقُ بِأَصْلِ الْعَقْدِ اسْتِنَادًا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ حَطَّ كُلِّ الثَّمَنِ غَيْرُ مُلْتَحِقٍ بِالْعَقْدِ اتِّفَاقًا.
(وَ) صَحَّ (الزِّيَادَةُ فِيهِ) أَيْ فِي الثَّمَنِ (حَالَ قِيَامِ الْمَبِيعِ) إنْ قَبِلَ فِي الْمَجْلِسِ حَتَّى لَوْ زَادَهُ فَلَمْ يَقْبَلْ حَتَّى تَفَرَّقَا بَطَلَتْ الزِّيَادَةُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا فَعَلَى الْبَائِعِ هَذَا لَوْ قَيَّدَ بِهِ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّهُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ (لَا بَعْدَ هَلَاكِهِ) أَيْ الْمَبِيعِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ إذْ لَوْ هَلَكَ الْمَبِيعُ أَوْ تَغَيَّرَ بِتَصَرُّفِ الْمُشْتَرِي فِيهِ حَتَّى خَرَجَ عَنْ إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ كَبُرٍّ طُحِنَ أَوْ خَرَجَ عَنْ مَحَلِّيَّةِ الْمَبِيعِ كَعَبْدٍ دُبِّرَ لَا تَجُوزُ الزِّيَادَةُ إذْ ثُبُوتُهَا مَلْحُوظٌ فِي مُقَابَلَةِ الثَّمَنِ وَهُوَ غَيْرُ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ فَلَمْ يُتَصَوَّرْ التَّقَابُلُ فِيهِ.
(وَكَذَا) صَحَّ (الزِّيَادَةُ فِي الْمَبِيعِ) أَوْ لَزِمَ الْبَائِعَ دَفْعُهَا إنْ قَبِلَ الْمُشْتَرِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي حَقِّهِ وَمِلْكِهِ وَيَلْتَحِقُ بِالْعَقْدِ فَيَصِيرُ حِصَّتُهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى لَوْ هَلَكَتْ الزِّيَادَةُ قَبْلَ الْقَبْضِ تَسْقُطُ حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ الْمُتَوَلِّدَةِ مِنْ الْمَبِيعِ حَيْثُ لَا يَسْقُطُ شَيْءٌ بَعْدَ هَلَاكِهَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَكَذَا إذَا زَادَ فِي الثَّمَنِ عَرَضًا كَمَا لَوْ اشْتَرَاهُ بِمِائَةٍ وَتَقَابَضَا ثُمَّ زَادَ الْمُشْتَرِي عَرَضًا قِيمَتُهُ خَمْسُونَ وَهَلَكَ الْعَرَضُ قَبْلَ التَّسْلِيمِ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ فِي ثَلَاثَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ لِلزِّيَادَةِ هُنَا قِيَامُ الْمَبِيعِ فَتَصِحُّ بَعْدَ هَلَاكِهِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ فِي الثَّمَنِ كَمَا فِي الْبَحْرِ.
وَقَالَ يَعْقُوبُ بَاشَا وَهَا هُنَا كَلَامٌ وَهُوَ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْكَافِي أَنَّ الزِّيَادَةَ بَعْدَ تَلَفِ الْمَبِيعِ سَوَاءٌ كَانَتْ فِي الثَّمَنِ أَوْ فِي الْمَبِيعِ تَصِحُّ فِي رِوَايَةٍ وَلَا تَصِحُّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ تُغَيِّرُ الْعَقْدَ مِنْ وَصْفٍ إلَى وَصْفٍ فَتَسْتَدْعِي قِيَامَ الْعَقْدِ وَقِيَامُهُ بِقِيَامِ الْمَبِيعِ وَذُكِرَ فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي الْمَبِيعِ أَوْ الثَّمَنِ إنَّمَا تَجُوزُ إذَا كَانَ الْمَبِيعُ قَائِمًا وَلَا تَجُوزُ لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ هَالِكًا فَبَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ مُنَافَاةٌ فَلْيُتَأَمَّلْ فِي التَّوْفِيقِ.
(وَيَتَعَلَّقُ الِاسْتِحْقَاقُ بِكُلِّ ذَلِكَ) أَيْ اسْتِحْقَاقُ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بِكُلِّ الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ وَالزَّائِدِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَالزِّيَادَةُ وَالْحَطُّ يَلْحَقَانِ بِأَصْلِ الْعَقْدِ عِنْدَنَا.
وَقَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ أَنَّهُ إذَا اسْتَحَقَّ مُسْتَحِقٌّ الْمَبِيعَ
стр. 841
أَوْ الثَّمَنَ فَالِاسْتِحْقَاقُ يَتَعَلَّقُ جَمِيعَ مَا يُقَابِلُهُ مِنْ الْمَزِيدِ وَالْمَزِيدِ عَلَيْهِ فَلَا يَكُونُ الزَّائِدُ صِلَةً مُبْتَدَأَةً كَمَا هُوَ مَذْهَبُ زُفَرَ وَالشَّافِعِيِّ انْتَهَى. وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ صَاحِبُ الدُّرَرِ بِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ ذَلِكَ لِأَنَّ مَدَارَ هَذَا الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى الدَّعْوَى وَالْبَيِّنَةِ فَإِنْ ادَّعَى الْمُسْتَحِقُّ مُجَرَّدَ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ وَأَثْبَتَهُ أَخَذَهُ وَإِنْ ادَّعَاهُ مَعَ الزِّيَادَةِ وَأَثْبَتَهُ أَخَذَهُ وَكَذَا إنْ ادَّعَى الزِّيَادَةَ فَقَطْ، ثُمَّ إنَّ حُكْمَ الِاسْتِحْقَاقِ يَظْهَرُ فِي التَّوْلِيَةِ وَالْمُرَابَحَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (فَيُرَابِحُ وَيُوَلِّي) هَذَا تَفْرِيعٌ عَلَى صِحَّةِ الزِّيَادَةِ وَالْحَطِّ وَعَلَى إلْحَاقِهِمَا بِأَصْلِ الْعَقْدِ (عَلَى الْكُلِّ أَنْ يَزِيدَ وَعَلَى مَا بَقِيَ إنْ حَطَّ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ مُلْتَحِقٌ بِأَصْلِ الْعَقْدِ فَتُعْتَبَرُ الْمُرَابَحَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ (وَالشَّفِيعُ يَأْخُذُ بِالْأَقَلِّ فِي الْفَصْلَيْنِ) أَيْ فَصْلِ الزِّيَادَةِ عَلَى الثَّمَنِ وَفَصْلِ الْحَطِّ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِلْحَاقِ بِالْأَصْلِ أَنْ يَأْخُذَ بِالْكُلِّ فِي صُورَةِ الزِّيَادَةِ لِأَنَّ حَقَّهُ تَعَلَّقَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ وَفِي الزِّيَادَةِ إبْطَالُهُ وَلَيْسَ لَهُمَا إبْطَالُهُ.
(وَمَنْ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ كَذَا) أَيْ مِائَةً مَثَلًا (مِنْ الثَّمَنِ سِوَى الْأَلْفِ أَخَذَ) أَيْ مَوْلَى الْعَبْدِ (الْأَلْفَ مِنْ زَيْدٍ وَالزِّيَادَةَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الضَّامِنِ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ الْمَشْرُوطَةَ جُعِلَتْ مِنْ الْأَصْلِ الْمُقَابِلِ لِلْمَبِيعِ فَكَأَنَّهُ الْتَزَمَ بَعْضَ مَا وَرَدَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مِنْ الثَّمَنِ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ.
(وَإِنْ لَمْ يَقُلْ مِنْ الثَّمَنِ) وَالْمَسْأَلَةُ بِحَالِهَا (فَالْأَلْفُ عَلَى زَيْدٍ) لِأَنَّهُ ثَمَنُ الْعَبْدِ (وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ) مِنْ الثَّمَنِ عَلَى الْمُقَابِلِ لِأَنَّهُ لَمْ يَزِدْ. فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَعِبَارَتُهُ صَرِيحَةٌ بِالضَّمَانِ قُلْنَا مَبْنَى الْكَلَامِ عَلَى أَنَّهُ قَالَ بِعْ عَبْدَك مِنْ زَيْدٍ بِأَلْفٍ عَلَى أَنِّي ضَامِنٌ سِوَى الْأَلْفِ فَالضَّمَانُ إذَنْ غَيْرُ مُتَعَلِّقٍ بِالثَّمَنِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الثَّمَنِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِنْ تَفَارِيعِ زِيَادَةِ الثَّمَنِ وَفِي ذِكْرِهَا فَائِدَةُ جَوَازِهَا مِنْ الْأَجْنَبِيِّ أَيْضًا وَلِهَذَا ذَكَرَهَا الْمُصَنِّفُ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَقَدْ أَصَابَ وَلَمْ يَذْكُرْهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بَلْ أَوْرَدَهَا بَعْدَ السَّلَمِ.
(وَكُلُّ دَيْنٍ أُجِّلَ بِأَجَلٍ مَعْلُومٍ صَحَّ تَأْجِيلُهُ) وَإِنْ كَانَ حَالًّا فِي الْأَصْلِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ حَقُّهُ فَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُ سَوَاءٌ كَانَ ثَمَنَ مَبِيعٍ أَوْ غَيْرَهُ تَيْسِيرًا عَلَى مَنْ لَهُ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَمْلِكُ إبْرَاءَهُ مُطْلَقًا فَكَذَا مُوَقَّتًا وَلَا بُدَّ مِنْ قَبُولِهِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَلَوْ لَمْ يَقْبَلْهُ بَطَلَ التَّأْخِيرُ فَيَكُونُ حَالًّا. وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ التَّأْجِيلِ بِالشَّرْطِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (إلَّا الْقَرْضَ) اسْتَثْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ وَصَحَّ تَأْجِيلُهُ أَيْ فَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُهُ لِكَوْنِهِ إعَارَةً وَصِلَةً فِي الِابْتِدَاءِ وَمُعَاوَضَةً فِي الِانْتِهَاءِ فَعَلَى اعْتِبَارِ الِابْتِدَاءِ لَا يَلْزَمُ التَّأْجِيلُ فِيهِ كَمَا فِي الْإِعَارَةِ إذْ لَا جَبْرَ فِي التَّبَرُّعِ وَعَلَى اعْتِبَارِ الِانْتِهَاءِ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بَيْعُ الدَّرَاهِمِ بِالدَّرَاهِمِ نَسِيئَةً وَهُوَ رِبًا.
وَفِي الظَّهِيرِيَّةِ الْقَرْضُ الْمَجْحُودُ يَجُوزُ تَأْجِيلُهُ وَفَصَّلَ صَاحِبُ التَّنْوِيرِ مَسْأَلَةَ الْقَرْضِ لِكَثْرَةِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا فِي الْمُعَامَلَاتِ فَقَالَ الْقَرْضُ هُوَ عَقْدٌ مَخْصُوصٌ يَرِدُ عَلَى دَفْعِ مَالٍ مِثْلِيٍّ لِرَدِّ مِثْلِهِ وَصَحَّ فِي مِثْلِيٍّ لَا فِي غَيْرِهِ فَصَحَّ اسْتِقْرَاضُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَكَذَا مَا يُكَالُ
стр. 842
أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُعَدُّ مُتَقَارِبًا فَصَحَّ اسْتِقْرَاضُ جَوْزٍ وَبَيْضٍ وَلَحْمٍ اسْتَقْرَضَ طَعَامًا بِالْعِرَاقِ فَأَخَذَهُ صَاحِبُ الْقَرْضِ بِمَكَّةَ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ بِالْعِرَاقِ يَوْمَ اقْتَرَضَهُ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ اخْتَصَمَا وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْعِرَاقِ فَيَأْخُذَ طَعَامَهُ.
وَلَوْ اسْتَقْرَضَ الطَّعَامَ بِبَلَدٍ فِيهِ الطَّعَامُ رَخِيصٌ فَلَقِيَهُ الْمُقْرِضُ فِي بَلَدٍ فِيهِ الطَّعَامُ غَالٍ فَأَخَذَهُ الطَّالِبُ بِحَقِّهِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَطْلُوبَ وَيُؤْمَرُ الْمَطْلُوبُ بِأَنْ يُوَثِّقَ بِهِ حَتَّى يُعْطِيَهُ طَعَامَهُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي اسْتَقْرَضَ فِيهِ.
اسْتَقْرَضَ شَيْئًا مِنْ الْفَوَاكِهِ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى انْقَطَعَ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ صَاحِبُ الْقَرْضِ عَلَى تَأْخِيرِهِ إلَى مَجِيءِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا عَلَى الْقِيمَةِ وَيَمْلِكُ الْمُسْتَقْرِضُ الْقَرْضَ بِنَفْسِ الْقَبْضِ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ.
أَقْرَضَ صَبِيًّا فَاسْتَهْلَكَهُ الصَّبِيُّ لَا يَضْمَنُهُ وَكَذَا الْمَعْتُوهُ وَلَوْ عَبْدًا مَحْجُورًا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ قَبْلَ الْعِتْقُ وَهُوَ كَالْوَدِيعَةِ.
اسْتَقْرَضَ مِنْ آخَرَ دَرَاهِمَ فَأَتَاهُ الْمُقْرِضُ بِهَا فَقَالَ الْمُسْتَقْرِضُ أَلْقِهَا فِي الْمَاءِ فَأَلْقَاهَا لَا شَيْءَ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ، وَالْقَرْضُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَائِزِ مِنْ الشُّرُوطِ وَالْفَاسِدُ فِيهَا لَا يُبْطِلُهُ وَلَكِنَّهُ يَلْغُو شَرْطُهُ رَدَّ شَيْءٍ آخَرَ فَلَوْ اسْتَقْرَضَ الدَّرَاهِمَ الْمَكْسُورَةَ عَلَى أَنْ يُؤَدِّيَ صَحِيحًا كَانَ بَاطِلًا وَكَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ مَا قَبَضَ.
(إلَّا فِي الْوَصِيَّةِ) فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْمُسْتَثْنَى يَعْنِي إذَا أَوْصَى أَنْ يُقْرَضَ مِنْ مَالِهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ فُلَانًا إلَى سَنَةٍ يَجُوزُ مِنْ الثُّلُثِ وَيَلْزَمُ وَلَا يُطَالِبُ حَتَّى تَمْضِيَ الْمُدَّةُ لِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ بِالتَّبَرُّعِ وَالْوَصِيَّةُ يُتَسَامَحُ فِيهَا نَظَرًا لِلْمُوصِي أَلَا تَرَى أَنَّهَا تَجُوزُ بِالْخِدْمَةِ وَالسُّكْنَى وَتَلْزَمُ.
(وَلَا يَصِحُّ التَّأْجِيلُ إلَى أَجَلٍ مَجْهُولٍ مُتَفَاحِشِ) الْجَهَالَةِ (كَهُبُوبِ الرِّيحِ) وَنُزُولِ الْمَطَرِ مَثَلًا (وَيَصِحُّ فِي الْمُتَقَارِبِ كَالْحَصَادِ وَنَحْوِهِ) كَمَا جَازَ ذَلِكَ فِي الْكَفَالَةِ.
[بَاب الربا]
(بَابُ الرِّبَا) وَجْه مُنَاسَبَتِهِ لِلْمُرَابَحَةِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا زِيَادَةً إلَّا أَنَّ تِلْكَ حَلَالٌ وَهَذِهِ حَرَامٌ وَالْحِلُّ هُوَ الْأَصْلُ فِي الْأَشْيَاءِ فَقَدَّمَ مَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ وَالرِّبَا بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْقَصْرِ اسْمٌ مِنْ الرَّبْوِ بِالْفَتْحِ وَالسُّكُونِ فَلَامُهُ وَاوٌ وَلِذَا قِيلَ فِي النِّسْبَةِ رِبَوِيٌّ وَفَتْحُهَا خَطَأٌ.
وَفِي الْمِصْبَاحِ الرِّبَا الْفَضْلُ وَالزِّيَادَةُ وَهُوَ مَقْصُورٌ عَلَى الْأَشْهَرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْفَضْلِ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ فَضْلٌ مَخْصُوصٌ فَلِذَا عَرَّفَهُ شَرْعًا بِقَوْلِهِ (هُوَ فَضْلُ مَالٍ) أَيْ فَضْلُ أَحَدِ الْمُتَجَانِسَيْنِ عَلَى الْآخَرِ بِالْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ أَيْ الْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ فَفَضْلُ قَفِيزَيْ شَعِيرٍ عَلَى قَفِيزَيْ بُرٍّ لَا يَكُونُ رِبَا (خَالٍ) ذَلِكَ الْفَضْلُ (عَنْ عِوَضٍ) قَيَّدَ بِهِ لِيَخْرُجَ بَيْعُ بُرٍّ وَكُرِّ شَعِيرٍ بِكُرَّيْ بُرٍّ وَكُرَّيْ شَعِيرٍ فَإِنَّ لِلثَّانِي فَضْلًا عَلَى الْأَوَّلِ لَكِنَّهُ غَيْرُ خَالٍ عَنْ الْعِوَضِ يُصْرَفُ الْجِنْسُ إلَى خِلَافِ جِنْسِهِ بِأَنْ يُبَاعَ كُرُّ بُرٍّ بِكُرَّيْ شَعِيرٍ وَكُرُّ شَعِيرٍ بِكُرَّيْ بُرٍّ
стр. 843
(شُرِطَ) جُمْلَةٌ فِعْلِيَّةٌ صِفَةٌ لِفَضْلِ مَالٍ أَيْ شُرِطَ ذَلِكَ الْفَضْلُ (لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ) أَيْ الْبَائِعَيْنِ أَوْ الْمُقْرِضَيْنِ أَوْ الرَّاهِنَيْنِ لِلِاحْتِرَازِ عَمَّا إذَا شُرِطَ لِغَيْرِهِمَا.
وَفِي الْإِصْلَاحِ فِي أَحَدِ الْبَدَلَيْنِ وَلَمْ يَقُلْ لِأَحَدِ الْعَاقِدَيْنِ لِأَنَّ الْعَاقِدَ قَدْ يَكُونُ وَكِيلًا وَقَدْ يَكُونُ فُضُولِيًّا وَالْمُعْتَبَرُ كَوْنُ الْفَضْلِ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُشْتَرِي انْتَهَى لَكِنَّ عَقْدَ الْوَكِيلِ عَقْدٌ لِلْمُوَكِّلِ وَعَقْدُ الْفُضُولِيِّ يَتَوَقَّفُ عَلَى قَبُولِ الْمَالِكِ فَيَصِيرُ الْعَاقِدُ حَقِيقَةً الْمُوَكِّلَ أَوْ الْمَالِكَ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّبْدِيلِ تَدَبَّرْ (فِي مُعَاوَضَةِ مَالٍ بِمَالٍ) قَيَّدَ بِهَا لِلِاحْتِرَازِ عَنْ هِبَةٍ بِعِوَضٍ زَائِدٍ وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا إذَا شُرِطَ فِيهِ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِالرَّهْنِ كَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ وَالزِّرَاعَةِ وَاللِّبْسِ وَأَكْلِ الثَّمَرِ فَإِنَّ الْكُلَّ رِبًا حَرَامٌ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ.
[عِلَّة الربا]
(وَعِلَّتُهُ) لِوُجُوبِ الْمُمَاثَلَةِ الَّتِي يَلْزَمُ عِنْدَ فَوَاتِهَا الرِّبَا وَفِي اصْطِلَاحِ الْأُصُولِيِّينَ الْعِلَّةُ مَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِلَا وَاسِطَةٍ فَخَرَجَ الشَّرْطُ لِأَنَّهُ لَا يُضَافُ إلَيْهِ ثُبُوتُهُ وَالسَّبَبُ وَالْعَلَامَةُ وَعِلَّةُ الْعِلَّةِ لِأَنَّهَا بِالْوَاسِطَةِ (الْقَدْرُ) لُغَةً كَوْنُ شَيْءٍ مُسَاوِيًا لِغَيْرِهِ بِلَا زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ وَشَرْعًا التَّسَاوِي فِي الْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ الْمُوجِبِ لِلْمُمَاثَلَةِ الصُّورِيَّةِ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ (وَالْجِنْسُ) أَيْ مَعَ اتِّحَادِ الْجِنْسِ فِي الْعِوَضَيْنِ فَالْعِلَّةُ مَجْمُوعُ الْوَصْفَيْنِ عِنْدَنَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِيهِ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «الْحِنْطَةُ بِالْحِنْطَةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ يَدًا بِيَدٍ وَالْفَضْلُ رِبًا» وَعَدَّ الْأَشْيَاءَ السِّتَّةَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَالتَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَالذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ أَيْ بِيعُوا مِثْلًا بِمِثْلٍ أَوْ بَيْعُ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ مِثْلٌ بِمِثْلٍ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَأُعْرِبَ بِإِعْرَابِهِ، وَمِثْلٌ خَبَرُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ لِلْوُجُوبِ وَالْبَيْعُ مُبَاحٌ صُرِفَ الْوُجُوبُ إلَى رِعَايَةِ الْمُمَاثَلَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] حَيْثُ صُرِفَ الْإِيجَابُ إلَى الْقَبْضِ فَصَارَ شَرْطًا لِلرَّهْنِ وَالْمُمَاثَلَةُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ الصُّورَةِ وَالْمَعْنَى مَعًا وَالْقَدْرُ يَسْوَى الصُّورَةَ كَمَا بَيَّنَّاهُ وَالْجِنْسِيَّةُ تَسْوَى الْمَعْنَى فَيَظْهَرُ الْفَضْلُ الَّذِي هُوَ الرِّبَا وَلَا يُعْتَبَرُ الْوَصْفُ لِقَوْلِهِ ﵊ «جَيِّدُهَا وَرَدِيئُهَا سَوَاءٌ»
(فَحَرُمَ) تَفْرِيعٌ عَلَى كَوْنِ الْعِلَّةِ الْقَدْرَ وَالْجِنْسَ (بَيْعُ الْكَيْلِيِّ وَالْوَزْنِيِّ بِجِنْسِهِ) كَبَيْعِ الْحِنْطَةِ بِالْحِنْطَةِ وَالذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مِثْلًا (مُتَفَاضِلًا) لِوُجُودِ الرِّبَا فِي ذَلِكَ (أَوْ نَسِيئَةً) أَيْ بِأَجَلٍ لِمَا فِي ذَلِكَ شُبْهَةُ الْفَضْلِ إذْ النَّقْدُ خَيْرٌ (وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (غَيْرَ مَطْعُومٍ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَإِنَّ عِلَّةَ الرِّبَا عِنْدَهُ الطُّعْمُ فِي الْمَطْعُومَاتِ وَالثَّمَنِيَّةُ فِي الْأَثْمَانِ وَالْجِنْسِيَّةُ شَرْطٌ لِعَمَلِ الْعِلَّةِ عَمَلَهَا حَتَّى لَا تَعْمَلَ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ عِنْدَهُ إلَّا عِنْدَ وُجُودِ الْجِنْسِيَّةِ (كَالْجَصِّ) مِنْ الْمَكِيلَاتِ (وَالْحَدِيدِ) مِنْ الْمَوْزُونَاتِ وَالطُّعْمُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ عِنْدَنَا (وَحَلَّ) بَيْعُ ذَلِكَ (مُتَمَاثِلًا بَعْدَ التَّقَابُضِ أَوْ مُتَفَاضِلًا غَيْرَ مُعَيَّرٍ) أَيْ بِغَيْرِ عِيَارٍ (كَحِفْنَةٍ بِحَفْنَتَيْنِ) لِانْتِفَاءِ جَرَيَانِ الْكَيْلِ وَمَا دُونَ نِصْفِ صَاعٍ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْحِفْنَةِ لِأَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ لِلشَّرْعِ
стр. 844
بِمَا دُونَهُ، وَأَمَّا إذَا كَانَ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ يَبْلُغُ حَدَّ نِصْفِ الصَّاعِ أَوْ أَكْثَرَ وَالْآخَرُ لَمْ يَبْلُغْهُ فَلَا يَجُوزُ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ (وَبَيْضَةٌ بِبَيْضَتَيْنِ وَتَمْرَةٌ بِتَمْرَتَيْنِ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْمِعْيَارِ وَهُوَ الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ إمَّا لِقِلَّتِهِ كَالْحِفْنَةِ وَالْحَفْنَتَيْنِ وَالتَّمْرَةِ وَالتَّمْرَتَيْنِ وَإِمَّا لِكَوْنِهِ عَدَدِيًّا لَا يُبَاعُ بِالْمِعْيَارِ الشَّرْعِيِّ كَالْبَيْضَةِ وَالْبَيْضَتَيْنِ وَالْجَوْزَةِ وَالْجَوْزَتَيْنِ يَحِلُّ الْبَيْعُ مُتَفَاضِلًا لِعَدَمِ جَرَيَانِ الْقَدْرِ وَالْمِعْيَارِ فَلَا يُوجَدُ الْمُسَاوَاةُ فَلَمْ يَتَمَيَّزْ الْفَضْلُ وَبَقِيَ عَلَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْحِلُّ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ لِوُجُودِ عِلَّةِ الْحُرْمَةِ وَهِيَ الطُّعْمُ مَعَ عَدَمِ الْمَخْلَصِ وَهُوَ الْمُسَاوَاةُ فَيَحْرُمُ لِأَنَّ الْأَصْلَ عِنْدَهُ الْحُرْمَةُ.
(فَإِنْ وُجِدَ الْوَصْفَانِ) أَيْ الْكَيْلُ أَوْ الْوَزْنُ مَعَ الْجِنْسِ (حَرُمَ الْفَضْلُ) كَقَفِيزِ بُرٍّ بِقَفِيزَيْنِ مِنْهُ.
(وَ) حَرُمَ (النَّسَأُ) وَلَوْ مَعَ التَّسَاوِي كَقَفِيزَيْنِ بِقَفِيزَيْنِ مِنْهُ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا نَسِيئَةٌ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ.
(وَإِنْ عُدِمَا) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (حَلَّا) أَيْ الْفَضْلُ وَالنَّسَأُ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ الْمُحَرِّمَةِ إذْ الْأَصْلُ الْجَوَازُ وَالْحُرْمَةُ بِعَارِضٍ فَيَجُوزُ مَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ دَلِيلُ الْحُرْمَةِ.
(وَإِنْ وُجِدَ أَحَدُهُمَا فَقَطْ حَلَّ التَّفَاضُلُ) كَمَا إذَا بِيعَ قَفِيزُ حِنْطَةٍ بِقَفِيزَيْ شَعِيرٍ يَدًا بِيَدٍ حَلَّ الْفَضْلُ فَإِنَّ أَحَدَ جُزْأَيْ الْعِلَّةِ وَهُوَ الْكَيْلُ مَوْجُودٌ هُنَا دُونَ الْجُزْءِ الْآخَرِ وَهُوَ الْجِنْسِيَّةُ، وَإِنْ بِيعَ خَمْسَةُ أَذْرُعٍ مِنْ الثَّوْبِ الْهَرَوِيِّ بِسِتَّةِ أَذْرُعٍ مِنْهُ يَدًا بِيَدٍ حَلَّ أَيْضًا لِأَنَّ الْجِنْسِيَّةَ مَوْجُودَةٌ دُونَ الْقَدْرِ (لَا النَّسَأُ) أَيْ لَا يَحِلُّ النَّسَأُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَلَوْ بِالتَّسَاوِي وَذَلِكَ لِأَنَّ جُزْءَ الْعِلَّةِ وَإِنْ كَانَ لَا يُوجِبُ الْحُكْمَ لَكِنَّهُ يُورِثُ الشُّبْهَةَ فِي الرِّبَا وَالشُّبْهَةُ فِي بَابِ الرِّبَا مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهَا أَدْوَنُ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ اعْتِبَارِ الطَّرَفَيْنِ فَفِي النَّسِيئَةِ أَحَدُ الْبَدَلَيْنِ مَعْدُومٌ وَبَيْعُ الْمَعْدُومِ غَيْرُ جَائِزٍ فَصَارَ هَذَا الْمَعْنَى مُرَجِّحًا لِتِلْكَ الشُّبْهَةِ فَلَا يَحِلُّ وَفِي غَيْرِ النَّسِيئَةِ لَمْ تُعْتَبَرْ الشُّبْهَةُ لِمَا قُلْنَا أَنَّ الشُّبْهَةَ أَدْوَنُ مِنْ الْحَقِيقَةِ عَلَى أَنَّ الْمَشْهُورَ وَهُوَ قَوْلُهُ ﵊ «إذَا اخْتَلَفَ النَّوْعَانِ فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ يَدًا بِيَدٍ» يُؤَيِّدُ مَا قُلْنَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْجِنْسَ بِانْفِرَادِهِ لَا يُحَرِّمُ النَّسَأَ كَمَا فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ. ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَصِحُّ سَلَمُ هَرَوِيٍّ فِي هَرَوِيٍّ) لِوُجُودِ الْجِنْسِ وَالنَّسَإِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ (وَلَا) سَلَمُ (بُرٍّ فِي شَعِيرٍ) لِوُجُودِ الْقَدْرِ مَعَ النَّسَأِ.
(وَشَرَطَ التَّعْيِينَ وَالتَّقَابُضَ) فِي الْمَجْلِسِ (فِي الصَّرْفِ) لِقَوْلِهِ ﵊ «الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ هَاءً وَهَاءً» مَعْنَاهُ خُذْ يَدًا بِيَدٍ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضُ كَنَّى بِهَا عَنْهُ لِأَنَّهَا آلَتُهُ
(وَ) شَرَطَ (التَّعْيِينَ فَقَطْ فِي غَيْرِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ عَقْدِ الصَّرْفِ مِنْ الرِّبَوِيَّاتِ وَلَا يُشْتَرَطُ التَّقَابُضُ فِي بَيْعِ الطَّعَامِ بِمِثْلِهِ عَيْنًا حَتَّى لَوْ بَاعَ بُرًّا بِبُرٍّ بِعَيْنِهِمَا وَتَفَرَّقَا قَبْلَ الْقَبْضِ جَازَ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَإِنَّمَا قُلْنَا بِمِثْلِهِ إذْ التَّفَاضُلُ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا وَإِنَّمَا قُلْنَا عَيْنًا إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا أَمَّا عِنْدَنَا فَلِعَدَمِ الْعَيْنِيَّةِ
стр. 845
وَأَمَّا عِنْدَهُ فَلِعَدَمِ الْقَبْضِ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ ﵊ «الطَّعَامُ بِالطَّعَامِ يَدًا بِيَدٍ» وَلِأَنَّهُ لَمْ يُقْبَضْ فِي الْمَجْلِسِ يَتَعَاقَبُ الْقَبْضُ فَيُوجَدُ فِي الْقَبْضِ الْأَوَّلِ مَزِيَّةٌ فَتَتَحَقَّقُ شُبْهَةُ الرِّبَا وَلَنَا أَنَّهُ مَبِيعٌ مُتَعَيِّنٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَالثَّوْبِ وَهَذَا لِأَنَّ الْفَائِدَةَ الْمَطْلُوبَةَ إنَّمَا هُوَ التَّمَكُّنُ فِي التَّصَرُّفِ فِيهِ فَيَتَرَتَّبُ ذَلِكَ عَلَى التَّعَيُّنِ بِخِلَافِ الصَّرْفِ لِأَنَّ الْقَبْضَ فِيهِ لِيَتَعَيَّنَ بِهِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ ﵊ «يَدًا بِيَدٍ» عَيْنًا بِعَيْنٍ لِمَا رَوَاهُ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ كَذَا وَتَعَاقُبُ الْقَبْضِ لَا يُعْتَبَرُ تَفَاوُتًا فِي مَالٍ عُرْفًا بِخِلَافِ النَّقْدِ وَالْأَجَلِ.
(وَمَا نُصَّ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَلَى تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهِ كَيْلًا فَهُوَ كَيْلِيٌّ أَبَدًا كَالْبُرِّ وَالشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ وَالْمِلْحِ أَوْ) إنْ نُصَّ (عَلَى تَحْرِيمِهِ) أَيْ تَحْرِيمِ الرِّبَا فِيهِ (وَزْنًا فَهُوَ وَزْنِيٌّ أَبَدًا كَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَلَوْ) وَصْلِيَّةً (تُعُورِفَ بِخِلَافِهِ) لِأَنَّ النَّصَّ قَاطِعٌ وَأَقْوَى مِنْ الْعُرْفِ وَالْأَقْوَى لَا يُتْرَكُ بِالْأَدْنَى (وَمَا لَا نَصَّ فِيهِ) أَيْ فِي كَوْنِهِ كَيْلِيًّا أَوْ وَزْنِيًّا (حُمِلَ عَلَى الْعُرْفِ كَغَيْرِ السِّتَّةِ الْمَذْكُورَةِ) مِنْ الْبُرِّ إلَى الْفِضَّةِ لِأَنَّ الشَّرْعَ اعْتَبَرَ عَادَةَ النَّاسِ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَا رَآهُ الْمُؤْمِنُونَ حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى حَسَنٌ» .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى عَادَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ قُلْنَا ذَلِكَ فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ وَالْكَفَّارَاتِ لِأَنَّ الْأُمَّةَ اجْتَمَعَتْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ فِي الْبِيَاعَاتِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ الْعُرْفُ عَلَى خِلَافِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ أَيْضًا لِأَنَّ النَّصَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَكَانِ الْعُرْفِ وَقَدْ تَبَدَّلَ فَيَتَبَدَّلُ حُكْمُهُ.
وَقَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ اسْتِقْرَاضُ الدَّرَاهِمِ عَدَدًا وَبَيْعُ الدَّقِيقِ وَزْنًا عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ فِي زَمَانِنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَبْنِيًّا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْبُرِّ بِالْبُرِّ مُتَمَاثِلًا وَزْنًا) لِأَنَّ الْبُرَّ كَيْلِيٌّ شَرْعًا لَا وَزْنِيٌّ (وَلَا) يَجُوزُ بَيْعُ (الذَّهَبِ بِالذَّهَبِ مُتَمَاثِلًا كَيْلًا) لِأَنَّ الذَّهَبَ وَزْنِيٌّ لَا كَيْلِيٌّ وَإِنْ تَعَارَفُوا ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ الْفَضْلِ عَلَى مَا هُوَ الْمِعْيَارُ فِيهِ.
(وَجَازَ بَيْعُ فَلْسٍ مُعَيَّنٍ بِفَلْسَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) بَيْعُ الْفَلْسِ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا الْأَوَّلُ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا فِي الْبَيْعِ مُعَيَّنًا الثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمَبِيعُ مُعَيَّنًا وَالثَّمَنُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ الثَّالِثُ عَكْسُ الثَّانِي الرَّابِعُ أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَالْكُلُّ فَاسِدٌ سِوَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ لَهُ أَنَّ الثَّمَنِيَّةَ تَثْبُتُ بِاصْطِلَاحِ الْكُلِّ فَلَا تَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا وَإِذَا بَقِيَتْ أَثْمَانًا لَا تَتَعَيَّنُ فَصَارَ كَبَيْعِ الدِّرْهَمِ بِالدِّرْهَمَيْنِ. وَلَهُمَا
следующие страницы →