← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 21644

مجمع الأنهر في شرح ملتقى الأبحر

داماد أفندي عبد الرحمن شيخي زاده

Полный текст (1 543 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.

стр. 876

كَانَ فِي الْمَجْلِسِ أَوْ بَعْدَهُ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: بِيعَ الْجِنْسُ بِالْجِنْسِ لِأَنَّ وَضْعَ الْمَسْأَلَةِ فِيهِ، قَالَ فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ: لَوْ بَاعَ الْجِنْسَ بِالْجِنْسِ مُجَازَفَةً فَإِنْ عَلِمَا تَسَاوِيَهُمَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ صَحَّ، وَبَعْدَهُ لَا، عَلَى أَنَّ مَسْأَلَةَ اخْتِلَافِ الْجِنْسِ قَدْ تَقَدَّمَتْ آنِفًا فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّكْرَارِ، فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ فَسَادُ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ فَإِنْ بِيعَ أَيْ الذَّهَبُ بِالْفِضَّةِ مُجَازَفَةً، ثُمَّ عُلِمَ التَّسَاوِي قَبْلَ التَّفَرُّقِ جَازَ لِاخْتِلَافِ الْجِنْسِ، تَدَبَّرْ. (وَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِي بَدَلِ الصَّرْفِ قَبْلَ قَبْضِهِ) إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ، وَهَذَا الْقَدْرُ يَكْفِي فِي سَلْبِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الشُّبُهَاتِ مُلْحَقَةٌ بِالْحَقِيقَةِ فِي بَابِ الْحُرُمَاتِ، ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَلَوْ بَاعَ ذَهَبًا بِفِضَّةٍ وَاشْتَرَى بِهَا) أَيْ بِالْفِضَّةِ (ثَوْبًا قَبْلَ قَبْضِهَا فَسَدَ بَيْعُ الثَّوْبِ) لِفَوَاتِ الْقَبْضِ الْوَاجِبِ فِي بَدَلَيْ الصَّرْفِ، وَلِأَنَّ الثَّمَنَ فِي الصَّرْفِ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ لِعَدَمِ الْأَوْلَوِيَّةِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الْقَبْضِ لَا يَجُوزُ قِيلَ: لَا نُسَلِّمُ عَدَمَ الْأَوْلَوِيَّةِ فَإِنَّ مَا دَخَلَهُ الْبَاءُ أَوْلَى بِالثَّمَنِيَّةِ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الْأَثْمَانِ الْجَعْلِيَّةِ لَا فِي الْأَثْمَانِ خِلْقِيَّةً، وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي جَوَازَهُ كَمَا نُقِلَ عَنْ زُفَرَ. (وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً تُسَاوِي أَلْفًا مَعَ طَوْقٍ) مِنْ فِضَّةٍ (قِيمَتُهُ أَلْفٌ بِأَلْفَيْنِ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَى (وَنَقَدَ) الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ أَلْفًا (فَهُوَ ثَمَنُ الطَّوْقِ) لِأَنَّ قَبْضَ ثَمَنِ الصَّرْفِ وَاجِبٌ حَقًّا لِلشَّرْعِ وَقَبْضَ ثَمَنِ الْأَمَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَالظَّاهِرُ هُوَ الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ. (وَلَوْ اشْتَرَاهَا) أَيْ الْأَمَةَ الَّتِي مَعَهَا طَوْقٌ (بِأَلْفَيْنِ أَلْفٍ نَقْدٍ وَأَلْفٍ نَسِيئَةٍ فَالنَّقْدُ ثَمَنُ الطَّوْقِ) لِأَنَّ التَّأْجِيلَ فِي الصَّرْفِ بَاطِلٌ، وَفِي الْمَبِيعِ جَائِزٌ فَيُصْرَفُ الْأَجَلُ إلَى الْأَمَةِ دُونَ الطَّوْقِ؛ إذْ الْمُبَاشَرَةُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لَا عَلَى وَجْهِ الْبُطْلَانِ وَلَوْ اشْتَرَاهَا بِأَلْفَيْنِ نَسِيئَةً فَسَدَ فِي الْكُلِّ قَيَّدَ بِتَأْجِيلِ الْبَعْضِ لِأَنَّهُ لَوْ أُجِّلَ الْكُلُّ فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ عِنْدَ الْإِمَامِ، وَقَالَا يَفْسُدُ فِي الطَّوْقِ دُونَ الْأَمَةِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ اشْتَرَى سَيْفًا حِلْيَتُهُ خَمْسُونَ) أَيْ تُسَاوِي خَمْسِينَ دِرْهَمًا (بِمِائَةٍ) مُتَعَلِّقٌ بِاشْتَرَى (وَنَقَدَ خَمْسِينَ فَهِيَ حِصَّةُ الْحِلْيَةِ، وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يُبَيِّنْ) الْمُشْتَرِي حِصَّةَ الْحِلْيَةِ لِأَنَّ حِصَّةَ الْحِلْيَةِ يَجِبُ قَبْضُهَا فِي الْمَجْلِسِ، وَالظَّاهِرُ مِنْ حَالِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْوَاجِبَ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْهُ وَلَمْ يَنْوِهِ (أَوْ قَالَ هِيَ مِنْ ثَمَنِهِمَا) لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ الْمُشْتَرِي " خُذْ هَذَا مِنْ ثَمَنِهِمَا ": خُذْ بَعْضًا مِنْ ثَمَنِ مَجْمُوعِهِمَا، وَثَمَنُ الْحِلْيَةِ بَعْضُ ثَمَنِ الْمَجْمُوعِ فَيُحْمَلُ عَلَيْهِ طَلَبًا لِلْجَوَازِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ خُذْ هَذَا عَلَى أَنَّهُ ثَمَنُ كُلٍّ مِنْهُمَا وَلَيْسَ الْحَالُ كَذَلِكَ، فَيَكُونُ مِنْ قَبِيلِ ذِكْرِ الِاثْنَيْنِ، وَإِرَادَةِ الْوَاحِدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وَالْمُرَادُ أَحَدُهُمَا بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَذْكُرْ الْمَفْعُولَ بِهِ لِلْإِمْكَانِ، وَهُنَا صُورَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يُبَيِّنَ وَيَقُولَ: خُذْ هَذَا، نِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ الْحِلْيَةِ وَنِصْفُهُ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَجْعَلَ الْكُلَّ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، وَفِيهِمَا يَكُونُ الْمَقْبُوضُ ثَمَنَ الْحِلْيَةِ لِأَنَّهُمَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَيُجْعَلُ عَنْ الْحِلْيَةِ لِحُصُولِ مُرَادِهِ هَكَذَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ. وَفِي الْبَحْرِ وَفِي الْمِعْرَاجِ مَعْزِيًّا

стр. 877

إلَى الْمَبْسُوطِ: لَوْ قَالَ خُذْ هَذِهِ الْخَمْسِينَ مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً وَقَالَ الْآخَرُ نَعَمْ أَوْ قَالَ لَا وَتَفَرَّقَا عَلَى ذَلِكَ انْتَقَضَ الْبَيْعُ فِي الْحِلْيَةِ لِأَنَّ التَّرَجُّحَ بِالِاسْتِحْقَاقِ عِنْدَ الْمُسَاوَاةِ فِي الْعَقْدِ أَوْ الْإِضَافَةِ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَعْدَ تَصْرِيحِ الدَّافِعِ بِكَوْنِ الْمَدْفُوعِ بِثَمَنِ السَّيْفِ خَاصَّةً، وَالْقَوْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْمُمَلِّكُ فَالْقَوْلُ لَهُ فِي بَيَانِ جِهَتِهِ. وَفِي السِّرَاجِ لَوْ قَالَ: هَذَا الَّذِي عَجَّلْته حِصَّةُ السَّيْفِ كَانَ عَنْ الْحِلْيَةِ وَجَازَ الْبَيْعُ لِأَنَّ السَّيْفَ اسْمٌ لِلْحِلْيَةِ أَيْضًا لِأَنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَيْعِهِ تَبَعًا، وَلَوْ قَالَ: هَذَا مِنْ ثَمَنِ النَّصْلِ وَالْجِفْنِ خَاصَّةً فَسَدَ الْبَيْعُ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ وَأَزَالَ الِاحْتِمَالَ فَلَمْ يُمْكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ، انْتَهَى، وَيُمْكِنُ التَّوْفِيقُ بِأَنْ يُحْمَلَ مَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ عَلَى مَا إذَا قَالَ: مِنْ ثَمَنِ السَّيْفِ، وَلَمْ يَقُلْ خَاصَّةً فَيُوَافِقُ مَا فِي السِّرَاجِ، وَأَمَّا مَا فِي الْمَبْسُوطِ فَإِنَّمَا قَالَ خَاصَّةً وَحِينَئِذٍ كَأَنَّهُ قَالَ خُذْ هَذَا عَنْ النَّصْلِ فَلْيُتَأَمَّلْ، انْتَهَى. قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بِمِائَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ بِخَمْسِينَ أَوْ أَقَلَّ مِنْهُمَا لَمْ يَجُزْ لِلرِّبَا، وَإِنْ بَاعَهُ بِفِضَّةٍ لَمْ يَدْرِ وَزْنَهَا لَمْ يَجُزْ أَيْضًا لِشُبْهَةِ الرِّبَا خِلَافًا لِزُفَرَ، فَفِي ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ لَا يَجُوزُ الْبَيْعُ وَفِي وَاحِدٍ يَجُوزُ وَهُوَ مَا إذَا عُلِمَ أَنَّ الثَّمَنَ أَزْيَدُ مِمَّا فِي الْحِلْيَةِ لِيَكُونَ مَا كَانَ قَدْرُهَا مُقَابِلًا لَهَا، وَالْبَاقِي فِي مُقَابَلَةِ النَّصْلِ خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ، هَذَا إذَا كَانَ الثَّمَنُ مِنْ جِنْسِ الْحِلْيَةِ فَإِنْ كَانَ مِنْ خِلَافِهَا جَازَ كَيْفَ مَا كَانَ لِجَوَازِ التَّفَاضُلِ، وَلَا خُصُوصِيَّةَ لِلْحِلْيَةِ مَعَ السَّيْفِ بَلْ الْمُرَادُ إذَا جَمَعَ مَعَ الصَّرْفِ غَيْرَهُ فَإِنَّ النَّقْدَ لَا يَخْرُجُ عَنْ كَوْنِهِ صَرْفًا بِانْضِمَامِ غَيْرِهِ إلَيْهِ، وَعَلَى هَذَا بَيْعُ الْمُزَرْكَشِ وَالْمُطَرَّزِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَكْرَهُ بَيْعَهُ بِجِنْسِهِ وَبِهِ نَأْخُذُ لِاحْتِمَالِ الزِّيَادَةِ، وَالْأَوْلَى بَيْعُهُ بِخِلَافِ جِنْسِهِ، انْتَهَى. (وَإِنْ تَفَرَّقَا) أَيْ الْمُتَعَاقِدَانِ (بِلَا قَبْضِ) شَيْءٍ (صَحَّ) الْبَيْعُ (فِي السَّيْفِ دُونَهَا) أَيْ دُونَ الْحِلْيَةِ. (وَإِنْ تَخَلَّصَ) السَّيْفُ عَنْ الْحِلْيَةِ (بِلَا ضَرَرٍ) لِأَنَّهُ أَمْكَنَ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ فَصَارَ كَالطَّوْقِ وَالْأَمَةِ (وَإِلَّا) أَيْ، وَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ بِلَا ضَرَرٍ (بَطَلَ) الْبَيْعُ (فِيهِمَا) أَيْ فِي السَّيْفِ وَالْحِلْيَةِ لِأَنَّ حِصَّةَ الصَّرْفِ يَجِبُ قَبْضُهَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ فَإِذَا لَمْ يَقْبِضْهَا حَتَّى افْتَرَقَا فَسَدَ فِيهِ لِفَقْدِ شَرْطِهِ، وَكَذَا فِي السَّيْفِ إنْ كَانَ لَا يَتَخَلَّصُ إلَّا بِضَرَرٍ لِتَعَذُّرِ تَسْلِيمِهِ بِدُونِ الضَّرَرِ كَالْجِذْعِ فِي السَّقْفِ، وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُرَاجَعْ. (وَإِنْ بَاعَ إنَاءَ فِضَّةٍ) بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ (وَقَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهِ وَافْتَرَقَا) قَبْلَ قَبْضِ الْبَاقِي (صَحَّ) الْعَقْدُ (فِيمَا قُبِضَ فَقَطْ) لِوُجُودِ شَرْطِهِ وَهُوَ الْقَبْضُ قَبْلَ الِافْتِرَاقِ وَبَطَلَ فِيمَا لَمْ يُقْبَضْ لِعَدَمِ وُجُودِ الشَّرْطِ (وَالْإِنَاءُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ عَقْدَ الصَّرْفِ وَقَعَ عَلَى كُلِّهِ أَوَّلًا، ثُمَّ طَرَأَ الْفَسَادُ عَلَى مَا لَمْ يُقْبَضْ وَهُوَ لَا يَشِيعُ عَلَى مَا وُجِدَ فِيهِ الْقَبْضُ فَحَصَلَتْ الشَّرِكَةُ فِي الْكُلِّ بِالتَّرَاضِي وَلَمْ يَلْزَمْ تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ قَبْلَ التَّمَامِ لِأَنَّ صَفْقَةَ الصَّرْفِ تَمَّتْ بِالتَّقَابُضِ وَلَوْ فِي الْبَعْضِ وَلَا خِيَارَ لِلْمُشْتَرِي بِخِلَافِ هَلَاكِ أَحَدِ الْعَبْدَيْنِ قَبْلَ الْقَبْضِ كَمَا فِي الْبَحْرِ

стр. 878

(وَإِنْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُهُ) أَيْ بَعْضُ الْإِنَاءِ (أَخَذَ الْمُشْتَرِي مَا بَقِيَ بِحِصَّتِهِ أَوْ رَدَّهُ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ عَيْبٌ فِي الْإِنَاءِ لِأَنَّ التَّشْقِيصَ يَضُرُّهُ، وَكَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ صُنْعِهِ فَيَتَخَيَّرُ بِخِلَافِ مَا مَرَّ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ وَقَعَتْ بِصُنْعِهِ وَهُوَ الِافْتِرَاقُ قَبْلَ نَقْدِ كُلِّ الثَّمَنِ، فَإِنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ قَبْلَ فَسْخِ الْحَاكِمِ الْعَقْدَ جَازَ الْعَقْدُ وَكَانَ الثَّمَنُ لَهُ يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيُسَلِّمُهُ إلَيْهِ إذَا لَمْ يَفْتَرِقَا بَعْدَ الْإِجَازَةِ، وَيَصِيرُ الْعَاقِدُ وَكِيلًا لِلْمُجِيزِ فَتَتَعَلَّقُ حُقُوقُ الْعَقْدِ بِهِ دُونَ الْمُجِيزِ. أَطْلَقَ فِي الْخِيَارِ فَشَمِلَ مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَلَوْ اُسْتُحِقَّ بَعْضُ قِطْعَةِ نُقْرَةٍ) وَهِيَ الْقِطْعَةُ الْمُذَابَةُ مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ (اشْتَرَاهَا أَخَذَ) الْمُشْتَرِي (الْبَاقِيَ بِحِصَّتِهِ بِلَا خِيَارٍ) لِأَنَّ الشَّرِكَةَ لَيْسَتْ بِعَيْبٍ فِي النُّقْرَةِ إذْ لَا يَلْزَمُ الِانْتِقَاصُ بِالتَّبْعِيضِ فَلَمْ يَتَضَرَّرْ الْمُشْتَرِي بِالشَّرِكَةِ فِيهَا، هَذَا لَوْ كَانَ الِاسْتِحْقَاقُ بَعْدَ قَبْضِهَا أَمَّا لَوْ كَانَ قَبْلَ قَبْضِهَا فَلَهُ الْخِيَارُ لِتَفَرُّقِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ التَّمَامِ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالدِّرْهَمُ وَالدِّينَارُ نَظِيرُ النُّقْرَةِ لِأَنَّ الشَّرِكَةَ فِي ذَلِكَ لَا تُعَدُّ عَيْبًا. (وَصَحَّ بَيْعُ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَدِرْهَمٍ) اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا بِصَرْفِ الْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ فَيُقَابَلُ الدِّرْهَمَانِ بِالدِّينَارَيْنِ وَالدِّينَارُ بِالدِّرْهَمِ. وَقَالَ زُفَرُ وَالْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ: لَا يَجُوزُ هَذَا الْعَقْدُ أَصْلًا. (وَ) صَحَّ أَيْضًا (بَيْعُ كُرِّ بُرٍّ وَكُرِّ شَعِيرٍ بِكُرَّيْ بُرٍّ وَكُرَّيْ شَعِيرٍ) بِأَنْ يُجْعَلَ كُرَّا بُرٍّ بِكُرِّ شَعِيرٍ، وَكُرَّا شَعِيرٍ بِكُرِّ بُرٍّ، وَلَوْ صُرِفَا إلَى جِنْسِهِ فَسَدَ وَفِي الْبَحْرِ تَفْصِيلٌ فَلْيُطَالَعْ. (وَ) صَحَّ (بَيْعُ أَحَدَ عَشَرَ دِرْهَمًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَدِينَارٍ) بِأَنْ يُجْعَلَ الْعَشَرَةُ بِمِثْلِهَا وَالدِّينَارُ بِدِرْهَمٍ تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ هَذِهِ بَعْدَ الَّتِي قَبْلَهَا وَإِنْ كَانَتْ قَدْ عُلِمَتْ مِمَّا قَبْلَهَا لِبَيَانِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْجِنْسَانِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ بَلْ إنْ كَانَا فِي طَرَفٍ وَاحِدٍ فَكَذَلِكَ. (وَ) صَحَّ (بَيْعُ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ وَدِرْهَمَيْنِ غَلَّةٍ بِدِرْهَمَيْنِ صَحِيحَيْنِ وَدِرْهَمٍ غَلَّةٍ) لِلتَّسَاوِي فِي الْوَزْنِ وَسُقُوطِ اعْتِبَارِ الْجَوْدَةِ، وَفِيهِ خِلَافُ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَيْضًا. وَفِي الْإِصْلَاحِ قَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْوِقَايَةِ هُنَا مَسَائِلَ مِنْ مَسَائِلِ الرِّبَا وَرَدَدْنَاهَا إلَى بَابِهَا. انْتَهَى. وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنْ يُقَالَ قَدْ شُرِطَ التَّمَاثُلُ فِي الصَّرْفِ فِرَارًا عَنْ الْفَضْلِ الْمُؤَدِّي إلَى الرِّبَا فَذَكَرَ مَسْأَلَةَ بَيْعِ دِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ وَبَيْعِ كُرِّ بُرٍّ وَبَيْعِ دِرْهَمٍ صَحِيحٍ فِي الصَّرْفِ، لِأَنَّ مَبْنَاهُ عَلَى الْجَوَازِ لَا فِي بَابِ الرِّبَا لِكَوْنِ مَبْنَاهُ عَلَى عَدَمِ الْجَوَازِ. (وَ) صَحَّ بِالْإِجْمَاعِ (بَيْعُ دِينَارٍ بِعَشَرَةٍ هِيَ) أَيْ الْعَشَرَةُ (عَلَيْهِ) وَتَقَعُ الْمُقَاصَّةُ بِنَفْسِ الْعَقْدِ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمْ يَجِبْ بِعَقْدٍ بَلْ كَانَ ثَابِتًا قَبْلَهُ وَسَقَطَ بِإِضَافَةِ الْعَقْدِ إلَيْهِ وَلَا رِبَا فِي دَيْنٍ سَقَطَ (أَوْ بِعَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ) أَيْ صَحَّ اسْتِحْسَانًا عِنْدَنَا إنْ بَاعَ الدِّينَارَ مِمَّنْ عَلَيْهِ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلَكِنْ لَمْ يُضِفْ الْعَقْدَ إلَى مَا فِي ذِمَّتِهِ بَلْ إلَى عَشَرَةٍ مُطْلَقَةٍ غَيْرِ مُقَيَّدَةٍ بِكَوْنِهَا عَلَيْهِ (إنْ دَفَعَ الدِّينَارَ وَيَتَقَاصَّانِ الْعَشَرَةَ بِالْعَشَرَةِ) وَالْقِيَاسُ عَدَمُ الْجَوَازِ

стр. 879

وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ وَالْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ لِكَوْنِهِ اسْتِبْدَالًا، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُمَا لَمَّا تَقَاصَّا انْفَسَخَ الْأَوَّلُ وَانْعَقَدَ صَرْفٌ آخَرُ مُضَافًا فَتَثْبُتُ الْإِضَافَةُ اقْتِضَاءً، كَمَا لَوْ جُدِّدَ الْبَيْعُ بِأَكْثَرَ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ الدَّيْنُ سَابِقًا أَمَّا إذَا كَانَ لَاحِقًا فَكَذَلِكَ يَجُوزُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ، وَذَلِكَ بِأَنْ بَاعَ دِينَارًا بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ، ثُمَّ بَاعَ مُشْتَرِي الدِّينَارِ ثَوْبًا مِنْهُ بِعَشَرَةٍ وَتَقَاصَّا. ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: وَيَتَقَاصَّانِ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ: إنْ دَفَعَ فَيَقْتَضِي سُقُوطَ نُونِ التَّثْنِيَةِ، إلَّا أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ اسْتِئْنَافٌ لَكِنَّهُ بَعِيدٌ، وَلَوْ قَالَ " وَتَقَاصَّا " بِصِيغَةِ الْمُضِيِّ كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ لَكَانَ أَسْلَمَ، تَدَبَّرْ. (وَمَا غَالِبُهُ الْفِضَّةُ أَوْ الذَّهَبُ فِضَّةٌ وَذَهَبٌ) لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ حُكْمًا، إذْ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ لِلْغَالِبِ لِأَنَّ الْغِشَّ الْقَلِيلَ لَا يُخْرِجُ الدَّرَاهِمَ عَنْ الدِّرْهَمِيَّةِ، وَالدِّينَارَ عَنْ الدِّينَارِيَّةِ لِأَنَّ النُّقُودَ الْمُسْتَعْمَلَةَ بَيْنَ النَّاسِ لَا يَخْلُو مِنْهُ، ثُمَّ فَرَّعَ بِقَوْلِهِ (فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الْخَالِصِ بِهِ) أَيْ بِغَالِبِ الْفِضَّةِ أَوْ بِغَالِبِ الذَّهَبِ (وَلَا بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ إلَّا مُتَسَاوِيًا وَزْنًا) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ مَجْمُوعِ مَا فِي حَيِّزِ قَوْلِهِ: فَلَا يَجُوزُ (وَلَا) يَجُوزُ (اسْتِقْرَاضُهُ إلَّا وَزْنًا) كَمَا فِي الْجِيَادِ (وَمَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغِشُّ مِنْهُمَا) أَيْ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَيَّزُ عَنْ الْغِشِّ إلَّا بِضَرَرٍ (فَهُوَ فِي حُكْمِ الْعُرُوضِ) لَا فِي حُكْمِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ إذْ الْحُكْمُ لِلْغَالِبِ فِي الشَّرْعِ، ثُمَّ فَرَّعَهُ بِقَوْلِهِ (فَبَيْعُهُ) أَيْ مَا غَلَبَ عَلَيْهِ الْغِشُّ (بِالْخَالِصِ عَلَى وُجُوهِ حِلْيَةِ السَّيْفِ) لِأَنَّهُ إذَا كَانَتْ زِيَادَةُ الْخَالِصَةِ مَعْلُومَةً يَجُوزُ الْبَيْعُ لَوْ تَقَابَضَا قَبْلَ الِافْتِرَاقِ، وَتَكُونُ الْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالزِّيَادَةُ فِي مُقَابَلَةِ الْغِشِّ هُوَ النُّحَاسُ وَغَيْرُهُ عَلَى مِثَالِ بَيْعِ الزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ أَمَّا إذَا كَانَتْ الْخَالِصَةُ مِثْلَ مَا فِي الْمَغْشُوشِ أَوْ أَقَلَّ أَوْ لَمْ يُعْلَمْ أَيُّهُمَا أَقَلُّ فَلَا يَجُوزُ كَمَا هُوَ حُكْمُ حِلْيَةِ السَّيْفِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ (وَيَصِحُّ بَيْعُهُ) أَيْ بَيْعُ الَّذِي غَلَبَ غِشُّهُ (بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا) صَرْفًا لِلْجِنْسِ إلَى خِلَافِهِ (بِشَرْطِ التَّقَابُضِ فِي الْمَجْلِسِ) فِي الصُّورَتَيْنِ لِوُجُودِ الْفِضَّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَمَتَى شُرِطَ الْقَبْضُ فِي الْفِضَّةِ اُعْتُبِرَ فِي النُّحَاسِ لِعَدَمِ التَّمَيُّزِ عَنْهُ إلَّا بِضَرَرٍ، هَذَا إذَا عُرِفَ أَنَّ الْفِضَّةَ تَجْتَمِعُ عِنْدَ إذَابَةِ الْمَغْشُوشَةِ وَلَا تَحْتَرِقُ، أَمَّا إذَا عُرِفَ أَنَّهَا تَحْتَرِقُ وَتَهْلِكُ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ النُّحَاسِ الْخَالِصِ وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا بِجِنْسِهَا مُتَفَاضِلًا. (وَ) يَصِحُّ (التَّبَايُعُ وَالِاسْتِقْرَاضُ بِمَا يَرُوجُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي غَلَبَ غِشُّهُ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ (وَزْنًا) إنْ كَانَ يَرُوجُ وَزْنًا (أَوْ عَدَدًا) إنْ كَانَ يَرُوجُ عَدَدًا (أَوْ بِهِمَا) أَيْ بِكُلٍّ مِنْهُمَا إنْ كَانَ يَرُوجُ بِهِمَا لِأَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ الْعَادَةُ (وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ) مَا دَامَ يَرُوجُ (لِكَوْنِهِ ثَمَنًا) بِالِاصْطِلَاحِ فَإِنْ هَلَكَ قَبْلَ التَّسْلِيمِ لَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بَيْنَهُمَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ مِثْلُهُ. (وَلَوْ اشْتَرَى بِهِ) أَيْ بِاَلَّذِي غَلَبَ غِشُّهُ وَهُوَ نَافِقٌ (فَكَسَدَ) قَبْلَ النَّقْدِ (بَطَلَ الْبَيْعُ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الثَّمَنِيَّةَ ثَبَتَتْ لَهَا بِعَارِضِ الِاصْطِلَاحِ فَإِذَا كَسَدَتْ رَجَعَتْ

стр. 880

إلَى أَصْلِهَا وَلَمْ تَبْقَ ثَمَنًا فَيَبْطُلُ الْبَيْعُ لِبَقَائِهِ بِلَا ثَمَنٍ، وَيَجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِي رَدُّ الْمَبِيعِ - إنْ كَانَ قَائِمًا - وَمِثْلِهِ أَوْ قِيمَتِهِ إنْ كَانَ هَالِكًا (وَقَالَا لَا يَبْطُلُ) الْبَيْعُ لِأَنَّ الثَّمَنَ تَعَلَّقَ بِالذِّمَّةِ، وَالْكَسَادُ عَرَضٌ عَلَى الْأَعْيَانِ دُونَ الذِّمَّةِ وَلَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ تَسْلِيمِ الثَّمَنِ لِكَسَادِهِ تَجِبُ قِيمَتُهُ وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَتَجِبُ قِيمَتُهُ) أَيْ قِيمَةُ الَّذِي غَلَبَ غِشُّهُ (يَوْمَ الْبَيْعِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِالْبَيْعِ فَتُعْتَبَرُ قِيمَتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَالْمَغْصُوبِ. وَفِي الذَّخِيرَةِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (وَ) قِيمَتُهُ (آخِرَ مَا تُعُومِلَ بِهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ) أَيْ قِيمَتُهُ يَوْمَ تَرَكَ النَّاسُ الْمُعَامَلَةَ لِأَنَّ التَّحَوُّلَ مِنْ رَدِّ الْمُسَمَّى إلَى قِيمَتِهِ إنَّمَا صَارَ بِالِانْقِطَاعِ فَيُعْتَبَرُ يَوْمُهُ. وَحَدُّ الْكَسَادِ أَنْ تُتْرَكَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ، وَإِنْ كَانَتْ يَرُوجُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ لَا يَبْطُلُ لَكِنَّهُ يَتَعَيَّبُ فَيَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ وَحَدُّ الِانْقِطَاعِ أَنْ لَا يُوجَدَ فِي السُّوقِ، وَإِنْ وُجِدَ فِي يَدِ الصَّيَارِفَةِ أَوْ فِي الْبُيُوتِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيمَا نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ غَلَبَ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَلَوْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا قَبْلَ الْقَبْضِ فَالْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ بِالْإِجْمَاعِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْبَائِعُ وَعَكْسُهُ لَوْ غَلَتْ قِيمَتُهَا وَازْدَادَتْ فَكَذَلِكَ الْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ وَلَا يَتَخَيَّرُ الْمُشْتَرِي، وَيُطَالَبُ بِنَقْدِ ذَلِكَ الْعِيَارِ الَّذِي كَانَ وَقْتَ الْبَيْعِ. (وَمَا لَا يَرُوجُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الَّذِي غَلَبَ غِشُّهُ كَالرَّصَاصَةِ وَالسَّتُّوقَةِ (يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ) لِزَوَالِ الْمُقْتَضِي لِلثَّمَنِيَّةِ وَهُوَ الِاصْطِلَاحُ وَيَنْبَغِي لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَ عَقِيبَ قَوْلِهِ وَلَا يَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ لِكَوْنِهِ ثَمَنًا كَمَا وَقَعَ فِي سَائِرِ الْكُتُبِ. تَتَبَّعْ. (وَالْمُتَسَاوِي الْغِشُّ كَمَغْلُوبِهِ فِي التَّبَايُعِ وَالِاسْتِقْرَاضِ) فَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِهِ وَلَا إقْرَاضُهُ إلَّا بِالْوَزْنِ بِمَنْزِلَةِ الدَّرَاهِمِ الرَّدِيئَةِ، وَلَا يَنْتَقِضُ الْعَقْدُ لِأَنَّ الْخَالِصَ فِيهِ مَوْجُودٌ حَقِيقَةً، وَلَمْ يَصِرْ مَغْلُوبًا فَيَجِبُ الِاعْتِبَارُ بِالْوَزْنِ شَرْعًا، وَإِذَا أُشِيرَ إلَيْهِ فِي الْمُبَايَعَةِ كَانَ بَيَانًا لِقَدْرِهِ وَوَصْفِهِ وَلَا يَبْطُلُ الْبَيْعُ بِهَلَاكِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَيُعْطِيهِ مِثْلَهُ لِكَوْنِهِ ثَمَنًا لَمْ يَتَعَيَّنْ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَكَذَا فِي الصَّرْفِ) يَعْنِي: الْمُتَسَاوِي الْغِشُّ كَمَغْلُوبِهِ فِي الصَّرْفِ أَيْضًا حَتَّى لَا يَجُوزَ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا (وَقِيلَ كَغَالِبِهِ) أَيْ كَغَالِبِ الْغِشِّ حَتَّى يَجُوزَ بَيْعُهُ بِجِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا وَلَوْ بَاعَهُ بِالْفِضَّةِ الْخَالِصَةِ لَمْ يَجُزْ حَتَّى يَكُونَ الْخَالِصُ أَكْثَرَ مِمَّا فِيهِ الْفِضَّةُ لِأَنَّهُ لَا غَلَبَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَيَجِبُ اعْتِبَارُهُمَا (وَيَجُوزُ الْبَيْعُ بِالْفُلُوسِ النَّافِقَةِ وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ تَتَعَيَّنْ) لِأَنَّهَا أَحْوَالٌ مَعْلُومَةٌ وَصَارَتْ أَثْمَانًا بِالِاصْطِلَاحِ فَجَازَ بِهَا الْبَيْعُ فَوَجَبَتْ فِي الذِّمَّةِ كَالنَّقْدَيْنِ وَلَا تَتَعَيَّنُ وَإِنْ عَيَّنَهَا كَالنَّقْدِ، إلَّا إذَا قَالَ: أَرَدْنَا تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِعَيْنِهَا فَحِينَئِذٍ يَتَعَلَّقُ الْعَقْدُ بِعَيْنِهَا بِخِلَافِ مَا إذَا بَاعَ فَلْسًا بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا حَيْثُ يَتَعَيَّنُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنْ لَفَسَدَ الْبَيْعُ وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِمَا، وَأَمَّا عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ لَا يَتَعَيَّنُ وَإِنْ صَرَّحَاهُ، وَأَصْلُهُ أَنَّ اصْطِلَاحَ الْعَامَّةِ لَا يَبْطُلُ بِاصْطِلَاحِهِمَا عَلَى خِلَافِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَهُمَا يَبْطُلُ فِي حَقِّهِمَا

стр. 881

كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَإِنْ كَسَدَتْ) أَيْ اشْتَرَى بِهَا شَيْئًا فَكَسَدَتْ قَبْلَ التَّسْلِيمِ (فَالْخِلَافُ كَمَا فِي كَسَادِ الْمَغْشُوشِ) يَعْنِي يَبْطُلُ الْبَيْعُ عِنْدَ الْإِمَامِ خِلَافًا لَهُمَا هَكَذَا ذَكَرَ الْقُدُورِيُّ الْخِلَافَ. وَاَلَّذِي فِي الْأَصْلِ وَشَرْحِ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَسْرَارِ الْبُطْلَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ خِلَافٍ سِوَى خِلَافِ زُفَرَ كَمَا فِي أَكْثَرِ شُرُوحِ الْهِدَايَةِ، لَكِنْ فِي الْفَتْحِ جَوَابٌ فَحَاصِلُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كَسَادِ الْمَغْشُوشَةِ وَكَسَادِ الْفُلُوسِ، إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا سِلْعَةٌ بِحَسَبِ الْأَصْلِ ثَمَنٌ بِالِاصْطِلَاحِ، فَإِنَّ غَالِبَةَ الْغِشِّ الْحُكْمُ فِيهَا لِلْغَالِبِ وَهُوَ النُّحَاسُ مَثَلًا فَلَوْ لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْفُلُوسِ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ. (وَلَوْ اسْتَقْرَضَهَا) أَيْ الْفُلُوسَ (فَكَسَدَتْ يَرُدُّ مِثْلَهَا) أَيْ إذَا كَانَتْ هَالِكَةً عِنْدَ الْإِمَامِ، وَإِذَا كَانَتْ قَائِمَةً فَيَرُدُّ عَيْنَهَا بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّ الْمَرْدُودَ فِي الْقَرْضِ جُعِلَ عَيْنَ الْمَقْبُوضِ حُكْمًا، وَإِلَّا يَلْزَمُ مُبَادَلَةُ جِنْسٍ بِجِنْسٍ نَسِيئَةً، وَإِنَّهُ حَرَامٌ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الرَّوَاجُ (وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ قِيمَتَهَا) أَيْ قِيمَةَ الْفُلُوسِ (يَوْمَ الْقَرْضِ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَوْمَ الْكَسَادِ) وَقَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْسَرُ لِلْفَتْوَى لِأَنَّ يَوْمَ الْقَبْضِ يُعْلَمُ بِلَا كُلْفَةٍ، وَقَوْلُ مُحَمَّدٍ أَنْظَرُ فِي حَقِّ الْمُسْتَقْرِضِ لِأَنَّ قِيمَتَهَا يَوْمَ الِانْقِطَاعِ أَقَلُّ، وَكَذَا فِي حَقِّ الْمُقْرِضِ بِالنَّظَرِ إلَى قَوْلِ الْإِمَامِ لَا إلَى الْمُفْتِي لِأَنَّ يَوْمَ الْكَسَادِ لَا يُعْرَفُ إلَّا بِحَرَجٍ (وَلَا يَجُوزُ الْبَيْعُ بِغَيْرِ النَّافِقَةِ مَا لَمْ تُعَيَّنْ) لِأَنَّهَا سِلْعَةٌ فَلَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِهَا. (وَمَنْ اشْتَرَى بِنِصْفِ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ أَوْ دَانِقٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا سُدُسُ الدِّرْهَمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى دِرْهَمٍ أَوْ عَلَى نِصْفِ وَهُوَ الظَّاهِرُ (فُلُوسٍ أَوْ قِيرَاطٍ) وَهُوَ نِصْفُ الدَّانِقِ (فُلُوسٍ جَازَ الْبَيْعُ) عِنْدَنَا وَكَذَا بِثُلُثِ دِرْهَمٍ أَوْ رُبُعِهِ (وَعَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُشْتَرِي (مَا يُبَاعُ بِنِصْفِ دِرْهَمٍ أَوْ دَانِقٍ أَوْ قِيرَاطٍ مِنْهَا) أَيْ مِنْ الْفُلُوسِ فَقَوْلُهُ مِنْ الْفُلُوسِ بَيَانٌ لِمَا يُبَاعُ؛ لِأَنَّ التَّبَايُعَ بِهَذَا الطَّرِيقِ مُتَعَارَفٌ فِي الْقَلِيلِ مَعْلُومٌ بَيْنَ النَّاسِ لَا تَفَاوُتَ فِيهِ فَلَا يُؤَدِّي إلَى النِّزَاعِ وَاقْتَصَرَ الْمُصَنِّفُ عَلَى مَا دُونَ الدِّرْهَمِ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى بِدِرْهَمٍ فُلُوسٍ أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ فُلُوسٍ لَا يَجُوزُ عِنْدَ مُحَمَّدٍ لِعَدَمِ الْعُرْفِ وَجَوَّزَهُ أَبُو يُوسُفَ لِلْعُرْفِ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا فِي الْكَافِي. (وَلَوْ دَفَعَ إلَى صَيْرَفِيٍّ) وَهُوَ مَنْ يُمَيِّزُ الْجَوْدَةَ مِنْ الرَّدَاءَةِ (دِرْهَمًا وَقَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَبِنِصْفِهِ نِصْفًا) أَيْ مَا ضُرِبَ مِنْ الْفِضَّةِ مَا يُسَاوِي وَزْنَ نِصْفِ دِرْهَمٍ (إلَّا حَبَّةً فَسَدَ الْبَيْعُ فِي الْكُلِّ) عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْفَسَادَ قَوِيٌّ فِي الْبَعْضِ وَهُوَ قَوْلُهُ نِصْفَ دِرْهَمٍ إلَّا حَبَّةً لِتَحَقُّقِ الرِّبَا لِأَنَّهُ بَاعَ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ مُتَفَاضِلًا وَزْنَ الْحَبَّةِ فَيَسْرِي إلَى الْبَعْضِ الْآخَرِ وَهُوَ الْفُلُوسُ لِاتِّحَادِ الصَّفْقَةِ (وَعِنْدَهُمَا صَحَّ) الْبَيْعُ (فِي الْفُلُوسِ) وَبَطَلَ فِيمَا يُقَابِلُ الْفِضَّةَ، وَأَصْلُ الْخِلَافِ أَنَّ الْعَقْدَ يَتَكَرَّرُ عِنْدَهُ بِتَكْرَارِ اللَّفْظِ وَعِنْدَهُمَا بِتَفْصِيلِ الثَّمَنِ، حَتَّى لَوْ قَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِهِ فُلُوسًا وَأَعْطِنِي بِنِصْفِهِ نِصْفًا إلَّا حَبَّةً جَازَ الْبَيْعُ فِي الْفُلُوسِ

стр. 882

وَبَطَلَ فِيمَا بَقِيَ عِنْدَهُمَا كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَلَوْ كَرَّرَ أَعْطِنِي صَحَّ فِي الْفُلُوسِ اتِّفَاقًا) لِأَنَّهُ لَمَّا كَرَّرَ صَارَ عَقْدَيْنِ، وَفِي الثَّانِي رِبًا، وَفَسَادُ أَحَدِ الْبَيْعَيْنِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْآخَرِ. وَفِي الْمِنَحِ قَالَ أَبُو النَّصْرِ الْأَقْطَعُ: هَذَا غَلَطٌ مِنْ النَّاسِخِ لِأَنَّ الْعَقْدَ فِيهِ فَاسِدٌ عِنْدَ الْإِمَامِ وَعِنْدَهُمَا جَائِزٌ فِي الْفُلُوسِ، فَاسِدٌ فِي قَدْرِ النِّصْفِ الْآخَرِ عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي الصَّفْقَةِ الْوَاحِدَةِ إذَا تَضَمَّنَتْ الصَّحِيحَ وَالْفَاسِدَ. وَفِي الْفَتْحِ اعْتِرَاضٌ وَجَوَابٌ. فَلْيُطَالَعْ. (وَلَوْ قَالَ أَعْطِنِي بِهِ) أَيْ بِالدِّرْهَمِ (نِصْفَ دِرْهَمٍ فُلُوسٍ) قَالَ الْمَوْلَى سَعْدِيٌّ: قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ يَجُوزُ فِي فُلُوسٍ الْجَرُّ صِفَةً لِدِرْهَمٍ، وَالنَّصْبُ صِفَةً لِنِصْفِ، وَيَجُوزُ عَلَى رِوَايَةِ الْجَرِّ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِلنِّصْفِ، وَالْجَرُّ عَلَى الْجِوَارِ (وَنِصْفًا إلَّا حَبَّةً صَحَّ فِي الْكُلِّ وَالنِّصْفِ) وَالْأَوْلَى بِالْفَاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ (إلَّا حَبَّةً بِمِثْلِهِ وَالْفُلُوسُ بِالْبَاقِي) لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْمُثَمَّنَ وَلَمْ يَقْسِمْهُ عَلَى أَجْزَاءِ الثَّمَنِ فَيَكُونُ النِّصْفُ إلَّا حَبَّةً فِي مُقَابَلَةِ مِثْلِهِ وَمَا بَقِيَ مِنْ نِصْفٍ وَحَبَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ الْفُلُوسِ. وَفِي التَّنْوِيرِ: وَالْأَمْوَالُ ثَلَاثَةٌ ثَمَنٌ بِكُلِّ حَالٍ وَهُوَ النَّقْدَانِ صَحِبَتْهُ الْبَاءُ أَوْ لَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ أَوْ لَا وَمَبِيعٌ بِكُلِّ حَالٍ كَالثِّيَابِ وَالدَّوَابِّ وَثَمَنٌ مِنْ وَجْهٍ مَبِيعٌ مِنْ وَجْهٍ كَالْمِثْلِيَّاتِ فَإِنْ اتَّصَلَ بِهَا الْبَاءُ فَثَمَنٌ، وَإِلَّا فَمَبِيعٌ وَأَمَّا الْفُلُوسُ فَإِنْ كَانَتْ رَائِجَةً أُلْحِقَتْ بِالثَّمَنِ، وَإِلَّا فَبِالسِّلْعَةِ، وَمِنْ حُكْمِ الثَّمَنِ عَدَمُ اشْتِرَاطِ وُجُودِهِ فِي مِلْكِ الْعَاقِدِ عِنْدَ الْعَقْدِ، وَعَدَمُ بُطْلَانِ الْعَقْدِ بِهَلَاكِ الثَّمَنِ، وَيَصِحُّ الِاسْتِبْدَالُ بِهِ فِي غَيْرِ الصَّرْفِ وَالسَّلَمِ، وَحُكْمُ الْمَبِيعِ خِلَافُ الثَّمَنِ فِي الْكُلِّ فَيُشْتَرَطُ وُجُودُ الْمَبِيعِ فِي مِلْكِهِ. [كِتَاب الْكِفَالَة] ِ عَقَّبَ الْبُيُوعَ بِذِكْرِ الْكَفَالَةِ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا فِي الْبِيَاعَاتِ غَالِبًا، وَلِأَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِأَمْرٍ كَانَ فِيهَا مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ انْتِهَاءً فَنَاسَبَ ذِكْرُهَا عَقِيبَ الْبُيُوعِ الَّتِي هِيَ مُعَاوَضَةٌ، وَ (هِيَ) فِي اللُّغَةِ الضَّمُّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧] أَيْ ضَمَّهَا إلَى نَفْسِهِ، وَقُرِئَ بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ وَنَصْبِ زَكَرِيَّا أَيْ جَعَلَهُ كَافِلًا لَهَا وَضَامِنًا لِمَصَالِحِهَا. وَفِي الشَّرْعِ (ضَمُّ ذِمَّةٍ) أَيْ ذِمَّةِ الْكَفِيلِ (إلَى ذِمَّةٍ) أَيْ إلَى ذِمَّةِ الْأَصِيلِ (فِي الْمُطَالَبَةِ) ، وَفِي الْمِنَحِ: وَأَصْلُهُ أَنَّ الْكَفِيلَ وَالْمَكْفُولَ عَنْهُ صَارَا مَطْلُوبَيْنِ لِلْمَكْفُولِ لَهُ، سَوَاءٌ كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْ أَحَدِهِمَا هُوَ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْآخَرِ كَمَا فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ أَوْ لَا كَمَا فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْ الْأَصِيلِ الْمَالُ وَمِنْ الْكَفِيلِ إحْضَارُ النَّفْسِ، وَلَفْظُ الْمُطَالَبَةِ بِإِطْلَاقِهِ يَنْتَظِمُهُمَا هَذَا عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ، وَجَزَمَ الْمَوْلَى مِسْكِينٌ فِي شَرْحِ الْكَنْزِ بِأَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ تَسْلِيمُ النَّفْسِ فَإِنَّ الْمَطْلُوبَ عَلَيْهِ تَسْلِيمُ النَّفْسِ، وَالْكَفِيلُ قَدْ الْتَزَمَهُ، إذَا عَلِمْتَ هَذَا ظَهَرَ لَك أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ إلَى قَوْلِ صَاحِبِ الدُّرَرِ فِي مُطَالَبَةِ النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ أَوْ التَّسْلِيمِ لِأَنَّ الْمُطَالَبَةَ

стр. 883

تَشْمَلُ ذَلِكَ، انْتَهَى. لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ صَاحِبَ الدُّرَرِ قَالَ بَعْدَهُ: وَإِنَّمَا اخْتَرْت تَعْرِيفًا صَحِيحًا مَتْنًا وَلَا لِجَمِيعِ الْأَقْسَامِ صَرِيحًا، وَلَا صَرَاحَةَ فِيمَا نَقَلَ صَاحِبُ الْمِنَحِ عَنْ الْمَوْلَى الْمِسْكِينِ بَلْ عَلَى طَرِيقِ الشُّمُولِ وَالتَّصْرِيحِ أَوْلَى فِي التَّعْرِيفِ، تَدَبَّرْ. (لَا فِي الدَّيْنِ) كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ لَكِنَّهُ (هُوَ) أَيْ كَوْنُهُ ضَمَّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ (الْأَصَحُّ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ كَمَا تَصِحُّ بِالْمَالِ تَصِحُّ بِالنَّفْسِ، وَلَا دَيْنَ ثَمَّةَ وَكَمَا تَصِحُّ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا وَلِأَنَّهُ لَمَّا يَثْبُتْ الدَّيْنُ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ وَلَمْ يَبْرَأْ الْأَصِيلُ صَارَ الدَّيْنُ الْوَاحِدُ دَيْنَيْنِ وَقَلَبَ الْحَقِيقَةَ، فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَمَا فِي الْعِنَايَةِ وَغَيْرِهَا لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ؛ لِأَنَّ مَعْنَى قَلْبِ الْحَقَائِقِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ انْقِلَابٌ وَاحِدٌ مِنْ الْوَاجِبِ وَالْمُمْتَنِعِ وَالْمُمْكِنِ إلَى الْآخَرِ، وَالدَّيْنُ فِعْلٌ وَاجِبٌ فِي الذِّمَّةِ وَهُوَ هَهُنَا تَمْلِيكُ مَالٍ بَدَلًا عَنْ شَيْءٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ. وَقَالَ الْمَوْلَى أَخِي فِي حَاشِيَتِهِ: تَعْلِيلُ صَاحِبِ الْعِنَايَةِ يُعْطِي عَدَمَ صِحَّةِ الثَّانِي مَعَ أَنَّ مُقْتَضَى صِيغَةِ التَّفْضِيلِ صِحَّتُهُ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُلْغَى مَعْنَى الْأَفْضَلِيَّةِ فِيهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي شَرْحِ الْمِفْتَاحِ فَكَأَنَّهُ قَالَ الصَّحِيحُ الْأَوَّلُ فَانْدَفَعَ مَا ذَكَرَ الْأُسْتَاذُ فِي شَرْحِ الْغُرَرِ، انْتَهَى. هَذَا مُخَالِفٌ لِاصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يَسْتَعْمِلُونَ الْأَصَحَّ فِي مَعْنَى الصَّحِيحِ بَلْ فِي مُقَابَلَةِ الصَّحِيحِ، تَدَبَّرْ. (وَلَا تَصِحُّ) الْكَفَالَةُ (إلَّا مِمَّنْ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ) لِأَنَّهُ عَقْدُ تَبَرُّعٍ ابْتِدَاءً فَلَا تَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ وَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ لَكِنَّ الْعَبْدَ يُطَالَبُ بَعْدَ الْعِتْقِ كَمَا فِي الْخُلَاصَةِ هَذَا بَيَانُ أَهْلِهَا. [أَرْكَان الْكِفَالَة] وَأَمَّا رُكْنُهَا فَإِيجَابٌ وَقَبُولٌ بِالْأَلْفَاظِ الْآتِيَةِ، وَلَمْ يَجْعَلْ أَبُو يُوسُفَ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ الْقَبُولَ رُكْنًا فَجَعَلَهَا تَتِمُّ بِالْكَفِيلِ وَحْدَهُ فِي الْمَالِ وَالنَّفْسِ. وَشَرْطُهَا كَوْنُ الْمَكْفُولِ بِهِ مَقْدُورَ التَّسْلِيمِ مِنْ الْكَفِيلِ، وَفِي الدَّيْنِ كَوْنُهُ صَحِيحًا، وَحُكْمًا لُزُومُ الْمُطَالَبَةِ عَلَى الْكَفِيلِ بِمَا هُوَ عَلَى الْأَصِيلِ نَفْسًا أَوْ مَالًا. وَالْمُدَّعِي مَكْفُولٌ لَهُ، وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ مَكْفُولٌ عَنْهُ، وَالنَّفْسُ أَوْ الْمَالُ مَكْفُولٌ بِهِ، وَالْمَكْفُولُ عَنْهُ وَالْمَكْفُولُ بِهِ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ وَاحِدٌ. [أَنْوَاع الْكِفَالَة] (وَهِيَ) الْكَفَالَةُ (ضَرْبَانِ) كَفَالَةٌ (بِالنَّفْسِ، وَ) كَفَالَةٌ (بِالْمَالِ) خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ، إذْ عِنْدَهُ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي قَوْلٍ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى تَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ لَهُ حَيْثُ لَا يَنْقَادُ لَهُ بَلْ يُمَانِعُهُ، وَيُدَافِعُهُ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى مَالِ نَفْسِهِ، وَلَنَا قَوْلُهُ ﵊ «الزَّعِيمُ غَارِمٌ» . وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ بِإِطْلَاقِهِ يُفِيدُ مَشْرُوعِيَّةَ الْكَفَالَةِ بِنَوْعَيْهَا، لَا يُقَالُ: لَا غُرْمَ فِي كَفَالَةِ النَّفْسِ لِأَنَّا نَقُولُ

стр. 884

الْغُرْمُ لُزُومُ ضَرَرٍ عَلَيْهِ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] وَيُمْكِنُ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا بِأَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَمْتَنِعَ عَنْهُ، أَوْ بِأَنْ يَسْتَعِينَ بِأَعْوَانِ الْقَاضِي عَلَى تَسْلِيمِهِ مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَفَّلُ بِنَفْسِ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَيَنْقَادُ لَهُ، وَأَيْضًا إلْزَامُ الشَّيْءِ عَلَى نَفْسِهِ يَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مُلْتَزَمٍ عَلَيْهِ غَالِبًا كَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ أَلْفَ حَجَّةٍ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَا يَعِيشُ أَلْفَ سَنَةٍ. (فَالْأُولَى) أَيْ كَفَالَةُ النَّفْسِ (تَنْعَقِدُ بِكَفَلْت بِنَفْسِهِ وَبِرَقَبَتِهِ وَنَحْوِهَا) أَيْ نَحْوِ الرَّقَبَةِ (مِمَّا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ) جَمِيعِ (الْبَدَنِ) عُرْفًا كَالْبَدَنِ وَالْجَسَدِ وَالرُّوحِ وَالرَّأْسِ وَالْوَجْهِ وَالْعُنُقِ وَالْعَيْنِ وَالْفَرْجِ - إذَا كَانَتْ امْرَأَةً - بِخِلَافِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ (أَوْ بِجُزْءٍ شَائِعٍ مِنْهُ كَنِصْفِهِ أَوْ عُشْرِهِ) أَوْ ثُلُثِهِ أَوْ رُبُعِهِ أَوْ نَحْوِهَا لِأَنَّ النَّفْسَ الْوَاحِدَةَ فِي حَقِّ الْكَفَالَةِ لَا تَتَجَزَّأُ فَكَانَ ذِكْرُ بَعْضِهَا شَائِعًا كَذِكْرِ كُلِّهَا. وَفِي السِّرَاجِ وَلَوْ أَضَافَ الْجُزْءَ إلَيْهِ بِأَنْ قَالَ الْكَفِيلُ: كَفَلَ لَك نِصْفِي أَوْ ثُلُثِي فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ. (وَ) تَنْعَقِدُ (بِضَمِنْتُهُ) أَيْ بِقَوْلِهِ ضَمِنْتُ لَك فُلَانًا لِأَنَّهُ تَصْرِيحٌ بِمُقْتَضَاهُ (أَوْ هُوَ عَلَيَّ) لِأَنَّ كَلِمَةَ عَلَيَّ لِلْإِلْزَامِ فَكَأَنَّهُ قَالَ: أَنَا مُلْتَزِمٌ تَسْلِيمَهُ (أَوْ إلَيَّ) لِأَنَّ إلَيَّ بِمَعْنَى عَلَيَّ، قَالَ ﵊ «مَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ وَمَنْ تَرَكَ كَلًّا أَيْ يَتِيمًا أَوْ عِيَالًا فَإِلَيَّ» وَرُوِيَ عَلَيَّ لِكَوْنِهِمَا بِمَعْنًى (أَوْ أَنَا زَعِيمٌ) لِأَنَّ الْكَفِيلَ يُسَمَّى زَعِيمًا قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - حِكَايَةً عَنْ صَاحِبِ يُوسُفَ ﴿وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] أَيْ كَفِيلٌ (أَوْ قَبِيلٌ بِهِ) أَيْ بِفُلَانٍ لِأَنَّ الْقَبِيلَ هُوَ الْكَفِيلُ، وَلِهَذَا سُمِّيَ الصَّكُّ قَبَالَةً لِأَنَّهُ يَحْفَظُ الْحَقَّ. (لَا) تَنْعَقِدُ (بِأَنَا ضَامِنٌ لِمَعْرِفَتِهِ) لِأَنَّهُ الْتَزَمَ مَعْرِفَتَهُ دُونَ الْمُطَالَبَةِ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يَصِيرُ ضَامِنًا لِلْعُرْفِ، وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: هَذَا الْقَوْلُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ غَيْرُ مَشْهُورٍ، وَالظَّاهِرُ مَا رُوِيَ عَنْهُمَا وَبِظَاهِرِ الرِّوَايَةِ يُفْتَى كَمَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ. وَفِي التَّنْوِيرِ وَيَنْعَقِدُ بِقَوْلِهِ أَنَا ضَامِنٌ حَتَّى يَجْتَمِعَا أَوْ يَلْتَقِيَا وَيَكُونَ كَفِيلًا إلَى الْغَايَةِ، وَقِيلَ لَا يَنْعَقِدُ لِعَدَمِ بَيَانِ الْمَضْمُونِ هَلْ هُوَ نَفْسٌ أَوْ مَالٌ. قَيَّدَ بِالْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا ضَامِنٌ تَعْرِيفَهُ، أَوْ عَلَيَّ تَعْرِيفُهُ فَفِيهِ اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، وَالْوَجْهُ اللُّزُومُ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَلَوْ قَالَ أَنَا ضَامِنٌ لِوَجْهِهِ فَإِنَّهُ يُؤْخَذُ لِوَجْهِهِ بِهِ، وَلَوْ قَالَ: أَنَا أُعَرِّفُهُ لَا يَكُونُ كَفِيلًا، وَكَذَا لَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ لِمَعْرِفَةِ فُلَانٍ، وَلَوْ قَالَ: مَعْرِفَةُ فُلَانٍ عَلَيَّ، قَالُوا: يَلْزَمُهُ أَنْ يَدُلَّ عَلَيْهِ كَمَا فِي الْخَانِيَّةِ وَلَوْ قَالَ " فُلَانٌ آشناء منست أَوْ آشناست " صَارَ كَفِيلًا بِالنَّفْسِ عُرْفًا، وَبِهِ يُفْتَى فِي الْمُضْمَرَاتِ (وَصَحَّ أَخْذُ كَفِيلَيْنِ وَأَكْثَرَ) لِأَنَّ حُكْمَ الْكَفَالَةِ اسْتِحْقَاقُ الْمُطَالَبَةِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ، فَالْتِزَامُ الْأَوَّلِ لَا يَمْنَعُ الثَّانِيَ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا التَّوَثُّقُ، وَأَخْذُ كَفِيلٍ آخَرَ وَآخَرَ زِيَادَةٌ فِي التَّوَثُّقِ فَصَحَّتْ الثَّانِيَةُ مَعَ بَقَاءِ الْأُولَى وَكَذَا الثَّالِثَةُ فَمَا فَوْقَهَا. (وَيَجِبُ فِيهَا) أَوْ فِي الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ عَلَى الْكَفِيلِ (إحْضَارُ مَكْفُولٍ بِهِ) وَهُوَ النَّفْسُ (إذَا طَلَبَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ) وَهُوَ الْمُدَّعِي وَفَاءً بِمَا الْتَزَمَهُ (فَإِنْ لَمْ يُحْضِرْهُ)

стр. 885

أَيْ إنْ لَمْ يُحْضِرْ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ بِهِ بَعْدَ الطَّلَبِ بِغَيْرِ عَجْزٍ (حُبِسَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ أَيْ حَبَسَهُ الْحَاكِمُ لِامْتِنَاعِهِ عَنْ إيفَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ حَتَّى يَظْهَرَ مَطْلُهُ، لِأَنَّهُ جَزَاءُ الظُّلْمِ وَهُوَ لَيْسَ بِظَالِمٍ قَبْلَ الْمَطْلِ هَذَا إذَا أَقَرَّ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ أَمَّا إذَا أَنْكَرَهَا، وَثَبَتَتْ بِالْبَيِّنَةِ عِنْدَ الْحَاكِمِ فَيَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ، قَالَ الْخَصَّافُ لَا يَحْبِسُهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلَوْ ثَبَتَ بِالْبَيِّنَةِ وَقَيَّدْنَا بِغَيْرِ عَجْزٍ لِأَنَّهُ إنْ عَجَزَ فَلَا حَبْسَ بَلْ يُلَازِمُهُ الطَّالِبُ. (وَإِنْ عَيَّنَ) أَيْ الْكَفِيلُ (وَقْتَ تَسْلِيمِهِ) أَيْ الْمَكْفُولِ بِهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْكَفِيلَ (ذَلِكَ) أَيْ إحْضَارُ الْمَكْفُولِ بِهِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ (إذَا طَالَبَهُ) الْمَكْفُولُ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ بَعْدَهُ لِأَنَّهُ الْتَزَمَهُ كَذَلِكَ (فَإِنْ سَلَّمَهُ) إلَيْهِ (قَبْلَ) مَجِيءِ (ذَلِكَ) الْوَقْتِ (بَرِئَ) الْكَفِيلُ، وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْهُ الْمَكْفُولُ لَهُ لِأَنَّهُ مَا الْتَزَمَ تَسْلِيمَهُ إلَّا مَرَّةً وَقَدْ أَتَى بِهِ. وَفِي الْمِنَحِ إذَا كَفَلَ إلَى ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَانَ كَفِيلًا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ، وَلَا يُطَالَبُ فِي الْحَالِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَبِهِ يُفْتَى، وَإِذَا قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِ فُلَانٍ مِنْ الْيَوْمِ إلَى عَشَرَةِ أَيَّامٍ صَارَ كَفِيلًا فِي الْحَالِ فَإِذَا مَضَتْ الْعَشَرَةُ خَرَجَ عَنْهَا. وَلَوْ قَالَ: أَنَا كَفِيلٌ بِنَفْسِهِ إلَى عَشَرَةٍ فَإِذَا مَضَتْ الْعَشَرَةُ فَأَنَا بَرِيءٌ، قَالَ ابْنُ الْفَضْلِ لَا مُطَالَبَةَ عَلَيْهِ بِهَا لَا فِيهَا وَلَا بَعْدَهَا. وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ: الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِيرُ كَفِيلًا. وَهَذَا حِيلَةٌ لِمَنْ يُلْتَمَسُ مِنْهُ الْكَفَالَةُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَصِيرَ كَفِيلًا. وَفِي الْوَاقِعَاتِ: الْفَتْوَى عَلَى أَنَّهُ يَصِيرُ كَفِيلًا كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَإِنْ غَابَ الْمَكْفُولُ بِهِ وَعَلِمَ مَكَانَهُ أَمْهَلَهُ الْحَاكِمُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ، وَإِيَابِهِ) وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَرَادَ الْكَفِيلُ السَّفَرَ إلَيْهِ، فَإِنْ أَبَى حَبَسَهُ لِلْحَالِ مِنْ غَيْرِ إمْهَالٍ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ (فَإِنْ مَضَتْ) الْمُدَّةُ (وَلَمْ يُحْضِرْهُ) مَعَ إمْكَانِ الْإِحْضَارِ (حَبَسَهُ) الْحَاكِمُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. (وَإِنْ غَابَ) الْمَكْفُولُ بِهِ (وَلَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ) لِأَنَّهُ عَاجِزٌ فَعَلَى هَذَا الْتَجَأَ إلَى بَابِ الْجَائِرِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يُطَالَبَ بِهِ لِتَحَقُّقِ الْعَجْزِ كَمَا فِي الزَّاهِدِيِّ. وَفِي الْبَحْرِ وَلَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ أَنَّهُ غَائِبٌ لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ إمَّا بِتَصْدِيقِ الطَّالِبِ أَوْ بِبَيِّنَةٍ فَإِنْ اخْتَلَفَا وَلَا بَيِّنَةَ، فَقَالَ الْكَفِيلُ: لَا أَعْرِفُ مَكَانَهُ، وَقَالَ الطَّالِبُ: تَعْرِفُهُ فَإِنْ كَانَ لَهُ خَرْجَةٌ مَعْلُومَةٌ لِلتِّجَارَةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ وَيُؤْمَرُ الْكَفِيلُ بِالذَّهَابِ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضُوعِ، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ لِتَمَسُّكِهِ بِالْأَصْلِ وَهُوَ الْجَهْلُ. وَلَوْ عُلِمَ أَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ أُرِيدَ وَلَحِقَ بِدَارِ الْحَرْبِ يُؤَجَّلُ الْكَفِيلُ وَلَا تَبْطُلُ بِاللَّحَاقِ بِدَارِ الْحَرْبِ، وَقَيَّدَهُ فِي الذَّخِيرَةِ بِمَا إذَا كَانَ الْكَفِيلُ قَادِرًا عَلَى رَدِّهِ بِأَنْ كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مُوَاعَدَةٌ أَنَّهُمْ يَرُدُّونَ إلَيْنَا الْمُرْتَدَّ، وَإِلَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ، ثُمَّ كُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا: إنَّهُ يُؤْمَرُ بِالذَّهَابِ إلَيْهِ لِلطَّالِبِ أَنْ يَسْتَوْثِقَ بِكَفِيلٍ مِنْ الْكَفِيلِ حَتَّى لَا يَغِيبَ الْآخَرُ. (وَتَبْطُلُ) الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ (بِمَوْتِ الْكَفِيلِ) لِحُصُولِ الْعَجْزِ الْكُلِّيِّ عَنْ التَّسْلِيمِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَوَارِثُهُ لَا يَقُومُ مَقَامَهُ لِأَنَّ الْخَلِيفَةَ فِيمَا لَهُ لَا فِيمَا عَلَيْهِ، بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا

стр. 886

لَكِنْ فِي السِّرَاجِ نَقْلًا عَنْ الْكَرْخِيِّ لَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الْكَفِيلِ وَيُطَالَبُ وَرَثَتُهُ بِإِحْضَارِهِ (وَ) تَبْطُلُ بِمَوْتِ (الْمَكْفُولِ بِهِ) لِامْتِنَاعِ التَّسْلِيمِ. (وَلَوْ) كَانَ الْمَكْفُولُ بِهِ (عَبْدًا) إنَّمَا قَالَ هَذَا لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْعَبْدَ مَالٌ مُطَالَبٌ بِهِ وَكَفَلَ بِنَفْسِهِ رَجُلٌ أَمَّا إذَا كَانَ الْمُدَّعَى بِهِ نَفْسَ الْعَبْدِ لَا يَبْرَأُ وَضَمِنَ قِيمَتَهُ (دُونَ مَوْتِ الْمَكْفُولِ لَهُ بَلْ يُطَالِبُ وَارِثُهُ أَوْ وَصِيُّهُ الْكَفِيلَ) أَيْ إذَا مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ لَمْ تَبْطُلْ، وَيُسَلِّمُهُ الْكَفِيلُ إلَى وَرَثَتِهِ فَإِنْ سَلَّمَهُ إلَى بَعْضِهِمْ بَرِئَ مِنْهُمْ خَاصَّةً، وَلِلْبَاقِينَ مُطَالَبَتُهُ بِإِحْضَارِهِ فَإِنْ كَانُوا صِغَارًا، فَلِوَصِيِّهِمْ مُطَالَبَتُهُ، فَإِنْ سَلَّمَهُ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ بَرِئَ فِي حَقِّهِ، وَلِلْآخَرِ مُطَالَبَتُهُ. وَفِي مَنْظُومَةِ ابْنِ وَهْبَانَ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِمَوْتِ الطَّالِبِ، وَالْمَعْرُوفُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَيَبْرَأُ) الْكَفِيلُ بِالنَّفْسِ (إذَا سَلَّمَهُ) أَيْ سَلَّمَ الْمَكْفُولَ بِهِ إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ (حَيْثُ تُمْكِنُ مُخَاصَمَتُهُ) كَمَا إذَا سَلَّمَهُ فِي مِصْرَ، سَوَاءٌ قَبِلَهُ الطَّالِبُ أَوْ لَا. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (لَمْ يَقُلْ: إذَا دَفَعْته إلَيْك فَأَنَا بَرِيءٌ) لِأَنَّ مُوجَبَ الدَّفْعِ إلَيْهِ الْبَرَاءَةُ فَتَثْبُتُ وَإِنْ لَمْ يَنُصَّ، عَلَيْهَا كَالْمَدْيُونِ إذَا سَلَّمَ الدَّيْنَ، وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ مَا إذَا قَالَ: سَلَّمْته إلَيْك بِجِهَةِ الْكَفَالَةِ أَوْ لَا إنْ طَلَبَهُ مِنْهُ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَطْلُبْهُ مِنْهُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ (وَ) يَبْرَأُ (بِتَسْلِيمِ وَكِيلِ الْكَفِيلِ أَوْ رَسُولِهِ) لِقِيَامِهِمَا مَقَامَهُ (وَبِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ كَفَالَتِهِ) هَذَا قَيْدٌ فِي الْجَمِيعِ يَعْنِي لَا يَبْرَأُ الْكَفِيلُ حَتَّى يَقُولَ لَهُ الْمَكْفُولُ: سَلَّمْتُ نَفْسِي إلَيْك مِنْ الْكَفَالَةِ، وَالْوَكِيلُ وَالرَّسُولُ كَالْمَكْفُولِ لَا بُدَّ مِنْ التَّسْلِيمِ عَنْهَا، وَإِلَّا لَا يَبْرَأُ كَمَا فِي الْمِنَحِ فَعَلَى هَذَا ظَهَرَ ضَعْفُ مَا قِيلَ مِنْ أَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِتَسْلِيمِ الْمَكْفُولِ بِهِ نَفْسَهُ، تَدَبَّرْ. هَذَا إذَا كَانَ بِغَيْرِ طَلَبٍ أَمَّا إذَا كَانَ بَعْدَ طَلَبِهِ فَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ: سَلَّمْته بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ كَمَا مَرَّ آنِفًا فَيَنْبَغِي لِصَاحِبِ الْمِنَحِ التَّفْصِيلُ، تَأَمَّلْ. قَيَّدَ بِالْوَكِيلِ وَالرَّسُولِ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَهُ أَجْنَبِيٌّ بِغَيْرِ أَمْرِ الْكَفِيلِ، وَقَالَ: سَلَّمْتُ إلَيْك عَنْ الْكَفِيلِ، فَإِنْ قَبِلَ الطَّالِبُ بَرِئَ الْكَفِيلُ، وَإِنْ سَكَتَ لَا (فَإِنْ شَرَطَ تَسْلِيمَهُ فِي مَجْلِسِ الْقَاضِي فَسَلَّمَهُ فِي السُّوقِ) أَيْ فِي سُوقِ الْمِصْرِ (قَالُوا: يَبْرَأُ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِنُصْرَةِ أَعْوَانِ الْحَاكِمِ (وَالْمُخْتَارُ فِي زَمَانِنَا أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ) سَوَاءٌ كَانَ فِي سُوقِ ذَلِكَ الْمِصْرِ أَوْ فِي سُوقِ مِصْرٍ آخَرَ، وَهُوَ قَوْلُ زُفَرَ، وَبِهِ يُفْتَى فِي زَمَانِنَا لِتَهَاوُنِ النَّاسِ فِي إقَامَةِ الْحَقِّ، وَلِمُعَاوَنَةِ الْفَسَقَةِ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ وَالْفِرَارِ، فَالتَّقْلِيدُ بِمَجْلِسِ الْقَاضِي مُفِيدٌ، وَهَذِهِ إحْدَى الْمَسَائِلِ الَّتِي يُفْتَى بِقَوْلِ زُفَرَ. (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي مِصْرٍ آخَرَ لَا يَبْرَأُ عِنْدَهُمَا) لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ شُهُودُهُ فِيمَا عَيَّنَهُ، أَوْ يَعْرِفُ ذَلِكَ الْقَاضِي حَادِثَتَهُ فَلَا يَبْرَأُ بِالتَّسْلِيمِ فِي مِصْرٍ آخَرَ (وَيَبْرَأُ عِنْدَ الْإِمَامِ) إنْ كَانَ فِيهِ

стр. 887

سُلْطَانٌ أَوْ قَاضٍ، وَكَانَتْ غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِمِصْرٍ لِإِمْكَانِ اخْتِصَارِهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي. وَفِي الْبَحْرِ نَقْلًا عَنْ الْقُنْيَةِ كَفَلَ بِنَفْسِهِ فِي الْبَلَدِ، وَسَلَّمَهُ فِي الرَّسَاتِيقِ صَحَّ إنْ كَانَ فِيهَا حَاكِمٌ. وَقَالَ الْعَلَاءُ التَّاجِرِيُّ وَالْبَدْرُ الطَّاهِرُ: لَا يَصِحُّ، قَالَ: وَجَوَابُهُمَا أَحْسَنُ، لِأَنَّ أَغْلَبَ قُضَاةِ رَسَاتِيقِ خَوَارِزْمَ ظَلَمَةٌ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى مُحَاكَمَتِهِ عَلَى وَجْهِ الْعَدْلِ، انْتَهَى. هَذَا فِي زَمَانِهِمْ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَأَكْثَرُ قُضَاةِ مِصْرَ مِثْلُ قُضَاةِ رَسَاتِيقِ خَوَارِزْمَ أَصْلَحَهُمْ اللَّهُ - تَعَالَى - بِلُطْفِهِ وَكَرَمِهِ. (وَإِنْ سَلَّمَهُ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ فِي السَّوَادِ) أَيْ فِي الْقَرْيَةِ الَّتِي لَيْسَ لَهَا حَاكِمٌ (لَا يَبْرَأُ) لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ وَهُوَ الْقُدْرَةُ عَلَى الْمُحَاكَمَةِ. (وَكَذَا) لَا يَبْرَأُ (إنْ سَلَّمَهُ فِي السِّجْنِ وَقَدْ حَبَسَهُ غَيْرُ الطَّالِبِ) قِيلَ هَذَا إذَا كَانَ فِي سِجْنِ حَاكِمٍ آخَرَ لِعَدَمِ الْإِمْكَانِ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ، وَأَمَّا إذَا كَانَ فِي سِجْنِ قَاضٍ وَقَعَ مُخَاصَمَتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَيَبْرَأُ عَنْ الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ كَانَ مَسْجُونًا لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ قَادِرٌ عَلَى الْإِحْضَارِ لِلْخُصُومَةِ، ثُمَّ يُعِيدُهُ إلَى السِّجْنِ (فَإِنْ كَفَلَ) رَجُلٌ (بِنَفْسِهِ) أَيْ الْمَدْيُونِ بِمَالِ كَذَا (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ الْكَفِيلَ (إنْ لَمْ يُوَافِ) أَيْ إنْ لَمْ يَأْتِ الْكَفِيلُ الْمَكْفُولَ لَهُ (بِهِ) أَيْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ. يُقَالُ: وَافَاهُ أَيْ أَتَاهُ مِنْ الْوَفَاءِ، عَدَّى الْمُصَنِّفُ إلَى الْمَفْعُولِ الثَّانِي بِالْبَاءِ عَلَى مَا هُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْبَعْضِ (غَدًا فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَلَيْهِ، فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا) مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ (لَزِمَهُ) أَيْ الْكَفِيلَ بِالنَّفْسِ (مَا عَلَيْهِ) مِنْ الْمَالِ عِنْدَنَا لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ وَهُوَ عَدَمُ الْمُوَافَاةِ، إذْ الْكَفَالَةُ تُشْبِهُ النَّذْرَ ابْتِدَاءً بِاعْتِبَارِ الِالْتِزَامِ إذْ لَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ وَتُشْبِهُ الْبَيْعَ انْتِهَاءً بِاعْتِبَارِ الرُّجُوعِ، فَيَكُونُ مُبَادَلَةَ الْمَالِ بِالْمَالِ، فَإِنْ عَلَّقَ الْكَفَالَةَ بِغَيْرِ مُلَائِمٍ مِثْلِ هُبُوبِ الرِّيحِ لَمْ تَصِحَّ كَالْبَيْعِ، وَإِنْ بِمُلَائِمٍ مُتَعَارَفٍ مِثْلِ عَدَمِ الْمُوَافَاةِ فِي وَقْتٍ تَصِحُّ كَالنَّذْرِ مَعَ أَنَّ هَذَا التَّعْلِيقَ لَيْسَ فِي وُجُوبِ الْمَالِ بَلْ فِي وُجُوبِ الْمُطَالَبَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا تَصِحُّ لِأَنَّهُ إيجَابُ الْمَالِ بِالشَّرْطِ فَلَا يَجُوزُ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (مَاتَ) الْمَكْفُولُ بِهِ قَبْلَ الْحُضُورِ فَيَضْمَنُ الْكَفِيلُ الْمَالَ، إذْ يَثْبُتُ بِمَوْتِهِ عَدَمُ الْمُوَافَاةِ بِهِ، وَلَوْ مَاتَ الْكَفِيلُ قَبْلَ الْحُضُورِ يَضْمَنُ وَارِثُهُ الْمَالَ، وَلَوْ مَاتَ الْمَكْفُولُ لَهُ يُطَالِبُ وَارِثُهُ (وَلَا يَبْرَأُ) الْكَفِيلُ (مِنْ كَفَالَةِ النَّفْسِ) بِوُجُودِ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً قَبْلَهَا، وَلَا تَنَافِيَ كَمَا لَوْ كَفَلَهُمَا، وَإِنَّمَا قُلْنَا: مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إذَا عَجَزَ لَا يَلْزَمُهُ إلَّا إذَا عَجَزَ بِمَوْتِ الْمَطْلُوبِ لِمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، فَإِنْ مَاتَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْغَدِ، ثُمَّ مَضَى الْغَدُ ضَمِنَ الْكَفِيلُ الْمَالَ، لِأَنَّ شَرْطَ لُزُومِ الْمَالِ عَدَمُ الْمُوَافَاةِ وَقَدْ وُجِدَ، انْتَهَى. فَعَلَى هَذَا تَقْيِيدُ صَاحِبِ الْفَتْحِ بِقَوْلِهِ: بَعْدَ الْغَدِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْكَافِي وَغَيْرِهِ، تَتَبَّعْ. وَفِي التَّنْوِيرِ، وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي الْمُوَافَاةِ فَالْقَوْلُ لِلطَّالِبِ، وَالْمَالُ لَازِمٌ عَلَى الْكَفِيلِ (وَمَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ مِائَةَ دِينَارٍ بَيَّنَهَا) أَيْ بَيَّنَ صِفَتَهَا عَلَى وَجْهٍ تَصِحُّ الدَّعْوَى، بِأَنَّهَا سُلْطَانِيَّةٌ، أَوْ إفْرِنْجِيَّةٌ (أَوْ لَمْ يُبَيِّنْهَا

стр. 888

فَكَفَلَ بِنَفْسِهِ رَجُلٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يُوَافِ بِهِ) أَيْ الْمَكْفُولِ بِهِ (غَدًا فَعَلَيْهِ الْمِائَةُ، فَلَمْ يُوَافِ بِهِ غَدًا لَزِمَهُ الْمِائَةُ) عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لِتَحَقُّقِ الشَّرْطِ، لِأَنَّ الْكَفِيلَ لَمَّا عَرَّفَ الْمَالَ بِاللَّامِ حَيْثُ قَالَ: فَعَلَيْهِ الْمِائَةُ يُحْمَلُ عَلَى الْأَصْلِ، وَهُوَ الْعَهْدُ فَيَنْصَرِفُ إلَى الْمَالِ الَّذِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَيَخْرُجُ عَنْ احْتِمَالِ مَالِ الرِّشْوَةِ لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ لَمْ يُعَيِّنْ الْمَالَ الْمُدَّعَى فِي غَيْرِ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ تَحَرُّزًا عَنْ حِيلَةِ خَصْمِهِ، فَإِنْ بَيَّنَ قَبْلَ الْكَفَالَةِ فَحُكْمُهُ ظَاهِرٌ، وَإِنْ بَيَّنَ بَعْدَهَا يَلْتَحِقُ الْبَيَانُ إلَى الْمُجْمَلِ، فَصَارَ كَمَا كَانَ الْمَالُ مُبَيَّنًا عِنْدَ الدَّعْوَى قَبْلَ الْكَفَالَةِ، فَحِينَئِذٍ تَبَيَّنَ صِحَّةُ الْكَفَالَةِ الْأُولَى، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْأُخْرَى، وَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي الْبَيَانِ إذَا اخْتَلَفَا فِيهِ لِأَنَّهُ يَدَّعِي صِحَّةَ الْكَفَالَةِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) قِيلَ: عَدَمُ الْجَوَازِ عِنْدَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَطْلَقَ الْمَالَ، وَلَمْ يَقُلْ: الْمَالُ الَّذِي عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَعَلَى هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَ بَيَانِ الْمُدَّعِي الْمَالَ وَعَدَمِ بَيَانِهِ، وَقِيلَ: بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ الْمُدَّعِي لَمْ تَصِحَّ الدَّعْوَى، فَلَمْ يُسْتَوْجَبْ إحْضَارُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إلَى مَجْلِسِ الْقَاضِي فَلَمْ تَصِحَّ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالْمَالِ لِابْتِنَائِهَا عَلَيْهَا، فَعَلَى هَذَا إنْ بَيَّنَ تَكُونُ الْكَفَالَةُ صَحِيحَةً، وَنَقَلَ فِي الْفَتْحِ عَنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ اخْتِلَافًا، فَلْيُطَالَعْ. (وَلَا يُجْبَرُ عَلَى إعْطَاءِ كَفِيلٍ بِالنَّفْسِ فِي حَدٍّ وَقِصَاصٍ) يَعْنِي لَوْ طَلَبَ مُدَّعِي الْقِصَاصِ أَوْ حَدِّ الْقَذْفِ مِنْ الْقَاضِي أَنْ يَأْخُذَ كَفِيلًا لِنَفْسِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يُحْضِرَ الْبَيِّنَةَ فَالْقَاضِي لَا يُجْبِرُهُ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ كَسَائِرِ الْحُدُودِ عِنْدَ الْإِمَامِ مُطْلَقًا لِقَوْلِهِ ﵊ «لَا كَفَالَةَ فِي حَدٍّ» مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ، وَلِأَنَّ مَبْنَى الْحُدُودِ كُلِّهَا عَلَى الدَّرْءِ بِالشُّبْهَةِ فَلَا يُجْبَرُ عَلَى اسْتِيثَاقِهَا بِالْكَفَالَةِ (فَإِنْ سَمَحَتْ بِهِ نَفْسُهُ) أَيْ لَوْ تَبَرَّعَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بِإِعْطَاءِ كَفِيلٍ بِلَا طَلَبٍ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَالْقِصَاصِ (صَحَّ) بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ تَسْلِيمَ النَّفْسِ وَاجِبٌ عَلَيْهِ لِلطَّالِبِ فَيَجُوزُ إعْطَاءُ الْكَفِيلِ بِتَسْلِيمِ نَفْسِهِ لَهُ (وَقَالَا: يُجْبَرُ فِي الْقِصَاصِ) لِأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ حَقُّ الْعَبْدِ (وَحَدِّ الْقَذْفِ) لِأَنَّ فِيهِ حَقَّ الْعَبْدِ، وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْإِعْطَاءِ يَأْمُرُهُ بِالْمُلَازَمَةِ مَعَهُ لَا بِالْحَبْسِ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْجَبْرِ هُنَا عِنْدَهُمَا، وَأَلْحَقَ الْبَعْضُ حَدَّ السَّرِقَةِ بِهِمَا بِخِلَافِ سَائِرِ الْحُدُودِ لِأَنَّهَا خَالِصَةٌ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَمُنْدَرِئَاتٌ بِالشُّبُهَاتِ فَلَا حَاجَةَ إلَى الْجَبْرِ عَلَى إعْطَاءِ الْكَفِيلِ لِلِاسْتِيثَاقِ فِي حَقِّهِ - تَعَالَى - بِالِاتِّفَاقِ، وَيُجْبَرُ فِي دَعْوَى الْقَتْلِ بِالْخَطَأِ عَلَى الْإِعْطَاءِ، وَالْجُرُوحِ بِهِ لِأَنَّ مُوجَبَهَا الْمَالُ وَكَذَا يُجْبَرُ فِي التَّعْزِيرِ. (فَإِنْ شَهِدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ (مَسْتُورَانِ) أَيْ غَيْرُ مَعْلُومٍ فَسَادُهُمَا (فِي حَدٍّ أَوْ قَوَدٍ حُبِسَ وَكَذَا) يُحْبَسُ (إنْ شَهِدَ عَدْلٌ وَاحِدٌ) يَعْرِفُهُ الْقَاضِي بِالْعَدَالَةِ لِأَنَّ الْحَبْسَ هُنَا لِلتُّهْمَةِ وَالتُّهْمَةَ تَثْبُتُ بِإِحْدَى شَطْرَيْ الشَّهَادَةِ، وَهُوَ الْعَدَدُ فِي الْمَسْتُورِ أَوْ الْعَدَالَةُ فِي الْوَاحِدِ، بِخِلَافِ الْحَبْسِ فِي الْأَمْوَالِ لِأَنَّهُ غَايَةُ عُقُوبَةٍ فِيهَا فَلَا يَثْبُتُ إلَّا بِحُجَّةٍ كَامِلَةٍ، وَإِذَا لَمْ يَقْدِرْ الْمُدَّعِي عَلَى إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِمَا ادَّعَاهُ وَلَا عَلَى إثْبَاتِ التُّهْمَةِ

стр. 889

حَتَّى قَامَ الْقَاضِي عَنْ مَجْلِسِ الْقَضَاءِ خُلِّيَ سَبِيلُهُ (خِلَافًا لَهُمَا فِي رِوَايَةٍ) أَيْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ، فِي رِوَايَةٍ يُحْبَسُ وَلَا يَكْفُلُ كَمَا بَيَّنَّاهُ. وَفِي رِوَايَةٍ يَكْفُلُ وَلَا يُحْبَسُ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقَذْفِ أَوْ الْقَوَدِ بِالْحُجَّةِ التَّامَّةِ (وَصَحَّ الرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ بِالْخَرَاجِ) إذْ الْإِمَامُ وَظَّفَهُ إلَى وَقْتٍ مُعَيَّنٍ عَلَى مَا يَرَاهُ بَدَلًا عَنْ مَنْفَعَةِ حِفْظِ الْمَالِ، فَيَصِيرُ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الْكَفَالَةِ بِالْخَرَاجِ - هُوَ الْمَالُ - بِخِلَافِ الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الدُّيُونِ الْمُطْلَقَةِ لِسُقُوطِهَا بِالْمَوْتِ. ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَقَالَ: (وَالْكَفَالَةُ بِالْمَالِ صَحِيحَةٌ وَلَوْ) كَانَ الْمَالُ (مَجْهُولًا إذَا كَانَ) ذَلِكَ الْمَالُ (دَيْنًا صَحِيحًا) وَصِحَّتُهَا بِالْإِجْمَاعِ، وَصَحَّتْ مَعَ جَهَالَةِ الْمَالِ لِبِنَائِهَا عَلَى التَّوَسُّعِ فَإِنَّهَا تَبَرُّعٌ ابْتِدَاءً، فَيُحْتَمَلُ فِيهَا جَهَالَةُ الْمَالِ بَعْدَ أَنْ كَانَ دَيْنًا صَحِيحًا. وَالدَّيْنُ الصَّحِيحُ: الدَّيْنُ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ الْإِبْرَاءِ، وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ بَدَلِ الْكِتَابَةِ وَسَيَأْتِي. وَفِي الْإِصْلَاحِ: وَالْمُرَادُ مِنْ الْإِبْرَاءِ مَا يَعُمُّ الْحُكْمِيَّ، وَهُوَ أَنْ يُفْعَلَ فَلَا يَلْزَمَهُ سُقُوطُ الدَّيْنِ، فَلَا يَرُدَّ النَّقْضُ بِدَيْنِ الْمَهْرِ لِأَنَّ سُقُوطَهَا بِمُطَاوَعَتِهَا لِابْنِ زَوْجِهَا مِنْ قَبِيلِ الْإِبْرَاءِ بِالْمَعْنَى الْمَذْكُورِ. وَفِي الْمِنَحِ: وَمِمَّا يُشْكِلُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ الْكَفَالَةُ بِالنَّفَقَةِ الْمَقْبُوضَةِ غَيْرِ الْمُسْتَدَانَةِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ مَعَ أَنَّ دَيْنَ النَّفَقَةِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا وَبِالطَّلَاقِ، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَجَابَ عَنْ هَذَا، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أُخِذَ فِيهِ بِالِاسْتِحْسَانِ لِلْحَاجَةِ إلَيْهِ لَا بِالْقِيَاسِ، وَقَيَّدَ بِجَهَالَةِ الْمَالِ لِلِاحْتِرَازِ عَنْ جَهَالَةِ الْأَصِيلِ وَالْمَكْفُولِ لَهُ لِأَنَّهَا مَانِعَةٌ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، فَلْيُطَالَعْ. (بِتَكَفَّلْتُ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: صَحِيحَةٌ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ فُلَانٍ (بِأَلْفِ) دِرْهَمٍ، هَذَا نَظِيرُ مَا كَانَ مَعْلُومًا (أَوْ بِمَا لَك عَلَيْهِ) أَيْ بِاَلَّذِي ثَبَتَ لَك عَلَيْهِ أَيْ فُلَانٍ، هَذَا نَظِيرُ مَا كَانَ مَجْهُولًا (أَوْ) تَكَفَّلَ (بِمَا يُدْرِكُك) أَيْ يَلْحَقُك (فِي هَذَا الْبَيْعِ) مِنْ ضُمَامِ الدَّرَكِ، وَهُوَ ضُمَامُ الثَّمَنِ عِنْدَ اسْتِحْقَاقِ الْمَبِيعِ، أَوْ ضَمَانُ الْمَبِيعِ إنْ لَحِقَهُ آفَةٌ، فَالْمَكْفُولُ بِهِ مَجْهُولٌ لِاحْتِمَالِ اسْتِحْقَاقِ الْكُلِّ أَوْ الْبَعْضِ، فَيَضْمَنُ الْكَفِيلُ الْكُلَّ وَالْبَعْضَ. وَفِي السِّرَاجِ فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ كَانَ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُخَاصِمَ الْبَائِعَ أَوَّلًا فَإِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ اسْتِحْقَاقُ الْمَبِيعِ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ الْكَفِيلَ أَوَّلًا فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ لَهُ ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا أَنَّ الْمَبِيعَ لَوْ ظَهَرَ حُرًّا كَانَ لَهُ أَنْ يُخَاصِمَ أَيَّهُمَا شَاءَ. (وَكَذَا) تَصِحُّ (لَوْ عَلَّقَهَا) أَيْ الْكَفَالَةَ (بِشَرْطٍ مُلَائِمٍ) أَيْ بِشَرْطٍ مُوَافِقٍ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الشَّرْطُ سَبَبًا لِوُجُوبِهِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بِالشَّرْطِ مَجَازًا (كَشَرْطِ وُجُوبِ الْحَقِّ، نَحْوُ مَا بَايَعْتَ فُلَانًا) أَيْ إنْ بِعْتَ شَيْئًا مِنْ فُلَانٍ فَإِنِّي ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ لَا مَا اشْتَرَيْتَهُ فَإِنِّي ضَامِنٌ لِلْمَبِيعِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ بِالْمَبِيعِ لَا تَجُوزُ، فَمَا شَرْطِيَّتُهُ، كَمَا بَعْدَهُ وَهَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ الْكَفَالَةِ بِالْمَجْهُولِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَلَوْ قَالَ: إذَا بِعْتَهُ شَيْئًا فَهُوَ عَلَيَّ فَبَاعَهُ مَتَاعًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ بَاعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ

стр. 890

لَزِمَ الْكَفِيلَ الْأَوَّلُ دُونَ الثَّانِي، لِأَنَّ حَرْفَ إذَا لَا يَقْتَضِي التَّكْرَارَ بِخِلَافِ كُلَّمَا وَمَا، وَمِثْلُ إذَا مَتَى وَإِنْ. وَلَوْ رَجَعَ الْكَفِيلُ عَنْ هَذَا الضَّمَانِ قَبْلَ أَنْ يُبَايِعَهُ، وَنَهَاهُ عَنْ مُبَايَعَتِهِ، ثُمَّ بَايَعَهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا قَالَ: مَا بَايَعْتَ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: بَايِعْ فُلَانًا عَلَى أَنَّ مَا أَصَابَك مِنْ خُسْرَانٍ فَعَلَيَّ، لَمْ يَصِحَّ (أَوْ مَا غَصَبَك) أَيْ إنْ غَصَبَ مِنْك فُلَانٌ فَعَلَيَّ هَذَا مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَجْهُولِ أَيْضًا. وَفِي الْبَحْرِ: لَوْ قَالَ: إنْ غَصَبَ فُلَانٌ ضَيْعَتَك فَأَنَا ضَامِنٌ، لَمْ يَجُزْ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ. وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ غَصْبَ الْعَقَارِ لَا يَتَحَقَّقُ عِنْدَهُمَا خِلَافًا لَهُ (أَوْ مَا ذَابَ) أَيْ ثَبَتَ أَوْ وَجَبَ مِنْ الذَّوْبِ (لَك عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى فُلَانٍ شَيْءٌ فَعَلَيَّ (أَوْ إنْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ فَعَلَيَّ) جَوَابُ الْجَمِيعِ: أَيْ إنْ اسْتَحَقَّ الْمَبِيعَ مُسْتَحِقٌّ فَعَلَيَّ الثَّمَنُ كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْمَبِيعِ شَرْطَ وُجُوبِ الْحَقِّ فِي ذِمَّتِهِ، وَجَازَ التَّعْلِيقُ بِهِ لِمُلَاءَمَتِهِ الشَّرْطَ (وَكَشَرْطِ إمْكَانِ الِاسْتِيفَاءِ نَحْوُ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ) فَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِ (وَهُوَ) أَيْ زَيْدٌ (الْمَكْفُولُ عَنْهُ) فَإِنَّ قُدُومَهُ سَبَبٌ مُوصِلٌ لِلِاسْتِيفَاءِ مِنْهُ، قَيَّدَ بِكَوْنِ زَيْدٍ مَكْفُولًا عَنْهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ أَجْنَبِيًّا كَانَ التَّعْلِيقُ بِهِ كَمَا فِي هُبُوبِ الرِّيحِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، فَلْيُطَالَعْ. (وَكَشَرْطِ تَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ نَحْوُ إنْ غَابَ) زَيْدٌ الْمَكْفُولُ عَنْهُ (عَنْ الْبَلَدِ) فَعَلَيَّ مَا عَلَيْهِ، لِأَنَّ غَيْبَتَهُ سَبَبٌ لِتَعَذُّرِ الِاسْتِيفَاءِ فَهَذِهِ جُمْلَةُ الشُّرُوطِ الَّتِي يَجُوزُ تَعْلِيقُ الْكَفَالَةِ بِهَا، ثُمَّ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْجَهَالَةَ فِي الْمَالِ الْمَكْفُولِ بِهِ لَا تَمْنَعُ صِحَّةَ الْكَفَالَةِ، كَقَوْلِهِ مَا غَصَبَك فُلَانٌ فَعَلَيَّ، وَجَهَالَةُ الْمَكْفُولِ لَهُ أَوْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ تَمْنَعُ حَتَّى لَوْ قَالَ: مَنْ غَصَبَك مِنْ النَّاسِ، أَوْ بَايَعَك، أَوْ قَتَلَك فَأَنَا كَفِيلٌ لَك عَنْهُ، أَوْ مَنْ غَصَبْتَهُ أَنْتَ أَوْ قَتَلْتَهُ فَأَنَا كَفِيلٌ لَهُ عَنْك لَا يَجُوزُ إلَّا إذَا كَانَتْ الْجَهَالَةُ فِي الْمَكْفُولِ عَنْهُ يَسِيرَةً، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ كَفَلْتُ لَك بِمَا لَك عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ فَحِينَئِذٍ يَجُوزُ، فَالتَّعْيِينُ إلَى صَاحِبِ الْحَقِّ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَإِنْ عَلَّقَهَا) أَيْ الْكَفَالَةَ (بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ) أَيْ بِالشَّرْطِ الْمُجَرَّدِ عَنْ الْمُلَاءَمَةِ (كَهُبُوبِ الرِّيحِ وَمَجِيءِ الْمَطَرِ) بِأَنْ قَالَ: إنْ هَبَّتْ الرِّيحُ، أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ فَمَا عَلَى فُلَانٍ عَلَيَّ (بَطَلَ) الشَّرْطُ. (وَكَذَا إنْ جَعَلَ أَحَدَهُمَا آجِلًا) كَمَا إذَا قَالَ: كَفَلْتُ بِكَذَا إلَى هُبُوبِ الرِّيحِ أَوْ مَجِيءِ الْمَطَرِ بَطَلَ التَّأْجِيلُ (فَتَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَيَجِبُ الْمَالُ) عَلَى الْكَفِيلِ (حَالًّا) . وَفِي الْهِدَايَةِ وَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ

стр. 891

بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ كَقَوْلِهِ إنْ هَبَّتْ الرِّيحُ أَوْ جَاءَ الْمَطَرُ، وَكَذَا إذَا جَعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا آجِلًا، إلَّا أَنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ لَا تَبْطُلُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ كَالطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ. وَفِي التَّبْيِينِ: وَهَذَا سَهْوٌ فَإِنَّ الْحُكْمَ فِيهِ أَنَّ التَّعْلِيقَ لَا يَصِحُّ وَلَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ لِأَنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ مُلَائِمٍ، فَصَارَ كَمَا لَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولِ الدَّارِ وَنَحْوِهِ مِمَّا لَيْسَ بِمُلَائِمٍ، ذَكَرَهُ قَاضِي خَانْ وَغَيْرُهُ، وَأَجَابَ بَعْضُ الْفُضَلَاءِ لَكِنْ لَا يَخْلُو عَنْ التَّعَسُّفِ بَلْ إذَا تَأَمَّلْت حَقَّ التَّأَمُّلِ ظَهَرَ لَك أَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ عَلَى حَالِهِ، وَلَا يَنْدَفِعُ إلَّا أَنْ يُقَالَ: يُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ قَوْلَهُ: إلَّا أَنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا قَيْدٌ لِقَوْلِهِ: وَكَذَا إذَا جَعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا آجِلًا فَقَطْ فَحَاصِلُهُ لَا يَصِحُّ التَّعْلِيقُ بِمُجَرَّدِ الشَّرْطِ، وَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ أَيْضًا، وَكَذَا التَّأْجِيلُ إذَا جَعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا آجِلًا فَإِنَّهُ تَصِحُّ الْكَفَالَةُ وَيَجِبُ الْمَالُ حَالًّا. لَا يُقَالُ: إنَّهُ مَنْقُوضٌ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَمَّا صَحَّ تَعْلِيقُهَا بِالشَّرْطِ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالتَّعْلِيقِ بِالشَّرْطِ التَّأْجِيلَ مَجَازًا أَيْ بِأَجَلٍ مُتَعَارَفٍ فَلَا يَلْزَمُ الْمَحْذُورُ، وَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ، تَدَبَّرْ. (وَلِلطَّالِبِ مُطَالَبَةُ أَيٍّ شَاءَ مِنْ كَفِيلِهِ وَأَصِيلِهِ) أَيْ يَثْبُتُ الْخِيَارُ فِي الْمُطَالَبَةِ إنْ شَاءَ طَالَبَ الْأَصِيلَ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَ الْكَفِيلَ، وَإِنْ شَاءَ طَالَبَهُمَا مَعًا؛ لِأَنَّهُ مُوجَبُ الْكَفَالَةِ إذْ هِيَ تُنْبِئُ عَنْ الضَّمِّ كَمَا مَرَّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي قِيَامَ الذِّمَّةِ الْأُولَى لَا الْبَرَاءَةَ (إلَّا إذَا شَرَطَ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ فَتَكُونُ حَوَالَةً كَمَا أَنَّ الْحَوَالَةَ بِشَرْطِ عَدَمِ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ كَفَالَةٌ) لِأَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي مَجَازًا لَا لِلْأَلْفَاظِ وَالْمَبَانِي. (وَلَوْ طَالَبَ) الطَّالِبُ (أَحَدَهُمَا) كَانَ (لَهُ مُطَالَبَةُ الْآخَرِ) بِخِلَافِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ إذَا اخْتَارَ أَحَدَ الْغَاصِبَيْنِ، لِأَنَّ اخْتِيَارَ أَحَدِهِمَا يَتَضَمَّنُ التَّمْلِيكَ مِنْهُ عِنْدَ قَضَاءِ الْقَاضِي بِهِ، وَلَا يُمْكِنُهُ التَّمْلِيكُ مِنْ الْآخَرِ بَعْدَهُ، وَأَمَّا الْمُطَالَبَةُ بِالْكَفَالَةِ لَا تَقْتَضِيهِ مَا لَمْ تُوجَدْ مِنْهُ حَقِيقَةُ الِاسْتِيفَاءِ (فَإِنْ كَفَلَ بِمَالِهِ عَلَيْهِ فَبَرْهَنَ) الطَّالِبُ (عَلَى أَلْفٍ لَزِمَهُ) أَيْ لَزِمَ الْأَلْفُ الْكَفِيلَ، لِأَنَّ الثَّابِتَ بِالْبَيِّنَةِ كَالثَّابِتِ عِيَانًا، وَلَا يَكُونُ قَوْلُ الطَّالِبِ حُجَّةً عَلَيْهِ كَمَا لَا يَكُونُ حُجَّةً عَلَى الْأَصِيلِ لِأَنَّهُ مُدَّعٍ. (وَإِنْ لَمْ يُبَرْهِنْ) الطَّالِبُ (صُدِّقَ الْكَفِيلُ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ) أَيْ فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ فِيمَا يُقِرُّ بِهِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لَا عَلَى الْبَتَاتِ كَمَا فِي الْإِيضَاحِ. (وَ) صُدِّقَ (الْأَصِيلُ فِي إقْرَارِهِ بِأَكْثَرَ) مِمَّا أَقَرَّ بِهِ الْكَفِيلُ (عَلَى نَفْسِهِ خَاصَّةً) لَا عَلَى الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ إقْرَارٌ عَلَى الْغَيْرِ، وَقَيَّدَ بِمَا لَهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَفَلَ بِمَا ذَابَ أَيْ حَصَلَ لَك عَلَى فُلَانٍ أَوْ بِمَا ثَبَتَ فَأَقَرَّ الْمَطْلُوبُ بِمَالٍ لَزِمَ الْكَفِيلَ، أَمَّا لَوْ أَبَى الْأَصِيلُ الْيَمِينَ فَأَلْزَمَهُ الْقَاضِي فَلَمْ يَلْزَمْ الْكَفِيلَ؛ لِأَنَّ النُّكُولَ لَيْسَ بِإِقْرَارِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (فَإِنْ كَفَلَ بِلَا أَمْرِهِ) أَيْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ (لَا يَرْجِعُ) الْكَفِيلُ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ (بِمَا أَدَّى عَنْهُ) لِأَنَّهُ مُتَبَرِّعٌ بِأَدَائِهِ بِغَيْرِ رُجُوعٍ خِلَافًا لِمَالِكٍ. (وَإِنْ) وَصْلِيَّةٌ (أَجَازَهَا)

стр. 892

أَيْ الْكَفَالَةَ (الْمَكْفُولُ عَنْهُ) بِعَدَمِ الْعِلْمِ لِأَنَّ الْكَفَالَةَ لَزِمَتْهُ وَنَفَذَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ أَمْرٍ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةً لَهُ، هَذَا إذَا أَجَازَ بَعْدَ الْمَجْلِسِ أَمَّا إذَا أَجَازَ فِي الْمَجْلِسِ فَإِنَّهَا تَصِيرُ مُوجِبَةً لِلرُّجُوعِ كَمَا فِي الْعِمَادِيَّةِ. (وَإِنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ رَجَعَ) عَلَيْهِ بِمَا أَدَّى عَنْهُ لِأَنَّهُ قَضَى دَيْنَهُ بِأَمْرِهِ، مَعْنَاهُ إذَا أَدَّى مَا ضَمِنَ أَمَّا إذَا أَدَّى خِلَافَهُ بِأَنْ كَانَ الدَّيْنُ الْمَكْفُولُ بِهِ جَيِّدًا فَأَدَّى رَدِيئًا أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنَّ رُجُوعَهُ بِمَا ضَمِنَ لَا بِمَا أَدَّى لِأَنَّ مِلْكَ الدَّيْنِ بِالْأَدَاءِ فَنُزِّلَ مَنْزِلَةَ الطَّالِبِ بِخِلَافِ الْمَأْمُورِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِمَا أَدَّى، وَتَمَامُهُ فِي الْمِنَحِ، فَلْيُرَاجَعْ، وَمَعْنَى الْأَمْرِ أَنْ يَشْتَمِلَ كَلَامُهُ عَلَى لَفْظَةِ " عَنِّي " كَأَنْ يَقُولَ: اُكْفُلْ عَنِّي أَوْ اضْمَنْ عَنِّي لِفُلَانٍ فَلَوْ قَالَ: اضْمَنْ الْأَلْفَ الَّتِي لِفُلَانٍ عَلَيَّ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْأَدَاءِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ لِيَرْجِعَ أَوْ لِطَلَبِ التَّبَرُّعِ فَلَا يَلْزَمُ الْمَالُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَالْمُتَبَادَرُ مِنْ الْأَمْرِ أَمْرُ مَنْ يَصِحُّ أَمْرُهُ شَرْعًا؛ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْعَبْدِ الْمَحْجُورَيْنِ إذَا أَدَّى كَفِيلُهُمَا بِالْأَمْرِ لِعَدَمِ صِحَّتِهِ مِنْهُمَا، وَلَكِنْ يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ بَعْدَ عِتْقِهِ فَلَا رُجُوعَ عَلَى الصَّبِيِّ مُطْلَقًا (وَلَا يُطَالِبُهُ) أَيْ لَا يُطَالِبُ كَفِيلٌ أَصِيلًا بِمَالٍ (قَبْلَ الْأَدَاءِ) إلَى الْمَكْفُولِ لَهُ، لِأَنَّ الْمُوجِبَ لِلْمُطَالَبَةِ هُوَ التَّمَلُّكُ، وَلَا يَمْلِكُ قَبْلَ الْأَدَاءِ وَيَمْلِكُهُ بَعْدَهُ فَيَرْجِعُ (فَإِنْ لُوزِمَ) الْكَفِيلُ مِنْ جِهَةِ الطَّالِبِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْكَفِيلِ (مُلَازَمَتُهُ) أَيْ مُلَازَمَةُ الْمَكْفُولِ عَنْهُ حَتَّى يُخَلِّصَهُ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِأَمْرِهِ. (وَإِنْ حُبِسَ) الْكَفِيلُ (فَلَهُ حَبْسُهُ) أَيْ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَحْبِسَ الْمَكْفُولَ عَنْهُ لِأَنَّ مَا لَحِقَ كَانَ لِأَجْلِهِ فَلَهُ أَنْ يُعَامِلَهُ بِمِثْلِهِ هَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْكَفِيلِ لِلْمَطْلُوبِ دَيْنٌ مِثْلُهُ، وَإِلَّا فَلَا يُلَازِمْهُ وَلَا يَحْبِسْهُ كَمَا فِي السِّرَاجِ. (وَيَبْرَأُ الْكَفِيلُ بِأَدَاءِ الْأَصِيلِ) لِأَنَّ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ تُوجِبُ بَرَاءَتَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فِي الصَّحِيحِ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ فَيَسْتَحِيلُ بَقَاؤُهَا بِلَا دَيْنٍ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ لِلْهِدَايَةِ، وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِأَنَّ الْكَفِيلَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَا يَبْرَأُ بِأَدَاءِ الْأَصِيلِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ يَبْرَأُ إجْمَاعًا لِأَنَّ تَعَدُّدَ الدَّيْنِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ حُكْمِيٌّ فَيَسْقُطُ بِأَدَاءٍ وَاحِدٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَإِنْ أَبْرَأَ الطَّالِبُ الْأَصِيلَ) وَهُوَ الْمَطْلُوبُ (أَوْ أَخَّرَ) الطَّالِبُ (عَنْهُ) أَيْ الْأَصِيلِ بِأَنْ أَجَّلَ دَيْنَهُ (بَرِئَ الْكَفِيلُ) فِي الصُّورَةِ الْأُولَى (وَتَأَخَّرَ) الدَّيْنُ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْكَفِيلِ يَعْنِي يَتَأَخَّرُ فِي حَقِّهِ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا الْمُطَالَبَةُ وَهِيَ تَبَعٌ لِلدَّيْنِ فَتَسْقُطُ بِسُقُوطِهِ وَتَتَأَخَّرُ بِتَأْخِيرِهِ بِخِلَافِ مَا إذَا تَكَفَّلَ بِشَرْطِ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ ابْتِدَاءً حَيْثُ يَبْرَأُ الْأَصِيلُ دُونَ الْكَفِيلِ. وَفِي السِّرَاجِ: وَيُشْتَرَطُ قَبُولُ الْأَصِيلِ الْبَرَاءَةَ فَإِنَّ رَدَّهَا ارْتَدَّتْ، وَهَلْ يَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى الْكَفِيلِ فِيهِ قَوْلَانِ، وَمَوْتُ الْأَصِيلِ كَقَبُولِهِ. وَفِي الْقُنْيَةِ بَرَاءَةُ

стр. 893

الْأَصِيلِ إنَّمَا تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ إذَا كَانَتْ بِالْأَدَاءِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ فَإِنْ كَانَتْ بِالْحَلِفِ فَلَا. (وَإِنْ أَبْرَأَ) الطَّالِبُ (الْكَفِيلَ أَوْ أَخَّرَ) الدَّيْنَ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْكَفِيلِ (لَا يَبْرَأُ الْأَصِيلُ وَلَا يَتَأَخَّرُ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْأَصِيلِ، إذْ الْأَصْلُ فِيهِ أَنَّ الْأُصُولَ لَا تَتْبَعُ الْفُرُوعَ فِي الْوَصْفِ وَلَا يَلْزَمُ عَكْسُ الْمَوْضُوعِ (فَإِنْ كَفَلَ بِالدَّيْنِ الْحَالِّ مُؤَجِّلًا إلَى وَقْتٍ) أَيْ إلَى شَهْرٍ مَثَلًا (يَتَأَجَّلُ عَنْ الْأَصِيلِ أَيْضًا) لِأَنَّهُ لَا مُطَالَبَةَ عَلَى الْكَفِيلِ حَالَ وُجُودِ الْكَفَالَةِ فَانْصَرَفَ الْأَجَلُ إلَى الدَّيْنِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَلَوْ صَالَحَ الْكَفِيلُ) الطَّالِبَ (عَنْ أَلْفٍ عَلَى مِائَةٍ بَرِئَا) أَيْ الْأَصِيلُ وَالْكَفِيلُ لِأَنَّهُ أَضَافَ الصُّلْحَ إلَى الْأَلْفِ الدَّيْنِ عَلَى الْأَصِيلِ فَيَبْرَأُ عَنْ تِسْعِمِائَةٍ فَبَرَاءَتُهُ تُوجِبُ بَرَاءَةَ الْكَفِيلِ، ثُمَّ بَرِئَا جَمِيعًا عَنْ الْمِائَةِ بِأَدَاءِ الْكَفِيلِ (وَرَجَعَ) الْكَفِيلُ (بِهَا) أَيْ بِالْمِائَةِ (فَقَطْ) عَلَى الْأَصِيلِ (إنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ) إذْ بِالْأَدَاءِ يَمْلِكُ مَا فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فَاسْتَوْجَبَ الرُّجُوعَ بِخِلَافِ الْإِبْرَاءِ لِأَنَّ بِالْإِبْرَاءِ يَسْقُطُ الدَّيْنُ فَلَا يَمْلِكُهُ الْكَفِيلُ فَلَا يَرْجِعُ. (وَإِنْ صَالَحَ) الْكَفِيلُ الطَّالِبَ (عَنْ الْأَلْفِ بِجِنْسٍ آخَرَ) كَالثَّوْبِ وَغَيْرِهِ (رَجَعَ) الْكَفِيلُ عَلَى الْأَصِيلِ (بِالْأَلْفِ) كُلِّهِ لِأَنَّ هَذَا الصُّلْحَ يَكُونُ مُبَادَلَةً فَيَصِيرُ الْأَلْفُ بِمُقَابَلَةِ الثَّوْبِ فَيَمْلِكُ مَا فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ فَيَرْجِعُ بِكُلِّهِ عَلَيْهِ. وَتَوْضِيحُهُ أَنَّ الْأَلْفَ فِي الْأَصْلِ فِي ذِمَّةِ الْأَصِيلِ ثُمَّ انْتَقَلَ عَنْهُ وَثَبَتَ فِي ذِمَّةِ الْكَفِيلِ حِينَ أَخَذَ الطَّالِبُ مِنْهُ فَيَصِحُّ تَمْلِيكُ الطَّالِبِ الدَّيْنَ الْأَلْفَ مِنْ الْكَفِيلِ لِكَوْنِهِ تَمْلِيكَ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَكَذَا يَصِحُّ التَّمْلِيكُ مِنْ الْكَفِيلِ بِالْهِبَةِ إذَا أَذِنَ لَهُ بِالْقَبْضِ فَصَارَ كَأَنَّهُ أَخْرَجَهُ عَنْ الْكَفَالَةِ، وَوَكَّلَهُ بِالْقَبْضِ فَقَبَضَهُ، ثُمَّ وَهَبَهُ فَيَصِيرُ تَمْلِيكُ الدَّيْنِ مِمَّنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ مَعَ الْكَفِيلِ مُسَلَّطًا عَلَى الدَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ. (وَإِنْ صَالَحَ) الْكَفِيلُ (عَنْ مُوجَبِ الْكَفَالَةِ) وَهُوَ الْمُطَالَبَةُ عَنْ شَيْءٍ بِشَرْطِ إبْرَاءِ الْكَفِيلِ خَاصَّةً (بَرِئَ هُوَ) أَيْ الْكَفِيلُ فَقَطْ (دُونَ الْأَصِيلِ) لِأَنَّ إبْرَاءَ الْكَفِيلِ عَنْ الْكَفَالَةِ يَصِيرُ فَسْخًا لِكَفَالَتِهِ لَا إسْقَاطًا لِأَصْلِ الدَّيْنِ. (وَإِنْ قَالَ الطَّالِبُ لِلْكَفِيلِ بِالْأَمْرِ: بَرِئْتَ إلَيَّ مِنْ الْمَالِ رَجَعَ) الْكَفِيلُ (عَلَى أَصِيلِهِ) لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ الَّتِي ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْمَطْلُوبِ، وَانْتِهَاؤُهَا إلَى الطَّالِبِ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْإِيفَاءِ فَيَرْجِعُ فَصَارَ كَإِقْرَارِهِ بِالْقَبْضِ مِنْهُ أَوْ الدَّفْعِ إلَيْهِ، وَاسْتُفِيدَ مِنْهُ بَرَاءَةُ الْمَطْلُوبِ لِلطَّالِبِ لِإِقْرَارِهِ كَالْكَفِيلِ كَمَا فِي الْمِنَحِ (وَكَذَا) رَجَعَ الْكَفِيلُ عَلَى أَصِيلِهِ (فِي) قَوْلِ الطَّالِبِ لِلْكَفِيلِ (بَرِئْتَ) دُونَ إلَيَّ (عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ) لِأَنَّهُ أَقَرَّ بَرَاءَةً، ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْمَطْلُوبِ، وَإِلَيْهِ الْإِيفَاءُ دُونَ الْإِبْرَاءِ (خِلَافًا لِمُحَمَّدٍ) لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ تَكُونُ بِالْأَدَاءِ وَالْإِبْرَاءِ فَيَثْبُتُ الْأَدْنَى - وَهُوَ الْإِبْرَاءُ - وَلَا يَرْجِعُ الْكَفِيلُ بِالشَّكِّ (وَفِي) قَوْلِ الطَّالِبِ لِلْكَفِيلِ (أَبْرَأْتُك لَا يَرْجِعُ) الْكَفِيلُ إلَى الْأَصِيلِ لِأَنَّهُ إبْرَاءٌ لَا يَنْتَهِي إلَى غَيْرِهِ وَذَلِكَ بِالْإِسْقَاطِ

стр. 894

فَلَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالْإِيفَاءِ قَبْلَ جَمِيعِ مَا ذَكَرْنَا إذَا كَانَ الطَّالِبُ غَائِبًا. (وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ حَاضِرًا يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي الْبَيَانِ فِي الْكُلِّ) لِأَنَّهُ هُوَ الْمُجْمَلُ حَتَّى فِي بَرِئْتَ إلَيَّ لِاحْتِمَالِ: إنِّي أَبْرَأْتُك مَجَازًا وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا فِي الِاسْتِعْمَالِ كَمَا فِي النِّهَايَةِ، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَرِئْتَ لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ فِي الصَّكِّ بَرِئَ الْكَفِيلُ مِنْ الدَّرَاهِمِ الَّتِي كَفَلَ بِهَا كَانَ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا كَقَوْلِهِ بَرِئْتَ إلَيَّ بِقَضِيَّةِ الْعُرْفِ؛ فَإِنَّ الْعُرْفَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الصَّكَّ يُكْتَبُ عَلَى الطَّالِبِ بِالْبَرَاءَةِ إذَا حَصَلَتْ بِالْإِيفَاءِ، وَإِنْ حَصَلَتْ بِالْإِبْرَاءِ لَا يَثْبُتُ الصَّكُّ عَلَيْهِ فَجُعِلَتْ الْكِتَابَةُ إقْرَارًا بِالْقَبْضِ عُرْفًا، وَلَا عُرْفَ عِنْدَ الْإِبْرَاءِ كَمَا فِي الْفَتْحِ. (وَلَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْكَفَالَةِ) بِالْمَالِ (بِالشَّرْطِ) مِثْلُ إذَا جَاءَ غَدٌ فَأَنْتَ بَرِيءٌ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ فَجَاءَ غَدٌ، لَا يَبْرَأُ عَنْهَا إذْ شَرْطُهُ بَاطِلٌ وَكَفَالَتُهُ جَائِزَةٌ (كَسَائِرِ الْبَرَاءَاتِ) لِأَنَّ فِي الْإِبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ، وَالتَّمْلِيكَاتُ لَا تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالشَّرْطِ لِكَوْنِهِ قِمَارًا، هَذَا ظَاهِرٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ بِثُبُوتِ الدَّيْنِ عَلَى الْكَفِيلِ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ إنَّ تَمْلِيكَ الْمُطَالَبَةِ كَتَمْلِيكِ الدَّيْنِ لِأَنَّهَا وَسِيلَةٌ إلَيْهِ، وَكَذَا لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُ بَرَاءَةِ الْأَصِيلِ لِأَنَّ مَعْنَى التَّمْلِيكِ فِيهِ ظَاهِرٌ إذْ الْمَالُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِخِلَافِ تَعْلِيقِ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ لِأَنَّهُ مُجَرَّدُ إسْقَاطٍ، وَيُرْوَى أَنَّهُ يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةُ دُونَ الدَّيْنِ فِي الصَّحِيحِ وَكَانَ إسْقَاطًا مَحْضًا كَالطَّلَاقِ وَلِهَذَا لَا يَرْتَدُّ إبْرَاءُ الْكَفِيلِ بِالرَّدِّ بِخِلَافِ الْأَصِيلِ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَعَنْ هَذَا قَالَ (وَالْمُخْتَارُ الصِّحَّةُ) أَيْ صِحَّةُ تَعْلِيقِ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْكَفَالَةِ، قِيلَ: الْمُرَادُ الشَّرْطُ بِالشَّرْطِ الْمَحْضِ الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ لِلطَّالِبِ فِيهِ أَصْلًا كَدُخُولِ الدَّارِ وَمَجِيءِ الْغَدِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَارَفٍ، أَمَّا إذَا كَانَ مُتَعَارَفًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَمَا فِي تَعْلِيقِ الْكَفَالَةِ لِمَا فِي الْإِيضَاحِ: الْكَفِيلُ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ لَوْ قَالَ: إنْ وَافَيْتُك غَدًا فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْمَالِ، فَوَافَاهُ غَدًا يَبْرَأُ مِنْ الْمَالِ فَقَدْ جَوَّزُوا تَعْلِيقَ الْبَرَاءَةِ عَنْ الْكَفَالَةِ بِالْمَالِ وَكَذَا إذَا عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ بِاسْتِيفَاءِ الْبَعْضِ يَجُوزُ أَوْ عَلَّقَ الْبَرَاءَةَ عَنْ الْبَعْضِ بِتَعْجِيلِ الْبَعْضِ يَجُوزُ كَمَا فِي مَبْسُوطِ شَيْخِ الْإِسْلَامِ فَعُلِمَ أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَتَيْنِ، فَرِوَايَةُ عَدَمِ الْجَوَازِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ الشَّرْطُ غَيْرَ مُتَعَارَفٍ، وَرِوَايَةُ الْجَوَازِ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ مُتَعَارَفًا كَمَا فِي الْبَحْرِ. (وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِمَا تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤُهُ) أَيْ لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ شَرْعًا (مِنْ الْكَفِيلِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ) مُطْلَقًا بِالْإِجْمَاعِ لِعَدَمِ إمْكَانِ إيجَابِهِمَا عَلَى مَنْ تَكَفَّلَ لِعَدَمِ جَرَيَانِ النِّيَابَةِ فِي الْعُقُوبَةِ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِنَفْسِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَالْقِصَاصُ كَمَا مَرَّ فَعَلَى هَذَا لَا يَلْزَمُ الِاسْتِدْرَاكُ بِمَا مَرَّ كَمَا قِيلَ (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا كَالْبَيْعِ) فِي الْبَيْعِ الصَّحِيحِ بِعَيْنِهِ قَبْلَ الْقَبْضِ

стр. 895

(وَالْمَرْهُونِ) بَعْدَ الْقَبْضِ (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِالْأَمَانَاتِ كَالْوَدِيعَةِ وَالْمُسْتَعَارِ وَالْمُسْتَأْجَرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ) لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ الْكَفَالَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَكْفُولُ بِهِ مَضْمُونًا عَلَى الْأَصِيلِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنْهُ إلَّا بِدَفْعِهِ أَوْ دَفْعِ بَدَلِهِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الضَّمِّ، فَيَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ تَسْلِيمُ الْعَيْنِ مَا دَامَ قَائِمًا وَتَسْلِيمُ قِيمَتِهِ عِنْدَ الْهَلَاكِ فَهُوَ مَضْمُونٌ بِغَيْرِهِ، وَالْمَبِيعُ قَبْلَ الْقَبْضِ لَيْسَ بِمَضْمُونٍ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَضْمُونٌ بِالثَّمَنِ، أَلَا يُرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ بَلْ يَنْفَسِخُ الْبَيْعُ وَكَذَلِكَ الرَّهْنُ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا يَسْقُطُ دَيْنُهُ إذَا هَلَكَ فَلَا يُمْكِنُ إيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْكَفِيلِ وَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى الْأَصِيلِ، وَكَذَا الْأَمَانَاتُ لَيْسَتْ بِمَضْمُونَةٍ عَلَى الْأَصِيلِ لِأَعْيُنِهَا وَتَسْلِيمِهَا فَلَا يُمْكِنُ جَعْلُهَا مَضْمُونَةً عَلَى الْكَفِيلِ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِهَا. (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِدَيْنٍ غَيْرِ صَحِيحٍ كَبَدَلِ الْكِتَابَةِ) لِأَنَّهُ فِي مَعْرِضِ الزَّوَالِ فَلَا يَكُونُ دَيْنًا صَحِيحًا (حُرٌّ كَفَلَ بِهِ) أَيْ بِالدَّيْنِ (أَوْ عَبْدٌ) ، وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنَّ كَفَالَةَ الْعَبْدِ بِهِ يَنْبَغِي أَنْ تَصِحَّ لِأَنَّهُ يَجُوزُ ثُبُوتُ هَذَا الدَّيْنِ عَلَيْهِ لِأَنَّ الْعَبْدَ مَحَلُّ الْكِتَابَةِ فَخَصَّهُ. (وَكَذَا بَدَلُ السِّعَايَةِ عِنْدَ الْإِمَامِ) لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى كَالْمُكَاتَبِ عِنْدَهُ فَلَا تَصِحُّ الْكَفَالَةُ بِبَدَلِهَا، وَعِنْدَهُمَا تَصِحُّ لِأَنَّ الْمُسْتَسْعَى حُرٌّ مَدْيُونٌ عِنْدَهُمَا (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِالْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ) مُسْتَأْجَرَةٍ لِلْحَمْلِ (أَوْ بِخِدْمَةِ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ مُسْتَأْجَرٍ لِلْخِدْمَةِ) لِعَجْزِ الْكَفِيلِ عَنْ تَسْلِيمِ الْحَمْلِ عَلَى دَابَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِأَنَّهَا مِلْكُ الْغَيْرِ، وَلَوْ حَمَّلَ دَابَّةً أُخْرَى لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ إذْ لَوْ حَمَّلَ الْمُؤَجِّرُ عَلَى الدَّابَّةِ الْغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ لَا يَسْتَحِقُّ الْأَجْرَ فَيَثْبُتُ الْعَجْزُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِالضَّرُورَةِ وَكَذَا الْعَبْدُ لِلْخِدْمَةِ (بِخِلَافِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ) لِعَدَمِ الْعَجْزِ عَنْ تَسْلِيمِ الْحَمْلِ إذْ يُمْكِنُهُ الْحَمْلُ عَلَى أَيِّ دَابَّةٍ كَانَتْ لِأَنَّ الْمُسْتَحَقَّ هُوَ الْحَمْلُ لَا الْغَيْرُ وَالْغَرَضُ هُوَ الْأَجْرُ. (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (عَنْ مَيِّتٍ مُفْلِسٍ) يَعْنِي إذَا مَاتَ مَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا فَكَفَلَ عَنْهُ لِلْغُرَمَاءِ رَجُلٌ لَمْ تَصِحَّ عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِدَيْنٍ سَاقِطٍ فِي حَقِّ أَحْكَامِ الدُّنْيَا بِالضَّرُورَةِ إذْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَلَا كَفِيلًا بِهِ، وَالْكَفَالَةُ بِالسَّاقِطِ لَا تَجُوزُ، وَجَوَازُ التَّبَرُّعِ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الدَّيْنَ بَاقٍ فِي حَقِّ الدَّائِنِ (خِلَافًا لَهُمَا) فَإِنَّ عِنْدَهُمَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ لِأَنَّ الدَّيْنَ لَمَّا كَانَ ثَابِتًا فِي حَيَاتِهِ لَا يَسْقُطُ إلَّا بِالْأَدَاءِ أَوْ بِالْإِبْرَاءِ وَلَمْ يُوجَدْ شَيْءٌ مِنْهُمَا فَبَقِيَ عَلَيْهِ، وَكَذَا يُطَالَبُ بِهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى مَنْ تَبَرَّعَ بِقَضَائِهِ يَجُوزُ لِمَا رُوِيَ «أَنَّهُ ﵊ أُتِيَ بِجِنَازَةِ رَجُلٍ

стр. 896

مِنْ الْأَنْصَارِ فَسَأَلَ هَلْ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَالُوا: نَعَمْ دِرْهَمَانِ أَوْ دِينَارٌ، فَامْتَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ فَقَالَ: صَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ فَقَامَ أَبُو قَتَادَةَ فَقَالَ: هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَصَلَّى عَلَيْهِ.» (وَلَا) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِلَا قَبُولِ الطَّالِبِ فِي الْمَجْلِسِ) أَيْ فِي مَجْلِسِ عَقْدِ الْكَفَالَةِ سَوَاءٌ كَفَلَ بِالنَّفْسِ أَوْ الْمَالِ عِنْدَ الطَّرَفَيْنِ (وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ تَجُوزُ مَعَ غَيْبَتِهِ) أَيْ غَيْبَةِ الطَّالِبِ (إذَا بَلَغَهُ) خَبَرُ الْكَفَالَةِ (فَأَجَازَ) كَسَائِرِ تَصَرُّفَاتِ الْفُضُولِيِّ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَبْسُوطِ لَمْ يَشْتَرِطْ الْإِجَازَةَ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ عَنْهُ لِأَنَّهُ تَصَرُّفُ الْتِزَامٍ فَيَسْتَبِدُّ بِهِ الْمُلْتَزِمُ وَلَهُمَا أَنَّ فِيهِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَهُوَ تَمْلِيكُ الْمُطَالَبَةِ مِنْهُ فَيَقُومُ بِهِمَا جَمِيعًا، وَالْمَوْجُودُ شَطْرُهُ فَلَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَا وَرَاءَ الْمَجْلِسِ إلَّا أَنْ يَقْبَلَ عَنْ الطَّالِبِ فُضُولِيٌّ فَإِنَّهُ تَصِحُّ وَتَتَوَقَّفُ عَلَى إجَازَتِهِ، وَلِلْكَفِيلِ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ عَنْهَا قَبْلَ إجَازَتِهِ كَمَا فِي الْحَقَائِقِ وَغَيْرِهِ. وَبِهِ عُلِمَ أَنَّ قَبُولَ الطَّالِبِ بِخُصُوصِهِ إنَّمَا هُوَ شَرْطُ النَّفَاذِ، وَأَمَّا أَصْلُ الْقَبُولِ فِي مَجْلِسِ الْإِيجَابِ فَشَرْطُ الصِّحَّةِ، فَعَلَى هَذَا: إنَّ الْمُصَنِّفَ لَوْ تَرَكَ قَوْلَهُ " الطَّالِبِ " لَكَانَ أَوْلَى كَمَا فِي الْإِصْلَاحِ. وَفِي الدُّرَرِ الْفَتْوَى عَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي كَمَا فِي تَلْخِيصِ الْجَامِعِ الْكَبِيرِ وَالْبَزَّازِيَّةِ، لَكِنْ فِي أَنْفَعِ الْوَسَائِلِ الْفَتْوَى عَلَى قَوْلِهِمَا، وَفِي تَصْحِيحِ الشَّيْخِ قَاسِمٍ: وَالْمُخْتَارُ قَوْلُهُمْ عِنْدَ الْمَحْبُوبِيِّ وَالنَّسَفِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَلِهَذَا قَدَّمَهُ الْمُصَنِّفُ، تَدَبَّرْ. قَيَّدَ بِالْإِنْشَاءِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْكَفَالَةِ حَالَ غَيْبَةِ الطَّالِبِ تَجُوزُ إجْمَاعًا. (فَإِنْ قَالَ الْمَرِيضُ لِوَارِثِهِ: تَكَفَّلْ عَنِّي بِمَا عَلَيَّ فَكَفَلَ) الْوَارِثُ (مَعَ غَيْبَةِ الْغُرَمَاءِ جَازَ اتِّفَاقًا) ، وَإِنْ كَانَ الْقِيَاسُ أَنْ لَا تَجُوزَ لِأَنَّ الطَّالِبَ غَائِبٌ وَلَا يَتِمُّ الضُّمَامُ إلَّا بِقَوْلِهِ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ ذَلِكَ وَصِيَّةٌ فِي الْحَقِيقَةِ وَلِهَذَا تَصِحُّ، وَإِنْ لَمْ يُسَمِّ الْمَكْفُولَ لَهُمْ، وَلِهَذَا قَالُوا: إنَّمَا تَصِحُّ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ يُقَالُ: إنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الطَّالِبِ لِحَاجَتِهِ إلَيْهِ تَفْرِيغًا لِذِمَّتِهِ وَفِيهِ نَفْعُ الطَّالِبِ فَصَارَ كَمَا إذَا حَضَرَ بِنَفْسِهِ، وَإِنَّمَا تَصِحُّ بِهَذَا اللَّفْظِ وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ لِأَنَّهُ يُرَادُ بِهِ التَّحْقِيقُ دُونَ الْمُسَاوَمَةِ ظَاهِرًا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ. (وَلَوْ قَالَهُ) أَيْ الْمَرِيضُ هَذَا الْقَوْلَ (لِأَجْنَبِيٍّ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمَشَايِخُ) فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ تَنْزِيلًا لِلْمَرِيضِ مَنْزِلَةَ الطَّالِبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِعَدَمِهِ لِأَنَّ الْأَجْنَبِيَّ غَيْرُ مُطَالَبٍ بِقَضَاءِ دَيْنِهِ بِلَا الْتِزَامٍ وَكَانَ الْمَرِيضُ وَالصَّحِيحُ سَوَاءً، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَتَمَامِهِ، وَفِي الْبَحْرِ فَلْيُطَالَعْ. (وَتَجُوزُ) الْكَفَالَةُ (بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا) عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلٍ فِي الْأَعْيَانِ، لَكِنَّ الْمُنَاسِبَ لِلْمُصَنِّفِ أَنْ يَذْكُرَهُ عَقِيبَ قَوْلِهِ: وَلَا تَجُوزُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِغَيْرِهَا (كَالْمَقْبُوضِ عَلَى سَوْمِ الشِّرَاءِ) أَيْ عَلَى طَلَبِهِ بَعْدَ تَسْمِيَةِ الثَّمَنِ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ عِنْدَهُ يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَيْهِ إذْ الْقِيمَةُ تَقُومُ مَقَامَهُ فَأَمْكَنَ إيجَابُهُ عَلَى الْكَفِيلِ (وَالْمَغْصُوبِ) لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ بِعَيْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْمَضْمُونُ عَيْنًا قَائِمًا

стр. 897

فَيَلْزَمُ الضَّامِنَ إحْضَارُهَا، وَتَسْلِيمُهَا، وَقِيمَتُهَا إنْ هَلَكَتْ، وَإِنْ كَانَ الْمَضْمُونُ مُسْتَهْلَكًا فَالْمَضْمُونُ قِيمَتُهُ (وَالْمَبِيعِ) بَيْعًا (فَاسِدًا) لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ حَتَّى إذَا هَلَكَ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهُ. (وَ) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِتَسْلِيمِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي وَالْمَرْهُونِ إلَى الرَّاهِنِ وَالْمُسْتَأْجَرِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ (إلَى الْمُسْتَأْجِرِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ لِأَنَّ تَسْلِيمَ الْعَيْنِ وَاجِبٌ عَلَى الْأَصِيلِ فَأَمْكَنَ الْتِزَامُهُ فَصَارَ نَظِيرَ الْكَفِيلِ بِالنَّفْسِ لِأَنَّهُ مَا دَامَ قَائِمًا يَجِبُ عَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ وَإِنْ هَلَكَ يَبْرَأُ، وَقِيلَ: إنْ كَانَ تَسْلِيمُهُ وَاجِبًا عَلَى الْأَصِيلِ كَالْعَارِيَّةِ جَازَتْ الْكَفَالَةُ بِتَسْلِيمِهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ وَاجِبٍ عَلَى الْأَصِيلِ كَالْوَدِيعَةِ وَمَالِ الْمُضَارَبَةِ وَالشَّرِكَةِ لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِتَسْلِيمِهِ كَمَا فِي التَّبْيِينِ. (وَ) تَجُوزُ الْكَفَالَةُ (بِالثَّمَنِ) لِأَنَّهُ دَيْنٌ صَحِيحٌ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي كَسَائِرِ الدُّيُونِ. [فَصَلِّ دَفْعِ الْأَصِيل الْمَال إلَى كَفِيلِهِ] فَصَلِّ (وَلَوْ دَفَعَ الْأَصِيلُ الْمَالَ إلَى كَفِيلِهِ) لِيَدْفَعَهُ إلَى الطَّالِبِ (قَبْلَ دَفْعِ الْكَفِيلِ إلَى الطَّالِبِ لَا يَسْتَرِدُّهُ) أَيْ لَا يَسْتَرِدُّ الْأَصِيلُ الْمَالَ الْمَدْفُوعَ (مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْكَفِيلِ لِأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْقَابِضِ عَلَى احْتِمَالِ قَضَائِهِ الدَّيْنَ، فَلَا تَجُوزُ الْمُطَالَبَةُ مَا بَقِيَ هَذَا الِاحْتِمَالُ كَمَنْ عَجَّلَ زَكَاتَهُ وَرَفَعَهَا إلَى السَّاعِي، وَإِنَّمَا يَنْقَطِعُ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِأَدَاءِ الْأَصِيلِ بِنَفْسِهِ فَإِذَا أَدَّى بِنَفْسِهِ يَسْتَرِدُّ مِنْ الْكَفِيلِ مَا أَخَذَهُ وَلِأَنَّهُ مَلَكَهُ بِالْقَبْضِ، وَإِطْلَاقُهُ شَامِلٌ مَا إذَا كَانَ الدَّفْعُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ بِأَنْ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ، وَأَعْطِ الطَّالِبَ فَلَا يَسْتَرِدُّ، لَكِنَّهُ لَا يَمْلِكُهُ بِالْقَبْضِ لِتَمَحُّضِهِ أَمَانَةً فِي يَدِهِ، وَإِنْ دَفَعَهُ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ بِأَنْ قَالَ لَهُ: إنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَأْخُذَ الطَّالِبُ حَقَّهُ مِنْهُ فَأَنَا أَقْضِيك الْمَالَ قَبْلَ أَنْ تُؤَدِّيَهُ لَمْ يَكُنْ رِسَالَةً، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا إنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ الْمِلْكِ الْمَدْفُوعِ لِلْقَابِضِ، وَعَدَمِهِ، وَأَمَّا مَا قَالَهُ الْفَاضِلُ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ الشَّيْخِ فِي شَرْحِ الْوِقَايَةِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ دَفَعَ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَرِدَّ، لِأَنَّهُ مَحْضُ أَمَانَةٍ فِي يَدِهِ مُخَالِفٌ لِأَكْثَرِ الْمُعْتَبَرَاتِ كَمَا لَا يَخْفَى، تَدَبَّرْ. وَأَشَارَ إلَى أَنَّ بِالْكَفَالَةِ صَارَ لِلْكَفِيلِ عَلَى الْأَصِيلِ دَيْنٌ لَوْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ، وَلِذَا لَوْ أَخَذَ الْكَفِيلُ مِنْهُ رَهْنًا قَبْلَ أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ جَازَ وَلَوْ أَبْرَأَهُ الْكَفِيلُ أَوْ وَهَبَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ عَنْهُ صَحَّ حَتَّى لَوْ أَدَّى عَنْهُ لَمْ يَرْجِعْ، فَثَبَتَ أَنَّ لَهُ دَيْنًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَا رُجُوعَ لَهُ قَبْلَ الْأَدَاءِ كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَمَا رَبِحَ فِيهِ الْكَفِيلُ فَلَهُ) أَيْ لِلْكَفِيلِ يَعْنِي أَنَّ الرِّبْحَ الَّذِي حَصَلَ فِي هَذَا الْمَالِ بِمُعَامَلَةِ الْكَفِيلِ حَلَالٌ طَيِّبٌ لَهُ (وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهِ) لِمَا ذُكِرَ أَنَّهُ حَصَلَ عَلَى مِلْكِهِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَضَى الدَّيْنَ هُوَ أَوْ قَضَى الْأَصِيلُ كَمَا فِي الْبَحْرِ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِضَاءِ وَأَمَّا إذَا قَبَضَهُ عَلَى وَجْهِ الرِّسَالَةِ فَإِنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فَلَا يَطِيبُ لَهُ الرِّبْحُ عَلَى قَوْلِهِمَا. وَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ

стр. 898

يَطِيبُ لَهُ (وَرَدُّهُ) أَيْ رَدُّ الرِّبْحِ (إلَى الْمَطْلُوبِ أَحَبُّ إنْ كَانَ الْمَدْفُوعُ شَيْئًا يَتَعَيَّنُ كَالْبُرِّ) يَعْنِي إذَا كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِكُرِّ بُرٍّ، فَقَبَضَهُ الْكَفِيلُ مِنْ الْمَكْفُولِ عَنْهُ وَبَاعَهُ وَرَبِحَ فِيهِ فَالرِّبْحُ لِلْكَفِيلِ لَكِنْ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ، وَلَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي رِوَايَةِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَهَذَا إذَا قَضَى الْأَصِيلُ الدَّيْنَ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا: هُوَ لَهُ وَلَا يَرُدُّهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْإِمَامِ، وَعَنْهُ أَنَّهُ يَتَصَدَّقُ بِهِ. قَيَّدَ بِمَا يَتَعَيَّنُ لِأَنَّ رِبْحَ مَا لَا يَتَعَيَّنُ لَا يُسْتَحَبُّ رَدُّهُ عَلَى الْمَطْلُوبِ، وَهَلْ يَطِيبُ لِلْأَصِيلِ إذَا رَدَّهُ الْكَفِيلُ عَلَيْهِ؟ قَالَ فِي الْعِنَايَةِ: إنْ كَانَ الْأَصِيلُ فَقِيرًا طَابَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، وَالْأَشْبَهُ أَنْ يَطِيبَ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُرَدُّ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ حَقُّهُ. (وَلَوْ أَمَرَ الْأَصِيلُ كَفِيلَهُ أَنْ يُعَيِّنَ عَلَيْهِ) أَيْ يَشْتَرِيَ (ثَوْبًا) بِطَرِيقِ الْعِينَةِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ (فَفَعَلَ) الْكَفِيلُ (فَالثَّوْبُ لِلْكَفِيلِ وَالرِّبْحُ) الَّذِي حَصَلَ لِلْبَائِعِ يَكُونُ (عَلَيْهِ) أَيْ الْكَفِيلِ لَا الْآمِرِ، بَيَانُهُ أَنَّ الْأَصِيلَ أَمَرَ الْكَفِيلَ بِأَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ ثَوْبًا بِأَكْثَرَ مِنْ الْقِيمَةِ لِيَقْضِيَ بِهِ دَيْنَهُ بِطَرِيقِ الْعِينَةِ، مِثْلُ أَنْ يَسْتَقْرِضَ مِنْ تَاجِرٍ عَشَرَةً فَيَأْبَى عَنْهُ وَيَبِيعُ مِنْهُ ثَوْبًا يُسَاوِي عَشَرَةً بِخَمْسَةَ عَشَرَ مِثْلًا نَسِيئَةً فِي نَيْلِ الزِّيَادَةِ لِيَبِيعَهُ الْمُسْتَقْرِضُ بِعَشَرَةٍ وَيَتَحَمَّلَ خَمْسَةً، سُمِّيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ الدَّيْنِ إلَى الْعَيْنِ، وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِعْرَاضِ عَنْ مَبَرَّةِ الْإِقْرَاضِ مُطَاوَعَةً لِمَذْمُومِ الْبُخْلِ، ثُمَّ قِيلَ: هَذَا ضَمَانٌ لِمَا يَخْسَرُ الْمُشْتَرِي نَظَرًا إلَى قَوْلِهِ عَلَيَّ، وَهُوَ فَاسِدٌ وَلَيْسَ بِتَوْكِيلٍ وَقِيلَ هُوَ تَوْكِيلٌ فَاسِدٌ لِأَنَّ الْمَبِيعَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ وَكَذَا الثَّمَنُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ لِجَهَالَةِ مَا زَادَ عَلَى الدَّيْنِ، وَكَيْفَ مَا كَانَ فَالْمُشْتَرَى لِلْمُشْتَرِي وَهُوَ الْكَفِيلُ، وَالرِّبْحُ أَيْ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ الْعَاقِدُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ. وَفِي الْعِنَايَةِ: وَمِنْ النَّاسِ مَنْ صَوَّرَ لِلْعِينَةِ صُورَةً أُخْرَى وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ الْمُقْرِضُ وَالْمُسْتَقْرِضُ بَيْنَهُمَا ثَالِثًا فِي الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَيَبِيعَ صَاحِبُ الثَّوْبِ الثَّوْبَ بِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنْ الْمُسْتَقْرِضِ، ثُمَّ إنَّ الْمُسْتَقْرِضَ يَبِيعُهُ مِنْ الثَّالِثِ بِعَشَرَةٍ، وَيُسَلِّمُ الثَّوْبَ إلَيْهِ، ثُمَّ يَبِيعُ الثَّالِثُ الثَّوْبَ مِنْ الْمُقْرِضِ بِعَشَرَةٍ وَيَأْخُذُ مِنْهُ عَشَرَةً وَيَدْفَعُهُ إلَى الْمُسْتَقْرِضِ فَيَنْدَفِعُ حَاجَتُهُ. وَإِنَّمَا تَوَسَّطَا بِثَالِثٍ احْتِرَازًا عَنْ شِرَاءِ مَا بَاعَ بِأَقَلَّ مِمَّا بَاعَ قَبْلَ نَقْدِ الثَّمَنِ. وَمِنْهُمْ مَنْ صَوَّرَ بِغَيْرِ ذَلِكَ، وَهُوَ مَذْمُومٌ، اخْتَرَعَهُ أَكَلَةُ الرِّبَا وَقَدْ ذَمَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﵊ بِذَلِكَ فَقَالَ «إذَا تَبَايَعَتْهُمْ بِالْعِينَةِ وَاتَّبَعْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ ذُلِّلْتُمْ وَظَفِرَ عَلَيْكُمْ عَدُوُّكُمْ» وَقِيلَ، وَإِيَّاكَ وَالْعِينَةَ فَإِنَّهَا لَعِينَةٌ، انْتَهَى. لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِمَا فِي الْخَانِيَّةِ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ تَصْوِيرِهَا بِقَوْلِهِ رَجُلٌ لَهُ عَلَى رَجُلٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ فَأَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهَا ثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَى أَجَلٍ، قَالُوا يَشْتَرِي مِنْ الْمَدْيُونِ شَيْئًا بِتِلْكَ الْعَشَرَةِ فَيَقْبِضُ، ثُمَّ يَبِيعُ مِنْ الْمَدْيُونِ بِثَلَاثَةَ عَشَرَ إلَى سَنَةٍ فَيَقَعُ التَّحَرُّزُ عَنْ الْحَرَامِ، وَمِثْلُ هَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﵊، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَعْدَادِ الصُّوَرِ الْأُخَرِ: وَهَذِهِ الْحِيَلُ هِيَ الْعِينَةُ

стр. 899

الَّتِي ذَكَرَهَا مُحَمَّدٌ قَالَ مَشَايِخُ بَلْخِي: بَيْعُ الْعِينَةِ فِي زَمَانِنَا خَيْرٌ مِنْ الْبُيُوعِ الَّتِي فِي أَسْوَاقِنَا، انْتَهَى، لَكِنَّ التَّحَرُّزَ أَوْلَى. (وَمَنْ كَفَلَ لِآخَرَ بِمَا ذَابَ لَهُ عَلَى غَرِيمِهِ أَوْ بِمَا قُضِيَ لَهُ بِهِ عَلَيْهِ، فَغَابَ الْغَرِيمُ فَبَرْهَنَ الطَّالِبُ عَلَى الْكَفِيلِ بِأَنَّ لَهُ عَلَى الْغَرِيمِ أَلْفًا لَا يُقْبَلُ) بُرْهَانُهُ عَلَى الْكَفِيلِ حَتَّى يَحْضُرَ الْمَكْفُولُ عَنْهُ فَيُقْضَى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مَالٌ مُقْضًى أَوْ مَالٌ يُقْضَى بِهِ لَا غَيْرُ، لِأَنَّ ذَابَ بِمَعْنَى وَجَبَ وَلَمْ يَجِبْ هُنَا لِلطَّالِبِ عَلَى الْغَائِبِ مَالٌ شَرْعًا، وَلِذَا لَوْ أَقَرَّ الْكَفِيلُ لَا يَلْزَمُهُ الْمَالُ لِأَنَّ بِالْإِقْرَارِ لَا يَثْبُتُ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ بَلْ بِالْقَضَاءِ وَهُوَ مُنْتَفٍ، إذْ لَمْ يَتَعَرَّضْ الطَّالِبُ لِقَضَاءِ الْقَاضِي بِالْمَالِ فِي دَعْوَاهُ وَلَا فِي إقَامَتِهِ حَتَّى لَوْ تَعَرَّضَ، وَقَالَ: قَدَّمْتُ الْمَطْلُوبَ بَعْدَ الْكَفَالَةِ إلَى فُلَانٍ الْقَاضِي، وَأَقَمْتُ عَلَيْهِ بَيِّنَةً بِأَلْفٍ وَقَضَى لِي عَلَيْهِ بِذَلِكَ يُقْضَى بِأَلْفٍ عَلَى الْكَفِيلِ وَعَلَى الْغَائِبِ حَتَّى لَوْ أَقَرَّ الْكَفِيلُ لَزِمَهُ الْأَلْفُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ. (وَلَوْ بَرْهَنَ) الطَّالِبُ (أَنَّ لَهُ عَلَى زَيْدٍ) الْغَائِبِ (أَلْفًا وَهَذَا كَفِيلُهُ) بِهَذَا الْمَالِ (بِأَمْرِهِ قُضِيَ بِهِ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الْكَفِيلِ وَالْأَصِيلِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ قُيُودٌ مُعْتَبَرَةٌ. الْأَوَّلُ أَنَّ الْكَفَالَةَ مُقَيَّدَةٌ بِهَذَا الْمَالِ. وَالثَّانِي أَنَّ هَذَا الْمَالَ الْمَكْفُولَ بِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ بِأَنَّهُ قُضِيَ بِهِ عَلَى الْمَكْفُولِ عَنْهُ بَعْدَ الْكَفَالَةِ بَلْ هُوَ مَالٌ مُطْلَقٌ، وَبِهَذَا الْقَدْرِ تَمْتَازُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ السَّابِقَةِ إذْ الْمَكْفُولُ هُنَا مُقَيَّدٌ بِقَضَاءِ الْقَاضِي. وَالثَّالِثُ أَنَّ هَذِهِ الْكَفَالَةَ مُقَيَّدَةٌ بِأَنَّهَا بِأَمْرِ الْأَصِيلِ إذْ الْأَمْرُ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِالْمَالِ فَيَصِيرُ مَقْضِيًّا عَلَيْهِ، وَأَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ فَهِيَ لَا تَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ فَالْقَضَاءُ عَلَى الْكَفِيلِ لَا يَتَضَمَّنُ الْقَضَاءَ عَلَى الْأَصِيلِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ (وَلَوْ عَلَا أَمْرُهُ قُضِيَ عَلَى الْكَفِيلِ فَقَطْ) لَا عَلَى الْأَصِيلِ فَلَيْسَ لِلْكَفِيلِ حَقُّ الرُّجُوعِ عَلَى الْأَصِيلِ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ بِأَمْرِهِ فَإِنَّ لَهُ حَقَّ الرُّجُوعِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ الْمَالِ خِلَافًا لِزُفَرَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَنْكَرَ كَانَ زَعْمُهُ أَنَّ هَذَا الْحَقَّ غَيْرُ ثَابِتٍ بَلْ الْمُدَّعِي ظَالِمٌ فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَظْلِمَ غَيْرَهُ قُلْنَا: الشَّرْعُ كَذَّبَهُ فَبَطَلَ زَعْمُهُ. وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ إذَا كَانَ الْإِثْبَاتُ عَلَى الْحَاضِرِ مُتَضَمِّنًا لَهُ فَكَمْ مِنْ شَيْءٍ يَثْبُتُ ضِمْنًا وَلَا يَثْبُتُ أَصَالَةً إذْ التَّعَدِّي إلَى الْغَائِبِ فِي ضِمْنِ الْقَضَاءِ بِالْأَمْرِ ضَرُورِيٌّ. وَفِي الْكِفَايَةِ قَالَ مَشَايِخُنَا: وَهَذَا طَرِيقُ مَنْ أَرَادَ إثْبَاتَ الدَّيْنِ عَلَى الْغَائِبِ، ثُمَّ قَالَ: وَكَذَا كُلُّ مَنْ ادَّعَى عَلَى آخَرَ حَقًّا لَا يَثْبُتُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ كَانَ الْحَاضِرُ خَصْمًا عَنْ الْغَائِبِ. (وَضَمَانُ الدَّرَكِ لِلْمُشْتَرِي عِنْدَ الْبَيْعِ تَسْلِيمٌ) أَيْ تَصْدِيقٌ مِنْ الْكَفِيلِ بِأَنَّ الْمَبِيعَ مِلْكُ الْبَائِعِ (فَتَبْطُلُ) مِنْ الْإِبْطَالِ (دَعْوَى الضَّامِنِ) عَلَى الْمُشْتَرِي (الْمَبِيعَ) مَفْعُولُ دَعْوَى (بَعْدَ ذَلِكَ) لِأَنَّ هَذَا الضَّمَانَ تَرْغِيبٌ لِلْمُشْتَرِي فِي الِابْتِيَاعِ، وَالتَّرْغِيبُ بِمَنْزِلَةِ الْإِقْرَارِ بِمِلْكِ الْبَائِعِ فَلَا تَصِحُّ دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ لِنَفْسِهِ بَعْدَ ذَلِكَ لِلتَّنَاقُضِ حَتَّى لَا يُسْمَعَ طَلَبُ الشُّفْعَةِ مِنْهُ وَهُوَ فَرْضُ صِحَّةِ دَعْوَاهُ لِرُجُوعِ الْمُشْتَرِي عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْكَفَالَةِ فَلَا يُفِيدُ (وَكَذَا) .

стр. 900

يَكُونُ تَسْلِيمًا وَلَا تَصِحُّ دَعْوَاهُ بَعْدَ هَذَا (لَوْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ) عَلَى الْبَيْعِ (وَخَتَمَ) أَيْ وَضَعَ خَاتَمَهُ عَلَى عَادَةِ السَّلَفِ (عَلَى صَكٍّ) مُتَعَلِّقٌ بِكَتَبَ وَخَتَمَ عَلَى سَبِيلِ التَّنَازُعِ (كَتَبَ فِيهِ) صِفَةُ " صَكٍّ " (بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ) بَاعَ (بَيْعًا بَاتًّا) نَافِذًا، إذْ الْبَيْعُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مِلْكِهِ فَالدَّعْوَى لِنَفْسِهِ بَعْدَ الْإِقْرَارِ لِغَيْرِهِ تَنَاقُضٌ، فَلَا تُسْمَعُ، وَقُلْنَا عَلَى عَادَةِ السَّلَفِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتِمُونَهُ بَعْدَ كِتَابَةِ أَسْمَائِهِمْ عَلَى الصَّكِّ خَوْفًا مِنْ التَّغْيِيرِ وَالتَّزْوِيرِ؛ وَالْحُكْمُ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الصَّكُّ مَخْتُومًا أَوْ غَيْرَ مَخْتُومٍ، وَفِي الْفَتْحِ الْخَتْمُ أَمْرٌ كَانَ فِي زَمَانِهِمْ وَلَيْسَ هَذَا فِي زَمَانِنَا، قَيَّدَ بِقَوْلِهِ بَاعَ مِلْكَهُ أَوْ بَيْعًا بَاتًّا لِأَنَّهُ لَوْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي صَكٍّ بِبَيْعٍ مُطْلَقٍ عَنْ قَيْدِ الْمِلْكِيَّةِ وَكَوْنِهِ نَافِذًا لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا بَلْ تُسْمَعُ بَعْدَهُ دَعْوَى الْمِلْكِيَّةِ، إذْ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى إقْرَارِهِ بِالْمِلْكِ لِلْبَائِعِ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ يَصْدُرُ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ وَلَعَلَّهُ كَتَبَ الشَّهَادَةَ لِيَحْفَظَ الْحَادِثَةَ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا ذُكِرَ كَمَا فِي الْمِنَحِ (بِخِلَافِ مَا لَوْ كَتَبَهَا) أَيْ شَهَادَتَهُ (عَلَى إقْرَارِ الْعَاقِدَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ تَسْلِيمًا إذْ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُجَرَّدُ إخْبَارٍ وَلَوْ أَخْبَرَ أَنَّ فُلَانًا بَاعَ شَيْئًا كَانَ لَهُ أَنْ يَدَّعِيَهُ (وَضَمَانُ الْوَكِيلِ بِالْبَيْعِ الثَّمَنَ لِلْمُوَكِّلِ بَاطِلٌ) يَعْنِي إذَا بَاعَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ ثَوْبًا بِأَمْرِهِ، ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي لِلْآمِرِ لَا يَصِحُّ. (وَكَذَا ضَمَانُ الْمُضَارِبِ الثَّمَنَ لِرَبِّ الْمَالِ) بَاطِلٌ يَعْنِي إذَا بَاعَ الْمُضَارِبُ مَالَ الْمُضَارَبَةِ، ثُمَّ ضَمِنَ الثَّمَنَ لِرَبِّ الْمَالِ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ الْكَفَالَةَ الْتِزَامُ الْمُطَالَبَةِ وَهِيَ إلَيْهِمَا فَيَصِيرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا ضَامِنًا لِنَفْسِهِ؛ إذْ حُقُوقُ الْعَقْدِ تَرْجِعُ إلَيْهِمَا فَلَا يُفِيدُ ضَمَانُهُمَا بِخِلَافِ مَنْ لَا تَرْجِعُ إلَيْهِ الْحُقُوقُ كَالْوَكِيلِ بِالتَّزْوِيجِ إنْ ضَمِنَ الْمَهْرَ، وَالْمَأْمُورِ بِبَيْعِ الْغَنَائِمِ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ إنْ ضَمِنَ الثَّمَنَ، وَالرَّسُولِ بِالْبَيْعِ إنْ ضَمِنَ الثَّمَنَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَفِيرٌ وَمُعَبِّرٌ فَيَصِحُّ ضَمَانُهُمْ وَكَذَا الْوَكِيلُ بِقَبْضِ الثَّمَنِ إذَا ضَمِنَ الثَّمَنَ عَنْ الْمُشْتَرِي لِلْمُوَكِّلِ يَصِحُّ. (وَ) كَذَا (ضَمَانُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ) حِصَّةَ شَرِيكِهِ مِنْ ثَمَنِ مَا بَاعَاهُ (صَفْقَةً وَاحِدَةً) بَاطِلٌ يَعْنِي لَوْ بَاعَ رَجُلَانِ ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَضَمِنَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَنِ بَطَلَ الضَّمَانُ لِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ مِنْ الشَّرِكَةِ يَصِيرُ ضَامِنًا لِنَفْسِهِ، وَلَوْ صَحَّ فِي نَصِيبِ صَاحِبِهِ لَأَدَّى إلَى قِسْمَةِ الدَّيْنِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَذَا بَاطِلٌ (وَصَحَّ) ضَمَانُ أَحَدِ الشَّرِيكَيْنِ (لَوْ بِصَفْقَتَيْنِ) لِأَنَّ الصَّفْقَةَ إذَا تَعَدَّدَتْ فَمَا يَجِبُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا بِعُقْدَةٍ يَكُونُ لَهُ خَاصَّةً، أَلَا يُرَى أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ قَبِلَ نَصِيبَ أَحَدِهِمَا وَرَدَّ الْآخَرَ صَحَّ (وَضَمَانُ الدَّرَكِ) صَحِيحٌ لِأَنَّهُ ضَمَانُ الثَّمَنِ عِنْدَ وُرُودِ الِاسْتِحْقَاقِ لِأَنَّهُ الْمَفْهُومُ فِيمَا بَيْنَ النَّاسِ فَكَانَ الْمَضْمُونُ مَعْلُومًا، وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْوَفَاءِ بِمَا الْتَزَمَ فَصَحَّ (وَ) ضَمَانُ (الْخَرَاجِ) صَحِيحٌ، لِمَا مَرَّ أَنَّهُ دَيْنٌ مُطَالَبٌ مِنْ جِهَةِ الْعِبَادِ بِخِلَافِ الزَّكَاةِ. وَفِي الْبَحْرِ أَطْلَقَهُ فَشَمِلَ الْخَرَاجَ الْمُوَظَّفَ وَخَرَاجَ الْمُقَاسَمَةِ، وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْمُوَظَّفِ، وَهُوَ مَا يَجِبُ فِي الذِّمَّةِ وَنَفَى صِحَّةَ الضَّمَانِ

стр. 901

بِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ دَيْنًا فِي الذِّمَّةِ، وَالرَّهْنُ كَالْكَفَالَةِ بِجَامِعِ التَّوَثُّقِ فَيَجُوزُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ تَجُوزُ الْكَفَالَةُ فِيهِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ، وَهُوَ مَنْقُوضٌ بِالدَّرَكِ فَإِنَّ الْكَفَالَةَ بِهِ جَائِزَةٌ دُونَ الرَّهْنِ، انْتَهَى. لَكِنَّ التَّخْصِيصَ وَاجِبٌ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ أَوْ رَهَنَ بِهِ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ الرَّهْنُ بِخَرَاجِ الْمُقَاسَمَةِ تَأَمَّلْ. وَلَوْ اكْتَفَى فِيمَا سَبَقَ بِقَوْلِهِ " وَصَحَّ الرَّهْنُ وَالْكَفَالَةُ بِالْخَرَاجِ " لَكَانَ أَخْصَرَ، تَدَبَّرْ. (وَ) ضَمَانُ (الْقِسْمَةِ صَحِيحٌ) خَبَرٌ لِكُلٍّ مِنْ ضَمَانِ الدَّرَكِ وَالْخَرَاجِ وَالْقِسْمَةِ، قِيلَ: هِيَ النَّوَائِبُ بِعَيْنِهَا أَوْ حِصَّةٌ مِنْهَا، فَعَلَى هَذَا النَّوَائِبُ الْآتِيَةُ مُسْتَدْرَكَةٌ، تَدَبَّرْ. وَقِيلَ هِيَ النَّائِبَةُ الْمُوَظَّفَةُ الرَّاتِبَةُ الدِّيوَانِيَّةُ فِي كُلِّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ، وَالْمُرَادُ بِالنَّوَائِبِ غَيْرُ رَاتِبٍ بَلْ يَلْحَقُهُ أَحْيَانًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقَعَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَقَعَ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْقِسْمَةِ أُجْرَةُ الْقَسَّامِ، وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ مَعْنَاهَا إذَا طَلَبَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ الْقِسْمَةَ مِنْ صَاحِبِهِ فَضَمِنَهَا إنْسَانٌ صَحَّ لِأَنَّهَا وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ، وَقِيلَ مَعْنَاهَا إذَا اقْتَسَمَا، ثُمَّ مَنَعَ أَحَدُهُمَا قَسْمَ الْآخَرِ كَمَا فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ. (وَكَذَا ضَمَانُ النَّوَائِبِ) . وَفِي الصِّحَاحِ: النَّائِبَةُ الْمُصِيبَةُ، وَاحِدَةُ نَوَائِبِ الدَّهْرِ، وَفِي اصْطِلَاحِهِمْ، قِيلَ: أَرَادُوا بِهَا مَا يَكُونُ بِحَقٍّ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا مَا لَيْسَ بِحَقٍّ وَعَنْ هَذَا قَالَ (سَوَاءٌ كَانَتْ بِحَقٍّ كَكَرْيِ النَّهْرِ) الْمُشْتَرَكِ (وَأُجْرَةِ الْحَارِسِ) وَالْمَالِ الْمُوَظَّفِ لِتَجْهِيزِ الْجَيْشِ وَفِدَاءِ الْأَسْرَى فَإِنَّ الْكَفَالَةَ بِهَا جَائِزَةٌ بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ كَفَلَ بِمَا هُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْأَصِيلِ (أَوْ بِغَيْرِ حَقٍّ كَالْجِبَايَاتِ) الَّتِي فِي زَمَانِنَا تَأْخُذُهَا الظَّلَمَةُ بِغَيْرِ حَقٍّ فَفِي جَوَازِهَا اخْتِلَافُ الْمَشَايِخِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ، مِنْهُمْ صَدْرُ الْإِسْلَامِ الْبَزْدَوِيُّ لِأَنَّهَا ضَمُّ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ فِي الْمُطَالَبَةِ أَوْ الدَّيْنِ وَهُنَا لَا مُطَالَبَةَ وَلَا دَيْنَ شَرْعِيَّيْنِ فَلَمْ يَتَحَقَّقْ مَعْنَاهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: تَجُوزُ، مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ عَلِيٌّ الْبَزْدَوِيُّ لِأَنَّهَا فِي الْمُطَالَبَةِ مِثْلُ سَائِرِ الدُّيُونِ بَلْ فَوْقَهَا، وَالْعِبْرَةُ لِلْمُطَالَبَةِ لِأَنَّهَا شُرِعَتْ لِالْتِزَامِهَا، فَالْمُطَالَبَةُ الْحِسِّيَّةُ كَالْمُطَالَبَةِ الشَّرْعِيَّةِ وَلِذَا قُلْنَا: مَنْ قَامَ بِتَوْزِيعِ هَذِهِ النَّوَائِبِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِالْعَدْلِ يُؤْجَرُ، وَإِنْ كَانَ الْآخِذُ بِالْأَخْذِ ظَالِمًا وَقُلْنَا مَنْ قَضَى نَائِبَةً عَنْ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ رَجَعَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ الرُّجُوعَ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَمَنْ قَضَى دَيْنَ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ كَمَا فِي الْبَحْرِ. وَفِي الْإِصْلَاحِ وَالْفَتْوَى عَلَى الصِّحَّةِ فَإِنَّهَا كَالدُّيُونِ الصَّحِيحَةِ حَتَّى لَوْ أُخِذَتْ مِنْ الْأَكَّارِ فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى مَالِكِ الْأَرْضِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُصَنِّفِ. (وَضَمَانُ الْعُهْدَةِ بَاطِلٌ) لِاشْتِبَاهِ الْمُرَادِ بِهَا لِإِطْلَاقِهَا عَلَى الصَّكِّ الْقَدِيمِ، وَعَلَى الْعَقْدِ، وَعَلَى حُقُوقِهِ، وَعَلَى خِيَارِ الشَّرْطِ فَتَعَذَّرَ الْعَمَلُ بِهَا قَبْلَ الْبَيَانِ فَتَبْطُلُ لِلْجَهَالَةِ. (وَكَذَا ضَمَانُ الْخَلَاصِ) بَاطِلٌ عِنْدَ الْإِمَامِ (خِلَافًا لَهُمَا) أَيْ قَالَا: هِيَ صَحِيحَةٌ بِنَاءً عَلَى تَفْسِيرِهَا بِتَخْلِيصِ الْمَبِيعِ - إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ - وَرَدِّ الثَّمَنِ إنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ، وَهُوَ ضَمَانُ الدَّرَكِ فِي الْمَعْنَى وَالْإِمَامُ فَسَّرَهَا بِتَخْلِيصِ الْمَبِيعِ لَا مَحَالَةَ وَلَا قُدْرَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْهُ، وَلَوْ ضَمِنَ تَخْلِيصَ الْمَبِيعِ أَوْ رَدَّ الثَّمَنَ جَازَ لِإِمْكَانِ الْوَفَاءِ بِهِ وَهُوَ تَسْلِيمُهُ - إنْ أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ

стр. 902

أَوْ رَدُّهُ إنْ لَمْ يُجِزْ، وَالْخِلَافُ رَاجِعٌ إلَى التَّفْسِيرِ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَالْخِلَافُ لَفْظِيٌّ فَقَطْ تَدَبَّرْ. (وَلَوْ قَالَ الْكَفِيلُ ضَمِنْته إلَى شَهْرٍ وَقَالَ الطَّالِبُ بَلْ) ضَمِنْته (حَالًا فَالْقَوْلُ لِلْكَفِيلِ وَفِي الْإِقْرَارِ) يَعْنِي مَنْ قَالَ لِآخَرَ: لَك عَلَيَّ مِائَةٌ إلَى شَهْرٍ فَقَالَ الْمُقَرُّ لَهُ: هِيَ حَالَّةٌ فَالْقَوْلُ (لِلْمُقَرِّ لَهُ) وَالْفَرْقُ أَنَّ الْكَفِيلَ لَمْ يُقِرَّ بِالدَّيْنِ فَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ أَقَرَّ بِمُجَرَّدِ الْمُطَالَبَةِ بَعْدَ الشَّهْرِ، وَالطَّالِبُ يَدَّعِي عَلَيْهِ الْمُطَالَبَةَ فِي الْحَالِ وَهُوَ يُنْكِرُ فَالْقَوْلُ لَهُ، وَالْمُقِرُّ أَقَرَّ بِالدَّيْنِ، ثُمَّ ادَّعَى حَقًّا لِنَفْسِهِ هُوَ تَأْخِيرُ الْمُطَالَبَةِ إلَى شَهْرٍ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ بِلَا بَيِّنَةٍ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: الْقَوْلُ لِلْمُقِرِّ فِي الْفَصْلَيْنِ، وَكَذَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ (وَلَا يُؤْخَذُ ضَامِنُ الدَّرَكِ إنْ اُسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ مَا لَمْ يُقْضَ بِثَمَنِهِ عَلَى بَائِعِهِ) لِأَنَّ الْبَيْعَ لَا يَنْتَقِضُ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِحْقَاقِ عَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ مَا لَمْ يُقْضَ بِالثَّمَنِ عَلَى الْبَائِعِ فَلَا يَجِبُ رَدُّ الثَّمَنِ عَلَى الْأَصِيلِ فَلَا يَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ. وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِمُجَرَّدِ الْقَضَاءِ بِالِاسْتِحْقَاقِ. وَفِي التَّنْوِيرِ: قَالَ لِآخَرَ: اُسْلُكْ هَذَا الطَّرِيقَ فَإِنَّهُ آمِنٌ، فَسَلَكَهُ وَأُخِذَ مَالُهُ لَمْ يَضْمَنْ، وَلَوْ قَالَ: إنْ كَانَ مَخُوفًا وَأُخِذَ مَالُك فَأَنَا ضَامِنٌ، ضَمِنَ. [بَابُ كَفَالَةِ الرَّجُلَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ] ِ لَمَّا فَرَغَ مِنْ ذِكْرِ كَفَالَةِ الْوَاحِدِ ذَكَرَ كَفَالَةَ الِاثْنَيْنِ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ بَعْدَ الْوَاحِدِ طَبْعًا فَأُخِّرَ وَضْعًا. (دَيْنٌ عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى الِاثْنَيْنِ لِآخَرَ بِأَنْ اشْتَرَيَا مِنْهُ ثَوْبًا، وَ (كَفَلَ كُلُّ) وَاحِدٍ مِنْ الِاثْنَيْنِ (عَنْ صَاحِبِهِ) جَازَ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الْمَانِعِ، إذْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي النِّصْفِ أَصِيلًا وَفِي النِّصْفِ الْآخَرِ كَفِيلًا (فَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا) أَيْ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا مِنْ الدَّيْنِ نِصْفَهُ (لَا يَرْجِعُ بِهِ) أَيْ بِمَا أَدَّى (عَلَى الْآخَرِ) أَيْ عَلَى شَرِيكِهِ، وَإِنْ عَيَّنَ عَنْ نَصِيبِ صَاحِبِهِ، لِأَنَّ وُقُوعَ الْأَدَاءِ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ أَصَالَةً أَوْلَى مِنْ وُقُوعِهِ كَفَالَةً؛ إذْ الْأَوَّلُ دَيْنٌ مَعَ الْمُطَالَبَةِ، وَالثَّانِي مُطَالَبَةٌ فَقَطْ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي النِّصْفِ صَاحِبُهُ كَانَ لِصَاحِبِهِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ لِأَنَّ الْمُؤَدِّيَ نَائِبُهُ، وَأَدَاءُ نَائِبِهِ كَأَدَائِهِ فَيُؤَدِّي إلَى الدَّوْرِ (إلَّا إذَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ) فَيَنْصَرِفُ إلَى مَا عَلَيْهِ كَفَالَةً فَيَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ إنْ كَفَلَ بِأَمْرِهِ. (وَلَوْ كَفَلَا) أَيْ الِاثْنَانِ (بِمَالٍ عَنْ رَجُلٍ) بِالتَّعَاقُبِ (وَكَفَلَ كُلُّ) وَاحِدٍ (مِنْهُمَا بِهِ) أَيْ بِجَمِيعِ الْمَالِ (عَنْ صَاحِبِهِ) يَعْنِي إذَا كَانَ عَلَى رَجُلٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ مَثَلًا فَيَكْفُلُ عَنْهُ اثْنَانِ، كُلٌّ مِنْهُمَا بِجَمِيعِهِ عَلَى الِانْفِرَادِ، ثُمَّ كَفَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا لَزِمَهُ بِالْكَفَالَةِ إذْ الْكَفَالَةُ بِالْكَفِيلِ جَائِزَةٌ (فَمَا أَدَّاهُ) كُلٌّ مِنْهُمَا (رَجَعَ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ) قَلِيلًا كَانَ الْمُؤَدَّى أَوْ كَثِيرًا، إذْ الْكُلُّ كَفَالَةٌ فَلَا رُجْحَانَ لِكُلٍّ مِنْ الْكَفَالَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى بِالْمُطَالَبَةِ، ثُمَّ يَرْجِعَانِ عَلَى الْأَصِيلِ

стр. 903

(أَوْ) رَجَعَ هُوَ (بِكُلِّهِ) أَيْ بِكُلِّ مَا أَدَّاهُ (عَلَى الْأَصِيلِ) ابْتِدَاءً (لَوْ) كَفَلَ (بِأَمْرِهِ) إذَا كَفَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالْجَمِيعِ فَلَا يُؤْتَى إلَى الدَّوْرِ هَذَا إذَا كَفَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِالْجَمِيعِ، وَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِالنِّصْفِ، ثُمَّ كَفَلَ كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ فَهِيَ كَالْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الصَّحِيحِ، وَكَذَا لَوْ كَفَلَا عَلَى الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ، ثُمَّ كَفَلَ عَنْ صَاحِبِهِ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَنْقَسِمُ عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ فَلَا يَكُونُ كَفِيلًا عَنْ الْأَصِيلِ بِالْجَمِيعِ، أَوْ كَفَلَ كُلٌّ بِالْجَمِيعِ مُتَعَاقِبًا، ثُمَّ كَفَلَ كُلٌّ عَنْ صَاحِبِهِ بِالنِّصْفِ لِمُغَايَرَةِ جِهَةِ الضَّمَانِ كَمَا فِي الدُّرَرِ وَغَيْرِهِ. (وَلَوْ أَبْرَأَ الطَّالِبُ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الِاثْنَيْنِ (فَلَهُ) أَيْ لِلطَّالِبِ (أَخْذُ) الْكَفِيلِ (الْآخَرِ بِكُلِّهِ) أَيْ بِكُلِّ الْمَالِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَفِيلٌ بِالْكُلِّ عَنْ الْأَصِيلِ فَيَأْخُذُهُ بِهِ. (وَلَوْ فُسِخَتْ الْمُفَاوَضَةُ) أَيْ لَوْ اشْتَرَى أَحَدُ الْمُفَاوِضَيْنِ شَيْئًا، ثُمَّ فُسِخَتْ الْمُفَاوَضَةُ بَيْنَهُمَا (فَلِرَبِّ الدَّيْنِ أَخْذُ مَنْ شَاءَ مِنْ شَرِيكَيْهَا) أَيْ شَرِيكَيْ الْمُفَاوَضَةِ (بِكُلِّ دَيْنِهِ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ تَثْبُتُ بِعَقْدِ الْمُفَاوَضَةِ فَلَا تَبْطُلُ بِالِافْتِرَاقِ. قَيَّدَ بِالْمُفَاوَضَةِ لِأَنَّ شَرِيكَ الْعِنَانِ لَا يُؤَاخَذُ عَنْ شَرِيكِهِ لِأَنَّهَا لَا تَتَضَمَّنُ الْكَفَالَةَ بَلْ الْوَكَالَةَ كَمَا مَرَّ فِي الشَّرِكَةِ (وَمَا أَدَّاهُ أَحَدُهُمَا لَا يَرْجِعُ بِهِ) أَيْ بِمَا أَدَّى (عَلَى الْآخَرِ مَا لَمْ يَزِدْ بِهِ عَلَى النِّصْفِ) لِمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا. (وَإِذَا كُوتِبَ الْعَبْدَانِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ) بِأَنْ قَالَ الْمَوْلَى: كَاتَبْتُكُمَا عَلَى أَلْفٍ وَقَبِلَا (وَكَفَلَ كُلٌّ) مِنْ الْعَبْدَيْنِ (عَنْ صَاحِبِهِ صَحَّ) الْعَقْدُ (وَرَجَعَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِنِصْفِ مَا أَدَّى) وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِأَنَّ فِيهِ كَفَالَةَ الْمُكَاتَبِ وَالْكَفَالَةَ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا بِانْفِرَادِهِ بَاطِلٌ وَعِنْدَ الِاجْتِمَاعِ أَوْلَى فَصَارَ كَمَا إذَا تَعَاقَبَتْ كِتَابَتُهُمَا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ وَلِهَذَا قَالَ بِعَقْدٍ. وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ تَصَرُّفَ الْإِنْسَانِ يَجِبُ تَصْحِيحُهُ بِقَدْرِ الْإِمْكَانِ وَقَدْ أَمْكَنَ هُنَا بِأَنْ يُجْعَلَ كُلُّ الْمَالِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا فِي حَقِّ الْمَوْلَى وَحَقِّ نَفْسِهِ، وَعِتْقُ الْآخَرِ مُعَلَّقٌ بِأَدَائِهِ لِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ كَاتَبْتُكُمَا بِأَلْفٍ: إنْ أَدَّيْتُمَا أَلْفَ دِرْهَمٍ فَأَنْتُمَا حُرَّانِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا: إنْ أَدَّيْتَ الْأَلْفَ فَأَنْتَ حُرٌّ فَيَكُونُ عِتْقُ كُلِّ وَاحِدٍ مُعَلَّقًا بِأَدَاءِ الْأَلْفِ، وَلَا يَحْصُلُ عِتْقُهُ بِأَدَاءِ نِصْفِهِ؛ إذْ الشَّرْطُ يُقَابِلُ الْمَشْرُوطَ جُمْلَةً، وَلَا يُقَابِلُهُ أَجْزَاءً فَيُطَالِبُ الْمَوْلَى كُلًّا مِنْهُمَا بِجَمِيعِ الْمَالِ بِحُكْمِ الْأَصَالَةِ لَا الْكَفَالَةِ، فَأَيُّهُمَا أَدَّى عَتَقَ وَعَتَقَ الْآخَرُ تَبَعًا لَهُ، كَمَا فِي وَلَدِ الْمُكَاتَبِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا رَجَعَ عَلَى الْآخَرِ لِاسْتِوَائِهِمَا، وَلَوْ رَجَعَ بِالْكُلِّ أَوْ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ انْتَفَى الْمُسَاوَاةُ كَمَا فِي الدُّرَرِ. قَيَّدَ بِقَوْلِهِ " وَكَفَلَ " لِأَنَّهُ لَوْ كَاتَبَهُمَا مَعًا وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ لَزِمَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حِصَّتُهُ وَيَعْتِقُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ فَلَوْ زَادَ عَلَى أَنَّهُمَا إنْ ادَّعَيَا عِتْقًا وَإِنْ عَجَزَ أَرَادَ فِي الرِّقِّ وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَالَةَ فَعِنْدَنَا لَا يَعْتِقُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَصِلْ جَمِيعُ الْمَالِ إلَى الْمَوْلَى خِلَافًا لِزُفَرَ فَإِنَّهُ قَالَ: يَعْتِقُ بِأَدَاءِ حِصَّتِهِ. (وَإِنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ أَحَدَهُمَا) أَيْ أَحَدَ الْعَبْدَيْنِ الْمُكَاتَبَيْنِ

стр. 904

فِيمَا إذَا كَاتَبَهُمَا، وَشَرَطَ كَفَالَةَ كُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ (قَبْلَ الْأَدَاءِ صَحَّ) عِتْقُهُ لِمُصَادَفَتِهِ مِلْكَهُ وَبَرِئَ عَنْ النِّصْفِ لِأَنَّهُ مَا رَضِيَ بِالْتِزَامِ الْمَالِ إلَّا لِيَكُونَ الْمَالُ وَسِيلَةً إلَى الْعِتْقِ، وَمَا بَقِيَ وَسِيلَةٌ فَيَسْقُطُ، وَيَبْقَى النِّصْفُ عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّ الْمَالَ فِي الْحَقِيقَةِ مُقَابَلٌ بِرَقَبَتَيْهِمَا، وَإِنَّمَا جُعِلَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا احْتِيَالًا لِتَصْحِيحِ الضَّمَانِ، وَإِذَا جَاءَ الْعِتْقُ اُسْتُغْنِيَ عَنْ الِاحْتِيَالِ فَاعْتُبِرَ مُقَابَلًا بِرَقَبَتَيْهِمَا فَلِهَذَا يَنْتَصِفُ كَمَا فِي الْهِدَايَةِ (وَلَهُ) أَيْ لِلْمَوْلَى (أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ الْآخَرِ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْآخَرِ (أَصَالَةً أَوْ مِنْ الْمُعْتَقِ كَفَالَةً، وَيَرْجِعُ الْمُعْتَقُ فَقَطْ بِمَا أَدَّى عَلَى صَاحِبِهِ) أَيْ إنْ أَخَذَ الْمَوْلَى حِصَّةَ الْآخَرِ مِنْ الْمُعْتَقِ رَجَعَ الْمُعْتَقُ بِمَا يُؤَدِّي عَلَى الْآخَرِ لِأَنَّهُ مُؤَدًّى عَنْهُ بِأَمْرِهِ فَإِنْ أَخَذَ الْآخَرُ لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُعْتَقِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ أَدَّى عَنْ نَفْسِهِ، لَا يُقَالُ: أَخْذُ الْمُعْتَقِ بِالْكَفَالَةِ تَصْحِيحٌ لِلْكَفَالَةِ بِبَدَلِ الْكِتَابَةِ وَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ مُطَالَبًا بِجَمِيعِ الْأَلْفِ، وَالْبَاقِي بَعْضُ ذَلِكَ فَيَبْقَى عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ لِأَنَّ الْبَقَاءَ يَكُونُ عَلَى وَفْقِ الثُّبُوتِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. (وَلَوْ كَانَ) (عَلَى عَبْدٍ مَالٌ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ) صِفَةُ " مَالٌ "، أَيْ عَلَى الْعَبْدِ (إلَّا بَعْدَ عِتْقِهِ) وَهُوَ دَيْنٌ لَمْ يَظْهَرْ فِي حَقِّ مَوْلَاهُ بَلْ فِي حَقِّهِ يُؤَاخَذُ بَعْدَ عِتْقِهِ كَمَالٍ لَزِمَهُ بِإِقْرَارٍ أَوْ اسْتِقْرَاضٍ أَوْ اسْتِهْلَاكِ وَدِيعَةٍ (فَكَفَلَ بِهِ) أَيْ بِذَلِكَ الْمَالِ (رَجُلٌ كَفَالَةً مُطْلَقَةً) عَنْ قَيْدِ الْحُلُولِ أَوْ التَّأْجِيلِ (لَزِمَ الْكَفِيلَ حَالًّا) لِأَنَّ الْمَالَ حَالٌّ عَلَى الْعَبْدِ لِوُجُودِ السَّبَبِ وَقَبُولِ ذِمَّتِهِ، إلَّا أَنَّ الْمُطَالَبَةَ تَأَخَّرَتْ عَنْهُ بِعُسْرَتِهِ، إذْ هَذِهِ الدُّيُونُ لَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ لِعَدَمِ ظُهُورِهَا فِي حَقِّ الْمَوْلَى، فَصَارَ كَمَا لَوْ كَفَلَ عَنْ غَائِبٍ أَوْ مُفْلِسٍ بِخِلَافِ مَا إذَا كَفَلَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ حَيْثُ لَا يَلْزَمُ الْكَفِيلَ حَالًّا بَلْ مُؤَجَّلًا (وَإِذَا أَدَّى) الْكَفِيلُ مَا عَلَى الْعَبْدِ (لَا يَرْجِعُ عَلَى الْعَبْدِ إلَّا بَعْدَ عِتْقِهِ) إنْ كَانَ بِأَمْرِهِ لِأَنَّ الطَّالِبَ كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بَعْدَ الْعِتْقِ فَكَذَا الْكَفِيلُ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَهُ. (وَلَوْ) (ادَّعَى رَقَبَةَ عَبْدٍ فَكَفَلَ بِهِ رَجُلٌ فَمَاتَ الْعَبْدُ) الْمَكْفُولُ بِرَقَبَتِهِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ إلَى الْمُدَّعِي (فَبَرْهَنَ الْمُدَّعِي) أَيْ أَقَامَ بَيِّنَةً (أَنَّهُ) أَيْ الْعَبْدَ (لَهُ) أَيْ مِلْكُهُ (ضَمِنَ الْكَفِيلُ قِيمَتَهُ) أَيْ قِيمَةَ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ كَفَلَ عَنْ ذِي الْيَدِ بِتَسْلِيمِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ، لِأَنَّ الْمُدَّعِيَ يَدَّعِي غَصْبَ الْعَبْدِ عَلَى ذِي الْيَدِ؛ وَالْكَفَالَةُ بِالْأَعْيَانِ الْمَضْمُونَةِ بِنَفْسِهَا جَائِزَةٌ فَيَجِبُ عَلَى الْكَفِيلِ رَدُّ الْعَيْنِ فَإِنْ هَلَكَتْ تَجِبُ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا بِخِلَافِ مَا إذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ لَهُ بِإِقْرَارِ ذِي الْيَدِ وَبِنُكُولِهِ، لِأَنَّ إقْرَارَ الْأَصِيلِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي حَقِّ الْكَفِيلِ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا لَمْ يُقِرَّ بِهِ الْكَفِيلُ بِنَفْسِهِ. (وَلَوْ كَفَلَ سَيِّدٌ عَنْ عَبْدِهِ بِأَمْرِهِ أَوْ) كَفَلَ (عَبْدٌ غَيْرُ مَدْيُونٍ) قَيَّدَ بِهِ تَصْحِيحًا لِلْكَفَالَةِ فَإِنَّ كَفَالَةَ الْمَدْيُونِ عَنْ مَوْلَاهُ لَا تَصِحُّ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إبْطَالَ حَقِّ الْغُرَمَاءِ (عَنْ سَيِّدِهِ) بِأَمْرِهِ (فَعَتَقَ) الْعَبْدُ (فَأَيٌّ) مِنْ السَّيِّدِ أَوْ الْعَبْدِ (أَدَّى) الْمَالَ الْمَكْفُولَ بِهِ (لَا يَرْجِعُ عَلَى الْآخَرِ) لِأَنَّ الْكَفَالَةَ وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا لَا يَسْتَوْجِبُ

стр. 905

دَيْنًا عَلَى الْآخَرِ. وَقَالَ زُفَرُ: إنْ كَانَتْ الْكَفَالَةُ بِالْأَمْرِ يَرْجِعُ كُلٌّ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ لِأَنَّ الْمَانِعَ وَهُوَ الرِّقُّ قَدْ زَالَ، قُلْنَا: وَقَعَتْ غَيْرَ مُوجِبَةٍ لِلرُّجُوعِ فَلَا تَنْقَلِبُ مُوجِبَةً لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. [كِتَابُ الْحَوَالَةِ] ِ ذَكَرَهَا بَعْدَ الْكَفَالَةِ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَقْدُ الْتِزَامِ مَا عَلَى الْأَصِيلِ لِلتَّوَثُّقِ إلَّا أَنَّ الْحَوَالَةَ تَتَضَمَّنُ بَرَاءَةَ الْأَصِيلِ بَرَاءَةً مُقَيَّدَةً بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ فَكَانَتْ كَالْمُرَكَّبِ مَعَ الْمُفْرَدِ، وَالْمُفْرَدُ مُقَدَّمٌ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ، وَحُرُوفُهَا كَيْفَ مَا تَرَكَّبَتْ دَارَتْ عَلَى مَعْنَى النَّقْلِ وَالزَّوَالِ. وَقِيلَ: هِيَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْإِحَالَةِ، يُقَالُ: أَحَلْتُ زَيْدًا بِمَالِهِ عَلَى فُلَانٍ، وَلِذَا قِيلَ لِلْمَدْيُونِ مُحِيلٌ وَمُحْتَالٌ، وَلِلدَّائِنِ مُحَالٌ وَمُحْتَالٌ، وَلِمَنْ يَقْبَلُ الْحَوَالَةَ مُحَالٌ عَلَيْهِ وَمُحْتَالٌ عَلَيْهِ، وَلِلدَّيْنِ مُحَالٌ بِهِ وَمُحْتَالٌ بِهِ، لَكِنْ تُرِكَ عِنْدَ الِاسْتِعْمَالِ مُحْتَالٌ فِي مُحِيلٍ فِرَارًا عَنْ الْتِبَاسِهِ الْمَفْعُولَ مِنْ بَابِهِ، وَقَدْ فَرَّقَ الْبَعْضُ بِإِلْحَاقٍ لَهُ إلَى الْمَفْعُولِ، وَقَالَ مُحْتَالٌ لَهُ، قِيلَ: هُوَ لَغْوٌ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَى الصِّلَةِ. وَفِي اصْطِلَاحِ الْفُقَهَاءِ (هِيَ) أَيْ الْحَوَالَةُ (نَقْلُ الدَّيْنِ مِنْ ذِمَّةٍ إلَى ذِمَّةٍ) أَيْ مِنْ ذِمَّةِ الْمُحِيلِ إلَى ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ الْمَشَايِخُ فِي أَنَّهَا هَلْ تُوجِبُ الْبَرَاءَةَ عَنْ الدَّيْنِ وَالْمُطَالَبَةِ جَمِيعًا أَوْ عَنْ الْمُطَالَبَةِ دُونَ الدَّيْنِ، وَالصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا تُوجِبُ الْبَرَاءَةَ مِنْ الدَّيْنِ كَمَا فِي الْمِنَحِ. [مَا تَصِحّ فِيهِ الْحَوَالَةِ] (وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (فِي الدَّيْنِ لَا فِي الْعَيْنِ) أَمَّا الصِّحَّةُ فَبِالْإِجْمَاعِ وَبِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ، وَإِذَا أُتْبِعَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتْبَعْ» أَيْ إذَا أُحِيلَ أَحَدُكُمْ عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَحْتَلْ، وَالْأَمْرُ بِالِاتِّبَاعِ دَلِيلُ الْجَوَازِ، وَأَمَّا اخْتِصَاصُهَا بِالدَّيْنِ فَلِأَنَّ الْحَوَالَةَ نَقْلٌ حُكْمِيٌّ وَالدَّيْنَ وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ فَجَازَ لِلدَّيْنِ أَنْ يَقْبَلَ ذَلِكَ النَّقْلَ أَمَّا الْعَيْنُ كَالثَّوْبِ فَحِسِّيٌّ فَلَا يَقْبَلُ النَّقْلَ الْحُكْمِيَّ بَلْ يَحْتَاجُ إلَى النَّقْلِ الْحِسِّيِّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحْتَالِ دَيْنٌ عَلَى الْمُحِيلِ وَلِذَا قَالَ فِي الْقُنْيَةِ: أَحَالَ عَلَيْهِ مِائَةً مِنْ الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَلَا لِلْمُحْتَالِ عَلَى الْمُحِيلِ فَقَبِلَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ (بِرِضَى) مُتَعَلِّقٌ بِتَصِحُّ (الْمُحْتَالِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ حَقُّهُ وَالذِّمَمَ مُتَفَاوِتَةٌ، وَلَا بُدَّ مِنْ رِضَاهُ لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الْإِيفَاءِ وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ (وَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ) لِأَنَّ الدَّيْنَ

стр. 906

يَلْزَمُهُ فَلَا بُدَّ مِنْ الْتِزَامِهِ وَالْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنْ لَا حَاجَةَ إلَى رِضَاهُ إذَا كَانَ الْمُحَالُ بِهِ دَيْنَ الْمُحِيلِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُحِيلِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِنَفْسِهِ وَبِغَيْرِهِ. قَيَّدَ بِرِضَاهُمَا لِأَنَّهَا لَا تَصِحُّ مَعَ إكْرَاهِ أَحَدِهِمَا وَأَرَادَ مِنْ الرِّضَى الْقَبُولَ فِي مَجْلِسِ الْإِيجَابِ لَكِنْ فِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ أَحَالَ إلَى غَائِبٍ فَقَبِلَ بَعْدَمَا عَلِمَ صَحَّتْ وَلَا تَصِحُّ فِي غَيْبَةِ الْمُحْتَالِ إلَّا أَنْ يَقْبَلَ رَجُلٌ لَهُ الْحَوَالَةَ (وَقِيلَ: لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الْمُحِيلِ أَيْضًا) كَمَا لَا بُدَّ مِنْ رِضَى الْمُحْتَالِ وَالْمُحْتَالِ عَلَيْهِ. وَفِي الْبَحْرِ: رِضَى الْمُحِيلِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مُحَمَّدٌ فِي الزِّيَادَاتِ وَشَرْطِ الْقُدُورِيِّ، وَإِنَّمَا شَرَطَهُ لِلرُّجُوعِ عَلَيْهِ فَلَا اخْتِلَافَ فِي الرِّوَايَاتِ. وَفِي الْعِنَايَةِ وَذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ أَنَّ الْحَوَالَةَ تَصِحُّ بِدُونِ رِضَاهُ لِأَنَّ الْتِزَامَ الدَّيْنِ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ تَصَرُّفٌ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَالْمُحِيلُ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ بَلْ فِيهِ نَفْعُهُ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَكُنْ بِأَمْرِهِ، قِيلَ: وَعَلَى هَذَا تَكُونُ فَائِدَةُ اشْتِرَاطِهِ الرُّجُوعَ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ بِأَمْرِهِ، وَقِيلَ: لَعَلَّ مَوْضُوعَ مَا ذُكِرَ فِي الْقُدُورِيِّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ مَا يَقْبَلُ الْحَوَالَةَ فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ تَكُونُ إسْقَاطًا لِمُطَالَبَةِ الْمُحِيلِ عَنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ فَلَا تَصِحُّ إلَّا بِرِضَاهُ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَوَالَةَ قَدْ تَكُونُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ الْمُحِيلِ، وَقَدْ تَكُونُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، وَالْأَوَّلُ إحَالَةٌ وَهِيَ فِعْلٌ اخْتِيَارِيٌّ لَا يُتَصَوَّرُ بِدُونِ الْإِرَادَةِ وَالرِّضَى وَهُوَ وَجْهُ رِوَايَةِ الْقُدُورِيِّ. وَالثَّانِي احْتِيَالٌ يَتِمُّ بِدُونِ إرَادَةِ الْمُحِيلِ بِإِرَادَةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ وَرِضَاهُ وَهُوَ وَجْهُ رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ وَعَلَى هَذَا اشْتِرَاطُهُ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ بِنَاءً عَلَى إيفَاءِ الْحَقِّ حَقَّهُ فَلَهُ إيفَاؤُهُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ مِنْ غَيْرِ قَسْرٍ عَلَيْهِ بِتَعْيِينِ بَعْضِ الْجَهَالَةِ، أَوْ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ مُطْلَقًا كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الشَّارِحِينَ بِنَاءً عَلَى رِوَايَةِ الزِّيَادَاتِ لَيْسَ عَلَى مَا يَنْبَغِي انْتَهَى. (، وَإِذَا تَمَّتْ) الْحَوَالَةُ (بَرِئَ الْمُحِيلُ) مِنْ الدَّيْنِ (بِالْقَبُولِ) أَيْ بِقَبُولِ الْمُحْتَالِ الْحَوَالَةَ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ. وَقَالَ زُفَرُ: لَا يَبْرَأُ اعْتِبَارًا بِالْكَفَالَةِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدُ تَوَثُّقٍ بِحَقٍّ وَلَنَا أَنَّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ تُبْنَى عَلَى وَفْقِ الْمَعَانِي، فَمَعْنَى الْحَوَالَةِ النَّقْلُ وَالتَّحْوِيلُ وَهُوَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِفَرَاغِ ذِمَّةِ الْأَصِيلِ بِخِلَافِ الْكَفَالَةِ. قَوْلُهُ مِنْ الدَّيْنِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ يَبْرَأُ عَنْ الْمُطَالَبَةِ لَا الدَّيْنِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ آنِفًا وَمُرَادُهُ أَنَّهُ يَبْرَأُ بَرَاءَةً مَوْقُوفَةً، وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ مِنْ بَرَاءَةِ الْمُحِيلِ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ أَحَالَ الْبَائِعَ بِالثَّمَنِ عَلَى رَجُلٍ لَمْ يَمْلِكْ حَبْسَ الْمَبِيعِ وَكَذَا لَوْ أَحَالَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ لَا يَحْبِسُ الرَّهْنَ، وَلَوْ أَحَالَ الزَّوْجُ الْمَرْأَةَ بِصَدَاقِهَا لَمْ تَحْبِسْ نَفْسَهَا بِخِلَافِ الْعَكْسِ فِي الثَّلَاثَةِ وَبِهِ صَرَّحَ فِي الْبَحْرِ قَالَ، وَلَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي الزِّيَادَاتِ عَكْسُهُ، وَقَوْلُهُ بِالْقَبُولِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ إذَا تَمَّتْ الْحَوَالَةُ (فَلَا يَأْخُذُ الْمُحْتَالُ مِنْ تَرِكَتِهِ) أَيْ مِنْ تَرِكَةِ الْمُحِيلِ الدَّيْنَ إذَا مَاتَ الْمُحِيلُ (لَكِنْ يَأْخُذُ كَفِيلًا مِنْ الْوَرَثَةِ أَوْ الْغُرَمَاءِ مَخَافَةَ التَّوَى) أَيْ الْهَلَاكِ (وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ) .

стр. 907

الْمُحْتَالُ (إلَّا إذَا تَوِيَ حَقُّهُ) فَحِينَئِذٍ يَرْجِعُ عَلَيْهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «إذَا مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ» وَلِأَنَّ بَرَاءَتَهُ مُقَيَّدَةٌ بِسَلَامَةِ حَقِّهِ لَهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْدَ عَدَمِ السَّلَامَةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ عِنْد التَّوَى بِأَيِّ طَرِيقٍ كَانَ لِأَنَّ السَّاقِطَ لَا يَعُودُ. وَفِي الْبَحْرِ: وَمُرَادُهُ إذَا كَانَتْ الْحَوَالَةُ بَاقِيَةً أَمَّا إذَا فُسِخَتْ الْحَوَالَةُ فَإِنَّ لِلْمُحْتَالِ الرُّجُوعَ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيلِ، وَلِذَا قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: إنَّ حُكْمَهَا يَنْتَهِي بِفَسْخِهَا وَبِالتَّوَى، وَقَوْلُهُ وَبِالتَّوَى مُقَيَّدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ الْمُحِيلُ هُوَ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ ثَانِيًا لِمَا فِي الذَّخِيرَةِ: رَجُلٌ أَحَالَ رَجُلًا لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ عَلَى رَجُلٍ، ثُمَّ إنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ أَحَالَهُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ بَرِئَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ الْأَوَّلُ فَإِنْ تَوِيَ الْمَالُ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْأَصْلُ لَا يَعُودُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ الْأَوَّلِ (وَهُوَ بِمَوْتِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا) بِأَنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا عَيْنًا وَلَا دَيْنًا وَلَا كَفِيلًا (أَوْ إنْكَارِهِ) أَيْ إنْكَارِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ (الْحَوَالَةَ وَحَلِفِهِ) أَيْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ (وَلَا بَيِّنَةَ) لِلْمُحْتَالِ وَالْمُحِيلِ (عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى الْحَوَالَةِ وَهَذَا عِنْدَ الْإِمَامِ لِأَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْوُصُولِ يَتَحَقَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَهُوَ التَّوَى فِي الْحَقِيقَةِ (وَعِنْدَهُمَا بِتَفْلِيسِ الْقَاضِي إيَّاهُ) أَيْ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ (أَيْضًا) لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ الْأَخْذِ مِنْهُ بِتَفْلِيسِ الْحَاكِمِ، وَقَطْعُهُ عَنْ مُلَازَمَتِهِ عِنْدَهُمَا كَعَجْزِهِ عَنْ الِاسْتِيفَاءِ بِمَوْتِهِ مُفْلِسًا وَبِالْجُحُودِ. قَيَّدْنَا بِأَنْ لَمْ يَتْرُكْ كَفِيلًا لِأَنَّ وُجُودَ الْكَفِيلِ يَمْنَعُ مَوْتَهُ مُفْلِسًا عَلَى مَا فِي الزِّيَادَاتِ. وَفِي الْخُلَاصَةِ لَا يَمْنَعُ، وَإِنَّ الْمُحْتَالَ لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيلَ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مُفْلِسًا فَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِدَيْنِهِ عَلَى الْمُحِيلِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ أَخَذَ الْمُحْتَالُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بِالْمَالِ كَفِيلًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا لَا يَعُودُ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ، سَوَاءٌ كَفَلَ بِأَمْرِهِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَالْكَفَالَةُ حَالَّةٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ، أَوْ كَفَلَ حَالًّا، ثُمَّ أَجَّلَهُ الْمَكْفُولُ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ كَفِيلٌ وَلَكِنْ تَبَرَّعَ رَجُلٌ أَوْ رَهَنَ بِهِ رَهْنًا، ثُمَّ مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا عَادَ الدَّيْنُ إلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ وَلَوْ كَانَ مُسَلَّطًا عَلَى الْبَيْعِ فَبَاعَهُ وَلَمْ يَقْبِضْ الثَّمَنَ حَتَّى مَاتَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مُفْلِسًا بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ، وَالثَّمَنُ لِصَاحِبِ الرَّهْنِ وَلَوْ اخْتَلَفَا فِي كَوْنِهِ مُفْلِسًا فَالْقَوْلُ لِلْمُحْتَالِ مَعَ يَمِينِهِ عَلَى الْعِلْمِ. (وَتَصِحُّ) الْحَوَالَةُ (بِالدَّرَاهِمِ الْمُودَعَةِ) يَعْنِي إذَا أَوْدَعَ رَجُلٌ رَجُلًا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَحَالَ بِهَا عَلَيْهِ آخَرَ صَحَّ، لِأَنَّهُ أَقْدَرُ عَلَى التَّسْلِيمِ فَكَانَتْ أَوْلَى بِالْجَوَازِ (وَيَبْرَأُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ) عَنْ الْحَوَالَةِ (بِهَلَاكِهَا) كَالزَّكَاةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالنِّصَابِ لِأَنَّ الْمُحْتَالَ الْتَزَمَ الْأَدَاءَ مِنْ هَذِهِ الدَّرَاهِمِ وَهِيَ قَدْ هَلَكَتْ أَمَانَةً، وَأَيْضًا يَبْرَأُ الْمُودَعُ عَنْ الْحَوَالَةِ إذَا اُسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ الْمُودَعَةُ فَيَعُودُ الدَّيْنُ عَلَى ذِمَّةِ الْمُحِيلِ. (وَبِالْمَغْصُوبَةِ) أَيْ تَصِحُّ الْحَوَالَةُ بِالدَّرَاهِمِ الَّتِي غَصَبَهَا الْمُحَالُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحِيلِ (وَلَا يَبْرَأُ بِهَلَاكِهَا) أَيْ لَا يَبْرَأُ الْغَاصِبُ بِهَلَاكِ الْمَغْصُوبَةِ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُ الْحَوَالَةَ لِأَنَّهُ فَاتَ إلَى خَلَفٍ - وَهُوَ الضَّمَانُ - وَالْخَلَفُ يَقُومُ مَقَامَ الْأَصْلِ وَكَانَ الْمَغْصُوبُ قَائِمًا مَعْنًى فَلَا يَبْطُلُ وَأَمَّا إذَا اُسْتُحِقَّ

стр. 908

الْمَغْصُوبُ بَطَلَتْ الْحَوَالَةُ لِأَنَّ الْمَغْصُوبَ وَصَلَ إلَى مَالِكِهِ فَهُوَ يُوجِبُ بَرَاءَةَ الْغَاصِبِ عَنْ الضَّمَان. (وَإِذَا قُيِّدَتْ الْحَوَالَةُ بِالدَّيْنِ أَوْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْغَصْبِ لَا يُطَالِبُ الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ) أَيْ لَا يَطْلُبُ الْمُحِيلُ مِنْ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ الْمُودَعَةِ أَوْ الْمَغْصُوبَةِ أَوْ الدَّيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْحَوَالَةَ الْمُقَيَّدَةَ تَتَضَمَّنُ تَوْكِيلَ الْمُحْتَالِ بِقَبْضِ مَا عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، أَوْ مَا عِنْدَهُ، وَيَتَضَمَّنُ تَسْلِيمَ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ بِأَمْرِ الْمُحِيلِ؛ فَلَا يَطْلُبُ الْمُحِيلُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحْتَالِ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُحْتَالِ، كَالرَّاهِنِ لَا يَمْلِكُ مُطَالَبَتَهُ لِتَعَلُّقِ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى يَضْمَنَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ لِلْمُحْتَالِ إنْ دَفَعَ إلَى الْمُحِيلِ (مَعَ أَنَّ الْمُحْتَالَ أُسْوَةٌ لِغُرَمَاءِ الْمُحِيلِ بَعْدَ مَوْتِهِ) أَيْ بَعْدَ مَوْتِ الْمُحِيلِ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الْأَمْوَالَ إذَا تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْمُحْتَالِ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ الْمُحْتَالُ أُسْوَةً لِغُرَمَاءِ الْمُحِيلِ بَعْدَ مَوْتِهِ كَمَا فِي الرَّهْنِ مَعَ أَنَّهُ أُسْوَةٌ لَهُمْ لِأَنَّ الْعَيْنَ الَّذِي بِيَدِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لِلْمُحِيلِ، وَالدَّيْنَ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَصِرْ مَمْلُوكًا لِلْمُحْتَالِ بِعَقْدِ الْحَوَالَةِ لَا يَدًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ وَلَا رَقَبَةً؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ مَا وُضِعَتْ لِلتَّمْلِيكِ بَلْ لِلنَّقْلِ فَيَكُونُ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ، وَأَمَّا الْمُرْتَهِنُ فَيَمْلِكُ الْمَرْهُونَ يَدًا وَحَبْسًا، فَيَثْبُتُ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ بِالْمَرْهُونِ - شَرْعًا - لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ فَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهِ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهِ. وَقَالَ زُفَرُ: الْمُحْتَالُ أَحَقُّ بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ لِأَنَّ الدَّيْنَ صَارَ لَهُ بِالْحَوَالَةِ كَالْمُرْتَهِنِ بِالرَّهْنِ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ. (وَإِنْ لَمْ تُقَيَّدْ) الْحَوَالَةُ (بِشَيْءٍ) مِنْ الْمَذْكُورَاتِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُحِيلِ (الْمُطَالَبَةُ) مِنْ الْمُحْتَالِ بِالْعَيْنِ أَوْ الدَّيْنِ، وَيَقْدِرُ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهَا إلَى الْمُحِيلِ، إذْ لَا تَعَلُّقَ لِحَقِّ الْمُحْتَالِ بِمَا عِنْدَهُ أَوْ عَلَيْهِ بَلْ حَقُّهُ فِي ذِمَّةِ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ، وَفِي ذِمَّتِهِ سَعَةٌ، فَغَايَةُ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَدَاءُ دَيْنِ الْمُحْتَالِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ (وَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ) سَوَاءٌ كَانَتْ مُقَيَّدَةً أَوْ مُطْلَقَةً (بِأَخْذِهِ) أَيْ الْمُحِيلِ (مَا عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ) مِنْ الدَّيْنِ (أَوْ عِنْدَهُ) مِنْ الْوَدِيعَةِ أَوْ الْغَصْبِ أَمَّا فِي الْمُطْلَقَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تَتَعَلَّقْ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ لِعَدَمِ الْإِضَافَةِ إلَيْهَا، وَأَمَّا فِي الْمُقَيَّدَةِ فَلِأَنَّ الْمُحْتَالَ عَلَيْهِ قَدْ دَفَعَ مَا تَعَلَّقَ بِهِ حَقُّ الْمُحْتَالِ إلَى مَنْ لَيْسَ لَهُ حَقُّ الْأَخْذِ فَيَضْمَنُهُ لِلْمُحْتَالِ وَيَرْجِعُ إلَى الْمُحِيلِ بِمَا دَفَعَ إلَيْهِ فَلَا تَبْطُلُ الْحَوَالَةُ. (وَإِذَا طَالَبَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ الْمُحِيلَ بِمِثْلِ مَا أَحَالَ بِهِ فَقَالَ: أَحَلْتُ بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك لَا يُقْبَلُ بِلَا حُجَّةٍ) أَيْ لَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْمُحِيلِ لِلْمُحْتَالِ عَلَيْهِ أَحَلْتُ بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك حِينَ طَلَبَ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ مِنْ الْمُحِيلِ مِثْلَ مَا أَحَالَهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، إذْ الْمُحْتَالُ عَلَيْهِ أَنْكَرَ الدَّيْنَ لِأَنَّ إقْرَارَهُ بِالْحَوَالَةِ وَقَبُولَهُ لَا يَكُونُ إقْرَارًا وَلَا دَلِيلًا عَلَى أَنَّ عَلَيْهِ لَهُ دَيْنًا، إذْ الْحَوَالَةُ تَجُوزُ بِدُونِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ بَلْ يُسْمَعُ طَلَبُ الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ لِوُجُودِ سَبَبِهِ - هُوَ أَدَاءُ الدَّيْنِ بِأَمْرِهِ - (وَلَوْ طَالَبَ الْمُحِيلُ الْمُحْتَالَ بِمَا أَحَالَ فَقَالَ: أَحَلْتنِي بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك لَا يُقْبَلُ بِلَا حُجَّةٍ) أَيْ لَا يُسْمَعُ قَوْلُ الْمُحْتَالِ لِلْمُحِيلِ: أَحَلْتنِي بِدَيْنٍ لِي عَلَيْك حِينَ طَلَبَ الْمُحِيلُ مِنْ الْمُحْتَالِ مَا قَبَضَهُ

стр. 909

إلَّا بِبَيِّنَةٍ لِأَنَّ الْمُحِيلَ أَنْكَرَ الدَّيْنَ، إذْ إقْرَارُهُ بِالْحَوَالَةِ، وَإِقْدَامُهُ عَلَيْهَا لَا يَكُونُ إقْرَارًا بِالدَّيْنِ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَكَالَةِ بِمَعْنَى نَقْلِ التَّصَرُّفِ بَلْ يُسْمَعُ طَلَبُ الْمُحِيلِ كَطَلَبِ الْمُوَكِّلِ مِنْ الْوَكِيلِ مَا قَبَضَهُ. وَفِي التَّنْوِيرِ: أَدَّى الْمَالَ فِي الْحَوَالَةِ الْفَاسِدَةِ فَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْقَابِضِ وَهُوَ الْمُحْتَالُ، وَإِنْ شَاءَ رَجَعَ عَلَى الْمُحِيلِ وَلَا يَصِحُّ تَأْجِيلُ عَقْدِهَا. [حُكْم السَّفْتَجَة] (وَتُكْرَهُ السَّفْتَجَةُ) بِضَمِّ السِّينِ وَالتَّاءِ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَبِفَتْحِ التَّاءِ عِنْدَ الْأَخْفَشِ تَعْرِيبُ سفته وَمَعْنَاهَا الْمُحْكَمُ (وَهِيَ الْإِقْرَاضُ) أَيْ أَنْ يُقْرِضَ إلَى تَاجِرٍ مَثَلًا قَرْضًا لِيَدْفَعَهُ إلَى صَدِيقِهِ فِي بَلَدٍ آخَرَ (لِسُقُوطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ) ، وَإِنَّمَا كُرِهَتْ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْ قَرْضٍ جَرَّ نَفْعًا، وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي هَذَا الْبَابِ لِأَنَّ هَذَا الْإِقْرَاضَ فِي مَعْنَى حَوَالَةِ الصَّدِيقِ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ أَوْ لِأَنَّهُ حَوَالَةُ الطَّرِيقِ إلَيْهِ أَوْ لِأَنَّ الْمُقْرِضَ يُحِيلُهُ بِالْأَدَاءِ إلَى الصَّدِيقِ. [كِتَابُ الْقَضَاءِ] ِ لَمَّا كَانَ أَكْثَرُ الْمُنَازَعَاتِ يَقَعُ فِي الْبِيَاعَاتِ وَالدُّيُونِ عَقَّبَهَا بِمَا يَقْطَعُهَا وَهُوَ قَضَاءُ الْقَاضِي، أَضَافَ الْكِتَابَ إلَى الْقَضَاءِ دُونَ الْأَدَبِ نَظَرًا إلَى أَنَّ بَيَانَ الْقَضَاءِ مَقْصُودٌ، وَبَيَانَ الْأَدَبِ مَتْبُوعٌ، وَالْقَضَاءُ فِي اللُّغَةِ لَهُ مَعَانٍ يَكُونُ بِمَعْنَى الْإِتْقَانِ وَالْإِحْكَامِ، فَفِي الْمِصْبَاحِ أَنَّهُ مَصْدَرُ قَضَيْت بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ وَعَلَيْهِمَا حَكَمْت، وَالْجَمْعُ الْأَقْضِيَةُ، وَقَضَى أَيْ حَكَمَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] وَبِمَعْنَى الْإِبْلَاغِ وَبِمَعْنَى الْأَدَاءِ وَالْإِنْهَاءِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: ٤] ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْرَ﴾ [الحجر: ٦٦] أَيْ أَنْهَيْنَاهُ إلَيْهِ وَأَبْلَغْنَاهُ ذَلِكَ وَبِمَعْنَى الصُّنْعِ وَالتَّقْدِيرِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فصلت: ١٢] وَمِنْهُ الْقَضَاءُ وَالْقَدَرُ، وَيُقَالُ: اسْتَقْضَى فُلَانًا أَيْ صَيَّرَهُ قَاضِيًا. وَفِي الشَّرْحِ هُوَ قَطْعُ الْخُصُومَةِ أَوْ قَوْلٌ مُلْزِمٌ صَدَرَ عَنْ وِلَايَةٍ عَامَّةٍ وَفِيهِ مَعَانِي اللُّغَةِ جَمِيعًا، فَكَأَنَّهُ أَلْزَمَهُ بِالْحُكْمِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ وَفَرَغَ عَنْ الْحُكْمِ بَيْنَهُمَا وَقَدَّرَ مَا عَلَيْهِ وَمَا لَهُ وَأَقَامَ قَضَاهُ مَقَامَ صُلْحِهِمَا وَتَرَاضِيهِمَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَاطِعٌ لِلْخُصُومَةِ وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، وَمَحَاسِنُهُ لَا تَخْفَى عَلَى أَحَدٍ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَفَسَدَ الْعِبَادُ وَخَرِبَ الْبِلَادُ وَانْتَشَرَ الظُّلْمُ وَالْفَسَادُ، وَالْحَاكِمُ نَائِبُ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي أَرْضِهِ فِي إنْصَافِ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ، وَإِيصَالِ الْحَقِّ إلَى الْمُسْتَحِقِّ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَبِهِ أُمِرَ كُلُّ نَبِيٍّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ [المائدة: ٤٤] وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وَلِأَجْلِهِ بُعِثَ الرُّسُلُ وَالْأَنْبِيَاءُ وَكَانَ عَلَيْهِ الْخُلَفَاءُ وَالْعُلَمَاءُ وَلِهَذَا قَالَ (الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ مِنْ أَقْوَى الْفَرَائِضِ وَأَفْضَلِ الْعِبَادَاتِ) بَعْدَ

стр. 910

الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ - تَعَالَى -، ثُمَّ هُوَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: وَاجِبٌ وَهُوَ أَنْ يَتَعَيَّنَ لَهُ وَلَا يُوجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَفْعَلْ أَدَّى إلَى تَضْيِيعِ الْحُكْمِ، فَيَكُونَ قَبُولُهُ أَمْرًا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيًا عَنْ الْمُنْكَرِ، وَإِنْصَافَ الْمَظْلُومِ مِنْ الظَّالِمِ. وَمُسْتَحَبٌّ وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ مَنْ يَصْلُحُ لَهُ غَيْرُهُ لَكِنْ هُوَ أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ. وَمُخَيَّرٌ فِيهِ وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ هُوَ وَغَيْرُهُ فِي الصَّلَاحِيَّةِ وَالْقِيَامِ بِهِ. وَمَكْرُوهٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لِلْقَضَاءِ لَكِنَّ غَيْرَهُ أَصْلَحُ وَأَقْوَمُ بِهِ. وَحَرَامٌ وَهُوَ أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ الْعَجْزَ عَنْهُ وَعَدَمَ الْإِنْصَافِ فِيهِ فِي بَاطِنِهِ مِنْ اتِّبَاعِ الْهَوَى بِمَا لَا يَعْرِفُهُ. ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ رِزْقَهُ وَكِفَايَتَهُ وَكِفَايَةَ أَهْلِهِ وَأَعْوَانِهِ وَمَنْ يُمَوِّنُهُمْ يَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنَّهُ مَحْبُوسٌ لِحَقِّ الْعَامَّةِ فَلَوْلَا الْكِفَايَةُ رُبَّمَا يَطْمَعُ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ، وَإِنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - أَعْطَى شُرَيْحًا كُلَّ شَهْرٍ مِائَةَ دِرْهَمٍ وَأَعْطَاهُ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - كُلَّ شَهْرٍ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ. (وَأَهْلُهُ) أَيْ الْقَضَاءِ (مَنْ هُوَ أَهْلٌ لِلشَّهَادَةِ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ بَابِ الْوِلَايَةِ لِأَنَّهُ تَنْفِيذُ الْقَوْلِ عَلَى الْغَيْرِ، وَلِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إلْزَامٌ إذْ الشَّهَادَةُ مُلْزِمَةٌ عَلَى الْقَاضِي وَالْقَضَاءُ مُلْزِمٌ عَلَى الْخَصْمِ. (وَشَرْطُ أَهْلِيَّتِهِ) أَيْ الْقَضَاءِ (شَرْطُ أَهْلِيَّتِهَا) أَيْ الشَّهَادَةِ مِنْ الْعَقْلِ وَالْبُلُوغِ وَالْإِسْلَامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا سَنَذْكُرُهُ فِي كِتَابِ الشَّهَادَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. (وَالْفَاسِقُ أَهْلٌ لَهُ) أَيْ لِلْقَضَاءِ (وَيَصِحُّ تَقْلِيدُهُ) أَيْ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ أَيْ الْمُسْلِمِ الَّذِي أَقْدَمَ عَلَى كَبِيرَةٍ أَوْ أَصَرَّ عَلَى صَغِيرَةٍ، وَفِيهِ إشْعَارٌ بِأَنَّ قَضَاءَ الْمَسْتُورِ صَحِيحٌ بِلَا قُبْحٍ كَمَا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ، وَبِأَنَّ الْعَدَالَةَ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ وَهَذَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ. وَفِي النَّوَادِرِ عَنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَضَاؤُهُ كَمَا فِي الِاخْتِيَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ (وَيَجِبُ أَنْ لَا يُقَلَّدَ) الْفَاسِقُ الْقَضَاءَ إذْ لَا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ بِوَاسِطَةِ فِسْقِهِ حَتَّى لَوْ قُلِّدَ كَانَ الْمُقَلِّدُ آثِمًا (كَمَا يَصِحُّ قَبُولُ شَهَادَتِهِ) أَيْ شَهَادَةِ الْفَاسِقِ حَتَّى لَوْ قَبِلَ الْقَاضِي وَحَكَمَ بِهَا كَانَ آثِمًا، وَلَكِنَّهُ يَنْفُذُ. وَفِي الدُّرَرِ هَذَا إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ صِدْقُهُ وَهُوَ مِمَّا يُحْفَظُ (وَيَجِبُ أَنْ لَا تُقْبَلَ) شَهَادَتُهُ وَفِي الشُّمُنِّيِّ اجْتِمَاعُ هَذِهِ الشَّرَائِطِ مِنْ الِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِمَا مُتَعَذَّرٌ فِي عَصْرِنَا لِخُلُوِّ الْعَصْرِ عَنْ الْمُجْتَهِدِ وَالْعَدْلِ، فَالْوَجْهُ تَنْفِيذُ قَضَاءِ كُلِّ مَنْ وَلَّاهُ سُلْطَانٌ ذُو شَوْكَةٍ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَاسِقًا، قَالَ قَاضِي خَانْ: وَيَصِحُّ تَعْلِيقُ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ وَالْإِمَارَةِ بِالشَّرْطِ وَكَذَا الْإِضَافَةُ إلَى وَقْتٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَتَعْلِيقُ عَزْلِ الْقَاضِي بِالشَّرْطِ صَحِيحٌ كَتَعْلِيقِ الْوَكَالَةِ وَلَوْ كَانَ فِي الْمِصْرِ قَاضِيَانِ، كُلٌّ عَلَى مَحَلَّةٍ عَلَى حِدَةٍ فَالْعِبْرَةُ لِلْمُدَّعِي عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ

стр. 911

الصَّحِيحُ. (وَلَوْ فَسَقَ) الْقَاضِي (الْعَدْلُ) بِأَخْذِ الرِّشْوَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الزِّنَاءِ أَوْ شُرْبِ الْخَمْرِ (يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ) أَيْ يَجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ عَزْلُهُ كَمَا فِي الْبَزَّازِيَّةِ. وَفِي الْمِعْرَاجِيَّةِ يَحْسُنُ عَزْلُهُ لِوُجُودِ سَبَبِ الِاسْتِحْقَاقِ (وَلَا يَنْعَزِلُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ مَشَايِخُنَا) ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى كَمَا فِي الْوَاقِعَاتِ. وَقَالَ بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إذَا قُلِّدَ الْفَاسِقُ ابْتِدَاءً يَصِحُّ وَلَوْ قُلِّدَ وَهُوَ عَدْلٌ يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْإِصْلَاحِ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى، لَكِنْ فِي الْبَحْرِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَلَمْ أَرَهُ وَالْمَذْهَبُ خِلَافُهُ وَتَمَامُهُ فِيهِ، فَلْيُطَالَعْ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ لَوْ شُرِطَ التَّقْلِيدُ أَنَّهُ مَتَى فَسَقَ يَنْعَزِلُ. وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ هِشَامٍ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَوْ فَسَقَ الْقَاضِي، ثُمَّ تَابَ فَهُوَ عَلَى قَضَائِهِ كَمَا إذَا عَمِيَ، ثُمَّ أَبْصَرَ، وَكَذَا إذَا ارْتَدَّ - وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى - ثُمَّ أَسْلَمَ. قَيَّدَ بِالْقَضَاءِ لِأَنَّ الْفِسْقَ لَا يَمْنَعُ الْإِمَامَةَ بِلَا خِلَافٍ وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ. وَفِي الْبَحْرِ: الْوَالِي إذَا فَسَقَ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَاضِي يَسْتَحِقُّ الْعَزْلَ وَلَا يَنْعَزِلُ وَلَوْ حَكَمَ الْوَالِي بِنَفْسِهِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَوَّضْ إلَيْهِ. (وَلَوْ أَخَذَ الْقَضَاءَ بِالرِّشْوَةِ لَا يَصِيرُ قَاضِيًا) أَيْ بِمَالٍ دَفَعَهُ لِتَوْلِيَتِهِ لَمْ تَصِحَّ تَوْلِيَتُهُ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَلَوْ قَضَى لَمْ يَنْفُذْ، وَبِهِ يُفْتَى إذْ الْإِمَامُ لَوْ قُلِّدَ بِرِشْوَةٍ أَخَذَهَا هُوَ أَوْ قَوْمُهُ وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ لَمْ يَجُزْ تَقْلِيدُهُ كَقَضَائِهِ بِرِشْوَةٍ كَمَا فِي الْبَحْرِ وَغَيْرِهِ، وَلَمْ أَرَ حُكْمَ مَا لَوْ أَخَذَ قَوْمُهُ - وَهُوَ غَيْرُ عَالِمٍ بِهِ - هَلْ يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ أَمْ لَا؟ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ تَقْلِيدُهُ لِأَنَّ مَفْهُومَ قَوْلِهِ " وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ " يَقْتَضِي جَوَازَهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ كَمَا لَوْ ارْتَشَى وَكِيلُ الْقَاضِي أَوْ نَائِبُهُ أَوْ كَاتِبُهُ أَوْ بَعْضُ أَعْوَانِهِ فَإِنْ بِأَمْرِهِ وَرِضَاهُ فَهُوَ كَمَا لَوْ ارْتَشَى بِنَفْسِهِ، وَإِنْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ، وَعَلَى الْمُرْتَشِي رَدُّ مَا قَبَضَ، تَتَبَّعْ. قَيَّدَ بِالتَّوْلِيَةِ لِأَنَّهُ لَوْ أَخَذَ الْقَاضِي الرِّشْوَةَ وَقَضَى لَا يَنْفُذُ قَضَاؤُهُ فِيمَا ارْتَشَى بِالْإِجْمَاعِ وَحَكَى فِي الْفُصُولِ فِيهِ اخْتِلَافًا فَقِيلَ لَا يَنْفُذُ فِيمَا ارْتَشَى وَيَنْفُذُ فِيمَا سِوَاهُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَمْسِ الْأَئِمَّةِ، وَقِيلَ لَا يَنْفُذُ فِيهِمَا، وَقِيلَ: يَنْفُذُ فِيهِمَا. وَفِي الْبَحْرِ قَضَى، ثُمَّ ارْتَشَى، أَوْ ارْتَشَى، ثُمَّ قَضَى أَوْ ارْتَشَى وَلَدُهُ أَوْ بَعْضُ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ لَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ الْمَالَ أَوْ ابْنُهُ يَكُونُ عَامِلًا لِنَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ. الْقَاضِي الْمُوَلَّى أَخَذَ الرِّشْوَةَ، ثُمَّ بَعَثَهُ إلَى شَافِعِيِّ الْمَذْهَبِ لِيَحْكُمَ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَتَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي لِيَسْمَعَ الْخُصُومَةَ، أَوْ أَخَذَ أُجْرَةَ مِثْلِ الْكِتَابَةِ يَنْفُذُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِرِشْوَةٍ لِمَا فِي فَتَاوَى النَّسَفِيِّ: يَحِلُّ لِلْقَاضِي أَخْذُ الْأُجْرَةِ عَلَى كِتْبَةِ السِّجِلَّاتِ وَالْمَحَاضِرِ وَعِنْدَهُمَا لِكُلِّ أَلْفِ دِرْهَمٍ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ الْأَلْفِ لَكِنْ لَحِقَهُ مِنْ الْمَشَقَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ فَفِيهِ خَمْسَةٌ أَيْضًا. وَفِي الْخِزَانَةِ وَمَا قِيلَ: فِي الْأَلْفِ مِنْ الثَّمَنِ خَمْسَةٌ، لَا نَقُولُ بِهِ وَلَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِفِقْهِ أَصْحَابِنَا وَأَيُّ مَشَقَّةٍ لِلْكَاتِبِ فِي أَخْذِ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا أُجْرَةُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ مَشَقَّتِهِ وَبِقَدْرِ عَمَلِهِ فِي صَنْعَتِهِ أَيْضًا كَمَا يُسْتَأْجَرُ الْحَكَّاكُ وَالنَّقَّابُ بِأَجْرٍ كَثِيرٍ فِي مَشَقَّةٍ قَلِيلَةٍ، وَأُجْرَةُ كِتْبَةِ الْقَبَالَةِ عَلَى رَبِّ الدَّيْنِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا دُفِعَ إمَّا دُفِعَ لِلتَّوَدُّدِ، وَهُوَ حَلَالٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ، وَإِمَّا لِصَيْرُورَتِهِ قَاضِيًا وَهُوَ حَرَامٌ مِنْهُمَا، وَإِمَّا لِخَوْفٍ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ حَلَالٌ لِلدَّافِعِ وَكَذَا إذَا طَمِعَ

стр. 912

فِي مَالِهِ فَرَشَاهُ بِبَعْضِ الْمَالِ، وَإِمَّا لِيُسَوِّيَ أَمْرَهُ عِنْدَ الْوَالِي فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْأَمْرُ حَرَامًا فَحَرَامٌ عَلَى الْجَانِبَيْنِ، وَإِنْ كَانَ حَلَالًا فَحَرَامٌ عَلَى الْآخِذِ إنْ اشْتَرَطَ وَحَلَالٌ لِلدَّافِعِ إلَّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِمَا يَدْفَعُ إلَيْهِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُسَوِّيَ أَمْرَهُ وَأَعْطَاهُ بَعْدَمَا يُسَوِّي اخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَا يَحِلُّ لَهُ الْأَخْذُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحِلُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ لِأَنَّهُ بِرٌّ وَمُجَازَاةُ الْإِحْسَانِ فَيَحِلُّ كَمَا فِي الْبَحْرِ: وَالرِّشْوَةُ لَا تُمْلَكُ وَلِذَا يَلْزَمُ الِاسْتِرْدَادُ. (وَالْفَاسِقُ يَصْلُحُ مُفْتِيًا) لِأَنَّهُ يَجْتَهِدُ حَذَرًا عَنْ النِّسْبَةِ إلَى الْخَطَأِ (وَقِيلَ لَا) يَصْلُحُ لِأَنَّهُ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَخَبَرُهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ فِي الدِّيَانَاتِ، وَرَجَّحَهُ صَاحِبُ الْبَحْرِ فَقَالَ: وَظَاهِرُ مَا فِي التَّحْرِيرِ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ اسْتِفْتَاؤُهُ اتِّفَاقًا فَإِنَّهُ قَالَ: الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ وَالْعَدَالَةِ أَوْ رَآهُ مُنْتَصِبًا - وَالنَّاسُ يَسْتَفْتُونَهُ مُعَظِّمِينَ -، وَعَلَى امْتِنَاعِهِ إنْ ظَنَّ عَدَمَ أَحَدِهِمَا فَإِنْ جَهِلَ اجْتِهَادَهُ دُونَ عَدَالَتِهِ فَالْمُخْتَارُ مَنْعُ اسْتِفْتَائِهِ بِخِلَافِ الْمَجْهُولِ مِنْ غَيْرِهِ إذْ الِاتِّفَاقُ عَلَى الْمَنْعِ، وَتَمَامُهُ فِيهِ، فَلْيُطَالَعْ. وَيُكْتَفَى بِالْإِشَارَةِ مِنْ الْمُفْتِي لَا مِنْ الْقَاضِي إذْ لَا بُدَّ لِلْقَضَاءِ مِنْ صِيغَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَحَكَمْتُ، وَأَلْزَمْتُ، أَوْ صَحَّ عِنْدِي، أَوْ ثَبَتَ، أَوْ ظَهَرَ عِنْدِي، أَوْ عَلِمْتُ عَلَى الصَّحِيحِ. (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي فَظًّا) مِنْ الْفَظَاظَةِ وَهِيَ خُشُونَةُ الْقَوْلِ (غَلِيظًا) أَيْ شَدِيدًا فِي الْكَلَامِ مُتَفَاحِشًا (جَبَّارًا) أَيْ مُتَكَبِّرًا مُقْبِلًا بِغَضَبٍ (عَنِيدًا) أَيْ مُخَالِفًا لِلْحَقِّ، لِأَنَّ الْقَضَاءَ دَفْعُ الْفَسَادِ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِعَيْنِهَا فَسَادٌ (وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ) الْقَاضِي (مَوْثُوقًا بِهِ) أَيْ مُعْتَمَدًا عَلَيْهِ (فِي دِينِهِ) بِالِاحْتِرَازِ عَنْ الْحَرَامِ (وَعَفَافِهِ) لِأَنَّهُ مَلَاكُ الدِّينِ (وَعَقْلِهِ) لِأَنَّهُ مَدَارُ التَّكْلِيفِ (وَصَلَاحِهِ) لِأَنَّ فِي ضِدِّهِ الْفَسَادَ (وَفَهْمِهِ) لِيَفْهَمَ الْفَسَادَ وَالْخُصُومَةَ (وَعِلْمِهِ بِالسُّنَّةِ) وَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ مَا ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَوْلًا وَفِعْلًا وَتَقْرِيرًا عِنْدَ أَمْرٍ يُعَايِنُهُ (وَالْآثَارِ) وَهِيَ مَا يُرْوَى عَنْ الْأَصْحَابِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ - (وَوُجُوهِ الْفِقْهِ) أَيْ طُرُقِهِ قَالَ الْمَوْلَى مِسْكِينٌ: إنَّ الْفِقْهَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ اسْمٌ لِعِلْمٍ خَاصٍّ فِي الدِّينِ لَا لِكُلِّ عِلْمٍ وَهُوَ عِلْمٌ بِالْمَعَانِي الَّتِي تَعَلَّقَتْ بِهَا الْأَحْكَامُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ الرَّسُولِ، وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَمُقْتَضَيَاتِهَا، وَإِشَارَتِهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ شَدِيدًا مِنْ غَيْرِ عُنْفٍ لَيِّنًا مِنْ غَيْرِ ضَعْفٍ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مِنْ أَهَمِّ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ وَأَقْدَرَ وَأَوْجَبَ وَأَهْيَبَ وَأَصْبَرَ عَلَى مَا يُصِيبُهُ مِنْ النَّاسِ كَانَ أَوْلَى. وَيَنْبَغِي لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَتَفَحَّصَ فِي ذَلِكَ وَيُوَلِّيَ مَنْ هُوَ أَوْلَى لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ قَلَّدَ إنْسَانًا عَمَلًا وَفِي رَعِيَّتِهِ مَنْ هُوَ أَوْلَى مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَخَانَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ» . وَفِي الْأَشْبَاهِ «فَقَدْ ظَلَمَ مَرَّتَيْنِ بِإِعْطَاءِ غَيْرِ الْمُسْتَحِقِّ وَمَنْعِ الْمُسْتَحِقِّ» ، لَكِنْ فِي زَمَانِنَا تَوْجِيهُ الْقَضَاءِ إلَى الْمُسْتَحِقِّ غَيْرُ مُمْكِنٍ لِقِلَّتِهِ أَوْ لِمَانِعٍ يَمْنَعُ حَتَّى اُبْتُلِيتُ بِأَنْ أُوَلِّيَ

стр. 913

الْقَضَاءَ مِنْ قِبَلِ مَنْ لَهُ الْأَمْرُ فَلَمْ أَقْدِرْ أَنْ أُوَلِّيَ الْأَحَقَّ وَالْأَوْلَى، تَجَاوَزَ اللَّهُ عَنِّي وَعَنْ سَائِرِ الْمُؤْمِنِينَ بِحُرْمَةِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ، صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ (وَكَذَا الْمُفْتِي) يَعْنِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ. (وَالِاجْتِهَادُ شَرْطُ الْأَوْلَوِيَّةِ) فِي الْقَاضِي وَالْمُفْتِي، لَا الْجَوَازِ، هُوَ الصَّحِيحُ تَيْسِيرًا وَتَسْهِيلًا خِلَافًا لِلْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ. وَفِي الْفَتْحِ وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذُكِرَ فِي الْقَاضِي ذُكِرَ فِي الْمُفْتِي وَلَا يُفْتِي إلَّا الْمُجْتَهِدُ وَقَدْ اسْتَقَرَّ رَأْيُ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى أَنَّ الْمُفْتِيَ هُوَ الْمُجْتَهِدُ. وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُجْتَهِدِ فَقِيلَ: أَنْ يَعْلَمَ الْكِتَابَ بِمَعَانِيهِ، وَالسُّنَّةَ بِطُرُقِهَا، وَالْمُرَادُ بِعِلْمِهِمَا عِلْمٌ بِهِ يَتَعَلَّقُ الْأَحْكَامُ مِنْهُمَا مِنْ الْعَامِّ، وَالْخَاصِّ، وَالْمُشْتَرَكِ، وَالْمُؤَوَّلِ، وَالنَّصِّ، وَالظَّاهِرِ، وَالنَّاسِخِ، وَالْمَنْسُوخِ، وَمَعْرِفَةِ الْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَلَا يُشْتَرَطُ حِفْظُهُ لِجَمِيعِ الْقُرْآنِ وَلَا لِبَعْضِهِ عَنْ ظَهْرِ الْقَلْبِ بَلْ أَنْ يَعْرِفَ مَظَانَّ أَحْكَامِهَا فِي أَبْوَابِهَا فَيُرَاجِعَهَا وَقْتَ الْحَاجَةِ، وَلَا يُشْتَرَطُ التَّبَحُّرُ فِي هَذِهِ الْعُلُومِ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ لُغَةً، وَإِعْرَابًا، وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ فَيَكْفِيهِ اعْتِقَادٌ جَازِمٌ وَلَا يُشْتَرَطُ مَعْرِفَتُهَا عَلَى طَرِيقِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَدِلَّتِهِمْ لِأَنَّهَا صِنَاعَةٌ لَهُمْ وَيَدْخُلُ فِي السُّنَّةِ أَقْوَالُ الصَّحَابَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا لِأَنَّهُ قَدْ يَقِيسُ مَعَ وُجُودِ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَعْرِفَةِ عُرْفِ النَّاسِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ قَرِيحَةٍ. فَأَمَّا غَيْرُ الْمُجْتَهِدِ مِمَّنْ يَحْفَظُ أَقْوَالَ الْمُجْتَهِدِ فَلَيْسَ بِمُفْتٍ، وَالْوَاجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ قَوْلَ الْمُجْتَهِدِ كَأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ عَلَى جِهَةِ الْحِكَايَةِ فَعُرِفَ أَنَّ مَا يَكُونُ فِي زَمَانِنَا مِنْ فَتْوَى الْمَوْجُودِينَ لَيْسَ بِفَتْوَى بَلْ هُوَ نَقْلُ كَلَامِ الْمُفْتِي لِيَأْخُذَ بِهِ الْمُسْتَفْتِي. وَطَرِيقُ نَقْلِهِ لِذَلِكَ عَنْ الْمُجْتَهِدِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ: إمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ سَنَدٌ فِيهِ، أَوْ يَأْخُذَهُ مِنْ كِتَابٍ مَعْرُوفٍ - تَدَاوَلَتْهُ الْأَيْدِي - نَحْوِ كُتُبِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَنَحْوِهَا مِنْ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ لِلْمُجْتَهِدِينَ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْخَبَرِ الْمُتَوَاتِرِ أَوْ الْمَشْهُورِ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ فَلْيُطَالَعْ. وَفِي الْخَانِيَّةِ أَنَّ اخْتِلَافَ أَئِمَّةِ الْهُدَى تَوْسِعَةٌ عَلَى النَّاسِ فَإِذَا كَانَ الْإِمَامُ فِي جَانِبٍ وَهُمَا فِي جَانِبٍ خُيِّرَ الْمُفْتِي، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَخَذَ بِقَوْلِهِمَا إلَّا إذَا اصْطَلَحَ الْمَشَايِخُ عَلَى قَوْلِ الْآخَرِ فَيَتْبَعُهُمْ كَمَا اخْتَارَ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ قَوْلَ زُفَرَ فِي مَسَائِلَ. وَصَحَّحَ فِي السِّرَاجِ أَنَّ الْمُفْتِيَ يُفْتِي بِقَوْلِ الْإِمَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، ثُمَّ بِقَوْلِ أَبِي يُوسُفَ، ثُمَّ بِقَوْلِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ بِقَوْلِ زُفَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ وَلَا يُخَيَّرُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُجْتَهِدًا، وَإِذَا اخْتَلَفَ يَتْبَعُ مُفْتِيَانِ قَوْلَ الْأَفْقَهِ. وَفِي الْمِنَحِ، وَإِنْ خَالَفَ أَبَا حَنِيفَةَ صَاحِبَاهُ فَإِنْ كَانَ اخْتِلَافُهُمْ اخْتِلَافَ عَصْرٍ وَزَمَانٍ كَالْقَضَاءِ بِظَاهِرِ الْعَدَالَةِ يَأْخُذُ بِقَوْلِ صَاحِبَيْهِ لِتَغَيُّرِ أَحْوَالِ النَّاسِ. وَفِي الْمُزَارَعَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَنَحْوِهِمَا يَخْتَارُ قَوْلَهُمَا وَيَجُوزُ لِلشَّابِّ الْفَتْوَى إذَا كَانَ حَافِظًا لِلرِّوَايَاتِ وَاثِقًا عَلَى الدِّرَايَاتِ مُحَافِظًا عَلَى الطَّاعَاتِ

стр. 914

مُجَانِبًا لِلشَّهَوَاتِ، وَالْعَالِمُ كَبِيرٌ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، وَالْجَاهِلُ صَغِيرٌ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا. (فَيَصِحُّ تَقْلِيدُ الْجَاهِلِ) عِنْدَنَا لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْقَضَاءِ إيصَالُ الْحَقِّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ وَذَلِكَ يَحْصُلُ بِالْعَمَلِ بِفَتْوَى غَيْرِهِ (وَيَخْتَارُ) الْمُقَلِّدُ (الْأَقْدَرَ وَالْأَوْلَى) لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﵊ فِي الْقَضَاءِ. وَفِي الْإِصْلَاحِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ لَا يَصِحُّ تَقْلِيدُ الْفَاسِقِ وَالْجَاهِلِ وَمَا قَالَهُ كَانَ أَحْوَطَ فِي زَمَانِهِ وَفِي زَمَانِنَا، الِاحْتِيَاطُ فِيمَا قُلْنَا لِأَنَّ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ وَالْعَدَالَةِ سُدَّ بَابُ الْقَضَاءِ انْتَهَى. (وَكُرِهَ التَّقَلُّدُ لِمَنْ خَافَ الْحَيْفَ وَالْعَجْزَ عَنْ الْقِيَامِ بِهِ) أَيْ كُرِهَ قَبُولُ تَقْلِيدِ الْقَضَاءِ لِخَوْفِ الْجَوْرِ أَوْ عَدَمِ إقَامَةِ الْعَدْلِ لِعَجْزِهِ فَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ لِمَنْ خَافَ الْحَيْفَ أَوْ الْعَجْزَ لَكَانَ أَوْلَى لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي كَمَا فِي الْبَحْرِ (وَلَا بَأْسَ بِهِ) أَيْ بِالتَّقَلُّدِ (لِمَنْ يَثِقُ مِنْ نَفْسِهِ بِأَدَاءِ فَرْضِهِ) لِأَنَّ كِبَارَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - تَقَلَّدُوهُ، وَكَفَى بِهِمْ قُدْوَةً، وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ الدُّخُولُ مُطْلَقًا بِلَا إجْبَارٍ لِقَوْلِهِ ﵊ «مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ فَكَأَنَّمَا ذُبِحَ بِغَيْرِ سِكِّينٍ» ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْإِمَامَ دُعِيَ لِلْقَضَاءِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَأَبَى حَتَّى حُبِسَ وَجُلِدَ فِي كُلِّ مَرَّةٍ ثَلَاثِينَ سَوْطًا حَتَّى قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ: لَوْ تَقَلَّدْتَ لَنَفَعْتَ النَّاسَ، فَنَظَرَ إلَيْهِ شِبْهَ الْمُغْضَبِ، فَقَالَ: لَوْ أُمِرْتُ أَنْ أَقْطَعَ الْبَحْرَ سِبَاحَةً لَكُنْتُ أَقْدَرَ عَلَيْهِ، فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: الْبَحْرُ عَمِيقٌ، وَالسَّفِينَةُ وَثِيقٌ، وَالْمَلَّاحُ عَالِمٌ، فَقَالَ الْإِمَامُ كَأَنِّي بِك قَاضِيًا وَذَكَرَ الْبَزَّازِيُّ فِي مَنَاقِبِهِ أَقْوَالًا حَاصِلُهَا أَنَّ الْإِمَامَ لَمْ يَقْبَلْ الْقَضَاءَ، وَمَاتَ عَلَى الْإِبَاءِ، وَأَنَّهُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - أَحَسَّ بِمَوْتِهِ وَسَجَدَ فَخَرَجَتْ رُوحُهُ سَاجِدًا سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ، رَوَّحَ اللَّهُ رُوحَهُ وَزَادَ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجِنَانِ فَتَوَّجَهُ وَمِنْ غَرِيبِ مَا وَقَعَ أَنَّهُ جِيءَ بِجِنَازَتِهِ فَازْدَحَمَ النَّاسُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى دَفْنِهِ إلَّا بَعْدَ الْعَصْرِ، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ يُصَلُّونَ عَلَى قَبْرِهِ الشَّرِيفِ عِشْرُونَ، وَحُرِّرَ مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ خَمْسُونَ أَلْفًا. وَفِي الْهِدَايَةِ وَالْكَافِي: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الدُّخُولَ فِيهِ رُخْصَةٌ طَمَعًا فِي إقَامَةِ الْعَدْلِ بِحَدِيثِ " عَدْلُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ " وَالتَّرْكُ عَزِيمَةٌ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِالْقَضَاءِ بِالْحَقِّ وَرُبَّمَا يَظُنُّ فِي الِابْتِدَاءِ أَنَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ، ثُمَّ لَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ فِي الِانْتِهَاءِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ الْقَضَاءُ بِالْحَقِّ إلَّا بِإِعَانَةِ غَيْرِهِ وَلَعَلَّ غَيْرَهُ لَا يُعِينُهُ. (وَمَنْ تَعَيَّنَ لَهُ) أَيْ لِلْقَضَاءِ أَوْ تَعَيَّنَ الْقَضَاءُ لَهُ (فُرِضَ عَلَيْهِ) صِيَانَةً لِحُقُوقِ الْعِبَادِ وَدَفْعًا لِظُلْمِ الظَّالِمِينَ. وَفِي الْبَحْرِ أَنَّهُ فَرْضُ عَيْنٍ إنْ تَعَيَّنَ، وَفَرْضُ كِفَايَةٍ عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهِ، يَعْنِي إنْ كَانَ فِي الْبَلَدِ قَوْمٌ صَالِحُونَ لَهُ فَامْتَنَعُوا عَنْهُ أَثِمُوا كُلُّهُمْ إنْ لَمْ يَقْدِرْ السُّلْطَانُ فَصْلَ الْقَضَايَا (وَلَا يَطْلُبُ الْقَضَاءَ وَلَا يَسْأَلُهُ) أَيْ مَنْ صَلَحَ لِلْقَضَاءِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَطْلُبَ بِقَلْبِهِ وَلَا يَسْأَلَهُ بِلِسَانِهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ ﵊ قَالَ «مَنْ سَأَلَ الْقَضَاءَ وُكِلَ إلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أُجْبِرَ عَلَيْهِ نَزَلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ يُسَدِّدُهُ» أَيْ يُلْهِمُهُ الرُّشْدَ وَيُوَفِّقُهُ لِلصَّوَابِ وَكَذَا لَا يَسْأَلُهُ الْإِمَارَةَ. (وَيَجُوزُ تَقَلُّدُهُ مِنْ السُّلْطَانِ الْجَائِرِ) أَيْ الظَّالِمِ

стр. 915

لِأَنَّ عُلَمَاءَ السَّلَفِ تَقَلَّدُوا الْقَضَاءَ مِنْ الْحَجَّاجِ مَعَ أَنَّهُ أَظْلَمُ زَمَانِهِ (وَمِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ) وَهُمْ الَّذِينَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ تَقَلَّدُوهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ فِي نَوْبَةِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَكَانَ الْحَقُّ بِيَدِ عَلِيٍّ وَقَدْ قَالَ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - عَنْهُ: إخْوَانُنَا بَغَوْا عَلَيْنَا، قَالَ أَبُو اللَّيْثِ الْمُتَغَلِّبُ إذَا وَلَّى رَجُلًا قَضَاءَ بَلْدَةٍ وَقَضَى ذَلِكَ الْقَاضِي فِي مُخْتَلَفٍ فِيهِ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى قَاضٍ آخَرَ فَإِنْ وَافَقَ رَأْيَهُ أَمْضَاهُ، وَإِنْ خَالَفَ أَبْطَلَهُ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ حُكْمِ الْمُحَكَّمِ. وَفِي الْعِمَادِيَّةِ التَّقَلُّدُ مِنْ أَهْلِ الْبَغْيِ يَصِحُّ وَبِمُجَرَّدِ اسْتِيلَاءِ الْبَاغِي لَا يَنْعَزِلُ قُضَاةُ الْعَدْلِ، وَيَصِحُّ عَزْلُ الْبَاغِي لَهُمْ حَتَّى لَوْ انْهَزَمَ الْبَاغِي بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَنْفُذُ قَضَايَاهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا لَمْ يُقَلِّدْهُمْ سُلْطَانُ الْعَدْلِ ثَانِيًا لِأَنَّ الْبَاغِيَ صَارَ سُلْطَانًا بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ (إلَّا إذَا كَانَ لَا يُمَكِّنُهُ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ) اسْتِثْنَاءٌ مِنْ قَوْلِهِ الْجَائِرِ وَأَهْلِ الْبَغْيِ، أَيْ يَجُوزُ تَقَلُّدُهُ إلَّا إذَا لَمْ يُمَكِّنْهُ الْجَائِرُ وَأَهْلُ الْبَغْيِ مِنْ الْقَضَاءِ بِالْحَقِّ فَحِينَئِذٍ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ بِالتَّقَلُّدِ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ يُمَكِّنُهُ. (وَإِذَا تَقَلَّدَ) أَحَدٌ الْقَضَاءَ بَعْدَ عَزْلِ الْآخَرِ (يَسْأَلُ دِيوَانَ قَاضٍ قَبْلَهُ وَهُوَ الْخَرَائِطُ الَّتِي فِيهَا السِّجِلَّاتُ وَالْمَحَاضِرُ وَغَيْرُهَا) مِنْ الصُّكُوكِ وَكِتَابِ نَصْبِ الْأَوْلِيَاءِ وَتَقْدِيرِ النَّفَقَاتِ، لِأَنَّ الدِّيوَانَ وُضِعَ لِيَكُونَ حُجَّةً عِنْدَ الْحَاجَةِ فَيُجْعَلُ فِي يَدِ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْقَضَاءِ، وَهَذَا لِأَنَّ الْقَاضِيَ يَكْتُبُ نُسْخَتَيْنِ إحْدَاهُمَا فِي يَدِ الْخَصْمِ وَالْأُخَرَ فِي دِيوَانِ الْقَاضِي، إذْ رُبَّمَا يَحْتَاجُ إلَيْهَا لِمَعْنًى مِنْ الْمَعَانِي وَمَا فِي يَدِ الْخَصْمِ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ فَإِنْ كَانَ الْوَرَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَلَا إشْكَالَ فِي وَضْعِهِ فِي يَدِ الْقَاضِي الْجَدِيدِ وَكَذَا مِنْ مَالِ الْخُصُومِ أَوْ مِنْ مَالِ الْقَاضِي فِي الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ اُتُّخِذَتْ تَدَيُّنًا لَا تَمَوُّلًا (وَيَبْعَثُ) الْقَاضِي الْجَدِيدُ (أَمِينَيْنِ) مِنْ ثِقَاتِهِ وَهُوَ أَحْوَطُ وَالْوَاحِدُ يَكْفِي (يَقْبِضَانِهَا) أَيْ الْخَرَائِطَ (بِحَضْرَةِ الْمَعْزُولِ أَوْ أَمِينِهِ، وَيَسْأَلَانِهِ) أَيْ الْمَعْزُولَ (شَيْئًا فَشَيْئًا) لِلْكَشْفِ لَا لِلْإِلْزَامِ عَلَى الْغَيْرِ (وَيَجْعَلَانِ كُلَّ نَوْعٍ فِي خَرِيطَةٍ عَلَى حِدَةٍ) فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ نُسَخِ السِّجِلَّاتِ يَجْمَعَانِ فِي خَرِيطَةٍ وَمَا كَانَ مِنْ نَصِيبِ الْأَوْصِيَاءِ يَجْمَعَانِ فِي خَرِيطَةٍ وَمَا كَانَ مِنْ نُسَخِ الْأَوْقَافِ يَجْمَعَانِ فِي خَرِيطَةٍ وَمَا كَانَ مِنْ الصُّكُوكِ يَجْمَعَانِ فِي خَرِيطَةٍ لِيَكُونَ أَسْهَلَ لِلتَّنَاوُلِ (وَيَنْظُرُ) الْقَاضِي الْجَدِيدُ (فِي حَالِ الْمَحْبُوسِينَ) لِأَنَّهُ نُصِّبَ نَاظِرًا لِلْمُسْلِمِينَ - وَالْمُرَادُ الْمَحْبُوسُ فِي سِجْنِ الْقَاضِي - فَيَبْعَثُ الْقَاضِي ثِقَةً يُحْصِيهِمْ فِي السِّجْنِ وَيَكْتُبُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَخْبَارَهُمْ وَسَبَبَ حَبْسِهِمْ وَمَنْ حَبَسَهُمْ (فَمَنْ أَقَرَّ بِحَقٍّ أَوْ قَامَتْ عَلَيْهِ بِهِ) أَيْ بِالْحَقِّ (بَيِّنَةٌ أَلْزَمَهُ) لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ مُلْزِمَةٌ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " أَلْزَمَهُ " الْحُكْمَ عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَلْزَمَهُ الْحَبْسَ أَيْ أَدَامَ حَبْسَهُ، وَتَمَامُهُ فِي الْبَحْرِ، فَلْيُطَالَعْ. (وَلَا يَعْمَلُ بِقَوْلِ الْمَعْزُولِ) فَلَوْ قَالَ: حَبَسْتُهُ بِحَقٍّ عَلَيْهِ لَا يَقْبَلُ قَوْلَهُ، وَكَذَا لَوْ قَالَ كُنْتُ حَكَمْتُ عَلَيْهِ لِفُلَانٍ بِكَذَا وَعَلَّلَهُ فِي الدُّرَرِ بِأَنَّهُ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنْ الرَّعَايَا، وَشَهَادَةُ الْوَاحِدِ لَيْسَتْ بِحُجَّةٍ خُصُوصًا إذَا كَانَتْ بِفِعْلِ
следующие страницы →