← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

٧٠ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي حُسْنِ الْعَهْدِ) وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بَابُ حُسْنِ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَهْدُ هُنَا رِعَايَةُ الْحُرْمَةِ وَقَالَ عِيَاضٌ هُوَ الِاحْتِفَاظُ بِالشَّيْءِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ وَقَالَ الرَّاغِبُ حِفْظُ الشَّيْءِ وَمُرَاعَاتُهُ حَالًا بَعْدَ حَالٍ قَوْلُهُ [٢٠١٧] (مَا غِرْتُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ مِنْ غَارَ يَغَارُ نَحْوُ خَافَ يَخَافُ (مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ) مَا الْأُولَى نَافِيَةٌ وَالثَّانِيَةُ مَوْصُولَةٌ أَوْ مَصْدَرِيَّةٌ أَيْ مَا غِرْتُ مِثْلَ الَّتِي غِرْتُهَا أَوْ مِثْلَ غَيْرَتِي عَلَيْهَا وَالْغَيْرَةُ الْحَمِيَّةُ وَالْأُنُفُ قَالَ الْحَافِظُ قَوْلُهُ عَلَى خَدِيجَةَ يُرِيدُ مِنْ خَدِيجَةَ فَأَقَامَ عَلَى مُقَامَ مِنْ وَحُرُوفُ الْجَرِّ تَتَنَاوَبُ فِي رَأْيٍ أو على سببية أوبسبب خَدِيجَةَ وَفِيهِ ثُبُوتُ الْغَيْرَةِ وَأَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَنْكَرٍ وُقُوعُهَا مِنْ فَاضِلَاتِ النِّسَاءِ فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُنَّ وَأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ كَانَتْ تَغَارُ مِنْ خَدِيجَةَ أَكْثَرَ وَقَدْ بَيَّنَتْ سَبَبَ ذَلِكَ وَإِنَّهُ لِكَثْرَةِ ذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا وَأَصْلُ غَيْرَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ تَخَيُّلِ مَحَبَّةِ غَيْرِهَا أَكْثَرَ مِنْهَا وَكَثْرَةُ الذِّكْرِ تَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الْمَحَبَّةِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ مُرَادُهَا بِالذِّكْرِ لَهَا مَدْحُهَا وَالثَّنَاءُ عَلَيْهَا (وَمَا بِي أَنْ أَكُونَ أَدْرَكْتُهَا) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَمَا نَافِيَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ وَمَا رَأَيْتُهَا وَهِيَ تَقْتَضِي عَدَمَ الْغَيْرَةِ لِعَدَمِ الْبَاعِثِ عَلَيْهَا غَالِبًا وَلِذَا قَالَتْ (وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِكَثْرَةِ ذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا) وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ إِيَّاهَا وَثَنَائِهِ عَلَيْهَا (وإن) من مخففة الْمُثَقَّلَةِ (لَيَذْبَحُ الشَّاةَ) أَيَّ شَاةٍ مِنَ الشِّيَاهِ (فَيَتَتَبَّعُ) أَيْ يَتَطلَّبُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَتَبَّعَهُ تَطَلَّبَهُ وَقَالَ فِيهِ طَلَبَهُ وَتَطَلَّبَهُ وَاطَّلَبَهُ كَافْتَعَلَهُ حَاوَلَ وُجُودَهُ وَأَخْذَهُ (بِهَا) أَيْ بِالشَّاةِ الْمَذْبُوحَةِ يَعْنِي بِأَعْضَائِهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ وَرُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُهَا أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا فِي صدائق خديجة (صدائق خديجة) أي أصدقائها جَمْعُ صَدِيقَةٍ وَهِيَ الْمَحْبُوبَةُ (فَيُهْدِيهَا لَهُنَّ) مِنَ الْإِهْدَاءِ أَيْ يُتْحِفُهُنَّ إِيَّاهَا وَمُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ لِلْبَابِ فِي إِهْدَاءِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّحْمَ لِأَصْدِقَاءِ خَدِيجَةَ وَخَلَائِلِهَا رَعْيًا مِنْهُ لِذِمَامِهَا وَحِفْظًا لِعَهْدِهَا وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ رُسْتُمَ عَنِ بن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عنها قالت جاءت عجوز إلى

стр. 2872

النبي الله ﷺ فَقَالَ كَيْفَ أَنْتُمْ كَيْفَ حَالُكُمْ كَيْفَ كُنْتُمْ بَعْدَنَا قَالَتْ بِخَيْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ فَلَمَّا خَرَجَتْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُقْبِلُ عَلَى هَذِهِ الْعَجُوزِ هَذَا الْإِقْبَالَ فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إِنَّهَا كَانَتْ تَأْتِينَا زَمَانَ خَدِيجَةَ وَإِنَّ حُسْنَ الْعَهْدِ مِنَ الْإِيمَانِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي مَعَالِي الْأَخْلَاقِ) جَمْعُ الْمَعْلَاةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْمَعْلَاةُ كَسْبُ الشَّرَفِ وَقَالَ فِي الصُّرَاحِ علاء بالفتح والمد بلندي درقدر وَنَزَلْتُ عُلَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ مَعْلَاةٌ بِالْفَتْحِ كَذَلِكَ وَالْجَمْعُ الْمَعَالِي قَوْلُهُ [٢٠١٨] (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشٍ الْبَغْدَادِيُّ) أَبُو جَعْفَرٍ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ أَبُو حَبِيبٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ التَّاسِعَةِ (حَدَّثَنَا مُبَارَكُ بْنُ فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَتَخْفِيفِ الْمُعْجَمَةِ أَبُو فَضَالَةَ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ يُدَلِّسُ وَيُسَوِّي مِنَ السَّادِسَةِ (حَدَّثَنِي عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدِ) بْنِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيُّ أَخُو يَحْيَى الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ قَوْلُهُ (إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ) أَيْ فِي الدُّنْيَا (أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا) نَصَبَهُ عَلَى التَّمْيِيزِ وَجَمَعَهُ لِإِرَادَةِ الْأَنْوَاعِ أَوْ لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ (وَإِنَّ مِنْ أَبْغَضِكُمْ إِلَيَّ) أَيْ فِي الدُّنْيَا وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي يَوْمَ الْقِيَامَةِ الثَّرْثَارُونَ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ وَأَبْعَدِكُمْ مِنِّي مَسَاوِيكُمْ أَخْلَاقًا الثرثارون الحديث قال القارىء وَيُرْوَى أَسَاوِيكُمْ جَمْعُ أَسُوءَ كَأَحَاسِنَ جَمْعُ أَحْسَنَ وَهُوَ مُطَابِقٌ لِمَا فِي أَصْلِ الْمَصَابِيحِ وَقَالَ الْقَاضِي أَفْعَلُ التَّفْضِيلِ إِذَا أُضِيفَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ زَائِدٌ عَلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ في الخصلة التي هودهم مُشْتَرِكُونَ فِيهَا جَازَ الْإِفْرَادُ وَالتَّذْكِيرُ فِي الْحَالَاتِ كلها وتطبقه لِمَا هُوَ وَصْفٌ لَهُ لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَدْ جُمِعَ الْوَجْهَانِ فِي الْحَدِيثِ فَأَفْرَدَ أَحَبَّ وَبَغَضَ وجمع أحاسن وأساويء

стр. 2873

فِي رِوَايَةِ مَنْ رَوَى أَسَاوِيكُمْ بَدَلَ مَسَاوِيكُمْ وهو جمع مسوىء كَمَحَاسِنَ فِي جَمْعِ مُحْسِنٍ وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ نُعِتَ بِهِ ثُمَّ جُمِعَ أَوِ اسْمُ مَكَانٍ بِمَعْنَى الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ السُّوءُ فَأُطْلِقَ عَلَى الْمَنْعُوتِ بِهِ مَجَازًا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَرَادَ بِأَبْغَضِكُمْ بَغِيضَكُمْ وَبِأَحَبِّكُمُ التَّفْضِيلَ فَلَا يَكُونُ الْمُخَاطَبُونَ بِأَجْمَعِهِمْ مُشْتَرَكِينَ فِي الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ وَقَالَ الْحَاجِبِيُّ تَقْدِيرُهُ أُحِبُّ الْمَحْبُوبِينَ مِنْكُمْ وَأَبْغَضُ الْمَبْغُوضِينَ مِنْكُمْ وَيَجُوزُ إِطْلَاقُ الْعَامِّ وَإِرَادَةُ الْخَاصِّ لِلْقَرِينَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ إِذَا جَعَلَ الْخِطَابَ خَاصًّا بِالْمُؤْمِنِينَ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَبْغَضُكُمْ لَا يَجُوزُ بَغِيضُكُمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ في المحبة فالقول ما ذهب إليه بن الْحَاجِبِ لِأَنَّ الْخِطَابَ عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ وَالْمُوَافِقُ وَالْمُنَافِقُ فَإِذَا أُرِيدَ بِهِ الْمُنَافِقُ الْحَقِيقِيُّ فَالْكَلَامُ ظَاهِرٌ وَإِذَا أُرِيدَ بِهِ غَيْرُ الْحَقِيقِيِّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ فَمُسْتَقِيمٌ أَيْضًا كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الثَّرْثَارُونَ وفي النهاية الثرثارون هم الذي يُكْثِرُونَ الْكَلَامَ تَكَلُّفًا وَخُرُوجًا عَنِ الْحَقِّ وَالثَّرْثَرَةُ كَثْرَةُ الْكَلَامِ وَتَرْدِيدُهُ (وَالْمُتَشَدِّقُونَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْمُتَشَدِّقُونَ هُمُ الْمُتَوَسِّعُونَ فِي الْكَلَامِ مِنْ غَيْرِ احتياط واحتراز وقيل أراد بالمتشدق المستهزىء بِالنَّاسِ يَلْوِي شَدْقَهُ بِهِمْ وَعَلَيْهِمُ انْتَهَى وَالشَّدْقُ جَانِبُ الْفَمِ (وَالْمُتَفَيْهِقُونَ) هُمُ الَّذِينَ يَتَوَسَّعُونَ فِي الْكَلَامِ وَيَفْتَحُونَ بِهِ أَفْوَاهَهُمْ مَأْخُوذٌ مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَالِاتِّسَاعُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ قِيلَ وَهَذَا مِنَ الْكِبْرِ وَالرُّعُونَةِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي الترغيب الثرثار بثائين مثلثين مَفْتُوحَتَيْنِ هُوَ الْكَثِيرُ الْكَلَامِ تَكَلُّفًا وَالْمُتَشَدِّقُ هُوَ المتكلم بملىء شَدْقِهِ تَفَاصُحًا وَتَعْظِيمًا لِكَلَامِهِ وَالْمُتَفَيْهِقُ أَصْلُهُ مِنَ الْفَهْقِ وَهُوَ الِامْتِلَاءُ وَهُوَ بِمَعْنَى الْمُتَشَدِّقِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَمْلَأُ فَمَهُ بِالْكَلَامِ وَيَتَوَسَّعُ فِيهِ إِظْهَارًا لِفَصَاحَتِهِ وَفَضْلِهِ وَاسْتِعْلَاءً عَلَى غَيْرِهِ وَلِهَذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِالْمُتَكَبِّرِ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ عَنْهُ مَرْفُوعًا إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحَاسِنُكُمْ أَخْلَاقًا الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا الَّذِينَ يألفون ويؤلفون وإن أبغضكم إلى المشاؤن بالنميمة المفرقون بين الأحبة الملتمسون للبراء الْعَيْبَ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ والطبراني وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ

стр. 2874

قَوْلُهُ (وَالْمُتَشَدِّقُ هُوَ الَّذِي يَتَطَاوَلُ عَلَى النَّاسِ فِي الْكَلَامِ وَيَبْذُو عَلَيْهِمْ) كَذَا فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَتَفْسِيرُهُ الْمَشْهُورُ هُوَ مَا ذَكَرَهُ الْمُنْذِرِيُّ وَصَاحِبُ النِّهَايَةِ (وَهَذَا أَصَحُّ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ مُبَارَكِ بْنِ فَضَالَةَ رَوَى عن بن الْمُنْكَدِرِ وَعَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ وَغَيْرِهِمَا انْتَهَى فَالظَّاهِرُ أَنَّ مُبَارَكَ بْنَ فَضَالَةَ رَوَى هَذَا الحديث أولا عن بن الْمُنْكَدِرِ بِوَاسِطَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ ثُمَّ لَقِيَهُ فَرَوَاهُ عَنْهُ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي اللَّعْنِ وَالطَّعْنِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ لَعَنَهُ كَمَنَعَهُ طَرَدَهُ وَأَبْعَدَهُ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ اللَّعْنَةُ هِيَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ وَلَعْنُ الْكَافِرِ إِبْعَادُهُ عَنِ الرَّحْمَةِ كُلَّ الْإِبْعَادِ وَلَعْنُ الْفَاسِقِ إِبْعَادُهُ عَنْ رَحْمَةٍ تَخُصُّ الْمُطِيعِينَ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ طَعَنَهُ بِالرُّمْحِ كَمَنَعَهُ وَنَصَرَهُ طَعْنًا ضَرَبَهُ وَوَخَزَهُ فَهُوَ مَطْعُونٌ وَطَعِينٌ وَفِيهِ بِالْقَوْلِ طَعْنًا وَطَعَنَانًا انْتَهَى وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ طَعَّانًا أَيْ وَقَّاعًا فِي أَعْرَاضِ النَّاسِ بِالذَّمِّ وَالْغِيبَةِ وَنَحْوِهِمَا وَهُوَ فِعَالٌ مِنْ طَعَنَ فِيهِ وَعَلَيْهِ بِالْقَوْلِ يَطْعَنُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ إِذَا عَابَهُ وَمِنْهُ الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ انْتَهَى قَوْلُهُ [٢٠١٩] (عَنْ كَثِيرِ بْنِ زَيْدٍ) الْأَسْلَمِيِّ ثُمَّ السَّهْمِيِّ مولاهم المدني يقال له بن صَافِنَةَ وَهِيَ أُمُّهُ رَوَى عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَبُو عامر العقدي وغيره صدوق يخطىء مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا) أَيْ كَثِيرَ اللَّعْنِ وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الدُّعَاءُ بِالْبُعْدِ عَنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا أُتِيَ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ الِاحْتِرَازَ عَنْ قليله نادر الوقوع في المؤمنين قال بن الْمَلَكِ وَفِي صِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ إِيذَانٌ بِأَنَّ هَذَا الذَّمَّ لَا يَكُونُ لِمَنْ يَصْدُرُ مِنْهُ اللَّعْنُ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مَرْفُوعًا لَا يَنْبَغِي تَصْدِيقُ أَنْ يكون لعانا

стр. 2875

قوله (وفي الباب عن بن مَسْعُودٍ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي اللَّعْنَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) ذَكَرَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي تَرْغِيبِهِ وَنَقَلَ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَسَكَتَ عَنْهُ قَوْلُهُ (لَا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ) أَيْ لَا يَجُوزُ لَهُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ لَا يَنْبَغِي بِمَعْنَى لَا يَجُوزُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَتَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ هَذَا وَهَذَا الْحَدِيثُ مُفَسِّرٌ يَعْنِي أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ مُفَسِّرَةٌ لِلرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ بِلَفْظِ لَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ لَعَّانًا يَعْنِي أَنَّ النَّفْيَ فِيهَا بِمَعْنَى النَّهْيِ تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ ﵀ قَدْ عَقَدَ فِيمَا تَقَدَّمَ بَابًا بِلَفْظِ بَابُ مَا جَاءَ في اللعنة ثم عقد ها هنا هَذَا الْبَابَ فَفِيهِ تَكْرَارٌ فَلَوْ أَدْخَلَ حَدِيثَ هَذَا الْبَابِ فِي الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ وَأَسْقَطَ هَذَا الْبَابَ لَكَانَ أَوْلَى ٣ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَثْرَةِ الْغَضَبِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْغَضَبُ بِالتَّحْرِيكِ ضِدُّ الرِّضَا كَالْمَغْضَبَةِ غَضِبَ كَسَمِعَ عَلَيْهِ وَلَهُ إِذَا كَانَ حَيًّا وَغَضِبَ بِهِ إِذَا كَانَ مَيِّتًا وَقَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ الْغَضَبُ فَوَرَانُ دَمِ الْقَلْبِ أَوْ عَرَضٌ يَتْبَعُهُ ذَلِكَ لِدَفْعِ الْمُؤْذِيَاتِ وَلِلِانْتِقَامِ بَعْدَ وُقُوعِهَا قَوْلُهُ [٢٠٢٠] (عَلِّمْنِي شَيْئًا) أَيْ أَرْشِدْنِي بِخُصُوصِي إِلَى عُمُومِ مَا يَنْفَعُنِي دِينًا وَدُنْيَا وَيُقَرِّبُنِي إِلَى اللَّهِ زُلْفَى (وَلَا تُكْثِرْ على) من الاكثار وعلي صِلَةٌ لَهُ وَالْمَعْنَى لَا تُعَلِّمْنِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةً (لعلي أعيه) أي أحفظه قَالَ فِي الْقَامُوسِ وَعَاهُ يَعِيَهُ حَفِظَهُ وَجَمَعَهُ (لَا تَغْضَبْ) قِيلَ لَعَلَّ السَّائِلَ كَانَ غَضُوبًا وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْمُرُ كُلَّ أَحَدٍ بِمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ فَلِهَذَا اقْتَصَرَ فِي وَصِيَّتِهِ لَهُ عَلَى تَرْكِ الْغَضَبِ وقال الخطابي

стр. 2876

مُعْنَى قَوْلِهِ لَا تَغْضَبْ اجْتَنِبْ أَسْبَابَ الْغَضَبِ وَلَا تَتَعَرَّضْ لِمَا يَجْلِبُهُ وَأَمَّا نَفْسُ الْغَضَبِ فَلَا يَتَأَتَّى النَّهْيُ عَنْهُ لِأَنَّهُ أَمْرٌ طَبْعِيٌّ لَا يَزُولُ مِنَ الْجِبِلَّةِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَغْضَبْ لِأَنَّ أَعْظَمَ مَا يَنْشَأُ عَنْهُ الْغَضَبُ الْكِبْرُ لِكَوْنِهِ يَقَعُ عِنْدَ مُخَالَفَةِ أَمْرٍ يُرِيدُهُ فَيَحْمِلُهُ الْكِبْرُ عَلَى الْغَضَبِ فَالَّذِي يَتَوَاضَعُ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ عِزَّةُ النَّفْسِ يَسْلَمُ مِنْ شَرِّ الْغَضَبِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تَفْعَلْ مَا يَأْمُرُكَ به الغضب وقال بن التِّينِ جَمَعَ ﷺ فِي قَوْلِهِ لَا تَغْضَبْ خَيْرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِأَنَّ الْغَضَبَ يُؤَوِّلُ إِلَى التَّقَاطُعِ وَمَنْعِ الرِّفْقِ وَرُبَّمَا آلَ إِلَى أَنْ يُؤْذِيَ الْمَغْضُوبَ عَلَيْهِ فَيَنْتَقِصُ ذَلِكَ مِنَ الدِّينِ (فَرَدَّدَ ذَلِكَ) أَيِ الرَّجُلُ السُّؤَالَ يَلْتَمِسُ أَنْفَعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَبْلَغَ أَوْ أَعَمَّ فَلَمْ يَزِدْهُ عَلَى ذَلِكَ (مِرَارًا) أَيْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى (كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَغْضَبْ) فِي رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شيبة قال لاتغضب ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَفِيهَا بَيَانُ عَدَدِ الْمِرَارِ قَالَهُ الْحَافِظُ فَإِنْ قُلْتَ هَذَا الْحَدِيثُ لَا يُطَابِقُ الْبَابَ فَإِنَّ قَوْلَهُ لَا تَغْضَبْ يَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَنْ مُطْلَقِ الْغَضَبِ لَا عَنْ كَثْرَةِ الْغَضَبِ قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَا تَغْضَبِ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ الْغَضَبِ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْغَضَبِ غَرِيزَةٌ لَا يُمْكِنُ الِاجْتِنَابُ عَنْهُ فَالْمُطَابَقَةُ ظَاهِرَةٌ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ خَبَرِ النَّبِيُّ ﷺ بِمَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِتَنِ وَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَدٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ (وَأَبُو حَصِينٍ اسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمٍ الْأَسَدِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُثْمَانُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ حَصِينٍ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ أَبُو حَصِينٍ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ سُنِّيٌّ وَرُبَّمَا دَلَّسَ مِنَ الرَّابِعَةِ ٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كَظْمِ الْغَيْظِ) قَدْ سَقَطَ هذا الباب من بعض النسخ قوله [٢٠٢١] (أخبرنا سَعِيدِ بْنِ أَبِي أَيُّوبَ) الْخُزَاعِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمِصْرِيُّ أَبُو يَحْيَى بْنُ مِقْلَاصٍ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ السَّابِعَةِ (عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ) نزيل مصر لابأس بِهِ إِلَّا فِي رِوَايَاتِ زَبَّانَ عَنْهُ مِنَ

стр. 2877

الرَّابِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ الْأَنْصَارِيِّ صَحَابِيٌّ نَزَلَ مِصْرَ وَبَقِيَ إِلَى خِلَافَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ قَوْلُهُ (مَنْ كَظَمَ غَيْظًا) أَيِ اجْتَرَعَ غَضَبًا كَامِنًا فِيهِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ كَظْمُ الْغَيْظِ تَجَرُّعُهُ وَاحْتِمَالُ سَبَبِهِ وَالصَّبْرُ عَلَيْهِ انْتَهَى (وَهُوَ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنَفِّذَهُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ يُمْضِيَهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عند بن أَبِي الدُّنْيَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى إِنْفَاذِهِ فَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْفَاءِ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ وَجَوَابُ الشَّرْطِ (دَعَاهُ الله يوم القيامة على رؤوس الْخَلَائِقِ) أَيْ شَهَرَهُ بَيْنَ النَّاسِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَتَبَاهَى بِهِ وَيُقَالُ فِي حَقِّهِ هَذَا الَّذِي صَدَرَتْ مِنْهُ هَذِهِ الْخَصْلَةُ الْعَظِيمَةُ (حَتَّى يُخَيِّرَهُ) أَيْ يَجْعَلَهُ مُخَيَّرًا (فِي أَيِّ الْحُورِ شَاءَ) أَيْ فِي أَخْذِ أَيِّهِنَّ شَاءَ وَهُوَ كِنَايَةٌ عن إدخاله الجنة المنيعة وإيصاله الدرجة الرفعية قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا حُمِدَ الْكَظْمُ لِأَنَّهُ قَهْرٌ لِلنَّفْسِ الْأَمَّارَةِ بِالسُّوءِ وَلِذَلِكَ مَدَحَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بقوله والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس وَمَنْ نَهَى النَّفْسَ عَنْ هَوَاهُ فَإِنَّ الْجَنَّةَ مأواه والحور العين جزاه قال القارىء وَهَذَا الثَّنَاءُ الْجَمِيلُ وَالْجَزَاءُ الْجَزِيلُ إِذَا تَرَتَّبَ عَلَى مُجَرَّدِ كَظْمِ الْغَيْظِ فَكَيْفَ إِذَا انْضَمَّ الْعَفْوُ إِلَيْهِ أَوْ زَادَ بِالْإِحْسَانِ عَلَيْهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مسنده وأبو داود وبن مَاجَهْ ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِجْلَالِ الْكَبِيرِ) أَيْ تَعْظِيمِهِ وَالْمَصْدَرُ مُضَافٌ إِلَى الْمَفْعُولِ قَوْلُهُ [٢٠٢٢] (حدثنا يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ الْعُقَيْلِيُّ) بِالضَّمِّ أَبُو خَالِدٍ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ التَّاسِعَةِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ الْعُقَيْلِيُّ أَبُو خَالِدٍ الْبَصْرِيُّ الْمُعَلِّمُ الضَّرِيرُ الْمُؤَذِّنُ رَوَى عَنْ أَبِي الرَّحَّالِ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ حَدِيثَ مَا أَكْرَمَ شَابٌّ شَيْخًا لِسِنِّهِ الْحَدِيثَ (حَدَّثَنِي أَبُو الرَّحَّالِ الْأَنْصَارِيُّ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْبَصْرِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ وَقِيلَ خَالِدُ بْنُ محمد

стр. 2878

اعْلَمْ أَنَّ كَوْنَ أَبِي الرَّحَّالِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ هُوَ الصَّوَابُ فِي هَذَا السَّنَدِ وَأَمَّا قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِي آخِرِ هَذَا الْبَابِ وَأَبُو الرِّجَالِ الْأَنْصَارِيُّ آخَرُ فَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ فَاحْفَظْ هَذَا وَقَدْ وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ فِي هَذَا السَّنَدِ أَبُو الرِّجَالِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ قَالَ فِي هَامِشِهَا قَوْلُهُ أَبُو الرِّجَالِ بِالْجِيمِ وَفِي آخِرِ الْبَابِ بِالْحَاءِ هَذَا مَا وَجَدْتُهُ فِي الْكُتُبِ الدِّهْلَوِيَّةِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مَنْقُولَةٍ مِنَ الْعَرَبِ عَكْسُهُ وَعَلَيْهِمَا فِيهَا عَلَامَةُ الصِّحَّةِ انْتَهَى قُلْتُ مَا فِي النُّسْخَةِ الصَّحِيحَةِ الْمَنْقُولَةِ مِنَ الْعَرَبِ مِنْ كَوْنِ أَبِي الرَّحَّالِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فِي هَذَا السَّنَدِ وَكَوْنِ أَبِي الرِّجَالِ بِالْجِيمِ فِي آخِرِ الْبَابِ هُوَ الصَّوَابُ لِمَا عَرَفْتَ آنِفًا فِي عِبَارَةِ تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ مِنْ أَنَّ يَزِيدَ بْنَ بَيَانٍ الْعُقَيْلِيَّ رَوَى حَدِيثَ الْبَابِ عَنْ أَبِي الرَّحَّالِ وَلِأَنَّ الْحَافِظَ رَمَزَ عَلَى أَبِي الرَّحَّالِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بِحَرْفِ ت وَرَمَزَ عَلَى أَبِي الرِّجَالِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وتخفيف الْجِيمِ بِحُرُوفِ خ م س ق وَلِأَنَّ الْحَافِظَ قَالَ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي الرَّحَّالِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ يَزِيدُ بْنُ بَيَانٍ الْعُقَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ فَهَذِهِ الْوُجُوهُ الثَّلَاثَةُ تَدُلُّ بِمَجْمُوعِهَا عَلَى أَنَّ فِي هَذَا السَّنَدِ أَبَا الرَّحَّالِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ دُونَ أَبِي الرِّجَالِ بِالْجِيمِ وَأَبُو الرَّحَّالِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدٍ وَقِيلَ خَالِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ضَعِيفٌ مِنَ الْخَامِسَةِ وَأَمَّا أَبُو الرِّجَالِ فَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو الرِّجَالِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ مَشْهُورٌ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ وَهِيَ لَقَبُهُ وَكُنْيَتُهُ فِي الْأَصْلِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (مَا أَكْرَمَ) أَيْ مَا أَعْظَمَ وَوَقَّرَ (لِسِنِّهِ) أَيْ لِأَجْلِ سِنِّهِ لَا لِأَمْرٍ آخَرَ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ وقال القارىء أَيْ كِبَرِ عُمُرِهِ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَعَمَلٍ مَعَ سَبْقِ إِيمَانِهِ انْتَهَى (إِلَّا قَيَّضَ اللَّهُ) بِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شيطانا فهو له قرين أَيْ سَلَّطَ وَوَكَّلَ (لَهُ) أَيْ لِلشَّابِّ (مَنْ يُكْرِمُهُ) أَيْ قَرِينًا يُعَظِّمُهُ وَيَخْدُمُهُ لِأَنَّ مَنْ خَدَمَ خُدِمَ (عِنْدَ سِنِّهِ) أَيْ حَالَ كِبَرِهِ مُجَازَاةً لَهُ عَلَى فِعْلِهِ بِأَنْ يُقَدِّرَ لَهُ عُمُرًا يَبْلُغُ بِهِ إِلَى الشَّيْخُوخَةِ وَيُقَدِّرَ لَهُ مَنْ يُكْرِمُهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ ضَعِيفَانِ كَمَا عَرَفْتَ فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ

стр. 2879

٧٦ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُتَهَاجِرَيْنِ) قَوْلُهُ [٢٠٢٣] (عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ) ذَكْوَانَ السَّمَّانِ أَبِي يَزِيدَ الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ تَغَيَّرَ حِفْظُهُ بِآخِرِهِ رَوَى لَهُ الْبُخَارِيُّ مَقْرُونًا وَتَعْلِيقًا مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (تُفْتَحُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ) أَيْ حَقِيقَةً لِأَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ وَفَتْحُ أَبْوَابِهَا مُمْكِنٌ أَوْ هُوَ بِمَعْنَى إِزَالَةِ الْمَانِعِ وَرَفْعِ الْحُجُبِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْبَاجِيُّ مَعْنَى فَتْحِهَا كَثْرَةُ الصَّفْحِ وَالْغُفْرَانِ وَرَفْعُ الْمَنَازِلِ وَإِعْطَاءُ الثَّوَابِ الْجَزِيلِ قَالَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ فَتْحَ أَبْوَابِهَا عَلَامَةٌ لِذَلِكَ انْتَهَى قُلْتُ هَذَا الِاحْتِمَالُ هُوَ الظَّاهِرُ فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ (يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ) أَيْ لِكَثْرَةِ الرَّحْمَةِ النَّازِلَةِ فِيهِمَا الْبَاعِثَةِ عَلَى الغفران (إلا المهتجرين) أَيِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ (يَقُولُ رُدُّوا) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أنْظِرُوا أَيْ أَمْهِلُوا أَيْ لَا تُعْطُوا مِنْهَا أَنْصِبَاءَ هَذَيْنِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ الْمُتَعَادِيَيْنِ وَأَخِّرُوا مَغْفِرَتَهُمَا مِنْ ذُنُوبِهِمَا مُطْلَقًا زَجْرًا لَهُمَا أَوْ مِنْ ذَنْبِ الْهِجْرَانِ فَقَطْ (حَتَّى يَصْطَلِحَا) أَيْ يَتَصَالَحَا وَيَزُولَ عَنْهُمَا الشَّحْنَاءُ فَلَا يُفِيدُ التَّصَالُحُ لِلسُّمْعَةِ وَالرِّيَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَغْفِرَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى صفائه وَزَوَالِ عَدَاوَتِهِ سَوَاءٌ صَفَا لِصَاحِبِهِ أَمْ لَا قَالَ الطِّيبِيُّ وَأَتَى بِاسْمِ الْإِشَارَةِ بَدَلَ الضَّمِيرِ لِمَزِيدِ التَّمْيِيزِ وَالتَّعْيِينِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وأبو داود قوله (ذروا هَذَيْنِ) أَيِ ادْعُوهُمَا (وَمَعْنَى قَوْلِهِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ يَعْنِي الْمُتَصَارِمَيْنِ) أَيِ الْمُتَقَاطِعَيْنِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ صَرَمَهُ يَصْرِمُهُ صَرْمًا وَيُضَمُّ قَطَعَهُ قَطْعًا بَائِنًا وَفُلَانًا قَطَعَ كَلَامَهُ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ

стр. 2880

رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ فِي بَابِ كَرَاهِيَةِ الْهِجْرَةِ ٧ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الصَّبْرِ) قَوْلُهُ [٢٠٢٤] (سَأَلُوا النَّبِيَّ ﷺ أَيْ شَيْئًا (فَأَعْطَاهُمْ) أَيْ إِيَّاهُ (ثُمَّ سَأَلُوا فَأَعْطَاهُمْ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ حَتَّى نَفَذَ مَا عِنْدَهُ (فَقَالَ مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ) أَيْ مَالٍ وَمِنْ بَيَانٌ لِمَا وَمَا خَبَرِيَّةٌ مُتَضَمِّنَةٌ لِلشَّرْطِ أَيْ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الْمَالِ مَوْجُودٌ عِنْدِي أُعْطِيكُمْ (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) أَيْ أَحْبِسُهُ وَأَخْبَؤُهُ وَأَمْنَعُكُمْ إِيَّاهُ مُنْفَرِدًا بِهِ عَنْكُمْ (وَمَنْ يَسْتَغْنِ) أَيْ يُظْهِرِ الْغِنَى بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ أَمْوَالِ النَّاسِ وَالتَّعَفُّفِ عَنِ السُّؤَالِ حَتَّى يَحْسِبُهُ الْجَاهِلُ غَنِيًّا مِنَ التَّعَفُّفِ (يُغْنِهِ اللَّهُ) أَيْ يَجْعَلُهُ غَنِيًّا أَيْ بِالْقَلْبِ فَفِي الْحَدِيثِ لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ إِنَّمَا الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ أَوْ يُعْطِيهِ مَا يُغْنِيهِ عَنِ الْخَلْقِ (وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ الِاسْتِعْفَافُ طَلَبُ الْعَفَافِ وَالتَّعَفُّفُ وَهُوَ الْكَفُّ عَنِ الْحَرَامِ وَالسُّؤَالِ مِنَ النَّاسِ أَيْ مِنْ طَلَبِ الْعِفَّةِ وَتَكَلُّفِهَا أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهَا وَقِيلَ الِاسْتِعْفَافُ الصَّبْرُ وَالنَّزَاهَةُ عَنِ الشَّيْءِ يُقَالُ عَفَّ يَعِفُّ عِفَّةً فَهُوَ عَفِيفٌ انْتَهَى (يُعِفَّهُ اللَّهُ) أَيْ يَجْعَلُهُ عَفِيفًا مِنَ الْإِعْفَافِ وَهُوَ إِعْطَاءُ الْعِفَّةِ وَهِيَ الْحِفْظُ عَنِ الْمَنَاهِي يَعْنِي مَنْ قَنَعَ بِأَدْنَى قُوتٍ وَتَرَكَ السُّؤَالَ تَسْهُلُ عَلَيْهِ الْقَنَاعَةُ وَهِيَ كَنْزٌ لَا يَفْنَى وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ يُعِفُّهُ مِنَ الْإِعْفَافِ وَبِفَتْحِ فَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَضَمَّهُ بَعْضٌ إِتْبَاعًا بِضَمِّ الْهَاءِ انْتَهَى (وَمَنْ يَتَصَبَّرْ) أَيْ يَطْلُبْ تَوْفِيقَ الصَّبْرِ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إلا بالله أَوْ يَأْمُرُ نَفْسَهُ بِالصَّبْرِ وَيَتَكَلَّفُ فِي التَّحَمُّلِ عَنْ مَشَاقِّهِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ لِأَنَّ الصَّبْرَ يَشْتَمِلُ عَلَى صَبْرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ وَالْبَلِيَّةِ أَوْ مَنْ يَتَصَبَّرْ عَنِ السُّؤَالِ وَالتَّطَلُّعِ إِلَى مَا فِي أَيْدِي النَّاسِ بِأَنْ يَتَجَرَّعَ مَرَارَةَ ذلك ولا يشكو الْجُمَلُ مُؤَكِّدَاتٌ وَيُؤَيِّدُ إِرَادَةَ مَعْنَى الْعُمُومِ قَوْلُهُ (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ شَيْئًا هُوَ خَيْرٌ) أَيْ أفضل (وأوسع من الصبر) قال القارىء وَذَلِكَ لِأَنَّ مَقَامَ الصَّبْرِ أَعْلَى الْمَقَامَاتِ لِأَنَّهُ جَامِعٌ لِمَكَارِمِ الصِّفَاتِ وَالْحَالَاتِ وَلِذَا قُدِّمَ عَلَى الصَّلَاةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ

стр. 2881

يسهل عليه الصبر فتكون وَمَعْنَى كَوْنِهِ أَوْسَعَ أَنَّهُ تَتَّسِعُ بِهِ الْمَعَارِفُ وَالْمَشَاهِدُ وَالْأَعْمَالُ وَالْمَقَاصِدُ انْتَهَى قَوْلُهُ (فِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ) أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ في الزكاة وفي الرقاق وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ فِي الزَّكَاةِ وَالنَّسَائِيُّ فِي الزَّكَاةِ وَفِي الرَّقَائِقِ قَوْلُهُ (وَيُرْوَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَقَدْ رُوِيَ (فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي ذِي الْوَجْهَيْنِ) قَوْلُهُ [٢٠٢٥] (إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ذَا الْوَجْهَيْنِ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ تَجِدُ مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ ذَا الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إِنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ شَرَّ النَّاسِ لِأَنَّ حَالَهُ حَالُ الْمُنَافِقِ إِذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا فَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا وَمُخَالِفٌ لِضِدِّهَا وَصَنِيعُهُ نِفَاقٌ وَمَحْضُ كَذِبٍ وَخِدَاعٍ وَتَحَيُّلٍ عَلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ قَالَ فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ بِذَلِكَ الْإِصْلَاحَ بَيْنَ الطائفتين فهو محمود وقال غيره الفرق بينهماأن الْمَذْمُومَ مَنْ يُزَيِّنُ لِكُلِّ طَائِفَةٍ عَمَلَهَا وَيُقَبِّحُهُ عِنْدَ الْأُخْرَى وَيَذُمُّ كُلَّ طَائِفَةٍ عِنْدَ الْأُخْرَى والمحمود أن

стр. 2882

يَأْتِيَ لِكُلِّ طَائِفَةٍ بِكَلَامٍ فِيهِ صَلَاحُ الْأُخْرَى وَيُعْتَذَرُ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ عَنِ الْأُخْرَى وَيَنْقُلَ إِلَيْهِ مَا أَمْكَنَهُ مِنَ الْجَمِيلِ وَيَسْتُرَ الْقَبِيحَ وَيُؤَيِّدُ هذه التفرقة رواية الأسماعيلي من طريق بن عُمَيْرٍ عَنِ الْأَعْمَشِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ هَؤُلَاءِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَمَّارٍ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَأَخْرَجَهُ أبو داود وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ بن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الصَّمْتِ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ كَذَا فِي التَّرْغِيبِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا ٩ - (بَاب مَا جَاءَ فِي النَّمَّامِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ النَّمِيمَةُ نَقْلُ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْمٍ إِلَى قَوْمٍ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ وَالشَّرِّ وَقَدْ نَمَّ الْحَدِيثَ يَنِمُّهُ وَيَنِمُّهُ فَهُوَ نَمَّامٌ وَالِاسْمُ النَّمِيمَةُ وَنَمَّ الْحَدِيثُ إِذَا ظَهَرَ فَهُوَ مُتَعَدٍّ وَلَازِمٌ انْتَهَى قَوْلُهُ [٢٠٢٦] (فَقِيلَ لَهُ هَذَا يُبَلِّغُ الْأُمَرَاءَ الْحَدِيثَ عَنِ النَّاسِ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَقِيلَ لَهُ إِنَّ رَجُلًا يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِلَى عُثْمَانَ (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ) أَيْ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ كَمَا فِي نظائره (قتات) بقاف ومثناة ثَقِيلَةٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ مُثَنَّاةٌ أُخْرَى وَوَقَعَ بِلَفْظِ نَمَّامٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَتَّاتُ هُوَ النَّمَّامُ يُقَالُ قَتَّ الْحَدِيثَ يَقُتُّهُ إِذَا زَوَّرَهُ وَهَيَّأَهُ وَسَوَّاهُ وَقِيلَ النَّمَّامُ الَّذِي يَكُونُ مَعَ الْقَوْمِ يَتَحَدَّثُونَ فَيَنِمُّ عَلَيْهِمْ وَالْقَتَّاتُ الَّذِي يَتَسَمَّعُ عَلَى الْقَوْمِ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ثُمَّ يَنِمُّ وَالْقَسَّاسُ الَّذِي يَسْأَلُ عَنِ الْأَخْبَارِ ثُمَّ يَنِمُّهَا انْتَهَى قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ يَنْبَغِي لِمَنْ حُمِلَتْ إِلَيْهِ نَمِيمَةٌ أَنْ لَا يُصَدِّقَ مَنْ نَمَّ لَهُ وَلَا يَظُنُّ بِمَنْ نَمَّ عَنْهُ مَا نُقِلَ عَنْهُ ولا

стр. 2883

يَبْحَثُ عَنْ تَحْقِيقِ مَا ذُكِرَ لَهُ وَأَنْ يَنْهَاهُ وَيُقَبِّحَ لَهُ فِعْلَهُ وَأَنْ يُبْغِضَهُ إِنْ لَمْ يَنْزَجِرْ وَأَنْ لَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ مَا نَهَى النَّمَّامَ عَنْهُ فَيَنِمَّ هُوَ عَلَى النَّمَّامِ فَيَصِيرُ نَمَّامًا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي النَّقْلِ مَصْلَحَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَإِلَّا فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ أَوْ وَاجِبَةٌ كَمَنِ اطَّلَعَ مِنْ شَخْصٍ أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُؤْذِيَ شَخْصًا ظُلْمًا فَحَذَّرَهُ مِنْهُ وَكَذَا مَنْ أَخْبَرَ الْإِمَامَ أَوْ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ يَسِيرَةٌ نَائِبَةً مَثَلًا فَلَا مَنْعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ مَا مُلَخَّصُهُ النَّمِيمَةُ فِي الْأَصْلِ نَقْلُ الْقَوْلِ إِلَى الْقَوْلِ فِيهِ وَلَا اخْتِصَاصَ لَهَا بِذَلِكَ بَلْ ضَابِطُهَا كَشْفُ مَا يَكْرَهُ كَشْفَهُ سَوَاءٌ كَرِهَهُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ أَوِ الْمَنْقُولُ إِلَيْهِ أَوْ غَيْرُهُمَا سَوَاءٌ كَانَ الْمَنْقُولُ قَوْلًا أَمْ فِعْلًا وَسَوَاءٌ كَانَ عَيْبًا أَمْ لَا حَتَّى لَوْ رَأَى شَخْصًا يُخْفِي مَالَهُ فَأَفْشَى كَانَ نَمِيمَةً وَاخْتُلِفَ فِي الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ هَلْ هُمَا مُتَغَايِرَتَانِ أَوْ مُتَّحِدَتَانِ وَالرَّاجِحُ التَّغَايُرُ وَأَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا وَجْهِيًّا وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّمِيمَةَ نَقْلُ حَالِ الشَّخْصِ لِغَيْرِهِ عَلَى جِهَةِ الْإِفْسَادِ بِغَيْرِ رِضَاهُ سَوَاءٌ كَانَ بِعِلْمِهِ أَمْ بِغَيْرِ عِلْمِهِ وَالْغِيبَةُ ذِكْرُهُ فِي غِيبَتِهِ بِمَا لَا يُرْضِيهِ فَامْتَازَتِ النَّمِيمَةُ بِقَصْدِ الْإِفْسَادِ وَلَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ فِي الْغِيبَةِ وَامْتَازَتِ الغيبة بكونها في غيبة المقول فيه واشتركنا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَشْتَرِطُ فِي الْغِيبَةِ أَنْ يَكُونَ الْمَقُولُ فِيهِ غَائِبًا انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُدَ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الْعِيِّ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَيِيَ فِي المنطق كرضى عيايا بكسر حصر انتهى وقال في الصراح عي بِالْكَسْرِ درما ندكي به سخن وَهُوَ خِلَافُ الْبَيَانِ يُقَالُ عَيَّ فِي مَنْطِقِهِ وَعَيِيَ أَيْضًا فَهُوَ عَيِيٌّ عَلَى فَعِيلٍ وَعَيَّ أَيْضًا عَلَى فَعَلَ وَهُمْ أَعَيَاءٌ وَأَعْيِيَاءُ انْتَهَى قَوْلُهُ [٢٠٢٧] (عَنْ أَبِي غَسَّانَ مُحَمَّدِ بْنِ مُطَرِّفٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَارِيَةَ التَّيْمِيُّ اللَّيْثِيُّ أَبُو غَسَّانَ الْمَدَنِيُّ يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ مَوَالِي عُمَرَ نَزَلَ عَسْقَلَانَ أَحَدُ علماء الْأَثْبَاتِ رَوَى عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَغَيْرُهُ (عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ) الْمُحَارِبِيِّ مَوْلَاهُمُ الدِّمَشْقِيِّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ عَابِدٌ مِنَ الرَّابِعَةِ

стр. 2884

قَوْلُهُ (الْحَيَاءُ وَالْعِيُّ) أَيِ الْعَجْزُ فِي الْكَلَامِ وَالْمُرَادُ بِهِ فِي هَذَا الْمَقَامِ هُوَ السُّكُوتُ عَمَّا فِيهِ إِثْمٌ مِنَ النَّثْرِ وَالشِّعْرِ لَا ما يكون للخلل في اللسان قاله القارىء وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ الْعِيُّ التَّحَيُّرُ فِي الْكَلَامِ وَأَرَادَ بِهِ مَا كَانَ بِسَبَبِ التَّأَمُّلِ فِي الْمَقَالِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الْوَبَالِ انْتَهَى قُلْتُ وَفَسَّرَ التِّرْمِذِيُّ الْعِيَّ فِيمَا بَعْدُ بِقِلَّةِ الْكَلَامِ يَعْنِي حَذَرًا عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي مَا لَا يَعْنِي (شُعْبَتَانِ مِنَ الْإِيمَانِ) أَيْ أَثَرَانِ مِنْ آثَارِهِ فَإِنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْمِلُهُ الْإِيمَانُ عَلَى الْحَيَاءِ فَيَتْرُكُ الْقَبَائِحَ حَيَاءً مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَيَمْنَعُهُ عَنِ الِاجْتِرَاءِ عَلَى الْكَلَامِ شَفَقَةً عَنْ عَثْرَةِ اللِّسَانِ فَهُمَا شُعْبَتَانِ مِنْ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْإِيمَانَ مُنْشَأَهُمَا وَمُنْشَأُ كُلِّ مَعْرُوفٍ وَإِحْسَانٍ (وَالْبَذَاءُ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ فَذَالٌ مُعْجَمَةٌ فُحْشُ الْكَلَامِ أَوْ خِلَافُ الْحَيَاءِ (وَالْبَيَانُ) أَيِ الْفَصَاحَةُ الزَّائِدَةُ عَنْ مِقْدَارِ حَاجَةِ الْإِنْسَانِ مِنَ التَّعَمُّقِ فِي النُّطْقِ وَإِظْهَارِ التَّفَاصُحِ لِلتَّقَدُّمِ عَلَى الْأَعْيَانِ وَقَالَ فِي الْمَجْمَعِ أَرَادَ بِالْبَيَانِ مَا يَكُونُ سَبَبُهُ الِاجْتِرَاءَ وَعَدَم الْمُبَالَاةِ بِالطُّغْيَانِ وَالتَّحَرُّزِ عَنِ الزُّورِ وَالْبُهْتَانِ انْتَهَى (شُعْبَتَانِ مِنَ النِّفَاقِ) قَالَ فِي التَّيْسِيرِ أَيْ هُمَا خَصْلَتَانِ مُنْشَأَهُمَا النِّفَاقُ أَوْ مُؤَدِّيَانِ إِلَيْهِ وَأَرَادَ بِالْبَيَانِ هُنَا كَثْرَةَ الْكَلَامِ وَالتَّكَلُّفَ لِلنَّاسِ بِكَثْرَةِ التَّمَلُّقِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارِ التَّفَصُّحِ وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْإِيمَانِ وَقَدْ يَتَمَلَّقُ الْإِنْسَانُ إِلَى حَدٍّ يُخْرِجُهُ إِلَى صَرِيحِ النِّفَاقِ وَحَقِيقَتِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هذا حديث حسن غريب) قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ كَذَا نَقَلَهُ مَيْرَكُ عَنِ التَّصْحِيحِ وَقَدْ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ انْتَهَى وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ وَقَالَ غَيْرُهُ صَحِيحٌ انْتَهَى (قَالَ وَالْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ إِلَخْ) أَيْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ الْعِيُّ قِلَّةُ الْكَلَامِ أَيْ تَحَرُّزًا عَنِ الْوُقُوعِ فِي الْإِثْمِ أَوْ فِي مَا لَا يَنْبَغِي

стр. 2885

٨١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ سِحْرًا) قَوْلُهُ [٢٠٢٨] (أَنَّ رَجُلَيْنِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَتِهِمَا صَرِيحًا وَقَدْ زَعَمَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُمَا الزِّبْرِقَانُ بِكَسْرِ الزَّايِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ وَبِالْقَافِ وَاسْمُهُ الْحُصَيْنُ وَلُقِّبَ الزِّبْرِقَانَ لِحُسْنِهِ وَالزِّبْرِقَانُ مِنْ أَسْمَاءِ الْقَمَرِ وَهُوَ بن بَدْرِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ خَلَفٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْيَمِ وَاسْمُ الْأَهْيَمِ سِنَانُ بْنُ سُمَيٍّ يَجْتَمِعُ مَعَ الزِّبْرِقَانِ فِي كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زَيْدِ مَنَاةِ بْنِ تَمِيمٍ فَهُمَا تَمِيمِيَّانِ قَدِمَا فِي وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَاسْتَنَدُوا فِي تَعْيِينِهِمَا إِلَى مَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مِقْسَمٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ جَلَسَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْيَمِ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا سَيِّدُ بَنِي تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ أَمْنَعُهُمْ مِنَ الظُّلْمِ وَآخُذُ مِنْهُمْ بِحُقُوقِهِمْ وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْيَمِ فَقَالَ عَمْرٌو إِنَّهُ لَشَدِيدُ الْمُعَارَضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي إِذْنِهِ فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ عَلِمَ من غَيْرَ مَا قَالَ وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ فَقَالَ عَمْرٌو أَنَا أَحْسُدُكَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَئِيمُ الْخَالِ حَدِيثُ الْمَالِ أَحْمَقُ الْوَالِدِ مُضَيَّعٌ فِي الْعَشِيرَةِ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْتُ فِي الْأُولَى وَمَا كَذَبْتُ فِي الْآخِرَةِ وَلَكِنِّي رَجُلٌ إِذَا رَضِيتُ قُلْتُ أَحْسَنَ مَا عَمِلْتُ وَإِذَا غَضِبْتُ قُلْتُ أَقْبَحَ مَا وَجَدْتُ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ عَلَيْهِمْ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَالزِّبْرِقَانُ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْيَمِ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَمْرٍو مَا تَقُولُ فِي الزِّبْرِقَانِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَهَذَا لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ الزِّبْرِقَانُ وَعَمْرٌو هُمَا المراد بحديث بن عُمَرَ فَإِنَّ الْمُتَكَلِّمَ إِنَّمَا هُوَ عَمْرُو بْنُ الْأَهْيَمِ وَحْدَهُ وَكَانَ كَلَامُهُ فِي مُرَاجَعَتِهِ الزِّبْرِقَانَ فَلَا يَصِحُّ نِسْبَةُ الْخُطْبَةِ إِلَيْهِمَا إِلَّا عَلَى طَرِيقِ التَّجَوُّزِ انْتَهَى مَا فِي الْفَتْحِ (فَخَطَبَا) أَيْ كَلِمَاتٍ مُحْسِنَاتٍ جَامِعَةٍ لِلْبَلَاغَةِ وَالْفَصَاحَةِ (إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا أَوْ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ سحرا) أَوْ لِلشَّكِّ مِنَ الرَّاوِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْبَيَانُ اثْنَانِ أَحَدُهُمَا مَا تَقَعُ بِهِ الْإِبَانَةُ عَنِ الْمُرَادِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَالْآخَرُ مَا دَخَلَتْهُ الصَّنْعَةُ بِحَيْثُ يَرُوقُ لِلسَّامِعِينَ وَيَسْتَمِيلُ قُلُوبَهُمْ وَهُوَ الَّذِي يُشَبَّهُ بِالسِّحْرِ إِذَا خَلَبَ الْقَلْبَ وَغَلَبَ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يُحَوِّلَ الشَّيْءَ عَنْ حَقِيقَتِهِ وَيَصْرِفَهُ عَنْ جِهَتِهِ فَيَلُوحُ لِلنَّاظِرِ فِي مَعْرِضِ غيره

стр. 2886

وَهَذَا إِذَا صُرِفَ إِلَى الْحَقِّ يُمْدَحُ وَإِذَا صُرِفَ إِلَى الْبَاطِلِ يُذَمُّ قَالَ فَعَلَى هَذَا فَالَّذِي يُشَبَّهُ بِالسِّحْرِ مِنْهُ هُوَ الْمَذْمُومُ وَيُعَقَّبُ بِأَنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ تَسْمِيَةِ الْآخَرِ سِحْرًا لِأَنَّ السِّحْرَ يُطْلَقُ عَلَى الِاسْتِمَالَةِ وَقَدْ حَمَلَ بَعْضُهُمُ الْحَدِيثَ عَلَى الْمَدْحِ وَالْحَثِّ عَلَى تَحْسِينِ الْكَلَامِ وَتَحْبِيرِ الْأَلْفَاظِ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الذَّمِّ لِمَنْ تَصَنَّعَ فِي الْكَلَامِ وَتَكَلَّفَ لِتَحْسِينِهِ وَصَرَفَ الشَّيْءَ عَنْ ظَاهِرِهِ فَشُبِّهَ بِالسِّحْرِ الَّذِي هُوَ تخييل الغير حقيقة وإلى هَذَا أَشَارَ مَالِكٌ حَيْثُ أَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْمُوَطَّأِ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنَ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا صَحِيحٌ لَكِنْ لَا يَمْنَعُ حَمْلَهُ عَلَى الْمَعْنَى الْآخَرِ إِذَا كَانَ فِي تَزْيِينِ الْحَقِّ وبهذا جزم بن الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ مِنْ فُضَلَاءِ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُ (وَفِي الباب عن عمار وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ) أَمَّا حَدِيثُ عَمَّارٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَمُسْلِمٌ فِي صحيحه وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْهُ مَرْفُوعًا هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ قَالَهَا ثَلَاثًا وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عند أحمد وأبي داود عن بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا قَالَ الْمُنَاوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَعَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ مَرْفُوعًا إِنَّ مِنَ الْبَيَانِ سِحْرًا وَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ جَهْلًا وَإِنَّ مِنَ الشِّعْرِ حِكَمًا وَإِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عَيْبًا قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَنْ يُجْهَلُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ ٢ - (بَاب مَا جَاءَ فِي التَّوَاضُعِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَوَاضَعَ تَذَلَّلَ وَتَخَاشَعَ قَوْلُهُ [٢٠٢٩] (مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ) مَا نَافِيَةٌ وَمِنْ فِي قَوْلِهِ (مِنْ مَالٍ) زَائِدَةٌ أَوْ تَبْعِيضِيَّةٌ أَوْ بَيَانِيَّةٌ أَيْ مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مَالًا أَوْ بَعْضَ مَالٍ أَوْ شَيْئًا مِنْ مَالٍ بَلْ تَزِيدُ أَضْعَافَ مَا يُعْطَى مِنْهُ بِأَنْ يَنْجَبِرَ بِالْبَرَكَةِ الْخَفِيَّةِ أَوْ بِالْعَطِيَّةِ الْجَلِيَّةِ أَوْ بِالْمَثُوبَةِ الْعَلِيَّةِ (وَمَا زَادَ اللَّهُ رَجُلًا بِعَفْوٍ) أَيْ بِسَبَبِ عَفْوِهِ عَنْ شيء مع

стр. 2887

قُدْرَتِهِ عَلَى الِانْتِقَامِ (إِلَّا عِزًّا) فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْ عُرِفَ بِالْعَفْوِ عَظُمَ فِي الْقُلُوبِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ بِأَنْ يَعْظُمَ ثَوَابُهُ أَوْ فِيهِمَا (وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلَّهِ) بِأَنْ أَنْزَلَ نَفْسَهُ عَنْ مَرْتَبَةٍ يَسْتَحِقُّهَا لِرَجَاءِ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ دُونَ غَرَضِ غَيْرِهِ (إِلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عوف وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَحَدِيثُ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ فلينظر من أخرجهما وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْهُ مَرْفُوعًا مَا مِنْ آدَمِيٍّ إِلَّا فِي رَأْسِهِ حِكْمَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ فَإِذَا تَوَاضَعَ قِيلَ لِلْمَلَكِ ارْفَعْ حِكْمَتَهُ وَإِذَا تَكَبَّرَ قِيلَ لِلْمَلَكِ ضَعْ حِكْمَتَهُ قَوْلُهُ (وَاسْمُهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ جَزَمَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ بِأَنَّ اسْمَهُ عُمَرُ بْنُ سَعْدٍ وَحَكَى الْبُخَارِيُّ الْخِلَافَ فِيمَنِ اسْمُهُ عُمَرُ انْتَهَى وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيُّ هُوَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو أَوْ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ وَقِيلَ عُمَرُ أَوْ عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ صَحَابِيٌّ نَزَلَ الشَّامَ لَهُ حَدِيثٌ وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ومسلم ٣ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي الظُّلْمِ) قَالَ الرَّاغِبُ الظُّلْمُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الْمُخْتَصِّ بِهِ إِمَّا بِنُقْصَانٍ أَوْ بِزِيَادَةٍ وَإِمَّا بِعُدُولٍ عَنْ وَقْتِهِ أَوْ مَكَانِهِ قَوْلُهُ [٢٠٣٠] (عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ) الْمَاجِشُونِ الْمَدَنِيِّ نَزِيلُ بَغْدَادَ مَوْلَى آلِ الْهُدَيْرِ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مُصَنِّفٌ مِنَ السَّابِعَةِ (الظُّلْمُ) أَيْ جِنْسُهُ الشَّامِلُ لِلْمُعْتَدِي وَالْقَاصِرُ الصَّادِرُ مِنَ الْكَافِرِ وَالْفَاجِرِ (ظُلُمَاتٌ) أَيْ أَسْبَابُ ظُلْمَةٍ لِمُرْتَكِبِهِ أَوْ مُوجِبَاتُ شِدَّةٍ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ القيامة

стр. 2888

وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْعَدْلَ بِأَنْوَاعِهِ أَنْوَارٌ (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) لِأَنَّ الدُّنْيَا مَزْرَعَةُ الْآخِرَةِ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَيَكُونُ ظُلُمَاتٍ عَلَى صَاحِبِهِ لَا يَهْتَدِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِسَبَبِ ظُلْمِهِ فِي الدُّنْيَا كَمَا أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْعَى بِنُورٍ هُوَ مُسَبَّبٌ عَنْ إِيمَانِهِ فِي الدُّنْيَا قَالَ تَعَالَى يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وبأيمانهم وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالظُّلُمَاتِ هُنَا الشَّدَائِدُ وَبِهِ فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى قُلْ مَنْ يُنْجِيكُمْ مِنْ ظلمات البر والبحر أَيْ شَدَائِدِهِمَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنِ الْأَنْكَالِ والعقوبات وقال بن الْجَوْزِيِّ الظُّلْمُ يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْصِيَتَيْنِ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَمُبَارَزَةُ الرَّبِّ بِالْمُخَالَفَةِ وَالْمَعْصِيَةُ فِيهِ أَشَدُّ مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ لَا يَقَعُ غَالِبًا إِلَّا بِالضَّعِيفِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الِانْتِصَارِ وَإِنَّمَا يَنْشَأُ الظُّلْمُ عَنْ ظُلْمَةِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ لَوِ اسْتَنَارَ بِنُورِ الْهُدَى لَاعْتَبَرَ فَإِذَا سَعَى الْمُتَّقُونَ بِنُورِهِمِ الَّذِي حَصَلَ لَهُمْ بِسَبَبِ التَّقْوَى اكْتَنَفَتْ ظُلُمَاتُ الظُّلْمِ الظَّالِمَ حَيْثُ لَا يُغْنِي عَنْهُ ظُلْمُهُ شَيْئًا قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَائِشَةَ وَأَبِي مُوسَى وَأَبِي هُرَيْرَةَ) أَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْمَظَالِمِ وَغَيْرُهُ وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مُوسَى فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ هُودٍ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ شَأْنِ الْحِسَابِ وَالْقِصَاصِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ بن عُمَرَ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ٤ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الْعَيْبِ لِلنِّعْمَةِ) قَوْلُهُ [٢٠٣١] (مَا عَابَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ) قَالَ الْحَافِظُ أَيْ مُبَاحًا أَمَّا الْحَرَامُ فَكَانَ يَعِيبُهُ وَيَذُمُّهُ وَيَنْهَى عَنْهُ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْعَيْبَ إِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْخِلْقَةِ كُرِهَ وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصَّنْعَةِ لَمْ يُكْرَهْ لِأَنَّ صَنْعَةَ اللَّهِ لَا تُعَابُ وَصَنْعَةَ الْآدَمِيِّينَ تُعَابُ قَالَ الْحَافِظُ وَالَّذِي يَظْهَرُ التَّعْمِيمُ فَإِنَّ فِيهِ كَسْرَ قَلْبِ الصَّانِعِ قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ آدَابِ الطَّعَامِ الْمُتَأَكِّدَةِ أَنْ لَا يُعَابَ كقوله

стр. 2889

مَالِحٌ حَامِضٌ قَلِيلُ الْمِلْحِ غَلِيظٌ رَقِيقٌ غَيْرُ نَاضِجٍ وَغَيْرُ ذَلِكَ (وَإِلَّا) أَيْ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِهِ (تَرَكَهُ) يَعْنِي مِثْلُ مَا وَقَعَ لَهُ في الضب قال بن بَطَّالٍ هَذَا مِنْ حُسْنِ الْأَدَبِ لِأَنَّ الْمَرْءَ قَدْ لَا يَشْتَهِي الشَّيْءَ وَيَشْتَهِيهِ غَيْرُهُ وَكُلُّ مَأْذُونٍ فِي أَكْلِهِ مِنْ قِبَلِ الشَّرْعِ لَيْسَ فِيهِ عَيْبٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَأَبُو حَازِمٍ هُوَ الْأَشْجَعِيُّ إِلَخْ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ سَلْمَانُ أَبُو حَازِمٍ الْأَشْجَعِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ مَوْلَاتِهِ غزة الْأَشْجَعِيَّةِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا وَعَنْهُ الْأَعْمَشُ وَغَيْرُهُ وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ مِنْ الثَّالِثَةِ ٥ - (بَاب مَا جَاءَ فِي تعظيم المؤمن) وقوله [٢٠٣٢] (عن أَوْفَى بْنِ دَلْهَمَ) الْبَصْرِيِّ الْعَدَوِيِّ صَدُوقٌ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (صَعِدَ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيْ طَلَعَ (فَنَادَى بِصَوْتٍ رَفِيعٍ) أَيْ عَالٍ (قَالَ) بَيَانٌ لِقَوْلِهِ فَنَادَى (يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ) يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُؤْمِنُ وَالْمُنَافِقُ (وَلَمْ يُفِضْ) مِنَ الْإِفْضَاءِ أَيْ لَمْ يَصِلْ الْإِيمَانُ أَيْ أَصْلُهُ وَكَمَالُهُ (إِلَى قَلْبِهِ) فَيَشْمَلُ الْفَاسِقَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا سَيَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَلَا أُخُوَّةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالْمُنَافِقِ فَمَا اخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ مِنْ حَصْرِ حُكْمِ الْحَدِيثِ عَلَى الْمُنَافِقِ خِلَافُ الظَّاهِرِ الْمُوَافِقِ وَالْحُكْمُ بِالْأَعَمِّ هُوَ الوجه الأتم قاله القارىء وَفِيهِ مَا فِيهِ فَتَأَمَّلْ (لَا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِينَ) أَيِ الْكَامِلِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَهُمُ الَّذِينَ أَسْلَمُوا بلسانهم وامنو بِقُلُوبِهِمْ (وَلَا تُعَيِّرُوهُمْ) مِنَ التَّعْيِيرِ وَهُوَ التَّوْبِيخُ وَالتَّعْيِيبُ عَلَى ذَنْبٍ سَبَقَ لَهُمْ مِنْ قَدِيمِ الْعَهْدِ سَوَاءٌ عُلِمَ تَوْبَتُهُمْ مِنْهُ أَمْ لَا وَأَمَّا التَّعْيِيرُ فِي حَالِ الْمُبَاشَرَةِ أَوْ بُعَيْدَهُ قَبْلَ ظُهُورِ التَّوْبَةِ فَوَاجِبٌ لِمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَرُبَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ أَوِ التَّعْزِيرُ فَهُوَ مِنْ بَابِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (وَلَا تَتَّبِعُوا) مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ أَيْ لَا

стр. 2890

تَجَسَّسُوا (عَوْرَاتِهِمْ) فِيمَا تَجْهَلُونَهَا وَلَا تَكْشِفُوهَا فِيمَا تَعْرِفُونَهَا (فَإِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنُ (مَنْ تَتَبَّعَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ التَّفَعُّلِ أَيْ مَنْ طَلَبَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَتَّبِعْ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ الْمَعْلُومِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ هُنَا وَفِيمَا بَعْدُ مِنَ الْمَوْضِعَيْنِ (عَوْرَةَ أَخِيهِ) أَيْ ظُهُورَ عَيْبِ أَخِيهِ (الْمُسْلِمِ) أَيِ الْكَامِلِ بِخِلَافِ الْفَاسِقِ فَإِنَّهُ يجب الحذر والتحذير عنه (يتبع اللَّهُ عَوْرَتَهُ) ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ الْمُشَاكَلَةِ أَيْ كَشَفَ عُيُوبَهُ وَمِنْ أَقْبَحِهَا تَتَبُّعُ عَوْرَةِ الْأَخِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا فِي الْآخِرَةِ (وَمَنْ يَتَّبِعِ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ) مِنْ فَضَحَ كَمَنَعَ أَيْ يَكْشِفُ مَسَاوِيهِ (وَلَوْ فِي جَوْفِ رَحْلِهِ) أَيْ وَلَوْ كَانَ فِي وَسَطِ مَنْزِلِهِ مُخْفِيًا مِنَ النَّاسِ قَالَ تَعَالَى إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تعلمون (مَا أَعْظَمَكَ وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكَ) هُمَا صِيغَتَا التَّعَجُّبِ وَالْحُرْمَةُ بِالضَّمِّ وَبِضَمَّتَيْنِ وَكَهُمَزَةٍ مَا لَا يَحِلُّ انْتِهَاكُهُ كَذَا فِي الْقَامُوسِ (وَالْمُؤْمِنُ) أَيِ الْكَامِلُ قوله (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَةِ أَوْفَى بْنِ دَلْهَمَ حَسَّنَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثَهُ يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِقَلْبِهِ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ غَيْرُهُ انْتَهَى (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ إِلَخْ) رَوَاهُ أَحْمَدُ في مسنده ١٢٤ ج ٤ وَأَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ كَمَا فِي التَّرْغِيبِ ٦ - (بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّجَارِبِ) جَمْعُ التَّجْرِبَةِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ جَرَّبَهُ تَجْرِبَةً اخْتَبَرَهُ قَوْلُهُ [٢٠٣٣] (لَا حَلِيمَ إِلَّا ذُو عَثْرَةٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وسكون المثلثة قال القارىء أَيْ صَاحِبُ زَلَّةِ

стр. 2891

قَدَمٍ أَوْ لَغْزَةِ قَلَمٍ فِي تَقْرِيرِهِ أَوْ تَحْرِيرِهِ وَقِيلَ أَيْ لَا حَلِيمَ كَامِلًا إِلَّا مَنْ وَقَعَ فِي زَلَّةٍ وَحَصَلَ مِنْهُ الْخَطَأُ وَالتَّخَجُّلُ فَعُفِيَ عَنْهُ فَعَرَفَ بِهِ رُتْبَةَ الْعَفْوِ فَيَحْلُمُ عِنْدَ عَثْرَةِ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ يَصِيرُ ثَابِتَ الْقَدَمِ انْتَهَى (وَلَا حَكِيمَ إِلَّا ذُو تَجْرِبَةٍ) أَيْ صَاحِبَ امْتِحَانٍ فِي نَفْسِهِ وفي غيره قال القارىء قَالَ الشَّارِحُ أَيْ لَا حَكِيمَ كَامِلًا إِلَّا مَنْ جَرَّبَ الْأُمُورَ وَعَلِمَ الْمَصَالِحَ وَالْمَفَاسِدَ فَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ فِعْلًا إِلَّا عَنْ حِكْمَةٍ إِذِ الْحِكْمَةُ إِحْكَامُ الشَّيْءِ وَإِصْلَاحُهُ عَنِ الْخَلَلِ انْتَهَى قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ الْمَعْنَى لَا حَلِيمَ إِلَّا وَقَدْ يَعْثِرُ كَمَا قِيلَ نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ الْحَلِيمِ وَلَا حَكِيمَ مِنَ الْحُكَمَاءِ الطِّبِّيَّةِ إِلَّا صَاحِبُ التَّجْرِبَةِ فِي الْأُمُورِ الدَّائِبَةِ وَالذَّاتِيَّةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ في مسنده وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ ٧ - (باب ما جاء في المتشبع بما لم يُعْطَهُ) قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ الْمُتَشَبِّعُ أَيِ الْمُتَشَبِّهُ بِالشَّبْعَانِ وَلَيْسَ بِهِ وَاسْتُعِيرَ لِلتَّحَلِّي بِفَضِيلَةٍ لَمْ يُرْزَقْهَا قَوْلُهُ [٢٠٣٤] (مَنْ أُعْطِيَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَطَاءً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ أَوْ عَطِيَّةً وَفِي رِوَايَةٍ شَيْئًا فَهُوَ مَفْعُولٌ ثَانٍ (فَوَجَدَ) أَيْ سَعَةً مالية (فليجز) بسكون الجيم أي فليكافىء (بِهِ) أَيْ بِالْعَطَاءِ (وَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أَيْ سَعَةً مِنَ الْمَالِ (فَلْيُثْنِ) بِضَمِّ الْيَاءِ أَيْ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ بِهِ أَيْ فَلْيَمْدَحْهُ أَوْ فَلْيَدْعُ لَهُ (فَإِنَّ مَنْ أَثْنَى) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنْ أَثْنَى بِهِ (فَقَدْ شَكَرَ) وَفِي رِوَايَةٍ شَكَرَهُ أَيْ جَازَاهُ فِي الْجُمْلَةِ (وَمَنْ كَتَمَ) أَيِ النِّعْمَةَ بِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ بِالْعَطَاءِ أَوِ الْمُجَازَاةِ بِالثَّنَاءِ (فَقَدْ كَفَرَ) أَيِ النِّعْمَةَ مِنَ الْكُفْرَانِ أَيْ تَرَكَ أَدَاءَ حَقِّهِ وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ كَتَمَهُ فَقَدْ كَفَرَهُ (وَمَنْ تَحَلَّى) أَيْ تَزَيَّنَ وَتَلَبَّسَ (بِمَا لَمْ يُعْطَهُ) بِفَتْحِ الطَّاءِ وَالضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ يَرْجِعُ إِلَى مَنْ وَالْمَنْصُوبُ إِلَى مَا (كَانَ كَلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ) وَفِي رِوَايَةٍ فَإِنَّهُ كلابس

стр. 2892

ثوبي زور أي كمن كذب كاذبين أَوْ أَظْهَرَ شَيْئَيْنِ كَاذِبَيْنِ قَالَهُ ﷺ لِمَنْ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ لِي ضَرَّةً فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَتَشَبَّعَ بِمَا لَمْ يُعْطِنِي زَوْجِي أَيْ أُظْهِرُ الشِّبَعَ فَأَحَدُ الْكَذِبَيْنِ قَوْلُهَا أَعْطَانِي زَوْجِي وَالثَّانِي إِظْهَارُهَا أَنَّ زَوْجِي يُحِبُّنِي أَشَدَّ مِنْ ضَرَّتِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ رَجُلٌ فِي الْعَرَبِ يَلْبَسُ ثَوْبَيْنِ مِنْ ثِيَابِ الْمَعَارِيفِ لِيَظُنَّهُ النَّاسُ أَنَّهُ رَجُلٌ مَعْرُوفٌ مُحْتَرَمٌ لِأَنَّ الْمَعَارِيفَ لَا يَكْذِبُونَ فَإِذَا رَآهُ النَّاسُ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ يَعْتَمِدُونَ عَلَى قَوْلِهِ وَشَهَادَتِهِ عَلَى الزُّورِ لِأَجْلِ تَشْبِيهِهِ نَفْسَهُ بِالصَّادِقِينَ وَكَانَ ثَوْبَاهُ سَبَبَ زُورِهِ فَسُمِّيَا ثوبي زور أو لأنهما ليسا لِأَجْلِهِ وَثُنِّيَ بِاعْتِبَارِ الرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ فَشَبَّهَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ الرَّجُلِ وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْفَائِقِ شَبَّهَ الْمُتَشَبِّعَ بِلَابِسِ ثَوْبَيْ زُورٍ أَيْ ذِي زُورٍ وَهُوَ الَّذِي يَتَزَيَّا بِزِيِّ أَهْلِ الصَّلَاحِ رِيَاءً وَأَضَافَ الثَّوْبَيْنِ إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا كَالْمَلْبُوسَيْنِ وَأَرَادَ بِالتَّثْنِيَةِ أَنَّ الْمُتَحَلِّيَ بِمَا لَيْسَ فِيهِ كَمَنْ ليس ثَوْبَيِ الزُّورِ ارْتَدَى بِأَحَدِهِمَا وَاتَّزَرَ بِالْآخَرِ كَمَا قيل قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ إِذَا هُوَ بِالْمَجْدِ ارْتَدَى وَتَأَزَّرَا فَالْإِشَارَةُ بِالْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ إِلَى أَنَّهُ مُتَّصِفٌ بِالزُّورِ مِنْ رَأْسِهِ إِلَى قَدَمِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ التَّثْنِيَةُ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ حَصَلَ بِالتَّشَبُّعِ حَالَتَانِ مَذْمُومَتَانِ فِقْدَانُ مَا تَتَشَبَّعُ بِهِ وَإِظْهَارُ الْبَاطِلِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ الْمُرَائِي يَلْبَسُ ثِيَابَ الزُّهَّادِ وَيَرَى أَنَّهُ زَاهِدٌ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَنْ يَلْبَسَ قَمِيصًا يَصِلُ بِكُمَّيْهِ كُمَّيْنِ آخَرَيْنِ يُرَى أَنَّهُ لَابِسُ قَمِيصَيْنِ فَكَأَنَّهُ يَسْخَرُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْكَاذِبِ الْقَائِلِ مَا لَمْ يَكُنْ وَقِيلَ إِنَّمَا شَبَّهَ بِالثَّوْبَيْنِ لِأَنَّ الْمُتَحَلِّيَ كَذِبَ كَذِبَيْنِ فَوَصَفَ نَفْسَهُ بِصِفَةٍ لَيْسَتْ فِيهِ وَوَصَفَ غَيْرَهُ بِأَنَّهُ خَصَّهُ بِصِلَةٍ فَجَمَعَ بِهَذَا الْقَوْلِ بَيْنَ كَذِبَيْنِ قال القارىء وَبِهَذَا تَظْهَرُ الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ مَعَ مُوَافَقَتِهِ لِسَبَبِ وُرُودِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَمَنْ لَمْ يُعْطَ وَأَظْهَرَ أَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ كَانَ مُزَوِّرًا مَرَّتَيْنِ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ وَعَائِشَةَ) أَمَّا حَدِيثُ أَسْمَاءَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْمُتَشَبِّعِ بِمَا لَمْ يَنَلْ وَمَا يَنْهَى مِنِ افْتِخَارِ الضَّرَّةِ مِنْ كِتَابِ النِّكَاحِ وَمُسْلِمٌ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي كِتَابِ اللِّبَاسِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ في الأدب المفرد وأبو داود وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي التَّيْسِيرِ إسناده صحيح

стр. 2893

٨٨ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الثَّنَاءِ بِالْمَعْرُوفِ) قَوْلُهُ [٢٠٣٥] (حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ) أَبُو إِسْحَاقَ الطَّبَرِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ثِقَةٌ حَافِظٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ مِنَ الْعَاشِرَةِ (وَالْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ حَرْبٍ السُّلَمِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (بِمَكَّةَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَانَ سَكَنَ بِمَكَّةَ (حَدَّثَنَا الْأَحْوَصُ بْنُ جَوَّابٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ الضَّبِّيُّ يُكَنَّى أَبَا الْجَوَّابِ كُوفِيٌّ صَدُوقٌ رُبَّمَا وَهِمَ من التاسعة (عن سعير بْنِ الْخِمْسِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ سُعَيْرٌ آخِرُهُ راء مصغر بن الْخِمْسِ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْمِيمِ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ التَّمِيمِيُّ أَبُو مَالِكٍ وَأَبُو الْأَحْوَصِ صَدُوقٌ مِنَ السابعة ٩ - باب قَوْلُهُ (مَنْ صُنِعَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (مَعْرُوفًا) كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِالنَّصْبِ وَوَقَعَ فِي المشكاة والجامع الصغير معروف بالرفع قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي نُسْخَةٍ يَعْنِي مِنَ الْمِشْكَاةِ مَعْرُوفًا بِالنَّصْبِ أَيْ أُعْطَى عَطَاءً (فَقَالَ لِفَاعِلِهِ) أَيْ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ إِثَابَتِهِ أَوْ مُطْلَقًا (جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا) أَيْ خَيْرَ الْجَزَاءِ أَوْ أَعْطَاكَ خَيْرًا مِنْ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثَّنَاءِ) أَيْ بَالَغَ فِي أَدَاءِ شُكْرِهِ وَذَلِكَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ بِالتَّقْصِيرِ وَأَنَّهُ مِمَّنْ عَجَزَ عَنْ جَزَائِهِ وَثَنَائِهِ فَفَوَّضَ جَزَاءَهُ إِلَى اللَّهِ لِيَجْزِيَهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى قَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا قَصُرَتْ يَدَاكَ بِالْمُكَافَأَةِ فَلْيَطُلْ لِسَانُكَ بِالشُّكْرِ وَالدُّعَاءِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ جَيِّدٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن حِبَّانَ قَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مثله) لَمْ أَقِفْ عَلَى مَا

стр. 2894

رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ الْبَابِ نَعَمْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ من لَمْ يَشْكُرِ النَّاسَ لَمْ يَشْكُرِ اللَّهَ ٢٦ - كِتَاب الطب (بَابُ مَا جَاءَ فِي الْحِمْيَةِ بِالْكَسْرِ) بِالْفَارِسِيَّةِ برهيز كردن حمي المريض ما يَضُرُّهُ مَنَعَهُ إِيَّاهُ فَاحْتَمَى وَتَحَمَّى امْتَنَعَ وَقَالَ فِيهِ الْحِمْيَةُ بِالْكَسْرِ مَا حُمِيَ مِنْ شَيْءٍ قَوْلُهُ [٢٠٣٧] (عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ أَبِي يَعْقُوبَ) الْمَدَنِيِّ صَدُوقٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلَّقَةٌ) جَمْعُ دَالِيَةٍ وَهِيَ الْعِذْقُ مِنَ الْبُسْرِ يُعَلَّقُ فَإِذَا أَرْطَبَ أُكِلَ (مَهْ مَهْ) أَيِ اكْفُفْ وَهُوَ اسْمُ فِعْلٍ (فَإِنَّكَ نَاقِهٌ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ نَقِهَ كَفَرِحَ وَمَنَعَ نَقَهًا وَنُقُوهًا صَحَّ وَفِيهِ ضَعْفٌ وَأَفَاقَ فَهُوَ نَاقِهٌ (فَجَعَلْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا فَجِئْتُ بِهِ وَالْمَعْنَى طَبَخْتُ لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا وَالسِّلْقُ بِالْكَسْرِ بِالْفَارِسِيَّةِ جقندر يَعْنِي مِنْ هَذَا فَأَصِبْ مِنَ الْإِصَابَةِ أَيْ أَدْرِكْ مِنْ هَذَا أَوْ كُلْ مِنْهُ

стр. 2895

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن مَاجَهْ وَسَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ وَنَقَلَ الْمُنْذِرِيُّ تَحْسِينَ التِّرْمِذِيِّ وَأَقَرَّهُ (لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ فُلَيْحٍ ذَكَرَهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ الدِّمَشْقِيُّ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَأَبُو دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ أَيُّوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَقِيلَ أَيُّوبُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي صَعْصَعَةَ صَدُوقٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أُمِّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةِ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ أُمُّ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيَّةُ إِحْدَى خَالَاتِ النَّبِيِّ ﷺ صَلَّتْ مَعَهُ الْقِبْلَتَيْنِ وَهِيَ الَّتِي دَخَلَ عَلَيْهَا وَمَعَهُ عَلِيٌّ فِي قِصَّةِ الدَّوَالِي وَالسِّلْقِ وَالشَّعِيرِ رَوَى عَنْهَا يَعْقُوبُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ الْمَدَنِيُّ قَالَ الطَّبَرَانِيُّ اسْمُهَا سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هِيَ أُمُّ الْمُنْذِرِ بِنْتُ قَيْسِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَامِرِ بْنِ غُنْمِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ النَّجَّارِ وَيُقَالُ هِيَ سَلْمَى بِنْتُ قَيْسٍ أُخْتُ سَلِيطٍ مِنْ بَنِي مَازِنِ بْنِ النَّجَّارِ انْتَهَى (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ فِي حَدِيثِهِ حَدَّثَنِيهِ أَيُّوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا نَظَرٌ فَتَفَكَّرْ وَتَأَمَّلْ قَوْلُهُ [٢٠٣٦] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى) هُوَ الإِمَامُ الذُّهْلِيُّ (حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَرْوِيُّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ إِسْحَاقُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ الْفَرْوِيُّ الْمَدَنِيُّ الأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ صَدُوقٌ عف نساء حِفْظُهُ مِنَ الْعَاشِرَةِ انْتَهَى

стр. 2896

قَوْلُهُ (إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا حَمَاهُ الدُّنْيَا) أي حفظه من متاع الدنيا ومناصبه أَيْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ بِأَنْ يُبْعِدَهُ عَنْهُ وَيُعْسِرَ عَلَيْهِ (حُصُولُهُ كَمَا يَظَلُّ أَحَدُكُمْ يحمي سقية الْمَاءَ) أَيْ شُرْبَهُ إِذَا كَانَ يَضُرُّهُ وَالأَطِبَّاءُ تَحْمِي شُرْبَ الْمَاءِ فِي أَمْرَاضٍ مَعْرُوفَةٍ قَوْلُهُ (وفي الباب عن صهيب) أخرجه بن ماجة في باب الحمية قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شعب الايمان والحاكم وقال صحيح ووهم بن الْجَوْزِيِّ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ قَوْلُهُ (وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ الظُّفْرِيُّ) بِمُعْجَمَةٍ وَفَاءٍ مَفْتُوحَيْنِ صَحَابِيٌّ شَهِدَ بَدْرًا (بَاب مَا جَاءَ فِي الدَّوَاءِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ) قَوْلُهُ [٢٠٣٨] (قَالَ قَالَتِ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى) وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ كأنما على رؤوسهم الطَّيْرُ فَسَلَّمْتُ ثُمَّ قَعَدْتُ فَجَاءَ الْأَعْرَابُ مِنْ ها هنا وههنا فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَتَدَاوَى (قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا) فِيهِ إِثْبَاتُ الطِّبِّ وَالْعِلَاجِ وَأَنَّ التَّدَاوِي مُبَاحٌ غَيْرُ مَكْرُوهٍ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ النَّاسِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِيهِ إِبَاحَةُ التَّدَاوِي وَجَوَازُ الطِّبِّ وَهُوَ رَدٌّ عَلَى الصُّوفِيَّةِ أَنَّ الْوِلَايَةَ لَا تَتِمُّ إِلَّا إِذَا رَضِيَ بِجَمِيعِ مَا نَزَلَ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ مُدَاوَاتُهُ وَهُوَ خِلَافُ مَا أَبَاحَهُ الشَّارِعُ انْتَهَى (فَإِنَّهُ لَمْ يَضَعْ) أَيْ لَمْ يَخْلُقْ (دَاءً إِلَّا وَضَعَ له شفاء

стр. 2897

أو دواء) شك في الرَّاوِي (قَالَ الْهَرَمُ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ هُوَ الْهَرَمُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ جَعَلَ الْهَرَمَ دَاءً وَإِنَّمَا هُوَ ضَعْفُ الْكِبَرِ وَلَيْسَ هُوَ مِنَ الْأَدْوَاءِ الَّتِي هِيَ أَسَقَامٌ عَارِضَةٌ لَلْأَبَدَانِ مِنْ قِبَلِ اخْتِلَافِ الطَّبَائِعِ وَتَغَيُّرِ الْأَمْزِجَةِ وَإِنَّمَا شَبَّهَهُ بِالدَّاءِ لِأَنَّهُ جَالِبُ التَّلَفِ وَالْأَدْوَاءُ الَّتِي قَدْ يَتَعَقَّبُهَا الْمَوْتُ وَالْهَلَاكُ انْتَهَى قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عن بن مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ وبن عباس) أما حديث بن مسعود فأخرجه النسائي وبن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَالطَّحَاوِيُّ ص ٨٨٣ ج ٢ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إِلَّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي خُزَامَةَ عَنْ أَبِيهِ فأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ لَا يَرُدُّ الرَّقْيُ وَالدَّوَاءُ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ ٦٨٣ ج ٢ وَأَبُو نُعَيْمٍ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ (بَاب مَا جَاءَ مَا يُطْعَمُ الْمَرِيضُ) قَوْلُهُ [٢٠٣٩] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ) الْمَكِّيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أُمِّهِ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أُمُّ مُحَمَّدٍ وَالِدَةُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ بَرَكَةَ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ قَوْلُهُ (إِذَا أَخَذَ أَهْلَهُ) بِالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ (الْوَعْكُ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْوَعْكُ الْحُمَّى وَقِيلَ أَلَمُهَا (أَمَرَ بِالْحَسَاءِ) بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ وَهُوَ طَبِيخٌ يُتَّخَذُ مِنْ دَقِيقٍ وَمَاءٍ وَدُهْنٍ وقد يحلى ويكون رقيقا يحسى قال القارىء وَذَكَرَ بَعْضُهُمُ السَّمْنَ بَدَلَ الدُّهْنِ وَأَهْلُ مَكَّةَ يسمونه

стр. 2898

بِالْحَرِيرَةِ (فَحَسَوْا مِنْهُ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ حَسَا زَيْدٌ الْمَرَقَ شَرِبَهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (إِنَّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ) أَيْ يَشُدُّ قَلْبَهُ وَيُقَوِّيهِ (وَيَسْرُو عَنْ فُؤَادِ السَّقِيمِ) أَيْ يَكْشِفُ عَنْ قَلْبِهِ الْأَلَمَ وَيُزِيلُهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صحيح) وأخرجه بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ (وَقَدْ رَوَى الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مِنْ هَذَا) وَلَفْظُهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ بِالتَّلْبِينِ لِلْمَرِيضِ وَلِلْمَحْزُونِ عَلَى الْهَالِكِ وَكَانَتْ تَقُولُ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ التَّلْبِينَ تُجِمُّ فُؤَادَ الْمَرِيضِ وَتَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحَزَنِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِذَلِكَ الْحُسَيْنُ الْجُرَيْرِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الطالقاني عن بن الْمُبَارَكِ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ إِلَخْ) قَالَ الْمِزِّيُّ كَذَا فِي النُّسَخِ يَعْنِي نُسَخَ التِّرْمِذِيِّ ليس فيه عقيل قال الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ رِوَايَةِ نُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ وَمِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الله بن سنان كلاهما عن بن الْمُبَارَكِ لَيْسَ فِيهِ عُقَيْلٌ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ عَنِ بن الْمُبَارَكِ بِإِثْبَاتِهِ وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ وَكَانَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ عُقَيْلًا جَرَى عَلَى الْجَادَّةِ لِأَنَّ يُونُسَ مُكْثِرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عُقَيْلٍ أَيْضًا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَتَقَدَّمَ حَدِيثُهُ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ انْتَهَى قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو إِسْحَاقَ) كَذَا فِي النُّسَخِ الْحَاضِرَةِ عِنْدَنَا وَلَمْ يَظْهَرْ لِي وَجْهُ وُقُوعِ هَذَا اللَّفْظِ ها هنا فَتَفَكَّرْ (بَاب مَا جَاءَ لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ) قَوْلُهُ [٢٠٤٠] (حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ) الشَّيْبَانِيُّ الْكُوفِيُّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ ضَعِيفٌ وَقَالَ فِي

стр. 2899

الْخُلَاصَةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ (عَنْ مُوسَى بن علي) بالتصغير رَبَاحِ بْنِ اللَّخْمِيِّ الْبَصْرِيِّ صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ قاله الحافظ ووثقه النسائي وأبو حاتم وبن مَعِينٍ وَغَيْرُهُمْ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ عُلَيُّ بْنُ رَبَاحٍ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُلَيُّ بْنُ رَبَاحِ بْنِ قَصِيرٍ اللَّخْمِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ وَالْمَشْهُورُ فِيهِ عُلَيٌّ بِالتَّصْغِيرِ وَكَانَ يَغْضَبُ مِنْهَا انْتَهَى وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ لقبه علي بالضم قوله (لاتكرهوا) نَهْيٌ مِنَ الْإِكْرَاهِ (مَرَضَاكُمْ) جَمْعُ مَرِيضٍ (عَلَى الطَّعَامِ) أَيْ عَلَى تَنَاوُلِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ (فَإِنَّ اللَّهَ ﵎ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ) أَيْ يَمُدُّهُمْ بِمَا يَقَعُ مَوْقِعَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَيَرْزُقُهُمْ صَبْرًا عَلَى أَلَمِ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ فَإِنَّ الْحَيَاةَ وَالْقُوَّةَ مِنَ اللَّهِ حَقِيقَةً لَا مِنَ الطَّعَامِ وَلَا الشَّرَابِ وَلَا مِنْ جِهَةِ الصِّحَّةِ قَالَ الْقَاضِي أَيْ يَحْفَظُ قُوَاهُمْ وَيَمُدُّهُمْ بِمَا يُفِيدُ فَائِدَةَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فِي حِفْظِ الرُّوحِ وَتَقْوِيمِ الْبَدَنِ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ ﷺ أَبِيتُ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي وَإِنْ كَانَ مَا بَيْنَ الْإِطْعَامَيْنِ وَالطَّعَامَيْنِ بَوْنًا بَعِيدًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إِلَخْ) وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ وَقَدْ عَرَفْتُ أَنَّ فِي سَنَدِهِ بَكْرَ بْنَ يُونُسَ وَهُوَ ضَعِيفٌ (بَاب مَا جاء في الحبة السوداء) أي الشوفين قَوْلُهُ [٢٠٤١] (عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ) أَيِ الْزَمُوا اسْتِعْمَالَهَا بِأَكْلٍ وَغَيْرِهِ (فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ) يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ لَكِنْ لَا تَسْتَعْمِلُ فِي دَاءٍ صِرْفًا بَلْ تَارَةً تُسْتَعْمَلُ مُفْرَدَةً وَتَارَةً مُرَكَّبَةً بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْمَرَضُ قَالَهُ الْمُنَاوِيُّ (إِلَّا السَّامُ) بِمُهْمَلَةٍ غَيْرِ مَهْمُوزَةٍ (والسام الموت) وفي رواية البخاري قال بن شِهَابٍ السَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ

стр. 2900

(قوله وفي الباب عن بريدة وبن عُمَرَ وَعَائِشَةَ) أَمَّا حَدِيثُ بُرَيْدَةَ فَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الطِّبِّ وَأَخْرَجَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي كِتَابِ الطِّبِّ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِنَّ هَذِهِ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ فِيهَا شِفَاءٌ قَالَ وَفِي لَفْظٍ قِيلَ وَمَا الْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ قال الشونين قَالَ وَكَيْفَ أَصْنَعُ بِهَا قَالَ تَأْخُذُ إِحْدَى وَعِشْرِينَ حَبَّةً فَتَصُرُّهَا فِي خِرْقَةٍ ثُمَّ تَضَعُهَا فِي مَاءٍ لَيْلَةً فَإِذَا أَصْبَحْتَ قَطَرْتَ فِي الْمَنْخِرِ الْأَيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الْأَيْسَرِ اثْنَتَيْنِ فَإِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَطَرْتَ فِي الْمَنْخِرِ الْأَيْمَنِ اثْنَتَيْنِ وَفِي الْأَيْسَرِ وَاحِدَةً فَإِذَا كَانَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ قَطَرْتَ فِي الْأَيْمَنِ وَاحِدَةً وَفِي الْأَيْسَرِ اثْنَتَيْنِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي وَأَمَّا حديث بن عمر فأخرجه بن مَاجَهْ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ تَنْبِيهٌ أَحَادِيثُ الْبَابِ هَلْ هِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى عُمُومِهَا أَوْ أُرِيدَ مِنْهَا الْخُصُوصُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ وَلَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ مِنَ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَتَبَايُنِ طَبْعِهَا وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهُ شِفَاءٌ مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنَ الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ وَالْبَلْغَمِ وَذَلِكَ أَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ لِلدَّاءِ الْمُقَابِلِ لَهُ فِي الرُّطُوبَةِ والبرودة وذلك أن الدواء أبذأ بِالْمُضَادِّ وَالْغِذَاءُ بِالْمُشَاكِلِ انْتَهَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي حَقِّ بِلْقِيسَ وَأُوتِيَتْ مِنْ كل شيء وقوله تعالى تدمر كل شيء فِي إِطْلَاقِ الْعُمُومِ وَإِرَادَةِ الْخُصُوصِ انْتَهَى وَقِيلَ هِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى عُمُومِهَا وَأُجِيبَ عَنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ لَيْسَ يُجْمَعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ إِلَخْ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ اللَّهِ بِمُسْتَنْكَرٍ أَنْ يَجْمَعَ الْعَالَمَ فِي وَاحِدٍ وَأَمَّا قَوْلُ الطِّيبِيِّ وَنَظِيرُهُ إِلَخْ فَفِيهِ أَنَّ الْآيَتَيْنِ يُمْنَعُ حَمْلُهُمَا عَلَى الْعُمُومِ عَلَى مَا هُوَ عِنْدَ كُلِّ أَحَدٍ مَعْلُومٍ وَأَمَّا أَحَادِيثُ الْبَابِ فَحَمْلُهَا عَلَى الْعُمُومِ مُتَعَيِّنٌ لِقَوْلِهِ ﷺ فِيهَا إِلَّا السَّامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خسر إلا الذين امنوا وعملوا الصالحات الْآيَةَ قُلْتَ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ الْمَذْكُورِ مَا لَفْظُهُ وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى كَوْنِ الْحَبَّةِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ أَنَّهَا لَا تُسْتَعْمَلُ فِي كُلِّ دَاءٍ صِرْفًا بَلْ رُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مُفْرَدَةً وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مُرَكَّبَةً وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ مَسْحُوقَةً وَغَيْرَ مَسْحُوقَةٍ وَرُبَّمَا اسْتُعْمِلَتْ أَكْلًا وَشُرْبًا وَسَعُوطًا وَضِمَادًا وَغَيْرَ ذَلِكَ قَالَ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي جَمْرَةَ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَخَصُّوا عُمُومَهُ وَرَدُّوهُ إِلَى

стр. 2901

قَوْلِ أَهْلِ الطِّبِّ وَالتَّجْرِبَةِ وَلَا خَفَاءَ بِغَلَطِ قَائِلِ ذَلِكَ لِأَنَّا إِذَا صَدَّقْنَا أَهْلَ الطِّبِّ وَمَدَارُ عِلْمِهِمْ غَالِبًا إِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّجْرِبَةِ الَّتِي بِنَاؤُهَا عَلَى ظَنٍّ غَالِبٍ فَتَصْدِيقُ مَنْ لَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ كَلَامِهِمِ انْتَهَى قَالَ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُ حَمْلِهِ عَلَى عُمُومِهِ بِأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْإِفْرَادِ وَالتَّرْكِيبِ وَلَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَلَا خُرُوجَ عَنْ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (بَاب مَا جَاءَ فِي شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ) أَيْ لِلتَّدَاوِي قَوْلُهُ [٢٠٤٢] (أَنَّ نَاسًا مِنْ عُرَيْنَةَ إِلَخْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مُطَوَّلًا فِي بَابِ بَوْلِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ شَرْحُهُ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنِ بن عباس) أخرجه بن الْمُنْذِرِ عَنْهُ مَرْفُوعًا عَلَيْكُمْ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا نافعة لذربة بُطُونِهِمْ وَالذَّرِبَةُ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ ذَرِبٍ وَالذَّرَبُ بِفَتْحَتَيْنِ فَسَادُ الْمَعِدَةِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (بَاب مَا جَاءَ فِيمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بسم أو غيره) قوله [٢٠٤٣] (حدثنا عَبِيدَةُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ (بْنُ حُمَيْدٍ) هُوَ الْكُوفِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْحَذَّاءِ قَوْلُهُ (أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ (رَفَعَهُ) أَيْ رَفَعَ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَتَلَ

стр. 2902

نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ) أَيْ بِآلَةٍ مِنْ حَدِيدٍ (وَحَدِيدَتُهُ) أَيْ تِلْكَ بِعَيْنِهَا أَوْ مِثْلُهَا (يَتَوَجَّأُ) بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ تَفَعُّلٌ مِنَ الْوَجَأِ وَهُوَ الطَّعْنُ بِالسِّكِّينِ وَنَحْوُهُ وَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ (بِهَا) لِلْحَدِيدَةِ أَيْ يَطْعَنُ بِهَا (بَطْنَهُ) أَيْ فِي بَطْنِهِ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ) أَيْ حَالَ كَوْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ (وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِسُمٍّ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَمَنْ شَرِبَ سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ وَالسُّمُّ بِضَمِّ السِّينِ وَفَتْحِهَا وَكَسْرِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ أَفْصَحُهُنَّ الْفَتْحُ وَجَمْعُهُ سِمَامٌ قَالَ فِي الْقَامُوسِ السُّمُّ هَذَا الْقَاتِلُ الْمَعْرُوفُ (فَسُمُّهُ) مُبْتَدَأٌ (فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ) بِمُهْمَلَتَيْنِ بِوَزْنِ يَتَغَذَّى أَيْ يَشْرَبُهُ فِي تَمَهُّلٍ وَيَتَجَرَّعُهُ (فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا) قَالَ الْحَافِظُ قَدْ تَمَسَّكَ بِهِ الْمُعْتَزِلَةُ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ قَالَ بِتَخْلِيدِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي فِي النَّارِ وَأَجَابَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا تَوْهِيمُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَمْ يَذْكُرْ خَالِدًا مُخَلَّدًا وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُشِيرُ إِلَى رِوَايَةِ الْبَابِ يَعْنِي رِوَايَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّتِي رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي أَوَاخِرِ الْجَنَائِزِ بِلَفْظِ الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ وَالَّذِي يَطْعَنُهَا يَطْعَنُهَا فِي النَّارِ قَالَ وَهُوَ أَصَحُّ لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ قَدْ صَحَّتْ أَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ ثُمَّ يخرج مِنْهَا وَلَا يُخَلَّدُونَ وَأَجَابَ غَيْرُهُ بِحَمْلِ ذَلِكَ عَلَى مَنِ اسْتَحَلَّهُ فَإِنَّهُ يَصِيرُ بِاسْتِحْلَالِهِ كَافِرًا وَالْكَافِرُ مُخَلَّدٌ بِلَا رَيْبٍ وَقِيلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الزَّجْرِ وَالتَّغْلِيظِ وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ وَقِيلَ الْمَعْنَى إن هذا جزاءه لَكِنْ قَدْ تَكَرَّمَ اللَّهُ عَلَى الْمُوَحِّدِينَ فَأَخْرَجَهُمْ مِنَ النَّارِ بِتَوْحِيدِهِمْ وَقِيلَ التَّقْدِيرُ مُخَلَّدًا فِيهَا إِلَى أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُدَّةِ لَا حَقِيقَةُ الدَّوَامِ كَأَنَّهُ يَقُولُ يُخَلَّدُ مُدَّةً مُعَيَّنَةً وَهَذَا أَبْعَدُهَا انْتَهَى كَلَامُ الحافظ

стр. 2903

قوله (حدثنا أَبُو دَاوُدَ) هُوَ الطَّيَالِسِيُّ (سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ) اسْمُهُ ذَكْوَانُ قَوْلُهُ [٢٠٤٤] (يَجَأُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبِالْهَمْزِ أَيْ يَطْعَنُ وَقَدْ تُسَهَّلُ الْهَمْزَةُ وَالْأَصْلُ فِي يَجَأُ يَوْجَأُ (وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ) أَيْ أَسْقَطَ نَفْسَهُ مِنْهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فَقَتَلَ نَفْسَهُ عَلَى أَنَّهُ تَعَمَّدَ ذَلِكَ وَإِلَّا فَمُجَرَّدُ قَوْلِهِ تَرَدَّى لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعَمُّدِ (خَالِدًا) حَالٌ مُقَدَّرَةٌ (مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) تَأْكِيدٌ بَعْدَ تَأْكِيدٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ تَمَسُّكِ الْمُعْتَزِلَةِ بِهَذَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَالنَّسَائِيُّ وَلِأَبِي دَاوُدَ مَنْ حَسَا سُمًّا فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ انْتَهَى (وَهُوَ) أَيْ حَدِيثُ شُعْبَةَ عَنِ الْأَعْمَشِ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِلَخْ (أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ عَبِيدَةَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَرَاهُ رَفَعَهُ إِلَخْ لِأَنَّ عَبِيدَةَ لَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَى رِوَايَتِهِ وَأَمَّا شُعْبَةُ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى رِوَايَتِهِ وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ (هَكَذَا رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنِ الْأَعْمَشِ إِلَخْ) أَيْ بِزِيَادَةِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو الزِّنَادِ إِلَخْ) أَيْ بِغَيْرِ ذِكْرِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَرِوَايَةُ أَبِي الزِّنَادِ هَذِهِ وَصَلَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا ذَكَرْنَا (وَهَذَا) أَيْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا (أَصَحُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِهِ الَّذِي ذُكِرَتْ فِيهَا زِيَادَةُ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا (لِأَنَّ الرِّوَايَاتِ إِنَّمَا تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يَذْكُرُ أَنَّهُمْ يُخَلَّدُونَ فِيهَا) مَقْصُودُ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ وَهْمٌ فَإِنَّهَا تُخَالِفُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَجِيءُ بِأَنَّ أَهْلَ التَّوْحِيدِ يُعَذَّبُونَ فِي النَّارِ ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْهَا

стр. 2904

قُلْتُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ زَادَهَا الْأَعْمَشُ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ فَتَأْوِيلُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَوْلَى مِنْ تَوْهِيمِهَا قَوْلُهُ [٢٠٤٥] (نَهَى عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ) قِيلَ هُوَ النَّجِسُ أَوِ الْحَرَامُ أَوْ مَا يَتَنَفَّرُ عَنْهُ الطَّبْعُ (يَعْنِي السُّمَّ) هَذَا تَفْسِيرُ الْخَبِيثِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مِمَّنْ دُونَهُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَوْلَى وَقَدْ وَرَدَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ مُتَّصِلًا بِهِ يَعْنِي السُّمَّ انْتَهَى وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ خُبْثُ الدَّوَاءِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا خُبْثُ النَّجَاسَةِ وَهُوَ أَنْ يَدْخُلَهُ الْمُحَرَّمُ كَالْخَمْرِ وَنَحْوِهَا مِنْ لُحُومِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْمَأْكُولِ اللَّحْمِ وَقَدْ يَصِفُ الْأَطِبَّاءُ بَعْضَ الْأَبْوَالِ وَعَذِرَةَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ لِبَعْضِ الْعِلَلِ وَهِيَ كُلُّهَا خَبِيثَةٌ نَجِسَةٌ وَتَنَاوُلُهَا مُحَرَّمٌ إِلَّا مَا خَصَّتِ السُّنَّةُ مِنْ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَقَدْ رَخَّصَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِنَفَرٍ عُرَيْنَةَ وَعُكْلٍ وَسَبِيلُ السُّنَنِ أَنْ يُقَرَّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَأَنْ لَا يُضْرَبَ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَقَدْ يَكُونُ خُبْثُ الدَّوَاءِ أَيْضًا مِنْ جِهَةِ الطَّعْمِ وَالْمَذَاقِ وَلَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ كَرِهَ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الطِّبَاعِ وَلِتَكَرُّهِ النَّفْسِ إِيَّاهُ وَالْغَالِبُ أَنَّ طُعُومَ الْأَدْوِيَةِ كَرِيهَةٌ وَلَكِنَّ بَعْضَهَا أَيْسَرُ احْتِمَالًا وَأَقَلُّ كَرَاهَةً انْتَهَى قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ السَّمُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ مِنْهَا مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ وَقَلِيلُهُ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ لِلتَّدَاوِي وَلِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَمِنْهَا مَا يَقْتُلُ كَثِيرُهُ دُونَ قَلِيلِهِ فَأَكْلُ كَثِيرِهِ الَّذِي يَقْتُلُ حَرَامٌ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِهِ وَالْقَلِيلُ مِنْهُ إِنْ كَانَ مِمَّا يَنْفَعُ فِي التَّدَاوِي جَازَ أَكْلُهُ تَدَاوِيًا وَمِنْهَا مَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَقْتُلَ فَحُكْمُهُ كَمَا قَبْلَهُ وَمِنْهَا مَا لَا يَقْتُلُ فِي الْأَغْلَبِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَقْتُلَ فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ إِبَاحَةَ أَكْلِهِ وَفِي مَوْضِعٍ تَحْرِيمَ أَكْلِهِ فَجَعَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَلَى حَالَيْنِ فَحَيْثُ أَبَاحَ أَكْلَهُ فَهُوَ إِذَا كَانَ لِلتَّدَاوِي وَحَيْثُ حَرَّمَ أَكْلَهُ فَهُوَ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ فِي التَّدَاوِي وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ (بَاب مَا جَاءَ فِي كَرَاهِيَةِ التَّدَاوِي بِالْمُسْكِرِ) قَوْلُهُ [٢٠٤٦] (أَنَّهُ شَهِدَ) أَيْ حَضَرَ قَالَ فِي الْقَامُوسِ شَهِدَهُ كَسَمِعَهُ شُهُودًا حَضَرَهُ انتهى (وسأله

стр. 2905

سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ أَوْ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ طَارِقُ بْنُ سُوَيْدٍ وَيُقَالُ سُوَيْدُ بْنُ طَارِقٍ الْحَضْرَمِيُّ وَيُقَالُ الْجُعْفِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ حَدِيثُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْأَشْرِبَةِ (عَنِ الْخَمْرِ) أَيْ عَنْ شُرْبِهَا أَوْ صُنْعِهَا (فَنَهَاهُ) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا (فَقَالَ إِنَّا لَنَتَدَاوَى بِهَا) وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ (إِنَّهَا ليست بدواء ولكنها داء) وفي رواية بن مَاجَهْ إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَيَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِدَوَاءٍ فَكَأَنَّهُ يَتَنَاوَلُهَا بِلَا سَبَبٍ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَحْرُمُ التَّدَاوِي بِهَا وَكَذَا يَحْرُمُ شُرْبُهَا وَأَمَّا إِذَا غَصَّ بِلُقْمَةٍ وَلَمْ يَجِدْ مَا يُسِيغُهَا بِهِ إِلَّا خَمْرًا فَيَلْزَمُهُ الْإِسَاغَةُ بِهَا لِأَنَّ حُصُولَ الشِّفَاءِ بِهَا حِينَئِذٍ مَقْطُوعٌ بِهِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي انْتَهَى وَقَدْ أَبَاحَ التَّدَاوِي بِهَا عِنْدَ الضَّرُورَةِ بَعْضُهُمْ وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِإِبَاحَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعُرَيْنَةَ التَّدَاوِي بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَهِيَ مُحَرَّمَةٌ إِلَّا أَنَّهَا لَمَّا كَانَتْ مِمَّا يُسْتَشْفَى بِهَا فِي بَعْضِ الْعِلَلِ رَخَّصَ لَهُمْ فِي تَنَاوُلِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ اللَّذَيْنِ جَمَعَهُمَا هَذَا الْقَائِلُ فَنَصَّ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْحَظْرِ وَعَلَى الْآخَرِ بِالْإِبَاحَةِ وَهُوَ بَوْلُ الْإِبِلِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ مَا فرقه النص غير جائزا وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّاسَ كَانُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ قَبْلَ تَحْرِيمِهَا وَيُشْفَوْنَ بِهَا وَيَتَّبِعُونَ لَذَّتَهَا فَلَمَّا حُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ صَعُبَ عَلَيْهِمْ تَرْكُهَا وَالنُّزُوعُ عَنْهَا فَغُلِّظَ الْأَمْرُ فِيهَا بِإِيجَابِ الْعُقُوبَةِ عَلَى مُتَنَاوِلِيهَا لِيَرْتَدِعُوا وَلِيَكُفُّوا عَنْ شُرْبِهَا وَحُسِمَ الْبَابُ فِي تَحْرِيمِهَا عَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا شُرْبًا وَتَدَاوِيًا لِئَلَّا يَسْتَبِيحُوهَا بِعِلَّةِ التَّسَاقُمِ وَالتَّمَارُضِ وَهَذَا الْمَعْنَى مَأْمُونٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ لِانْحِسَامِ الدَّوَاعِي وَلِمَا عَلَى الطِّبَاعِ مِنَ الْمُؤْنَةِ فِي تَنَاوُلِهَا وَلِمَا فِي النُّفُوسِ مِنَ اسْتِقْذَارِهَا وَالنُّكْرَةِ لَهَا فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لَا يَصِحُّ وَلَا يَسْتَقِيمُ انْتَهَى قَالَ الحافظ بن الْقَيِّمِ فِي الْهَدْيِ الْمُعَالَجَةُ بِالْمُحَرَّمَاتِ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا أَمَّا الشَّرْعُ فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ (يَعْنِي حَدِيثَ الْبَابِ وَحَدِيثَ أَبِي الدَّرْدَاءِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مَرْفُوعًا إِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا ولا تداووا بالمحرم وحديث بن مَسْعُودٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شفائكم فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ الدَّوَاءِ الْخَبِيثِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) وَأَمَّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إِنَّمَا حَرَّمَهُ لِخُبْثِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُحَرِّمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ طَيِّبًا عُقُوبَةً لَهَا كَمَا حَرَّمَهُ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ فَبِظُلْمٍ

стр. 2906

مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لهم وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ مَا حَرَّمَ لِخُبْثِهِ وَتَحْرِيمِهِ لَهُمْ حَمْيَةً لَهُمْ وَصِيَانَةً عَنْ تَنَاوُلِهِ فَلَا يُنَاسَبُ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ الشِّفَاءُ مِنَ الْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ فَإِنَّهُ وَإِنْ أَثَّرَ فِي إِزَالَتِهَا لَكِنَّهُ يُعْقِبُ سَقَمًا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ بِقُوَّةِ الْخُبْثِ الَّذِي فِيهِ فَيَكُونُ الْمُدَاوَى بِهِ قَدْ سَعَى فِي إِزَالَةِ سَقَمِ الْبَدَنِ بسقم القلب وقد بسط بن القيم الكلام ها هنا بَسْطًا حَسَنًا مَنْ شَاءَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَلْيُرَاجِعِ الهدى تنبيه قال العنبي فِي الْعُمْدَةِ الِاسْتِشْفَاءُ بِالْحَرَامِ جَائِزٌ عِنْدَ التَّيَقُّنِ بِحُصُولِ الشِّفَاءِ كَتَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ فِي الْمَخْمَصَةِ وَالْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ وَإِسَاغَةِ اللُّقْمَةِ وَإِنَّمَا لَا يُبَاحُ مَا لَا يُسْتَيْقَنُ حُصُولُ الشِّفَاءِ بِهِ وَقَالَ إِذَا فَرَضْنَا أَنَّ أَحَدًا عَرَفَ مَرَضَ شَخْصٍ بِقُوَّةِ الْعِلْمِ وَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يُزِيلُهُ إِلَّا تَنَاوُلُ الْمُحَرَّمِ يُبَاحُ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ كَمَا يُبَاحُ شُرْبُ الْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ وَتَنَاوُلُ الْمَيْتَةِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ قُلْتُ دَفْعُ الْعَطَشِ وَانْحِدَارُ اللُّقْمَةِ بِشُرْبِ الْخَمْرِ مُتَيَقَّنٌ وَأَمَّا حُصُولُ الشِّفَاءِ بِالتَّدَاوِي وَلَوْ بِالْحَلَالِ فَلَيْسَ بِمُتَيَقَّنٍ فَقِيَاسُ التَّدَاوِي بِالْحَرَامِ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ عِنْدَ الْعَطَشِ الشَّدِيدِ وَانْحِدَارِ اللُّقْمَةِ فَاسِدُ الِاعْتِبَارِ قَالَ الشَّيْخُ بن الْعَابِدِينَ فِي رَدِّ الْمُحْتَارِ مَا مُحَصَّلُهُ إِنَّ إِسَاغَةَ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ وَدَفْعَ الْعَطَشِ بِهِ مُتَحَقَّقُ النَّفْعِ وَلِذَلِكَ مَنْ لَمْ يُسِغِ اللُّقْمَةَ وَلَمْ يَدْفَعِ الْعَطَشَ عِنْدَ وُجُودِ الْخَمْرِ وَمَاتَ يَأْثَمُ بِخِلَافِ التَّدَاوِي وَإِنْ كَانَ بِالْحَلَالِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُتَحَقَّقِ النَّفْعِ بَلْ مَظْنُونُ النَّفْعِ وَلِذَلِكَ مَنْ تَرَكَ التَّدَاوِي وَمَاتَ لَا يَأْثَمُ انْتَهَى وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ فِي عَارِضَةِ الْأَحْوَذِيِّ فَإِنْ قِيلَ التَّدَاوِي حَالُ ضَرُورَةٍ وَالضَّرُورَةُ تُبِيحُ الْمَحْظُورَ فَالتَّدَاوِي بِالْحَرَامِ مُبَاحٌ قُلْنَا التَّدَاوِي لَيْسَ حَالَ ضَرُورَةٍ وَإِنَّمَا الضَّرُورَةُ مَا يُخَافُ مَعَهُ الْمَوْتُ مِنَ الْجُوعِ فَأَمَّا التَّطَبُّبُ فِي أَصْلِهِ فَلَا يَجِبُ فَكَيْفَ يُبَاحُ فِيهِ الْحَرَامُ انْتَهَى مُحَصَّلًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو داود وبن مَاجَهْ (بَاب مَا جَاءَ فِي السَّعُوطِ وَغَيْرِهِ) بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ مَا يُجْعَلُ فِي الْأَنْفِ مِمَّا يُتَدَاوَى بِهِ قَوْلُهُ [٢٠٤٧] (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مَدُّوَيْهِ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَدُّوَيْهِ بِمِيمٍ وَتَثْقِيلٍ الْقُرَشِيُّ

стр. 2907

(أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمَّادِ) بْنِ شُعَيْبٍ الشعيئي أَبُو سَلَمَةَ الْعَنْبَرِيُّ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ رُبَّمَا أَخْطَأَ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ) النَّاجِي أَبُو سَلَمَةَ الْبَصْرِيُّ الْقَاضِي صَدُوقٌ رُمِيَ بِالْقَدَرِ وَكَانَ يُدَلِّسُ وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ مِنَ السَّادِسَةِ قَوْلُهُ (إِنَّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السَّعُوطُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ اسْتَعَطَ أَيِ اسْتَعْمَلَ السَّعُوطَ هُوَ أَنْ يَسْتَلْقِيَ عَلَى ظَهْرِهِ وَيُجْعَلَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِيَنْحَدِرَ بِرَأْسِهِ وَيُقْطَرَ فِي أَنْفِهِ مَاءٌ أَوْ دُهْنٌ فِيهِ دَوَاءٌ مُفْرَدٌ أَوْ مُرَكَّبٌ لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى دِمَاغِهِ لِاسْتِخْرَاجِ مَا فِيهِ مِنَ الدَّاءِ بِالْعُطَاسِ انْتَهَى (وَاللَّدُودُ) بِفَتْحِ اللَّامِ هُوَ الدَّوَاءُ الَّذِي يُصَبُّ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ فَمِ الْمَرِيضِ وَيُسْقَاهُ أَوْ يُدْخَلَ هُنَاكَ بِأُصْبُعٍ وَغَيْرِهَا وَيُحَنَّكَ به قال النووي (الحجامة) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ بِمَعْنَى الِاحْتِجَامِ (وَالْمَشِيُّ) بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ فَتَشْدِيدِ تَحْتِيَّةٍ فَعِيلٌ مِنَ الْمَشْيِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْمِشْكَاةِ بِضَمٍّ فَبِكَسْرٍ وَجَوَّزَهُ فِي الْمُغْرِبِ وَقَالَ وَهُوَ مَا يُؤْكَلُ أَوْ يُشْرَبُ لِإِطْلَاقِ الْبَطْنِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَإِنَّمَا سُمِّيَ الدَّوَاءُ الْمُسَهِّلُ مَشِيًّا لِأَنَّهُ يَحْمِلُ شَارِبَهُ عَلَى الْمَشْيِ وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْخَلَاءِ (لَدَّهُ أَصْحَابُهُ) أَيْ جَعَلُوا فِي جَانِبِ فَمِهِ دَوَاءً بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَهَذَا هُوَ اللَّدُودُ فَأَمَّا مَا يُصَبُّ فِي الْحَلْقِ فَيُقَالُ لَهُ الْوَجُودُ وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ أَنَّهُمْ أَذَابُوا قِسْطًا أَيْ بِزَيْتٍ فَلَدُّوهُ بِهِ (فَلَمَّا فَرَغُوا قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لُدُّوهُمْ) بِصِيغَةِ الأمر (قال) أي بن عَبَّاسٍ (فَلُدُّوا) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ لَدِدْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدُّونِي فَقُلْنَا كَرَاهِيَةُ الْمَرِيضِ لِلدَّوَاءِ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ غَيْرَ الْعَبَّاسِ فَإِنَّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ اللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ قَالَ النَّوَوِيُّ إِنَّمَا أَمَرَ ﷺ بِلَدِّهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ حِينَ خَالَفُوهُ فِي إِشَارَتِهِ إِلَيْهِمْ لَا تَلُدُّونِي فَفِيهِ أَنَّ الْإِشَارَةَ الْمُفْهِمَةَ كَصَرِيحِ الْعِبَارَةِ فِي نَحْوِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَفِيهِ تَعْزِيرُ الْمُتَعَدِّي بِنَحْوٍ مِنْ فِعْلِهِ الَّذِي تَعَدَّى بِهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا مُحَرَّمًا انْتَهَى قِيلَ وَإِنَّمَا كُرِهَ اللَّدُّ مَعَ أَنَّهُ كَانَ يَتَدَاوَى لِأَنَّهُ تَحَقَّقَ أَنَّهُ يَمُوتُ فِي مَرَضِهِ وَمَنْ حُقِّقَ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّدَاوِي قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ التَّخْيِيرِ وَالتَّحَقُّقِ وَإِنَّمَا أَنْكَرَ التَّدَاوِي لِأَنَّهُ كَانَ غَيْرَ مُلَائِمٍ لِدَائِهِ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ فَدَاوَوْهُ بِمَا يُلَائِمُهُ وَلَمْ يَكُنْ بِهِ ذَلِكَ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سِيَاقِ الْخَبَرِ كَمَا تَرَى

стр. 2908

قَوْلُهُ [٢٠٤٨] (وَخَيْرَ مَا اكْتَحَلْتُمْ بِهِ) بِالنَّصْبِ وَجُوِّزَ رَفْعُهُ (الْإِثْمِدُ) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْمِيمِ بَيْنَهُمَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ سَاكِنَةٌ وَحُكِيَ فِيهِ ضَمُّ الْهَمْزَةِ حَجَرٌ معروف أسود يضرب إلى الهمزة يَكُونُ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ وَأَجْوَدُهُ يُؤْتَى مِنْ أَصْبَهَانَ قَالَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ هُوَ الْحَجَرُ الْمَعْدِنِيُّ وَقِيلَ هُوَ الْكُحْلُ الْأَصْفَهَانِيُّ يُنَشِّفُ الدَّمْعَةَ وَالْقُرُوحَ وَيَحْفَظُ صِحَّةَ الْعَيْنِ وَيُقَوِّي غُصْنَهَا لَا سِيَّمَا لِلشُّيُوخِ وَالصِّبْيَانِ (فَإِنَّهُ) أَيِ الْإِثْمِدُ أَوِ الِاكْتِحَالُ بِهِ (يَجْلُو الْبَصَرَ) مِنَ الْجَلَاءِ أَيْ يُحَسِّنُ النَّظَرَ وَيَزِيدُ نُورَ الْعَيْنِ وَيُنَظِّفُ الْبَاصِرَةَ لِدَفْعِ الرَّدِيَّةِ النَّازِلَةِ إِلَيْهَا مِنَ الرَّأْسِ (يُنْبِتُ) مِنَ الْإِنْبَاتِ (الشَّعْرَ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ إِسْكَانُهَا وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْهُدْبُ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ شره وَهُوَ الَّذِي يَنْبُتُ عَلَى أَشْفَارِ الْعَيْنِ (مُكْحُلَةٌ) بِضَمَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا سَاكِنَةٌ اسْمُ آلَةِ الْكُحْلِ وَهُوَ الْمِيلُ عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ وَالْمُرَادُ منها ها هنا مَا فِيهِ الْكُحْلُ (يَكْتَحِلُ بِهَا) كَذَا فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِهَا وَفِي جَمِيعِ رِوَايَاتِ الشَّمَائِلِ مِنْهَا فَالْبَاءُ بِمَعْنَى مِنْ كَمَا قِيلَ فِي قوله تعالى يشرب بها عباد الله قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْحِجَامَةِ ٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي كراهية التداوي الْكَيِّ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ كَوَاهُ يَكْوِيهِ كَيًّا أَحْرَقَ جِلْدَهُ بِحَدِيدَةٍ وَنَحْوِهَا وَهِيَ الْمِكْوَاةُ وَالْكَيَّةُ مَوْضِعُ الْكَيِّ وَالْكَاوِيَاءُ مِيسَمٌ وَاكْتَوَى اسْتَعْمَلَ الْكَيَّ فِي بَدَنِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ [٢٠٤٩] (نَهَى عَنِ الْكَيِّ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ النَّهْيُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ أَوْ عَلَى خِلَافِ الْأَوْلَى لِمَا يَقْتَضِيهِ مَجْمُوعُ الْأَحَادِيثِ وَقِيلَ إِنَّهُ خَاصٌّ بِعِمْرَانَ لِأَنَّهُ كَانَ بِهِ الْبَاسُورُ وَكَانَ مَوْضِعُهُ

стр. 2909

خَطَرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيِّهِ فَلَمَّا اشْتَدَّ عَلَيْهِ كواه فلم ينجح وقال بن قُتَيْبَةَ الْكَيُّ نَوْعَانِ كَيُّ الصَّحِيحِ لِئَلَّا يَعْتَلَّ فَهَذَا الَّذِي قِيلَ فِيهِ لَمْ يَتَوَكَّلْ مَنِ اكْتَوَى لِأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ وَالْقَدَرُ لَا يُدَافَعُ وَالثَّانِي كَيُّ الْجُرْحِ إِذَا نَغِلَ أَيْ فَسَدَ وَالْعُضْوُ إِذَا قُطِعَ فَهُوَ الَّذِي يُشْرَعُ التَّدَاوِي بِهِ فَإِنْ كَانَ الْكَيُّ لِأَمْرٍ مُحْتَمَلٍ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْجِيلِ التَّعْذِيبِ بِالنَّارِ لِأَمْرٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ وَحَاصِلُ الْجَمْعِ أَنَّ الْفِعْلَ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَعَدَمَ الْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ مِنْ فِعْلِهِ وَكَذَا الثَّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنْهُ فَإِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِمَّا عَمَّا لَا يَتَعَيَّنُ طَرِيقًا إِلَى الشِّفَاءِ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ (فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا) مِنَ الْإِنْجَاحِ أَيْ فما فزنا ولا صرنا ذانجح وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ بِنُونِ الْإِنَاثِ فِيهِمَا يَعْنِي تِلْكَ الْكَيَّاتِ الَّتِي اكْتَوَيْنَا بِهِنَّ وَخَالَفْنَا النَّبِيَّ ﷺ فِي فِعْلِهِنَّ وَكَيْفَ يُفْلِحُ وَيُنْجِحُ شَيْءٌ خُولِفَ فِيهِ صَاحِبُ الشَّرِيعَةِ وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ فَاكْتَوَيْنَا كَيَّاتِ الْأَوْجَاعِ فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وأبو داود وبن مَاجَهْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي تَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ سَنَدُهُ قَوِيٌّ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ مُحَمَّدِ) بْنِ عَبْدِ الْكَبِيرِ بْنِ شُعَيْبِ بْنِ الْحِجَابِ الْعَطَّارُ الْبَصْرِيُّ صَدُوقٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عشر (أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ) هُوَ الْكِلَابِيُّ الْقَيْسِيُّ أبو عثمان البصري (أخبرنا همام) هو بن يَحْيَى الْأَزْدِيُّ الْعَوْذِيُّ قَوْلُهُ (نُهِينَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ أَيْ نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قوله (وفي الباب عن بن مسعود وعقبة بن عامر وبن عباس) أما حديث بن مسعود وحديث عقبة بن عامر فأخر جهما الطحاوي في معاني الاثار وأما حديث بن عباس فأخرجه أحمد والبخاري وبن مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ فِي شَرْطَةِ مِحْجَمٍ أَوْ شَرْبَةِ عَسَلٍ أَوْ كَيَّةٍ بِنَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ

стр. 2910

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ ١ - (بَاب مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ) فِي ذَلِكَ أَيْ فِي الْكَيِّ قَوْلُهُ [٢٠٥٠] (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى) أَيْ بِيَدِهِ أَوْ أَمَرَ بِأَنْ يَكْوِي أَحَدٌ (أسعد) بفتح الهمزة والعين بينهما مهملة (بن زُرَارَةَ) بِضَمِّ الزَّايِ وَفَتْحِ الرَّاءَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ وَفِي آخِرِهِ تَاءٌ (مِنَ الشَّوْكَةِ) أَيْ مِنْ أَجْلِهَا وَهِيَ عَلَى مَا فِي النِّهَايَةِ حُمْرَةٌ تَعْلُو الْوَجْهَ وَالْجَسَدَ وَالْحَدِيثُ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْكَيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ أَحَادِيثِ هَذَا الْبَابِ وَأَحَادِيثِ الْبَابِ الْمُتَقَدِّمِ فِي كَلَامِ الْحَافِظِ وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ قَدْ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْكَيِّ وَجَاءَتِ الرُّخْصَةُ فِيهِ وَالرُّخْصَةُ لِسَعْدٍ لِبَيَانِ جَوَازِهِ حَيْثُ لَا يَقْدِرُ الرَّجُلُ أَنْ يُدَاوِيَ الْعِلَّةَ بِدَوَاءٍ آخَرَ وَإِنَّمَا وَرَدَ النَّهْيُ حَيْثُ يَقْدِرُ الرَّجُلُ عَلَى أَنْ يُدَاوِيَ الْعِلَّةَ بِدَوَاءٍ آخَرَ لِأَنَّ الْكَيَّ فِيهِ تَعْذِيبٌ بِالنَّارِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ وَهُوَ اللَّهُ وَلِأَنَّ الْكَيَّ يَبْقَى مِنْهُ أَثَرٌ فَاحِشٌ وَهَذَانِ نَوْعَانِ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَيِّ الْأَرْبَعَةِ وَهُمَا النَّهْيُ عَنِ الْفِعْلِ وَجَوَازِهِ وَالثَّالِثُ الثَّنَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ كَحَدِيثِ السَّبْعِينَ أَلْفًا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَالرَّابِعُ عَدَمُ مَحَبَّتِهِ كَحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَكْتَوِيَ فَعَدَمُ مَحَبَّتِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ فِعْلِهِ وَالثَّنَاءُ عَلَى تَرْكِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ أَوْلَى فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أُبَيٍّ وَجَابِرٍ) أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ عَنْ جَابِرٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ مِنْهُ عِرْقًا ثُمَّ كَوَاهُ وَعَنْ جَابِرٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَوَى سَعْدَ بن معاذ في أكحله مرتين رواه بن مَاجَهْ وَرَوَى مُسْلِمٌ مَعْنَاهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي مَعَانِي الْآثَارِ
следующие страницы →