Полный текст (4 874 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
رَضِيَ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ هَذَا الْقَسَمِ ضِدُّ مَا أَثْبَتَهُ لِقَسِيمِهِ (أَفَلَا نُقَاتِلُهُمْ قَالَ لَا) أَيْ لَا تُقَاتِلُوهُمْ (مَا صَلَّوْا) إِنَّمَا مَنَعَ عَنْ مُقَاتَلَتِهِمْ مَا دَامُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ الَّتِي هِيَ عِنْوَانُ الْإِسْلَامِ حَذَرًا مِنْ هَيْجِ الْفِتَنِ وَاخْتِلَافِ الْكَلِمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَكُونُ أَشَدَّ نِكَايَةً مِنَ احْتِمَالِ نُكْرِهِمْ وَالْمُصَابَرَةِ عَلَى مَا يُنْكِرُونَ مِنْهُمْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ في ٥٩٢ ج ٦ فِي مُسْنَدِهِ
٧٦ - [٢٢٦٦] قَوْلُهُ (إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ) أَيْ وُلَاةُ أُمُورِكُمْ (خِيَارَكُمْ) أَيْ أَتْقِيَاءَكُمْ (وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ) أَيْ أَسْخِيَاءَكُمْ
قَالَ فِي الْقَامُوسِ سَمُحَ كَكَرُمَ سَمَاحًا وَسَمَاحَةً وَسُمُوحًا جَادَ وَكَرُمَ فَهُوَ سَمْحٌ سَمْحَاءُ كَأَنَّهُ جَمْعُ سَمِيحٍ انْتَهَى (وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ) مَصْدَرٌ بِمَعْنَى التَّشَاوُرِ أَيْ ذَوَاتُ شُورَى عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ مُتَشَاوِرِينَ فِيهَا وَمِنْهُ قوله تعالى وأمرهم شورى بينهم (فَظَهْرُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا) يَعْنِي الْحَيَاةُ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْمَوْتِ (وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ) أَيْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِهِنَّ وَالْحَالُ أَنَّهُنَّ مِنْ نَاقِصَاتِ الْعَقْلِ وَالدِّينِ
وَقَدْ وَرَدَ شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ قَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ فِي كِتَابِهِ تَذْكِرَةِ الْمَوْضُوعَاتِ فِي الْمَقَاصِدِ شَاوِرُوهُنَّ وَخَالِفُوهُنَّ لَمْ أَرَهُ مَرْفُوعًا وَلَكِنْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ خَالِفُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ فِي خِلَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ
بَلْ رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ رَفْعُهُ لَا يَفْعَلَنَّ أَحَدُكُمْ أَمْرًا حَتَّى يَسْتَشِيرَ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يَسْتَشِيرُهُ فَلْيَسْتَشِرِ امْرَأَةً ثُمَّ لِيُخَالِفْهَا فَإِنَّ فِي خِلَافِهَا الْبَرَكَةَ وَفِي سَنَدِهِ عِيسَى ضَعِيفٌ جِدًّا مَعَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ
وَعَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا بِطُرُقٍ ضِعَافٍ طَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامَةٌ وإدخال بن الْجَوْزِيِّ حَدِيثَ عَائِشَةَ فِي الْمَوْضُوعَاتِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ
وَقَدِ اسْتَشَارَ ﷺ أُمَّ سَلَمَةَ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَصَارَ دَلِيلَ اسْتِشَارَةِ الْمَرْأَةِ الْفَاضِلَةِ
وَقَدِ اسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ ابْنَةُ شُعَيْبٍ فِي أَمْرِ مُوسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي آخَرِينَ وَفِي الَّذِينَ لَا يَفْعَلَنَّ لمن أحدكم الخ فيه منكر الحديث الصنعاني حَدِيثُ عَائِشَةَ مَوْضُوعٌ اللَّالِيُّ حَدِيثُهَا لَا يَصِحُّ
قلت
стр. 3187
له طرق وشواهد منها
عودوا النساء فَإِنَّهَا حَقِيقَةٌ إِنْ أَطَعْتَهَا أَهْلَكَتْكَ
وَخَالِفُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ فِي خِلَافِهِنَّ الْبَرَكَةَ انْتَهَى (فَبَطْنُ الْأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا) أَيْ فَالْمَوْتُ خَيْرٌ لَكُمْ مِنَ الْحَيَاةِ لِفَقْدِ اسْتِطَاعَةِ إِقَامَةِ الدِّينِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ صَالِحٍ الْمُرِّيِّ إِلَخْ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ صَالِحُ بْنُ بَشِيرٍ الْمُرِّيُّ الْقَاصُّ الزَّاهِدُ ضعيف من السابعة
٧ - باب [٢٢٦٧] قَوْلُهُ (إِنَّكُمْ) أَيُّهَا الصَّحَابَةُ (فِي زَمَانٍ) مُتَّصِفٍ بِالْأَمْنِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ (مَنْ تَرَكَ مِنْكُمْ) أَيْ فِيهِ وَهُوَ الرَّابِطُ لِجُمْلَةِ الشَّرْطِ بِمَوْصُوفِهَا وَهُوَ أَمَانٌ (عُشْرَ مَا أُمِرَ بِهِ) مِنَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (هَلَكَ) أَيْ وَقَعَ فِي الْهَلَاكِ لِأَنَّ الدِّينَ عَزِيزٌ وَأَنْصَارُهُ كَثْرَةٌ فَالتَّرْكُ تَقْصِيرٌ فَلَا عُذْرَ (ثُمَّ يَأْتِي زَمَانٌ) يَضْعُفُ فِيهِ الْإِسْلَامُ وَيَكْثُرُ الظُّلْمُ وَيَعُمُّ الْفِسْقُ وَيَقِلُّ أَنْصَارُ الدِّينِ وَحِينَئِذٍ (مَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَنِ (بِعُشْرِ مَا أُمِرَ بِهِ نَجَا) لِأَنَّهُ الْمَقْدُورُ (وَلَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا)
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ نُعَيْمٍ) ونعيم بن حماد هذا صدوق يخطىء كَثِيرًا كَمَا فِي التَّقْرِيبِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
стр. 3188
[٢٢٦٨] قوله (فقال ها هنا أَرْضُ الْفِتَنِ) أَيِ الْبَلِيَّاتِ وَالْمِحَنِ الْمُوجِبَةِ لِضَعْفِ الدين (حيث يطلع جذل الشَّيْطَانِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ قَرْنُ الشَّيْطَانِ وَقَرْنَاهُ أُمَّتُهُ وَالْمُتَّبِعُونَ لِرَأْيِهِ وَانْتِشَارُهُ وَتَسْلِيطُهُ انْتَهَى (أَوْ قال) شك من الراوي (قرن الشيطان) فِي الْقَامُوسِ الْقَرْنُ مِنَ الشَّمْسِ نَاحِيَتُهَا أَوْ أَعْلَاهَا أَوْ أَوَّلُ شُعَاعِهَا وَيَأْتِي بَقِيَّةُ الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي أَوَاخِرِ الْكِتَابِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[٢٢٦٩] قَوْلُهُ (عن يونس) هو بن يزيد (عن قبيصة بن ذويب) بالمعجمة مصغرا
قوله (يخرج مِنْ خُرَاسَانَ رَايَاتٌ) جَمْعُ رَايَةٍ وَهِيَ عَلَمُ الْجَيْشِ (سُودٌ) جَمْعُ أَسْوَدَ صِفَةُ رَايَاتٍ (فَلَا يَرُدُّهَا شَيْءٌ) فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ
رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ثَوْبَانَ مَرْفُوعًا إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّايَاتِ السُّودَ قَدْ جَاءَتْ مِنْ قِبَلِ خُرَاسَانَ فَأْتُوهَا فَإِنَّ فِيهَا خَلِيفَةَ اللَّهِ الْمَهْدِيَّ (حَتَّى تُنْصَبَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيِ الرَّايَاتُ (بالياء) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) فِي سَنَدِهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي سَنَدِ حَدِيثِ ثَوْبَانَ الْمَذْكُورِ شَرِيكُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي تَغَيَّرَ حِفْظُهُ مُنْذُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِالْكُوفَةِ
وَفِيهِ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ زيد والظاهر أنه هو بن جدعان وهو متكلم فيه
стр. 3189
٣٢ - أبواب الرؤيا
بِضَمِّ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ وَبِالْقَصْرِ مَا يَرَاهُ النائم في منامه
(باب أن رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءا)
من النبوة [٢٢٧٠] قَوْلُهُ (إِذَا اقْتَرَبَ الزَّمَانُ) قَالَ صَاحِبُ الْفَائِقِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقَاوِيلَ أَحَدُهَا أَنَّهُ أَرَادَ آخِرَ الزَّمَانِ وَاقْتِرَابَ السَّاعَةِ لِأَنَّ الشَّيْءَ إِذَا قَلَّ وَتَقَاصَرَ تَقَارَبَتْ أَطْرَافُهُ وَمِنْهُ قِيلَ لِلْمُقْتَصِدِ مُتَقَارِبٌ وَيَقُولُونَ تَقَارَبَتْ إِبِلُ فُلَانٍ إِذَا قَلَّتْ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ
وَثَانِيهَا أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ اسْتِوَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِزَعْمِ الْعَابِرِينَ أَنَّ أَصْدَقَ الْأَزْمَانِ لِوُقُوعِ الْعِبَادَةِ وَقْتُ انْفِتَاقِ الْأَنْوَارِ وَزَمَانُ إِدْرَاكِ الْأَثْمَارِ وَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ
وَثَالِثُهَا أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ حَتَّى تَكُونَ السنة كالشهر والشهر كالجمعة والجمعة كاليوم واليوم كَالسَّاعَةِ قَالُوا يُرِيدُ بِهِ زَمَنَ خُرُوجِ الْمَهْدِيِّ وَبَسْطِ الْعَدْلِ وَذَلِكَ زَمَانٌ يُسْتَقْصَرُ لِاسْتِلْذَاذِهِ فَيَتَقَارَبُ أَطْرَافُهُ
قُلْتُ قَوْلُهُ ﷺ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي بَابِ رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمِيزَانِ وَالدَّلْوِ (لَمْ تَكَدْ) أَيْ لَمْ يَقْرُبْ (وَأَصْدَقُهُمْ رُؤْيَا أَصْدَقُهُمْ
стр. 3190
حَدِيثًا) أَيِ الَّذِي هُوَ أَصْدَقُهُمْ حَدِيثًا هُوَ أصدقهم رؤيا (ورؤيا المسلم جزأ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) كَذَا وَقَعَ فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ
ووقع عند مسلم أيضا من حديث بن عُمَرَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا وَعِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ عن بن مسعود جزء من ستة وسبعين
وأخرج بن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَنَسٍ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ
وَفِي رِوَايَةٍ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
وَفِي رِوَايَةٍ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ
وَفِي رِوَايَةٍ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ
وَفِي رِوَايَةٍ جُزْءٌ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ
ذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ أَصَحُّهَا مُطْلَقًا الْأَوَّلُ
وَقَالَ وَقَدِ اسْتُشْكِلَ كَوْنُ الرُّؤْيَا جزء مِنَ النُّبُوَّةِ مَعَ أَنَّ النُّبُوَّةَ انْقَطَعَتْ بِمَوْتِ النَّبِيِّ ﷺ
فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ إِنْ وَقَعَتِ الرُّؤْيَا مِنَ النَّبِيِّ ﷺ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ حَقِيقَةً وَإِنْ وَقَعَتْ مِنْ غَيْرِ النَّبِيِّ فَهِيَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ أنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنَ النُّبُوَّةِ
وَقِيلَ الْمَعْنَى أنَّهَا جُزْءٌ مِنْ عِلْمِ النُّبُوَّةِ لِأَنَّ النُّبُوَّةَ وَإِنِ انْقَطَعَتْ فَعِلْمُهَا باق
وتعقب بقول مالك فيما حكاه بن عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ سُئِلَ أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أحد فقال أبا النبوة يُلْعَبُ ثُمَّ قَالَ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ فَلَا يُلْعَبُ بِالنُّبُوَّةِ
وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ أَنَّهَا نُبُوَّةٌ بَاقِيَةٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا لَمَّا اشْتَبَهَتِ النُّبُوَّةَ مِنْ جِهَةِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَعْضِ الْغَيْبِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَكَلَّمَ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ انْتَهَى
وَقَالَ صَاحِبُ مَجْمَعِ الْبِحَارِ وَلَا حَرَجَ فِي الْأَخْذِ بِظَاهِرِهِ فَإِنَّ أَجْزَاءَ النُّبُوَّةِ لا تكون نبوة فلا ينا في حَدِيثَ ذَهَبَ النُّبُوَّةُ انْتَهَى (فَالرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ بُشْرَى مِنَ اللَّهِ) أَيْ إِشَارَةٌ إِلَى بِشَارَةٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِلرَّائِي أَوِ الْمَرْئِيِّ لَهُ (وَالرُّؤْيَا مِنْ تَحْزِينِ الشَّيْطَانِ) أَيْ بِأَنْ يُكَدِّرَ عَلَيْهِ وَقْتَهُ فَيُرِيَهُ فِي النَّوْمِ أَنَّهُ قُطِعَ رَأْسُهُ مَثَلًا (وَالرُّؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ بِهَا الرَّجُلُ نَفْسَهُ) كَمَنْ يَكُونُ فِي أَمْرٍ أَوْ حِرْفَةٍ يَرَى نَفْسَهُ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ (وَلْيَتْفُلْ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ تَفَلَ يَتْفُلُ وَيَتْفِلُ بَصَقَ (قَالَ وَأُحِبُّ الْقَيْدَ فِي النَّوْمِ وَأَكْرَهُ الْغُلَّ) قَالَ الْمُهَلِّبُ الْغُلُّ يُعَبَّرُ بِالْمَكْرُوهِ
لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ أَنَّهُ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ النَّارِ بِقَوْلِهِ تعالى أذ الأغلال في أعناقهم الْآيَةَ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ إِنَّمَا أُحِبُّ الْقَيْدَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الرَّجُلُ وَهُوَ كَفٌّ عَنِ المعاصي والشر والباطل وأبغض الْغِلُّ لِأَنَّ مَحَلَّهُ الْعُنُقُ وَهُوَ صِفَةُ أَهْلِ النَّارِ (الْقَيْدُ ثَبَاتٌ فِي الدِّينِ) وَإِنَّمَا جُعِلَ الْقَيْدُ ثَبَاتًا فِي الدِّينِ لِأَنَّ الْمُقَيَّدَ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَشْيَ فَضُرِبَ مَثَلًا لِلْإِيمَانِ الَّذِي يَمْنَعُ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى الْبَاطِلِ
стр. 3191
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[٢٢٧١] قَوْلُهُ (رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ إِنَّمَا خَصَّ هَذَا الْعَدَدَ لِأَنَّ عُمُرَ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ كَانَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً وَكَانَتْ مُدَّةُ نُبُوَّتِهِ مِنْهُ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً لِأَنَّهُ بُعِثَ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْأَرْبَعِينَ وَكَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَرَى الْوَحْيَ فِي الْمَنَامِ وَدَامَ كَذَلِكَ نِصْفَ سَنَةٍ ثُمَّ رَأَى الْمَلَكَ فِي الْيَقَظَةِ فَإِذَا نُسِبَتْ مُدَّةُ الْوَحْيِ فِي النَّوْمِ وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ إلى مدة نبوته وهي ثلاثة وعشرين سَنَةً كَانَتْ نِصْفَ جُزْءٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَذَلِكَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا
وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الرِّوَايَاتُ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَا بِهَذَا الْعَدَدِ وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عُمُرَهُ ﷺ لَمْ يَكُنْ قَدِ اسْتَكْمَلَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ وَمَاتَ فِي أَثْنَاءِ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالسِّتِّينَ
وَنِسْبَةُ نِصْفِ السَّنَةِ إِلَى اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَبَعْضِ الْأُخْرَى نِسْبَةُ جُزْءٍ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ
وَيَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى مَنْ رُوِيَ أَنَّ عُمُرَهُ كَانَ سِتِّينَ سَنَةً فَيَكُونُ نِسْبَةُ نصف سنة إلى عشرين سنة كنسبة جزا إِلَى أَرْبَعِينَ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ وَأَنَسٍ وَأَبِي سعيد وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ وبن عُمَرَ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَلَعَلَّهُ أَشَارَ إِلَى حَدِيثٍ آخَرَ لَهُ غَيْرِ حَدِيثِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فَأَخْرَجَهُ أحمد والطبري وفيه جزأ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ كَمَا فِي الْفَتْحِ
وَأَمَّا حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وَأَمَّا حَدِيثُ بن عُمَرَ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ من سبعين جزأ مِنَ النُّبُوَّةِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ عُبَادَةَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وأخرجه الشيخان
стр. 3192
٢ - (بَابُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ)
بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ مُبَشِّرَةٍ وَهِيَ الْبُشْرَى
وَقَدْ وَرَدَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدنيا هِيَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
[٢٢٧٢] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الواحد) هو بن زِيَادٍ (حَدَّثَنَا الْمُخْتَارُ بْنُ فُلْفُلٍ) بِفَاءَيْنِ مَضْمُومَتَيْنِ وَلَامَيْنِ الْأُولَى سَاكِنَةٌ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (إِنَّ الرِّسَالَةَ وَالنُّبُوَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ) أَيْ ذَهَبَتْ وَلَمْ تَبْقَ (فَلَا رَسُولَ بَعْدِي وَلَا نَبِيَّ) النَّبِيُّ فِي لِسَانِ الشَّرْعِ مَنْ بُعِثَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ فَإِنْ أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ فَرَسُولٌ وَقِيلَ هُوَ الْمَبْعُوثُ إِلَى الْخَلْقِ بِالْوَحْيِ لِتَبْلِيغِ مَا أَوْحَاهُ
وَالرَّسُولُ قَدْ يَكُونُ مُرَادِفًا لَهُ وَقَدْ يَخْتَصُّ بِمَنْ هُوَ صَاحِبُ كِتَابٍ وَقِيلَ هُوَ الْمَبْعُوثُ لِتَجْدِيدِ شَرْعٍ أَوْ تَقْرِيرِهِ وَالرَّسُولُ هُوَ الْمَبْعُوثُ لِلتَّجْدِيدِ فقط
وعلى الْأَقْوَالِ النَّبِيُّ أَعَمُّ مِنَ الرَّسُولِ (قَالَ فَشَقَّ ذلك) أي انقطاع للرسالة وَالنُّبُوَّةِ (فَقَالَ لَكِنِ الْمُبَشِّرَاتُ إِلَخْ) قَالَ الْمُهَلَّبُ مَا حَاصِلُهُ التَّعْبِيرُ بِالْمُبَشِّرَاتِ خَرَجَ لِلْأَغْلَبِ فَإِنَّ مِنَ الرُّؤْيَا مَا تَكُونُ مُنْذِرَةً وَهِيَ صَادِقَةٌ يُرِيهَا اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ رِفْقًا بِهِ لِيَسْتَعِدَّ لِمَا يقع قبل وقوعه
وقال بن التِّينِ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَطِعُ بِمَوْتِي وَلَا يَبْقَى مَا يُعْلَمُ مِنْهُ مَا سَيَكُونُ إِلَّا الرُّؤْيَا وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْإِلْهَامُ فَإِنَّ فِيهِ إِخْبَارًا بِمَا سَيَكُونُ وَهُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْوَحْيِ كَالرُّؤْيَا وَيَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ قَدْ كَانَ فِيمَنْ مَضَى مِنَ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ
وَفُسِّرَ الْمُحَدَّثُ بِفَتْحِ الدَّالِ بِالْمُلْهَمِ بِالْفَتْحِ أَيْضًا وَقَدْ أَخْبَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى أُمُورٍ مَغِيبَةٍ فَكَانَتْ كَمَا أَخْبَرُوا وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَصْرَ فِي الْمَنَامِ لِكَوْنِهِ يَشْمَلُ آحاد المؤمنين بخلاف فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِالْبَعْضِ وَمَعَ كَوْنِهِ مُخْتَصًّا فَإِنَّهُ نَادِرٌ فَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَنَامَ لِشُمُولِهِ وَكَثْرَةِ وُقُوعِهِ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هريرة وحذيفة بن أسيد وبن عَبَّاسٍ وَأُمِّ كُرْزٍ) أَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَمَّا حُذَيْفَةُ بْنُ أَسِيدٍ وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فَأَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ
стр. 3193
مَرْفُوعًا عَنْهُ ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ
وَأَمَّا حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ فِي ضِمْنِ حَدِيثِ مَرَضِ مَوْتِهِ ﷺ مَرْفُوعًا فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ يَرَاهَا الْمُسْلِمُ أَوْ تُرَى لَهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ كُرْزٍ بِضَمِّ الْكَافِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بعدها زاي فأخرجه أحمد وبن ماجة وصححه بن خزيمة وبن حِبَّانَ مَرْفُوعًا ذَهَبَتِ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتِ الْمُبَشِّرَاتُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى كَمَا فِي الْفَتْحِ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ قَالَ المناوي وأقروه
(باب لَهُمْ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا)
[٢٢٧٣] قَوْلُهُ (عَنْ رجل من أهل مصر) ذكر بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (يَرَاهَا الْمُسْلِمُ) أَيْ لِنَفْسِهِ (أَوْ تُرَى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يَرَاهَا رَجُلٌ آخَرُ (لَهُ) أَيْ لِأَجْلِهِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ وَفِي سَنَدِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ وَهُوَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ بِتَحْسِينِ التِّرْمِذِيِّ لِشَوَاهِدِهِ
[٢٢٧٤] قوله (أصدق الرؤيا بالأسحار) أي ما رؤي بِالْأَسْحَارِ
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ حِينَئِذٍ أَنْ تَكُونَ الْخَوَاطِرُ مُجْتَمِعَةً وَالدَّوَاعِي سَاكِنَةً وَلِأَنَّ الْمَعِدَةَ خَالِيَةٌ فَلَا يَتَصَاعَدُ مِنْهَا الْأَبْخِرَةُ الْمُشَوِّشَةُ
стр. 3194
وَلِأَنَّهَا وَقْتُ نُزُولِ الْمَلَائِكَةِ لِلصَّلَاةِ الْمَشْهُودَةِ ذَكَرَهُ الطيبي
والحديث أخرجه الدارمي وأحمد وبن حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيُّ
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ وَأَقَرُّوهُ انْتَهَى
قُلْتُ في سنده بن لَهِيعَةَ وَأَيْضًا فِي سَنَدِهِ دَرَّاجٌ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ الْآجُرِّيُّ عَنْ أَبِي دَاوُدَ أَحَادِيثُهُ مُسْتَقِيمَةٌ إِلَّا مَا كَانَ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سعيد
[٢٢٧٥] قوله (حدثنا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ) الْيَشْكُرِيُّ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنَ السَّابِعَةِ (نُبِّئْتُ) بِصِيغَةِ الْمُتَكَلِّمِ الْمَجْهُولِ مِنْ بَابِ التفعيل
قوله (قال حرب في حديثه حدثنا يَحْيَى) يَعْنِي بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ وَأَمَّا عِمْرَانُ الْقَطَّانُ فَقَالَ عَنْ يَحْيَى بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ هذا أخرجه أيضا بن مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ عُبَادَةَ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
(بَاب مَا جَاءَ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ مَنْ رآني)
الخ [٢٢٧٦] قوله (عن عبد الله) أي بن مَسْعُودٍ
قَوْلُهُ (مَنْ رَآنِي فِي الْمَنَامِ فَقَدْ رَآنِي) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ فَقَدْ رآني
فقال بن الْبَاقِلَّانِيِّ مَعْنَاهُ أَنَّ رُؤْيَاهُ صَحِيحَةٌ لَيْسَتْ بِأَضْغَاثٍ وَلَا مِنْ تَشْبِيهَاتِ الشَّيْطَانِ وَيُؤَيِّدُ قَوْلَهُ رِوَايَةُ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ
أَيِ الرُّؤْيَةَ الصَّحِيحَةَ
قَالَ وَقَدْ يَرَاهُ الرَّائِي خِلَافَ صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ كَمَنْ رَآهُ أَبْيَضَ اللِّحْيَةِ وَقَدْ يَرَاهُ شَخْصَانِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ أَحَدُهُمَا فِي الْمَشْرِقِ وَالْآخَرُ فِي الْمَغْرِبِ وَيَرَاهُ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي
стр. 3195
مكانه
وحكى الماري هذا عن بن الْبَاقِلَّانِيِّ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلِ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَالْمُرَادُ أَنَّ مَنْ رَآهُ فَقَدْ أَدْرَكَهُ وَلَا مَانِعَ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَالْعَقْلُ لَا يُحِيلُهُ حَتَّى يَضْطَرَّ إِلَى صَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ
فَأَمَّا قَوْلُهُ بِأَنَّهُ قَدْ يُرَى عَلَى خِلَافِ صِفَتِهِ أَوْ فِي مَكَانَيْنِ مَعًا فَإِنَّ ذَلِكَ غَلَطٌ فِي صِفَاتِهِ وَتَخَيُّلٌ لَهَا عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ
وَقَدْ يَظُنُّ الظَّانُّ بَعْضَ الْخَيَالَاتِ مَرْئِيًّا لِكَوْنِ مَا يُتَخَيَّلُ مُرْتَبِطًا بِمَا يُرَى فِي الْعَادَةِ فَيَكُونُ ذَاتُهُ ﷺ مَرْئِيَّةً وَصِفَاتُهُ مُتَخَيَّلَةً غَيْرَ مَرْئِيَّةٍ وَالْإِدْرَاكُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ تَحْدِيقُ الْأَبْصَارِ وَلَا قُرْبُ الْمَسَافَةِ وَلَا كَوْنُ الْمَرْئِيِّ مَدْفُونًا فِي الْأَرْضِ وَلَا ظَاهِرًا عَلَيْهَا
وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَوْجُودًا وَلَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى فَنَاءِ جِسْمِهِ ﷺ بَلْ جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ مَا يَقْتَضِي بَقَاءَهُ قَالَ وَلَوْ رَآهُ يَأْمُرُ بِقَتْلِ مَنْ يَحْرُمُ قَتْلُهُ كَانَ هَذَا مِنَ الصِّفَاتِ الْمُتَخَيَّلَةِ لَا الْمَرْئِيَّةِ
هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ
قَالَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ﷺ فَقَدْ رَآنِي أَوْ فَقَدْ رَأَى الْحَقَّ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي
الْمُرَادُ بِهِ إِذَا رَآهُ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ فِي حَيَاتِهِ فَإِنْ رَأَى عَلَى خِلَافِهَا كَانَتْ رُؤْيَا تَأْوِيلٍ لَا رُؤْيَا حَقِيقَةٍ
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الْقَاضِي ضَعِيفٌ
بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ يَرَاهُ حَقِيقَةً سَوَاءٌ كَانَ عَلَى صِفَتِهِ الْمَعْرُوفَةِ أَوْ غَيْرِهَا لِمَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ
قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى النَّبِيَّ ﷺ بِأَنَّ رُؤْيَةَ النَّاسِ إِيَّاهُ صَحِيحَةٌ وَكُلُّهَا صِدْقٌ وَمَنَعَ الشَّيْطَانَ أَنْ يَتَصَوَّرَ فِي خِلْقَتِهِ لِئَلَّا يَكْذِبَ عَلَى لِسَانِهِ فِي النَّوْمِ وَكَمَا خَرَقَ اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ ﵈ بِالْمُعْجِزَةِ وَكَمَا اسْتَحَالَ أَنْ يَتَصَوَّرَ الشَّيْطَانُ فِي صُورَتِهِ فِي الْيَقَظَةِ وَلَوْ وَقَعَ لَاشْتَبَهَ الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ وَلَمْ يُوثَقْ بِمَا جَاءَ بِهِ مَخَافَةً مِنْ هَذَا التَّصَوُّرِ فَحَمَاهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ وَوَسْوَسَتِهِ وَكَيْدِهِ
قَالَ وَكَذَا حَمَى رُؤْيَاهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ (فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا يَتَمَثَّلُ بِي) وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَتَمَثَّلُ فِي صُورَتِي
وَالْمَعْنَى لَا يَتَشَبَّهُ بِصُورَتِي
وَفِي رِوَايَةٍ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَمَثَّلَ بِي
قَالَ الْحَافِظُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَإِنْ أَمْكَنَهُ مِنَ التَّصَوُّرِ فِي أَيِّ صُورَةٍ أَرَادَ فَإِنَّهُ لَمْ يُمَكِّنْهُ مِنْ التَّصَوُّرِ فِي صُورَةِ النَّبِيُّ ﷺ
وقَدْ ذَهَبَ إِلَى هَذَا جَمَاعَةٌ فَقَالُوا فِي الْحَدِيثِ إِنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ إِذَا رَآهُ الرَّائِي عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا
وَمِنْهُمْ مَنْ ضَيَّقَ الْغَرَضَ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ لَا بُدَّ أَنْ يَرَاهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي قُبِضَ عَلَيْهَا حَتَّى يَعْتَبِرَ عَدَدَ الشَّعَرَاتِ الْبِيضِ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ عِشْرِينَ شَعْرَةً
قَالَ الْحَافِظُ
وَالصَّوَابُ التَّعْمِيمُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ بِشَرْطِ أَنْ تَكُونَ صُورَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ فِي وَقْتٍ مَا سَوَاءً كَانَ فِي شَبَابِهِ أَوْ رُجُولِيَّتِهِ أَوْ كُهُولِيَّتِهِ أَوْ آخِرِ عُمُرِهِ
وَقَدْ يَكُونُ لِمَا خَالَفَ ذَلِكَ تَعْبِيرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالرَّائِي كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي قَتَادَةَ وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ وَأَبِي مَالِكٍ
стр. 3196
الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرَةَ وَأَبِي جُحَيْفَةَ)
أما حديث أبي هريرة فأخرجه الشيخان وبن مَاجَهْ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو داود
وأما حديث بن عباس فأخرجه بن مَاجَهْ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وبن ماجة
وأما حديث جابر فأخرجه مسلم وبن مَاجَهْ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَبِيهِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ وأَمَّا حَدِيثُ أَبِي جُحَيْفَةَ فأخرجه بن مَاجَهْ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ
(بَاب إِذَا رَأَى فِي الْمَنَامِ مَا يَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ)
[٢٢٧٧] قَوْلُهُ (الرُّؤْيَا مِنَ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنَ الشَّيْطَانِ) الْحُلْمُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَيُضَمُّ مَا يُرَى فِي الْمَنَامِ مِنَ الْخَيَالَاتِ الْفَاسِدَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْحُلْمُ عِبَارَةٌ عَمَّا يَرَاهُ النَّائِمُ فِي نَوْمِهِ مِنَ الْأَشْيَاءِ لَكِنْ غَلَبَتِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَّيْءِ الْحَسَنِ وَغَلَبَ الْحُلْمُ عَلَى مَا يَرَاهُ مِنَ الشَّرِّ وَالْأَمْرِ الْقَبِيحِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تعالى أضغاث أحلام وَيُسْتَعْمَلُ كُلٌّ مِنْهُمَا مَوْضِعَ الْآخَرِ وَتُضَمُّ لَامُ الْحُلْمِ وَتُسَكَّنُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَضَافَ الرُّؤْيَا الْمَحْبُوبَةَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى إِضَافَةَ تَشْرِيفٍ بِخِلَافِ الْمَكْرُوهَةِ وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ وَبِإِرَادَتِهِ وَلَا فِعْلَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا لَكِنَّهُ يَحْضُرُ الْمَكْرُوهَةَ وَيَرْتَضِيهَا
وَيُسَرُّ بِهَا (فَلْيَنْفُثْ) عَنْ يَسَارِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ يَنْفُثُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا
قَالَ وَجَاءَ فِي رِوَايَةٍ فَلْيَبْصُقْ
وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَتْفُلْ
وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ فَلْيَنْفُثْ
وَقَدْ سَبَقَ فِي كِتَابِ الطِّبِّ بَيَانُ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَنْ قَالَ إِنَّهَا بِمَعْنًى وَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْجَمِيعِ النَّفْثُ وَهُوَ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ
وَيَكُونُ التَّفْلُ وَالْبَصْقُ مَحْمُولَيْنِ عَلَيْهِ مَجَازًا انْتَهَى
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ التَّفْلُ شَبِيهٌ بِالْبَزْقِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْهُ فَأَوَّلُهُ الْبَزْقُ ثُمَّ النفث ثُمَّ النَّفْخُ (وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهَا) وَفِي رِوَايَةٍ فَلْيَبْصُقْ عَلَى يَسَارِهِ ثَلَاثًا وَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلَاثًا وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ
وَفِي رِوَايَةٍ وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّ الشَّيْطَانِ وَشَرِّهَا
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَإِنْ رَأَى أَحَدُكُمْ مَا
стр. 3197
يَكْرَهُ فَلْيَقُمْ فَلْيُصَلِّ وَلَا يُحَدِّثْ بِهَا النَّاسَ
قَالَ النَّوَوِيُّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَيَعْمَلَ بِهَا كُلِّهَا فَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُهُ نَفَثَ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا قَائِلًا أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ
وَمِنْ شَرِّهَا وَلْيَتَحَوَّلْ إِلَى جَنْبِهِ الْآخَرِ وَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ فَيَكُونُ قَدْ عَمِلَ بِجَمِيعِ الرِّوَايَاتِ وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِهَا أَجْزَأَهُ فِي دَفْعِ ضَرَرِهَا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ
قَالَ الْقَاضِي وَأُمِرَ بِالنَّفْثِ ثَلَاثًا طَرْدًا لِلشَّيْطَانِ الَّذِي حَضَرَ رُؤْيَاهُ الْمَكْرُوهَةَ تَحْقِيرًا لَهُ وَاسْتِقْذَارًا وَخُصَّتْ بِهِ الْيَسَارُ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الْأَقْذَارِ وَالْمَكْرُوهَاتِ وَنَحْوِهَا وَالْيَمِينُ ضِدُّهَا (فَإِنَّهَا لَا تَضُرُّهُ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ هَذَا سَبَبًا لِلسَّلَامَةِ مِنْ مَكْرُوهٍ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا كَمَا جَعَلَ الصَّدَقَةَ وِقَايَةً لِلْمَالِ وَسَبَبًا لِدَفْعِ الْبَلَاءِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي سَعِيدٍ وَجَابِرٍ وَأَنَسٍ) أَمَّا حَدِيثُ جَابِرٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَأَمَّا أَحَادِيثُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
(بَاب مَا جَاءَ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا)
[٢٢٧٨] قَوْلُهُ (سَمِعْتُ وَكِيعَ بْنَ عُدُسٍ) بِمُهْمَلَاتٍ وَضَمِّ أَوَّلِهِ وَثَانِيهِ وَقَدْ يُفْتَحُ ثَانِيهِ وَيُقَالُ بِالْحَاءِ بَدَلَ الْعَيْنِ كُنْيَتُهُ أَبُو مُصْعَبٍ الْعَقِيلِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الطَّائِفِيُّ
وَضَبَطَهُ فِي الْخُلَاصَةِ بِضَمِّ الْعَيْنِ مَقْبُولٌ مِنَ الرَّابِعَةِ رَوَى عَنْ عَمِّهِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ وَعَنْهُ يعلى بن عطاء العامري وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ قَالَهُ الْحَافِظُ
قَوْلُهُ (وَهِيَ) أَيْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ (عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ) هَذَا مَثَلٌ فِي عَدَمِ تَقَرُّرِ الشَّيْءِ أَيْ لَا تَسْتَقِرُّ الرُّؤْيَا قَرَارًا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ عَلَى رِجْلِ طائر ذكره بن الْمَلَكِ
فَالْمَعْنَى أَنَّهَا كَالشَّيْءِ الْمُعَلَّقِ بِرِجْلِ الطَّائِرِ لَا اسْتِقْرَارَ لَهَا
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ لَا يَسْتَقِرُّ تَأْوِيلُهَا حَتَّى تُعْبَرَ يُرِيدُ أَنَّهَا سَرِيعَةُ السُّقُوطِ إِذَا
стр. 3198
عُبِّرَتْ
كَمَا أَنَّ الطَّيْرَ لَا يَسْتَقِرُّ فِي أَكْثَرِ أَحْوَالِهِ فَكَيْفَ يَكُونُ مَا عَلَى رِجْلِهِ (مَا لَمْ يُحَدِّثْ) أَيْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمِ الْمُؤْمِنُ أَوِ الرَّائِي (بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الرُّؤْيَا أَوْ تَعْبِيرِهَا (فَإِذَا تَحَدَّثَ بِهَا سَقَطَتْ) أَيْ تِلْكَ الرُّؤْيَا عَلَى الرَّائِي يَعْنِي يَلْحَقُهُ حُكْمُهَا
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ قَالَ الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعْبَرْ فَإِذَا عُبِّرَتْ وَقَعَتْ
قُلْتُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يُحَدِّثْ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ بِتَعْبِيرِهَا (قَالَ) أَيْ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ وَقَائِلُهُ وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ (وَأَحْسَبُهُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (وَلَا تُحَدِّثْ بِهَا إِلَّا لَبِيبًا) أَيْ عَاقِلًا فَإِنَّهُ إِمَّا يَعْبُرُ بِالْمَحْبُوبِ أَوْ يَسْكُتُ عَنِ الْمَكْرُوهِ (أَوْ حَبِيبًا) أَوْ لِلتَّنْوِيعِ أَيْ مُحِبًّا لَا يَعْبُرُ لَكَ إِلَّا بِمَا يَسُرُّكَ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو داود وبن مَاجَهْ (وَأَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ اسْمُهُ لَقِيطُ بْنُ عَامِرٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ يُقَالُ إِنَّهُ جَدُّهُ وَاسْمُ أَبِيهِ عَامِرٌ وَهُوَ أَبُو رَزِينٍ الْعُقَيْلِيُّ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُمَا اثْنَانِ
وَقَدْ بَسَطَ الْكَلَامَ فِي هَذَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (فَقَالَ وَكِيعُ بْنُ حُدُسٍ) أَيْ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَقَالَ شُعْبَةُ وَأَبُو عَوَانَةَ وَهُشَيْمٌ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ وَكِيعِ بْنِ عُدُسٍ) أَيْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (وَهَذَا) أَيْ وَكِيعُ بْنُ عُدُسٍ بِالْعَيْنِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ (أَصَحُّ) لِأَنَّهُ كَذَلِكَ كَذَا رَوَى أَكْثَرُ أصحاب يعلى
стр. 3199
٧ - [٢٢٨٠] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدِ اللَّهِ السَّلِيمِيُّ) بِمَفْتُوحَةٍ وَكَسْرِ لَامِ فَتَحْتِيَّةٍ فِي الْمُغْنِي ثقة من العاشرة (أخبرنا سعيد) هو بن أَبِي عَرُوبَةَ
قَوْلُهُ (مَنْ رَآنِي فَإِنِّي أَنَا هُوَ) أَيْ مَنْ رَأَى فِي الْمَنَامِ رَجُلًا مُشَابِهًا بِي فَإِنِّي أَنَا ذَلِكَ الرَّجُلُ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ إِلَخْ) اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ أَطْلَقَ الْبَابَ أَوَّلًا وَقَالَ بَابٌ وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِتَرْجَمَةٍ ثُمَّ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورَ ثُمَّ قَالَ وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي أَنَسٍ وَأَبِي بَكْرَةَ إِلَخْ فَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ وَفِي الْبَابِ أَيْ وَفِي بَابِ مَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورُ وَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَ أَحَادِيثِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ ﵃
قَوْلُهُ (حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ
(بَاب فِي الَّذِي يَكْذِبُ فِي حُلْمِهِ)
[٢٢٨١] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى) بْنِ عَامِرٍ الثَّعْلَبِيِّ بِالْمُثَلَّثَةِ وَالْمُهْمَلَةِ الْكُوفِيِّ صَدُوقٌ يَهِمُ مِنَ السادسة
стр. 3200
(عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ السُّلَمِيِّ
قَوْلُهُ (قَالَ أُرَاهُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ أَظُنُّهُ يَعْنِي قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَظُنُّ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَقَائِلٌ قَالَ هُوَ عَبْدُ الْأَعْلَى (مَنْ كَذَبَ فِي حُلْمِهِ) أَيْ فِي رُؤْيَاهُ (كُلِّفَ) بِضَمِّ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَكْسُورَةٍ (عَقْدَ شَعِيرَةٍ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ وَلَنْ يعقد بينهما
قوله (وفي الباب عن بن عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي شُرَيْحٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الأسقع) أما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْبَابِ
وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَدِيثُ أَبِي شُرَيْحٍ فَلْيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُمَا وَأَمَّا حَدِيثُ وَاثِلَةَ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ) أَيْ حَدِيثُ قُتَيْبَةَ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيِّ عَنْ سُفْيَانَ وَهُوَ الثَّوْرِيُّ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى لِأَنَّ أَبَا أَحْمَدَ الزُّبَيْرِيَّ وَإِنْ كان ثقة ثبت إلا أنه قد يخطىء فِي حَدِيثِ الثَّوْرِيِّ كَمَا فِي التَّقْرِيبِ
[٢٢٨٣] قَوْلُهُ (قَالَ مَنْ تَحَلَّمَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ طَلَبَ الْحُلْمَ بِأَنِ ادَّعَى أَنَّهُ حَلَمَ حُلْمًا أَيْ رَأَى رُؤْيَا (كَاذِبًا) فِي دَعْوَاهُ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ فِي مَنَامِهِ (وَلَنْ يَعْقِدَ بَيْنَهُمَا) لِأَنَّ اتِّصَالَ إِحْدَاهُمَا بِالْأُخْرَى غَيْرُ مُمْكِنٍ فَهُوَ يُعَذَّبُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ وَلَا يُمْكِنُهُ فِعْلُهُ فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ دَوَامِ تَعْذِيبِهِ
قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ قَوْلُهُ مَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ أَيْ قَالَ إِنَّهُ رَأَى فِي النَّوْمِ مَا لَمْ يَرَهُ يُقَالُ حَلَمَ بِالْفَتْحِ إِذَا رَأَى وَتَحَلَّمَ إِذَا ادَّعَى الرُّؤْيَا كَاذِبًا
فَإِنْ قِيلَ إِنَّ كَذِبَ الْكَاذِبِ فِي مَنَامِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى كَذِبِهِ فِي يَقِظَتِهِ فَلِمَ زَادَتْ عُقُوبَتُهُ وَوَعِيدُهُ وَتَكْلِيفُهُ عَقْدَ الشَّعِيرَتَيْنِ قِيلَ قَدْ صَحَّ الْخَبَرُ أَنَّ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ جُزْءٌ مِنَ النُّبُوَّةِ
стр. 3201
وَالنُّبُوَّةُ لَا تَكُونُ إِلَّا وَحْيًا وَالْكَاذِبُ فِي رُؤْيَاهُ يَدَّعِي أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَاهُ مَا لَمْ يَرَهُ وَأَعْطَاهُ جُزْءًا مِنَ النُّبُوَّةِ لَمْ يُعْطِهِ إِيَّاهُ
وَالْكَاذِبُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَعْظَمُ فِرْيَةً مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى الْخَلْقِ أَوْ عَلَى نَفْسِهِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وأبو داود والنسائي وبن ماجة
[٢٢٨٤] قَوْلُهُ (عَنْ عُقَيْلٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْقَافِ مصغرا بن خَالِدِ بْنِ عَقِيلٍ بِالْفَتْحِ الْأَيْلِيِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ لَامٌ كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ) الْمَدَنِيِّ شَقِيقِ سَالِمٍ ثِقَةٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (بَيْنَا) أَصْلُهُ بَيْنَ فَأُشْبِعَتِ الْفَتْحَةُ (إِذْ أُتِيتُ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ (فَشَرِبْتُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ ذَلِكَ اللَّبَنِ (قَالَ الْعِلْمَ) هُوَ بِالنَّصْبِ وَبِالرَّفْعِ فِي الرِّوَايَةِ وَتَوْجِيهُهُمَا ظَاهِرٌ وَتَفْسِيرُ اللَّبَنِ بِالْعِلْمِ لِاشْتِرَاكِهِمَا في كثرة النفع بهما
وقال بن الْعَرَبِيِّ اللَّبَنُ رِزْقٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ طَيِّبًا بَيْنَ أَخْبَاثٍ مِنْ دَمٍ وَفَرْثٍ كَالْعِلْمِ نُورٌ يُظْهِرُهُ اللَّهُ فِي ظُلْمَةِ الْجَهْلِ فَضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ فِي الْمَنَامِ قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ الَّذِي خَلَّصَ اللَّبَنَ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ الْمَعْرِفَةَ مِنْ بَيْنِ شَكٍّ وَجَهْلٍ ويحفظ العمل عن غفلة وزلل وهو كَمَا قَالَ لَكِنِ اطَّرَدَتِ الْعَادَةُ بِأَنَّ الْعِلْمَ بِالتَّعَلُّمِ وَالَّذِي ذَكَرَهُ قَدْ يَقَعُ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فيكون من باب الكرامة
وقال بن أَبِي جَمْرَةَ تَأَوَّلَ النَّبِيُّ ﷺ اللَّبَنَ بِالْعِلْمِ اعْتِبَارًا بِمَا بُيِّنَ لَهُ أَوَّلَ الْأَمْرِ حِينَ أُتِيَ بِقَدَحِ خَمْرٍ وَقَدَحِ لَبَنٍ فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ أَخَذْتَ الْفِطْرَةَ الْحَدِيثَ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَوْلُهُ (حَدِيثُ بن عُمَرَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
стр. 3202
[٢٢٨٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَرِيرِيُّ) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَذَا وَقَعَ فِي النُّسْخَةِ الْأَحْمَدِيَّةِ وَكَتَبَ فِي هَامِشِهَا مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ وَقَعَ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ هَكَذَا بِالْحَاءِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْأُخْرَى بِالْجِيمِ انْتَهَى
قُلْتُ قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ الْجَرِيرِيُّ مِنْ وَلَدِ جَرِيرٍ النَّخِيلِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى وَعَنْهُ التِّرْمِذِيُّ انْتَهَى
فَعُلِمَ مِنْهُ أنَّهُ الْجَرِيرِيُّ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الراء
وفي شرح الشيخ بن حجر الهيثمي عَلَى الشَّمَائِلِ الْجَرِيرِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى
وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ (عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ كَذَا أَبْهَمَهُ مَعْمَرٌ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ صَرَّحَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ فِي رِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ بِذِكْرِ أَبِي سَعِيدٍ)
قَالَ الْحَافِظُ كَذَا رَوَاهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ فَأَبْهَمَهُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ انْتَهَى
قَوْلُهُ (وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ) بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ قَمِيصٍ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْقُمُصِ (مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ جَمْعُ ثَدْيٍ بِفَتْحٍ ثُمَّ سُكُونٍ وَهُوَ مُذَكَّرٌ عِنْدَ مُعْظَمِ أَهْلِ اللُّغَةِ
وَحُكِيَ أَنَّهُ مُؤَنَّثٌ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ يُطْلَقُ فِي الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَقِيلَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْأَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ
وَلَعَلَّ قَائِلَ هَذَا يَدَّعِي أَنَّهُ أُطْلِقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَجَازًا وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقَمِيصَ قَصِيرٌ جِدًّا بِحَيْثُ لَا يَصِلُ مِنَ الْحَلْقِ إِلَى نَحْوِ السُّرَّةِ بَلْ فَوْقَهَا (وَمِنْهَا مَا يَبْلُغُ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ
قَالَ الْحَافِظُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ السُّفْلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَيَكُونُ أَطْوَلَ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ دُونَهُ مِنْ جِهَةِ الْعُلْوِ فَيَكُونُ أُقْصَرَ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ مَا فِي رِوَايَةِ الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى سُرَّتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى رُكْبَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ قَمِيصُهُ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ انْتَهَى
قُلْتُ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَ رِوَايَةُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ أَيْضًا (فَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ) أَيْ فِي مَا بَيْنَهُمْ (وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ) أَيْ يَسْحَبُهُ فِي الْأَرْضِ
стр. 3203
لِطُولِهِ (قَالُوا) أَيْ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنَ الْحَاضِرِينَ (فَمَا أَوَّلْتَهُ) أَيْ فَمَا عَبَّرْتَ جَرَّ الْقَمِيصِ لِعُمَرَ (قَالَ الدِّينَ) بِالنَّصْبِ أَيْ أَوَّلْتُهُ الدِّينَ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ أَيِ الْمُأَوَّلُ بِهِ هُوَ الدِّينُ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْقَمِيصُ الدِّينُ وَجَرُّهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ آثَارِهِ الْجَمِيلَةِ وَسُنَّتِهِ الْحَسَنَةِ فِي الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ لِيُقْتَدَى بِهِ
وَأَمَّا تَفْسِيرُ اللَّبَنِ بِالْعِلْمِ فَلِكَثْرَةِ الِانْتِفَاعِ بِهِمَا وَفِي أَنَّهُمَا سَبَبًا لِلصَّلَاحِ فَاللَّبَنُ غِذَاءُ الْإِنْسَانِ وَسَبَبُ صَلَاحِهِمْ وَقُوَّةُ أَبْدَانِهِمْ وَالْعِلْمُ سَبَبٌ لِلصَّلَاحِ وَغِذَاءٌ لِلْأَرْوَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ قَالُوا وَجْهُ تَعْبِيرِ الْقَمِيصِ بِالدِّينِ أَنَّ الْقَمِيصَ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ فِي الدُّنْيَا وَالدِّينُ يَسْتُرُهَا فِي الْآخِرَةِ وَيَحْجُبُهَا عَنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَالْأَصْلُ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ولباس التقوى ذلك خير
الْآيَةَ
وَالْعَرَبُ تُكَنِّي عَنِ الْفَضْلِ وَالْعَفَافِ بِالْقَمِيصِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ ﷺ لِعُثْمَانَ إن الله سيلبسه قميصا فلا تخلعه
أخرجه أحمد والترمذي وبن ماجة وصححه بن حِبَّانَ وَاتَّفَقَ أَهْلُ التَّعْبِيرِ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ يُعَبَّرُ بِالدِّينِ وَأَنَّ طُولَهُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ آثَارِ صَاحِبِهِ مِنْ بَعْدِهِ
[٢٢٨٦] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ) الزُّهْرِيُّ أَبُو يُوسُفَ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ثِقَةٌ فَاضِلٌ مِنْ صِغَارِ التَّاسِعَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ تَكَلَّمَ فِيهِ بِلَا قَادِحٍ مِنَ الثَّامِنَةِ (وَهَذَا أَصَحُّ) أَيْ مِنَ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الْمَذْكُورِ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ الْحُسَيْنَ بْنَ مُحَمَّدٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ كَمَا عَرَفْتَ
٠ - (بَاب مَا جَاءَ فِي رُؤْيَا النَّبِيِّ ﷺ
الْمِيزَانَ وَالدَّلْوَ [٢٢٨٧] قَوْلُهُ (كَأَنَّ مِيزَانًا) كَأَنَّ بِتَشْدِيدِ النُّونِ مِنَ الْحُرُوفِ المشبهة بالفعل (فوزنت) بصيغة الْمَجْهُولِ الْمُخَاطَبِ (أَنْتَ) ضَمِيرُ فَصْلٍ وَتَأْكِيدٌ لِتَصْحِيحِ الْعَطْفِ (فَرَجَحْتَ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ
стр. 3204
الْحَاءِ أَيْ ثَقُلْتَ وَغَلَبْتَ (ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ) فِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى وَجْهِ مَا اخْتُلِفَ فِي تفضيل علي وعثمان قاله القارىء (فَرَأَيْنَا الْكَرَاهِيَةَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَاكَ لَمَّا عَلِمَ ﷺ مِنْ أَنَّ تَأْوِيلَ رَفْعِ الْمِيزَانِ انْحِطَاطُ رُتْبَةِ الْأُمُورِ وَظُهُورُ الْفِتَنِ بَعْدَ خِلَافَةِ عُمَرَ وَمَعْنَى رُجْحَانِ كُلٍّ مِنَ الْآخَرِ أَنَّ الرَّاجِحَ أَفْضَلُ مِنَ الْمَرْجُوحِ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ كَرِهَ وُقُوفَ التَّخْيِيرِ وَحَصْرَ دَرَجَاتِ الْفَضَائِلِ فِي ثَلَاثَةٍ وَرَجَا أَنْ يَكُونَ فِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ أَنَّ التَّفْضِيلَ انْتَهَى إِلَى الْمَذْكُورِ فِيهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ انْتَهَى
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ إِنَّمَا سَاءَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ مِنَ الرُّؤْيَا الَّتِي ذَكَرَهَا مَا عَرَفَهُ مِنْ تَأْوِيلِ رَفْعِ الْمِيزَانِ فَإِنَّ فِيهِ احْتِمَالًا لِانْحِطَاطِ رُتْبَةِ الْأَمْرِ فِي زَمَانِ الْقَائِمِ بِهِ بَعْدَ عُمَرَ ﵁ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ النَّفَاذِ وَالِاسْتِعْلَاءِ وَالتَّمَكُّنِ بِالتَّأْيِيدِ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْوَزْنِ مُوَازَنَةَ أَيَّامِهِمْ لِمَا كَانَ نُظِرَ فِيهَا مِنْ رَوْنَقِ الْإِسْلَامِ وَبَهْجَتِهِ ثُمَّ إِنَّ الْمُوَازَنَةَ إِنَّمَا تُرَاعَى فِي الْأَشْيَاءِ الْمُتَقَارِبَةِ مَعَ مُنَاسَبَةٍ مَا فَيَظْهَرُ الرُّجْحَانُ فَإِذَا تَبَاعَدَتْ كُلَّ التَّبَاعُدِ لَمْ يُوجَدْ لِلْمُوَازَنَةِ مَعْنًى فَلِهَذَا رُفِعَ الْمِيزَانُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ وَالْمُنْذِرِيُّ
[٢٢٨٨] قَوْلُهُ (عَنْ ورقة) بفتحات أي بن نوفل بن عَمِّ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ كَانَ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَرَأَ الْكُتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ (فَقَالَتْ) بَيَانُ السُّؤَالِ وَالسَّائِلِ (لَهُ) أَيْ لِأَجْلِ وَرَقَةَ وَتَحْقِيقِ أَمْرِهِ (خَدِيجَةُ إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ أَوْ أَنَّ وَرَقَةَ (كَانَ) أَيْ فِي حَيَاتِهِ (صَدَّقَكَ) بِالتَّشْدِيدِ أَيْ فِي نُبُوَّتِكَ (وَأَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ) تَعْنِي أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ دَعْوَتِكَ لِيُصَدِّقَكَ وَيَأْتِيَ بِالْأَعْمَالِ عَلَى مُوجِبِ شَرِيعَتِكَ لَكِنْ صَدَّقَكَ قَبْلَ مَبْعَثِكَ قَالَهُ الطِّيبِيُّ (أُرِيتُهُ فِي الْمَنَامِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ أَرَانِيهِ اللَّهُ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ لِلْأَنْبِيَاءِ
وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِنِي وَحْيٌ جَلِيٌّ وَدَلِيلٌ قَطْعِيٌّ لَكِنِّي رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ (وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ) وَفِي الْمِشْكَاةِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ (وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غير ذلك
стр. 3205
فِيهِ أَنَّهُ إِذَا رَأَى مُسْلِمٌ فِي الْمَنَامِ الثِّيَابَ الْبِيضَ عَلَى مَيِّتٍ مُسْلِمٍ فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حُسْنِ حَالِهِ وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِالْقَوِيِّ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ الْوَقَّاصِيُّ أَبُو عمرو المدني متروك وكذبة بن مَعِينٍ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ قَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ هَارُونَ رَوَى لَهُ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثًا وَاحِدًا فِي ذِكْرِ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ
[٢٢٨٩] قَوْلُهُ (فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا) بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهُوَ الدَّلْوُ فِيهَا مَاءٌ وَالْمَلْأَى أَوْ دُونَ الْمَلْأَى كَذَا فِي الْقَامُوسِ
قَالَ الْحَافِظُ وَاتَّفَقَ مَنْ شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الذَّنُوبِ إِشَارَةٌ إِلَى مُدَّةِ خِلَافَتِهِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ وَلِيَ سَنَتَيْنِ وَبَعْضَ سَنَةٍ فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْمُرَادَ لَقَالَ ذَنُوبَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً
وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى مَا فُتِحَ فِي زَمَانِهِ مِنَ الْفُتُوحِ الْكِبَارِ وَهِيَ ثَلَاثَةٌ
وَلِذَلِكَ لَمْ يَتَعَرَّضْ في ذكر عمر إلى عدد مَا نَزَعَهُ مِنَ الدِّلَاءِ وَإِنَّمَا وَصَفَ نَزْعَهُ بِالْعَظَمَةِ إِشَارَةً إِلَى كَثْرَةِ مَا وَقَعَ فِي خِلَافَتِهِ مِنَ الْفُتُوحَاتِ
وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ تَفْسِيرَ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْأُمِّ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ سَاقَهُ وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ قِصَرُ مُدَّتِهِ وَعَجَلَةُ مَوْتِهِ وَشُغْلِهِ بِالْحَرْبِ لِأَهْلِ الرِّدَّةِ عَنِ الِافْتِتَاحِ وَالِازْدِيَادِ الَّذِي بَلَغَهُ عُمَرُ فِي طُولِ مُدَّتِهِ انْتَهَى
فَجَمَعَ فِي كَلَامِهِ مَا تَفَرَّقَ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ
انْتَهَى (فِيهِ ضَعْفٌ) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ
قَالَ الحافظ أي على مهل ورق (وَاللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا دُعَاءٌ مِنَ الْمُتَكَلِّمِ أَيْ أَنَّهُ لَا مَفْهُومَ لَهُ
وَقَالَ غَيْرُهُ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ ﵇ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كان توابا
فَإِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى قُرْبِ وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ الْحَافِظُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى قِلَّةِ الْفُتُوحِ فِي زَمَانِهِ لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ سَبَبَهُ قِصَرُ مُدَّتِهِ
فَمَعْنَى الْمَغْفِرَةِ لَهُ رَفْعُ الْمَلَامَةِ عَنْهُ (فَاسْتَحَالَتْ غَرْبًا) أَيِ انْقَلَبَتِ الدَّلْوُ الَّتِي كَانَتْ ذَنُوبًا غَرْبًا أَيْ دَلْوًا عَظِيمَةً وَالْغَرْبُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ (فَلَمْ أر عبقريا
стр. 3206
بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ أَيْ رَجُلًا قَوِيًّا (يَفْرِي) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ (فَرِيَّهُ) بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِ التَّحْتَانِيَّةِ الْمَفْتُوحَةِ وَرُوِيَ بِسُكُونِ الرَّاءِ وَخَطَّأَهُ الْخَلِيلُ
وَمَعْنَاهُ يَعْمَلُ عَمَلَهُ الْبَالِغَ (حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِالْعَطَنِ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ مَنَاخُّ الْإِبِلِ إِذَا شَرِبَتْ ثُمَّ صَدَرَتْ
وَسَيَأْتِي فِي مَنَاقِبِ عُمَرَ بِلَفْظِ حَتَّى رَوَى النَّاسُ وَضَرَبُوا بِعَطَنٍ
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي الطُّفَيْلِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عِنْدَ الْبَزَّارِ وَالطَّبَرَانِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ بَيْنَا أَنَا أَنْزِعُ اللَّيْلَةَ إِذْ وَرَدَتْ عَلَيَّ غَنَمٌ سُودٌ وَعُفْرٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ فَذَكَرَهُ وَقَالَ فِي عُمَرَ فَمَلَأَ الْحِيَاضَ وَأَرْوَى الْوَارِدَةَ وَقَالَ فِيهِ فَأُوِّلَتِ السُّودُ الْعَرَبَ وَالْعُفْرُ الْعَجَمَ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ (هذا حديث صحيح غريب من بن عُمَرَ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[٢٢٩٠] قَوْلُهُ (قَالَ رَأَيْتُ) أَيْ فِي شَأْنِ الْمَدِينَةِ (ثَائِرَةَ الرَّأْسِ) أَيْ مُنْتَشِرَةً شَعْرَ الرَّأْسِ (حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةٍ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالْعَيْنِ الْأَرْضُ الْمَبْسُوطَةُ الْوَاسِعَةُ (وَهِيَ الْجُحْفَةُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَظُنُّ قَوْلَهُ وَهِيَ الْجُحْفَةُ مَدْرَجًا مِنْ قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَإِنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ خَلَا عَنْ هَذِهِ الزِّيَادَةِ
وَثَبَتَتْ فِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ جُرَيْحٍ (فَأَوَّلْتُهَا) مِنَ التَّأْوِيلِ هُوَ تَفْسِيرُ الشيء بما يؤول إِلَيْهِ (وَبَاءَ الْمَدِينَةِ) وَهُوَ بِالْمَدِّ وَيُقْصَرُ مَرَضٌ عَامٌّ أَوْ مَوْتٌ ذَرِيعٌ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْأَرْضِ الْوَخِمَةِ الَّتِي تَكْثُرُ فِيهَا الْأَمْرَاضُ لَا سِيَّمَا لِلْغُرَبَاءِ أَيْ حُمَّاهَا وَأَمْرَاضُهَا
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
стр. 3207
[٢٢٩١] قَوْلُهُ (قَالَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لَا تَكَادُ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ إِلَخْ) تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ إِنَّ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ من ستة وأربعين جزءا من النبوة
[٢٢٩٢] قوله (أخبرنا أَبُو الْيَمَانِ) اسْمُهُ الْحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ الْبَهْرَانِيُّ بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ الْحِمْصِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ ثِقَةٌ ثَبْتٌ يُقَالُ إِنَّ أَكْثَرَ حَدِيثِهِ عَنْ شُعَيْبٍ مُنَاوَلَةً من العاشرة (عن بن أَبِي حُسَيْنٍ) اِسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ الْمَكِّيِّ النَّوْفَلِيِّ ثِقَةٌ عَالِمٌ بِالْمَنَاسِكِ مِنَ الْخَامِسَةِ
قَوْلُهُ (سِوَارَيْنِ) بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ قَلْبَيْنِ
قَالَ الْحَافِظُ السِّوَارُ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ أُسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَوَّلَهُ (فَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا) أَيْ أَحْزَنَنِي وَفِي حَدِيثِ الْبُخَارِيِّ فَكَبُرَا عَلَيَّ
قَالَ الْحَافِظُ هُوَ بِمَعْنَى الْعِظَمِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَإِنَّمَا عَظُمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِ الذَّهَبِ مِمَّا حُرِّمَ عَلَى الرِّجَالِ (فَأُوحِيَ إِلَيَّ) قَالَ الْحَافِظُ كَذَا لِلْأَكْثَرِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَجْهُولِ
وَفِي رِوَايَةِ الْكَشْمِيهَنِيِّ فِي حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ هَذَا الْوَحْيَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَحْيِ الْإِلْهَامِ أَوْ عَلَى لِسَانِ الْمَلَكِ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ (أَنِ انْفُخْهُمَا) بِضَمِّ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِنْ هِيَ مُفَسِّرَةٌ لِمَا فِي الْوَحْيِ مِنْ مَعْنَى الْقَوْلِ وَعَلَيْهِ كَلَامُ الْقَاضِي وَغَيْرِهِ وَجَوَّزَ الطِّيبِيُّ أَنْ تَكُونَ نَاصِبَةً وَالْجَارُّ مَحْذُوفٌ وَالنَّفْخُ
стр. 3208
بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ يُقَالُ نَفَخْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ (فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا) قَالَ الْحَافِظُ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْمَقْبُرِيِّ وَزَادَ فَوَقَعَ وَاحِدٌ بِالْيَمَامَةِ وَالْآخَرُ بِالْيَمَنِ
وَفِي ذَلِكَ إِشَارَةٌ إِلَى حَقَارَةِ أَمْرِهِمَا لِأَنَّ شَأْنَ الَّذِي يَنْفُخُ فَيَذْهَبُ بِالنَّفْخِ أَنْ يَكُونَ فِي غَايَةِ الْحَقَارَةِ
وَرَدَّهُ بن الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ أَمْرَهُمَا كَانَ فِي غَايَةِ الشِّدَّةِ وَلَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ قَبْلَهُ مِثْلُهُ
قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّ الْإِشَارَةَ إِنَّمَا هِيَ لِلْحَقَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ لَا الْحِسِّيَّةِ وَفِي طَيَرَانِهِمَا إِشَارَةٌ إِلَى اضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا (فَأَوَّلْتُهُمَا كَاذِبَيْنِ) قَالَ الْمُهَلِّبُ هَذِهِ الرُّؤْيَا لَيْسَتْ عَلَى وَجْهِهَا وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ ضَرْبِ الْمَثَلِ وَإِنَّمَا أَوَّلَهُ النَّبِيُّ ﷺ السِّوَارَيْنِ بِالْكَذَّابَيْنِ لِأَنَّ الْكَذِبَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ فَلَمَّا رَأَى فِي ذِرَاعَيْهِ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَلَيْسَا مِنْ لُبْسِهِ لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَظْهَرُ مَنْ يَدَّعِي مَا لَيْسَ لَهُ وَأَيْضًا فَفِي كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ وَالذَّهَبُ مَنْهِيٌّ عَنْ لُبْسِهِ دَلِيلٌ عَلَى الْكَذِبِ وَأَيْضًا فَالذَّهَبُ مُشْتَقٌّ مِنَ الذَّهَابِ فَعُلِمَ أَنَّهُ شَيْءٌ يَذْهَبُ عَنْهُ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالْإِذْنِ لَهُ فِي نَفْخِهِمَا فَطَارَا فَعَرَفَ أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لَهُمَا أَمْرٌ وَأَنَّ كَلَامَهُ بِالْوَحْيِ الَّذِي جَاءَ بِهِ يُزِيلُهُمَا عَنْ مَوْضِعِهِمَا وَالنَّفْخُ يَدُلُّ عَلَى الْكَلَامِ انْتَهَى مُلَخَّصًا (يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي)
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ الْذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا
قَالَ الْحَافِظُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُمَا كَانَا حِينَ قَصَّ الرُّؤْيَا مَوْجُودَيْنِ وهو كذلك لكن وقع في رواية بن عَبَّاسٍ يَخْرُجَانِ بَعْدِي وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهِمَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتُهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ
نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنِ الْعُلَمَاءِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ ظَهَرَ لِلْأَسْوَدِ بِصَنْعَاءَ فِي حَيَاتِهِ ﷺ فَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَعَظُمَتْ شَوْكَتُهُ وَحَارَبَ الْمُسْلِمِينَ وَفَتَكَ فِيهِمْ وَغَلَبَ عَلَى الْبَلَدِ وَآلَ أَمْرُهُ إِلَى أَنْ قُتِلَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا قَدَّمْتُ ذَلِكَ وَاضِحًا فِي أَوَاخِرِ الْمَغَازِي
وَأَمَّا مُسَيْلَمَةُ فَكَانَ ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ لَمْ تَعْظُمْ شَوْكَتُهُ وَلَمْ تَقَعْ مُحَارَبَتُهُ إِلَّا فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ
فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّغْلِيبِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بَعْدِي أَيْ بَعْدَ نُبُوَّتِي (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مَسْلَمَةُ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَاللَّامِ وَبَيْنَهُمَا سِينٌ سَاكِنَةٌ هُوَ الْمَشْهُورُ بِمُسَيْلَمَةَ مُصَغَّرًا قَتَلَهُ الْوَحْشِيُّ قَاتِلُ حَمْزَةَ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ ﵁ وَقِيلَ لَمَّا قَتَلَهُ وَحْشِيٌّ قَالَ قَتَلْتُ خَيْرَ النَّاسِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَشَرَّ النَّاسِ فِي الْإِسْلَامِ (صَاحِبُ الْيَمَامَةِ) قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْيَمَامَةُ الْقَصْدُ كَالْيَمَامِ وَجَارِيَةٌ زَرْقَاءُ كَانَتْ تُبْصِرُ الرَّاكِبَ مِنْ مَسِيرَةِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَبِلَادُ الْجَوِّ مَنْسُوبَةٌ إِلَيْهَا وَسُمِّيَتْ بِاسْمِهَا وَهِيَ أَكْثَرُ نَخِيلًا مِنْ سَائِرِ الْحِجَازِ وَبِهَا تَنَبَّأَ مُسَيْلَمَةُ الْكَذَّابُ وَهِيَ دُونَ الْمَدِينَةِ فِي وَسَطِ الشَّرْقِ مِنْ مَكَّةَ عَلَى سِتَّةَ عَشَرَ مَرْحَلَةً مِنَ الْبَصْرَةِ وَعَنِ الْكُوفَةِ نَحْوَهَا انْتَهَى
(وَالْعَنْسِيُّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ) هُوَ بَلْدَةٌ بِالْيَمَنِ وَصَاحِبُهَا الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ تَنَبَّأَ بِهَا فِي آخِرِ عَهْدِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ فِي مَرَضِ وَفَاةِ الرَّسُولِ ﷺ فَقَالَ ﷺ فاز فيروز
стр. 3209
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ
[٢٢٩٣] قوله (حدثنا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الْجَرِيرِيُّ الْبَلْخِيُّ (عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ) بْنِ عتبة الْهُذَلِيِّ الْمَدَنِيِّ
قَوْلُهُ (إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ ظُلَّةً) بِضَمِّ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَحَابَةً لَهَا ظُلَّةٌ وَكُلُّ مَا أَظَلَّ مِنْ سَقِيفَةٍ وَنَحْوِهَا يُسَمَّى ظلة
قاله الخطابي وفي رواية بن مَاجَهْ ظُلَّةً بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ (يَنْطُفُ) أَيْ يَقْطُرُ مِنْ نَطَفَ الْمَاءُ إِذَا سَالَ وَيَجُوزُ الضَّمُّ وَالْكَسْرُ فِي الطَّاءِ (يَسْتَقُونَ بِأَيْدِيهِمْ) أَيْ يَأْخُذُونَ بِالْأَسْقِيَةِ
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ يَتَكَفَّفُونَ أَيْ يَأْخُذُونَ بِأَكُفِّهِمْ (فَالْمُسْتَكْثِرُ) مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ أَيْ فِيهِمُ الْمُسْتَكْثِرُ فِي الْأَخْذِ أَيْ يأخذ كثيرا (والمستقل) أمي وَمِنْهُمُ الْمُسْتَقِلُّ فِي الْأَخْذِ أَيْ يَأْخُذُ قَلِيلًا (وَرَأَيْتُ سَبَبًا) أَيْ حَبْلًا (وَاصِلًا) مِنَ الْوُصُولِ وَقِيلَ هُوَ بِمَعْنَى الْمَوْصُولِ كَقَوْلِهِ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ أَيْ مَرْضِيَّةٍ (فَعَلَوْتُ) مِنَ الْعُلُوِّ وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ كَثِيرٍ فَأَعْلَاكَ اللَّهُ (ثُمَّ وُصِلَ له) على بناء المجهول (بأبي أنت وأبي) أي مفدى بهما (والله لتدعني) بفتح اللَّامِ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ لَتَتْرُكُنِي
وَفِي رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ ائْذَنْ لِي (أَعْبُرُهَا) وَفِي رِوَايَةٍ فَلَأَعْبُرَنَّهَا بِزِيَادَةِ لَامِ التَّأْكِيدِ وَالنُّونِ (اعْبُرْهَا) أَمْرٌ مِنْ عَبَرَ يَعْبُرُ مِنْ بَابِ نَصَرَ يَنْصُرُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ عَبَرَ الرُّؤْيَا عَبْرًا وَعِبَارَةً وَعَبَرَهَا فَسَّرَهَا وأخبر باخر ما يؤول إِلَيْهِ أَمْرُهَا وَأَسْتَعْبِرُهُ إِيَّاهَا سَأَلَهُ عَبْرَهَا (وَأَمَّا السَّبَبُ الْوَاصِلُ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ فَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ) الْمُرَادُ بِالْحَقِّ الْوِلَايَةُ الَّتِي كَانَتْ بِالنُّبُوَّةِ ثُمَّ صَارَتْ
стр. 3210
بِالْخِلَافَةِ (ثُمَّ يَأْخُذُ بِهِ) أَيْ بِالسَّبَبِ (بَعْدَكَ رَجُلٌ) وَهُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵁ وَيَقُومُ بِالْحَقِّ فِي أُمَّتِهِ بَعْدَهُ (ثُمَّ يَأْخُذُ بَعْدَهُ رَجُلٌ آخَرُ) وَهُوَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ (ثُمَّ يَأْخُذُ آخَرُ) وَهُوَ عُثْمَانُ (فَيَنْقَطِعُ به ثم يوصل) وفي حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ (أَصَبْتُ بَعْضًا وَأَخْطَأْتُ بَعْضًا) قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ في معناه
فقال بن قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ أَصَبْتُ فِي بَيَانِ تَفْسِيرِهَا وَصَادَفْتُ حَقِيقَةَ تَأْوِيلِهَا وَأَخْطَأْتُ فِي مُبَادَرَتِكَ بِتَفْسِيرِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ آمُرَكَ بِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ هذا الذي قاله بن قُتَيْبَةَ وَمُوَافِقُوهُ فَاسِدٌ لِأَنَّهُ ﷺ قَدْ أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَقَالَ اعْبُرْهَا وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي تَرْكِهِ تَفْسِيرَ بَعْضِهَا فَإِنَّ الرَّائِيَ قَالَ رَأَيْتُ ظُلَّةً تَنْطُفُ السَّمْنَ وَالْعَسَلَ فَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ ﵁ بِالْقُرْآنِ حَلَاوَتَهُ وَلِينَهُ وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ تَفْسِيرُ الْعَسَلِ وَتَرَكَ تَفْسِيرَ السَّمْنِ وَتَفْسِيرَهُ السُّنَّةَ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الطَّحَاوِيُّ
وَقَالَ آخَرُونَ الْخَطَأُ وَقَعَ فِي خَلْعِ عُثْمَانَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِي الْمَنَامِ أَنَّهُ أَخَذَ بِالسَّبَبِ فَانْقَطَعَ بِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى انْخِلَاعِهِ بِنَفْسِهِ
وَفَسَّرَهُ الصِّدِّيقُ بِأَنَّهُ يَأْخُذُ بِهِ رَجُلٌ فَيَنْقَطِعُ بِهِ ثُمَّ يُوصَلُ لَهُ فَيَعْلُو بِهِ وَعُثْمَانُ قَدْ خُلِعَ قَهْرًا وَقُتِلَ وَوُلِّيَ غَيْرُهُ
فَالصَّوَابُ فِي تَفْسِيرِهِ أَنْ يُحْمَلَ وَصْلُهُ عَلَى وِلَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ قَوْمِهِ
وَقَالَ آخَرُونَ الْخَطَأُ فِي سُؤَالِهِ لِيَعْبُرَهَا
قَالَ الْمُهَلِّبُ وَمَوْضِعُ الْخَطَأِ فِي قَوْلِهِ ثُمَّ وُصِلَ لَهُ لِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ ثُمَّ وُصِلَ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ
قَالَ الْحَافِظُ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ لَهُ قَدْ ثَبَتَتْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ فَذَكَرَهَا ثُمَّ قَالَ وَبَنَى الْمُهَلَّبُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ فَقَالَ كَانَ يَنْبَغِي لِأَبِي بَكْرٍ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ وَقَفَتِ الرُّؤْيَا وَلَا يَذْكُرُ الْمَوْصُولَ لَهُ فَإِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ عُثْمَانَ انْقَطَعَ بِهِ الْحَبْلُ ثُمَّ وُصِلَ لِغَيْرِهِ أَيْ وَصَلَتِ الْخِلَافَةُ لِغَيْرِهِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ لَفْظَةَ لَهُ ثَابِتَةٌ فِي نَفْسِ الْخَبَرِ
فَالْمَعْنَى عَلَى هَذَا أَنَّ عُثْمَانَ كَادَ يَنْقَطِعُ عَلَى اللِّحَاقِ بِصَاحِبَيْهِ بِسَبَبِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ الْقَضَايَا الَّتِي أَنْكَرُوهَا فَعَبَّرَ عَنْهَا بِانْقِطَاعِ الْحَبْلِ ثُمَّ وَقَعَتْ لَهُ الشَّهَادَةُ فَاتَّصَلَ بِهِمْ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّ الْحَبْلَ وَصَلَ لَهُ فَاتَّصَلَ فَالْتَحَقَ بِهِمْ فَلَمْ يَتِمَّ فِي تَبْيِينِ الْخَطَأِ فِي التَّعْبِيرِ الْمَذْكُورِ مَا تَوَهَّمَهُ الْمُهَلَّبُ انْتَهَى
وَقَدْ بَسَطَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْمَقَامِ فِي الْفَتْحِ (لَا تُقْسِمْ) أَيْ لَا تُكَرِّرْ يَمِينَكَ فَإِنِّي لَا أُخْبِرُكَ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ أَنَّ إِبْرَارَ الْقَسَمِ الْمَأْمُورِ بِهِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ إنما
стр. 3211
هُوَ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِي الْإِبْرَارِ مَفْسَدَةٌ وَلَا مَشَقَّةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنْ كَانَ لَمْ يُؤْمَرْ بِالْإِبْرَارِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبَرَّ قَسَمَ أَبِي بَكْرٍ لِمَا رَأَى فِي إِبْرَارِهِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا
[٢٢٩٤] قَوْلُهُ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ (عَنْ أَبِي رَجَاءٍ) اسْمُهُ عِمْرَانُ بْنُ مِلْحَانَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللام بعدها مهملة ويقال بن تَيْمٍ الْعُطَارِدِيُّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ فِي اسْمِ أَبِيهِ مُخَضْرَمٌ ثِقَةٌ مُعَمِّرٌ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً
قَوْلُهُ (وَقَالَ هَلْ رَأَى أَحَدٌ مِنْكُمْ رُؤْيَا) عَلَى وَزْنِ فُعْلَى بِلَا تَنْوِينٍ وَيَجُوزُ تَنْوِينُهُ كَمَا قُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذَّةِ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَكَذَا رُوِيَ مُنَوَّنًا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَمَنْ كَانَ هِجْرَتُهُ لدنيا (الليلة) أَيْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مُطَوَّلًا (وَيُرْوَى عَنْ عَوْفٍ وَجَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ عَنْ سَمُرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِالْقِصَّةِ الطَّوِيلَةِ فِي آخِرِ أَبْوَابِ التَّعْبِيرِ (وَهَكَذَا رَوَى لَنَا بُنْدَارٌ هَذَا الْحَدِيثَ مُخْتَصَرًا) بُنْدَارٌ هَذَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ الْمَذْكُورُ في السند المتقدم
стр. 3212
٣٣ - أبواب الشهادات
هِيَ جَمْعُ شَهَادَةٍ وَهِيَ مَصْدَرُ شَهِدَ يَشْهَدُ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ الشَّهَادَةُ خَبَرٌ قَاطِعٌ وَالْمُشَاهَدَةُ الْمُعَايَنَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ الشُّهُودِ أَيِ الْحُضُورِ لِأَنَّ الشَّاهِدَ مُشَاهِدٌ لِمَا غَابَ عَنْ غَيْرِهِ
وَقَالَ فِي الْمُغْرِبِ الشَّهَادَةُ الْإِخْبَارُ بِصِحَّةِ الشَّيْءِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَعِيَانٍ وَيُقَالُ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ لِفُلَانٍ عَلَى فُلَانٍ بِكَذَا شَهَادَةً فَهُوَ شَاهِدٌ وَهُمْ شُهُودٌ وَأَشْهَادٌ وَهُوَ شَهِيدٌ وَهُمْ شُهَدَاءُ
[٢٢٩٥] قَوْلُهُ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ) الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ الْقَاضِي ثِقَةٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ أَبُو بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيِّ الْبُخَارِيِّ بِالنُّونِ وَالْجِيمِ الْمَدَنِيِّ الْقَاضِي اسْمُهُ وَكُنْيَتُهُ وَاحِدٌ وَقِيلَ إِنَّهُ يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ) الْأُمَوِيِّ يُلَقَّبُ بِالْمُطْرَفِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ ثِقَةٌ شَرِيفٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أَبِي عَمْرَةَ) وَفِي الرواية الاتية بن أَبِي عَمْرَةَ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَبُو عَمْرَةَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ صَوَابُهُ عَنِ بن أَبِي عَمْرَةَ وَاسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
وَقَالَ فِي تهذيب التهذيب أبو عمرة الأنصاري وقيل بن أَبِي عَمْرَةَ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ وَعَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَخْرَجَ الْجَمَاعَةُ سِوَى الْبُخَارِيَّ حَدِيثَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بكر بن حزم عن بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ فِي رِوَايَتِهِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ انْتَهَى
قَوْلُهُ (بِخَيْرِ الشُّهَدَاءِ) جَمْعُ شَاهِدٍ (الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ
стр. 3213
قَبْلَ أَنْ يُطْلَبَ منهُ الشَّهَادَةُ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْمُرَادِ بِهَذَا الْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ أَصَحُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا تَأْوِيلُ مَالِكٍ وَأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ لِإِنْسَانٍ بِحَقٍّ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ شَاهِدٌ فَيَأْتِي إِلَيْهِ فَيُخْبِرَهُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ
وَالثَّانِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى شَهَادَةِ الْحِسْبَةِ وَذَلِكَ فِي غَيْرِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمُخْتَصَّةِ بِهِمْ فَمِمَّا تُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ الْحِسْبَةِ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ وَالْوَقْفُ وَالْوَصَايَا الْعَامَّةُ وَالْحُدُودُ وَنَحْوُ ذَلِكَ
فَمَنْ عَلِمَ شَيْئًا مِنْ هَذَا النَّوْعِ وَجَبَ عَلَيْهِ رَفْعُهُ إِلَى الْقَاضِي وَإِعْلَامُهُ بِهِ وَالشَّهَادَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأُقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ وَكَذَا فِي النَّوْعِ الْأَوَّلِ يَلْزَمُ مَنْ عِنْدَهُ شهادة الانسان لا يعلمها أن يعلمه إياها لأنها أَمَانَةٌ لَهُ عِنْدَهُ
وَحَكَى تَأْوِيلًا ثَالِثًا أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَاتِ بَعْدَ طَلَبِهَا لَا قَبْلَهُ كَمَا يُقَالُ الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السؤال من غير توقف انتهى (وقال بن أَبِي عَمْرَةَ) أَيْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَبِي عمرة مكان أبي عمرة واسم بن أَبِي عَمْرَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وبن مَاجَهْ (وَأَكْثَرُ النَّاسِ يَقُولُونَ) فِي رِوَايَاتِهِمْ (عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عَمْرَةَ) أَيْ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ فِي رِوَايَتِهِ (وَاخْتَلَفُوا) أَيْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ (فَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ) كَمَعْنٍ (وروى بعضهم عن بن أَبِي عَمْرَةَ) كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى عِنْدَ مُسْلِمٍ (وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَنَا) أَيْ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ مالك بلفظ عن بن أَبِي عَمْرَةَ أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِلَفْظِ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ (لِأَنَّهُ) أَيْ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ (قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ هَذَا فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُؤَيِّدُ رِوَايَةَ مَنْ روى عن مالك بلفظ عن بن أَبِي عَمْرَةَ فَقَدْ رَوَى عَنْ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرَ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْ غَيْرَ حَدِيثِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ (وَأَبُو عَمْرَةَ هُوَ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجهني
стр. 3214
أَيْ أَبُو عَمْرَةَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ غَيْرَ حَدِيثِ الشَّهَادَةِ الْمَذْكُورِ هُوَ مَوْلَى زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ (وَلَهُ) أَيْ لِزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ (حَدِيثُ الْغُلُولِ) رَوَاهُ أحمد وأبو داود والنسائي وبن مَاجَهْ كُلُّهُمْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ عَنْ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ تُوُفِّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ النَّاسِ لِذَلِكَ فَقَالَ إِنَّ صَاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ فَوَجَدْنَا خَرَزًا مِنْ خَرَزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ (لِأَبِي عَمْرَةَ) أَيْ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ يَعْنِي أَنَّ حَدِيثَ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ هَذَا فِي الْغُلُولِ رَوَاهُ عَنْهُ مَوْلَاهُ أَبُو عَمْرَةَ
[٢٢٩٧] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ ادم بن بنت أَزْهَرَ السَّمَّانِ) الْبَصْرِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ صَدُوقٌ فِيهِ لِينٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (حَدَّثَنِي أُبَيُّ بْنُ عَبَّاسِ بْنِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ) الْأَنْصَارِيُّ السَّاعِدِيُّ فيه ضعف من السابعة ماله فِي الْبُخَارِيِّ غَيْرُ حَدِيثٍ وَاحِدٍ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (حَدَّثَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ) الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ثِقَةٌ فَقِيهٌ مِنَ الثَّالِثَةِ
قَوْلُهُ (هذا حديث حسن غريب) وأخرجه بن ماجة
[٢٢٩٨] قَوْلُهُ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيِّ) أَوِ بن أَبِي زِيَادٍ الْقُرَشِيِّ مَتْرُوكٌ مِنَ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (لَا تَجُوزُ) أَيْ لَا تَصِحُّ (شَهَادَةُ خَائِنٍ ولا خائنة) قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ أَيِ الْمَشْهُورُ بِالْخِيَانَةِ فِي أَمَانَاتِ الناس دون ما اؤتمن اللَّهُ عَلَيْهِ عِبَادَهُ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ كَذَا قَالَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ
قَالَ الْقَاضِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْأَعَمَّ مِنْهُ وهو الذي يخون فيما اؤتمن عَلَيْهِ سَوَاءٌ مَا ائْتَمَنَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ أَوِ النَّاسُ مِنَ الْأَمْوَالِ قَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم انْتَهَى
فَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ هُوَ الْفَاسِقُ وَهُوَ مَنْ فَعَلَ كَبِيرَةً أَوْ
стр. 3215
أَصَرَّ عَلَى الصَّغَائِرِ انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ فِي النَّيْلِ صَرَّحَ أَبُو عُبَيْدٍ بِأَنَّ الْخِيَانَةَ تَكُونُ فِي حُقُوقِ اللَّهِ كَمَا تَكُونُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ مِنْ دُونِ اخْتِصَاصٍ (وَلَا مجلود حدا) أي حد القذف
قال بن الْمَلَكِ هُوَ مَنْ جُلِدَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الْمَجْلُودَ فِيهِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ
وَقَالَ الْقَاضِي أَفْرَدَ الْمَجْلُودَ حَدًّا وَعَطَفَهُ عَلَيْهِ لِعِظَمِ جِنَايَتِهِ وَهُوَ يَتَنَاوَلُ الزَّانِي غَيْرَ الْمُحْصَنِ وَالْقَاذِفَ وَالشَّارِبَ قَالَ الْمُظْهِرُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا جُلِدَ قَاذِفٌ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَأَمَّا قَبْلَ الْجَلْدِ فَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ
وَقَالَ غَيْرُهُ الْقَذْفُ مِنْ جُمْلَةِ الْفُسُوقِ لَا يَتَعَلَّقُ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ بَلْ إِنْ تَابَ قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ سَوَاءٌ جُلِدَ أَوْ لَمْ يُجْلَدْ
وَإِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ سواء جلد أو لم يجلد
قلت قول مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَجْلُودَ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ هُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمَنْصُورُ كَمَا حَقَّقَهُ الحافظ بن القيم في أعلام الموقعين والحافظ بن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (وَلَا ذِي غِمْرٍ) بِكَسْرٍ فسكون أي حقد وعداوة (حنة) بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالنُّونِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْإِحْنَةُ بِالْكَسْرِ الْحِقْدُ وَالْغَضَبُ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْإِحْنَةُ الْعَدَاوَةُ وَيَجِيءُ حِنَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى قِلَّةٍ انْتَهَى
وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدَنَا لِأَخِيهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ
وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ وَغَيْرِهِ وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ (وَلَا مُجَرَّبِ شَهَادَةٍ) أَيْ فِي الْكَذِبِ (وَلَا الْقَانِعِ أَهْلَ الْبَيْتِ) أَيِ الَّذِي يَخْدُمُ أَهْلَ الْبَيْتِ كَالْأَجِيرِ وَغَيْرِهِ (لَهُمْ) أَيْ لِأَهْلِ الْبَيْتِ لِأَنَّهُ يَجُرُّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ لِأَنَّ مَا حَصَلَ مِنَ الْمَالِ لِلْمَشْهُودِ لَهُ يَعُودُ نَفْعُهُ إِلَى الشَّاهِدِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْ نَفَقَتِهِ وَلِذَلِكَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مَنْ جَرَّ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ إِلَى نَفْسِهِ كَالْوَالِدِ يَشْهَدُ لِوَلَدِهِ أَوِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ أَوِ الْغَرِيمِ يَشْهَدُ بِمَالٍ لِلْمُفْلِسِ عَلَى أَحَدٍ (وَلَا ظَنِينٍ) أَيْ مُتَّهَمٍ (فِي وَلَاءٍ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَمِي إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ (وَلَا قَرَابَةٍ) قَالَ القارىء فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ وَلَا ظَنِينَ فِي قَرَابَةٍ وَهُوَ الَّذِي يَنْتَسِبُ إِلَى غَيْرِ ذَوِيهِ وَإِنَّمَا رُدَّ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ يَنْفِي الْوُثُوقَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ
كَذَا قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشُّرَّاحِ
وَقَالَ الْمُظْهِرُ يَعْنِي مَنْ قَالَ أَنَا عَتِيقُ فُلَانٍ وَهُوَ كَاذِبٌ فِيهِ بِحَيْثُ يَتَّهِمُهُ النَّاسُ فِي قَوْلِهِ وَيُكَذِّبُونَهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِأَنَّهُ فَاسِقٌ لِأَنَّ قَطْعَ الْوَلَاءِ عَنِ الْمُعْتِقِ وَأَبْنَائِهِ لِمَنْ لَيْسَ بِمُعْتِقِهِ كَبِيرَةٌ وَرَاكِبُهَا فَاسِقٌ كَذَلِكَ الظَّنِينُ فِي الْقَرَابَةِ وَهُوَ الدَّاعِي الْقَائِلُ أَنَا بن فُلَانٍ أَوْ أَنَا أَخُو فُلَانٍ مِنَ النَّسَبِ وَالنَّاسُ يُكَذِّبُونَهُ فِيهِ انْتَهَى مَا فِي الْمِرْقَاةِ
стр. 3216
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وفيه ولاذي غِمْرٍ لِأَخِيهِ وَفِي سَنَدِهِ يَزِيدُ بْنُ زِيَادٍ الدِّمَشْقِيُّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ كَمَا عَرَفْتَ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ فِي الْعِلَلِ هُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَضَعَّفَهُ عبد الحق وبن حزم وبن الْجَوْزِيِّ
قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ بِلَفْظِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ ورد شهادة القانع لأهل البيت ورواه بن مَاجَهْ أَيْضًا
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَلَا ذِي الْحِنَّةِ
رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي الْبَابِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ الْأَعْلَى وَهُوَ ضَعِيفٌ شَيْخُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْفَارِسِيُّ وَهُوَ أَيْضًا ضَعِيفٌ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَا يَصِحُّ مِنْ هَذَا شَيْءٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَفِي الْبَابِ أَيْضًا عَنْ عُمَرَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ ظَنِينٍ وَلَا خَصْمٍ
أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مَوْقُوفًا وَهُوَ مُنْقَطِعٌ
قَوْلُهُ (وَلَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ) أَيْ مَعْنَى قَوْلِهِ وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ فَإِنَّهُ بِظَاهِرِهِ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ شَهَادَةُ قَرِيبٍ لِقَرِيبٍ لَهُ وَلَمْ يَقُلْ بِإِطْلَاقِهِ أَحَدٌ وَلَكِنْ إِذَا فُسِّرَ هَذَا بِمَا ذَكَرْنَا فَلَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَالْعَمَلُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي هَذَا أَنَّ شَهَادَةَ الْقَرِيبِ جَائِزَةٌ لِقَرَابَتِهِ) أَيْ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَا ظَنِينٍ فِي وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَلِذَلِكَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ (وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ إِلَخْ)
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ اخْتُلِفَ فِي شَهَادَةِ الْوَلَدِ لِوَالِدِهِ وَالْعَكْسِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَزَيْدُ بْنُ عَلِيٍّ وَالْمُؤَيَّدُ بِاللَّهِ وَالْإِمَامُ يَحْيَى وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَعَلَّلُوا بِالتُّهْمَةِ فَكَانَ كَالْقَانِعِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَشُرَيْحٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْعِتْرَةُ وَأَبُو ثور وبن الْمُنْذِرِ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ إِنَّهَا تُقْبَلُ لِعُمُومِ قوله تعالى ذوي عدل انْتَهَى
قُلْتُ وَالظَّاهِرُ عِنْدِي هُوَ قَوْلُ الْمَانِعِينَ والله تعالى
стр. 3217
أَعْلَمُ
(وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلِ عَلَى الْآخَرِ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا إِذَا كَانَ بَيْنَهُمَا عَدَاوَةٌ إِلَخْ) قِيلَ اعْتَمَدَ الشَّافِعِيُّ خَبَرًا صَحِيحًا وَهُوَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ خَصْمٍ عَلَى خَصْمٍ
قَالَ الْحَافِظُ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَكِنْ لَهُ طُرُقٌ يَتَقَوَّى بَعْضُهَا بِبَعْضٍ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بَعَثَ مُنَادِيًا أَنَّهَا لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصْمٍ وَلَا ظَنِينٍ
وَرَوَاهُ أَيْضًا الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ مُرْسَلًا أَنَّ رسول الله ﷺ قال لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ ذِي الظِّنَّةِ وَالْحِنَّةِ
يَعْنِي الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ رَوَاهُ الْحَاكِمُ مِنْ حديث العلاء عن أبيه عن أبي هريرة يرفعه مثله وفي إسناده نظر
[٢٣٠١] قَوْلُهُ (عَنْ الْجُرَيْرِيِّ) بِضَمِّ الْجِيمِ هُوَ سَعِيدُ بْنُ إِلْيَاسَ أَبُو مَسْعُودٍ الْبَصْرِيُّ ثِقَةٌ مِنْ الْخَامِسَةِ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثِ سِنِينَ (عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ) بْنِ الْحَارِثِ الثقفي ثِقَةٌ
مِنْ الثَّانِيَةِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ أَبِي بَكْرَةَ وَاسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِسِ بْنِ كَلَدَةَ بِفَتْحَتَيْنِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ وَقِيلَ اسْمُهُ مَسْرُوحٌ بِمُهْمَلَاتٍ أَسْلَمَ بِالطَّائِفِ ثُمَّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ
قَوْلُهُ (قَالَ الْإِشْرَاكُ بِاللَّهِ) هُوَ جَعْلُ أحد شريكا للآخر والمراد ها هنا اتِّخَاذُ إِلَهٍ غَيْرَ اللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ الْكُفْرَ وَاخْتَارَ لَفْظَ الْإِشْرَاكِ لِأَنَّهُ كَانَ غَالِبًا فِي الْعَرَبِ (وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ) أَيْ قَطْعُ صِلَتِهِمَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَقِّ وَهُوَ الشَّقُّ وَالْقَطْعُ وَالْمُرَادُ عُقُوقُ أَحَدِهِمَا قِيلَ هُوَ إِيذَاءٌ لَا يُتَحَمَّلُ مِثْلُهُ مِنَ الْوَلَدِ عَادَةً وَقِيلَ عُقُوقُهُمَا مُخَالَفَةُ أَمْرِهِمَا فِيمَا لَمْ يَكُنْ مَعْصِيَةً وفِي مَعْنَاهُمَا الْأَجْدَادُ وَالْجَدَّاتُ ثُمَّ اقْتِرَانُهُ بِالْإِشْرَاكِ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُنَاسَبَةِ إِذْ فِي كُلِّ قَطْعِ حُقُوقٍ السَّبَبُ فِي الْإِيجَادِ وَالْإِمْدَادِ إِنْ كَانَ ذَلِكَ لِلَّهِ حَقِيقَةً وَلِلْوَالِدَيْنِ صُورَةً وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَقَوْلُهُ أَنْ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْك (وَشَهَادَةُ الزُّورِ) أَيْ الْكَذِبِ وَسُمِّيَ زُورًا
стр. 3218
لِمَيَلَانِهِ عَنْ جِهَةِ الْحَقِّ (وَقَوْلُ الزُّورِ) شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي (حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) أَيْ شَفَقَةً وَكَرَاهِيَةً لِمَا يُزْعِجُهُ
وَفِيهِ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَدَبِ مَعَهُ ﷺ وَالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِ وَتَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ مِنْ أَبْوَابِ الْبِرِّ وَالصِّلَةِ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٢٩٩] قَوْلُهُ (عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ الْأَسَدِيِّ) وَيُقَالُ بن دِينَارٍ الْعُصْفُرِيُّ وَيُكَنَّى أَبَا الْوَرْقَاءِ الْأَحْمَرِيَّ أَوِ الْأَسَدِيَّ كُوفِيٌّ ثِقَةٌ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ فَاتِكِ بن فضالة) بن شريك الأسدي الكفي مَجْهُولُ الْحَالِ مِنَ السَّادِسَةِ (عَنْ أَيْمَنَ بْنِ خزيم) بالمعجمة ثم الراء مصغرا بن الْأَخْرَمِ الْأَسَدِيِّ هُوَ أَبُو عَطِيَّةَ الشَّامِيِّ الشَّاعِرِ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ قَالَ الْعِجْلِيُّ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَهَادَةِ الزُّورِ وَعَنْ أَبِيهِ وَعَمِّهِ وَعَنْهُ فَاتِكُ بْنُ فُضَالَةَ
[٢٣٠٠] قَوْلُهُ (عَدَلَتْ شَهَادَةُ الزُّورِ إِشْرَاكًا بِاللَّهِ) أَيْ جُعِلَتِ الشَّهَادَةُ الْكَاذِبَةُ مُمَاثِلَةً لِلْإِشْرَاكِ بِاللَّهِ فِي الإثم لأن الشرك كذب على الله لما لَا يَجُوزُ وَشَهَادَةُ الزُّورِ كَذِبٌ عَلَى الْعَبْدِ لَا يَجُوزُ وَكِلَاهُمَا غَيْرُ وَاقِعٍ فِي الْوَاقِعِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَالزُّورُ مِنَ الزَّوْرِ وَالِازْوِرَارِ وَهُوَ الانحارف وإنما ساوى قول الزور بالشرك لِأَنَّ الشِّرْكَ مِنْ بَابِ الزُّورِ فَإِنَّ الْمُشْرِكَ زعم أن الوثن يحق للعبادة (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ اسْتِشْهَادًا وَاعْتِضَادًا (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ من الأوثان) مِنْ بَيَانِيَّةٌ أَيِ النَّجَسَ الَّذِي هُوَ الْأَصْنَامُ (واجتنبوا قول الزور) أَيْ قَوْلَ الْكَذِبِ الشَّامِلِ لِشَهَادَةِ الزُّورِ قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِي التَّنْزِيلِ عُطِفَ قَوْلُ الزُّورِ عَلَى عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَكُرِّرَ الْفِعْلُ اسْتِقْلَالًا فِيمَا هُوَ مُجْتَنَبٌ عَنْهُ فِي كَوْنِهِمَا مِنْ وَادِي الرِّجْسِ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يُجْتَنَبَ عَنْهُ وَكَأَنَّهُ قَالَ فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رؤوس الرِّجْسِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ كُلِّهِ وَلَا تَقْرَبُوا شَيْئًا مِنْهُ لِتَمَادِيهِ فِي الْقُبْحِ وَالسَّمَاجَةِ وَمَا ظَنُّكَ بِشَيْءٍ مِنْ قَبِيلِ عِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَسُمِّيَ الْأَوْثَانُ رِجْسًا عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ يَعْنِي إِنَّكُمْ كَمَا تَنْفِرُونَ بِطِبَاعِكُمْ عَنِ الرِّجْسِ وَتَجْتَنِبُونَهُ فَعَلَيْكُمْ أَنْ تَنْفِرُوا مِنْ شَبِيهِ الرِّجْسِ مِثْلَ تِلْكَ النفرة
стр. 3219
قَوْلُهُ (وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا مَا لَفْظُهُ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ النعمان عن خريم بن فاتك واستصوبه بن مَعِينٍ وَقَالَ إِنَّ مَرْوَانَ بْنَ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَقُمْ إِسْنَادُهُ انْتَهَى وَحَدِيثُ أَيْمَنَ بْنِ خُرَيْمٍ هَذَا فِي سَنَدِهِ فَاتِكُ بْنُ فَضَالَةَ وَهُوَ مجهول كما عرفت وأخرجه أيضا أحمدج وأخرجه أبو داود وبن مَاجَهْ عَنْ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ قَالَ فِي التَّقْرِيبِ خُرَيْمٌ بِالتَّصْغِيرِ بْنُ فَاتِكٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو يَحْيَى وَهُوَ خُرَيْمُ بْنُ الْأَخْرَمِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ فَاتِكٍ نُسِبَ لِجَدِّ جَدِّهِ صَحَابِيٌّ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا مَاتَ فِي الرِّقَّةِ فِي خلافة معاوية
باب [٢٣٠٢] قَوْلُهُ (عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ) النَّخَعِيِّ أَبِي مُدْرِكٍ الْكُوفِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الرَّابِعَةِ قَوْلُهُ
(خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي) أَيِ الَّذِينَ أَدْرَكُونِي وَآمَنُوا بِي وَهُمْ أَصْحَابِي (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أي يَقْرَبُونَهُمْ فِي الرُّتْبَةِ أَوْ يَتَّبِعُونَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِيقَانِ وَهُمُ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) وَهُمْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ
وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّحَابَةَ وَالتَّابِعِينَ وَتَبِعَهُمْ هَؤُلَاءِ الْقُرُونُ الثَّلَاثَةُ الْمُرَتَّبَةُ فِي الْفَضِيلَةِ
فَفِي النِّهَايَةِ الْقَرْنُ أَهْلُ كُلِّ زَمَانٍ وَهُوَ مِقْدَارُ التَّوَسُّطِ فِي أَعْمَارِ أَهْلِ كُلِّ زَمَانٍ مَأْخُوذٌ مِنَ الِاقْتِرَانِ فَكَأَنَّهُ الْمِقْدَارُ الَّذِي يَقْتَرِنُ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الزَّمَانِ فِي أَعْمَارِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَقِيلَ الْقَرْنُ أَرْبَعُونَ سَنَةً وَقِيلَ ثَمَانُونَ وَقِيلَ مِائَةٌ وَقِيلَ هُوَ مُطْلَقٌ مِنَ الزَّمَانِ وَهُوَ مَصْدَرُ قَرَنَ يَقْرِنُ
قَالَ السُّيُوطِيُّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ بِمُدَّةٍ فَقَرْنُهُ ﷺ هُمُ الصَّحَابَةُ وَكَانَتْ مُدَّتُهُمْ مِنَ الْمَبْعَثِ إِلَى آخِرِ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً
وَقَرْنُ التَّابِعِينَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ إِلَى نَحْوِ سَبْعِينَ وَقَرْنُ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ مِنْ ثَمَّ إِلَى نَحْوِ الْعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ وَفِي هَذَا الْوَقْتِ ظَهَرَتِ الْبِدَعُ ظُهُورًا فَاشِيًّا وَأَطْلَقَتِ الْمُعْتَزِلَةُ أَلْسِنَتَهَا وَرَفَعَتِ الفلاسفة رؤوسها وَامْتُحِنَ أَهْلُ الْعِلْمِ لِيَقُولُوا بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَتَغَيَّرَتِ الْأَحْوَالُ تَغَيُّرًا شَدِيدًا وَلَمْ يَزَلِ الْأَمْرُ فِي نَقْصٍ إِلَى الْآنَ وَظَهَرَ مِصْدَاقُ قَوْلِهِ ﷺ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ (ثُمَّ الذين
стр. 3220
يَلُونَهُمْ ثَلَاثًا) كَذَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَلَيْسَ هَذَا فِي بَعْضِهَا
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ خَيْرُ أُمَّتِي قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ
قَالَ عِمْرَانُ فَلَا أَدْرِي أَذَكَرَ بَعْدَ قَرْنِهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا
قَالَ الْحَافِظُ وَقَعَ مِثْلُ هَذَا الشَّكِّ فِي حديث بن مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَجَاءَ فِي أَكْثَرِ الطُّرُقِ بِغَيْرِ شَكٍّ مِنْهَا عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ عند أحمد وعن مالك عند المسلم عَنْ عَائِشَةَ قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ قَالَ الْقَرْنُ الَّذِي أَنَا فِيهِ ثُمَّ الثَّانِي ثُمَّ الثَّالِثُ
وَوَقَعَ فِي حديث جعدة بن هبيرة عند بن أَبِي شَيْبَةَ وَالطَّبَرَانِيِّ إِثْبَاتُ الْقَرْنِ الرَّابِعِ وَلَفْظُهُ خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْآخَرُونَ أراد
وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إِلَّا أَنَّ جَعْدَةَ مُخْتَلَفٌ فِي صُحْبَتِهِ انْتَهَى (يَتَسَمَّنُونَ) أَيْ يَتَكَبَّرُونَ بِمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَيَدَّعُونَ مَا لَيْسَ لَهُمْ مِنَ الشَّرَفِ
وَقِيلَ أَرَادَ جَمْعَهُمُ الْأَمْوَالَ وَقِيلَ يُحِبُّونَ التَّوَسُّعَ فِي الْمَآكِلِ وَالْمَشَارِبِ وَهِيَ أَسْبَابُ السِّمَنِ
وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ كَنَّى بِهِ عَنِ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الدِّينِ فَإِنَّ الْغَالِبَ عَلَى ذَوِي السَّمَانَةِ أَنْ لَا يَهْتَمُّوا بِارْتِيَاضِ النُّفُوسِ بَلْ مُعْظَمُ هِمَّتِهِمْ تَنَاوُلُ الْحُظُوظِ وَالتَّفَرُّغُ لِلدَّعَةِ وَالنَّوْمِ
وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالُوا الْمَذْمُومُ مِنَ السِّمَنِ مَا يُسْتَكْسَبُ وَأَمَّا مَا هُوَ خِلْقَةٌ فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا انْتَهَى (وَيُحِبُّونَ السِّمَنَ) بِكَسْرِ السِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَصْدَرُ سَمِنَ بِالْكَسْرِ وَالضَّمِّ سَمَانَةً بِالْفَتْحِ وَسِمَنًا كَعِنَبٍ فَهُوَ سَامِنٌ وَسَمِينٌ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) أَصْلُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (وَأَصْحَابُ الْأَعْمَشِ) يَعْنِي غَيْرَ مُحَمَّدِ بْنِ فَضِيلٍ (إِنَّمَا رَوَوْا عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ) يَعْنِي بِغَيْرِ ذِكْرِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ
قَوْلُهُ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فَضِيلٍ) أَيْ حَدِيثِ وَكِيعٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ بِغَيْرِ ذِكْرِ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُدْرِكٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يسَافٍ لِأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِذِكْرِهِ
وَقَدْ رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ مِثْلَ رِوَايَةِ وَكِيعٍ
قَوْلُهُ (وَبَيَانُ هَذَا فِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَخْ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ
стр. 3221
لُزُومِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَبْوَابِ الْفِتَنِ (هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ الرَّجُلُ عَلَى الشَّيْءِ أَنْ يُؤَدِّيَ شَهَادَتَهُ وَلَا يَمْتَنِعَ مِنَ الشَّهَادَةِ هَكَذَا وُجِّهَ الْحَدِيثُ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ) ذَكَرَ النَّوَوِيُّ ثَلَاثَةَ وُجُوهٍ مِنَ التَّأْوِيلِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَمَا عَرَفْتَهَا
وَذَكَرَ التَّأْوِيلَ الثَّالِثَ بِقَوْلِهِ إِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَجَازِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي أَدَاءِ الشَّهَادَةِ بَعْدَ طلبها لاقبله كَمَا يُقَالُ الْجَوَادُ يُعْطِي قَبْلَ السُّؤَالِ أَيْ يُعْطِي سَرِيعًا عَقِبَ السُّؤَالِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ انْتَهَى
وَإِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ أَشَارَ التِّرْمِذِيُّ بِقَوْلِهِ هُوَ إِذَا اسْتُشْهِدَ إِلَخْ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
стр. 3222
٣٤ - أبواب الزهد
هو ضد الرغبة قال الْقَامُوسِ زَهِدَ فِيهِ كَمَنَعَ وَسَمِعَ وَكَرُمَ زُهْدًا وَزَهَادَةً ضِدُّ الرَّغْبَةِ انْتَهَى
وَالْمُرَادُ هُنَا تَرْكُ الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ الْكِتَابُ والسنة
[٢٣٠٤] قوله (نعمتان) مبتدأ (مغبون فيهما كثيرون من الناس) صفة له خَبَرُهُ (الصِّحَّةُ وَالْفَرَاغُ) أَيْ صِحَّةُ الْبَدَنِ وَفَرَاغُ الْخَاطِرِ بِحُصُولِ الْأَمْنِ وَوُصُولِ كِفَايَةِ الْأَمْنِيَّةِ
وَالْمَعْنَى لَا يَعْرِفُ قَدْرَ هَاتَيْنِ النِّعْمَتَيْنِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ حَيْثُ لَا يَكْسِبُونَ فِيهِمَا مِنَ الْأَعْمَالِ كِفَايَةَ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ فِي مَعَادِهِمْ فَيَنْدَمُونَ عَلَى تَضْيِيعِ أَعْمَارِهِمْ عِنْدَ زَوَالِهَا وَلَا يَنْفَعُهُمُ الندم قال تعالى ذلك يوم التغابن وَقَالَ ﷺ لَيْسَ يَتَحَسَّرُ أَهْلُ الْجَنَّةِ إِلَّا عَلَى سَاعَةٍ مَرَّتْ بِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهَا وَفِي حَاشِيَةِ السُّيُوطِيِّ ﵀ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَتَفَرَّغُ لِلطَّاعَةِ إِلَّا إِذَا كَانَ مَكْفِيًّا صَحِيحَ الْبَدَنِ فَقَدْ يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا وَقَدْ يَكُونُ صَحِيحًا وَلَا يَكُونُ مُسْتَغْنِيًا فَلَا يَكُونُ مُتَفَرِّغًا لِلْعِلْمِ وَالْعَمَلِ لِشَغْلِهِ بِالْكَسْبِ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ الْأَمْرَانِ وَكَسِلَ عَنِ الطَّاعَةِ فَهُوَ الْمَغْبُونُ أَيِ الْخَاسِرُ فِي التِّجَارَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْغَبْنِ فِي الْبَيْعِ
قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ) هُوَ بُنْدَارٌ (أخبرنا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ) هُوَ الْقَطَّانُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ ثُمَّ قَالَ قَالَ بُنْدَارٌ بِمَا حَدَّثَ بِهِ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ وَلَمْ يَرْفَعْهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ
стр. 3223
قَوْلُهُ (وفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ) لِيُنْظَرْ مَنْ أَخْرَجَهُ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وبن ماجة
[٢٣٠٥] قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ هِلَالٍ الصَّوَّافُ) أَبُو مُحَمَّدٍ النُّمَيْرِيُّ بِضَمِّ النُّونِ ثِقَةٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ أَبِي طَارِقٍ) السَّعْدِيِّ الْبَصْرِيِّ مَجْهُولٌ مِنَ السَّابِعَةِ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ فِي تَرْجَمَتِهِ رَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثَ مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَعَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ الضُّبَعِيُّ انْتَهَى
وَقَالَ فِي الْمِيزَانِ لَا يُعْرَفُ (عَنِ الْحَسَنِ) هُوَ الْبَصْرِيُّ
قَوْلُهُ (مَنْ يَأْخُذُ عَنِّي هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ) أَيِ الْأَحْكَامَ الْآتِيَةَ لِلسَّامِعِ الْمُصَوَّرَةَ فِي ذِهْنِ الْمُتَكَلِّمِ وَمَنْ لِلِاسْتِفْهَامِ (فَيَعْمَلُ بِهِنَّ أَوْ يُعَلِّمُ مَنْ يَعْمَلُ بِهِنَّ) أَوْ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى عُذْرًا أَوْ نذرا ذكره الطيبي
قال القارىء وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَوْ فِي الْآيَةِ لِلتَّنْوِيعِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ بِقَوْلِهِ عُذْرٌ لِلْمُحَقِّقِينَ أَوْ نَذْرٌ لِلْمُبْطِلِينَ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ أَوْ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى بَلْ إِشَارَةً إِلَى التَّرَقِّي مِنْ مَرْتَبَةِ الْكَمَالِ إِلَى مِنَصَّةِ التَّكْمِيلِ عَلَى أَنَّ كَوْنَهَا لِلتَّنْوِيعِ لَهُ وَجْهٌ وَجِيهٌ وَتَنْبِيهٌ نَبِيهٌ عَلَى أَنَّ الْعَاجِزَ عَنْ حَمْلِهِ قَدْ يَكُونُ بَاعِثًا لِغَيْرِهِ عَلَى مِثْلِهِ كَقَوْلِهِ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ انْتَهَى (قُلْتُ أَنَا) أَيِ آخُذُ عَنْكَ وَهَذِهِ مُبَايَعَةٌ خَاصَّةٌ وَنَظِيرُهُ مَا عَهِدَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْأَلُ مَخْلُوقًا
وَكَانَ إِذَا وَقَعَ سَوْطُهُ مِنْ يَدِهِ وَهُوَ رَاكِبٌ نَزَلَ وَأَخَذَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَعِينَ بِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (فَأَخَذَ بِيَدِي) أَيْ لِعَدِّ الْكَلِمَاتِ الْخَمْسِ أَوْ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَأْخُذُ عِنْدَ التَّعْلِيمِ بِيَدِ مَنْ يُعَلِّمُهُ (فَعَدَّ خَمْسًا) أَيْ مِنَ الْخَصَائِلِ أَوْ مِنَ الْأَصَابِعِ عَلَى مَا هُوَ الْمُتَعَارَفُ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ (وَقَالَ اتَّقِ الْمَحَارِمَ) أَيِ احْذَرِ الْوُقُوعَ فِيمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْكَ (تَكُنْ أَعْبَدَ النَّاسِ) أَيْ مِنْ أَعْبَدْهُمْ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِ الْمَحَارِمِ فِعْلُ الْفَرَائِضِ
(وَارْضَ بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَكَ) أَيْ أَعْطَاكَ (تَكُنْ أَغْنَى النَّاسِ) فَإِنَّ مَنْ قَنَعَ بِمَا قُسِمَ لَهُ وَلَمْ
стр. 3224
يَطْمَعْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ اسْتَغْنَى عَنْهُمْ لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النفس
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ سَأَلَ شَخْصٌ السَّيِّدَ أَبَا الْحَسَنِ الشَّاذُلِيَّ ﵀ عَنِ الْكِيمْاءِ فَقَالَ هِيَ كَلِمَتَانِ اطْرَحِ الْخَلْقَ عَنْ نَظَرِكَ
وَاقْطَعْ طَمَعَكَ عَنِ اللَّهِ أَنْ يُعْطِيَكَ غَيْرَ مَا قَسَمَ لَكَ (وَأَحْسِنْ إِلَى جَارِكَ) أَيْ مُجَاوِرِكَ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ (تَكُنْ مُؤْمِنًا) أَيْ كَامِلَ الْإِيمَانِ (وَأَحِبَّ لِلنَّاسِ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ) مِنَ الْخَيْرِ (تَكُنْ مُسْلِمًا) أَيْ كَامِلَ الْإِسْلَامِ (وَلَا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فَإِنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُمِيتُ الْقَلْبَ) أَيْ تُصَيِّرُهُ مَغْمُورًا فِي الظُّلُمَاتِ بِمَنْزِلَةِ الْمَيِّتِ الَّذِي لَا يَنْفَعُ نَفْسَهُ بِنَافِعَةٍ وَلَا يَدْفَعُ عَنْهَا مَكْرُوهًا وَذَا مِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ (هَذَا حَدِيثُ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ بنحوه في كتاب الزهد عن مكحول من وَاثِلَةَ عَنْهُ وَقَدْ سَمِعَ مَكْحُولٌ مِنْ وَاثِلَةَ قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ لَكِنَّ بَقِيَّةَ إِسْنَادِهِ فِيهِ ضَعْفٌ
(بَاب مَا جَاءَ فِي الْمُبَادَرَةِ بِالْعَمَلِ)
[٢٣٠٦] قَوْلُهُ (عَنْ مُحْرِزِ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالزَّايِ (بْنِ هَارُونَ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ
قَالَ فِي الْخُلَاصَةِ مُحْرِزُ بن هارون كذا ضبطه عبد الغني وبن أَبِي حَاتِمٍ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ بِمُهْمَلَتَيْنِ انْتَهَى
وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ مُحَرَّرُ بْنُ هَارُونَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَرَّرِ بْنِ الْهَدِيرِ التَّيْمِيُّ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَنِ اسْمُهُ مُحَرَّرٌ بِرَاءَيْنِ
وذكره بن أَبِي حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ فِي مَنِ اسْمُهُ مُحْرِزٌ بِالزَّايِ
رَوَى عَنِ الْأَعْرَجِ وَغَيْرِهِ وَعَنْهُ أَبُو مُصْعَبٍ وَغَيْرُهُ
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
وقال بن حِبَّانَ يَرْوِي عَنِ الْأَعْرَجِ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عَنْهُ وَلَا الِاحْتِجَاجُ
стр. 3225
بِهِ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
وَقَالَ فِي التَّقْرِيبِ مُحَرَّرٌ بِرَاءَيْنِ وَزْنُ مُحَمَّدٍ عَلَى الصَّحِيحِ مَتْرُوكٌ مِنَ السَّابِعَةِ
قَوْلُهُ (قَالَ بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ سَبْعًا) أَيْ سَابِقُوا وُقُوعَ الْفِتَنِ بِالِاشْتِغَالِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَاهْتَمُّوا بِهَا قَبْلَ حُلُولِهَا (هَلْ تَنْظُرُونَ إِلَّا إِلَى فَقْرٍ مُنْسٍ) وَفِي الْمِشْكَاةِ مَا يَنْتَظِرُ أَحَدُكُمْ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا أَوْ فَقْرًا مُنْسِيًا إِلَخْ قال القارىء خَرَجَ مَخْرَجَ التَّوْبِيخِ عَلَى تَقْصِيرِ الْمُكَلَّفِينَ فِي أَمْرِ دِينِهِمْ أَيْ مَتَى تَعْبُدُونَ رَبَّكُمْ فَإِنَّكُمْ إِنْ لَمْ تَعْبُدُوهُ مَعَ قِلَّةِ الشَّوَاغِلِ وَقُوَّةِ الْبَدَنِ فَكَيْفَ تَعْبُدُونَ مَعَ كَثْرَةِ الشَّوَاغِلِ وَضَعْفِ الْقُوَى لَعَلَّ أَحَدَكُمْ مَا يَنْتَظِرُ إِلَّا غِنًى مُطْغِيًا انْتَهَى
وَقَوْلُهُ مُنْسٍ مِنْ بَابِ الْإِفْعَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَلَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِمُشَاكَلَةِ الْأَوْلَى أَيْ جَاعِلٌ صَاحِبَهُ مَدْهُوشًا يُنْسِيهِ الطَّاعَةَ مِنَ الْجُوعِ وَالْعُرْيِ وَالتَّرَدُّدِ فِي طَلَبِ الْقُوتِ (أَوْ غِنًى مُطْغٍ) أَيْ مُوقِعٍ فِي الطُّغْيَانِ (أَوْ مَرَضٍ مُفْسِدٍ) أَيْ لِلْبَدَنِ لِشِدَّتِهِ أَوْ لِلدِّينِ لِأَجْلِ الْكَسَلِ الْحَاصِلِ بِهِ (أَوْ هَرَمٍ مُفْنِدٍ) أَيْ مُوقِعٍ فِي الْكَلَامِ الْمُحَرَّفِ عَنْ سُنَنِ الصِّحَّةِ مِنَ الْخَرِفِ والهذيان
وقال في القاموس الفند بالتحريك الخزف وإنكار العقل الهرم أَوْ مَرَضٍ وَالْخَطَأُ فِي الْقَوْلِ وَالرَّأْيِ
وَالْكَذِبُ كَالْإِفْنَادِ وَفَنَّدَهُ تَفْنِيدًا كَذَّبَهُ وَعَجَّزَهُ وَخَطَّأَ رَأْيَهُ كَأَفْنَدَهُ
وَلَا تَقُلْ عَجُوزٌ مُفَنَّدَةٌ لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ ذَاتَ رَأْيٍ أَبَدًا (أَوْ مَوْتٍ مُجْهِزٍ) بِجِيمٍ وَزَايٍ مِنَ الْإِجْهَازِ أَيْ قَاتِلٍ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْدِرَ عَلَى تَوْبَةٍ وَوَصِيَّةٍ
فَفِي النِّهَايَةِ الْمُجْهِزُ هُوَ السَّرِيعُ يُقَالُ أَجْهَزَ عَلَى الْجَرِيحِ إِذَا أَسْرَعَ قَتْلَهُ أَوِ الدَّجَّالِ أَيْ خُرُوجِهِ فَشَرٌّ غَائِبٌ يُنْتَظَرُ بِصِيغَةٍ الْمَجْهُولِ أَوِ السَّاعَةِ أَيِ الْقِيَامَةِ (فَالسَّاعَةُ أَدْهَى) أَيْ أَشَدُّ الدَّوَاهِي وَأَقْطَعُهَا وَأَصْعَبُهَا (وَأَمَرُّ) أَيْ أَكْثَرُ مَرَارَةً مِنْ جَمِيعِ مَا يُكَابِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي الدُّنْيَا مِنَ الشَّدَائِدِ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ أَمْرِهَا وَلَمْ يَعُدَّ لَهَا قَبْلَ حُلُولِهَا
وَالْقَصْدُ الْحَثُّ عَلَى الْبِدَارِ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ قَبْلَ حُلُولِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَأُخِذَ مِنْهُ نَدْبُ تَعْجِيلِ الْحَجِّ
قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ قَالَ الْمُنَاوِيُّ وَأَقَرُّوهُ انْتَهَى قُلْتُ فِي سَنَدِ التِّرْمِذِيِّ مُحْرِزُ بْنُ هَارُونَ وَقَدْ عَرَفْتَ حَالَهُ
следующие страницы →