Полный текст (4 874 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مَعَ تَفْسِيرِ الشِّغَارِ هَكَذَا نَهَى عَنِ الشِّغَارِ وَالشِّغَارُ أَنْ يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صدق
قَالَ فِي الْمُنْتَقَى وَأَبُو دَاوُدَ جَعَلَهُ أَيْ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ وَهُوَ كَذَلِكَ فِي تَفْسِيرٍ مُتَّفَقٍ عَلَيْهَا انْتَهَى قَالَ الْقُرْطُبِيُّ تَفْسِيرُ الشِّغَارِ صَحِيحٌ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ فَإِنْ كَانَ مَرْفُوعًا فَهُوَ الْمَقْصُودُ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ فَمَقْبُولٌ أَيْضًا لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَالِ وَأَقْعَدُ بِالْحَالِ انْتَهَى
قُلْتُ قَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الشِّغَارُ قَالَ إِنْكَاحُ الْمَرْأَةِ إِلَخْ
فَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ تَفْسِيرَ الشِّغَارِ مَرْفُوعٌ لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْتَ لَكِنْ قَالَ الْحَافِظُ وَإِسْنَادُهُ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا لَكِنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ نِكَاحُ الشِّغَارِ مَفْسُوخٌ وَلَا يَحِلُّ وَإِنْ جُعِلَ لَهُمَا صَدَاقٌ
وهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ الخ) قال بن عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ نِكَاحَ الشِّغَارِ لَا يَجُوزُ
ولَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّتِهِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْبُطْلَانِ
وفِي رِوَايَةٍ عَنْ مَالِكٍ يفسخ قبل الدخول لا بعده وحكاه بن الْمُنْذِرِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى صِحَّتِهِ وَوُجُوبِ مَهْرِ الْمِثْلِ
وهُوَ قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِاخْتِلَافِ الْجِهَةِ لَكِنْ قَالَ الشَّافِعِيُّ إِنَّ النِّسَاءَ مُحَرَّمَاتٌ إِلَّا مَا أَحَلَّ اللَّهُ أَوْ مِلْكُ يَمِينٍ فَإِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ نِكَاحٍ تَأَكَّدَ التَّحْرِيمُ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ هُوَ مَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
٠٢ - (بَاب مَا جَاءَ لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا)
وَلَا عَلَى خَالَتِهَا [١١٢٥] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي حَرِيزٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وسكون التحتية وبالزاء قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بن حسين علق له البخاري ووثقه بن مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَضَعَّفَهُ
стр. 1857
جَمَاعَةٌ فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ
قَوْلُهُ (نَهَى أَنْ تُزَوَّجَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ تُنْكَحَ (الْمَرْأَةُ عَلَى عمتها أو خالتها) روى بن حبان في صحيحه وبن عَدِيٍّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَرِيزٍ عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ إِنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ ذلك فطعتم أَرْحَامَكُمْ
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ وفِي الْبَابِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَنْ تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى قَرَابَتِهَا مَخَافَةَ الْقَطِيعَةِ انْتَهَى
وقَدْ ظَهَرَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ حِكْمَةُ النَّهْيِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا وَهِيَ الِاحْتِرَازُ عَنْ قَطْعِ الرَّحِمِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً أَنَّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا سَوَاءٌ كَانَتْ عَمَّةً وَخَالَةً حَقِيقِيَّةً وَهِيَ أُخْتُ الْأَبِ وَأُخْتُ الْأُمِّ أَوْ مَجَازِيَّةً وَهِيَ أُخْتُ أَبِي الْأَبِ وَأَبِي الْجَدِّ وَإِنْ عَلَا وَأُخْتُ أُمِّ الْأُمِّ وَأُمِّ الْجَدَّةِ مِنْ جِهَتَيْ الْأُمِّ وَالْأَبِ وَإِنْ عَلَتْ
فَكُلُّهُنَّ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي النِّكَاحِ أَوْ فِي مِلْكِ الْيَمِينِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عَنْ علي وبن عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو إِلَخْ) وَقَالَ البيهقي قد جاء من حديث علي وبن مسعود وبن عمر وبن عَبَّاسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَنَسٍ وَأَبِي سعيد وعائشة وليس فيها شيء شَرْطِ الصَّحِيحِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ نَقْلِ قَوْلِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا وَذَكَرَ مِثْلَ ذَلِكَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ وفِي الْبَابِ لَكِنْ لَمْ يذكر بن مسعود ولا بن عَبَّاسٍ وَلَا أَنَسًا
وزَادَ بَدَلَهُمْ أَبَا مُوسَى وَأَبَا أُمَامَةَ وَسَمُرَةَ
ووَقَعَ لِي أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَمِنْ حَدِيثِ عَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
ومن حديث زينب امرأة بن مَسْعُودٍ فَصَارَ عِدَّةُ مَنْ رَوَاهُ غَيْرَ الْأَوَّلَيْنَ يَعْنِي جَابِرًا وَأَبَا هُرَيْرَةَ
ثَلَاثَةَ عَشْرَ نَفْسًا وأحاديثهم موجودة عند بن أبي شيبة وأحمد وأبي داود والنسائي وبن ماجه وأبي يعلى والبزار والطبراني وبن حِبَّانَ وَغَيْرِهِمْ
قَالَ وَلَوْلَا خَشْيَةُ التَّطْوِيلِ لَأَوْرَدْتُهَا مُفَصَّلَةً انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ [١١٢٦] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَامِرٌ) هُوَ الشَّعْبِيُّ
قَوْلُهُ (نَهَى أَنْ تُنْكَحَ) بِصِيغَةِ
стр. 1858
الْمَجْهُولِ (وَلَا تُنْكَحُ الصُّغْرَى) أَيْ بِبِنْتِ الْأَخِ أَوْ بِنْتِ الْأُخْتِ وَسُمِّيَتْ صُغْرَى لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنْتِ (عَلَى الْكُبْرَى) أَيْ سِنًّا غَالِبًا أَوْ رُتْبَةً فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأُمِّ
والْمُرَادُ بِهَا الْعَمَّةُ وَالْخَالَةُ (وَلَا الْكُبْرَى عَلَى الصُّغْرَى) كَرَّرَ النَّفْيَ من الجانبين للتأكيد لقوله نهى عن تُنْكَحَ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا إِلَخْ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) الْمُرَادُ بحديث بن عَبَّاسٍ هُوَ الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وبن حبان
وحديث أبي هريرة أخرجه مسلم وأبو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا
ومُسْلِمٌ لَمْ يُخَرِّجْهُ هَكَذَا بِتَمَامِهِ وَلَكِنَّهُ فَرَّقَهُ حَدِيثَيْنِ فَأَخْرَجَ صَدْرَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا انتهى
وأخرج باقيه عن قبيصة بن ذويب عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا لَا تُنْكَحُ الْعَمَّةُ عَلَى بِنْتِ الْأَخِ وَلَا ابْنَةُ الْأُخْتِ عَلَى الْخَالَةِ انْتَهَى
كَذَا فِي نَصْبِ الرَّايَةِ
قَوْلُهُ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمُ اخْتِلَافًا الخ
وقال بن الْمُنْذِرِ لَسْتُ أَعْلَمُ فِي مَنْعِ ذَلِكَ اخْتِلَافًا الْيَوْمَ
وإِنَّمَا قَالَ بِالْجَوَازِ فِرْقَةٌ مِنَ الْخَوَارِجِ
وإِذَا ثَبَتَ الْحُكْمُ بِالسُّنَّةِ وَاتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ لَمْ يَضُرَّهُ خِلَافُ مَنْ خالفه
وكذا نقل الإجماع بن عبد البر وبن حزم والقرطبي والنووي لكن استثنى بن حَزْمٍ عُثْمَانَ الْبَتِّيَّ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ الْقُدَمَاءِ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَاسْتَثْنَى النَّوَوِيُّ طَائِفَةً مِنَ الْخَوَارِجِ وَالشِّيعَةِ وَاسْتَثْنَى الْقُرْطُبِيُّ الْخَوَارِجَ وَلَفْظُهُ اخْتَارَ الْخَوَارِجُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَخَالَتِهَا وَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ لِأَنَّهُمْ مَرَقُوا مِنَ الدِّينِ انْتَهَى
وفِي نَقْلِهِ عَنْهُمْ جَوَازَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ غَلَطٌ بَيِّنٌ
فَإِنَّ عُمْدَتَهُمْ التَّمَسُّكُ بأدلة القرآن لا يخالفونها البتة
وإنما يَرُدُّونَ الْأَحَادِيثَ لِاعْتِقَادِهِمْ عَدَمَ الثِّقَةِ بِنَقْلَتِهَا وَتَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِنُصُوصِ الْقُرْآنِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَوْلُهُ (فَنِكَاحُ الْأُخْرَى مِنْهُمَا مَفْسُوخٌ) أَيْ بَاطِلٌ وَأَمَّا نِكَاحُ الْأُولَى مِنْهُمَا فَصَحِيحٌ
هَذَا إِذَا عَقَدَ عَلَى إِحْدَاهُمَا ثُمَّ عَقَدَ عَلَى الْأُخْرَى
وأَمَّا إِذَا عَقَدَ عَلَيْهِمَا مَعًا بِعَقْدٍ وَاحِدٍ فَنِكَاحُهُمَا بَاطِلٌ قَوْلُهُ (أَدْرَكَ الشَّعْبِيُّ أبا هريرة
стр. 1859
الشَّعْبِيِّ بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ هُوَ عَامِرُ بْنُ شَرَاحِيلَ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ فَقِيهٌ فَاضِلٌ قَالَ أَدْرَكْتُ خَمْسَمِائَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ
فَائِدَةٌ الْجَمْعُ بَيْنَ زَوْجَةِ رَجُلٍ وَبِنْتِهِ مِنْ غَيْرِهَا جَائِزٌ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ جَمَعَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ بَيْنَ ابْنَةِ عَلِيٍّ وَامْرَأَةِ عَلِيٍّ
وقَالَ بن سِيرِينَ لَا بَأْسَ بِهِ
وكَرِهَهُ الْحَسَنُ مَرَّةً ثُمَّ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى
٠٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الشَّرْطِ عِنْدَ عُقْدَةِ النِّكَاحِ)
[١١٢٧] قوله (عن مرثد) بفتح الميم وسكون الراء بعدها مثلثة (بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَالزَّايِ بَعْدَهَا نُونٌ (أَبِي الْخَيْرِ) كُنْيَةُ مَرْثَدٍ قَوْلُهُ (إِنَّ أَحَقَّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهَا) بِالتَّخْفِيفِ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَيَجُوزُ التَّشْدِيدُ مِنَ التَّفْعِيلِ وَأَنْ يُوفَى بِهَا بَدَلٌ مِنَ الشُّرُوطِ وَالْمَعْنَى أَحَقُّ الشُّرُوطِ بِالْوَفَاءِ (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ) خبر إن قال القاضي المراد بالشروط ها هنا الْمَهْرُ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوطُ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ
وقِيلَ جَمِيعُ مَا تَسْتَحِقُّهُ الْمَرْأَةُ بِمُقْتَضَى الزَّوْجِيَّةِ مِنَ الْمَهْرِ وَالنَّفَقَةِ وَحُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ فَإِنَّ الزَّوْجَ الْتَزَمَهَا بِالْعَقْدِ فَكَأَنَّهَا شُرِطَتْ فِيهِ
وقِيلَ كُلُّ مَا شَرَطَ الزَّوْجُ تَرْغِيبًا لِلْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ مَا لَمْ يَكُنْ مَحْظُورًا
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى شَرْطٍ لَا يُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ وَيَكُونُ مِنْ مَقَاصِدِهِ كَاشْتِرَاطِ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَكِسْوَتِهَا وَسُكْنَاهَا وَمِنْ جَانِبِ الْمَرْأَةِ أَنْ لَا تَخْرُجَ مِنْ بَيْتِهِ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَتَصَرَّفُ فِي متاعه إلا برضاه ونحو ذلك
وأما شرط يُخَالِفُ مُقْتَضَاهُ كَشَرْطِ أَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا وَلَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا وَلَا يُنْفِقَ وَلَا يُسَافِرَ بها ونحو ذلك
فلا يجيب الْوَفَاءُ بِهِ بَلْ يَكُونُ لَغْوًا وَيَصِحُّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ
وقَالَ أَحْمَدُ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِكُلِّ شَرْطٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ فَعَلَى هَذَا الْخِطَابِ فِي قَوْلِهِ (مَا اسْتَحْلَلْتُمْ) لِلتَّغْلِيبِ فَيَدْخُلُ فِيهِ الرِّجَالُ والنساء
стр. 1860
ويدل عليه الرواية الأخرى ما استحللت بِهِ الْفُرُوجَ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
قَوْلُهُ (مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَالَ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ مِصْرِهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهَا) رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عُبَيْدِ الله وهو بن أَبِي الْمُهَاجِرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غُنَيْمٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ عُمَرَ حَيْثُ تَمَسُّ رُكْبَتِي رُكْبَتَهُ
فَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ تَزَوَّجْتُ هَذِهِ
وَشَرَطْتُ لَهَا دَارَهَا وَإِنِّي أَجْمَعُ لِأَمْرِي أَوْ لِشَأْنِي أَنْ أَنْتَقِلَ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ لَهَا شَرْطُهَا
فَقَالَ الرَّجُلُ هلك الرجل إِذْ لَا تَشَاءُ امْرَأَةٌ أَنْ تُطَلِّقَ زَوْجَهَا إِلَّا طَلَّقَتْ فَقَالَ عُمَرُ الْمُؤْمِنُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ عِنْدَ مَقَاطِعِ حُقُوقِهِمْ انْتَهَى
وذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مُخْتَصَرًا مُعَلَّقًا
وقَدْ اخْتُلِفَ عَنْ عُمَرَ فروى بن وَهْبٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ السَّبَّاقِ أَنَّ رَجُلًا تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَشَرَطَ لَهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا فَارْتَفَعُوا إِلَى عُمَرَ فَوَضَعَ الشَّرْطَ
وقَالَ الْمَرْأَةُ مَعَ زَوْجِهَا
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ تَضَادَّتِ الرِّوَايَاتُ عَنْ عُمَرَ فِي هَذَا وقَدْ قَالَ بِالْقَوْلِ الْأَوَّلِ عَمْرُو بْنُ العاص ومن التابعين طاؤس وَأَبُو الشَّعْثَاءِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ (وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَبِهِ يَقُولُ الشافعي وأحمد وَإِسْحَاقُ) قَالَ الْحَافِظُ وَالنَّقْلُ فِي هَذَا عَنِ الشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ بَلِ الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي لَا تُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ بَلْ تَكُونُ مِنْ مُقْتَضَيَاتِهِ وَمَقَاصِدِهِ كَاشْتِرَاطِ الْعِشْرَةِ بِالْمَعْرُوفِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْكِسْوَةِ وَالسُّكْنَى وَأَنْ لَا يُقَصِّرَ فِي شَيْءٍ مِنْ حَقِّهَا مِنْ قِسْمَةٍ وَنَحْوِهَا
وكَشَرْطِهِ عَلَيْهَا أَنْ لَا تَخْرُجَ إِلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَمْنَعَهُ نَفْسَهَا وَلَا تَتَصَرَّفَ فِي مَتَاعِهِ إِلَّا بِرِضَاهُ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا شَرْطٌ يُنَافِي مُقْتَضَى النِّكَاحِ كَأَنْ لَمْ يَقْسِمْ لَهَا أَوْ لَا يَتَسَرَّى عَلَيْهَا أَوْ لَا يُنْفِقَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ بَلِ إِنْ وَقَعَ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ لُغِيَ وَصَحَّ النِّكَاحُ بِمَهْرِ الْمِثْلِ فِي وَجْهٍ يَجِبُ الْمُسَمَّى وَلَا أَثَرَ لِلشَّرْطِ
وفِي قَوْلٍ لِلشَّافِعِيِّ يَبْطُلُ النِّكَاحُ وَقَالَ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ مُطْلَقًا وقد استشكل بن دَقِيقِ الْعِيدِ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى الشُّرُوطِ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ النِّكَاحِ وَقَالَ تِلْكَ الْأُمُورُ لَا تُؤَثِّرُ الشُّرُوطُ فِي إِيجَابِهَا
فَلَا تَشْتَدُّ الْحَاجَةُ إِلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِاشْتِرَاطِهَا
وسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَ أَحَقُّ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْضُ الشُّرُوطِ يَقْتَضِي الْوَفَاءَ بِهَا وَبَعْضُهَا أَشَدَّ اقْتِضَاءً وَالشُّرُوطُ الَّتِي هِيَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مُسْتَوِيَةٌ فِي وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِهَا انْتَهَى
(وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ شَرْطُ اللَّهِ قَبْلَ شَرْطِهَا
стр. 1861
كَأَنَّهُ رَأَى لِلزَّوْجِ أَنْ يُخْرِجَهَا وَإِنْ كَانَتِ اشْتَرَطَتْ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ لَا يُخْرِجَهَا
وذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ) قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ اللَّيْثُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْجُمْهُورُ بِقَوْلِ عَلِيٍّ حَتَّى لَوْ كَانَ صَدَاقُ مِثْلِهَا مِائَةً مَثَلًا فَرَضِيَتْ بِخَمْسِينَ عَلَى أَنْ لَا يُخْرِجَهَا فَلَهُ إِخْرَاجُهَا وَلَا يَلْزَمُهُ إِلَّا الْمُسَمَّى
وقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ لَهَا أَنْ تَرْجِعَ بِمَا نَقَصَتْهُ لَهُ مِنَ الصَّدَاقِ
وقال الشافعي يصح النكاح ويلغو الشَّرْطُ وَيَلْزَمُهُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَعَنْهُ يَصِحُّ وَتَسْتَحِقُّ الْكُلَّ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالَّذِي نَأْخُذُ بِهِ أَنَّا نَأْمُرُهُ بِالْوَفَاءِ بِشَرْطِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُحْكَمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ
قَالَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهَا لَوْ اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطَأَهَا لَمْ يَجِبْ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ الشَّرْطِ فَكَذَلِكَ هَذَا
قَالَهُ الْحَافِظُ ومِمَّا يُقَوِّي حَمْلَ حَدِيثِ عُقْبَةَ عَلَى النَّدْبِ مَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَالْوَطْءُ وَالْإِسْكَانُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حُقُوقِ الزَّوْجِ إِذَا شُرِطَ عَلَيْهِ إِسْقَاطُ شَيْءٍ مِنْهَا كَانَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ
وأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خطب أم مبشر بنت البراء بن معروف فَقَالَتْ إِنِّي شَرَطْتُ لِزَوْجِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ بَعْدَهُ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ هذا لا يصلح انتهى
٠٤ - (باب في الرجل يسلم وعنده عشرة نِسْوَةٍ)
[١١٢٨] قَوْلُهُ (إِنَّ غَيْلَانَ) بِفَتْحِ الْغَيْنِ (أَنْ يَتَخَيَّرَ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا) قَالَ الْمُظْهِرُ فِيهِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ حَتَّى إِذَا أَسْلَمُوا لَمْ يُؤْمَرُوا بِتَجْدِيدِ النِّكَاحِ إِلَّا إِذَا كَانَ فِي نِكَاحِهِمْ مَنْ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَهُنَّ مِنَ النِّسَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ وَإِنَّهُ إِذَا قَالَ اخْتَرْتُ فُلَانَةَ وَفُلَانَةَ لِلنِّكَاحِ ثَبَتَ نِكَاحُهُنَّ وَحَصَلَتِ الْفُرْقَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا سِوَى الْأَرْبَعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُطَلِّقَهُنَّ
قال محمد في موطإه بِهَذَا نَأْخُذُ يَخْتَارُ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا أَيَّتَهُنَّ شَاءَ وَيُفَارِقُ مَا بَقِيَ
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ فقال الأربع الأول
стр. 1862
جائز ونكاح من بَقِيَ مِنْهُنَّ بَاطِلٌ
وهُوَ قَوْلُ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ﵀ قال بن الْهُمَامِ وَالْأَوْجَهُ قَوْلُ مُحَمَّدٍ
وفِي الْهِدَايَةِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ
قَالَ بن الْهُمَامِ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْمُسْلِمِينَ
أَمَّا الْجَوَارِي فَلَهُ مَا شَاءَ مِنْهُنَّ انْتَهَى
قَوْلُهُ (قَالَ مُحَمَّدٌ وَإِنَّمَا حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ ثَقِيفٍ طَلَّقَ نِسَاءَهُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ إِلَخْ) يَعْنِي أَنَّ الْمَحْفُوظَ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا السَّنَدِ هُوَ هَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ
وأَمَّا الْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الْمَذْكُورُ بِهَذَا السَّنَدِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثْتُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيِّ أَنَّ غَيْلَانَ بْنَ سَلَمَةَ أَسْلَمَ إِلَخْ
كَمَا رَوَى شُعَيْبُ بْنُ حَمْزَةَ وَغَيْرُهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ لَا كَمَا رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ
وحَكَمَ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ عَلَى معمر بالوهم وقال بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زُرْعَةَ الْمُرْسَلُ أَصَحُّ لَكِنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ أَخْرَجَ فِي مُسْنَدِهِ عن بن عُلَيَّةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ جَمِيعًا عَنْ مَعْمَرٍ بِالْحَدِيثَيْنِ مَعًا الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَى عُمَرَ وَلَفْظُهُ أن بن سَلَمَةَ الثَّقَفِيَّ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرَةُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ اخْتَرْ مِنْهُنَّ أَرْبَعًا فَلَمَّا كَانَ فِي عَهْدِ عُمَرَ طَلَّقَ نِسَاءَهُ وَقَسَمَ مَالَهُ بَيْنَ بَنِيهِ
فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ
فَقَالَ إِنِّي لَأَظُنُّ الشَّيْطَانَ مِمَّا يَسْتَرِقُ مِنَ السَّمْعِ سَمِعَ بِمَوْتِكَ فَقَذَفَهُ فِي نَفْسِكَ وَأَعْلَمَكَ أَنَّكَ لَا تَمْكُثُ إِلَّا قَلِيلًا
وأَيْمُ اللَّهِ لَتُرَاجِعَنَّ نِسَاءَكَ وَلَتُرْجِعَنَّ مَالَكَ أَوْ لَأُورِثَهُنَّ مِنْكَ وَلَآمُرَنَّ بِقَبْرِكَ فَيُرْجَمَ كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ انْتَهَى
والْمَوْقُوفُ عَلَى عُمَرَ هُوَ الَّذِي حَكَمَ الْبُخَارِيُّ بِصِحَّتِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِخِلَافِ أَوَّلِ الْقِصَّةِ
قَوْلُهُ (كَمَا رُجِمَ قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ) بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا غَيْنٌ مُعْجَمَةٌ فِي الْقَامُوسِ فِي فَصْلِ الرَّاءِ مِنْ بَابِ اللَّامِ وَأَبُو رِغَالٍ كَكِتَابٍ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَدَلَائِلِ النبوة وغيرهما عن بن عُمَرَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ حِينَ خَرَجْنَا مَعَهُ إِلَى الطَّائِفِ فَمَرَرْنَا بِقَبْرٍ فَقَالَ هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ
وهُوَ أَبُو ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ ثَمُودَ وَكَانَ بِهَذَا الْحَرَمِ يَدْفَعُ عَنْهُ فَلَمَّا خَرَجَ مِنْهُ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَصَابَتْ قَوْمَهُ بِهَذَا الْمَكَانِ فَدُفِنَ فِيهِ الْحَدِيثَ
وقَوْلُ الْجَوْهَرِيِّ كَانَ دَلِيلًا لِلْحَبَشَةِ حِينَ تَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ غير معتد به وكذا قول بن سِيدَهْ كَانَ عَبْدًا لِشُعَيْبٍ وَكَانَ عَشَّارًا
стр. 1863
جَائِرًا انْتَهَى
وفِي بَعْضِ الْحَوَاشِي يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الظُّلْمِ وَالشُّؤْمِ وَهُوَ الَّذِي يَرْجُمُ الْحَاجُّ قَبْرَهُ إِلَى الْآنَ
قَالَ جَرِيرٌ إِذَا مَاتَ الْفَرَزْدَقُ فَارْجُمُوهُ كَمَا تَرْجُمُونَ قَبْرَ أَبِي رِغَالٍ
٠٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يُسْلِمُ وعنده أختان)
[١١٢٩] قوله (انه سمع بن فَيْرُوزَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعُجْمَةِ وَالْعَلَمِيَّةِ وَاسْمُهُ الضَّحَّاكُ (يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ) هُوَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَهُوَ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ مِنْ فُرْسِ صَنْعَاءَ وَكَانَ مِمَّنْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ قَاتِلُ الْأَسْوَدِ الْعَنْسِي الْكَذَّابِ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ بِالْيَمَنِ قُتِلَ فِي آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَوَصَلَهُ خَبَرُهُ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ الضَّحَّاكُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَغَيْرُهُمَا مَاتَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ قَوْلُهُ (اخْتَرْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ) وفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ طَلِّقْ أَيَّتَهُمَا شِئْتَ
قَالَ الْمُظْهِرُ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ أَسْلَمَ رَجُلٌ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ وَأَسْلَمَتَا مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ إِحْدَاهُمَا سَوَاءٌ كَانَتِ الْمُخْتَارَةُ تَزَوَّجَهَا أَوَّلًا أَوْ آخِرًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ إِنْ تَزَوَّجَهُمَا مَعًا لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ وَاحِدَةً مِنْهُمَا وَإِنْ تَزَوَّجَهُمَا مُتَعَاقِبَتَيْنِ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْأُولَى مِنْهُمَا دُونَ الْأَخِيرَةِ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ لِتَرْكِهِ ﷺ الِاسْتِفْصَالَ وَلِمَا فِي قَوْلِهِ اخْتَرْ أَيَّتَهمَا مِنَ الْإِطْلَاقِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ قَالَ فِي النَّيْلِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وصححه بن حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَأَعَلَّهُ الْبُخَارِيُّ وَالْعُقَيْلِيُّ انْتَهَى
قلت في سند الترمذي بن لَهِيعَةَ فَتَحْسِينُهُ لِتَعَدُّدِ الطُّرُقِ قَوْلُهُ (وَأَبُو وَهْبٍ الْجَيْشَانِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ (اسمه الديلم بن هوشع) وقال بن يُونُسَ هُوَ عُبَيْدُ بْنُ شُرَحْبِيلَ مَقْبُولٌ مِنَ الرابعة كذا في التقريب
стр. 1864
١٠٦ - (باب الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ وَهِيَ حَامِلٌ)
[١١٣١] قَوْلُهُ (عَنْ بُسْرٍ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَسُكُونِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ (بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) الْحَضْرَمِيِّ الشَّامِيِّ ثِقَةٌ حَافِظٌ (عَنْ رُوَيْفِعٍ) بِالتَّصْغِيرِ قَوْلُهُ (فَلَا يَسْقِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يُدْخِلُ (مَاءَهُ) أَيْ نُطْفَتَهُ (وَلَدَ غَيْرِهِ) وفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ زَرْعَ غَيْرِهِ يَعْنِي إِتْيَانَ الْحَبَالَى وَزَادَ أَبُو دَاوُدَ وَلَا يَحِلُّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنَ السَّبْيِ حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا وَلَا يَحِلُّ لامرىء يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَبِيعَ مَغْنَمًا حَتَّى يُقْسَمَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود والدارمي وبن أبي شيبة والطبراني والبيهقي والضياء المقدسي وبن حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَالْبَزَّارُ وَحَسَّنَهُ
قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عن بن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ بَيْعِ الْمَغَانِمِ حَتَّى تُقْسَمَ
وقَالَ لَا تَسْقِ مَاءَكَ زَرْعَ غَيْرِكَ
وأَصْلُهُ فِي النَّسَائِيِّ (وَأَبِي الدَّرْدَاءِ) عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ مُجِحٍّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ لَعَلَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمَّ بِهَا
فَقَالُوا نَعَمْ
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنَةً تَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ وَكَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَقَالَ كَيْفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَكَيْفَ يَسْتَرِقُّهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ وَالْمُجِحُّ هِيَ الْحَامِلُ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى (وَالْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهم
كَذَا فِي الْمُنْتَقَى (وَأَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي سَبْيِ أَوْطَاسٍ لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَّى تَحِيضَ حَيْضَةً
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ انْتَهَى
стр. 1865
١٠٧ - (باب ما جاء يَسْبِي الْأَمَةَ وَلَهَا زَوْجٌ)
هَلْ يَحِلُّ لَهُ وطؤها أَيْ هَلْ يَجُوزُ لِلسَّابِي وَطْءُ تِلْكَ الْأَمَةِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ
[١١٣٢] قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ) هُوَ عُثْمَانُ بْنُ مُسْلِمٍ الْبَتِّيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ أَبُو عَمْرٍو الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ (أَصَبْنَا سَبَايَا يَوْمَ أَوْطَاسٍ) بِالصَّرْفِ وَقَدْ لَا يُصْرَفُ مَوْضِعٌ أَوْ بُقْعَةٌ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ فِيهَا وَقْعَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ قال القارىء (وَالْمُحْصَنَاتُ) أَيْ وَحُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمُحْصَنَاتُ أَيْ ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ (مِنَ النِّسَاءِ) أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ قَبْلَ مُفَارَقَةِ أزواجهن حرائر مسلمات كن أولا (إلا ما ملكت أيمانكم) مِنَ الْإِمَاءِ بِالسَّبْيِ فَلَكُمْ وَطْؤُهُنَّ وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَزْوَاجٌ فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ
والْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا وَلَفْظُهُ
أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَوْمَ حُنَيْنٍ بَعَثَ جَيْشًا إِلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوًّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا لَهُمْ سَبَايَا فَكَأَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تَحَرَّجُوا مِنْ غَشَيَانِهِنَّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النساء إلا ما ملكت أيمانكم) فَهُنَّ لَكُمْ حَلَالٌ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ أَيْ اسْتِبْرَاؤُهُنَّ وَهِيَ بِوَضْعِ الْحَمْلِ عَنِ الْحَامِلِ وَبِحَيْضَةٍ مِنَ الْحَائِلِ كَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
والْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَنْ أَنَّ السَّبَايَا يَحِلُّ وَطْؤُهُنَّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كُنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 1866
١٠٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ مَهْرِ الْبَغِيِّ)
بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلَةٍ وَجَمْعُ الْبَغِيِّ الْبَغَايَا وَالْبِغَاءُ بكسر أوله الزنى وَالْفُجُورُ وَأَصْلُ الْبِغَاءِ الطَّلَبُ غَيْرَ أَنَّهُ أَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْفَسَادِ
[١١٣٣] قَوْلُهُ (عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْكَلْبِ وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْمُعَلَّمِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ كَانَ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ أَوْ مِمَّا لَا يَجُوزُ
وإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ
وقَالَ عَطَاءٌ وَالنَّخَعِيُّ يَجُوزُ بَيْعُ كَلْبِ الصَّيْدِ دُونَ غَيْرِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثُ جَابِرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ
قَالَ فِي الْفَتْحِ وَرِجَالُ إِسْنَادِهِ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّهُ طَعَنَ فِي صِحَّتِهِ وَأَخْرَجَ نَحْوَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمُهَزَّمِ وَهُوَ ضَعِيفٌ
فَيَنْبَغِي حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيَكُونُ الْمُحَرَّمُ بَيْعَ مَا عَدَا كَلْبَ الصَّيْدِ إِنْ صَلُحَ هَذَا الْمُقَيَّدُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ (وَمَهْرِ الْبَغِيِّ) المراد به ما تأخذه الزانية على الزنى وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ (وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ هُوَ مَا يُعْطَاهُ الْكَاهِنُ عَلَى كِهَانَتِهِ
والْكَاهِنُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ الَّذِي يَدَّعِي مُطَالَعَةَ عِلْمِ الْغَيْبِ وَيُخْبِرُ النَّاسَ عَنِ الْكَوَائِنِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ حَرَامٌ بِالْإِجْمَاعِ لِمَا فِيهِ مِنْ أَخْذِ الْعِوَضِ عَلَى أَمْرٍ بَاطِلٍ
وفِي مَعْنَاهُ التَّنْجِيمُ وَالضَّرْبُ بِالْحَصَى وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَتَعَاطَاهُ الْعَرَّافُونَ مِنَ اسْتِطْلَاعِ الْغَيْبِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَأَبِي جُحَيْفَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وبن عَبَّاسٍ) أَمَّا حَدِيثُ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْجَمَاعَةُ
стр. 1867
(بَاب مَا جَاءَ أَنْ لَا يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ)
قَالَ فِي النِّهَايَةِ خَطَبَ يَخْطُبُ خِطْبَةً بِالْكَسْرِ فَهُوَ خَاطِبٌ وَالِاسْمُ مِنْهُ الْخِطْبَةُ أَيْضًا وَأَمَّا الْخُطْبَةُ بِالضَّمِّ فَهُوَ مِنَ الْقَوْلِ وَالْكَلَامِ انْتَهَى
وقَالَ فِي الصُّرَاحِ خِطْبَةٌ بِالْكَسْرِ زن خواستن
[١١٣٤] قَوْلُهُ (قَالَ قُتَيْبَةُ يَبْلُغُ بِهِ) أَيْ قَالَ قُتَيْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ يَبْلُغُ بِهِ أَيْ يَرْفَعُ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَقَالَ أَحْمَدُ) أَيْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ فِي رِوَايَتِهِ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَمَعْنَى رِوَايَتِهِمَا وَاحِدٌ وَإِنَّمَا الْفَرْقُ فِي اللَّفْظِ
قَوْلُهُ (لَا يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الْبَيْعُ عَلَى الْبَيْعِ حَرَامٌ
وكَذَلِكَ الشِّرَاءُ عَلَى الشِّرَاءِ
وهُوَ أَنْ يَقُولَ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي زَمَنِ الْخِيَارِ افْسَخْ لأبيعك بأنقص أو يقول للبايع افْسَخْ لِأَشْتَرِيَ مِنْكَ بِأَزْيَدَ قَالَ الْجُمْهُورُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ وَذِكْرُ الْأَخِ خَرَجَ لِلْغَائِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ (وَلَا يَخْطُبُ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ هُوَ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ فَتَرْكَنُ إِلَيْهِ وَيَتَّفِقَا عَلَى صَدَاقٍ وَيَتَرَاضَيَا وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْدُ
فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَتَّفِقَا وَلَمْ يَتَرَاضَيَا
ولَمْ يَرْكَنْ أَحَدُهُمَا إِلَى الْآخَرِ فَلَا يَمْنَعُ مِنْ خِطْبَتِهَا وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ النَّهْيِ انتهى
قوله (وفي الباب عن سمرة وبن عُمَرَ) وفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ
أَمَّا حَدِيثُ سَمُرَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ نَهَى النَّبِيُّ أَنْ يَخْطُبَ الرَّجُلُ عَلَى خطبة أخيه
وأما حديث بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُهُ لَا يَخْطُبُ الرَّجُلُ عَلَى خِطْبَةِ الرَّجُلِ حَتَّى يَتْرُكَ الْخَاطِبُ قَبْلَهُ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ الْخَاطِبُ
وَأَمَّا حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَلَفْظُهُ الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ فَلَا يَحِلُّ لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَبْتَاعَ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ وَلَا يَخْطُبَ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ حَتَّى يَذَرَ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ قَوْلُهُ (وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ
стр. 1868
حَدِيثُ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ إِلَخْ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ ظَاهِرَةٌ فِي تَحْرِيمِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ
وأَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِهَا إِذَا كَانَ قَدْ صَرَّحَ لِلْخَاطِبِ بِالْإِجَابَةِ وَلَمْ يَأْذَنْ وَلَمْ يَتْرُكْ فَلَوْ خَطَبَ عَلَى خِطْبَتِهِ وَتَزَوَّجَ وَالْحَالَةُ هَذِهِ عَصَى وَصَحَّ النِّكَاحُ وَلَمْ يُفْسَخْ
هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ
وقَالَ دَاوُدُ يُفْسَخُ النِّكَاحُ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ
وقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الدُّخُولِ لَا بَعْدَهُ وَأَمَّا إِذَا عَرَضَ لَهُ بِالْإِجَابَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ فَفِي تَحْرِيرِ الْخِطْبَةِ عَلَى خِطْبَتِهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا لَا يَحْرُمُ
وقَالَ بعض المالكية لا يحرم حتى يرضو بِالزَّوْجِ وَيُسَمَّى الْمَهْرُ
واسْتَدَلُّوا لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ التَّحْرِيمَ إِنَّمَا هُوَ إِذَا حَصَلَتِ الْإِجَابَةُ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَإِنَّهَا قَالَتْ خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ فَلَمْ يُنْكِرِ النَّبِيُّ ﷺ خِطْبَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بَلْ خَطَبَهَا لِأُسَامَةَ
وقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا الدَّلِيلِ فَيُقَالُ لَعَلَّ الثَّانِيَ لَمْ يَعْلَمْ بِخِطْبَةِ الْأَوَّلِ وَأَمَّا النَّبِيُّ ﷺ فَأَشَارَ بِأُسَامَةَ لَا أَنَّهُ خَطَبَ لَهُ واتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ إِذَا تَرَكَ الْخِطْبَةَ رَغْبَةً عَنْهَا أَوْ أَذِنَ فِيهَا جَازَتِ الْخِطْبَةُ عَلَى خِطْبَتِهِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى
[١١٣٥] قَوْلُهُ (عَلَى فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ) أَيْ الْقُرَشِيَّةِ أُخْتِ الضَّحَّاكِ كَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ (فَحَدَّثَتْ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) وفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ فَبَعَثَ إِلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا (وَوَضَعَ لِي عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ) جَمْعُ قَفِيزٍ وَهُوَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ (خَمْسَةٌ شَعِيرٌ وَخَمْسَةٌ بُرٌّ) بَدَلٌ مِنْ عَشْرَةَ أَقْفِزَةٍ (فَقَالَ صَدَقَ) أَيْ فِي عَدَمِ جَعْلِهِ لَكَ السُّكْنَى
стр. 1869
وَالنَّفَقَةَ
(يَغْشَاهَا الْمُهَاجِرُونَ) أَيْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهَا (فَعَسَى أَنْ تُلْقِي ثِيَابَكَ فَلَا يَرَاكِ) قَالَ النَّوَوِيُّ احْتَجَّ بَعْضُ النَّاسِ بِهَذَا عَلَى جَوَازِ نَظَرِ الْمَرْأَةِ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ بِخِلَافِ نَظَرِهِ إِلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيفٌ
والصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ النَّظَرُ إِلَى الْأَجْنَبِيِّ كَمَا يَحْرُمُ عليه النظر إليها لقوله تعالى قل للمؤمنات يغضوا من أبصارهم الْآيَةَ
ولِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا وَأَيْضًا لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رُخْصَةٌ لَهَا فِي النَّظَرِ إِلَيْهِ بَلْ فِيهِ أَنَّهَا آمِنَةٌ عِنْدَهُ مِنْ نَظَرِ غَيْرِهِ وَهِيَ مَأْمُورَةٌ بِغَضِّ بَصَرِهَا عَنْهُ انْتَهَى
(خَطَبَنِي أَبُو جَهْمٍ وَمُعَاوِيَةُ) أَبُو جَهْمٍ هَذَا هُوَ عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْعَدَوِيُّ الْقُرَشِيُّ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَهُوَ الَّذِي طَلَبَ النبي ﷺ انبجانية فِي الصَّلَاةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَيْرُ أَبِي جَهْمٍ الْمَذْكُورِ فِي التَّيَمُّمِ وفِي الْمُرُورِ بَيْنَ يدي المصلي ومعاوية هذا هو بن أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ الْأُمَوِيُّ
(أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَرَجُلٌ لَا مَالَ لَهُ وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ
والصُّعْلُوكُ بِالضَّمِّ الْفَقِيرُ الَّذِي لَا مَالَ لَهُ (وَأَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَرَجُلٌ شَدِيدٌ عَلَى النِّسَاءِ) وَفِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ فَرَجُلٌ ضَرَّابٌ لِلنِّسَاءِ
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا فِيهِ عِنْدَ الْمُشَاوَرَةِ وَطَلَبِ النَّصِيحَةِ وَلَا يَكُونُ هَذَا مِنَ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ
(فَبَارَكَ اللَّهُ فِي أُسَامَةَ) وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا وَاغْتَبَطَتْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ وَالْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا
قَوْلُهُ (وَرَوَاهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي جَهْمٍ إِلَخْ) أَخْرَجَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُسْلِمٌ
وقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ حَدِيثَ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ مُطَوَّلًا مختصرا
وقَدْ اسْتَنْبَطَ مِنْهُ النَّوَوِيُّ فَوَائِدَ كَثِيرَةً فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَهُ
стр. 1870
١١٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْعَزْلِ)
بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الزَّايِ هُوَ النَّزْعُ بَعْدَ الْإِيلَاجِ لِيُنْزِلَ خَارِجَ الْفَرْجِ [١١٣٦] قَوْلُهُ (فَزَعَمَتِ الْيَهُودُ أَنَّهُ) أَيْ الْعَزْلُ (الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى) الْوَأْدُ دَفْنُ الْبِنْتِ حَيَّةً وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَفْعَلُ ذَلِكَ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ وَالْعَارِ
قَالَهُ النَّوَوِيُّ
والْمَعْنَى أَنَّ الْيَهُودَ زَعَمُوا أَنَّ الْعَزْلَ نَوْعٌ مِنَ الْوَأْدِ لِأَنَّ فِيهِ إِضَاعَةَ النُّطْفَةِ الَّتِي أَعَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى لِيَكُونَ مِنْهَا الْوَلَدُ
وسَعْيًا فِي إِبْطَالِ ذَلِكَ الِاسْتِعْدَادِ بِعَزْلِهَا عَنْ مَحِلِّهَا (كَذَبَتِ الْيَهُودُ) أَيْ فِي زَعْمِهِمْ أَنَّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمْ يَمْنَعْهُ) أَيْ الْعَزْلُ أَوْ شَيْءٌ
وهَذَا الْحَدِيثُ دَلِيلٌ لِمَنْ أَجَازَ الْعَزْلَ
قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عَنْ عُمَرَ وَالْبَرَاءِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ) أَمَّا حديث عمر فأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ مِنَ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا
قَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى لَيْسَ إِسْنَادُهُ بذاك
وقال الشوكاني في إسناده بن لَهِيعَةَ وفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أخرجه عبد الرزاق والبيهقى عن بن عَبَّاسٍ قَالَ
نَهَى عَنْ عَزْلِ الْحُرَّةِ إِلَّا بإذنها
وروى عنه بن أَبِي شَيْبَةَ
أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ
وروى البيهقي عن بن عُمَرَ مِثْلَهُ
وأَمَّا حَدِيثُ الْبَرَاءِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ نَحْوَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ
وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ قَالَ
قَالَتِ الْيَهُودُ الْعَزْلُ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ كَذَبَتِ الْيَهُودُ إِنَّ اللَّهَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يَصْرِفَهُ
فَإِنْ قُلْتَ حَدِيثُ الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يُعَارِضُهُ حَدِيثُ جُذَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ فَفِيهِ ثُمَّ سَأَلُوهُ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ
وهِيَ (وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سئلت)
أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ وَالتَّوفِيقِ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ قُلْتُ قَدِ اخْتَلَفُوا فِي وَجْهِ الْجَمْعِ فَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ حَدِيثِ جُذَامَةَ عَلَى التَّنْزِيهِ
وهَذِهِ طَرِيقَةُ الْبَيْهَقِيِّ
ومِنْهُمْ مَنْ ضَعَّفَ حَدِيثَ جُذَامَةَ لِمُعَارَضَتِهِ لِمَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهُ طُرُقًا
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا دَفْعٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالتَّوَهُّمِ
والْحَدِيثُ صَحِيحٌ لَا رَيْبَ فِيهِ وَالْجَمْعُ مُمْكِنٌ
ومِنْهُمْ مَنِ ادَّعَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ
стр. 1871
وَرُدَّ بِعَدَمِ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ
وقَالَ الطَّحَاوِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ حَدِيثُ جُذَامَةَ عَلَى وَفْقِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ أَوَّلًا مِنْ مُوَافَقَةِ أَهْلِ الكتاب فيما لم ينزل عليه ثم علمه اللَّهُ بِالْحُكْمِ فَكَذَّبَ الْيَهُودُ فِيمَا كَانُوا يَقُولُونَهُ وتعقبه بن رشد وبن الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُحَرِّمُ شَيْئًا تَبَعًا لِلْيَهُودِ ثُمَّ يُصَرِّحُ بِتَكْذِيبِهِمْ فِيهِ
ومِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ حَدِيثَ جُذَامَةَ بِثُبُوتِهِ فِي الصَّحِيحِ وَضَعْفِ مُقَابِلِهِ بِالِاخْتِلَافِ فِي إِسْنَادِهِ وَالِاضْطِرَابِ
وقَالَ الْحَافِظُ وَرُدَّ بِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْدَحُ فِي حَدِيثٍ لَا فِيمَا يُقَوِّي بَعْضُهُ بَعْضًا فَإِنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ والجمع ممكن ورجح بن حَزْمٍ الْعَمَلَ بِحَدِيثِ جُذَامَةَ بِأَنَّ أَحَادِيثَ غَيْرِهَا مُوَافِقَةٌ لِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ
قَالَ فَمَنِ ادَّعَى أَنَّهُ أُبِيحَ بَعْدَ أَنْ مُنِعَ فَعَلَيْهِ الْبَيَانُ
وتُعُقِّبَ بِأَنَّ حَدِيثَهَا لَيْسَ صريحا في المنع إذا لَا يَلْزَمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ وَأْدًا خَفِيًّا عَلَى طريقي التشبيه أن يكون حراما
وجمع بن الْقَيِّمِ فَقَالَ الَّذِي كَذَّبَ فِيهِ ﷺ الْيَهُودَ هُوَ زَعْمُهُمْ أَنَّ الْعَزْلَ لَا يُتَصَوَّرُ مَعَهُ الْحَمْلُ أَصْلًا وَجَعَلُوهُ بِمَنْزِلَةِ قَطْعِ النَّسْلِ بِالْوَأْدِ
فَأَكْذَبَهُمْ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ الْحَمْلَ إِذَا شَاءَ اللَّهُ خَلْقَهُ وَإِذَا لَمْ يُرِدْ خَلْقَهُ لَمْ يَكُنْ وَأْدَ حَقِيقَةٍ وَإِنَّمَا وَأْدًا خَفِيًّا فِي حَدِيثِ جُذَامَةَ
لِأَنَّ الرَّجُلَ إِنَّمَا يَعْزِلُ هَرَبًا مِنَ الْحَمْلِ فَأَجْرَى قَصْدَهُ لِذَلِكَ مَجْرَى الْوَأْدِ
لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْوَأْدَ ظَاهِرٌ بِالْمُبَاشَرَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ الْقَصْدُ وَالْفِعْلُ وَالْعَزْلُ يَتَعَلَّقُ بِالْقَصْدِ فَقَطْ
فَلِذَلِكَ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَفِيًّا
وهَذَا الْجَمْعُ قَوِيٌّ كَذَا فِي النَّيْلِ
[١١٣٧] قَوْلُهُ (كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ) فِيهِ جَوَازُ الِاسْتِدْلَالِ بِالتَّقْرِيرِ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى حُكْمٍ مِنْ الْأَحْكَامِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ حَرَامًا لَمْ يُقَرَّرَا عَلَيْهِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَعْلَمَهُ النَّبِيُّ ﷺ
وقَدْ ذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ عَلَى مَا حَكَاهُ فِي الْفَتْحِ إِلَى أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا أَضَافَ الْحُكْمَ إِلَى زَمَنِ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ
قَالَ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ اطَّلَعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَقَرَّهُ
لِتَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى سُؤَالِهِمْ إِيَّاهُ عَنِ الْأَحْكَامِ
قَالَ وَقَدْ وَرَدَتْ عِدَّةُ طُرُقٍ تُصَرِّحُ بِاطِّلَاعِهِ عَلَى ذَلِكَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فَلَمْ يَنْهَنَا
قَوْلُهُ (حَدِيثُ جَابِرٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
قَوْلُهُ (وَقَدْ رَخَّصَ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْعَزْلِ) فَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ
(وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ تُسْتَأْمَرُ الْحُرَّةُ فِي الْعَزْلِ وَلَا تُسْتَأْمَرُ الْأَمَةُ) يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أحمد وبن ماجه عن
стр. 1872
عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُعْزَلَ عَنِ الحرة إلا بإذنها
وفي إسناده بن لَهِيعَةَ وفِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أخرجه عبد الرزاق والبيهقي عن بن عَبَّاسٍ قَالَ نَهَى عَنْ عَزْلِ الْحُرَّةِ إِلَّا بإذنها وروى عنه بن أَبِي شَيْبَةَ أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ عَنْ أَمَتِهِ
وروى البيهقي عن بن عُمَرَ مِثْلَهُ
وقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي حُكْمِ العزل فحكى في الفتح عن بن عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَا يُعْزَلُ عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ إِلَّا بِإِذْنِهَا لِأَنَّ الْجِمَاعَ مِنْ حَقِّهَا وَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ وَلَيْسَ الْجِمَاعُ الْمَعْرُوفُ إِلَّا مَا لَا يَلْحَقُهُ الْعَزْلُ
قَالَ الْحَافِظُ وَافَقَهُ فِي نقل هذا الاجماع بن هُبَيْرَةَ قَالَ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَعْرُوفَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أنه لاحق لِلْمَرْأَةِ فِي الْجِمَاعِ فَيَجُوزُ عِنْدَهُمْ الْعَزْلُ عَنْ الْحُرَّةِ بِغَيْرِ إِذْنِهَا عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِمْ
ويَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِذْنِ مِنَ الْحُرَّةِ حَدِيثُ عُمَرَ الْمَذْكُورُ
وأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنْ كَانَتْ زَوْجَةً فَحُكْمُهَا حُكْمُ الْحُرَّةِ
واخْتَلَفُوا هَلْ يُعْتَبَرُ الْإِذْنُ مِنْهَا أَوْ مِنْ سَيِّدِهَا وَإِنْ كَانَتْ سُرِّيَّةً فَقَالَ فِي الْفَتْحِ يَجُوزُ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ إِلَّا فِي وَجْهٍ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ فِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا
كمذهب بن حَزْمٍ
١١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ الْعَزْلِ)
[١١٣٨] قوله (عن قزعة) بفتح القاف والزاي بن يَحْيَى الْبَصْرِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (لَمْ يفعل ذلك أحدكم
وزاد بن أَبِي عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يَفْعَلْ ذَلِكَ أَحَدُكُمْ) أَشَارَ إِلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُمْ بِالنَّهْيِ
وإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ ذَلِكَ
لِأَنَّ الْعَزْلَ إِنَّمَا كَانَ خَشْيَةَ حُصُولِ الْوَلَدِ فَلَا فَائِدَةَ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ إِنْ كَانَ قَدْ خَلَقَ الْوَلَدَ لَمْ يَمْنَعْ الْعَزْلُ ذَلِكَ فَقَدْ يَسْبِقُ الْمَاءُ وَلَمْ يَشْعُرْ الْعَازِلُ فَيَحْصُلُ الْعُلُوقُ وَيَلْحَقُهُ الْوَلَدُ
ولَا رَادَّ لِمَا قَضَى اللَّهُ
والْفِرَارُ مِنْ حُصُولِ الْوَلَدِ يَكُونُ لِأَسْبَابٍ مِنْهَا خَشْيَةُ عُلُوقِ الزَّوْجَةِ الْأَمَةِ
لِئَلَّا يَصِيرُ الْوَلَدُ رَقِيقًا أَوْ خَشْيَةُ دُخُولِ الضَّرَرِ عَلَى الْوَلَدِ الْمُرْضَعِ إِذَا
стр. 1873
كَانَتِ الْمَوْطُوءَةُ تُرْضِعُهُ أَوْ فِرَارًا مِنْ كَثْرَةِ الْعِيَالِ إِذَا كَانَ الرَّجُلُ مُقِلًّا فَيَرْغَبُ فِي قِلَّةِ الْوَلَدِ لِئَلَّا يَتَضَرَّرَ بِتَحْصِيلِ الْكَسْبِ
وكُلُّ ذَلِكَ لَا يُغْنِي شَيْئًا
وقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ والبزار وصححه بن حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنِ الْعَزْلِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَوْ أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي يَكُونُ مِنْهُ الْوَلَدُ أَهْرَقْتَهُ عَلَى صَخْرَةٍ لَأَخْرَجَ اللَّهُ مِنْهَا وَلَدًا
وَلَهُ شَاهِدَانِ فِي الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنِ بن عباس
وفي الأوسط له عن بن مَسْعُودٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ
١٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْقِسْمَةِ لِلْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ)
[١١٣٩] قَوْلُهُ (قَالَ) أَيْ أَبُو قِلَابَةَ (لَوْ شِئْتُ أَنْ أَقُولَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَكِنَّهُ قَالَ السُّنَّةُ) كَانَ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ صَرَّحَ بِرَفْعِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَكَانَ صَادِقًا وَيَكُونُ رُوِيَ بِالْمَعْنَى وَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْمُحَافَظَةَ عَلَى اللَّفْظِ أَوْلَى
واعْلَمْ أَنَّ الصَّحَابِيَّ إِذَا قَالَ السُّنَّةُ أَوْ مِنَ السُّنَّةِ فَالْمُرَادُ بِهِ سُنَّةُ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ الَّذِي يَتَبَادَرُ مِنْ قَوْلِ الصَّحَابِيِّ
وقَدْ وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي الْحَجِّ قَوْلُ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ حِينَ سَأَلَهُ الزُّهْرِيُّ عن قول بن عُمَرَ لِلْحَجَّاجِ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ هَلْ تُرِيدُ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لَهُ سَالِمٌ وَهَلْ يَعْنُونَ بِذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ انْتَهَى
(إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى امْرَأَتِهِ) أَيْ يَكُونُ عِنْدَهُ امْرَأَةٌ فَيَتَزَوَّجُ مَعَهَا بِكْرًا (أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ قَسَمَ قَوْلُهُ (وَإِذَا تَزَوَّجَ ثَيِّبًا عَلَى امْرَأَتِهِ أَقَامَ ثَلَاثًا) زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ثُمَّ قَسَمَ
وفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ لِلْبِكْرِ سَبْعَةُ أَيَّامٍ وَلِلثَّيِّبِ ثَلَاثَةٌ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى نِسَائِهِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ) أَخْرَجَهُ أحمد ومسلم وأبو داود وبن مَاجَهْ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا تَزَوَّجَهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَقَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِكِ هَوَانٌ عَلَى أَهْلِكَ فَإِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ لَكَ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكَ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي
وفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ إِنْ شِئْتِ أقمت عندك ثلاثا خالصة لك وإن شِئْتِ سَبَّعْتِ لَكِ وَسَبَّعْتُ لِنِسَائِي قَالَتْ تُقِيمُ مَعِيَ ثَلَاثًا خَالِصَةً
وفِي إِسْنَادِ رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ هَذِهِ الْوَاقِدِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَنَسٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قالوا
стр. 1874
إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً بِكْرًا عَلَى امْرَأَتِهِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمَّ قَسَمَ بَيْنَهُمَا بَعْدُ بِالْعَدْلِ إِلَخْ) وَاسْتَدَلُّوا بِأَحَادِيثِ الْبَابِ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِيمَا قَالُوا
وهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وفِيهِ أَنَّ حَقَّ الزِّفَافِ ثَابِتٌ لِلْمَزْفُوفَةِ
وتَقَدَّمَ بِهِ عَلَى غَيْرِهَا فَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا كَانَ لَهَا سَبْعُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا بِلَا قَضَاءٍ وَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إِنْ شَاءَتْ سَبْعًا وَيَقْضِي السَّبْعَ لِبَاقِي النِّسَاءِ وَإِنْ شَاءَتْ ثَلَاثًا وَلَا يَقْضِي
وهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ
وهُوَ الَّذِي ثَبَتَتْ فِيهِ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
ومَنْ قَالَ بِهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثور وبن جَرِيرٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
ورَوَى الامام محمد في موطإه حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ وفِيهِ إِنْ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ وَسَبَّعْتُ عِنْدَهُنَّ وَإِنْ شِئْتِ ثَلَّثْتُ عِنْدَكِ وَدُرْتُ
قَالَتْ ثَلِّثْ
قَالَ مُحَمَّدٌ بِهَذَا نَأْخُذُ يَنْبَغِي إِنْ سَبَّعَ عِنْدَهَا أَنْ يُسَبِّعَ عِنْدَهُنَّ لَا يَزِيدُ لَهَا عَلَيْهِنَّ شَيْئًا وَإِنْ ثَلَّثَ عِنْدَهَا يُثَلِّثُ عِنْدَهُنَّ
وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةُ مِنْ فُقَهَائِنَا انْتَهَى
قُلْتُ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْجَدِيدَةِ وَالْقَدِيمَةِ وَلَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بَلْ يَجِبُ الْقَسْمُ بَيْنَهُنَّ بِالسَّوِيَّةِ
والِاسْتِدْلَالُ عَلَى هَذَا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ غَيْرُ ظَاهِرٍ بَلِ الظَّاهِرُ مِنْهُ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَدْ أَقَرَّ بِهِ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ عَلَى مُوَطَّإِ مُحَمَّدٍ
وكَذَا الظَّاهِرُ مِنْ سَائِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ بِلَفْظِ إِنْ شِئْتِ أَقَمْتُ عِنْدَكِ ثَلَاثًا خَالِصَةً لَكِ وَإِنْ سَبَّعْتُ لَكِ سَبَّعْتُ لِنِسَائِي
قَالَتْ تُقِيمُ مَعِيَ ثَلَاثًا خَالِصَةً
وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ بِالظَّوَاهِرِ الْوَارِدَةِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ
وأُجِيبُوا بِأَنَّ أَحَادِيثَ الْبَابِ مُخَصِّصَةٌ لِلظَّوَاهِرِ الْعَامَّةِ
والْحَاصِلُ أَنَّ الْمَذْهَبَ الرَّاجِحَ الظَّاهِرَ مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ الْإِمَامَ أَبَا حَنِيفَةَ وَأَصْحَابَهُ كَمَا تَرَكُوا الْعَمَلَ بِظَاهِرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ كَذَلِكَ تَرَكَ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَذْكُورِ
فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ جَوَازُ التَّخْيِيرِ لِلثَّيِّبِ بَيْنَ الثَّلَاثِ بِلَا قَضَاءٍ وَالسَّبْعِ مَعَ الْقَضَاءِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ
وقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَا تَخْيِيرَ بَلْ لِلْبِكْرِ الْجَدِيدَةِ سَبْعٌ وَلِلثَّيِّبِ ثلاث بدون التخيير والقضاء
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ تَرَكَهُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ أَنَسٍ انْتَهَى
وأَشَارَ بِهِ إِلَى حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الدَّالِّ صَرِيحًا عَلَى التَّخْيِيرِ بِأَنَّ مَالِكًا رَأَى ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ
стр. 1875
النَّبِيِّ ﷺ لِأَنَّهُ خُصَّ فِي النِّكَاحِ بِخَصَائِصَ
فَاحْتِمَالُ الْخُصُوصِيَّةِ مَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ بِهِ
وفِيهِ ضَعفٌ ظَاهِرٌ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الِاحْتِمَالِ لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ انْتَهَى
قُلْتُ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ
١٣ - (بَاب مَا جاء في التسوية بين الضرائر)
هي زَوْجَاتُ الرَّجُلِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَتَضَرَّرُ بِالْأُخْرَى بِالْغَيْرَةِ وَالْقَسْمِ
كَذَا فِي الْمَجْمَعِ
[١١٤٠] قَوْلُهُ (كَانَ يَقْسِمُ بَيْنَ نِسَائِهِ فَيَعْدِلُ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ أَنَّ الْقَسْمَ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَذَهَبَ بعض المفسرين إلا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى ترجى من تشاء منهن الْآيَةِ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ (وَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذِهِ قِسْمَتِي فِيمَا أَمْلِكُ) أَيْ أَقْدِرُ عَلَيْهِ (فَلَا تَلُمْنِي) أَيْ لَا تُعَاتِبْنِي وَلَا تُؤَاخِذْنِي (فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ) أَيْ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ والميل
قال بن الْهُمَامِ ظَاهِرُهُ أَنَّ مَا عَدَاهُ مِمَّا هُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ مِلْكِهِ وَقُدْرَتِهِ يَجِبُ التَّسْوِيَةُ فِيهِ
ومِنْهُ عَدَدُ الْوَطَآتِ وَالْقُبُلَاتِ وَالتَّسْوِيَةُ فِيهِمَا غَيْرُ لَازِمَةٍ إِجْمَاعًا
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ) وَكَذَا أَعَلَّهُ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ حَمَّادَ بْنَ سَلَمَةَ عَلَى وَصْلِهِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ إِلَّا أَحْمَدُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدَّارِمِيُّ وَصَحَّحَهُ بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ
قَوْلُهُ (كَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ أَهْلِ العلم) أخرج
стр. 1876
الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ طَلْحَةَ عَنِ بن عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بين النساء) قَالَ فِي الْحُبِّ وَالْجِمَاعِ وَعِنْدَ عُبَيْدَةَ بْنِ عَمْرٍو السَّلْمَانِيِّ مِثْلُهُ
قَوْلُهُ (جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ) وفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَجُرُّ أَحَدَ شِقَّيْهِ سَاقِطًا أَوْ ماثلا
قَالَ الطِّيبِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ أَيْ نِصْفُهُ مَائِلٌ قِيلَ بِحَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْعَرَصَاتِ لِيَكُونَ هَذَا زِيَادَةً فِي التَّعْذِيبِ وَهَذَا الْحُكْمُ غَيْرُ مَقْصُورٍ عَلَى امْرَأَتَيْنِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَتْ ثَلَاثٌ أَوْ أَرْبَعٌ كَانَ السُّقُوطُ ثَابِتًا وَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ نِصْفُهُ سَاقِطًا وَإِنْ لَزِمَ الْوَاحِدَةَ وَتَرَكَ الثَّلَاثَ أَوْ كَانَتْ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهِ سَاقِطَةً عَلَى هَذَا فَاعْتُبِرَ ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الزَّوْجَتَانِ إِحْدَاهُمَا حُرَّةٌ وَالْأُخْرَى أَمَةٌ فَلِلْحُرَّةِ الثُّلُثَانِ مِنَ الْقَسْمِ وَلِلْأَمَةِ الثُّلُثُ
بِذَلِكَ وَرَدَ الْأَثَرُ قَضَى بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ ﵄
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ (وَإِنَّمَا أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ هَمَّامٌ) أَيْ رَوَاهُ مَرْفُوعًا (وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْحَدِيثَ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ) وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ هُوَ خَبَرٌ ثَابِتٌ لَكِنَّ عِلَّتَهُ أَنَّ هَمَّامًا تَفَرَّدَ بِهِ وَأَنَّ هِشَامًا رَوَاهُ عَنْ قَتَادَةَ فَقَالَ كَانَ يُقَالُ
وأَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ
وحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الدارمي وبن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى وَالنَّيْلِ
١٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الزَّوْجَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا)
[١١٤٢] قَوْلُهُ (عَنِ الحجاج) هو بن أَرْطَاةَ صَدُوقٌ كَثِيرُ الْخَطَأِ وَالتَّدْلِيسِ
قَوْلُهُ (رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ بمهر جديد ونكاح جديد) يخالفه حديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي فَفِيهِ أَنَّهُ ﷺ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا وَهُوَ أَصَحُّ كَمَا سَتَعْرِفُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ فِي إِسْنَادِهِ حَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ)
وأَيْضًا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ كَمَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَنِ الْعَرْزَمِيِّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَدْ ضَعَّفَ هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ العلم كذا
стр. 1877
في النيل والحديث أخرجه أيضا بن مَاجَهْ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ) أَيْ مِنْ حَيْثُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّدَّ بَعْدَ الْعِدَّةِ يَحْتَاجُ إِلَى نِكَاحٍ جَدِيدٍ
فَالرَّدُّ بِلَا نِكَاحٍ لَا يَكُونُ إِلَّا قَبْلَ الْعِدَّةِ
قَالَهُ أَبُو الطَّيِّبِ الْمَدَنِيُّ (وَهُوَ قَوْلُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) وقال محمد في موطإه إِذَا أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَهُمَا حَتَّى يُعْرَضَ عَلَى الزَّوْجِ الْإِسْلَامُ فَإِنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِنْ أَبَى أَنْ يُسْلِمَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا وَكَانَتْ فُرْقَتُهَا تَطْلِيقَةً بَائِنَةً
وهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ انْتَهَى [١١٤٣] قَوْلُهُ (بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا وفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ وأبي داود وبن مَاجَهْ بَعْدَ سَنَتَيْنِ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ) وفِي رِوَايَةٍ بَعْدَ ثَلَاثِ سِنِينَ وَأَشَارَ فِي الْفَتْحِ إِلَى الجمع فقال الْمُرَادُ بِالسِّتِّ مَا بَيْنَ هِجْرَةِ زَيْنَبَ وَإِسْلَامِهِ وَبِالسَّنَتَيْنِ أَوْ الثَّلَاثِ مَا بَيْنَ نُزُولِ قَوْلِهِ تعالى لاهن حل لهم وَقُدُومِهِ مُسْلِمًا فَإِنَّ بَيْنَهُمَا سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا
قَوْلُهُ (هذا حديث ليس بإسناده بأس) حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ
وقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَكَذَا قال البخاري
قال بن كَثِيرٍ فِي الْإِرْشَادِ هُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ قَوِيٌّ وهو من رواية بن إِسْحَاقَ عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ انْتَهَى إِلَّا أَنَّ حَدِيثَ دَاوُدَ بْنِ الحصين عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ نَسَخَهُ وَقَدْ ضَعَّفَ أَمْرَهَا عَلِيُّ بْنُ المديني وغيره من علماء الحديث وبن إِسْحَاقَ فِيهِ مَقَالٌ مَعْرُوفٌ
كَذَا فِي النَّيْلِ
قُلْتُ قَدْ تَقَدَّمَ فِي بَحْثِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الإمام أن الحق أن بن إِسْحَاقَ ثِقَةٌ قَابِلٌ لِلِاحْتِجَاجِ
(وَلَكِنْ لَا نَعْرِفُ وَجْهَ الْحَدِيثِ) قَالَ الْحَافِظُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ رَدَّهَا إِلَيْهِ بَعْدَ سِتِّ سِنِينَ أَوْ بَعْدَ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ مُشْكِلٌ لِاسْتِبْعَادِ أَنْ تَبْقَى فِي الْعِدَّةِ هَذِهِ الْمُدَّةَ
قَالَ وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى جَوَازِ تَقْرِيرِ الْمُسْلِمَةِ تَحْتَ الْمُشْرِكِ إِذَا تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ عَنْ إِسْلَامِهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا
ومِمَّنْ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ بن
стр. 1878
عَبْدِ الْبَرِّ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ بِجَوَازِهِ وَرَدَّهُ بِالْإِجْمَاعِ الْمَذْكُورِ
وتُعُقِّبَ بثبوت الخلاف قديما فيه فقد أخرجه بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ بِطُرُقٍ قَوِيَّةٍ وَأَفْتَى بِهِ حَمَّادٌ شَيْخُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنِ الْإِشْكَالِ بِأَنَّ بَقَاءَ الْعِدَّةِ تِلْكَ الْمُدَّةَ مُمْكِنٌ وَإِنْ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ فِي الْغَالِبِ وَلَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ إِنَّمَا هِيَ سَنَتَانِ وَأَشْهُرٌ فَإِنَّ الْحَيْضَ قد يبطىء عَنْ ذَاتِ الْأَقْرَاءِ لِعَارِضٍ
وبِمِثْلِ هَذَا أَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ أَوْلَى مَا يُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ وقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ إِنَّ حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ هُوَ الَّذِي عليه العمل وإن كان حديث بن عَبَّاسٍ أَصَحَّ إِسْنَادًا لَكِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ كَانَ فرق بينهما قال الله تعالى لاهن حل لهم ولا هم يحلون لهن وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ قَالَ مَعْنَى حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ رَدَّهَا عَلَيْهِ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ فِي الصَّدَاقِ وَالْحِبَاءِ وَلَمْ يُحْدِثْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ مِنْ شَرْطٍ وَلَا غَيْرِهِ انْتَهَى
وقَدْ أَشَارَ إلى مثل هذا الجمع بن عَبْدِ اللَّهِ
وقِيلَ إِنَّ زَيْنَبَ لَمَّا أَسْلَمَتْ وَبَقِيَ زَوْجُهَا عَلَى الْكُفْرِ لَمْ يُفَرِّقِ النَّبِيُّ ﷺ إذا لَمْ يَكُنْ قَدْ نَزَلَ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُسْلِمَةِ على الكافر فلما نزل قوله تعالى لاهن حل لهم الْآيَةَ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ أَنْ تَعْتَدَّ فَوَصَلَ أَبُو الْعَاصِ مُسْلِمًا قَبْلَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَقَرَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ
فَيَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ
قَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ تُعَضِّدُهُ الْأُصُولُ وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِوُقُوعِ عَقْدٍ جَدِيدٍ
والْأَخْذُ بِالصَّرِيحِ أَوْلَى مِنَ الْأَخْذِ بِالْمُحْتَمَلِ وَيُؤَيِّدُهُ مخالفة بن عَبَّاسٍ لِمَا رَوَاهُ كَمَا حَكَى ذَلِكَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ
قَالَ الْحَافِظُ وَأَحْسَنُ الْمَسَالِكِ فِي تَقْرِيرِ الحديثين ترجيح حديث بن عَبَّاسٍ كَمَا رَجَّحَهُ الْأَئِمَّةُ وَحَمَلَهُ عَلَى تَطَاوُلِ الْعِدَّةِ فِيمَا بَيْنَ نُزُولِ آيَةِ التَّحْرِيمِ وَإِسْلَامِ أَبِي الْعَاصِ وَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى
وفِي الْمَقَامِ كَلَامٌ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا فَعَلَيْكَ أَنْ تُرَاجِعَ شُرُوحَ الْبُخَارِيِّ كَالْفَتْحِ وَغَيْرِهِ
[١١٤٤] قَوْلُهُ (فقال يا رسول الله إِنَّهَا كَانَتْ أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدَّهَا عَلَيْهِ) فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ مَعَ زَوْجِهَا تُرَدُّ إِلَيْهِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ
قَوْلُهُ (يَذْكُرُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ هَذَا الْحَدِيثَ) أَرَادَ بِهَذَا الحديث حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورَ بِلَفْظِ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ ابنته زينب الخ
стр. 1879
١١٥ - مَا جَاءَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَمُوتُ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ لَهَا [١١٤٥] قَوْلُهُ (وَلَمْ يَفْرِضْ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَمْ يُقَدِّرْ وَلَمْ يُعَيِّنْ (لَهَا صَدَاقًا) أَيْ مَهْرًا (وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا) أَيْ لَمْ يُجَامِعْهَا وَلَمْ يَخْلُ بِهَا خَلْوَةً صَحِيحَةً (مِثْلَ صَدَاقِ نِسَائِهَا) أَيْ نِسَاءِ قَوْمِهَا (لَا وَكْسَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَيْ لَا نَقْصَ (وَلَا شَطَطَ) بِفَتْحَتَيْنِ أَيْ وَلَا زِيَادَةَ (وَلَهَا الْعِدَّةُ) أَيْ لِلْوَفَاةِ (وَلَهَا الْمِيرَاثُ) زَادَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ فَإِنْ يَكُ صَوَابًا فَمِنَ اللَّهِ وَإِنْ يَكُ خَطَأً فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيْطَانِ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ بَرِيئَانِ
(فَقَامَ معقل) بفتح الميم وكسر القاف (بن سِنَانٍ) بِكَسْرِ السِّينِ (الْأَشْجَعِيُّ) بِالرَّفْعِ صِفَةُ مَعْقِلٍ (فِي بَرْوَعَ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَجَدْوَلٍ وَلَا يُكْسَرُ بِنْتُ وَاشِقٍ صَحَابِيَّةٌ انْتَهَى
وقَالَ فِي الْمُغْنِي بِفَتْحِ الْبَاءِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَكَسْرِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
وقَالَ فِي جَامِعِ الأصول أهل الحديث يرونها بِكَسْرِ الْبَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ
وأَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَيَفْتَحُونَ الْبَاءَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَيْسَ بِالْعَرَبِيَّةِ فِعْوَلُ إِلَّا خِرْوَعُ لِهَذَا النَّبْتِ وَعِقْوَدُ اسم واد انتهى
قال القارىء فَلْيَكُنْ هَذَا مِنْ قَبِيلِهِمَا وَنَقْلُ الْمُحَدِّثِينَ أَحْفَظُ
قَالَ وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ (بِنْتِ وَاشِقٍ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ (فَفَرِحَ بِهَا) أَيْ بِالْقَضِيَّةِ أَوْ بِالْفُتْيَا لِكَوْنِ اجْتِهَادِهِ مُوَافِقًا لِحُكْمِهِ ﷺ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ الْجَرَّاحِ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ بْنِ أَبِي الْجَرَّاحِ الْأَشْجَعِيِّ صَحَابِيٌّ مُقِلٌّ وَأَخْرَجَ حَدِيثَهُ أَبُو
стр. 1880
داود قوله (حديث بن مَسْعُودٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْحَافِظُ فِي بُلُوغِ الْمَرَامِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَجَمَاعَةٌ انْتَهَى
قَالَ في السبل منهم بن مهدي وبن حَزْمٍ وَقَالَ لَا مَغْمَزَ فِيهِ بِصِحَّةِ إِسْنَادِهِ
ومِثْلُهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ
قُلْتُ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَكُلُّ مَا أَعَلُّوهُ بِهِ فَهُوَ مَدْفُوعٌ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ
وبِهِ يَقُولُ الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) قَالَ فِي النَّيْلِ وَالْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَسْتَحِقُّ بِمَوْتِ زَوْجِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ قَبْلَ فَرْضِ الصَّدَاقِ جَمِيعَ الْمَهْرِ وَإِنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ دُخُولٌ وَلَا خَلْوَةٌ
وبِهِ قَالَ بن مسعود وبن سيرين وبن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ انْتَهَى
قُلْتُ وَهُوَ الْحَقُّ
(وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وبن عباس وبن عُمَرَ إِذَا تَزَوَّجَ الرَّجُلُ امْرَأَةً وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا حَتَّى مَاتَ قَالُوا لَهَا الْمِيرَاثُ وَلَا صَدَاقَ لَهَا وَعَلَيْهَا العدة) وهو قول الأوزاعي والليث ومالك وأحمد قول الشَّافِعِيِّ
قَالُوا لِأَنَّ الصَّدَاقَ عِوَضٌ فَإِذَا لَمْ يَسْتَوْفِ الزَّوْجُ الْمُعَوَّضَ عَنْهُ لَمْ يُلْزَمْ قِيَاسًا عَلَى ثَمَنِ الْمَبِيعِ
وأَجَابُوا عَنِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا فَرُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَمَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ لَا يُسَمَّى وَمَرَّةً عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ أَوْ نَاسٍ مِنْ أَشْجَعَ
وضَعَّفَهُ الْوَاقِدِيُّ بِأَنَّهُ حَدِيثٌ وَرَدَ إِلَى الْمَدِينَةِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ فَمَا عَرَفَهُ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ
ورُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ رَدَّهُ بِأَنَّهُ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ أَعْرَابِيٌّ بَوَّالٌ عَلَى عَقِبَيْهِ
وأُجِيبَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ غَيْرُ قَادِحٍ لِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ صَحَابِيٍّ وَصَحَابِيٍّ وَهَذَا لَا يُطْعَنُ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ وَلَا يَضُرُّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ أَوْ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَشْجَعَ لِأَنَّهُ فَسَّرَ ذَلِكَ بِمَعْقِلٍ
قَالَ البيهقي قد سمى فيه بن سِنَانٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَالِاخْتِلَافُ فِيهِ لَا يَضُرُّ فَإِنَّ جَمِيعَ الرِّوَايَاتِ فِيهِ صَحِيحَةٌ وفِي بَعْضِهَا مَا دَلَّ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أشجع شهدوا بذلك وقال بن أَبِي حَاتِمٍ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الَّذِي قَالَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ أَصَحُّ
وأَمَّا عَدَمُ مَعْرِفَةِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ فَلَا يَقْدَحُ بِهَا مَعَ عَدَالَةِ الرَّاوِي
وأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ فَقَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ (وَقَالَ لَوْ ثَبَتَ حَدِيثُ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ لَكَانَتْ الْحُجَّةُ فِيمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ
стр. 1881
الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ إِنْ كَانَ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَهُوَ أَوْلَى الْأُمُورِ وَلَا حُجَّةَ فِي أَحَدٍ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنْ كَبُرَ
ولَا شَيْءَ فِي قَوْلِهِ إِلَّا طَاعَةُ اللَّهِ بِالتَّسْلِيمِ لَهُ
ولَمْ أَحْفَظْهُ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ مِثْلُهُ مَرَّةً يُقَالُ عَنْ مَعْقِلِ بْنِ سِنَانٍ وَمَرَّةً عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَمَرَّةً عَنْ بَعْضِ أَشْجَعَ لَا يُسَمَّى انْتَهَى
وغَرَضُهُ التَّضْعِيفُ بِالِاضْطِرَابِ وَقَدْ عَرَفْتَ الْجَوَابَ عَنْهُ
ورَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ حَرْمَلَةَ بْنِ يَحْيَى أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إِنْ صَحَّ حَدِيثُ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ قُلْتُ بِهِ
قَالَ الْحَاكِمُ قَالَ شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ لو حضرت الشافعي لقمت على رؤوس النَّاسِ وَقُلْتُ قَدْ صَحَّ الْحَدِيثُ انْتَهَى
ورُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ رَجَعَ عَنْ هَذَا الْقَوْلِ
وقَالَ بِحَدِيثِ بَرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ لِثُبُوتِهِ عِنْدَهُ بعد أن كان مترددا في صحته
стр. 1882
١٠ - أبواب الرضاع
بفتح الراء وكسرها لغة وهو الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالرَّضَاعُ وَالرَّضَاعَةُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا فِيهِمَا وَأَنْكَرَ الْأَصْمَعِيُّ الْكَسْرَ فِي الرَّضَاعَةِ وَهُوَ مَصُّ الرَّضِيعِ مِنْ ثَدْيِ الْآدَمِيَّةِ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كثير إِذَا حَصَلَ فِي مُدَّةِ الرَّضَاعِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ
وقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ إِلَّا بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ
ومُدَّةُ الرَّضَاعَةِ ثَلَاثُونَ شَهْرًا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ سَنَتَانِ
وبه قال الشافعي وأحمد وغيرهما
(بَاب مَا جَاءَ يُحَرَّمُ مِنْ الرَّضَاعِ مَا يحرم من النسب)
يُحَرَّمُ صِيغَةُ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّحْرِيمِ
[١١٤٦] قَوْلُهُ (إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعِ مَا حَرَّمَ مِنْ النَّسَبِ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّضَاعَ يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَةِ وَزَوْجِهَا يَعْنِي الَّذِي وَقَعَ الْإِرْضَاعُ بَيْنَ وَلَدِهِ مِنْهَا أَوْ السَّيِّدِ فَتُحَرَّمُ عَلَى الصَّبِيِّ لِأَنَّهَا تَصِيرُ أُمَّهُ وَأُمُّهَا لِأَنَّهَا جَدَّتُهُ فَصَاعِدًا وَأُخْتُهَا لِأَنَّهَا خَالَتُهُ وَبِنْتُهَا لِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِنْتُ بِنْتِهَا فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ وَبِنْتُ صَاحِبِ اللَّبَنِ لِأَنَّهَا أُخْتُهُ وَبِنْتُ بِنْتِهِ فَنَازِلًا لِأَنَّهَا بِنْتُ أُخْتِهِ وَأُمُّهُ فَصَاعِدًا لِأَنَّهَا جَدَّتُهُ وَأُخْتُهُ لِأَنَّهَا عَمَّتُهُ وَلَا يَتَعَدَّى التَّحْرِيمُ إِلَى أَحَدٍ مِنْ قَرَابَةِ الرَّضِيعِ
فَلَيْسَتْ أُخْتُهُ مِنَ الرَّضَاعَةِ أُخْتًا لِأَخِيهِ وَلَا بِنْتًا لِأَبِيهِ إِذْ لَا رَضَاعَ بَيْنَهُمْ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ سَبَبَ التَّحْرِيمِ مَا يَنْفَصِلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَرْأَةِ وَزَوْجِهَا وَهُوَ اللَّبَنُ فَإِذَا اغْتَذَى بِهِ الرَّضِيعُ صَارَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَائِهِمَا فَانْتَشَرَ التَّحْرِيمُ بَيْنَهُمْ بِخِلَافِ قَرَابَاتِ الرَّضِيعِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُرْضِعَةِ وَلَا زَوْجِهَا نَسَبٌ وَلَا سَبَبٌ انْتَهَى
قَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَثْنَى مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ مُطْلَقًا
стр. 1883
وفِي الرَّضَاعِ قَدْ لَا يَحْرُمْنَ الْأُولَى أُمُّ الْأَخِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ وَإِمَّا زَوْجُ أَبٍ وفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْأَخَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى أَخِيهِ
الثَّانِيَةُ أُمُّ الْحَفِيدِ حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا إما بنت أو زوج بن وفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْحَفِيدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى جَدِّهِ
الثَّالِثَةُ جَدَّةُ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ حَرَامٌ لِأَنَّهَا إِمَّا أُمٌّ أَوْ أُمُّ زَوْجَةٍ وفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً أَرْضَعَتِ الْوَلَدَ فَيَجُوزُ لِوَالِدِهِ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا
الرَّابِعَةُ أُخْتُ الْوَلَدِ حَرَامٌ فِي النَّسَبِ لِأَنَّهَا بِنْتٌ أَوْ رَبِيبَةٌ وفِي الرَّضَاعِ قَدْ تَكُونُ أَجْنَبِيَّةً فَتُرْضِعُ الْوَلَدَ فَلَا تَحْرُمُ عَلَى الْوَلَدِ
وهَذِهِ الصور الأربع اقتصر عليها جماعة ولم يستثنى الْجُمْهُورُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ
وفِي التَّحْقِيقِ لَا يُسْتَثْنَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَحْرُمْنَ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ وَإِنَّمَا حَرُمْنَ مِنْ جِهَةِ الْمُصَاهَرَةِ
واسْتَدْرَكَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ أُمَّ الْعَمِّ وَأُمَّ الْعَمَّةِ وَأُمَّ الْخَالِ وَأُمَّ الْخَالَةِ فَإِنَّهُنَّ يَحْرُمْنَ فِي النَّسَبِ لَا فِي الرَّضَاعِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى عُمُومِهِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
وقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى ثُبُوتِ حُرْمَةِ الرَّضَاعِ بَيْنَ الرَّضِيعِ وَالْمُرْضِعَةِ وَأَنَّهُ يَصِيرُ ابْنُهَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ نِكَاحُهَا أَبَدًا وَيَحِلُّ النَّظَرُ إِلَيْهَا وَالْخَلْوَةُ بِهَا وَالْمُسَافَرَةُ وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْأُمُومَةِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ فَلَا يَتَوَارَثَانِ وَلَا يَجِبُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ الْآخَرِ وَلَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ بِالْعِتْقِ وَلَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ لَهَا وَلَا يَعْقِلُ عَنْهَا وَلَا يَسْقُطُ عَنْهَا الْقِصَاصُ بِقَتْلِهِ
فَهُمَا كَالْأَجْنَبِيَّيْنِ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا يَحْرُمُ مِنَ الْوِلَادَةِ
وأخرجه الترمذي وغيره
(وبن عَبَّاسٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِلَفْظِ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَنْ يَحْرُمُ مِنَ الرَّحِمِ وفِي لَفْظٍ مِنَ النَّسَبِ (وَأُمِّ حَبِيبَةَ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَ حَدِيثَهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
[١١٤٧] قَوْلُهُ (مَا حَرُمَ مِنَ الْوِلَادَةِ) وفِي رِوَايَةِ بن مَاجَهْ مِنَ النَّسَبِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَا نَعْلَمُ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا) وَقَدْ وَقَعَ الْخِلَافُ هَلْ يحرم بالرضطاع
стр. 1884
ما يحرم من الصهار وبن الْقَيِّمِ قَدْ حَقَّقَ ذَلِكَ فِي الْهَدْيِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ وَقَدْ ذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ نَظِيرُ الْمُصَاهَرَةِ بِالرَّضَاعِ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمُّ امْرَأَتِهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَامْرَأَةُ أَبِيهِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَيَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنَ الرَّضَاعَةِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَبِنْتِهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ وَقَدْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بن تَيْمِيَةَ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْهَدْيِ كَذَا فِي النَّيْلِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ)
بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ الرَّجُلُ وَنِسْبَةُ اللَّبَنِ إِلَيْهِ مَجَازِيَّةٌ لِكَوْنِهِ السَّبَبَ فِيهِ
قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ يُتَصَوَّرُ تَجْرِيدُ لَبَنِ الْفَحْلِ بِرَجُلٍ لَهُ امْرَأَتَانِ تُرْضِعُ إِحْدَاهُمَا صَبِيًّا
والْأُخْرَى صَبِيَّةً فَالْجُمْهُورُ قَالُوا يَحْرُمُ عَلَى الصَّبِيِّ تَزْوِيجُ الصَّبِيَّةِ
وقَالَ مَنْ خَالَفَهُمْ يَجُوزُ
ذَكَرَهُ الْحَافِظُ
ويحيى تفسير لبن الفحل في الباب عن بن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا
[١١٤٨] قَوْلُهُ (جَاءَ عَمِّي مِنَ الرَّضَاعَةِ) وفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إِنَّ أفلح أخا أبي العقيس جَاءَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهَا وَهُوَ عَمُّهَا مِنَ الرَّضَاعَةِ (فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ) أَيْ لِيَدْخُلْ (إِنَّمَا أَرْضَعَتْنِي الْمَرْأَةُ وَلَمْ يُرْضِعْنِي الرَّجُلُ) وفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الأحزاب فإن أخاه أبو الْقُعَيْسِ لَيْسَ هُوَ أَرْضَعَنِي وَلَكِنْ أَرْضَعَتْنِي امْرَأَةُ أَبِي الْقُعَيْسِ (قَالَ فَإِنَّهُ عَمُّكِ فَلْيَلِجْ عَلَيْكِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ حتى يثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن كما ثبت مِنْ جَانِبِ الْمُرْضِعَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَثْبَتَ عُمُومَةَ الرَّضَاعِ وَأَلْحَقَهَا بِالنَّسَبِ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ كَرِهُوا لَبَنَ الْفَحْلِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَفُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ كَالْأَوْزَاعِيِّ فِي أَهْلِ الشَّامِ وَالثَّوْرِيِّ وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة وبن جُرَيْجٍ فِي أَهْلِ مَكَّةَ وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَتْبَاعِهِمْ إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْفَحْلِ يُحَرِّمُ وَحُجَّتُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ
يَعْنِي حَدِيثَ عَائِشَةَ الْمَذْكُورَ فِي الْبَابِ (وَقَدْ رَخَّصَ بَعْضُ أَهْلِ
стр. 1885
الْعِلْمِ فِي لَبَنِ الْفَحْلِ) رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ بن عُمَرَ وَأَبِي الزُّبَيْرِ وَرَافِعِ بْنِ خُدَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ وَمِنَ التَّابِعِينَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَعَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَغَيْرِهِمْ
واحْتَجُّوا بقوله تعالى (وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم) وَلَمْ يَذْكُرْ الْعَمَّةَ وَالْبِنْتَ كَمَا ذَكَرَهُمَا فِي النَّسَبِ
وَأُجِيبُوا بِأَنَّ تَخْصِيصَ الشَّيْءِ بِالذِّكْرِ لَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَاهُ وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ جَاءَتِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ
واحْتَجَّ بَعْضُهُمْ مِنْ حَيْثُ النَّظَرِ بِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَنْفَصِلُ مِنَ الرَّجُلِ وَإِنَّمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الْمَرْأَةِ فَكَيْفَ تَنْتَشِرُ الْحُرْمَةُ إِلَى الرَّجُلِ
والْجَوَابُ أَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ سَبَبَ اللَّبَنِ هُوَ مَاءُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ مَعًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الرَّضَاعُ مِنْهُمَا وَإِلَى هذا أشار بن عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ اللِّقَاحُ وَاحِدٌ وَأَيْضًا فَإِنَّ الْوَطْءَ يُدِرُّ اللَّبَنَ فَلِلْفَحْلِ فِيهِ نَصِيبٌ (وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ) فَإِنَّهُ قَدْ ثَبَتَ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَلَمْ يَثْبُتْ الْقَوْلُ الثَّانِي بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ قَوْلُهُ (لَهُ جَارِيَتَانِ) أَيْ أَمَتَانِ (أَرْضَعَتْ أَحَدُهُمَا جَارِيَةً) أَيْ صَبِيَّةً (وَالْأُخْرَى غُلَامًا) أَيْ وَالْجَارِيَةُ الْأُخْرَى أَرْضَعَتْ صَبِيًّا (فَقَالَ لَا) أَيْ لَا يَحِلُّ لِلْغُلَامِ أَنْ يَتَزَوَّجَ الْجَارِيَةَ (اللِّقَاحُ وَاحِدٌ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ اللَّقَاحُ بِالْفَتْحِ اسْمُ مَاءِ الْفَحْلِ أَرَادَ أَنَّ مَاءَ الْفَحْلِ الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ وَاحِدٌ وَاللَّبَنُ الَّذِي أَرْضَعَتْهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا كَانَ أَصْلُهُ مَاءَ الْفَحْلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللِّقَاحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْإِلْقَاحِ يُقَالُ أَلْقَحَ الْفَحْلُ النَّاقَةَ إِلْقَاحًا وَلَقَاحًا كَمَا يُقَالُ أَعْطَى إِعْطَاءً وَعَطَاءً
والْأَصْلُ فِيهِ لِلْإِبِلِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلنَّاسِ انْتَهَى
وأَثَرُ بن عَبَّاسٍ هَذَا سَكَتَ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ إسناده صحيح
стр. 1886
٣ - (بَاب مَا جَاءَ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ)
[١١٥٠] قَوْلُهُ (لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَلَا الْمَصَّتَانِ) وفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ
وفِي رِوَايَةٍ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ
والْمَصَّةُ هِيَ الْمَرَّةُ مِنَ الْمَصِّ كَالرَّضْعَةِ مِنَ الرَّضَاعِ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ مَصِصْتُهُ بِالْكَسْرِ أَمُصُّهُ وَمَصَصْتُهُ أَمُصُّهُ كَخَصَصْتُهُ أَخُصُّهُ شَرِبْتُهُ شُرْبًا رَفِيقًا انْتَهَى وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ الْمَصُّ مكيدن
وقَالَ فِي الْقَامُوسِ مَلَجَ الصَّبِيُّ أُمَّهُ كَنَصَرَ وَسَمِعَ تَنَاوَلَ ثَدْيَهَا بِأَدْنَى فَمِهِ
وامْتَلَجَ اللَّبَنَ امْتَصَّهُ وَأَمْلَجَهُ أَرْضَعَهُ وَالْمَلِيجُ الرَّضِيعُ انْتَهَى
وقَالَ فِيهِ رَضَعَ أُمَّهُ كَسَمِعَ وَضَرَبَ رَضْعًا وَيُحَرَّكُ وَرَضَاعًا وَرَضَاعَةً وَتُكْسَرُ إِنِ امْتَصَّ ثَدْيَهَا انْتَهَى
وقال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فَلَا تُحَرِّمُ الْمَلْجَةُ وَالْمَلْجَتَانِ
وفِي رِوَايَةٍ الْإِمْلَاجَةُ وَالْإِمْلَاجَتَان
الْمَلْجُ الْمَصُّ مَلَجَ الصَّبِيُّ أُمَّهُ إِذَا رَضَعَهَا
والْمَلْجَةُ الْمَرَّةُ وَالْإِمْلَاجَةُ الْمَرَّةُ أَيْضًا مِنْ أَمْلَجَتْهُ أُمُّهُ أَيْ أَرْضَعَتْهُ يَعْنِي أَنَّ الْمَصَّةَ وَالْمَصَّتَيْنِ لَا يُحَرِّمَانِ مَا يُحَرِّمُهُ الرَّضَاعُ الْكَامِلُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ الْفَضْلِ) إِنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَتُحَرِّمُ الْمَصَّةُ فَقَالَ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ وَالْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ
وفِي رِوَايَةٍ قَالَتْ دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ فِي بَيْتِي فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنْ كَانَتْ لِي امْرَأَةٌ فَتَزَوَّجْتُ عَلَيْهَا أُخْرَى فَزَعَمَتِ امْرَأَتِي الْأُولَى أَنَّهَا أَرْضَعَتِ امْرَأَتِي الْحَدْثَى رَضْعَةً أَوْ رَضْعَتَيْنِ
فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لَا تُحَرِّمُ الْإِمْلَاجَةُ وَلَا الْإِمْلَاجَتَانِ
أَخْرَجَهُمَا أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ (وأبي هريرة) أخرجه النسائي
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا
كَذَا فِي التلخيص (والزبير) أخرجه أحمد والنسائي وبن حبان (وبن الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا
قَوْلُهُ (وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الحديث حديث بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عن عائشة الخ) وأعل
стр. 1887
بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْحَدِيثَ بِالِاضْطِرَابِ
فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بلا واسطة
وجمع بن حبان بينهما بإمكان أن يكون بن الزُّبَيْرِ سَمِعَهُ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ
قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وفِي ذَلِكَ الْجَمْعِ بُعْدٌ عَلَى طَرِيقَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا) أَيْ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ (عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وغيرهم) ذَهَبَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدَةَ وأبو ثور وبن المنذر وداود وأتباعه إلا بن حَزْمٍ إِلَى أَنَّ الَّذِي يُحَرِّمُ ثَلَاثُ رَضَعَاتٍ لِقَوْلِهِ ﷺ لَا تُحَرِّمُ الرَّضْعَةُ وَالرَّضْعَتَانِ
فَإِنَّ مَفْهُومَهُ أَنَّ الثَّلَاثَ تُحَرِّمُ
وأَغْرَبَ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ لَمْ يَقُلْ بِهِ إِلَّا دَاوُدُ
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَوْلُهُ (وَقَالَتْ عَائِشَةُ أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ) بسكون الشين وبفتح الضاد قاله القارىء
(فَنَسَخَ مِنْ ذَلِكَ خَمْسًا) أَيْ فَنَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الْمَذْكُورِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ
وقَدْ ضُبِطَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ الْمَطْبُوعَةِ فَنُسِخَ بِضَمِّ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ وَيَخْدِشُهُ قَوْلُهُ خَمْسًا بِالنَّصْبِ
نَعَمْ لَوْ كَانَ خَمْسٌ بِالرَّفْعِ لَكَانَ صَحِيحًا (وَصَارَ إِلَى خَمْسِ رَضَعَاتٍ إِلَخْ)
وفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ قَالَتْ فِيمَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ
قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ النَّسْخَ بِخَمْسِ رَضَعَاتٍ تَأَخَّرَ إِنْزَالُهُ جِدًّا حَتَّى أَنَّهُ ﷺ تُوفِّيَ وَبَعْضُ النَّاسِ يَقْرَأُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ وَيجْعَلُهَا قُرْآنًا مَتْلُوًّا لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّسْخُ لِقُرْبِ عَهْدِهِ فَلَمَّا بَلَغَهُمْ النَّسْخُ بَعْدَ ذَلِكَ رَجَعُوا عَنْ ذَلِكَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ هَذَا لَا يُتْلَى
والنَّسْخُ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وَتِلَاوَتُهُ كَعَشْرِ رَضَعَاتٍ
وَالثَّانِي مَا نُسِخَ تِلَاوَتُهُ دُونَ حُكْمِهِ كَخَمْسِ رَضَعَاتٍ وَكَالشَّيْخِ وَالشَّيْخَةِ إِذَا زَنَيَا فَارْجُمُوهُمَا
وَالثَّالِثُ مَا نُسِخَ حُكْمُهُ وبقيت تلاوته وهذا هو الأكثر وعنه قَوْلُهُ تَعَالَى الَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وصية لأزواجهم الْآيَةَ
انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ
(وَبِهَذَا كَانَتْ عَائِشَةُ تُفْتِي وَبَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ
وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَإِسْحَاقَ) قَالَ
стр. 1888
النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يَثْبُتُ بِهِ حُكْمُ الرَّضَاعِ فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ لَا يَثْبُتُ بِأَقَلَّ مِنْ خَمْسِ رَضَعَاتٍ
وقَالَ جمهور العلماء يثبت برضعة واحدة
حكاه بن المنذر عن بن مسعود وبن عمر وبن عباس وطاءوس وبن الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ ﵃
قَالَ فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ فَأَخَذُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ خَمْسُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ
وأَخَذَ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ تعالى (وأمهاتكم اللآتي أرضعنكم) ولم يذكر عددا وههنا اعْتِرَاضَاتٌ مِنْ قِبَلِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ وَمِنْ قِبَلِ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الشَّافِعِيَّةِ مَذْكُورَةٌ فِي شُرُوحِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ
(فَهُوَ مَذْهَبٌ قَوِيٌّ) لِصِحَّةِ دَلِيلِهِ وَقُوَّتِهِ (وَجُبْنٌ) الْجُبْنُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ضِدُّ الشَّجَاعَةِ فَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِصِيغَةِ الْمَاضِي بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِضَمِّهَا
(عَنْهُ) الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ يَرْجِعُ إِلَى قَوْلِهِ ذَاهِبٌ (أَنْ يَقُولَ فِيهِ) أَيْ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ الْقَوِيِّ (شَيْئًا) وَالْمَعْنَى جَبُنَ عَنْ ذَلِكَ الذَّاهِبِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا الْمَذْهَبِ الْقَوِيِّ بِشَيْءٍ مِنَ الْكَلَامِ أَوْ ذَلِكَ جُبْنٌ عَنْهُ
والظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَقُولَةُ أَحْمَدَ
وقِيلَ أَنَّهُ مَقُولَةُ التِّرْمِذِيِّ
وضَمِيرُ عَنْهُ يَرْجِعُ إِلَى أَحْمَدَ
قَوْلُهُ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ وَغَيْرِهِمْ يُحَرِّمُ قَلِيلُ الرَّضَاعِ وَكَثِيرُهُ إِذَا وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ
وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَإِلَيْهِ مَيَلَانُ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ ﵀ فَإِنَّهُ قال في صحيحه باب من قال لارضاع بَعْدَ حَوْلَيْنِ إِلَى أَنْ قَالَ وَمَا يُحَرِّمُ مِنْ قَلِيلِ الرَّضَاعِ وَكَثِيرِهِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ إِلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ الْوَارِدِ فِي الْأَخْبَارِ انْتَهَى
قُلْتُ اسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ بإطلاق قوله تعالى (وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم) وَإِطْلَاقِ حَدِيثِ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مِنَ الرَّضَاعَةِ مَا حَرَّمَ مِنَ النَّسَبِ
وغَيْرِ ذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوَّى مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ أَنَّ الْأَخْبَارَ اخْتَلَفَتْ فِي الْعَدَدِ
وعَائِشَةُ الَّتِي رَوَتْ ذَلِكَ قَدْ اخْتُلِفَ عَلَيْهَا فِيمَا يُعْتَبَرُ مِنْ ذَلِكَ
فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إِلَى أَصْلِ مَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ الِاسْمُ
ويُعَضِّدُهُ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ أَنَّهُ مَعْنًى طَارِئٌ يَقْتَضِي تَأْيِيدَ التَّحْرِيمِ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالصِّهْرِ أَوْ يُقَالُ مَائِعٌ يَلِجُ الْبَاطِنَ فَيُحَرِّمُ فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعَدَدُ كَالْمَنِيِّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
وأَيْضًا فَقَوْلُ
стр. 1889
عَائِشَةَ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَمَاتَ النَّبِيُّ ﷺ وَهُنَّ مِمَّا يُقْرَأُ
لَا يَنْتَهِضُ لِلِاحْتِجَاجِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلَيْ الْأُصُولِيِّينَ لِأَنَّ الْقُرْآنَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالتَّوَاتُرِ وَالرَّاوِي رَوَى هَذَا عَلَى أَنَّهُ قُرْآنٌ لَا خَبَرٌ فَلَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ قُرْآنًا وَلَا ذَكَرَ الرَّاوِي أَنَّهُ خَبَرٌ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَاكِمِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ)
[١١٥١] قَوْلُهُ (قَالَ وَسَمِعْتُهُ مِنْ عُقْبَةَ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ وَسَمِعْتُ الْحَدِيثَ مِنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ عُبَيْدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ (وَلَكِنِّي لِحَدِيثِ عُبَيْدٍ أَحْفَظُ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادٍ عن أيوب ولفظه عن بن أبي مليكة عن بن الْحَارِثِ قَالَ وَحَدَّثَنِيهِ صَاحِبٌ لِي عَنْهُ وَأَنَا لِحَدِيثِ صَاحِبِي أَحْفَظُ وَلَمْ يُسَمِّهِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى التَّفْرِقَةِ فِي صِيَغِ الْأَدَاءِ بَيْنَ الْأَفْرَادِ وَالْجَمْعِ أَوْ بَيْنَ الْقَصْدِ إِلَى التَّحْدِيثِ وَعَدَمِهِ
فَيَقُولُ الرَّاوِي فِيمَا سَمِعَهُ وَحْدَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ أَوْ قَصَدَ الشَّيْخُ تَحْدِيثَهُ بِذَلِكَ حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ وفِيمَا عَدَا ذَلِكَ حَدَّثَنَا بِالْجَمْعِ أَوْ سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ
ووَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ ثُمَّ قَالَ لَمْ يُحَدِّثْنِي وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يُحَدِّثُ وَهَذَا يُعَيِّنُ أَحَدَ الِاحْتِمَالَيْنِ
وقَدْ اعْتَمَدَ ذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ فَيَقُولُ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قَرَأَهُ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ وَلَا يَقُولُ حَدَّثَنِي وَلَا أَخْبَرَنِي لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْهُ بِالتَّحْدِيثِ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْمَعُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَشْعُرَ بِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً) وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إِهَابٍ (فَجَاءَتْنَا امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ) قَالَ الْحَافِظُ مَا عَرَفْتُ اسْمَهَا (وَقَدْ أَرْضَعْتُكُمَا) وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ قَدْ أَرْضَعَتْ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ بِهَا (فَأَتَيْتُ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ مَا أَعْلَمُ أَنَّكَ قَدْ أَرْضَعْتِنِي وَلَا أَخْبَرْتِنِي فَأَرْسَلَ إِلَى آلِ أَبِي إِهَابٍ فَسَأَلَهُمْ فَقَالُوا مَا عَلِمْنَا أَرْضَعَتْ صَاحِبَتَنَا فَرَكِبَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (قَالَ وَكَيْفَ بِهَا) أَيْ كَيْفَ تَشْتَغِلُ
стр. 1890
بِهَا وَتُبَاشِرُهَا وَتُفْضِي إِلَيْهَا (وَقَدْ زَعَمَتْ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّهَا قَالَتْ (دَعْهَا عَنْكَ) وفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي الشَّهَادَاتِ فَنَهَاهُ عَنْهَا
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَجَازُوا شَهَادَةَ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ) وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ قَالَ عَلِيُّ بْنُ سَعْدٍ سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَسْأَلُ عَنْ شَهَادَةِ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ فِي الرَّضَاعِ
قَالَ تَجُوزُ عَلَى حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ
وهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَنُقِلَ عَنْ عثمان وبن عَبَّاسٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عن بن جريج عن بن شِهَابٍ قَالَ فَرَّقَ عُثْمَانُ بَيْنَ نَاسٍ تَنَاكَحُوا بقول امرأة سوداء أنها أرضعتهم قال بن شِهَابٍ النَّاسُ يَأْخُذُونَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ عُثْمَانَ الْيَوْمَ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْدٍ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ إِنْ شَهِدَتِ الْمُرْضِعَةُ وَحْدَهَا وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ مُفَارَقَةُ الْمَرْأَةِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِذَلِكَ
وإِنْ شَهِدَتْ مَعَهَا أُخْرَى وَجَبَ الْحُكْمُ بِهِ كذا في فتح الباري (وقال بن عَبَّاسٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ وَتُؤْخَذُ يَمِينُهَا وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ) يَعْنِي أَنَّهُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى دَلِيلِ أَخْذِ الْيَمِينِ (وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الرَّضَاعِ حَتَّى يَكُونَ أَكْثَرَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي فِي ذَلِكَ شَهَادَةُ الْمُرْضِعَةِ لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهَا
وقَدْ أَخْرَجَ أَبُو عُبَيْدٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وعلي بن أبي طالب وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ امْتَنَعُوا مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ بِذَلِكَ
فَقَالَ عُمَرُ فَرِّقْ بَيْنَهُمَا إِنْ جَاءَتْ بِبَيِّنَةٍ وَإِلَّا فَخَلِّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ إِلَّا أَنْ يَتَنَزَّهَا
ولَوْ فُتِحَ هَذَا الْبَابُ لَمْ تَشَأْ امْرَأَةٌ أَنْ تُفَرِّقَ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ إِلَّا فَعَلَتْ
وقَالَ الشَّعْبِيُّ تُقْبَلُ مَعَ ثَلَاثِ نِسْوَةٍ بِشَرْطِ أَلَّا تَتَعَرَّضَ نِسْوَةٌ لِطَلَبِ أُجْرَةٍ
وقِيلَ لَا تُقْبَلُ مُطْلَقًا
وقِيلَ تُقْبَلُ فِي ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ دُونَ ثُبُوتِ الْأُجْرَةِ لَهَا عَلَى ذَلِكَ
وقَالَ مَالِكٌ تُقْبَلُ مَعَ أُخْرَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ لَا تُقْبَلُ فِي الرَّضَاعِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ الْمُتَمَحِّضَاتِ
وعَكَسَهُ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ
وأَجَابَ مَنْ لَمْ يَقْبَلْ شَهَادَةَ الْمُرْضِعَةِ وَحْدَهَا بِحَمْلِ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ فَنَهَاهُ عَنْهَا عَلَى التَّنْزِيهِ
وبِحَمْلِ الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ دَعْهَا
стр. 1891
عَنْكَ عَلَى الْإِرْشَادِ انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّ النَّهْيَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ فَلَا يَخْرُجُ عَنْ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ إِلَّا لِقَرِينَةٍ صَارِفَةٍ
قَالَ وَالِاسْتِدْلَالُ عَلَى عَدَمِ قَبُولِ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ بقوله تعالى واستشهدوا شهيدين من رجالكم لَا يُفِيدُ شَيْئًا لِأَنَّ الْوَاجِبَ بِنَاءُ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ
ولَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ أَخَصُّ مُطْلَقًا (وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ) بِالتَّصْغِيرِ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (سَمِعْتُ وَكِيعًا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْحُكْمِ وَيُفَارِقُهَا فِي الْوَرَعِ) أَيْ يُفَارِقُهَا تَوَرُّعًا وَاحْتِيَاطًا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَأَمَّا مَا قِيلَ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ ﷺ مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ فَلَا يَخْفَى مُخَالَفَتُهُ لِمَا هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا سِيَّمَا بَعْدَ أَنْ كَرَّرَ السُّؤَالَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ كَمَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ
والنَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ لَهُ فِي جَمِيعِهَا كَيْفَ وَقَدْ قِيلَ وفِي بَعْضِهَا دَعْهَا عَنْكَ وفِي بَعْضِهَا لَا خَيْرَ لَكَ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ ﷺ أَمَرَهُ بِالطَّلَاقِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ بِالِاحْتِيَاطِ لَأَمَرَهُ بِهِ
قَالَ فَالْحَقُّ وُجُوبُ الْعَمَلِ بِقَوْلِ الْمَرْأَةِ الْمُرْضِعَةِ حُرَّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً انْتَهَى كَلَامُهُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ
(بَاب مَا جَاءَ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَا تُحَرِّمُ إِلَّا فِي الصِّغَرِ)
دُونَ الْحَوْلَيْنِ [١١٥٢] قَوْلُهُ (لَا يُحَرِّمُ) بِتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ (مِنَ الرَّضَاعِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِهَا (إِلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ) بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ أَيْ الَّذِي شَقَّ أَمْعَاءَ الصَّبِيِّ كَالطَّعَامِ وَوَقَعَ مِنْهُ مَوْقِعَ الْغِذَاءِ
وذَلِكَ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَانِ الرَّضَاعِ وَالْأَمْعَاءُ جَمْعُ مِعًى وَهُوَ مَوْضِعُ الطَّعَامِ مِنَ الْبَطْنِ (فِي الثَّدْيِ) حَالٌ مِنْ فَاعِلِ فَتَقَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَتَنْحِتُونَ مِنْ الجبال بيوتا أَيْ كَائِنًا فِي الثَّدْيِ فَائِضًا مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ بِالِارْتِضَاعِ أَوْ بِالْإِيجَارِ
ولَمْ يَرِدْ بِهِ الِاشْتِرَاطُ فِي الرَّضَاعِ الْمُحَرَّمِ أَنْ يَكُونَ مِنَ الثدي قاله القارىء وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ قَوْلُهُ فِي الثَّدْيِ أَيْ فِي زَمَنِ الثَّدْيِ وَهُوَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ فَإِنَّ الْعَرَبَ تقول مات
стр. 1892
فُلَانٌ فِي الثَّدْيِ أَيْ فِي زَمَنِ الرَّضَاعِ قَبْلَ الْفِطَامِ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ (وَكَانَ) أَيْ الرَّضَاعُ (قَبْلَ الْفِطَامِ) بِكَسْرِ الْفَاءِ أَيْ زَمَنَ الْفِطَامِ الشَّرْعِيِّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ أَيْضًا وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ لَا رَضَاعَ إلا في الحولين
رواه الدارقطني وبن عدي مرفوعا وموقوفا ورجح الموقوف
وعن بن مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لارضاع إلا ما أنشز الْعَظْمَ وَأَنْبَتَ اللَّحْمَ
رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ قَوْلُهُ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ الرَّضَاعَةَ لَا تُحَرِّمُ إِلَّا مَا كَانَ دُونَ الْحَوْلَيْنِ إِلَخْ) وَهُوَ قَوْلُ صَاحِبَيِ الْإِمَامِ أبي حنيفة
قال محمد في موطإه لَا يُحَرِّمُ الرَّضَاعُ إِلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ
فَمَا كَانَ فِيهَا مِنَ الرَّضَاعِ وَإِنْ كَانَ مَصَّةً وَاحِدَةً فَهِيَ تُحَرِّمُ
كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ لَمْ يُحَرِّمْ شَيْئًا لِأَنَّ اللَّهَ قَالَ (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أراد أن يتم الرضاعة) فَتَمَامُ الرَّضَاعَةِ الْحَوْلَانِ فَلَا رَضَاعَةَ بَعْدَ تَمَامِهَا يُحَرِّمُ شَيْئًا
وكَانَ أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ يَحْتَاطُ سِتَّةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ فَيَقُولُ يُحَرِّمُ مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ وَبَعْدَهَا تَمَامُ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَذَلِكَ ثَلَاثُونَ شَهْرًا
ولَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ
ونَحْنُ لَا نَرَى أَنْ يُحَرِّمَ وَنَرَى أَنَّهُ لَا يُحَرِّمُ مَا كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ انْتَهَى كَلَامُ مُحَمَّدٍ ﵀
قَالَ صَاحِبُ التَّعْلِيقِ الْمُمَجَّدِ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ لَا احْتِيَاطَ بَعْدَ وُرُودِ النُّصُوصِ بِالْحَوْلَيْنِ مَعَ أَنَّ الِاحْتِيَاطَ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ وَأَقْوَاهُمَا دليلا قولهما انتهى
(باب مَا يُذْهِبُ مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ)
[١١٥٣] قَوْلُهُ (مَا يُذْهِبُ عَنِّي) مِنَ الْإِذْهَابِ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ يُزِيلُ عني (مذمة الرضاع) قال بن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ الْمَذَمَّةُ بِالْفَتْحِ مَفْعَلَةٌ مِنَ الذَّمِّ وَبِالْكَسْرِ مِنَ الذِّمَّةِ
والذِّمَامِ
وقِيلَ هِيَ بالكسر والفتح
стр. 1893
الْحَقُّ وَالْحُرْمَةُ الَّتِي يُذَمُّ مُضَيِّعُهَا
والْمُرَادُ بِمَذَمَّةِ الرَّضَاعِ الْحَقُّ اللَّازِمُ بِسَبَبِ الرَّضَاعِ فَكَأَنَّهُ سَأَلَ مَا يُسْقِطُ عَنِّي حَقَّ الْمُرْضِعَةِ حَتَّى أَكُونَ قَدْ أَدَّيْتُهُ كَامِلًا
وكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يُعْطُوا لِلْمُرْضِعَةِ عِنْدَ فِصَالِ الصَّبِيِّ شَيْئًا سِوَى أُجْرَتِهَا انْتَهَى
(فَقَالَ غُرَّةٌ) أَيْ مَمْلُوكٌ (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ) بِالرَّفْعِ وَالتَّنْوِينِ بَدَلٌ مِنْ غُرَّةٌ
وقِيلَ الْغُرَّةُ لَا تُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الْأَبْيَضِ مِنَ الرَّقِيقِ وَقِيلَ هِيَ أَنْفَسُ شَيْءٍ يُمْلَكُ
قَالَ الطيبي الغرة المملوك وأصلها البياض في جهة الْفَرَسِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِأَكْرَمِ كُلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِمْ غُرَّةُ الْقَوْمِ سَيِّدُهُمْ وَلَمَّا كَانَ الْإِنْسَانُ الْمَمْلُوكُ خَيْرَ مَا يُمْلَكُ سُمِّيَ غُرَّةً
ولَمَّا جَعَلَتِ الظِّئْرُ نَفْسَهَا خَادِمَةً جُوزِيَتْ بِجِنْسِ فِعْلِهَا (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
قَوْلُهُ (عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ الْأَسْلَمِيِّ) مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ
قَالَ الْحَافِظُ وَقَالَ الْخَزْرَجِيُّ فِي تَرْجَمَتِهِ حِجَازِيٌّ عَنْ أَبِيهِ حَجَّاجِ بْنِ مَالِكٍ وَعَنْهُ عُرْوَةُ لَهُ عِنْدَهُمْ فَرْدُ حَدِيثٍ (عَنْ أَبِيهِ) حَجَّاجِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُوَيْمِرِ بْنِ أَبِي أَسِيدٍ الْأَسْلَمِيِّ صَحَابِيٌّ لَهُ حَدِيثٌ فِي الرَّضَاعِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (وَرَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي حَجَّاجٍ عَنْ أَبِيهِ) فَقَالَ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي حَجَّاجٍ وَهُوَ غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَالصَّحِيحُ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ حَجَّاجٍ كَمَا رَوَى يَحْيَى الْقَطَّانُ وَحَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَغَيْرُهُمَا (وَقَالَ مَعْنَى قَوْلِهِ ما يذهب عن مَذَمَّةَ الرَّضَاعِ إِلَخْ) أَيْ قَالَ أَبُو عِيسَى مَعْنَى قَوْلِهِ إِلَخْ وَأَرْجَعَ الشَّيْخُ سِرَاجُ أَحْمَدَ ضميره
قَالَ إِلَى هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ (يَقُولُ إِنَّمَا يَعْنِي ذِمَامَ الرَّضَاعَةِ وَحَقَّهَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الذِّمَامُ وَالْمَذَمَّةُ الْحَقُّ وَالْحُرْمَةُ
قَوْلُهُ (وَيُرْوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ كُنْتُ جَالِسًا إِلَخْ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ
وأَبُو الطُّفَيْلِ بِالتَّصْغِيرِ وَهُوَ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ
وهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ (فَبَسَطَ النَّبِيُّ ﷺ رِدَاءَهُ
стр. 1894
أَيْ تَعْظِيمًا لَهَا وَانْبِسَاطًا بِهَا
قَالَ الطِّيبِيُّ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى وُجُوبِ رِعَايَةِ الْحُقُوقِ الْقَدِيمَةِ وَلُزُومِ إِكْرَامِ مَنْ لَهُ صُحْبَةٌ قَدِيمَةٌ وَحُقُوقٌ سَابِقَةٌ (فَلَمَّا ذَهَبَتْ) أَيْ وَتَعَجَّبَ النَّاسُ مِنْ إكرامه إياها وقبولها القعود على رداءه الْمُبَارَكِ (قِيلَ هَذِهِ أَرْضَعَتِ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْمَوَاهِبِ إِنَّ حَلِيمَةَ جَاءَتْهُ ﵊ يَوْمَ حُنَيْنٍ فَقَامَ إِلَيْهَا وَبَسَطَ رِدَاءَهُ لَهَا وَجَلَسَتْ انْتَهَى
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْمَرْأَةِ تُعْتَقُ وَلَهَا زَوْجٌ)
[١١٥٤] قَوْلُهُ (كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا حِينَ أُعْتِقَتْ
وفِي الْمُنْتَقَى عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ أُعْتِقَتْ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ انْتَهَى
ورَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ بَرِيرَةَ خَيَّرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا (وَلَوْ كَانَ حُرًّا لَمْ يُخَيِّرْهَا) هَذِهِ الزِّيَادَةُ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ وَبَيَّنَهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُدَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ
[١١٥٥] قَوْلُهُ (عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ حُرًّا) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ إِنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ حُرًّا قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَوْلُ الْأَسْوَدِ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ عَائِشَةُ عَمَّةُ الْقَاسِمِ وَخَالَةُ عُرْوَةَ فَرِوَايَتُهُمَا عَنْهَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَجْنَبِيٍّ يَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ كَذَا فِي الْمُنْتَقَى
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) أَرَادَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ حَدِيثَهَا الَّذِي رَوَاهُ أَوَّلًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ كَمَا عَرَفْتَ
وأَمَّا حَدِيثُهَا الَّذِي رَوَاهُ ثَانِيًا عَنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْخَمْسَةُ كَمَا فِي الْمُنْتَقَى
(وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ رَأَيْتُ زَوْجَ بَرِيرَةَ وَكَانَ عَبْدًا يقال له
стр. 1895
مغيث)
أخرجه البخاري (وهكذا روي عن بن عُمَرَ) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ كَانَ زَوْجُ بريرة عبدا وفي إسناده بن أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ
قُلْتُ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ بَعْدَ ذِكْرِ عِدَّةِ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ من طريق بن عباس وبن عُمَرَ وَصْفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُمْ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ
وثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ وَعُرْوَةَ أَنَّهُ كَانَ عَبْدًا
ومِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ أَنَّهُ كَانَ حُرًّا وَرِوَايَةُ اثْنَيْنِ أَرْجَحُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ عَلَى فَرْضِ صِحَّةِ الْجَمِيعِ
فَكَيْفَ إِذَا كَانَتْ رِوَايَةُ الْوَاحِدِ مَعْلُولَةً بِالِانْقِطَاعِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ (وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وقالوا إذ كَانَتِ الْأَمَةُ تَحْتَ الْحُرِّ فَأُعْتِقَتْ فَلَا خِيَارَ لها الخ) وهو مذهب مالك والشافعي أحمد وَإِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورِ وَهُوَ الْأَقْوَى دَلِيلًا (وَرَوَى أَبُو عَوَانَةَ هَذَا الْحَدِيثَ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ قَالَ الْأَسْوَدُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَاتٍ عَدِيدَةٍ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا مَا لَفْظُهُ فَدَلَّتِ الرِّوَايَاتُ الْمُفَصَّلَةُ الَّتِي قَدَّمْتُهَا آنِفًا عَلَى أَنَّهُ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ الْأَسْوَدِ أَوْ مَنْ دُونَهُ يَعْنِي قَوْلَهُ وَكَانَ زَوْجُهَا حُرًّا فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ مَا أُدْرِجَ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ وَهُوَ نَادِرٌ فَإِنَّ الْأَكْثَرَ أَنْ يَكُونَ فِي آخِرِهِ وَدُونَهُ أَنْ يَقَعَ فِي وَسَطِهِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ مَوْصُولًا فَيُرَجِّحُ رِوَايَةَ مَنْ قَالَ كَانَ عَبْدًا بِالْكَثْرَةِ وَأَيْضًا فال المرء أعرف بحديثه فإن القاسم بن أخي عائشة وعروة بن أُخْتِهَا وَتَابَعَهُمَا غَيْرُهُمَا فَرِوَايَتُهُمَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ فَإِنَّهُمَا أَقْعَدُ بِعَائِشَةَ وَأَعْلَمُ بِحَدِيثِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ويَتَرَجَّحُ أَيْضًا بِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَذْهَبُ إلى أن الأمة إذ أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْحُرِّ لَا خِيَارَ لَهَا
وهَذَا بِخِلَافِ مَا رَوَى الْعِرَاقِيُّونَ عَنْهَا
فَكَانَ يَلْزَمُ على أصل مذهبهم أن يأخذوا بقولها ويدعو ما روى عنها لا سيما وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهَا فِيهِ انْتَهَى
(وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ) وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة وأصحابه
следующие страницы →