← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 21662

تحفة الأحوذي

عبد الرحمن المباركفوري

Полный текст (4 874 стр.). Показаны 4131–4170 · переход к 4136.

стр. 4131

مَوْصُوفَةً بِذَلِكَ لِأَنَّ بَعْضَهَا تُثَنِّي بَعْضًا وَبَعْضُهَا يَتْلُو بَعْضًا بِفُصُولٍ تَفْصِلُ بَيْنَهَا فَيُعْرَفُ انْقِضَاءُ الْآيَةِ وَابْتِدَاءُ الَّتِي تَلِيهَا كَمَا وَصَفَهَا بِهِ اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يخشون ربهم وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا كَمَا قَالَ بن عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ إِنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا قِيلَ لَهُ مَثَانِيَ لِأَنَّ الْقَصَصَ وَالْأَخْبَارَ كُرِّرَتْ فِيهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ) هُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ (حَدِيثُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَطْوَلُ وَأَتَمُّ) حَدِيثُ عبد العزيز بل مُحَمَّدٍ هَذَا تَقَدَّمَ بِطُولِهِ وَتَمَامُهُ فِي بَابِ فَضْلِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ (وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الْعَلَاءِ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رُوحِ بْنِ الْقَاسِمِ وَأَحْمَدُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرحمن بن إبراهيم وبن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ حَفْصِ بْنِ مَيْسَرَةَ كُلُّهُمْ عَنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ خَرَجَ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَبِي بْنِ كَعْبٍ فذكر الحديث وأخرجه الترمذي وبن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ كِلَاهُمَا عَنِ الْعَلَاءِ مِثْلُهُ لَكِنْ قَالَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ مُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَادَى أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَهُوَ مِمَّا يُقَوِّي مَا رَجَّحَهُ الترمذي انْتَهَى قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) هُوَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ ﵀ (أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بن أَبِي الطَّيِّبِ) الْبَغْدَادِيُّ أَبُو سُلَيْمَانَ الْمَعْرُوفُ بِالْمَرْوَزِيِّ صَدُوقٌ حَافِظٌ لَهُ أَغْلَاطٌ ضَعَّفَهُ بِسَبَبِهَا أَبُو حَاتِمٍ وماله فِي الْبُخَارِيِّ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ مُتَابَعَةً وَهُوَ مِنَ الْعَاشِرَةِ (أَخْبَرَنَا مُصْعَبُ بْنُ سَلَّامٍ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ التَّمِيمِيُّ الْكُوفِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ صَدُوقٌ لَهُ أَوْهَامٌ مِنَ الثَّامِنَةِ (عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ) الملائي الكوفي (عن عطية) هو بن سعد العوفي

стр. 4132

قوله (اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنَ) الْفِرَاسَةُ بِالْكَسْرِ اسْمٌ مِنْ قَوْلِك تَفَرَّسْتُ فِي فُلَانٍ الْخَيْرَ وَهِيَ على نوعين أحدهما ما دل عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَهُوَ مَا يُوقِعُهُ اللَّهُ فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ فَيَعْلَمُونَ بِذَلِكَ أَحْوَالَ النَّاسِ بِنَوْعٍ مِنَ الْكَرَامَاتِ وَإِصَابَةِ الْحَدْسِ وَالنَّظَرِ وَالظَّنِّ وَالتَّثَبُّتِ وَالنَّوْعُ الثَّانِي مَا يَحْصُلُ بِدَلَائِلِ التَّجَارِبِ وَالْخُلُقِ وَالْأَخْلَاقِ تُعْرَفُ بِذَلِكَ أَحْوَالُ النَّاسِ أَيْضًا وَلِلنَّاسِ فِي عِلْمِ الْفِرَاسَةِ تَصَانِيفُ قَدِيمَةٌ وَحَدِيثَةٌ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْخَازِنِ وَقَالَ الْمَنَاوِيُّ اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنَ أَيِ اطِّلَاعَهُ عَلَى مَا فِي الضَّمَائِرِ بِسَوَاطِعِ أَنْوَارٍ أَشْرَقَتْ عَلَى قَلْبِهِ فَتَجَلَّتْ لَهُ بِهَا الْحَقَائِقُ (فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ) أَيْ يُبْصِرُ بِعَيْنِ قَلْبِهِ الْمَشْرِقِ بِنُورِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَصْلُ الْفِرَاسَةِ أَنَّ بَصَرَ الرُّوحِ مُتَّصِلٌ بِبَصَرِ الْعَقْلِ فِي عَيْنَيِ الْإِنْسَانِ فَالْعَيْنُ جَارِحَةٌ وَالْبَصَرُ مِنَ الرُّوحِ وَإِدْرَاكُ الْأَشْيَاءِ مِنْ بَيْنِهِمَا فَإِذَا تَفَرَّغَ الْعَقْلُ وَالرُّوحُ مِنْ أَشْغَالِ النَّفْسِ أَبْصَرَ الرُّوحُ وَأَدْرَكَ الْعَقْلُ مَا أَبْصَرَ الرُّوحُ وإنما عجز العامة عن هذا الشغل أَرْوَاحِهِمْ بِالنُّفُوسِ وَاشْتِبَاكِ الشَّهَوَاتِ بِهَا فَشُغِلَ بَصَرُ الرُّوحِ عَنْ دَرْكِ الْأَشْيَاءِ الْبَاطِنَةِ وَمَنْ أَكَبَّ عَلَى شَهَوَاتِهِ وَتَشَاغَلَ عَنِ الْعُبُودِيَّةِ حَتَّى خَلَّطَ عَلَى نَفْسِهِ الْأُمُورَ وَتَرَاكَمَتْ عَلَيْهِ الظُّلُمَاتُ كَيْفَ يُبْصِرُ شَيْئًا غَابَ عَنْهُ (ثُمَّ قَرَأَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِنَّ فِي ذلك لايات للمتوسمين) قال بن عَبَّاسٍ لِلنَّاظِرِينَ وَقَالَ قَتَادَةُ لِلْمُعْتَبَرِينَ وَقَالَ مُقَاتِلٌ لِلْمُتَفَكِّرِينَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لِلْمُتَفَرِّسِينَ قال الْخَازِنُ وَيُعَضِّدُ هذا للتأويل مَا رُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قال اتقوا فراسة المؤمن إِلَخْ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التاريخ وبن جرير وبن أبي حاتم وبن السني وأبو نعيم وبن مردويه والخطيب وأخرجه الحكيم الترمذي والطبراني وبن عدي عن أبي أمامة وأخرجه بن جرير في تفسيره عن بن عمر وأخرجه أيضا بن جرير عن ثوبان وأخرجه أيضا بن جَرِيرٍ وَالْبَزَّارُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ إِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا يَعْرِفُونَ النَّاسَ بِالتَّوَسُّمِ قَوْلُهُ (وَقَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ هذه الاية الخ) روى بن جرير في تفسيره بإسناده عَنْ مُجَاهِدٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ قَالَ لِلْمُتَفَرِّسِينَ انْتَهَى وَأَصْلُ التَّوَسُّمِ

стр. 4133

التَّثَبُّتُ وَالتَّفَكُّرُ تَفَعُّلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الْوَسْمِ وَهُوَ التَّأْثِيرُ بِحَدِيدَةٍ فِي جِلْدِ الْبَعِيرِ أَوِ الْبَقَرِ وقيل أصله الاستقصاء التعرف يُقَالُ تَوَسَّمْتَ أَيْ تَعَرَّفْتَ مُسْتَقْصِيًا وُجُوهَ التَّعَرُّفِ وَقِيلَ هُوَ مِنَ الْوَسْمِ بِمَعْنَى الْعَلَامَةِ وَلِأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ فِي الْفِرَاسَةِ أَخْبَارٌ وَحِكَايَاتٌ مَعْرُوفَةٌ فَمِنْهَا مَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي تَوَالِي التَّأْسِيسِ قَالَ السَّاجِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيُّ حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ قَالَ خَرَجْتَ أَنَا وَالشَّافِعِيُّ مِنْ مَكَّةَ فَلَقِينَا رَجُلًا بِالْأَبْطَحِ فَقُلْتَ لِلشَّافِعِيِّ ازْكَنْ مَا لِلرَّجُلِ فَقَالَ نَجَّارٌ أَوْ خَيَّاطٌ قَالَ فَلَحِقْتُهُ فَقَالَ كُنْتُ نَجَّارًا وَأَنَا خَيَّاطٌ وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ قُتَيْبَةَ قَالَ رَأَيْتُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ وَالشَّافِعِيَّ قَاعِدَيْنِ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَمَرَّ رَجُلٌ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ تَعَالَ حَتَّى نَزْكَنَ عَلَى هَذَا الْآتِي أَيُّ حِرْفَةٍ مَعَهُ فَقَالَ أَحَدُهُمَا خَيَّاطٌ وَقَالَ الْآخَرُ نَجَّارٌ فَبَعَثَا إِلَيْهِ فَسَأَلَاهُ فَقَالَ كُنْتَ خَيَّاطًا وَأَنَا الْيَوْمَ نَجَّارٌ قال الْحَافِظُ وَسَنَدُ كُلٍّ مِنَ الْقِصَّتَيْنِ صَحِيحٌ فَيُحْمَلُ عَلَى التَّعَدُّدِ وَالزَّكَنُ الْفِرَاسَةُ وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْمُزَنِيِّ قَالَ كُنْتَ مَعَ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَامِعِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ يَدُورُ عَلَى النِّيَامِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لِلرَّبِيعِ قُمْ فَقُلْ لَهُ ذَهَبَ لَكَ عَبْدٌ أَسْوَدُ مُصَابٌ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ قَالَ الرَّبِيعُ فَقُمْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْتُ تَعَالَ فَجَاءَ إِلَى الشَّافِعِيِّ فَقَالَ أَيْنَ عَبْدِي فَقَالَ مُرَّ تَجِدْهُ فِي الْحَبْسِ فَذَهَبَ الرَّجُلُ فَوَجَدَهُ فِي الْحَبْسِ قَالَ الْمُزَنِيُّ فَقُلْتُ لَهُ أَخْبِرْنَا فَقَدْ حَيَّرْتنَا فَقَالَ نَعَمْ رَأَيْتَ رَجُلًا دَخَلَ مِنْ بَابِ الْمَسْجِدِ يَدُورُ بَيْنَ النِّيَامِ فَقُلْتَ يَطْلُبُ هَارِبًا وَرَأَيْتُهُ يَجِيءُ إِلَى السُّودَانِ دُونَ البيض فقلت هَرَبَ لَهُ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَرَأَيْتُهُ يَجِيءُ إِلَى مَا يَلِي الْعَيْنَ الْيُسْرَى فَقُلْتُ مُصَابٌ بِإِحْدَى عَيْنَيْهِ قُلْنَا فَمَا يُدْرِيكَ أَنَّهُ فِي الْحَبْسِ قَالَ الْحَدِيثُ فِي الْعَبِيدِ إِنْ جَاعُوا سَرَقُوا وَإِنْ شَبِعُوا زَنَوْا فَتَأَوَّلْتُ أَنَّهُ فَعَلَ أَحَدَهُمَا فكان كذلك قَوْلُهُ (عَنْ بِشْرٍ عَنْ أَنَسٍ) قَالَ فِي التقريب بشر عن أنس قيل هو بن دِينَارٍ مَجْهُولٌ مِنَ السَّادِسَةِ وَقَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ بِشْرٌ غَيْرُ مَنْسُوبٍ عَنْ أَنَسٍ فِي قوله لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون وَغَيْرِ ذَلِكَ وَعَنْهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ قِيلَ إِنَّهُ بِشْرُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ الْحَافِظُ كذا قال بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَزَادَ فِي الرُّوَاةِ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى لَيْثٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَوْلُهُ (فِي قَوْلِهِ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أجمعين) قَبْلَهُ فَوَرَبِّكَ قَالَ الْخَازِنُ أَقْسَمَ اللَّهُ بِنَفْسِهِ أنه يسأل

стр. 4134

هَؤُلَاءِ الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (عَمَّا كانوا يعملون) يَعْنِي عَمَّا كَانُوا يَقُولُونَهُ فِي الْقُرْآنِ وَقِيلَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْمَعَاصِي وَقِيلَ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ فِي لَنَسْأَلَنَّهُمْ إِلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ الْمُؤْمِنَ وَالْكَافِرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ عَامٌّ فَحَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ أَوْلَى انْتَهَى كَلَامُ الْخَازِنِ (قَالَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ (عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَكِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى وبن جرير وبن المنذر وبن أَبِي حَاتِمٍ (وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إدريس عن ليث بن أَبِي سُلَيْمٍ إِلَخْ) وَصَلَ هَذِهِ الطَّرِيقَةَ الْمَوْقُوفَةَ بن جرير في تفسيره ٧ - (باب وَمِنْ سُورَةِ النَّحْلِ) مَكِّيَّةٌ إِلَّا (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ) إِلَى آخِرِهَا وَهِيَ مِائَةٌ وَثَمَانٍ وَعِشْرُونَ آيَةً قَوْلُهُ (أَرْبَعٌ) أَيْ مِنَ الرَّكَعَاتِ (قَبْلَ الظُّهْرِ بَعْدَ الزَّوَالِ) صِفَةٌ لِأَرْبَعٍ وَالْمَوْصُوفُ مَعَ الصِّفَةِ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ (تُحْسَبُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بِمِثْلِهِنَّ مِنْ صَلَاةِ السَّحَرِ) أَيْ بِمِثْلِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ كَائِنَةٍ مِنْ صَلَاةِ السَّحَرِ يَعْنِي تُوَازِي أَرْبَعًا مِنَ الْفَجْرِ مِنَ السُّنَّةِ وَالْفَرِيضَةِ لِمُوَافَقَةِ الْمُصَلِّي بَعْدَ الزَّوَالِ سَائِرَ الْكَائِنَاتِ فِي الْخُضُوعِ وَالدُّخُورِ لِبَارِئِهَا فَإِنَّ الشَّمْسَ أَعْلَى وَأَعْظَمُ مَنْظُورًا فِي الْكَائِنَاتِ وَعِنْدَ زَوَالِهَا يَظْهَرُ هُبُوطُهَا وَانْحِطَاطُهَا وَسَائِرُ مَا يَتَفَيَّأُ بِهَا ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَقِيلَ لَا يَظْهَرُ وَجْهُ الْعُدُولِ عن الظاهر وهو حمل السحر على حقيقته وَتَشْبِيهِ هَذِهِ الْأَرْبَعِ بِأَرْبَعٍ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ إِلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِ الْمُشَبَّهِ بِهِ مَشْهُودًا بِمَزِيدِ الْفَضْلِ انْتَهَى يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى

стр. 4135

إن قرآن الفجر كان مشهودا وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْعُدُولَ إِنَّمَا هُوَ لِيَكُونَ الْمُشَبَّهُ بِهِ أَقْوَى إِذْ لَيْسَ التَّهَجُّدُ أفضل من سنة الظهر قال القارىء وَالْأَظْهَرُ حَمْلُ السَّحَرِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَهُوَ السُّدُسُ الْأَخِيرُ مِنَ اللَّيْلِ وَيُوَجَّهُ كَوْنُ الْمُشَبَّهِ بِهِ أَقْوَى بِأَنَّ الْعِبَادَةَ فِيهِ أَشَقُّ وَأَتْعَبُ وَالْحَمْلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَهْمَا أَمْكَنَ فَهُوَ أَوْلَى وَأَحْسَنُ (وَلَيْسَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَهُوَ يُسَبِّحُ اللَّهَ تِلْكَ السَّاعَةِ) أَيْ يُسَبِّحُهُ تَسْبِيحًا خَاصًّا تِلْكَ السَّاعَةِ فَلَا يُنَافِي قَوْلَهُ تَعَالَى وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ لمقتضي لِكَوْنِهِ كَذَلِكَ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ (ثُمَّ قَرَأَ) أَيِ النَّبِيُّ ﷺ أَوْ عمر قاله القارىء والظاهر هو الأول (يتفيؤ ظِلَالُهُ إِلَخِ) الْآيَةُ بِتَمَامِهَا مَعَ تَفْسِيرِهَا هَكَذَا (أو لم يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ) له ظل كشجر وجبل (يتفيؤ) أَيْ يَمِيلُ (ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ) جَمْعُ شَمْلٍ أَيْ عَنْ جَانِبَيْهَا أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ سُجَّدًا لِلَّهِ حَالٌ أَيْ خَاضِعِينَ بِمَا يُرَادُ مِنْهُمْ وَهُمْ أَيِ الظِّلَالُ دَاخِرُونَ أَيْ صَاغِرُونَ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ الْعُقَلَاءِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ وَفِي سَنَدِهِ يَحْيَى الْبَكَّاءُ وَهُوَ ضَعِيفٌ قَوْلُهُ (عَنْ عِيسَى بْنِ عُبَيْدِ) بْنِ مَالِكٍ الْكِنْدِيِّ أَبِي الْمُنِيبِ صَدُوقٌ مِنَ الثَّامِنَةِ قَوْلُهُ (فَمَثَّلُوا بِهِمْ) أَيِ الْكُفَّارُ بِاَلَّذِينَ أُصِيبُوا مِنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ يُقَالُ مثلث بِالْحَيَوَانِ أُمَثِّلُ بِهِ مَثَلًا إِذَا قَطَعْتَ أَطْرَافَهُ وَشَوَّهْتَ بِهِ وَمَثَّلْتَ بِالْقَتِيلِ إِذَا جَدَعْتَ أَنْفَهُ أَوْ أُذُنَهُ أَوْ مَذَاكِيرَهُ أَوْ شَيْئًا مِنْ أَطْرَافِهِ والِاسْمُ الْمُثْلَةُ فَأَمَّا مَثَّلَ بِالتَّشْدِيدِ فَهُوَ لِلْمُبَالَغَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (لَنُرْبِيَنَّ عَلَيْهِمْ) مِنَ الْإِرْبَاءِ أَيْ لَنَزِيدَنَّ وَلَنُضَاعِفَنَّ عَلَيْهِمْ فِي التَّمْثِيلِ (وإن عاقبتم الخ) قال الحافظ بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِلْمُؤْمِنَينَ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ مَنْ ظَلَمَكُمْ وَاعْتَدَى

стр. 4136

عَلَيْكُمْ فَعَاقِبُوهُ بِمِثْلِ الَّذِي نَالَكُمْ بِهِ ظَالِمُكُمْ مِنَ الْعُقُوبَةِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَنْ عُقُوبَتِهِ وَاحْتَسَبْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ مَا نَالَكُمْ بِهِ مِنَ الظُّلْمِ وَوَكَّلْتُمْ أَمْرَهُ إِلَيْهِ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّي عُقُوبَتَهُ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ يَقُولُ لَلصَّبْرُ عَنْ عُقُوبَتِهِ لِذَلِكَ خَيْرٌ لِأَهْلِ الصَّبْرِ احْتِسَابًا وَابْتِغَاءَ ثَوَابِ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ يُعَوِّضُهُ مِنَ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَنَالَهُ بِانْتِقَامِهِ مِنْ ظَالِمِهِ عَلَى ظُلْمِهِ إِيَّاهُ مِنْ لَذَّةِ الِانْتِصَارِ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ لَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الصَّبْرِ وَحُسْنِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ الصَّبْرَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ عَلَيْهِ انْتَهَى (كُفُّوا عَنِ الْقَوْمِ إِلَّا أَرْبَعَةً) وَفِي حَدِيثِ سَعْدٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ لَمَّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مكة أمن رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ إِلَّا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَقَالَ اقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلِّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ وَمَقِيسُ بْنُ صَبَابَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بن سَعْدِ بْنِ أَبِي السَّرْحِ الْحَدِيثَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن حِبَّانَ وَالطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ ٨ - (بَاب وَمِنْ سُورَة بَنِي إِسْرَائِيلَ) مَكِّيَّةٌ إِلَّا (وَإِنْ كادوا ليفتنونك) الايات الثمان ومائة وَعَشْرُ آيَاتٍ أَوْ إِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً قَوْلُهُ (قَالَ) أَيْ أَبُو هُرَيْرَةَ (فَنَعَتَهُ) أَيْ وَصَفَ النبي مُوسَى (فَإِذَا رَجُلٌ قَالَ حَسِبْتُهُ قَالَ مُضْطَرِبٌ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَإِذَا رَجُلٌ حَسِبْته قَالَ مُضْطَرِبٌ بِحَذْفِ قَالَ قَبْلَ حَسِبْتُهُ وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ الْقَائِلُ حَسِبْتُهُ هُوَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالْمُضْطَرِبُ الطَّوِيلُ

стр. 4137

غَيْرُ الشَّدِيدِ وَقِيلَ الْخَفِيفُ اللَّحْمِ وَتَقَدَّمَ فِي رِوَايَةِ هِشَامٍ بِلَفْظِ ضَرِبٌ وَفُسِّرَ بِالنَّحِيفِ وَلَا منافاة بينهما انتهى (الرجل الرَّأْسِ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ دَهِينُ الشَّعْرِ مسترسله وقال بن السِّكِّيتِ شَعْرٌ رَجِلٌ أَيْ غَيْرُ جَعْدٍ (كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ ثُمَّ هَاءُ تَأْنِيثٍ حَيٌّ مِنَ الْيَمَنِ يُنْسَبُونَ إِلَى شَنُوءَةَ وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ كَعْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ نَصْرِ بْنِ الْأَزْدِ وَلُقِّبَ شَنُوءَةَ لِشَنَئَانٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ وَالنِّسْبَةُ إِلَيْهِ شَنُوئِيٌّ بِالْهَمْزِ بَعْدَ الْوَاوِ وَبِالْهَمْزِ بِغَيْرِ وَاوٍ وقال الدَّاوُدِيُّ رِجَالُ الْأَزْدِ مَعْرُوفُونَ بِالطُّولِ (قَالَ رَبَعَةٌ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا وَهُوَ الْمَرْفُوعُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَوِيلٍ جِدًّا وَلَا قَصِيرٍ جِدًّا بَلْ وَسَطٌ (مِنْ دِيمَاسٍ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ التَّحْتَانِيَّةِ وَآخِرُهُ مُهْمَلَةٌ (يَعْنِي الْحَمَّامَ) هُوَ تَفْسِيرُ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَمَا فِي الْفَتْحِ وَالدِّيمَاسُ فِي اللُّغَةِ السِّرْبُ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْكِنِّ وَالْحَمَّامُ مِنْ جُمْلَةِ الكن وَالْمُرَادُ مِنْ ذَلِكَ وَصْفُهُ بِصَفَاءِ اللَّوْنِ وَنَضَارَةِ الْجِسْمِ وَكَثْرَةِ مَاءِ الْوَجْهِ حَتَّى كَأَنَّهُ كَانَ فِي مَوْضِعِ كِنٍّ فَخَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ عَرْقَانُ وفي رواية بن عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لِأَنْ يُرَادَ الْحَقِيقَةُ وَأَنَّهُ عَرَقَ حَتَّى قَطَرَ الْمَاءُ مِنْ رَأْسِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِنَايَةً عَنْ مَزِيدِ نَضَارَةِ وَجْهِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ آدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ (قَالَ وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ) أَيْ قَالَ النَّبِيُّ أنا أشبه أولاد إبراهيم ﵊ به صورة ومعنى (وأتيت بإنائين أَحَدُهُمَا لَبَنٌ) قِيلَ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ لَبَنٌ كَأَنَّهُ جَعَلَهُ لَبَنًا كُلَّهُ تَغْلِيبًا لِلَّبَنِ عَلَى الْإِنَاءِ لِكَثْرَتِهِ وَتَكْثِيرًا لِمَا اخْتَارَهُ وَلَمَّا كَانَ الْخَمْرُ مَنْهِيًّا عَنْهُ قَلَّلَهُ فَقَالَ (وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ) أَيْ خَمْرٌ قَلِيلٌ اعْلَمْ أَنَّهُ قَدِ اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ فِي عَدَدِ الْآنِيَةِ فَفِي بَعْضِهَا أتيت بإنائين أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ كَمَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ رفع لي البيت المعمور ثم أتيت بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٍ وفي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ بن إِسْحَاقَ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ فَصَلَّى بِهِمْ يَعْنِي الْأَنْبِيَاءَ ثُمَّ أُتِيَ بِثَلَاثَةِ آنِيَةٍ إِنَاءٌ فِيهِ لَبَنٌ وَإِنَاءٌ فِيهِ خَمْرٌ وَإِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ فأخذت اللبن

стр. 4138

وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ أَيْضًا فِي مَكَانِ عَرْضِ الْآنِيَةِ فَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَ جِبْرِيلُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ أُتِيَ رسول الله لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِإِيلِيَاءَ بِإِنَاءٍ فِيهِ خَمْرٌ وَإِنَاءٍ فِيهِ لَبَنٌ فَنَظَرَ إِلَيْهِمَا فَأَخَذَ اللَّبَنَ فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ عَرْضَ الْآنِيَةِ كَانَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّمَاءِ قال الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ وَغَيْرِهَا يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ إِمَّا بِحَمْلِ ثُمَّ عَلَى غَيْرِ بَابِهَا مِنَ التَّرْتِيبِ وَإِنَّمَا هِيَ بِمَعْنَى الْوَاوِ هُنَا وَإِمَّا بِوُقُوعِ عَرْضِ الْآنِيَةِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً عِنْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَسَبَبُهُ مَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْعَطَشِ كَمَا فِي حَدِيثِ شَدَّادٍ فَصَلَّيْتُ مِنَ الْمَسْجِدِ حَيْثُ شَاءَ اللَّهُ وَأَخَذَنِي مِنَ الْعَطَشِ أَشَدُّ مَا أخذني فأتيت بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالْآخَرُ عَسَلٌ إِلَخْ وَمَرَّةً عِنْدَ وُصُولِهِ إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَرُؤْيَةُ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي عَدَدِ الْآنِيَةِ وَمَا فِيهَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ ذَكَرَ مَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْآخَرُ وَمَجْمُوعُهَا أَرْبَعَةُ آنِيَةٍ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ مِنَ الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي رآها نخرج مِنْ أَصْلِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ لَمَّا ذَكَرَ سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى يَخْرُجُ مِنْ أَصْلِهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَمِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَمِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَمِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى فَلَعَلَّهُ عُرِضَ عَلَيْهِ مِنْ كُلِّ نَهْرٍ إِنَاءٌ انْتَهَى (هُدِيتَ لِلْفِطْرَةِ أَوْ أَصَبْتَ الْفِطْرَةَ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي وَالْأَوَّلُ بِصِيغَةِ الْخِطَابِ مَجْهُولًا وَالثَّانِي مَعْلُومًا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ تَسْمِيَةِ اللَّبَنِ فِطْرَةً لِأَنَّهُ أَوَّلُ شَيْءٍ يَدْخُلُ بَطْنَ الْمَوْلُودِ وَيَشُقُّ أَمْعَاءَهُ وَالسِّرُّ فِي مَيْلِ النبي إِلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ كَانَ مَأْلُوفًا لَهُ وَلِأَنَّهُ لَا يَنْشَأُ عَنْ جِنْسِهِ مَفْسَدَةٌ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ (إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ) أَيْ ضَلَّتْ نَوْعًا مِنَ الْغَوَايَةِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى شُرْبِهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرِبَهَا لَأُحِلَّ لِلْأُمَّةِ شُرْبُهَا فَوَقَعُوا فِي ضَرَرِهَا وَشَرِّهَا وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اسْتِقَامَةَ الْمُقْتَدِي مِنَ النَّبِيِّ وَالْعَالِمِ وَالسُّلْطَانِ وَنَحْوِهِمْ سَبَبٌ لِاسْتِقَامَةِ أَتْبَاعِهِمْ لِأَنَّهُمْ بِمَنْزِلَةِ الْقَلْبِ لِلْأَعْضَاءِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (أُتِيَ بِالْبُرَاقِ) بِضَمِّ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَرِيقِ فَقَدْ جَاءَ فِي لونه أنه

стр. 4139

أَبْيَضُ أَوْ مِنَ الْبَرْقِ لِأَنَّهُ وَصَفَهُ بِسُرْعَةِ السَّيْرِ أَوْ مِنْ قَوْلِهِمْ شَاةٌ بَرْقَاءُ إِذَا كَانَ خِلَالُ صُوفِهَا الْأَبْيَضِ طَاقَاتٌ سُودٌ وَلَا يُنَافِيه وَصْفُهُ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْبُرَاقَ أَبْيَضُ لِأَنَّ الْبَرْقَاءَ مِنَ الْغَنَمِ مَعْدُودَةٌ فِي الْبَيَاضِ (لَيْلَةَ أُسْرِيَ) بِصِيغَةِ الْمَاضِي الْمَجْهُولِ مِنَ الإسراء (به) أي بالنبي (مُلْجَمًا) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِلْجَامِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ أَلْجَمَ الدَّابَّةَ أَلْبَسَهَا اللِّجَامَ وَهُوَ كَكِتَابٍ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ (مُسْرَجًا) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ الْإِسْرَاجِ يُقَالُ أَسْرَجْتَ الدَّابَّةَ إِذَا شَدَدْتَ عَلَيْهَا السَّرْجَ (فَاسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ) أَيْ صَارَ الْبُرَاقُ صَعْبًا عَلَى النبي (أبمحمد) وَالْهَمْزَةُ لِلْإِنْكَارِ (تَفْعَلُ هَذَا) أَيِ الِاسْتِصْعَابَ (فَمَا رَكِبَكَ أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ) أَيْ من محمد (فَارْفَضَّ عَرَقًا) أَيْ جَرَى عَرَقُهُ وَسَالَ ثُمَّ سَكَنَ وَانْقَادَ وَتَرَكَ الِاسْتِصْعَابَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) قَالَ الْحَافِظُ وصححه بن حبان وذكر بن إِسْحَاقَ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ لَمَّا شَمَسَ وَضَعَ جبرائيل يَدَهُ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَقَالَ أَمَا تَسْتَحْيِي فَذَكَرَ نحوه مرسلا لم يذكر أنسا وللنسائي وبن مَرْدَوَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ عَنْ أَنَسٍ نَحْوَهُ مَوْصُولًا وَزَادَ وَكَانَتْ تُسَخَّرُ لِلْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عند بن إِسْحَاقَ وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْبُرَاقَ كَانَ مُعَدًّا لِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ خِلَافًا لِمَنْ نَفَى ذَلِكَ كَابْنِ دِحْيَةَ وَأَوَّلُ قَوْلِ جِبْرِيلَ فَمَا رَكِبَكَ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ أَيْ مَا رَكِبَكَ أَحَدٌ قَطُّ فَكَيْفَ يَرْكَبُكَ أَكْرَمُ مِنْهُ وقد جَزَمَ السُّهَيْلِيُّ أَنَّ الْبُرَاقَ إِنَّمَا اسْتَصْعَبَ عَلَيْهِ لِبُعْدِ عَهْدِهِ بِرُكُوبِ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الزُّبَيْدِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْعَيْنِ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ التَّحْرِيرِ كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يَرْكَبُونَ الْبُرَاقَ قَالَ وَهَذَا يَحْتَاجُ إِلَى نَقْلٍ صَحِيحٍ قَالَ الْحَافِظُ قَدْ ذَكَرْتُ النَّقْلَ بِذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَافِظُ آثَارًا تَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ (عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ جُنَادَةَ) بِمَضْمُومَةٍ وَخِفَّةِ نُونٍ وَإِهْمَالِ دَالٍ الْهِجْرِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعَنْهُ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَأَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنُ وَاضِحٍ وَغَيْرُهُمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ شَيْخٌ ليس بالمشهور وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَقَالَ

стр. 4140

فيه جنادة المعلم سكن مرو لَهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي رَبْطِ الْبُرَاقِ قلتَ وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مَرْوَزِيٌّ ثقة (عن بن بريدة) اسمه عبد الله (لما انتهيا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ) أَيْ وَصَلْنَا إِلَيْهِ (قَالَ جبرائيل بِأُصْبُعِهِ) أَيْ أَشَارَ بِهَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْعَرَبُ تَجْعَلُ الْقَوْلَ عِبَارَةً عَنْ جَمِيعِ الْأَفْعَالِ وَتُطْلِقُهُ عَلَى غَيْرِ الْكَلَامِ وَاللِّسَانِ فَتَقُولُ قَالَ بِيَدِهِ أَيْ أَخَذَ وَقَالَ بِرِجْلِهِ أَيْ مَشَى قَالَ الشَّاعِرُ وَقَالَتْ لَهُ الْعَيْنَانِ سَمْعًا وَطَاعَةً أَيْ أَوْمَأَتْ وَقَالَ بِالْمَاءِ عَلَى يَدِهِ أَيْ قَلَبَ وَقَالَ بِثَوْبِهِ أَيْ رَفَعَهُ وَكُلُّ ذَلِكَ عَلَى الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ (فَخَرَقَ بِهِ الْحَجَرَ) وَفِي البزار لما كان ليلة أسري به فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فِيهَا فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَرَكِبْته حَتَّى بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَ فَرَبَطْته بِالْحَلْقَةِ الَّتِي يَرْبِطُ بِهَا الْأَنْبِيَاءُ قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه البزار قوله (لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ) أَيْ نَسَبُونِي إِلَى الْكَذِبِ فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ قَضِيَّةِ الْإِسْرَاءِ وَطَلَبُوا مِنِّي عَلَامَاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (قُمْتُ فِي الْحِجْرُ) بِالْكَسْرِ اسْمُ الْحَائِطِ الْمُسْتَدِيرِ إِلَى جَانِبِ الْكَعْبَةِ الشَّمَالِيِّ (فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مِنَ التَّجْلِيَةِ أَيْ أَظْهَرَهُ لِي قَالَ الْحَافِظُ قِيلَ مَعْنَاهُ كَشَفَ الْحُجُبَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ حَتَّى رَأَيْتُهُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَضْلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ قَالَ فَسَأَلُونِي عَنْ أَشْيَاءَ لَمْ أُثْبِتْهَا فَكُرِبْتُ كَرْبًا لَمْ أُكْرَبْ مِثْلَهُ قَطُّ فَرَفَعَ اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ أَنْظُرُ إِلَيْهِ مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا نَبَّأْتهمْ بِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ حُمِلَ إِلَى أَنْ وُضِعَ بِحَيْثُ يَرَاهُ ثُمَّ أُعِيدَ وفي حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ فَجِيءَ بِالْمَسْجِدِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ حَتَّى وُضِعَ عِنْدَ دَارِ عَقِيلٍ فَنَعَتُّهُ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمُعْجِزَةِ وَلَا اسْتِحَالَةَ فِيهِ فَقَدْ أحضر

стр. 4141

عَرْشُ بِلْقِيسَ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ لِسُلَيْمَانَ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أُزِيلَ مِنْ مَكَانِهِ حَتَّى أُحْضِرَ إِلَيْهِ وَمَا ذَاكَ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ بِعَزِيزٍ انْتَهَى (فَطَفِقْتُ) بِكَسْرِ الْفَاءِ قَبْلَ الْقَافِ أَيْ فَشَرَعْتُ (أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ) أَيْ عَلَامَاتِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَدَلَالَاتُهُ (وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ) جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ وأبي سعيد وبن عباس وأبي ذر وبن مَسْعُودٍ) أَمَّا حَدِيثُ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ فَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ أَلَمْ نَشْرَحْ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مُطَوَّلًا وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فأخرجه البيهقي وبن جرير وبن أبي حاتم وأما حديث بن عَبَّاسٍ فَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالْبَزَّارُ وَأَمَّا حديث أبي فأخرجه الشيخان وأما حديث بن مَسْعُودٍ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ تَنْبِيهٌ اعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَلْ كَانَ الْإِسْرَاءُ بجسده مَعَ رُوحِهِ أَوْ بِرُوحِهِ فَقَطْ فَذَهَبَ مُعْظَمُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى الْأَوَّلِ وَذَهَبَ إِلَى الثَّانِي طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ عَائِشَةُ وَمُعَاوِيَةُ والحسن وبن إسحاق وحكاه بن جَرِيرٍ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى التَّفْصِيلِ فَقَالُوا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِجَسَدِهِ يَقَظَةً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السَّمَاءِ بِالرُّوحِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ بِقَوْلِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فجعله غاية للإسراء بذاته فَلَوْ كَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَعَ بِذَاتِهِ لَذَكَرَهُ وَالَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْكَثِيرَةُ هُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُعْظَمُ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ مِنَ الْإِسْرَاءِ بِجَسَدِهِ وَرُوحِهِ يَقَظَةً إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ السَّمَاوَاتِ وَهُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّأْوِيلِ وَصَرْفِ هَذَا النَّظْمِ الْقُرْآنِيِّ وَمَا يُمَاثِلُهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْأَحَادِيثِ إِلَى مَا يُخَالِفُ الْحَقِيقَةَ وَلَا مُقْتَضَى لِذَلِكَ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِبْعَادِ وَتَحْكِيمِ مَحْضِ الْعُقُولِ الْقَاصِرَةِ عَنْ فَهْمِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ أَنَّهُ لَا يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ رُؤْيَا كَمَا يَقُولُهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ بِالرُّوحِ فَقَطْ وَأَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ لم يقع التكذيب من الكفرة للنبي عِنْدَ إِخْبَارِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ حَتَّى ارْتَدَّ مَنِ ارْتَدَّ مِمَّنْ لَمْ يَشْرَحْ بِالْإِيمَانِ صَدْرًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَا هُوَ مستبعد بل هُوَ مُحَالٌ وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ وَالْكَلَامُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَبْسُوطٌ فِي الْمُطَوَّلَاتِ

стр. 4142

قَوْلُهُ (فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا التي أريناك إلا فتنة للناس) قال الحافظ بن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ رُؤْيَا عَيْنٍ وَهِيَ ما رأى النبي لَمَّا أُسْرِيَ بِهِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ هِيَ رُؤْيَاهُ الَّتِي رَأَى أنه يدخل مكة فروى بإسناده عن بن عَبَّاسٍ قَوْلُهُ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فتنة للناس قال يقال إن رسول الله أُرِيَ أَنَّهُ دَخَلَ مَكَّةَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ يومئذ بالمدينة فجعل رسول الله السَّيْرَ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الْأَجَلِ فَرَدَّهُ الْمُشْرِكُونَ فقالت أناس قد رد رسول الله وَقَدْ كَانَ حَدَّثَنَا أَنَّهُ سَيَدْخُلُهَا فَكَانَتْ رَجْعَتُهُ فِتْنَتَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ مِمَّنْ قَالَ هِيَ رُؤْيَا مَنَامٍ إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ رَأَى فِي مَنَامِهِ قَوْمًا يَعْلُونَ مِنْبَرَهُ فَذَكَرَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قَالَ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ عَنَى به الرؤيا رسول الله ما رأى مِنَ الْآيَاتِ وَالْعِبَرِ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَبِبَيْتِ الْمَقْدِسِ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِإِجْمَاعِ الْحُجَّةِ مِنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ إِنَّمَا نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ وَإِيَّاهُ عَنَى اللَّهُ بِهَا فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ وَمَا جَعَلْنَا رُؤْيَاكَ الَّتِي أَرَيْنَاكَ لَيْلَةَ أَسْرَيْنَا بِكَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلا فتنة للناس يقول الإبلاء لِلنَّاسِ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ لَمَّا أُخْبِرُوا بِالرُّؤْيَا الَّتِي رَآهَا ﵊ وَلِلْمُشْرِكِينَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ازْدَادُوا بِسَمَاعِهِمْ ذَلِكَ من رسول الله تَمَادِيًا فِي غَيِّهِمْ وَكُفْرًا إِلَى كُفْرِهِمْ انْتَهَى (قال هي رؤيا عين أريها النبي لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ) أُرِيَهَا بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مِنَ الْإِرَاءَةِ وَلَمْ يُصَرِّحْ بِالْمَرْئِيِّ وَعِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مَالِكٍ قَالَ هُوَ مَا أُرِيَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَزَادَ عَنْ سُفْيَانَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَلَيْسَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إِطْلَاقِ لَفْظِ الرُّؤْيَا عَلَى مَا يُرَى بِالْعَيْنِ فِي الْيَقَظَةِ وَقَدْ أَنْكَرَهُ الْحَرِيرِيُّ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَقَالُوا إِنَّمَا يُقَالُ رُؤْيَا فِي الْمَنَامِ وَأَمَّا الَّتِي فِي الْيَقَظَةِ فَيُقَالُ رُؤْيَةٌ وَمِمَّنِ اسْتَعْمَلَ الرُّؤْيَا فِي الْيَقَظَةِ الْمُتَنَبِّي فِي قَوْلِهِ وَرُؤْيَاكَ أَحْلَى فِي الْعُيُونِ مِنَ الْغَمْضِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يَرُدُّ عَلَى مَنْ خَطَّأَهُ كَذَا فِي الْفَتْحِ (وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى الرُّؤْيَا تَقْدِيرُهُ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ (قَالَ هِيَ شجرة الزقوم) هذا هو الصحيح وذكره بن أَبِي حَاتِمٍ عَنْ بِضْعَةَ عَشَرَ نَفْسًا مِنَ التابعين وأما

стр. 4143

الزَّقُّومُ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدِّينَوَرِيُّ فِي كِتَابِ النَّبَاتِ الزَّقُّومُ شَجَرَةٌ غَبْرَاءُ تَنْبُتُ فِي السَّهْلِ صغير الْوَرَقِ مُدَوَّرَتُهُ لَا شَوْكَ لَهَا زَفْرَةٌ مُرَّةٌ ولها نور أبيض ضعيف تجرسه النحل ورؤوسها قِبَاحٌ جِدًّا وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ قَالَ الْمُشْرِكُونَ يُخْبِرُنَا مُحَمَّدٌ أَنَّ فِي النَّارِ شَجَرَةً وَالنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَةَ فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ فَإِنْ قُلْتَ أَيْنَ لُعِنَتْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ فِي الْقُرْآنِ قُلْتُ لُعِنَتْ حَيْثُ لُعِنَ الْكُفَّارُ الَّذِينَ يَأْكُلُونَهَا لِأَنَّ الشَّجَرَةَ لَا ذَنْبَ لَهَا حَتَّى تُلْعَنَ وَإِنَّمَا وُصِفَتْ بِلَعْنِ أَصْحَابِهَا عَلَى الْمَجَازِ وَقِيلَ وَصَفَهَا اللَّهُ تَعَالَى بِاللَّعْنِ لِأَنَّ اللَّعْنَ الْإِبْعَادُ مِنَ الرَّحْمَةِ وَهِيَ فِي أَصِلْ جَهَنَّمَ فِي أَبْعَدِ مَكَانٍ مِنَ الرَّحْمَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ والنسائي قوله (وقرآن الفجر) قَبْلَهُ (أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ الليل) فقوله وقرآن الفجر عَطْفٌ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ مِنْ قُرْآنِ الْفَجْرِ صَلَاةُ الْفَجْرِ سُمِّيَتِ الصَّلَاةُ قُرْآنًا لِأَنَّهَا لَا تَجُوزُ إِلَّا بِالْقُرْآنِ (تَشْهَدُهُ) أَيْ تَحْضُرُ قُرْآنَ الفجر يعني صلاته قال الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ يَقُولُ ﵎ لرسوله آمِرًا لَهُ بِإِقَامَةِ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا أقم الصلاة لدلوك الشمس قيل لغروبها قاله بن مسعود ومجاهد وبن زَيْدٍ وَقَالَ هُشَيْمٌ عَنْ مُغِيرَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عن بن عباس دلوكها زوالها ورواه نافع عن بن عُمَرَ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ عن بن عُمَرَ وَقَالَهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ أيضا عن بن مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَأَبُو جعفر الباقر وقتادة واختاره بن جَرِيرٍ وَمِمَّا اسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ دَعَوْتُ رسول الله وَمَنْ شَاءَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي ثُمَّ خرجوا حين زالت الشمس فخرج النبي فَقَالَ اخْرُجْ يَا أَبَا بَكْرٍ فَهَذَا حِينَ دَلَكَتِ الشَّمْسُ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْآيَةُ دَخَلَ فِيهَا أَوْقَاتُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فَمِنْ قَوْلِهِ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَهُوَ ظَلَامُهُ وقيل غُرُوبِ الشَّمْسِ أُخِذَ مِنْهُ الظُّهْرُ وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَقَوْلُهُ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ يَعْنِي صَلَاةَ الْفَجْرِ وقد بينت السنة عن رسول الله تَوَاتُرًا مِنْ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ تَفَاصِيلَ

стр. 4144

هَذِهِ الْأَوْقَاتِ عَلَى مَا عَلَيْهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ الْيَوْمَ مِمَّا تَلَقَّوْهُ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ وَقَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاضِعِهِ انْتَهَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أحمد والنسائي وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) هُوَ الْإِمَامُ الدَّارِمِيُّ (أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى) الْعَبْسِيُّ الْكُوفِيُّ (عَنْ إِسْرَائِيلَ بْنِ يونس) قوله (يوم ندعو كل أناس بإمامهم) قال الحافظ بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ يُخْبِرُ ﵎ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَنَّهُ يُحَاسِبُ كُلَّ أُمَّةٍ بِإِمَامِهِمْ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مُجَاهِدٌ وَقَتَادَةُ أَيْ نَبِيِّهِمْ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط الْآيَةَ وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ هَذَا أَكْبَرُ شَرَفٍ لأصحاب الحديث لأن إمامهم النبي وقال بن زَيْدٍ بِكِتَابِهِمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى نَبِيِّهِمْ مِنَ التشريع واختاره بن جرير وروى عن بن أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ بِكُتُبِهِمْ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ هَذَا وَأَنْ يَكُونَ أراد ما رواه العوفي عن بن عباس في قوله يوم ندعو كل أناس بإمامهم أَيْ بِكِتَابِ أَعْمَالِهِمْ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنُ وَالضَّحَّاكُ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْأَرْجَحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ وَقَالَ تَعَالَى وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مما فيه الْآيَةَ وَهَذَا لَا يُنَافِي أَنْ يُجَاءَ بِالنَّبِيِّ إِذَا حَكَمَ اللَّهُ بَيْنَ أُمَّتِهِ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ شَاهِدًا عَلَى أُمَّتِهِ بِأَعْمَالِهَا وَلَكِنَّ الْمُرَادَ هَا هُنَا بِالْإِمَامِ هُوَ كِتَابُ الأعمال ولهذا قال تعالى

стр. 4145

يوم ندعو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأولئك يقرؤون كتابهم إِلَخْ انْتَهَى قلتَ وَيُؤَيِّدُ الْقَوْلَ الْأَرْجَحَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَإِنَّهُ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بِإِمَامِهِمْ كِتَابُ أَعْمَالِهِمْ (فَيُعْطَى كِتَابَهُ) أَيْ كِتَابَ أَعْمَالِهِ (وَيُمَدُّ لَهُ فِي جِسْمِهِ) أَيْ يُوَسَّعُ لَهُ فِيهِ (اللَّهُمَّ أَخْزِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ مِنَ الْإِخْزَاءِ بِمَعْنَى الْإِذْلَالِ وَالْإِهَانَةِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ بِسَنَدِ التِّرْمِذِيِّ إِلَّا أَنَّ شَيْخَهُ غَيْرُ شَيْخِهِ وَقَالَ لَا يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى وَفِي مُسْنَدِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي كَرِيمَةَ وَالِدُ السُّدِّيِّ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ (وَالسُّدِّيُّ اسْمُهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ وَهُوَ السُّدِّيُّ الْكَبِيرُ قَوْلُهُ (عَسَى أَنْ يبعثك ربك مقاما محمودا) قال الحافظ بن كَثِيرٍ أَيِ افْعَلْ هَذَا الَّذِي أَمَرْتُكَ بِهِ لِنُقِيمَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَقَامًا مَحْمُودًا يَحْمَدُكَ فِيهِ الخلائق كلهم وخالقهم ﵎ قال بن جَرِيرٍ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ التَّأْوِيلِ ذَلِكَ هُوَ المقام الذي يقومه محمد يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلشَّفَاعَةِ لِلنَّاسِ لِيُرِيحَهُمْ رَبُّهُمْ مِنْ عَظِيمِ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ شِدَّةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْتَهَى (وَسُئِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (عَنْهَا) أَيْ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ (قَالَ هِيَ الشَّفَاعَةُ) أَيِ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ هُوَ الْمَقَامُ الَّذِي أَشْفَعُ فِيهِ وَتَأْنِيثُ الضَّمِيرِ لِتَأْنِيثِ الْخَبَرِ وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ قال هو المقام الذي أشفع لأمتي فيه قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مسنده وبن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ

стр. 4146

قَوْلُهُ (وَدَاوُدُ الزَّعَافِرِيُّ) بِزَايٍ مَفْتُوحَةٍ وَمُهْمَلَةٍ وَكَسْرِ فَاءٍ (هُوَ دَاوُدُ الْأَوْدِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الواو وبالدال المهملة (بن يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) الْأَعْرَجُ الْكُوفِيُّ ضَعِيفٌ مِنَ السَّادِسَةِ (وَهُوَ عَمُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ) بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَوْدِيُّ قوله (حدثنا سفيان) هو بن عيينة (عن بن أَبِي نَجِيحٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَاسْمُ أَبِي نَجِيحٍ يَسَارٌ (وَعَنْ أَبِي مَعْمَرٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَخْبَرَةَ قَوْلُهُ (ثَلَاثُمِائَةِ وَسِتُّونَ نُصُبًا) بِضَمِّ النُّونِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَقَدْ تُسَكَّنُ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ هِيَ وَاحِدَةُ الْأَنْصَابِ وَهُوَ مَا يُنْصَبُ لِلْعِبَادَةِ مِنْ دُونِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَقَعَ فِي رواية بن أبي شيبة عن بن عُيَيْنَةَ ضَمًّا بَدَلَ نَصْبًا وَيُطْلَقُ النُّصُبُ وَيُرَادُ بِهِ الْحِجَارَةُ الَّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَ عَلَيْهَا لِلْأَصْنَامِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا وَتُطْلَقُ الْأَنْصَابُ عَلَى أَعْلَامِ الطَّرِيقِ وَلَيْسَتْ مُرَادَةً هُنَا وَلَا فِي الْآيَةِ (فجعل النبي يَطْعَنُهَا) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَبِفَتْحِهَا وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ (بِمِخْصَرَةٍ) كَمِكْنَسَةٍ مِمَّا يُتَوَكَّأُ عَلَيْهِ كَالْعَصَا وَنَحْوِهِ وَمَا يَأْخُذُهُ الْمَلِكُ يُشِيرُ بِهِ إِذَا خَاطَبَ وَالْخَطِيبُ إِذَا خَطَبَ (وَرُبَّمَا قَالَ بِعُودٍ) وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ يَطْعَنُ فِي عَيْنَيْهِ بسية القوس وفي حديث بن عمر عند الفاكهي وصححه بن حِبَّانَ فَيَسْقُطُ الصَّنَمُ وَلَا يَمَسُّهُ وَلِلْفَاكِهِيِّ وَالطَّبَرَانِيِّ من حديث بن عَبَّاسٍ فَلَمْ يَبْقَ وَثَنٌ اسْتَقْبَلَهُ إِلَّا سَقَطَ عَلَى قَفَاهُ مَعَ أَنَّهَا كَانَتْ ثَابِتَةً بِالْأَرْضِ وَقَدْ شَدَّ لَهُمْ إِبْلِيسُ أَقْدَامَهَا بِالرَّصَاصِ وَفَعَلَ النبي ذَلِكَ لِإِذْلَالِ الْأَصْنَامِ وَعَابِدِيهَا وَلِإِظْهَارِ أَنَّهَا لَا تَنْفَعُ وَلَا تَضُرُّ وَلَا تَدْفَعُ عَنْ نَفْسِهَا شَيْئًا كَذَا فِي الْفَتْحِ (جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الباطل) أَيْ جَاءَ الْإِسْلَامُ وَبَطَلَ الْكُفْرُ (إِنَّ الْبَاطِلَ كان زهوقا) أي مضمحلا زائلا (جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد) أَيْ زَالَ الْبَاطِلُ وَهَلَكَ لِأَنَّ الْإِبْدَاءَ وَالْإِعَادَةَ مِنْ صِفَةِ الْحَيِّ فَعَدَمُهُمَا عِبَارَةٌ عَنِ الْهَلَاكِ وَالْمَعْنَى جَاءَ الْحَقُّ وَهَلَكَ الْبَاطِلُ وَقِيلَ الْبَاطِلُ الْأَصْنَامُ وَقِيلَ إِبْلِيسُ لِأَنَّهُ صَاحِبُ الْبَاطِلِ أَوْ لِأَنَّهُ هَالِكٌ كَمَا قِيلَ لَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ شَاطَ إِذَا هَلَكَ أَيْ لَا يَخْلُقُ الشَّيْطَانُ ولا الصنم أحدا ولا يبعثه فالمنشىء وَالْبَاعِثُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى لَا شَرِيكَ لَهُ وهذه الاية أعني جاء الحق وما يبدىء الباطل وما يعيد فِي سُورَةِ سَبَأٍ

стр. 4147

قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ قوله (وفيه عن بن عمر) أخرجه الفاكهي وصححه بن حِبَّانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي عِبَارَةِ الْفَتْحِ قَوْلُهُ (حدثنا جرير) هو بن عَبْدِ الْحَمِيدِ (عَنْ أَبِيهِ) اسْمُهُ حُصَيْنُ بْنُ جُنْدُبِ بْنِ الْحَارِثِ الْجَنْبِيُّ الْكُوفِيُّ ثِقَةٌ مِنَ الثانية قوله (وقل ربي أدخلني) أي المدينة (مدخل صدق) أَيْ إِدْخَالًا مُرْضِيًا لَا أَرَى فِيهِ مَا أكره (وأخرجني) أي من مكة (مخرج صدق) أَيْ إِخْرَاجًا لَا أَلْتَفِتُ بِقَلْبِي إِلَيْهَا (وَاجْعَلْ لي من لدنك سلطانا نصيرا) أَيْ قُوَّةً تَنْصُرُنِي بِهَا عَلَى أَعْدَائِك قال الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ إِنَّ كُفَّارَ أَهْلِ مَكَّةَ لَمَّا ائْتَمَرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ لِيَقْتُلُوهُ أَوْ يَطْرُدُوهُ أَوْ يُوثِقُوهُ فَأَرَادَ قِتَالَ أَهْلِ مَكَّةَ أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّهُ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ الْآيَةَ وَقَالَ قَتَادَةُ وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صدق يَعْنِي الْمَدِينَةَ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يَعْنِي مَكَّةَ وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ أَشْهَرُ الْأَقْوَالِ وَقَالَ العوفي عن بن عَبَّاسٍ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ يَعْنِي الْمَوْتَ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ يَعْنِي الْحَيَاةَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَهُوَ اختيار بن جرير كذا في تفسير بن كَثِيرٍ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَوْلُهُ (نَسْأَلُ عَنْهٌ هَذَا الرَّجُلَ) أَيِ النبي (فَقَالَ سَلُوهُ) كَذَا فِي النُّسَخِ الحَاضِرَةِ عِنْدَنَا

стр. 4148

بِلَفْظِ الوَاحِدِ وَنَقَلَ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْفَتْحِ عَنِ التِّرْمِذِيِّ وَفِيهِ فَقَالُوا بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدِ التِّرْمِذِيِّ وَفِيهِ أَيْضًا فقالوا بصيغة الجمع (فأنزل الله تعالى يسألونك عن الروح) حديث بن عَبَّاسٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نزلت بمكة وفي حديث بن مَسْعُودٍ الْآتِي قَالَ كُنْتُ أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ فِي حَرْثٍ بِالْمَدِينَةِ وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ إِلَخْ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ مِنْ صَحِيحِهِ وَفِيهِ بَيْنَا أنا أمشي مع النبي في حرث الْمَدِينَةِ إِلَخْ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ قَالَ الْحَافِظُ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بأن يتعدد النزول بحمل سكونه فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى تَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ فِي ذَلِكَ وَإِنْ سَاغَ هَذَا وَإِلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أَصَحُّ قَالَ وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنْ حَقِيقَةِ الرُّوحِ الَّذِي فِي الْحَيَوَانِ وَقِيلَ عَنْ جِبْرِيلَ وَقِيلَ عَنْ عِيسَى وَقِيلَ عَنِ الْقُرْآنِ وَقِيلَ عَنْ خَلْقٍ عَظِيمٍ رُوحَانِيٍّ وقيل غير ذلك وجنح بن الْقَيِّمِ فِي كِتَابِ الرُّوحِ إِلَى تَرْجِيحِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالرُّوحِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا فِي الْآيَةِ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ والملائكة صفا قَالَ وَأَمَّا أَرْوَاحُ بَنِي آدَمَ فَلَمْ يَقَعْ تَسْمِيَتُهَا فِي الْقُرْآنِ إِلَّا نَفْسًا كَذَا قَالَ وَلَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لِمَا رَجَّحَهُ بَلِ الرَّاجِحُ الْأَوَّلُ يَعْنِي رُوحَ الْإِنْسَانِ فَقَدْ أَخْرَجَ الطبري من طريق العوفي عن بن عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَنَّهُمْ قَالُوا عَنِ الرُّوحِ وَكَيْفَ يُعَذَّبُ الرُّوحُ الَّذِي فِي الْجَسَدِ وَإِنَّمَا الرُّوحُ مِنَ اللَّهِ فَنَزَلَتِ الْآيَةُ هَذَا تَلْخُيصُ كَلْامِ الْحَافِظِ (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ ربي) قَالَ الْخَازِنُ تَكَلَّمَ قَوْمٌ فِي مَاهِيةِ الرُّوحِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ الدَّمُ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِنْسَانَ إِذَا مَاتَ لَا يَفُوتُ مِنْهُ شَيْءٌ إِلَّا الدَّمُ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ نَفْسُ الْحَيَوَانِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَمُوتُ بِاحْتِبَاسِ النَّفْسِ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ عَرَضٌ وَقَالَ قَوْمٌ هُوَ جِسْمٌ لَطِيفٌ يحيى بِهِ الْإِنْسَانُ وَقِيلَ الرُّوحُ مَعْنًى اجْتَمَعَ فِيهِ النُّورُ وَالطِّبُ وَالْعِلْمُ وَاْلعُلُوُّ وَالْبَقَاءُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا يَكُونُ الْإِنْسَانُ مَوْصُوفًا بِجَمِيعِ هَذِهِ الصِّفَاتِ وَإِذَا خَرَجَ مِنْهُ ذَهَبَ الْكُلُّ وَأَقَاوِيلُ الْحُكَمَاءِ وَالصُّوفِيةِ فِي مَاهِيةِ الرُّوحِ كَثِيرَةٌ وَأَوْلَى الْأَقَاوِيلِ أَنْ يُوكَلَ عِلْمُهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ

стр. 4149

قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ إِنَّ اللَّهَ لَمْ يُطْلِعْ عَلَى الرُّوحِ مَلَكًا مُقَرَّبًا وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ (قُلِ الرُّوحُ مِنْ أمر ربي) أَيْ مِنْ عِلْمِ رَبِّي الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ (قالوا) أي لليهود (أُوتِينَا عِلْمًا كَبِيرًا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَثِيرًا مكان كبيرا (قل لو كان البحر) أَيْ مَاؤُهُ (مِدَادًا) هُوَ مَا يُكْتَبُ بِهِ (لِكَلِمَاتِ رَبِّي) الدَّالَّةِ عَلَى حُكْمِهِ وَعَجَائِبِهِ بِأَنْ تُكْتَبَ بِهِ (لَنَفِدَ الْبَحْرُ) فِي كِتَابَتِهَا وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ بِالتَّاءِ وَالْيَاءِ (تَفْرُغُ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ) أَيِ الْبَحْرِ (مَدَدًا) أَيْ زِيَادَةً وَلَمْ تَفْرُغْ هِيِ وَنَصْبُهُ عَلَى التَّمْيِيزِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا الْحَدِيثِ رِجَالُهُ رِجَالُ مُسْلِمٍ وَهُوَ عند بن إسحاق من وجه آخر عن بن عباس نحوه قوله (عن عبد الله) هو بن مَسْعُودٍ قَوْلُهُ (فِي حَرْثٍ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الراء بعدها مثلثة (وهو يتوكأ) أي تعتمد (عَلَى عَسِيبٍ) بِمُهْمَلَتَيْنِ وَآخِرُهُ مُوَحَّدَةٌ بِوَزْنِ عَظِيمٍ وَهِيَ الْجَرِيدَةُ الَّتِي لَا خُوصَ فِيهَا وَوَقَعَ في رواية بن حبان ومعه جريدة قال بن فَارِسٍ الْعُسْبَانُ مِنَ النَّخْلِ كَالْقُضْبَانِ مِنْ غَيْرِهَا (بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُودِ) هَذَا اللَّفْظُ مَعْرِفَةٌ تَدْخُلُهُ اللَّامُ تَارَةً وَتَارَةً يَتَجَرَّدُ وَحَذَفُوا مِنْهُ يَاءَ النِّسْبَةِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ مُفْرَدِهِ وَجَمْعِهِ كَمَا قَالُوا زِنْجٌ وَزِنْجِيٌّ (حَتَّى صَعِدَ الْوَحْيُ) أَيْ حَامِلُهُ (ثم قال الروح من أمر ربي

стр. 4150

قَالَ الرَّازِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ الْمُخْتَارُ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْحَيَاةِ وَأَنَّ الْجَوَابَ وَقَعَ عَلَى أَحْسَنِ الْوُجُوهِ وَبَيَانُهُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنِ الرُّوحِ يَحْتَمِلُ عَنْ مَاهِيَّتِه وَهَلْ هِيَ مُتَحَيِّزَةٌ أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ حَالَّةٌ فِي مُتَحَيِّزٍ أَمْ لَا وَهَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أو حادثة وهي تَبْقَى بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنَ الْجَسَدِ أَوْ تَفْنَى وَمَا حَقِيقَةُ تَعْذِيبِهَا وَتَنْعِيمِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مُتَعَلِّقَاتِهَا قَالَ وَلَيْسَ فِي السُّؤَالِ مَا يُخَصِّصُ أَحَدَ هَذِهِ الْمَعَانِي إِلَّا أَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُمْ سَأَلُوهُ عَنِ الْمَاهِيَّةِ وَهَلِ الرُّوحُ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ وَالْجَوَابُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا شَيْءٌ مَوْجُودٌ مُغَايِرٌ لِلطَّبَائِعِ وَالْأَخْلَاطِ وَتَرْكِيبُهَا فَهُوَ جَوْهَرٌ بَسِيطٌ مُجَرَّدٌ لَا يَحْدُثُ إِلَّا بِمُحْدِثٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى كُنْ فَكَأَنَّهُ قَالَ هِيَ مَوْجُودَةٌ مُحْدَثَةٌ بِأَمْرِ اللَّهِ وَتَكْوِينِهِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ فِي إِفَادَةِ الْحَيَاةِ لِلْجَسَدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِكَيْفِيَّتِهَا الْمَخْصُوصَةِ نَفْيُهُ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ مِنْ أَمْرِ رَبِّي الفعل كقوله وما أمر فرعون برشيد أَيْ فِعْلُهُ فيكون الْجَوَابُ الرُّوح مِنْ فِعْلِ رَبِّي إِنْ كَانَ السُّؤَالُ هَلْ هِيَ قَدِيمَةٌ أَوْ حَادِثَةٌ فَيَكُونُ الْجَوَابُ إِنَّهَا حَادِثَةٌ إِلَى أَنْ قَالَ وَقَدْ سَكَتَ السَّلَفُ عَنِ الْبَحْثِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ وَالتَّعَمُّقِ فِيهَا انْتَهَى (وَمَا أوتيتم من العلم إلا قليلا) أي بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِهِ تَعَالَى قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ قَوْلُهُ (عَنْ علي بن زيد) هو بن جَدْعَانَ (عَنْ أَوْسِ بْنِ خَالِدٍ) قَالَ فِي التَّقْرِيبِ أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ وَاسْمُ أَبِي أَوْسٍ خَالِدٌ الْحِجَازِيُّ يُكَنَّى أَبَا خَالِدٍ مَجْهُولٌ وَقِيلَ إِنَّهُ أَبُو الْجَوْزَاءِ فَإِنْ صَحَّ فَلَعَلَّ لَهُ كُنْيَتَيْنِ قَوْلُهُ (صِنْفًا مُشَاةً) بِضَمِّ الْمِيمِ جَمْعُ مَاشٍ وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ خَلَطُوا صَالِحَ أَعْمَالِهِمْ بِسَيِّئِهَا (وَصِنْفًا رُكْبَانًا) أَيْ عَلَى النُّوقِ وَهُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ وَهُمُ السَّابِقُونَ الْكَامِلُونَ الْإِيمَانَ وَإِنَّمَا بَدَأَ بِالْمُشَاةِ جَبْرًا لِخَاطِرِهِمْ كَمَا قِيلَ في قوله تعالى فمنهم ظالم لنفسه وَفِي قَوْلِهِ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إناثا أَوْ لِأَنَّهُمُ الْمُحْتَاجُونَ إِلَى الْمَغْفِرَةِ أَوَّلًا أَوْ لِإِرَادَةِ التَّرَقِّي وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ فَإِنْ قِيلَ لِمَ بَدَأَ بِالْمُشَاةِ بِالذِّكْرِ قَبْلَ أُولِي السَّابِقَةِ

стр. 4151

قُلْنَا لِأَنَّهُمْ هُمُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ (وَصِنْفًا عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَيْ يَمْشُونَ عَلَيْهَا وَهُمُ الْكُفَّارُ (قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَمْشُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَيْ وَالْعَادَةُ أَنْ يُمْشَى عَلَى الْأَرْجُلِ (قَالَ) إِنَّ الَّذِي أَمَشَاهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُمَشِّيهِمْ عَلَى وُجُوهِهِمْ يَعْنِي وَقَدْ أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ بِقَوْلِهِ (وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وجوههم عميا وبكما وصما) وَإِخْبَارُهُ حَقٌّ وَوَعْدُهُ صِدْقٌ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قدير فلا ينبغي أن يستعد مِثْلُ ذَلِكَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّهُمْ) أَيِ الْكُفَّارُ (يَتَّقُونَ) أَيْ يَحْتَرِزُونَ وَيَدْفَعُونَ (كُلَّ حَدَبٍ) أي مكان مرتفع (وشوكة) وَاحِدَةُ الشَّوْكِ وَهِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ خَارَ قَالَ الْقَاضِي ﵀ يَتَّقُونَ بِوُجُوهِهِمْ يُرِيدُ بِهِ بَيَانَ هَوَانِهِمْ وَاضْطِرَارِهِمْ إِلَى حَدٍّ جَعَلُوا وُجُوهَهُمْ مَكَانَ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ فِي التَّوَقِّي عَنْ مُؤْذِيَاتِ الطُّرُقِ وَالْمَشْيِ إِلَى الْمَقْصِدِ لَمَّا لَمْ يَجْعَلُوهَا سَاجِدَةً لِمَنْ خَلَقَهَا وَصَوَّرَهَا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) وأخرجه بن جرير وبن مَرْدَوَيْهِ وَالْبَيْهَقِيُّ (وَقَدْ رَوَى وُهَيْبُ) بْنُ خَالِدٍ (عن بن طَاوُسٍ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ أَبِيهِ) هُوَ كَيْسَانُ بْنُ سَعِيدٍ قَوْلُهُ (إِنَّكُمْ مَحْشُورُونَ رِجَالًا) بِكَسْرِ الرَّاءِ جَمْعُ رَاجِلٍ بِمَعْنَى مَاشٍ (تُجَرُّونَ) عَلَى وُجُوهِكُمْ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ الْجَرِّ أَيْ تُسْحَبُونَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَابِ شَأْنِ الْحَشْرِ مِنْ أَبْوَابِ صِفَةِ الْقِيَامَةِ وَتَقَدَّمَ هُنَاكَ تَخْرِيجُهُ

стр. 4152

قَوْلُهُ (إِنَّ يَهُودِيَّيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اذْهَبْ بِنَا إِلَخْ) تَقَدَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ مَعَ شَرْحِهِ فِي بَابِ قِبْلَةُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ أَبْوَابِ الِاسْتِئْذَانِ وَالْأَدَبِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ) هُوَ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ (عَنْ أَبِي بِشْرٍ) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ إِيَاسٍ (وَهُشَيْمٍ) بِالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى شُعْبَةَ (قَالَ نَزَلَتْ) أَيْ هَذِهِ الْآيَةُ (سَبَّهُ الْمُشْرِكُونَ) الضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ لِلْقُرْآنِ (وَمَنْ أَنْزَلَهُ) عَطْفٌ عَلَى الضَّمِيرِ الْمَنْصُوبِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ (وَمَنْ جاء بِهِ) أَيْ سَبُّوا الْقُرْآنَ وَاللَّهَ سُبْحَانَهُ وَجِبْرِيلَ (ولا تجهر بصلاتك) أَيْ لَا تُعْلِنْ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ إِعْلَانًا شَدِيدًا فَيَسْمَعُكَ الْمُشْرِكُونَ (فَيُسَبَّ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِتَقْدِيرِ أَنْ بَعْدَ الْفَاءِ (الْقُرْآنُ) نَائِبُ الْفَاعِلِ (ولا تخافت بها) أَيْ لَا تَخْفِضْ صَوْتَكَ بِالْقِرَاءَةِ (بِأَنْ تُسْمِعَهُمْ حَتَّى يَأْخُذُوا عَنْكَ الْقُرْآنَ) يَعْنِيَ اقْرَأِ الْقُرْآنَ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ أَصْحَابُكَ وَيَأْخُذُونَهُ عَنْكَ وَلَا يَسْمَعُهُ الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّونَهُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ هُشَيْمٍ عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ بن عباس موصولا

стр. 4153

قوله (ورسول الله مُخْتَفٍ بِمَكَّةَ) يَعْنِي فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ (لَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ أَيْ بِقِرَاءَتِكَ) وَهُوَ مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْكُلِّ وَإِرَادَةِ الْجُزْءِ (وَابْتَغِ) أَيِ اطْلُبْ (بين ذلك سبيلا) أَيْ طَرِيقًا وَسَطًا بَيْنَ الْجَهْرِ وَالْإِخْفَاءِ قَوْلُهُ (عن مسعر) هو بن كِدَامٍ (قَالَ لَا) أَيْ قَالَ حُذَيْفَةُ لَمْ يصل رسول الله فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَقَوْلُهُ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أنه لم يبلغه أحاديث صلاته فِيهِ (قُلْتُ بَلَى) أَيْ قَدْ صَلَّى فِيهِ (يَا أَصْلَعُ) هُوَ الَّذِي انْحَسَرَ الشَّعْرُ عَنْ رَأْسِهِ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ الصَّلَعُ مُحَرَّكَةٌ انْحِسَارُ شَعْرِ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ لِنُقْصَانِ مَادَّةِ الشَّعْرِ فِي تِلْكَ الْبُقْعَةِ وَقُصُورِهَا عَنْهَا وَاسْتِيلَاءِ الجفاف عَلَيْهَا (بِمَ تَقُولُ ذَلِكَ) أَيْ بِأَيِّ دَلِيلٍ تقول إنه ﷺ فِيهِ (قُلْتُ بِالْقُرْآنِ) أَيْ أَقُولُ بِالْقُرْآنِ (بَيْنِي

стр. 4154

وبينك القرآن) أي يحكم بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْقُرْآنُ وَيَفْصِلُ (مَنِ احْتَجَّ بِالْقُرْآنِ فَقَدْ أَفْلَحَ) أَيْ فَازَ بِمَرَامِهِ (قَالَ سُفْيَانُ) أَيْ فِي بَيَانِ مُرَادِ حُذَيْفَةَ بِقَوْلِهِ أَفْلَحَ (يَقُولُ) أَيْ حُذَيْفَةُ يَعْنِي يُرِيدُ (قَدِ احْتَجَّ) أَيْ أَتَى بِالْحُجَّةِ الصَّحِيحَةِ (وَرُبَّمَا قَالَ) أَيْ سُفْيَانُ (قَدْ فَلَجَ) مِنَ الْفَلْجِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِالْجِيمِ وَهُوَ الظَّفْرُ وَالْفَوْزُ وَفَلَجَ عَلَى خَصْمِهِ مِنْ بَابِ نَصَرَ كَذَا فِي مُخْتَارِ الصِّحَاحِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَفْلَحَ مِنْ بَابِ الْإِفْعَال وَهُوَ بِمَعْنَى الْفَلَجِ قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْفَلَجُ وَالظَّفْرُ وَالْفَوْزُ كَالْإِفْلَاجِ (فَقَالَ) أَيْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى) يعني إذ أسرى به إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى وَدَخَلَهُ فالظاهر أَنَّهُ قَدْ صَلَّى فِيهِ (قَالَ) أَيْ حُذَيْفَةُ (أَفَتَرَاهُ صَلَّى فِيهِ) يَعْنِي فِي هَذِهِ الْآيَةِ تَصْرِيحٌ لِصَلَاتِهِ (قُلْتُ لَا) يَعْنِي لَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ لَكِنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْآيَةِ أَنَّهُ صَلَّى فِيهِ (قَالَ لَوْ صَلَّى فِيهِ لَكُتِبَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ فِيهِ كَمَا كُتِبَتِ الصَّلَاةُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قَدْ أَجَابَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ عَنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ هَذَا فَقَالَ (وَالْجَوَابُ عَنْهُ مَنَعُ التَّلَازُمَ فِي الصَّلَاةِ إِنْ كَانَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْفَرْضُ وَإِنْ أَرَادَ التَّشْرِيعَ فَنَلْتَزِمُهُ وَقَدْ شَرَعَ النبي الصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَرَنَهُ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِهِ فِي شَدِّ الرِّحَالِ وَذَكَرَ فَضِيلَةَ الصَّلَاةِ فِيهِ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَأَوْثَقْتُ دَابَّتِي بِالْحَلَقَةِ الَّتِي كَانَتِ الْأَنْبِيَاءُ تَرْبِطُ بِهَا وَفِيهِ فَدَخَلْتُ أَنَا وَجِبْرِيلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَصَلَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا رَكْعَتَيْنِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَهُ وَزَادَ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَعَرَفْتُ النَّبِيِّينَ مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَسَاجِدٍ ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ وَفِي حَدِيثِ بن مسعود عند مسلم وحانت الصلاة فأمتهم انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مُخْتَصَرًا (بِدَابَّةٍ) هِيَ الْبُرَاقُ (طَوِيلَةِ الظَّهْرِ مَمْدُودَةٍ هَكَذَا) أَيْ أَشَارَ حُذَيْفَةُ لِطُولِ ظَهْرِهَا وَمَدَّ بِيَدِهِ (خَطْوُهُ) فِي الْقَامُوسِ خَطَا خَطْوًا مَشَى وَالْخُطْوَةُ وَيُفْتَحُ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ (مَدُّ بَصَرِهِ) أَيْ مُنْتَهَى بَصَرِهِ (فَمَا زَايَلَهَا ظَهْرُ الْبَرْقِ) أَيْ مَا فَارَقَ النَّبِيُّ وَجِبْرِيلُ ظَهْرَهُ فِي الْقَامُوسِ زَايَلَهُ مُزَايَلَةً وَزِيَالًا فَارَقَهُ انْتَهَى وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ كان راكبا مع النبي على

стр. 4155

البراق وفي صحيح بن حبان من حديث بن مَسْعُودٍ أَنَّ جِبْرِيلَ حَمَلَهُ عَلَى الْبُرَاقِ رَدِيفًا لَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْحَرْثِ فِي مُسْنَدِهِ أُتِيَ بِالْبُرَاقِ فَرَكِبَ خَلْفَ جِبْرِيلَ فَسَارَ بِهِمَا فَهَذَا صَرِيحٌ فِي رُكُوبِهِ مَعَهُ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ رُكُوبَ جِبْرِيلَ مَعَ النَّبِيِّ عَلَى الْبُرَاقِ (ثُمَّ رَجَعَا عَوْدُهُمَا عَلَى بَدْئِهِمَا) قَالَ فِي الْقَامُوسِ رَجَعَ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ وَعَوْدُهُ عَلَى بَدْئِهِ أَيْ لَمْ يَقْطَعْ ذَهَابَهُ حَتَّى وَصَلَهُ بِرُجُوعِهِ (وَيَتَحَدَّثُونَ أَنَّهُ رَبَطَهُ لِمَا لَيَفِرُّ مِنْهُ إِلَخْ) قَدْ أَجَابَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ قَوْلِ حُذَيْفَةَ هَذَا وَقَوْلِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَقَالَ الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي قال الْحَافِظُ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا يَعْنِي مَنْ أَثْبَتَ رَبْطَ الْبُرَاقِ وَالصَّلَاةَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ نَفَى ذَلِكَ فَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ الْبَزَّارِ لما كان ليلة أسري به فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فَخَرَقَهَا فَشَدَّ بِهَا الْبُرَاقَ وَنَحْوَهُ لِلتِّرْمِذِيِّ انْتَهَى وَقَوْلُهُ لِمَا يَعْنِي لِأَيِّ شَيْءٍ رَبَطَ الْبُرَاقَ ثُمَّ قَالَ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ لِيَفِرَّ مِنْهُ أَيْ هَلْ رَبَطَهُ لِخَوْفِ فِرَارِهِ مِنْهُ ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا سَخَّرَهُ إِلَخْ يَعْنِي لَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْفِرَارُ لِأَنَّهُ مُسَخَّرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى رَبْطِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ قَوْلُهُ (عَنْ أَبِي نَضْرَةَ) اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ قُطْنَةَ الْعَبْدِيُّ قَوْلُهُ (أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ) قَالَهُ إِخْبَارًا عَمَّا أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْفَضْلِ وَالسُّؤْدُدِ وَتَحَدُّثًا بِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَهُ وَإِعْلَامًا مِنْهُ لِأُمَّتِهِ لِيَكُونَ إِيمَانُهُمْ بِهِ عَلَى حَسْبِهِ وَمُوجِبِهِ وَلِهَذَا أَتْبَعَهُ بِقَوْلِهِ (وَلَا فَخْرَ) أَيْ أَنَّ هَذِهِ الْفَضِيلَةَ الَّتِي نِلْتُهَا كَرَامَةً مِنَ اللَّهِ لَمْ أَنَلْهَا مِنْ قِبَلِ نَفْسِي وَلَا بَلَغْتُهَا بِقُوَّتِي فَلَيْسَ لِي أَنْ أَفْتَخِرَ بِهَا قَالَهُ الْجَزَرِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا قَالَهُ امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى

стр. 4156

وأما بنعمه ربك فحدث وَثَانِيهِمَا أَنَّهُ مِنَ الْبَيَانِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ إِلَى أُمَّتِهِ لِيَعْرِفُوهُ وَيَعْتَقِدُوهُ وَيَعْمَلُوا بِمُقْتَضَاهُ في توقيره كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ انْتَهَى (لِوَاءُ الْحَمْدِ) اللِّوَاءُ بِالْكَسْرِ وَبِالْمَدِّ الرَّايَةُ وَلَا يُمْسِكُهَا إِلَّا صَاحِبُ الْجَيْشِ قَالَهُ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ قال الطِّيبِيُّ لِوَاءُ الْحَمْدِ عِبَارَةٌ عَنِ الشُّهْرَةِ وانفراده بالحمد على رؤوس الْخَلَائِقِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِحَمْدِهِ لِوَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَقِيقَةً يُسَمَّى لِوَاءَ الْحَمْدِ وَقَالَ التُّورْبَشْتِيُّ لَا مَقَامَ مِنْ مَقَامَاتِ عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ أَرْفَعُ وَأَعْلَى مِنْ مَقَامِ الْحَمْدِ وَدُونَهُ تَنْتَهِي سَائِرُ الْمَقَامَاتِ وَلَمَّا كَانَ نَبِيُّنَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ أَحْمَدَ الْخَلَائِقِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أُعْطِيَ لِوَاءَ الْحَمْدِ لِيَأْوِيَ إِلَى لِوَائِهِ الْأَوَّلُونَ وَالْآخَرُونَ وَإِلَيْهِ الإشارة بقوله آدَمُ وَمَنْ دُونَهُ تَحْتَ لِوَائِي انْتَهَى قُلْتُ حَمْلُ لِوَاءِ الْحَمْدِ عَلَى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ هُوَ الظَّاهِرُ بَلْ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ لِأَنَّهُ لَا يُصَارُ إِلَى الْمَجَازِ مَعَ إِمْكَانِ الْحَقِيقَةِ (وَمَا مِنْ نَبِيٍّ يَوْمَئِذٍ آدَمُ فَمَنْ سِوَاهُ إِلَّا تَحْتَ لِوَائِي) قَالَ الطِّيبِيُّ نَبِيٌّ نَكِرَةٌ وَقَعَتْ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَأُدْخِلَ عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِغْراقِيَّة فَيُفِيدُ استغراق الجنس وقوله آدم فمن إما أَوْ بَدَلٌ مِنْ مَحَلِّهِ وَمَنْ فِيهِ مَوْصُولَةٌ وَسِوَاهُ صِلَتُهُ وَصَحَّ لِأَنَّهُ ظَرْفٌ وَأُوثِرَ الْفَاءُ التَّفْصِيلِيَّةُ فِي فَمَنْ سِوَاهُ عَلَى الْوَاوِ لِلتَّرْتِيبِ على منوال قولهم الْأَمْثَلَ فَالْأَمْثَلَ (وَأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْأَرْضُ) أَيْ لِلْبَعْثِ فَلَا يَتَقَدَّمُ أَحَدٌ عَلَيْهِ بَعْثًا فَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ (فَيَفْزَعُ النَّاسُ ثَلَاثَ فَزَعَاتٍ) قال الْقُرْطُبِيُّ كَأَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ إِذَا جِيءَ بِجَهَنَّمَ فَإِذَا زَفَرَتْ فَزِعَ النَّاسُ حِينَئِذٍ وَجَثَوْا عَلَى رُكَبِهِمْ (إِنِّي أَذْنَبْتُ ذَنْبًا) يَعْنِي أَكْلَهُ مِنَ الشَّجَرَةِ وَقَدْ نُهِيَ عَنْهَا (أُهْبِطْتُ مِنْهُ) بِسَبَبِهِ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِقَوْلِهِ ذَنْبًا (فَيَقُولُ إِنِّي دَعَوْتَ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ دَعْوَةً فَأُهْلِكُوا) وَفِي رِوَايَةٍ إِنِّي دَعَوْتُ بِدَعْوَةٍ أَغْرَقَتْ أَهْلَ الْأَرْضِ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ قَوْلُهُ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ ديارا وفي رواية قال إنه لو كَانَتْ لِي دَعْوَةٌ دَعَوْتُ بِهَا عَلَى قَوْمِي وَفِي رِوَايَةٍ وَيَذْكُرُ سُؤَالَ رَبِّهِ مَا لَيْسَ له به علم قال الحافظ ويجمع بينه اعْتَذَرَ بِأَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا نَهْيُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ أَنْ يَسْأَلَ مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ شَفَاعَتُهُ لِأَهْلِ الْمَوْقِفِ مِنْ ذَلِكَ ثَانِيهِمَا أَنَّ لَهُ دَعْوَةً وَاحِدَةً مُحَقَّقَةَ الإجابة

стр. 4157

وَقَدِ اسْتَوْفَاهَا بِدُعَائِهِ عَلَى أَهْلِ الْأَرْضِ فَخَشِيَ أَنْ يَطْلُبَ فَلَا يُجَابَ (فَيَقُولُ إِنِّي كَذَبْتُ ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ) يَأْتِي بَيَانُ هَذِهِ الْكِذْبَاتِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ الْحَقُّ أَنَّ الْكَلِمَاتِ الثَّلَاثَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ مَعَارِيضِ الْكَلَامِ لَكِنْ لَمَّا كَانَتْ صُورَتُهَا صُورَةَ الْكَذِبِ أَشْفَقَ مِنْهَا اسْتِصْغَارًا لِنَفْسِهِ عَنِ الشَّفَاعَةِ مَعَ وُقُوعِهَا لِأَنَّ مَنْ كَانَ أَعْرَفَ بِاَللَّهِ وَأَقْرَبَ إِلَيْهِ منزلة كان أعظم خوفا (إلا ما حل بِهَا) بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ دَفَعَ وَجَادَلَ مِنَ الْمِحَالِ بِالْكَسْرِ وَهُوَ الْكَيْدُ وَقِيلَ الْمَكْرُ وَقِيلَ الْقُوَّةُ وَالشِّدَّةُ وَمِيمُهُ أَصْلِيَّةٌ وَرَجُلٌ مَحِلٌ أَيْ ذُو كَيْدٍ (فَيَقُولُ إِنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا) وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ إِنِّي قَتَلْتُ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ وَإِنْ يُغْفَرْ لِي الْيَوْمَ حَسْبِي (فَيَقُولُ إِنِّي عُبِدْتُ مِنْ دُونِ اللَّهِ) وَفِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ والنسائي من حديث بن عَبَّاسٍ إِنِّي اتُّخِذْتُ إِلَهًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَنَحْوَهُ وَزَادَ وَإِنْ يُغْفَرْ لِيَ الْيَوْمَ حَسْبِي (قَالَ بن جَدْعَانَ قَالَ أَنَسٌ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ قَالَ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا) أخذ بن جَدْعَانَ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ لَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلِذَا صَرَّحَ بِهِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فَيُقَالُ مَنْ هَذَا فَيُقَالُ مُحَمَّدٌ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ لَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ سُفْيَانُ بِقَوْلِهِ لَيْسَ عَنْ أَنَسٍ إِلَّا هَذِهِ الْكَلِمَةُ فَآخُذُ بِحَلْقَةِ بَابِ الْجَنَّةِ فَأُقَعْقِعُهَا (فَأُقَعْقِعُهَا) أَيْ أُحَرِّكُهَا لِتُصَوِّتَ وَالْقَعْقَعَةُ حِكَايَةُ حَرَكَةِ الشَّيْءِ يُسْمَعُ لَهُ صَوْتٌ (فَيَقُولُونَ مَرْحَبًا) هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ يُرَحِّبُونَ بِي (وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ التَّفْعِيلِ أَيْ تُقْبَلَ شَفَاعَتُك قَوْلُهُ (هذا حديث حسن) وأخرجه أحمد وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا التِّرْمِذِيُّ فِي

стр. 4158

أَوَائِلِ الْمَنَاقِبِ مُخْتَصَرًا قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أبي نضرة عن بن عباس الحديث بطوله) أخرجه أحمد ٩ - (باب وَمِنْ سُورَةِ الْكَهْفِ) مَكِّيَّةٌ وَهِيَ مِائَةٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ آيَةً (إِنَّ نَوْفًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الواو بعدها فاء هو بن فَضَالَةَ (الْبِكَالِيُّ) بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْكَافِ مُخَفَّفًا وَبَعْدَ الْأَلِفِ لَامٌ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى بَنِي بِكَالِ بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَوْفٍ بَطْنٌ من حمير ويقال إنه بن امرأة كعب الأحبار وقيل بن أَخِيهِ وَهُوَ تَابِعِيٌّ صَدُوقٌ (يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَيْسَ بِمُوسَى صَاحِبِ الْخَضِرِ) وفي رواية بن إِسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ قال كنت عند بن عَبَّاسٍ وَعِنْدَهُ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ بعضهم يا بن عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا يَزْعُمُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّ مُوسَى الَّذِي طَلَبَ الْعِلْمَ إِنَّمَا هُوَ موسى بن ميشا أي بن إفراثيم بن يوسف ﵇ فقال بن عَبَّاسٍ أَسَمِعْتَ ذَلِكَ مِنْهُ يَا سَعِيدُ قُلْتُ نعم قال كذب نوف قال بن إسحاق في المبتدأ كان موسى بن ميشاقيل مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ نَبِيًّا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ وَيَزْعُمُ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنَّهُ الَّذِي صَحِبَ الْخَضِرَ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَالَ كَذِبَ عَدُوُّ اللَّهِ) هَذَانِ اللَّفْظَانِ مَحْمُولَانِ عَلَى إِرَادَةِ الْمُبَالَغَةِ فِي الزَّجْرِ وَالتَّنْفِيرِ عَنْ تَصْدِيقِ تِلْكَ الْمُقَابَلَةِ قَالَ بن التين لم يرد بن عَبَّاسٍ إِخْرَاجَ نَوْفٍ عَنْ وِلَايَةِ اللَّهِ وَلَكِنْ قلوب العلماء تتنفر إذا سَمِعَتْ غَيْرَ الْحَقِّ فَيُطْلِقُونَ أَمْثَالَ هَذَا الْكَلَامِ لِقَصْدِ الزَّجْرِ وَحَقِيقَتُهُ غَيْرُ مُرَادَةٍ (فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) الْعَتْبُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى مَحْمُولٌ عَلَى ما

стр. 4159

يَلِيقُ بِهِ لَا عَلَى مَعْنَاهُ الْعُرْفِيِّ فِي الْآدَمِيِّينَ كَنَظَائِرِهِ (أَنَّ عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ) اخْتُلِفَ فِي مَكَانِ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ فَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ بَحْرُ فَارِسَ وَالرُّومِ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الحافظ في الفتح أقوال مُخْتَلِفَةً فِيهِ ثُمَّ قَالَ هَذَا اخْتِلَافٌ شَدِيدٌ (أَيْ رَبِّ) أَصْلُهُ رَبِّي حُذِفَتْ يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ لِلتَّخْفِيفِ اكْتِفَاءً بِالْكَسْرِ (فَكَيْفَ لِي بِهِ) أَيْ كَيْفَ الِالْتِقَاءُ لِي بِذَلِكَ الْعَبْدِ (أَحْمِلُ حُوتًا فِي مِكْتَلٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ قَالَ فِي الْقَامُوسِ هُوَ زِنْبِيلٌ يَسَعُ خَمْسَةَ عَشَرَ صَاعًا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي إِسْحَاقَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَقِيلَ لَهُ تَزَوَّدْ حُوتًا مَالِحًا قال الْحَافِظُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْحُوتَ كَانَ مَيِّتًا لِأَنَّهُ لَا يُمَلَّحُ وَهُوَ حَيٌّ (فَهُوَ ثَمَّ) بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ظَرْفٌ بِمَعْنَى هُنَاكَ وَقَالَتِ النُّحَاةُ هُوَ اسْمٌ يُشَارُ بِهِ إِلَى الْمَكَانِ الْبَعِيدِ أَيْ فَذَلِكَ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ (فَتَاهُ) أَيْ صَاحِبُهُ (وَهُوَ يُوشَعُ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ (بْنُ نُونٍ) مَصْرُوفٌ كَنُوحٍ وَيُوشَعُ بْنُ نُونٍ هَذَا مِنْ أَوْلَادِ يُوسُفَ ﵇ وَإِنَّمَا قَالَ فَتَاهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْدُمُهُ وَيَتْبَعُهُ وَقِيلَ كَانَ يَأْخُذُ الْعِلْمَ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي قَامَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى (حَتَّى إِذَا أَتَيَا الصَّخْرَةَ) أَيِ الَّتِي عِنْدَ مَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَالصَّخْرَةُ فِي اللُّغَةِ الْحَجَرُ الْكَبِيرُ (فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنْهُ جَرْيَةَ الْمَاءِ) أَيْ جَرَيَانَهُ (حَتَّى كَانَ مِثْلَ الطَّاقِ) الطَّاقُ مَا عُطِفَ مِنَ الْأَبْنِيَةِ أَيْ جُعِلَ كَالْقَوْسِ مِنْ قَنْطَرَةٍ وَنَافِذَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فِي الْمَاءِ فَجَعَلَ لَا يَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى صَارَ مِثْلَ الْكَوَّةِ (وَكَانَ لِلْحُوتِ سربا) أي مسلكا ومذهبا يسرب ويذهب فِيهِ (وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا) أَيْ شَيْئًا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ (آتِنَا غَدَاءَنَا) أَيْ طَعَامَنَا وَزَادَنَا (نَصَبًا) أَيْ شِدَّةً وَتَعَبًا (لَمْ يَنْصَبْ) أَيْ لَمْ يَتْعَبْ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ

стр. 4160

وفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ (أَرَأَيْتَ) أَيْ أَخْبِرْنِي (إِذْ) ظَرْفٌ بِمَعْنَى حِينَ وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ أَرَأَيْتَ مَا دَهَانِي إِذْ أَوَيْنَا إِلَخْ (ذَلِكَ) أَيْ فُقْدَانُ الْحُوتِ (مَا كُنَّا نَبْغِ) أَيْ هُوَ الَّذِي كَنا نَطْلُبُهُ لِأَنَّهُ عَلَامَةُ وُجْدَانِ الْمَقْصُودِ (فَارْتَدَّا) أَيْ رَجَعَا (عَلَى آثَارِهِمَا) أَيْ آثَارِ سَيْرِهِمَا (قَصَصًا) أَيْ يَقُصَّانِ قَصَصًا (يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا) قال فِي الْقَامُوسِ قَصَّ أَثَرَهُ قَصًّا وَقَصَصًا تَتَبَّعَهُ وَقَالَ فِيهِ (فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا) أَيْ رَجَعَا مِنَ الطَّرِيقِ الَّذِي سَلَكَاهُ يَقْتَصَّانِ الْأَثَرَ قَالَ سُفْيَانُ يَزْعُمُ نَاسٌ إِلَى قَوْلِهِ (فَلَمَّا قُطِرَ عَلَيْهِ الْمَاءُ عَاشَ) وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ قال سفيان وفي حديث غير عمر وقال وَفِي أَصْلِ الصَّخْرَةِ عَيْنٌ يُقَالُ لَهَا الْحَيَاةُ لَا يُصِيبُ مِنْ مَائِهَا شَيْءٌ إِلَّا حَيِيَ فَأَصَابَ الْحُوتُ مِنْ مَاءِ تِلْكَ الْعَيْنِ قَالَ فَتَحَرَّكَ وَانْسَلَّ مِنَ الْمِكْتَلِ فَدَخَلَ الْبَحْرَ قال الْحَافِظُ هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَ سُفْيَانُ أَنَّهَا في حديث غير عمر وقد أخرجها بن مَرْدَوَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُفْيَانَ مُدْرَجَةً فِي حَدِيثِ عَمْرٍو وَأَظُنُّ أَنَّ بن عُيَيْنَةَ أَخَذَ ذَلِكَ عَنْ قَتَادَةَ فَقَدْ أَخْرَجَ بن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ فَأَتَى عَلَى عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ يُقَالُ لَهَا عَيْنُ الْحَيَاةِ فَلَمَّا أَصَابَ تِلْكَ الْعَيْنَ رَدَّ اللَّهُ رُوحَ الْحُوتِ إِلَيْهِ وَقَدْ أَنْكَرَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا حَكَاهُ بن التِّينِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَقَالَ لَا أَرَى هَذَا يَثْبُتُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَهُوَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ وَقُدْرَتِهِ انْتَهَى وَقَوْلُهُ قَطَرَ عَلَيْهِ الْمَاءَ مِنَ الْقَطْرِ وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ جكيدن وجكانيدان لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ (مُسَجًّى) اسْمُ مَفْعُولٍ مِنَ التَّسْجِيَةِ أَيْ مُغَطًّى (فَسَلَّمَ عَلَيْهِ مُوسَى) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَكَشَفَ الثَّوْبَ عَنْ وَجْهِهِ وَقَالَ وَعَلَيْكُمُ السَّلَامُ (فَقَالَ أَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ) قَالَ الْحَافِظُ هِيَ بِمَعْنَى أَيْنَ أَوْ كَيْفَ وَهُوَ اسْتِفْهَامُ اسْتِبْعَادٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ تِلْكَ الْأَرْضِ لَمْ يَكُونُوا إِذْ ذَاكَ مُسْلِمِينَ (فَقَالَ أَنَا مُوسَى) فِي

стр. 4161

رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مَنْ أَنْتَ قَالَ أَنَا مُوسَى (إِنَّكَ عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لَا أَعْلَمُهُ) أَيْ لَا أَعْلَمُ جَمِيعَهُ (وَأَنَا عَلَى عِلْمٍ مِنَ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ) أَيْ لَا تَعْلَمُ جَمِيعَهُ وَتَقْدِيرُ ذَلِكَ مُتَعَيِّنٌ لِأَنَّ الْخَضِرَ كَانَ يَعْرِفُ مِنَ الْحُكْمِ الظَّاهِرِ مالا غِنًى بِالْمُكَلَّفِ عَنْهُ وَمُوسَى كَانَ يَعْرِفُ مِنَ الْحُكْمِ الْبَاطِنِ مَا يَأْتِيهِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ (رَشَدًا) صِفَةٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ عِلْمًا رَشَدًا أَيْ ذَا رَشَدٍ وَهُوَ مِنْ قَبِيلِ رَجُلٍ عَدْلٍ (إِنَّكَ لن تستطيع معي صبرا) كَذَا أُطْلِقَ بِالصِّيغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى اسْتِمْرَارِ النَّفْيِ لِمَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ مُوسَى لَا يَصْبِرُ عَلَى تَرْكِ الْإِنْكَارِ إِذَا رَأَى مَا يُخَالِفُ الشَّرْعَ لِأَنَّ ذَلِكَ شَأْنُ عِصْمَتِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْهُ مُوسَى عَنْ شَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدِّيَانَةِ بَلْ مَشَى مَعَهُ لِيُشَاهِدَ مِنْهُ مَا اطَّلَعَ بِهِ عَلَى مَنْزِلَتِهِ فِي الْعِلْمِ الَّذِي اخْتُصَّ بِهِ (وَكَيْفَ تَصْبِرُ) اسْتِفْهَامٌ عَنْ سُؤَالٍ تَقْدِيرُهُ لِمَ قُلْتَ أَنِّي لَا أَصْبِرُ وَأَنَا سَأَصْبِرُ قَالَ كَيْفَ تَصْبِرُ (عَلَى مَا لم تحط به خبرا) أَيْ عِلْمًا (فَانْطَلَقَ الْخَضِرُ وَمُوسَى يَمْشِيَانِ) لَمْ يَذْكُرْ فَتَى مُوسَى وَهُوَ يُوشَعُ لِأَنَّهُ تَابِعٌ غير مقصود بالأصالة (فكلما هم) أي أهل السفينة (بِغَيْرِ نَوْلٍ) بِفَتْحِ النُّونِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَهُوَ الْأُجْرَةُ (فَنَزَعَهُ) أَيْ قَلَعَهُ (إِمْرًا) أَيْ مُنْكَرًا قَالَهُ مُجَاهِدٌ أَوْ عَظِيمًا قَالَهُ قَتَادَةُ (لَا تؤاخذني بما نسيت) كَلِمَةُ مَا يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَيْ بِاَلَّذِي نَسِيتُ وَالْعَائِدُ مَحْذُوفٌ أَيْ نَسِيتُهُ وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَصْدَرِيَّةً أَيْ بِنِسْيَانِي وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ نَكِرَةً بِمَعْنَى شَيْءٍ أَيْ بِشَيْءٍ نَسِيتُهُ (لَا تُرْهِقْنِي) أَيْ لَا تُكَلِّفْنِي (عُسْرًا) أَيْ مَشَقَّةً فِي صُحْبَتِي إِيَّاكَ أَيْ عَامِلْنِي فِيهَا بِالْعَفْوِ وَالْيُسْرِ (فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَاقْتَلَعَهُ) وَفِي رواية للبخاري

стр. 4162

فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ ثُمَّ ذَبَحَهُ بالسكين ويجمع بينهما بأنه ذبحه ثم اقتله رأسه (أقتلت نفسا ذكية) أَيْ طَاهِرَةً مِنَ الذُّنُوبِ (بِغَيْرِ نَفْسٍ) أَيْ بِغَيْرِ قِصَاصٍ لَكَ عَلَيْهَا (نُكْرًا) أَيْ مُنْكَرًا وعن قتادة وبن كَيْسَانَ النُّكْرُ أَشَدُّ وَأَعْظَمُ مِنَ الْإِمْرِ (وَهَذِهِ أَشَدُّ مِنَ الْأُولَى) أَيْ أَوْكَدُ مِنَ الْأُولَى حَيْثُ زَادَ كَلِمَةَ لَكَ (فَلَا تُصَاحِبْنِي) أَيْ فارقني (قد بلغت من لدني عذرا) أَيْ بَلَغْتَ إِلَى الْغَايَةِ الَّتِي تُعْذَرُ بِسَبَبِهَا فِي فِرَاقِي (حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ) قِيلَ الْأَيْلَةُ وَقِيلَ أَنْطَاكِيَّةُ وَقِيلَ أَذْرَبِيجَانُ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ أَقْوَالًا عَدِيدَةً ثُمَّ قَالَ هَذَا الِاخْتِلَافُ قَرِيبٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الْمُرَادِ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ وَشِدَّةُ الْمُبَايَنَةِ فِي ذَلِكَ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَوْثُقَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ (أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا) أَيْ يُنْزِلُوهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَضْيَافِ (فِيهَا) أَيْ فِي الْقَرْيَةِ (يُرِيدُ أَنْ ينقض) هذا عن الْمَجَازِ لِأَنَّ الْجِدَارَ لَا يَكُونُ لَهُ حَقِيقَةُ إرادة أي قرب ودنى مِنَ الِانْقِضَاضِ وَهُوَ السُّقُوطُ وَاسْتَدَلَّ الْأُصُولِيُّونَ بِهَذَا عَلَى وُجُودِ الْمَجَازِ فِي الْقُرْآنِ وَلَهُ نَظَائِرُ مَعْرُوفَةٌ (يَقُولُ مَائِلٌ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (فَقَالَ الْخَضِرُ بِيَدِهِ هَكَذَا أَيْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِيَدِهِ وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ عَلَى الْفِعْلِ وَهَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَثِيرٌ (قَوْمٌ) أَيْ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ أو هم قوم (لاتخذت عليه أجرا) أَيْ أُجْرَةً وَجُعْلًا (قَالَ) أَيِ الْخَضِرُ لِمُوسَى (هَذَا فِرَاقُ) أَيْ وَقْتُ فِرَاقٍ (بَيْنِي وَبَيْنَكَ) فِيهِ إِضَافَةٌ بَيْنَ إِلَى غَيْرِ مُتَعَدِّدٍ سَوَّغَهَا تَكْرِيرُهُ بِالْعَطْفِ بِالْوَاوِ (سَأُنَبِّئُكَ) قَبْلَ فِرَاقِي (يَرْحَمُ الله موسى) إخبار ولكن والمراد مِنْهُ الْإِنْشَاءُ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ لَهُ بِالرَّحْمَةِ (الْأُولَى) صِفَةٌ مَوْصُوفُهَا مَحْذُوفٌ أَيِ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى (نِسْيَانًا) خَبَرُ كَانَتْ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ كَانَتِ الْأُولَى نِسْيَانًا وَالْوُسْطَى شَرْطًا وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا قَالَ الْعَيْنِيُّ قَوْلُهُ نِسْيَانًا حَيْثُ قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتَ وَشَرْطًا حَيْثُ قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا وَعَمْدًا حَيْثُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (وَجَاءَ عُصْفُورٌ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ طَيْرٌ مَشْهُورٌ وَقِيلَ هُوَ الصُّرَدُ (عَلَى

стр. 4163

حَرْفِ السَّفِينَةِ) أَيْ عَلَى طَرَفِهَا (مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ) لَفْظُ النَّقْصِ ليس له ظَاهِرِهِ لِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ لَا يَدْخُلُهُ النَّقْصُ فَقِيلَ مَعْنَاهُ لَمْ يَأْخُذْ وَهَذَا تَوْجِيهٌ حَسَنٌ وَيَكُونُ التَّشْبِيهُ وَاقِعًا عَلَى الْأَخْذِ لَا عَلَى الْمَأْخُوذِ مِنْهُ وَأَحْسَنُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِلْمِ الْمَعْلُومُ بِدَلِيلِ دُخُولِ حَرْفِ التَّبْعِيضِ لِأَنَّ الْعِلْمَ الْقَائِمَ بِذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى صِفَةٌ قَائِمَةٌ لَا تَتَبَعَّضُ وَالْمَعْلُومُ هُوَ الَّذِي يَتَبَعَّضُ وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْمُرَادُ أَنَّ نَقْصَ الْعُصْفُورِ لَا يَنْقُصُ الْبَحْرَ بِهَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ كَمَا قِيلَ وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ أَيْ لَيْسَ فِيهِمْ عَيْبٌ وَحَاصِلُهُ أَنَّ نَفْيَ النَّقْصِ أُطْلِقَ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ وَقِيلَ إِلَّا بِمَعْنَى وَلَا أَيْ وَلَا كَنَقْرَةِ هذا العصفور وقد وقع في رواية بن جُرَيْجٍ بِلَفْظٍ أَحْسَنَ سِيَاقًا مِنْ هَذَا وَأَبْعَدَ إِشْكَالًا فَقَالَ مَا عِلْمِي وَعِلْمُكَ فِي جَنْبِ عِلْمِ اللَّهِ إِلَّا كَمَا أَخَذَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ وَهُوَ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ الَّذِي وَقَعَ هُنَا كَذَا فِي الْفَتْحِ (يَقْرَأُ وَكَانَ أَمَامَهُمْ) وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ وَكَانَ وَرَاءَهُمْ (مَلِكٌ يَأْخُذُ كل سفينة صالحة) كذا كان يقرأ بن عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ صَالِحَةٍ بَعْدَ كُلَّ سَفِينَةٍ وَكَذَا كَانَ يَقْرَأُ أُبَيٌّ فَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ وَكَانَ أُبَيٌّ يَقْرَأُ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا وَفِي رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سُفْيَانَ وكان بن مَسْعُودٍ يَقْرَأُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَحِيحَةٍ غَصْبًا (وَكَانَ يقرأ) أي بن عَبَّاسٍ (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ كَافِرًا) وَالْقِرَاءَةُ الْمَشْهُورَةُ وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ فَوْقَ الْعَشَرَةِ وَمُسْلِمٌ فِي أَحَادِيثِ الْأَنْبِيَاءِ وَالنَّسَائِيُّ (قَالَ أَبُو مُزَاحِمٍ السَّمَرْقَنْدِيُّ) اسْمُهُ سباع بكسر السين المهملة بعدها

стр. 4164

موحدة بن النَّضْرِ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ (وَلَيْسَتْ لِي هِمَّةٌ) بِالْكَسْرِ وَيُفْتَحُ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ أَمْرٍ لِيَفْعَلَ وَأُوِّلَ الْعَزْمُ وَالْعَزْمُ الْقَوِيُّ (إِلَّا أَنْ أَسْمَعَ مِنْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْخَبَرَ) أَيْ لَفْظَ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا (حَتَّى سَمِعْتُهُ) أَيْ سُفْيَانَ (يَقُولُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَقَدْ كُنْتَ سَمِعْتَ هَذَا) أَيْ هَذَا الْحَدِيثَ (مِنْ سُفْيَانَ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَمْ يَذْكُرِ الْخَبَرَ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْ سُفْيَانُ لَفْظَ حَدَّثَنَا أَوْ أَخْبَرَنَا بَلْ ذَكَرَ لَفْظَ عَنْ أو اقل أو نحوهما وإنما لم يقنع بن الْمَدِينِيِّ عَلَى مَا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ سُفْيَانَ بِغَيْرِ لَفْظِ الْخَبَرِ لِأَنَّهُ كَانَ يُدَلِّسُ وَإِنْ كَانَ تَدْلِيسُهُ مِنَ الثِّقَاتِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْحَافِظُ فِي طَبَقَاتِ الْمُدَلِّسِينَ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبَّاسٍ) الشِّبَامِيُّ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ خَفِيفَةٍ نَزَلَ الْكُوفَةَ صَدُوقٌ يَتَشَيَّعُ مِنَ السَّابِعَةِ قَوْلُهُ (طُبِعَ يَوْمَ طُبِعَ كَافِرًا) أَيْ خُلِقَ يَوْمَ خُلِقَ كَافِرًا يَعْنِي خُلِقَ عَلَى أَنَّهُ يَخْتَارُ الْكُفْرَ فَلَا يُنَافِي خَبَرَ كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ إِذِ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ اسْتِعْدَادُ قَبُولِ الْإِسْلَامِ وَهُوَ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ شَقِيًّا فِي جِبِلَّتِهِ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وبن جَرِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى) هُوَ الْبَلْخِيُّ (إِنَّمَا سُمِّيَ الْخَضِرُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ أَوْ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ ثَبَتَتْ بِهِمَا الرِّوَايَةُ وَبِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَاللَّامِ فِيهِ وَبِحَذْفِهِمَا قَالَهُ الْحَافِظُ (جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ) زَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ بَعْدَ أن أخرجه الفروة الحشيش الأبيض وما

стр. 4165

أشبهه قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ أَظُنُّ هَذَا تَفْسِيرًا مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ انْتَهَى وَجَزَمَ بِذَلِكَ عِيَاضٌ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ الْفَرْوَةُ مِنَ الْأَرْضِ قِطْعَةٌ يَابِسَةٌ مِنْ حَشِيشٍ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وعن بن الْأَعْرَابِيِّ الْفَرْوَةُ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ وَبِهَذَا جَزَمَ الْخَطَّابِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ (فَاهْتَزَّتْ) أَيْ تَحَرَّكَتِ الْفَرْوَةُ (خَضْرَاءَ) بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ أَوْ فَكَسْرٍ مُنَوَّنًا أَيْ نَبَاتًا أَخْضَرَ نَاعِمًا وَهُوَ إِمَّا تَمْيِيزٌ أَوْ حَالٌ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ خَضْرَاءُ عَلَى زِنَةِ حَمْرَاءَ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ البخاري وغيره قَوْلُهُ (عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ) كَذَا وَقَعَ فِي النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ بِذِكْرِ لَفْظِ حَدِيثٍ بَيْنَ عَنْ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِحَذْفِهِ وَكَذَلِكَ وقع في مسند أحمد وسنن بن مَاجَهْ قَوْلُهُ (فِي السَّدِّ) أَيِ الَّذِي بَنَاهُ ذُو الْقَرْنَيْنِ (يَحْفِرُونَهُ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَالْمَنْصُوبُ لِلسَّدِّ (قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمْ) أَيِ الَّذِي هُوَ أَمِيرٌ عَلَيْهِمْ (فَيُعِيدُهُ) أَيِ السَّدَّ الْمَخْرُوقَ (كَأَمْثَلِ مَا كَانَ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ كَأَشَدِّ مَا كَانَ (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مُدَّتَهُمْ) وَفِي رواية بن مَاجَهْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ أَيِ الْمُدَّةُ التي قدرت لهم (واستثنى) أي قال إنشاء الله (قال) أي رسول الله (فيستقون المياه) وفي رواية بن مَاجَهْ فَيُنَشِّفُونَ الْمَاءَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَيَشْرَبُونَ مِيَاهَ الْأَرْضِ (وَيَفِرُّ النَّاسُ منهم) وفي رواية بن مَاجَهْ وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ وَفِي حديث أبي سعيد عند بن مَاجَهْ وَيَنْحَازُ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى تَصِيرَ بَقِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَدَائِنِهِمْ وَحُصُونِهِمْ (فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدِّمَاءِ) أَيْ فَتَرْجِعُ السِّهَامُ مَصْبُوغَةً بِالدِّمَاءِ إِلَيْهِمْ (وَعَلَوْنَا من في

стр. 4166

السَّمَاءِ) أَيْ غَلَبْنَاهُمْ (قَسْوَةً وَعُلُوًّا) أَيْ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ غِلْظَةً وَفَظَاظَةً وَتَكَبُّرًا (فَيَبْعَثُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ نَغَفًا) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ دُودٌ يَكُونُ فِي أُنُوفِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ جَمْعُ نَغَفَةٍ (فِي أَقْفَائِهِمْ) جَمْعُ قَفًا وَهُوَ وَرَاءَ الْعُنُقِ وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فِي رِقَابِهِمْ (فيهلكون) وفي حديث أبي سعيد عند بن مَاجَهْ فَيَمُوتُونَ مَوْتَ الْجَرَادِ وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَيُصْبِحُونَ فَرْسَى كَمَوْتِ نَفْسً وَاحِدَةٍ (إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ تَسْمَنُ) مِنَ السِّمَنِ ضِدُّ الْهُزَالِ (وَتَبْطَرُ) مِنَ الْبَطَرِ مُحَرَّكَةٌ النَّشَاطُ وَالْأَشَرُ (وَتَشْكَرُ) يُقَالُ شَكَرَتِ النَّاقَةُ امْتَلَأَ ضَرْعُهَا لَبَنًا وَالدَّابَّةُ سَمِنَتْ وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ الثَّلَاثَةُ مِنْ بَابِ سَمِعَ يَسْمَعُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وبن مَاجَهْ قَوْلُهُ (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ) أبو عثمان الْبَصْرِيُّ (قَالَ أَخْبَرَنِي أَبِي) هُوَ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَكَمِ الْأَنْصَارِيِّ ثِقَةٌ مِنَ الثالثة (عن بن مِينَاءَ) اسْمُهُ زِيَادٌ مَقْبُولٌ مِنَ الثَّالِثَةِ (عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ) قَالَ فِي تَهْذِيبِ التَّهْذِيبِ أَبُو سَعْدِ بْنُ أَبِي فَضَالَةَ الْأَنْصَارِيُّ الْحَارِثِيُّ وَيُقَالُ أَبُو سَعِيدِ بْنُ فَضَالَةَ بْنِ أَبِي فَضَالَةَ الْمَدَنِيِّ رَوَى عَنِ النَّبِيِّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَغْنَى الشُّرَكَاءِ إِلَخْ رَوَى عنه زياد بن ميناء ذكره بن سَعْدٍ فِي طَبَقَةِ أَهْلِ الْخَنْدَقِ قَوْلُهُ (لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) أَيْ لِيَجْزِيَهُمْ فِيهِ (لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ) أَيْ فِي وُقُوعِ ذَلِكَ الْيَوْمِ (أَحَدًا) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولُ أَشْرَكَ أَيْ أَحَدًا غَيْرَ اللَّهِ (فَإِنَّ اللَّهَ أَغْنَى الشُّرَكَاءِ) أَيْ هُوَ أَغْنَى مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ عَلَى فَرْضِ أَنَّ لَهُمْ غِنًى (عَنِ الشِّرْكِ) أَيْ عَمَّا يُشْرِكُونَ بِهِ مِمَّا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ فِي قَصْدِ الْعَمَلِ وَالْمَعْنَى مَا يَقْبَلُ إِلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِوَجْهِهِ وَابْتِغَاءً لِمَرْضَاتِهِ فَاسْمُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ

стр. 4167

مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى الْمَفْعُولِ وَهَذَا الْحَدِيثُ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ هَا هُنَا فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا قوله (هذا حديث غريب) وأخرجه أحمد وبن ماجه وبن حبان في صحيحه والبيهقي قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ الْجَزَرِيُّ) الرَّسْعَنِيُّ أَبُو الْفَضْلِ وَيُقَالُ لَهُ الرَّاسِبِيُّ صَدُوقٌ حَافِظٌ مِنَ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (أَخْبَرَنَا صَفْوَانُ بْنُ صَالِحٍ) الثَّقَفِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ الْمَلِكِ الدِّمَشْقِيُّ ثِقَةٌ وَكَانَ يُدَلِّسُ تَدْلِيسَ التَّسْوِيَةِ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ يَزِيدَ بْنِ يُوسُفَ) الرَّحَبِيِّ (الصَّنْعَانِيُّ) صَنْعَاءُ دِمَشْقُ ضَعِيفٌ مِنَ التَّاسِعَةِ قَوْلُهُ (وَكَانَ تحته كنز لهما قَالَ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْكَنْزَ كَانَ ذَهَبًا وَفِضَّةً وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيهِ فَقَالَ قَتَادَةُ وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ كَانَ تَحْتَهُ مَالٌ مَدْفُونٌ لَهُمَا وَهَذَا ظَاهِرُ السياق من الآية وهو اختيار بن جَرِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ بن عَبَّاسٍ كَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ عِلْمٌ كَذَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَقَالَ مُجَاهِدٌ صُحُفٌ فِيهَا عِلْمٌ قُلْتُ لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ عِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ هُوَ الظَّاهِرُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ هَذَا وَفِي سَنَدِهِ يَزِيدُ بْنُ يُوسُفَ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ والحاكم وصححه

стр. 4168

٢٠ - (باب وَمِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ) مَكِّيَّةٌ أَوْ إِلَّا سَجْدَتُهَا فَمَدَنِيَّةٌ أَوْ إِلَّا (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) آيَتَيْنِ فَمَدَنِيَّتَانِ وَهِيَ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ آية قوله (حدثنا بن إِدْرِيسَ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِدْرِيسَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَوْلُهُ (إِلَى نَجْرَانَ) قَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْيَمَنِ انْتَهَى وَقَالَ فِي الْقَامُوسِ نَجْرَانُ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ فُتِحَ سَنَةَ عَشْرٍ سُمِّيَ بِنَجْرَانَ بْنِ زَيْدَانَ بْنِ سَبَأٍ وَمَوْضِعٌ بِالْبَحْرَيْنِ موضع بِحُورَانَ قُرْبِ دِمَشْقَ وَمَوْضِعٌ بَيْنَ الْكُوفَةِ وَوَاسِطٍ انتهى (فقالوا) أي أهل نجران (ألستم تقرأون) أَيْ فِي الْقُرْآنِ فِي سُورَةِ مَرْيَمَ (يَا أخت هارون) وَبَعْدَهُ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كانت أمك بغيا قال بن كَثِيرٍ أَيْ يَا شَبِيهَةَ هَارُونَ فِي الْعِبَادَةِ أَنْتِ مِنْ بَيْتٍ طَيِّبٍ طَاهِرٍ مَعْرُوفٍ بِالصَّلَاحِ وَالْعِبَادَةِ وَالزَّهَادَةِ فَكَيْفَ صَدَرَ هَذَا مِنْكِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ وَالسُّدِّيُّ قِيلَ لَهَا أُخْتُ هَارُونَ أَيْ أَخِي مُوسَى وَكَانَتْ مِنْ نَسْلِهِ كَمَا يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ يَا أَخَا تَمِيمٍ وَالْمُضَرِيِّ يَا أَخَا مُضَرَ وَقِيلَ نُسِبَتْ إِلَى رَجُلٍ صَالِحٍ كَانَ فِيهِمُ اسْمُهُ هَارُونُ فَكَانَتْ تَتَأَسَّى بِهِ فِي الزَّهَادَةِ وَالْعِبَادَةِ انْتَهَى (وَقَدْ كَانَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى مَا كَانَ) أَيْ مِنْ طُولِ الزَّمَانِ مَا لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مَرْيَمُ ﵍ أُخْتًا لِهَارُونَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ (أَلَّا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ حَرْفُ التَّحْضِيضِ أَيْ هَلَّا (أَخْبَرْتَهُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ بِأَنْبِيَائِهِمْ وَالصَّالِحِينَ قَبْلَهُمْ) يَعْنِي أَنَّ هَارُونَ الْمَذْكُورَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (يَا أخت هارون) لَيْسَ هُوَ هَارُونَ النَّبِيَّ أَخَا مُوسَى عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَلِ الْمُرَادُ بِهَارُونَ هَذَا رَجُلٌ آخَرُ مُسَمًّى بِهَارُونَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمُّونَ أَوْلَادَهُمْ بأسماء الأنبياء والصالحين قبلهم قال بن جَرِيرٍ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي السَّبَبِ الَّذِي قِيلَ لَهَا يَا

стр. 4169

أُخْتَ هَارُونَ وَمَنْ كَانَ هَارُونُ هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ نَسَبُوا مَرْيَمَ إِلَى أنها أخته فقال بعضهم قيل لها هَارُونُ نِسْبَةً مِنْهُمْ لَهَا إِلَى الصَّلَاحِ لِأَنَّ أَهْلَ الصَّلَاحِ فِيهِمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ هَارُونَ وَلَيْسَ بِهَارُونَ أَخِي مُوسَى ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَنِيَ به هارون أخو مُوسَى وَنُسِبَتْ مَرْيَمُ إِلَى أَنَّهَا أُخْتُهُ لِأَنَّهَا مِنْ وَلَدِهِ يُقَالُ لِلتَّمِيمِيِّ يَا أَخَا تَمِيمٍ وَلِلْمُضَرِيِّ يَا أَخَا مُضَرَ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ قَالَ بِهَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ كَانَ ذَلِكَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَاسِقًا مُعْلِنَ الْفِسْقِ فَنَسَبُوهَا إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ مَا جَاءَ بِهِ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (يَعْنِي حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ هَذَا) وَإِنَّهَا نُسِبَتْ إِلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهَا انْتَهَى مُلَخَّصًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ قَوْلُهُ (وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ) يَعْنِي خَوِّفْ يَا مُحَمَّدٌ الْخَلَائِقَ يَوْمَ الْحَسْرَةِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسِيءَ يَتَحَسَّرُ هَلَّا أَحْسَنَ الْعَمَلَ وَالْمُحْسِنُ هَلَّا زَادَ فِي الْإِحْسَانِ (يُؤْتَى بِالْمَوْتِ كَأَنَّهُ كَبْشٌ أَمْلَحُ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي بَابِ خُلُودِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَهْلِ النَّارِ (حَتَّى يُوقَفَ عَلَى السُّورِ) أَيْ سُورِ الْأَعْرَافِ (فَيَشْرَئِبُّونَ) بِمُعْجَمَةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ موحدة ثقيلة مضمومة من الأشريباب أي يمدون أعناقهم ويرفعون رؤوسهم للنظر (الحياة والبقاء) أي الخلود (فرحا محركة أَيْ سُرُورًا (فِيهَا) أَيْ فِي النَّارِ (تَرَحًا) بِفَتْحَتَيْنِ ضِدُّ الْفَرَحِ أَيْ هَمًّا وَحُزْنًا قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالشَّيْخَانِ والنسائي

стр. 4170

قَوْلُهُ (حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ) بْنِ بَهْرَامَ التميمي (حدثنا شيبان) هو بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ قَوْلُهُ (وَرَفَعْنَاهُ) أَيْ إِدْرِيسُ (مَكَانًا عَلِيًّا) وَهُوَ السَّمَاءُ الرَّابِعَةُ وَلَا شَكَّ فِي كَوْنِهَا مَكَانًا عَلِيًّا وَاسْتُشْكِلَ بِأَنَّ غَيْرَهُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَرْفَعُ مَكَانًا مِنْهُ وَهَذَا الِاسْتِشْكَالُ لَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ أَعْلَى مِنْ كُلِّ أَحَدٍ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ لَمْ يُرْفَعْ إِلَى السَّمَاءِ مَنْ هُوَ حَيٌّ غَيْرُهُ وَرُدَّ بِأَنَّ عِيسَى ﵊ أَيْضًا قَدْ رُفِعَ وَهُوَ حَيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ الْحَافِظُ وَكَوْنُ إِدْرِيسَ رُفِعَ وَهُوَ حَيٌّ لَمْ يَثْبُتْ مِنْ طَرِيقٍ مَرْفُوعَةٍ قَوِيَّةٍ (لَمَّا عُرِجَ بِي رَأَيْتُ إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ) هَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى إِدْرِيسَ فِي السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ قَوْلُهُ (هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ) وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلًا قَوْلُهُ (وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ) أَخْرَجَهُ بن مَرْدَوَيْهِ نَحْوَ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ قَوْلُهُ (وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ وَهَمَّامٌ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ إِلَخْ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ (وَهَذَا عِنْدِي مُخْتَصَرٌ مِنْ ذَلِكَ) أَيْ حَدِيثُ أَنَسٍ الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ مُخْتَصَرٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ الطَّوِيلِ قَوْلُهُ (حدثنا عمر بن ذر) الهمداني المرهبي (عن أبيه) هو ذر بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُرْهِبِيُّ
следующие страницы →